المتن
بَابُ مَنْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَو تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ؛ فَقَدْ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا مَنْ دُونِ اللهِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ؛ أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ؛ وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!) (^١).
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: عَجِبْتُ لِقَومٍ عَرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ؛ وَيَذْهَبُونَ إِلَى رَأْيِ سُفْيَانَ!! وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: ٦٣]، أَتَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ الفِتْنَةُ الشِّرْكُ، لَعَلَّهُ إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَولِهِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيءٌ مِنَ الزَّيغِ فَيَهْلَكَ (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣١٢١)، وَلَفْظُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ؛ أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ؛ وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ). قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ التَّمْهِيدُ (ص ٤١٧): "بِإِسْنَادٍ صَحَيحٍ". وَأَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَطَالِبُ العَالِيَةُ) (٧/ ٩٦) وَقَالَ: "قَالَ إِسْحَاقُ: نَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: وَيحَكَ أَضَلَلْتَ! تَأْمُرُنَا بِالعُمْرَةِ فِي العَشْرِ وَلَيسَ فِيهِنَّ عُمْرَةٌ! فَقَالَ: يَا عُرَيُّ؛ فَسَلْ أُمَّكَ. قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ؛ وَكَانَا أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَتْبَعَ لَهُ مِنْكَ. فَقَالَ: مِنْ هَهُنَا تَرِدُونَ؛ نَجِيئُكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَجِيئُونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. سَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَبَعْضُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالعُمْرَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ".
(٢) ذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الفُرُوعِ (١١/ ١٠٧)، وَأَيضًا شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١٩/ ١٠٤). =
[ ٢ / ٥٧ ]
وَعَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣١]، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ! قَالَ: «أَلَيسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُم». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (^١).
_________________
(١) = وَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ ابْنُ بَطَّةَ العُكْبَرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الإبانَةُ الكُبْرَى (١/ ٢٦٠) عَنِ الفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: "سَمَعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ؛ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُولُ: نَظَرْتُ فِي المُصْحَفِ فَوَجَدْتُ فِيهِ طَاعَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوضِعًا، ثُمَّ جَعَلَ يَتْلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: ٦٣]، وَجَعَلَ يُكَرِّرُهَا، وَيَقُولُ: ومَا الفِتْنَةُ؟ الشِّرْكُ. لَعَلَّهُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيءٌ مِنَ الزَّيغِ فَيَزِيغَ فيُهْلِكَهُ. وَجَعَلَ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٥] ". قُلْتُ: وَأَمَّا سُفْيَانُ هُنَا؛ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي شُرُوحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّهُ الثَّورِيُّ.
(٢) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٧/ ٩٢ - ح ٢١٨) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٠٩٥) وَحَسَّنَهُ. الصَّحِيحَةُ (٣٢٩٣). وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: أَتَيتُ النَّبيِّ ﷺ وَفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ؛ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيهِمْ شَيئًا حَرَّمُوهُ». وَلَمْ أَجِدْهُ فِي أَحْمَدَ -إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ أَصْلَ الحَدِيثِ-، وَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَاهُ إِلَيهِ فِي تَخْرِيجِهِ أَيضًا.
[ ٢ / ٥٨ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النُّور.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ بَرَاءَةَ.
الثَّالِثَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى مَعْنَى العِبَادَةِ الَّتِي أَنْكَرَهَا عَدِيٌّ.
الرَّابِعَةُ: تَمْثِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَتَمْثِيلُ أَحْمَدَ بِسُفْيَانَ.
الخَامِسَةُ: تَغَيُّرُ الأَحْوَالِ إِلَى هَذِهِ الغَايَةِ، حَتَّى صَارَ عِنْدَ الأَكْثَرِ عُبَادَةُ الرُّهْبَانِ هِيَ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ -وَتُسَمَّى الوَلَايَةُ-، وَعِبَادَةُ الأَحْبَارِ هِيَ العِلْمُ وَالفِقْهُ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الأَحْوَالُ إِلَى أَنَّ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَيسَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَعُبِدَ بِالمَعْنَى الثَّانِيَ مَنْ هُوَ مِنَ الجَاهِلِينَ.
