(الحمدُ للهِ الذي ابتدأَ الإنسانَ بنعمته، وصوَّرَه في الأرحام بحكمتِه، وأَبرزَه إلى رِفقِه، وما يَسَّرَه له مِنْ رِزقه، وعلَّمه ما لم يكن يَعلم، وكان فضلُ اللهِ عليه عظيمًا، ونبَّهه بآثار صَنعتِه، وأَعذرَ إليه على أَلسنة المرسلين الخِيَرةِ مِنْ خَلقِه، فهدى مَنْ وفَّقه بفضله، وأَضلَّ مَنْ خَذلَه بِعدلِه، ويسَّر المؤمنين لليسرى، وشرح صدورَهم للذكرى، فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مُخلصين، وبما أَتتهم به رسلُه وكتبُه عاملين، وتعلَّموا ما علَّمهم، ووقفوا عند ما حدَّ لهم، واستغنوا بما أحلَّ لهم عمَّا حَرَّمَ عليهم).
يقول ﵀:
(الحمدُ للهِ الذي ابتدأَ الإنسانَ بنعمته):
الله تعالى هو الذي بدأ الإنسان بنعمته، ولم يكن منه أيُّ تسبُّبٍ، فمرَدُّ الأمر كلّه إليه، فهناك أمور لم يكن للإنسان فيها تسبُّبٌ أصلًا؛ فقد ابتدأَ الله الإنسانَ بنعمته فأوجده، وصوَّره، وشقَّ سمعَه وبصرَه، وأخرجه من بطن أمّه، فقال تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، لكنه ما خرج إلا وقد جعل اللهُ فيه ما يحتاج
[ ١٣ ]
أنواع النعم
إليه في خَلْقِه، فصوَّرَه، وشقَّ سمعه وبصره، وخلقَ له الأعضاءَ: اليدين والرجلين واللسان والشفتين، فأصبح الإنسانُ مهيَّئًا للمَهَمَّات، وهذه النعمُ لم يكن للإنسان فيها تسبُّبٌ أصلًا.
فالله بدأه بنعمته، ونِعَمُ الله على الإنسان تترى؛ فخَلقَ الإنسانَ أطوارًا في بطن أمِّه، ثم أطوارًا بعد ولادته، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [غافر: ٦٧].
ونِعَمُ الله تعالى نوعان:
نِعَمٌ كونيةٌ ماديةٌ دنيويةٌ: وهي ما يتصلُ بخلقه، وتكوينه، وما يحتاج إليه.
ونِعَمٌ دينيةٌ: وهي النِّعمُ التي ساقها اللهُ على يد رُسلِه، وكل ذلك من الله ابتداءً (^١).
ومن نِعمِه ﷾ ما جعل الله له سببًا من قِبل الإنسان؛ مثل ما يحصلُ للعبد بما وُفِّقَ له من أعمالٍ صالحةٍ، فالله يجزيه عليها، ودعاء يدعو به فيجيبُه ﷾، وهذه النِّعمُ التي للعبد فيها تسبُّبٌ مرَدُّها كلُّها إلى الله، فهو الذي وفَّقَ العبدَ للعمل الصالح، وقبِله منه، وهو الذي وفَّقه للدعاء، وأجابه؛ فالأمرُ عاد إليه سبحانه أولًا وآخرًا، فله الأمرُ كلُّه.
فعادت النِّعمُ كلُّها، أولُّها وآخرُها، وظاهرُها وباطنُها، وما له سببٌ من قِبَل الإنسان، وما ليس له سببٌ من قِبله، عاد ذلك كله إلى الله، لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، فهذه الآيةُ فيها
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧).
[ ١٤ ]
عموم وحصر؛ أي: كلُّ نعمةٍ تحصل للعبد هي من الله وحده، فهو خالقُ الإنسان وخالقُ النِّعَم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
فلا يزالُ العبدُ يتقلَّبُ في نِعَم الله، وهذه النعمُ الماديةُ أو الكونيةُ مشتركةٌ بين العباد بَرِّهم وفاجرهم، وبين المؤمن والكافر، أمَّا النِّعمُ الدينيةُ فمختصَّةٌ بِمَنْ يختارهم الله ويصطفيهم.
