(وأنَّ خيرَ القرونِ القرنُ الذين رأوا رسولَ الله ﷺ وآمنوا به، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وأفضلُ الصحابةِ: الخلفاءُ الراشدون المهديون؛ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃ أجمعين.
وأن لا يُذكَر أحدٌ من صحابة الرسول ﷺ إلَّا بأحسن ذِكرٍ، والإمساك عمَّا شجر بينهم، وأنَّهم أحقّ الناس، أن يُلتمَسَ لهم أحسنُ المخارج، ويظنَّ بهم أحسنُ المذاهب).
قوله: (وأنَّ خيرَ القرونِ): معطوفٌ على ما تقدَّم؛ فالمعنى: ويجب الإيمانُ أنَّ خيرَ القرون القرنُ الذين رأوا النبي ﷺ، والقرنُ: هو الجيلُ من الناس.
وقوله: (الذين رأوا رسولَ الله): هذا يدلُّ على أنَّ الصحابيَّ عنده: كلُّ مَنْ رأى النبيَّ ﷺ، ولا بدَّ من قيد «وهو مؤمنٌ به»، وأصح من هذا ما قال الحافظُ ابنُ حجر في تعريف الصحابي: هو مَنْ لَقِيَ النبيَّ ﷺ مؤمنًا به؛ ليدخل الأعمى في التعريف، فإنَّ التقييدَ بالرؤية يُخرِجُ الأعمى؛ كابن أمِّ مكتوم، فقد لقي النبيَّ، ولم يره (^١).
_________________
(١) ينظر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص ١٣٦).
[ ١٧٠ ]
الدليل على تفضيل القرون الثلاثة وترتيبها
معنى القرن
وقوله: (ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم): يريد: أنَّ القرنَ الثاني بعد القرن الأول في الخيرية، والقرنُ الثالثُ بعد الثاني في الفضل والخيرية، ودليلُ هذا التفضيل والترتيب حديثان متفقٌ عليهما عن ابن مسعود، وعِمران بن حُصين، وفيهما قوله ﷺ: «خيرُكم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (^١)، وقال عمران في حديثه: «فلا أدري أذَكرَ بعد قَرنِه قَرنينِ أو ثلاثةً»، فالقرونُ المفضَّلةُ قطعًا ثلاثة، وتُعرَفُ هذه القرونُ عند أهل العلم بالقرون المفضَّلة، وهم ثلاثةُ أجيالٍ من الناس، والقرنُ في اصطلاح المؤرخين: مقدارٌ من الزمن، وهو مئةُ سنةٍ، وهذا هو الذي اشتهر في عُرف الناس، فالقرونُ المفضلة عندهم هي المئةُ الأولى والثانية والثالثة، وفي تاريخ الأمة؛ يقولون: المئة الرابعة والخامسة أو القرن الرابع والخامس، وفي وقتنا هذا؛ يقولون: القرن الخامس عشر ابتداءً من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، ولا يخفى أنَّ القرن في اصطلاح المؤرخين أطولُ من عمر الجيلِ الواحد (^٢)، ولهذا انقرضَ معظمُ الصحابةِ في حدود الثمانين من الهجرة.
وقوله: (وأفضلُ الصحابةِ …) إلى آخره: ودليلُ هذا التفضيل؛ ما ورد من الأحاديث في فضل الخلفاء الراشدين الأربعة إجمالًا؛ كقوله ﷺ:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥ - ٢١٤) عن عمران، وعن ابن مسعود ﵄ بلفظ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» عند البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٥ - ٢١٢).
(٢) ينظر الخلاف في تحديد مدة القرن في: مشارق الأنوار (٢/ ١٧٩)، ولسان العرب (١٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وفتح الباري (٧/ ٥).
[ ١٧١ ]
فضل الخلفاء الراشدين وترتيبهم
تفاضل وتفاوت درجات الصحابة
وسطية أهل السنة في باب الصحابة وغيره
وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة وعذرهم وإحسان الظن بهم
«عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين من بعدي» (^١)، وما ورد في فضل كلِّ واحدٍ منهم تفصيلًا، وترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فأفضلُهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي؛ كما ذكر المؤلف، وقد اقتصر ﵀ في المفاضلة بين الصحابة على ذكر الخلفاء الراشدين، وهذا هو ما استقرَّ عليه أمرُ أهلِ السنَّةِ، فعُلم بذلك أنَّ الصحابةَ وإن اشتركوا في فضل الصُحبةِ؛ فهم متفاضلون بحسب ما ورد من الفضائل والتفضيل لفردٍ أو جماعةٍ منهم، ولهذا قال أهلُ السنَّة: أفضلُ الصحابةِ الخلفاءُ الراشدون - كما تقدَّم - ثم بقيَّةُ العشرة المبشَّرين بالجنة، ثم أهلُ بدرٍ، ثم أهلُ بيعةِ الرِّضوان، ومن ذلك تفضيلُ المهاجرين على الأنصار، والمعوَّلُ في ذلك كلِّه على الأدلة من الكتاب والسنَّة.
وقضيةُ الصحابة هي من القضايا العقديةِ التي افترقَت فيها الأمَّةُ، فقوم غلَوا وقومٌ جفَوا، وتوسَّطَ أهلُ السنَّة، ولهذا يقولُ شيخُ الإسلام في «العقيدة الواسطية»: وهم وسطٌ - أي أهلُ السنَّة - في أصحابِ رسولِ الله ﷺ، بين الرافضةِ والخوارج (^٢).
