المتن
بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النِّسَاء: ٦٠ - ٦١].
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١].
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٦].
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المَائِدَة: ٥٠].
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: "حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَينَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ" (^١).
_________________
(١) الأَرْبَعُونَ النَّوَوِيَّةُ (ص ١١٣). وَالحَدِيثُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي ظِلَالِ الجَنَّةِ (١٥)، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ =
[ ٢ / ٧٣ ]
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: "كَانَ بَينَ رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ وَرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ -عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ-، وَقَالَ المُنَافِقُ: نَتَحَاكَمُ إِلَى اليَهُودِ -لَعَلِمَهُ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ-، فَاتَّفَقَا أَنْ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَينَةَ فَيَتَحَاكَمَا إِلَيهِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَة" (^١).
وَقِيلَ: "نَزَلَتْ فِي رَجُلَينِ اخْتَصَمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: نَتَرَافَعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ الآخَرُ: إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَى عُمَرَ، فَذَكَرَ لَهُ أَحَدُهُمَا القِصَّةَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يَرْضَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَضَرَبَهُ بِالسَّيفِ فَقَتَلَهُ" (^٢).
_________________
(١) = ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٩٤): "تَصْحِيحُ هَذَا الحَدِيثِ بَعِيدٌ جِدًّا مِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ حَدِيثٌ يَتَفَرَّدُ بِهِ نُعَيمُ بْنُ حَمَّادٍ المَرْوَزِيُّ". وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي شَرْحِ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (ص ٣٩٥): "مَعْنَى الحَدِيثِ -بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إِسْنَادِهِ- صَحِيحٌ".
(٢) صَحِيحٌ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٥/ ٣٧): "رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيهِ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: … ".
(٣) صَحِيحٌ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٥/ ٣٧): "وَقَدْ رَوَى الكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ كَانَ بَينَهُ وَبَينَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ؛ فَقَالَ اليَهُودِيُّ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ المُنَافِقُ: بَلْ نَأْتِي كَعْبَ بْنَ الأَشْرَفِ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ المُنَافِقَ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَاتِ؛ وَتَسْمِيَةِ عُمَرَ الفَارُوقَ، وَهَذَا الإِسْنَادُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ تَقَوَّى بِطَرِيقِ مُجَاهِدٍ".
[ ٢ / ٧٤ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ وَمَا فِيهَا مِنَ الإِعَانَةِ عَلَى فَهْمِ الطَّاغُوتِ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ البَقَرَةِ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الأَعْرَافِ ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
الخَامِسَةُ: مَا قَالَ الشَّعْبِيُّ فِي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ الأُولَى.
السَّادِسَةُ: تَفْسِيرُ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالكَاذِبِ.
السَّابِعَةُ: قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ المُنَافِقِ.
الثَّامِنَةُ: كَونُ الإِيمَانِ لَا يَحْصُلُ لِأَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.
[ ٢ / ٧٥ ]
الشَّرْحُ
- هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بِبَابِ النَّهْي عَنِ التَّحَاكُمِ إِلَى غَيرِ شَرْع ِاللهِ تَعَالَى.
- قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٠ - ٦٥].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المَائِدَة: ٤٩ - ٥٠].
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ تَوحِيدَ العَبْدِ لَا يَكْمُلُ الكَمَالَ الوَاجِبَ حَتَّى يُحَكِّمَ شَرْعَ اللهِ تَعَالَى فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
[ ٢ / ٧٦ ]
وَإِنَّ الحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فَرْضٌ، وَهُوَ مِنْ مُقْتَضَى شَهَادَةِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"، وَإِنَّ تَرْكَ الحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ؛ وَتَحْكِيمَ غَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي شُؤُونِ المُتَخَاصِمِينَ؛ وَتَنْزِيَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ شِرْكٌ أَكْبَرُ وَكُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ.
- الحُكْمُ للهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٤]، فَالأَمْرُ لَهُ وَحْدَهُ؛ كَمَا أَنَّهُ هُوَ الخَالِقُ وَحْدَهُ.
وَإِنَّ تَرْكَ التَّحَاكُمِ إِلَى شَرْعِهِ تَعَالَى رَغْبَةً عَنْهُ: مُنَافٍ لِأَصلِ التَّوحِيدِ؛ لِأَنَّه فَقَدَ بَعْضَ شُرُوطِ شَهَادَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ أَلَا وَهِيَ المَحَبَّةُ وَالانْقِيَادُ وَالقَبُولُ.
وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ التَّحَاكُمَ إِلَى شَرْعِهِ تَعَالَى جَهَالَةً مِنْهُ وَسَفَهًا وَإِيثَارًا لِهَوَى النَّفْسِ وَطَاعَةً لِلشَّيطَانِ -دُونَ جُحُودٍ لِذَلِكَ- معَ الاعْتِرَافِ بَالخَطَأِ وَالتَّقْصِيرِ فِي جَنَابِهِ تَعَالَى، وَمَعَ الإِقْرَارِ بِصِحَّةِ التَّنْزِيلِ وَصَلَاحِهِ لِكُلِّ عَصْرٍ؛ فَهُوَ تَارِكٌ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجبِ -الَّذِي يَأْثَمُ تَارِكُهُ-، وَهُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ. وَقَدْ سَبَقَ فِي البَابِ المَاضِي وَفِي بَابِ (تَفْسِيرِ التَّوحِيدِ) تَفْصِيلُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ. وَالحَمْدُ للهِ (^١).
_________________
(١) قَالَ فِي فَتْحِ المَجِيدِ (ص ٣٩٧): "فَإِنْ كَانَ الَّذِي تُحِبُّهُ وَتَمِيلُ إِلَيهِ وَتَعْمَلُ بِهِ تَابِعًا لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ -لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إِلَى مَا يُخَالِفُهُ- فَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ أَو فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ أَو أَكْثَرِهَا؛ انْتَفَى عَنْهُ مِنَ الإِيمَانِ كَمَالُهُ الوَاجِبُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي -حِينَ يَزْنِي- وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» يَعْنِي: أَنَّهُ بِالمَعْصِيَةِ يَنْتَفِي عَنْهُ كَمَالُ الإِيمَانِ الوَاجِبِ، وَيَنْزِلُ عَنْهُ فِي دَرَجَةِ الإِسْلَامِ وَيَنْقُصُ إِيمَانُهُ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَيهِ الإِيمَانُ إِلَّا بِقَيدِ المَعْصِيَةِ أَوِ الفُسُوقِ، فَيُقَالُ: مُؤْمِنٌ عَاصٍ، أَو يُقَالُ: مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ؛ فَاسِقٌ بِمَعْصِيَتِهِ، فَيَكُونُ مَعَهُ مُطْلَقُ الإِيمَانِ الَّذِي لَا يَصِحَّ إِسْلَامُهُ إِلَّا بِهِ". قُلْتُ: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ السَّابِقِ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٤٧٥)، وَمُسْلِمٌ (٥٧) مَرْفُوعًا. =
[ ٢ / ٧٧ ]
- حُكْمُ اللهِ تَعَالَى أَنْوَاعٌ:
١ - قَدَرِيٌّ (كَونِيٌّ)، كَمَا فِي قَولِ أَخِي يُوسُفَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يُوسُف: ٨٠].
٢ - شَرْعِيٌّ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ١٠].
٣ - جَزَائِيٌّ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١٣].
- زَعْمُ المُنَافِقِينَ هُنَا هُوَ قَولُهُم الكَذِبَ (^١)، لِأَنَّه لَا يَجْتَمِعُ الإِيمَانُ بِالقُرْآنِ مَعَ إِرَادَةِ التَّحَاكُمِ إِلَى غَيرِهِ.
وَالإِرَادَةُ هُنَا ضَابِطٌ مُهِمٌّ لِكَونِ فَاعِلِهِ كَافِرًا كُفْرًا أَكْبَرَ، فَهو تَارِكٌ لِلحَقِّ مُقْبِلٌ عَلَى البَاطِلِ، وَلَو كَانَ صَادِقًا فِي إِيمَانِهِ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ مَيلٌ لِغَيرِ شَرْعِ اللهِ تَعَالَى (^٢) (^٣).
_________________
(١) = وَقَالَ الشَّيخُ الفَوزَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (٢/ ١٨٧): "مَن اخْتارَ حُكْمَ الطَّاغُوتِ عَلَى حُكْمِ اللهِ أَو سَوَّى بَينَهُمَا وَقَالَ: هُمَا سَوَاءٌ، أَو قَالَ: تَحْكِيمُ الطَّاغُوتِ جَائِزٌ، أَو حَكَمَ بِالشَّرِيعَةِ فِي بَعْضِ الأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَهَذَا كَافِرٌ بِاللهِ -كَالَّذِينَ يُحَكِّمُونَ الشَّرِيعَةَ فِي الأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ فَقَط-. أَمَّا مَنْ حَكَمَ بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ لِهَوىً فِي نَفْسِهِ وَهُوَ يَعْتَرِفُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ حُكْمَ اللهِ هُوَ الحَقُّ، وَحُكْمَ غَيرِهِ بَاطِلٌ، وَيَعْتَرِفُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ وَمُذْنِبٌ؛ فَهَذَا يَكْفُرُ كُفْرًا أَصْغَرَ لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ".
