المتن
بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٢].
وَقَولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٢ - ١٣].
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁؛ قَالَ: شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ يَومَ أُحُدٍ، وكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: «كَيفَ يُفْلِحُ قَومٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟»، فَنَزَلَتْ ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (^١).
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ مِنَ الرّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ- يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلانًا وَفُلَانًا -بَعدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ-». فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (^٢).
وَفِي رِوَايَةٍ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَسُهَيلِ بْنِ عَمْرٍو وَالحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (^٣).
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -حِينَ أُنْزِلَ عَلَيهِ ﴿وَأَنْذِرْ
_________________
(١) عَلَّقَهُ البُخَارِيُّ (٥/ ٩٩)، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ (١٧٩١).
(٢) البُخَارِيُّ (٤٥٥٩).
(٣) البُخَارِيُّ (٤٠٧٠).
[ ١ / ٢٧٣ ]
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٢١٤]-، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ -أَو كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا صَفِيَّةُ عَمّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^١).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦).
[ ١ / ٢٧٤ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَتَينِ.
الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ أُحُدٍ.
الثَّالِثَةُ: قُنُوتُ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ، وَخَلْفَهُ سَادَاتُ الأَولِيَاءِ يُؤَمِّنُونَ فِي الصَّلَاةِ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ المَدْعُوَّ عَلَيهِمْ كُفَّارٌ.
الخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ فَعَلُوا أَشْيَاءَ مَا فَعَلَهَا غَالِبُ الكُفَّارِ، مِنْهَا شَجُّهُمْ نَبِيَّهُمْ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، وَمِنْهَا التَّمْثِيلُ بِالقَتْلَى -مَعَ أَنَّهُمْ بَنُو عَمِّهِمْ-.
السَّادِسَةُ: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾.
السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتَابَ عَلَيهِمْ فَآمَنُوا.
الثَّامِنَةُ: القُنُوتُ فِي النَّوَازِلِ.
التَّاسِعَةُ: تَسْمِيَةُ المَدْعُوِّ عَلَيهِمْ فِي الصَّلَاةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ.
العَاشِرَةُ: لَعْنُ المُعَيَّنِ فِي القُنُوتِ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قِصَّتُهُ ﷺ لَمَّا أُنْزِلَ عَلَيهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جِدُّهُ ﷺ فِي هَذَا الأَمْرِ؛ بِحَيثُ فَعَلَ مَا نُسِبَ بِسَبَبِهِ إِلَى الجُنُونِ، وَكَذَلِكَ لَو يَفْعَلُهُ مُسْلِمٌ الآنَ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ لِلْأَبْعَدِ وَالأَقْرَبِ: «لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا» حَتَّى قَالَ: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا» فَإِذَا صَرَّحَ -وَهُوَ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ- بِأَنَّهُ لَا يُغْنِي شَيئًا عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ، وَآمَنَ الإِنْسَانُ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرَ فِيمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِ خَوَاصِّ النَّاسِ اليَومَ؛ تَبَيَّنَ لَهُ تَرْكُ التَّوحِيدِ وَغُرْبَةُ الدِّينِ.
[ ١ / ٢٧٥ ]
الشَّرْحُ
- هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بِـ (بَابِ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّالِحِينَ)، وَأَدِلَّتُهُ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الأَولَى، وَقَدْ جَعَلَهُ المُصَنِّفُ ﵀ بَعْدَ البَابَينِ السَّابِقَينِ لِبَيَانِ العِلَّةِ فِي النَّهْي عَنْ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ مِنْ بَابِ الاسْتِدْلَالِ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.
- وَجْهُ اسْتِدْلَالِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي هَذَا البَابِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - جِهَةٍ عَامَّةٍ: وَهِيَ مِنَ الآيَتَينِ، وَفِيهَا أَنَّ الخَالِقَ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيءٍ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَيُدْعَى وَحْدَهُ (^١).
٢ - جِهَةٍ خَاصَّةٍ: وَهِيَ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَفِيهَا الاسْتِدْلَالُ بِقِيَاسِ الأَولَى، حَيثُ أَورَدَ النُّصُوصَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَالتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ ﷺ لَا يَمْلِكُ مِنَ الأَمْرِ شَيئًا وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؛ فَصَارَ غَيرُهُ مِنْ بَابِ أَولَى.
- قَولُهُ: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ الاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلإِنْكَارِ وَالتَّوبِيخِ. وَالمَقْصُودُ هُنَا بِـ ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ أَي: فِي العِبَادَةِ.
- الاسْتِدْلَالُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ هُوَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوجُهٍ؛ هِيَ:
١ - أَنَّ آلِهَةَ المُشْرِكِينَ لَا تَخْلُقُ؛ وَمَنْ لَا يَخْلُقُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ (^٢).
_________________
(١) وَهَذِهِ مِنَ الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي دَلَّ الشَّرْعُ إِلَى الاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى وَحْدَانيَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي أُلُوهِيَّتِهِ.
(٢) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْل: ١٧]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يُونُس: ٣١ - ٣٢]، يَعْنِي: أَتُقِرُّونَ بِذَلِكَ فَلَا تَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِهِ!.
[ ١ / ٢٧٦ ]
٢ - أَنَّهُم مَخْلُوقُونَ مِنَ العَدَمِ فَهُم مُفْتَقِرُونَ إِلَى غَيرِهِم ابْتِدَاءً.
٣ - أَنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ مَنْ دَعَاهُم.
٤ - أَنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسَهُم (^١).
- قَولُهُ: (شُجَّ): الشُّجَّةُ: الجُرْحُ فِي الرَّأْسِ خَاصَّةً.
- قَولُهُ: (وكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ): الرَّبَاعِيَّةُ مَا بَينَ الثّنيَّةِ وَالنَّابِ.
- قَولُهُ: (شُجَّ النَّبِيُّ): إِذَا كَانَ هَذَا أَفْضَلُ الخَلْقِ وَأَقْرَبُ النَّاسِ مَنْزِلَةً إِلَى اللهِ تَعَالَى وَأَفْضَلُ الأَنْبِيَاءِ؛ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الضُّرَّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ -وَهُمْ خَيرُ القُرُونِ- فَصَارَ فِي الحَدِيثِ الدَّلَالةُ عَلَى أَنَّهُ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- لَا يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يُعْبَدُوا، وَيُتَعَلَّقَ بِهِم فِي كَشْفِ الضُّرِّ.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَفِي هَذَا وُقُوعُ الأَسْقَامِ وَالابْتِلَاءِ بِالأَنْبِيَاءِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم- لِيَنَالُوا بِذَلِكَ جَزِيلَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَلِتَعْرِفَ الأُمَمُ مَا أَصَابَهُم وَيأْتَسُوا بِهِم.
وَقَالَ القَاضِي ﵀: وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُم مِنَ البَشَرِ تُصِيبُهُم مِحَنُ الدُّنْيَا، وَيَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِهِم مَا يَطْرَأُ عَلَى البَشَرِ" (^٢).
_________________
(١) قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ صَنِيعَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ تَجِدُهُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٥٨].
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَّوَوِيِّ (١٢/ ١٤٨).
[ ١ / ٢٧٧ ]
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ كُلَّ شَيءٍ، فَصَارَ فِيهَا الدِّلَالَةُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِهِ ﷺ فِي جَلْبِ النَّفْعِ، وَهُوَ مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].
وَأَيضًا فِي قَولِهِ ﷺ: «سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ لِغَيرِهِ، وَهِيَ ﵂ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ، فكَيفَ بِغَيرِهَا؟!
- قَولُهُ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلانًا وَفُلَانًا» فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ (^١): فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَمْلِكُ الضُّرَّ لِأَحَدٍ، حَيثُ نُهِيَ عَنِ الدُّعَاءِ عَلَيهِم وَعَنْ لَعْنِهِم، فَصَارَ مِنْ بَابِ أَولَى أَنَّ غَيرَهُ لَا يَمْلِكُ الضُّرَّ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِهِ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- فِي الضُّرِّ وَالنَّفْعِ.
- قَولُهُ: «لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^٢):
فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَرْءَ لَا يَنْفَعُهُ إِلَّا عَمَلُهُ الصَّالِحُ.
وَفِيهِ: جَوَازُ سُؤَالِ الرَّسُولِ ﷺ مَا يَقْدِرُ عَلَيهِ فِي حَيَاتِهِ.
وَفِيهِ: بُطْلَانُ الاعْتِمَادِ عَلَى النَّسَبِ فِي دَفْعِ العَذَابِ دُونَ العَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا أَنَّ
_________________
(١) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ١٩٥): "وَذُكِرَ أَنَّ اللهَ ﷿ إِنَّمَا أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّهُ لَمَّا أَصَابَهُ بِأُحُدٍ مَا أَصَابَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، قَالَ -كَالآيِسِ لَهُم مِنَ الهُدَى أَو مِنَ الإِنَابَةِ إِلَى الحَقِّ-: «كَيفَ يُفْلِحُ قَومٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِم!!».