وقوله: (وأن لا يُذكَر أحدٌ من صحابة الرسول ﷺ …) إلى آخره: معناه: أنَّ هذا كلَّه واجبٌ على الأمَّة لأصحاب رسولِ الله ﷺ، فحقٌّ على جميع الأمة أن لا يذكروا أحدًا من الصحابة إلا بأحسن الذِّكرِ، ويُمسكوا عمَّا جرى بينهم من الاختلاف والقتال فلا يخوضوا فيه إلا مع التماس العذرِ، فهم أحقُّ الناس بحُسن الظنِّ، ومن أحسن الكلامِ المناسبِ
_________________
(١) تقدم تخريجه في (ص ١٤٣).
(٢) بمعناه في العقيدة الواسطية (ص ٨٢).
[ ١٧٢ ]
لهذا المقام قولُ شيخِ الإسلام في «العقيدة الواسطية» عن أهل السنَّةِ: «ويُمسكون عمَّا شجر بين الصحابة، ويقولون: إنَّ هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذبٌ، ومنها ما قد زِيدَ فيه ونقصَ وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيحُ منه هم فيه معذورون إمَّا مجتهدون مُصيبون، وإمَّا مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أنَّ كلَّ واحدٍ من الصحابة معصومٌ عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوبُ في الجملة، ولهم من السوابق والفضائلِ ما يُوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنَّه يُغفَرُ لهم من السيئات ما لا يُغفر لمن بعدهم؛ لأنَّ لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم» (^١).
وقول المؤلف: (ويُظَنُّ بهم أحسن المذاهب): أي: أحسن الآراء، فإنَّ مَنْ رأى رأيًا فهو مذهبه، ولهذا يقال: يرى في هذه المسألة كذا، ويذهب إلى كذا؛ فمعنى الجملة: ويُظَنُّ بهم أحسن الظنون، ومن حقِّ الصحابة على الأمة محبَّتُهم لفضلهم عند الله، والحذر من بُغض أحدٍ منهم، ولهذا قال الطحاوي في عقيدته: «ونحبُّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ، ولا نُفْرِطُ في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرأُ من أحدٍ منهم، ونبغِضُ مَنْ يُبغِضُهم، وبغيرِ الخيرِ يذكرُهم، ولا نذكرهم إلا بخيرٍ، وحبُهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ» (^٢)، ومِن أحسن ما يُذكَر في هذا المقام عبارةٌ لشيخ الإسلام ابن تيمية في بيان منزلة الصحابة؛ قال ﵀ في «العقيدة الواسطية»: «ومَن نظر في سيرة القومِ بعلمٍ
_________________
(١) العقيدة الواسطية (ص ١٢٠).
(٢) الطحاوية وشرحها لابن أبي العز (٢/ ٦٨٩).
[ ١٧٣ ]
توجيه حديث: للعامل في أيام الصبر أجر خمسين
هل كل صحابي أفضل من كل من جاء بعد الصحابة؟
وبصيرةٍ، وما مَنَّ اللهُ به عليهم من الفضائل؛ عَلِم يقينًا أنَّهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان، ولا يكون مثلهم» (^١)، وأمَّا ما ورد في صفة وأجر الغرباء، وأنَّ للعامل في أيام الصبر أجر خمسين من الصحابة (^٢)؛ فهو محمولٌ عند أهل العلم على الفضل المقيَّدِ: فلهم أجرُ خمسين في صبرهم على البلاء، وتسلُّطِ الأعداءِ، مع قلَّةِ المعين، لا أنَّ لهم أجر خمسين من الصحابة في كلِّ عملٍ؛ بل هم أفضلُ من الصحابة في خصلةٍ من خصال الدِّين، وفضيلةٍ من الفضائل، فالتفضيلُ المقيَّدُ لا يُوجبُ الفضلَ المطلقَ (^٣).
وهذا التفضيلُ الذي ذكره المؤلف ظاهرُه الإجمالُ، أي تفضيلُ أهلِ القرن الأوَّل على القرن الثاني إجمالًا، ثم يقال: هل كلُّ صحابيٍّ أفضلُ من كل مَنْ جاء بعد الصحابة؟ هذا محلُّ خلافٍ ونظر، ويمكن
_________________
(١) العقيدة الواسطية (ص ١٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٤١) والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤) من طرق عن عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال: حدثني أبو أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني … وفيه سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: «فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن على مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا، يعملون بمثل عمله». وعمرو بن جارية وأبو أمية فيهما جهالة. قال ابن حجر في كل واحد منهما: «مقبول» يعني عند المتابعة، وإلا فليِّن الحديث. ينظر: التقريب (٤٩٩٧)، (٧٩٤٧). وعتبة بن أبي حكيم فيه خلاف من قبل حفظه، وقال ابن حجر فيه: «صدوق يخطئ كثيرًا» التقريب (٤٤٢٧). وللحديث شواهد من حديث ابن مسعود وعتبة بن غزوان ﵄. ينظر: الصحيحة (٤٩٤).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٧١)، (١٣/ ٦٥ - ٦٦).
[ ١٧٤ ]
أن يَصدُقَ هذا على بعض الصحابة؛ كالخلفاء الراشدين وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فمن الصحابةِ مَنْ نعلمُ أنَّه خيرٌ من كلِّ مَنْ جاء بعد الصحابةِ، وفي بعضهم يمكن أن يكونَ محلَّ نظرٍ وتأمُّلٍ، واللهُ أعلم (^١).
* * * * *
_________________
(١) ينظر: التمهيد (٢٠/ ٢٥٠ - ٢٥٥)، والكافية الشافية (٣/ ٩١١ - ٩١٤)، وفتح الباري (٧/ ٦ - ٧).
[ ١٧٥ ]