(باب ما تنطقُ به الألسنةُ وتعتقدُه الأفئدةُ من واجب أمورِ الديانات
من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان: أنَّ اللهَ إلهٌ واحدٌ لا إلهَ غيره، ولا شبيهَ له، ولا نظيرَ له، ولا ولدَ له، ولا والدَ له، ولا صاحبةَ له، ولا شريكَ له، ليس لأوَّليَّته ابتداءٌ، ولا لآخريَّته انقضاءٌ، ولا يبلغ كُنهَ صفتِه الواصفون، ولا يُحيطُ بأمره المتفكِّرون، يعتبرُ المتفكرون بآياته، ولا يتفكَّرون في ماهية (^١) ذاته، ولا يُحيطون بشيءٍ من علمه إلَّا بما شاء، وَسِعَ كُرسيُّه السماواتِ والأرض، ولا يؤودُه حِفظُهما وهو العليُّ العظيمُ).
هذا هو البابُ الأولُ من كتابِ «الرسالة» بعد الخطبةِ والمقدمة، وخصَّه بالمسائلِ الاعتقاديةِ العِلميَّة.
وقوله: (باب ما تنطقُ به الألسنةُ وتعتقدُه الأفئدةُ من واجب أمورِ الديانات): يعني: هذا بابُ بيانِ ما يجبُ اعتقادُه بالقلب، والإقرارُ به باللسان؛ فإنَّ مسائلَ الدين قسمان: مسائلُ علميةٌ اعتقادية، ومسائلُ عملية.
_________________
(١) كذا في بعض النسخ، وقال علي بن خلف المنوفي في «كفاية الطالب الرباني» (١/ ٩٦): «بياء مُشدَّدة بينها، وبين الألف همزة وقد تبدل هاءً، فيقال: (ماهية)». وسيأتي مزيد بيان في (ص ٦٢).
[ ٤٩ ]
أول واجب هو التوحيد وهو أصل دين الرسل
تلازم الشهادتين
فمثلًا: مسائلُ الأسماءِ والصفاتِ، وما يتعلَّقُ بالملائكة، والإيمانُ باليومِ الآخر؛ هذه مسائلُ اعتقادية؛ يعني الواجبُ فيها الإيمانُ والتصديق، واليقينُ الجازم، ثم الإقرارُ وإظهارُ ذلك باللسان؛ فإنَّه لا يظهرُ ما في القلبِ إلا باللسان، لأنه هو الذي يُعبِّرُ عمَّا في القلبِ.
إذن: المسائلُ الآتيةُ كلُّها مسائلُ علميةٌ اعتقاديةٌ قولية، وقد تقدَّم (^١) أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ: قولُ القلبِ واللسان، يعني: اعتقادُ القلبِ، وإقرارُ اللسانِ، وعملُ الجوارحِ. فالداخلُ في الإسلام أولًا يؤمنُ بإلهيته ﷾ ويؤمنُ برسولِه، وينطقُ الشهادتين، ولا يتحقَّقُ دخولُه في الإسلام إلا بأنْ ينطقَ الشهادتين، فإنْ نطقَ بهما وهو مُعتقدٌ لِمَا شهدَ به؛ صار مسلمًا، وإنْ نطقَ بهما وهو في الباطنِ على خلافِ ذلك؛ فهو مُنافقُ، ويتبين هذا التقرير بمعرفة أن أوَّل واجبٍ هو التوحيد، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فالتوحيدُ هو أصلُ دينِ الرُّسلِ من أوَّلهم إلى آخرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء].
فأوَّلُ واجبٍ على المكلَّفين: شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله؛ لقوله ﷺ: «أُمرتُ أن أُقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله» (^٢)؛ لأنَّ الشهادتين متلازمتان، لا تصحُّ إحداهما بدون الأخرى، ولا يَدخُل الكافرُ الأصليُّ في الإسلام إلَّا بهما،
_________________
(١) في (ص ٤٥) وتنظر: (ص ١٥٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٥٠ ]
أول واجب عند المتكلمين وبيان فساد ذلك
حكم النظر في الأدلة الكونية والشرعية
فلابدَّ منهما جميعًا، ولهذا قال النبي ﷺ: «بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله …» (^١)، فَعَدَّ الشهادتين أصلًا واحدًا من مباني الإسلام الخمسة.
لذلك قال أهلُ السنَّة: إنَّ أوَّلَ واجبٍ على العبد هو التوحيدُ، خلافًا لأهل الكلام الذين قالوا: إنَّ أوَّلَ واجبٍ هو النظرُ، ويريدون بالنظر التفكر في الأدلة الكونية مثلًا، فقالوا: إنَّ أوَّل واجبٍ هو النظرُ، وبعضُهم تنطَّع وقال: بل أوَّل واجبٍ القصدُ إلى النظر، وغلا بعضهم حتى قال: إنَّ أوَّل واجبٍ هو الشك! يعني أوَّل واجبٍ أن يَشكُّ الإنسانُ في الحقائق، فيشكُّ في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة!
