المتن
بَابُ مَا جَاءَ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَر: ٦٧]
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ (^١)، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَولِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا اللهُ».
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَيَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ» أَخْرِجَاهُ (^٢).
وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَومَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ؟ أَينَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي
_________________
(١) الَّذِي فِي صَحِيحِ البُخَاريِّ هُوَ: «وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ»، وَفِي ألْفَاظٍ أُخَرَ لَهُ: «وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ» وَ: «وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ».
(٢) البُخَارِيُّ (٤٨١١)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٨٦).
[ ٢ / ٥٣٨ ]
الأَرْضِينَ السَّبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ؟ أَينَ المُتَكَبِّرُونَ؟» (^١).
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: (مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ) (^٢).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٧٨٦). قَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀: "رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيبَةَ هَكَذَا، وَذِكْرُ الشِّمَالِ فِيهِ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ سَالِمٍ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ نَافِعٌ، وَعُبَيدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ لَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الشِّمَالَ، وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ وَغَيرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمُ الشِّمَالَ، وَرُوِيَ ذِكْرُ الشِّمَالِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي غَيرِ هَذِهِ القِصَّةِ إِلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ تَفَرَّدَ بِأَحَدِهِمَا جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيرِ، وَبِالآخَرِ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ -وَهُمَا مَتْرُوكَانِ- وَكَيفَ يَصِحُّ ذَلِكَ؟! وَصَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَمَّى كِلْتَي يَدَيهِ يَمِينًا، وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَرْسَلَهُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ، أَو عَلَى عَادَةِ العَرَبِ فِي ذِكْرِ الشِّمَالِ فِي مُقَابَلَةِ اليَمِينِ". الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ (٢/ ١٣٩). وَقَدْ حَكَمَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالنَّكَارَةِ -وَلَيسَ فَقَط بِالشُّذُوذِ- لِضَعْفِ (عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ) المَذْكُورِ آنِفًا، اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَةِ (٣١٣٦).
(٢) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢١/ ٣٢٤) مَوقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَبِلَفْظِ: (فِي يَدِ اللهِ). قَالَ الشَّيخُ نَاصِرُ بْنُ حَمَدٍ الفَهَد فِي كِتَابِهِ (تَنْبِيهَاتٌ عَلَى كُتُبِ تَخْرِيجِ كِتَابِ التَّوحِيدِ) (ص ٩٤): "الحَدِيثُ حَسَنٌ عَلَى أَقَلِّ الأَحْوَالِ". قُلْتُ: انْظُرْ -لِزَامًا- سَبَبَ تَحْسِينِهِ لِلحَدِيثِ، وَرَدَّهُ عَلَى مَنْ ضَعَّفَ الحَدِيثَ بِسَبَبِ أَحَدِ رُوَاتِهِ (عَمْرو بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِيِّ) فَقَدْ أَتَى بِمَا يَجْدُرُ تَأَمُّلُهُ، وَلَيسَ هَذَا مَوضِعُ تَفْصِيلِهِ.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
سَبْعَةٍ القِيَتْ فِي تُرْسٍ» (^١).
قَالَ: وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا الكُرْسِيِّ فِي العَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَينَ ظَهْرَي فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ» (^٢).
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: (بَينَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَينَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَينَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسِيِّ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَينَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَالعَرْشُ فَوقَ المَاءِ، وَاللَّهُ فَوقَ العَرْشِ؛ لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَهْدِيّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ المَسْعُودِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ (^٣). قَالَهُ
_________________
(١) ضَعِيفٌ. تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٥٧٩٤). قَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العُلُوُّ لِلعَلِيِّ الغَفَّارِ (ص ١٠٠): "هَذَا مُرْسَلٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ". وَانْظُرْ أَيضًا الضَّعِيفَةَ (٦١١٨).
(٢) صَحِيحٌ. تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٥٧٩٤). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ فِي كِتَابِهِ (العَرْشُ) (٤٣٢). الصَّحِيحَةُ (١٠٩). وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ المَرْفُوعُ الَّذِي عِنْدَ أَبِي الشَّيخِ فِي (العَظَمَةِ) (٢/ ٥٨٧) بِلَفْظِ: (الكُرْسِيُّ مَوضِعُ القَدَمَينِ) فَهُوَ ضَعِيفٌ. الضَّعِيفَةُ (٦١١٨). قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٥٤): "وَأَمَّا الكُرْسِيُّ فَفِيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وَالكُرْسِيُّ هُوَ الَّذِي بَينَ يَدَي العَرْشِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا عَلِيهِ مِنْ قَولِهِ: (الكُرْسِيُّ مَوضِعُ القَدَمَينِ، وَالعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى). وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِي (مُخْتَصَرُ العُلُوِّ لِلذَّهَبِيِّ) وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ مَرْفُوعًا سِوَى قَولِهِ ﵊: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ». وَذَلِكَ مِمَّا يُبْطِلُ أَيضًا تَأْوِيلَ الكُرْسِيِّ بِالعِلْمِ، وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الصَّحِيحَةِ (١٠٩) ".
(٣) إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. (التَّوحِيدُ) (١/ ٢٤٤) (٢/ ٨٨٥) لِابْنِ خُزَيمَةَ. اُنْظُرْ كِتَابَ (مُخْتَصَرُ العُلُوِّ) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (ص ١٠٣).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ: "وَلَهُ طُرُقٌ" (^١).
وَعَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «بَينَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَينَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالعَرْشِ بَحْرٌ بَينَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَاللَّهُ ﷾ فَوقَ ذَلِكَ وَلَيسَ يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ (^٢).
_________________
(١) العُلُوُّ (ص ٤٥) لِلذَّهَبِيِّ.
(٢) ضَعِيفٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٧٢٣)، وَانْظُرْ أَوجُهَ التَّضْعِيفِ وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ صَحَّحَهُ فِي الضَّعِيفَةِ (١٢٤٧).
[ ٢ / ٥٤١ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ العُلُومَ وَأَمْثَالَهَا بَاقِيَةٌ عِنْدَ اليَهُودِ الَّذِينَ فِي زَمَنِهِ ﷺ لَمْ يُنْكِرُوهَا وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا!
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الحَبْرَ لَمَّا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ صَدَّقَهُ، وَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ.
الرَّابِعَةُ: وُقُوعُ الضَّحِكُ مِنْهُ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ الحَبْرُ هَذَا العِلْمَ العَظِيمَ.
الخَامِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ اليَدَينِ، وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ فِي اليَدِ اليُمْنَى، وَالأَرَضِينَ فِي اليَدِ الأُخْرَى.
السَّادِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِتَسْمِيَتِهَا: الشِّمَالُ.
السَّابِعَةُ: ذِكْرُ الجَبَّارِينَ وَالمُتَكَبِّرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ.
الثَّامِنَةُ: قَولُهُ: «كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ».
