وأنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريب فيها، وأنَّ اللهَ يبعثُ مَنْ يموت، كما بدأهم يعودون.
وأنَّ اللهَ سبحانه ضاعفَ لعباده المؤمنين الحسنات، وصفحَ لهم بالتوبة عن كبائر السيِّئاتِ، وغفرَ لهم الصغائرَ باجتناب الكبائرِ، وجعل مَنْ لم يتبْ من الكبائر صائرًا إلى مشيئته ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، ومَن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه، فأدخله به جنَّته ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧)﴾ [الزلزلة]، ويخرج منها بشفاعة النبيِّ ﷺ مَنْ شفع له من أهل الكبائر من أُمَّته.
هذا شروعٌ من المؤلف في تقرير ما يجب اعتقادُه في اليوم الآخر، وهو الأصلُ الخامسُ من أصول الإيمان، ولو قَدَّمَ الكلامَ فيه على الكلام في القدَر لكان أولى؛ لأنَّ الإيمانَ بالقدر هو الأصلُ السادسُ.
والساعةُ: اسمٌ من أسماءِ القيامة.
وقوله: (آتيةٌ)؛ أي: واقعةٌ في وقتها الذي قدَّره اللهُ. ولها أسماء كثيرةٌ؛ كالقيامةِ، والساعةِ، ويومِ البعثِ، ويومِ النُّشورِ، ويومِ الجزاءِ، ويومِ
[ ١٢٥ ]
تعقيب على قول المؤلف: (وأن الله يبعث من يموت)
الحسابِ، إلى غير ذلك، وقد جمعها بعضُ العلماءِ في مؤلَّفٍ (^١)، قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٢]: أي: تقومُ القيامةُ.
وساعةُ القيامةِ هذه إحدى الخمسِ التي استأثرَ اللهُ بعلمها المذكورةِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (٣٤)﴾ [لقمان]، وقالَ جبريلُ للنبيِّ ﵊: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (^٢)، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧].
قوله: (لا ريبَ فيها): أي: لا شكَّ فيها، فيجب الإيقانُ بها؛ لأنَّ قيامَ الساعةِ داخلٌ في الإيمان باليوم الآخرِ الذي هو من أصولِ الإيمانِ.
قوله: (وأنَّ الله يبعثُ مَنْ يموتُ):
لو قالَ: وأنَّ اللهَ يبعثُ مَنْ في القبورِ؛ لكان أحسن؛ لأنه الموافق للفظ القرآنِ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور (٧)﴾ [الحج].
_________________
(١) جمعها الغزالي ثم القرطبي فبلغت نحو الثمانين اسمًا. ينظر: العاقبة في ذكر الموت للإشبيلي (ص ٢٥٠ - ٢٥١)، وإحياء علوم الدين (٩/ ٥٤٤ - ٥٤٥)، والتذكرة للقرطبي (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤)، وفتح الباري (١١/ ٣٩٦).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) عن أبي هريرة ﵁، ولمسلم (٨) نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁.
[ ١٢٦ ]
طرق القرآن في إثبات إمكان البعث
وقد ردَّ اللهُ على الكفار في جحدِهم للبعثِ بذكر الأدلة على قدرتِه التامَّة، فلا يُعجزُه شيءٌ، وهي طُرق القرآنِ في إثبات إمكان البعث:
أحدها: الاستدلال بالنشأة الأولى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُون (٦٢)﴾ [الواقعة]، وقال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيد (١٥)﴾ [ق].
الثاني: الاستدلال بخلق السماوات والأرض؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٣٣)﴾ [الأحقاف]، وقد ذكر شيخُ الإسلام الطُرقَ الأربعةَ بشواهدها من القرآن في «الردِّ على المنطقيين» (^١).
قوله: (كما بدأهم يعودون):
أي: كما بدأَ خلقهم من ترابٍ ومن نطفةٍ يُعيدُهم ﷾ ويُنشئُهم نشأةً أخرى تُناسبُ حياةَ البقاء، وفي هذا إشارةٌ من المؤلف إلى الدليل الأوَّل، وهو الاستدلالُ بالمبدأ على المعاد.
_________________
(١) الرد على المنطقيين (ص ٣٦٤ - ٣٦٦). وينظر: شرح الطحاوية لشيخنا (ص ٢٤٢ - ٢٤٤). وقد اقتصر شيخنا على ذكر اثنتين، وبقيت طريقتان، هما:
(٢) الاستدلال بخلق النبات وإحياء الأرض بعد موتها. ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق].
(٣) الاستدلال بما وقع من إحياء الموتى فيما سبق. فذكر الله في سورة البقرة خمس وقائع، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة].
[ ١٢٧ ]
معنى قوله: (وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات)
مكفرات الذنوب بلغت أحد عشر سببا
التوبة سبب لمغفرة جميع الذنوب لكل الناس
قوله: (وأنَّ اللهَ سبحانه ضاعفَ لعباده المؤمنين الحسنات، وصفحَ لهم بالتوبة عن كبائر السيِّئاتِ …) إلى آخره:
في هذه الجملةِ يذكرُ المؤلفُ فضلَه ﷾ على عبادِه المؤمنين، وأنَّه يُضاعفُ لهم الحسنات، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فأقلُّ تضعيفِ الحسنةِ بعشرِ أمثالها، إلى سبع مئةِ ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة (^١).
وجاء في الحديث: «مَنْ تصدَّقَ بعدل تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ، ولا يقبل اللهُ إلَّا الطيَّبَ، وإنَّ اللهَ يتقبَّلها بيمينه، ثم يُربيها لصاحبه، كما يُربِّي أحدُكم فلوَّه، حتى تكون مثلَ الجبل» (^٢). هذا التضعيفُ فوقَ الخيالِ، عدْل تمرةٍ ثم تكون كالجبلِ.
