فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ؛ وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» (^١)، فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَينَ الفِتْنَتَينِ: فِتْنَةَ القُبُورِ، وَفِتْنَةَ التَّمَاثِيلِ.
وَلَهُمَا عَنْهَا؛ قَالَتْ: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ؛ فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ -وَهُوَ كَذَلِكَ-: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ -يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا-، وَلَولَا ذَلِكَ؛ أُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا». أَخْرَجَاهُ (^٢).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ -قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ- وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَو كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (^٣).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٨).
(٢) البُخَارِيُّ (٤٤٤١)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٩).
(٣) مُسْلِمٌ (٥٣٢).
[ ١ / ٣٥٦ ]
فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ -وَهُوَ فِي السِّيَاقِ- مَنْ فَعَلَهُ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ -وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ-، وَهُوَ مَعْنَى قَولِهِ: «خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَولَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا! وَكُلُّ مَوضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا، بَلْ كُلُّ مَوضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كَمَا قَالَ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (^١).
وَلِأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ». وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٣٨)، وَمُسْلِمٌ (٥٢١) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.
(٢) صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَحْمَدَ (٤٣٤٢) بِتَمَامِهِ فِي المُسْنَدِ. وَالشَّطْرُ الأَوَّلُ مِنْهُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٠٦٧) تَعْلِيقًا، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ (٢٩٤٩) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ»، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٨٤٧). وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٢٣).
[ ١ / ٣٥٧ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: مَا ذَكَرَ الرَّسُولُ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللهُ فِيهِ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ -وَلَو صَحَّتْ نِيَّةُ الفَاعِلِ-.
الثَّانِيَةُ: النَّهْيُ عَنِ التَّمَاثِيلِ، وَغِلَظُ الأَمْرِ فِي ذَلِكَ.
الثَّالِثَةُ: العِبْرَةُ فِي مُبَالَغَتِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ كَيفَ بَيَّنَ لَهُمْ هَذَا أَوَّلًا، ثُمَّ قَبْلَ مَوتِهِ بِخَمْسٍ قَالَ مَا قَالَ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي السِّيَاقِ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا تَقَدَّمَ.
الرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ فِعْلِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ القَبْرُ.
الخَامِسَةُ: أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ.
السَّادِسَةُ: لَعْنُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
السَّابِعَةُ: أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ تَحْذِيرُهُ إِيَّانَا عَنْ قَبْرِهِ.
الثَّامِنَةُ: العِلَّةُ فِي عَدَمِ إِبْرَازِ قَبْرِهِ.
التَّاسِعَةُ: فِي مَعْنَى اتِّخَاذِهَا مَسْجِدًا.
العَاشِرَةُ: أَنَّهُ قَرَنَ بَينَ مَنْ اتَّخَذَهَا وَبَينَ مَنْ تَقُومُ عَلَيهِمُ السَّاعَةُ، فَذَكَرَ الذَّرِيعَةَ إِلَى الشِّرْكِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مَعَ خَاتِمَتِهِ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُهُ فِي خُطْبَتِهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِخَمْسٍ: الرَّدُّ عَلَى الطَّائِفَتَينِ اللَّتَينِ هُمَا أَشَرُّ أَهْلِ البِدَعِ، بَلْ أَخْرَجَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الثِّنْتَينِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً، وَهُمُ الرَّافِضَةُ وَالجَهْمِيَّةُ، وَبِسَبَبِ الرَّافِضَةِ حَدَثَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ القُبُورِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ بَنَى عَلَيهَا المَسَاجِدَ.
[ ١ / ٣٥٨ ]
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَا بُلِيَ بِهِ ﷺ مِنْ شِدَّةِ النَّزْعِ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَا أُكْرِمَ بِهِ مِنَ الخِلَّةِ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا أَعْلَى مِنَ المَحَبَّةِ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الصِّدِّيقَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الإِشَارَةُ إِلَى خِلَافَتِهِ.
[ ١ / ٣٥٩ ]
الشَّرْحُ
- مَقْصُودُ المُصَنِّفِ ﵀ مِنَ البَابِ بَيَانُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَنْ فَعَلَ وَسَائِلَ الشَّرْكِ مَلْعُونًا وَمَوصُوفًا بِأَنَّهُ مِنْ شِرارِ الخَلْقِ؛ فكَيفَ بِمَنْ فَعَلَ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ؟!
- إِنَّ الأَدِلَّةَ الَّتِي أَورَدَهَا المُصَنِّفُ هِيَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَكنَّهُ عَمَّ بِقَولِهِ: (فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ) وَذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ التَّعْظِيمُ؛ وَأَنَّ النَّتِيجَةَ هِيَ الشِّرْكُ، فَهِيَ مِنْ بَابِ القِيَاسِ لَا مِنْ بَابِ التَّنْصِيصِ، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا حَدِيثُ النَّهْي عَنِ الذَّبْحِ عِنْدَ الأَوثَانِ، وَهُوَ حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ فِي بَابِ (لَا يُذْبَحُ للهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ) فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ النِّيَّةُ إِذَا كَانَ المَكَانُ يُعْبَدُ فِيهِ غَيرُ اللهِ.
- اللَّعْنَةُ: هِيَ الطَّرْدُ وَالإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم فَعَلُوا كَبِيرَةً مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.
- قَولُهَا: (طَفِقَ) مِنْ أَفْعَالِ الشُّرُوعِ، أَي: جَعَلَ وَبَدَأَ.
- قَولُهُا: (خَمِيصَةً) هُوَ الكِسَاءُ الغَليظُ الَّذِي لَهُ أَعْلَامٌ (خُطُوطٌ).
