وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْم: ١٩ - ٢٢].
وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَينٍ -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ-، وَللِمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُم؛ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُم -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^١).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٩٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢١٨٠). ظِلَالُ الجَنَّةِ (٧٦).
[ ١ / ١٣٠ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النَّجْمِ.
الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ صُورَةِ الأَمْرِ الَّذِي طَلَبُوا.
الثَّالِثَةُ: كَونُهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا.
الرَّابِعَةُ: كَونُهُمْ قَصَدُوا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُحِبُّهُ.
الخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ إِذَا جَهِلُوا هَذَا؛ فَغَيرُهُمْ أَولَى بِالجَهْلِ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ لَهُمْ مِنَ الحَسَنَاتِ وَالوَعْدِ بِالمَغْفِرَةِ مَا لَيسَ لِغَيرِهِمْ.
السَّابِعَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْذِرْهُمْ بَلْ رَدَّ عَلَيهِمْ بِقَولِهِ: «اَللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»؛ فَغَلَّظَ الأَمْرَ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ.
الثَّامِنَةُ: الأَمْرُ الكَبِيرُ -وَهُوَ المَقْصُودُ- أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طَلَبَهُمْ كَطَلَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَالُوا لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ نَفْيَ هَذَا مِنْ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مَعَ دِقَّتِهِ وَخَفَائِهِ عَلَى أُولَئِكَ.
العَاشِرَةُ: أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الفُتْيَا، وَهُوَ لَا يَحْلِفُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الشِّرْكَ فِيهِ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَدُّوا بِهَذَا.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُمْ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ)؛ فِيهِ أَنَّ غَيرَهُمْ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: التَّكْبِيرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ -خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ-.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَدُّ الذَّرَائِعِ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الغَضَبُ عِنْدَ التَّعْلِيمِ.
[ ١ / ١٣١ ]
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: القَاعِدَةُ الكُلِّيَّةُ لِقَولِهِ «إِنَّهَا السُّنَنُ».
اَلثَّامِنَةِ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِكَونِهِ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ كُلَّ مَا ذَمَّ اللهُ بِهِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي القُرْآنِ؛ أَنَّهُ لَنَا.
العِشْرُونَ: أَنَّهُ مُتَقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّ العِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى الأَمْرِ، فَصَارَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَسَائِلِ القَبْرِ، أَمَّا (مَنْ رَبُّكَ؟) فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا (مَنْ نَبِيِّكَ؟)؛ فَمِنْ إِخْبَارِهِ بِأَنْبَاءِ الغَيبِ، وَأَمَّا (مَا دِينُكَ) فَمِنْ قَولِهِمْ (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا …) إِلَى آخِرِهِ.
الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ مَذْمُومَةٌ كَسُنَّةِ المُشْرِكِينَ.
الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّ المُنْتَقِلَ مِنَ البَاطِلِ الَّذِي اعْتَادَهُ قَلْبُهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ تِلْكَ العَادَةِ؛ لِقَولِهِ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ).
[ ١ / ١٣٢ ]
الشَّرْحُ
- التَّبَرُّكُ: طَلَبُ البَرَكَةِ، وَأَصْلُ البَرَكَةِ: الزِّيَاَدُةُ وَالنَّمَاءُ (^١).
- التَّبَرُّكُ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَينِ:
١ - مِنْ بُرُوكِ البَعِيرِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُلَازَمَتِهِ وَثُبُوتِهِ فِي ذَلِكَ المَكَانِ.
٢ - مِنَ البِرْكَةِ (مَجْمَعِ المَاءِ): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ المَاءِ فِي هَذَا المَوضِعِ، وَعَلَى لُزُومِهِ لَهُ، وَزِيَادَتِهِ.
- حُكْمُ التَّبَرُّكِ غَيرِ المَشْرُوعِ:
١ - شِرْكٌ أَكْبَرُ: وَيَشْمَلُ حَالَتَينِ:
إِذَا اعْتَقَدَ فِي المُتَبَرَّكِ بِهِ الاسْتِقْلَالَ فِي النَّفْعِ أَوِ الضَّرِّ، وَهَذَا شِرْكٌ مِنْ جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَمَّا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى اللهِ مِنِ بَابِ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ وَالشُّفَعَاءِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ مِنْ جِهَةِ الأُلُوهِيَّةِ (^٢).
