(وأنَّ اللهَ سبحانه قد خلق الجنَّةَ فأعدَها دارَ خلودٍ لأوليائه، وأكرمَهم فيها بالنَّظر إلى وجهه الكريمِ، وهي التي أهبطَ منها آدمَ - نبيَّه وخليفتَه - إلى أرضه بما سبق في سابق علمه.
وخلقَ النارَ فأعدَّها دارَ خلودٍ لمن كفر به، وألحدَ في آياته وكتبِه ورسلِه، وجعلهم محجوبين عن رؤيته).
في هذه الجملةِ مسائل:
المسألةُ الأولى: يقولُ: (وأنَّ اللهَ سبحانه قد خلقَ الجنَّةَ): يعني ومن الإيمانِ باليوم الآخر: الإيمانُ بالجنة والنار، وأنَّ اللهَ خلقَ الجنة، وأعدَّها للمتقين، وجعلَها دارَ خلودٍ وبقاءٍ لأوليائه. والأدلةُ على وجودِ الجنَّة كثيرةٌ منها قولُه تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء﴾ [الحديد: ٢١]، ومعنى: أُعدّت؛ هُيِّئت، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم]، وكذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل].
[ ١٣١ ]
وكذلك القولُ في النارِ إنَّها موجودةٌ، وأن الله خلقها وجعلها دار خلود لمن كفر به، والأدلةُ على وجودِ النار كثيرةٌ؛ منها قوله تعالى في قومِ نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا (٢٥)﴾ [نوح]، وقال في فرعونَ وقومِه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (١٣١)﴾ [آل عمران].
ومن السُّنةِ أدلةٌ كثيرة، منها ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ الجنةُ والنارُ» (^١)، ومنها: ما ورد في أحاديث عذابِ القبر ونعيمه، وأنَّ الكافر بعد الفتنةِ يُفتَحُ له بابٌ إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسَمومها (^٢)، ومنها قوله ﷺ: «إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٤٠)، ومسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) يشير شيخنا لما أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، والطيالسي (٧٨٩)، وابن أبي شيبة (١٢٠٥٩)، وأبو داود (٤٧٥٣)، والحاكم (١٠٧) (١١١)، والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (٢٠) (٤٤)، وابن منده في «الإيمان» (١٠٦٤) من طرق، عن الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، به. وله طرق أخرى. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله، وله شواهد على شرطهما يستدل بها على صحته». وقال البيهقي: «هذا حديث كبير صحيح الإسناد، رواه جماعة من الأئمة الثقات عن الأعمش». وقال ابن منده: «هذا إسناد متصل مشهور. رواه جماعة، عن البراء، وكذلك رواه عدَّة، عن الأعمش، وعن المنهال بن عمرو، والمنهال أخرج عنه البخاري ما =
[ ١٣٢ ]
المسألة الثانية: النظر إلى وجه الله
وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (^١)، فما ذكره المؤلفُ في الجنة والنار من وجودهما ودوامهما هو معتقدُ أهلِ السنَّةِ والجماعة (^٢).
وخالفَ في ذلك المعتزلةُ، وقالوا: إنَّهما لم يُخلقا، وإنَّ اللهَ يخلقهما يومَ القيامة، وقالوا بعقولِهم الفاسدة: إنَّ خَلْقَهما الآن عبثٌ، ومذهبُهم باطلٌ مناقضٌ لنصوص الكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ سلفِ الأمة من الصحابة والتابعين (^٣).
المسألةُ الثانيةُ: مسألةُ النظرِ إلى وجهِ الله، فأعلى نعيمِ أهلِ الجنةِ نظرُهم إلى وجهه الكريمِ. وهذه مسألةُ الرؤية التي وقعَ فيها الافتراقُ بين فِرقِ الأمةِ، فأهلُ السُّنةِ والجماعة يُؤمنون بما دلَّ عليه كتابُ الله
_________________
(١) =تفرد به، وزاذان أخرج عنه مسلم، وهو ثابت على رسم الجماعة. وروي هذا الحديث عن جابر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس بن مالك، وعائشة ﵃». وقال ابن القيم في «الروح» (ص ١٣٦): «هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صحَّحه جماعة من الحفاظ ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه»، وصحَّحه في «تهذيب السنن» (٣/ ٣١٩ - ٣٢٥)، ونقل فيه: تصحيح أبي نعيم وأبي موسى الأصبهانيين، وأجاب عن حجج من ضعفه، وصحَّحه الألباني وجمع ألفاظه في «أحكام الجنائز» (ص ١٩٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٢ - ٣١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) ينظر: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٨٨١)، والشريعة (٣/ ١٣٤٣)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦/ ١٢٥٦)، وحادي الأرواح (١/ ٢٤)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ٣١٣ - ٣١٥).
