عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎)، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَولِكُمْ أَو بَعْضِ قَولِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ (^١).
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! يَا خَيرَنَا وَابْنَ خَيرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قُولُوا بِقَولِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ ﷿). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٨٠٦). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٨٠٦).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٢٥٥١)، وَالنَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٠٠٧). غَايَةُ المَرَامِ (١٢٧).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنَ َالغُلُوِّ.
الثَّانِيَةُ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مَنْ قِيلَ لَهُ: (أَنْتَ سَيِّدُنَا).
الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: «لَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ» مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا إِلَّا الحَقَّ.
الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: «مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَنْزِلَتِي».
[ ٢ / ٥٣١ ]
الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ سَدُّ النَّبِيِّ ﷺ ذَرَائِعَ الشِّرْكِ مِنْ جِهَةِ التَّمَادِي فِي الأَلْفَاظِ.
- سَبَقَ مَعَنَا بَابٌ مُشَابِهٌ وَهُوَ بَابُ (مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ المُصْطَفَى جَنَابَ التَّوحِيدِ وَسَدِّهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوَصِّلُ إِلَى الشِّرْكِ)، وَالفَرْقُ بَينَ البَابَينِ أَنَّ الأَوَّلَ فِيهِ حِمَايَةُ التَّوحِيدِ مِنْ جِهَةِ الأَفْعَالِ، وَهَذَا البَابُ فِيهِ حِمَايَتُهُ مِنْ جِهَةِ الأَقْوَالِ.
- قَولُهُ: «السَّيِّدُ» هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: ذُو السُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ، وَالسُّؤْدُدُ مَعْنَاهُ: العَظَمَةُ وَالفَخْرُ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَهُوَ مِنْ مَعَانِي اسْمِ الصَّمَدِ.
- المَقْصُودُ بِقَولِهِ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎) أَنَّ السَّيِّدَ الحَقِيقِيَّ المَالِكَ لِكُلِّ شَيءٍ هُوَ اللهُ تَعَالَى، وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (^١)، وَلَكِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا خَافَ مِنَ الغُلُوِّ حَيثُ لَاحَظَ الإِطْرَاءَ وَالمَدْحَ فِي كَلَامِهِم فَأَرْشَدَهُم إِلَى السَّيِّدِ الحَقِيقِيِّ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، وَفِي ذَلِكَ تَوَاضُعٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (^٢)، وَقَدْ أَخْبَرَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ
_________________
(١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٢٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) قَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀: "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣٦٩) فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي كُرَيبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا أَيضًا مَذْهَبَ التَّوَاضُعِ، وَكَانَ يُشِيرُ إِلَى النَّهْي عَنِ المُبَالَغَةِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيهِ فِي وَجْهِهِ تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ ﷿، فَقَالَ لِوَفْدِ بَنِي عَامِرٍ حِينَ قَالُوا لَهُ: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَذُو الطَّولِ عَلَينَا، فَقَالَ: «مَهْ مَهْ، قُولُوا بِقَولِكُم، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ، السَّيِّدُ اللهُ ﷿)، وَقَالَ ﷺ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» ". دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ (٥/ ٤٩٧).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
شَيءٍ مِنْ تَوَاضُعِهِ ﵊ فَقَالَتْ: (كَانَ يَفْلِي ثَوبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ) (^١).
وَأَيضًا فِي الأَحَادِيثِ نَهْيٌ عَنِ الغُلُوِّ فِيهِ ﷺ بِرَفْعِهِ فَوقَ مَنْزِلَتِهِ؛ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الحَدِيثِ (^٢).
- قَولُهُ: (وَأَعْظَمُنَا طَولًا): أَي: عَطَاءً لِلأَحِبَّاءِ وَعُلَوًّا عَلَى الأَعْدَاءِ (^٣)، وَالطَّولُ أَيضًا الشَّرَفُ والغِنَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ [النِّسَاء: ٢٥]، وَيَكُونُ بِمَعْنَى العَظَمَةِ أَيضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غَافِر: ٣]، أَي: ذِي العَظَمَةِ وَالغِنَى.
- قَولُهُم: (وَابْن خَيرِنَا): أَي: فِي النَّسَبِ لَا فِي المَقَامِ وَالحَالِ (^٤)، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي قَولِهِ: (وَابْنَ سَيِّدِنَا).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٦١٩٤) عَنْ عَائِشَةَ مَوقُوفًا. الصَّحِيحَةُ (٦٧١).
