وَالكِتَابُ الأَصْلُ هُوَ لِلعَلَّامَةِ الأَلْبَانِيِّ ﵀، وَقَدْ أَورَدْتُهُ عَلَى أَبْوَابِهِ مُخْتَصَرًا، وَأَضَفْتُ إِلَيهِ فَوَائِدَ أُخَرَ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ العِلْمِ تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ.
- الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي أَحَادِيثِ النَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ:
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: "هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ" (^١) (^٢).
_________________
(١) وَتَعَقَّبَهُ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ ﵀ بِأَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ حَيثُ المَعْنَى. نَيلُ الأَوطَارِ (٢/ ١٥٥). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٥٧): "مُتَوَاتِرَةٌ".
(٢) قُلْتُ: وَاكْتَفَينَا بِمَا فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّاهِيَةِ عَنِ الإِعَادَةِ هُنَا.
[ ١ / ٣٧٦ ]
- الفَصْلُ الثَّانِي: مَعْنَى اتِّخَاذِ القُبْورِ مَسَاجِدَ.
هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ:
١ - الصَّلَاةِ عَلَى القُبُورِ بِمَعْنَى السُّجُودِ عَلَيهَا.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: (نَهَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى عَلَى القُبُورِ، أَو يُقْعَدَ عَلَيهَا، أَو يُصَلَّى عَلَيهَا) (^١).
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ (^٢) فِي (الزَّوَاجِرِ): "وَاتِّخَاذُ القَبْرِ مَسْجِدًا مَعْنَاهُ: الصَّلَاةُ عَلَيهِ أَو إِلَيهِ" (^٣).
٢ - السُّجُودِ إِلَيهَا وَاسْتِقْبَالِهَا بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى قَبْرٍ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْر» (^٤).
٣ - بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَيهَا وَقَصْدِ الصَّلَاةِ فِيهَا.
كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٥).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو يَعْلَى (١٠٢٠) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٢٩).
(٢) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ؛ الهِيتَمِيُّ السَّعْدِيُّ الأَنْصَارِيُّ، شِهَابُ الدِّينِ، شَيخُ الإِسْلَامِ، أَبُو العَبَّاسِ، فَقِيهٌ بِاحِثٌ مَصْرِيٌّ، مَولِدُهُ فِي مَحِلَّةِ أَبِي الهَيتَم -مِنْ إِقْلِيمِ الغَرْبِيَّةِ بِمِصْرَ- وَإلَيهَا نِسْبَتهُ، (ت ٩٧٤ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (١/ ٢٣٤).
(٣) الزَّوَاجِرُ (١/ ٢٤٦).
(٤) صَحِيحٌ. الطَّبرانيُّ في الكَبِيرِ (١١/ ٣٧٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣٤٨).
(٥) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وَكَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيهِ) (^١) (^٢).
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الأُمُّ) (^٣): "وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ مَسْجِدٌ؛ وَأَنْ يُسَوَّى، أَو يُصَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسَوَّى -يَعْنِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ- أَو يُصَلَّى إِلَيهِ.
قَالَ: وَإِنْ صَلَّى إِلَيهِ أَجْزَأَهُ؛ وَقَدْ أَسَاءَ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ»، قَالَ: وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ وَالآثَارِ، وَأنَّهُ كَرِهَ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ -يَعْنِي: يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا-؛ وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الفِتْنَةُ وَالضَّلَالُ" (^٤).
وَلَا فَرْقَ بَينَ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ، أَو إِدْخَالِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ؛ لِأَنَّ المَحْذُورَ وَاحِدٌ.
قَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ ﵀ (^٥): "وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَأَنَّهُ إذَا بُنِيَ المَسْجِدُ
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٩٧٠).
(٢) وَترْجَمَ البُخَارِيُّ (٢/ ٨٨) ﵀ لِحَدِيثِ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى: اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا» بِقَولِهِ: "بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ" فَجَعَلَ مِنْ مَعْنَى الاتِّخَاذِ البِنَاءَ عَلَى القُبُورِ المَسَاجِدَ. وَقَالَ الجَصَّاصُ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مُخْتَصَرُ اخْتِلَافِ الفُقَهَاءِ) (١/ ٤٠٧): "قَالَ اللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ ﵀: بُنْيَانُ القُبُورِ لَيسَ مِنْ حَالِ المُسْلِمِينَ! وَإنَّمَا هُوَ مِنْ حَالِ النَّصَارَى".
(٣) الأُمُّ (١/ ٣١٧).
(٤) قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ (٢/ ٣٥٨) عَقِبِ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «لَا تَدَعْ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَه» "قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَكْرَهُ أَنْ يُرْفَعَ القَبْرُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ قَبْرٌ لِكَيلَا يُوطَأَ وَلَا يُجْلَسَ عَلَيهِ".
(٥) هُوَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَبْو الفَضْلِ؛ زَينُ الدِّينِ، المَعْرُوفُ بِالحَافِظِ العِرَاقِيِّ: بَحَّاثَةٌ مِنْ كِبَارِ حُفَّاظِ الحَدِيثِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، صَاحِبُ (المُغْنِي) عَلَى الإِحْيَاءِ، (ت ٨٠٦ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (٣/ ٣٤٤).
[ ١ / ٣٧٨ ]
لِقَصْدِ أَنْ يُدْفَنَ فِي بَعْضِهِ أَحَدٌ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي اللَّعْنَةِ، بَلْ يَحْرُمُ الدَّفْنُ فِي المَسْجِدِ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِمُخَالَفَتِهِ لِمُقْتَضَى وَقْفِهُ مَسْجِدًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (^١) (^٢).
_________________
(١) فَيضُ القَدِيرِ (٥/ ٢٧٤).
(٢) وَقَدْ سَبَقَ فِي مَسَائِلِ البَابِ المَاضِي بَيَانُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ -مِنْ جِهَةِ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ- بَينَ كَونِ المَسْجِدِ طَارِئًا عَلَى القَبْرِ أَوِ العَكْسُ.
[ ١ / ٣٧٩ ]
- الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي أَنَّ اتِّخَاذَ القُبُورِ مَسَاجِدَ مِنَ الكَبَائِرِ:
وَذَلِكَ لِاسْتِحْقَاقِ اللَّعْنِ؛ وَلِوَصْفِهِم بِشِرَارِ الخَلْقِ.
وَالعُلَمَاءُ فِي اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ مُتَّفِقُونَ عَلَى المَنْعِ (^١):
١ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ.
قَالَ الحَافِظُ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الزَّوَاجِرُ عَنِ اقْتِرَافِ الكَبَائِرِ): "الكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ: اتِّخَاذُ القُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادُ السُّرُجِ عَلَيهَا، وَاتِّخَاذُهَا أَوثَانًا، وَالطَّوَافُ بِهَا، وَاسْتِلَامُهَا، وَالصَّلَاةُ إلَيهَا" (^٢).
_________________
(١) قَالَ الجزيريُّ فِي كِتَابِهِ الفِقْهُ عَلَى المَذَاهَبِ الأَرْبَعَةِ (١/ ٤٨٧): "يُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ بَيتٌ أَو قُبَّةٌ أَو مَدْرَسَةٌ أَو مَسْجِدٌ أَو حِيطَانٌ تُحْدِقُ بهِ كَالحِيشَانِ إِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الزِّينَةُ وَالتَّفَاخُرُ؛ وَإلَّا كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا". "وَالحَوشُ: شِبْهُ الحَظِيرَةِ …، ويُطْلِقُه أَهْلُ مِصْرَ عَلَى فِنَاءِ الدَّارِ". تَاجُ العَرُوسِ (١٧/ ١٦٣).
