الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مُفِيدٌ لِكِتَابِ (القَوَاعِدُ المُثْلَى فِي صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ الحُسْنَى) لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀؛ قَدْ أَحْبَبْتُ إِثْرَاءِ كِتَابِي هَذَا بِهِ تَتْمِيمًا لِمَادَّةِ الكِتَابِ مِنْ جِهَةِ تَوحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (^١).
قَوَاعِدُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى:
١ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حُسْنَى:
أَي: بَالِغَةٌ فِي الحُسْنِ غَايَتَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠].
مِثَالُ ذَلِكَ: (الحَيُّ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، مُتَضَمِّنٌ لِلحَيَاةِ الكَامِلَةِ الَّتِي لَمْ تُسْبَقْ بِعَدَمٍ، وَلَا يَلْحَقُهَا زَوَالٌ، الحَيَاةُ المُسْتَلْزِمَةُ لِكَمَالِ الصِّفَاتِ مِنَ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَغَيرِهَا.
وَالحُسْنُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ اسْمٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ جَمْعِهِ إِلَى غَيرِهِ، فَيَحْصُلُ بِجَمْعِ الاسْمِ إِلَى الآخَرِ كَمَالٌ فَوقَ كَمَالٍ.
_________________
(١) وَفِيهِ تَصَرُّفٌ وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ، أَمَّا الحَاشِيَةُ فَهِيَ مِنْ خَارِجِ الكِتَابِ الأَصْلِ، أَضَفْتُهَا تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ.
[ ٢ / ١١٣ ]
مِثَالُ ذَلِكَ: (العَزِيزُ الحَكِيمُ)، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَجْمَعُ بَينَهُمَا فِي القُرْآنِ كَثِيرًا، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا دَالًّا عَلَى الكَمَالِ الخَاصِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وَهُوَ العِزَّةُ فِي العَزِيزِ، وَالحِكْمَةُ فِي الحَكِيمِ، وَالجَمْعُ بَينَهُمَا دَالٌّ عَلَى كَمَالٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ عِزَّتَهُ تَعَالَى مَقْرُونَةٌ بِالحِكْمَةِ، فَعِزَّتُهُ لَا تَقْتَضِي ظُلْمًا وَجَورًا كَسُوءِ فِعْلٍ! كَمَا قَدْ يَكُونُ مِنْ أَعِزَّاءِ المَخْلُوقِينَ، فَإِنَّ العَزِيزَ مِنْهُم قَدْ تَأْخُذُهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ فَيَظْلُمُ وَيَجُورُ وَيُسِيءُ التَّصَرُّفَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ تَعَالَى وَحِكْمَتُهُ مَقْرُونَانِ بِالعِزِّ الكَامِلِ بِخِلَافِ حِكْمَةِ المَخْلُوقِ فَإِنَّهَا قَدْ يَعْتَرِيهَا الذُلُّ.
٢ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى أَعْلَامٌ وَأَوصَافٌ:
فَهِيَ أَعْلَامٌ بِاعْتِبَار دِلَالَتِهَا عَلَى الذَّاتِ، وَأَوصَافٌ بِاعْتِبَارِ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ مِنَ المَعَانِي، وَهِيَ بِالاعْتِبَارِ الأَوَّلِ مُتَرَادِفَةٌ لِدِلَالَتِهَا عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ اللهُ ﷿، وَبِالاعْتِبَارِ الثَّانِي مُتَبَايِنَةٌ لِدِلَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَعْنَاهُ الخَاصِّ، فَـ (الحَيُّ، العَلِيمُ، القَدِيرُ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، العَزِيزُ، الحَكِيمُ) كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ اللهُ ﷾، لَكِنَّ مَعْنَى الحَيِّ غَيرُ مَعْنَى العَلِيمِ، وَمَعْنَى العِلِيمِ غَيرُ مَعْنَى القَدِيرِ، وَهَكَذَا.
٣ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى إِنْ دَلَّتْ عَلَى وَصْفٍ مُتَعَدٍّ؛ لَزِمَ إِثْبَاتُهُ، أَي: ثُبُوتُ حُكْمِهِ وَمُقْتَضَاهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: (السَّمِيعُ) يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ السَّمِيعِ اسْمًا للهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتَ السَّمْعِ صِفَةً لَهُ، وَإِثْبَاتَ حُكْمِ ذَلِكَ وَمُقْتَضَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَيضًا السِّرَّ وَالنَّجْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المُجَادِلَة: ١].
[ ٢ / ١١٤ ]
٤ - دِلَالَةُ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ تَكُونُ بِالمُطَابَقَةِ وَبِالتَّضَمُّنِ وَبالالْتِزَامِ:
مِثَالُ ذَلِكَ: (الخَالِقُ) يَدُلُّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ الخَلْقِ بِالمُطَابَقَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَحْدَهَا بِالتَّضَمُّنِ، وَعَلَى صِفَةِ الخَلْقِ وَحْدَهَا أَيضًا بِالتَّضَمُّنِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِفَتَي العِلْمِ وَالقُدْرَةِ بِالالْتِزَامِ، وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللهُ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاق: ١٢].
٥ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفِيَّةٌ لَا مَجَالَ لِلعَقْلِ فِيهَا:
وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ الوُقُوفُ فِيهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ؛ لِأَنَّ العَقْلَ لَا يُمْكِنُهُ إِدْرَاكُ مَا يَسْتَحِقُّهُ تَعَالَى مِنَ الأَسْمَاءِ (^١)، فَوَجَبَ الوُقُوفُ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّصِ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٣٦]، وَقَولِهِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٣٣].
٦ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى غَيرُ مَحْصُورَةٍ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ.
_________________
(١) أَمَّا عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ؛ فَنَعَم، بِخِلَافِ التَّفْصِيلِ وَالاسْتِحْقَاقِ. وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى لِقَومِ مُوسَى الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طَه: ٨٩]. وَأَيضًا قَولُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لِأَبِيهِ ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ [مَرْيَم: ٤٢].
[ ٢ / ١١٥ ]
وَهَذَا لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَو أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ استَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ: أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي» (^١)، وَمَا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِي عِلْمِ الغَيبِ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ حَصْرُهُ وَلَا الإِحَاطَةُ بِهِ (^٢).
وَلَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَعْيِينُ هَذِهِ الأَسْمَاءِ، وَالحَدِيثُ المَرْوِيُّ عَنْهُ فِي تَعْيِينِهَا ضَعِيفٌ (^٣).
٧ - الإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى هُوَ المَيلُ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا. وَهُوَ أَنْوَاعٌ:
الأوَّلُ: أَنْ يُنْكِرَ شَيئًا مِنْهَا أَو مِمَّا دَلَّتْ عَلَيهِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَحْكَامِ، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ التَّعْطِيلُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَغَيرِهِم.
وَإنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِلْحَادًا لِوُجُوبِ الإِيمَانِ بِهَا وَبِمَا دَلَّتْ عَلَيهِ مِنَ الأَحْكَامِ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٧١٢) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٩).
(٢) وَأَمَّا حَدِيثُ: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا »، فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ١٧): "وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَيسَ فِيهِ حَصْرٌ لِأَسْمَائِهِ ﷾، فَلَيسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيسَ لهُ أَسْمَاءٌ غَيرَ هَذِهِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ! وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ: مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ. فَالمُرَادُ الإِخْبَارُ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ بِإِحْصَائِهَا لَا الإِخْبَارُ بِحَصْرِ الأَسْمَاءِ، ولِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَو أنْزَلتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ» ". قُلْتُ: وَكَذَا القَولُ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ (٢٧٩٠) «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ؛ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». يُنْظَرُ كِتَابُ (حَادِي الأَرْوَاحِ) لِابْنِ القَيِّمِ (ص ٦٦).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي بُلُوغِ المَرَامِ (ص ٤١٩): "وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ".
[ ٢ / ١١٦ ]
وَالصِّفاتِ اللَّائِقَةِ بِاللهِ، فَإِنْكَارُ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ مَيلٌ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا (^١).
الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَهَا دَالَّةً عَلَى صِفَاتٍ تُمَاثِلُ صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ -كَمَا فَعَلَ أَهْلُ التَّمْثِيلِ-، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّمْثِيلَ مَعْنَى بَاطِلٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تدُّلَ عَلَيهِ النُّصُوصُ، بَلْ هِيَ دَالَّةٌ عَلَى بُطْلَانِهِ، فَجَعْلُهَا دَالَّةً عَلَيهِ مَيلٌ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا (^٢).
الثَّالِثُ: أَنْ يُسَمِّيَ اللهَ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ، كَتَسْمِيَةِ النَّصَارَى لَهُ: (الأَبَ)! وَتَسْمِيَةِ الفَلَاسِفَةِ إِيَّاهُ: (العِلَّةَ الفَاعِلَةَ)! وَذَلِكَ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفِيَّةٌ، فَتَسْمِيَةُ اللهِ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ مَيلٌ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا، كَمَا أَنَّ هَذِهِ الأَسَمْاءَ نَفْسَهَا الَّتِي سَمَّوهُ بِهَا بَاطِلةٌ يُنَزَّهُ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا (^٣).
الرَّابِعُ: أَنْ يَشْتَقَّ مِنْ أَسْمَائِهِ أَسْمَاءً لِلأَصْنَامِ، كَمَا فَعَلَ المُشْرِكُونَ فِي اشْتِقَاقِ العُزَّى مِنَ العَزِيزِ، وَاشْتِقَاقِ اللَّاتِ مِنَ الإِلَهِ -عَلَى أَحَدِ القَولَينِ- فَسَمَّوا بِهَا أَصْنَامَهُم؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى مُخْتَصَّةٌ بِهِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠] (^٤).
_________________
(١) وَيَدُلُّ عَلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيهِمُ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ مَتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٠].
(٢) وَأَشْهَرُ مَنْ نُسِبَ إِلَى التَّمْثِيلِ مِنَ الطَّوَائِفِ هُمْ قُدَمَاءُ الرَّافِضَةِ، حَيثُ جَعَلُوا اللهَ حَالًّا فِي عَلِيٍّ ﵁. اُنْظُرْ مِنْهَاجَ السُّنَّةِ (٢/ ٢٤٢) لِشَيخِ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٣) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَولُ المُتَصَوِّفَةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى: (هُوَ)، (أَه)!
(٤) قُلْتُ: وَإِنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأخِيرُ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فِيهِ حَصْرُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى فِيهِ سُبْحَانَهُ.
[ ٢ / ١١٧ ]
قَوَاعِدُ فِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى:
١ - صِفَاتُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ؛ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: كَالحَيَاةِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالرَّحْمَةِ وَالعِزَّةِ وَالحِكْمَةِ وَالعُلُوِّ وَالعَظَمَةِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا السَّمْعُ (^١) وَالعَقْلُ وَالفِطْرَةُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠)، وَالمَثَلُ الأَعْلَى هُوَ الوَصْفُ الأَعْلَى.
وَإِذَا كَانَتِ الصِّفَةُ كَمَالًا فِي حَالٍ، وَنَقْصًا فِي حَالٍ؛ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً فِي حَقِّ اللهِ وَلَا مُمْتَنِعَةً عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ، فَلَا تُثْبَتُ لَهُ إِثْبَاتًا مُطْلَقًا، وَلَا تُنْفَى عَنْهُ نَفْيًا مُطْلَقًا بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَتَجُوزُ فِي الحَالِ الَّتِي تَكُونُ كَمَالًا، وَتَمْتَنِعُ فِي الحَالِ الَّتِي تَكُونُ نَقْصًا، وَذَلِكَ كَالمَكْرِ وَالكَيدِ وَالخِدَاعِ وَنَحْوِهَا.
