(وأنَّ اللهَ ﵎ يجيءُ يومَ القيامة: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر]؛ لعرض الأمم وحسابِها وعقوبتِها وثوابِها، وتوضَعُ الموازينُ لوزنِ أعمالِ العبادِ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٨)﴾ [الأعراف]، ويؤتَون صحائفهم بأعمالهم: فمَن أُوتي كتابَه بيمينه فسوف يحاسَبُ حسابًا يسيرًا، ومَن أُوتي كتابَه وراءَ ظهرِه فأولئك يَصلون سعيرًا.
وأنَّ الصراطَ حقٌّ، يَجُوزُه العبادُ بِقدْر أعمالِهم، فناجون مُتفاوتون في سرعة النجاةِ (^١) من نار جهنم، وقومٌ أَوْبَقتهم فيها أعمالُهم.
والإيمانُ بحوض رسولِ الله ﷺ، تَرِدُه أُمَّتُه لا يظمأُ مَنْ شربَ منه، ويُذادُ عنه مَنْ بدَّلَ وغيَّرَ).
في هذه الجملة مسائلُ ممَّا يجب الإيمانُ به، ويدخل في الإيمان باليوم الآخر، وكان الأَوْلى من المؤلف أن يذكرَها قبل الكلامِ في الجنة والنار في وجودهما ودوامهما؛ لأنَّ كلَّ هذه المسائل متقدِّمةٌ على الجنة والنار في وقتها وترتيبها، فالجنةُ والنارُ منتهى العبادِ بعد الحساب:
_________________
(١) في النسخ المطبوعة زيادة (عليه) ورجَّح شيخنا حذفها؛ لأنَّها لا تناسب السياق.
[ ١٤٩ ]
المسألة الأولى: قوله: (وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة) إلى آخره
عقيدة أهل السنة في صفة المجيء
تعطيل المبتدعة لصفة المجيء
عدم صحة ما يروى عن الإمام مالك في تأويله لصفة المجيء
المسألة الأولى: قوله: (وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة …) إلى آخره: أي: يجيءُ للفصلِ بين عباده، وجزائِهم على أعمالهم، وذلك بثوابِ المؤمنين المتقين، وبعقابِ الكافرين، ومن شاءَ الله من المُوحِّدين، والمراد من هذا تقريرُ إثباتِ مجيء الرب تعالى يوم القيامة كيف شاء، وقد جاءَ هذا المعنى في ثلاثِ آياتٍ؛ قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر].
فأهلُ السُّنةِ والجماعة يُؤمنون بظاهرِ هذه الآيات، ويقولون: إنَّ الله يجيءُ يوم القيامة كيف شاءَ، كما يقولون: إنه ينزلُ إلى السماءِ الدنيا كيف شاءَ، وأنه استوى على العرشِ كيف شاء لأنه تعالى فعَّال لما يريد.
فالمجيءُ من أفعاله التي يفعلُها بمشيئته، فيُثبتون المجيءَ حقيقةً، أي: يأتي هو نفسه تعالى لكن لا نعلم كُنْهَ مجيئِه، كما لا نعلمُ كيفيةَ نزولِه، أو كيفيةَ استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته. فالمجيءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عن الكيفيةِ بدعةٌ.
أمَّا نفاةُ الصفاتِ من الجهميةِ والمُعتزلة، ونفاةُ الأفعالِ كالأشاعرة ونحوهم؛ فينفون حقيقةَ المجيء كما ينفُون حقيقةَ النزولِ والاستواء على العرش، وأكثرُهم يتأوَّلون قولَه تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]؛ أي: جاء أمرُه (^١)، وقد روي عن مالك ﵀ ما يصلح أن يكون شبهة لأهل
_________________
(١) وقد أبطل وردَّ ابن القيم على من حرَّف صفة المجيء وفسَّرها بمجيء أمره؛ بعشرة أوجه. ينظر: مختصر الصواعق المرسلة (٣/ ٨٥٦ - ٨٦٠). وينظر أيضًا: شرح حديث النزول (ص ١٣٩ - ١٤٩)، و(ص ٢٣٣ - ٢٣٦).
[ ١٥٠ ]
معنى الحساب اليسير
المسألة الثانية: قوله: (وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد)
عقيدة أهل السنة في الميزان
هذا التأويل من المالكية، وهو أنه سئل عن الحديث: «إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا» (^١) فقال: «يتنزل أمره». ولا يصح عنه (^٢).
ومن الحساب: حسابٌ يسير، وفسَّره النبي ﷺ بالعَرْضِ؛ أي: عرض الأعمال كما في الحديث: «يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم ويقول أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم فيقرره ثم يقول إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (^٣).