(٢) الزَّوَاجِرُ (١/ ٢٤٤). وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا أَوثَانًا فَجَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ بِقَولِهِ ﷺ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ بَعْدِي» أَي: لَا تُعَظِّمُوهُ تَعْظِيمَ غَيرِكُمْ لِأَوثَانِهِمْ بِالسُّجُودِ لَهُ أَو نَحْوَهُ؛ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الإِمَامُ [يُرِيدُ أَحَدَ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ نَقَلَ قَولَهُم] بِقَولِهِ: (وَاتِّخَاذُهَا أَوثَانًا) هَذَا المَعْنَى؛ اتَّجَهَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ؛ بَلْ كُفْرٌ بِشَرْطِهِ [يُرِيدُ أنَّ سَبَبَ الصَّلَاةِ عِنْدَ ذَلِكَ الإمَامِ كَانَ التَّبَرُّكَ وَالتَّعْظِيمَ]، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مُطْلَقَ التَّعْظِيمِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ كَبِيرَةٌ؛ فَفِيهِ بُعْدٌ! نَعَمْ. قَالَ بَعْضُ الحَنَابِلَةِ: قَصْدُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ عِنْدَ القَبْرِ مُتَبَرِّكًا بِهَا عَينُ المُحَادَّةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِبْدَاعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ لِلنَّهْيِ عَنْهَا ثُمَّ إجْمَاعًا؛ فَإِنَّ أَعْظَمَ المُحَرَّمَاتِ وَأَسْبَابِ الشِّرْكِ الصَّلَاةُ عِنْدَهَا وَاتِّخَاذُهَا مَسَاجِدَ أَو بِنَاؤُهَا عَلَيهَا، وَالقَولُ بِالكَرَاهَةِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، إذْ لَا يُظَنُّ بِالعُلَمَاءِ تَجْوِيزُ فِعْلٍ تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَعْنُ فَاعِلِهِ! وَتَجِبُ المُبَادَرَةُ لِهَدْمِهَا وَهَدْمِ القِبَابِ الَّتِي عَلَى القُبُورِ إذْ هِيَ أَضَرُّ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لِأَنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ ﷺ بِهَدْمِ القُبُورِ المُشْرِفَةِ، وَتَجِبُ إزَالَةُ كُلِّ قِنْدِيلٍ أَو سِرَاجٍ عَلَى قَبْرٍ وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ وَنَذْرُهُ. انْتَهَى".
[ ١ / ٣٨٠ ]
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي (المَجْمُوعِ): "وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالأَصْحَابِ عَلى كَرَاهَةِ بِنَاءِ مَسْجِدٍ عَلى القَبْرِ، سَوَاءً كَانَ المَيِّتُ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ أَو غَيرِهِ لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: وَتُكْرَهُ الصَّلاةُ إِلَى القُبُورِ -سَوَاءً كَانَ المَيِّتُ صَالِحًا أَو غَيرَهُ-.
قَال الحَافِظُ أَبُو مُوسَى (^١): قَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الزَّعْفَرَانِيُّ ﵀ (^٢): وَلا يُصَلَّى إِلَى قَبْرِهِ وَلَا عِنْدَهُ تَبَرُّكًا بِهِ وَإِعْظَامًا لَهُ؛ لِلأَحَادِيثِ، وَاللهُ أَعْلمُ" (^٣).
٢ - مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ: الكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ.
قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ -تَلِمِيذُ أَبِي حَنِيفَة- فِي كِتَابِهِ (الآثَارُ): "لَا نَرَى أَنْ يُزادَ عَلَى مَا خَرَجَ مِنَ القَبْرِ، وَنَكْرَهُ أَنْ يُجَصَّصَ أَو يُطَيَّنَ أَو يُجْعَلَ عِنْدَهُ مَسْجِدًا" (^٤).
٣ - مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ: التَّحْرِيمُ.
قَالَ القُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ -بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الحَدِيثَ الخَامِسَ (^٥) -: "قَالَ عُلَمَاؤُنَا:
_________________
(١) هُوَ أَبُو مُوسَى المَدِينِيِّ؛ الحَافِظُ الكَبِيرُ شَيخُ الإِسْلَامِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الأَصْبَهَانِيُّ؛ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ (ت ٥٨١ هـ). تَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ لِلْذَّهَبِيِّ (٤/ ٨٦).
(٢) هُوَ الشَّيخُ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ البَغْدَادِيُّ الزَّعْفَرَانِيُّ الشَّافِعِيُّ، الفَقِيهُ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ الثَّبْتُ، (ت ٥١٧ هـ). السِّيَرُ لِلْذَّهَبِيِّ (١٩/ ٤٧١).
(٣) المَجْمُوعُ (٥/ ٣١٦).
(٤) الآثَارُ (٢/ ١٩٠)، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَهُوَ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁"، وَالكَرَاهَةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ إِذَا أُطْلِقَتْ فَهِيَ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ لَدَيهِم، وَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ ابْنُ المَلِكِ مِنْهُم.
(٥) وَهُوَ حَدِيثُ البُخَارِيِّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٍ (٥٢٨) وَفِيهِ: «أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا».
[ ١ / ٣٨١ ]
وَهَذَا يُحرِّمُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَالعُلَمَاءِ مَسَاجِدَ" (^١).
٤ - مَذْهَبُ الحَنَابِلَةِ: التَّحْرِيمُ أَيضًا.
قَالَ ابْنُ تيميَّةَ فِي (الفَتَاوَى الكُبْرَى): "يَحْرُمُ الإِسْرَاجُ عَلَى القُبُورِ وَاتِّخَاذُ القُبُورِ المَسَاجِدَ عَلَيهَا وبَينَهَا، وَيَتَعَيَّنُ إِزَالَتُهَا، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَينَ العُلَمَاءِ المَعْرُوفِينَ" (^٢) (^٣).
_________________
(١) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (١٠/ ٣٨٠).
(٢) الفَتَاوَى الكُبْرَى (٥/ ٣٦١).
(٣) وَقَالَ ابْنُ القيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ زَادُ المَعَادِ (٣/ ٥٠١): "وَمِنْهَا: أَنَّ الوَقْفَ لَا يَصِحُّ عَلَى غَيرِ بِرٍّ وَلَا قُرْبَةٍ، كَمَا لَمْ يَصِحَّ وَقْفُ هَذَا المَسْجِدِ -المَبْنِيِّ عَلَى قَبْرٍ-، وَعَلَى هَذَا؛ فَيُهْدَمُ المَسْجِدُ إذَا بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ، كَمَا يُنْبَشُ المَيِّتُ إذَا دُفِنَ فِي المَسْجِدِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي دِينِ الإِسْلَامِ مَسْجِدٌ وَقَبْرٌ، بَلْ أَيُّهُمَا طَرَأَ عَلَى الآخَرِ مُنِعَ مِنْهُ وَكَانَ الحُكْمُ لِلسَّابِقِ، فَلَو وُضِعَا مَعًا لَمْ يَجُزْ وَلَا يَصِحُّ هَذَا الوَقْفُ، وَلَا يَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي هَذَا المَسْجِدِ لِنَهْي رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَلَعْنِهِ مَنْ اتَّخَذَ القَبْرَ مَسْجِدًا أَو أَوقَدَ عَلَيهِ سِرَاجًا، فَهَذَا دِينُ الإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ وَنَبِيَّهُ، وَغُرْبَتُهُ بَينَ النَّاسِ كَمَا تَرَى".
[ ١ / ٣٨٢ ]
- الفَصْلُ الرَّابِعُ: شُبُهَاتٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَجَوَابُهَا:
- الشُّبْهَةُ الأُولَى: قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكَهْف: ٢١] فِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ذَلِكَ، وَأَقَرَّهُم اللهُ تَعَالَى عَلَى قَولِهِم ذَلِكَ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ (^١):
١ - إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى صَحِيحَةً؛ فَإِنَّه يُقَالُ لَهُم: اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي العَمَلِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إِذَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْعَنَا؛ فَكَيفَ إِذَا كَانَ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ!
وَعَلَى فَرْضِ كَونِهِ جَازَ فِي شَرْعِهِم، فَيُقَالُ: شَرْعُنَا أَتَمُّ، وَقَدْ جَاءَ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ، كَمَا كَانَ فِي قَومِ يُوسُفَ السُّجُودُ لِلبَشَرِ جَائِزٌ مِنْ بَابِ التَّحِيَّةِ؛ فَنُهِيَ عَنْهُ عِنْدَنَا، وَكَمَا فِي صِنْعَةِ الجِنِّ لِسُلَيمَانَ ﷺ التَّمَاثِيلِ -عَلَى القَولِ بِأنَّهَا كَانَتْ صُوَرًا لِذَوَاتِ أَرْوَاحٍ- أَمَّا فِي شَرْعِنَا فَنُهيَ عَنْ تَصْوِيرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ.