[ ٢ / ٥٩ ]
الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ تَوحِيدَ العَبْدِ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَعْتَقِدَ العَبْدُ مَا شَرَعَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
- قَولُهُ: (العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ): هُمْ أُولُو الأَمْرِ؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩]. وَالأَمْرُ يَشْمَلُ:
١ - الأَمْرَ الدِّينِيَّ، وَأَصْحَابُهُ هُمُ العُلَمَاءُ.
٢ - الأَمْرَ الدُّنْيَوِيَّ، وَأَصْحَابُهُ هُمُ الأُمَرَاءُ.
- قَولُهُ: (أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيءٌ مِنَ الزَّيغِ فَيَهْلَكَ): أَي: إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَولِ النَّبِيِّ ﵊ بِقَولِ أَحَدٍ؛ فَإِنَّه يُخْشَى عَلَيهِ أَنْ يُعَاقَبَ فَيُجْعَلَ فِي قَلْبِهِ الزَّيغُ، كَقَولِهِ تَعَالَى عَنِ اليَهُودِ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصَّفُّ: ٥]، فَهُم زَاغُوا بِمَحْضِ إِرَادَتِهِم وَاخْتِيَارِهِم مَعَ بَيَانِ الحُجَجِ وَظُهُورِ الدَّلَائِلِ وَالبَرَاهِينَ، فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُم عُقُوبَةً مِنْهُ لَهُم عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ يَصِلُ ذَلِكَ إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ إِذَا كَانَ فِي تَحْلِيلِ الحَرَامِ مَعَ العِلْمِ بِأَنَّهُ حَرَامٌ! أَو تَحْرِيمِ الحَلَالِ مَعَ العِلْمِ بأَنَّهُ حَلَالٌ!
- قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الصَّارِمُ المَسْلُولُ): "إِذَا كَانَ المُخَالِفُ عَنْ أَمْرِهِ ﷺ قَدْ حُذِّرَ مِنَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ أَو مِنَ العَذَابِ الأَلِيمِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُفْضِيًا إِلَى الكُفْرِ أَوِ العَذَابِ الأَلِيمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِفْضَاءَهُ إِلَى العَذَابِ هُوَ مَجُرَّدُ فِعْلِ المَعْصِيَةِ، وَإِفْضَاؤُهُ إِلَى الكُفْرِ؛ إنَّمَا هُوَ لِمَا قَد يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ اسْتِخْفَافٍ بِحَقِّ الأَمْرِ
[ ٢ / ٦٠ ]
الشَّرْعِيِّ كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ" (^١).
- قَولُ الإمَامِ أَحْمَدَ ﵀: (عَجِبْتُ). العَجَبُ نَوعَان:
١ - عَجَبُ اسْتِحْسَانٍ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) (^٢).
٢ - عَجَبُ إِنْكَارٍ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصَّافَات: ١٢]، وَكَمَا فِي كَلَامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ هُنَا.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الأَمْرُ هُنَا هُوَ وَاحِدُ الأَوَامِرِ، وَلَيسَ مِنَ الأُمُورِ أَي (الشُّؤُونِ)، وَهُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ؛ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الأَوَامِرِ، وَعُدِّيَ فِعْلُ (يُخَالِفُونَ) بِـ (عَنْ) لِإفَادَتِهِ مَعْنَى الإِعْرَاضِ (^٣).
- حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ بِتَمَامِهِ -كَمَا عَنْدَ الطَّبَرانِيِّ فِي الكَبِيرِ- قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيتُ إِلَيهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَة، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التَّوبَة: ٣١] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ
_________________
(١) الصَّارِمُ المَسْلُولُ (ص ٥٧).
(٢) البُخَارِيُّ (١٦٨).
(٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٩/ ٢٣١): "وَقَولُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أُدْخِلَتْ (عَنْ) لِأَنَّ مَعْنَى الكَلَامِ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَلُوذُونَ عَنْ أَمْرِهِ، وَيُدْبِرُونَ عَنْهُ مُعْرِضِينَ". قُلْتُ: وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى أَيضًا عَنِ المُنَافِقِينَ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاء: ٦١].