قوله: (وصوَّرَه في الأرحام بحكمتِه):
وصوَّرَه: هذا وما بعده عطفٌ، وهو من عطفِ الخاصِّ على العام، فصوَّرَ اللهُ الإنسانَ في الأرحام بحكمته، وكثيرًا ما يُذكِّر اللهُ عبادَه بذلك، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [آل عمران: ٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَك (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاء رَكَّبَك (٨)﴾ [الانفطار]. وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِير (٣)﴾ [التغابن].
فاللهُ صوَّر الإنسانَ في الأرحام، ومَن الذي يزعمُ أنَّ له تسبُّبًا في تصوير نفسه واختيار صورته؟! لأنَّه يبدأُ في بطن أُمّه، فيتنقل في أطواره؛ نطفةً فعلقةً فمضغةً، ثم يُصوِّره اللهُ كيف شاء كما أخبر اللهُ بذلك مفصَّلًا في كتابه، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [آل عمران: ٦]، فهو تعالى يجعل لكل واحدٍ صورةً لا تماثل صورة الآخر، ولهذا لا نجد اثنين من الناس على صورةٍ واحدةٍ من جميع الوجوه؛
[ ١٥ ]
التصوير نوعان: ظاهر وباطن
إلى من يرجع الضمير في قوله: (من رزقه)؟
بحيث لا يُفرَّق بينهما لتماثلهما من كل وجه، ومن أسماء الله تعالى المصوِّرُ، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].
فالتصويرُ يكون بمشيئة اللهِ وقدرتِه وحكمتِه، وله الحكمةُ في تنويع الصُوَرِ، وفي خلقِ هذا على صورةٍ، وخلقِ الآخرِ على صورةٍ، فهم أولادٌ من أمٍّ وأبٍ، ويخرجون بصورٍ مختلفة، ولله في ذلك حِكَمٌ بالغةٌ.
والتصويرُ ظاهرٌ وباطنٌ، فالظاهرُ هو الصورةُ الظاهرةُ المرئية، والصورةُ الباطنةُ هي التي ينبني عليها اختلافُ الملَكاتِ والعقول، فهذا أيضًا نوعٌ من التصوير الذي تختلفُ فيه أحوالُ الإنسانِ، وهو سبحانه لا يخلقُ أو يصوّرُ بمحض المشيئةِ، بل لحكمةٍ عظيمةٍ، فلا يفعل شيئًا عَبَثًا أو لَعِبًا؛ بل خَلَقَ السماوات والأرض وما فيهنَّ بالحقِّ وللحقِّ.
قوله: (وأَبرزَه إلى رِفقِه، وما يَسَّرَه له مِنْ رِزقه):
هذا طَور ما بعد الولادة، (وأَبرزَه): أي: أخرجَه من بطن أُمّه، والمعنى: أن اللهَ أخرجَ الإنسانَ من بطن أُمّه، وأبرزه لهذه الحياة بعد أن كان في الظلمات الثلاث، والضميرُ في قوله: (مِنْ رِزقه) - يقول بعض الشُّرَّاح -: أنه يعودُ إلى الإنسان. فأبرزه إلى رِفْقِهِ، أي: لينتفع ويُرْزَق بما يسَّرَهُ اللهُ له من أنواع المنافع.
ويُحتمل أنَّ الضمير يعودُ إلى الله، وهو أظهرُ (^١)؛ لأنَّ الضمائر في هذه الجُمل تعود إلى الله، أي: أبرزَ الإنسانَ ليتمتَّع برزقِ ربِّه له، ورِزقُ الله لعبده بما يسوقُه إليه من الإحسان ابتداءً، وأولُ الرفقِ ما جعله اللهُ
_________________
(١) ينظر: شرح زروق (١/ ١٤)، والفواكه الدواني (١/ ٢٣).
[ ١٦ ]
تيسير الله الرزق للعبد
في قلب أمِّه من الحنان؛ حيث يعطِّفُهَا عليه، فتحملُه وترحمُه وتُحسِنُ إليه وترِقُّ له، فرِفقُ الأمِّ بابنها هو من رِفق ربّه به، وصرْفُ الآفاتِ عنه من رفقه تعالى.
