وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ مَتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٠].
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ؛ قَالَ عَلِيٌّ: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟!) (^١).
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا انْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصِّفَاتِ -اسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ-، فَقَالَ: (مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ!) (^٢).
وَلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الرَّحْمَنَ أَنْكَرُوا ذَلِكَ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرَّعْد: ٣٠] (^٣).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٢٧) عَنْ عَلِيٍّ مَوقُوفًا، وَلَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَفِي كَشْفِ الخَفَاءِ لِلعَجْلُونِيِّ ﵀ (١/ ٤٠٥) أَنَّ المَرْفُوعَ مِنْهُ مَوضُوعٌ.
(٢) رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٢٣٩)، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ (٤٨٥)، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الظِّلَالِ (٤٨٥)، وَأَيضًا صَحَّحَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٧/ ٢٣٢).
(٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ بِنَحْوهِ (١٦/ ٤٤٥).
[ ٢ / ٨٧ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: عَدَمُ الإِيمَانِ بِجَحْدِ شَيءٍ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الرَّعْدِ.
الثَّالِثَةُ: تَرَكُ التَّحْدِيثِ بِمَا لَا يَفْهَمُ السَّامِعُ.
الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ العِلَّةِ؛ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَكْذِيبِ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ وَلَو لَمْ يَتَعَمَّدِ المُنْكِرُ.
الخَامِسَةُ: كَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَنِ اسْتَنْكَرَ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ؛ وَأَنَّهُ أَهْلَكَهُ.
[ ٢ / ٨٨ ]
الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّ جَحْدَ شَيءٍ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (^١) هُوَ مِنْ خِصَالِ الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ (^٢).
وَالجُحُودُ: هُوَ الإِنْكَارُ مَعَ العِلْمِ.
٢ - أَنَّ مِنْ بَرَاهِينِ تَوحِيدِ العِبَادَةِ تَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ التَّوحِيدِ، وَإنَّ جَحْدَ شَيءٍ مِنْهَا مُنَافٍ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ (^٣).
_________________
(١) أَي: مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ.
(٢) وَهَذَا الإِنْكَارُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الجُحُودِ مِنْهُم وَلَيسَ الجَهْلِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] فَصِفَةُ الرَّحْمَنِ مَعْرُوفَةٌ نِسْبَتُهَا إِلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَشْعَارٌ مِنْ أَشْعَارِ الجَاهِلِيَّةِ أَيضًا فِيهَا ذِكْرُ الرَّحْمَنِ وَالإِقْرَارِ بِهِ وتَسميَتِهِ سُبْحَانَهُ بِهِ، كَمَا فِي لِسَانِ العَرَبِ (٦/ ٢١٤) نَقْلًا عَنِ امْرِئِ القَيسِ (ت ٨٠ ق. هـ): "تِلْكَ السَّحَابُ إِذَا الرَّحْمَنُ أَنْشَأَهَا … رَوَّى بِهَا مِنْ مَحُولِ الأَرْضِ أَنْفَاسًا". وَ(المَحْلُ): الجُوعُ الشَّدِيدُ؛ كَمَا في لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ٦١٦). قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١/ ١٣١): "وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الغَبَاءِ أَنَّ العَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ (الرَّحْمَنَ)؛ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي لُغَتِهَا! "
(٣) وَتَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ هُوَ النَّوعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوحِيدِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ دَاخِلٌ فِي تَوحِيدِ الرُّبُوبيَّةِ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا بَعْضُ العُلماءِ يُجْمِلُ وَيَجْعَلُ التَّوحِيدَ نَوعَينِ: تَوحِيدًا فِي المَعْرِفَةِ وَالإِثْبَاتِ؛ وَهُوَ تَوحِيدُ الرُّبُوبيَّةِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَهُوَ التَّوحِيدُ العِلْمِيُّ الخَبَرِيُّ. وَتَوحِيدًا فِي الطًّلبِ وَالقَصْدِ؛ وَهُوَ التَّوحِيدُ العَمَلِيُّ الطَّلَبِيُّ، وَهُوَ تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ. وَلَكِنْ لَمَّا وُجِدَتْ طَوَائِفُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ افْتَرَقَتْ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَصَارَ لَهَا رَأْيٌ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ تُخَالِفُ بِهِ الحَقَّ؛ جُعِلَ هَذَا قِسْمًا ثَالِثًا مِنْ أَجْلِ الرَّدِّ عَلَيهِم وَبَيَانِهِ لِلنَّاسِ.
[ ٢ / ٨٩ ]
فَنَفْيُ الصِّفَاتِ تَعْطِيلٌ، وَتَمَامُ التَّعْطِيلِ نَفيُ وُجُودِ الرَّبِّ أَصْلًا! لِأَنَّ عَدَمَ الصِّفَاتِ عَدَمٌ لِلمَوصُوفِ، فَكُلُّ مَا لَا صِفَةَ لَهُ؛ عَدَمٌ.
قَالَ نُعَيمُ بْنَ حَمَّادٍ: "أَنَا كُنْتُ جَهْمِيًّا؛ فَلِذَلِكَ عَرَفْتُ كَلَامَهُم، فَلَمَّا طَلَبْتُ الحَدِيثَ؛ عَرَفتُ أَنَّ أَمرَهُم يَرْجِعُ إِلَى التَّعْطِيلِ" (^١).
- إنَّ الإِيمَانَ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَمَعْرِفَةَ آثَارِهِمَا فِي مَلَكوتِ اللهِ تَعَالَى يُقُوَيَّانِ اليَقِينَ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَهُمَا سَبَبَانِ لِمَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى وَلِمَا يَنْتُجُ عَنْهُمَا مِنَ المَحَبَّةِ وَالخَشيَةِ وَالتَّقوى وَالعَمَلِ.
- الظَّاهِرُ مِنْ إِيرَادِ المُصَنِّفِ ﵀ لِلآيَةِ الكَرِيمَةِ هُوَ بَيَانُ أَنَّ عَدَمَ الإِقْرَارِ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ هُوَ كُفْرٌ بِاللهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَورَدَ بَعْدَهَا أَثَرَ عَلِيٍّ ﵁ لِبَيَانِ أَنَّ
_________________
(١) اُنْظُرْ سِيَرَ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٠/ ٥٩٧) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀ عِنْدَ تَرْجَمَةِ نُعَيمِ بْنِ حَمَّادٍ -وَهُوَ شَيخُ البُخَارِيِّ- (ت ٢٢٩ هـ). وَأَورَدَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ أَيضًا فِي السِّيَرِ (٢١/ ٣٧٦) -عِنْدَ تَرْجَمَةِ أَبِي الفَرَجِ ابْنِ الجَوزِيِّ، (ت ٥٩٧ هـ) - قَولَهُ ﵀: "أَهْلُ الكَلَامِ يَقُولُونَ: مَا فِي السَّمَاءِ رَبٌّ! وَلَا فِي المُصْحَفِ قُرْآنٌ! وَلَا فِي القَبْرِ نَبِيٌّ! ثَلَاثُ عَورَاتٍ لَكُم". وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ (١/ ١٤٨): "المُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا، وَالمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صَنَمًا، وَالمُوَحِّدُ يَعْبُدُ رَبًّا لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ؛ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى وَالصِّفَاتُ العُلَى". وَقَالَ ابْنُ خُزَيمَةَ ﵀ فِي كِتَابِهِ التَّوحِيدُ (١/ ١١): "أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ مِنْ ذِكْرِ صِفَاتِ خَالِقِنَا: ذِكْرُ نَفْسِهِ؛ جَلَّ رَبُّنَا عَنْ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ كَنَفْسِ خَلْقِهِ، وَعَزَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا لَا نَفْسَ لَهُ"! قُلْتُ: وَهَذَا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ النَّفْسَ صِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلَيسَتْ نَفْسَهَا الذَّاتُ.