[ ٢ / ٦١ ]
فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» (^١).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُبْحَانَ): اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ التَّسْبِيحِ؛ وَهُوَ التَّنْزِيهُ، أَي: تَنْزِيهُ اللهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
- اعْلَمْ أَنَّ اتِّبَاعَ العُلَمَاءِ أَوِ الأُمَرَاءِ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ أَو تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (^٢):
١ - أَنْ يُتَابِعَهُم فِي ذَلِكَ رَاضِيًا بِقَولِهِم، مُقَدِّمًا لَهُ، سَاخِطًا لِحُكْمِ اللهِ! فَهُوَ كَافِرٌ،
_________________
(١) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٧/ ٩٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٠٩٥) وَحَسَّنَهُ. الصَّحِيحَةُ (٣٢٩٣).
(٢) أَفَادَهُ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ) (٢/ ١٥٧). وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ تَفْسِيرِ التَّوحِيدِ نَقْلُ قَولِ شَيخِ الإِسْلَامِ ﵀، وَنُعِيدُهُ هُنَا لِتَمَامِ الفَائِدَةِ: قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْموعِ الفَتَاوى (٧/ ٧٠): " وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا -حَيثُ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ- يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَينِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا دِينَ اللهِ؛ فَيَتْبَعُونَهُمْ عَلَى التَّبْدِيلِ؛ فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللهُ اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ -مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ- فَهَذَا كُفْرٌ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ شِرْكًا -وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ وَيَسْجُدُونَ لَهُم-، فَكَانَ مَنِ اتَّبَعَ غَيرَهُ فِي خِلَافِ الدِّينِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الدِّينِ، وَاعْتَقَدَ مَا قَالَهُ ذَلِكَ دُونَ مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: مُشْرِكًا مِثْلَ هَؤُلَاءِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ [بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ] ثَابِتًا، لَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ -كَمَا يَفْعَلُ المُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ المَعَاصِي الَّتِي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصٍ-؛ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» ". قُلْتُ: وَهَذا الحَدِيثُ الأَخِيرُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧١٤٥)، وَمُسْلِمٌ (١٨٤٠) مِنْ حَدِيثِ عَليٍّ مَرْفُوعًا. مُلَاحَظَةٌ: فِي الأُصُولِ (بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ)!! وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنَ النُّسَّاخِ. قَالَ الشَّيخُ نَاصِرُ بْنُ حَمَدٍ الفَهْدُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (صِيَانَةُ مَجْمُوعِ الفَتَاوَى مِنَ السَّقْطِ وَالتَّصْحِيفِ) (ص ٥٩): "وَقَولُهُ هُنَا (بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ) قَدْ أَشَارَ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَصْحِيفًا مِنَ النُّسَّاخِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ العِبَارَةَ هِيَ (بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ) ".
[ ٢ / ٦٢ ]
لِأَنَّهُ كَرِهَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ، وَلَا تَحْبُطُ الأَعْمَالُ إِلَّا بِالكُفْرِ، فَكُلُّ مَنْ كَرِهَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَهُوَ كَافِرٌ.
٢ - أَنْ يُتَابِعَهُم فِي ذَلِكَ رَاضِيًا بِحُكْمِ اللهِ وَعَالِمًا بِأَنَّهُ أَمْثَلُ وَأَصْلَحُ لِلعِبَادِ وَالبِلَادِ، وَلَكِنْ لِهَوًى فِي نَفْسِهِ اخْتَارَهُ، كَأَنْ يُرِيدَ مَثَلًا وَظِيفَةً؛ فَهَذَا لَا يَكْفُرُ، وَلَكِنَّهُ فَاسِقٌ وَلَهُ حُكْمُ غَيرِهِ مِنَ العُصَاةِ.