المسألة الثانية: قوله: (وتوضَعُ الموازينُ لوزنِ أعمالِ العبادِ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٨)﴾ [الأعراف]): من عقيدةِ أهلِ السنَّةِ: الإيمانُ بالميزان الذي تُوزن به أعمال العباد، وقد دلَّ على ذلك الكتابُ والسنَّةُ؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون (١٠٣)﴾ [المؤمنون].
وقوله ﷺ: «الطُّهورُ شطرُ الإيمان، والحمدُ لله تملأ الميزان» (^٤)، وقوله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) عن أبي هريرة ﵁، وهو حديث متواتر. ينظر: نظم المتناثر (ص ١٧٨ رقم ٢٠٦).
(٢) رويت من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب وهو كذَّاب باتفاق أهل العلم، ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر وفي إسنادها محمد بن علي الجبلي وهو مجهول. ينظر: التمهيد (٧/ ١٤٣ - ١٤٤)، وشرح حديث النزول (ص ٢١٠)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٤٠٥)، ومختصر الصواعق (٣/ ١٢٣٧ - ١٣٣٨).
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
[ ١٥١ ]
إنكار بعض المبتدعة للميزان
إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (^١)، ومن السنَّة أيضًا: حديث صاحب البطاقة (^٢).
ومن المبتدعة مَنْ أنكرَ حقيقةَ الميزان ووزْنَ الأعمالِ، وقالَ: إنَّ المُرادَ بالميزان: العدلُ (^٣)، وهذا يقتضي نفي حقيقة الميزان، فعندهم ليس هناك ميزانٌ له كفَّتان تُوضعُ فيهما الحسناتُ والسيئات.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٨٢)، ومسلم (٢٦٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٦٩٩٤)، والترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠) من طريق الليث بن سعد عن عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم. فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء» وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أحمد وابن ماجه قريب منه. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وقال الحاكم في «المستدرك» رقم (٩): «صحيح الإسناد على شرط مسلم». وأبو عبد الرحمن الحُبُلي هو عبد الله بن يزيد المعافري، وهو ثقة. كما في «التقريب» (٣٧١٢). وأخرجه أحمد (٧٠٦٦) من طريق ابن لهيعة، عن عمرو ابن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، به. وصحَّحه ابن حبان (٢٢٥)، وأحمد شاكر في تخريج «المسند» (٦/ ٤٣٦)، والألباني في «الصحيحة» (١٣٥).
(٣) كالإباضية، ونُسِب لبعض المعتزلة البغدادين دون البصريين. ينظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ٣٥٣)، ودرء التعارض (٥/ ٣٤٨)، والتذكرة للقرطبي (٢/ ٧٢٢)، وفتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، وشرح غاية المراد للخليلي الإباضي (ص ٩٦ - ٩٧).
[ ١٥٢ ]
المسألة الثالثة: قوله: (ويؤتون صحائفهم بأعمالهم)
عقيدة أهل السنة في إيتاء الكتاب باليمين والشمال
وهذا خلافُ ظاهرِ القرآن والسنَّة؛ قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء] (^١).
المسألة الثالثة: قوله: (ويؤتون صحائفَهم بأعمالهم: فمَن أُوتي كتابَه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حسابًا يسيرًا، ومَن أُوتي كتابَه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرًا).
ومن عقيدة أهلِ السنَّةِ والجماعةِ: الإيمانُ بإيتاء الكتابِ، وهو كتابُ الأعمال باليمين وبالشمال، وقد دلَّ على ذلك آياتٌ من سورة الانشقاق؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه (١٠)﴾ [الانشقاق] أي: بشماله من وراء ظهره، ومن سورة الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه (١٩) …﴾ [الحاقة] الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه (٢٥) …﴾ [الحاقة] الآيات، وكتابُ الأعمالِ هو الصُّحُفُ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَت (١٠)﴾ [التكوير]، ومن الأدلة على ذلك من السنَّة حديثُ صاحب البطاقة، وفيه أنه يُنشَر عليه تسعة وتسعين سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مدَّ البصر، ثم تُخرَجُ له بطاقةٌ فيها الشهادتان (^٢).