(٢) قَالَ ابْنُ دُرَيدٍ فِي كِتَابِهِ جَمْهَرَةُ اللُّغَةِ (٢/ ٨١٦): "وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ الزَّعْمُ عَلَى البَاطِلِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي التَّنْزِيلِ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التَّغَابُن: ٧] ".
(٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ الآيَاتِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
(٤) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٥٠) -بَعْدَ حَدِيثِ البَابِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».
[ ٢ / ٧٨ ]
- قَولُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ﴾ هُمُ المُنَافِقُونَ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وَكُلٌّ قَدْ أُمِرَ فِي كِتَابِهِ بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ، وَالطَّاغُوتُ هُنَا هُوَ الكَاهِنُ المَذْكُور فِيمَا سَبَقَ مِنَ الأَبْوَابِ، حَيثُ أَنَّهُم أَرَادُوا التَّحَاكُمَ إِلَيهِ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ المُصِيبَةُ هُنَا تَشْمَلُ المُصِيبَةَ الشَّرْعِيَّةَ (^١)، وَالمُصِيبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ كَالفَقْرِ وَالجَدْبِ.
- (الصَّدُّ): الإِعْرَاضُ وَالصُّدُوفُ (^٢)، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أَي: يُعْرِضُونَ إِعْرَاضًا كُلِّيًّا.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أَي: لَا تَقْبَلِ اعْتِذَارَهُم؛ لِأَنَّه اعْتِذَارٌ كَاذِبٌ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الاعْتِذَارُ مِنَ النَّادِمِ وَالتَّائِبِ وَالمُخْطِئِ مِنْ غَيرِ تَعَمُّدٍ، أَمَّا الإِنْسَانُ المُتَعَمِّدُ لِلبَاطِلِ فَلَا يُقْبَلُ اعْتِذَارُهُ إِلَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ وَتَابَ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أَي: وَانْصَحْهُم فِيمَا بَينَكَ وَبَينَهُم بِكَلَامٍ بَلِيغٍ رَادِعٍ لَهُم.
- الإِفْسَادُ فِي الأَرْضِ نَوعَان:
١ - إِفْسَادٌ حِسِّيٌّ (مَادِّيٌّ): وَذَلِكَ كَهَدْمِ البُيُوتَ وَإِفْسَادِ الطُّرُقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (^٣).
_________________
(١) قُلْتُ: كَالقَتْلِ وَالحَبْسِ وَالهَجْرِ وَالفَضِيحَةِ.
(٢) لِسَانُ العَرَبِ (٣/ ٢٤٥).
(٣) قُلْتُ: كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكَهْف: ٩٤].
[ ٢ / ٧٩ ]
٢ - إِفْسَادٌ مَعْنَوِيٌّ: وَذَلِكَ بِالمَعَاصِي، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١]. فِيهِ بَيَانُ أُمُورٍ:
١ - أَنَّ التَّحَاكُمَ إِلَى غَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ هُوَ مِنَ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ.
٢ - أَنَّهُ مِنْ عَمِلِ المُنَافِقِينَ.
٣ - التَّنْبِيهُ عَلَى عَدَمِ الاغْتِرَارِ بِأَقْوَالِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ -وَإِنْ زَخْرَفُوهَا بِالدَّعَاوَى- كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِينَ: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المُنَافِقُون: ٤] (^١).
٤ - التَّحْذيرُ مِنَ الاغْتِرَارِ بِالرَّأْي مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى صِحَّتِهِ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ (^٢).
٥ - فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المُنَافِقَ لَا يَثِقُ بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ؛ لِذَلكَ أَرَادَ مَا هُوَ أَحْسنُ مِنْهَا فِي ظَنِّهِ (^٣)!
- قَولُهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أَي: لَا حُكْمَ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثير ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٨/ ١٢٦): "أَي: كَانُوا أَشْكَالًا حَسَنَةً وَذَوِي فَصَاحَةٍ وَأَلْسِنَةٍ؛ إِذَا سَمِعَهُمُ السَّامِعُ يُصْغِي إِلَى قَولِهِمْ لِبَلَاغَتِهِمْ".