٣ - أَنْ يُتَابِعَهُم جَاهِلًا؛ فَيَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللهِ، فَهَذَا لَهُ حَالَانِ:
أ- أَنْ يُمْكِنَهُ أَنْ يَعْرِفَ الحَقَّ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ مُفَرِّطٌ أَو مُقَصِّرٌ، وَهُوَ آثِمٌ، لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ العِلْمِ عِنْدَ عَدَمِ العِلْمِ.
ب- أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا وَلَا يُمْكِنَهُ التَّعَلُّمُ فَيُتَابِعُهُم تَقْلِيدًا، وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الحَقَّ؛ فَهَذَا لَا شَيءَ عَليهِ، لِأَنَّه فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَكَانَ مَعْذُورًا بِذَلِكَ (^١).
- قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَضَى فِي الإِبْهَامِ بِخَمْسَ عَشَرَةَ، فَلَمَّا وَجَدَ كِتَابَ آلِ عَمْرُو بْنِ حَزْمٍ؛ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وفي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ» صَارُوا إِلَيهِ. قَالَ: وَلَمْ يَقْبَلُوا كِتَابَ آلِ عَمْرُو بْنِ حَزْمٍ -وَاللهُ أَعْلَمُ- حَتَّى ثَبَتَ لَهُم أَنَّهُ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ. وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دِلَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: قَبُولُ الخَبَرِ.
وَالأُخْرَى: أَنْ يُقْبَلَ الخَبَرُ فِي الوَقْتِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَمْضِ عَمَلٌ مِنْ أَحَدٍ
_________________
(١) وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ أَيضًا فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ) (١/ ٢٧٣): "وَالعَجَبُ أَنَّهُم فِي العِرَاقِ يَقُولُونَ: عِنْدَنَا الحُسَينُ؛ فَيَطُوفُونَ قَبْرَهُ وَيَسْأَلُونَهُ! وَفِي مِصْرَ كَذَلِكَ! وَفِي سُورِيَّا كَذَلِكَ! وَهَذَا سَفَهٌ فِي العُقُولِ وَضَلَالٌ فِي الدِّينِ، وَالعَامَّةُ لَا يُلَامُونَ فِي الوَاقِعِ، لَكِنَّ الَّذِي يُلَامُ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَمِنْ غَيرِ العُلَمَاءِ".
[ ٢ / ٦٣ ]
مِنَ الأَئِمَّةِ بِمِثْلِ الخَبَرِ الَّذِي قَبِلُوا، وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَو مَضَى أَيضًا عَمَلٌ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ ثُمَّ وُجِدَ عَنِ النَّبِيِّ خَبَرٌ يُخَالِفُ عَمَلَهُ لَتُرِكَ عَمَلُهُ لِخَبَرِ رَسُولِ اللهِ، وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَا بِعَمَلِ غَيرِهِ بَعْدهُ" (^١).
- لَيسَ كُلُّ حُكْمٍ بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى يَكُونُ كُفْرًا مُخْرِجًا مِنَ المِلَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٤٤].