- قَولُهُ: (لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى) يَحْتَمِلُ أنَّها خَبَرِيَّةٌ، وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ أَرَادَ بِهَا الدُّعَاءَ؛ فَتَكُونُ خَبَرِيَّةً لَفْظًا؛ إِنْشَائِيَّةً مَعْنى.
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ»، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ
[ ١ / ٣٦٠ ]
عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (^١).
- قَولُهُ: «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» إنَّ اتِّخَاذَ القُبُورِ مَسَاجِدَ يَكُونُ عَلَى أَحَدِ ثَلَاثِ صُوَرٍ (^٢):
١ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى القَبْرِ، يَعْنِي: يَجْعَلُ القَبْرَ مَكَانَ سُجُودِهِ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ فِي الوَاقِعِ لَمْ تَحْصُلْ بِانْتِشَارٍ، لِأَنَّ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ فِي اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لَمْ تَكُنْ مُبَاشِرةً لِلنَّاسِ بِحَيثُ يُمْكِنُ أَنْ يَصِلُوا إِلَى القَبْرِ وَأنْ يَسْجُدوا فَوقَهُ! بَلْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم؛ فَلَا يُصَلُّون عَلَيهَا مُبَاشَرَةً.
٢ - أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى القَبْرِ، فَيَكُونَ القَبْرُ أَمَامَهُ يُصَلِّي إِلَيهِ (^٣).
٣ - أَنْ يَتَّخِذَ القَبْرَ مَسْجِدًا، بِأَنْ يَجْعَلَ القَبْرَ فِي دَاخِلِ بِنَاءِ المَسْجِدِ؛ فَيَتَّخِذَ ذَلِكَ المَكَانَ لِلتَّعَبُّدِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَهِيَ الصُّورَةُ الأَعَمُّ، وَعَلَيهَا صُورَةُ النَّهْي فِي حَدِيثِ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا».
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الأُمُّ (١/ ٣١٧): "وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ مَسْجِدٌ؛ وَأَنْ يُسَوَّى، أَو يُصَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسَوَّى -يَعْنِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ- أَو يُصَلَّى إِلَيهِ.
قَالَ: وَإِنْ صَلَّى إِلَيهِ أَجْزَأَهُ؛ وَقَدْ أَسَاءَ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٢).
(٢) وَكُلُّهَا مَشْمُولَةٌ بِعُمُومِ قَولِهِ: «اتَّخَذُوا»، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الاتِّخَاذَ أَعَمُّ مِنَ البِنَاءِ.
(٣) هَذَا وَقَدْ دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى النَّهْي عَنْ هَذَا النَّوعِ وَمَا قَبْلَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبرانِيِّ فِي الكَبِيرِ (١١/ ٣٧٦): «لَا تُصَلُّوا إِلَى قَبْرٍ، ولَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْرٍ». صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣٤٨).
[ ١ / ٣٦١ ]
«قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ»، قَالَ: وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ وَالآثَارِ، وَأنَّهُ كَرِهَ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ -يَعْنِي: يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا-؛ وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الفِتْنَةُ وَالضَّلَالُ" (^١).
- قَولُهَا: (لأُبْرِزَ): أَي: لَأُخْرِجَ مِنْ بيتِهِ وَدُفِنَ مَعَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ فِي البَقِيعِ (^٢).
- قَولُهَا: (غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) فِيهَا رِوَايَتَانِ -كَمَا فِي البُخَارِيِّ-: (خُشِيَ) بِالضَّمِّ، أَي: مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ، وَبِالفَتْحِ، أَي: مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِهَذَا الأَخِيرِ يُعْلَمُ أَنَّ الدَّفْنَ فِي البَيتِ تَمَّ بِتَوقِيفٍ مِنْهُ ﷺ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَكَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ مُرْتَحِلٌ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ؛ فَخَافَ أَنْ يُعَظَّم قَبْرُهُ كَمَا فَعَلَ مَنْ مَضَى؛ فَلَعَنَ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى إِشَارَةً إِلَى ذَمِّ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلهمْ" (^٣).
- إِنَّ سَبَبَ دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيتِهِ أَمْرَان:
١ - حَدِيثُ البَابِ، وَفِيهِ: (ولَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ).
٢ - حَدِيثُ: «مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي المَوضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ» (^٤).
قُلْتُ: وَهَذَا الدَّفْنُ فِي البَيتِ هُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الأَنْبِياءِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِم وَسَلَّمَ، وَإلَّا فَالأَصْلُ الدَّفْنُ فِي المَقَابِرِ وَعَدَمُ الدَّفْنِ فِي البُيُوتِ، كَمَا فِي صَحِيحِ
_________________
(١) الأُمُّ (١/ ٣١٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٠٠): "أَي: لَكُشِفَ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُتَّخَذ عَلَيهِ الحَائِلُ، وَالمُرَادُ الدَّفْنُ خَارِجَ بَيتِهِ".
(٣) فَتْحُ البَارِي (١/ ٥٣٢).
(٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٠١٨) عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا، صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (١٠١٨).
[ ١ / ٣٦٢ ]
مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم مَقَابِرَ» (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الدَّفْنِ فِي البُيُوتِ مُطْلَقًا" (^٢).
- قَولُهُ: «خَلِيلًا» الخُلَّةُ -بِالضَّمِّ-: الصَّدَاقَةُ وَالمَحَبَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتِ القَلْبَ فَصَارَتْ خِلَالَهُ: أَي: فِي بَاطِنِهِ (^٣).
- فَائِدَةٌ ١: الخُلَّةُ أَعْلَى دَرَجَةً مِنَ المَحَبَّةِ، وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ فَرَّقَ وَجَعَلَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَلِيلَ اللهِ؛ وَمُحَمَّدًا ﷺ حَبِيبَ اللهِ! فَإِنَّ الخُلَّةَ أَعْلَى مِنَ المَحَبَّةِ.