٢ - لَيسَ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ذَلِكَ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدَهُم، فَلَيسَ فِي الآيَةِ -صَرَاحَةً- أَنَّهُم كَانُوا مُسْلِمِينَ؛ عَدَا عَنْ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ صَالِحِينَ، بَلِ الظَّاهِرُ هُوَ العَكْسُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ -عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ» -: "وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيهِ هَذَا الحَدِيثُ؛ وَهُوَ قَولُ اللهِ ﷿ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الكَهْفِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكَهْف: ٢١]، فَجَعَلَ اتِّخَاذَ القُبُورِ عَلَى المَسَاجِدِ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الغَلَبَةِ عَلَى الأُمُورِ،
_________________
(١) مُعْظَمُ أَوجُهِ الرَّدِّ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كِتَابِ (البِنَاءُ عَلَى القُبُورِ) لِلشَّيخِ المُحَدِّثِ المُعَلِّمِيِّ اليَمَانِيِّ ﵀.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ القَهْرُ وَالغَلَبَةُ وَاتِّبَاعُ الهَوَى، وَأَنَّهُ لَيسَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ العِلْمِ وَالفَضْلِ المُنْتَصِرِ لِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ مِنَ الهُدَى" (^١).
قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكَهْف: ١٢]، فَقَدْ جَعَلَ تَعَالَى مِنْهُم حِزْبَينِ مُخْتَلِفَينِ فَيهِم، فَلَيسَ بمُسَلَّمٍ أَنَّهُم كَانُوا فِئَةً وَاحِدَةً مُسْلِمَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ: "وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِم قَومٌ مِنْ قَومُ الفِتْيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُم: كَانَ الحِزْبَانِ جَمِيعًا كَافِرِينِ. وَقَالَ بَعْضُهُم: بَلْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، وَالآخَرُ كَافِرًا". قُلْتُ: وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَثْبَتْنَاهُ" (^٢).
٣ - دَعْوَى أَنَّهُم مُسْلِمُونَ؛ لَيسَتْ ثَابِتَةٌ، بَلْ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي القَائِلِينَ ذَلِكَ قَولَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُم المُسْلِمُونَ مِنْهُم. الثَّانِي: أَنَّهُم أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْهُم. فَاللهُ أَعْلَمُ (^٣).
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ قَالوُا ذَلِكَ هُمْ أَصْحَابُ الكَلِمَةِ وَالنُّفُوذِ، وَلَكِنْ هُمْ مَحْمُودُونَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَب (٣/ ١٩٣).
(٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٧/ ٦١٣).
(٣) وَقَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١٠/ ٣٥١): " ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ -أَهْلُ السُّلْطَانِ وَالمُلْكِ مِنْهُم-: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَسْجِدًا". وَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا عَلَى أَهْلِ الكَهْفِ مَسْجِدًا كَانُوا مِن النَّصَارَى الَّذِينَ لَعَنَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حَيثُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَالصَّالِحِينَ» ". الاسْتِغَاثَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى البَكْرِيِّ (ص ٣١٠).
[ ١ / ٣٨٤ ]
أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ؛ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا»، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّه لَمَّا وَجَدَ قَبْرَ دَانْيَال -فِي زَمَانِهِ بِالعِرَاق- أَمَرَ أَنْ يُخْفَى عَنِ النَّاسِ" (^١) (^٢).
قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ المُفَسِّرُونَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ هُمُ المُسْلِمُونَ أَمِ المُشْرِكونَ! فَمَا القَولُ بِهَذَا الفِعْلِ الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ الظَّنُّ بَينَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ؟ فَهَلْ هَذَا إِلَّا دَلِيلٌ عَلَى الذَّمِّ (^٣)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
٤ - أَنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ لَمْ تُسَقْ لِبَيَانِ حُكْمِ هَذَا الفِعْلِ أَصْلًا! وَلَكِنَّهَا كَانَتِ اخْتِبَارًا لِلمُشْرِكِينَ فِي تَصْدِيقِهِم بِالآيَاتِ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٤): "وَإنَّمَا قُلنَا إِنَّ القَولَ الأَوَّلَ أَولَى بِتَأْوِيلِ الآيَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ ﷿ أَنْزَلَ قِصَّةَ أَصْحَابِ الكَهْفِ عَلَى نَبِيِّهِ احْتِجَاجًا بِهَا عَلَى المُشْرِكِينَ مِنْ قَومِهِ -عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- إِذْ سَأَلُوهُ عَنْهَا اخْتِبَارًا مِنْهُم لَهُ بِالجَوَابِ عَنْهَا لِصِدْقِهِ" (^٥).
٥ - لِمَاذَا احْتُجَّ بِقَولِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي عَلَامَتُهَا الغَلَبَةُ، وَلَمْ يُحْتَجَّ بِالأُولَى
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥/ ١٤٧).
(٢) وَهُوَ أَثَرٌ صَحِيحٌ. أَورَدَهُ الرَّبَعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ (فَضَائِلِ الشَّامِ)، اُنْظُرْ تَخْرِيجَ كِتَابِ فَضَائِلِ الشَّامِ (ص ٥١)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٣٠٤).
(٣) فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَقَدْ تَمَّتِ الحُجَّةُ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَهُم جُهَّالُهُم؛ وَلَيسَ فِعْلُهُم بِحُجَّةٍ، كَحَالِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ.
(٤) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٧/ ٦٠١).
(٥) عَلَى أَنَّه يُمْكِنُ إِضَافَةُ فَائِدَةٍ ثَانيَةٍ فِي سَبَبِ إِيرَادِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ وَهِيَ تَنْبِيهُ الأُمَّةِ إِلَى سَدِّ القُبُورِ؛ وَأَنَّ أَهْلَ الإِيمَانِ مِنْهُم كَانُوا يُنَازِعُونَ أَهْلَ الغَلَبَةِ عَلَى المَنْعِ مِنْ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٤٧): " ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْيَانًا﴾: أَي: سُدُّوا عَلَيهِم بَابَ كَهْفِهِم، وَذَرُوهُم عَلَى حَالِهِم".
[ ١ / ٣٨٥ ]
وَهِيَ المُنَازِعَةُ للثَّانِيَةِ ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ﴾ وَقَدْ جَاءَ مِنْ صِفَتِهَا تَسْلِيمُ العِلْمِ بِحَالِ أَهْلِ الكَهْفِ إِلَى اللهِ تَعَالَى ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾؟! وَهَذَا أَولَى بِالاقْتِدَاءِ مِنَ الَّذِينَ وُصِفُوا بِالغَلَبَةِ فَقَط (^١).
٦ - أنَّهُ إِذَا قِيلَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ؛ فَيُقَالُ: إِنَّ بِنَاءَ المَسْجِدِ عَلَيهِم فِي الكَهْفِ لَهُ حَالَانِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ البِنَاءُ تَمَّ عَلَى ظَهْرِ الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ (^٢)، أَو أَنْ يُبْنَى عِنْدَ بَابِ الكَهْفِ (^٣)، وَفِي الحَالَتِينِ لَيسَ فِيهَا صُورَةُ قَبْرٍ فِي مَسْجِدٍ (^٤)! فَبَطَلَ الاسْتِدْلَالُ مِنْ أَصْلِهِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ (^٥).
_________________
(١) عَلَى أنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ أَيضًا بِأنَّهُ لَيسَ فِي القُرْآنِ أَنَّهُم عَمِلُوا بِذَلِكَ، بَلْ مُجَرَّدُ حُصُولِ التَّنَازُعِ.
(٢) قَالَ الآلُوسِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ رُوحُ المَعَانِي (٨/ ٢٢٧): "وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنَّ ذَلِكَ الاتِّخَاذَ كَانَ عَلى الكَهْفِ فَوقَ الجَبَلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَفِي خَبَرِ مُجَاهِدٍ أَنَّ المَلِكَ تَرَكَهُم فِي كَهْفِهِم وَبَنَى عَلَى كَهْفِهِم مَسْجِدًا -وَهَذَا أَقْرَبُ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ كَمَا لَا يَخْفَى-، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيهِ عَلَى القَولِ بِأَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ مَاتُوا بَعْدَ الإِعْثَارِ عَلَيهِم، وَأَمَّا عَلَى القَولِ بِأَنَّهُم نَامُوا كَمَا نَامُوا أَوَّلًا فَلَا يُحْتَاجُ إِلَيهِ عَلَى مَا قِيلَ. وَبِالجُمْلَةِ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ أَدْنَى رَشَدٍ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى خِلَافِ مَا نَطَقَتْ بِهِ الأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ وَالآثَارُ الصَّرِيحَةُ مُعَوِّلًا عَلَى الاسْتِدْلَالِ بِهَذِه الآيَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الغِوَايةِ غَايَةٌ، وَفِي قِلَّةِ النُّهَى نِهَايَةٌ، وَقَدْ رَأَيتُ مَنْ يُبِيحُ مَا يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ مِنْ إِشْرَافِهَا وَبِنَائِهَا بِالجِصِّ وَالآجُرِّ وَتَعْلِيقِ القَنَادِيلِ عَلَيهَا وَالصَّلَاةِ إِلَيهَا وَالطَّوَافِ بِهَا وَاسْتِلَامِهَا وَالاجْتِمَاعِ عِنْدَهَا فِي أَوقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ وَبِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ القِصَّةِ مِنْ جَعْلِ المَلِكِ لَهُم فِي كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا".