(٤) حكى هذا القول عن المعتزلة: البغدادي في «أصول الدين» (ص ٢٦٢)، وابن حزم في «الفصل» (٤/ ٦٨)، ويحيى بن أبي الخير العمراني في «الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار» (٣/ ٦٥٩)، وابن القيم في «حادي الأرواح» (١/ ٢٤).
[ ١٣٣ ]
الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
وسُنةُ رسوله، وقد أجمعَ أهلُ السُّنةِ على أنَّ المؤمنين يرون ربَّهم يومَ القيامة عيانًا بأبصارهم: في عرصَات القيامةِ، وبعد دخولِهم الجنةَ كما يشاءُ الله (^١).
ومن الأدلةُ على رؤية المؤمنين:
قولُه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وفسَّرَ النبيُّ ﷺ الزيادةَ بالنظر إلى وجه اللهِ (^٢)، وهذا هو معنى الزيادةِ عند السَّلفِ من الصحابة والتابعين (^٣)، وقولُه في الكفَّار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين]، فدلَّ على أنَّ المؤمنين بخلافِ ذلك؛ أي: لا يحجبون.
ومن السُّنةِ: الأحاديثُ الصحيحةُ المُتواترةُ (^٤)، فمن ذلك قوله ﷺ: «إنكم سترونَ ربَّكم عيانًا» (^٥)، «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمرَ لا
_________________
(١) ينظر: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٤٣ - ٤٧٦)، والشريعة (٢/ ٩٧٦ - ١٠٣٥)، والإبانة (٧/ ١ - ٧٧)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٠٣ - ٥٦٥)، وحادي الأرواح (١/ ٦٠٥ - ٧١٤).
(٢) أخرجه مسلم (١٨١) من حديث صهيب الرومي ﵁.
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ١٥٥ - ١٦٢)، وزاد المسير (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٢)، وحادي الأرواح (٢/ ٦١٢ - ٦١٥).
(٤) رواها سبعة وعشرون صحابيًا، ونصَّ على تواترها غير واحد من أهل العلم، منهم: الأشعري في «الإبانة» (٢/ ١٤)، وابن حزم في «الفصل» (٣/ ٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٣٩٢)، و«منهاج السنة» (٢/ ٣١٦)، وابن القيم وساقها في «حادي الأرواح» (٢/ ٦٢٥ - ٦٨٥)، وابن حجر في «الفتح» (٨/ ٣٠٢)، والكتاني في «نظم المتناثر» (ص ٢٣٨، رقم ٣٠٧).
(٥) أخرجه البخاري (٧٤٣٥) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
[ ١٣٤ ]
وجه الشبه بين رؤية الله يوم القيامة ورؤية الشمس والقمر
تُضامون في رؤيته» (^١)؛ المعنى: أنَّ المؤمنين يرون ربَّهم كما يرَون القمرَ وكما يرون الشمسَ، فشبَّه الرؤيةَ بالرؤية، ولم يُشبِّه المرئيَّ بالمرئيِّ، ووجهُ الشَّبهِ بين الرؤيةِ والرؤيةِ من وجوه (^٢):
أحدها: أنَّها رؤيةٌ بصريةٌ.
الثاني: أنَّها رؤيةٌ من غير إحاطةٍ، كما يدلُّ له قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ أي: لا تحيط به.
الثالث: أنَّهم يرونَه من فوقهم؛ كما هو الشأنُ في رؤية الشمسِ والقمرِ، والعلوُّ من لوازم ذاتِه.
الرابع: أنَّهم يرونه ظاهرًا لا يلحقهم في النظر إليه ضَيْمٌ ولا ضررٌ.
ومنها قوله ﷺ في وصف الجنة: «وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربهم إلَّا رداءُ الكبرياءِ على وجهه في جنة عدن» (^٣)، ومنها حديث التجلي الطويل، وفيه أنَّ الناسَ إذا انصرفوا من الموقف تبقى هذه الأمة، وفيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفونها، ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفونها، فيكشف عن ساقه فإذا رأوه سجد له المؤمنون ممَّن كان يسجد في الدنيا إيمانًا، وأمَّا مَنْ كان يسجد رياءً في الدنيا، وهم المنافقون؛ فإنَّ ظهورَهم تكون طباقًا، كلما أراد أحدٌ أن يسجد خرَّ على قفاه … الحديث (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٤)، (٧٤٣٤)، ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير ﵁.
(٢) تقدم في (ص ٩٩).
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠) - واللفظ له - من حديث أبي موسى - عبد الله بن قيس - الأشعري ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وأخرجه البخاري (٦٥٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٥ ]
الرد على من نفى الرؤية استدلالا بآية ﴿لا تدركه الأبصار﴾
الرد على نفي الرؤية استدلالا بآية ﴿لن تراني﴾
ومنها: حديثُ صهيبٍ ﵁، وفيه تفسير النبيِّ للزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد تقدَّمت الإشارةُ إليه، ولفظه كما في صحيح مسلم؛ عن صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قال يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون ألم تُبيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتُنجنا من النار. قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم ﷿، ثم تلا رسول الله هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]» (^١)، إلى غير ذلك من الآثار، وقد أجمع الصحابةُ فمَن بعدهم من أهل السنَّة على إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة.