فَهَذِهِ الصِّفَاتُ تَكُونُ كَمَالًا إِذَا كَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يُعَامِلُونَ الفَاعِلَ بِمِثْلِهَا، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهَا قَادِرٌ عَلَى مُقَابَلَةِ عَدُوِّهِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ أَو أَشَدَّ، وَتَكُونُ نَقْصًا فِي غَيرِ هَذِهِ الحَالِ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا اللهُ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يُعَامِلُونَهُ وَرُسَلَهُ بِمِثْلِهَا، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٣٠]، وَقَولِهِ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا * وَأَكِيدُ كَيدًا﴾ [الطّارق: ١٥ - ١٦]، وَقَولِهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٢]، وَقَولِهِ: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ١٤ - ١٥] (^٢).
_________________
(١) أَي الدَّلِيلُ الخَبَريُّ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
(٢) وَأَمَّا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ =
[ ٢ / ١١٨ ]
٢ - بَابُ الصِّفَاتِ أَوسَعُ مِنْ بَابِ الأَسْمَاءِ:
وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ مُتَضَمِّنٌ لِصِفَةٍ -كَمَا سَبَقَ فِي القَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ قَوَاعِدِ الأَسْمَاءِ-، وَلِأَنَّ مِنَ الصِّفَاتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ اللهِ تَعَالَى، وَأَفْعَالُهُ لَا مُنْتَهَى لَهَا.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أَنَّ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى المَجِيءَ وَالإِتْيَانَ وَالأَخْذَ وَالإِمْسَاكَ وَالبَطْشَ إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُحْصَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفَجْر: ٢٢]، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البَقَرَة: ٢١٠]، فَنَصِفُ اللهَ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى الوَجْهِ الوَارِدِ -وَلَا نُسَمِّيهِ بِهَا-، فَلَا نَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ: الجَائِي، وَالآتِي، وَالآخِذِ، وَالمُمْسِكِ، وَالبَاطِشِ، وَالمُرِيدِ، وَالنَّازِلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ وَإِنْ كُنَّا نُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْهُ وَنَصِفُهُ بِهَا (^١).
٣ - صِفَاتُ اللهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ: ثُبُوتِيَّةٍ، وَسَلْبِيَّةٍ [مَنْفِيَّةٍ].
فَالثُبُوتِيَّةُ: مَا أَثْبَتَهُ اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، أَو عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَكُلُّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَالحَيَاةِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ وَالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالوَجْهِ وَاليَدِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ: مَا نَفَاهَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، أَو عَلَى لِسَانِ
_________________
(١) = حَكِيمٌ﴾ [الأَنْفَال: ٧١] فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ خَانَ مَنْ خَانَهُ! فَقَالَ: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: (فَخَانَهُم)! لِأَنَّ الخِيَانَةَ خُدْعَةٌ فِي مَقَامِ الائْتِمَانِ، وَهِيَ صِفَةُ ذمٍّ مُطْلَقًا، وَتَجِدُ بُرْهَانَ ذَلِكَ فِي الحَدِيثِ: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خانَكَ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٥٣٥) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٤٢٣). فَلَمْ يَجُزْ لِلمُؤْمِنِ أَنْ يُقَابِلَ مَنْ خَانَهُ أَوَّلًا بِخِيَانَةٍ مُمَاثِلَةٍ رُغْمَ أَنَّهَا مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ وَلَيسَ الابْتِدَاءِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ صِفَةَ الخِيَانَةِ مَذْمُومَةٌ مُطْلَقًا.
(٢) وَكَذَلِكَ بَابُ الإِخْبَارِ أَوسَعُ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ؛ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَفْعَالِهِ تَعَالَى وَهِيَ لَا مُنْتَهَى لَهَا.
[ ٢ / ١١٩ ]
رَسُولِهِ ﷺ، وَكُلُّهَا صِفَاتُ نَقْصٍ فِي حقِّهِ كَالمَوتِ، وَالنَّومِ، وَالجَهْلِ، وَالنِّسْيَانِ، وَالعَجْزِ، وَالتَّعَبِ.
فَيَجِبُ نَفْيُهَا عَنِ اللهِ تَعَالَى مَعَ إِثْبَاتِ ضِدِّهَا عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا نَفَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ فَالمُرَادُ بِهِ بَيَانُ انْتِفَائِهِ لِثُبُوتِ كَمَالِ ضِدِّهِ؛ لَا لِمُجَرَّدِ نَفْيهِ! لِأَنَّ النَّفْيَ لَيسَ بِكَمَالٍ؛ إِلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مَا يَدُلُّ عَلَى الكَمَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْيَ عَدَمٌ؛ وَالعَدَمُ لَيسَ بشَيءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفُرْقَان: ٥٨]، فَنَفْيُ المَوتِ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ حَيَاتِهِ.
مِثَالٌ ثَانٍ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ٤٩]، فَنَفْيُ الظُلْمِ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ عَدْلِهِ.
مِثَالٌ ثَالِثٌ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فَاطِر: ٤٤]، فَنَفْيُ العَجْزِ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، لِأَنَّ العَجْزَ سَببُهُ إِمَّا الجَهْلُ بِأَسْبَابِ الإِيجَادِ، وَإِمَّا قُصُورُ القُدْرَةِ عَنْهُنَّ، فَلِكَمَالِ عِلْمِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِيُعْجِزَهُ شَيءٌ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ (^١).
٤ - الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ صِفَاتُ مَدْحٍ وَكَمَالٍ، فَكُلَّمَا كَثُرَتْ وَتَنَوَّعَتْ دِلَالَتُهَا ظَهَرَ مِنْ كَمَالِ المَوصُوفِ بِهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ.
_________________
(١) فَائِدَةٌ: الصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ هِيَ الَّتِي تَسْلِبُ عَنِ اللهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَهِيَ خَمْسُ صِفَاتٍ -عَلَى اصْطِلَاحِهِم- وَهِيَ: (البَقَاءُ، القِدَمُ، مُخَالَفَتُهُ لِلحَوَادِثِ، قِيَامُهُ بِنَفْسِهِ، الوَحْدَانِيَّةُ).
[ ٢ / ١٢٠ ]
وَلِهَذَا كَانَتِ الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
أَمَّا الصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ فَلَمْ تُذْكَرْ غَالِبًا إِلَّا فِي الأَحْوَالِ التَّالِيَةِ:
الأُولَى: بَيَانُ عُمُومِ كَمَالِهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِهِ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإِخْلَاص: ٤].
الثَّانِيَةُ: نَفْيُ مَا ادَّعَاهُ فِي حَقِّهِ الكَاذِبُونَ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مَرْيَم: ٩١ - ٩٢].
الثَّالِثَةُ: دَفْعُ تَوَهُّمِ نَقْصٍ مِنْ كَمَالِ اللهِ تَعَالَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ مُعَيَّنٍ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدُّخَان: ٣٨]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] (^١).
٥ - الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ، ذَاتِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ:
فَالذَّاتِيَّةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفًا بِهَا، كَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالعِزَّةِ وَالحِكْمَةِ وَالعُلُوِّ وَالعَظَمَةِ (^٢).
_________________
(١) قُلْتُ: وَالدَّلِيلُ هَذَا صَالِحٌ لِلحَالَينِ الأَخِيرَينِ، كَمَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ٤٠٩) ﵀: "وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَتِ اليَهُودُ -عَلَيهِم لَعَائِنُ اللهِ-: خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَرَاحَ فِي اليَومِ السَّابِعِ -وَهُوَ يَومُ السَّبْتِ-! وَهُم يُسَمُّونَهُ يَومَ الرَّاحَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى تَكْذِيبَهُم فِيمَا قَالُوهُ".
(٢) قُلْتُ: وَهُوَ تَعَالَى مُتّصِفٌ بِهَا دَومًا؛ فَهِيَ غَيرُ مُرْتَبِطَةٍ بِالمَشِيئَةِ كَالصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ تُقْسَمُ أَيضًا إِلَى صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةٍ: كَالعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ وَالحِكْمَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَإِلَى صِفَاٍت خَبَرِيَّةٍ: كَالوَجْهِ وَاليَدَينِ وَالعَينَينِ، وَهَذِهِ الخَبَرِيَّةُ مُسَمَّاهَا بِالنِّسْبَةِ لَنَا أَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ. "وَلَا نَقُولُ: أَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ! بَلْ نَتَحَاشَا هَذَا اللَّفْظَ، لَكِنَّ مُسَمَّاهَا لَنَا أَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ، لِأَنَّ الجُزْءَ وَالبَعْضَ مَا جَازَ انْفِصَالُهُ عَنِ الكُلِّ، فَالرَّبُّ ﷿ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ شَيئًا مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ -كَاليَدِ- أَنْ تَزُولَ أَبَدًا، لِأَنَّهُ مَوصُوفٌ بِهَا أَزَلًا وَأَبَدًا، وَلِهَذَا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ أَبْعَاضٌ وَأَجْزَاءٌ". شَرْحُ الوَاسِطِيةِ لِلْعُثَيمِين (١/ ١١٨).
[ ٢ / ١٢١ ]
وَالفِعْلِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى؛ إِنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْهَا، كَالاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ، وَالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا.
وَقَدْ تَكُونُ الصِّفَةُ ذَاتِيَّةً فِعْلِيَّةً (^١) بِاعْتِبَارَينِ، كَالكَلَامِ؛ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَزْلْ وَلَا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا، وَبِاعْتِبَارِ آحَادِ الكَلَامِ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، لِأَنَّ الكَلَامَ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ بِمَا شَاءَ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يَس: ٨٢]، وَكُلُّ صِفَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِحِكْمَتِهِ، وَقَدْ تَكُونُ الحِكْمَةُ مَعْلُومَةً لَنَا وَقَدْ نَعْجَزُ عَنْ إِدْرَاكِهَا، لَكِنَّنَا نَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَشَاءُ شَيئًا إِلَّا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلحِكْمَةِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإِنْسَان: ٣٠].
٦ - يَلْزَمُ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ التَّخَلِّي عَنْ مَحْذُورَينِ عَظِيمَينِ هُمَا: التَّمْثِيلُ، وَالتَّكْيِيفُ.
فَالتَّمْثِيلُ: هُوَ اعْتِقَادُ المُثْبِتِ أَنَّ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى مُمَاثِلٌ لِصِفَاتِ المَخْلُوقِينَ! وَهَذَا اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ وَالعَقْلِ.
أَمَّا السَّمْعُ: فَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١]، وَقَولُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٥٦]، وَقَولُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإِخْلَاص: ٤].
وَأَمَّا العَقْلُ فَمِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ
_________________
(١) وَتُسَمَّى أَيضًا الصِّفَاتِ الطَارِئَةَ.
[ ٢ / ١٢٢ ]
تَبَايُنًا فِي الذّاتِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بَينَهُمَا تَبَايُنٌ فِي الصِّفَاتِ، وَأَيضًا أَنَّنَا نُشَاهِدُ فِي المَخْلُوقَاتِ مَا يَتَّفِقُ فِي الأَسْمَاءِ وَيَخْتَلِفُ فِي الحَقِيقَةِ وَالكَيفِيَّةِ، فَنُشَاهِدُ أَنَّ لِلإِنْسَانِ يَدًا لَيسَتْ كَيَدِ الفِيلِ، وَلَهُ قُوَّةً لَيسَتْ كَقُوَّةِ الجَمَلِ، مَعَ الاتِّفَاقِ فِي الاسْمِ، فَهَذِهِ يَدٌ وَهَذِهِ يَدٌ، وَهَذِهِ قُوَّةٌ وَهَذِهِ قُوَّةٌ، وَبَينَهُمَا تَبَايُنٌ فِي الكَيفِيَّةِ وَالوَصْفِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الاتّفاقَ فِي الاسْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الاتِّفَاقُ فِي الحَقِيقَةِ.
