وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧].
وَقَولُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ١٧].
وَقَولُهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].
وَقَولُهُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْل: ٦٢].
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ؛ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ» (^١).
_________________
(١) ضَعِيفٌ. أَحْمَدُ (٢٢٧٠٦) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ (١/ ٣٨٧)، وَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ -رُغْمَ أَنَّ الهَيثَمِيَّ عَزَاهُ إِلَيهِ فِي (المَجْمَعِ)، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ فِي القِسْمِ المَفْقُودِ مِنْ مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ-، وَلَمْ يَعْزُهُ السُّيُوطِيُّ ﵀ -عَلَى سَعَةِ اطِّلَاعِهِ- لِغيرِهِمَا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الشَّيخُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي المَدْخَلِيُّ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَحْقِيقِهِ لِكِتَابِ (قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالوَسِيلَةِ، تَأْلِيفُ شَيخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيمِيَّة ﵀: "اُنْظُرْ مَجْمَعَ الزَّوَائِدِ (١٠/ ١٥٩)، قَالَ الهيثميُّ =
[ ١ / ٢٣٧ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أَنَّ عَطْفَ الدُّعَاءِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ مِنْ عَطْفِ العَامِّ عَلَى الخَاصِّ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَصْلَحَ النَّاسِ لَو فَعَلَهُ إِرْضَاءً لِغَيرِهِ؛ صَارَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
الخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.
السَّادِسَةُ: كَونُ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا مَعَ كَونِهِ كُفْرًا.
السَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ.
الثَّامِنَةُ: أَنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ لَا يَنْبَغِي إِلَّا مِنَ اللهِ؛ كَمَا أَنَّ الجَنَّةَ لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ.
التَّاسِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ.
العَاشِرَةُ: أَنَّهُ لَا أَضَلُّ مِمَّنْ دَعَا غَيرَ اللهِ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ دُعَاءِ الدَّاعِي لَا يَدْرِي عَنْهُ.
_________________
(١) = عَقِبَهُ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيرُ ابْنِ لَهِيعَة، وَهُوَ حَسَنُ الحَدِيثِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٥/ ٣١٧): ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُد، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنِ الحَارِثِ بْنِ يَزِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ؛ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: قُومُوا نَسْتَغِيثُ برَسُولِ اللهِ مِنْ هَذَا المُنَافِقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «لَا يُقامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ للهِ ﵎). وَرَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ (١/ ٣٨٧) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَبِهَذَا اللَّفْظِ. وَمُوسَى بْنُ دَاوُد؛ هُوَ الضَّبِيُّ؛ أَبْوُ عَبْدِ اللهِ الطَرْطُوسِيُّ، صَدُوقٌ فَقِيهٌ زَاهِدٌ لَهُ أَوهَامٌ، مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ، فَيَبْدُو أَنَّه مِمَّنْ رَوَى عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، وَفِيهِ الرَّجُلُ المَجْهُولُ الرَّاوِي عَنْ عُبَادَةَ؛ فَالحَدِيثُ عَلَى هَذَا ضَعِيفٌ".
[ ١ / ٢٣٨ ]
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ سَبَبٌ لِبُغْضِ المَدْعُوِّ لِلدَّاعِي وَعَدَاوَتِهِ لَهُ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَسْمِيَةُ تِلْكَ الدَّعْوَةِ عِبَادَةً لِلْمَدْعُوِّ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كُفْرُ المَدْعُوِّ بِتِلْكَ العِبَادَةِ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ هِيَ سَبَبُ كَونِهِ أَضَلَّ النَّاسِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الخَامِسَةِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الأَمْرُ العَجِيبُ؛ وَهُوَ إِقْرَارُ عَبْدَةِ الأَوثَانِ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِلَّا اللهُ، وَلِأَجْلِ هَذَا يَدَعُونَهُ فِي الشَّدَائِدِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: حِمَايَةُ المُصْطَفَى ﷺ حِمَى التَّوحِيدِ، وَالتَّأَدُّبُ مَعَ اللهِ.
