(العالمُ الخبيرُ، المدبِّرُ القديرُ، السميعُ البصيرُ، العليُّ الكبيرُ، وأنَّه فوقَ عرشِه المجيدِ بذاته، وهو في كلِّ مكانٍ بعلمه.
خلَق الإنسانَ ويعلم ما تُوسوس به نفسه، وهو أقربُ إليه من حبل الوريد، وما تسقطُ من ورقةٍ إلَّا يعلمها، ولا حبَّةٍ في ظُلمات الأرض ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلَّا في كتابٍ مبينٍ).
قوله: (العالمُ الخبيرُ، المدبِّرُ القديرُ، السميعُ البصيرُ، العليُّ الكبيرُ):
هذه جملةٌ من أسماءِ الله الحسنى، فبعدما ذكرَ جملةً ممَّا يجبُ تنزيه اللهِ عنه كالشبيه، والنظير، والشريك، والصاحبة، والولد، والوالد، إلى آخره.
ذكرَ جملةً من أسمائِه الحسنى التي يجبُ إثباتها له، وهو ﷾ عليمٌ خبيرٌ كما وصفَ نفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٦٢)﴾ [العنكبوت]، وهذا العمومُ هو أعمُّ من كلِّ عمومٍ؛ لأنَّ ما من عامٍّ إلا وقد خُصَّ إلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٦٢)﴾ (^١)، فيَعلمُ ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كانَ كيف يكون.
_________________
(١) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٣٤٦)، والفروق للقرافي (٤/ ٢٤٦).
[ ٦٩ ]
الفرق بين العليم والخبير
لم يأت في القرآن لفظ العالم مفردا
المدبر لا يعد اسما لله
وقد تَمَدَّحَ ﷾ بهذا الاسم في آيات كثيرة. واسمُه «الخبيرُ» أخصُّ من اسمه «العليمِ»، لأنه يدلُّ على علمه بخفايا الأمورِ وغاياتِها، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٧٥)﴾ [النمل]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، واللهُ فصَّلَ في القرآن في ثنائه على نفسه بالعلم تفصيلًا كثيرًا كما سيُشير المؤلِّفُ إلى بعضِ ذلك.
وقوله: (العالمُ): لم يأتِ في القرآن لفظ العالِم مفردًا، بل الواردُ: العليمُ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧٥)﴾ [الأنفال]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (٣٤)﴾ [لقمان]، ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء]. أمَّا «العالمٌ» فلم يأتِ إلا مُضَافًا، كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، أو بصيغة الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِين (٨١)﴾ [الأنبياء] فإذا دعوت اللهَ؛ فقلْ: يا عليم، يا من هو بكلِّ شيءٍ عليمٍ، ولا تقلْ: يا عالم، بل قل: يا عالمَ الغيبِ والشهادةِ؛ فكان المناسبُ أن يقولَ: العليم الخبير.
وقوله: (المدبر القدير): أمَّا «القدير»؛ فجاء مُطلقًا ومُقيَّدًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٠)﴾ [البقرة]، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر]، فيصح أن تقول: الله قدير، وتقول: إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير. أمَّا «المدبر»؛ فلا يُعَدُّ اسمًا (^١)، لكنه حقٌّ، فيصحُّ أن تقول
_________________
(١) وقد ورد في أحد طرق حديث سَرْدِ الأسماء، أخرجه ابن الأعرابي (١٧٣٥)، والحاكم (٤٢) - ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠) -، والطبراني في «الدعاء» (١١٢)، وأبو نعيم في «طرق حديث إن لله تسعة وتسعين اسمًا» =
[ ٧٠ ]
توضيح قاعدة: كل اسم متضمن لصفة
في الإخبار: «الله المدبر»، ولا تقول: من أسمائه المدبر؛ لأنه مشتقٌّ من قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، وهو من معنى اسمه: الملك.