(٣) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الدُرِّ المَنْثُورِ (٥/ ٣٧٥): "وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فَقَالَ المَلِكُ: لَأَتَّخِذَنَّ عِنْدَ هَؤُلْاءِ القَومِ الصَّالِحِينَ مَسْجِدًا".
(٤) عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ أَيضًا: لَيسَ فِي الآيَةِ بَيَانُ مَوتِهِم حَتَّى يُجْعَلَ لَهُم قَبْرٌ ثُمَّ يُقَالُ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ! بَلْ يُجْزَمُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُم قَبْرٌ، بَلْ مَاتُوا فِي صَحْنِ الكَهْفِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [الكَهْف: ٢١]، فَلَو عَلِمُوا عَنْهُم شَيئًا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُم ذَلِكَ القَولُ.
(٥) وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ دَاخِلَ الكَهْفِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ الكَهْفِ -الَّذِي أُعِدَّ لِلاخْتِبَاءِ- لَا يُفْتَرَضُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّعَةِ مَا يُمَكِّنُ مِنَ البِنَاءِ بِدَاخِلِهِ، عَدَا عَنْ كَونِهِ بِحُكْمِ المَبْنِيِّ أَصْلًا.
[ ١ / ٣٨٦ ]
- الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: كَونُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، وَلَو كَانَ غَيرَ جَائِزٍ لَمَا دَفَنَهُ أَصْحَابُهُ رِضْوُانُ اللهِ عَلَيهِم فِي مَسْجِدِهِ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ المُشَاهَدُ اليَومَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ ﵃، فَإِنَّهُم لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ دَفَنُوهُ فِي حُجْرَتِهِ الَّتِي كَانَتْ بِجَانِبِ مَسْجِدِهِ، وَكَانَ يَفْصِلُ بَينَهُمَا جِدَارٌ فِيهِ بَابٌ -كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى المَسْجِدِ-، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ العُلَمَاءِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَينَهُم، وَالصَّحَابَةُ ﵃ حِينَمَا دَفَنُوهُ ﷺ فِي الحُجْرَةِ؛ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَي لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ بَعْدَهُم مِنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ مَسْجِدًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَة وَغَيرِهِ، وَلَكِنْ وَقَعَ بَعْدَهُم مَا لَمْ يَكُنْ فِي حُسْبَانِهِم، ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ أَمَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ بِهَدْمِ المَسْجِدِ النَّبَويِّ وَإِضَافَةِ حُجَرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَيهِ، فَأُدْخِلَتْ فِيهِ الحُجْرَةُ النَّبَويَّةُ -حُجْرَةُ عَائِشَةَ- فَصَارَ القَبْرُ بِذَلِكَ فِي المَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي المَدِينَةِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ حِينَذَاكَ، خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُم (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀: "وَإنَّمَا أُدْخْلَتِ الحُجْرَةُ فِي المَسْجِدِ فِي خِلَافَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بَعْدَ مَوتِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِالمَدِينَةِ، وَكَانَ
_________________
(١) بَلْ إِنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ جِدَارًا فِي بيتِهَا يَفْصِلُ بَينَهَا وَبَينَ القَبْرِ، كَمَا فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ (٢/ ٢٩٤) عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ يَقُولُ: "قُسِمَ بَيتُ عَائِشَة بِاثْنَين: قِسْمٍ كَانَ فِيهِ القَبْرُ، وَقِسْمٍ تَكُونُ فِيهِ عَائِشَةُ، وَبَينَهُمَا حَائِطٌ".
[ ١ / ٣٨٧ ]
آخِرَهُم مَوتًا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَتُوفِّيَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ المَلِكِ، فَإِنَّه تُوفيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَالوَلِيدُ تَوَلَّى سَنَةَ سِتِّ وَثَمَانِينَ، وَتُوفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، فَكَانَ بِنَاءُ المَسْجِدِ وَإدْخَالُ الحُجْرَةِ فِيهِ فِيمَا بَينَ ذَلِكَ" (^١).
وَعَلَيهِ فَلَا يُحْتَجُّ بِفِعْلِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ عَلَى أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ النَّاهِيَةِ! مَعَ مَا عَلِمْتَ مِنْ سَعْي الصَّحَابَةِ إِلَى عَزْلِ القَبْرِ عَنِ المَسْجِدِ (^٢).
_________________
(١) الصَّارِمُ المُنْكي (ص ١٥١).
(٢) هَذَا وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ كَثِيرْةٌ فِي بَيَانِ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ عضلَى ذَلِكَ البِنَاءِ وَالاتِّخَاذِ، وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ ثَلَاثَةٌ: أ- أَورَدَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الجَامِعِ الكَبِيرِ -وَالأَثَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ زَنْجَوِيه- عَنْ عُمَرَ مَولَى غُفْرَة؛ قَالَ: لَمَّا ائْتَمَرُوا فِي دَفْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ قَائِلٌ: نَدْفِنُهُ حَيثُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَقَامِهِ! قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَجْعَلَهُ وَثَنًا يُعْبَدُ! وَقَالَ آخَرُونَ: نَدْفِنُهُ فِي البَقِيعِ حَيثُ دُفِنَ إِخْوَانُهُ مِنَ المَهَاجِرِينَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نُخْرِجَ قَبْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى البَقِيعِ فَيَعُوذُ بهِ عَائِذٌ مِنَ النَّاسِ -للهِ عَلَيهِ حَقٌّ- وَحَقُّ اللهِ فَهُوَ حَقُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنْ أَخَذْنَا بِهِ ضَيَّعْنَا حَقَّ اللهِ، وَإِنْ أَخْفَرْنَاهُ أَخْفَرْنَا قَبْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ! قَالُوا: فَمَا تَرَى أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا دُفِنَ حَيثُ قَبَضَ رُوحَهُ». قَالُوا: فَأَنْتَ -وَاللهِ- رَضِيُّ مُقْنِعٌ، ثُمَّ خَطُّوا حَولَ الفِرَاشِ خَطًّا، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلِيٌّ وَالعبَّاسُ وَالفَضْلُ وَأَهْلُهُ، وَوَقَعَ القَومُ فِي الحَفْرِ يَحْفِرُونَ حَيثُ كَانَ الفِرَاشُ. ذَكَرَهُ فِي فِضَائِلِ الصِّدِّيقِ. قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ١٣): قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، فَإِنَّ عُمَرَ مَولَى غُفْرَةَ -مَعَ ضَعْفِهِ- لَمْ يُدْرِكْ أيَّامَ الصِّدِّيقِ. كَذَا فِي (الجَامِعِ الكَبِيرِ) لِلسُّيُوطِيِّ (٣/ ١٤٧/١٢). ب- رَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ (٤/ ٢١): "عَنْ سَالِمِ أَبِي النَّضْرِ؛ قَالَ: لَمَّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ فِي عَهْدِ عُمَرَ ضَاقَ بِهُمُ المَسْجِدُ؛ فَاشْتَرَى عُمَرُ مَا حَولَ المَسْجِدِ مِنَ الدُّورِ إِلَّا دَارَ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلبِ وَحُجَرِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْعَبَّاسِ: يَا أَبَا الفَضْلِ إِنَّ مَسْجِدَ المُسْلِمِينَ قَدْ ضَاقَ بِهِم، وَقَدْ ابْتَعْتُ مَا حَولَهُ منَ المَنَازِلِ نُوَسِّعُ بهِ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي مَسْجِدِهِم إِلَّا دَارَكَ وَحُجَرَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا حُجُرَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِين فَلَا سَبِيلَ إِلَيهَا، وَأَمَّا دَارُكَ فَبِعْنِيهَا بِمَا شِئْتَ مِنْ بَيتِ مَالِ المُسْلِمِينَ أُوَسِّعُ بِهَا فِي مَسْجِدِهِم". جـ- أَنْكَرَ سَعِيدُ بْنُ المَسَيِّبِ ﵀ -وَقَدْ تُوُفِّيَ بَعْدَ التِّسْعِين- ذَلِكَ الِإدْخَالَ، فَقَدْ قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ =
[ ١ / ٣٨٨ ]
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "وَلَمَّا احْتَاجَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ كَثُرَ المُسْلِمُونَ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ -وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ ﵂؛ مَدْفِنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ بَنَوا عَلَى القَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَولَهُ لِئَلَّا يَظْهَر فِي المَسْجِدِ فَيُصَلِّي إِلَيهِ العَوَامُّ وَيُؤَدِّي المَحْذُورِ، ثُمَّ بَنَوا جِدَارَينِ مِنْ رُكْنَي القَبْرِ الشَّمَالِيَّينِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى التَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيثِ: «لَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا». وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ" (^١).