التَّاسِعَةُ: عِظَمُ الكُرْسِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّمَوَاتِ.
العَاشِرَةُ: عِظَمُ العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الكُرْسِيِّ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ العَرْشَ غَيرُ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَينَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَينَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسِيِّ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَينَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ العَرْشَ فَوقَ المَاءِ.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ اللهَ فَوقَ العَرْشِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: كِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمَائَةِ سَنَةٍ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ البَحْرَ الَّذِي فَوقَ السَّمَاوَاتِ؛ بَينَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمَائَةِ سَنَةٍ.
وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
- إِلَى هُنَا تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ كِتَابُ التَّوحِيدِ الأَصْلُ -
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ أَنَّ هَذَا البَابَ فِيهِ خُلَاصَةٌ جَامِعَةٌ لِمُجْمَلِ الكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ فِي أَوَّلِ البَابِ دَلَّ أَوَّلُهَا عَلَى عَظَمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا فِيهِ إِظْهَارُ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ ﷾، وَدَلَّ آخِرُهَا عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِهِ، وَهَذَا فِيهِ إِظْهَارٌ لِتَوحِيدِهِ بِالعُبُودِيَّةِ، فَصَارَتْ مِنْ جِهَةِ الدِّلَالَةِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢]. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾ أَي المُشْرِكِينَ، وَ﴿قَدَرُوا﴾ أَي: عَظَّمُوا، وَالمَعْنَى: مَا عَظَّمُوا اللهَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ حَيثُ أَشْرَكُوا مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ فِيهِ بَيَانُ عَظَمَةِ اللهِ ﷿.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ جَمِيعًا: حَالٌ، وَهِي دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِالأَرْضِ الأَرْضُونَ كُلُّهَا، وَلِأَنَّ المَوضِعَ مَوضِعُ تَفْخِيمٍ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.
- قَولُهُ: (حَبْرٌ): الحَبْرُ: هُوَ العَالِمُ الكَثِيرُ العِلْمِ، وَلَفْظُ (الحَبْرِ) يُشَابِهُ لَفْظَ (البَحْرِ) فِي تَرْكِيبِ الحُرُوفِ وَالاسْتِخْدَامِ، وَلِهَذَا كَانَ العَالِمُ أَحْيَانًا يُسَمَّى بِالحَبْرِ وَأَحْيَانًا بِالبَحْرِ.
- قَولُهُ: (إِنَّا نَجِدُ): أَي: فِي التَّورَاةِ.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
- قَولُهُ: (عَلَى إِصْبَعٍ) (^١): فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الأَصَابِعِ للهِ تَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ، مِنْ غَيرِ تَمْثِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ.
- قَولُهُ: (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ تَصْدِيقًا لِقَولِ الحَبْرِ، ثُمَّ تَلَا قَولَهُ تَعَالَى) فِيهِ تَأْكِيدُ صِحَّةِ مَا ذُكِرَ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ، وَهِيَ:
١ - ضَحِكُهُ ﷺ.
٢ - فَهْمُ الصَّحَابِيِّ.
٣ - تَأْكِيدُهُ ﷺ لِتِلْكَ الصِّفَاتِ بِمَثِيلَتِهَا مِنَ القُرْآنِ (^٢).
- قَولُهُ: «يَطْوِي الأَرَضِينَ السَّبْعَ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الأَرَضِينَ سَبْعٌ كَالسَّمَوَاتِ، وَشَاهِدُهُ فِي القُرْآنِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطَّلَاق: ١٢].
- قَولُهُ: «ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ» لَفْظَةُ (شِمَالِهِ) فِيهَا اخْتِلَافٌ بَينَ الرُّوَاةِ، فَمِنْهُم مَنْ أَورَدَهَا هَكَذَا وَمِنْهُم مَنْ أَورَدَهَا بِلَفْظِ: «بِيَدِهِ الأُخْرَى»، وَعَلَى كُلٍّ إِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً -بِاللَّفْظِ الأَوَّلِ- مِنْ جِهَةِ الحَدِيثِ (^٣) فَلَيسِ فِيهَا تَعَارُضٌ مَعَ حَدِيثِ: «وَكِلْتَا يَدِي رَبِّي يَمِينٌ» (^٤) وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَينِ:
_________________
(١) (الإِصْبَع): مُثَلَّثَةُ الأَوَّلِ وَالثَّالِثِ.
(٢) وَفِي البَابِ مَسْأَلَةٌ خَاصَّةٌ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ المُعَطِّلَةِ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ؛ سَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(٣) قَدْ حَكَمَ عَلَيهَا الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀ بِالشُّذُوذِ فِي كِتَابِهِ (الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) (٢/ ١٣٩)، وَعَدَّهَا الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ مُنْكَرَةً. الصَّحِيحَةُ (٣١٣٦). وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الحَاشِيَةِ قَبْلَ قَلِيلٍ.
(٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٣٦٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٢٠٩). وَهُوَ بِتَمَامِهِ: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ عَطَسَ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: =
[ ٢ / ٥٤٥ ]
١ - أَنَّ الإِشْكَالَ بَينَ كَونِهَا يَمِينًا أَو شِمَالًا هُوَ بِاعِتَبارِ المَخْلُوقِ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ، فَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ مُشْكِلًا فِي حَقِّ المَخْلُوقِ؛ لَا يَلْزَمُ عَلَيهِ أَنْ يَكُونَ مُشْكِلًا فِي حَقِّ الخَالِقِ تَعَالَى (^١).
_________________
(١) = رَحِمَكَ اللهُ يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ المَلَائِكَةِ -إِلَى مَلَإٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ- فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيكُمْ. قَالُوا: وَعَلَيكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَينَهُمْ. فَقَالَ اللهُ لَهُ -وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ-: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَي رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: أَي رَبِّ؛ مَا هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ. فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَينَ عَينَيهِ-، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَؤُهُمْ -أَو مِنْ أَضْوَئِهِمْ- قَالَ: يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ؛ قَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْهُ فِي عُمْرِهِ. قَالَ: ذَاكَ الَّذِي كُتِبَ لَهُ، قَالَ: أَي: رَبِّ؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ. قَالَ: ثُمَّ أُسْكِنَ الجَنَّةَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، فَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ، قَالَ: فَأَتَاهُ مَلَكُ المَوتِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجَّلْتَ! قَدْ كُتِبَ لِي ألْفُ سَنَةٍ، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لابْنِكِ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ؛ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ؛ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ. قَالَ: فَمِنْ يَومِئِذٍ أُمِرَ بِالكِتَابِ وَالشُّهُودِ».