فمِنْ فضلِه تعالى أنَّه يُضاعفُ لعباده المؤمنين الحسنات، يعني: يقبلُها ويُضاعفُ أجرَها، أمَّا السيئاتُ فإنها بمثلها؛ قال تعالى: ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُون (١٦٠)﴾ [الأنعام].
ثم من فضلِه تعالى أنَّه يغفرُ لكلِّ من تابَ إليه، فيغفرُ للمؤمنين كبائرَ الذنوبِ بالتوبةِ، ولكنْ مغفرةُ الذنوب لها مُكفِّراتٌ عِدَّةٌ، بلغت أحدَ عشر سببًا (^٣) أعظمُها وأعمُّها وأكملُها التوبةُ، فإنها لا تضيقُ بأيِّ ذنبٍ،، فاللهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١) عن ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجه البخاري (١٤١٠) - واللفظ له -، ومسلم (١٠١٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) ينظر: منهاج السنة (٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، (٦/ ٢٠٥ - ٢٣٨)، والإيمان الأوسط (ص ٣٣٦ - ٣٥٩)، ومدارج السالكين (١/ ٢١٧ - ٢١٩)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٥١ - ٤٥٦).
[ ١٢٨ ]
الكبائر قد تغفر بغير توبة
مغفرة الصغائر باجتناب الكبائر
حكم أهل الكبائر والرد على الخوارج والمعتزلة
يتوب على الكفارِ والمشركين، فالنصارى المُثلِّثةُ يقولُ الله فيهم: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: ٧٤]، وقال في أصحاب الأُخدود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠].
فمغفرةُ الذنوب بالتوبةِ ليست من خصائصِ المؤمنين، بل التوبةُ سببٌ لمغفرة جميعِ الذنوب، فكلُّ مَنْ تابَ تابَ اللهُ عليه، حتى الكافرُ كما تقدَّم، ولكنْ عبارةُ المؤلف تقتضي أنَّ الكبائرَ لا تُغفر إلَّا بالتوبةِ، وفي هذا نظرٌ؛ فقد تُغفَرُ الكبائرُ برجحان الحسناتِ العظيمةِ، وقد تُغفَرُ بالمصائب، أو بالاستغفار والإلحاحِ على الله بطلبِ المغفرة، وغير ذلك من أسباب المغفرة، وذلك راجعٌ إلى مشيئة الله وحكمته (^١).
أمَّا الصغائرُ؛ فيقولُ المؤلِّفُ: إنَّها تُغفرُ باجتنابِ الكبائرِ. ودليل هذا قولُه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء]، وتُغفرُ أيضًا بالأعمالِ الصالحةِ كما في الحديثِ الصحيح: «الصَّلواتُ الخمسُ والجمعةُ إِلى الجمعةِ، ورمضانُ إِلى رمضانَ مُكفِّراتٌ ما بَينهُنَّ، إذا اجتُنبتِ الكبائرُ» (^٢)، فتُكفَّرُ الصغائرُ بالأعمالِ الصالحةِ وباجتناب الكبائر، ثم مَنْ ماتَ من أهل التوحيد على بعض الكبائر من غير توبةٍ؛ فهو في مشيئةِ الله، إنْ شاء اللهُ غفرَ له ولم يُعذِّبْه، وهو الحكيمُ العليمُ الغفورُ الرحيمُ، وإنْ شاءَ عذَّبَه بذنبه، ثم يخرجه من النارِ؛ خلافًا للخوارجِ والمُعتزلةِ القائلين بتخليد
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة (٦/ ٢١٨ - ٢١٩)، والإيمان الأوسط (ص ٣٣٩ - ٣٥٦)، والجواب الكافي (ص ٢٨٩ - ٢٩٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «اجتنب».
[ ١٢٩ ]
الجمع بين آية النساء وآية الزمر
خروج أهل التوحيد من النار بالشفاعة
أهلِ الكبائرِ في النار إذا ماتوا من غير توبة، فخالفوا نصوصَ الكتابِ والسنَّةِ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، وهذه الآيةُ في حقِّ غيرِ التائبِ، أمَّا مَنْ تابَ فإنَّ اللهَ يتوب عليه حتى الشرك والكفر، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر]، وهذه الآية في التائبين، وبهذا يحصلُ الجمعُ بين آية النساء وآية الزمر (^١).
وإخراجُه تعالى لمن يُخرجه من النار من أهلِ التوحيدِ يكون بشفاعةِ النبي ﷺ؛ فإنَّه يشفعُ لأمَّته كما جاءَ في الحديثِ أنه يشفعُ لأمته أربعَ مرات، وفي كلِّ مرةٍ يقول: «فَيَحُدُّ لي حَدًّا فأُخرِجُهم مِنْ النَّارِ» (^٢)، ويشفعُ الملائكةُ، والأنبياءُ والمؤمنون، لكنَّ نبيَّنا ﵊ له النصيبُ الأوفرُ في الشفاعةِ لأهل التوحيدِ.
* * * * *
_________________
(١) ينظر: تفسير آيات أشكلت لابن تيمية (١/ ٢٩٣) وما بعدها، ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٥٨)، (٤/ ٤٧٥)، (١٦/ ١٨)، (١٨/ ١٩١)، ومدارج السالكين (١/ ٥٠٢ - ٥٠٣)، والجواب الكافي (ص ٤٠ - ٤١)، وتفسير ابن كثير (٧/ ١٠٦).
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣) - واللفظ له -، من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ١٣٠ ]