وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ؛ لَو كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٨). وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَاجَّينِ أَو مُعْتَمِرَينِ، فَقُلْنَا: لَو لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي القَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ دَاخِلًا المَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي -أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ-، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ -وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ- وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ! قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي. وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ؛ لَو أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ؛ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ؛ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ ..) ثُمَّ تَابَعَ الحَدِيثَ المَعْرُوفَ. قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀: "قَولُهُ: (يَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ): أَي: يَطْلُبُونَهُ وَيَتَّبِعُونَ أَثَرَهُ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَتَقَفَّرُ الشَّيءَ إِذَا طَلَبَهُ وَاجْتَهَدَ فِي البَحْثِ عَنْهُ. وَقَولُهُ: (يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ): أَي: أَنَّ الأَشْيَاءَ لَمْ يَسْبِقْ تَقْدِيرُهَا. وَقَولُهُ: (أَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ): أَي: مُسْتَأْنَفٌ؛ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ قَدَرٌ وَلَا مَشِيئَةٌ! يُقَالُ: رَوضَةٌ أُنُفٌ؛ إِذَا كَانَتْ وَافِيَةَ الكَلَأ لَمْ يُرْعَ مِنْهَا شَيءٌ، وَيَعْنُونَ أَنَّ مَا نَعْمَلُهُ لَمْ يُقَدَّرْ". كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَينِ (١/ ١٣٠).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ؛ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيرِ هَذَا فَلَيسَ مِنِّي» (^١).
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» (^٢).
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ وَهْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ» (^٣).
وَفِي المُسْنَدِ والسُّنَنِ عَنِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ، قَالَ: أَتَيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي شَيءٌ مِنَ القَدَرِ؛ فَحَدِّثْنِي بِشَيءٍ لَعَلَّ اللهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: (لَو أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَو مِتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ). قَالَ: فَأَتَيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيفَةَ بْنَ اليَمَانِ وَزَيدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ (^٤).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٧٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢١٥٥). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٠١٨).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢٧٠٥). قَالَ الشَّيخُ شُعَيبُ الأَرْنَؤُوطُ فِي تَحْقِيقِ المُسْنَدِ: "حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ".
(٣) كِتَابُ (القَدَرُ) (١/ ١٢١) لِابْنِ وَهْبٍ.
(٤) صَحِيحٌ. السُّنَّةُ (٢٤٥) لِابْنِ أَبي عَاصِمٍ، وَأَحْمَدُ (٢١٥٨٩)، وَابْنُ حَبَّانَ (٧٢٧). ظِلَالُ الجَنَّةِ (٢٤٥). مُلَاحَظَةٌ: لَمْ أَجِدِ الحَدِيثَ عِنْدَ الحَاكِمِ -لَا لَفْظًا وَلَا أَصْلًا-.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: بَيَانُ فَرْضِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ.
الثَّانِيَةُ: بَيَانُ كَيفَيَّةِ الإِيمَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِحْبَاطُ عَمَلِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
الرَّابِعَةُ: الإِخْبَارُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَجِدُ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِهِ.
الخَامِسَةُ: ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ.
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ جَرَى بِالمَقَادِيرِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
السَّابِعَةُ: بَرَاءَتُهُ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
الثَّامِنَةُ: عَادَةُ السَّلَفِ فِي إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ بِسُؤَالِ العُلَمَاءِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ العُلَمَاءَ أَجَابُوهُ بِمَا يُزِيلُ شُبْهَتَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا الكَلَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَطْ.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
الشَّرْحُ
- قَولُهُ: (مُنْكِرِي): أَصْلُهُ مُنْكِرِينَ، وَلَكِنْ حُذِفَتِ النُّونُ لِلإِضَافَةِ.
- قَولُهُ: (القَدَر) (^١): هُوَ تَقْدِيرُ اللهِ ﷿ لِلكَائِنَاتِ، وَهُوَ سِرُّ مَكْتُومٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ أَو مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ مِنْ خَلْقِهِ (^٢).
وَالقَدَرُ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَينِ (^٣):
١ - التَّقْدِيرِ؛ أَي: إِرَادَةُ اللهِ ﷿ الشَّيءَ.
٢ - المُقَدَّرِ؛ أَي: مَا قَدَّرَهُ اللهُ ﷿ أَنْ يَكُونَ.
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ الإِيمَانَ بِالقَدَرِ مُتَعَلِّقٌ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَبِتَوحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ أَصْلًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ هُوَ إِيمَانٌ بِكَمَالِ صِفَاتِ اللهَ تَعَالَى.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: "القَدَرُ قُدْرةُ اللهِ ﷿ عَلَى العِبَادِ" (^٤).
_________________
(١) القَدَرُ لُغَةً: هُوَ القَضَاءُ وَالحُكْمُ؛ وَمِنْهُ لَيلَةُ القَدْرِ: أَي: لَيلَةُ التَّقْدِيرِ؛ وَيُمْكِنُ أَيضًا: اللَّيلَةُ ذَاتُ الشَّأْنِ.
(٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنِ الخَضِرِ ﵇ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ عِلَّةَ أَفْعَالِهِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكَهْف: ٨٢].
(٣) وَهَذَا لِكَونِ العَرَبِ تُطْلِقُ الاسْمَ عَلَى الفِعْلِ وَعَلَى المَفْعُولِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ.
(٤) أَخْرَجَهُ الخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةُ (٣/ ٥٤٤)، وَتَمَامُهُ "أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ سُئِلَ عَنِ القَدَرِ؛ فَقَالَ: القَدَرُ قُدْرَةُ اللهِ ﷿ عَلَى العِبَادِ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنْ زَنَى فَبِقَدَرٍ؛ وَإِنْ سَرَقَ فَبِقَدَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، اللهُ قَدَّرَهُ عَلَيهِ". قُلْتُ: وَالمُرَادُ بِهَذَا بَيَانُ كَمَالِ رُبُوبِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ شَيءٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ لَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ مِنْهُ شَرْعًا ذَلِكَ! وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ إِرَادَةِ العَبْدِ وَهُوَ خَالِقُ آلَاتِهِ، وَبِهِمَا يَقَعُ الفِعْلُ مِنَ العَبْدِ، وَلَو شَاءَ اللهُ لَصَرَفَ نِيَّتَهُ وَإِرَادَتَهُ، ولَمَنَعَهُ العَمَلَ أَصْلًا، وَلَكِنْ قَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ فِي ذَلِكَ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
- حُكْمُ مُنْكِرِ القَدَرِ: قَالَ الإِمَامُ اللَّالكَائِيُّ ﵀ في كِتَابِهِ (اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ): "رُوِيَ عِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالأَوزَاعِيِّ، وَعُبَيدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ (^١): يُسْتَتَابُونَ؛ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ: القَدَرِيَّةُ يَهُودٌ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: القَدَرِيَّةُ نَصَارَى.
وَعَنْ نَافِعٍ مَولَى ابْنِ عُمَرَ: القَدَرِيَّةُ يُقْتَلُونَ.
وَحَكَى المُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَفَّرَهُم.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ (^٢): القَدَرِيَّةُ كُفَّارٌ.
وَعَنْ أَحْمِد بْنِ حَنْبَلٍ مِثَلُ قَولِ مَالِكٍ" (^٣).
- النَّاسُ فِي القَدَرِ ثَلَاثُ طَوَائِفَ:
١ - الجَبْرِيَّةُ الجَهْمِيَّةُ: أَثْبَتُوا قَدَرَ اللهِ تَعَالَى وَغَلَوا فِي إِثْبَاتِهِ حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ اخْتِيَارَهُ وَقُدْرَتَهُ، وَقَالُوا: لَيسَ لِلعَبْدِ اخْتِيَارٌ وَلَا قُدْرَةٌ فِي مَا يَفْعَلُهُ أَو يَتْرُكَهُ!
٢ - القَدَرِيَّةُ المُعْتَزِلَةُ: أَثْبَتُوا لِلعَبْدِ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً فِي عَمَلِهِ وَغَلَوا فِي ذَلِكَ حَتَّى نَفَوا أَنْ تَكُونَ للهِ تَعَالَى فِي عَمَلِ العَبْدِ مَشِيئَةٌ أَو خَلْقٌ! وَنَفَى غُلَاتُهُم عِلْمَ اللهِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ.
_________________
(١) قَاضٍ مِنَ الفُقَهَاءِ العُلَمَاءِ بِالحَدِيثِ، مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، (مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِين)، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مِنْ سَادَاتِهَا فِقْهًا وَعِلْمًا، (ت ١٦٨ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (٤/ ١٩٢).
(٢) حَافِظٌ؛ مِنْ كِبَارِهِم فِي خُرَاسَانَ، (مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِين)، (ت ١٦٨ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (١/ ٤٤).
(٣) اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ (٤/ ٧٨١).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
٣ - أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: وَهُمُ الطَّائِفَةُ الوَسَطُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ الأَدِلَّةِ وَسَلَكُوا فِي طَرِيقِهِم خَيرَ مِلَّةٍ؛ فَآمَنُوا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَبِأَنَّ لِلعَبْدِ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً وَمَشِيئَةً؛ لَكِنَّ مَشِيئَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩].
- إِنَّ حُكْمَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مُنْكِرِي القَدَرِ بِأَنَّ نَفَقَاتِهِم غُيرُ مَقْبُولَةٍ يَسْتَوجِبُ تَكْفِيرَهُم عِنْدَهُ؛ وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التَّوبَة: ٥٤]، وَإِيرَادُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الإِيمَانَ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يُؤْمِنَ العَبْدُ بِالقَدَرِ (^١).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: (جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي القَدَرِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَر: ٤٨ - ٤٩]) (^٢).