وكلام المؤلف صريح في إثبات الرؤية التي دلَّت عليها الأدلة من الكتاب والسنة، وهو بهذا يوافق قول إمامه مالك بن أنس ﵀؛ فقد روي عنه أنه قال: «لمَّا حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه» (^٢).
وقد أنكرَت المُعطلةُ من الجهميةُ والمعتزلةُ الرؤيةَ بل أنكروا إمكان الرؤية، وتعلَّقُوا بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقالوا؛ أي: لا تراه الأبصار، والآية حجَّةٌ عليهم، فإنَّ الإدراك هو الإحاطة؛ فالمنفيُّ هو الرؤية مع الإحاطة، ونفيُ الإحاطة يستلزمُ إثبات الرؤية من غير إحاطةٍ؛ لأن نفي الأخص يستلزم إثبات الأعم (^٣)، واستدلوا أيضًا؛
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨١).
(٢) ينظر: الكشف والبيان للثعلبي (٢٩/ ٦٥)، والتفسير البسيط للواحدي (٢٣/ ٣٢٧).
(٣) ينظر: منهاج السنة (٢/ ٣١٧ - ٣٢١)، وبيان تلبيس الجهمية (٤/ ٤٢٠ - ٤٢٨)، وحادي الأرواح (٢/ ٦١٨ - ٦٢٢)، وشرح التدمرية لشيخنا (ص ٢٢٤ - ٢٢٥)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ١١٥ - ١١٦).
[ ١٣٦ ]
نفي المعطلة للرؤية فرع عن نفيهم للصفات
بقوله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وزعموا أن «لن» للتأبيد يعني: لن تراني أبدًا.
وقد ردَّ المحقِّقُون من أهل اللُّغَة القول بأنَّ «لن» تفيد التأبيد، كما قال ابن مالك في «الكافية الشافية»:
وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِ «لَنْ» مُؤبَّدَا … فَقَولَهُ ارْدُدْ وَخِلَافَهُ اعْضُدَا (^١)
فالصحيح أنَّ «لن» تكون للتأبيد ولغير التأبيد، ومما يدل على ذلك قوله ﷾ في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ - يعني الموت - ﴿أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، فاجتمع في هذه الآية «لن» مع ذكر التأبيد، وقد أخبر ﷾ أن أهل النار يتمنون الموت كما قال سبحانه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُون (٧٧)﴾ [الزخرف]، فعُلم أن النفي في آية البقرة - وهو نفي تمنيهم الموت - إنما هو في الدنيا، وأيضًا فإنه تعالى لو كان لا يُرى أبدًا لم يقل لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولقال له: إني لا أُرى، وفرقٌ بين اللَّفظين، فإنَّ قولَه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يُفهم منه أنه تعالى يُرى ولكنَّ موسى لن يراه في ذلك الوقت الذي طلب فيه الرؤية.
وقد أطال الإمام ابنُ القيِّم ﵀ في ردِّ الاستدلال بهذه الآية على نفي الرؤية من سبعة أوجهٍ في كتابه «حادي الأرواح» (^٢).
وها هنا نكتةٌ لطيفةٌ، وهي: أن نفي المعطلةِ للرؤية مناسبٌ لنفي الصفات؛ لأنَّ ما لا صفة له لا وجود له فهو معدومٌ، والمعدومُ لا يُرى،
_________________
(١) الكافية الشافية بشرح الناظم (٣/ ١٥١٥).
(٢) حادي الأرواح (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٨).
[ ١٣٧ ]
مذهب الأشاعرة في الرؤية
منشأ قول الأشاعرة من أن الله يرى لا في جهة
وعليه فنفيهم للرؤية فرعٌ عن نفيهم للصفات، ولهذا قال عبد العزيز الماجشون (^١): «وإنما جحدَ رؤية الله يوم القيامة؛ إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنَّه قد عرف أنه إذا تجلَّى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحدًا» (^٢).
ومن أقوال أهل البدع المنحرفة في مسألة الرؤية: قول الأشاعرة، فإنَّهم يقولون: إنَّه تعالى يُرى لكن لا في جهة، يعني: لا يُرى من فوق، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا من أسفل، وهذا جارٍ على طريقتهم في التلفيق في باب الصفات، كما صنعوا في إثبات الصفات فأثبتوا بعضها ونفوا أكثرها، ومثل ذلك قولهم في صفة الكلام؛ فإنهم أثبتوا الكلامَ النفسيَّ، ونفوا الكلامَ المسموع، وهكذا قولهم في الرؤية ملفَّقٌ من مذهب أهل السنَّة، ومن مذهب المعتزلة، بل حقيقةُ قولهم في الرؤية يؤول إلى نفي الرؤية، فإنَّ الرؤيةَ في غير جهةٍ غيرُ معقولة؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون المرئيُّ في جهةٍ من الرائي، ولذا أهلُ السنَّةِ والجماعةِ يقولون: إنَّ اللهَ تعالى يُرى في العلو.