وَلِذَلِكَ فَفِي رِوَايَةٍ لِلبُخَارِيِّ (^٤): «لَو كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ؛ وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي»، والنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ أَبَا بَكْرٍ وَمُعَاذًا وَغَيرَهُم؛ وَمَعْ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمُ الخُلَّةَ! لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، فمَنْ نَفَاهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَعَلَ لَهُ صِفَةَ الحَبيبِ فَقَط فَقَدْ هَضَمَهُ مَنْزِلَتَهُ (^٥).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٧٨٠).
(٢) فَتْحُ البَارِي (١/ ٥٣٠).
(٣) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٢/ ١٤٥).
(٤) البُخَارِيُّ (٣٦٥٦).
(٥) وَفِي التِّرْمِذِيِّ (٣٦١٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ -وَهُوَ كَذلِكَ-، وَمُوسَى نَجِيُّ اللهِ اللهِ -وَهُوَ كَذلِكَ-، وَعِيسَى رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ اللهِ -وَهُوَ كَذلِكَ-، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللهُ -وَهُوَ كَذلِكَ-، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللهِ -وَلَا فَخْرَ-» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ). ضَعِيفٌ. ضَعِيفُ التِّرْمِذِيِّ (٣٦١٦). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٤٢٣): "وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ". قَالَ الشَّيخُ مُقْبِلُ الوَادِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الشَّفَاعَةُ (ص ٤٣): "الحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ؛ وَهُوَ =
[ ١ / ٣٦٣ ]
- فَائِدَةٌ ٢: البِنَاءُ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ جابرٍ مَرْفُوعًا: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُقْعَدَ عَلَى القَبْرِ وَأَنْ يُقَصَّصَ [يُجَصَّصَ] وَيُبْنَى عَلَيهِ" (^١).
وَلِذَلِكَ كَانَ قَبْرُ أَفْضَلِ البَشَرِ غَيرَ مَبْنِيٍّ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ: بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: "أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا" (^٢).
وَكَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلْحِدَ لَهُ لَحْدٌ، وَنُصِبَ اللَّبِنُ نَصْبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ" (^٣).
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «ولَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ» قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "أَكْرَهُ أَنْ يُرْفَعَ القَبْرُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا نَعْرِفُ أَنَّه قَبْرٌ لِكَي لَا يُوطَأَ وَلَا يُجْلَسَ عَلَيهِ" (^٤).
_________________
(١) = ضَعِيفٌ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ، وَسَلَمَةُ بْنُ وَهْرَام، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: رَوَى أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الحَدِيثِ أنَّ فِي الصَّحِيحِ: «إِنَّ اللهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» ".
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُد. صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٢٧٦٢).
(٣) البُخَارِيِّ (٢/ ١٠٢). وَسُفْيَانُ هَذَا هُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ. فَتْحُ البَارِي (٣/ ٢٥٧).
(٤) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٦٣٥)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٦٧٣٦). وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ؛ كَمَا قَالَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ١٥٣).
(٥) التِّرْمِذِيُّ (٢/ ٣٥٨).
[ ١ / ٣٦٤ ]
المسألة الأولى: إذا كانت الصلاة في مسجد فيه قبر ممنوعة!
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ مَمْنُوعَةٌ! فَمَا الجَوَابُ عَنْ كَونِ النَّبِيِّ ﷺ دُفِنَ فِي بَيتِهِ؛ رُغْمَ أَنَّ فِي البَيتِ عَائِشَةَ ﵂، وَلَمْ يُنقلْ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَحَرَّجُ مِنَ الصَّلَاةِ هُنَاكَ؟!
الجَوَابُ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ:
١ - أَنَّ هَذَا لَيسَ صَرِيحًا فِي الجَوَازِ، فَلَيسَ هُنَاكَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ كَونِ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَصَلِّي عِنْدَ القَبْرِ! فَيَبْقَى الأَمْرُ عَلَى أَصْلِ النَّهْي.
٢ - أنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ أَنَّ أَنَسًا ﵁؛ قَالَ: (قُمْتُ يَومًا أُصَلِّي -وَبَينَ يَدِيَّ قَبْرٌ لَا أَشْعُرُ بِهِ-، فَنَادَانِي عُمَرُ: القَبْرَ! القَبْرَ! فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي القَمَرَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ يِلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي القَبْرَ، فَتَنَحَّيتُ عَنْهُ) (^١).
٣ - أَنَّهُ وَرَدَ مَا يُشِيرُ إِلَى المَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، حَيثُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ جِدَارًا فِي بَيتِهَا يِفْصِلُ بَينَهَا وَبَينَ القَبْرِ، كَمَا فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ؛ يَقُولُ: "قُسِمَ بَيتُ عَائِشَةَ بِاثْنَينِ: قِسْمٍ كَانَ فِيهِ القَبْرُ، وَقِسْمٍ تَكُونُ فِيهِ عَائِشَةُ، وَبَينَهُمَا حَائِطٌ" (^٢).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١/ ٩٣) مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ الحَافِظُ، وَهُوَ عِنْدَ البَيهَقِيِّ فِي الكُبْرَى (٤٢٧٧)، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١٥٨١) وَغَيرُهُ، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٣٥).
(٢) طَبَقَاتُ ابْنِ سَعْدٍ (٢/ ٢٩٤). قُلْتُ: فَإِذَا كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ صَنَعَتْ ذَلِكَ الحَاجِزَ بينَهَا وَبَينَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَكَيفَ بِمَنْ يَجْعَلُ القَبْرَ فِي المَسْجِدِ، وَيَتَحَرَّى الصَّلَاةَ إِلَيهِ!!