(٢) وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ (٢٠٤): «أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ».
[ ١ / ٢٧٨ ]
نُوحًا ﵇ لَمْ يَنْفَعْ وَلَدَهُ، وَلَا إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَبَاهُ، وَلَا نُوحًا وَلُوطًا ﵉ أَزْوَاجَهُمَا.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التَّحْرِيم: ١٠]، فَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ مَثَلًا لِلاعْتِبَارِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الحِكْمَةِ مِنْهُ.
- فِي قَولِهِ: «سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» بَيَانُ القَاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ فِي التَّوحِيدِ، وَهِيَ: أَنَّ مَا كَانَ للهِ لَا يُطْلَبُ مِنْ غَيرِ اللهِ، فَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَ قَولِهِ: «مِنْ مَالِي» وَبَينَ «مِنَ اللهِ شَيئًا».
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: «أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ ضَرًّا أَو نَفْعًا» (^١).
- فَائِدَة ١: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ وَالآمِرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ المُنْكَرِ يَبْدَأُ بِأَهْلِ بَيتِهِ وَخَاصَّتِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِجِيرَانِهِ وَأَهْلِ بَلَدِهِ، ثُمَّ يَتَوَسَّعُ بِالخَيرِ إِلَى مَنْ حَولَهُ مِنَ البِلَادِ، أَمَّا العَكْسُ؛ فَهَذَا خِلَافُ مَنْهَجِ الرَّسُولِ ﷺ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالسِّرُّ فِي الأَمْرِ بِإِنْذَارِ الأَقْرَبِينَ أَوَّلًا؛ أَنَّ الحُجَّةَ إِذَا قَامَتْ عَلَيهِم تَعدَّتْ إِلَى غَيرِهِم؛ وَإِلَّا فَكَانُوا عِلَّةٍ لِلأَبْعَدِينَ فِي الامْتِنَاعِ" (^٢).
قُلْتُ: وَأَيضًا مِنْ جِهَةِ حَقِّ الرَّحِمِ؛ فَإِنّ الأَقْرَبَ هُوَ الأَولَى بِالنَّفْعِ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيِّ (٣١٨٥). صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٩٨٣).
(٢) فَتْحُ البَارِي (٨/ ٥٠٣).
[ ١ / ٢٧٩ ]
- فَائِدَة ٢: الفَرْقُ بَينَ الحَمْدِ وَالمَدْحِ: أَنَّ الحَمْدَ إِخْبَارٌ عَنْ مَحَاسِنِ المَحْمودِ مَعَ حُبِّهِ وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، أَمَّا المَدْحُ فَإِنَّهُ خَبَرٌ مُجَرَّدٌ.
- فَائِدَة ٣: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا يَومَ الفَتْحِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي نُزُولِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ﴾ " (^١).
قُلْتُ: فَفِيهِ فَائِدَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّكَ إِذَا رَأَيتِ إِنْسَانًا غَارِقًا بِالمَعَاصِي؛ فَلَا تَسْتَبْعِدْ رَحْمَةَ اللهِ لَهُ! فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ يَتُوبُ عَلَيهِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ لَا يَشْهَدُوا لِأَحَدٍ بِجَنَّةٍ وَلَا بِنَارٍ إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّصُّ، كَمَا فِي (العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ): "وَلَا نُنَزِّلُ أَحَدًا مِنْهُم جَنَّةً ولَا نَارًا" (^٢).
- فَائِدَة ٤: إِذَا كَانَ القُرْبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُغْنِي عَنِ القَرِيبِ شَيئًا! دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْعِ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّ جَاهَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحَّ قَولَي أَهْلِ العِلْمِ تَحْرِيمُ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ (^٣).
- فَائِدَة ٥: فِي الحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الإِمَامَ -فِي الصَّلَاةِ- يَجْمَعُ بَينَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ.
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (٧/ ٣٦٦).
(٢) العَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ (ص ٦٧).
(٣) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٩٧).
[ ١ / ٢٨٠ ]
المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿من قطمير﴾ ﴿من﴾ هنا جاء في إعرابها أنها حرف جر زائد
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هُنَا جَاءَ فِي إِعْرَابِهَا أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٍ، فكَيفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا القَولُ مَعَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى مُحْكَمٌ وَكَامِلٌ لَيسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ؟!