[ ١ / ٢٣٩ ]
الشَّرْحُ
- كَلَامُ المُصَنِّفِ لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ يُقيَّدُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ المُسْتَغَاثُ بِهِ مِمَّا يَخْتَصُّ اللهُ تَعَالَى بِهِ، فَمَا كَانَ للهِ تَعَالَى لَا يُطْلَبُ مِنْ غَيرِهِ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨]. فَتَسْوِيَتُهُم بَينَ مَعْبُودَاتِهِم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى هُوَ سَبَبُ دُخُولِهِم النَّارَ، عِلْمًا أَنَّهُم لَمْ يَعْتَقِدُوا فِيهِم الرُّبوبيّةَ! فَصَارَ فِي ذَلِكَ التَّدْلِيلُ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ غَيرِ اللهِ فِيمَا كَانَ للهِ هُوَ الكُفْرُ الأَكْبَرُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى أَيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤].
- الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ: وَدَلَّ لِذَلِكَ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
فَفِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠] (^١).
- الدُّعَاءُ نَوعَانِ:
١ - دُعَاءُ عِبَادَةٍ: كَالصَّومِ وَالصَّلَاةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَادَاتِ.
وَسُمِّيَ دُعَاءً؛ لِأَنَّهُ دَاعٍ بِلِسَانِ حَالِهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ الجَنَّةَ وَالبُعْدَ عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى أَعْمَالِ الطَّاعَةِ للهِ، فَهُوَ دَاعٍ فِي الجُمْلَةِ، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٩٦٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
[ ١ / ٢٤٠ ]
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠]، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الدُّعَاءَ عِبَادَةً، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ١٨]، وَهَذَا النَّوعُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا.
٢ - دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ: أَي: يَدْعُو سَائِلًا بِلِسَانِهِ.
وَهَذَا النَّوعُ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِنْ حَيثُ كَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا (^١)، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ: «مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» (^٢).
وَالنَّوعَانِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٥ - ٥٦].
- يَدُلُّ لِهَذَا التَّفْصِيلِ (الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ) نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ، مِنْهَا: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٥] (^٣).
_________________
(١) قُلْتُ: مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى كَونِ دُعَاءِ المَدْعُوِّ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ؛ وَأَنَّ النَّفْعَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاود (١٦٧٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٥٤).
(٣) وَالسِّيَاقُ بِتَمَامِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤ - ١٩٨]. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٥٣٠) -فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَنْ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ-: "وَقَولُهُ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إِنَّمَا قَالَ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ أَي: يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصَوَّرَةٍ كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ -وَهِيَ جَمَادٌ- وَلِهَذَا عَامَلَهُم مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ، لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصَوَّرَةٍ كَالإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ فَعبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ".
[ ١ / ٢٤١ ]
قُلْتُ: إِنَّ ذِكْرَ الاسْتِفْهَامِ فِي هَذِهِ الأَوجُهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَهَا هُوَ سَبَبُ النَّهْيِّ (^١)، وَأَوجُهُ الدِّلَالَةِ هِيَ:
أ - إِنَّ ذِكْرَ صِفَاتِ المَشْي وَالبَطْشِ يَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ.
ب- إِنَّ ذِكْرَ صِفَاتِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى الحُضُورِ (^٢).
ج- إِنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى الحَيَاةِ.
قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ الأُلُوهيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي القُرْآنِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]، فَاللهُ حَيٌّ سُبْحَانَهُ لَا يَمُوتُ، وَهُوَ قَيُّومٌ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ -وَالسِّنَةُ هِيَ: أَوَّلُ النَّومِ وَمُقَدِّمَاتُهُ- وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ المَعِيَّةِ وَالحُضُورِ وَالإِحَاطَةِ.
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى يُطَمْئِنُهُ مِنْ بَطْشِ فِرْعَونَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا
_________________
(١) قُلْتُ: وَالسِّيَاقُ هُوَ فِي دُعَاءِ المَسْأَلَةِ.
(٢) وفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزُّمَر: ٤٢] بَيَانُ أَنَّ أَرْوَاحَ الأَمْوَاتِ مُمْسَكَةٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى؛ بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِالأَمْوَاتِ -مِنْ ضُلَّالِ الأَحْيَاءِ- فَيَقُولُونَ: إِنَّ الأَرْوَاحَ مُطْلَقَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ! ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٠].