[ ١ / ٣٦٥ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ لَا تَجُوزُ فِي المَقَابِرِ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ أَحَادِيثِ صَلَاةِ الجَنَازَةِ فِي المَقْبَرَةِ؟!
وَمِنْهَا: صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَعَلَى المَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ.
الجَوَابُ:
١ - إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ النَّهْي، لِثُبُوتِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
٢ - إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ -وَإِنْ كَانَتْ تُسَمَّى صَلَاةً شَرْعًا-؛ فَهِيَ لَيسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ! وَإِنَّمَا هِيَ الدُّعَاءُ لِلمَيِّتِ، فَاخْتَلَفَتْ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي نُهيَ عَنْهَا أَصْلًا مِنْ جِهَةِ الهَيئَةِ.
وَعَلَى ذَلِكَ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ وَجْهٌ لِلنَّهْي، وَهُوَ المُشَابَهَةُ الَّتِي تَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى الشِّرْكِ (^١).
٣ - يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيضًا: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ فِيهَا مَا يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المَيِّتِ، وإنَّمَا بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَهِيَ تُشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا المَيِّتَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُ، فَاخْتَلَفَتْ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي نُهيَ عَنْهَا أَصْلًا مِنْ جِهَةِ العِلَّةِ أَيضًا؛ حَيثُ لَمْ تُوجَدْ هُنَا عِلَّةُ النَّهْي وَهِيَ ذَرِيعَةُ الشِّرْكِ.
فَاخْتَلَفَتِ الصَّلَاتَانِ مِنْ حَيثُ الوَصْفِ وَالعِلَّةِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
_________________
(١) وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي بَابِ (لَا يُذْبَحُ للهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ) أنَّ اخْتِلَافَ هَيئَةِ العِبَادَةِ مُؤَثِّرٌ فِي جَوَازِهَا فِي بَعْضِ أَمَاكِنِ النَّهْي.
[ ١ / ٣٦٦ ]
المسألة الثالثة: قوله: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء» فيه أنهم من شرار الناس! وهذا مشكل
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ» فِيهِ أَنَّهُم مِنْ شِرَارِ النَّاسِ! وَهَذَا مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ جَاءَ وَصْفُ الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ بِأَنَّهُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»!
فَمَا التَّوفِيقُ بَينَ الحَدِيثَينِ؟
الجَوَابُ:
إِنَّ المُرَادَ بِقَولِهِ: «حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» أَي: إِلَى قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلَيسَ إِلَى قِيَامِهَا بِالفِعْلِ، لِأنَّهَا لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الخَلْقِ، فَاللهُ تَعَالَى يُرْسِلُ رِيحًا تَقْبِضُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا شِرَارُ الخَلْقِ (^١)، وَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ، وَكَمَا فِي لَفْظٍ لِلبُخَارِيِّ: «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ» (^٢).
وَيُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِأَنَّ المَقْصُودَ بِقِيَامِ السَّاعَةِ عَلَى الطَّائِفَةِ هُوَ مَوتُهُم، وَكَمَا رُوِيَ أَنَّ: «مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ» وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالأَوَّلُ أَولَى (^٣).
_________________
(١) كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٩٠٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: «لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا. قَالَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم».
(٢) البُخَارِيُّ (٧٣١١) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) ضَعِيفٌ. حِلْيَةُ الأَولِيَاءِ (٦/ ٢٦٧) عَنْ أَنَسٍ. الضَّعِيفَةُ (١١٦٦).
[ ١ / ٣٦٧ ]
المسألة الرابعة: زعم بعضهم أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد هو من أجل أن القبور تتنجس بسبب ما فيها؛
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: زَعَمَ بَعْضُهُم أَنَّ النَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ القُبُورَ تَتَنَجَّسُ بِسَبَبِ مَا فِيهَا؛ وَعَلَيهِ يُحْمَلُ سَبَبُ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِيهَا، لِذَلِكَ إِذَا كَانَتِ القُبُورُ قَدِيمَةً مُنْدَرِسَةً؛ فَلَا بَأْسَ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهَا لِزَوَالِ العِلَّةِ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
دَعْوَى أَنَّ العِلَّةَ هِيَ النَّجَاسَةُ مَرْدُودٌ مِنْ أَوجُهٍ، وَبِرَدِّهَا يَبْقَى النَّهْيُ قَائِمًا (^١).
وَالأَوجُهُ هِيَ:
١ - أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي النُّصُوصِ أَبَدًا مَا يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ أَو يُومِئُ إِلَيهَا.
٢ - أَنَّهُ إِنْ كَانَ المَيِّتُ مُسْلِمًا فَهُوَ لَيسَ بِنَجِسٍ أَبَدًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^٢) (^٣).
وَإِنْ قِيلَ بِنَجَاسَتِهِ مَيِّتًا فَقَط فَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الأَنْبِيَاءِ (^٤)، وَقَدْ وَرَدَتِ النُّصُوصُ بِذَمِّ أَهْلِ الكِتَابِ لِاتِّخَاذِهِم المَسَاجِدَ عَلَى قُبُورِ أَنْبِيَائِهِم.
_________________
(١) وَعَلَى فَرْضِ كَونِ النَّجَاسَةِ هِيَ عِلَّةٌ فِي النَّهْي؛ فَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهَا وَحْدَهَا العِلَّةُ! لِذَلِكَ فَإِنَّ انْتِفَاءَهَا لَا يَعْنِي زَوَالَ النَّهْي.