(٢) وَسُئِلَ الشَّيخُّ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "كَيفَ نُوَفِّقُ بَينَ رِوَايَةِ (بِشِمَالِهِ) الوَارِدَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ وَقَولِهِ ﷺ: «وَكِلْتَا يَدِيهِ يَمِينٌ»؟ الجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ بَينَ الحَدِيثَينِ بَادِئ بِدْءٍ؛ فَقَولُهُ ﷺ: «وَكِلْتَا يَدِيهِ يَمِينٌ» تَأْكَيدٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فَهَذَا الوَصْفُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَأْكِيدٌ لِلتَّنْزِيهِ، فَيَدُ اللهِ لَيسَتْ كَيَدِ البَشَرِ (شِمَالٌ وَيَمِينٌ) وَلَكِنْ كِلْتَا يَدِيهِ سُبْحَانَهُ يَمِينٌ. وَأَمْرٌ آخَرٌ؛ أَنَّ رِوَايَةَ: (بِشِمَالِهِ) شَاذَّةٌ؛ كَمَا بيَّنْتُهَا فِي (تَخْرِيجِ المُصْطَلَحَاتِ الأَرْبَعَةِ الوَارِدَةِ فِي القُرْآنِ) (رَقَم ١) لِلمَودُودِيِّ. وَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ رَوَاهُ وَقَالَ: «بِيَدِهِ الأُخْرَى» - بَدَلَ: (بِشِمَالِهِ) - وَهُوَ المُوَافِقُ لِقَولِهِ ﷺ: «وَكِلْتَا يَدِيهِ يَمِينٌ»، وَاللهُ أَعْلَمُ". مَجَلَّةِ الأَصَالَةِ (ع ٤، ص ٦٨). قُلْتُ: وَاُنْظُرْ كِتَابَ (صِفَاتُ اللهِ ﷿ الوَارِدَةُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) (ص ٣٨٥) لِلشَّيخِ عَلَوِيِّ السَّقَّافِّ.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
٢ - أَنَّ قَولَهُ: «وَكِلْتَا يَدَي رَبِّي يَمِينٌ» مَعْنَاهُ أَنَّ شِمَالَهُ سُبْحَانَهُ لَيسَتْ بِأَنْقَصَ مَنْ يَمِينِهِ -كَحَالِ البَشَرِ-، فَهِيَ لَا تَعْنِي أَنَّهَا لَيسَتْ شِمَالًا، وَدِلَالَةُ ذَلِكَ سِيَاقُ الحَدِيثِ وَفِيهِ: «فَقَالَ اللهُ لَهُ [أَي: لِآدَمَ]-وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ-: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي؛ وَكِلْتَا يَدَي رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ» (^١).
وَالأَقْرَبُ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- هُوَ التَّوَقُّفُ فِيهَا لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا مِنْ جِهَةِ صَنْعَةِ الحَدِيثِ (^٢).
- قَولُهُ: «ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ» أَي: هَزًّا حَقِيقِيًّا، فَيَظْهَرُ فِيهِ لِلعِبَادِ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ عَظَمَتُهُ تَعَالَى وَقُدْرَتُهُ.
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ- يَقُولُ: «يَأْخُذُ الجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ -وَقَبَضَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الجَبَّارُ، أَينَ الجَبَّارُونَ؟ أَينَ المُتَكَبِّرُونَ؟» قَالَ: وَيَتَمَيَّلُ
_________________
(١) أَفَادَهُ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ) (٢/ ٥٣٤).
(٢) وَجَاءَ فِي كِتَابِ (صِفَاتُ اللهِ ﷿ الوَارِدَةُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) للشَّيخِ عَلَوِيُّ السَّقَّافُ (٣٧٩): "أَوَّلًا: القَائِلُونَ بِإِثْبَاتِ صِفَةِ الشِّمَالِ أَوِ اليَسَارِ، وَمِنْهُم: الإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى الفَرَّاءُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَصِدِّيقُ حَسَن خَان، وَمُحَمَّدُ خَلَيل الهَرَّاسُ، وَعَبْدُ اللهِ الغُنَيمَانُ، وَإِلَيكَ أَدِلَّتَهُم وَأَقْوَالَهُم: … (وَسَاقَهَا). ثَانِيًا: القَائِلُونَ بِأَنَّ كِلْتَا يَدِي اللهِ يَمِينٌ -لَا شِمَالَ وَلَا يَسَارَ فِيهِمَا- مِنْهُمْ: الإِمَامُ ابْنُ خُزَيمَةَ فِي (كِتَابِ التَّوحِيدِ)، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالبَيهَقِيُّ، وَالأَلْبَانِيُّ، وَإِلَيكَ أَدِلَّتَهُم وَأَقْوَالَهُم: … (وَسَاقَهَا). التَّرْجِيحُ: إِنَّ تَعْلِيلَ القَائِلِينَ بِأَنَّ إِحْدَى يَدَي اللهِ ﷿ يَمِينٌ وَالأُخْرَى شِمَالٌ؛ وَأَنَّنَا إِنَّمَا نَقُولُ كِلْتَاهُمَا يَمِينٌ؛ تَأَدُّبًا وَتَعْظِيمًا؛ إِذِ الشِّمَالُ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالضَّعْفِ؛ قَولٌ قَوِيٌّ، وَلَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ؛ إِلَّا أَنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ صِفَاتِ اللهِ تَوقِيفِيَّةٌ، وَمَا لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي وَصْفِ إِحْدَى يَدِي اللهِ ﷿ بِالشِّمَالِ أَوِ اليَسَارِ؛ فَإِنَّنَا لَا نَتَعَدَّى قَولَ النَّبِيِّ ﷺ: «كِلْتَاهُمَا يَمِينٌ». وَاللهُ أَعْلَمُ". تَمَّ بِحَذْفٍ دُونَ تَصَرُّفٍ.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى المِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيءٍ مِنْهُ؛ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟ (^١)
- قَولُهُ: «أَنَا المَلِكُ» أَي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ اليَومِ لَا مُلْكَ لِأَحَدٍ سِوَى اللهِ ﷿، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ [غَافِر: ١٦]، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ جَعَلَ اللهُ مِنَ النَّاسِ مُلُوكًا عَلَى مَا اسْتَخْلَفَهُم فِيهِ (^٢)، وَمُلْكُهُم قَاصِرٌ وَلَا رَيبَ (^٣)، وَأَمَّا مُلْكُ اللهِ تَعَالَى تَامٌّ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ يَحْشُرُ النَّاسَ جَمِيعًا حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا (^٤)؛ فَيَظْهَرُ فِيهِ بِشَكْلٍ بَيِّنٍ -لَا خَفَاءَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ وَلَا اسْتِكْبَارَ- كَمَالُ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ تَعَالَى.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ (١/ ١٣٤): "وَتَخْصِيصُ المُلْكِ بِيَومِ الدِّينِ لَا يَنْفِيهِ عَمَّا عَدَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (١٩٨). صَحِيحُ ابْنِ مَاجَه (١٩٨)، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ أَيضًا (٢٧٨٨)؛ وَلَكِنْ لَيسَ فِيهِ ذِكْرُ المَيلُ. قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٣٣٠): "وَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَعَلَ يَقْبِضُ يَدَيهِ وَيَبْسُطُهُمَا -تَحْقِيقًا لِلصِّفَةِ- لَا تَشْبِيهًا لَهَا، كَمَا أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَرَأَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النِّسْاء: ١٣٤] وَضَعَ إِصْبِعَهُ عَلَى عَينِهِ وَالأُخْرَى عَلَى أُذُنِهِ؛ تَحْقِيقًا لِصِفَةِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ". قُلْتُ: وَالحَدِيثُ الأَخِيرُ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٤٧٢٨). صَحِيحُ أَبِي دَاوُد (٤٧٢٨).
(٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٧].
(٣) وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ بَيَانُ نَوَاحِي هَذَا القُصُورِ.
(٤) (غُرْلًا): أَي: غَيرُ مَخْتُونِينَ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٠٤].
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وَالآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى يَومِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيئًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأ: ٣٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طَه: ١٠٨]، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُود: ١٠٥] " (^١).
- قَولُهُ: «أَينَ الجَبَّارُونَ؟» الاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّحَدِّي وَالتَّوبِيخِ؛ فَيَقُولُ: أَينَ المُلُوكُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَهُم السُّلْطَةُ وَالتَّجَبُّرُ وَالتَّكَبُّرُ عَلَى عِبَادِ اللهِ؟ وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ يُحْشَرُ أُولَئِكَ أَمْثَالَ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِم، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَومَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجَالِ؛ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ في جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولُسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَونَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ؛ طِينَةِ الخَبَالِ» (^٢)، وذَلكَ مُقَابَلَةً لَهُم مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِم.
- قَولُهُ: «فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ» هَكَذَا سَاقَهُ المُؤَلِّفُ؛ وَلَكِنَّ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ هُوَ بِلَفْظِ: «فِي يَدِ اللهِ»، إِلَّا أَنَّ صِفَةَ الكَفِّ للهِ تَعَالَى ثَابِتَةٌ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَ صَحِيحَةٍ (^٣).
- قَولُهُ: «كَخَرْدَلَةٍ» هِيَ حَبَّةُ نَبَاتٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا؛ يُضْرَبُ بِهَا المَثَلُ فِي الصِّغَرِ وَالقِلَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُحِيطُ بِهِ شَيءٌ، وَالأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ١٣٤).
(٢) حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٤٩٢) عَنِ ابْنِ عَمْرُو مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٨٠٤٠).
(٣) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ- إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ -وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً- فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ؛ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَو فَصِيلَهُ». مُسْلِمٌ (١٠١٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
هَذَا التَّمْثِيلِ التَّقْرِيبِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الأَفْهَامُ.
- فَي الآثَارِ السَّابِقَةِ بَيَانُ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَإِمْرَارِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيلٍ (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ -عِنْدَ آيَةِ البَابِ-: "وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَالطَّرِيقُ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا مَذْهَبُ السَّلَفِ، وَهُوَ إِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَحْرِيفٍ" (^٢).
وَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي كِتَابِهِ (البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ): "وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ وَغَيرِ وَاحِدٍ مِنْ رُؤُوسِ أَصْحَابِهِ [أَي: الشَّافِعِيِّ] مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ؛ عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ" (^٣).
وَقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ في كِتَابِهِ (العُلُوُّ لِلعَليِّ الغَفَّارِ): "وَعَنْ يُونُسَ بْنِ
_________________
(١) وَمِنَ التَّأْوِيلِ المَذْمُومِ -وَالَّذِي لَمْ يَقُمْ عَلَيهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ شَرْعِيٌّ- مَا فِي تَفْسِيرِ الجَلَالَينِ (ص ١٧٧) عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، فَقَالَ ﵀: "مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، أَو مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ حِينَ أَشْرَكُوا بِهِ غَيرَهُ، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ حَالٌ؛ أَي: السَّبْعُ؛ ﴿قَبْضَتُهُ﴾ أَي: مَقْبُوضَةٌ لَهُ: أَي: فِي مُلْكِهِ وَتَصَرًّفِهِ!!! ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ مَجْمُوعَاتٌ؛ ﴿بِيَمِينِهِ﴾ بِقُدْرَتِهِ!!! ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ مَعَهُ". قُلْتُ: عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ (أَوِ التَّأْوِيلِ) تَرِدُ أَسْئِلَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وَفِي تَأَمُّلِهَا الإِجَابَةُ: أ- مَنْ فَسَّرَ (القَبْضَةَ) بِالمُلْكِ، وَ(اليَمِينَ) بِالقُدْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ؟ ب- مَا وَجْهُ جَعْلِ الأَرْضِ يَومَ القِيَامَةِ -دُونَ السَّمَوَاتِ؛ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ- مَخْصُوصَةً بِالمُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ؛ رُغْمَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ هُوَ أَصْلًا فِي مُلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ تَعَالَى؛ سَوَاءً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٧/ ١١٣).
(٣) البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٤/ ١٣٨).
[ ٢ / ٥٥٠ ]
عَبْدِ الأَعْلَى؛ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ تَعَالَى أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا -قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ- رَدُّهَا" (^١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي): "وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى؛ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا، وَمَنْ خَالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيهِ فَقَدَ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْلَ قِيَامِ الحُجَّةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ بِالجَهْلِ، لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُ بِالعَقْلِ وَلَا الرُّؤْيَةِ وَالفِكْرِ، فَنُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيهَ كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ " (^٢).
- قَولُهُ: «مَا الكُرْسِيِّ فِي العَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَينَ ظَهْرَي فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ» فِيهِ بَيَانُ عَظَمَةِ العَرْشِ، وَعَظَمَتُهُ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ صَاحِبِهِ وَخَالِقِهِ ﵎.
- قَولُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (وَاللَّهُ فَوقَ العَرْشِ؛ لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ) فِيهِ بَيَانُ عُلُوِّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ فَوقَ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ؛ وَأَنَّ عُلُوَّهُ مُلَازِمٌ لِعِلْمِهِ تَعَالَى لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ؛ خِلَافًا لِحَالِ المَخْلُوقِ.
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيءٍ! إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَولَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ -وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ- وَهِيَ تَشْتَكِي زَوجَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلَ شَبَابِي! وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي! حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي!! اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيكَ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ
_________________
(١) العُلُوُّ لِلعَليِّ الغَفَّارِ (ص ١٦٦).
(٢) فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٤٠٧).
[ ٢ / ٥٥١ ]
الآيَاتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المُجَادِلَة: ١]) (^١).
- فَائِدَةٌ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللهِ ﷺ عَنْ قَولِهِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فَأَينَ النَّاسُ يَومَئِذٍ يَا رَسُول اللهِ ﷺ؟ قَالَ: «هُمْ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ» (^٢).