وَالتَّشْبِيهُ هُوَ كَالتَّمْثِيلِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَينَهُمَا بِأَنَّ التَّمْثِيلَ هُوَ التَّسْوِيَةُ فِي كُلِّ الصِّفَاتِ، وَالتَّشْبِيهَ التَّسْوِيَةُ فِي أَكْثَرِ الصِّفَاتِ، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِنَفْي التَّمْثِيلِ أَولَى لِمُوَافَقَةِ القُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١] (^١).
وَأَمَّا التَّكْيِيفُ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ المُثْبِتُ أَنَّ كَيفِيَّةَ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا! وَهَذَا اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ وَالعَقْلِ.
أَمَّا السَّمْعُ: فَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَه: ١١٠]، وَقَولُهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٣٦]، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَنَا بِكَيفِيَّةِ صِفَاتِ رَبِّنَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَنَا عَنْهَا وَلَمْ يُخْبِرْنَا عَنْ كَيفِيَّتِهَا، فَيَكُونُ تَكْيِيفُنَا لَهَا قَفْوًا لِمَا لَيسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ، وَقولًا بِمَا لَا يُمْكِنُنَا الإِحَاطةُ بِهِ.
_________________
(١) وَلِأَنَّ نَفْيَ التَّشْبِيهِ مُطْلَقًا بَينَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ غَيرُ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الاشْتِرَاكِ فِي أَصْلِ الصِّفَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ، كَصِفَةِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالعِلْمِ وَالحَيَاةِ وَالقُدْرَةِ، وَلَكِنَّ الكَمَالَ فِيهَا هُوَ للهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠]. يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ العُثَيمِين لِسُورَةِ الشُّورَى (ص ١١٣).
[ ٢ / ١٢٣ ]
وَأَمَّا العَقْلُ: فَلِأَنَّ الشَّيءَ لَا تُعْرَفُ كَيفِيَّةُ صِفَاتِهِ إِلَّا بَعْدَ العِلْمِ بِأَحَدِ ثَلَاثٍ: كَيفِيَّةِ ذَاتِهِ، أَو بِنَظِيرِهِ المُسَاوِي لَهُ، أَو بِالخَبَرِ الصَّادِقِ عَنْهُ، وَكُلُّ هَذِهِ الطُّرُقِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ صِفَاتِ اللهِ ﷿؛ فَوَجَبَ بُطْلَانُ تَكْيِيفِهَا.
٧ - صِفَاتُ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفِيَّةٌ لَا مَجَالَ لِلعَقْلِ فِيهَا: فَلَا نُثْبِتُ للهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ إِلَّا مَا دَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى ثُبُوتِهِ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "لَا يُوصَفُ اللهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَو وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، لَا يُتَجَاوَزُ القُرْآنُ وَالحَدِيثُ" (^١).
قَوَاعِدُ فِي أَدِلَّةِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:
١ - الأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ هِيَ: كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ، فَلَا تَثْبُتُ أَسْمَاءُ اللهِ وَصِفَاتُهُ بِغَيرِهِمَا.
وَعَلَى هَذَا فَمَا وَرَدَ إِثْبَاتُهُ للهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ وَجَبُ إِثْبَاتُهُ، وَمَا وَرَدَ نَفْيُهُ فِيهِمَا وَجَبَ نَفْيُهُ -مَعَ إِثْبَاتِ كَمَالِ ضِدِّهِ-، وَمَا لَمْ يَرِدْ إِثْبَاتُهُ وَلَا نَفْيُهُ فِيهِمَا وَجَبَ التَّوقُّفُ فِي لَفْظِهِ فَلَا يُثْبَتُ وَلَا يُنْفَى لِعَدَمِ وُرُودِ الإِثْبَاتِ وَالنَّفْي فِيهِ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فيُفَصَّلُ فِيهِ؛ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ حَقٌّ يَلِيقُ بِالله تَعَالَى فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى لَا يَلِيقُ بِاللهِ ﷿ وَجَبَ رَدُّهُ.
وَمِمَّا لَمْ يَرِدْ إِثْبَاتُهُ وَلَا نَفْيُهُ لَفْظُ الجِهَةِ، فَلَو سَأَلَ سَائِلٌ هَلْ نُثْبِتُ للهِ تَعَالَى جِهَةً؟ قُلْنَا لَهُ: لَفْظُ الجِهَةِ لَمْ يَرِدْ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا، وَيُغْنِي عَنْهُ مَا ثَبَتَ فِيهِمَا
_________________
(١) ذَكَرَهُ أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِيُّ ﵀ (ت ٤٤٩ هـ) فِي كِتَابِهِ: (عَقِيدَةُ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ) (ص ٦٣).
[ ٢ / ١٢٤ ]
مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ (^١).
٢ - الوَاجِبُ فِي نُصُوصِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا دُونَ تَحْرِيفٍ، لَاسِيَّمَا نُصُوصِ الصِّفَاتِ، حَيثَ لَا مَجَالَ لِلرَّأْي فِيهَا.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ: السَّمْعُ، وَالعَقْلُ.
أَمَّا السَّمْعُ: فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٣ - ١٩٥]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ فَهْمِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ؛ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ.
وَقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ عَلَى تَحْرِيفِهِم، فقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَينَا﴾ [النِّسَاء: ٤٦].
وَأَمَّا العَقْلُ: فَلِأَنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ غَيرِهِ، وَقَدْ خَاطَبَنَا بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ؛ فَوَجَبَ قَبُولُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِلَّا لَاخْتَلَفَتِ الآرَاءُ وَتَفَرَّقَتِ الأُمَّةُ.
٣ - ظَوَاهِرُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مَعْلُومةٌ لَنَا بِاعْتِبَارٍ، وَمَجْهُولَةٌ لَنَا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، فَبِاعْتِبَارِ المَعْنَى هِيَ مَعْلُومَةٌ، وَبِاعْتِبَارِ الكَيفِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَيهَا مَجْهُولَةٌ.
٤ - ظَاهِرُ النُّصُوصِ هُوَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا إِلَى الذّهْنِ مِنَ المَعَانِي: وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ السِّيَاقِ وَمَا يُضَافُ إِلَيهِ الكَلَامُ، فَالكَلِمَةُ الوَاحِدَةُ يَكُونُ لَهَا مَعْنًى فِي سِيَاقٍ،
_________________
(١) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ الكَلَامُ عَلَى المَكَانِ، فَلَفْظُهُ لَيسَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَكِنْ نَنْظُرُ إِلَى المَقْصُودِ؛ فَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ نَفْيُ سُؤَالِ أَينَ اللهَ؟ وَأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَوقَ العَرْشِ! فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ أَنَّهُ غَيرُ مَوجُودٍ دَاخِلَ خَلْقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ -أَي: غَيرَ مُحَاطٍ بِالمَخْلُوقَاتِ؛ وَهِيَ الأَمَاكِنُ الَّتِي خَلقَهَا اللهُ- فَهَذَا صَحِيحٌ، فَاللهُ فَوقَ عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ المَكَانِ وَالزَّمَانِ.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وَمَعْنًى آخَرَ فِي سِيَاقٍ آخَرَ، وَتَرْكِيبُ الكَلَامِ يُفِيدُ مَعْنًى عَلَى وَجْهٍ وَمَعْنًى آخَرَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَلَفْظُ (القَرْيَةِ) مَثَلًا يُرَادُ بِهِ القَومُ تَارَةً وَمَسَاكِنُ القَومِ تَارَةً أُخْرَى، فَمِنَ الأَوَّلِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٨]، وَمِنَ الثَّانِي قَولُهُ تَعَالَى عَنِ المَلَائِكَةِ ضَيفِ إِبْرَاهِيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العَنْكَبُوت: ٣٦]، وَتَقُولُ: صَنَعْتُ هَذَا بِيَدِي؛ فَلَا تَكُونُ اليَدُ كَاليَدِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]! لِأَنَّ اليَدَ فِي المِثَالِ أُضِيفَتْ إِلَى المَخْلُوقِ فَتَكُونُ مُنَاسِبَةً لَهُ، وَفِي الآيَةِ أُضِيفَتْ إِلَى الخَالِقِ فَتَكُونُ لَائِقَةً بِهِ، فَلَا أَحَدَ -سَلِيمَ الفِطْرَةِ؛ صَحِيحَ العَقْلِ- يَعْتَقِدُ أَنَّ يَدَ الخَالِقِ كَيَدِ المَخْلُوقِ أَو بِالعَكْسِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَظَاهِرُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ هُوَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا إِلَى الذّهْنِ مِنَ المَعَانِي.
وَهُنَا انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
القِسْمِ الأوَّلِ: هُمْ مَنْ جَعَلُوا الظَّاهِرَ المُتَبَادِرَ مِنْهَا مَعْنًى حَقًّا يَلِيقُ بِاللهِ ﷿، وَأَبْقَوا دِلَالَتَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ السَّلَفُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَالَّذِينَ لَا يَصْدُقُ لَقَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ إِلَّا عَلَيهِم، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيدُ) فَقَالَ: "أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الحَقِيقَةِ لَا عَلَى المَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُم لَا يُكَيِّفُونَ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً.
وَأَمَّا أَهْلُ البِدَعِ وَالجَهْمِيَّةُ وَالمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالخَوَارِجُ فَكُلُّهُم يُنْكِرُها وَلَا يَحْمِلُ
[ ٢ / ١٢٦ ]
شَيئًا مِنْهَا عَلَى الحَقِيقَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أقرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ، وَهُم عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا نَافُونَ لِلمَعْبُودِ!
وَالحَقُّ فِيمَا قَالَهُ القَائِلُونَ بِمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَهُمْ أَئِمَّةُ الجَمَاعَةِ. وَالحَمْدُ للهِ" (^١).
القِسْمِ الثَّانِي: مَنْ جَعَلُوا الظَّاهِرَ المُتَبَادِرَ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مَعْنًى بَاطِلًا لَا يَلِيقُ بِاللهِ، وَهُوَ التَّشْبِيهُ، وَأَبْقَوا دِلَالَتَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ المُشَبِّهَةُ، وَمَذْهَبُهُم بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ، وَيُخَالِفُ مَا فَهِمَهُ السَّلَفُ فيَكُونُ بَاطِلًا.
القِسْمِ الثَّالِثِ: مَنْ جَعَلُوا المَعْنَى المُتَبَادِرَ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مَعْنًى بَاطِلًا لَا يَلِيقُ بِالله وَهُوَ التَّشْبِيهُ، ثُمَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْكَرُوا مَا دَلَّتْ عَلَيهِ مِنَ المَعْنَى، فَهَؤُلَاءِ صَرَفُوا النُّصُوصَ عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَى مَعَانٍ عَيَّنُوهَا بِعُقُولِهِم، وَاضْطَرَبُوا فِي تَعْيِينِهَا اضْطِرَابًا كَثِيرًا، وَسَمَّوا ذَلِكَ تَأْوِيلًا، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ تَحْرِيفٌ، وَمَذْهَبُهُم بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أ- أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى النُّصُوصِ حَيثُ جَعَلُوهَا دَالَّةً عَلَى مَعْنًى بَاطِلٍ غَيرِ لَائِقٍ بِاللهِ وَلَا مُرَادٍ لَهُ.