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القَمَر: ٤٧] فِي أَهْلِ القَدَرِ" (^٣).
_________________
(١) وَعَنْهُ ﵁ أَيضًا؛ أَنَّهُ كَانَ لَهُ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُكَاتِبُهُ، فَكَتَبَ إِلَيهِ مَرَّةً عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي شَيءٍ مِنَ القَدَرِ! فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٥٦٣٩). صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٦٦٩). وَفي لَفْظٍ لِابْنِ مَاجَه (٤٠٦١): «يَكُونُ فِي أُمَّتِي -أَو فِي هَذِهِ الأُمَّةِ- مَسْخٌ وَخَسْفٌ وَقَذْفٌ؛ وَذَلِكَ فِي أَهْلِ القَدَرِ». صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (١٧٨٧).
(٢) مُسْلِمٌ (٢٦٥٦).
(٣) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الدُّرُّ المَنْثُورُ (٧/ ٦٨٣): "وَأَخْرَجَ البَزَّارُ وَابْنُ المُنْذِرِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "، وَأَورَدَهُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ (ص ٤٩)، وَقَالَ: "وَيُرْوَى فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵃".
[ ٢ / ٣٦٨ ]
- وَمِمَّا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ هُنَا أَنَّ "العَرَبَ كَانَتْ فِي جَاهِلِيَّتِهَا تُقِرُّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ. قَالَ ابْنُ قُتَيبَةَ وَغَيرُهُ: مَا زَالَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا مُقِرَّةً بِالْقَدَرِ. وَقَدْ قَالَ عَنْتَرَةُ: يَا عَبْلُ؛ أَينَ مِنَ المَنِيَّةِ مَهْرَبٌ … إِنْ كَانَ رَبِّي فِي السَّمَاءِ قَضَاهَا" (^١).
- قَولُهُ: «تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ» الخَيرُ وَالشَّرَّ هُنَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَجِدُهُ الإِنْسَانُ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِفِعْلِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا فَاللهُ تَعَالَى أَفْعَالُهُ كُلُّهَا خَيرٌ، لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِحِكْمَتِهِ، وَفي الحَدِيثِ: «والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ» (^٢)، وَمِن مِثَالِهِ مَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الرُّوم: ٤١].
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النُّور: ١١].
وَكَذَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥].
وَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْحِ بَابِ (مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ) حَدِيثُ أَنَسٍ؛ وَفِيهِ قَولُهُ ﷺ: «أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ» مَعَ قَولِهِ أَيضًا ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ»؛ وَأَنَّ جَوَابَ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ مَخْلُوقَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الشَّرَّ لَيسَ مَقْصُودًا ابْتِدَاءً! بَلْ هُوَ خَيرٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَآلِهِ؛ فَيَظْهُرُ فِيهِ فَضْلُ اللهِ تَعَالَى عَلَى
_________________
(١) مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (٥/ ١٨٣) لِابْنِ تَيمِيَّةَ.
(٢) وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٧٧١).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الصَّابِرِ، وَعَدْلُهُ مَعَ الكَافِرِ، قَالَ العُلَمَاءُ: أَفْعَالُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حِكْمَةٌ؛ تَدُورُ بينَ العَدْلِ وَالفَضْلِ.
وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ مُوسَى ﵊ مَعَ الخَضِرِ وَمَا فِيهَا مِنَ الحِكَمِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ قَولَ الخَضِرِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكَهْف: ٨٢].
- قَولُهُ: «خَيرِهِ وَشَرِّهِ» مَفَادُهُ التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ كِلَاهُمَا مَخْلُوقَانِ مُقَدَّرَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
- قَولُهُ: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ» أَي: أَنَّ مَا قَدَّرَ اللهُ أَنْ يُصِيبَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ مَهْمَا عَمِلْتَ مِنْ أَسْبَابٍ؛ فَإِنَّ قَدَرَ اللهِ تَعَالَى وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.
- قَولُهُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَم» القَلَمُ بِالرَّفْعِ (^١)، وَرُويَ بِالنَّصْبِ (^٢).
وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ المَعْنَى: أَنَّ أَوَّلَ مَخْلُوقٍ هُوَ القَلَمُ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ يَكُونُ المَعْنَى: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ القَلَمَ أَنْ يَكْتُبَ عِنْدَ أَوَّلِ خَلْقِهِ لَهُ.
وَقَولُ المُصِنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ): ظَاهِرُهُ المَيلُ إِلَى أَنَّ القَلَمَ هُوَ أَوُّلُ مَخْلُوقَاتِ اللهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بَحْثٌ يَسِيرٌ فِي ذَلِكَ.