وما يسرَّه اللهُ للعبد بعد ولادتِه من رزقه الحاضر، وهو أوّلُ رزقٍ يكسبه، وفي هذا الوقت تُعَدُّ للمولود الثيابُ والملابسُ قبل أن يُولدَ، فهل هذا من فِعل الإنسان؟! كذلك ما يُهيئ به ثديَا الأم، ممَّا تستعدُّ به من الرزق (اللبن)، فهذا مما يسَّره للطفل من الرزق.
ثم يتتابع هذا الرزقُ لعبده، ولو نقفُ مع هذا المعنى وقفاتٍ لانتهت أوقاتٌ في استعراض رزقِ اللهِ، فرزقُه ميسَّرٌ يبدأُ من مَولده، وهكذا يستمرُّ رِزقُ اللهِ لعبده.
ومن رِفق اللهِ أيضًا: ما يحصلُ للإنسان دونَ تسبُّبٍ منه، فما يحصل للطفل من خدمة الأبوين وعنايتِهما، لم يكن بتسبُّبٍ منه، بل هو من النعمِ التي يبتدئُ اللهُ بها العبدَ.
لكنْ نِعمُ اللهِ منها ما يُجريه على يد مَنْ شاء من الخلق، ومنها ما ليس كذلك، ثم بعد ذلك تتواصلُ النِّعمُ، إلى أنْ يكون من رزق الله ما يطلبُه الإنسان.
فهذا المولودُ مفطورٌ على طلب الرزق فأوَّلُ ما يولد يطلبُ الغذاء من ثدي أُمِّه فيلتقمُه ويرتضعُ اللبنَ، وإذا كَبُر وقَدِر طلب الرزقَ بعمله وسعى في الأرض لذلك، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ
[ ١٧ ]
كيفية ابتغاء الرزق
معنى قوله: (وعلمه ما لم يكن يعلم)
اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وابتغاؤه يكون بالدعاء، وبفعل الأسبابِ التي خلقها اللهُ، وجعلها سببًا للأرزاق، فالرزقُ من: مطعمٍ ومشربٍ وملبسٍ ومسكنٍ، كلُّه من الله، ولا ينافي ذلك أن قدَّرَه الله بأسبابٍ، فإنَّ الأسبابَ والمسببات كلَّها خلقٌ لله، وكلها بقدَر اللهِ ومشيئته.
قوله: (وعلَّمه ما لم يكن يَعلم، وكان فضلُ اللهِ عليه عظيمًا):
كأنَّه في الأوَّل يشيرُ إلى الرزق المادي الذي يكون به غذاءُ الأبدانِ وقوامُها وبناؤها، وهنا يشيرُ إلى نوعٍ آخرَ، وهو من الرزق في الدنيا المتعلّق بالنفوس والعقول وهو العلم، يدل له قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. لكنَّ الاستعدادَ للعلم موجودٌ، وأدواتُه موجودةٌ، فالإنسانُ منذ مولده قد ركَّب اللهُ فيه أصلَ العقلِ، وفيه السمعُ والبصرُ، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨].
لكنَّ تحصيلَها للعلم يكون تدريجيًّا؛ شيئًا فشيئًا، فيبدأُ التعلُّم منذ الصِّغر، أي: العلم الذي يُحصلُّه الإنسانُ بعد ولادته، فليس مقصورًا على العلم الذي يُحصلُّه بالدراسة وفي المدرسة بعد الكبر، بل يبدأُ التعلمَ منذ الصِّغر، فلا يَعرفُ الكلامَ إلا بتعليمٍ يتلقَّاه بسمعه، ويتلقَّى أيضًا ببصره بعضَ العلوم، فيميّزُ بين الإنسانِ والجدارِ، وبين أبويه، وبين إخوته، وينمو هذا العلمُ، وينمو العقلُ، وتنمو المداركُ شيئًا فشيئًا؛ حتى يبلغَ الإنسانُ ما قُدِّر له من ذلك.