[ ١ / ٢٤٢ ]
أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طَه: ٤٦] (^١).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ هَذَا لِبَيَانِ الوَاقِعِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ (^٢)، فَصَارَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا مُنِعَ دُعَاءُ غَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا؛ فَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا أَذِنَ بِهِ اللهُ -قَدَرًا أَوْ شَرْعًا-، وَلَيسَ مِمَّا أَذِنَ اللهُ بِهِ أَنْ يُسْتَغَاثَ بِالأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ سَبَبًا فِي حُصُولِ المَطْلُوبِ.
- فِي الآيَةِ الاسْتِدْلَالُ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، حَيثُ جَعَلَ اللهُ عَدَمَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ هُوَ عِلَّةَ التَّوحِيدِ فِي دُعَائِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ.
- فِي بَيَانِ وَجْهِ النَّهْي عَنْ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ؛ سَبَبَانِ:
١ - أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
٢ - أَنَّهَا لَا تَنْفَعُكَ إِذَا عَبَدْتَهَا، وَلَا تَضُرُّكَ إِذَا تَرَكْتَهَا.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فِيهِ تَقْدِيمُ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ لِإِفَادَةِ الحَصْرِ (^٣)، وَخَصَّ الرِّزْقَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الحَيَاةِ.
_________________
(١) وَقَدْ صَارَ عِنْدَ المُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الأّيَّامِ: "لَا تَخَافَا إِنَّ الوَلِيَّ مَعَكُمَا يَسْمَعُ وَيَرَى"!! فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ.
(٢) وَقَدْ سَبَقَ مَعَنَا أَنَّ القَيدَ قَدْ يَكُونُ شَرْطًا وَقَدْ لَا يَكُونُ، فَقَدْ يَأْتِي كَاشِفًا مُوَضِّحًا لِبَيَانِ العِلَّةِ.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٢٥١): " ﴿فَابْتَغُوا﴾ أَي: فَاطْلُبُوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أَي: لَا عِنْد غَيره، فَإِنَّ غَيرَهُ لَا يَمْلِكُ شَيئًا، ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أَي: كُلُوا مِنْ رِزْقه وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ وَاشْكُرُوا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيكُمْ، ﴿إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أَي: يَوم القِيَامَة؛ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ".
[ ١ / ٢٤٣ ]
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى الإِخْلَاصِ فِي هَذَا الشُّكْرِ، وَأَنْ يَكُونَ للهِ وَحْدَهُ؛ كَمَا أَنَّ الحِسَابَ وَالجَزَاءَ إِلَيهِ وَحْدَهُ.
- مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَيضًا: أَنَّ الرِزْقَ الَّذِي يُنْعِمُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ عَلَى عِبَادِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَونًا عَلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِذَلِكَ؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ مُسْتَحِقٌ لِعَذَابِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا.
- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ أُسْلُوبُ التَّضْمينِ، وَالمَعْنَى: "وَاشْكُرُوا مُخْلِصِينَ لَهُ".
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن؟ أَضَلُّ﴾ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْي، أَي: لَا أَضَلَّ مِمَّنْ يَدْعُو غَيرَ اللهِ تَعَالَى.
- سَبَبُ كَونِهِ أَكْثَرَ النَّاسِ ضَلَالًا أُمُورٌ:
١ - أَنَّهُ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ.
٢ - أَنَّ المَدْعُوِّينَ غَافِلُونَ عَنْ دُعَائِهِم.
٣ - أَنَّهُ إِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُ أَعْدَاءً.
٤ - أَنَّهُم كَافِرُونَ بِعِبَادَتِهِم.