[ ٢ / ٩٠ ]
الوَاجِبَ عَلَى الدَّاعِي أَنْ لَا يُحَدِّثَ النَّاسَ بِمَا لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُهُم؛ لِأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ الكُفْرِ سَبَبُهُ تَحْدِيثُ السَّامِعِ بِمَا لَا يَعْقِلُ، ثُمَّ أَورَدَ بَعْدَهَا أَثَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ لِبَيَانِ أَنَّ الوَاجِبَ عَلَى المُسْتَمِعِ أَنْ يُسَلِّمَ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَرُدَّ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ لِجَهْلِهِ بِحَقِيقَتِهَا! فَرَحِمَهُ اللهُ مَا أَفْقَهَهُ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ المُرَادُ أَنَّهُم يَكْفُرُونَ بِهَذَا الاسْمِ لَا بالمُسَمَّى؛ فَهُم يُقرِّونَ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لُقْمَان: ٢٥].
- (الرَّحْمَنُ): اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ جَحَدَهُ المُشْرِكُونَ وَلَمْ يُقِرُّوا بِهِ (^١)، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى جُحُودَهُم هَذَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفُرْقَان: ٦٠].
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإِسْرَاء: ١١٠] (^٢).
_________________
(١) وَجَحْدُهُم هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٢٨): "يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ لِلَّهِ ﷿؛ المَانِعِينَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالرَّحْمَنِ: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أَي: لَا فَرْقَ بَينَ دُعَائِكُمْ لَهُ بِاسْمِ (اللَّهِ) أَو بِاسْمِ (الرَّحْمَنِ) فَإِنَّهُ ذُو الأَسْمَاءِ الحُسْنَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٤]. وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «يَا رَحْمَنُ يَا =
[ ٢ / ٩١ ]
﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [المُلْك: ٢٩].
﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٦] (^١) (^٢).
- قَالَ البَغَويُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَابْنُ جُرَيجٍ: الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الحُدَيبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ سُهَيلَ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابَ الصُّلْحِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: «اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قَالُوا: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا صَاحِبَ اليَمَامَةِ -يَعْنُونَ مُسَيلِمَةَ الكَذَّابَ-! اكْتُبْ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَهَذَا مَعْنَى قَولِهِ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ " (^٣).
- إَنَّ تَأْوِيلَ المُعطِّلَةِ لِصَفَةِ الرَّحْمَةِ أَخْطَرُ مِنْ جَحْدِ المُشْرِكِينَ لِاسْمِ الرَّحْمَنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ المُشْرِكِينَ أَنْكَرُوا الاسْمَ فَقَطْ وَلَمْ يُنْكِروا المَعْنَى؛ بِخِلَافِ المُعَطِّلَةِ فَهُم أَنْكَرُوا المَعْنَى -وَإِنْ أَثْبَتُوا الاسْمَ-، وَلَا يَخْفَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنَ الاسْمِ مَعْنَاهُ وَلَيسَ
_________________
(١) = رَحِيمُ»، فَقَالَ: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَدْعُو وَاحِدًا؛ وَهُوَ يَدْعُو اثْنَينِ! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ". قُلْتُ: وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عَنْهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٣٦٠): "رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوِيه بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ".
(٢) قَالَ البَغَويُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ٣١٨): "وَذَلِكَ أَنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا مُسَيلِمَةَ"!
(٣) وَقَدْ أَوَّلَ هَذِهِ الصِّفَةَ الأَشَاعِرَةُ وَلَمْ يُثْبِتُوا مَعْنَاهَا للهِ تَعَالَى؛ فَجَعَلُوهَا دَالَّةً عَلَى الضَّعْفِ وَاللِّينِ! وَسَيَأْتِي الكَلَامُ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ.
(٤) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٤/ ٣١٨).
[ ٢ / ٩٢ ]
مُجَرَّدَ لَفْظِهِ! فَأَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى أَعْلَامٌ وَأَوصَافٌ (^١).
- الجَحْدُ: هُوَ الإِنْكَارُ، وَالإِنْكَارُ نَوعَانِ:
١ - إِنْكَارُ تَكْذِيبٍ: وَهَذَا كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، فَلَو أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ أَو صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ الثَّابِتَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَيسَ للهِ يَدٌ، أَو أَنَّ اللهَ لَمْ يَسْتَوِ عَلَى عَرْشِهِ، أَو لَيسَ لَهُ عَينٌ! فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ.
٢ - إِنْكَارُ تَأْوِيلٍ: وَهُوَ أَنْ لَا يُنْكِرَهَا وَلَكِنْ يَتَأَوَّلُهَا إِلَى مَعْنًى يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا؛ فَهَذَا نَوعَانِ:
أ- أَنْ يَكُونَ لِلتَّأْوِيلِ مُسَوِّغٌ فِي اللُّغَةِ العَرَبيَّةِ؛ فَهَذَا لَا يُوجِبُ الكُفْرَ -وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ-.
ب- أَنْ لَا يَكُونَ لهُ مُسَوِّغٌ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ فَهَذَا حُكْمُهُ الكُفْرُ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُسَوِّغٌ؛ صَارَ فِي الحَقِيقَةِ تَكْذِيبًا! مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: المُرَادُ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القَمَر: ١٤] أَي: تَجْرِي بِأَرَاضِينَا! فَهَذَا كَافِرٌ لِأَنَّه نَفَاهَا نَفْيًا مُطْلَقًا، فَهُوَ مُكَذِّبٌ.
وَلَو قَالَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المَائِدَة: ٦٤] المُرَادُ بِيَدَيهِ: السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ! فَهُوَ كُفْرٌ أَيضًا؛ لِأَنَّه لَا مُسَوِّغَ لَهُ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لَكِنْ إِنْ قَالَ: المُرَادُ بِاليَدِ: النِّعْمَةُ أَوِ القُوَّةُ؛ فَلَا يَكْفُرُ، لِأَنَّ اللُّغَةَ تَحْتَمِلُهَا (^٢).
_________________
(١) بِتَصَرُّفٍ مِنْ شَرِحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ مَنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٨٩).
(٢) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ١٨٣). وَقَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَمَّا إِذَا وَقَعَ إِنْسَانٌ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَأَنْكَرَ مَثَلًا أَنْ يَكُونَ اللهُ مَوصُوفًا بِالرَّحْمَةِ أَو مَوصُوفًا بِالعُلُوِّ أَو مَوصُوفًا بِأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا أَو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ يَكُونُ =
[ ٢ / ٩٣ ]
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَيهِ مَتَابِ﴾ أَي: وَإِلَيهِ مَرْجِعِي وَأَوبَتِي (^١).
وَالتَّوبَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا للهِ هِيَ تَوبَةُ العِبَادَةِ -كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ-، وَأَمَّا التَّوبَةُ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ؛ فَإِنَّهَا تَكُونُ لَهُ وَلِغَيرِهِ، وَمِنْهُ قَولُ عَائِشَةَ ﵂ حِينَ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَجَدَ نُمْرُقَةً (وِسَادَةً) فِيهَا صُوَرٌ؛ فَوَقَفَ بِالبَابِ وَلَمْ يَدْخُلْ، فَقَالَتْ: (أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) (^٢) (^٣).
- قَولُ عَليٍّ ﵁: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ)، أَي: بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفُوهُ وَتَبْلُغُهُ عُقُولُهُم حَتَّى لَا يُفْتَنُوا بِهِ، كَمَا فِي الأَثَرِ الآخَرِ: (مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَومًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُم إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِم فِتْنَةً) (^٤)، وَقَدْ بَوَّبَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحِ عَلَى أَثَرِ عَلِيٍّ ﵁ فِي كِتَابِ العِلْمِ بِقَولِهِ: "بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَومًا دُونَ قَومٍ كَرَاهِيَةَ أَلَّا يَفْهَمُوا".