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ (أَنَّ هَذِهِ العُلُومَ وَأَمْثَالَهَا بَاقِيَةٌ عِنْدَ اليَهُودِ الَّذِينَ فِي زَمَنِهِ ﷺ لَمْ يُنْكِرُوهَا وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا): كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اليَهُودَ خَيرٌ -مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ- مِنْ أُولَئِكَ المُعَطِّلَةِ لِلصِّفَاتِ؛ المُحَرِّفِينَ لَهَا، لِأَنَّهُم لَمْ يُكَذِّبُوهَا وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا.
- ذِكْرُ تَرْجَمَةِ بَعْضِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الأَعْلَامِ:
ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ يَزِيدَ بْنِ كَثِيرٍ الطَّبَرِيُّ الآمِلِيُّ؛ أَبُو جَعْفَرٍ، صَاحِبُ التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ؛ عَالِمُ عَصْرِهِ، (ت ٣١٠ هـ) (^٣).
وَيُونُسُ: هُوَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى المَصْرِيُّ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ، (ت ٢٦٤ هـ).
وَابْنُ مَهْدِي: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي بْنِ حَسَّانِ العَنْبَرِيُّ، إِمَامٌ ثِقَةٌ، (ت ١٩٨ هـ).
_________________
(١) صَحِيحٌ. صَحِيحُ ابْنِ مَاجَه (٢٠٦٣). وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ (٩/ ١١٧) تَعْلِيقًا، وَقَالَ: (بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَقَالَ الأَعْمَشُ: عَنْ تَمِيمٍ؛ عَنْ عُرْوَةَ؛ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٤٨٥٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٦١).
(٣) وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ رُسْتُمَ؛ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ (أَيضًا)؛ فَهُوَ مِنَ الرَّوَافِضِ. انْظُرِ السِّيَرَ (١٤/ ٢٦٧) وَ(١٤/ ٢٨٢) لِلذَّهَبِيِّ ﵀.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وَابْنُ وَهْبٍ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ القُرَشِيُّ، ثِقَةٌ حَافِظٌ، (ت ١٩٧ هـ).
وَابْنُ زَيدٍ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ القُرَشِيُّ، ضَعِيفٌ، (ت ١٨٢ هـ)، وَأَبُوهُ فَقِيهٌ عَالِمٌ (ت ١٣٦ هـ).
وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: هُوَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيُّ، ثِقَةٌ عَابِدٌ، (ت ١٦٧ هـ).
وَالمَسْعُودِيُّ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، صَدُوقٌ، (ت ١٦٠ هـ).
وَعَاصِمُ: هُوَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ -ابْنُ بَهْدَلَةَ- الأَسَدِيُّ، ثِقَةٌ، (ت ١٢٨ هـ).
وَزِرُّ: هُوَ زِرُّ بْنُ حُبَيشِ بْنِ حُبَاشَةَ بْنِ أَوسٍ الأَسَدِيُّ، ثِقَةٌ جَلِيلٌ، (ت ٨١ هـ).
وَأَبُو وَائِل: هُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الأَسَدِيُّ الكُوفِيُّ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ، (ت ٧٩ هـ).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ للهِ تَعَالَى صِفَةُ الأَصَابِعِ حَقِيقَةً؟
أَمْ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنَى المُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الأَصَابِعِ للهِ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ! وَقَدْ جَاءَ فِي البُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ مِنْ قَولِ اليَهُودِيِّ لَمَّا سَمِعَهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَهَذَا أَيضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّها مِنْ وَصْفِ اليَهُودِ المُجَسِّمَةِ للهِ تَعَالَى! (^١)
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: لَمْ يَقَعْ ذِكْرُ الإِصْبَعِ فِي القُرْآنِ وَلَا فِي حَدِيثٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اليَدَ لَيسَتْ بِجَارِحَةٍ حَتَّى يُتَوَهَّمَ مِنْ ثُبُوتِهَا ثُبُوتُ الأَصَابِعِ، بَلْ هُوَ تَوقِيفٌ أَطْلَقَهُ الشَّارِعُ فَلَا يُكَيَّفُ وَلَا يُشَبَّهُ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ الأَصَابِعِ مِنْ تَخْلِيطِ اليَهُودِيِّ! فَإِنَّ اليَهُودَ مُشَبِّهَةٌ، وَفِيمَا يَدَّعُونَهُ مِنَ التَّورَاةِ أَلْفَاظٌ تَدْخُلُ فِي بَابِ التَّشْبِيهِ وَلَا تَدْخُلُ فِي مَذَاهِبِ المُسْلِمِينَ، وَأَمَّا ضَحِكُهُ ﷺ مِنْ قَولِ الحَبْرِ فَيَحْتَمِلُ الرِّضَى وَالإِنْكَارَ، وَأَمَّا قَولُ الرَّاوِي: (تَصْدِيقًا لَهُ) فَظَنٌّ مِنْهُ وَحُسْبَانٌ، وَقَدْ جَاءَ الحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لَيسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِحُمْرَةِ الوَجْهِ عَلَى الخَجَلِ، وَبِصُفْرَتِهِ عَلَى الوَجَلِ، وَيَكُونُ الأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَقَدْ تَكُونُ الحُمْرَةُ لِأَمْرٍ حَدَثَ فِي البَدَنِ كَثَوَرَانِ الدَّمِ، وَالصُّفْرَةُ لِثَوَرَانٍ خَلْطٍ مِنْ مِرَارٍ وَغَيرِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مَحْمُولٌ على تَأْوِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ أَي: قُدْرَتُهُ عَلَى طَيِّهَا، وَسُهُولَةُ الأَمْرِ عَلَيهِ فِي جَمْعِهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَمَعَ شَيئًا فِي كَفِّهِ وَاسْتَقَلَّ بِحَمْلِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ يَجْمَعَ كَفَّهُ عَلَيهِ، بَلْ يُقِلُّهُ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، وَقَدْ جَرَى فِي أَمْثَالِهِمْ: فُلَانٌ يُقِلُّ كَذَا بِإِصْبَعِهِ وَيَعْمَلُهُ بِخِنْصَرِهِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ تَعَقَّبَ بَعْضُهُمْ إِنْكَارَ وُرُودِ الأَصَابِعِ لِوُرُودِهِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ كَالحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: «إِنَّ قَلْبَ بَنِي آدَمَ بَينَ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» وَلَا يَرِدُ عَلَيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى القَطْعَ. وَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ: "قَولُهُ: «إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ ..» إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، هَذَا كُلُّهُ قَولُ اليَهُودِيِّ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ التَّجْسِيمَ وَأَنَّ اللهَ شَخْصٌ ذُو جَوَارِحَ! كَمَا يَعْتَقِدُهُ غُلَاةُ المُشَبِّهَةِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَضَحِكُ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ جَهْلِ اليَهُودِيِّ، وَلِهَذَا قَرَأَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أَي: مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَلَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ المُحَقَّقَةُ، وَأَمَّا مَنْ زَادَ: (تَصْدِيقًا لَهُ) فَلَيسَتْ بِشَيءٍ؛ فَإِنَّهَا مِنْ قَولِ الرَّاوِي وَهِيَ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُصَدِّقُ المُحَالَ، وَهَذِهِ الأَوصَافُ =