(السميع البصير): ذِكر هذين الاسمين من أسماء الله في القرآنِ كثيرٌ، وهما يدلان على إثبات صِفَتي السمع والبصر لله، كما تقتضيه قاعدة: «أنَّ كلَّ اسمٍ مُتضمِّنٌ لصفةٍ» (^١)، فهو السميعُ والسمعُ صفته، والبصير والبصر صفته، فتقول: اللهُ تعالى ذو سمعٍ، وذو بصرٍ، وجاء في الحديث: «حِجابُه النورُ لو كَشفه؛ لأحرقتْ سُبُحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصرُه مِنْ خلقه» (^٢)، وقالت أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂: «الحمد لله الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ» (^٣)، فسمْعُه واسعٌ لجميع الأصواتِ، يسمعُ
_________________
(١) = (٥٢) من طريق خالد بن مخلد، ثنا عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، حدثني أيوب السختياني، وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة» وسرَد الأسماء، وفيه: «المدبر». قال البيهقي: «تفرد بهذه الرواية عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان وهو ضعيف الحديث عند أهل النقل، ضعفه يحيى بن معين، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة». ينظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٦٢٧ رقم ٥٠٩٥).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢٠٦)، (١٧/ ٢١١)، والإيمان الأوسط (ص ٤٧١)، وبدائع الفوائد (١/ ١٦٢)، وشرح التدمرية (ص ١٠٣)، (ص ٣٣٩)، والقواعد المثلى بتعليق شيخنا (ص ٢٤).
(٣) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٤) أخرجه أحمد (٢٤١٩٥)، والنسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨)، والحاكم (٣٧٩١) من طريق الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، به. وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم عن الأعمش به في: «باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء]» قبل حديث (٧٣٨٦)، =
[ ٧١ ]
ثمرة الإيمان بالأسماء والصفات
أصواتَ المُسبِّحِين والدَّاعين والمُتكلمين بأنواعِ الكلام، بما في ذلك أقوالُ الكافرين، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] أخبر بذلك تهديدًا لهم، وأخبرَ بسماع كلامِ الناس العادي؛ فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] والواجبُ الأوَّلُ هو الإيمانُ بثبوت هذه الصفات لله ثم العمل بمقتضى هذا الإيمان، وهو تعظيم الله، ومراقبته وتقواه، فإذا استشعرَ العبدُ أنَّ الله يسمعُه ويراه، وأنَّ عِلمَه مُحيطٌ به، يعلمُ ما في نفسه؛ أوجبَ له ذلك الشعورُ الوقوفَ عند حدودِ الله، والمبادرةَ إلى أداء الواجبات، وإذا غفل عن ذلك وقع في التقصير في تقوى الله بعدم القيام بالواجبات، وبالوقوع في المنهيات.
(الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ): هذا هو بمعنى: (العلي العظيم)، وقد تقدَّم ذكرُهما وبيانُ ما يدلان عليه في الكلام على آيةِ الكرسي (^١).
قوله: (وأنه فوقَ عرشِه المجيدِ بذاته):
(وأنه فوق عرشه): معطوفٌ على قوله في أول الباب: (أنَّ الله إله واحد لا إله غيره).
_________________
(١) = وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، تميم بن سلمة من رجاله، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. وصححه الحاكم وهو بلفظ «تبارك الذي وسع سمعه»، وقال ابن حجر في «التغليق» (٥/ ٣٣٩): «هذا حديث صحيح، وتميم وثقه ابن معين وغيره». وينظر: الإرواء (٧/ ١٧٥ رقم ٢٠٨٧).
(٢) تنظر: (ص ٦٨).