_________________
(١) = عِنْدَهُ شُبَهٌ، فَيَجِبُ أَنْ تُزَالَ الشُّبَهُ عَنْهُ، فَإِذَا أُزِيلَتِ الشُّبَهُ عَنْهُ وَأَصَرَّ عَلَى الإِنْكَارِ فَلَهُ حُكْمٌ آخَر، غَيرَ أًنَّنَا نَقُولُ: إنَّ فِعْلَكَ أَو قَولَكَ هَذَا كُفْرٌ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ وأَقَرَّ بِهِ يَكُونُ كَافِرًا، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ". مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (١٠٣)، شَرْحُ البَابِ.
(٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٦/ ٤٤٥).
(٣) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي البُخَارِيِّ (٥٩٥٧) عَنْ عَائِشَةَ؛ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؛ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» قُلْتُ: اشْتَرَيتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَصْحَابِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَومَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ؛ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». وَقَالَ: «إِنَّ البيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ».
(٤) أَي: أَرْجِعُ إِلَى مَا يُرِيدُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيضًا حِينَ يَضْرِبُ الوَالِدُ ابْنَهُ لِسُوءِ أَدَبِهِ؛ فَيَقُولُ الابْنُ: أَتُوبُ.
(٥) مُسْلِمٌ (١/ ١١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا، بَابُ النَّهْي عَنِ الحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
[ ٢ / ٩٤ ]
وَلِهَذَا كَانَ مِنَ الحِكْمَةِ فِي الدَّعْوَةِ أَلَّا تُبَاغِتَ النَّاسَ بِمَا لَا يُمْكِنُهم إِدْرَاكُهُ! بل تَدْعُوهُم رُوَيدًا رُوَيدًا حَتَّى تَسْتَقِرَ عُقُولُهُم (^١).
وَفِي الأَثَرِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ تَحَدِيثِ النَّاسِ بَمَا لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُهُم، وَمِنْ ذَلِكَ التَّفَاصِيلُ وَالتَّوَسُّعُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِنْكَارِهَا -وَهُوَ كُفْرٌ بِهَا- وَذَلِكَ يُنَافِي تَوحِيدَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
وَدَلَّ الأَثَرُ أَيضًا عَلَى أَنَّ بَعْضَ العِلْمِ لَا يَصْلُحُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
- قَولُهُ: (بِمَا يَعْرِفُونَ): لَيسَ مَعْنَاهُ بِمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ قَبْلُ! لِأَنَّ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ مِنْ قَبْلُ يَكُونُ التَّحَدِيثُ بِهِ مِنْ تَحْصِيلِ الحَاصِلِ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ بِمَا يُدْرِكُونَ بِعُقُولِهِم، لِأَنَّ السَّامِعَ لِمَا لَمْ يَفْهَمْهُ يَعْتَقدُ اسْتِحَالَتَه -جَهْلًا- فَلَا يَعْرِفُ وُجُودَهُ؛ فَيَلْزَمُ التَّكْذِيبَ.
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (٢/ ١٩٣): "وَمِثْلُ ذَلِكَ: العَمَلُ بِالسُّنَّةِ الَّتِي لَا يَعْتَادُهَا النَّاسُ وَيَسْتَنْكِرُونَهَا، فَإِنَّنَا نَعْمَلُ بِهَا لَكِنْ بَعْدَ أَنْ نُخْبِرَهُم بِهَا، حَتَّى تَقْبَلَهَا نُفُوسُهُم وَيَطْمَئِنُّوا إِلَيهَا. وُيسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الأَثَرِ أَهَمِّيَّةُ الحِكْمَةِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ ﷿؛ وَأَنَّهُ يَجْبُ عَلَى الدَّاعِيَةِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عُقُولِ المَدْعُوِّينَ وَيُنْزِلَ كُلَّ إِنْسَانٍ مَنْزِلَتَهُ". قُلْتُ: وَمِنْ نَفْسِ البَابِ أَورَدَ النَّوَوِيُّ ﵀ حَدِيثَ البُخَارِيِّ (٦٥٠٢) فِي أَرْبَعِينِيَّتِهِ وَهُوَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبْ، وَمَا تقرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» وَلَكِنَّهُ لَيسَ بِتَمَامِهِ! وَتَمَامُهُ: «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوتَ وَأَنَا أَكْرْهُ مَسَاءَتَهُ»، فَلَعَلَّ اخْتِصَارَهُ لَهُ هُوَ مِنْ هَذَا البَابِ -أَي مُرَاعَاةً لِحَالِ السَّامِعِينَ- وَذَلِكَ لِكَونِ هَذِهِ الأَرْبَعِينَ هِيَ مِنَ المُتُونِ المُعَدَّةِ لِلمُبْتَدِئِينَ فِي طَلَبِ العِلْمِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٩٥ ]
- وَجْهُ التَّكْذِيبِ فِي أَثَرِ عَلِيٍّ هُوَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: قَالَ اللهُ وَقَالَ رَسُولُهُ: كَذَا وَكَذَا، قَالُوا هَذَا كَذِبٌ -إِذَا كَانَتْ عُقُولُهُم لَا تَبْلُغُهُ-، فَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ لَكِنْ يُكَذِّبُونَكَ بِحَديثٍ تَنْسِبُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَيَكُونُونَ مُكَذِّبِينَ للهِ وَلِرَسُولِهِ لَا مُبَاشَرَةً لَكِنْ بِوَاسِطَةِ النَّاقِلِ.
- مُنَاسَبَةُ هَذَا الأَثَرِ لِهَذَا البَابِ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ جَحْدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَنْ يُحَدِّثَ المَرْءُ النَّاسَ بِمَا لَا يَعْقِلُونَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَالنَّاسُ عِنْدَهُم إِيمَانٌ إِجْمَالِيٌّ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يَصِحُّ مَعَهُ تَوحِيدُهُم وَإِيمَانُهُم وَإِسْلَامُهُم، فَالدُّخُولُ فِي تَفَاصِيلِ ذَلِكَ غَيرُ مُنَاسِبٍ؛ إِلَّا إِذَا كَانَ المُخَاطَبُ يَعْقِلُ ذَلِكَ وَيَعِيه، وَهَذِهِ لَيسَتْ حَالَ أَكْثَرِ النَّاسِ.
- ذِكْرُ تَرْجَمَةِ بَعْضِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الأَعْلَامِ:
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ): هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ، مِنْ صِغَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، (ت ٢١١ هـ).
(مَعْمَرُ): هُوَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ الأَزْدِيُّ؛ البَصْرِيُّ؛ نَزِيلُ اليَمَنِ، من كِبَارِ أَتباعِ التَّابِعِينَ، (ت ١٥٤ هـ).
(ابْنُ طَاوُس): هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ اليَمَانِيُّ، لَمْ يَلْقَ الصَّحَابَةَ، قَالَ مَعْمرٌ: "كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالعَرَبيَّةِ"، (ت ١٣٢ هـ).
(طَاوُس): هُوَ طَاوُسُ بْنُ كَيسَانَ الجَنَدِيُّ -بِفَتْحِ الجِيمِ وَالنُّونِ-، الإِمَامُ العَلَمُ، مِنَ الوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ، قِيلَ: اسْمُهُ ذَكوَان؛ وَطَاوُسُ لَقَبُهُ، (ت ١٠٦ هـ).
- قَولُهُ: (مَا فَرَقُ) هِيَ عَلَى احْتِمَالَاتٍ ثَلَاثَةٍ:
[ ٢ / ٩٦ ]
(فَرَقُ): بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ القَافِ؛ اسْمٌ مِنَ الفَرَقِ، أَي: الخَوفِ (^١).
(فرَّقَ، فَرَقَ): بِفَتحِ الرَّاءِ -مُشَدَّدَةً- وفَتْحِ القَافِ، أَو بِفَتحِ الرَّاءِ -مُخَفَّفَةً- وَفَتْحِ القَافِ؛ فِعْلٌ مِنَ التَّفْرِيقِ وَالتَّمْيِيزِ.