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ هَذِهِ فِي الأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ، لِأَنَّ المَيِّتَ إِذَا كَانَ يَومَ القِيَامَةِ نُشِرَ وَصَارَ يَسْمَعُ وَرُبَّمَا أَجَابَ مَنْ طَلَبَ مِنْهُ؛ إذْ هُوَ فِي ذَلِكَ المَقَامِ حَيٌّ (^١)، فَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ شِرْكَ
_________________
(١) وَمِثْلُهَا سُؤَالُ النَّاسِ لِلأَنْبِيَاءِ يَومَ القِيَامَةِ فِي مَوقِفِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى، لِأَنَّهُم أَحْيَاءٌ حِينَهَا وَقَادِرُونَ عَلَى الإِجَابَةِ، أَمَّا الآنَ فِي الدُّنْيَا فَهُم أَمْوَاتٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠]. قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَة (٥/ ٤٥٩) فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى: "وَلَيسَ فِيهِ جَوَازُ الاسْتِغَاثَةِ بِالأَمْوَاتِ -كَمَا يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ المُبْتَدِعَةِ الأَمْوَاتِ-! بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ =
[ ١ / ٢٤٤ ]
المُشْرِكِينَ كَانَ أَيضًا فِي البَشْرِ، بِخِلَافِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ شِرْكَهُم كَانَ فِي الأَحْجَارِ الصُمِّ فَقَط! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المُشْرِكَ يُخْلِصُ للهِ تَعَالَى فِي الشِّدَّةِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُجِيبُهُ -رُغْمَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ فِي الأَصْلِ-! وَفِيهِ بَيَانُ سِرِّ قَولِهِ ﷺ: «وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ» (^١).
وَهَذِهِ الإِجَابَةُ -أَي: الإِجَابَةَ عِنْدَ الكَرْبِ- سَبَبُهَا أَمْرَانِ:
١ - أَنَّ الكَرْبَ إِذَا اشْتَدَّ وَعَظُمَ وَتَنَاهَى؛ حَصَلَ لِلْعَبْدِ الإِيَاسُ مِنْ كَشْفِهِ مِنْ جِهَةِ المَخْلُوقِينَ، وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ الَّتِي تُطْلَبُ بِهَا الحَوَائِجُ، فَإِنَّ اللهَ يَكْفِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاق: ٣] (^٢).
_________________
(١) = الاسْتِغَاثَةِ بِالحَيِّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ". وَفِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١/ ٢٠٢) ذَكَرَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ أَنْوَاعَ التَّوَسُّلِ وَذَكَرَ فِي النَّوعِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ: "التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ؛ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ". وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَومَ القِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَأَينَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: «اُطْلُبْنِي -أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي- عَلَى الصِّرَاطِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ المِيزَانِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْد المِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوضِ، فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ المَوَاطِنَ». صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيِّ (٢٤٣٣). الصَّحِيحَة (٢٦٣٠).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٣٨٢).
(٣) وَأَيضًا هُمْ يُخْلِصُونَ للهِ تَعَالَى فِي الشِّدَّةِ لِزَوَالِ مَا يُنَازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوَى وَالتَّقْلِيدِ بِمَا دَهَاهُم مِنَ الخَوفِ الشَّدِيدِ. قَالَهُ البَيضَاوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٣٥٢).
[ ١ / ٢٤٥ ]
٢ - أَنَّ المُؤْمِنَ إِذَا اسْتَبْطَأَ الفَرَجَ وَأَيِسَ مِنْهُ بَعْدَ كَثْرَةِ دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ -وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ اسْتِجَابَةٌ- رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ بِاللَّومِ، وَهَذَا اللَّومُ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ انْكِسَارَ العَبْدِ لِمَولَاهُ، وَاعْتِرَافَهَ لَهُ بِأَنَّه أَهْلٌ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلَاءِ، وَأَنَّهُ لَيسَ أَهْلًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلِذَلِكَ تَسْرعُ إِلَيهِ حِينَئِذٍ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَتَفْرِيجُ الكُرَبِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُم مِنْ أَجْلِهِ (^١).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أَي: يَخْلُفُ بَعْضُكُم بَعْضًا فِي الأَرْضِ.