قَالَ إِمَامُ المُفَسِّرِينَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "وَأَولَى هَذِهِ الأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ؛ قَولُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هذهِ الآيَاتُ فِي كُفَّارِ أَهْلِ الكِتَابِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الآيَاتِ فِيهِم نَزَلَتْ، وَهُمُ المَعنِيُّونَ بِهَا، وَهَذِهِ الآيَاتُ سِيَاقُ الخَبَرِ عَنْهُم؛
_________________
(١) أَورَدَهُ القَاسِمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (قَوَاعِدُ التَّحَدِيثِ) (ص ٣٠٢) فِي (بَيَانِ الثَّمَرَاتِ المُجْتَنَاةِ مِنْ شَجَرةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المُبَارَكَةِ) وَالنَّصُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هُوَ فِي كِتَابِهِ الرِّسَالَةُ (ص ٤٢٤). وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي أَورَدَهُ فَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (١٧٦٩٨) وَغَيرِه، وَلَفْظُهُ -كَمَا أَورَدَهُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي جَامِعِ الأَحَادِيثِ (٢/ ٤٧١) - "عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي الإِبْهَامِ وَالتِي تَلِيهَا نِصْفَ دِيَّةِ الكَفِّ. وَفِي لَفْظٍ: قَضَى فِي الإِبْهَامِ خَمْسَ عَشَرَةَ، وَفِي السَّبَّابَةِ عَشْرًا، وَفِي الوسْطَى عَشْرًا، وَفِي البِنْصَرِ تِسْعًا، وَفِي الخِنْصَرِ سِتًّا، حَتَّى وَجَدَ كِتَابًا عِنْدَ آلِ عَمْرُو بْنِ حَزْمٍ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ؛ فِيهِ: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ». فَأَخَذَ بِهِ وَصَارَتْ إِلَى عَشْرٍ عَشْرٍ". قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ إِلَى ابْنِ المُسيِّبِ؛ فَإِنْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ فَذَاكَ. قُلْتُ: وَالتَّفْصِيلُ مِنْ عُمَرَ ﵁ يَدُورُ حَولَ الخَمْسِينَ مِنَ الإِبِلِ، لِأَنَّهَا دِيَّةُ اليَدِ إِذَا قُطِعَتْ، وَالاجْتِهَادُ مِنْهُ ﵁ هُوَ فِي دِيَّةِ كُلِّ أُصْبُعٍ لِوَحْدِهَا.
[ ٢ / ٦٤ ]
فَكَونُهَا خَبَرًا عَنْهُم أَولَى.
فَإنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَد عَمَّ بِالخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ جَميعِ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ! فَكَيفَ جَعَلْتَهُ خَاصًّا؟ قِيلَ: إنَّ اللهَ تَعَالَى عَمَّ بِالخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ قَومٍ كَانُوا بِحُكْمِ اللهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ جَاحِدِينَ، فَأَخْبَرَ عَنْهُم أَنَّهُم بِتَرْكِهِم الحُكْمَ -عَلَى سَبِيلِ مَا تَرَكُوهُ- كَافِرُونَ. وَكَذَلِكَ القَولُ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ جَاحِدًا بِهِ؛ هُوَ بِاللهِ كَافِرٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (^١)، لِأَنَّه بِجُحُودِهِ حُكْمَ اللهِ -بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ أَنْزَلُه فِي كِتَابِهِ- نَظِيرُ جُحُودِهِ نُبُوَّةَ نَبيِّهِ -بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ نَبيٌّ-" (^٢).
- قَالَ الإمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي عَقِيدَتِهِ المَشْهُورَةِ: "وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَم يَسْتَحِلَّهُ" (^٣).
_________________
(١) قَولُ ابْنِ عبَّاسٍ المَذْكُورُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ نَفْسُهُ (١٠/ ٣٥٧)، وَلَفْظُهُ: (مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ؛ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٥٥٢): "جَيِّدٌ فِي الشَّوَاهِدِ".
(٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٠/ ٣٥٨).
(٣) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي تَخْرِيجِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٥٧): "يَعْنِي اسْتِحْلَالًا قَلْبيًّا اعْتِقَادِيًّا؛ وَإلَّا فَكُلُّ مُذْنِبٍ مُسْتَحِلٌّ لِذَنْبِهِ عَمَلِيًّا -أَي: مُرْتَكِبٌ لَهُ-، وَلِذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بَينَ المُسْتَحِلِّ اعْتِقَادًا؛ فَهُوَ كَافِرٌ إِجْمَاعًا، وَبَينَ المُسْتَحِلِّ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا؛ فَهُوَ مُذْنِبٌ يَسْتَحِقُّ العَذَابَ اللَّائِقَ بِهِ -إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُ- ثُمَّ يُنْجِيهِ إِيمَانُهُ، خِلَافًا لِلخَوَارِجِ وَالمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلَيهِ بِالخُلُودِ فِي النَّارِ وَإِنٍ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِ كَافِرًا أَو مُنَافِقًا". وَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي رِسَالَتِهِ النَّفِيسَةِ الوَجِيزَةِ (فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ) (ص ٣٢): "وَفِي قِصَّةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي قَاتَلَ أَحَدَ المُشْرِكِينَ؛ فَلَمَّا رَأَى هَذَا المُشْرِكُ أَنَّهُ صَارَ تَحْتَ ضَرْبَةِ سَيفِ المُسْلِمِ الصَّحَابِيِّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَا بَالَاهَا الصَّحَابِيُّ؛ فَقَتَلَهُ! فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَيهِ ذَلِكَ أَشَدَّ الإِنْكَارِ، فَاعْتَذَرَ الصَّحَابِيُّ بِأَنَّ المُشْرِكَ مَا قَالَهَا إِلَّا خَوفًا مِنَ القَتْلِ، وَكَانَ جَوَابُهُ ﷺ: «هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»؟! أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ ﵁. إِذًا الكُفْرُ الاعْتِقَادِيُّ لَيسَ لَهُ عَلَاقَةٌ أَسَاسِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ العَمَلِ؛ إِنَّمَا عَلَاقَتُهُ الكُبْرَى بِالقَلْبِ".