ومنشأُ قولِ الأشاعرةِ من أنَّه تعالى يُرى لا في جهة؛ هو أنَّهم ينفون صفةَ العلو لله ﷿، فهم ينفون علوَّ اللهِ ﷿ على خلقه، فاللهُ عندهم
_________________
(١) عبد العزيز الماجشون: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، أبو عبد الله التيمي، قيل له ولأهل بيته: «الماجشون»؛ لحمرة خدودهم، وقيل غير ذلك، وكان من الأئمة الكبار، وأحد فقهاء أهل المدينة، ثم رحل إلى بغداد، فسكنها وحدث بها إلى حين وفاته سنة (١٦٤ هـ)، وصلى عليه الخليفة المهدي. ينظر: تاريخ بغداد (١٢/ ١٩٤ رقم ٥٥٥٤)، والسير (٧/ ٣٠٩).
(٢) ينظر: الإبانة الكبرى لابن بطة (٧/ ٦٦).
[ ١٣٨ ]
المسألة الثالثة: الجنة التي أهبط منها آدم
في كلِّ مكان، ولا يُوصف بأنَّه فوق المخلوقات بمعنى: أنَّه فوقهم بذاته، لكن إذا قالوا: بأنَّ اللهَ فوق المخلوقات فيعنون بذلك الفوقية المعنوية، وهي فوقيةُ القَدْرِ.
فمذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعة حقٌّ خالصٌ، ومذهبُ الجهميَّةِ والمعتزلةِ مذهبٌ باطلٌ ليس فيه من الحقِّ شيءٌ، ومذهبُ الأشاعرةِ فيه حقٌّ وباطلٌ، فقولهم: «إنه يُرى بالأبصار» حقٌّ، وقولهم: «لا في جهة» باطلٌ (^١).
المسألةُ الثالثةُ: مسألةُ الجنةِ التي أُهبطَ منها آدم، فالذي عليه الجمهورُ أنَّها هي جنةُ الخلد التي خلقَها الله وأعدَّها لأوليائِه، قال الله تعالى: ﴿نَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه]، وقالَ: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِين (٣٥)﴾ [البقرة].
وقالَ آخرون: إنَّها ليست جنةُ الخلدِ التي أُعدَّت للمتقين، بل جنةٌ في مكانٍ عال في ربوةٍ من الأرضِ اللهُ أعلمُ حيث كانت.
_________________
(١) قول الأشاعرة بالرؤية مع نفي العلو في غاية التناقض، وجميع محاولاتهم لإزالة هذا التناقض لم تفلح إلا بأن تُفسَّر الرؤية بما يقربها إلى مذهب المعتزلة؛ وهو أن الرؤية أمر يخلقه اللّه في الحي! وهذا ما استقر عليه مذهبهم كما في «شرح المواقف» للجرجاني (٨/ ١١٥ - ١١٦). قال شيخ الإسلام: «فلهذا صار الحذَّاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسَّروها بما تفسِّرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي». درء التعارض (١/ ٢٥٠). وينظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٥)، (٤/ ٤٢٠ - ٤٨٠)، ومنهاج السنة (٢/ ٣٢٥) وما بعدها، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٨٤ - ٨٩)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ١١٧)، وشرح القصيدة الدالية (ص ٧٤).
[ ١٣٩ ]
مذهب ابن القيم وشيخه ابن تيمية في المسألة
وقد احتجَّ كلٌّ من الفريقَين بحُججٍ، وقد استوفاها ابنُ القيمِ في كتابَيْه: «حادي الأرواح إلى بلادِ الأفراح» (^١)، الذي خصَّه في شأن الجنةِ، وكذا في كتابِه: «مفتاحُ دارِ السعادة» عرضَ لهذه المسألةِ (^٢)، والراجَّحُ عنده أنها جنةُ الخلد، وهو واضحٌ من كلامه في الكتابين، وهذا - والله أعلمُ - يمكنُ أن نقولَ: إنَّه ظاهرُ القرآنِ؛ فموسى يقولُ لآدم: «أخرجتك خطيئتك من الجنة» (^٣)، وهو الصواب.
قال شيخُ الإسلام ﵀: «والجنةُ التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنَّةِ والجماعة: هي جنةُ الخلدِ، ومَن قال: إنَّها جنةٌ في الأرض بأرضِ الهندِ أو بأرضِ جدةِ أو غير ذلك؛ فهو من المتفلسفة والملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين، فإنَّ هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة، والكتابُ والسنَّةُ يردَّان هذا القولَ، وسلفُ الأمةِ وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول» (^٤).