[ ١٨ ]
وممَّا يدخل في كلام المؤلف: ما يتعلّمه بالتلقّي من أبويه وأُسرته وما حوله، وما يتعلَّمُه بعد الكِبر، وما يتعلَّمُه من شؤون الحياة، وما يتعلَّمُه من العلم الصحيحِ النافعِ، وهذا العلمُ هو الفضلُ العظيمُ الذي امتنَّ اللهُ به على نبيّه، حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء].
ومن الأدلة على التعليم العام قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم (٥)﴾ [العلق]، فالإنسانُ لم يكن يعلَم ثم علِم، وكلُّ علمٍ لدى الإنسانِ مسبوقٌ بالجهل، لكنَّ عِلمَ اللهِ هو الذي لم يتقدَّمْه جهلٌ؛ فعلمه تعالى قديمٌ، فلم يزل سبحانه بكلِّ شيءٍ عليمًا، أمَّا المخلوقات - بما فيهم الملائكة - فعلمُهم بتعليم من الله، قال اللهُ تعالى عن الملائكة: ﴿عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال لنبيه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء].
لكن هناك تفاضلٌ بين العباد في خَلقهم، وفي خُلقهم، وفي عِلمهم، وهذا التفاضلُ لا يعلمُ مَداهُ وتفاوتَه إلَّا الله، وهو ممَّا يُدركه الناسُ، ويكون في العلوم الكونية والشرعية، الدينية والدنيوية، قال تعالى: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) نظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا (٢١)﴾ [الإسراء]، فالتفاضلُ بين الخلق يكون في علومهم ورزقهم وتكوينهم، والأنبياءُ - وهم أفضل الخلق - فَضَّل اللهُ بعضَهم على بعضٍ.
[ ١٩ ]
معنى قوله: (ونبهه بآثار صنعته)
التنبيه الكوني والشرعي
قوله: (ونبَّهه بآثار صَنعتِه، وأَعذرَ إليه على أَلسنة المرسلين الخِيَرةِ مِنْ خَلقِه):
هذه الأفعال معطوفةٌ على ما قبلها، (بآثار صَنعتِه)؛ يعني: أرشده، ودَلَّه بآثار صنعته، وهو هذا الوجود مِنْ: الإنسان والأرض والسماء والهواء، فهذا كلُّه صُنع الله الذي أتقن كلَّ شيء، فالسماواتُ والأرضُ والكواكبُ والهواءُ والسحابُ والإنسانُ والحيوانُ، كلُّ ذلك هو من آثار صنعتِه.
فهو خالقُ السماواتِ والأرضِ، ومَن فيهنّ، وما بينهما، وهو خالقُ الإنسان، فاللهُ تعالى نَبَّه الإنسانَ بآثارِ صنعتِه، ونبّهه إلى ما في هذه الصَّنعةِ من الدلالة على أنَّ لها صانعًا، وأنَّ هذا الصانعَ عليمٌ، وأنه حكيمٌ، ورحيمٌ، وقديرٌ، ففي الدلالات تنبيهٌ؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد (٥٣)﴾ [فصلت]، وقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون (٢١)﴾ [الذاريات]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون (٣)﴾ [الرعد].
فاللهُ نَبَّه الإنسانَ بآثار صَنعته، والذي ينتفع بذلك هو الذي ينتبِه، ويتفكَّرُ، ويعقلُ، أمّا المُعرِضُ فإنّه لا ينتبِه، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون (١٠٥)﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُون (٣٢)﴾ [الأنبياء].
[ ٢٠ ]
الإعذار يكون بإرسال الرسل
لكن الذين انتبهوا هم المذكورون في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران].
فنفس الأحداثِ التي تجري الآن في هذا الوجود، مِنْ الناس مَنْ يعتبر بها وينتبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَار (١٣)﴾ [آل عمران].
فالمتفكّرُ والْمُوَفَّق ينتبهُ ويُلاحظُ ويتدبّرُ؛ ونتيجةٌ لهذا التنبُّهِ والتدبُّر يذكرُ ربَّه، ويُسبّحُ بحمده، وتزدادُ معرفتُه بالله. فهذا هو النوع الأوَّل، وهو التنبيه الكوني.