(٢) قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنِ عيَّاشٍ -مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، (ت ١٩٤ هـ) - فِي الآيَةِ: "إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ -وَهُم فَسَادٌ- فَأَصْلَحَهُم اللهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَمَنْ دَعَا إِلَى خِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ فهوَ مِنَ المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ". تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٠١).
(٣) وَفِي البُخَارِيِّ (٦٨٨٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثلَاثةٌ؛ مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبٌ دَمَ امْرِئٍ بَغيرِ حَقَ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ».
[ ٢ / ٨٠ ]
تَعَالَى لِلمُوقِنِينَ، وكُلَّمَا زَادَ إِيمَانُ العَبْدِ وَيَقِينُهُ زَادَ حُسْنُ حُكْمِ الشَّرْعِ عِنْدَهُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ مِنْ آثَارِ الإِيمَانِ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَمَعْرِفَةِ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ.
- قَولُهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ هُوَ من بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفْعُلِ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيسَ لَهُ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ مُشَارِكٌ.
- فِي النُّصُوصِ السَّابِقَةِ بَيَانُ وُجُوبِ تَحْكِيمِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الأُمُورِ كَافَّةٍ، وَإِنَّ مَنَاهِجَ الجَمَاعَاتِ الدَّعَوِيَّةِ هِيَ مِنْ هَذَا البَابِ أَيضًا؛ فَيَجِبُ أَنْ نُحَكِّمَ فِيهَا كِتَابَ اللهِ وُسنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَمَشِّيًا مَعَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ مَنْهَجٌ صَحِيحٌ يَجِبُ السَّيرُ عَلَيهِ، وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ فَيَجِبُ أَنْ نَرْفُضَهُ وَأَنْ نَبْتَعِدَ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّعَصُّبُ لِجَمَاعَةٍ أَو لِحِزْبٍ أَو لِمَنْهَجٍ دَعَوِيٍّ عَلَى حِسَابِ تَجَاوُزِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَالَّذِي يَقْصُرُ هَذَا التَّحَاكُمَ عَلَى المَحَاكِمِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَطْ! فَهُوَ مُخْطِئٌ، لِأَنَّ المُرَادَ التَّحَاكُمُ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ وَجَمِيعِ المُنَازَعَاتِ وَالخُصُومَاتِ وَالحُقُوقِ المَالِيَّةِ وَغَيرِهَا، وَحَتَّى فِي أَقْوَالِ المُجْتَهِدِينَ وَالفُقَهَاءِ وَالمَنَاهِجِ الدَّعَوِيَّةِ وَالمَنَاهِجِ الجَمَاعِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ١٠] وَ﴿شَيءٍ﴾ نَكِرةُ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ كُلَّ نِزَاعٍ وكُلَّ خِلَافٍ (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ -فِي آيَةِ البَابِ-: "وَالآيَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّهَا ذَامَّةٌ لِمَنْ عَدَلَ عَنِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَحَاكَمُوا إِلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ البَاطِلِ! وَهُوَ المُرَادُ
_________________
(١) يُنْظَرُ: (إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ) لِلْفَوزَان (٢/ ١١٩).
[ ٢ / ٨١ ]
بِالطَّاغُوتِ هَاهُنَا" (^١).
- سَبَبُ نُزُولِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٥] هُوَ مَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ ﵄: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ (^٢) الَّتِي يَسْقَونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّح المَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيرِ: «اسْقِ يَا زُبَيرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ»، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ» (^٣)، فَقَالَ الزُّبَيرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ﴾ (^٤) (^٥).
- قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٣٤٦).
(٢) (الشِّرَاجُ) بِكَسْرِ الشِّينِ: جَمْعُ شَرجَة؛ وَهِيَ مَسِيلُ المَاءِ.
(٣) (الجَدْرُ): الحَائِطُ؛ وَالمَعْنَى أَنْ يَحْبِسَ المَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى ارْتِفَاعِ الحَاجِزِ بَينَ الحِيَاضِ -وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ السُّقْيَا-، وَبَعْضُهُم يَرْوِي (الجَذْر): وَالمَعْنَى أَنْ يَصِلَ إِلَى تَمَامِ الشُّرْبِ.
(٤) البُخَارِيُّ (٢٣٥٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٣٥٧).