_________________
(١) ينظر: حادي الأرواح (١/ ٤٧ - ٩٠).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٧ - ٨٧) «هذا ظاهر كلامه من طريقة عرضه للمسألة» قاله شيخنا. وكذا في قصيدته «الميمية» ما يدلُّ على ترجيحه القولَ الأول، حيث قال: فَحَيَّ عَلىَ جَنَاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا … مَنَازِلُكَ الأولىَ وَفِيهَا المُخَيَّمُ وَلكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تُرَى … نَعُودُ إلىَ أَوْطَانِنَا وَنُسَلِّمُ؟ ينظر: مفتاح دار السعادة (١/ ٤٢٥)، وحادي الأرواح (١/ ١٤)، وطريق الهجرتين (١/ ١٠٨)، وإغاثة اللهفان (١/ ١١٧)، ومدارج السالكين (١/ ١٨٨).
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٠٩) مسلم (٢٦٥٢ - ١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٧) وقارن بما في النبوات (٢/ ٧٠٥ - ٧٠٧).
[ ١٤٠ ]
أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾
والظاهرُ أنَّ سجودَ الملائكةِ لآدمَ، وما كان من إبليسَ؛ أنَّ ذلك كلَّه كان في السماءِ، والجنةُ في السماءِ، وأيضًا قولُه تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] يدلُّ على أنهم ما كانوا في الأرضِ، بل أُهبِطُوا إلى الأرض، ومن يقول: إنها جنةٌ غير جنةِ الخلدِ يقول: إنها جنةٌ في الأرضِ، واللهُ أعلم.
قوله: (وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه):
المناسب أن يقال خليفة الله في أرضه، وكأنه ﵀ أخذه من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وفي الآية أقوالٌ للمفسرين (^١) هذا أحدُها، وقيل: سُمِّي آدمُ خليفةً؛ لأنه صار خليفةً لخلقٍ قبله كانوا على الأرض، وقيل: سُمِّي خليفةً؛ لأنَّ اللهَ جعله وذريته خلائف؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، والقول الذي مشى عليه المؤلف، وهو أنَّ آدمَ خليفةُ اللهِ؛ ضعيفٌ، إلَّا أن تكون الإضافةُ للتشريف، فإنَّ الخليفةَ مَنْ يخلف غيره إذا غاب أو مات، واللهُ تعالى حيٌّ لا يموتُ وشاهدٌ لا يغيبُ، فلا يكون أحدٌ خليفةً عنه، بل هو تعالى الذي يخلف عبدَه في مغيبه أو موته؛ كما في دعاء السفر: «اللهمَّ أنت الصاحبُ في السَّفر، والخليفةُ في الأهل» (^٢)، وكما
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١/ ٤٧٦ - ٤٨١)، وزاد المسير (١/ ٥٠)، وتفسير ابن كثير (١/ ٢١٦ - ٢٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٤٢) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ١٤١ ]
هل يقال: آدم خليفة الله؟
سبب تسمية الملوك بالخلفاء
قال ﷺ في حديث الدَّجَّال: «وإن يخرج، ولست فيكم فامرؤ حجيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كلِّ مسلمٍ» (^١).
وبعد فهل يقال آدمُ خليفةُ الله؟ (^٢) نقول: لا يجوزُ ذلك؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنَّة وَصْفُ آدمَ بأنه خليفة الله؛ يعني خليفة عنه، أو خليفة الله من باب التشريف؛ لأنَّها إضافةُ مخلوقٍ إلى خالقه، ومن باب أولى أنَّه لا يجوز أن يُقال للإنسان خليفة الله كما يجري على أَلسن كثيرٍ من الناس في هذا العصر.
وحقَّقَ هذا المعنى شيخُ الإسلام ﵀ (^٣)، وابنُ القيم في «مفتاحِ دارِ السعادة» (^٤) حين شرحَ وصايا عليٍّ ﵁ لصاحبِه كُمَيْلِ بن زياد (^٥).
والتعبيرُ عن الملوكِ بأنهم خلفاءٌ؛ راجعٌ إلى أنَّ بعضهم يخلفُ بعضًا، فهذا يموتُ أو يُعزلُ، ثم يأتي مَنْ بعده، فالذي جاءَ خليفةٌ عمَّن قبله، فهم خلفاءُ بهذا الاعتبار، وليس في ذلك فضيلةٌ، أو خصوصية
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان ﵁.
(٢) ينظر: فتاوى النووي (ص ٢٢٥)، والفتوحات الربَّانية على الأذكار النواوية لابن علَّان (٧/ ٨٢ - ٨٣)، والسلسلة الضعيفة (١/ ١٩٧ - ١٩٨ رقم ٨٥)، ومعجم المناهي اللفظية (ص ٢٥٢).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤٣ - ٤٤)، ومنهاج السنة (١/ ٥٠٨ - ٥١٠)، (٧/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، وبيان تلبيس الجهمية (٦/ ٥٨٩ - ٥٩٩).
(٤) مفتاح دار السعادة (١/ ٤٢٧ - ٤٣٢). وينظر: زاد المعاد (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥).