- قَولُهُ: «إلى يَومِ القِيَامَةِ» هُوَ يَومُ البَعْثِ، وَسُمِّيَ يَومَ القِيَامَةِ؛ لِقِيَامِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ فِيهِ:
١ - قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِم لِرَبِّ العَالَمِينَ.
_________________
(١) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ؛ وَيَكُونُ بِذَلِكَ نَصًّا فِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ.
(٢) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ (خَلَقَ)، وَيَكُونُ خَبَرُ (إِنَّ) هُوَ جُمْلَةُ: (فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ)، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الأَوَّلِيَّةُ فِي الحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ خَلْقِ القَلَمِ، وَلَيسِ لِعُمُومِ الخَلْقِ.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِين: ٥ - ٦].
٢ - قِيَامِ الأَشْهَادِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ وَعَلَى الأُمَمِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غَافِر: ٥١].
٣ - قِيَامِ العَدْلِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٤٧].
- (ابْنُ الدَّيلَمِيِّ): هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ فَيرُوز الدَّيلَمِيُّ؛ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُوهُ فَيرُوزُ هُوَ قَاتِلُ الأَسْوَدِ العَنَسِيِّ الكَذَّابِ.
- قَولُهُ: (وَلَو مِتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا؛ لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ): جَزَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ عَلَى غَيرِ هَذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ لَأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ القَدَرَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالكَافِرُ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أهْلُهَا المُخَلَّدُونَ فِيهَا.
وَلَكِنْ هَلْ هَذَا الدَّوَاءُ يُفِيدُ مَنْ أَشْكَلَ عَلَيهِ أَمْرُ القَدَرِ؟
الجَوَابُ: نَعَمْ يُفِيدُ، وَالإِفَادَةُ هِي مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مُنْتَهَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ -عَلَى نَحْوِ مَا وُصِفَ- هُوَ هَذَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْتَدِعَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَإِذَا نُسِبَ الأَمْرُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ زَالَتِ الشُّبْهَةُ تَمَامًا، لَكِنْ تَزُولُ عَنِ المُؤْمِنِ، أَمَّا غَيرُ المَؤْمِنِ فَلَا تَنْفَعُهُ؛ فَاللهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يُونُس: ١٠١] (^١).
_________________
(١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٣٣).
[ ٢ / ٣٧١ ]
٢ - أَنَّ أَمْرَ القَدَرِ هُوَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ﷾، وَاللهُ تَعَالَى لَا نَعْلَمُ عَنْهُ إِلَّا وُفْقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ؛ وَعَلَيهِ فَلَا يَلْزَمُ حُصُولُ اسْتِشْكَالٍ عَلَى شَيءٍ فِيهِ؛ فَالإِيمَانُ هُنَا هُوَ تَعَلُّمٌ وَلَيسَ فَهْمٌ!
- فِي حَدِيثِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ بَيَانُ جَوَازِ سُؤَالِ أَكْثَرِ مِنْ عَالِمٍ لِلتَّثَبُّتِ، أَمَّا سُؤَالُ أَكْثَرِ مِنْ عَالِمٍ لِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ! فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَمَاءُ وَأَخَذَ بِالرُّخَصِ مِنْ أَقَاوِيلِهِم تَزَنْدَقَ، أَو كَادَ" (^١).
- قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ فِي حَدِيثِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ-وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ-: (لَو أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ؛ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَو رَحِمَهُمْ؛ كَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ) (^٢)، وَالمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَأَهْلَ الأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقُومُوا بِحُقُوقِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا الوَاجِبَةِ لَهُ؛ فَلَو عَذَّبَهُم لَعَذَّبَهُم عَلَى تَرْكِ الحَقِّ، وَلَو رَحِمَهُم لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِم لَهَا، فَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَقًا لَهُم؛ وَلَكِنَّهُ حَقُّ تَفَضُّلٍ وَلَيسَ حَقَ مُقَابَلَةٍ (^٣).
- قَولُ المُصِنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (بَيَانُ كَيفِيَّةِ الإِيمَانِ): أَي: بِالقَدَرِ، وَهُوَ أَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ.
_________________
(١) إِغَاثَةُ اللهْفَانِ (١/ ٢٢٨).
(٢) أَحْمَدُ (٢١٦١١) عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ شُعَيبُ الأَرْنَؤُوط فِي تَحْقِيقِ المُسْنَدِ.
(٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ جَزَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النَّبَأ: ٣٦]. وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ١٧٣].
[ ٢ / ٣٧٢ ]
- مَرَاتِبُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ:
١ - العِلْمُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ كُلَّ شَيءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا؛ فَعَلِمَ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ (^١).
٢ - الكِتَابَةُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ عِنْدَهُ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ مُنْذُ خَلَقَ القَلَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (^٢).