فَعَلى الأُولَى -ولَعَلَّهَا الأَولَى أَيضًا- تَكُونُ (مَا) اسْتِفْهَاميَّةً لِلإِنْكَارِ، أَي: مَا خَوفُ هَؤُلْاءِ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَةِ الَّتِي تُلِيَتْ عَلَيهِم وَبَلَغَتْهُم؟! لِمَاذَا لَا يُثْبِتُونَهَا للهِ ﷿ كَمَا أَثْبَتَهَا اللهُ لِنَفْسِهِ وَأَثْبَتَهَا لَهُ رَسُولُه؟! وَهَذَا يَنْصَبُّ تَمَامًا عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَالتَّحْرِيفِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الصِّفَاتِ، فَمَا الَّذِي يُخَوِّفُهُم مِنْ إِثْبَاتِهَا وَاللهُ تَعَالَى قَدْ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ؟! (^٢)
- قَولُهُ: (يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ): أَي: مُحْكَمِ القُرْآنِ، يَعْنِي إِذَا خُوطِبُوا بِمَا يَعْلَمُونَه وَجَدُوا فِي قُلُوبِهِم رِقَّةً لِذَلِكَ وَقَبُولًا.
- قَولُهُ: (وَيَهُلَكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ): أَي: مُتَشَابِهِ القُرْآنِ، يَعْنِي إِذَا سَمِعُوا فِي الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ شَيئًا لَا تَعْقِلُهُ عُقُولُهُم لَمْ يُسَلِّمُوا بِهِ؛ فَهَلَكُوا عِنْدَهُ وَخَافُوا وَفَرَقُوا وَأَوَّلُوا وَنَفَوا أَو جَحَدُوا! وَذَلِكَ هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الضَّلَالِ وَالتَّهْلُكَةِ.
وَالمُتَشَابِهُ هُنَا هُوَ حَقِيقَةُ الصِّفَةِ وَكَيفيَّتُهَا، وَهِيَ الَّتِي خَافُوا مِنْ إِثْبَاتِهَا، فَكَانَ عَلَيهِم أَنْ يَرُدُّوا مَا تَشَابَهَ عَلَيهِم إِلَى مُحْكَمِهِ، وَهُوَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١].
- وَجْهُ إِنْكَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَلَى الرَّجُلِ هُوَ عَدَمُ التَّسْلِيمِ لِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
_________________
(١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٥٦].
(٢) وَعَلَى الأُخْرَيِينِ تَكُونُ فِعْلًا مَاضِيًا.
[ ٢ / ٩٧ ]
وَإِنَّ عَدَمَ إِنْكَارِهِ عَلَى التَّالِي لِلحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ لَيسَتْ مِنَ المُتَشَابِهَاتِ الَّتِي تُتْرَكُ! وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ بِمَعْنَاهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الفَوَائِدِ وَالعِبَرِ -مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَخَوفِ المَخْلُوقاتِ مِنْهُ (كَالنَّارِ هُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ، وَسَيَأْتِي) -، لَكِنْ تُوكَلُ كَيفِيَّةُ وَحَقِيقَةُ مَا فِيهَا مِنَ الصِفَاتِ إِلَيهِ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا هُوَ مَنْهَجُ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم.
فَالمُنْتَفِضُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهَا كَمَا سَلَّمَ لِغَيرِهَا، وَالوَاجِبُ هُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "آمَنْتُ بِاللهِ وَبِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ؛ عَلَى مُرَادِ اللهِ، وَآمَنْتُ بِرَسُولِ اللهِ وَبِمَا جَاءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ؛ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ" (^١).
فَالمُتَشَابِهُ هُنَا هُوَ كَيفيَّةُ وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَمَثَلًا صِفَةُ السَّمْعِ للهِ تَعَالَى ثَابِتَةٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَعْنَاهَا مَفْهُومٌ: مِنْ سَمَاعِهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ خَلْقِه، وَلَكِنَّ كَيفِيَّةَ السَّمَاعِ مَجْهُولَةٌ لَنَا، فَالمُتَشَابِهُ هُنَا هُوَ الكَيفيَّةُ وَلَيسَتِ الصِّفَةُ!
_________________
(١) لُمْعَةُ الاعْتِقَادِ (١/ ٧) لِابْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ ﵀. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٤/ ١٣٨): "وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ وَغَيرِ وَاحِدٍ مِنْ رُؤُوسِ أَصْحَابِهِ [أَي: الشَّافِعِيَّ] مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ؛ عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ". وَقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العُلُوُّ لِلعَلِيِّ الغَفَّارِ (ص ١٦٦): "وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى؛ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ تَعَالَى أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا -قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ- رَدُّهَا". وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٤٠٧): "وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنْ يُونُس بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا، وَمَنْ خَالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيهِ فَقَدَ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْلَ قِيَامِ الحُجَّةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ بِالجَهْلِ، لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُ بِالعَقْلِ وَلَا الرُّؤْيَةِ وَالفِكْرِ، فَنُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيهَ كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ ".
[ ٢ / ٩٨ ]
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أنْكَرَ عَلَى مَنْ اسْتَنْكَرَ شَيئًا مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ؛ وَزَعَمَ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَمَّا تَدُلُّ عَلَيهِ! فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي كِتَابِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيه؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُحَدِّثُ ابْنَ عبَّاسٍ بحَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ»، وَفِيهِ: «فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ» أَوْ قَالَ: «قَدَمَهُ» فِيهَا (^١)، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَانْتَفَضَ، فَقَالَ ابْنُ عبَّاسٍ: (مَا فَرَقُ هَؤْلَاءِ؟! يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ، وَيَهلَكُونَ عندَ مُتَشَابِهِهِ). وَخَرَّجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوِيه فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَلَو كَانَ لِذَلِكَ عِنْدَهُ تَأْوِيلٌ لَذَكَرَهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَسَعْهُ كِتْمَانُهُ" (^٢) (^٣).
- المُحْكَمُ: هُوَ مَا يُمَيِّزُ الحَقِيقَةَ المَقْصُودَةَ عَنْ غَيرِهَا. وَالمُتشَابِهُ: مَا احْتَمَل مَعنَيَينِ؛ فَيُشبِهُ هَذَا وَيُشبِهُ هَذَا.
وَحُكْمُهُ هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عِمْرَان: ٧].
_________________
(١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا: «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟! قَالَ اللهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ؛ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ -وَلَا يَظْلِمُ اللهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا- وَأَمَّا الجَنَّةُ؛ فَإِنَّ اللهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٨٥٠)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٤٦).
(٢) قُلْتُ: وَقَصْدُهُ إِجْرَاءُ النُّصُوصِ عَلَى ظَاهِرِهَا دُونَ التَّعَرُّضِ لِتَفْسِيرِهَا؛ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
(٣) (فَتْحُ البَارِي) لِابْنِ رَجَب (٧/ ٢٣٢).
[ ٢ / ٩٩ ]
فَابْتِغَاءُ الفِتْنَةِ هُوَ: لِيَفْتِنُوا النَّاسَ بِهِ؛ إِذْ وَضَعُوهُ عَلَى غَيرِ مَوَاضِعِهِ، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أَي: تَحْرِيفَهِ عَلَى مَا يُرِيدُونَ (^١).
- القُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ بِاعْتِبَارٍ، وَكُلُّهُ مُتَشَابِهٌ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَمِنْهُ المُحْكَمُ وَمِنْهُ المُتَشَابِهُ بِاعْتِبَارٍ ثَالِثٍ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الأَوَّلُ: كُلُّهُ مُحْكَمٌ: كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هُود: ١ - ٢]، فَالقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ؛ بِمَعْنَى أنًّ مَعْنَاهُ وَاضِحٌ مُتَعَاضِدٌ؛ وَأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَحْكَمَهُ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَبَايُنَ، وَإِنَّمَا بَعْضُهُ يُصَدِّقُ بَعْضًا كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: ٨٢].