(٥) كميل بن زياد بن نهيك بن الهيثم النخعي الكوفي، حدَّث عن: عمر وعثمان وعليٍّ وغيرهم، وروى عنه: أبو إسحاق السبيعي والأعمش وغيرهم، كان شريفًا مطاعًا في قومه، قتله الحجاج بن يوسف بالكوفة سنة (٨٢ هـ). ينظر: الطبقات لابن سعد (٨/ ٢٩٩)، وتاريخ دمشق (٥٠/ ٢٤٧).
[ ١٤٢ ]
بتسميته خليفةً أو ملكًا فهما سيَّان، وتفاضل هؤلاء الملوك أو الخلفاء بحسب ما يقيمونه من الدين والعدل فأفضلهم أقومهم بأمر الله؛ فالخلافةُ ذات الفضيلةِ هي خلافةُ النبوة، وهي مُختصَّةٌ بخلافةِ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ليس إلَّا، بدليل ما جاء في الحديث الصحيح: «خلافةُ النبوةِ ثلاثون سنةً ثم يؤتي اللهُ الملكَ مَنْ يشاء» (^١)، ولهذا يُعرَف هؤلاء بالخلفاء الراشدين، ويقال: زمنُ الخلافةِ الراشدة، وسماهم النبيُّ ﷺ بالخلفاء الراشدين المهديين؛ في قوله ﷺ: «عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين من بعدي …» الحديث (^٢)، أمَّا مَنْ بعد
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٩١٩)، وأبو داود (٤٦٤٦ - ٤٦٤٧)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في «الكبرى» (٨١٥٥)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١١٨٥)، وابن حبان (٦٦٥٧)، والحاكم (٤٤٣٨)، من طرق، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة مولى رسول الله ﷺ مرفوعًا. قال الترمذي: «هذا حديث حسن، قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، ولا نعرفه إلا من حديثه». وقال ابن أبي عاصم: «حديث ثابت من جهة النقل، سعيد بن جمهان روى عنه حماد بن سلمة والعوَّام بن حوشب وحشرج». وسعيد بن جمهان؛ وثقه أحمد وابن معين، وأبو داود. ينظر: تهذيب التهذيب (٤/ ١٤، رقم ١٥)، وقال ابن حجر في التقريب (٢٢٧٩): «صدوق له أفراد»، واحتج بحديثه هذا الإمام أحمد كما في السنة للخلَّال (٢/ ٤٢١، رقم ٦٣٠)، وصححه ابن حبان، والحاكم، والألباني في «الصحيحة» (٤٥٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٧١٤٤)، والدارمي (٩٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، والطبراني في «الكبير» (٦١٧)، والحاكم (٣٣٣) وغيرهم، من طريق أبي عاصم الضحَّاك، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، به. لذلك قال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٨٨ - ٨٩): «عبد الرحمن بن عمرو السلمي مجهول الحال، والحديث من أجله لا يصح». =
[ ١٤٣ ]
هل عمر بن عبد العزيز ﵀ من الخلفاء الراشدين؟
معنى قوله: (وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به)
الخلفاءِ الراشدين؛ فهي خلافةٌ عاديةٌ ليس لها فضيلةٌ، إلَّا بحسب ما تتميزُ به من القيامِ بأمرِ الله، ولهذا تَمَيَّزَ عمرُ بن عبد العزيز ﵀ بِمَا وفَّقَه اللهُ له من العدلِ والقيامِ بدين الله، فكان معدودًا عند بعضِ أهل العلم من الخلفاءِ الراشدين (^١)، ولا ريب أنه خليفةٌ راشدٌ ومَلِكٌ عادلٌ، لكنه لا يبلغ درجةَ الخلفاء الأربعة الراشدين، بل ولا معاوية ﵁؛ لِمَا له من فضيلة الصُحبةِ التي لم يُدركها عمرُ ﵄، وأمَّا مَنْ سِواه؛ فهم خلفاءُ وملوك؛ لأنَّهم كما تقدَّمَ يخلفُ بعضُهم بعضًا، فاللاحقُ خليفةٌ عن السابقِ، وتقدم ذكر ما يتفاضلون به، واللهُ أعلم.
قوله: (وخلقَ النارَ فأعدَّها دارَ خلودٍ لمن كفرَ به وأَلحدَ في آياته وكتبه ورسله، وجعلهم محجوبين عن رؤيته):
هذه الجملةُ مُتَّصلةٌ بالتي قبلها، والكلامُ فيها مُرتبطٌ بما قبله في مسألةِ وجود الجنة والنار، ودوامهما، فالجنةُ والنارُ موجودتان، وقد خُلقتا للبقاء، فاللهُ خلقَ الجنة وجعلها دارَ خلودٍ لأوليائه، وخلقَ النارَ
_________________
(١) =لكن جاء هذا الحديث من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن عمرو مقرونًا بحجر بن حجر الكلاعي عن العرباض به، كما عند أحمد (١٧١٤٥)، وأبي داود (٤٦٠٧)، والحاكم (٣٣٢)، وابن حبان (٥)؛ وحجر بن حجر «مقبول» كما في «التقريب» (١١٤٣). وله طرق وشواهد تنظر في: الإرواء (٢٤٥٥). وقد صحَّح الحديث: الترمذي، والحاكم، والبزار، وابن عبد البر -كما في «جامع بيان العلم» (٢/ ٩٢٤ رقم ١٧٥٨)، (٢/ ١١٦٤ - ١١٦٥ رقم ٢٣٠٦) -، والألباني في «الإرواء» (٢٤٥٥)، و«الصحيحة» (٩٣٧)، (٢٧٣٥).