_________________
(١) التَّمْهِيدُ (٧/ ١٤٥). قُلْتُ: وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٤٠٧): "وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنْ يُونُس بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا، وَمَنْ خَالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيهِ فَقَدَ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْلَ قِيَامِ الحُجَّةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ بِالجَهْلِ، لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُ بِالعَقْلِ وَلَا الرُّؤْيَةِ وَالفِكْرِ، فَنُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيهَ كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ ".
[ ٢ / ١٢٧ ]
ب- أَنَّهُ صَرْفٌ لِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى خَاطَبَ النَّاسَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ؛ لِيَعْقِلُوا الكَلَامَ وَيَفْهَمُوهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا اللِّسَانُ العَرَبِيُّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ خَاطَبَهُم بِأَفْصِحِ لِسَانِ البَشَرِ، فَوَجَبَ حَمْلُ كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ المَفْهُومِ بِذَلِكَ اللِّسَانِ العَرَبِيِّ، غَيرَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُصَانَ عَنِ التَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ فِي حَقِّ اللهِ ﷿.
جـ- أَنَّ صَرْفَ كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى يُخَالِفُهُ! قَولٌ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٣].
فَالصَّارِفُ لِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى يُخَالِفُهُ قَدْ قَفَا مَا لَيسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَقَالَ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَينِ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ لَيسَ المُرَادُ بِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ كَذَا مَعَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الكَلَامِ!
الثَّانِي: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ المُرَادَ بِهِ كَذَا -لِمَعْنًى آخَرَ- لَا يَدُلُّ عَلَيهِ ظَاهِرُ الكَلَامِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَولُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فَإِذَا صَرَفَ الكَلَامَ عَنْ ظَاهِرِهِ؛ وَقَالَ: لَمْ يُرِدْ بِاليَدَينِ اليَدَينِ الحَقِيقِيَّتَينِ! وَإِنَّمَا أَرَادَ كَذَا وَكَذَا! قُلْنَا لَهُ: مَا دَلِيلُكَ عَلَى مَا نَفَيتَ؟ وَمَا دَلِيلُكَ عَلَى مَا أَثْبَتَّ؟ فَإنْ أَتَى بِدَلِيلٍ -وَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ- وَإِلَّا كَانَ قَائِلًا عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ فِي نَفْيِهِ وَإِثْبَاتِهِ.
د- أَنَّ صَرْفَ نُصُوصِ الصِّفَاتِ عَنْ ظَاهِرِهَا مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ
[ ٢ / ١٢٨ ]
وَأَصْحَابُهُ وَسَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا؛ فيَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ الحَقَّ -بِلَا رَيبٍ- فِيمَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَسَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.
هـ- أَنْ يُقالَ لِلمُعَطِّلِ: هَلْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِاللهِ مِنْ نَفْسِهِ؟ فَسَيَقُولُ: لَا.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ صِدْقٌ وَحَقٌّ؟ فَسَيَقُولُ: نَعَم.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ كَلَامًا أَفْصَحَ وَأَبْيَنَ مِنْ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى؟ فَسَيَقُولُ: لَا.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللهَ ﷾ أَرَادَ أَنْ يُعَمِّيَ الحَقَّ عَلَى الخَلْقِ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ لِيَسْتَخْرِجُوهُ بِعُقُولِهِم؟ فَسَيَقُولُ: لَا.
فَيُقَالُ لَهُ: يَلْزَمُ مِمَّا سَبَقَ مِنْ جَوَابِكَ أَنْ تُثْبِتَ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ دُونَ تَعْطِيلٍ مِنْكَ، فَهَذَا أَقْوَمُ لَكَ فِي دِينِكَ، وَأَسْلَمُ لَكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القَصَص: ٦٥].
و- أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّعْطِيلِ -المُسَمَّى عِنْدَهُم: تَأْوِيلًا- لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ؛ أَهَمُّهَا: أَنَّ ظَاهِرَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَشْبِيهٌ لِلخَالِقِ بِالمَخْلُوقِ! وَأَنَّ ظَاهِرَهُمَا كُفْرٌ لَا يَجُوزُ القَولُ بِهِ! وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَعَانِيهَا بَلْ أَوكَلَهَا إِلَى عُقُولِنَا المُتَضَارِبَةِ وَإلى فَهْمِ كُلِّ شَخْصٍ! وَفِيهِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالنَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَعْنَاهَا! وَفِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِالصَّحَابَةِ أَنَّهُم إِمَّا سَكَتُوا عَنِ القَولِ فِيهَا لِجَهْلِهِم بِمَعْنَاهَا؛ أَو عَلِمُوهَا وَكَتَمُوا بَيَانَهَا (^١)!
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٤٢٦): "وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فَلِلنَّاسِ فِي هَذَا المَقَامِ مَقَالَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا لَيسَ هَذَا مَوضِعَ بَسْطِهَا، وَإِنَّمَا نَسْلُكُ فِي هَذَا المَقَام مَذْهَبَ السَّلَفِ الصَّالِح: مَالِكٍ وَالأَوزَاعِيّ وَالثَّورِيّ وَاللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيهِ =
[ ٢ / ١٢٩ ]
ثُمَّ إِنَّ مِنْ أَهْلِ التَّعْطِيلِ مَنْ طَرَّدَ قَاعِدَتَهُ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، أَو تَعَدَّى إِلَى الأَسْمَاءِ أَيضًا، وَمِنْهُم مَنْ تَنَاقَضَ فَأَثْبَتَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْض كَالأَشْعَرِيَّةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ؛ أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتُوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلَيهِ، وَنَفَوا مَا نَفَوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ يَنْفِيهِ أَو لَا يَدُلُّ عَلَيهِ.
فَنَقُولُ لَهُم: نَفْيُكُم لِمَا نَفَيتُمُوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ لَا يَدُلُّ عَلَيهِ؛ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالطَّرِيقِ العَقْلِيِّ الَّذِي أَثْبَتُّمْ بِهِ مَا أَثْبَتُّمُوهُ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُم أَثْبَتُوا صِفَةَ الإِرَادَةِ، وَنَفَوا صِفَةَ الرَّحْمَةِ، فَأَثْبَتُوا صِفَةَ الإِرَادَةِ لِدِلَالَةِ السَّمْعِ وَالعَقْلِ عَلَيهَا.
أَمَّا السَّمْعُ: فَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥)، وَأَمَّا العَقْلُ: فَإِنَّ اخْتِلَافَ المَخْلُوقَاتِ وَتَخْصِيصَ بَعْضِهَا بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ ذَاتٍ أَو وَصْفٍ دَلِيلٌ عَلَى الإِرَادَةِ.
وَنَفَوا الرَّحْمَةَ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ لِينَ الرَّاحِمِ وَرقَّتَهُ لِلمَرْحُومِ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى (^١)! وَأَوَّلُوا الأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ المُثْبِتَةَ لِلرَّحْمَةِ إِلَى الفِعْلِ أَو إِرَادَةِ الفِعْلِ،
_________________
(١) = وَغَيرِهِمْ مِنْ أَئِمَّة المُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ وَهُوَ إِمْرَارهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَير تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ. وَالظَّاهِرُ المُتَبَادِرُ إِلَى أَذْهَانِ المُشَبِّهِينَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُشْبِهُهُ شَيءٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، بَلِ الأَمْرُ كَمَا قَالَ الأَئِمَّةُ مِنْهُمْ نُعَيمُ بْنُ حَمَّادٍ الخُزَاعِيُّ -شَيخُ البُخَارِيِّ- قَالَ: مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ كَفَرَ، وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ الله بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيسَ فِيمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولُهُ تَشْبِيهٌ، فَمَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى مَا وَرَدَتْ بِهِ الآيَاتُ الصَّرِيحَةُ وَالأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ وَنَفَى عَنِ اللهِ تَعَالَى النَّقَائِصَ؛ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الهُدَى".
(٢) كَمَا قَالَ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيق العِيد (ت ٧٠٢ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وغَفَرَ لَهُ -فِي شَرْحِ البَسْمَلَةِ مِنْ مُقَدِّمَةِ =
[ ٢ / ١٣٠ ]
فَفَسَّرُوا الرَّحِيمَ بِالمُنْعِمِ أَو مُرِيدِ الإِنْعَامِ!
فَنَقُولُ لَهُم: الرَّحْمَةُ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى بِالأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَأَدِلَّةُ ثُبُوتِهَا أَكْثَرُ عَدَدًا وَتَنَوُّعًا مِنْ أَدِلَّةِ الإِرَادَةِ، فَقَدْ وَرَدَتْ بِالاسْمِ مِثْلِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفَاتِحَة: ١]، وَالصِّفَةِ مِثْلِ: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكَهْف: ٥٨]، وَالفِعْلِ مِثْلِ: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العَنْكَبُوت: ٢١].
وَيُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا بِالعَقْلِ أَيضًا؛ فَإِنَّ النِّعَمَ الكَثِيرَةَ عَلَى العبَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالنِّقَمَ الَّتِي تُدْفَعُ عَنْهُم فِي كُلِّ حِينٍ دَالَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ الرَّحْمَةِ للهِ ﷿، وَدِلَالَتُهَا عَلَى ذَلِكَ أَبْيَنُ وَأَجْلَى مِنْ دِلَالَةِ الإِرَادَةِ لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ، بِخِلَافِ دِلَالَةِ التَّخْصِيصِ عَلَى الإِرَادَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا لِأَفْرَادٍ مِنَ النَّاسِ.
وَأَمَّا نَفْيُهَا بِحُجَّةِ أَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ اللِّينَ وَالرِّقَةَ؛ فَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ لَو كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً لَأَمْكَنَ نَفْيُ الإِرَادَةِ بِمِثْلِهَا فَيُقَالُ: الإِرَادَةُ: مَيلُ المُرِيدِ إِلَى مَا يَرْجُو بِهِ حُصُولَ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعَ مَضَرَّةٍ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الحَاجَةَ! وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. فَإِنْ أُجِيبَ: بِأَنَّ هَذِهِ إِرَادَةُ المَخْلُوقِ؛ أَمْكَنَ الجَوَابُ بِمِثْلِهِ فِي الرَّحْمَةِ بِأَنَّ الرَّحْمَةَ المُسْتَلْزِمَةَ لِلنَّقْصِ هِيَ رَحْمَةُ المَخْلُوقِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ مَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ سَوَاءً كَانَ تَعْطِيلًا عَامًّا أَو خَاصًّا.
_________________
(١) = النَّوَوِيِّ ﵀ عَلَى الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ- (ص ١١): "وَالرَّحْمَنُ: العَامُّ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ البَرِيَّةِ، وَالرَّحِيمُ: الخَاصُّ الرَّحْمَةِ لِلمُؤْمِنِينَ، وَأَصْلُ (الرَّحْمَةِ) انْعِطَافُ القَلْبِ وَالرِّقَةُ، وَهِيَ فِي حَقِّهِ ﷾ إِرَادَةُ الخَيرِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، أَو تَرْكُ العُقُوبَةِ لِمَنْ يَسْتَوجِبُهَا"!