أمَّا النوع الثاني فهو: التنبيهُ الشرعيُّ، فالآياتُ الكونية فيها حجّةٌ على العباد، لكن لا يكون بها الإعذارُ وحدها، بل الإعذارُ يكون بإرسال الرسل، كما قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فأرسلَ اللهُ الرسلَ ليُعرِّفوا العبادَ بربّهم، ويُعرِّفونهم بالطريقِ الموصِلِ إليه، وبمصيرِهم، ويُقيمون الأدلةَ على ما جاؤوا به، فمَن أطاعهم سعدَ وأفلحَ، ومَن عصاهم هلكَ، قال تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، وجاء في الحديث الصحيح: «لا أَحَدَ أَحَبُّ إِليه العُذرَ من اللهِ؛ ومن أَجلِ ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤١٦) - واللفظ له -، ومسلم (١٤٩٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ٢١ ]
خيرية الرسل على سائر الخلق وتفاضلهم عند الله
الهداية نوعان
ومن الناس من لا ينتبه ولا ينتفع، لا بالآيات الكونية: الأفقية والنفسية، ولا بالآيات الشرعية، وهم الذين لا يرجون لقاء الله؛ كما قال تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون (٧)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون (١٠٥)﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم (٧)﴾ [لقمان].
فالرسلُ هم خِيرةُ اللهِ من خلقه، وهم أفضلُ الناسِ على الإطلاق، وهم فيما بينهم مُتفاضلون، إذ إرسالهم مسبوقٌ باختيارهم واصطفائهم، فهم المصطفَون الأخيار، قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّار (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَار (٤٧)﴾ [ص].
قوله: (فهدى مَنْ وفَّقه بفضله، وأَضلَّ مَنْ خَذلَه بِعدلِه):
هذا أثرُ إرسالِ الرسل، فبعد الإرسالِ يصيرُ الناسُ فريقين، والهدايةُ نوعان: هدايةُ توفيقٍ، وهدايةُ إرشادٍ (^١)، والمرادُ هنا بالهداية: هداية التوفيقِ لقَبول الحقِّ، وإجابة دعوةِ الرُّسل، وهذا فضلُ الله يؤتيه من
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٧١ - ١٧٥)، وبدائع الفوائد (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٨)، وشرح العقيدة الطحاوية لشيخنا (ص ٧٩). وذكر ابن تيمية وابن القيم قسمين آخرين وهما: الهداية إلى مصالح الدنيا، والهداية في الآخرة.
[ ٢٢ ]
أفعال الله دائرة بين الفضل والعدل
معنى قوله: (ويسر المؤمنين لليسرى وشرح صدورهم للذكرى)
يشاء، قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم (٧٤)﴾ [آل عمران]، ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء].
فبعد الدعوةِ يصيرُ الناسُ فريقين: أحدهما: موفَّقٌ مهدِيٌّ، والآخر: مخذولٌ ضالٌّ، والمقصود بقوله: (وأَضلَّ مَنْ خَذلَه بِعدلِه)؛ أي: جعلَه ضالًّا بخذلانه، والخذلانُ ضدُّ التوفيق، فيوجدُ تقابلٌ في الجُمل بين: الهدى والضلالِ، والتوفيقِ والخذلانِ، والفضلِ والعدلِ (^١).
فأفعالُه سبحانه دائرةٌ بين الفضلِ والعدلِ، إذن هو المحمودُ ﷾ على عطائِه ومنعه، فله الحمدُ على كل حال، وهو أعلمُ حيث يجعلُ فضلَه، وأعلمُ حيث يجعلُ رسالاتِه ﷾.
ومن أدلة ما ذكره المؤلف من التوفيق والخذلان والهدى والإضلال قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٤)﴾ [إبراهيم]. فواجبُ الرُّسلِ هو البيانُ؛ لأنَّه هو الذي يقدرون عليه، وله الحكمةُ البالغةُ في عطائه ومنعه، وتوفيقه لمن شاء، وخذلانه لمن شاء.