[ ٧٢ ]
محل النزاع بين أهل السنة والمبتدعة هو علو الذات
تحريف الأشعرية المعطلة لعبارة المؤلف
(فوقَ عرشِه المجيدِ ذاته): يعني وممَّا يجبُ الإيمانُ به: أنَّه تعالى فوقَ عرشِه، وقالَ: (بذاته)؛ لأنَّ هذا هو محلُّ الافتراقِ بين أهلِ السنةِ والمُبتدعة، فالمُبتدعةُ يقولون: اللهُ فوق العرش، لكنَّ الفوقيةَ عندهم فوقيةٌ معنوية، ليست فوقيةَ ذات، فإنهم يُثبتون علوَّ القَدْرِ، لكنّ محلَّ النزاعِ بين أهل السنة والمتكلمين هو: علوُّ الذَّاتِ وفوقيةُ الذَّاتِ (^١)، واللهُ تعالى له الفوقيةُ بكلِّ معانيها، وله العلوُّ بكلِّ معانيه، ذاتًا وقدرًا وقهرًا (^٢)، فالمؤلِّفُ ﵀ صرَّحَ بفوقيَّةِ الذات؛ لقوله: (بذاته)، فكان ذلك صدمةً لمخالفيه من الأشاعرة، ولهذا ذكر شيخُ الإسلام أنَّ بعضَ أُولئك تأوَّلوا قولَ ابن أبي زيد فجعلوا المجيدَ صفةً لله، وقرأوه بالرفع، والصوابُ أنه مجرورٌ، صفةٌ للعرش، فصار المعنى على تأوليهم: أنَّ اللهَ مجيدٌ بذاته، وهذا تحريفٌ لكلام المؤلف، والصوابُ: أنَّ بذاته قيد لقوله: (فوق)، والكلامُ لا يحتمل إلَّا هذا المعنى، ومَن تأوَّله على خلافه فقد حرَّفه وكذَبَ على المؤلف، هذا مضمون كلامِ شيخ الإسلام، وهو في مجموع الفتاوى، المجلد الخامس، صفحة مئة وتسعةٍ وثمانين،
_________________
(١) وقد ألَّف أهل السنة المؤلفات الكثيرة المفردة بصفة العلو، كما ذكروا هذه العقيدة في كتبهم العامة في العقائد وغيرها، ومن المؤلفات المفردة: «العرش وما روي فيه» لمحمد ابن أبي شيبة العبسي، و«إثبات صفة العلو» للموفق ابن قدامة المقدسي، و«الرسالة العرشية» لابن تيمية مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٥٤٥ - ٥٨٣)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن القيم، و«العلو للعلي العظيم» للذهبي وغيرها كثير من مؤلفات المعاصرين.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ١٠٦)، والكافية الشافية (٢/ ٣١٤ - ٣١٥ رقم ١١٥٢ - ١١٥٨)، ومدارج السالكين (١/ ٤٨)، والصواعق المرسلة (٤/ ١٣٢٤ - ١٣٢٥)، ومعارج القبول (١/ ١٧٧ - ١٨٢).
