الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ،
أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مُفِيدٌ لِكِتَابِ (الآيَاتُ البَيِّنَاتُ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ السَّادَاتِ)، لِلعَلاَّمَةِ الآلُوسِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (^١)، وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَيهِ بَعْضَ النُّقُولِ المُفِيدَةِ إِلَى مَتْنِهِ وَإِلى حَاشِيَتِهِ تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ.
-مُقَدِّمَةٌ:
اعْلَمْ أَنَّ كَونَ المَوتَى يَسْمَعُونَ أَو لَا يَسْمَعُونَ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ غَيبِيٌّ مَحْضٌ مِنْ أُمُورِ البَرْزَخِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ حَصْرًا، فَلَا يَجُوزُ الخَوضُ فِيهِ بِالأَقْيِسَةِ وَالآرَاءِ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ فِيهِ مَعَ النَّصِّ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا (^٢).
_________________
(١) وَهِيَ بِتَحْقِيقِ وَتَعْلِيقِ المُحَدِّثِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمُعْظَمُ مَادَّةِ هَذَا المُخْتَصَرِ مُسْتَفَادٌ مِنْ مُقدِّمَةِ الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ عَلَى الكِتَابِ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٧٢) عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ: «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» مِنَ الأَرْبَعِين النَّوَوِيَّةِ: "وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالبَحْثِ عَنْهُ: أُمُورُ الغَيبِ الخَبَرِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِالإِيمَانِ بِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيفِيَّتَهَا، وَبَعْضُهَا قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي هَذَا العَالَمِ المَحْسُوسِ، فَالبَحْثُ عَنْ كَيفِيَّةِ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا لَا يَعْنِي، وَهُوَ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ، وَقَدْ يُوجِبُ الحَيرَةَ وَالشَّكَّ، وَيَرْتَقِي إِلَى التَّكْذِيبِ". قُلْتُ: وَالحَدِيثُ السَّابِقُ ضَعِيفٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٤١٩٦)، اُنْظُرْ تَحْقِيقَ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلأَلْبَانِيِّ (١٨٤١).
[ ١ / ٢٥٦ ]
وَأَهَمِّيَّةُ هَذَا البَحْثِ هُوَ صِلَتُهُ الوَطِيدَةُ بِمَسْأَلَةِ الاسْتِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ غَيرَ اللهِ تَعَالَى مِنَ الأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ أَوِ الأَنْبِيَاءِ أَوِ الشُّيُوخِ العَارِفِينَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى عِدَّةِ مُقَدِّمَاتٍ؛ مِنْ أَهَمِّهَا أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ، لِذَلِكَ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ الوَاضِحُ عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الاسْتِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ يُهْدَمُ (^١).
- الأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ:
الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢].
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النَّمْل: ٨٠].
وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَسْتَطِيعُ إِسْمَاعَ مَنْ فِي القُبُورِ، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِسْمَاعَ المَوتَى؛ فَغَيرُهُ مِنْ بَابِ أَولَى.
وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ عُمُومُ النُّصُوصِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ فِي المَسْأَلَةِ مِنَ الحَدِيثِ -مِمَّا ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ (^٢) - إِنَّمَا هُوَ مُخَصِّصٌ لَهَا؛ وَلَيسَ مُعَارِضًا لَهَا!!
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "الوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ نَحْوَ هَذِهِ الأُمُورِ الغَيبِيَّةِ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ فَقَط، بَلْ يجِبُ عَلَيهِ أَنْ يَقُولَ: العِلْمُ عِنْدَ اللهِ؛ فَلَا يَجْزِمُ بِالنَّفْي وَلَا يَجْزِمُ بِالإِثْبَاتِ. نَعَمْ؛ لَهُ أَنْ يَجْزِمَ بِالنَّفْي وَيَجْعَلَ مَا ثَبَتَ بِهِ الحَدِيثُ مِن السَّمَاعِ مُخَصِّصًا؛ لِأَنّه قَالَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وَفِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] " (^٣).
_________________
(١) هَذَا وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ سَمَاعَ الأَمْوَاتِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ لَا يَعْنِي أَنَّهُ يُجِيزُ الاسْتِغَاثَةَ بِهِم!
(٢) وَسَيَأْتِي مَعَنَا قَرِيبًا.
(٣) تَفْسِيرُ سُورَةِ فَاطِر لِابْنِ عُثَيمِين (ص ١٧٠).
[ ١ / ٢٥٧ ]
شُبْهَةٌ وجَوَابُهَا:
اعْتَرَضَ المُثْبِتُونَ لِلسَّمَاعِ بِأَنَّ الآيَتَينِ مَجَازٌ، وَأَنَّهُ لَيسَ المَقْصُودُ -في الآيَتَيِنْ- بِـ ﴿الْمَوْتَى﴾ وَبِـ ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ المَوتَى حَقِيقَةً الَّذِينَ فِي قُبُورِهِم، وَإِنَّمَا المُرَادُ بِهِم الكُفَّارُ الأَحْيَاءُ حَيثَ شُبِّهُوا بِالمَوتَى.