٢ - أَنَّ القَبْرَ مَعْزُولٌ عَنِ المَسْجِدِ لَا سِيَّمَا وَأَنَّهُ قَدْ أُحِيطَ بِجُدْرَانٍ عِدَّةٍ تَعْزِلُهُ عَنِ المَسْجِدِ (^٢)، لِذَلِكَ لَو تَقَصَّدَ رَجُلٌ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ القَبْرِ وَيَرْتَكِبَ المَحْذُورَ؛ فَإِنَّهُ لَنْ
_________________
(١) = فِي تَارِيخِهِ (١٢/ ٤١٥) بَعْدَ أَنْ سَاقَ قِصَّةَ إِدْخَالِ الحُجْرَةِ فِي المَسْجِدِ: "وَيُحْكَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ أَنْكَرَ إِدْخَالَ حُجْرَةِ عَائِشَة فِي المَسْجِدِ؛ كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ القَبْرُ مَسْجِدًا".
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٥/ ١٤). تَنْبِيهٌ: عَزُو إِدْخَالِ الحُجْرَةِ فِي المَسْجِدِ إِلَى الصَّحَابةِ لَا يَثْبُتُ؛ كَمَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المُنْكِي (ص ١٥١). قُلْتُ: وَفِي إِكْمَالِ المُعْلِمِ (٢/ ٢٥٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلقَاضِي عِيَاض: "وَلِهَذَا لَمَّا احْتَاجَ المُسْلِمُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ لِتَكَاثُرِهِم بِالمَدِينَةِ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ أُدْخِلَ فِيهَا بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ"، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّحَابَةَ؛ فَتَنَبَّهْ.
(٣) وَالمَوجُودُ عَلَيهِ الآنَ مِنَ الجُدْرَانِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ: فَالجِدَارُ الأَوَّلُ -وَهُوَ مُغْلَقٌ تَمَامًا- هُوَ جِدَارُ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ فأُعِيدَ وَسُدَّ بَابُهُ. وَالجِدَارُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي عُمِلَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي إِمَارَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، جَعَلُوا جِهَةَ الشَّمَالِ -وَهِيَ عَكْسُ جِهَةِ القِبْلَةِ- جَعَلُوهَا مُثَلَّثَةً. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَزْمَان جَاءَ جِدَارٌ ثَالِثٌ أَيضًا وَبُنيَ حَولَ هَذَينِ الجِدَارَينِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي القَصِيدَةِ النُّونِيَّةِ يَذْكُرُ دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» -وَهُوَ صَحِيحٌ؛ وَسَيَأْتِي- قَالَ: "فَأَجَابَ رَبُّ العَالَمِينَ دُعَاءَهُ … وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الجُدْرَانِ، حَتَّى غَدَتْ أَرْجَاؤُهُ بِدُعَائِهِ … فِي عِزَّةٍ وحِمَايَةٍ وَصِيَانِ"، وَهَذَا الجِدَارُ كَبِيرٌ مُرْتَفِعٌ إِلَى فَوقٍ، وُضِعَتْ عَلَيهِ القُبَّةُ فِيمَا بَعْدُ -وَهَذِهِ القُبَّةُ بُنِيَتْ سَنَةَ (٧٧٨ هـ) فِي دَولَةِ السُّلْطَانِ المَلِكِ المَنْصُورِ قَلَاوون-، وَكُلُّ هَذِهِ الجُدْرَانِ لَيسَ لَهَا بَابٌ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وُضِعَ السُّورُ الحَدِيدِيُّ هَذَا وَهُوَ الرَّابِعُ، وَهَذَا السُّورُ الحَدِيدِيُّ بَينَهُ وَبَينَ الجِدَارِ الثَّالِثِ نَحْوَ مِتْرٍ وَنِصْفٍ فِي بَعْضِ المَنَاطِقِ وَنَحْوَ مِتْرٍ فِي بَعْضِهَا، وَبَعْضُهَا نَحْوَ مِتْرٍ وَثَمَانِينَ (سَنْتِيمِتْر) إِلَى مِتْرَينِ فِي بَعْضِهَا، يَضِيقُ وَيَزْدَادُ. اُنْظُرْ كِتَابَ (التَّمْهِيدُ) (ص ٢٦١) لِلشَّيخِ صَالِحِ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ.
[ ١ / ٣٨٩ ]
يَسْتَطِيعَ، لِأَنَّ القَبْرَ مَعْزُولٌ عَنِ المَسْجِدِ قَدْ أُغْلِقَتْ كُلُّ المَنَافِذِ إِلَيهِ، فَبِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ كَونِ صُورَتِهِ صُورَةَ قَبْرٍ فِي مَسْجِدٍ (^١).
٣ - وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنَ القَولِ بِأَنَّ المَسْجِدَ النَّبَويَّ، عَلَى فَرْضِ أَنَّ الآنَ صُوَرتُهُ صُورَةُ قَبْرٍ فِي مَسْجِدٍ؛ فَلَا يَنْسَحِبُ عَلَيهِ حُكْمُ النَّهْي لِمَا لَهُ مِنْ فَضِيلَةٍ عُظْمَى فِي مُضَاعَفَةِ أَجْرِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِقَاعِدَةِ (مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ) (^٢).
_________________
(١) وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ -مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ هَذَا الأَمْرِ عِنْدَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُم- أَنَّهُم أَخَذُوا مِنَ الرَّوضَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي هِيَ رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ؛ كَمَا قَالَ ﵊: «مَا بَينَ بَيتِي وَمِنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١١٩٦)، وَمُسْلِمٌ (١٣٩١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، فَأَخَذُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْتَارٍ كَي يَقُومَ الجِدَارُ الثَّانِي ثُمَّ يَقُومَ الجِدَارُ الثَّالِثُ ثُمَّ يَقُومَ السُّورُ الحَدِيدِيُّ، وَمَا هَذَا إِلَّا لِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ شَأْنِ الرَّوضَةِ؛ أَلَا وَهُوَ الخَوفُ مِنَ الافْتِتَانِ بِالقَبْرِ وَاتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا.
(٢) وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القَاعِدَةَ ابْنُ القيَّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ) (٢/ ١٠٨).
[ ١ / ٣٩٠ ]
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الجَوَابُ البَاهِرُ فِي حُكْمِ زِيَارَةِ المَقَابِرِ): "وَالصَّلَاةُ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَكَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ قَبْلَ دُخُولِ الحُجْرَةِ فِيهِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَالعِبَادَةُ فِيهِ إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ إدْخَالِ الحُجْرَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّهَا إنَّمَا أُدْخِلَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي إمَارَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ" (^١).
_________________
(١) وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الأَفَاضِلِ إِلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ جَاءَ مِنْ كَونِ القَبْرِ طَارِئًا عَلَى المَسْجِدِ، وَأَنَّه ُلَيسَ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ. وَهُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ رَدَّهُ فِي مَسَائِلِ البَابِ المَاضِي، وَالحَمْدُ للهِ.
[ ١ / ٣٩١ ]
- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ الخَيفِ (^١) مَعَ أنَّ فِيهِ قَبْرَ سَبْعِينَ نَبِيًّا (^٢)! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
إِنَّنَا لَا نَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ ﷺ فِي هَذَا المَسْجِدِ؛ وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ مَا ذُكِرَ فِي الشُّبْهَةِ مِنْ أَنَّهُ دُفِنَ فِيهِ سَبْعُونَ نَبِيًّا!! لَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ:
١ - مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ: لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ فِيهِ عِيسَى بْنَ شَاذَان؛ قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِهِ (الثِّقَاتُ): "يُغَرِّبُ" (^٣)، وَفِيهِ أَيضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ؛ قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ: "ثِقَةٌ يُغَرِّبُ" (^٤).