[ ٢ / ١٣١ ]
- شُبَهٌ وَجَوَابُهَا:
زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ صَرَفُوا بَعْضَ النُّصُوصِ عَنْ ظَاهِرِهَا! وَذَلِكَ مُلْزِمٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ بِالمُوَافَقَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ أَوِ المُدَاهَنَةِ فِيهِ، وَقَالُوا: كَيفَ تُنْكِرُونَ عَلَينَا تَأْوِيلَ مَا أَوَّلْنَاهُ مَعَ ارْتِكَابِكُم لِمِثْلِهِ فِيمَا أَولَّتُمُوهُ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
الأَوَّلُ: جَوَابٌ مُجْمَلٌ:
أ- لَا نُسلِّمُ أَنَّ تَفْسِيرَ السَّلَفِ لَهَا هُوَ صَرْفٌ لَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، فَإِنَّ ظَاهِرَ الكَلَامِ هُوَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنَ المَعْنَى، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ السِّيَاقِ وَمَا يُضَافُ إِلَيهِ الكَلَامُ، فَإِنَّ الأَلْفَاظَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهَا بِحَسْبِ تَرْكِيبِ الكَلَامِ، وَالكَلَامُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَلْفَاظٍ وَجُمَلٍ يَظْهَرُ مَعْنَاهَا وَيَتَعَيَّنُ بِضَمِّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ.
ب- أَنَّنَا لَو سَلَّمْنَا أَنَّ تَفْسِيرَهُم صَرْفٌ لَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا؛ فَإِنَّ لَهُم فِي ذَلِكَ دَلِيلًا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ إِمَّا مُتَّصِلًا وَإِمَّا مُنْفَصِلًا، وَلَيسَ لِمُجَرَّدِ شُبُهَاتٍ يَزْعُمُهَا الصَّارِفُ بَرَاهِينَ وَقَطْعِيَّاتٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى نَفْي مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ أَو عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ!
الثَّانِي: جَوَابٌ مُفَصَّلٌ، وَلنُمَثِّلْ بِالأَمْثِلَةِ التَّالِيَةِ:
١ - فَنَبْدَأُ بِمَا حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ (^١) عَنْ بَعْضِ الحَنَابِلَةِ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَتَأَوَّلْ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: «الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ»،
_________________
(١) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (١/ ١٠٣).
[ ٢ / ١٣٢ ]
وَ«إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينِ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»، وَ«إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ».
وَالجَوَابُ:
أ- إِنَّ هَذِهِ الحِكَايَةَ كَذِبٌ عَلَى أَحْمَدَ ﵀، نَقَلَهَا عَنِ الغَزَالِيِّ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ مِنْ مَجْمُوعِ الفَتَاوَى، وَقَالَ: "هَذِهِ الحِكَايَةُ كَذِبٌ عَلَى أَحْمَدَ" (^١).
ب- حَدِيثُ: «الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ». الحَدِيثُ مُنْكَرٌ (^٢).
جـ) حَدِيثُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينِ إصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
وَالجَوَابُ عَنْهُ: قَدْ أَخَذَ السَّلَفُ أَهْلُ السُّنَّةِ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ وَقَالُوا: إِنَّ للهِ تَعَالَى أَصَابِعَ حَقِيقَةً نُثْبِتُهَا لَهُ كَمَا أَثْبتَها لَهُ رَسُولُهُ ﷺ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ قُلُوبِ بَنِي آدَمَ بَينَ إِصْبَعِينِ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُمَاسَةً لَهَا حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الحَدِيثَ مُوهِمٌ لِلحُلُولِ؛ فَيَجِبُ صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ! فَهَذَا السَّحَابُ مُسَخَّرٌ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ لَا يَمَسُّ السَّمَاءَ وَلَا الأَرْضَ.
وَيُقَالُ: بَدْرٌ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ رُغْمَ تَبَاعُدِ مَا بَينَهَا وَبَينَهُمَا، فَقُلُوبُ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا
_________________
(١) مَجْمُوع الفَتَاوَى (٥/ ٣٩٨).
(٢) قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ مُتَعَقِّبًا عَلَى السُّيُوطِيِّ حَيثُ أَورَدَهُ فِي الجَامِعِ مِنْ رِوَايَةِ الخَطِيبِ وَابْنِ عَسَاكِرَ: "قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ؛ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيهِ". فَيضُ القَدِيرِ (٣/ ٤٠٩).
(٣) مُسْلِمٌ (٢٦٥٤) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ١٣٣ ]
بَينَ إِصْبَعِينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ حَقِيقَةً، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُمَاسَةٌ وَلَا حُلُولٌ.
د- حديث: «إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ» (^١).
وَالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالنَّفَسُ هُنَا هُوَ مِنَ التَّنْفِيسِ وَهُوَ التَّفْرِيجُ، وَلَيسَتِ النَّفْسُ بِمَعْنَى الذَّاتِ!
قَالَ الأَزْهَرِيُّ فِي (تَهْذِيبِ اللُّغَةِ): "النَّفَسُ فِي هَذينِ الحَدِيثَينِ اسْمٌ وُضِعَ مَوضِعَ المَصْدَرِ الحَقِيقِيِّ مِنْ (نَفَّسَ يُنَفِّسُ تَنْفِيسًا وَنَفَسًا) كَمَا يُقَالُ: فَرَّجَ يُفَرِّجُ تَفْرِيجًا وَفَرَجًا، كَأَنَّهُ قَالَ: أَجِدُ تَنْفِيسَ ربِّكُم مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ، لِأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ نَصَرَهُم بِهِم وَأَيَّدَهُم بِرِجَالِهِم" (^٢).
٢ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٩] (^٣): إِنَّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَفْسِيرِهَا قَولَانِ:
أ- أَنَّهَا بِمَعْنَى: ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ -بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الخِلَافَ-: "وَأَولَى المَعَانِي بِقَولِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ عَلَا عَلَيهِنَّ وَارْتَفَعَ؛ فَدَبَّرَهُنَّ بِقُدْرَتِهِ وَخَلَقَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ" (^٤).
وَقَالَ البَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: "هُوَ قَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرِ مُفَسِّرِي السَّلَفِ، وَذَلِكَ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٧/ ٥٢) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيلٍ السَّكُونِيِّ مَرْفُوعًا، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ أَوَّلًا، ثُمَّ وَجَدَ لَهُ شَاهِدًا فَصَحَّحَهُ فِي الصَّحِيحَةِ (٣٣٦٧).
(٢) تَهْذِيبُ اللُّغَةِ (٩/ ١٣).
(٣) وَالمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِهَا الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مِنَ السَّلَفِ مَنْ أَوَّلَها بِالقَصْدِ وَلَيسَ بِالعُلُوِّ.
(٤) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١/ ٤٣٠).
[ ٢ / ١٣٤ ]
تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ لَفْظِ (اسْتَوَى)، وَتَفْوِيضًا لِعِلْمِ كَيفِيَّةِ هَذَا الارْتِفَاعِ إِلَى اللهِ ﷿" (^١).
ب- أَنَّ الاسْتِوَاءَ هُنَا بِمَعْنَى القَصْدِ التَّامِ، وَإِلى هَذَا القَولِ ذَهَبَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَالبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ فُصِّلَت.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "أَي: قَصَدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَالاسْتِوَاءُ هَاهُنَا ضُمِّنَ مَعْنَى القَصْدِ وَالإِقْبَالِ؛ لِأَنَّهُ عُدِّيَ بِإلَى" (^٢).
وَقَالَ البَغَوِيُّ: "أَي: عَمَدَ إِلَى خَلْقِ السَّمَاءِ" (^٣).
وَهَذَا القَولُ لَيسَ صَرْفًا لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِه، وَذَلِكَ لِأَنَّ الفِعْلَ (اسْتَوَى) اقْتَرَنَ بِحَرْفٍ يَدُلُّ عَلَى الغَايَةِ وَالانْتِهَاءِ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَعْنًى يُنَاسِبُ الحَرْفَ المُقْتِرِنَ بِهِ (^٤).
_________________
(١) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (١/ ٧٨).
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٢١٣).
(٣) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٧/ ١٦٥).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: "وَأَمَّا نَزْعُ -مَنْ نَزَعَ مِنْهُمْ- بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَاقِدٍ الوَاسِطِيُّ عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طَه: ٥]: (اسْتَولَى) عَلَى جَمِيعِ بَرِيَّتِهِ؛ فَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ! فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَنَقَلَتُهُ مَجْهُولُونَ ضُعَفَاءُ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ فَضَعِيفَانِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ، وَهُمْ لَا يَقْبَلُونَ أَخْبَارَ الْآحَادِ الْعُدُولِ؛ فَكَيفَ يَسُوغُ لَهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ لَوْ عَقِلُوا أَوْ أَنْصَفُوا؟! أَمَا سَمِعُوا اللَّهَ ﷿ حَيثُ يَقُولُ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ يَقُولُ: "إِلَهِي فِي السَّمَاءِ" وَفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كَاذِبًا! ". التَّمْهِيدُ (٧/ ١٣٢). وَرَاجِعْ إِثْبَاتَ سَقْطِ كَلِمَةِ "اسْتَولَى" فِي نَقْلِ ابْنِ القَيِّمِ لِنَفْسِ المَوْضِعِ مِنَ التَّمْهِيدِ فِي كِتَابِهِ (اجْتِمَاعُ الجُيُوشِ الإِسْلَامِيَّةِ) (٢/ ١٤٦)، وَكَذَا فِي كِتَابِ (العَرْشِ) لِلذَّهَبِيِّ (١/ ١٩٧).
[ ٢ / ١٣٥ ]
٣ - أَمَّا عَدَمُ مُنَافَاةِ العُلُوِّ لِلمَعِيَّةِ (^١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحَدِيد: ٤]، وَقَولِهِ: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾ [المُجَادِلَة: ٤].
فَالجَوَابُ: أَنَّ الكَلَامَ فِي هَاتَينِ الآيَتِينِ حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ، وَلَكِنْ مَا حَقِيقَتُهُ وَظَاهِرُهُ؟
هَلْ يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ وَحَقِيقَتَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَعَ خَلْقِهِ مَعِيَّةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُخْتَلِطًا بِهِم! أَو حَالًّا فِي أَمْكِنَتِهِم؟!
أَو يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ وَحَقِيقَتَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَعَ خَلْقِهِ مَعِيَّةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهِم عِلْمًا وَقُدْرَةً وَسَمْعًا وَبَصَرًا وَتَدْبِيرًا وَسُلْطَانًا وَغَيرَ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبيَّتِهِ مَعَ عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ فَوقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ؟
لَا رَيبَ أَنَّ القَولَ الأوَّلَ لَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ المَعِيَّةَ هُنَا أُضِيفَتْ إِلَى اللهِ ﷿ وَهُوَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ شَيءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ! وَلِأَنَّ المَعِيَّةَ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا القُرْآنُ لَا تَسْتَلْزِمُ الاخْتِلَاطَ أَوِ المُصَاحَبَةَ فِي المَكَانِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ المُصَاحَبَةِ، ثُمَّ تُفَسَّرُ فِي كُلِّ مَوضِعٍ بِحَسْبِهِ (^٢).
_________________
(١) عِنْدَ مَنْ يَسْتَشْكِلُ كَونَهُ سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاءِ وَأَيضًا أَنَّهُ مَعَ عِبَادِهِ!
(٢) قُلْتُ: وَمِنْ أَمْثِلَةِ أَنَّ المَعِيَّةَ فِي اللُّغَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الحُلُولُ فِي المَكَانِ قَولُكَ: سِرْتُ مَعَ القَمَر، وَأَيضًا لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الاخْتِلَاطُ كَقَولِكَ: زَوجَتِي مَعِي. قَالَ الإِمَامُ؛ حَافِظُ الأَنْدَلُسِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: "وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأَنَّ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ حَمَلْتُ عَنْهُمُ التَّأْوِيلَ فِي القُرْآنِ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: هُوَ عَلَى العَرْشِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَا خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ". =
[ ٢ / ١٣٦ ]
وَتَفْسِيرُ مَعِيَّةِ اللهِ تَعَالَى لِخَلْقِهِ بِمَا يَقْتَضِي الحُلُولَ وَالاخْتِلَاطَ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْهَا:
أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، فَمَا فَسَّرَهَا أَحَدٌ مِنْهُم بِذَلِكَ؛ بَلْ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى إِنْكارِهِ.