وَالجَوَابُ:
أَنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ مَنْ تَدَبَّرَ الآيَتَينِ وَسِياقَهُمَا أَنَّ المَقْصُودَ بِالأَمْوَاتِ هُنَا هُمُ الكُفَّارُ فِعْلًا، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ لَا خِلافَ بَينَهُم فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الاسْتِدْلَالِ بِالآيَتَينِ عَلَى مَا سَبَقَ، لِأَنَّ المَوتَى لَمَّا كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ حَقِيقَةً -وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخَاطَبِينَ- شَبَّهَ اللهُ تَعَالَى بِهِمُ الكُفَّارَ الأَحْيَاءَ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ، فَدَلَّ هَذَا التَّشْبِيهُ عَلَى أَنَّ المُشَبَّهَ بِهِم -وَهُمُ المَوتَى فِي قُبُورِهِم- لَا يَسْمَعُونَ.
كَمَا يَدُلُّ -مَثَلًا- تَشْبِيهُ زَيدٍ فِي الشَّجَاعَةِ بِالأَسَدِ عَلَى أَنَّ الأَسَدَ شُجَاعٌ، بَلْ هُوَ فِي ذَلِكَ أَشْجَعُ مِنْ زَيدٍ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِهِ -وَإِنْ كَانَ الكَلَامُ لَمْ يُسَقْ لِلتَّحَدُّثِ عَنْ شَجَاعَةِ الأَسَدِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا عَنْ زَيدٍ-، وَكَذَلِكَ الآيَتَانِ السَّابِقَتَانِ -وَإِنْ كَانَتَا تَحَدَّثَتَا عَنِ الكُفَّارِ الأَحْيَاءِ، وشُبِّهُوا بِمَوتَى القُبُورِ-؛ فَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنَّ مَوتَى القُبُورِ لَا يَسْمَعُونَ، بَلْ إِنَّ كُلَّ عَرَبِيٍّ -سَلِيمَ السَّلِيقَةِ- لَا يَفْهَمُ مِنْ تَشْبِيهِ مَوتَى الأَحْيَاءِ بَهَؤُلَاءِ إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءَ أَشَدُّ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ مِنْهُم كَمَا فِي المِثَالِ السَّابِقِ (^١).
_________________
(١) أَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ لَفْتِ النَّظَرِ إِلَى أَنَّ الأَمْرَ كُلَّمَا زَادَ وُضُوحُهُ صَعُبَ إِيجَادُ مَنْ يَنُصُّ عَلَيهِ بِلَفْظِهِ، فَمَثَلًا يَصْعُبُ أَنْ تَجِدَ مَنْ يَنُصُّ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ وَاضِحَةٌ، وَعَلَى أَنَّ البَشَرَ يَنْطِقُونَ، وَعَلَى أَنَّ =
[ ١ / ٢٥٨ ]
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ (^١): "هَذَا مَثَلٌ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللهُ عَلَى أَسْمَاعِهِم فَسَلَبَهُم فَهْمَ مَا يُتْلَى عَلَيهِم مِنْ مَوَاعِظِ تَنْزِيلِهِ؛ كَمَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ المَوتَى الَّذِينَ سَلَبَهُمُ اللهُ أَسْمَاعَهُم بِأَنْ تَجْعَلَ لَهُم أَسْمَاعًا.
وَقَولُهُ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ يَقُولُ: كَمَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُسْمِعَ الصُّمَّ الَّذِينَ قَدْ سُلِبُوا السَّمْعَ إِذَا وَلَّوا عَنْكَ مُدْبِرِينَ (^٢)؛ كَذَلِكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُوَفِّقَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ سَلَبَهُم اللهُ فَهْمَ آيَاتِ كِتَابِهِ لِسَمَاعِ ذَلِكَ وَفَهْمِهِ".
ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: "هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلكَافِرِ، فَكَمَا لَا يَسْمَعُ المَيِّتُ الدُّعَاءَ؛ كَذَلِكَ لَا يَسْمَعُ الكَافِرُ، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ يَقُولُ: لَو أَنَّ أَصَمًّا وَلَّى مُدْبِرًا ثُمَّ نَادَيتَهُ لَمْ يَسْمَعْ؛ كَذَلِكَ الكَافِرُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِمَا سَمِعَ" (^٣).
_________________
(١) = الأَنْعَامَ بَهَائِمٌ لَا تَعْقِلُ، وَعَلَى أَنَّ اللبَنَ أَبْيَضُ؛ رُغْمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا تَجِدُ لَهُ نَصٌّ شَرْعيٌّ فِي التَّشْبِيهِ بِهِ، فَكَذَا الأَمْرُ هُنَا. فَمِنَ العَجَبِ أَنْ يُذكَرَ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ، وَقَدْ عُلِمَ بِالحِسِّ التَّامِ أَنَّ المَيِّتَ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ لَا يَسْتَجِيبُ! فَهُم لِذَلِكَ يُسَفِّهُونَ مَنْ يُخَاطِبُ المَيِّتَ فِي بَعْضِ شُؤُونِهِ، كَمِثْلِ مُغَسِّلٍ يَعْتَذِرُ مِنَ المَيِّتِ إِذَا اسْتَخْدَمَ لَهُ مَاءً حَارًّا أَو بَارِدًا! وَاللهُ المُسْتَعَانُ.
(٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢٠/ ١١٧).