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٣٧١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) وَقَدْ رَدَّ بَعْضُهُم عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَنْجُسُ بِدَلِيلِ الأَمْرِ بِغَسْلِهِ قَبْلَ الدَّفْنِ! قُلْتُ: وَهُوَ رَدٌّ عَلَيهِم، لِأَنَّهُ يُقَالُ بِأَنَّ هَذَا الغَسْلَ لَهُ قَدْ أَذْهَبَ نَجَاسَتَهُ -عَلَى فَرْضِ النَّجَاسَةِ-، عَدَا عَنْ كَونِ الأَمْرِ بِالغَسْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ! فَعِنْدَ الحَاكِمِ (١٤٢٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيسَ عَلَيكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ؛ فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيسَ بِنَجَسٍ! فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيدِيَكُمْ». صَحِيحٌ. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٤٠٨).
(٤) عَنْ أَوسِ بْنِ أَوسٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٥٣١). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٢١٢).
[ ١ / ٣٦٨ ]
٣ - أَنَّهُ لَو كَانَتِ العِلَّةُ النَّجَاسَةَ لَمَا جَازَتْ صَلَاةُ الجَنَازَةِ فِي المَقَابِرِ أَيضًا (^١).
٤ - أنَّ النُّصُوصَ النَّبَوِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أنَّ العِلَّةَ فِي النَّهْي هِيَ تَعْظِيمُ الصَّالِحِينَ (^٢)، حَيثُ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّصَارى بَينَ أُمُورٍ هِيَ: (كَنِيسةُ النَّصَارَى، العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ، صَوَّرُوا) فَالجَمْعُ بَينَ البِنَاءِ وَالتَّصْوِيرِ وَالصَّلَاحِ هُوَ لِدِلَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ التَّعْظِيمُ، وَقَدْ عُلِمَ قَولُهُ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النِّسَاء: ١٧١].
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا؛ لَعَنَ اللهُ قَومًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (^٣).
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا: مَخَافَةَ الفِتْنَةِ عَلَيهِ وَعَلَى مَنْ بَعْدِهُ مِنَ النَّاسِ" (^٤).
_________________
(١) وَصَلَاةُ الجَنَازَةِ تَجُوزُ فِي المَسَاجِدِ، فَإِذَا كَانَ المَيِّتُ نَجِسًا فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُدْخَلَ الجَنَازَةُ إِلَى المَسْجِدِ! وَأَيضًا لَا يَخْفَى حَدِيثُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ قَبْرِ المَرْأَةِ السَّودَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٦٠)، وَمُسْلِمٌ (٩٥٦).
(٢) كَمَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُضَافُ لِذَلِكَ عِلَّةٌ أُخْرَى وَهِيَ التَّشَبُّهُ بِالنَّصَارَى.
(٣) صَحِيحٌ. مُسْنَدُ أَحْمَدَ (٧٣٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٢٢).
(٤) أَورَدَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي المَجْمُوعِ (٥/ ٣١٤). وَقَالَ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ١٣): "قَالَ العُلَمَاء: إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَقَبْرِ غَيرِهِ مَسْجِدًا خَوفًا مِنَ المُبَالَغَة فِي تَعْظِيمِهِ وَالِافْتِتَانِ بِهِ، فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى الكُفْرِ كَمَا جَرَى لِكَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ الخَالِيَةِ. وَلَمَّا احْتَاجَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ كَثُرَ المُسْلِمُونَ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ -وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ ﵂؛ مَدْفِنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ بَنَوا عَلَى القَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَولَهُ لِئَلَّا يَظْهَر فِي المَسْجِدِ فَيُصَلِّي إِلَيهِ العَوَامُّ وَيُؤَدِّي المَحْذُورِ، ثُمَّ بَنَوا جِدَارَينِ مِنْ =
[ ١ / ٣٦٩ ]
قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى مَا قَالَهُ أَهْلُ العِلْمِ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ قِصَّةِ أَوثَانِ قَومِ نُوحٍ أنَّهُم عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِم، ثُمَّ عَبَدُوهُم.
٥ - إِذَا كَانَتِ العِلَّةُ نَجَاسَةُ المَيِّتِ؛ فَلَا يَصِحُّ النَّهْيُ لِوُجُودِ القَدْرِ الكَبِيرِ مِنَ التُّرَابِ بَينَ سَطْحِ الأَرْضِ وَبَينَ المَيِّتِ (^١).
وَأَخِيرًا؛ فَيُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ العِلَّةَ هِيَ النَّجَاسَةُ الحَاصِلَةُ بالشِّرْكِ، وَهِيَ نَجَاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ بِالاسْتِحَالَةِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوبَة: ٢٨] (^٢).
_________________
(١) = رُكْنَي القَبْرِ الشَّمَالِيَّينِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى التَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيثِ: «لَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا». وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ". تَنْبِيهٌ: عَزُو إِدْخَالِ الحُجْرَةِ فِي المَسْجِدِ إِلَى الصَّحَابةِ لَا يَثْبُتُ؛ كَمَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المُنْكِي (ص ١٥١). قُلْتُ: وَفِي (إِكْمَالُ المُعْلِمِ) (٢/ ٢٥٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلقَاضِي عِيَاض: "وَلِهَذَا لَمَّا احْتَاجَ المُسْلِمُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ لِتَكَاثُرِهِم بِالمَدِينَةِ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ أُدْخِلَ فِيهَا بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ" فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّحَابَةَ؛ فَتَنَبَّهْ.
(٢) وَفِي البُخَارِيِّ (١٨٦٨) قِصَّةُ نَبْشِ قُبُورِ المُشْرِكِينَ لِبِنَاءِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ بإزَالَةِ التُّرَابِ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَظِنَّةَ التَّنَجُّسِ!