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "وَأَنَا أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ تَحَرَّفَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَالَ: (قَبْرُ) بَدَلَ (صَلَّى) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الثَّانِيَ هُوَ المَشْهُورُ فِي الحَدِيثِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الكَبِيرِ) (^٥) بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «صَلَّى فِي مَسْجِدِ الخَيفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا»، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي
_________________
(١) قَالَ الجَوهَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الصِّحَاحُ (٤/ ١٣٥٩): "الخَيفُ: مَا انْحَدَرَ عَنْ غِلَظِ الجَبَلِ وَارْتَفَعَ عَنْ مَسِيلِ المَاءِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ مَسْجِدُ الخَيفِ بِمِنَى".
(٢) رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٢/ ٤١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «فِي مَسْجِدِ الخَيفِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا». وَسَيَأْتِي بَيَانُ كَونِهِ ضَعِيفًا.
(٣) الثِّقَاتُ (٨/ ٤٩٤). وَمَعْنَى (يُغَرِّبُ): أَي: يَأْتِي بِالغَرَائِبِ عَلَى أقْرَانِهِ فِي الحَدِيثِ. انْظُرْ كِتَابَ (تَوضِيحُ الأَفْكَارِ) (٢/ ١٦٧) لِلصَّنْعَانيِّ ﵀.
(٤) تَقْرِيبُ التَّهْذِيبِ (ص ٩٠).
(٥) المُعْجَمُ الكَبِيرُ (١١/ ٤٥٢).
[ ١ / ٣٩٢ ]
الأَوسَطِ (^١)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
٢ - مِنْ جِهَةِ المَعْنَى: لَيسَ فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ القُبُورَ ظَاهِرْةٌ فِي المَسْجِدِ، وَقَدْ عَقَدَ الأَزْرَقِيُّ (^٢) فِي (تَارِيخِ مَكَّةَ) عِدَّةَ فُصُولٍ فِي مَسْجِدِ الخَيفِ؛ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ فِيهِ قُبُورًا بَارِزَةً!
٣ - مِنَ جِهَةٍ ظَاهِرِ الحَالِ: فمن المَعْلُومِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا تُبْنَى أَحْكَامُهَا عَلَى الظَّاهِرِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي المَسْجِدِ المَذْكُورِ قُبُورٌ ظَاهِرَةٌ فَلَا مَحْظُورَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ البَتَّةَ، لِأَنَّ القُبُورَ مُنْدَرِسَةٌ وَلَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ، بَلْ لَولَا هَذَا الخَبَرُ -الَّذِي عَرَفْتَ ضَعْفَهُ- لَمْ يَخْطرْ فِي بَالِ أَحَدٍ أَنَّ فِي أَرْضِهِ سَبْعِينَ قَبْرًا، وَلِذَلِكَ لَا تَقَعُ فِيهِ تِلْكَ المَفْسَدَةُ الَّتِي تَقَعُ عَادَةً فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ الظَّاهِرَةِ وَالمُشْرِفَةِ (^٣).
_________________
(١) المُعْجَمُ الأَوسَطُ (٥٤٠٧).
(٢) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ الأَزْرَقِ؛ أَبُو الوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ: مُؤرِّخٌ يَمَانِيُّ الأَصْلِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. الأَعْلَامُ (٦/ ٢٢٢).
(٣) وَمِثْلُهَا فِي الشُّبْهَةِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ ﵇ مَدْفُونٌ فِي الحِجْرِ مِنَ البَيتِ، وَعُلِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الحِجْرِ مُسْتَحَبَّةٌ!! وَالجَوَابُ عَنْهَا هُوَ كَمَا سَبَقَ آنِفًا: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الكَلَامُ مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِه؛ فَإِنَّ هَذَا القَبْرَ غَيرُ ظَاهِرٍ؛ فَزَالَتِ العِلَّةُ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
[ ١ / ٣٩٣ ]
- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: بِنَاءُ أَبِي جَنْدَلٍ مَسْجِدًا عَلَى قَبْرِ أَبِي بَصِيرٍ ﵄ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -كَمَا فِي الاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ البَرِّ-! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
١ - إِنَّ هَذَا الأَثَرَ لَيسَ لَهُ إِسْنَادٌ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَيسَ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، وَإنَّمَا أَورَدَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَصِيرٍ مِنْ كِتَابِهِ (الاسْتِيعَابُ) مُرْسَلًا فَقَالَ: "وَلَهُ قِصَّةٌ فِي المَغَازِي عَجِيبَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ؛ وَفِيهَا: فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَل مَكَانَهُ، وَصَلَّى عَلَيهِ، وَبَنَى عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا" (^١).
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الكِتَابِ: "وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ (بَنَى عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا) مُعْضَلَةٌ مُنْكَرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ".
٢ - لَيسَ فِي القِصَّةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقرَّهُ! فَلَا حُجَّةَ فِيهَا.
٣ - أَنَّهُ لَو فَرَضْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ وَأَقَرَّهُ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّ الأَحَادِيثَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ -كَمَا سَبَقَ-، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ النَّصُّ المُتَأَخِّرُ مِنْ أَجْلِ النَّصِّ المُتَقَدِّمِ -عَلَى فَرَضِ صِحَّتِهِ- (^٢).
_________________
(١) الاسْتِيعَابُ (٤/ ١٦١٢).
(٢) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ (٢٥/ ٣٠٠) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ: (وَجَعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا) بَدَلَ: (عَلَى قَبْرِهِ). وَهُوَ مُرْسَلٌ أَو مُعْضَلٌ أَيضًا، فَلَمْ يَعُدْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى المَقْصُودِ. وَفِي الفَتْحِ (٥/ ٣٥١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: (فكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَصِيرٍ، فَقَدِمَ كِتَابُهُ -وَأَبُو بَصِيرٍ يَمُوتُ-، فَمَاتَ -وَكِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ- فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَلٍ مَكَانَهُ، وَجَعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا) ". قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ الدُّوَيش ﵀ -فِي التَّعْلِيقِ عَلَى فَتْحِ البَارِي لِابْنِ حَجَرٍ-: "هَذَا لَا يَثْبُتُ، لِأَنَّهُ إِمَّا مُرْسَلٌ أَو مُعْضَلٌ، خُصُوصًا مَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَضْعَفِ المَرَاسِيلِ؛ كَمَا روى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي =
[ ١ / ٣٩٤ ]
- الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: زَعَمَ بَعْضُهُم أَنَّ المَنْعَ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ؛ إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةِ خَشْيَةِ الافْتِتَانِ بِالمَقْبُورِ، وَقَدْ زَالَتِ العِلَّةُ اليَومَ بِرُسُوخِ الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ؛ فَزَالَ المَنْعُ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
١ - إِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ إِنَّمَا دَفَنُوهُ ﷺ فِي بَيتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا؛ فَغَيرُهُمْ أَولَى مِنْهُم -أَي: مِنْ جِهَةِ الافْتِتَانِ-، وَأَيضًا التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُم أَمَرُوا بِذَلِكَ وَعَمِلُوا بِهِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَدَعَنَّ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا» (^١).
وَفِي الأَثَرِ (قَالَ المَعْرُورُ بْنُ سُوَيدٍ الأَسَدِيُّ: خَرَجْتُ مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا صَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، ثُمَّ رَأَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ مَذْهَبًا، فَقَالَ: أَينَ يَذْهَبُ هَؤلَاءِ؟ قَيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ مَسْجِدٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُمْ يَأْتُونَهُ يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِمِثْلِ هَذَا: يَتَّبِعُونَ آثَارَ أَنْبِيَائِهِم فَيَتَّخِذُونَهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا! مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ فَلْيُصَلِّ؛ وَمَنْ
_________________
(١) = كِتَابِهِ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ (١/ ٢٤٦) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى إِرْسَالَ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ شَيئًا، وَيَقُولُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الرِّيحِ، وَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ قَومٌ حُفَّاظٌ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا شَيئًا عَقلُوهُ، وَأَيضًا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ". قُلْتُ: فَالأَثَرُ الَّذِي فِي الفَتْحِ مُنْقَطِعٌ، وَلَيسَ فِيهِ البِنَاءُ عَلَى القَبْرِ نَفْسِهِ. وَالحَمْدُ للهِ.
(٢) مُسْلِمٌ (٩٦٩).
[ ١ / ٣٩٥ ]
لَا فَلْيَمْضِ، وَلَا يَتَعَمَّدْهَا) (^١).