(٣) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ قُيِّدَ عَدَمُ الإِسْمَاعِ بِهِ لِيَكُونَ أَشَدَّ اسْتِحَالَةٍ، فَإِنَّ الأَصَمَّ المُقْبِلَ -وَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الكَلَامَ- فَإِنَّهُ يَفْطَنُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ الحَرَكَاتِ شَيئًا. اُنْظُرْ تَفْسِيرَ البَيضَاوِيِّ (٤/ ٣٤١).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٣٢٤) الآيَةُ (٥٢) مِنْ سُورَةِ الرُّومِ: "يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا أَنَّكَ لَيسَ فِي قُدْرَتِكَ أَنْ تُسْمِعَ الأَمْوَاتَ فِي أَجْدَاثِهَا، وَلَا تُبْلِغَ كَلَامَكَ الصُمَّ الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ -وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُدْبِرُونَ عَنْكَ- كَذَلِكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى هِدَايَةِ العُمْيَانِ عَنِ الحَقِّ، وَرَدِّهِم عَنْ ضَلَالَتِهِم، بَلْ ذَلِكَ إِلَى =
[ ١ / ٢٥٩ ]
وَمِنْ نَفْسِ البَابِ؛ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى شَبَّهَ الكُفَّارَ بِالصُمِّ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ فِي نَفْسِ الآيَاتِ السَّابِقَةِ؛ فَهَلْ يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِأَنَّ الآيَةَ قَصَدَتِ الكُفَّارَ وَلَيسَ فِيهَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصُمَّ لَا يَسْمَعُونَ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
- فَائِدَةٌ: إِذَا تَأَمَّلْتَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فَاطِر: ٢٢] وَهُوَ سياقُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ؛ فَإِنَّكَ سَتَجِدُ أَدِلَّةً أُخْرَى عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ، مِنْهَا:
أ- أَنَّ الحَيَّ وَالمَيِّتَ لَا يَسْتَوِيَانِ، وَهُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلكَافِرِ وَالمُؤْمِنِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ السَّمَاعِ؛ حَيثُ جُعِل مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالسَّمَاعِ كَمَنْ لَا سَمْعَ لَهُ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الغَايَةِ مِنْهُ.
ب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَلَبَ المَيِّتَ سَمْعَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَونِهِ مِثَالًا لِمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالسَّمَاعِ، حَيثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ خِلَافُ الأَصْلِ.
ج- أَخِيرًا -وَهِيَ قَاصِمَةُ ظُهُورِ القُبُورِيينَ-؛ نَقُولُ: هَبْ أَنَّ المَيِّتَ هُوَ كَالكَافِرِ فِي كَونِهِ -فَقَط- لَا يَسْمَعُ سَمَاعَ انْتِفَاعٍ وَاسْتِجَابَةٍ؛ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ سَمَاعَ
_________________
(١) = اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ بِقُدْرَتِهِ يُسْمِعُ الأَمْوَاتَ أَصْوَاتَ الأَحْيَاءِ إِذَا شَاءَ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَلَيسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ سِوَاهُ". وَعِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِآيَةِ سُورَةِ فَاطِرٍ قَالَ ﵀: " ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ أَي: كَمَا لَا يَسْمَعُ وَيَنْتَفِعُ الأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوتِهِم وَصَيرُورَتِهِم إِلَى قُبُورِهِم -وَهُمْ كُفَّارٌ- بِالهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِبَتْ عَلَيهِم الشَّقَاوةُ لَا حِيلَةَ لَكَ فِيهِم، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُم". قُلْتُ: وَالمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى طَمَسَ عَلَى قُلُوبِهِم، فَهُمْ يَسْمَعُونَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِمَا سَمِعُوا، فَصَارُوا كَأَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ؛ لِعَدَمِ انْتِفَاعِهِم بِسَمْعِهِم.
[ ١ / ٢٦٠ ]
إِدْرَاكٍ، فَنَقُولُ: هَذَا القَدْرُ يَكْفِينَا فِي أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُكَ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَكَ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْفَعَكَ!
بَلْ لَو فُرِضَ سَمَاعُهُ، وَأَنَّهُ يَدْعُو وَيَتَوَسَّطُ بِالخَيرِ لِمَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ عِنْدَ اللهِ؛ لَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَعْدَ مَوتِهِ، وَكَيفَ يَصِحُّ هَذَا وَقَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ مِنَ الدُّنْيِا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِلَّا مِن ثَلَاث» وَهَذِهِ لَيسَتْ مِنَ الثَّلَاثِ!! فَبَطَلَتْ بِذَلِكَ غَايَتُهُم مِنْ إِثْبَاتِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ. وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٣ - ١٤] (^١).
فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي نَفْي السَّمْعِ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانَ المُشْرِكونَ يَدْعُونَهُم مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَهُمْ مَوتَى الأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ كَانَ المُشْرِكُونَ يُمَثِّلُونَهُم فِي التَّمَاثِيلِ وَالأَصْنَامِ (^٢).
_________________
(١) وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].
(٢) وَهُمْ يَعْبُدُونَهَا لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَلَيسَ لِذَاتِهَا! كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ آيَةُ سُورَةِ نُوحٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نُوح: ٢٣]، فَفِي التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِ مِنَ السَّلَفِ: "أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٩٢٠) وَغَيرُهُ. وَمَعْنَى (وَتَنَسَّخَ العِلْمُ): "أَي: عِلْمُ تِلْكَ الصُّوَرِ بِخُصُوصِهَا". فَتْحُ البَارِي (٨/ ٦٦٩).
[ ١ / ٢٦١ ]
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وَأَقْتَصِرُ عَلَى رِوَايَتَينِ فِيهِ:
- حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي البُخَارِيِّ، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ؛ فَقَالَ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ؛ فَقَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الحَقُّ» ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حَتَّى قَرَأَتِ الآيَةَ (^١) (^٢).
- حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَمَرَ يَومَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَومٍ أَقَامَ بِالعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ اليَومَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ:
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٣٩٨٠).
(٢) تَوجِيهٌ: هُنَا لَا يُقْبَلُ تَقْدِيمُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى كَلَامِ عَائِشَة ﵄ بِدَعْوَى أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَشْهَدْ ذَلِكَ! وَهَذَا بِسَبَبِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا أَيضًا، حَيثُ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١٨٦٨) أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَومَ بَدْرٍ -وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ- فَلَمْ يُجِزْهُ لِلقِتَالِ، وَلَكِنْ يُقَدَّمُ حَدِيثُهُ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ مَا رُويَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي تَأْيِيدِ مَا رَوَاهُ ﵁. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي كِتَابِ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ (٢/ ٤٥٠): "الصَّوَابُ: قَولُ الجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُم، لِلأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ نَصًّا عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَتْ إِلَيهِ ﵂ وَأَرْضَاهَا". قُلْتُ: وَلَعَلَّ عَائِشَةَ ﵂ رَجَعَتْ عَنْ هَذَا إِلَى إِثْبَاتِ لَفْظِ الحَدِيثِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ بْنِ بُكَيرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ وَفِيهِ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا؛ فَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ عَنِ الْإِنْكَارِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهَا مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهَا لَمْ تَشْهَدِ الْقِصَّةَ". فَتْحُ البَارِي (٧/ ٣٠٣).
[ ١ / ٢٦٢ ]
«يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَيَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ؛ أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» (^١)، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ». قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَولَهُ تَوبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا (^٢).
وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أُمُورٌ:
أ- مَا فِي الرِّوَايَةِ الأُولَى مِنْ تَقْيِيدِهِ ﷺ سَمَاعَ مَوتَى القَلِيبِ بِقَولِهِ: «الآنَ»، فَإِنَّ مَفْهومَهُ أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ فِي غَيرِ هَذَا الوَقْتِ، وَهُوَ المَطْلُوبُ.
فَفِيهَا تَنْبِيهٌ قَوِيٌّ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي المَوتَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ؛ وَلَكِنَّ أَهْلَ القَلِيبِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ قَدْ سَمِعُوا نِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ بِإِسْمَاعِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُم خَرْقًا لِلعَادَةِ وَمُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ أَورَدَهُ الخَطِيبُ التَّبْرِيزِيُّ فِي بَابِ المُعْجِزَاتِ مِنْ مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ.
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀: "وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْتُم بِأَسْمَعَ مِنْهُم»، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فيُشْبِهُ أَنَّ قِصَّةَ بَدْرٍ خَرْقُ عَادَةٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَنْ رَدَّ اللهُ إِلَيهِم إِدْرَاكًا سَمِعُوا بِهِ مَقَالَهُ، وَلَولَا إِخْبَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسَمَاعِهِم لَحَمَلْنَا نِدَاءَهُ إِيَّاهُم عَلَى
_________________
(١) "أَيْ هَلْ تَتَمَنَّوْنَ أَنْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَمَا وَصَلْتُمْ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: فَالْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَتَحْزَنُونَ وَتَتَحَسَّرُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَمْ لَا؟ وَتَذْكُرُونَ قَوْلَنَا لَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَيَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ وَيَخْذُلُ أَعْدَاءَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا". مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (٦/ ٢٥٥٣).
(٢) البُخَارِيُّ (٣٩٧٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٧٥).
[ ١ / ٢٦٣ ]
مَعْنَى التَّوبِيخِ لِمَنْ بَقيَ مِنَ الكَفَرةِ، وَعَلَى مَعْنَى شِفَاءِ صُدُورٍ المُؤْمِنِينَ" (^١).
ب- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّ عُمَرَ وَغَيرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا كَانَ مُسْتَقِرًّا فِي نُفُوسِهِم وَاعْتِقَادِهِم أَنَّ المَوتَى لَا يَسْمَعُونَ (^٢)، حَيثُ بَادَرَ الصَّحَابَةُ (^٣) لَمَّا سَمِعُوا نِدَاءَهُ ﷺ لِمَوتَى القَلِيبِ بِقَولِهِم: "مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ؛ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا! " فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُم كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ سَابِقٍ تَلَقَّوهُ مِنْهُ ﷺ، وَإِلَّا لَمْ يُبَادِرُوا لِذَلِكَ الإِنْكَارِ.
فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُخَطِّئ فَهْمَهُم وَإِنَّمَا أَرْشَدَ إِلَى تَخْصِيصِ هَذَا السَّمَاعِ بِأَمْرَينِ وَهُمَا: «الآنَ» بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ، وَ«إنَّهُم» أَي: أَهْلَ القَليبِ؛ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ جَمْيِعِ المَوتَى.
قُلْتُ: وَهَذَا العِلْمُ السَّابِقُ مِنْهُم هُوَ إِمَّا مِنْ جِهَةِ البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ فِي أَعْرَافِ النَّاسِ وَمَا اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِهِم، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الأَخِيرَ مَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى جَيَّفُوا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيهِمْ؛ فَقَالَ: «يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، قَالَ: فَسَمِعَ عُمَرُ صَوتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟! وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ يَقُولُ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا» (^٤).