(٥) قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المَسْلُولُ (ص ٥٢٨): "وَمِنْ هَذَا البَابِ قَولُ القَائِلِ: (إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ)!! وَقَولُ الآخَرِ: (اعْدِلْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ)!! وَقَولُ ذَلِكَ الأَنْصَارِيِّ: (أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ)!! فَإِنَّ هَذَا كُفْرٌ مَحْضٌ؛ حَيثُ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا حَكَمَ لِلزُّبَيرِ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمَّتِهِ! وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةِ، وَأَقْسَمَ أَنَّهُم لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِم حَرَجًا مِنْ حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا عَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا عَفَا عَنِ الَّذِي قَالَ: (إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ)؛ وَعَنِ الَّذِي قَالَ: (اعْدِلْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ) ".
[ ٢ / ٨٢ ]
شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "فَالتَّحْكِيمُ فِي مَقَامِ الإِسْلَامِ، وَانْتِفَاءُ الحَرَجِ فِي مَقَامِ الإِيمَانِ، وَالتَّسْلِيمُ فِي مَقَامِ الإِحْسَانِ. فَمَنِ اسْتَكْمَلَ هَذِهِ المَرَاتِبَ وَكَمَّلَهَا؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ مَرَاتِبَ الدِّينِ كُلِّهَا.
فَمَنْ تَرَكَ هَذَا التَّحْكِيمَ المَذْكُورَ غَيرَ مُلْتَزِمٍ لَهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ -مَعَ التِزَامِهِ- فَلَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنَ العَاصِينَ" (^١).
- قَولُهُ: «حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» الهَوَى -بِالقَصْرِ-: المَيلُ، وَبِالمَدِّ هُوَ: الرِّيحُ، وَالمُرَادُ الأَوَّلُ.
- قَولُهُ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم» هَذَا فِيهِ نَفيٌ لِكَمَالِ الإِيمَانِ الوَاجِبِ.
وَمَعْنَى الحَدِيثِ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلَ الإِيمَانِ الوَاجِبِ حَتَّى تَكُونَ مَحبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَغَيرِهَا؛ فَيُحِبُّ مَا أَمَرَ بِهِ، وَيَكْرَهُ مَا نَهَى عَنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٣٦].
وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، فَلَا يَكُونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَقًّا حَتَّى يُقَدِّمَ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى مَحَبَّةِ جَمِيعِ الخَلْقِ، وَمَحَبَّةُ الرَّسُولِ تَابِعَةٌ لِمَحَبَّةِ مُرْسِلِهِ (^٢) (^٣).
_________________
(١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ١٨٤).
(٢) البُخَارِيُّ (١٣)، وَمُسْلِمٌ (٤٥).
(٣) قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: كُلُّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةِ اللهِ ﷿، وَلَمْ يُوَافِقِ اللهَ فِي أَمْرِهِ، فَدَعْوُاهُ بَاطِلَةٌ، وَكُلُّ مُحِبٍّ لَيسَ يَخَافُ اللهَ، فَهُوَ مَغْرُورٌ.
[ ٢ / ٨٣ ]
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: "فَجَمِيعُ المَعَاصِي تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ هَوَى النُّفُوسِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ المُشْرِكِينَ بِاتِّبَاعِ الهَوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القَصَص: ٦٤].
وَكَذَلِكَ البِدَعُ؛ إِنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى الشَّرْعِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى أَهْلُهَا أَهْلَ الأَهْوَاءِ، وَكَذَلِكَ المَعَاصِي؛ إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ" (^١).
قُلْتُ: وَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القَصَص: ٥٠] بَيَانُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَكِّمِ الشَّرِيعَةَ فَهُوَ صَاحِبُ هَوًى.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَجَعَلَ ﷾ الاتِّبَاعَ قِسْمَينِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إِمَّا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَإِمَّا الهَوَى" (^٢).
- قَولُهُ: «هَوَاهُ» الهَوَى لَهُ مَعْنَيَانِ:
١ - المَيلُ إِلَى خِلَافِ الحَقِّ، وَهُوَ المَعْنَى إِذَا أُطْلِقَ اللَّفْظُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النَّازِعَات: ٤٠ - ٤١].
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩٧) عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ رَقَم (٤١) مِنَ الأَرْبَعِين النَّوَوِيَّةِ.
(٢) رَوضَةُ المُحِبِّينَ (١/ ٤٠٤).
[ ٢ / ٨٤ ]
٢ - المَحَبَّةُ وَالمَيلُ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَيلُ إِلَى الحَقِّ وَغَيرِهِ، فيُذَمُّ وَيُمْدَحُ بِحَسْبِ المَحْبُوبِ.
وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (أَمَا تَسْتَحِي المَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟! فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأَحْزَاب: ٥١] (^١)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) (^٢).
وَعَلَى هَذَا النَّوعِ يُحْمَلُ حَدِيثُ البَابِ، أَي: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم الإِيمَانَ الوَاجِبَ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ (^٣).
- قَولُهُ: «وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ» اليَهُودُ هُمُ المُنْتَسِبُونَ إِلَى دِينِ مُوسَى ﵇، وَسُمُّوا بِذَلِكَ إِمَّا مِنْ قَولِهِ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٦] أَي:
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٤٤٥): " ﴿تُرْجِي﴾ أَي: تُؤَخِّرُ ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أَي: مِنَ الوَاهِبَاتِ أَنْفُسَهُنَّ، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أَي: مَنْ شِئْتَ قَبِلْتَهَا، ومَنْ شِئْتَ رَدَدْتَهَا، وَمَنْ رَدَدْتَهَا؛ فَأَنْتَ فِيهَا أَيضًا بِالخَيَارَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ إنْ شِئْتَ عُدْتَ فِيهَا فَآوَيتَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾).
(٢) البُخَارِيُّ (٥١١٣)، وَمُسْلِمٌ (١٤٦٤).
(٣) وَعَلَى هَذَا الوجْهِ -أَنَّ الهَوَى بِمَعْنَى المَحَبَّةِ- لَا يَبْقَى وَجْهٌ لِإِنْكَارِ مَتْنِ الحَدِيثِ -مِمَّنْ أَنْكَرَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالفَضْلِ- بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلهَوَى أَنْ يُوَافِقَ الشَّرْعَ؛ وَأَنَّ الهَوَى مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ دَومًا؛ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَكُونُ بِمُخَالَفَةِ الهَوَى بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ الإِنْكَارِ بِالحَدِيثِ: «حُفَّتِ الجَنَّةَ بِالمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٨٢٢) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَأَيضًا بِحَدِيثِ: «وَالمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٩٦٧) عَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٤٩). قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي مَا يَهْوَاهُ وَيُحِبُّهُ المَرْءُ بِطَبْعِهِ مَا يُؤْجَرُ عَلَيهِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠٠٦) عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٨٥ ]
رَجَعنَا، أَو نِسْبَةً إِلَى أَبِيهِم يَهُوذَا، وَلَكِنْ بَعْدَ التَّعْرِيبِ صَارَ بِالدَّالِ.
- فِي القِصَّةِ أَنَّ المُنَافِقَ أَرَادَ التَّحَاكُمَ إِلَى اليَهُودِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُم يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ، وَهِيَ مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى فِيهِم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المَائِدَة: ٤٢] أَي: سَمَّاعُونَ لِلبَاطِلِ، ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أَي الحَرَامِ، وَهُوَ الرِّشْوَةُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيرُ وَاحِدٍ (^١).
- كِتَابُ (الحُجَّةُ عَلَى تَارِكِ المَحَجَّةِ) لِلشَّيخِ أَبِي الفَتْحِ؛ نَصْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ المَقْدِسِيِّ الشَّافِعِيِّ، الفَقِيهِ الزَّاهِدِ نَزيلِ دِمَشْقَ، تَضَمَّنَ كِتَابُهُ ذِكْرَ أُصُولِ الدِّينِ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، (ت ٤٩٠ هـ) (^٢).
- فَائِدَةٌ: لَيسَ المَقْصُودُ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَى الشَّرِيعَةِ هُوَ مُجَرَّدُ تَحْقِيقِ الأَمْنِ وَالعَدَالَةِ بَينَ النَّاسِ! فَهَذَا لَا يَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَحْكِيمُ الشَّرِيعَةِ تَعَبُّدًا وَطَاعَةً للهِ تَعَالَى، وَلَا يَخْفَاكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْكَامِ هِيَ تَعَبُّدِيَّةٌ مَحْضَةٌ -لَا تُعْقَلُ لَدِينَا-؛ فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا بِحُجَّةِ أنَّنَا لَا نَعْلَمُ وَجْهَ إِفَادَتِهَا اجْتِمَاعِيًّا أَوِ اقْتِصَادِيًّا أَو كَونًا.
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ١١٧).
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩٣)، وَاُنْظُرِ السِّيَرَ لِلذَّهَبِيِّ (١٩/ ١٣٦).
[ ٢ / ٨٦ ]