٢ - شِرْكٌ أَصْغَرُ: إِذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِحُصُولِ البَرَكَةِ حَيثُ لَمْ يَرِدْ كَونُهُ سَبَبًا، وَأيضًا فِيهِ مُشَابَهَةٌ لِلمُشْرِكِينَ فِي أَفْعَالِهِم، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ لِلاعْتِقَادِ فِيهَا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى.
_________________
(١) تَهْذِيبُ اللُّغَةِ (١٠/ ١٣١).
(٢) وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يزعُمُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ فِي الأَحْجَارِ وَالأَشْجَارِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا، وَأَيضًا بِالقُبُورِ الَّتِي يَتَبَرَّكُونَ بِهَا، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣].
[ ١ / ١٣٣ ]
- فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النَّجْم: ١٩ - ٢٥].
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ: " ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي رَآهَا ﷺ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِهِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَالأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَتَوحِيدِهِ؛ ذَكَرَ بُطْلَانَ مَا عَلَيهِ المُشْرِكُونَ مِنْ عِبَادَةِ مَنْ لَيسَ لَهُ مِنْ أَوصَافِ الكَمَالِ شَيءٌ، وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ فَارِغَةٌ عَنِ المَعْنَى، سَمَّاهَا المُشْرِكُونَ هُمْ وَآبَاؤُهُم الجُهَّالُ الضُّلَالُ، ابْتَدَعُوا لَهَا مِنَ الأَسْمَاءِ البَاطِلَةِ الَّتِي لَا تَسْتَحِقُّهَا، فَخَدَعُوا بِهَا أَنْفُسَهُم وَغَيرَهُم مِنَ الضُّلَّالِ، فَالآلِهَةُ الَّتِي بِهَذِهِ الحَالِ؛ لَا تَسْتَحِقُّ مِثْقَالَ ذَرَةٍ مِنَ العِبَادَةِ، وَهَذِهِ الأَنْدَادُ الَّتِي سَمَّوهَا بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ؛ زَعَمُوا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَوصَافٍ هِيَ مُتَّصِفَةٌ بِهَا، فَسَمَّوا (اللَاتَ) مِنَ (الإِلَهِ) المُسْتَحِقِّ لِلعِبَادَةِ، وَ(العُزَّى) مِنَ (العَزِيزِ)، وَ(مَنَاةَ) مِنَ (المَنَّانِ) إِلْحَادًا فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَتَجَرِّيًا عَلَى الشِّرْكِ بِهِ، وَهَذِهِ أَسْمَاءٌ مُتَجَرِّدَةٌ عَنِ المَعَانِي، فَكُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ يَعْلَمُ بُطْلَانَ هَذِهِ الأَوصَافِ فِيهَا.
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ أَي: أَتَجْعَلُونَ للهِ البَنَاتِ بِزَعْمِكُم، وَلَكُمُ البَنُونَ؟ ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أَي: ظَالِمَةٌ جَائِرَةٌ (^١).
_________________
(١) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٤٠٩): "قَالَ الكَلْبِيُّ -مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ-: كَانَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ: الأَصْنَامُ وَالمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُم إِذَا بُشِّرَ بِالأُنْثَى كَرِهَ ذَلِكَ".
[ ١ / ١٣٤ ]
وَقَولُهُ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أَي: مِنْ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِكُم (^١)، وَكُلُّ أَمْرٍ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ فَاسِدٌ، لَا يُتَّخَذُ دِينًا، وَهُمْ -فِي أَنْفُسِهِم- لَيسُوا مُتَّبِعِينَ بُرْهَانًا يَتَيَقَّنُونَ بِهِ مَا ذَهَبُوا إِلَيهِ، وَإِنَّمَا دَلَّهُم عَلَى قَولِهِم الظَّنُّ الفَاسِدُ، وَمَا تَهْوَاهُ أنْفُسُهُم مِنَ الشِّرْكِ وَالبِدَعِ المُوَافِقَةِ لِأَهْوِيَتِهِم (^٢).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أَي: الَّذِي يُرْشِدُهُم فِي بَابِ التَّوحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَجَمِيعِ المَطَالِبِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيهَا العِبَادُ، فَكُلُّهَا قَدْ بيَّنَهَا اللهُ أَكْمَلَ بَيَانٍ وَأَوضَحَهُ، وَأَقَامَ عَلَيهِ مِنَ الأَدِلَّةِ وَالبَرَاهِينَ مَا يُوجِبُ لَهُم وَلِغَيرِهِم اتِّبَاعَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عُذْرٌ وَلَا حُجَّةٌ مِنْ بَعْدِ البَيَانِ وَالبُرْهَانِ، وَإِذَا كَانَ مَا هُمْ عَلَيهِ غَايَتُهُ اتِّبَاعُ الظَّنِّ، وَنِهَايَتُهُ الشَّقَاءُ الأَبَدِيُّ وَالعَذَابُ السَّرْمَدِيُّ، فَالبَقَاءُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ مِنْ أَسْفَهِ السَّفَهِ وأَظْلَمِ الظُّلْمِ، وَمَعْ ذَلِكَ يَتَمَنَّونَ الأَمَانِيَ، وَيَغْتَرُّونَ بِأَنْفُسِهِم، وَلِهَذَا أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَا تَمَنَّى، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ! فقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ فَيُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ، فَلَيسَ الأَمْرُ تَابِعًا لِأَمَانِيِّهِم، وَلَا مُوَافِقًا لِأَهْوَائِهِم" (^٣).