قوله: (ويسَّرَ المؤمنين لليسرى، وشرحَ صدورَهم للذكرى، فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مُخلصين، وبما أَتتهم به رسلُه وكتبُه عاملين):
في هذه الجملةِ وما بعدها تفصيلٌ لقوله: (فهدَى مَنْ وفقَه بفضلِهِ)، ووصفٌ لحال هذا الصِّنفِ المهديين الموَفَّقِين بفضله ﷾،
_________________
(١) ينظر مشهد التوفيق والخذلان في: مدارج السالكين (٢/ ٢٥ - ٣١).
[ ٢٣ ]
والمعنى: يسَّر مَنْ هداه ووفقه لليسرى؛ أي: للطريق الميسرةِ، طريقِ السعادةِ، فمَن كان من أهل السعادةِ؛ فإنَّ اللهَ يُيسِّره لعمل أهل السعادة؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل].
(وشرَحَ صدورَهُم للذكرَى): أي: شرحَ صدورَهم فجعلها قابلةً للتذكير والذكرى التي جاءت بها الرسلُ، فهم جاءوا بالذِّكر والذكرى، وبالتذكير بربهم وبما خُلِق له الناس، والتذكيرِ بمصيرهم، فاللهُ تعالى يَسَّرَ المؤمنين لليسرى، وشرحَ صدورَهم للذكرى، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وشرْحُ الصدرِ هو توسيعه حتى يقبل العبدُ الحقَّ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك (١)﴾ [الشرح]، وفي دعاء موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ [طه]، فشرحُ الصدرِ يتضمن السعادةَ، والسرور، فالانشراحُ الحقيقي هو الذي يكون سببه الإيمانُ والعلمُ الصحيحُ، أما الانشراحُ وسعةُ الصَّدرِ التي تحصلُ بأسباب دنيوية من الشهوات المحبَّبَة للإنسان فإنه يؤول إلى غمٍّ وهمٍّ وحزن.
فصار الذين شرح اللهُ صدورَهم للحقِّ قابلين مُحبِّين للذِّكرى، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات].
[ ٢٤ ]
معنى قول المؤلف: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين)
آثار هداية الله وتوفيقه
قوله: (وتعلموا ما علمهم) تحتمل معنيين
معنى قوله: (ووقفوا عند ما حد لهم)
وثمرة تيسيرهم لليسرى، وشرح صدورهم للذكرى؛ أنْ نطقتْ ألسنتُهم بالإيمان بالله، وهو معنى قول المؤلف: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مُخلصين، وبما أَتتهم به رسلُه وكتبُه عاملين)، فقوله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين): أي: شهدوا ألَّا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وأخلصوا دينَهم لله، ولا بدَّ للإيمان أنْ يكون ظاهرًا وباطنًا.
وقوله: (وبقلوبهم مُخلصين، وبما أَتتهم به رسلُه وكتبُه عاملين): هذه آثارُ هدايةِ الله وتوفيقِه وتيسيره وشرحِه لصدورِهم، فهي أمورٌ ومعانٍ متلازمةٌ، وجملة ذلك صلاحُ الظاهرِ والباطنِ فظهرَ أثرُ هذه الهداية والتوفيق على قلوبهم اعتقادًا وعملًا، وعلى ألسنتهم نطقًا وإقرارًا، وعلى جوارحِهم كلِّها عملًا وحركةً وطاعةً، وصلاح القلب يستلزم صلاح الجوارح كما في الحديث الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^١).
قوله: (وتعلَّموا ما علَّمهم): يحتملُ أن تكونَ بمعنى: عَلِموا ما علَّمهم، أو طلبوا علمَ ما علَّمهم.
قوله: (ووقفوا عند ما حدَّ لهم): أي: وقفوا عند حدودِ الله، فلم يتجاوزوا المباحَ إلى الحرام، ولم يتجاوزوا ما شرعَ اللهُ لهم إلى الابتداع، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإنَّ هذا من وجوه الاستقامة، والوقوف عند حدود الله، فلا يتجاوزُ العبدُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄.
[ ٢٥ ]
الحدود نوعان: محرمات ومباحات
ما حدَّ اللهُ له من المشروع إلى غير المشروع، ولا يتجاوزُ ما أباحَ اللهُ إلى ما حرَّمه، فهناك حدودٌ نهى اللهُ عن قربانها؛ وهي المحرمات؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وحدودٌ نهى اللهُ عن تعَدِّيها؛ وهي المباحات والمأمورات، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] (^١).