[ ٧٣ ]
شرح مكي بن أبي طالب والقاضي عبد الوهاب لعبارة المؤلف وفق مراده
وانظر أوَّلَ كلامِه في صفحة اثنين وثمانين ومئة (^١)، وهذا التحريفُ الذي ذكره الشيخُ وأَبطله وقع من بعض المتأخرين ممن شرحَ رسالةَ ابن أبي زيد (^٢)، أمَّا من شرحها من تلاميذه فلم يفعلوا ذلك، بل شرحوها على ما يوافق مُرادَ ابن أبي زيد؛ من أنه تعالى فوق العرش بذاته، ومنهم:
_________________
(١) أطلق هذه العبارة كثير من أهل العلم؛ كأبي جعفر بن أبي شيبة في «كتاب العرش» (ص ٢٩١)، وعثمان بن سعيد الدارمي، ويحيى بن عمار واعظ سجستان في «رسالته»، والسجزي في كتاب «الإبانة»، وحكى الإجماع فقال: «أئمتنا كالثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد بن زيد، والفضيل، وأحمد، وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان». وأطلقها كذلك: ابن عبد البر، والقاضي عبد الوهاب، وأبو الحسن الكرجي، وعبد القادر الجيلي، وأبو إسماعيل عبد الله الأنصاري، وقال: «ولم تزل أئمة السلف تصرِّح بذلك»، وكذا أطلق هذه اللفظة: أبو عمرو الطلمنكي، وأبو عمرو عثمان بن أبي الحسن الشهرزودي، وأحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، وعبد العزيز القحيطي وطائفة، وقال شيخ الإسلام في «درء التعارض» (٦/ ٢٦٧): «… وأيضًا فعبد الله بن سعيد بن كُلاَّب، والحارث المحاسبي، وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن بن مهدي الطبري، وعامة قدماء الأشعرية يقولون: إن الله بذاته فوق العرش ويردُّون على النفاة غاية الرد، وكلامهم في ذلك كثير مذكور في غير هذا الموضع». وينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٨٩ - ١٩٠)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ١٦٧ - ١٧٠)، والعلو للذهبي (ص ٢٣٥ - ٢٣٦، ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٨، ٢٦١، ٢٦٢ - ٢٦٣)، واجتماع الجيوش الإسلامية (٢/ ١٤٢، ١٦٤، ١٨٣، ١٩٧، ٢٤٦، ٢٧٦، ٢٧٨ - ٢٧٩، ٢٨٠).
(٢) تنظر هذه التحريفات أو التشكيك في ثبوتها في: شرح التنوخي (١/ ٢٤)، وشرح زروق (١/ ٤١)، والفواكه الدواني (١/ ٧٦)، وكفاية الطالب الرباني (١/ ١٠٢)، (١/ ١٠٥).
[ ٧٤ ]
مكي بن أبي طالب (^١)، والقاضي عبد الوهاب (^٢)، ومعلومٌ أنَّ تلاميذه أعلمُ بمراده، فتدبَّر (^٣).
_________________
(١) مكي بن أبي طالب: أبو محمد مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي، أخذ بالقيروان عن ابن أبي زيد والقابسي، وحج ولقي بالمشرق جلة من الشيوخ وأخذ عنهم، ودخل قرطبة وأخذ عنه جماعة، غلب عليه علم القرآن وكان من الراسخين فيه، له من المصنفات: تفسير القرآن وسماه «الهداية إلى بلوغ النهاية»، و«الإبانة عن معاني القراءات»، و«مشكل إعراب القرآن» وغيرها، توفي سنة (٤٣٧ هـ). ينظر: ترتيب المدارك (٨/ ١٣)، والصلة في تاريخ أئمة الأندلس (٢/ ٢٧٣ رقم ١٣٩٠)، والديباج المذهب (٢/ ٣٤٢).
(٢) ينظر: الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي (٧/ ٤٦١٠)، وشرح عقيدة الإمام مالك الصغير للقاضي عبد الوهاب (ص ٢٦ - ٢٧).