[ ٢ / ٦٥ ]
وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَأَمَّا الحُكْمُ المُبَدَّلُ -وَهُوَ الحُكْمُ بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ- فَلَا يَحِلُّ تَنْفِيذُهُ، ولَا العَمَلُ بِهِ، ولَا يَسُوغُ اتِّبَاعُهُ، وَصَاحِبُهُ بَينَ الكُفْرِ وَالفُسُوقِ وَالظُلْمِ" (^١).
وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَضَعَ قَوَانِينَ تَشْرِيعِيَّةً مَع عِلْمِهِ بِحُكْمِ اللهِ، وَبِمُخَالَفَةِ هَذِهِ القَوَانِين لِحُكْمِ اللهِ؛ فَهَذَا قَد بَدَّلَ الشَّرِيعَةَ بِهَذِهِ القَوَانِين، فَهُوَ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ بِهَذَا القَانُونِ عَن شَرِيعَةِ اللهِ إِلَّا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَيرٌ لِلعِبَادِ وَالبِلَادِ مِنْ شَرِيعَةِ اللهِ، وَعِنْدَمَا نَقُولُ بِأَنَّهُ كَافِرٌ؛ فَنَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الفِعْلَ يُوصِلُ إِلَى الكُفْرِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الوَاضِعُ لَهُ مَعْذُورًا؛ مِثْلَ أَنْ يُغَرَّرَ بِهِ، كَأَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا لَا يُخَالِفُ الإِسْلَامَ! أَو هَذَا مِنَ المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ! أَو هَذَا مِمَّا رَدَّهُ الإِسْلَامُ إِلَى النَّاسِ! فَيُوجَدُ بَعْضُ العُلَمَاءِ -وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ- يَقُولُونَ: إنَّ مَسْأَلَةَ المُعَامَلَاتِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالشَّرْعِ؛ بَلْ تَرْجِعُ إِلَى مَا يُصْلِحُ الاقْتِصَادَ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِحَسْبِهِ؛ فَإِذَا اقْتَضَى الحَالُ أَنْ نَضَعَ بُنُوكًا لِلرِّبَا أَو ضَرَائِبَ عَلَى النَّاسِ، فَهَذَا لَا شَيءَ فِيهِ! " (^٢).
_________________
(١) الرُّوحُ (٢٦٧).
(٢) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ١٦٠).
[ ٢ / ٦٦ ]
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا هِيَ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ؟
الجَوَابُ:
١ - ثُبُوتُ أَنَّ هَذَا القَولَ أَوِ الفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ؛ كُفْرٌ بِمُقْتَضَى دِلَالَةِ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ.
٢ - ثُبُوتُ قِيَامِهِ بِالمُكَلَّفِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحُجُرَات: ٦].
٣ - بُلُوغُ الحُجَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٦٥].
٤ - انْتِفَاءُ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ فِي حَقِّهِ.
وَمِنْ مَوَانِعِ التَّكفِيرِ: الإِكْرَاهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦].
وَعَدَمُ القَصْدِ؛ فَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَو حُزْنٍ أَو خَوفٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ٥].