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٠٨): "وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ المَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ حَالَ خَشْيَةِ أَنْ يُصْنَعَ بِالقَبْرِ كَمَا صَنَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لُعِنُوا، وَأَمَّا إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ فَلَا امْتِنَاعَ، وَقَدْ يَقُولُ بِالمَنْعِ مُطْلَقًا مَنْ يَرَى سَدَّ الذَّرِيعَةِ -وَهُوَ هُنَا مُتَّجِهٌ قَوِيٌّ-". قَالَ الشَّيخُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الفَتْحِ: "بَلْ هَذَا هُوَ الحَقُّ، لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ بِالنَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ، ولَعْنِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ بِنَاءَ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ الشِّرْكِ بِالمَقْبُورِينَ فِيهَا. وَاللهُ أَعْلَمُ". قُلْتُ: وَالشِّرْكُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى أَصْحَابِهِ ﷺ فَكَيفَ بِغَيرِهِم! وَفِي الحَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم =
[ ١ / ٣٧٠ ]
المسألة الخامسة: إن النصوص السابقة دلت على التحريم، ولكن حملها بعض أهل العلم على الكراهة
- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: إِنَّ النُّصُوصَ السَّابِقَةَ دَلَّتْ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَكِنْ حَمَلَهَا بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى الكَرَاهَةِ؛ كَالشَّافِعِيِّ ﵀ حَيثُ قَالَ: "وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا: مَخَافَةَ الفِتْنَةِ عَلَيهِ وَالضَّلَالِ وَعَلَى مَنْ بَعْدِهُ مِنَ النَّاسِ! " (^١)، فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - إِنَّ القَولَ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ عَلَى المَعْنَى الاصْطِلَاحِيِّ لِلكَرَاهَةِ -أَي: الَّذِي لَا يَأْثَمُ فَاعِلُهُ، وَيُثَابُ تَارِكُهُ للهِ- غَيرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ، بَلْ وَأَشَدِّ التَّحْرِيمِ، وَدَلَّتْ لِذَلِكَ أَلْفَاظُ الحَدِيثِ وَفِيهِ: (اللَّعْنُ، شِرَارُ النَّاسِ) فَهِيَ مِنْ أَلْفَاظِ الكَبَائِرِ كَمَا لَا يَخْفَى.
٢ - إِنَّ العُلَمَاءَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِالكَرَاهَةِ إنَّمَا قَصَدُوا التَّحْرِيمَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَلْفَاظَ السَّلَفِ هِيَ أَلْفَاظُ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ -اللَّهُمَّ إِلَّا لِقَرِينَةٍ يَدُلُّ عَلَيهَا السِّيَاقُ-، وَأَمَّا الكَرَاهَةُ عِنْدَنَا -اليَومَ- فَهَذِهِ كَرَاهَةٌ اصْطَلَحَ عَلَيهَا المُتَأَخِّرُونَ لِلتَّفْرِيقِ فِي النَّهْي بَينَ مَا يَأْثَمُ فَاعِلُهُ وَمَا لَا يَأْثَمُ، وَلَو رُحْتَ تَسْتَعْرِضُ نُصُوصَ القُرْآنِ فِي الكَرَاهَةِ لَتَبَيَّنَ لَكَ ذَلِكَ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحُجُرَات: ٧] (^٢).
_________________
(١) = الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٦٣٠) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٥١). بَلْ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ ﷺ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٥] فَهَلْ يُؤْمَنُ عَلَى غَيرِهِ؟! بَلْ أَقُولُ: لَا يَأْمَنُ الفِتْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا مَفْتُونٌ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُوَفِّقُ، وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.
(٢) الأُمِّ (١/ ٣١٧) لِلشَّافِعِيِّ ﵀، بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.
(٣) قَالَ ابْنُ بَدْرَانَ -فَقِيهٌ أُصُولِيٌّ حَنْبَلِيٌّ (ت ١٣٤٦ هـ) -: "فَالسَّلَفُ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الكَرَاهَةَ فِي مَعْنَاهَا الَّذِي اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ فِي كَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَلَكِنَّ المُتَأَخِّرُونَ اصْطَلحُوا عَلَى تَخْصِيصِ الكَرَاهَةِ بِمَا لَيسَ بمُحَرَّمٍ وتَرْكُهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ". المَدْخَلُ إِلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (ص ١٣٠).
[ ١ / ٣٧١ ]
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَقَدْ غَلَطَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الأَئِمَّةِ عَلَى أَئِمَّتِهِم بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَيثُ تَورَّعَ الأَئِمَّةُ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ وَأَطْلَقُوا لَفْظَ الكَرَاهَةِ، فَنَفَى المُتَأَخِّرُونَ التَّحْرِيمَ عَمَّا أَطْلَقَ عَلَيهِ الأَئِمَّةُ، ثُمَّ سَهُلَ عَلَيهِم لَفْظُ الكَرَاهَةِ وَخَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيهِم، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُم عَلَى التَّنْزِيهِ فَحَصَلَ بِسَبَبِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَعَلَى الأَئِمَّةِ" (^١).
وَعَلَيهِ؛ فَإِنَّ قَولَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُنَا يُقْصَدُ بِهِ التَّحْرِيمُ.
قُلْتُ: وَبِنَحْوِهِ قَولُهُ فِي (الأُمِّ) أَيضًا: "وَأَكْرَهُ النِّيَاحَةَ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ مَوتِهِ؛ وَأَنْ تَنْدُبَهُ النَّائِحَةُ عَلَى الانْفِرَادِ. لَكِن يُعزَّى بِمَا أَمَرَ اللهُ ﷿ مِنَ الصَّبْرِ وَالاسْتِرْجَاعِ، وَأَكْرَهُ المَأْتَمَ -وَهِيَ الجَمَاعَةُ- وَإِنْ لَمْ يَكْنْ لَهُم بُكَاءٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَدِّدُ الحُزْنَ وَيُكَلِّفُ المُؤْنَةَ" (^٢).
وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَولُهُ بِالكَرَاهَةِ لِلنِّيَاحَةِ؛ رُغْمَ مَا عُلِمَ مِنَ الحَدِيثُ -الَّذِي فِي مُسْلِمٍ- «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي الأنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» (^٣).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ -فِي سِيَاقِ الحَدِيثِ عَنِ النِّيَاحَةِ-: "وَكَذَا وَقَعَ لَفْظُ الكَرَاهَةِ فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي (الأُمِّ) وَحَمَلَهَا الأَصْحَابُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ الإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ" (^٤).
_________________
(١) إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ (١/ ٣٢).
(٢) الأُمُّ (١/ ٣١٨).
(٣) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٤) المَجْمُوعُ (٥/ ٣٠٧).
[ ١ / ٣٧٢ ]
- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلْ يُفَرَّقُ -مِنْ جِهَةِ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ- بَينَ كَونِ القَبْرِ فِي قِبْلَةِ المُصَلِّي أَمْ لَا؟
الجَوَابُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ، بَلْ تَزْدَادُ الكَرَاهَةُ (^١).
خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ الأَفَاضِلِ (^٢)؛ حَيثُ أَجَازَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ -إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ- بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ القَبْرُ طَارِئًا عَلَى المَسْجِدِ دُونَ العَكْسِ، وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ دِلَالَةُ الحَدِيثِ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى قَبْرٍ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْرٍ» (^٣)، بِمَعْنَى أَنَّ النَّهْيَ هُوَ عَنِ الاسْتِقْبَالِ فَقَط، وَأَمَّا النَّهْيُ فِي حَالَةِ أَنْ يَكُونَ المَسْجِدُ طَارِئًا عَلَى القَبْرِ؛ هُوَ لِكَونِهِ صَارَ كَمَسْجِدِ الضِّرَارِ، حَيثُ قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التَّوبَة: ١٠٨]!
وَالجَوَابُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَينَ كَونِ القَبْرِ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ أَوْ لَا، وَذَلِكَ بِسَبَبِ:
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الثَّمَرُ المُسْتَطَابُ) (١/ ٣٨٠): "وَقَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ يَحْيَى الكَانْدَهْلَوِيُّ الهِنْدِيُّ الحَنَفِيُّ فِي كِتَابِهِ (الكَوكَبُ الدُّريُّ عَلَى جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ) مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا اتِّخَاذُ المَسَاجِدِ عَلَيهَا؛ فَإِنَّمَا فِيهِ مِنَ الشَّبَهِ بِاليَهُودِ فِي اتِّخَاذِهِم مَسَاجِدَ عَلَى قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمِ وَكُبَرَائِهِم، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ المَيِّتِ وَشَبَهٍ بِعَبَدَةِ الأَصْنَامِ لَو كَانَ القَبْرُ فِي جَانِبِ القِبْلَةِ. وَكَرَاهَةُ كَونِهِ فِي جَانِبِ القِبْلَةِ أَكْثَرُ مِنْ كَرَاهَةِ كَونِهِ يَمِينًا أَو يَسَارًا، وَإِنْ كَانَ خَلْفَ المُصَلِّي فَهُوَ أَخَفُّ كَرَاهَةٍ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ كَرَاهَةٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ وَالعَينِيُّ فِي العُمْدَةِ: أَنَّ القَبْرَ فِي المَسْجِدِ إِذَا كَانَ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ فَإِنَّهُ تَزْدَادُ الكَرَاهَةُ. أ. هـ وَهَذَا هُوَ الحَقُّ فِي المَسْأَلَةِ حَسْبَ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الهِنْدِيُّ".
(٢) كَالشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِينَ ﵀. اُنْظُرْ أَشْرِطَةَ شَرْحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀ -كِتَابُ الجَنَائِزِ- شَرِيطُ (رَقَم ٦/أ)، سُؤَالُ: "إِذَا كَانَ القَبْرُ عَنْ يَمِينِ الإِنْسَانِ أَو يَسَارِهِ؟ ".
(٣) صَحِيحٌ. الطَّبرانيُّ في الكَبِيرِ (١١/ ٣٧٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣٤٨).
[ ١ / ٣٧٣ ]
أ- عُمُومِ النَّهْي دُونَ مُخَصِّصٍ، كَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ» (^١)، وَعَلَيهِ فَلَا فَرْقَ أَيضًا فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ بَينَ كَونِ المَسْجِدِ هُوَ الطَّارِئُ عَلَى القَبْرِ أَوِ العَكْسُ.
ب- أَنَّ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى القَبْرِ أَخَصُّ مِنَ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَسَاجِدِ الَّتِي فِيهَا القُبُورُ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِوَحْدِهِ، فَحَدِيثُ النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ فِي الصَّلَاةِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَوضِعٍ -سَوَاءً فِي المَسْجِدِ الَّذِي فِيهِ قَبْرٌ أَوْ خَارِجَهُ-، وَأَمَّا المَسْجِدُ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ فِيهِ غَيرُ مُقَيَّدٍ بِالاسْتِقْبَالِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ لِعُمُومِ حَدِيثِ: «لَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ».