الثَّانِي: كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ: بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا، فَهَذَا الحُكْمُ وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ تُشْبِهُ تِلْكَ لِأَنَّهَا تَسِيرُ مَعَهَا فِي قَاعِدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَنُصُوصُ الشَّرِيعَةِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٨): " ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أَي: إِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ بِالمُتَشَابِهِ الَّذِي يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُحَرِّفُوهُ إِلَى مَقَاصِدِهِمُ الفَاسِدَةِ، وَيُنْزِلُوهُ عَلَيهَا لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَا يَصْرِفُونَهُ، فَأَمَّا المُحْكَمُ فَلَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ دَامِغٌ لَهُمْ وَحُجَّةٌ عَلَيهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أَيِ: الإِضْلَالَ لِأَتْبَاعِهِمْ إِيهَامًا لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِالقُرْآنِ! وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيهِمْ لَا لَهُمْ، كَمَا لَوِ احْتَجَّ النَّصَارَى بِأَنَّ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ عِيسَى هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٩]، وَبِقَولِهِ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٩] وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ المُحْكَمَةِ المُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ خَلْقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، وَعَبْدٌ وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ. وَقَولُهُ: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أَي: تَحْرِيفَهُ عَلَى مَا يُرِيدُون، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: يَبْتَغُونَ أَنْ يَعْلَمُوا مَا يَكُونُ، وَمَا عَوَاقِبُ الأَشْيَاءِ مِنَ القُرْآنِ".
[ ٢ / ١٠٠ ]
وَيَؤُولُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزُّمَر: ٢٣]، فَقَالَ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ فَالقُرْآنُ مُتَشَابِهٌ؛ يَعْنِي بَعْضُهُ يُشْبِهُ بَعضًا، فَهَذَا خَبَرٌ فِي الجَنَّةِ وَهَذَا خَبَرٌ فِي الجنَّةِ، وَبَعْضُ الأَخْبَارِ تُفَصِّلُ بَعْضًا، هَذِهِ قِصَّةٌ وَهَذِهِ قِصَّةٌ، هَذِهِ تُصَدِّقُ هَذِهِ، وَهَذِهِ تَزِيدُهَا تَفْصِيلًا وَأَحْكَامًا، وَهَكَذَا فِي كُلِّ مَا فِي القُرْآنِ (^١).
الثَّالِثُ: مِنْهُ المُحْكَمُ وَمِنْهُ المُتَشَابِهُ: وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي آيَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عِمْرَان: ٧]، فَمِنْهُ: مُحْكَمٌ؛ وَهُوَ الَّذِي اتَّضَحَ لَكَ عِلْمُهُ، وَمِنْهُ مُتَشَابِهٌ: وَهُوَ الَّذِي اشْتَبَهَ عَلَيكَ عِلْمُهُ، ومَنْهَجُ أَهْلِ الحَقِّ هُوَ رَدُّ مَا اشْتَبَهَ مِنْهُ إِلَى مُحْكَمِهِ، وَلَا يُعَارِضُونَ بَينَهُمَا! كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عِمْرَان: ٧] (^٢).
وَالمُحْكَمُ مِنَ النُّصُوصِ هُوَ: الَّذِي يُفْهَمُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ
_________________
(١) فَالتَّشَابُهُ هُنَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ المُشَابَهَةِ فِي السِّيَاقِ: كالثَّوَابِ وَالعِقَابِ، وَنَصْرِ المُؤْمِنِينَ وَعِقَابِ الكَافِرِينَ وَأَمْثَالِهَا، وَيَكُونُ أَيضًا التَّشَابُهُ مِنْ جِهَةِ التَّقْيِيدِ وَالتَّفْصِيلِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٦): "يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ فِي القُرْآنِ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ، أَي: بَيِّنَاتٌ وَاضِحَاتُ الدِّلَالَةِ؛ لَا التِبَاسَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ آيَاتٌ أُخَرُ فِيهَا اشْتِبَاهٌ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَو بَعْضِهِمْ، فَمَنْ رَدَّ مَا اشْتَبَهَ عَلَيهِ إِلَى الوَاضِحِ مِنْهُ، وَحَكَّمَ مُحْكَمَهُ عَلَى مُتَشَابِهِهِ عِنْدَهُ؛ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ عَكَسَ انْعَكَسَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَي: أَصْلُهُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أَي: تَحْتَمِلُ دِلَالَتُهَا مُوَافَقَةَ المُحْكَمِ وَقَدْ تَحْتَمِلُ شَيئًا آخَرَ مِنْ حَيثُ اللَّفْظِ وَالتَّرْكِيبِ لَا مِنْ حَيثُ المُرَادِ".
[ ٢ / ١٠١ ]
آخَرَ يُفَسِّرُهُ، وَالمُتَشَابِهُ هُوَ: الَّذِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ يُفَسِّرُهُ، كَالنَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ (^١)، وَالمُطْلَقِ وَالمُقَيَّدِ، وَالعَامِّ وَالخَاصِّ، وَالمُجْمَلِ وَالمُبَيَّنِ (^٢).
وَعَلَامَةُ أَهْلِ البِدَعِ اتِّبَاعُ المُتَشَابِهِ وَتَرْكُ المُحْكَمِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (^٣).
- قَالَ العَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀: "وَمَنْ نَظَرَ إِلَى طُرُقِ أَهْلِ البِدَعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ عَرَفَ أَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ، لِأَنَّهَا سَيَّالَةٌ لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، وَعَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ لِكُلِّ زَائِغٍ وَكَافِرٍ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى زَيغِهِ وَكُفْرِهِ حَتَّى يَنْسِبَ النِّحْلَةَ الَّتِي التَزَمَهَا إِلَى الشَّرِيعَةِ!
فَقَدْ رَأَينَا وَسَمِعْنَا عَنْ بَعْضِ الكُفَّارِ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِ بِآيَاتِ القُرْآنِ!
كَمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ النَّصَارَى عَلَى تَشْرِيكِ عِيسَى بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلِمَتُهُ
_________________
(١) وَالإحْكَامُ بِمَعْنَى النَّسْخِ؛ هُوَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحَجّ: ٥٢].
(٢) كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [مُحَمَّد: ٢٠]. قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢٢/ ١٧٤): " ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ يَعْنِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ بِالبَيَانِ وَالفَرَائِضِ".
(٣) البُخَارِيُّ (٤٥٤٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٦٥).
[ ٢ / ١٠٢ ]
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النِّسَاء: ١٧١]!
وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الكَفَّارَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ بِإِطْلَاقِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البَقَرَة: ٦٢] الآيَةَ!
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ اليَهُودِ عَلَى تَفْضِيلِهِمْ عَلَينَا بِقَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البَقَرَة: ٤٧]!
وَبَعْضُ الحُلُولِيَّةِ اسْتَدَلَّ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحِجْر: ٢٩]!
وَالتَّنَاسُخِيُّ اسْتَدَلَّ بِقَولِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانْفِطَار: ٨]!
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ المُتَشَابِهَاتِ أَو حَرَّفَ المَنَاطَاتِ أَو حَمَّلَ الآيَاتِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَو تَمَسَّكَ بِالأَحَادِيثِ الوَاهِيَةِ أَو أَخَذَ الأَدِلَّةَ بِبَادِيَ الرَّأْيِ؛ (لَهُ) أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ أَو قَولٍ أَوِ اعْتِقَادٍ وَافَقَ غَرَضَهُ بِآيَةٍ أَو حَدِيثٍ لَا يَفُوزُ بِذَلِكَ أَصْلًا" (^١).
- والمُتَشَابِهُ هُنَا (في آيَةِ آلِ عِمْرَانَ) نَوعَانِ: تَشَابُهٌ نِسْبِيٌّ، وَتَشَابُهٌ مُطْلَقٌ:
١ - فَالمُتَشَابِهُ المُطْلَقُ: يَخْفَى عَلى كُلِّ أَحَدٍ، حَتَّى عَلَى الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، وَلَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ تَعَالَى.
وَهَذِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِرَاءَةِ الوَقْفِ عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٢)،
_________________
(١) الاعْتِصَامُ (١/ ٣٦٣).
(٢) وَعَلَيهَا الجُمْهُورُ، كَمَا ذَكَرَهُ الشّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ أَضْوَاءُ البَيَانِ (١/ ١٩٢). قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٢٠٤): "وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُم مَرْفُوعُونَ بِجُمْلَةِ خَبَرِهِم بَعْدَهُم وَهُوَ (يَقُولُونَ)؛ لِمَا قَدْ بَيَّنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّهُم لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشَابِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ ﷿ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَهُوَ فِيمَا بَلَغَنِي مَعَ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيٍّ: (وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُ، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: (إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللهِ. وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ) ".
[ ٢ / ١٠٣ ]
وَذَلِكَ مِثْلُ كَيفِيَّةِ وَحَقَائِقِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَحَقَائِقِ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِنْ نَعِيمِ الجَنَّةِ وَعَذَابِ النَّارِ (^١)، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي نَعِيمِ الجَنَّةِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السَّجْدَة: ١٧]، أَي: لَا تَعْلَمُ حَقَائِقَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهَا عُمُومًا كَأَنْهَارِهَا وَأَشْجَارِهَا وَثَمَرَاتِهَا وَنِسَائِهَا، وكَمَا فِي الأَثَرِ: (لَيسَ فِي الجَنَّةِ شَيءٌ مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الأَسْمَاءَ) (^٢).
وَهَذِهِ الحَقَائِقُ هِيَ مِمَّا لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا ضَرُورَةٌ وَلَا حَاجَةٌ لِلنَّاسِ فِي تَدَيُّنِهِم وَسُلُوكِهِم وَعَقِيدَتِهِم؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ شَرْعِيٌّ، فَلَو كَانَ لِلنَّاسِ فِيهَا حَاجَةٌ لَبَيَّنَهَا اللهُ تَعَالَى وَلَمْ يَسْكُتْ عَنْهَا (^٣).
_________________
(١) وَمِثْلُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٣] أَي: حَقِيقَةَ مَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنْ أَمْرِ المَعَادِ. قَالَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ١١).
(٢) رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي صِفَة الجَنَّةِ (ص ١٢٤)، وَالمَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (١٦/ ١٠) مَوقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. الصَّحِيحَةُ (٢١٨٨).
(٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ١٨٠): "وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ مِنْ آي القُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ عَلَيهِ بَيَانًا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَغَيرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيهِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا بِهِمْ إِلَيهِ الحَاجَةُ؛ ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُمْ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ سَبِيلٌ!! فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ فَكُلُّ مَا فِيهِ لِخَلْقِهِ إِلَيهِ الحَاجَةُ -وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ مَا بِهِمْ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ الغِنَى؛ وَإِنِ اضْطَرَّتْهُ الحَاجَةُ إِلَيهِ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ- وَذَلِكَ كَقَولِ اللهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥٨] فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ أَنَّ تِلْكَ الآيَةَ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ جَلَّ ثناؤُهُ عِبَادَهُ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ: هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَالَّذِي كَانَتْ بِالعِبَادِ إِلَيهِ الحَاجَةُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ هُوَ العِلْمُ مِنْهُمْ بِوَقْتِ نَفْعِ التَّوبَةِ بِصِفَتِهِ بِغَيرِ تَحْدِيدِهِ بِعَدٍّ بِالسِّنِينَ وَالشُّهُورِ وَالأَيَّامِ، فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ ذَلِكَ لَهُمْ بِدِلَالَةِ الكِتَابِ، وَأَوضَحَهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُفَسَّرًا، وَالَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى عِلْمِهِ مِنْهُ هُوَ العِلْمُ بِمِقْدَارِ المُدَّةِ الَّتِي بَينَ وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وَوَقْتِ حُدُوثِ تِلْكَ الآيَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى عِلْمِهِ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَذَلِكَ هُوَ العِلْمُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ فَحَجَبَهُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ هُوَ المَعْنَى الَّذِي طَلَبَتِ اليَهُودُ مَعْرِفَتَهُ فِي مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ مِنْ قِبَلِ قَولِهِ: (الم، وَالمص، وَالر، وَالمر) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المُتَشَابِهَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ؛ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ".
[ ٢ / ١٠٤ ]
٢ - المُتَشَابِهُ النِّسْبِيُّ: وَهَذَا يَخْفَى عَلى أَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ، وَهَذِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِرَاءَةِ الوَصْلِ عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فَيَكُونُ هَذَا المُتَشَابِهُ مَعْلُومًا أَيضًا لِلرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ دُونَ عُمُومِ النَّاسِ، كَمَا فِي التَّفَاسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: (أَنَا مِنَ الرَّاسِخينَ فِي العِلْمِ الَّذِي يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ) (^١).
- قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): "وَ(الرَّحْمَن) أَي: ذُو الرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ؛ ولِهَذَا جَاءَتْ عَلَى وَزْنِ (فَعْلَانَ) الَّذِي يَدُلُّ عَلَى السَّعَةِ، وَ(الرَّحِيم) أَي المُوصِلُ الرَّحْمَةِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ؛ ولِهَذَا جَاءَتْ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) الدَّالِّ عَلَى وُقوعِ الفِعْلِ.
فَهُنَا رَحْمَةٌ هِيَ صِفَتُهُ؛ هَذِهِ دَلَّ عَلَيهَا اسْمُ (الرَّحْمَنِ)، وَرَحْمَةٌ هِيَ فِعْلُهُ، أَي: إِيصَالَ الرَّحْمَةِ إِلَى المَرْحُومِ؛ دَلَّ عَلَيهَا اسْمُ (الرَّحِيمِ) " (^٣).
_________________
(١) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٢/ ١٠). وَاسْتَدَلَ لِصِحَّةِ هَذَا المَعْنَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ حَيثُ قَالُوا: إنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي آخِرِ الآيَاتِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ أَصْحَابَ الأَلبَابِ هُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَعَانِيهَا دُونَ سَائِر النَّاسِ.
(٢) تَفْسِيرُ الفَاتِحَةِ وَالبَقَرَةِ (١/ ٥).
(٣) قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (١/ ٥٦): "فَالرَّحْمَنُ: الَّذِي الرَّحْمَةُ وَصْفُهُ، وَالرَّحِيمُ: =
[ ٢ / ١٠٥ ]
المسألة الأولى: هل يصح تأويل صفة الرحمة لله تعالى بإرادة الثواب أو الرضى
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المِسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَصِحُّ تَأْوِيلُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ للهِ تَعَالَى بِإِرَادَةِ الثَّوَابِ أَوِ الرِّضَى (^١)؟ حَيثُ أَنَّهُم -المُعَطِّلَةُ- قَالُوا: إِنَّ الرَّحْمَةَ لِينٌ وَضَعْفٌ وَرِقَّةٌ يَتَنَزَّهُ البَارِي سُبْحَانَهُ عَنْهَا! أَمَّا الإِرَادَةُ فَهِيَ مِمَّا دَلَّ العَقْلُ عَلَيهَا!