وَأَيضًا أَنَّهُ مُنَافٍ لِعُلُوِّ اللهِ تَعَالَى الثَّابِتِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالعَقْلِ وَالفِطْرةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ.
فَإِذَا تَبيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا القَولِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الحَقُّ هُوَ القَولُ الثَّانِي؛ وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَعَ خَلْقِهِ مَعِيَّةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهِم -عِلْمًا وَقُدْرَةً وَسَمْعًا وَبَصَرًا وَتَدْبِيرًا وَسُلْطَانًا وَغَيرَ ذَلِكَ- مِمَّا تَقْتَضِيهِ رُبُوبِيَّتُهُ مَعَ عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ فَوقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الآيَتِينِ بِلَا رَيبٍ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ ﵀ فِي (الفَتْوَى الحَمَوِيَّةِ): "ثُمَّ هَذِهِ المَعِيَّةُ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِحَسَبِ المَوَارِدِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلَى قَولِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ دَلَّ ظَاهِرُ الخِطَابِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ المَعِيَّةِ وَمُقْتَضَاهَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيكُمْ؛ شَهِيدٌ عَلَيكُمْ وَمُهَيمِنٌ عَالِمٌ بِكُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَولِ السَّلَفِ: إنَّهُ مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الخِطَابِ وَحَقِيقَتُهُ، وَكَذَلِكَ فِي قَولِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلَى قَولِهِ: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾ الآيَة، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِهِ فِي الغَارِ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ كَانَ هَذَا أَيضًا حَقًّا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَدَلَّتِ الحَالُ عَلَى أَنَّ
_________________
(١) = التَّمْهِيدُ (٧/ ١٣٨). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: "وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وَغَيرُهُ إِجْمَاعَ العُلَمَاءِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي تَأْوِيلِ قَولِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ أَنَّ المُرَادَ: عِلْمُهُ، وَكُلُّ هَذَا قَصَدُوا بِهِ رَدَّ قَولِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ". فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (٢/ ٣٣٢).
[ ٢ / ١٣٧ ]
حُكْمَ هَذِهِ المَعِيَّةِ هُنَا مَعِيَّةُ الِاطِّلَاعِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ" (^١).
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيسَ مُقْتَضَاهَا أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الرَّبِّ ﷿ مُخْتَلِطَةً بِالخَلْقِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٤]. فَيَكُونُ ظَاهِرُ الآيَةِ أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ المَعِيَّةِ عِلْمُهُ بِعِبَادِهِ، وَبَصَرُهُ بِأَعْمَالِهِم -مَعَ عُلُوِّهِ عَلَيهِم، وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ-؛ لَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُخْتَلِطٌ بِهِم! وَلَا أَنَّهُ مَعَهُم فِي الأَرْضِ! وَإِلَّا لَكَانَ آخِرُ الآيَةِ مُنَاقِضًا لِأَوَّلِهَا الدَّالِّ عَلَى عُلُوِّهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ.
فَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ مُقْتَضَى كَونِهِ تَعَالَى مَعَ عِبَادِهِ: أَنَّهُ يَعْلَمُ أَحْوَالَهُم، وَيَسْمَعُ أَقْوَالَهُم، وَيَرَى أَفْعَالَهُم، وَيُدَبِّرُ شُؤُونَهُم؛ فَيُحِيِي وُيُمِيتُ، وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ، وَيُؤْتِي المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ؛ إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ رُبُوبيَّتُهُ وَكَمَالُ سُلْطَانِهِ؛ لَا يَحْجُبُهُ عَنْ خَلْقِهِ شَيءٌ، ومِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ مَعَ خَلْقِهِ حَقِيقَةً وَلَو كَانَ فَوقَهُم عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً.
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ: لَو فُرِضَ امْتِنَاعُ اجْتِمَاعِ المَعِيَّةِ وَالعُلوِّ فِي حَقِّ المَخْلُوقِ؛ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فِي حَقِّ الخَالِقِ الَّذِي جَمَعَ لِنَفْسِهِ بَينَهُمَا، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُمَاثِلُهُ شَيءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الذَّارِيَات: ١١] (^٢).
_________________
(١) الفَتْوَى الحَمَوِيَّةُ (ص ٥٢١).
(٢) وَلَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ المُعَطِّلَةِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَانٍ بِالآيَةِ الكَرِيْمَةِ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحَدِيْد: ٤] وَذَلِكَ لِأَنَّ الآيَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى المَعِيَّةِ لِلأَشْخَاصِ فَقَط؛ وَلَيْسَ لِعُمُوْمِ الأَمْكِنَةِ، فَتَنَبَّهْ. وَبِاللهِ التَّوْفِيْقُ.
[ ٢ / ١٣٨ ]
٤ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ - ١٨] حَيثُ فُسِّرَ القُرْبُ فِيهِمَا بِقُرْبِ المَلَائِكَةِ!
وَالجَوَابُ: إِنَّ تَفْسِيرَ القُرْبِ فِيهِمَا بِقُرْبِ المَلَائِكَةِ لَيسَ صَرْفًا لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ، فَإِنَّ القُرْبَ مُقَيَّدٌ فِيهَا بِالمَلَائِكَةِ حَيثُ قَالَ: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِهِ قُرْبُ المَلَكَينِ المُتَلَقِيِينِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا أَضَافَ اللهُ القُرْبَ إِلَيهِ، وَهَلْ جَاءَ نَحْو هَذَا التَّعْبِيرِ مُرَادًا بِهِ المَلَائِكَةُ؟
فَالجَوَابُ: أَضَافَ اللهُ تَعَالَى قُرْبَ المَلَائِكَةِ إِلَيهِ؛ لِأَنَّ قُرْبَهُم تَمَّ بِأَمْرِهِ، وَهُمْ جُنُودُهُ وَرُسُلُهُ، وَقَدْ جَاءَ نَحْو هَذَا التَّعْبِيرِ مُرَادًا بِهِ المَلَائِكَةُ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القِيَامَة: ١٨] فَإِنَّ المُرَادَ بِهِ قِرَاءَةُ جِبْرِيلَ القُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَضَافَ القِرَاءَةَ إِلَيهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ جِبْرِيلُ يَقْرَأُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى صَحَّتْ إِضَافَةُ القِرَاءَةِ إِلَيهِ تَعَالَى.
وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُود: ٧٤] وَإِبْرَاهِيمُ إِنَّمَا كَانَ يُجَادِلُ المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ رُسُلُ اللهِ تَعَالَى.
٥) قَولُهُ تَعَالَى عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القَمَر: ١٤]، وَقَولُهُ لِمُوسَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي﴾ [طَه: ٣٩].
[ ٢ / ١٣٩ ]
وَالجَوَابُ: إِنَّ المَعْنَى فِي هَاتَينِ الآيَتِينِ عَلَى ظَاهِرِ الكَلَامِ وَحَقِيقَتِهِ، لَكِنْ مَا ظَاهِرُ الكَلَامِ وَحَقِيقتُهُ هُنَا؟ هَلْ يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ وَحَقِيقَتَهُ أَنَّ السَّفِينَةَ تَجْرِي فِي عَينِ اللهِ؛ أَو أَنَّ مُوسَى ﵊ يَرْبَى فَوقَ عَينِ اللهِ تَعَالَى؟!!
أَو يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ السَّفِينَةَ تَجْرِي وَعَينُ اللهِ تَرْعَاهَا وَتَكْلَؤُهَا، وَكَذَلِكَ تَرْبِيَةُ مُوسَى تَكُونُ عَلَى عَينِ اللهِ تَعَالَى يَرْعَاهُ وَيَكْلَؤُهُ بِهَا، وَلَا رَيبَ أَنَّ القَولَ الأَوَّلَ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَينِ:
أ- أَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ الكَلَامُ بِمُقْتَضَى الخِطَابِ العَرَبِيِّ، وَالقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يُوسُف: ٢] وَلَا أَحَدَ يَفْهَمُ مِنْ قَولِ القَائِلِ: فُلَانٌ يَسِيرُ بِعَينِي أَنَّ المَعْنَى أَنَّهُ يَسِيرُ دَاخِلَ عَينِهِ، وَلَا مِنْ قَولِ القَائِلِ: فُلَانٌ تَخَرَّجَ عَلَى عَينِي؛ أَنَّ تَخَرُّجَهُ كَانَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى عَينِهِ، وَلَو ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي هَذَا الخِطَابِ لَضَحِكَ مِنْهُ السُّفَهَاءُ فَضْلًا عَنِ العُقَلَاءِ (^١).
ب- أَنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ غَايَةَ الامْتِنَاعِ، وَلَا يُمْكِنُ لِمَنْ عَرَفَ اللهَ وَقَدَّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ أَنْ يَفْهَمَهُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا يَحُلُّ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا هُوَ حَالٌّ فِي شَيءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ﷾.
فَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا مِنَ النَّاحِيَةِ اللَّفْظِيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الكَلَامِ هُوَ القَولُ الثَّانِي؛ أَنَّ السَّفِينَةَ تَجْرِي وَعَينُ اللهِ تَرْعَاهَا وَتَكْلَؤُهَا، وَكَذَلِكَ تَرْبِيَةُ مُوسَى تَكُونُ عَلَى عَينِ اللهِ يَرْعَاهُ وَيَكْلَؤُهُ بِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَولِ بَعْضِ السَّلَفِ: بِمَرْأًى مِنِّي،
_________________
(١) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَولُ: إِنَّكَ تَحْتَ عَينِي، وَفُلَانٌ تَخَرَّجَ مِنْ تَحْتِ يَدِي، وَفُلَانٌ يَدِي اليُمْنَى وَ… مِمَّا مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ مَفْهُومٌ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ.
[ ٢ / ١٤٠ ]
فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا كَانَ يَكْلَؤُهُ بِعَينِهِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَرَاهُ (^١).
٦ - قَولُهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ». صَحِيح البُخَارِيِّ (^٢).
وَقَدْ أَخَذَ السَّلَفُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ وَأَقَرُّوهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَكِنْ مَا ظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ؟ هَلْ يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَكُونُ سَمْعَ الوَلِيِّ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ؟! أَو يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَدِّدُ الوَلِيَّ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ بِحَيثُ يَكُونُ إِدْرَاكُهُ وَعَمَلُهُ للهِ وَبِاللهِ وَفِي اللهِ؟
وَلَا رَيبَ أَنَّ القَولَ الأَوَّلَ لَيسَ هُوَ ظَاهِرُ الكَلَامِ؛ بَلْ وَلَا يَقْتَضِيهِ الكَلَامُ لِمَنْ تَدَبَّرَ الحَدِيثَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ …»، وَقَالَ: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ» فَأَثْبَتَ عَبْدًا وَمَعْبُودًا، وَمُتَقَرِّبًا وَمُتَقَرَّبًا إِلَيهِ، وَمُحِبًّا وَمَحْبُوبًا، وَسَائِلًا وَمَسْئُولًا، وَمُعْطِيًا وَمُعْطًى، وَمُسْتَعِيذًا وَمُسْتَعَاذًا بِهِ، فَسِيَاقُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى اثْنَينِ مُتَبَايِنَينِ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيرُ الآخَرِ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ القَولِ الأَوَّلِ وَامْتِنَاعُهُ تَعَيَّنَ القَولُ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الحَدِيثِ؛ حَيثُ جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الإِثَابَةِ وَالإِعَانَةِ، وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَدِّدُ هَذَا
_________________
(١) قُلْتُ: وَوَجْهُ كَونِ العَينِ هِيَ الَّتِي تَرْعَاهُ دُونَ الوَجْهِ أَوِ اليَدِ أَو … هُوَ لِأَنَّ العَينَ تُفِيدُ الاطِّلَاعَ وَالمُرَاقَبَةَ وَالإِحَاطَةَ مِمَّا يُنَاسِبُ الحِفْظَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
(٢) البُخَارِيُّ (٦٥٠٢)، وَفِي الحَدِيثِ كَلَامٌ، رَاجِعِ الصَّحِيحَةَ (١٦٤٠).