(٢) قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ٢٤٧): "وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الحَدِيثِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عَيسَى بْنَ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» فَمَعْنَاهُ: لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيسَ فِيَّ مِنَ الصِّفَاتِ -تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي- كَمَا وَصَفَتِ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللهِ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ امْرَأً فَوقَ حَدِّهِ وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيسَ فِيهِ فَمُعْتَدٍ آثِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَو جَازَ فِي أَحَدٍ لَكَانَ أَولَى الخَلْقِ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ".
(٣) عَونُ المَعْبُودِ (١٣/ ١١٣).
(٤) كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٠٣) عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَينَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ». فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
[ ٢ / ٥٣٣ ]
- قَولُهُ: «قُولُوا بِقَولِكُمْ» "أَي: قُولُوا بِقَولِ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ؛ وَادْعُونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا كَمَا سَمَّانِي اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَلَا تُسَمُّونِي سَيِّدًا كَمَا تُسَمُّونَ رُؤَسَاءَكُمْ وَعُظَمَاءَكُمْ، وَلَا تَجْعَلُونِي مِثْلَهُم فَإِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِهِمْ؛ إِذْ كَانُوا لَيَسُودُونَكُم فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا؛ وَأَنَا أَسُودُكُمْ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَسَمُّونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا" (^١).
- قَولُهُ: «أَو بَعْضِ قَولِكُمْ» فِيهِ حَذْفٌ وَاخْتِصَارٌ؛ وَمَعْنَاهُ: دَعُوا بَعْضَ قَولِكُمْ وَاتْرُكُوهُ وَاقْتَصَدُوا فِيهِ بِلَا إِفْرَاطٍ، أَو دَعُوا: (سَيِّدًا) وَقُولُوا: (نَبِيًّا وَرَسُولًا).
- قَولُهُ: «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ» اسْتَجْرَاهُ بِمَعْنَى: جَذَبَهُ وَجَعَلَهُ يَجْرِي مَعَهُ، أَي: لَا يَسْتَمِيلَنَّكُمُ الشَّيطَانُ وَيَجْذِبَنَّكُم إِلَى أَنْ تَقُولُوا قَولًا مُنْكَرًا، وَمِثْلُهُ أَيضًا: (وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ) هُوَ مِنَ الهَوَى: أَي المَحَبَّةِ وَالمَيلِ، وَقِيلَ مِنَ الهُوِيِّ: وَهُوَ الوَقُوعُ.
- فَائِدَة ١: مَدْحُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (^٢)، إِلَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ تُؤْمَنُ عَلَيهِ
_________________
(١) عَونُ المَعْبُودِ (١٣/ ١١٢). وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ) (١/ ٧٣٩): "يُرِيدُ: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُم مِنَ القَولِ، وَلَا تَتَكَلَّفُوهُ كَأَنَّكُم وُكَلَاءُ الشَّيطَانِ وَرُسُلُهُ تَنْطقُونَ عَنْ لِسَانِهِ"!
(٢) بَوَّبَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٤/ ٢٢٩٧): (بَابُ النَّهْي عَنِ المَدْحِ إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى المَمْدُوحِ)، وَفِيهِ: عَنْ أَبِىِ مَعْمَرٍ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ؛ فَجَعَلَ المِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ المَدَّاحِينَ التُّرَابَ). وَفِي الأَدَبِ المُفْرَدِ (٣٣٧) لِلبُخَارِيِّ ﵀: (بَابُ مَنْ أَثْنَى عَلَى صَاحِبِهِ إِنْ كَانَ آمِنًا بِهِ)، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيدَةَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيدُ بْنُ حُضَيرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيسِ بْنِ شَمَّاسٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»، قَالَ: «وَبِئْسَ الرَّجُلُ فُلَانٌ، وَبِئْسَ الرَّجُلُ فُلَانٌ حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً». صَحِيحٌ. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٢٧٥).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
الفِتْنَةُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «الحَسَنُ وَالحُسَينُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَبُوهُمَا خَيرٌ مِنْهُمَا» (^١).
- فَائِدَة ٢: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلمُنَافِقِ سَيِّدٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدُنَا! فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ» (^٢)، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّوقِيرِ وَالتَّعْظِيمِ مُطْلَقًا.