ولم يتعدّوا حدودَ الله علمًا ولا عملًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا (٣٦)﴾ [الإسراء]، فهذا وقوفٌ عند حدود اللهِ في العلم؛ فإذا سُئل الإنسانُ عمَّا لا يعلم؛ فليقل: اللهُ أعلم، فيقفُ الإنسانُ عند حدِّ ما علَّمه الله، فلا يَدَّعِي ما لا علمَ له به، ولا يقولُ على الله ما لا يعلم، وهذا ما أدَّب اللهُ به نبيَّه ﷺ إذ قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦].
قوله: (واستغنوا بما أحلَّ لهم عمَّا حَرَّمَ عليهم):
(واستغنوا): اكتفوا. وهذا أيضًا من الوقوف عند حدودِ الله؛ الاكتفاءُ بالمباح عن الحرام، فلا يتجاوزُ ما أباحَ اللهُ له إلى ما حرَّمَ؛ سواء كان في كلامه، أو في طعامه وشرابه، فهذا عامٌّ في الأفعال، والعبادات، فهم استغنوا بما أحلَّ لهم عمَّا حرَّم عليهم، وفيما أحلَّ اللهُ للعباد ممَّا يحتاجون إليه كفايةٌ وغُنيَةٌ عمَّا حرَّمَ عليهم؛ كما في الحديث: «إِنَّ الله لَمْ
_________________
(١) ينظر: السياسة الشرعية (ص ١٥٥)، وإعلام الموقعين (٣/ ٢٤٢).
[ ٢٦ ]
يَجعل شفاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عليها» (^١)، فليس هناك حرامٌ يُعذَرُ الإنسانُ في الإقدام عليه إلَّا ما اضطر إليه؛ كحالة الضرورة إلى أكل الميتةِ ونحوها، فاللهُ تعالى أباحَ المحرَّمَ عند الضرورة رحمةً بعباده ورَفعًا للحرج، لكن في الحالة العامَّةِ أغنى العبادَ بما أحلَّ لهم من الطعام والشراب واللباس عمَّا حرَّم عليهم.
_________________
(١) أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» (١٩١٢)، وأحمد في «الأشربة» (١٥٩)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٩٦٦) - وعنه ابن حبان في «صحيحه» (١٣٩١) -، والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٣٢٦ رقم ٧٤٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٩٧١١)، من طرق، عن سليمان الشيباني، عن حسان بن مخارق، عن أم سلمة قالت: نبذتُّ نبيذًا في كوز، فدخل رسول الله ﷺ وهو يغلي، فقال: «ما هذا؟» قلت: اشتكتْ ابنةٌ لي فنبذتُ لها هذا، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم». ذكره الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٨٦) وقال: «رواه أبو يعلى والطبراني، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق، وقد وثقه ابن حبان». وحسان هذا، ذكره البخاري في «تاريخه الكبير» (٣/ ٣٣، رقم ١٣٦)، وابن أبي حاتم في «الجرح التعديل» (٣/ ٢٣٥، رقم ١٠٣٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في «ثقاته» (٤/ ١٦٣). وللحديث شاهد من حديث علقمة بن وائل عند مسلم (١٩٨٤) عن أبيه وائل بن حجر الحضرمي، أن طارق بن سويد الجعفي، سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه - أو كره - أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء». ومن حديث عبد الله بن مسعود عند عبد الرزاق في «مصنفه» (١٧٠٩٧) من طريق الثوري، وابن أبي شيبة (٢٣٤٩٢) من طريق جرير، كلاهما عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم». وذكره البخاري في صحيحه معلقًا في كتاب الأشربة «باب شراب الحلواء والعسل» (٧/ ١١٠)، قبل حديث (٥٦١٤). وأخرجه الحاكم (٧٥٠٩) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، به. وإسناده صحيح. وصحَّحه الألباني بشواهده في «الصحيحة» (١٦٣٣).
[ ٢٧ ]