_________________
(١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١٣/ ٤٦٧): "وَالآلِهَةُ الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيهِ الشَّيءُ فِي نَفْسِهِ".
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٤٥٨) -فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ -: "أَي: لَيسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ إِلَّا حُسْنَ ظَنِّهِمْ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ سَلَكُوا هَذَا المَسْلَكَ البَاطِلَ قَبْلَهُمْ، وَإِلَّا حَظَّ نُفُوسِهِمْ فِي رِيَاسَتِهِمْ وَتَعْظِيمِ آبَائِهِمُ الأَقْدَمِينَ".
(٣) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٨١٨).
[ ١ / ١٣٥ ]
- اللَاتُ (^١): كَانَتْ صَخْرَةً بَيضَاءَ مَنْقُوشَةً، عَلَيهَا بَيتٌ وَأَسْتَارٌ وَسَدَنَةٌ وَحَولَهُ فِنَاءٌ مُعظَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَهُمْ ثَقِيفٌ وَمَنْ تَبِعَهَا، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيهَا المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَهَدَمَهَا وَحَرَّقَها بِالنَّارِ.
وَالعُزَّى (^٢): كَانَتْ شَجَرَةً عَلَيهَا بِنَاءٌ وَأَسْتَارٌ بِنَخْلَةَ (^٣)، كَانَتْ قُرَيشُ يُعَظِّمُونَها، وَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَيهَا فَهَدَمَهَا.
وَأَمَّا مَنَاةُ (^٤): فَصَنَمٌ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ وَالأَوسُ وَالخَزْرَجُ يُعَظِّمُونَهَا وَيُهِلُّونَ مِنْهَا لِلحَجِّ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَهَدَمَهَا عَامَ الفَتْحِ (^٥). وَسُمِّيَتْ بِـ (مَنَاة) لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى (يُرَاقُ) عَلَيهَا مِنَ الدِّمَاءِ.
- وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ: أَنَّ اللَاتَ صَخْرَةٌ، وَمَنَاةَ صَخْرَةٌ، وَالعُزَّى شَجَرَةٌ؛ وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ عِنْدَ هَذِهِ الثَّلَاثِ هُوَ عَينُ مَا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ المُتَأخِّرَةِ عِنْدَ الأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ وَالغِيرَانِ وَالقُبُورِ.
_________________
(١) هَذِهِ الأَوثَانُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَعْظَمُ أَوثَانِ الجَاهِلِيَّةِ لِأَهْلِ الحِجَازِ، وَلِهَذَا نُصَّ عَلَيهَا بِأَعْيَانِهَا، وَإِلَّا فَفِي الحِجَازِ أَوثَانٌ غَيرُهَا كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّ الفِتْنَةَ بِهَذِهِ أَشَدُّ. وَهَذِهِ الصَّخْرَةُ تَرْمُزُ لِرَجُلٍ صَالِحٍ كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَهَا. قَالَ القُرْطُبُيُّ ﵀ في التَّفْسِيرِ (١٧/ ١٠٠): "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (كَانَ اللَاتُ يَبِيعُ السَّوِيقَ وَالسَّمْنَ عِنْدَ صَخْرَةٍ وَيَصُبُّهُ عَلَيهَا، فَلَمَّا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَبَدَتْ ثَقِيفُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ إِعْظَامًا لِصَاحِبِ السَّوِيقِ).
(٢) (العُزَّى): لُغَةً؛ مُؤَنَّثُ أَعَزّ، وَقَدْ جَعَلَ المُشْرِكُونَ الإِنَاثَ للهِ، كَالمَلَائِكَةِ وَاللَاتِ وَالعُزَّى وَمَنَاة.