- حَدِيثُ البَابِ -وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ السَّنَدِ- فَيَصِحُّ إِيرَادُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْيِيدِ لِمَا كَانَ ثَابِتًا مِنَ الأُصُولِ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَأَهْلُ الحَدِيثِ لَا يَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ فِي نَقْضِ أَصْلٍ عَظِيمٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ! بَلْ إمَّا فِي تَأْيِيدِهِ، وَإِمَّا فِي فَرْعٍ مِنَ الفُرُوعِ" (^٢).
- قَولُهُ: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي»: هُوَ مِنْ بَابِ التَّأَدُّبِ فِي الأَلْفَاظِ وَالبُعْدِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَكُونَ تَعَلُّقَ الإِنْسَانِ دَائِمًا بِاللهِ وَحْدَهُ.
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يَشْهَدُ لِعُمُومِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إِذَاَ سَأَلْتَ؛ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنتَ؛ فَاسْتَعِن بِاللهِ» (^٣)، وَهُوَ أَيضًا مُنْتَزَعٌ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفَاتِحَة: ٥]، فَفِيهِ بَيَانُ إِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى
_________________
(١) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنْ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (١/ ٤٩٤).
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٤/ ٢٥).
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦). صَحِيحُ التِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦).
[ ١ / ٢٤٦ ]
بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَانَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ؛ أَنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ الحَصْرَ (^١).
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ المُنَافِقَ -بِسَبَبِ كَونِ كُفْرِهِ غَيرَ ظَاهِرٍ- فَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِشَيءٍ لِكَونِهِ يَسْتَتِرُ بِكُفْرِهِ ولا يُظْهِرُهُ، فَصَارَ فِيهِ الدِّلَالَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ الأُمُورِ وَالإِطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي الصُّدُورِ.
- إِنَّ إِفْرَادَ اللهِ تَعَالَى بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَانَةِ -فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ مَثَلًا- يَكُونُ عَلَى مَرْتَبَتِينِ:
١ - مَرْتَبَةٍ وَاجِبَةٍ: وَهِيَ التَّوحِيدُ، بِأَنْ يَسْتَعِينَ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَإِنَّ صَرْفَ ذَلِكَ لِغَيرِهِ تَعَالَى شِرْكٌ بِهِ.
٢ - مَرْتَبَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ: وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ أنْ يَقُومَ بِالمَطْلُوبِ وَحْدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَيئًا (^٢).
وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ قَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ البَيعَةَ عَلَيهَا مِنْ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمرَهُم أَلَّا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -تِسْعَةً، أَو ثَمَانِيَةً، أَو سَبْعَةً- فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» -وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيعَةٍ- قُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! -حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا-، فَبَسَطْنَا أَيدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ؛ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا» -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً- قَالَ: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا». قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوطُهُ؛ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا
_________________
(١) الكُلِّيَّاتُ لِأَبِي البَقَاءِ الكَفَوِيّ (ص ١٠٦٥).
(٢) يَعْنِي: بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ وَلَا مِنَّةٍ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَمْرُكَ لِزَوجِكَ وَعَامِلِكَ وَغَيرِهِمَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ.
[ ١ / ٢٤٧ ]
أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
- فَائِدَةٌ ١:
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ): "وَالعَجَبُ أَنَّهُم فِي العِرَاقِ يَقُولُونَ: عِنْدَنَا الحُسَينُ؛ فَيَطُوفُونَ قَبْرَهُ وَيَسْأَلُونَهُ! وَفِي مِصْرَ كَذَلِكَ! وَفِي سُورِيَّا كَذَلِكَ! وَهَذَا سَفَهٌ فِي العُقُولِ، وَضَلَالٌ فِي الدِّينِ.
وَالعَامَّةُ لَا يُلَامُونَ فِي الوَاقِعِ، لَكِنِ الَّذِي يُلَامُ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَمِنْ غَيرِ العُلَمَاءِ" (^٢).