ج- قَولُ رَاوِي الحَدِيثِ قَتَادَةَ؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَحْيَاهُم لِيَسْمَعُوا التَّوبِيخَ وَلِيَزْدَادُوا
_________________
(١) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (١٣/ ٢٣٢).
(٢) وَكَذَا كَانَ فَهْمُ عَائِشَة ﵂ حِينَ أنْكَرَتْ قَولَ: «يَسْمَعُونَ» وَقَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ: "يَعْلَمُونَ".
(٣) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيدٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَه بِلَفْظِ: (قَالُوا) بَدَلَ: (قَالَ عُمَرُ). مُسْنَدُ أَحْمَد (١٢٠١٢).
(٤) صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. مُسْنَدُ أَحْمَدَ (١٤٠٦٤). مُخْتَصَرُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِلْأَلْبَانِيِّ (٣/ ١٣).
[ ١ / ٢٦٤ ]
حَسْرَةً وَنَدَمًا (^١)، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَمْوَاتَ لَا يَسْمَعُونَ أَصْلًا.
قَالَ العَلَّامَةُ القَصَّابُ فِي فَوَائِدَ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَنَّ فِيهَا: "تَكْذِيبًا لِلأَخْبَارِ الوَاهِيَةِ فِي أَنَّ المَوتَى يَعْلَمُونَ وَيَشْعُرُونَ! وَمَا كَانَ مِنْهَا صَحِيحَةً فَلَهَا مَعَانٍ وَاضِحَةٌ، مِثْلُ وُقُوفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ وَنِدَاءِ مَنْ فِيهِ مِنْ قَتْلَى قُرَيشٍ وَقَولِهِ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُم؛ غَير أَنَّهُم لَا يُطِيقُونَ الجَوَابَ»، فَهَذِهِ الآيَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَقْتِهَا خَاصَّةٌ فِيهِم لِيُقِرَّ اللهُ عَينَ رَسُولِهِ عَاجِلًا بِإِسْمَاعِهِم قَولَهُ وَتَحْقِيقِ مَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ فِيهِ حَتَّى يُقْبَروا، فَإِذَا قُبِرُوا لَمْ يُسْمِعْهُم. وَمِثْلُ مَا رُوِيَ فِي الشُّهَدَاءِ، فَإِنَّهُم -وَإِنْ قُتِلُوا- فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ" (^٢).
- فَائِدَةٌ: يَظْهَرُ أَنَّ مُنَادَاةَ الكُفَّارِ بَعْدَ هَلَاكِهِم سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ سُنَنِ الأَنْبِيَاءِ؛ فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي قَومِ صَالِحٍ ﵇: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٧٩].
قَالَ ابْنُ كَثِير ﵀: "هَذَا تَقْرِيعٌ مِنْ صَالِح ﵇ لِقَومِهِ لَمَّا أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُ وَتَمَرُّدِهِمْ عَلَى اللهِ وَإِبَائِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الهُدَى إِلَى
_________________
(١) قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الرُّوح (ص ٤٥): "وَقَدْ يُقَالُ: نَفْيُ إِسْمَاعِ الصُّمِّ مع نَفْي إِسْمَاعِ المَوتَى يَدُلُّ عَلَى أَنّ المُرَادَ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلسَّمَاعِ؛ وَأَنَّ قُلُوبَ هَؤُلَاءِ لَمّا كَانَتْ مَيِّتَةً صَمَّاءَ كَانَ إِسْمَاعُهَا مُمْتَنِعًا بِمَنْزِلَةِ خِطَابَ المَيِّتِ وَالأَصَمِّ، وَهَذَا حَقٌّ؛ وَلَكِنْ لَا يَنْفِي إِسْمَاعَ الأَرْوَاحِ بَعْدَ المَوتِ إِسْمَاعَ تَوبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ بَوَاسِطَةِ تَعَلُّقِهَا بِالأَبْدَانِ فِي وَقْتٍ مَا، فَهَذَا غَيرُ الإِسْمَاعِ المَنْفِيَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ".
(٢) النُّكَتُ الدَّالَّةُ عَلَى البَيَانِ (١/ ١٨٦).
[ ١ / ٢٦٥ ]
العَمَى، قَالَ لَهُمْ صَالِحُ ذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ تَقْرِيعًا وَتَوبِيخًا -وَهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ- كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ … " (^١) وَذَكَرَ حَدِيثَ القَلِيبِ.
الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ للهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (^٢).
وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَسْمَعُ سَلَامَ مَنْ يُسلِّمُ عَلَيهِ؛ إِذْ لَو كَانَ يَسْمَعُهُ بِنَفْسِهِ لَمَا كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُ إِيَّاهُ، فَالاسْتِدْلَالُ هُنَا هُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الأَولَى بِالنِّسْبَةِ لِعُمُومِ الأَمْوَاتِ؛ وَلِعُمُومِ الكَلَامِ، أَي أَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ -وَهُوَ سَيِّدُ البَشَرِ- لَا يَسْمَعُ سَلَامَ المُسَلِّمِ عَلَيهِ وَإِنَّمَا يَصِلُهُ بَلَاغًا؛ فَعَامَّةُ الأَمْوَاتِ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ السَّلَامَ؛ بَلْ وَسَائِرَ الكَلَامِ (^٣).
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ٤٤٣). لَكِنَّ قَولَهُ: (وَهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ) لَيسَ فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ، كَمَا أَرْشَدَ إِلَيهِ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٢) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (١٢٨٢). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢١٧٤).