[ ٢ / ٥٥٤ ]
_________________
(١) = فِي حَقِّ اللهِ مُحَالٌ؛ إِذْ لَو كَانَ ذَا يَدٍ وَأَصَابِعَ وَجَوَارِحَ كَانَ كَوَاحِدٍ مِنَّا؛ فَكَانَ يَجِبُ لَهُ مِنَ الِافْتِقَارِ وَالحُدُوثِ وَالنَّقْصِ وَالعَجْزِ مَا يَجِبُ لَنَا، وَلَو كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا؛ إِذْ لَو جَازَتِ الإِلَهِيَّةُ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَصَحَّتْ لِلدَّجَّالِ وَهُوَ مُحَالٌ، فَالمُفْضِي إِلَيهِ كَذِبٌ، فَقَولُ اليَهُودِيِّ كَذِبٌ وَمُحَالٌ، وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ فِي الرَّدِّ عَلَيهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وَإِنَّمَا تَعَجَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ جَهْلِهِ؛ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ تَصْدِيقٌ وَلَيسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَحَّ حَدِيثُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَينَ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ». فَالجَوَابُ: أَنَّهُ إِذَا جَاءَنَا مِثْلُ هَذَا فِي الكَلَامِ الصَّادِقِ تَأَوَّلْنَاهُ أَو تَوَقَّفْنَا فِيهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ وَجْهُهُ -مَعَ القَطْعِ بِاسْتِحَالَةِ ظَاهِرِهِ لِضَرُورَةِ صِدْقِ مَنْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ-، وَأَمَّا إِذَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنْ يَجُوزُ عَلَيهِ الكَذِبُ بَلْ عَلَى لِسَانِ مَنْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَنْ نَوعِهِ بِالكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ كَذَّبْنَاهُ وَقَبَّحْنَاهُ، ثُمَّ لَو سَلَّمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِتَصْدِيقِهِ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ فِي المَعْنَى! بَلْ فِي اللَّفْظِ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ كِتَابِهِ عَنْ نَبِيِّهِ وَنَقْطَعُ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيرُ مُرَادٍ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَهَذَا الَّذِي نَحَا إِلَيهِ أَخِيرًا أَولَى مِمَّا ابْتَدَأَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى ثِقَاتِ الرُّوَاةِ وَرَدِّ الأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ، وَلَو كَانَ الأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي بِالظَّنِّ لَلَزِمَ مِنْهُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى البَاطِلِ وَسُكُوتُهُ عَنِ الإِنْكَارِ؛ وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقد اشْتَدَّ إِنْكَارُ ابْنِ خُزَيمَةَ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ الضَّحِكَ المَذْكُورَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ؛ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَورَدَ هَذَا الحَدِيثَ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ بِطَرِيقِهِ: (قَدْ أَجَلَّ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ أَنْ يُوصَفَ رَبُّهُ بِحَضْرَتِهِ بِمَا لَيسَ هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَيَجْعَلَ بَدَلَ الإِنْكَارِ وَالغَضَبِ عَلَى الوَاصِفِ ضَحِكًا! بَلْ لَا يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا الوَصْفِ مَنْ يُؤْمِنُ بِنُبُوَّتِهِ). وَقَدْ وَقَعَ الحَدِيثُ المَاضِي فِي الرِّقَاقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: «تَكُونُ الأَرْضُ يَومَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ» الحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّ يَهُودِيًّا دَخَلَ فَأَخْبَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابه ثُمَّ ضَحِكَ". فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٣٩٨). قُلْتُ: وَقَولُ الحَافِظِ ﵀ عَنْ قَولِ ابْنِ خُزَيمَةَ السَّابِقِ إِنَّمَا هُوَ فِي كِتَابِهِ (التَّوحِيدُ) (١/ ١٧٨)، وَلَيسَ فِي صَحِيحِهِ أَصْلًا -لَا الحَدِيثَ وَلَا البَيَانَ-، وَالحَمْدُ للهِ. وَمَعْنَى الحَدِيثِ الأَخِيرِ الَّذِي أَورَدَهُ الحَافِظُ هُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَجْعَلُ الأَرْضَ كَالرَّغِيفِ العَظِيمِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ طَعَامًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ. =
[ ٢ / ٥٥٥ ]
_________________
(١) = وَكُلُّ مَا سَبَقَ مِنَ الشُّبَهِ -بِحَمْدِ اللهِ- مَرْدُودٌ عَلَيهَا فِي الجَوَابِ؛ عَدَا جُمْلَةِ القُرْطُبِيِّ -عَفَا اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ "إِذْ لَو جَازَتِ الإِلَهِيَّةُ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَصَحَّتْ لِلدَّجَّالِ"!! وَالجَوَابُ: هَلِ الأُلُوهِيَّةُ تُنْفَى بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ؟! فَعَلَى هَذَا تُنْفَى بَاقِي الصِّفَاتِ السَّبْعَةِ -عَلَى مَذْهَبِ الأَشَاعِرَةِ- أَيضًا عَنِ اللهِ تَعَالَى!! فَإِذَا قِيلَ: هَذِهِ الصِّفَاتُ السَّبْعَةُ هِيَ كَمَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ؛ فَنَقُولُ: وَتِلْكَ الَّتِي أَثْبَتَهَا الشَّرْعُ أَيضًا هِيَ كَمَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ. ثُمَّ لَو كَانَتْ صِفَاتُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ الجَسَدِيَّةُ هِيَ عِلَّةُ إِنْكَارِ رُبُوبِيَّتِهِ -كَمَا سَيَدَّعِيهِ هُوَ فِي وَقْتِهِ- لَمْ يَكُنْ لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَوجُهِ مَعْرِفَتِهِ سَبَبٌ أَبَدًا، حَيثُ أَخْبَرَ ﵊ عَنْهُ بِعِدَّةِ صِفَاتٍ -غَيرِ جَسَدِيَّةٍ- لِمَعْرِفَةِ كَذِبِهِ، فَلَمْ تَكُنْ صِفَاتُهُ الجَسَدِيَّةُ هِيَ وَجْهُ بَيَانِ ضَلَالِهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ بَيَانُ وَجْهِ الضَّلَالَةِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ ﵊ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي وَمَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، وَأَنَّهُ يُحْيِي المَيِّتَ -بِإِذْنِ اللهِ الكَونِيِّ- وَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ وَ…، هَذَا كُلُّهُ مَعَ ضَرُورَةِ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ أَبَدًا فِي حَقِيقَةِ الصِّفَةِ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ، فَكَمَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ -وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ حَيَاتَهُ مُمَاثِلَةٌ لِحَيَاةِ البَشَرِ-! فَكَذَلِكَ أَصَابِعُهُ سُبْحَانَهُ لَيسَتْ كَأَصَابِعِ البَشَرِ، لِأَنَّ الكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلَامِ عَلَى الذَّاتِ. فَدَلَّ هَذَا البَيَانُ -بِفَضْلِ اللهِ- عَلَى خَطَأِ تَوجِيهِ القُرْطُبِيِّ ﵀ فِي قَولِهِ: "إِذْ لَو جَازَتِ الإِلَهِيَّةُ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَصَحَّتْ لِلدَّجَّالِ". وَبَاقِي الرَّدِّ تَجِدُهُ فِي تَمَامِ الجَوَابِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ. قُلْتُ: وَأَمَّا قَولُ الخَطَّابِيِّ -فِي نَقْلِ الحَافِظِ-: "وَقَدْ جَاءَ الحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لَيسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ"! يَعْنِي قَولَهُ: (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ) فَرَدَّهُ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ عَلَيهِ بِقَولِهِ: "قَدْ رُوِّينَا مُتَابَعَةَ عَلْقَمَةَ إِيَّاهُ فِي ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ". (الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) لِلْبَيهَقِيِّ (٢/ ١٦٩). وَأَيضًا مِمَّا يَنْبَغِي الإِشَارَةُ إِلَيهِ أَنَّ الإِمَامَ الخَطَّابِيَّ ﵀ رَجَعَ عَن مَذْهَبِهِ ذَاكَ -بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى-. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: "وَقَدْ ذَكَرَ الأَشْعَرِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّ طَرِيقَةَ المُتَكَلِّمِينَ فِي الاسْتِدْلَالِ عَلَى قِدَمِ الصَّانِعِ وَحُدُوثِ العَالَمِ بِالجَوَاهِرِ وَالأَجْسَامِ وَالأَعْرَاضِ مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ. وَقَدْ رُوِيَ ذَمُّ ذَلِكَ وَإِنْكَارُهُ وَنِسْبَتُهُ إِلَى الفَلَاسِفَةِ عَن أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ ابْنُ سَرَيجٍ: تَوْحِيدُ أَهْلِ العِلْمِ وَجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ: الشَّهَادَتَانِ، وَتوْحِيدُ أَهْلِ البَاطِنِ مِن المُسْلِمِينَ: الخَوْضُ فِي الأَعْرَاضِ وَالأَجْسَامِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ. خَرَّجَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن ِالسُّلَمِيِّ. =
[ ٢ / ٥٥٦ ]
الجَوَابُ: للهِ تَعَالَى صِفَةُ الأَصَابِعِ، وَهِيَ غَيرُ صِفَةِ المُلْكِ، وَلَيسَ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ للهِ تَعَالَى! فَنُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَنَنْفِي عَنْهُ مَا نَفَى سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَلَئِنْ كَانَتْ صِفَةُ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالإِرَادَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّمْثِيلِ -رُغْمَ أَنَّ أَغْلَبَ المَخْلُوقَاتِ الحَيَوَانِيَّةِ لَهُم مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الصِّفاتِ-؛ فَإِنَّ صِفَةَ الأَصَابِعِ للهِ تَعَالَى أَيضًا لَا تَدُلُّ عَلَى التَّمْثِيلِ وَلَا عَلَى التَّجْسِيمِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ القَومَ شَبَّهُوا أَوَّلًا فنَفَرُوا، فعَطَّلُوا ثَانِيًا فَكَفَرُوا.
أَمَّا مَا ذُكِرَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ -وَالَّذِي فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الأَصَابِعِ، فَنَحْنُ نُورِدُهُ وَنُلَخِّصُ مِنْهُ أَوجُهًا فِي بَيَانِ المَطْلُوبِ- إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَولِ الحَبْرِ. ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَرْ: ٦٧] (^١).
_________________
(١) = وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الخَطَّابِيُّ فِي رِسَالَتِهِ فِي (الغُنْيَةُ عَنِ الكَلَامِ وَأَهْلِهِ)، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِن كَلَامِهِ فِي كَثِيرٍ مِن كُتُبِهِ -مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَيُوَافِقُ طَرِيقَةَ المُتَكَلِّمِينَ- فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ نَفيَ كَثِيرٍ مِن الصِّفَاتِ إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ". فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَبٍ (٧/ ٢٣٦).
(٢) البُخَارِيُّ (٤٨١١)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٨٦).
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وَهُنَا وَقَفَاتٌ:
١ - لَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ اللهِ تَعَالَى قَدْ وُصِفَ بِصِفَةٍ عِنْدَ اليَهُودِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَطَأً مُطْلَقًا! بَلْ مَا وَافَقَ شَرْعَنَا مِنْهُ يَكُونُ مَقْبُولًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ؛ فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ» (^١).
وَعَلَيهِ فَإِثْبَاتُ أَهْلِ الكِتَابِ لِلْنُبُوَّاتِ وَالمَعَادِ؛ يَلْزَمُ مِنْهُ إِنْكَارُنَا لِذَلِكَ!!
٢ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وضَحِكَ، وَلَا يُقَالُ هُنَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ اسْتِهْزَاءً وَتَعَجُّبًا مِنْ تَجْسِيمِ اليَهُودِيِّ!! وَذَلِكَ لِأُمُورٍ:
أ- أَنَّ الضَّحِكَ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يَكُونُ إِنْكَارًا! لَا سِيَّمَا مَعَ السُّكُوتِ وَعَدَمِ البَيَانِ.
قَالَ إِمَامُ الأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيمَةَ ﵀ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ (١/ ١٧٨): "بَابُ ذِكْرِ إِمْسَاكِ اللهِ ﵎ اسْمُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ- السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا عَلَيهَا عَلَى أَصَابِعِهِ، جَلَّ ربُّنَا عَنْ أَنْ تَكُونَ أَصَابِعُهُ كَأَصابِعِ خَلْقِهِ، وَعَنْ أَنْ يُشْبِهَ شَيءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ صِفَاتِ خَلْقِهِ، وَقَدْ أَجَلَّ اللهُ قَدْرَ نَبِيِّهِ ﷺ عَنْ أَنْ يُوصَفَ الخَالِقُ البَارِئُ بِحَضْرَتِهِ بِمَا لَيسَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَيَسْمَعُهُ فَيَضْحَكُ عِنْدَهُ؛ وَيَجْعَلُ بَدَلَ وُجُوبِ النَّكِيرِ وَالغَضَبِ عَلَى المُتَكَلِّمِ بِهِ ضَحِكًا تَبْدُو نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا وَتَعَجُّبًا لِقَائِلِهِ! لَا يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ برِسَالَتِهِ" (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (١٤٨٧)، وَأَحَمْدُ (١٧٢٢٥) عَنْ أَبِي نَمْلَةَ الأَنْصَارِيِّ. الصَّحِيحَةُ (٢٨٠٠).