- فَائِدَةٌ ٢:
قَالَ أَيضًا الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ): "فَالذِي يَأْتِي لِلبَدَوِيِّ أَو لِلدُّسُوقِيِّ فِي مِصْرَ؛ فَيَقُولُ: المَدَدَ المَدَدَ! أَو: أَغِثْنِي؛ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيئًا، وَلَكِنْ قَدْ يُبْتَلى فَيِأْتِيهِ المَدَدُ عِنْدَ حُصُولِ هَذَا الشَّيءِ لَا بِهَذَا الشَّيءِ، وَفَرْقٌ بَينَ مَا يَأْتِي بِالشَّيءِ وَمَا يَأْتِي عِنْدَ الشَّيءِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: امْرَأَةٌ دَعَتِ البَدَوِيَّ أَنْ تَحْمِلَ، فلمَّا جَامَعَهَا زُوجُهَا حَمَلَتْ -وَكَانَتْ سَابِقًا لَا تَحْمِلُ-، فَنَقُولُ هُنَا: إِنَّ الحَمْلَ لَمْ يَحْصُلْ بِدُعَاءِ البَدَوِيِّ، وَإنِّمَا حَصَلَ عِنْدَهُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ " (^٣).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (١٠٤٣).
(٢) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٧٣).
(٣) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٧٢).
[ ١ / ٢٤٨ ]
- فَائِدَةٌ ٣:
أَمَّا وَجْهُ التَّفْرِيقِ بَينَ طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الحَيِّ وَطَلَبِهِ مِن المَيِّتِ -زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ مِن كَونِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا-؛ هُوَ:
"أَنَّهُ فِي حَيَاتِهِ لَا يَعْبُدُهُ أَحَدٌ بِحُضُورِهِ! فَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ -رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ- وَالصَّالِحُونَ أَحْيَاءٌ لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يُشْرِكُ بِهِمْ بِحُضُورِهِمْ! بَلْ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُونَهُمْ عَلَيهِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيحُ ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]،
وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﵌: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت؛ فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (^١)،
وَقَالَ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ! وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ» (^٢)،
وَلَمَّا قَالَتِ الجُوَيرِيَةُ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ! قَالَ: «دَعِي هَذَا، قُولِي بِاَلَّذِي كُنْت تَقُولِينَ» (^٣)،
_________________
(١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٧٥٩) مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٨٣).
(٢) صَحِيحٌ. مسند أحمد (٢٣٣٣٩) مِن حَدِيثِ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٣٧٨).
(٣) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٤٠٠١) مِن حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ مَرْفُوعًا.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وَقَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ! إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ؛ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (^١)،
وَلَمَّا صَفُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا قَالَ: «لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا تُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا!» (^٢)،
وَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؛ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ (^٣)،
وَلَمَّا سَجَدَ لَهُ مُعَاذٌ؛ نَهَاهُ، وَقَالَ: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ، وَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مَنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيهَا» (^٤)،
وَلَمَّا أُتِيَ عَلِيٌّ بِالزَّنَادِقَةِ -الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ، وَاعْتَقَدُوا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ- أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ (^٥).
فَهَذَا شَأْنُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَإِنَّمَا يُقِرُّ عَلَى الْغُلُوِّ فِيهِ وَتَعْظِيمِهِ بِغَيرِ حَقٍّ مَنْ يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَفَسَادًا! كَفِرْعَوْنَ وَنَحْوِهِ، وَمَشَايِخِ الضَّلَالِ الَّذِينَ غَرَضُهُمُ الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادُ وَالْفِتْنَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَاِتِّخَاذُهُمْ أَرْبَابًا وَالْإِشْرَاكُ بِهِمْ مِمَّا يَحْصُلُ فِي مَغِيبِهِم وَفِي مَمَاتِهِمْ -كَمَا أُشْرِكُ بِالْمَسِيحِ وَعُزَيرٍ-.
_________________
(١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٣٣٤٥). مِن حَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
(٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٨٣٦) بِنَحْوِهِ مِن حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣٨٠).
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٧٥٤) مِن حَدِيثِ أَنَسٍ. الصَّحِيحَة (٣٥٨).
(٤) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (٩١٠٢) مِن حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٧٢٥).