(٢) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٨/ ١٤٧٣ - ١٤٧٥)، والثقات لابن حبان (٥/ ١٥١)، وجامع المسائل (٥/ ١٤٦)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٢٠).
[ ١٤٤ ]
مذاهب الناس في فناء الجنة والنار
وجعلها دارَ خلودٍ لأعدائِه الكافرين، وقد تقدم ذِكر الأدلة على ذلك قريبًا؛ كقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران]، وقوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (٢٤)﴾ [البقرة]، ومن الأدلة على دوامهما قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] في عدد من الآيات، وقوله في أهل النار في عدد من الآيات: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩].
وقد اتفقَ أهلُ السُّنةِ على أنَّ الجنةَ والنار موجودَتان مخلوقتان، لا تفنَيان أبدًا ولا تبيدان، وذهب الجهمُ بن صفوان ومَن تبعه إلى القول بفناء الجنةِ والنارِ؛ لأنَّ من الممتنع عنده دوامُ المخلوقات في الماضي، والمستقبل (^١). أمَّا الجنةُ فقد أجمعَ أهلُ السنَّةِ على دوامِها وبقائها، وأمَّا النارُ فمنهم مَنْ يَحكي الإجماعَ (^٢)، ومنهم مَنْ يحكي بعضَ الخلافِ في دوامِ النار، وجمهورُ أهلِ العلمِ والسَّلفِ على أنَّ النارَ دائمةٌ لا تفنى
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة (١/ ١٤٦ - ١٤٧)، (١/ ٤٣٢ - ٤٤٦)، وشرح الأصبهانية (ص ٣١١ - ٣١٢)، ودرء التعارض (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، (٣/ ١٥٧ - ١٥٨)، (٨/ ٣٤٥ - ٣٤٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٥٣ - ١٥٤)، وحادي الأرواح (٢/ ٧٢٣ - ٧٢٩).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة: على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين، كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها». مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧). وينظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٦٤)، والفصل (٤/ ٦٩ - ٧٠)، ومراتب الإجماع لابن حزم (ص ٢٦٧ - ٢٦٨)، والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (٢/ ٩٢٦).
[ ١٤٥ ]
- نعوذ بالله من النار -، ويشهد لما قال المؤلف قولُ ابن أبي زَمَنين (^١) في كتابه «أصول السنة»؛ قال: «باب في الإيمان بأنَّ الجنة والنار لا يفنيان
قال محمد (^٢): وأهل السنة يؤمنون بأنَّ الجنة والنار لا يفنيان ولا يموت أهلُوها» (^٣).
وقد عرضَ ابنُ القيم في كتابَيْه «حادي الأرواح»، و«شفاء العليل» لمسألةِ دوامِ الجنةِ والنار (^٤)، وقال في «شفاء العليل» (^٥): وسألت عنها شيخَ الإسلام، فقال: هذه مسألةٌ عظيمةٌ كبيرةٌ، ولم يُجب ثم إنَّه ألَّف فيها المؤلَّف المعروف (^٦)، وحكى في «حادي الأرواح» أنَّ شيخَ الإسلام قال: «فيها قولان معروفان عن السَّلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين» (^٧).
_________________
(١) ابن أبي زَمَنين: محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المريِّ، الأندلسي، أبو عبد الله، شيخ قرطبة، اشتُهر بابن أبي زمنين، كان من أجلِّ أهل زمانه قدرًا في العلم والرواية والحفظ، له مصنفات منها: «مختصر المدونة»، و«منتخب الأحكام» وغيرها، توفي سنة (٣٩٩ هـ). ينظر: ترتيب المدارك (٧/ ١٨٣)، والسير (١٧/ ١٨٨).
(٢) هو ابن أبي زمنين.
(٣) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٨٣).
(٤) ينظر: شفاء العليل (٢/ ٢٨٩ - ٣٢٩)، وحادي الأرواح (٢/ ٧٣٠ - ٧٩٢). وعرضها أيضًا في مختصر الصواعق (٢/ ٦٣٧ - ٦٨٥).
(٥) بمعناه في شفاء العليل (٢/ ٣٢٧).
(٦) وهو المعروف بعنوان «الرد على من قال بفناء الجنة والنار وبيان الأقوال في ذلك» طُبع بدار بلنسية في الرياض عام (١٤١٥ هـ) بتحقيق: محمد بن عبد الله السمهري.