(٣) مَكَانٌ بَينَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.
(٤) وَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُم اشْتَقُّوا اللَاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ، وَمَنَاةَ مِنَ المَنَّانِ. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ في بَابِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
(٥) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ٤٥٦).
[ ١ / ١٣٦ ]
- فِي حَدِيثِ أَبِي واقدٍ اللَّيثِيِّ (^١) بَيَانُ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ هِيَ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِينَ:
١ - أَنَّهُم كَانُوا يُعَظِّمُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ.
٢ - أَنَّهُم كَانُوا يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَالعُكُوفُ: هُوَ مُلَازَمَةُ الشَّيءِ.
٣ - أَنَّهُم كَانُوا يَنُوطُونَ بِهَا الأَسْلِحَةَ رَجَاءَ حُلُولِ البَرَكَةِ فِي السِّلَاحِ حَتَّى يَكُونَ أَمْضَى، وَحَتَّى يَكُونَ خَيرُهُ لِحَامِلِهِ أَكْثَرَ (^٢).
- قَولُهُم: (اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ) إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَتَبَرَّكُوا بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ لَا أَنْ يَعْبُدُوها -وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُم تَرَكُوا عِبَادَةَ غَيرِ اللهِ وَأَسْلَمُوا-؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّبَرُّكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَأَنَّهُ كُفْرٌ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ).
- قَولُهُ: «اللهُ أَكْبَرُ» (^٣) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ الكَلَامِ فِيهِ تَنَقُّصٌ للهِ تَعَالَى، وَهُوَ جَعْلُ نِدٍّ مَعَهُ.
- قَولُهُ: «كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى» فِيهِ تَشْبِيهُ القَولِ بِالقَولِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِرْكٌ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الجَهْلَ سَبَبٌ لِلشِّرْكِ،
_________________
(١) هُوَ الحَارِثُ بْنُ عَوفٍ؛ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، أَسْلَمَ قَبْلَ الفَتْحِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الفَتْحِ، (ت ٦٨ هـ).
(٢) وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الكَبِيرِ (٣/ ٢٤٤) بِلَفْظٍ آخَرَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ- وَقَدْ كَانَتْ لِكُفَّارِ قُرَيشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ العَرَبِ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ يُقَالُ لَهَا: ذَاتَ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلَّ عَامٍ، فَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، وَيُرِيحُونَ تَحْتَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيهَا يَومًا، فَرَأَينَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِدْرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً، فَتَنَادَينَا مِنْ جَنَبَاتِ الطَّرِيقِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَومُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».
(٣) وَهُوَ لَفْظُ أَحْمَدَ (٢١٩٠٠) فِي المُسْنَدِ، وَفِي لَفْظِ التِّرْمِذِيِّ (٢١٨٠): «سُبْحَانَ اللهُ».
[ ١ / ١٣٧ ]
وَفِيهِ أَهَمِيِّةُ تَعَلُّمِ التَّوحِيدِ وَضَرُورَةُ تَعْلِيمِهِ.
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وَكَقَولِهِ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].
هَذَا؛ وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ حَدِيثًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فكَيفَ بِمَنْ لَمْ يَعْرِفِ التَّوحِيدَ إِلَّا مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا بِلِسَانِهِ! فَاللهُ المُسْتَعَانُ.
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَدَبِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم أَنَّهُم سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَفْعَلُوا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ العِبَادَاتِ تَوقِيفِيَّةٌ.
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀: (بِشَجَرٍ أَو حَجَرٍ): يَدْخُلُ فِيهِ الحَجَرُ الأَسْوَدُ فَلَا يُتَبَرَّكُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُتعبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِمَسْحِهِ وَتَقْبِيلِهِ -اتِّبَاعًا لِلرَّسُولِ ﷺ وَبِذَلِكَ تَحْصُلُ بَرَكَةُ الثَّوَابِ.
وَفِي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ): قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ لِلرُّكْنِ اليَمَانِيِّ: (أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ)، فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ قَالَ: (فَمَا لَنَا وَللرَّمَلِ؟ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَينَا بِهِ المُشْرِكِينَ -وَقَدْ أهلَكَهُمُ اللهُ-، ثُمَّ قَالَ: شَيءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ) (^١) (^٢).