(٥) رَوَى البُخَارِيُّ (٣٠١٧): أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ! لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ»، وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
[ ١ / ٢٥٠ ]
فَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَينَ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﵌ وَالصَّالِحِ فِي حَيَاتِهِ وَحُضُورِهِ وَبَينَ سُؤَالِهِ فِي مَمَاتِهِ وَمَغِيبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِي التَّابِعِينَ يَتَحَرَّوْنَ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَيَسْأَلُونَهُمْ! وَلَا يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ -لَا فِي مَغِيبِهِمْ وَلَا عِنْدَ قُبُورِهِمْ-، وَكَذَلِكَ الْعُكُوفُ" (^١).
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٧/ ٨٠).
[ ١ / ٢٥١ ]
المسألة الأولى: زعم بعض المبتدعة أن دعاء الأولياء الأموات جائز؛ لأنه من باب سؤال العبد ما يقدر عليه
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: زَعَمَ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ أَنَّ دُعَاءَ الأَولِيَاءِ الأَمْوَاتِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سُؤَالِ العَبْدِ مَا يَقْدِرُ عَلَيهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَكْرَمَهُم بِذَلِكَ -وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الكَرَامَاتِ-!!
فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ دُعَاءَ الأَمْوَاتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِينَ، قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١].
٢ - أَنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ النَّاسِ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ أَصْنَامَ قَومِ نُوحٍ -وَدَّ وَسُوَاعَ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَ- هُمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ أَصْلًا.
كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا -يُخْبِرُ عَنْهَا- قَالَ: أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ (^١) (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٩٢٠).
(٢) قَالَ الإِمَامُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي رِسَالَةِ (الوَاسِطَةُ) (ص ٥): "وَمَنْ أَثْبَتَ الأَنْبِيَاءَ وَسِوَاهُم -مِنَ مَشَايخِ العِلْمِ وَالدِّينِ- وَسَائِطَ بَينَ اللهِ وَبَينَ خَلْقِهِ كَالحُجَّابِ الَّذِينَ بَينَ المَلِكِ وَرَعِيَّتِهِ؛ بِحَيثُ يَكُونُونُ هُم يَرْفَعُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى حَوَائِجَ خَلْقِهِ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَهْدِي عِبَادَهُ وَيَرْزُقَهُم وَيَنْصُرَهُم بِتَوَسُّطِهِم؛ بِمَعْنَى أَنَّ الخَلْقَ يَسْأَلُونَهُم؛ وَهُم يَسْأَلُونَ اللهَ؛ كَمَا أَنَّ الوَسَائِطَ عِنْدَ المُلُوكِ يَسْأَلونَ المَلِكَ حَوَائِجَ النَّاسِ لِقُرْبِهِم مِنْهُم؛ وَالنَّاسَ يَسْأَلونَهُم أَدَبًا مِنْهُم أَنْ يُبَاشِرُوا سُؤَالَ المَلِكِ؛ وَلِأَنَّ طَلَبَهُم مِنَ الوَسَائِطِ أَنْفَعُ لَهُم مِنْ طَلَبِهِم مِنَ المَلِكِ لِكَونِهِم أَقْرَبَ إِلَى المَلِكِ مِنَ الطَّلَبِ! فَمَنْ أَثْبَتَهُم وَسَائِطَ عَلَى هَذِهِ الوُجُوهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَهَؤُلَاءِ مُشَبِّهُونَ للهِ، شَبَّهُوا الخَالِقَ بِالمَخْلُوقِ، وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا". مُسْتَفَادٌ مِنْ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ) (ص ١٣٣) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.
[ ١ / ٢٥٢ ]
٣ - دَعُوَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَقْدَرَهُم عَلَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ: كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَحُمْقٌ فِي العَقْلِ، فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ قَضَاءَ الحَاجَاتِ لَهُم، بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُم أَمْوَاتٌ لَا يَسْمَعُونَ، وَأَنَّهُم لَو سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].
وَهُوَ حُمْقٌ فِي العَقْلِ، أَرَأَيتَ لَو أَنَّ مُغَسِّلًا -يُغَسِّلُ مَيِّتًا- ذَهَبَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَنْ يُغَسِّلَهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَو حَارٍّ! أَلَا يَكُونُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ أَحْمَقًا؟! فَكَيفَ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ؛ وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالِ مَيِّتٌ بَينَ يَدِي مُغَسِّلٍ!!