_________________
(١) = الرَّاحِمُ لِعِبَادِهِ. وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ٤٣]، وكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوبَة: ١١٧]، وَلَمْ يَجِئْ: رَحْمَنٌ بِعِبَادِهِ! وَلَا رَحْمَنٌ بِالمُؤْمِنِينَ! مَعَ مَا فِي اسْمِ الرَّحْمَنِ -الَّذِي هُوَ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ- مِنْ سَعَةِ هَذَا الوَصْفِ وَثُبُوتِ جَمِيعِ مَعْنَاهُ المَوصُوفِ بِهِ! أَلَا تَرَى أَنَّهُم يَقُولُونَ: "غَضْبَانُ" لِلمُمْتَلِئِ غَضَبًا؛ وَنَدْمَانُ وَحَيرَانُ وَسَكْرَانُ وَلَهْفَانُ لِمَنْ مُلِئَ بِذَلِكَ؟! فَبِنَاءُ فَعْلَانَ لِلسَّعَةِ وَالشُّمُولِ، وَلِهَذا يُقْرَنُ اسْتِوَاءُهُ عَلَى العَرْشِ بِهَذا الاسْمِ كَثِيرًا كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طَه: ٥]، فَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ باسْمِ الرَّحْمَنِ، لِأَنَّ العَرْشَ مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقَاتِ قَدْ وَسِعَهَا؛ وَالرَّحْمَةُ مُحِيطَةٌ بِالخَلْقِ وَاسِعَةٌ لَهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٦] ".
(٢) كَمَا قَالَ صَاحِبُ تَفْسِيرِ الجَلَالَينِ (١/ ٢) عِنْدَ تَفْسِيرِ سُورَةِ الفَاتِحَةِ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): "أَي ذِي الرَّحْمَةِ؛ وَهِيَ إِرَادَةُ الخَيرِ لِأَهْلِهِ". وَكَمَا قَالَ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيق العِيد (ت ٧٠٢ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وغَفَرَ لَهُ فِي شَرْحِ البَسْمَلَةِ مِنْ مُقَدِّمَةِ النَّوَوِيِّ ﵀ عَلَى الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (ص ١١): "وَالرَّحْمَنُ: العَامُّ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ البَرِيَّةِ، وَالرَّحِيمُ: الخَاصُّ الرَّحْمَةِ لِلمُؤْمِنِينَ، وَأَصْلُ الرَّحْمَةِ انْعِطَافُ القَلْبِ وَالرِّقَةُ، وَهِيَ فِي حَقِّهِ ﷾ إِرَادَةُ الخَيرِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، أَو تَرْكُ العُقُوبَةِ لِمَنْ يَسْتَوجِبُهَا". وَبِمِثْلِهِ نَقَلَ النَّوَوِيُّ ﵀ في صِفَةِ المَحَبَّةِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٦/ ١٨٣) عِنْدَ بَابِ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَمَرَ جِبْرِيلَ فَأَحَبَّهُ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَقَالَ: "ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَذَكَرَ في البُغْضِ نَحْوَهُ. قَالَ العُلَمَاءُ: مَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ هِيَ إِرَادَتُهُ الخَيرَ لَهُ وَهِدَايَتُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَيهِ"!
[ ٢ / ١٠٦ ]
الجَوَابُ:
لَا يَصِحُّ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ نَفْسَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَقَالَ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١].
فَنُثْبِتُ مَا أَثْبَتَ وَنَنْفِي عَنْه التَّمْثِيلَ، فيَكُونُ بِذَلِكَ حَالُنَا كَحَالِ مِنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آلِ عِمْرَان: ٧].
٢ - أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ الضَّعْفَ وَاللَّينَ وَالرِّقَّةَ هِيَ رَحْمَةُ المَخْلُوقِ (^١) وَلَيسَتْ رَحْمَةُ الخَالِقِ تَعَالَى! فَالخَالِقُ سُبْحَانَهُ رَحْمَتُهُ مُقَارِنَةٌ لِكَمَالِ سُلْطَانِهِ وَعِزَّتِهِ وَقوَّتِهِ.
وَتَأَمَّلْ جَمْعَ اللهِ تَعَالَى بَينَ صِفَتَينِ لَهُ في مَوضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدُّخَان: ٤٢]، فَعِزَّتُهُ تَعَالَى غَيرُ مُنْفَكَّةٍ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ فَلَا يَكُونُ فِيهَا ضَعْفٌ وَلِينٌ وَرِقِّةٌ وَ… مِمَّا يُنَزَّهُ اللهُ عَنْهُ! وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (^٢).
_________________
(١) بَلْ بَعْضُ المَخْلُوقِينَ -كَالنِّسَاءِ وَنَحْوِهِنَّ- وَلَيسَ كُلُّ المَخْلُوقِينَ.
(٢) وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالرَّحْمَةِ فِي قَولِهِ: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البَلَد: ١٧] مَعَ نَهْيِهِ عِبَادَهُ عَنِ الوَهَنِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٣٩]، وَكَذَا مَعَ وَصْفِهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ بِالشِّدَّةِ عَلَى الكَافِرِينَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩]. وَعَلَى هَذَا؛ فَلَا تَلَازُمَ بَينَ الرَّحْمَةِ وَبَينَ الوَهَنِ وَالضَّعْفِ! وَتَرَى المَلِكَ ذُا السُّلْطَانِ العَظِيمِ يَكُونُ مِنْ أَقْوَى النَّاسِ؛ وَيَكُونُ أَيضًا مِنْ أَرْحَمِ النَّاسِ، وَهَذَا مُمْكِنٌ؛ فَلَا تَلَازُمَ بَينَ الرَّحْمَةِ وَالضَّعْفِ! وَتَرَى الرَّجُلَ الشَّدِيدَ الغَلِيظَ صَاحِبَ البَطْشِ يَكُونُ رَحِيمًا بِأَولَادِهِ عَطُوفًا عَلَيهِم دُونَ غَيرِهِم، وَتَرَى الأُنْثَى مِنَ السِّبَاعِ وَالوُحُوشِ الكَوَاسِرِ تَكُونُ رَفِيقَةً رَحِيمَةً بِأَولَادِهَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ قَوِيَّةٌ عَزِيزَةٌ فِي مَمْلَكَتِهَا. =
[ ٢ / ١٠٧ ]
٣ - تَأْوِيلُ الرَّحْمَةِ بِإِرَادَةِ الرِّضَى أَوِ الثَّوَابِ بِحُجَّةِ أَنَّ هَذَا تَنْزِيهٌ للهِ تَعَالَى عَنْ مُشَابَهَةِ المَخْلُوقِ يَرِدُ عَلَيهِ أُمُورٌ:
أ- أَنَّ الإِرَادَةَ أَيضًا يَرِدُ عَلَيهَا مِثْلَمَا ذَكَرُوا فِي الرَّحْمَةِ! فَيُقَالُ لَهُم: إِنَّ الإِرَادَةَ -وَهِيَ مَيلُ النَّفْسِ إِلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ- الرَّبُّ ﷿ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ -مُجَارَاةً لَهُم عَلَى قَاعِدَتِهِم-، فَإِذَا قَالُوا: هَذِهِ إِرَادَةُ المَخْلُوقِ الضَّعِيفِ المُحْتَاجِ! أَمْكَنَ الجَوَابُ بِمِثْلِهِ فِي الرَّحْمَةِ؛ بِأَنَّ الرَّحْمَةَ المُسْتَلْزِمَةَ لِلنَّقْصِ هِيَ رَحْمَةُ المَخْلُوقِ الضَّعِيفِ.
ب- تَأْوِيلُ الرَّحْمَةِ بِمَا سَبَقَ مِنْ إِرَادَةِ الثَّوَابِ أَوِ الرِّضَى مُخَالِفٌ لَمَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ، فَلَو كَانَ حَقًّا لَذَكَرُوهُ وَمَا غَفِلُوا عَنْهُ كَمَا يَدَّعِي المُؤَوِّلُونَ!
وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا رَيبَ فِيهِ: أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا عَلَيهِ أَصْحَابُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ؛ فَهُوَ عَلَى الهَدِي المُسْتَقِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البَقَرَة: ١٣٧] (^١).
_________________
(١) = وَكَيفَ يَصِحُّ القَولُ بِذَلِكَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ»! حَسَنٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٣٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٢٨٨). فَإِنْ اسْتَقَامَ ذَلِكَ في المَخْلُوقِ؛ أَفَلَا يَكُون البَارِي أُولَى سُبْحَانَهُ بِكَمَالِ الصِّفات؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ؟! وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الرَّحْمَةُ فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ تُقَارِنُ الضَّعْفَ وَالخَوَرَ؛ ظَنَّ مَنْ غَلِطَ في ذَلِكَ أَنَّهَا كَذِلِكَ مُطْلَقًا. وَانْظُرْ شَرْحَ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٦٢).