- فَائِدَة ٣: لَا يُشْرَعُ زِيَادَةُ لَفْظِ (سَيِّدِنَا) فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ وُرُودِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ صَحَابَتِهِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم أَجْمَعِينَ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ ﵀: "اتِّبَاعُ الأَلْفَاظِ المَأْثُورَةِ أَرْجَحُ، وَلَا يُقَالُ: لَعَلَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ ﷺ؛ كَمَا لَمْ يَكُنْ يَقُولُ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ: ﷺ، وَأُمَّتُهُ مَنْدُوبَةٌ إِلَى أَنْ تَقُولَ ذَلِكَ كُلَّمَا ذُكِرَ!! لِأَنَّا نَقُولُ: لَو كَانَ ذَلِكَ رَاجِحًا [يَعْنِي: وَصْفَهُ بِالسِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ] لَجَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الآثَارِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ مَعَ كَثْرَةِ مَا وَرَدَ عَنْهُم مِنْ ذَلِكَ" (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (١١٨) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣١٨٢).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٧٧) عَنْ بُرَيدَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٧١).
(٣) انْظُرْ كِتَابَ (أَصْلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ ص ٩٣٨) مِنْ طَرِيقِ الحَافِظِ الغَرَابِيلِيِّ عَنِ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ -كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ- فَمَا الجَوَابُ عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنْ تَفْضِيلِهِ عَلَى غَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ؟
الجَوَابُ: إِنَّ سَبَبَ النَّهْي عَن التَّفْضِيلِ بَينَ الأَنْبِيَاءِ -وَهُمْ مُفَضَّلُونَ عَلَى بِعْضٍ شَرْعًا- أَنَّ هَذَا التَّفْضِيلَ إِذَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ سَيُفْضِي إِلَى تَنَقُّصِ أَحَدٍ مِنْهُم عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ وَهَذَا كُفْرٌ، لِذَلِكَ جَاءَ الأَمْرُ بِسَدِّ هَذَا البَابِ.
قَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀: "وَقَولُ اللهِ ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣] يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا تُفَضِّلُوا بَينَ أَنْبِيَاءِ اللهِ»، وَقَولُهُ: «لَا تُخَيِّرُوا بَينَ الأنْبِيَاءِ» إِنَّمَا هُوَ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى مَعْنَى الإِزْرَاءِ بِبَعْضِهِمْ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيهِمْ وَالإخلَالِ بالوَاجِبِ مِنْ حُقُوقِهِمْ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ المُخَايَرَةُ مِنْ مُسْلِمٍ يُرِيدُ الوُقُوفَ عَلَى الأَفْضَلِ مِنْهُمْ؛ فَلَيسَ هَذَا بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (^١).
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ ﷺ عَنْ يُونُسَ ﵊: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (^٢)، فَقَدْ خَصَّ يُونُسَ ﵊ بِهَذَا القَولِ لِمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ سَمِعَ قِصَّتَهُ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ تَنَقُّصٌ لَهُ، فَبَالَغَ ﷺ فِي ذِكْرِ فَضْلِهِ لِسَدِّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ (^٣).
_________________
(١) دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ (٣/ ٧٧).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣٩٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
(٣) وَمِثْلُهُ حَدِيثُ: «المِرَاءُ فِي القَرْآنِ كُفْرٌ». صَحِيحٌ، أَبُو دَاوُدَ (٤٦٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٦٨٧). =
[ ٢ / ٥٣٦ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِمَاذَا قَالَ ﵊ فِي الحَدِيثِ: «السَّيِّدُ اللهُ» وَلَمْ يَقُلْ: (اللهُ سَيِّدُكُم) مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ (^١):
١ - لِإِفَادَةِ العُمُومِ مِنْ (ال) التَّعْرِيفِ المُفِيدَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، بِخِلَافِ الإِضَافَةِ؛ فَهِيَ أَقَلُّ شُمُولًا.
٢ - لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ المُضَافِ إِلَيهِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ كُلِّ شَيءٍ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ.
_________________
(١) = قَالَ أَبُو حَاتِمٍ (ابْنُ حِبَّانَ) (٤/ ٣٢٤): "إِذَا مَارَى المَرْءُ فِي القُرْآنِ أَدَّاهُ ذَلِكَ -إِنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللهُ- إِلَى أَنْ يَرْتَابَ فِي الآي المُتَشَابِهِ مِنْهُ، وَإِذَا ارْتَابَ فِي بَعْضِهِ أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الجَحْدِ، فَأَطْلَقَ ﷺ اسْمَ الكُفْرِ الَّذِي هُوَ الجَحْدُ عَلَى بِدَايَةِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ المِرَاءُ".
(٢) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٥١٨).
[ ٢ / ٥٣٧ ]