٤ - الاحْتِجَاجُ بِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الكَرَامَاتِ: لَا دِلَالَةَ لَهُ هُنَا، لِأَنَّ مَا يَزْعُمُونَهُ هُوَ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَلَيسَ إِثْبَاتًا لِلكَرَامَةِ! وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ» (^١) (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٢١٣٦). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٧٠٠).
(٢) وَمِنَ المُفَارَقَاتِ العَجِيبَةِ فِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَلِي: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ وَهُمْ يَقُولُونَ: "وَمَنْ أَفْضَلُ"! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النَّحْل: ٢١] وَهُمْ يَقُولُونَ: "أَحْيَاءٌ غَيرُ أَمْوَاتٍ"! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرْ: ٤٤] وَهُمْ يَقُولُونَ: "يَمْلِكُونَ شَفَاعَةً"! =
[ ١ / ٢٥٣ ]
المسألة الثانية: ما سر اقتران كثير من نصوص القرآن التي فيها ذكر الشفاعة
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا سِرُّ اقْتِرَانِ كَثِيرٍ مِنَ نُصُوصِ القُرْآنِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ، أَو ذِكْرُ الآيَاتِ الَّتِي أَتَتْ بِهَا الرُّسُلُ، أَو ذِكْرُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ (^١)؟
_________________
(١) = وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ عَنْ دُعَائِهِم: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٦] وَهُمْ يَقُولُونَ: "الدُّعَاءُ لَيسَ بِعِبَادَةٍ"! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأَنْفَال: ٩] وَهُمْ يَقُولُونَ: "مَدَدٌ؛ يَا رَسُولَ اللهِ"! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] وَهُمْ يَقُولُونَ: "إنْ لَمْ تكنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي فَضْلًا وإلاّ فَقُلْ يَا زلَّةَ القَدَمِ"! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨] وَهُمْ يَقُولُونَ: "ومِنْ عُلومِكَ عِلْمُ اللوحِ وَالقَلَمِ"! وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: «إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ» وَهُمْ يَقُولُونَ: "بِالوَلِيِّ؛ وَهُوَ تَوَسُّلٌ مُسْتَحَبٌّ"! وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِابْنَتِهِ ﵍: «لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» وَهُمْ يَقُولُونَ: "فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتُهَا - يَعْنِي: الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ -"! وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النُّور: ٤٠].
(٢) وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الآيَاتِ؛ تَجِدُ بُرْهَانَ ذَلِكَ: - ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]. - ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩]. - ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٩]. - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٤٥]. - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨]. - ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَينِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأَنْفَال: ٦٦]. - ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ٣٨]، [غَافِر: ٧٩]. - ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ١١]. - ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦]. - ﴿وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المُجَادِلَة: ١٠]. - ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التَّغَابُن: ١١].
[ ١ / ٢٥٤ ]
الجَوَابُ:
إِنَّ هَذَا فِيهِ إِرْشَادٌ مُهِمٌ إِلَى أَمْرَينِ:
١ - أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَا يَمْلِكُهَا مَنْ أُجْرِيَتْ عَلَى يَدَيهِ اسْتِقْلَالًا.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غَافِر: ٧٨] فَيَظْهَرُ بِهَذَا تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ (^١).
٢ - بَيَانُ ضَرُورَةِ جَعْلِ الدُّعَاءِ وَالاسْتِغَاثَةِ وَسَائِرِ أَشْكَالِ التَّعَلُّقِ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ دُونَ مَنْ أُجْرِيَتْ عَلَى يَدَيهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَو شَاءَ لَأَبْطَلَهَا، فَيَظْهَرُ بِهَذَا تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ؛ فَلَا يُدْعَى مَعَ اللهِ أَحَدٌ؛ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا وَلِيٌّ صَالِحٌ.
_________________
(١) وَتَأَمَّلْ كَونَ «لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» مِنْ كَنْزِ تَحْتِ العَرْشِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٤١٥). الصَّحِيحَة (٢١٦٦).
[ ١ / ٢٥٥ ]