- إِنَّ سَبَبَ انْتِشَارِ المُخَالَفَاتِ الشِّرْكيَّةِ بِالتَّبَرُّكِ بِالصَّالِحِينَ وَالآثَارِ هُوَ نَتِيجَةُ صُعُوبَةِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أُولَئِكَ المُتَبَرِّكِينَ؛ فَأَرَادُوا غُفْرَانَ الذُّنُوبِ وَزِيَادَةَ الحَسَنَاتِ بِأَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَعَمَدُوا إِلَى التَّبَرُّكِ المُبْتَدَعِ بِالآثَارِ المَكَانِيَّةِ وَآثَارِ الصَّالِحِينَ.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١٦٠٥).
(٢) قُلْتُ: وَفِي البُخَارِيِّ (١٥٩٧) أَيضًا قَولُهُ ذَلِكَ عَنِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَفِيهِ: (وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ).
[ ١ / ١٣٨ ]
المسألة الأولى: ما الجواب عن أثر علي ﵁ -ردا على قول عمر السابق عن الحجر الأسود-
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الجَوَابُ عَنْ أَثَرٍ عَلِيٍّ ﵁ -رَدًّا عَلَى قَولِ عُمَرَ السَّابِقِ عَنِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ- وَفِيهِ: قَالَ عُمَرُ: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ) ثُمَّ قَبَّلَهُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: (بَلَى يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ)! رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ، وَالبَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (^١)؟
وَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ مُخْتَصَرَينِ:
١ - أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ (^٢).
٢ - أَنَّ مَعْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ حَاصِلٌ مِنْ جِهَةِ ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى وَعِقَابِهِ، وَأَنَّ الحَجَرَ شَاهِدٌ لِمَنْ تَابَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي اسْتِلَامِهِ؛ كَمَا تَجِدُهُ فِي سِيَاقِ نَفْسِ اللَّفْظِ الضَّعِيفِ، وَيُغْنِي عَنْهُ مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الحَجَرِ: «لَيَأْتِيَنَّ هذَا الحَجَرُ يَومَ القِيَامَةِ لَهُ عَينَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ؛ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» (^٣).
_________________
(١) الحَاكِمُ (١٦٨٢)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (٣٧٤٩).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ٤٦٢): "فِي إِسْنَادِهِ أَبُو هَارُونَ العَبْدِيُّ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا".
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٩٦١). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١١٤٤).
[ ١ / ١٣٩ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ التَّبَرُّكِ بِالصَّالِحِينَ، وَبِمَاءِ زَمْزَمَ، وَالتَّعَلُّقِ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ؟
الجَوَابُ:
١ - أَمَّا التَّبَرُّكُ بِالصَّالِحِينَ فَقِسْمَانِ:
أ- تَبَرُّكٌ بِذَوَاتِهِم؛ بِعَرَقِهِم؛ بِسُؤْرِهِم؛ بِشَعْرِهِم؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مِنَ البِدَعِ المُحْدَثَة، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيهِ عَمْلُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ -وَهُم سَادَةُ أَولِيَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ- (^١)، فَهَذَا التَّبَرُّكُ بِالذَّوَاتِ خَاصٌّ بِالأَنْبِيَاءِ فَقَط (^٢).
_________________
(١) قَالَ العَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الاعْتِصَامُ (١/ ٤٨٢): "إِلَّا أَنَّهُ عَارَضَنَا فِي ذَلِكَ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي مَتْنِهِ، مُشْكِلٌ فِي تَنْزِيلِهِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّحَابةَ ﵃ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ خَلْفِهِ، إِذْ لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهُ فِي الأُمَّةِ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَهُوَ كَانَ خَلِيفَتُهُ، وَلَمْ يُفْعَلْ بِهِ شِيءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عُمَرُ ﵁، وَهُوَ كَانَ أَفْضَلَ الأُمَّةِ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ سَائِرَ الصَّحَابَةِ -الَّذِينَ لَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنْهُم فِي الأُمَّةِ-، ثُمَّ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُم مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مَعْرُوفٍ أَنَّ مُتَبَرِّكًا تَبَرَّكَ بِهِم عَلَى أَحَدِ تِلْكَ الوُجُوهِ أَو نَحْوِهَا، بَلِ اقْتَصَرُوا فِيهِم عَلَى الاقْتِدَاءِ بِالأَفْعَالِ وَالأَقْوَالِ وَالسِّيَرِ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ؛ فَهُوَ إِذًا إِجْمَاعٌ مِنْهُم عَلَى تَرْكِ تِلْكَ الأَشْيَاءِ". قُلْتُ: وَكَذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ التَّبَرُّكَ مَعَ الحَسَنِ وَالحُسَينِ، وَلَا فَاطِمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ، فَالبَرَكَةُ الذَّاتيَّةُ لَا تَنْتَقِلُ بِالنُّطْفَةِ! خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ غَيرَ ذَلِكَ مِنَ الرَّافِضَةِ وَمُقَلِّدِيهِم، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصَّافَّات: ١١٣] فَفِي ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ، رَغُمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَارَكَ عَلَيهِمَا. قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٧٠٦): "اقْتَضَى ذَلِكَ البَرَكَةَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا، وَأَنَّ مِنْ تَمَامِ البَرَكةِ أَنْ تَكُونَ الذُّريَّةُ كُلُّهُم مُحْسِنِينَ! فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْهُم مُحْسِنًا وَظَالِمًا. وَاللهُ أَعْلَمُ".