وَدَلِيلُ المَرْتَبَتَينِ السَّابِقَتَينِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأَنْعَام: ٥٩]،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ العِلْمَ القَدِيمَ؛ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ عَلَى تَكْفِيرِهِ، وَكَذَلِكَ غَيرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الإِسْلَامِ". جَامِعُ العُلومِ وَالحِكَمِ (١/ ١٠٤).
(٢) وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، كَإِخْبَارِهِ بِهَزِيمَةِ الفُرْسِ أَمَامَ الرُّومِ فِي بِضْعِ سِنِينَ، وَكَإِخْبَارِهِ عَنْ قَولِ المُنَافِقِينَ المُسْتَهْزِئِينَ وَمَا كَانَ جَوَابُهُم، وَغَيرُهُ كَثِيرٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي القُرْآنِ وَهُوَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّوحِ المَحْفُوظِ؛ مَكْتُوبٌ مِنْ قَبْلِ تَنْزِيلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الوَاقِعَة: ٧٧ - ٧٨]. وَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁؛ قَالَ: (فُصِلَ الْقُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ؛ فَوُضِعَ فِي بَيتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَجَعَلَ جِبْرِيلُ ﵇ يُنْزِلُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيُرَتِّلُهُ تَرْتِيلًا). رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (٢٨٨١) وَصَحَّحَهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ. وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ بِلَا شَكٍّ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀. انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط: ٤١٠).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَجّ: ٧٠] (^١).
٣ - المَشِيئَةُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى، فَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ أَبَدًا! سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ أَو مَا يِفْعَلُهُ المَخْلُوقُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يَس: ٨٢]،
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأَنْعَام: ١١٢]،
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣].
٤ - الخَلْقُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا هُوَ خَالِقُهُ وَمَالِكُهُ وَمُدَبِّرُهُ وَذُو سُلْطَانِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزُّمَر: ٦٢] (^٢).
_________________
(١) وَهَاتَانِ المَرْتَبَتَانِ سَابِقَتَانِ لِوُقُوعِ الأَمْرِ، وَإِنْكَارُهُمَا مُنَافٍ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ. قَالَهُ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيدُ) (ص ٥٥١).
(٢) وَهَاتَانِ المَرْتَبَتَانِ الأَخِيرَتَانِ مُقَارِنَتَانِ لِوُقُوعِ الأَمْرِ، وَإِنْكَارُهُمَا مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ. قَالَهُ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيدُ) (ص ٥٥١). قُلْتُ: وَوَجْهُ عَدَمِ كَونِ إِنْكَارِهِمَا مُنَافٍ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ هُوَ أَنَّهُم لَا يُصَرِّحُونَ بِوُجُودِ خَالِقٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى، فَهُمْ يَنْفُونَ أَنْ تَكُونَ المَعَاصِي وَاقِعَةً بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا مِنْ بَابِ حُسْنِ ظَنِّهِم بِاللهِ تَعَالَى -بِحَسْبِ زَعْمِهِم-، وَلَكِنَّهُم أَخْطَأُوا وَوَقَعُوا فِي الضَّلَالِ المُبِينِ. مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (١٢٧) فِي شَرْحُ البَابِ.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
- اللهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَهَذَا العُمُومُ لَا مُخَصِّصَ لَهُ، حَتَّى فِعْلَ المَخْلُوقِ مَخْلُوقٌ للهِ تَعَالَى، لِأَنّ فِعْلَ المَخْلُوقِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَهُو وَصِفَاتُهُ مَخْلُوقَانِ، وَلِأَنَّ فِعْلَهُ نَاتِجٌ عَنْ إِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ فِي الإِنْسَانِ الإِرَادَةَ الجَازِمَةَ وَالقُدْرَةَ التَّامَّةَ.
فَفِعْلُ العَبْدِ مُرْتَبِطٌ بِشَيئَينِ:
١ - خَلْقٍ: وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِاللهِ تَعَالَى.
٢ - مُبَاشَرَةٍ: وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالعَبْدِ وَيُنْسَبُ إِلَيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٢٤]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٣٢]، وَلَولَا نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى العَبْدِ مَا كَانَ لِلثَّنَاءِ عَلَى المُؤْمِنِ المُطِيعِ وَإِثَابَتِهِ وَجْهٌ وَلَا فَائِدَةٌ! وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ العَاصِي وَتَوبِيخُهُ.
- أَنْوَاعُ التَّقْدِيرَاتِ (الكِتَابَةِ):
١ - التَّقْدِيرُ العَامُّ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» (^١) (^٢).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٦٥٣) عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا.
(٢) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٣٨]، قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ١٤٢): "هُوَ اللَّوحُ المَحْفُوظُ".
[ ٢ / ٣٧٥ ]
٢ - التَّقْدِيرُ العُمُرِيُّ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ. فَوَ اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (^١).
٣ - التَّقْدِيرُ الحَولِيُّ.
وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي لَيلَةِ القَدْرِ؛ فَيُكْتَبُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخَان: ٤].
٤ - التَّقْدِيرُ اليَومِيُّ.
كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحْمَن: ٢٩] (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٣٣٣٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٣) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.
(٢) مُلَاحَظَةٌ: ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ نَوعًا آخَرَ بَعْدَ الأَوَّلِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ قَبْلَ خَلْقِ العِبَادِ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢].
[ ٢ / ٣٧٦ ]
- مِنْ فَوَائِدِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ:
١ - أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ.
٢ - يُوجِبُ صِدْقَ الاعْتِمَادِ عَلَى اللهِ ﷿، لِأَنَّك إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ صَدَقَ اعْتِمَادُكَ عَلَى اللهِ.
٣ - أَنَّهُ يُوجِبُ لِلقَلْبِ الطُّمَأْنِينَةَ، حَيثُ تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ.
٤ - مَنْعُ إِعْجَابِ المَرْءِ بِعَمَلِهِ إَذَا عَمِلَ عَمَلًا يُشْكَرُ عَلَيهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَيهِ وَقَدَّرَهُ لَهُ.
٥ - عَدَمُ حُزْنِهِ عَلَى مَا أَصَابَهُ، لِأَنَّه مِنْ رَبِّهِ؛ فَهُوَ صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ وَرَحْمَةٍ وَحِكْمَةٍ (^١).
قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحَدِيد: ٢٢ - ٢٣] (^٢).
_________________
(١) وَفي الحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ؛ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانُ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٌ بِهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ». قَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «لَا تَتَّهِمِ اللهَ ﵎ فِي شَيءٍ قَضَى لَكَ بِهِ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢٧١٧) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٣٣٤).
(٢) أَي: فَرَحَ بَطَرٍ وَإِعْجَابٍ بِالنَّفْسِ.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
- أَنْوَاعُ القَدَرِيَّةِ -مِمَّنْ نُصَّ عَلَيهِم-:
"القَدَرِيَّةُ المَذْمُومُونَ فِي السُّنَّةِ وَعَلَى لِسَانِ السَّلَفِ هُمْ هَؤُلَاءِ الفِرَقُ الثَّلَاثُ:
١ - نُفَاتُهُ: وُهُمُ القَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ.
٢ - وَالمُعَارِضُونَ بِهِ لِلشَّرِيعَةِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨] وَهُمُ القَدَرِيَّةُ الشِّرْكِيَّةُ.
٣ - وَالمُخَاصِمُونَ بِهِ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَهُمْ أَعْدَاءُ اللهِ وَخُصُومُهُ، وَهُمُ القَدَرِيَّةُ الإِبْلِيسِيَّةُ، وَشَيخُهُم إِبْلِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ احْتَجَّ عَلَى اللهِ بِالقَدَرِ فَقَالَ: ﴿بِمَا أَغْوَيتَنِي﴾ [الحِجْر: ٣٩] " (^١) (^٢).
- فَائِدَة ١: لَا يَجُوزُ الخَوضُ فِي مَسَائِلِ القَدَرِ إِلَّا بِقَدْرِ ذِكْرِ مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الشَّرْعِ وَلَو حَسُنَتْ نِيَّةُ الخَائِضِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ التَّوَسُّعِ والتَّعَمُّقِ فِيهِ (^٣)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا» (^٤).
وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: «لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُوَاتِيًا -أَو مُقَارِبًا- مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الوِلْدَانِ وَالقَدَرِ» (^٥).
_________________
(١) طَرِيقُ الهِجْرَتَينِ لِابْنِ القَيِّمِ (ص ٨٦).
(٢) مَقْصُودُ ابْنِ القَيِّمِ هُوَ مَن نُصَّ عَلَيهِ، وَإِلَّا فَالجَبْرِيَّةُ أَيضًا يُوصَوفُون بِأَنَّهُم قَدَرِيَّةٌ أَيضًا! إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنَصَّ عَلَيهِم. يُنْظَرُ: (جَامِعُ المَسَائِلِ لِابْنِ تَيمِيَّةَ - المَجْمُوعَةُ السَّابِعَةُ) (١/ ٣٨٣).
(٣) انْظُرْ تَعْلِيقَ الشَّيخِ الأَلبَانيِّ ﵀ عَلَى مَتْنِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٤٢).
(٤) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٠/ ١٩٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٤).
(٥) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٧٢٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٥١٥). وَالمَقْصُودُ بِالكَلَامِ عَلَى الوِلْدَانِ: وِلْدَانُ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ الخَوضُ فِي كَونِهِم مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ لِمَنْ مَاتَ مِنْهُم قَبْلَ البُلُوغِ، وَأَيضًا الخَوضُ فِي ذَلِكَ بِلَا دَلِيلٍ.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
- فَائِدَة ٢: قُلْتُ: القَدَرُ أَصْلًا الكَلَامُ فِيهِ بِغَيرِ مَا أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ هُوَ مَوضُعِ امْتِحَانٍ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: «إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا»، وَلِحَدِيثِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَلِحَدِيثِ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (^١)، وَلِحَدِيثِ اسْتِشْكَالِ الأَعْرَابِيِّ بِقَولِهِ: (فَفِيمَ العَمَلُ؟!) (^٢).
فَكُلُّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ القَدَرَ أَصْلُ عَرْضِهِ مُشْكِلٌ لِلبَشَرِ فِي عُقُولِهِم، لِذَلِكَ كَانَ المَطْلُوبُ هُوَ التَّسْلِيمُ بِهِ وُفْقَ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ.
- فَائِدَة ٣: لَقَدْ جَاءَ الإِرْشَادُ النَّبَوُيُّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالقَدَرِ عَلَى عِدَّةِ جَوَانِبَ مَأْمُورٍ بِهَا، وَهِيَ وَاجِبُنَا فِي مَسَائِلِ القَدَرِ:
١ - الأَمْرُ بِإِثْبَاتِ القَدَرِ؛ خَيرِهِ وَشَرِّهِ.
٢ - عَدَمُ التَّعَمُّقِ فِيهِ، وَتَرْكُ الخَوضَ فِيمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٤٤٢).
(٢) وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٦٤٨) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيمَ العَمَلُ اليَومَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا؛ بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ». قَالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟! قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ».
(٣) وَفِي الحَدِيثِ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي القَدَرِ- فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ؛ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيهِ الرُّمَّانُ! فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟! أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيكُمْ؟! إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيكُمْ أَلاَّ تَتَنَازَعُوا فِيهِ». حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢١٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٢١٣٣).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
٣ - الأَمْرُ بِالعَمَلِ وَعَدَمِ الاتِّكَالِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي القَدَرِ.
٤ - جَعْلُ دُخُولِ الجَنَّةِ مُرَتَّبًا عَلَى العَمَلِ.
٥ - جَعْلُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ مِنْ قَولِ الكُفَّارِ.
٦ - جَوَازُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَصَائِبِ، كَمَا فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ وَسُورَةِ الحَدِيدِ (^١)، وَكَمَا فِي حَدِيثِ: «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» (^٢).
- فَائِدَة ٤: فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ؛ حَتَّى العَجْزِ وَالكَيسِ» (^٣)، وَعَلَيهِ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ العَاجِزُ؛ وَإِنَّمَا المُقَصِّرُ.
وَالمَعْنَى أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لِهُ طَاقَتُهُ وَقُدْرَتُهُ الَّتِي تُنَاسِبُهُ؛ فَمَنْ رَامَ تَكْلِيفَهُ مَا لَا يُطِيقُ -وَإِنْ كَانَ غَيرُهُ يُطِيقُهُ- فَعَجَزَ عَنْهُ وَقَصُرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ! وَإِنَّمَا يُلَامُ الَّذِي كَلَّفَهُ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ، وَمَفَادُ ذَلِكَ أَنَّ العَجْزَ وَالضَّعْفَ كَمَا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الخَلْقِ وَالقُوَّةِ وَالطُّولِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَهُوَ أَيضًا يَكُونُ فِي الفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالحِفْظِ وَالاجْتِهَادِ؛ فَكُلُّهُ مُقَدَّرٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّنَا القَائِلُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦].
- فَائِدَة ٥: الأَجَلُ وَالرِّزْقُ بِقَدَرٍ؛ مَقَادِيرُهُا وَأَسْبَابُهَا -حَلَالًا كَانَتْ أَوْ حَرَامًا-.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀: "وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مَاتَ بِأَجَلِهِ، وَكَذَلِكَ
_________________
(١) أَمَّا الأُولَى؛ فَهِيَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١]. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ؛ فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٢٢].
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٦٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) مُسْلِم (٢٦٥٥).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
مَنْ قُتِلَ قُتِلَ بِأَجَلِهِ، وَأَنَّ الأَرْزَاقَ مِنْ قِبَلِ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ يَرْزُقُهَا عِبَادَهُ -حَلَالًا كَانَتْ أَمْ حَرَامًا" (^١).
- فَائِدَة ٦: مُنَاقَشَةٌ حَولَ أَوَّلِ خَلْقِ اللهِ؛ بَينَ القَلَمِ وَالعَرْشِ
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ، وَأَنَّ القَلَمَ لَيسَ أَوَّلَ مَخْلُوقَاتِ اللهِ! لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَاريِّ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» (^٢) وَهَذَا وَاضِحٌ فِي التَّرْتِيبِ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ أَنَّ خَلْقَ القَلَمِ بَعْدَ خَلْقِ العَرْشِ" (^٣).