٢ - دَلَّتِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ سَيَقَعُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ -وَهُوَ وَاقِعٌ الآنَ-، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الغُلُوَّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينِ هُوَ أَهَمُّ أَسْبَابِهَا، وَعَلَيهِ فَلَمْ تُؤْمَنْ فِتْنَةُ الشِّرْكِ بَعْدُ.
وَانْظُرْ مَا جَاءَ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الشِّرْكَ وَاقعٌ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ:
- «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ، وَذُو الخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ» (^٢) (^٣).
- «لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا! قَالَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم». رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا (^٤).
- «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ منْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ فِي المُصَنِّفِ (٧٥٥٠). اُنْظُرْ تَخْرِيجَ أَحَادِيثِ فَضَائِل الشَّامِ وَدِمَشْقَ (ص ٥٠) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.
(٢) البُخَارِيُّ (٧١١٦) بَابُ تَغْيِيرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوثَانُ، وَمُسْلِمٌ (٢٩٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيهَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَجَليُّ فَكَسَرَهَا، كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣٠٢٠)، وَفِيهِ قَولُهُ ﷺ: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟»، فَقَالَ جَرِيرٌ: فَنَفَرْتُ فِي مَائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا، فَكَسَرْنَاهُ، وقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ -وَفِي لَفْظٍ لَهُ (٤٣٥٧) -: (كَانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيتًا بِاليَمَنِ لِخَثْعَمَ وبَجِيلةَ؛ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ، يُقَالُ لَهَا: الكَعْبَةُ! قَالَ: فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا).
(٤) مُسْلِمٌ (٢٩٠٧).
[ ١ / ٣٩٦ ]
قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأوثانَ» (^١).
- «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ اللهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢)، وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٣).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ: "وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ المَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ حَالَ خَشْيَةِ أَنْ يُصْنَعَ بِالقَبْرِ كَمَا صَنَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لُعِنُوا، وَأَمَّا إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ فَلَا امْتِنَاعَ وَقَدْ يَقُولُ بِالمَنْعِ مُطْلَقًا مَنْ يَرَى سَدَّ الذَّرِيعَةِ -وَهُوَ هُنَا مُتَّجِهٌ قَوِيٌّ-" (^٤).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الفَتْحِ: "بَلْ هَذَا هُوَ الحَقُّ، لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ بِالنَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ، ولَعْنِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ بِنَاءَ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ الشِّرْكِ بِالمَقْبُورِينَ فِيهَا. وَاللهُ أَعْلَمُ".
قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ الشِّرْكُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى أَصْحَابِهِ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» (^٥)! بَلْ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٥] فَهَلْ يُؤْمَنُ عَلَى غَيرِهِ؟! بَلْ أَقُولُ: لَا يَأْمَنُ الفِتْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا مَفْتُونٌ.
وَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُوَفِّقُ وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٢٥٢) عَنْ ثَوبَانَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٥٤).
(٢) قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةُ (ص ١٣٥١): "قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيهِم: قُيِّدَ (الله) بِرَفْعِ الهَاءِ وَنَصْبِهَا، فَمَنْ رَفَعَهَا؛ فَمَعْنَاهُ ذَهَابُ التَّوحِيدِ، وَمَنْ نَصَبَهَا؛ فَمَعْنَاهُ انْقِطَاعُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ. أَي: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اتَّقِ اللهَ".
(٣) مُسْلِمٌ (١٤٨)، وَأَحْمَدُ (١٣٨٣٣) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.
(٤) فَتْحُ البَارِي (٣/ ٢٠٨).
(٥) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٦٣٠) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٥١).
[ ١ / ٣٩٧ ]
- الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ مَسْجِدَ بَنِي أُمَيَّةَ (المَسْجِدَ الأُمَوِيَّ) مُنْذَ دَخَلَ إِلَيهِ الصَّحَابَةُ وَغَيرُهُم لَمْ يُنْكِرُوا وُجُودَ قَبْرِ يَحْيَى ﵇! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ المَسْجِدَ الأُمَويَّ إِنَّمَا أَنْشَأَهُ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ ﵀، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ جُزْءًا مِنْ مَعْبَدٍ رُومَانِيٍّ أَو كَنِيسَةٍ؛ وَاسْتَغَلَّ بِنَاءَهُ وَهَيئَتَهُ لِيَكُونُ مَسْجِدًا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ صَلَّى فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ (^١) أَنَّهُ رَأَى قَبْرًا فِيهِ أَو ذَكَرَ شَيئًا مِنْ شَأْنِهِ، وَعَلَيهِ فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الاسْتِدْلَالِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ أَصْلًا.
٢ - دَعْوَى أَنَّ فِيهَا قَبْرَ يَحْيَى ﵇! إِنَّمَا هُوَ مَحْضُ اخْتِلَاقٍ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ:
أ- عَدَمُ وُجُودِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ غَايَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُم أَثْنَاءَ العَمَلِيَّاتِ فِيهِ -عَمَلِيَّاتِ الإِصْلَاحِ لِجَعْلِهِ مَسْجِدًا- وَجَدُوا فِيهِ مَغَارَةً فِيهَا صُنْدُوقٌ فِيهِ رَأْسٌ وَكُتِبَ عَلَى الصُّنْدُوقِ: هَذَا رَأْسُ يَحْيَى، فَأَمَرَ الوَلِيدُ بِإِبْقَائِهِ فِي مَكَانِهِ، وَجَعَلَ العَمُودَ الَّذِي فَوقَهُ مُغَيَّرًا مِنَ الأَعْمِدَةِ، فَلَمْ يُبْنَ عَلَيهِ قَبْرٌ! بَلْ أَبْقَاهُ فِي مَغَارَتِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَهَذَا الأَثَرُ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا أَيضًا، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ (^٢)، وَفِي الإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الغَسَّانِيُّ، وَهُوَ كَذَّابٌ (^٣).
ب- أَنَّ جُمْهُورَ المُؤَرِّخِينَ ذَكَرُوا أَنَّ رَأْسَ يَحْيَى ﵇ هُوَ فِي مَسْجِدٍ فِي حَلَبَ، وَلَيسَ فِي المَسْجِدِ الأُمَوِيِّ (^٤)!
_________________
(١) وَقَدْ ثَبَتَ أنَّه قَدْ صَلَّى فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَثَوبَانَ.
(٢) تَارِيخُ دِمَشْقَ (٢/ ٢٤١).
(٣) اُنْظُرْ (مِيزَانُ الاعْتِدَالِ) (١/ ٧٣).
(٤) وَفِي كِتَابِ (تَارِيخُ حَلَب) لابْنِ العَظِيمِيِّ التَّنُوخِيِّ (ص ٣٣٦): "سَنَة (٤٣٥ هـ): فِيهَا ظَهَرَ بِبَعْلَبَك فِي =
[ ١ / ٣٩٨ ]
وَبَعْدَ هَذَا البَيَانِ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ؛ العِبْرَةُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَلَيسَ بِالحَقِيقَةِ، فَوُجُودُ بِنَاءٍ أَو مَقَامٍ أَو قُبَّةٍ عَلَى قَبْرٍ هُوَ كَافٍ فِي النَّهْي خَشْيَةَ الافْتِتَانِ وَلَو لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَقْبُورٌ أَصْلًا، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ عِلَّةِ النَّهْي فِي الحَالَتَينِ، وَلِأَنَّ تَمْيِيزَ حَقِيقَةِ المَقْبُورِ فِي القَبْرِ لَيسَ بِمُسْتَطَاعٍ لِعَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّةً بَعْدَ مُرُورِ أَزْمِنَةٍ مِنْ وُجُودِ القَبْرِ فِي المَسْجِدِ (^١).
_________________
(١) = حَجَرٍ مَنْقُورٍ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ﵉، فَنُقِلَ إِلَى حِمْصَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى مَدِينةِ حَلَبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِهَذَا المَقَامِ المَذْكُورِ فِي جُرْنٍ مِنَ الخَامِ الأَبْيَضِ، وَوُضِعَ فِي خِزَانَةٍ إِلَى جَانِبِ المِحْرَابِ، وَأُغْلِقَتْ وَوُضِعَ عَلَيهَا سِتْرٌ يَصُونُهَا".