(٣) وممن أبان مراد ابن أبي زيد: أبو بكر محمد بن موهب المقبري (ت ٤٠٦ هـ) في «شرح الرسالة»، ونقل كلامه المؤيد لعبارة شيخه ابن أبي زيد: شيخُ الإسلام ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٧٥)، وابنُ القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٥٦)، والذهبي في «العلو» (ص ٢٦٤). ولصريح كلام محمد بن موهب في إثبات علو الذات؛ شنَّع عليه زاهد الكوثري؛ فقال: «وأبو بكر محمد بن وهب (كذا في أصل الطبعتين) شارح رسالة ابن أبي زيد مسكين مضطرب بعيد عن مرتبة الحجة»! تنظر: حاشية تحقيقه للسيف الصقيل (ص ١٠٩. ط السعادة)، و(ص ٩١. ط المكتبة الأزهرية). وقال محمد بن الحسن المرادي القيرواني المالكي صاحب رسالة «الإيماء إلى مسألة الاستواء»: «والسادس: قول الطبري، وابن أبي زيد، والقاضي عبد الوهاب، وجماعة من شيوخ الحديث والفقه، وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر ﵁، وأبي الحسن، وحكاه عنه أعني عن القاضي أبي بكر القاضي عبد الوهاب نصًا، وهو أنه سبحانه مستوٍ على العرش بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق عرشه …». نقله عنه بتمامه: القرطبي في «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» (٢/ ١٢١ - ١٢٩) ونقل جزءًا منه: ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٦٨ - ١٧٠) والذهبي في «العلو» (ص ٢٦١). وممن فهم من كلام ابن أبي زيد إرادة الفوقية والعلو: العز بن عبد السلام، فقال: «ظاهر ما ذكره ابن أبي زيد القول بالجهة؛ لأنه فرّق بين كونه على العرش وبين كونه مع خلقه بعلمه». فتاوى البُرزُلي (١/ ٣٨٥). وابن العربي المالكي في العواصم (ص ٢١٥): قال: «ثم جاءت طائفة ركبت عليه فقالت: «إنه فوق العرش بذاته» وعليها شيخ المغرب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد». وابن جزي الكلبي المالكي، في تفسير الآية (٥٤) من الأعراف ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال: «حمَلَهُ قومٌ على ظاهِره؛ منهم ابنُ أبي زَيْدٍ وغيرُه». التسهيل لابن جزي (٢/ ٣٤٨). وصرح أيضًا: أبو العباس أحمد زروق في «شرح الرسالة» (١/ ٤٢) بإشكال ظاهِرِه، وأنه مما يجب تأويله؛ فقال: «وبالجملة فإخراجه عن ظاهره المحال واجب، وعذر الشيخ في ذِكره واضح». وصرح التاج السبكي في «طبقات الشافعية» (٩/ ٧٨) بمراد ابن أبي زيد؛ فقال ناقمًا عليه وعلى ابن عبد البر: «وأما ما حكاه عن أبي عمر ابن عبد البر؛ فقد علم الخاص والعام مذهب الرجل ومخالفة الناس له، ونكير المالكية عليه أولًا وآخرًا مشهور، ومخالفته لإمام المغرب أبي الوليد الباجي معروفة، حتى إن فضلاء المغرب يقولون: لم يكن أحد بالمغرب يرى هذه المقالة غيره وغير ابن أبي زيد، على أن العلماء منهم من قد اعتذر عن ابن أبي زيد بما هو موجود في كلام القاضي الأجلّ أبي محمد عبد الوهاب البغدادي المالكي ﵀».
[ ٧٥ ]
فإذا ثَبتَ أنه تعالى فوق العرشِ بذاته؛ بطلَ قولُ الجهمية ومَن تَبعهم؛ إنه تعالى في كلِّ مكان.
و«مجيد»: صفةٌ للعرش؛ لأنه المُناسبُ في هذا السِّياقِ، والآيةُ في سورة البروجِ فيها قراءَتان (^١) بالجرِّ: صفةٌ للعرش، وبالرفع: صفةٌ لله.
_________________
(١) قرأ حمزة، والكِسائي، وخَلَف: بخفض الدال، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: برفعها. ينظر: السبعة في القراءات لابن مجاهد (ص ٦٧٨)، والنشر في القراءات العشر (٢/ ٣٩٩).
[ ٧٦ ]
معنى المعية العامة
والمحرِّفون اختاروا قراءةَ الرفع؛ ليكون معنى قول ابن أبي زيد: المجيدُ بذاته، وهذا الموضعُ مما يتميزُ به ﵀ عن جمهور الأشاعرة، وهو إثباتُه لفوقية الذات، ولهذا عُدَّ من أهل السنَّةِ والجماعةِ.