(٢) قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ﵀ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنِ القَدَرِ: "فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَومُ لأَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَلَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ أَولَى. فَإِنْ كَانَ الهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ؛ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيهِ! وَلَئِنْ قُلْتُمْ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ؛ [فَـ] مَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ! فَإِنَّهُمْ هُمُ السَّابِقُونَ، فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي". صَحِيحٌ مَقْطُوعٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦١٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٦١٤).
[ ٢ / ١٠٨ ]
جـ- دَعْوَى أَنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلَى صِفَةِ الإِرَادَةِ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ! فِيهِ مُجَازَفَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَنَوُّعُ المَخْلُوقَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَالِقَهَا مُرِيدٌ لِهَذَا التَّنَوُّعِ؛ فَأَوضَحُ مِنْهُ مَا قَامَ فِي الفِطَرِ وَنُفُوسِ النَّاسِ مِنْ حُصُولِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ وَانْتِشَارِ الخَيرِ وَتَفْرِيجِ الغَمِّ وَنُزُولِ الغَيثِ مِمَّا فِيهِ بَيَانُ رَحْمَةِ مَنْ أَجْرَى تِلْكَ الأُمُورَ، وَهُوَ الَّذِي تَرَاهُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ العَامَّةِ مِنْهُم فَضْلًا عَنِ الخَاصَّةِ.
وَكَمَا سَبَقَ فِي شِعْرِ امْرِئِ القَيسِ: "تِلْكَ السَّحَابُ إِذَا الرَّحْمَنُ أَنْشَأَهَا … رَوَّى بِهَا مِنْ مَحُولِ الأَرْضِ أَنْفَاسًا".
وَ(المَحْلُ): الجُوعُ الشَّدِيدُ (^١).
د- أَنَّ الرَّحْمَةَ مُغَايِرَةٌ لِلثَّوَابِ أَوِ الرِّضَى أَوِ الفَضْلِ! فَاللهُ تَعَالَى وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَبِهَا يَرْحَمُ الكَافِرَ في الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ لَا يُثِيبُهُ وَلَا يَرْضَى عَنْهُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا-!
وَفِي الحَدِيثِ: «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مَائَةَ جُزْءٍ، فَأمسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِن ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَراحَمُ الخَلَائِقُ؛ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» (^٢).
وَكَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُس: ٥٨] فَفَرَّقَ اللهُ تَعَالَى بَينَ الرَّحْمَةِ وَالفَضْلِ أَيضًا؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى المُغَايَرَةِ.
_________________
(١) لِسَانُ العَرَبِ (١١/ ٦١٦).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٠٠٠)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٥٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وَلَا بُدَّ مِنَ التَّنْوِيهِ إِلَى أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ غَيرُ مَخْلُوقَةٍ؛ وَأَنَّ مَا نُشَاهِدُهُ مِنَ الخَيرِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ وَحُصُولِ النِّعَمِ هِيَ آثَارُ رَحْمَةِ اللهِ، فَنُزُولُ المَطَرِ وَنَبَاتُ الأَرْضِ وَمَا أَشْبَهَ هِيَ أَشْيَاءُ مَخْلُوقَةٌ.
وَبِمَعْنًى آخَر؛ فَإِنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ اسْمَ مَا تَوَلَّدَ مِنَ الشَيء عَلَى الشَيءِ؛ وَأَيضًا تُطْلِقُ الصِّفَةَ عَلَى المَفْعُولِ، كَقَولِكَ عَنِ المَقْدُورِ هَذِهِ قُدْرَةُ اللهِ (^١)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [الرُّوم: ٤٨ - ٥٠].
وَالخُلَاصَةُ هُنَا: أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ﷾ يَرْحَمُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، فَهِيَ صِفَةُ ذَاتٍ وَصِفَةُ فِعْلٍ؛ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ فِيهَا، وَإِنَّ كُلَّ مَا نُشَاهِدُهُ مِنَ النِّعَمِ وَالإِحْسَانِ إِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ.
_________________
(١) وَكَقَولِكَ عَنْ إِهْلَاكِ اللهِ تَعَالَى لِلأُمَمِ الكَافِرَةِ: هَذَا عَذَابُ اللهِ، وَهَذِهِ حِكْمَةُ اللهِ، وَهَذِهِ قُدْرَتُهُ، وَهَذَا جَزَاؤُهُ، وَكَقَولِكَ عَنِ المَولُودِ الذَّكَرِ أَوِ الأُنْثَى: هَذِهِ إِرَادَةُ اللهِ، وَعَنِ المَطَرِ: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لُقْمَان: ١١] وَذَلِكَ بَعْدَ قَولِهِ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقُمْان: ١٠]، فَالمَخْلُوقُ المَفْعُولُ عُبِّرَ عَنْهُ بِالصِّفَةِ وَهِيَ الخَلْقُ.
[ ٢ / ١١٠ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا هِيَ شُرُوطُ التَّوبَةِ (^١)؟
الجَوَابُ: خَمْسَةُ شُرُوطٍ، وَهِيَ:
١ - الإِخْلَاصُ فِيهَا: فَلَا يَحْمِلْهُ عَلَى التَّوبَةِ خَوفُهُ مِنْ أَحَدٍ، أَو تَابَ لِأَجْلِ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ مُسْتَقِيمٌ! فَـ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
٢ - النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَفِي الحَدِيثِ: «النَّدَمُ تَوبَةٌ» (^٣).
٣ - الإِقْلَاعُ عَنِ الذَّنْبِ، لَكِنْ إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ وَجَبَ أَدَاؤُهُ:
أ- فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الأَوَامِرِ وَيُمْكِنُهُ إِدْرَاكُهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ.
ب- وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الكَفَّارَاتِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا.
ج- وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ العِبَادِ فَيَجِبُ أَدَاؤُهُ.
٤ - العَزْمُ عَلَى عَدَمِ العَودَةِ فِي المُسْتَقْبَلِ.
وَلَيسَ الشَّرْطُ عَدَمَ العَودَةِ! فَإِنْ عَادَ إِلَى الذَّنْبِ؛ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ تَوبَتَهُ الأُولَى (^٤).
_________________
(١) اُنْظُرْ شَرْحَ الأَرْبَعِين النَّوَوِيَّةِ (ص ٤٠١) لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀.
(٢) البُخَارِيُّ (١)، وَمُسْلِمٌ (١٩٠٧).
(٣) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٢٥٢) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٨٠٢).
(٤) كَمَا في الصَّحِيحَين من حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَي: رَبِّ؛ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَي رَبِّ؛ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ». البُخَارِيُّ (٧٥٠٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٥٨). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَالمَعْنَى مَا دَامَ عَلَى هَذَا الحَالِ: كُلَّمَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الاسْتِغْفَارُ المَقْرُونُ بِعَدَمِ الإِصْرَارِ". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٤٠٩).
[ ٢ / ١١١ ]
٥ - أَنْ تَكُونَ التَّوبَةُ فِي وَقْتِ القَبُولِ، وَالوَقْتُ وَقْتَانِ:
أ- عَامٌّ: وَهُوَ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١).
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٨ - ٢٩].
ب- خَاصٌّ لِكُلِّ فَرْدٍ: وَهُوَ قَبْلَ نَزْعِ الرُّوحِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٨] (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٤٧٩) عَنْ مُعَاوِيَة مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٤٦٩).
(٢) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ١٧١): "وَذَلِكَ أَنَّ التَّوبَةَ فِي هَذِهِ الحَالِ تَوبَةُ اِضْطِرَارٍ لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا، إِنَّمَا تَنْفَعُ تَوبَةُ الاخْتِيَارِ".
[ ٢ / ١١٢ ]