(٢) كَمَا فِي رَدِّ العَلَّامَةِ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀ عَلَى شُبْهَةِ كَونِ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ فِي الحَطِيمِ (الحِجْرِ) عِنْدَ المِيزَابِ فَقَالَ: "وَفِيهِ أَنَّ صُورَةَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ وَغَيرُهُ مُنْدَرِسَةٌ؛ فَلَا يَصْلُحُ الاسْتِدْلَالُ بِهِ". مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (٢/ ٦٠١).
[ ١ / ٣٩٩ ]
- الفَصْلُ الخَامِسُ: فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ:
اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ ﵎ -وَقَدْ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ- أَنْ يَنْهَى عَنْ كُلِّ الوَسَائِلِ الَّتِي يُخْشَى أَنْ تَكُونَ ذَرِيعَةً -وَلَو بَعْدَ حِينٍ- لِوقُوعِ النَّاسِ فِي الشِّركِ؛ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الكَبَائِرِ، فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ كَمَا نَهَى عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ إِلَيهَا وَاتِّخَاذِهَا أَعْيَادًا.
[ ١ / ٤٠٠ ]
- الفَصْلُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ:
اعْلَمْ أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ هُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ بَينَ العُلَمَاءِ، وَإنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بُطْلَانِهَا. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الحَنَابِلَةِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ.
وَالحُكْمُ هُوَ عَلَى دَرَجَاتٍ:
١ - مَنْ تَقَصَّدَ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ؛ فَالصَّلَاةُ مُحَرَّمَةٌ، بَلْ وَبَاطِلَةٌ (^١).
٢ - مَنْ لَمْ يَتَقَصَّدِ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ؛ فَيُقَالُ: إِنَّ الصَّلَاةَ مَنْهيٌّ عَنْهَا، وَلَكِنْ لَا يَظْهَرُ البُطْلَانُ (^٢).
٣ - مَنْ لَمْ يَتَقَصَّدِ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ، وَإنَّمَا صَلَّى اتِّفَاقًا -أَي صَادَفَ القَبْرَ-؛ فَهَذَا إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُدْرِكَ الجَمَاعَةَ فِي غَيرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ كَانَ هَذَا هُوَ الوَاجِبَ فِي حَقِّهِ، وَإلَّا صَلَّى فِيهِ لِإِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ الوَاجِبَةِ فِي حَقِّهِ (^٣).
_________________
(١) خَاصَّةً أَنَّ عِلَّةَ النَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القَبْرِ مَسْجِدًا هِيَ نَفْسُ تِلْكَ المَوجُودَةِ فِي هَذَا التَّقَصُّدِ، وَهِيَ الافْتِتَانُ بِالميِّتِ وَالتَّعَلُّقُ بِهِ دُونَ اللهِ تَعَالَى؛ سَوَاءً كَانَ المُسَمَّى بِذَلِكَ القَصْدِ شَفَاعَةً أَو تَوَسُّلًا إِلَى اللهِ تَعَالَى.
(٢) قُلْتُ: وَلَعلَّهُ أَيضًا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀، حَيثُ قَالَ فِي كِتَابِهِ الأُمُّ (١/ ٣١٧): "وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ مَسْجِدٌ؛ وَأَنْ يُسَوَّى، أَو يُصَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسَوَّى -يَعْنِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ- أَو يُصَلَّى إِلَيهِ. قَالَ: وَإِنْ صَلَّى إِلَيهِ أَجْزَأَهُ؛ وَقَدْ أَسَاءَ ". وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الكِتَابِ: "إِنَّ المَسْأَلَةَ بِحَاجَةٍ لِتَوسِيعٍ أَكْثَرَ فِي البَحْثِ، عِلْمًا أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ الحَنَابِلَةِ -كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هُوَ البُطْلَانُ".
(٣) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٥٤٣)، وَهُوَ عَلَى قَاعِدَةِ: (مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ).
[ ١ / ٤٠١ ]
- فَائِدَةٌ: لَا يُصَلَّى فِي المَقْبَرَةِ إِلَّا الجَنَازَةُ:
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وَقَدْ قَالَ نَافِعٌ -مَولَى ابْنِ عُمَرَ-: صَلَّينَا عَلَى عَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسْطَ البَقِيعِ، وَالإِمَامُ يَومَئِذٍ أَبُو هُرَيرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ" (^١).
قُلْتُ: وَصَلَاةُ الجَنَازَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ النَّهْي عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ قَولُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ أَيضًا: "لَا يُصَلَّى فِي مَسْجِدٍ بَينَ المَقَابِرِ إِلَّا الجَنَائِزُ، لِأَنَّ الجَنَائِزَ هَذِهِ سُنَّتُهَا" يُشِيرُ إِلَى فِعْلِ الصَّحَابَةِ.
قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: "وَرُوِّينَا أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ كَانَ يُصَلِّي فِي المَقْبَرَةِ؛ غَيرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَتِرُ بِقَبْرٍ" (^٢).
قُلْتُ: فَتُصَلَّى الجَنَازةُ فِي المُصَلَّى الخَاصِّ بِهَا عِنْدَ المَقْبَرَةِ، وَلَيسَ بَينَ القُبُورِ! وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَنَائِزِ بَينَ القُبُورِ» (^٣).
وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَرْأَةِ السَّودَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ (^٤)
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الكِتَابِ (ص ١٢٤): "أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي المُصَنَّفِ (١٥٩٤/ ٤٠٧/١) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ".
(٢) رَوَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ فِي الأَوسَطِ (٢/ ١٨٣) (١/ ١٨٥)، وَفِيهِ خَالِدُ بنُ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي مَالِكٍ الهَمْدَانِيُّ؛ ضَعَّفُوهُ. اُنْظُرْ (مِيزَانُ الاعْتِدَالِ) (١/ ٦٤٥).
(٣) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ (٥٦٣١). أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ١٠٨) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٤) البُخَارِيُّ (٤٦٠)، وَمُسْلِمٌ (٩٥٦).
[ ١ / ٤٠٢ ]
فَجَائِزَةٌ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ، وَلَكِنَّ التَّفْرِيقَ بَينَ الحَالَتِينِ هُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ صَلَاةِ الجَنَازَةِ بَينَ القُبُورِ هُوَ قَبْلَ دَفْنِ المَيِّتِ، أَمَّا صُورَةُ الحَالَةِ الثَّانيةِ عِنْدَ القَبْرِ فَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيهَا (^١)، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الأَدِلَّةُ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (^٢).
_________________
(١) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٢٣١).
(٢) وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ -كَالمُنَاوِيِّ ﵀ فِي (فَيضُ القَدِيرِ) (٦/ ٣٤١) - إِلَى أَنَّ النَّهيَ هُوَ لِلكَرَاهَةِ التَّنْزِيهيَّةِ. وَذَهَبَ غَيرُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ المَرْأَةِ السَّودَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ حَيثُ قَالَ ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا عَلَيهِمْ بِصَلَاتِي» رَوَاهُ َمُسْلِمٌ (٩٥٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التَّوبَة: ١٠٣]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ (١٤/ ٤٥٤): "إِنَّ دُعَاءَكَ وَاسْتِغْفَارَكَ طَمَأْنِينَةٌ لَهُمْ". قُلْتُ: وَلَكِنْ سَبَقَ مَعَنَا قَولُ نَافِعٍ: (صَلَّينَا عَلَى عَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسْطَ البَقِيعِ). وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ١ / ٤٠٣ ]
الفصل السابع: في أن الحكم السابق يشمل جميع المساجد إلا المسجد النبوي
- الفَصْلُ السَّابِعُ: فِي أَنَّ الحُكْمَ السَّابِقَ يَشْمَلُ جَمِيعَ المَسَاجِدِ إِلَّا المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، وَذَلِكَ لِفَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ بِأَلْفٍ مِمَّا سِوَاهُ، وَأَيضًا لِوُجُودِ الرَّوضَةِ الشَّرِيفَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «مَا بَينَ بَيتِي وَمِنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١)، وَلِغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الفَضَائِلِ، وَلَو قِيلَ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ تَسْوِيَتُهُ مَعَ غَيرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ وَرَفْعُ هَذِهِ الفَضَائِلِ عَنْهُ! وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَالصَّلَاةُ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَكَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ قَبْلَ دُخُولِ الحُجْرَةِ فِيهِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَالعِبَادَةُ فِيهِ إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ إدْخَالِ الحُجْرَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّهَا إنَّمَا أُدْخِلَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي إمَارَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ" (^٢).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١١٩٦)، وَمُسْلِمٌ (١٣٩١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٧/ ٣٤٨).
[ ١ / ٤٠٤ ]