وَيَشْهَدُ لِلتَّفْرِيقِ -بَينَ المَسْجِدِ المُتَّخَذِ لِلصَّلَاةِ؛ وَبَينَ عُمُومِ أَمَاكِنِ الصَّلَاةِ- مَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ: (قُمْتُ يَومًا أُصَلِّي -وَبَينَ يَدِيَّ قَبْرٌ لَا أَشْعُرُ بِهِ-، فَنَادَانِي عُمَرُ: القَبْرَ! القَبْرَ! فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي القَمَرَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ يِلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي القَبْرَ، فَتَنَحَّيتُ عَنْهُ) (^٢).
فَقَولُهُ: (فَتَنَحَّيتُ) يُفِيدُ أَنَّ النَّهْيَ هُوَ عَنِ الاسْتِقْبَالِ فَقَط -فِي غَيرِ المَسْجِدِ المُتَّخَذِ لِلصَّلَاةِ-، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: أَنَّهُ (جَازَ القَبْرَ وَصَلَّى).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالأَثَرُ المَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رَوَينَاهُ مَوصُولًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيمٍ -شَيخِ البُخَارِيِّ- وَلَفْظُهُ: (بَينَمَا أَنَسٌ يُصَلِّي إِلَى قَبْرٍ؛ نَادَاهُ عُمَرُ: القَبْرَ! القَبْرَ! فَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِي القَمَرَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَعْنِي القَبْرَ؛ جَازَ القَبْرَ وَصَلَّى)،
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٥٣٢) عَنْ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا.
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١/ ٩٣) مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ الحَافِظُ، وَهُوَ عِنْدَ البَيهَقِيِّ فِي الكُبْرَى (٤٢٧٧) وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ (١٥٨١) وَغَيرِهِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٣٥).
[ ١ / ٣٧٤ ]
وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى بَيَّنْتُهَا فِي تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ، مِنْهَا مِنْ طَرِيقِ حُمَيدٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ: (فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي القَبْرَ، فَتَنَحَّيتُ عَنْهُ)، وَقَولُهُ: (القَبْرَ! القَبْرَ!) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى التَّحْذِيرِ، وَقَولُهُ: (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ) [وَهُوَ مِنْ تَعْلِيقِ البُخَارِيِّ عَلَى الأَثَرِ. خُلْدُون] اسْتَنْبَطَهُ مِنْ تَمَادِي أَنَسٍ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَو كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسَادَهَا لَقَطَعَهَا وَاسْتَأْنَفَ" (^١) (^٢).
ج- أَنَّ عِلَّةَ النَّهْي وَاحِدَةٌ فِي الحَالَتَينِ؛ وَهِيَ أَنَّهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ.
د- أَنَّ الامْتِنَاعَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ الذِي بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ -دُونَ العَكْسِ-؛ غَيرُ مُنْضَبِطٍ مِنْ جِهَةِ الوَاقِعِ وَالتَّطْبِيقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ أَيِّهِمَا طَرَأَ عَلَى الآخَرِ مِنْ قِبَلِ عَامَّةِ النَّاسِ -اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ، أَو أُخْبِرَ بِهِ جَزْمًا-، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ انْضِبَاطِ القَيدِ هَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي رَدِّ ذَلِكَ التَّفْرِيقِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
وَأَمَّا جَعْلُ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ -لَمَّا وُسِّعَ المَسْجِدُ- مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً؛ فَصَحِيحٌ أَنَّهُ كَي لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ القَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ؛ لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ النَّهْيَ مُنْصَبٌّ فَقَط عَلَى اسْتِقْبَالِ القَبْرِ بِالصَّلَاةِ فَقَط! لِأَنَّ حَقِيقَةَ الأَمْرِ هِيَ زِيَادَةُ الاحْتِيَاطِ -حَتَّى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ القَبْرَ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ-، وَتَثْلِيثِ الجِدَارِ هُوَ كَي لَا تَظْهَرَ صُورَةُ التَّقَصُّدِ لِلحُجْرَةِ الَّتِي فِيهَا القَبْرُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلجُدْرَانِ الَّتِي أُقِيمَتْ حَولَهُ مَعْنَى أَصْلًا؛ إِذَا كَانَ عَدَمُ الاسْتِقْبَالِ كَافِيًا فِي ذَلِكَ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ (^٣).
_________________
(١) الفَتْحُ (١/ ٥٢٤).
(٢) وَاُنْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٦٤٧) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀، وَكَذَا شَرْحَ كِتَابِ (قُرَّةُ عُيُونِ المُوَحِّدِينَ) (ش ٢٤) لِلشَّيخِ صَالِحِ الفَوزَان حَفِظَهُ اللهُ.
(٣) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ١٤): "وَلَمَّا احْتَاجَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ كَثُرَ المُسْلِمُونَ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ -وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ ﵂؛ مَدْفِنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ بَنَوا عَلَى القَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَولَهُ لِئَلَّا يَظْهَر فِي المَسْجِدِ فَيُصَلِّي إِلَيهِ العَوَامُّ وَيُؤَدِّي المَحْذُورِ، ثُمَّ بَنَوا جِدَارَينِ مِنْ رُكْنَي القَبْرِ الشَّمَالِيَّينِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى التَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيثِ: «لَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا». وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ". تَنْبِيهٌ: عَزُو إِدْخَالِ الحُجْرَةِ فِي المَسْجِدِ إِلَى الصَّحَابةِ لَا يَثْبُتُ؛ كَمَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المُنْكِي (ص ١٥١). قُلْتُ: وَفِي (إِكْمَالُ المُعْلِمِ) (٢/ ٢٥٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلقَاضِي عِيَاض: "وَلِهَذَا لَمَّا احْتَاجَ المُسْلِمُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ لِتَكَاثُرِهِم بِالمَدِينَةِ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ أُدْخِلَ فِيهَا بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ" فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّحَابَةَ؛ فَتَنَبَّهْ.
[ ١ / ٣٧٥ ]