(٧) حادي الأرواح (٢/ ٧٣٠)، وينظر: الرد على من قال بفناء الجنة والنار (ص ٥٢).
[ ١٤٦ ]
مذهب ابن تيمية وابن القيم في مسألة فناء النار
تفسير آية ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾
ولا يجوزُ أن يُنسبَ إلى شيخِ الإسلام ولا لابنِ القيمِ القولُ بفناءِ النارِ؛ لأنَّه لم يُصرِّحْ واحد منهما بفناءِ النارِ، وإنَّما يذكران الخلافَ، ووجوهَ الاستدلالِ (^١).
فمِن شُبَه القائلين بفناءِ النار: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ [هود]، وأجيب بأن المُرادُ مدَّةُ مُكثِهم في الدنيا، أو مُكثُهم في البرزخِ، أو في مواقفِ القيامة (^٢).
_________________
(١) اختلف العلماء في بيان موقف شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم من هذه المسألة إلى أقوال: الأوَّل: القائلون بأنَّهما يقولان بفناء النار، نسبه إليهما أعداؤهما من المتجهمة كالحصني في «دفع شُبه من شبَّه وتمرد!» (ص ٥٨) والسبكي فقد أشار إليه في رسالة «الاعتبار ببقاء الجنة والنار» (ص ٦٧)، ونسبه إليهما بعض الموافقين لهما؛ كالصنعاني في رسالته «رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار» (ص ٦٣) وما بعدها. الثاني: القائلون بأنَّهما لا يقولان بفناء النار؛ لأن هذا قول السلف، وهما يقولان به؛ إذ هما يُعدان من أكبر شُرَّاح عقيدة السلف، ففي بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٦٩)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧) لشيخ الإسلام، والوابل الصيب (ص ٤٢ - ٤٣)، وزاد المعاد (١/ ٦٨) لابن القيم، ما يُفهم أنَّهما يقولان ببقاء النار ودوامها. الثالث: القائلون بأنَّهما يميلان إلى القول بفناء النار؛ لعدم التصريح بإبطال القول بفناء النار، فمجمل الكلام يُشعِر بأنَّهما يرتضيان هذا القول، وإن لم يصرحا به. ينظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٢٣٥). الرابع: التوقف وأنَّ الله فعَّال لما يريد. قاله ابن القيم في شفاء العليل (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، ومختصر الصواعق (٢/ ٦٦٣)، وحادي الأرواح (٢/ ٧٩١)، ونقل عن شيخ الإسلام أنَّه قال: هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء قبل أن يصنف كتابًا في هذه المسألة.
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨)، وزاد المسير (٢/ ٤٠١ - ٤٠٢)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٣٥١ - ٣٥٢)، ودفع إيهام الاضطراب (ص ١٣٣) وما بعدها.
[ ١٤٧ ]
الرد على من زعم ألا ثمرة ترجى من الكلام عن فناء النار ودوامها
وأحسنُ ما قِيلَ في هذا - واللهُ أعلم - أنَّ قوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾؛ المرادَ به بيانُ أنَّ خلودَ أهلِ النار فيها بمشيئتِه سبحانه، وهكذا أهلُ الجنة، فدوامُ الجنةِ والنار وبقاؤهما وبقاءُ أهلهما إنما هو بمشيئتِه وبإبقائه تعالى، فليس بقاءُ الجنةِ والنار أو أهلِ الجنةِ والنار كبقاءِ الله، فبقاءُ اللهِ ذاتيٌّ له، وحياتُه ذاتيةٌ له، أمَّا بقاءُ الجنةِ والنار؛ فبإبقائِه تعالى وبمشيئتِه (^١).
ومع ذِكرِ شيخِ الإسلام وابنِ القيم للقولين؛ لا أذكرُ أنَّهما أضافا - يعني القولَ بفناءِ النار - إلى مُعَيَّنٍ من أهلِ العلم؛ سوى ما رُوي عن بعض الصحابةِ، وإنما يذكران القولَين إجمالًا.
وبعضُ الناس يقول: ما ثمرةُ الكلامِ في فناء النار ودوامها؟ وهذا جاهلٌ يظنُّ أنَّه لابدَّ في كلِّ مسألةٍ خلافيةٍ ثمرةٌ عَمَليةٌ، وهذا يُقال في مسائل أحكام الأفعال، وأمَّا مسائلُ الاعتقادِ؛ فالأصلُ أنَّ المطلوبَ فيها الإيمانُ، والخلافُ فيها يكون بالنفي والإثبات، وثمرةُ الكلامِ فيها، وذِكر الخلافِ: معرفةُ الحقِّ من الباطل من أقوال الناس.
* * * * *
_________________
(١) ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٦٢٩)، ومعارج القبول (٣/ ١٠٤٠)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ٣١٨).
[ ١٤٨ ]