الجَوَابُ:
إِنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ جِهَةِ الإِعْرَابِ؛ لَا أَنَّهَا زَائِدَةٌ مِنْ حَيثُ المَعْنَى! فَإِنَّ مَعْنَاهَا التَّوكيدَ (^١).
_________________
(١) ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ الزَّرْكَشيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (البُرْهَانُ) (٣/ ٧٢).
[ ١ / ٢٨١ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِالحَمْدِ فِي قَولِ المُصَلِّي: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيعٌ لِكُلِّ شَيءٍ؟!
الجَوَابُ:
إِنَّ السَّمَاعَ هُنَا بِمَعْنَى الاسْتِجَابَةِ، وَلَيسَ مُطْلَقَ السَّمَاعِ! وَهَذَا الأُسْلُوبُ يُسَمَّى عِنْدَ العَرَبِ بِالتَّضْمِينِ، لِذَلِكَ يُلْحَقُ بِالفِعْلِ الأَوَّلِ مَا يَدُلُّ عَلَى المَعْنَى المُضَمَّنِ فِي الفِعْلِ الثَّانِي، وَهُوَ اللَّامُ هُنَا.
وَقَالَ العَلَّامَةُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: أَي: أَجَابَ اللهُ مَنْ حَمِدَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ حَمِدَ اللهَ تَعَالَى مُتَعَرِّضًا لِثَوَابِهِ؛ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مَا تَعَرَّضَ لَهُ؛ فَنَاسَبَ بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: رَبَّنَا وَلَك الحَمْدُ" (^١).
_________________
(١) سُبُلُ السَّلَامِ (١/ ٢٦٧).
[ ١ / ٢٨٢ ]
المسألة الثالثة: ما صحة زعم بعضهم في أن ما جاء في الحديث من كونه ﷺ لا يملك لأهله وللناس شيئا؛ أنه لا يعني عدم نفعه لهم في الآخرة!
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَا صِحَّةُ زَعْمِ بَعْضِهِم فِي أَنَّ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَونِهِ ﷺ لَا يَمْلِكُ لِأَهْلِهِ وَلِلنَّاسِ شَيئًا؛ أَنَّهُ لَا يَعْنِي عَدَمَ نَفْعِهِ لَهُم فِي الآخِرَةِ! لِأَنَّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُم النَّفْعُ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤمِنُوا بِهِ أَصْلًا، فَالمَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُوَ: "لَا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شَيئًا إِذَا لَمْ تُؤمِنُوا، أَمَّا إِذَا آمَنْتُم فَإِنِّي أُغْنِي عَنْكُم"؟
الجَوَابُ:
هَذَا الزَّعْمُ لَيسَ بِصَحِيحٍ، فَهُنَا نَفِيٌ مُطْلَقٌ؛ وَلَا يَخْتَصُّ بِالكُفَّارِ فَقَطْ -كَمَا يَزْعُمُهُ أَرْبَابُ التَّعَلُّقِ بِالصَّالِحِينَ-! بَلْ يَتَعَلَّقُ أَيضًا بِأَهْلِ الإِيمَانِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُغْنِي عَنْهُم شَيئًا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:
أ- أَنَّ هَذَا نَفْيٌ مُطْلَقٌ؛ فَيَشْمَلُ الجَمِيعَ، وَلَا دَلِيلَ هُنَا عَلَى التَّخْصِيصِ.
ب- أَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِعُمُومَاتِ الشَّرِيعَةِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨].
وقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٩].
وقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].
جـ- أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صَرَاحَةً؛ فَإِنَّ
[ ١ / ٢٨٣ ]
فَاطِمَةَ ﵂ مُؤْمِنَةٌ (^١)؛ وَمَعْ ذَلِكَ خُوطِبَتْ بِهَذَا الخِطَابِ.
د- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩]، وَتَأَمَّلْ كَونَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ جَاءَتْ نَكِرَةً فِي حَقِّ الشَّافِعِ والمَشْفُوعِ وَجِهَةِ الشَّفَاعَةِ؛ الأَمْرَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ، وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوعُ فِيهِ، وَأَيًّا كَانَ وَجْهُ الشَّفَاعَةِ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
هـ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ أُمَّتِهِ نَفْسِهَا شَيئًا إِذَا جَاءُوهُ بِالمَعَاصِي -وَلَيسَ بِالكُفْرِ فَقَط-، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ أَولِيَائِي يَومَ القِيَامَةِ المُتَّقُونَ -وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ-؛ فَلَا يَأْتِينِي النَّاسُ بِالأَعْمَالِ وَتَأْتُونَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى رِقَابِكُمْ، فَتَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: هَكَذَا وَهَكَذَا؛ لَا» وَأَعْرَضَ فِي كِلَا عِطْفَيهِ (^٢).
وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي أُعْطِيَهَا النَّبِيُّ ﷺ؛ فَهِيَ لَيسَتْ مِلْكًا لَهُ، وَلَكِنَّهَا مِلْكٌ للهِ تَعَالَى، لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ لِمَنْ شَاءَ وَفِيمَنْ شَاءَ أَنْ يُشْفَعَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦]. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- الكَلَامُ بِتَوَسُّعٍ فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ.
_________________
(١) وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا بِأَنَّهَا: «سَيِّدَةُ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٢٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٤٥٠) عِنْ فَاطِمَةَ ﵂.
(٢) حَسَنٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٨٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٧٦٥).
[ ١ / ٢٨٤ ]
المسألة الرابعة: إذا كان الله تعالى قد أعطى لعيسى ﵊ آيات على صدقه من إحياء الموتى
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى لِعِيسَى ﵊ آيَاتٍ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ إِحْيَاءِ المَوتَى، وَمِنْ عِلْمِ الغَيبِ، وَمِنْ إِبْرَاءِ المَرْضَى؛ فَهَلْ يَجُوزُ دُعَاؤُهُ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الخَيرِ؟
الجَوَابُ:
لَا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى عِيسَى ﵊، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ؛ مِنْهَا:
١ - أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ الَّتِي جَاءَ بِهَا عِيسَى ﵇ هِي مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى كَمَا فِي نَفْسِ سِيَاقِ الآيَاتِ الكَرِيمَاتِ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٤٩]، فَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا اسْتِقْلَالًا، لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى تَأْيِيدِ رَبِّهِ لَهُ.
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعد: ٣٨]، وَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْعُوهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَدْعُو اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ بِحُصُولِ الخَيرِ وَدَفْعِ الضُّرِّ.
وَكَذَلِكَ الأَولِيَاءُ الصَّالِحُونَ -إِنْ أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْهُم مَا يُسَمَّى بِالكَرَامَةِ- فَلَا يَعْنِي ذَلِكَ جَوَازَ دُعَائِهِ! لِكَونِهِ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَمَا يَشَاءُ.
٢ - أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ وَالتَّعَلُّقَ بِهِم فِي تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ شِرْكٌ، بَلْ أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ اللهِ تَعَالَى وَبَينَ النَّاسِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
[ ١ / ٢٨٥ ]
وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].
وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ عِيسَى ﵊ قَدْ قَالَ لِقَومِهِ - فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الآيَاتِ التِي أَتَى بِهَا - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٥١] الأَمْرَ الَّذِي يُفِيدُ أَنَّهُ وَإِيَّاهُم سَوَاءٌ فِي العُبُودِيَّةِ للهِ وَالخُضُوعِ لَهُ تَعَالَى، وَقَدْ عُلْمَ قَولُهُ ﵊: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (^١).
٣ - أَنَّ كَونَ عِيسَى ﵊ حَيًّا -قَدْ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى- لَا يَعْنِي أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا هُوَ حَالُ النَّاسِ فِي الأَرْضِ وَأَنَّهُ يَسْمَعُهُم!
وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المَائِدَة: ١١٧]، فَهُوَ غَائِبٌ وَلَيسَ بِحَاضِرٍ.
وَتأَمَّلْ حَدِيثَ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوضِ، وَلأُنازعَنَّ أقْوَامًا ثمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيهِمْ فأَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (^٢).
٤ - أَنَّ عِيسَى ﵊ لَمْ يَمْلِكْ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا عِنْدَمَا أَرَادَ قَومُهُ قَتْلَهُ؛ فَكَيفَ يَمْلِكُ لِغَيرِهِ نَفْعًا أَو ضَرًّا؟!
بَلْ حَتَّى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].
وَقَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ دُعَاءِ غَيرِهِ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٤٣٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٥٧٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٩٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧].
٥ - أَنَّ الكُفَّارَ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَسِيحَ؛ وَوَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُم كُفَّارٌ -رُغْمَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الآيَاتِ الَّتِي أَتَى بِهَا-.
[ ١ / ٢٨٧ ]