(٣) قُلْتُ: وَيُمْكِنُ إِيرَادُ أَدِلَّةٍ أُخَرَ فِي مَسْأَلَةِ عَدَمِ السَّمَاعِ. كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرَّعْد: ٣١]، حَيثُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ تَكْلِيمَ المَوتَى بِحَيثُ يَسْمَعُونَ وَيُجِيبُونَ وَيَهْتَدُونَ هُوَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنِ الأَصْلِ، بَلْ إِنْ كَانَ فَهُوَ لَا يَكُونُ لِغَيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ. قَالَ البَيضَاوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٣٣٠): " ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ فَتَسْمَعُ فَتَقْرَؤُهُ، أَو فَتَسْمَعُ وَتُجِيبُ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ؛ لَكَانَ هَذَا القُرْآنُ، لِأَنَّهُ الغَايَةُ فِي الإِعْجَازِ وَالنِّهَايَةُ فِي التَّذْكِيرِ وَالإِنْذَارِ". وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإِسْرَاءُ: ٥٢]. قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ القَصَّابُ ﵀: "فَأَخْبَرَ عَمَّن قَدْ أَمَاتَهُ تِلْكَ المَوْتَةَ بِمَا تَرَى؛ فَلَو كَانُوا يَشْعُرُونَ لَعَلِمُوا أَنَّهُم أَقَامُوا طَوِيلًا لَيسَ قَلِيلًا، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي القُرْآنِ". النُّكَتُ الدَّالَّةُ عَلَى البَيَانِ (١/ ١٨٦).
[ ١ / ٢٦٦ ]
أَدِلَّةُ المُخَالِفِينَ:
إِنَّ أَقْوَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ هُوَ:
الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: حَدِيثُ قَلِيبِ بَدْرٍ المُتَقَدِّمِ؛ وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ القَلِيبِ مِنْ جِهَةٍ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي المَوتَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَأَنَّ سَمَاعَهُم كَانَ خَرْقًا لِلعَادَةِ فَلَا دَاعِيَ لِلإِعَادَةِ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي: حَدِيثُ خَفْقِ النِّعَالِ.
فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ؛ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا، يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَان: …» (^١).
وَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِوَقْتِ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَمَجِيءِ المَلَكَينِ إِلَيهِ لِسُؤَالِهِ؛ فَلَا عُمُومَ فيهِ، وَلِذَلِكَ فَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي تَبْوِيبِهِ عَلَى الحَدِيثِ حَيثُ قَالَ: "بَابُ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ" (^٢).
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي شَرْحِ البُخَارِيِّ (٣/ ٣٢٠): "قَولُهُ ﷺ فِي المَيِّتِ: «إِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِم» وَكَلَامُهُ مَعَ المَلَكَينِ يُبَيِّنُ قَولَهُ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢] أَنَّهُ عَلَى غَيرِ العُمُومِ.
قَالَ المُهَلَّبُ: وَلَا مُعَارَضَةَ بَينَ الآيَةِ وَالحَدِيثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا نُسِبَ إِلَى المَوتَى مِنْ اسْتِمَاعِ النِّدَاءِ وَالنَّوحِ فَهِيَ فِي هَذَا الوَقْتِ عِنْدَ الفِتْنَةِ أَوَّلَ مَا يُوضَعُ المَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، أَو مَتَى شَاءَ اللهُ أَنْ يَرُدَّ أَرْوَاحَ المَوتَى رَدَّهَا إِلَيهِم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١٣٣٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٧٠).
(٢) البُخَارِيُّ (٢/ ٩٠).
[ ١ / ٢٦٧ ]
وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٣] " (^١).
قُلْتُ: وَتَأْيِيدُ كَلَامِهِ هُوَ فِي نَفْسِ سِيَاقِ الآيَةِ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢].
وَمِثْلُهُ أَيضًا حَدِيثُ عَمْرو بْنُ العَاصِ ﵁؛ قَالَ: "إِذَا دَفَنْتُمُونِي؛ فَأقِيمُوا حَولَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). فَهُوَ مِنْ نفْسِ البَابِ أَيضًا.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَفِيهِ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ حِينَئِذٍ مَنْ حَولَ القَبْرِ" (^٣).
وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀"وَقَولُهُ (حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُم) وَقَدْ سَبَقَ فِي مُسْنَدِ أَنَسٍ وَغَيرِهِ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ إِذَا وَلَّوا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَسُنَ أَنْ يَقُولَ: (حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُم)، وَالمُرَادُ بِالرُّسُلِ هُنَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ" (^٤).
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: مَا وَرَدَ عِنْدَ زِيَارَةِ القُبُورِ مِنَ الدُّعَاءِ لِلأَمْوَاتِ بِصِيغَةِ الخِطَابِ: "السَّلَامُ عَلَيكُم"، وَأَيضًا تَسْمِيَتُهَا بِـ (زِيَارةِ القُبُورِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم يَعْلَمُونَ مَنْ يَزورُهُم (^٥).
_________________
(١) شَرْحُ البُخَارِيِّ لِابْنِ بَطَّال (٣/ ٣٢٠).
(٢) مُسْلِمٌ (١٢١).
(٣) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (٢/ ١٣٩): "وَفِيهِ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ حِينَئِذٍ مَنْ حَولَ القَبْرِ".
(٤) كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَين (٤/ ١١١).