وَفِي المَنْظُومَةِ النُّونِيَّةِ لِابْنِ القَيِّمِ ﵀:
"وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي القَلَمِ الَّذِي … كُتِبَ القَضَاءُ بِهِ مِنَ الدَّيَّانِ
هلْ كَانَ قَبْلَ العَرْشِ أَو هُوَ بَعْدَهُ … قَولَانِ عِنْدَ أَبِي العَلَا الهَمَذَانِي
وَالحَقُّ أنَ العرْشَ قَبْلُ لأَنَّهُ … قَبْلَ الكِتَابَةِ كَانَ ذَا أرْكَانِ".
قُلْتُ: عَلَى هَذَا التَّوجِيهِ صَحِيحٌ أَنَّ العَرْشَ يَكُونُ سَابِقًا لِلقَلَمِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَعْنِي أَنَّهُ سَبْقٌ مُطْلَقٌ؛ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مُطْلَقًا!
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ تَحْتَ حَدِيثِ «إِنَّ أَوَّلَ شَيءٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى القَلَمُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ شَيءٍ يَكُونُ»: "فِي الحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ
_________________
(١) مَقَالَاتُ الإِسْلَامِييَن (١/ ٢٢٩).
(٢) مُسْلِمٌ (٢٦٥٣) عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا.
(٣) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٣١).
[ ٢ / ٣٨١ ]
مَا يَتَنَاقَلُهُ النَّاسُ -حَتَّى صَارَ ذَلِكَ عَقِيدَةً رَاسِخَةً فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنْهُم- وَهُوَ أَنَّ النُّورَ المُحَمَّدِيَّ هُوَ أَولُ مَا خَلَقَ اللهُ ﵎! وَلَيسَ لِذَلِكَ أَسَاسٌ مِنَ الصِّحَّةِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ غَيرُ مَعْرُوفٍ إِسْنَادُهُ، وَلَعَلَّنَا نُفْرِدُهُ بِالكَلَامِ في الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَفِيهِ رَدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ العَرْشَ هُوَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ! وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَإِنَّمَا يَقُولُ بِهِ مَنْ قَالَهُ كَابْنِ تَيمِيَّةَ وَغَيرِهِ اسْتِنْبَاطًا وَاجْتِهَادًا، فَالأَخْذُ بِهَذَا الحَدِيثِ -وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ أُخْرَى- أَولَى لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي المَسْأَلَةِ، وَلَا اجْتِهَادَ فِي مَورِدِ النَّصِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
وَتَأْويلُهُ بِأَنَّ القَلَمَ مَخْلُوقٌ بَعْدَ العَرْشِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِثْلُ هَذَا التَّأْويلِ لَو كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ العَرْشَ أَوَّلُ المَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا -وَمِنْهَا القَلَمُ-، أَمَا وَمِثْلُ هَذَا النَّصِّ مَفْقُودٌ، فَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّأْوِيلُ" (^١).
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا الكَلَامِ الأَخِيرِ تَكُونُ جُمْلَةُ «وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» اسْتِئْنَافِيَّةً، فِيهَا عَطْفُ إِخْبَارٍ وَلَيسَ عَطْفُ زَمَانٍ.
وَهَذَا لَهُ نَظَائِرُ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السَّجْدَة: ٧ - ٩]، فَهُنَا أَخَّرَ ذِكْرَ نَفْخِ الرُّوحِ مَعَ أَنَّهُ بَينَهُمَا؛ لِأَجْلِ أَنْ يَتَنَاسَبَ ذِكْرُ الأَطْوَارِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الإِنْسَانُ فِي تَكْوِينِهِ، وَهِيَ الطَّينُ ثُمَّ المَاءُ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
_________________
(١) الصَّحِيحَةُ (١٣٣).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
- فَائِدَة ٧: فِي بَيَانِ وَجْهِ كَونِ القَدَرِيَّةِ مَجُوسًا!
قَالَ البَيهَقِيُّ ﵀: "إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ بَعْضِ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ مَذَاهِبَ المَجُوسِ فِي قَولِهِمْ بِالأَصْلَينِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الخَيرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ وَأَنَّ الشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ! فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، كَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الخَيرَ إِلَى اللهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيرِهِ! وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَالأَمْرَانِ مَعًا مُضَافَانِ إِلَيهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا، وَإِلَى الفَاعِلِينَ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا. هَذَا قَولُ أَبِي سُلَيمَانَ الخَطَابِيِّ ﵀" (^١).
قُلْتُ: وَهُمْ فِي الحَقِيقةِ فَاقُوا المَجُوسَ فِي هَذِهِ البِدْعَةِ لِأَنَّهُم أَثْبَتُوا خَالِقِينَ كُثُرَ بِعَدَدِ الفَاعِلِينَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ!
_________________
(١) السُّنَنُ الكُبْرَى (١٠/ ٣٤٩).
[ ٢ / ٣٨٣ ]