(٢) وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُرْشِدُ إِلَى مَا هُوَ أَولَى مِنْ هَذَا التَّبَرُّكِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نَزَلَ بالنَّبِيِّ ﷺ أَضْيَافٌ مِنَ البَحْرَينِ، فَدَعَا النَّبِيُّ بِوَضُوئِهِ، فَتَوَضَّأَ، فَبَادَرُوا إِلَى وُضُوئِهِ فَشَرِبُوا مَا أَدْرَكُوهُ مِنْهُ، وَمَا انْصَبَّ مِنْهُ فِي الأَرْضِ فَمَسَحُوا بِهِ وُجُوهَهُم وَرُؤُوسَهُم وَصُدُورَهُم، فَقَالَ لَهُم النَّبِيُّ ﷺ: «مَا دَعَاكُم =
[ ١ / ١٤٠ ]
ب- تَبرُّكٌ بِعِلْمِهِم وَعَمَلِهِم: وَهُوَ الاقْتِدَاءُ بِالصَّالِحِينَ فِي صَلَاحِهِم، وَالاسْتِفَادَةُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي عِلْمِهِم وَهَدْيهِم وَسِيرَتِهِم.
٢ - أَمَّا التَّبَرُّكُ بِمَاءِ زَمْزَمَ فَهُوَ عَلَى قَاعِدَةِ: (أَنَّ التَّبَرُّكَ يَجْرِي كَمَا وَرَدَ) أَي: أَنَّ التَّبَرُّكَ تَوقِيفِيُّ الكَيفِيَّةِ، فَإِنَّ التَّبَرُّكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ جَاءَ بِهَيئَةِ الشُّرْبِ وَالصَّبِّ؛ فَمَنْ تَبَرَّكَ بِهِ بِأَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ بِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ (^١) (^٢).
٣ - أَمَّا التَّعَلُّقَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ رَجَاءَ البَرَكَة؛ فَلَهُ حَالَانِ:
أ- شِرْكٌ أَصْغَرُ: إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ التَّبَرُّكَ سَبَبٌ لِلخَيرِ أَوِ الشِّفَاءِ مِنَ الله تَعَالَى، وَقَدْ عُلِمَ أنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُرْشِدْ لِهَذَا النَّوعِ مِنَ الأَسْبَابِ.
ب- شِرْكٌ أَكْبَرُ: إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الكَعْبَةَ تَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ، أَو أَنَّ الكَعْبَةَ لَهَا شَفَاعَةٌ عِنْدَ اللهِ فَتُقْضَى حَاجَتُهُ بِهَا.
_________________
(١) = إِلَى ذَلِكَ؟» قَالُوا: حُبًّا لَكَ؛ لَعَلَّ اللهَ يُحِبُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ أَنْ يُحِبَّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَحَافِظُوا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: صِدْقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ». رَوَاهُ الخِلَعِيُّ فِي الفَوَائِدِ. الصَّحِيحَة (٢٩٩٨).
(٢) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ بَرَكَةُ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ هِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَيسَتْ بِالتَّمَسُّحِ!
(٣) وَلَا يَصِحُّ الاسْتِدْلَالُ بِفِعْلِ جِبْرِيلَ ﵇ عِنْدَمَا غَسَلَ قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيسَ شَرْعًا لَنَا! فَلَمْ يُرْشِدْ إِلَيهِ نَبِيُّنَا ﷺ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ هَذَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٥١٧)، وَمُسْلِمٌ (١٦٤).
[ ١ / ١٤١ ]