_________________
(١) ينظر: الشريعة للآجري (٣/ ١٣٢٨)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦/ ١٢٤٢)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٦٠٨)، وفتح الباري (١٣/ ٥٣٨).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
[ ١٥٣ ]
المسألة الرابعة: قوله: (وأن الصراط حق)
معنى الصراط
عبور الصراط خاص بالمنتسبين للإيمان
تفاوت الناس في عبورهم الصراط بحسب أعمالهم
المسألة الرابعة: قوله: (وأنَّ الصراطَ حقٌّ، يجوزه العبادُ بِقدر أعمالِهم، فناجون مُتفاوتون في سرعة النجاةِ من نار جهنم، وقومٌ أوبقتهم فيها أعمالُهم):
وكذلك ممَّا يجب الإيمانُ به - وهو داخلٌ في الإيمانِ باليوم الآخر -: الصراطُ، وهو جسرٌ منصوبٌ على متنِ جهنم يمرُّ عليه الناس، وظاهرُ الأدلةِ أنَّ الذين يمرُّون عليه هم المُنتسبون للإيمان، أمَّا الكفارُ وعُبَّادُ الأصنامِ والأوثانِ والصُلبان؛ فهؤلاء يُساقون إلى النارِ ابتداءً، فيُحشر الناسُ فيقال لهم: «لِيَتَّبعْ كلُّ أُمَّةٍ ما كانت تعبدُ»، فَمَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ يَتْبَعُ الشَّمْسَ، وَمَنْ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ يَتْبَعُ الطَّوَاغِيتَ وهكذا، كما جاء في حديثِ أبي سعيد الخدري في الصحيحين وغيرهما (^١).
فالذين يعبرون الصِّراطَ هم مُتفاوتون في العبورِ سرعةً وبطءًا؛ منهم من يمرُّ سريعًا كالبرقِ، ومنهم من يمرُّ كالريحِ، وكَأَجَاوِدِ الخيل، والرِّكَاب، ومنهم مَنْ يسعى سعيًا؛ أي: يركضُ، ومنهم مَنْ يمشي مشيًا، ومنهم مَنْ يزحفُ، وفي الحديثِ: «فناجٍ مُسلَّمٍ، وناجٍ مخدوشٍ، ومكدوسٍ في نار جهنم» (^٢).
فهذا الصِّراطُ يعبرُ عليه الناسُ بحسبِ أعمالِهم، فتجري بهم أعمالهم، كما كانوا في الدنيا: منهم المُسارعُ في الخيراتِ ومنهم مَنْ دون ذلك، ومنهم البطيءُ في فعلِ الخير، فكأنَّ هذا واللهُ أعلم ﴿جَزَاء وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ]، فمَن كان مُسارعًا في الخيراتِ في الدنيا؛ أسرعَ هناك
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) - واللفظ له -، ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٥٤ ]
المسألة الخامسة: قوله: (والإيمان بحوض رسول الله)
عقيدة أهل السنة في الحوض
يومَ القيامة وتجاوزَ الخطر، وعَبَر الصِّراطَ وزُحزحَ عن النار، ومن كان في هذه الدنيا بطيئًا في طاعةٍ كان سَيره هناك كذلك جزاء وفاقًا، وعلى كل حال مَنْ نجَاه الله من النارِ فهو الفائز؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (^١).
المسألة الخامسة: قوله: (والإيمانُ بحوض رسولِ الله ﷺ، تَرِدُه أُمَّتُه لا يظمأُ مَنْ شربَ منه، ويُذادُ عنه مَنْ بدَّلَ وغيَّرَ):
من عقيدة أهلِ السنَّةِ والجماعةِ: الإيمانُ بحوضِ النبي ﷺ، الذي جعله الله غياثًا لأمته في موقف القيامةِ تَرِدُ عليه أُمَّتُه، وهو حوضٌ عظيم وَصَفَه الرسولُ ﷺ، فوصفَ ماءَه وآنيتَه ومساحته، برواياتٍ مختلفة (^٢)؛ منها أنَّ طولَه شهرٌ، وعرضَه شهر، وماءه أشدُّ بياضًا من اللبنِ، وأحلى من العسل، وأطيب من المسك، وأبرد من الثلج، وآنيته عددَ نجومِ السماء، ترِدُ عليه أمته، فمَن كان مُستقيمًا على دينِ الله وسُنةِ رسولِ الله؛ وردَ وشربَ.
وأمَّا مَنْ غيَّر وبدَّل فإنَّه يطمعُ في الورودِ، ولكنه يُذاد (^٣)، ويُحال بينه وبين الورودِ، وقد صحَّت بذلك الأحاديثُ، وأنَّ الرسولَ ﵊
_________________
(١) ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٦٠٥)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٩)، ومعارج القبول (٣/ ١٠٢٦)، وتوضيح مقاصد الواسطية (ص ١٨١).
(٢) والأحاديث التي جاء ذكر الحوض فيها كثيرة جدًا بلغت مبلغ التواتر كما صرح بذلك جمع من الأئمة. ينظر: السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٣٢١)، والشريعة للآجري (٣/ ١٢٥٢)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٦/ ١١٨٨)، والبداية والنهاية (١٩/ ٤٢٣)، ونظم المتناثر (ص ٢٣٦، رقم ٣٠٥).