(٢) كِتَابِ التَّوحِيدِ (١/ ١٧٨). وَقَالَ المُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تُحْفَةُ الأَحْوَذِيِّ بِشَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ (٩/ ٨١): "قُلْتُ: قَولُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الضَّحِكَ المَذْكُورَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ! لَا شَكَّ عِنْدِي أَنَّهُ يَسْتَأْهِلُ أَنْ يُنْكَرَ عَلَيهِ أَشَدَّ الإِنْكَارِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ".
[ ٢ / ٥٥٨ ]
ب- قَدْ ثَبَتَتْ صِفَةُ الأَصَابِعِ للهِ تَعَالَى فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ -خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ غَيرَ ذَلِكَ- كَحَدِيثِ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينِ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفهُ حَيثُ شَاءَ» (^١).
ج- أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الضَّحِكَ هُوَ مِنْ بَابِ التَّصْدِيقِ.
وَأَمَّا قَولُ بَعْضِهِم أَنَّ هَذَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا فَهِمَ الصَّحَابِيُّ! فَمَرْدُودٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ يَعْلَمُونَ عَنِ اللهِ تَعَالَى أَكْثَرَ مِمَّا نَعْلَمُ بِلَا رَيبٍ، وَأَيضًا هَذَا يَقْتَضِي وَصْفَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَائِر الصَّحَابَةِ الكِرَامِ بِالتَّجْسِيمِ -عَلَى حَدِّ زَعْمِهِم-!
وَأَيضًا كَيفَ تَصِحُّ تَخْطِئَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الإِيمَانَ يَقَعُ صَحِيحًا إِذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ إِيمَانِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البَقَرَة: ١٣٧].
وَأَيضًا فَإِنَّ مِنْ قَوَاعِدِ عِلْمِ الحَدِيثِ (الرَّاوِي أَدْرَى بِمَرْوِيِّهِ).
٣ - أَنَّ سُكُوتَ النَّبِيِّ ﷺ بعْدَ هَذَا الوَصْفِ دُونَ أَنْ يُتْبِعَهُ بِبَيَانٍ هُوَ إِقْرَارٌ لَهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ عُلِمَ أَيضًا فِي الأُصُولِ أَنَّ (تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ).
وَفِي زَعْمِ هَؤُلَاءِ أَنَّ البَيَانَ تأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ حَتَّى وَقَعَ المَحْظُورُ، فَفَهِمَ الصَّحَابةُ التَّجْسِيمَ -وَهُوَ الكُفْرُ المَحْضُ عِنْدَ المُعَطِّلَةِ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وَلَمْ يَفْهَمُوا
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٦٥٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمْرو مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قَصْدَهُ ﵊ مِنْ إِيرَادِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ!!
٤ - أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَدَلَّ بِالقُرْآنِ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ الحَبْرُ عِنْدَمَا تَلَا الآيَةَ الكَرِيمَةَ، حَيثُ ذَكَرَ فِيهَا قَبْضَةَ اللهِ تَعَالَى؛ وَبِمِثْلِ مَا جَاءَ الكَلَامُ عَنِ اليَهُودِيِّ فِي قَبْضِ الأَرْضِ وَطَيِّ السَّمَاءِ.
٥ - عَلَى تَقْدِيرِ خَطَأ جَعْلِ الأَصَابِعِ صِفَةً للهِ تَعَالَى حَيثُ جَاءَتْ فِي الحَدِيثِ؛ فَهَلْ يُقرُّونَ بِصِفَةِ القَبْضَةِ للهِ تَعَالَى الَّتِي جَاءَتْ فِي الآيَةِ الكَرِيمَة؟ ِ! فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ -وَلَابُدَّ؛ وَلَو مَعَ التَّأْوِيلِ عِنْدَهُم- فَصِفَةُ الأَصَابِعِ لَيسَتْ بِأَعْجَبَ مِنْ صِفَةِ القَبْضَةِ! فَمَا سَلَّمُوا بِهِ هُنَا يَصْلُحُ أَنْ يُسَلِّمُوا بِمِثْلِهِ هُنَاكَ. وَالحَمْدُ للهِ.
٦ - أَنَّ المُتَأَمَّلَ فِي سِيَاقِ الحَدِيثِ وَمَا ذُكِرَ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَهَا يَجِدُ دِلَالَةً ظَاهِرَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ، حَيثُ لَو كَانَ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَنْزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ التَّجْسِيمِ وَالصِّفَاتِ القَبِيحَةِ -عَلَى حَدِّ زَعْمِ المُعَطِّلةِ- لَكَانَ اللَّفْظُ المُوَافِقُ لِلسِّيَاقِ هُوَ كَمَا فِي آيَاتٍ أُخَرَ؛ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٠٠]، وَإِنَّمَا جَاءَ الكَلَامُ هُنَا مِنْ لَدُنِ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ حَيثُ جَاءَ فِي أَوَّلِ الآيَةِ ذِكْرُ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالعَظَمَةِ ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِالأَمْرِ بِتَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ -كَمَا لَا يَخْفَى مِنَ الأُسْلُوبِ القُرْآنِيِّ فِي ذَلِكَ-، فَلَمْ يَذُمَّ اللهُ تَعَالَى مَا ذُكِرَ مِنَ الوَصْفِ!
وَبِمَعْنًى آخَرَ: إِنَّ الآيَةَ ذمَّتِ المُشْرِكِينَ -وَمِنْهُم اليَهُودُ- عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ وَلَيسَ مِنَ الوَصْفِ، فَهِيَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢].
[ ٢ / ٥٦٠ ]
المسألة الثانية: لم يذكر في الحديث أنه ﷺ استعاذ بالله من الشيطان الرجيم عند تلاوة الآية الكريمة
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَمْ يُذْكَرْ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ اسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النَّحْل: ٩٨]! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
قَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ العَمَلِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَأْمُرُ بِالاسْتِعَاذَةِ فِي حَالِ التِّلَاوَةِ وَلَيسَ فِي حَالِ الاسْتِشْهَادِ وَالاسْتِدْلَالِ، وَكُتُبُ الحَدِيثِ -مِنْ جِهَةِ الهَدْي النَّبَوِيِّ- تَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ (القُذَاذَةُ فِي تَحْقِيقِ مَحَلِّ الِاسْتِعَاذَةِ): "الَّذِي ظَهَرَ لِي مِنْ حَيثُ النَّقْلِ وَالِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى؛ وَيَذْكُرَ الآيَةَ، وَلَا يَذْكُرَ الِاسْتِعَاذَةَ. فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ فِي الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ" (^١).
_________________
(١) الحَاوِي لِلفَتَاوِي (١/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٥٦١ ]