[ ٢ / ٦٧ ]
وَفِي الحَدِيثِ: (قَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ؛ مُحْمَرَّةٌ عَينَاهُ؛ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي (^١)؟! فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ) (^٢). رَوَاهُ البُخَارِيِّ -وَهَذَا اللَّفْظُ مِنْهُ مُعَلَّقٌ-، وَتَرْجَمَ عَلَيهِ بِـ: "بَابُ الطَّلَاقِ فِي الإِغْلَاقِ وَالكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيرِهِ" (^٣).
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى -فِي مَعْرِضِ الكَلَامِ عَنِ الخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ-: "وَأَمَّا تَكْفِيرُهُمْ وَتَخْلِيدُهُمْ؛ فَفِيهِ أَيضًا لِلْعُلَمَاءِ قَولَانِ مَشْهُورَانِ: وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالقَولَانِ فِي الخَوَارِجِ وَالمَارِقِينَ مِنَ الحَرُورِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الأَقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا -الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ- كُفْرٌ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمُ -الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الكُفَّارِ بِالمُسْلِمِينَ- هِيَ كُفْرٌ أَيضًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ دَلَائِلَ ذَلِكَ فِي غَيرِ هَذَا المَوضِعِ، لَكِنَّ تَكْفِيرَ الوَاحِدِ المُعَيَّنِ مِنْهُمْ، وَالحُكْمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ.
_________________
(١) قُلْتُ: وَوَجْهُ قَولِهِ: (هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي)! هُوَ أَنَّ الخَمْرَ إِذَا أَخَذَتْ مَأْخَذَهَا مِنَ المَرْءِ؛ فَإِنَّهَا تُعْطِيهِ نَشْوَةً وَانْشِرَاحًا -أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا- فَيَشْعُرُ نَفْسَهُ كَالمَلِكِ. وَقَدِ اشْتَهَرَ قَولُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ -فِي الجَاهِلِيَّةِ- عَنِ الخَمْرِ: "فَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا … وَأُسْدًا، مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ".
(٢) البُخَارِيُّ (٧/ ٤٥).
(٣) يُنْظَرُ: (مَجْمُوعُ فَتَاوَى الشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين) (٣/ ٥٢).
[ ٢ / ٦٨ ]
فَإِنَّا نُطْلِقُ القَولَ بِنُصُوصِ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ؛ وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ العَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ المُقْتَضَى الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ القَاعِدَةَ فِي (قَاعِدَةُ التَّكْفِيرِ)، وَلِهَذَا لَمْ يَحْكُمِ النَّبِيُّ ﷺ بِكُفْرِ الَّذِي قَالَ: «إذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي اليَمِّ؛ فَوَ اللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ» مَعَ شَكِّهِ فِي قُدْرَةِ اللهِ وَإِعَادَتِهِ! وَلِهَذَا لَا يُكَفِّرُ العُلَمَاءُ مِنِ اسْتَحَلَّ شَيئًا مِنَ المُحَرَّمَاتِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالإِسْلَامِ أَو لِنَشْأَتِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، فَإِنَّ حُكْمَ الكُفْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ لَا يَكُونُ قَدْ بَلَغَتْهُ النُّصُوصُ المُخَالِفَةُ لِمَا يَرَاهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ بُعِثَ بِذَلِكَ! فَيُطْلَقُ أَنَّ هَذَا القَولَ كُفْرٌ؛ وَيُكَفَّرُ مَتَى قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ دُونَ غَيرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (^١).
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٨/ ٥٠٠).
[ ٢ / ٦٩ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ هُوَ مِنِ اتِّخَاذِ الأَرْبَابِ؛ فَمَا الجَوَابُ عَن تَحْرِيمِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ الأَشْيَاءِ عَلَى نَفْسِه؟!
كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّحْرِيم: ١]!
وَمِثْلُه قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [المَائِدَة: ٨٧]!
وَأَيضًا قَوْلُه تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عِمْرَان: ٩٣]!
الجَوَابُ:
إِنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ هُنَا لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا البَابِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى مَنْعِ النَّفْسِ مِن الشَّيءِ، وَلَيسَ بِمَعْنَى جَعْلِهِ مُحَرَّمًا عَنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ! كَمَا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النَّحْل: ١١٦].