(٣) يذاد: يطرد. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ١٧٢).
[ ١٥٥ ]
هل الحوض قبل الصراط؟ أم بعده؟
عندما يُشاهِدُ بعضَ الأمةِ ممَّن يُذادُ؛ يقولُ: «فأقول أصحابي أصحابي»، فيُقالُ له: «إِنَّك لا تدري ما أَحدثوا بعدكَ؛ إِنَّهم ما زالوا مرتدِّينَ على أَعقابِهم منذ فارقتَهم»، فيقول ﵊: «سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي» (^١).
وهؤلاء الذين يُذادون عن الورودِ قد يكونون مُرتدِّين الرِّدةَ الكبرى التي يستوجبون بها دخولَ النار والخلودَ فيها، وقد يكونون مُرتدِّين عن الاستقامةِ بتركِ السُّنةِ واعتناقِ البدعة وبالمعاصي والمُخالفات (^٢)؛ فإنَّ هذه تمنعُ من الورودِ؛ لأنَّ من وردَ وشرب من حوضه ﷺ نجى، لقوله ﷺ: «وَمن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا» (^٣).
ثم إنَّ أهلَ العلمِ تكلَّموا عن الحوضِ: هل هو قبل الصِّراطِ؟ أم بعدَه؟
على قولين:
قيل: إنَّه قبل الصِّراط، وقيل: إنَّه بعده (^٤)، ولكن ليس هناك أدلةٌ ظاهرةٌ تُوجبُ الجزمَ بواحدٍ من القولَين، وذهب ابنُ القيم إلى أنَّه يمكن
_________________
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٦٥٨٤)، (٧٠٥١)، ومسلم (٢٢٩١) من حديث أبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد ﵄.
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٦)، (١٥/ ٦٤)، وفتح الباري (١١/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
(٣) أخرجه البخاري (٧٠٥٠) عن سهل بن سعد ﵁، ومسلم بنحوه (٢٢٩٢) عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٤) ينظر: الدرة الفاخرة للغزالي (ص ١١٧ - ١١٨)، والتذكرة للقرطبي (٢/ ٧٠٢)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٢٧٩)، وفتح الباري (١١/ ٤٦٦)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٥).
[ ١٥٦ ]
إنكار بعض المبتدعة للحوض
أن يكون قبل الصَّراطِ وبعده (^١)، وترتيب شيخِ الإسلامِ لأحوال القيامةِ في «العقيدة الواسطيةِ» يُشعِرُ بأنَّ الحوضَ عنده قبل الصِّراط (^٢).
فالمقصودُ أنَّه ممَّا يجبُ الإيمانُ به من أمورِ الآخرةِ الحوضُ لنبيِّنا ﵊، وهو ممَّا تواترت به السنَّةُ عن الرسولِ ﵊.
ومما ورد في إثبات الحوض قولُه ﵊ للأنصارِ: «إِنَّكم ستلقونَ بعدي أَثَرَةً؛ فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوضِ» (^٣)؛ فيه بشارة لهم بأنهم سيردُون عليه ويشربون - رضوانُ الله عليهم -.
وقد أَنكر الحوضَ بعضُ طوائفِ المبتدعة من الخوارج والمعتزلة (^٤)، ولا حجَّةَ لهم في هذا الإنكار إلَّا الاستبعادُ الذي لا سند له إلَّا قولهم:
كيف يكون الحوضُ بهذه المساحة؟ وكيف يكون في عَرَصات القيامة؟
فنقول: اللهُ تعالى على كلِّ شيءٍ قدير.
* * * * *
_________________
(١) ينظر: زاد المعاد (٣/ ٦٨٢ - ٦٨٣).
(٢) الواسطية بشرح شيخنا (ص ١٧٩) وما بعدها.
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) عن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁. وأخرجه مسلم (١٨٤٥) عن أسيد بن حضير ﵁.
(٤) إنكار الحوض هو قول المعتزلة، ذكره عنهم سفيان الثوري ويونس بن عبيد، ونسبهم إليهم الأشعري والسِّجزي، ونسبه للمعتزلة والخوارج: ابن بطَّال وابن عبد البر وغيرهم. ينظر: الشريعة للآجري (رقم ٢٠٦٢)، وحلية الأولياء (٣/ ٢١)، والإبانة (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، ورسالة السِّجزي إلى أهل زبيد (ص ٢٧٠ - ٢٧١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ٤٦٦)، والتمهيد (٢/ ٢٩١).
[ ١٥٧ ]