[ ٢ / ١٤١ ]
الوَلِيَّ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَمَلِهِ، وَهَذَا مَا فَسَّرَهُ بِهِ السَّلَفُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَمُوَافِقٌ لِحَقِيقَتِهِ وَمُتَعَيِّنٌ بِسِيَاقِهِ، وَلَيسَ فِيهِ تَأْوِيلٌ وَلَا صَرْفٌ لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ (^١) (^٢).
- بَيَانُ أَدِلَّةِ العُلُوِّ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالعَقْلِ وَالفِطْرَةِ وَالإِجْمَاعِ:
١ - أَمَّا دِلَالَةُ الكِتَابِ، فَقَدْ تَنَوَّعَتْ دِلَالتُهُ عَلَى ذَلِكَ:
أ- تَارَةً بِلَفْظِ العُلُوِّ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]،
وَالفَوقِيَّةِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأَنْعَام: ١٨]،
وَالاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طَه: ٥]،
_________________
(١) أَفَادَهُ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (المُجَلَّى فِي شَرْحِ القَوَاعِدِ المُثْلَى) (ص ٢٨٤) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَولُ القَائِلِ: اسْتَعْمِلْنِي عَلَى كَذَا؛ أَكُنْ يَدَكَ اليُمْنَى، فَمَا هُوَ ظاهِرُ هَذَا الكَلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِ العَالِمِ أَوِ العَامِيِّ؟؟.
(٢) وَفِي الجَوَابِ عَنِ الحَدِيث أَقْوَالٌ أُخْرُ؛ مِنْهَا: إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا كَانَ وَلِيًّا للهِ ﷿ حَفِظَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ وَ…، فَلَا يَسْتَخْدِمُهَا إِلَّا فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ٣٤٤): "وَقَالَ الطُّوفِيُّ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ -مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَولِهِم- أَنَّ هَذَا مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ العَبْدِ وَتَأْيِيدِهِ وَإِعَانَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الآلَاتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا". قُلْتُ: وَهَذَا المَعْنَى حَقٌّ، لَكِنْ لَيسَ فِي الحَدِيثِ مَجَازٌ حَتَّى يُذْهَبَ بِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ، فَالحَدِيثُ ظَاهِرُهُ هُوَ هَذَا المَعْنَى نَفْسُهُ. أَمَّا (الطُّوفِيُّ) هَذَا؛ فَلَعَلَّهُ هُوَ سُلَيمَانُ بْنُ عَبْدِ القَوِيِّ الطُّوفِيُّ الصَّرْصَرِيُّ؛ أَبُو الرَّبِيعِ؛ نَجْمُ الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧١٦ هـ)، وَلَهُ شَرْحُ عَلَى الأَرْبَعِين. اُنْظُرْ كِتَابَ (ذَيلُ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ) لِلحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀ (٤/ ٤٠٤).
[ ٢ / ١٤٢ ]
وَكَونِهِ فِي السَّمَاءِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [المُلْك: ١٦] (^١) (^٢).
ب- وَتَارَةً بِلَفْظِ صُعُودِ الأَشْيَاءِ وَعُرُوجِهَا وَرَفْعِهَا إِلَيهِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فَاطِر: ١٠]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾ [المَعَارِج: ٤]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٥٥].
ج- وَتَارَةً بِلَفْظِ نُزُولِ الأَشْيَاءِ مِنْهُ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النَّحْل: ١٠٢]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السَّجْدَة: ٥] (^٣)
_________________
(١) قَالَ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ (٢/ ٣٢٤): "بَابُ قَولِ اللهِ ﷿: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [المُلْك: ١٦] قَالَ الشَّيخُ أَبُو بَكْرٍ؛ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ الفَقِيهُ: قَدْ تَضَعُ العَرَبُ (فِي) بِمَوضِعِ (عَلَى)، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التَّوبَة: ٢] وَقَالَ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَه: ٧١] وَمَعْنَاهُ: عَلَى الأَرْضِ وَعَلَى النَّخْلِ، فَكَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أَي: عَلَى العَرْشِ فَوقَ السَّمَاءِ".
(٢) وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ المَقْصُودَ فِي الآيَةِ الأَخِيرَةِ المَلَائِكَةَ! فَيُرَدُّ عَلَيهِ مِنْ وَجْهَينِ: أ- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّحْل: ٤٥] حَيثُ بَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الفَاعِلُ سُبْحَانَهُ لِلخَسْفِ وَلَيسَ المَلَائِكَةَ. ب- أَنَّهَا عَلَى فَرْضِ كَونِ المَقْصُودِ بِهَا المَلَائِكَةُ، فَنَقُولُ قَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ المَلَائِكَةَ عِنْدَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى كَونِهِ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٠٦].
(٣) قُلْتُ: وَأَمَّا اعْتِرَاضُ بَعْضِهِم بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ إِنْزَالَ الحَدِيدِ وَالأَنْعَامِ وَالمَطَرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِثْلُ إِنْزَالِ القَرْآنِ؛ فَهِيَ لَا تَدُلُّ عَلَى العُلُوِّ! فَالجَوَابُ: إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الإِنْزَالَ -فِي القُرْآنِ- عَلَى ثَلَاثِةِ أَشْكَالٍ: =
[ ٢ / ١٤٣ ]
(^١).
_________________
(١) = أ- إِنْزَالٍ مُطْلَقٌ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحَدِيد: ٢٥] فَأَطْلَقَ الإِنْزَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَبْدأَهُ، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزُّمَر: ٦]. ب- الإِنْزَالِ مِنَ السَّمَاءِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفُرْقَان: ٤٨]. ج- إِنْزَالٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، كَقَولِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزُّمَر: ١]، وَقَولِهِ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النَّحْل: ١٠٢]، وَقَالَ أَيضًا: ﴿وَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١١٤]. فَهَذَا الإِنْزَالُ مِنْ عِنْدِهِ خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِالقُرْآنِ خِلَافًا لِمَا سَبَقَ مِنَ الأَنْوَاعِ، فَلَا تَصِحُّ مُعَارَضَتُهُ بِمَا سَبَقَ مِنَ الأَمْثِلَةِ وَالحَمْدُ للهِ. اُنْظرْ كِتَابَ (الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةَ النَّجْدِيَّةِ) (٣/ ٣٧٧).
(٢) قُلْتُ: وَأَيضًا هُنَاكَ أَوجُهٌ أُخَرُ، مِنْهَا: أ- الإِخْبَارُ عَنِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ قَولِ فِرْعَونَ لِهَامَانَ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غَافِر: ٣٦ - ٣٧]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢١/ ٣٨٧): "وَقَولُهُ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يَقُولُ: وَإِنِّي لَأَظُنُّ مُوسَى كَاذِبًا فِيمَا يَقُولُ وَيَدَّعِي مِنْ أَنَّ لَهُ فِي السَّمَاءِ؛ رَبًّا أَرْسَلَهُ إِلَينَا". قَالَ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٢٨٧) -بَعْدَ إِيرَادِ وَجْهِ الدِّلَالَةِ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ-: "فَمَنْ نَفَى العُلُوَّ مِنَ الجَهْمِيَّةِ فَهُوَ فِرْعَونِيٌّ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ فَهُوَ مُوسَوِيٌّ مُحَمَّدِيٌّ". ب- الإِخْبَارُ بِـ (عِنْدَ) حَيثُ عُلِمَ أَنَّ المَلَائِكَةَ فِي السَّمَاءِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٩]. وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٠٦]. ج- تَشْبِيهُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ (٨٠٦)، فَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُمَارُونَ فِي القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ لَيسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ، …». فَالتَّشْبِيهُ فِي الرُّؤْيَةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ=
[ ٢ / ١٤٤ ]
٢ - أَمَّا السُّنَّةُ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيهِ بِأَنْوَاعِهَا القَولِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ وَالإِقْرَارِيَّةِ، وَفِي أَحَادِيثَ كَثِيرْةٍ تَبْلُغُ حَدَّ التَّوَاتُرِ، وَعَلَى وُجُوهٍ مُتَنَوِّعَةٍ:
أ- قَولِيَّةٍ: كَقَولِهِ ﷺ فِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» (^١)، وَقَولِهِ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ؛ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (^٢)، وَقَولِهِ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (^٣).
ب- فِعْلِيَّةٍ: أَنَّهُ رَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَومَ عَرَفَة حِينَ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» (^٤).
ج- إِقْرَارِيَّةٍ: أَنَّهُ قَالَ لِلجَارِيَةِ: «أَينَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَأَقَرَّهَا، وَقَالَ لِسَيِّدِهَا: «اعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (^٥) (^٦).
_________________
(١) = جَوَانِبَ هِيَ: الوُضُوحُ لِلرَّائِي (لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ)، العُلُوُّ لِلمَرْئِيِّ (عُلُوُّ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ)، النَّظَرُ إِلَى العُلُوِّ (النَّظَرُ إِلَى السَّمَاءِ).
(٢) مُسْلِمٌ (٧٧٢) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٤٠٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٥١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٣٥١)، وَمُسْلِمٌ (١٠٦٤) عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا.
(٥) مُسْلِمٌ (١٢١٨) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.
(٦) مُسْلِمٌ (٥٧١) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَميِّ مَرْفُوعًا.
(٧) وَهُوَ سُؤَالُ امْتِحَانٍ لِلإِيمَانِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الرِّسَالَةُ (ص ٧٥): "فَلَو آمَنَ عَبْدٌ بِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بَرَسُولِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيهِ اسْمُ كَمَالِ الإِيمَانِ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِرَسُولِهِ مَعَهُ، وَهَكَذَا سَنَّ رَسُولُهُ فِي كُلِّ مَنْ امْتَحَنَهُ لِلإِيمَانِ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الحَكَمِ قَالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللهِ بِجَارِيَةٍ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: عَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأُعْتِقُها؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: «أَينَ اللهُ؟» فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَقَالَ: «وَمَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا» ".
[ ٢ / ١٤٥ ]
٣ - أَمَّا العَقْلُ: فَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ صِفَةِ الكَمَالِ للهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقْصِ، وَالعُلُوُّ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالسُّفْلُ نَقْصٌ، فَوَجَبَ للهِ تَعَالَى صِفَةُ العُلُوِّ وَتَنْزِيهُهُ عَنْ ضِدِّهَا (^١).
٤ - أَمَّا الفِطْرَةُ: فَقَدْ دَلَّتْ عَلَى عُلُوِّ اللهِ تَعَالَى دِلَالَةً ضَرُورِيَّةً فِطْرِيَّةً؛ فَمَا مِنْ دَاعٍ أَو خَائِفٍ فَزِعَ إِلَى ربِّه تَعَالَى إِلَّا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ ضَرُورَةَ الاتِّجَاهِ نَحْوَ العُلُوِّ لَا يَلْتَفِتُ عَنْ ذَلِكَ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً.