(٥) وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ مَنْقُولَةٌ عَنِ ابْنِ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الرُّوح (ص ٨). تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى (الآيَاتُ البَيِّنَاتُ) (ص ٣٩): "إِنِّي فِي شَكٍّ كَبِيرٍ مِنْ صِحَّةِ نِسْبَةِ (الرُّوحِ) إِلَيهِ، أَو لَعَلَّهُ ألَّفَهُ فِي أَوَّلِ طَلَبِهِ لِلعِلْمِ. وَاللهُ أَعْلَمُ".
[ ١ / ٢٦٨ ]
وَالجَوَابُ:
أ- إِنَّ لَفْظَ الخِطَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ المُخَاطَبُ سَامِعًا لِلنِّدَاءِ (^١)! كَمَا فِي مُخَاطَبَةِ عُمَرَ ﵁ لِلحَجَرِ الأَسْوَدِ فِي قَولِهِ: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ" (^٢) (^٣).
وَمِثْلُهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَمَا هَاجَرَ؛ فَخَاطَبَ مَكَّةَ قَائِلًا: «وَاللهِ؛ إِنَّكِ لَخَيرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَولَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (^٤).
_________________
(١) وَعَلَى فُرِضَ سَمَاعُهُم؛ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالزِّيَارَةِ وَبِلَفْظِ السَّلَامِ فَقَط. مُسْتَفَادٌ مِنْ تَفْسِيرِ رُوحِ المَعَانِي (١١/ ٥٧) لِلشَّيخِ مَحْمُود الآلُوسِيِّ -وَالِدِ مُؤَلِّفِ الكِتَابِ الأَصْلِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-. وَإِلى هَذَا ذَهَبَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٣٢٧)، فَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَ الأَمْوَاتِ عِنْدَ قُبُورِهِم، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالآثَارِ النَّبَوِيَّةِ وَالسَّلَفِيَّةِ -وَسَيَأْتِي التَّعْلِيقُ عَلَى بَعْضِهَا-، فَقَالَ ﵀: "وَقَدْ شُرِعَ السَّلَامُ عَلَى المَوتَى، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْعُرْ وَلَا يَعْلَمُ بِالمُسَلِّمِ مُحَالٌ! وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ إِذَا رَأَوا القُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيكُم أَهْلَ الدِّيَارِ". وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُ شَيخِ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَجْمُوِعِ الفَتَاوَى (٢٤/ ٣٦٤): "فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا تُبَيِّنُ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ فِي الجُمْلَةِ كَلَامَ الحَيِّ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّمْعُ لَهُ دائِمًا، بَلْ قَدْ يَسْمَعُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ".
(٢) البُخَارِيُّ (١٥٩٧).
(٣) قُلْتُ: وَلَا يَرِدُ عَلَيهِ مَا فِي التِّرْمِذِيِّ (٩٦١) -وَهُوَ صَحِيحٌ، كَمَا فِي صَحِيحِ الجَامِعِ (٥٣٤٦) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ: «وَاللهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ لَهُ عَينَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ؛ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» وَذَلِكَ لِأَمْرَينِ: الأَوَّلِ: أَنَّهُ جَمَادٌ؛ وَإِذَا شَاءَ اللهُ أَنْطَقَهُ، وَذَلِكَ كَائِنٌ يَومَ القِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فُصِّلَت: ٢١]. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ تَأْتِ فِي صِفَتِهِ السَّمَاعُ! بَلِ البَصَرُ وَالنُّطْقُ. وَالحَمْدُ للهِ.
(٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٩٢٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْرَاءِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٠٨٩).
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَكَمُخَاطَبَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِقَولِهِم: "السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ" -وَهُم فِي جَمِيعِ المَسَاجِدِ- وَلَمْ يَكُنْ يَسْمَعُهُم وَيَرُدُّ ﵈ (^١)! وَلَكِنَّهَا عِبَادَةٌ يُتعَبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِهَا -أَي: دُعَاءَ دُخُولِ المَقَابِرِ، وَالتَّشَهُّدُ-.
وِمِثْلُهُ حَدِيثُ: «مَنْ رَأَى مُبْتَلى؛ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ» (^٢).
قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعْهُ المُبْتَلَى، إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْمِعُهُ -إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً-" (^٣).
ب- وَأَمَّا الاسْتِدْلَالُ بِتَسْمِيَةِ (زِيَارَةِ القُبُورِ) وَأَنَّ مَفَادَهَا عِلْمُ أَهْلِ القُبُورِ بِمَنْ زَارَهُم كَمَا يُزَارُ الأَحْيَاءُ! فَهُوَ قِيَاسٌ غَيرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا، فَكَيفَ يُقَاسُ المَيِّتُ عَلَى الحَيِّ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا أَبْعَدُ القِيَاسِ، بَلْ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَصْلًا قَدْ سَمَّاهَا (زِيَارَةَ القُبُورِ وَلَيسَ زِيَارَةَ المَوتَى) لِأَنَّ المَزُورَ هُنَا هُوَ القَبْرُ وَلَيسَ المَيِّتَ.
وَنَقُولُ أَيضًا: إِنَّ الجَمَادَ أَيضًا تَصِحُّ تَسْمِيَةُ إِتْيَانِهِ زِيَارَةً، كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ البَيتَ فِي الحَجِّ (^٤)، وَمِنَ المَعْلُومِ تَسْمِيَةُ طَوَافِ الإِفَاضَةِ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا (^٥)؛ فَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يَقُولُ:
_________________
(١) وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ كَمَا لَا يَخْفَى. وَمِنْ نَفْسِ البَابِ يُجَابُ عَنْ حَدِيثِ الضَّرِيرِ الَّذِي فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٣٥٧٨) -وَهُوَ صَحِيحٌ- وَسَيَأْتِي إِنْ شاءَ اللهُ فِي المُلْحَقِ الثَّامِنِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ وهو (مُخْتَصَرُ كِتَابِ: التَّوَسُّلُ؛ أَنْوَاعُهُ؛ أَحْكَامُهُ).