قوله: (وهو في كلِّ مكانٍ بعلمِه):
في هذه الجملة مع التي قبلها تحقيقٌ لمذهب أهلِ السنَّة، وهو أنه تعالى بذاته فوق العرش، وعلمه في كلِّ مكان، وفي هذا إبطالٌ لقول الحلولية نفاة الفوقية القائلين بأنَّه تعالى في كلِّ مكانٍ بذاته، وليس هو تعالى فوق العرش.
فنصوصُ العلم ونصوصُ المعيَّةِ تدلُّ على أنه تعالى وإنْ كان فوق العرشِ؛ فعلمُه مُحيطٌ بكلِّ شيءٍ، وسمعُه واسعٌ لجميعِ الأصوات، وبصرُه نافذٌ لجميع المخلوقات، فيعلمُ ما يُسِرُّ العباد وما يُعلنُون، فلا تخفى عليه خافيةٌ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩].
إذن: هو نفسُه تعالى فوق العرشِ، وهو مع العبادِ بسمعِه وبصرِه وعلمه ﷾.
وقد وضَّحَ العلماءُ معنى المعيةِ العامة بأنها معيَّةُ العلمِ (^١)، فليس هو معهم بذاتِه بمعنى أنه مُختلطٌ بهم. يقول شيخُ الإسلام: «فإن هذا
_________________
(١) ينظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد (ص ٣٠٧ - ٣٠٨)، ومنهاج السنة (٨/ ٣٧٢ - ٣٧٥)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٢٤٥ - ٢٤٧)، ومختصر الصواعق (٣/ ١٢٤٦ - ١٢٤٩)، ومدارج السالكين (٢/ ٦٢٢).
[ ٧٧ ]
معنى قوله: (خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه)
لا تُوجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق» (^١)، وليس قولُ أهل السنَّة بأنه تعالى معهم بعلمه من التأويل كما يزعمه المخالفون؛ بل هذا قد دلَّت عليه آيةُ المعيةِ، فإنَّها بُدِأت بالعلم وخُتِمت بالعلم، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧)﴾ [المجادلة] (^٢). وما قاله المؤلف مطابق لما صحَّ عن الإمام مالك، وهو قوله: «اللَّه ﵎ في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان»، رواه أحمد، وأبو داود (^٣).
قوله: (خلق الإنسانَ ويعلم ما توسوسُ به نفسه، وهو أقربُ إليه من حبل الوريد):
هذا تفصيلٌ لما أجملَه في قوله: وعلمُه في كلِّ مكانٍ.
أخذه من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾ [ق]، فخصَّ بالعلم ما توسوس به نفسه؛ لأنَّه من أخفى الأشياء، وهذا كثيرٌ في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
_________________
(١) العقيدة الواسطية (ص ٨٣ - ٨٤)، وبشرح شيخنا (ص ١٥٦).
(٢) ثبت عن جمع من السلف أنهم قالوا: هو معهم؛ أي: بعلمه، منهم ابن عباس، والضحَّاك، ومقاتل بن حيَّان، وسفيان الثوري، ومالك، وأحمد بن حنبل وغيرهم، وحكى الطلمنكي وابن عبد البر إجماع الصحابة والتابعين ولم يخالفهم فيه أحد يُعتد بقوله. ينظر: الرد على الجهمية والزنادقة (ص ٢٩٦ - ٢٩٧)، والنقض على المريسي (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣)، والشريعة (٣/ ١٠٧٤)، والتمهيد (٧/ ١٣٨ - ١٣٩)، وشرح حديث النزول (ص ٣٥٦ - ٣٦٣)، وبيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٨).
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (١٦٩٩).
[ ٧٨ ]
اختلاف العلماء في إثبات القرب العام
الصُّدُور (١٥٤)﴾ [آل عمران]: يعلم ما في أنفسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾: اختلفَ المفسرون في هذا القُرْب، فقِيل - وهو أكثرُ ما جاءَ عن المُفسِّرين من السلفِ -: إنَّ المُرادَ قربُه تعالى بملائكتِه المُوكَّلين بالعبدِ بحفظِ عمله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار]، فقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾، نظيرُ قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون (٨٥)﴾ [الواقعة]، وأنَّ المرادَ قربُ الملائكةِ، وهم ملائكةُ التوفّي المُوكَّلين بتوفِّي أرواحِ العباد، وعلى هذا فلا تدلُّ الآيةُ على إثباتِ القربِ العامّ.