وَاسْأَلِ المُصَلِّينَ؛ يَقُولُ الوَاحِدُ مِنْهُم فِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَاُنْظُرْ أَينَ تَتَّجِهُ قُلُوبُهُم حِينَذَاكَ؟ (^٢) (^٣)
_________________
(١) وَتَأَمَّلِ السُّفْلَ وَالأَسْفَلَ فِي النُّصُوصِ القُرْآنيِّةِ لِتَرَى بُرْهَانَ ذَلِكَ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٨/ ٤٧٤) -عِنْدَ تَرْجَمَةِ إِمَامِ الحَرَمَينِ أَبِي المَعَالِي الجُوَينِيِّ-: "قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: حَضَرَ المُحَدِّثُ أَبُو جَعْفَرٍ الهَمَذَانِيُّ فِي مَجْلِسَ وَعْظِ أَبِي المَعَالِي، فَقَالَ: كَانَ اللهُ وَلَا عَرْشَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: أَخْبِرْنَا يَا أَسْتَاذُ عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا، مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ: يَا اللهُ! إِلَّا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ! وَلَا يَلتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً! فَكَيفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ أَنْفُسنَا؟ -أَو قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكَ دَوَاءٌ لِدَفْعِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجدُهَا؟ - فَقَالَ: يَا حَبِيبِي! مَا ثَمَّ إِلَّا الحَيرَةَ، وَلَطَمَ عَلَى رَأْسِهِ، وَنَزَلَ، وَبَقِيَ وَقْتًا عَجِيب، وَقَالَ فِيمَا بَعْد: حَيَّرَنِي الهَمَذَانِيُّ". قُلْتُ: وَأمَّا مَا نقَلَهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ٢٤) -عَنْ بَعْضِهِم عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ الجَارِيَةِ- قَولَهُ: "لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدَّاعِينَ، كَمَا أَنَّ الكَعْبَة قِبْلَةُ المُصَلِّينَ" مُرِيدًا بِذَلِكَ مُعَارَضَةَ الجَوَابِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ! فَهُوَ كَلَامٌ هَزِيلٌ مَرْدُودٌ، وَهُزَالَهُ يَأْتِي مِنْ إِخْرَاجِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ظَاهِرِهِ مَعَ أَنَّ المَقَامَ خَطِيرٌ جَلِيلٌ فِيهِ إِخْبَارٌ عَنِ الرَّبِّ تَعَالَى فِيمَا ظَاهِرُهُ كُفْرٌ عِنْدَهُم!! وَلَو تَسَامَحْنَا بِمِثْلِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتَ فِي العَقِيدَةِ؛ فَمَاذَا يَسْلَمُ لَنَا مِنْ دِينِنَا؟ وَاللهُ المُوَفِّقُ وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.
(٣) وَفِي كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٩/ ١٢٦)؛ قَالَ ﵀: "بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾ وَقَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِأَخِيهِ: اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، يُقَالُ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ المَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللهِ". قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٤٤٣): "وَمَقْصُودُهُ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ عُلُوَّ اللهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ أَمْرٌ مَفْطُورٌ عَلَيهِ الخَلْقُ، وَمَعْلُومٌ بِالعَقْلِ، وَالوَحْيُ جَاءَ مُؤَيِّدًا لِذَلِكَ، وَمُوَضِّحًا لَهُ". قُلْتُ: وَكَانَ مِنْ أَيمَانِ العَرَبِ قَولُهُم: "لَا وَالَّذِي يَرَانِي مِنْ فَوقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ". أَفَادَهُ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٤٦٣)، وَعَزَاهُ هُنَاكَ إِلَى كِتَابِ (أَيمَانُ العَرَبِ) (ص ١٥) لِلنُّجِيرَمِيِّ.
[ ٢ / ١٤٦ ]
٥ - أَمَّا الإِجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَوقَ سَمَاوَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَكَلَامُهُم مَشْهُورٌ فِي ذَلِكَ نَصًّا وَظَاهِرًا، قَالَ الأَوزَاعِيُّ: "كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونُ نَقُولُ: إِنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ، وَنُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ صِفَاتِهِ" (^١) (^٢).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٤٠٦): "أَخْرَجَهُ البَيهَقِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ".
(٢) قُلْتُ: وَلَو رُحْتَ تَسْأَلُ اليَومَ بَعْضَ الأَشَاعِرَةِ وَأَمْثَالَهُم: أَينَ اللهُ؟ فَلَعَلَّكَ لَا تَجِدُ عِنْدَهُم جَوَابًا! وَبَعْضُهُم يُنْكِرُ هَذَا السُّؤَالَ أَصْلًا! وَبَعْضُهُم يَقُولُ: نُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوجُودٌ وَيَكْفِينَا! وَبَعْضُهُم -وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَمْثَلِهِم طَرِيقَةً- يَقُولُ: "اللهُ لَا فَوقَ وَلَا تَحْتَ، وَلَا يَمِينَ وَلَا يَسَارَ، وَلَا أَمَامَ وَلَا خَلَفَ، وَلَا دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ"! كَذَا فِي حَاشِيَةِ البَيجُورِيّ عَلَى (الجَوهَرَةِ) صَفْحَة (٥٨). وَيُنْظَرُ مُقَدِّمَةُ الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ عَلَى مُخْتَصَرِ العُلُوِّ (ص ٥٤).
[ ٢ / ١٤٧ ]
- حُكْمُ مُنْكِرِ الصِّفَاتِ:
يَجِبُ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَى المُسْلِمِ بِكُفْرٍ أَو فِسْقٍ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَمْرَينِ:
١ - دِلَالَةِ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا القَولَ أَوِ الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلكُفْرِ أَوِ الفِسْقِ.
٢ - انْطِبَاقِ هَذَا الحُكْمِ عَلَى القَائِلِ المُعَيَّنِ أَوِ الفَاعِلِ المُعَيَّنِ؛ بِحَيثُ تَتِمُ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ أَوِ التَّفْسِيقِ فِي حَقِّهِ وَتَنْتَفِي المَوَانِعُ.
وَمِنْ أَهَمِّ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمُخَالَفَتِهِ الَّتِي أَوجَبَتْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَو فَاسِقًا؛ وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النِّسَاء: ١١٥]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التَّوبَة: ١١٥].
وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: لَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الفَرَائِضِ إِذَا كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ.
وَمِنَ المَوَانِعِ أَنْ يَقَعَ مَا يُوجِبُ الكُفْرَ أَوِ الفِسْقَ بِغَيرِ إِرَادَةٍ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ:
مِنْهَا: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَيَفْعَلَهُ لِدَاعِي الإِكْرَاهِ لَا اطْمِئْنَانًا بِهِ، فَلَا يَكْفُرُ حِينَئِذٍ؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦].
وَمِنْهَا: أَنْ يُغْلَقَ عَلَيهِ فِكْرُهُ؛ فَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَو حُزْنٍ أَو خَوفٍ أَو
[ ٢ / ١٤٨ ]
نَحْوِ ذَلِكَ، كَالحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ قَولُ الرَّجُلِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ»! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (^٢): "هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا -وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي- أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ؛ إِلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى وَعَاصِيًا أُخْرَى. وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَطَأَهَا، وَذَلِكَ يَعُمُّ الخَطَأَ فِي المَسَائِلِ الخَبَرِيَّةِ القَولِيَّةِ (^٣) وَالمَسَائِلِ العَمَلِيَّةِ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ المَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ".
وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَن َّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ القَولِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أَيضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَينَ الإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ.
وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الأُصُولِ الكِبَارِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ
_________________
(١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ -وَعَلَيهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ- فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَينَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ». صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢٧٤٧).
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣/ ٢٢٩).
(٣) أَي: الاعْتِقَادِيَّة.
[ ٢ / ١٤٩ ]
الوَعِيدِ؛ فَإِنَّ نُصُوصَ القُرْآنِ فِي الوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ كَقَولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: (مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا)؛ فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَولِ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ: (مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا)، ثُمَّ الشَّخْصُ المُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الوَعِيدِ فِيهِ بِتَوبَةٍ أَو حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَو مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَو شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنَ الوَعِيدِ، فَإِنَّهُ -وَإِنْ كَانَ القَولُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ- لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ أَو نَشَأَ بِبَادِيَةِ بَعِيدَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيهِ الحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَو سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَو عَارَضَهَا عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ أَوجَبَ تَأْوِيلَهَا -وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا-، وَكُنْت دَائِمًا أَذْكُرُ الحَدِيثَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَينِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ: «إذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي اليَمِّ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ. فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ اللهُ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ». فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ وَفِي إعَادَتِهِ إذَا ذُرِّيَ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ! وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ.
وَالمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ؛ الحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ أَولَى بِالمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا".
وَبِهَذَا عُلِمَ الفَرْقُ بَينَ القَولِ وَالقَائِلِ، وَبَينَ الفِعْلِ وَالفَاعِلِ، فَلَيسَ كُلُّ قَولٍ أَو فِعْلٍ -يَكُون فِسْقًا أَو كُفْرًا يُحْكَمُ عَلَى قَائِلِهِ أَو فَاعِلِهِ بِذَلِكَ، لَكِنْ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيرِ الإِسْلَامِ أُعْطِيَ أَحْكَامَ الكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا، ومَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ فَأَصَرَّ عَلَى مُخَالَفَتِهِ تَبَعًا
[ ٢ / ١٥٠ ]
لِاعْتِقَادٍ كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَو مَتْبُوعٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَو دُنْيَا كَانَ يُؤْثِرُهَا؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ المُخَالَفَةُ مِنْ كُفْرٍ أَو فُسُوقٍ (^١) (^٢).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٤/ ٣٧٤): "قَالَ أَبُو الوَلِيدِ؛ حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَقِيهُ: سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيمَةَ يَقُولُ: القُرْآنُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ! فَهُوَ كَافِرٌ؛ يُسْتَتَابُ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِلَ، وَلَا يُدفَنُ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ. وَلابْنِ خُزَيمَةَ عَظَمَةٌ فِي النُّفُوسِ، وَجَلَالَةٌ فِي القُلُوبِ لِعِلْمِهِ وَدِينِهِ وَاتِّبَاعِهِ السُّنَّةَ، وَكِتَابُهُ فِي (التَّوحِيدِ) مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ الصُّورَةِ، فَلْيَعْذُرْ مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ، وَأَمَّا السَّلَفُ فَمَا خَاضُوا فِي التَّأْوِيلِ، بَلْ آمَنُوا وَكَفُّوا، وَفَوَّضُوا عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ. وَلَو أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ -مَعَ صِحَّةِ إِيمَانِهِ وَتَوَخِّيهِ لِاتِّبَاعِ الحَقِّ- أَهْدَرْنَاهُ وَبَدَّعنَاهُ! لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَنَا، رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ". قُلْتُ: وَمَقْصُودُهُ أَنَّ ابْنَ خُزَيمَةَ نَفْسَهُ هُوَ أَيضًا تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ؛ لِذَلِكَ فَلْيَعْذُرْ غَيرَهُ أَيضًا.
(٢) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ انْظُرْ مَسْأَلَةَ (شُرُوطِ التَّكْفِيرِ) فِي شَرْحِ بَابِ (مَنْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَو تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ؛ فَقَدْ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا مَنْ دُونِ اللهِ).
[ ٢ / ١٥١ ]