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٠٢).
(٣) فَيضُ القَدِيرِ (٦/ ١٣٠).
(٤) البُخَارِيُّ (٢/ ١٧٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
(٥) مُسْلِمٌ (١٣٩٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
[ ١ / ٢٧٠ ]
بِأَنَّ البَيتَ وَقُبَاءَ هُمَا مِنَ الأَحْيَاءِ وَلَيسَتْ جَمَادَاتٍ، وَيَشْعُرُ كُلٌّ مِنْهُا بِزِيَارَةِ الزَّائِرِ أَو أَنَّهُ يَعْلَمُ بِزِيَارَتِهِ؟!
الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: بَعْضُ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا، وَالحُكْمُ عَلَيهَا:
١ - «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْتُهُ». مَوضُوعٌ (^١).
٢ - «لَقِّنُوا مَوتَاكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٢).
وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، لِذَلِكَ بَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "بَابُ مَا جَاءَ فِي تَلْقِينِ المَرِيضِ عِنْدَ المَوتِ وَالدُّعَاءِ لَهُ"، ثُمَّ قَالَ ﵀: "مَعْنَاهُ: مَنْ حَضَرَهُ المَوتُ؛ ذَكِّرُوهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ كانَ آخِرَ كَلَامِهِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" دَخَلَ الجَنَّةَ» (^٣).
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا: «لَقِّنُوا مَوتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" عِنْدَ المَوتِ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ يَومًا مِنَ الدَّهْرِ -وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ-» (^٤) ".
_________________
(١) المَوضُوعَاتُ لِابْنِ الجَوزِيِّ (١/ ٣٠٣). قُلْتُ: وَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بَنَى عَلَيهِ جَوَازَ سَمَاعِ المَيِّتِ، وَلَكِنَّهُ بَقِيَ مُقَيَّدًا عِنْدَهُ بِأَمْرَينِ: الأَوَّلِ: أَنَّ الأَصْلَ أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ -لِعُمُومِ الآيَاتِ مَوضُوعِ البَحْثِ-، وَهَذَا السَّمَاعُ هُوَ مِمَّا جُعِلَ تَحْتَ المَشِيئَةِ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾. الثَّانِي: السَّمَاعُ لِمَنْ كَانَ عِنْدَ القَبْرِ، وَلَيسَ مُطلقًا نَائِيًا عَنْهُ كَمَا فِي الأَثَرِ، وَقَدْ عَلِمْتَ كَونَهُ مَوضُوعًا.
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا.
(٣) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٦/ ٢١٩).
(٤) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ (٣٠٠٤). صَحِيحُ الجَامِعِ (٥١٥٠).
[ ١ / ٢٧١ ]
٣ - حَدِيثُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ رَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيهِ؛ إِلَّا عَرَفَهُ، وَرَدَّ ﵇) ضَعِيفٌ (^١).
٤ - حَدِيثُ: كَانَتِ امْرَأَةٌ بِالمَدِينَةِ تَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَتْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَمَرَّ عَلَى قَبْرِهَا فَقَالَ: «مَا هَذَا القَبْرُ؟» فَقَالُوا: أُمُّ مِحْجَنٍ، قَالَ: «الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَصَفَّ النَّاسَ فَصَلَّى عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيَّ العَمَلِ وَجَدْتِ أَفْضَلَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَسْمَعُ؟ قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهَا»، فَذَكَرَ أَنَّهَا أَجَابَتْهُ: قَمَّ المَسْجِدِ. ضَعِيفٌ مَعْضَلٌ (^٢).
٥ - حَدِيثُ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيرٍ حِينَ رَجَعَ مِنْ أُحُدٍ؛ فَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «أَشْهَدُ أنَّكُم أَحْيَاءُ عِنْدَ اللهِ. فَزُورُوهُم وَسَلِّمُوا عَلَيهِم، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِم أَحَدٌ إِلَّا رَدَّوا عَلَيهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» (^٣).
_________________
(١) العِلَلُ المُتَنَاهِيَةُ (٢/ ٢٢٩) لِابْنِ الجَوزِيِّ ﵀، وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَضْعِيفِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -وَهُوَ ابْنِ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ-".
(٢) أَورَدَهُ الحَافِظُ المُنْذِريُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١/ ١٢٢) عَنْ أَبِي الشَّيخِ الأَصْبَهَانِيُّ عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ مَرْزُوقٍ، وَقَالَ: "هَذَا مُرْسَلٌ". ضَعِيفُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٨٢).
(٣) رَوَاهُ الحَاكِمُ (٢٩٧٧)، وَقَالَ: "حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ"! وَرَدَّهُ الذَّهَبِيُّ ﵀ بِقَولِهِ: "كَذَا قَالَ! وَأَنَا أَحْسِبُهُ مَوضُوعًا". وَقَالَ الهَيثَمِيُّ فِي المَجْمَعِ (٦/ ١٢٣): "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ، وَفِيهِ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ".
[ ١ / ٢٧٢ ]