وقِيل؛ المرادُ بالآيتين: قربه تعالى بنفسه، وأنَّ هذا القربَ هو قربُه بعلمِه كما قِيل ذلك في المعية العامة.
والمصنِّفُ مشى على هذا المعنى الأخير؛ حيث قالَ: (وهو أقربُ إليه من حبلِ الوريدِ)، فظاهرُ هذا التعبيرِ أنَّه يُثبت القربَ العام، ولا إشكالَ على كلِّ تقديرٍ ولله الحمدُ، لكنَّ الأوَّلَ هو الراجحُ في تفسيرِ الآية، وهو المأثورُ عن أكثر السَّلفِ، وأنَّ المرادَ: قربُه تعالى بملائكته كآيةِ الواقعةِ (^١).
_________________
(١) هو قول شيخ الإسلام وابن القيم في بعض كتبه. ينظر: بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٢٥ - ٤٠)، وشرح حديث النزول (ص ٣٥٤) وما بعدها، ومجموع الفتاوى (٦/ ٢٠ - ٢٣)، ومدارج السالكين (٢/ ٦٢٣)، (٢/ ٦٥٧)، ومختصر الصواعق المرسلة (٣/ ١٢٥١).
[ ٧٩ ]
معنى قوله: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها)
والوريدُ: عرقٌ في جانب العنقُ مُتَّصلٌ بالقلب (^١).
وأمَّا القربُ في قوله ﷺ: «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا» (^٢)، فهو القربُ الخاصُّ بالدَّاعين والعابدين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
فمن أهلِ العلم مَنْ يجعل القربَ عامًا وخاصًا كالمعية (^٣)، ومن العلماء مَنْ لا يُثبت إلَّا القربَ الخاصَّ؛ كما في الآية والحديث.
قوله: (وما تسقطُ من ورقةٍ إلَّا يعلمها، ولا حبَّةٍ في ظُلمات الأرض ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلَّا في كتابٍ مبينٍ):
هذه الجملةُ مُقتبسةٌ من آية في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ …﴾ الآية [الأنعام: ٥٩]، وهو من التفصيل في علم الله، فهو تعالى يعلمُ كلَّ شيء، ويعلم ما في السماواتِ والأرض، ومن ذلك أنَّ علمَه مُحيطٌ بهذه الأشياء الدقيقةِ الكثيرة التي لا يعلمُ عددَها ولا يُحصِيها إلا الله.
_________________
(١) ينظر: غريب القرآن للسجستاني (ص ١٩٦)، والمفردات للراغب (ص ٨٦٥).
(٢) أخرجه البخاري (٧٣٨٦) - واللفظ له -، ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) كابن القيم في «طريق الهجرتين» (١/ ٤٢ - ٤٤)، وسماه «قرب الإحاطة العامة»، والسعدي في «أصول وكليات التفسير» - مطبوع ضمن تفسيره - (١/ ٢٩)، والهرَّاس في «شرح القصيدة النونية» (٢/ ٩٤).
[ ٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾: نكرةٌ في سياقِ النفي، دخلت عليها «من» الزائدة فتكون نصًّا في العموم، فيدخل فيها كلُّ ورقةٍ تسقط من أوراق الأشجارِ، وهذا غايةٌ في الكثرة والدِّقةِ، وعلمُ الله محيطٌ بجميع ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ [الأنعام]، فهذه الآيةُ قد تضمَّنَت إثباتَ إحاطةِ علمِه بالجزئياتِ، وإحاطةَ كتابِه بكل هذه المعلومات؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١].
* * * * *
[ ٨١ ]