لِذَلِكَ فَمِثْلُ ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ اليَمِينَ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (^١).
فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: (فِي الحَرَامِ يُكَفَّرُ)، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأَحْزَاب: ٢١] (^٢).
_________________
(١) وَذَهَبَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ إِلَى أَنَّ وَصْفَهَا بِاليَمِينِ هُوَ لِكَونِ ذَاكَ التَّحْرِيمِ كَانَ مَعَ أَيمَانٍ حَلَفُوا بِهَا؛ لِذَلِكَ سُمِّيَتْ يَميِنًا وَلَزِمَتْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ فَاللهُ أَعْلَمُ. اُنْظُرْ تَفْسِيرَ الطَّبَرِيِّ (٢٣/ ٤٨٠)، (١٠/ ٥٢٣).
(٢) البُخَارِيُّ (٤٩١١)، مُسْلِم (١٤٧٣).
[ ٢ / ٧٠ ]
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ ﵀: "وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ إنْ فَعَلْتُ؛ وَفَعَلَ، أَوْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْتُ؛ ثُمَّ فَعَلَ؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ كَفَّرَ.
وَإِنْ قَالَ: هَذَا الطَّعَامُ حَرَامٌ عَلَيَّ؛ فَهُوَ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِهِ.
وَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيدٍ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ -فِيمَنْ قَالَ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ-: يَمِينٌ مِنَ الْأَيمَانِ؛ يُكَفِّرُهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ يَمِينٌ؛ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلُهُ، وَعَنْهُ: إنْ نَوَى طَلَاقًا؛ وَإِلَّا فَلَيسَ بِشَيءٍ.
وَعَنِ الضَّحَّاكِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالُوا: (الْحَرَامُ يَمِينُ طَلَاقٍ).
وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ مَا نَوَى.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَيسَ بِيَمِينٍ، وَلَا شَيءَ عَلَيهِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ فَلَغَا مَا قَصَدَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ رَبِيبَتِي.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ سَمَّى تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ يَمِينًا، وَفَرَضَ لَهُ تَحِلَّةً؛ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ" (^١).
وَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "أَفْتَى جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ -كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِمْ- أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ: إمَّا كَفَّارَةً كُبْرَى -كَالظِّهَارِ-، وَإِمَّا كَفَّارَةً صُغْرَى -كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ-، وَمَا زَالَ السَّلَفُ
_________________
(١) المُغْنِي (٩/ ٥٠٨).
[ ٢ / ٧١ ]
يُسَمُّونَ الظِّهَارَ وَنَحْوَهُ يَمِينًا" (^١).
وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "جَعَلَ اللهُ هَذَا التَّحْرِيمَ يَمِينًا وَقَالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾، فَالإِنْسَانُ إِذَا قَالَ: هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ، أَوْ حَرَامٌ عَلَيَّ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا -وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ الامْتِنَاعَ عَنْ هَذَا الشَّيءِ- فَحُكْمُهُ حُكْمُ اليَمِينِ، بِمَعْنَى أَنْ نَقُولَ: كَأَنَّكَ قُلْتَ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ هَذَا الشَّيءَ، أَوْ وَاللهِ لَا أَلْبِسُ هَذَا الثَّوبَ، أَوْ وَاللهِ لَا آكُلُ هَذَا الطَّعَامَ. فَإِذَا حَنَثَ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ الكَرِيمُ عَلَى كَونِ كَفَّارَةِ التَّحْرِيمِ هِيَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ، فَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ كَفَّارَةَ اليَمِينِ بَعْدَ سِيَاقِ التَّحْرِيمِ" (^٢) (^٣).
وَكَذَا دَلَّ السِّيَاقُ بَعْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ حَيثُ قَالَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٨٩].
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣٥/ ٢٧٢).
(٢) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلُ العُثَيمِين (٢/ ٢٢٠).
(٣) يَعنِي قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.
[ ٢ / ٧٢ ]