فبئس ما قالوا، أنْ جعلوا الكفرَ هو أوَّلُ واجبٍ؛ لأنَّ الشكَّ بالله كفرٌ.
وهذه الأقوالُ ظاهرةُ الفسادِ والبطلان (^٢).
والنظرُ مشروعٌ، وقد ندب اللهُ إليه العباد، لكن لا يقال: إنَّه أوَّل واجبٍ، فمَن كان عنده توقُّفٌ أو شكٌّ مثل حالِ الكفَّار؛ فعليه أن ينظرَ في الأدلة الكونية والشرعية؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال: ﴿﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨) - واللفظ له -، ومسلم (١٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) تنظر أقوال المتكلمين في مسألة النظر وأوَّل واجب في: الإنصاف فيما يجب اعتقاده للباقلاني (ص ٢٨)، والشامل للجويني (ص ١٢٠ - ١٢٣)، وأبكار الأفكار للآمدي (١/ ١٧٠ - ١٧٢).
[ ٥١ ]
معنى قوله: (من واجب أمور الديانات)
والنظرُ من الأسباب التي يَقوى بها إيمانُ المؤمن، ولهذا أثنى اللهُ على أوليائه أولي الألباب بالتفكُّر في المخلوقات؛ قال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار (١٩١)﴾ [آل عمران]، وكان النبيُّ ﷺ إذا قام من الليل يرفع بصرَه إلى السماء، ويقرأ هذه الآيات من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ …﴾ إلى آخرها [آل عمران: ١٩٠] (^١)، فالتفكُّر في الآيات الكونية، والتدبُّر للآيات الشرعية القرآنية؛ هما من أعظم أسبابِ زيادة الإيمان.
والمقصود: أنَّ النظرَ مشروعٌ، لكن لا يقال: إنَّه أوَّل واجبٍ، بل أوَّلُ واجبٍ هو التوحيد كما تقدم (^٢).
قوله: (من واجب أمورِ الديانات): يريد: المسائل التي يجب اعتقادُها، والنطقُ والإقرارُ بها، فيجب على العبد الإيمان بها ظاهرًا وباطنًا، وذلك ممَّا أجمع عليه أهلُ السنَّةِ، بل منه ما أجمعت عليه الأمَّةُ، ولهذا قال المؤلف في مقدمة كتابه «الجامع» (^٣): «فممَّا أجمعت عليه الأمَّة من أمور الديانة، ومن السنن التي خِلافُها بدعة وضلالة: أنَّ اللهَ - تبارك اسمه - له الأسماء الحسنى، والصفات العلى …» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٩)، ومسلم (٢٥٦)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) ينظر: درء التعارض (٧/ ٣٥٣)، (٨/ ٣)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٣٢٨ - ٣٣١)، ومدارج السالكين (١/ ٢٠٧) (٤/ ٤٤٠)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ٢٣ - ٢٤).
(٣) واسمه الكامل: «الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ» نشرته مؤسسة الرسالة والمكتبة العتيقة التونسية بتحقيق محمد أبو الأجفان، وعثمان بطيخ، وتضمن الكتاب أحد وعشرين بابًا في مواضيع مختلفة، وصدَّره ببابٍ في ذِكْرِ عقيدته ووجوب الاقتداء بالصحابة وترك البدع.
(٤) ينظر: الجامع (ص ١٠٧).
[ ٥٢ ]
معنى قوله: (من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان: أن الله إله واحد لا إله غيره)
أصل الدين الذي بعث الله به رسله
معنى لا إله إلا الله
قوله: (من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان: أنَّ اللهَ إلهٌ واحدٌ لا إلهَ غيره): يريد: أنَّ ممَّا يجب اعتقادُه بالقلب والنطق به باللسان: أنَّ اللهَ هو الإله الذي لا إله غيره، وهذا أصلُ الدِّينِ الذي بعث اللهُ به رسلَه من أوَّلهم إلى آخرهم، وهو معنى: لا إله إلا الله، وحقيقتها: الإيمانُ بأنَّ اللهَ هو الإله الحقُّ الذي لا يستحقُّ العبادةَ سواه، فكلُّ معبودٍ سواه باطلٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة].
والإلهُ بمعنى: المألوه؛ أي: المعبودُ (^١)، فمعنى: «لا إلهَ إلا الله»: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله (^٢)، فهذه كلمةُ التوحيدِ «لا إلهَ إلا الله»، وليس معنى الإله: الخالقُ أو القادرُ على الاختراع كما يقولُه الغالطون من المتكلِّمين (^٣)، وهذا جهلٌ منهم بمعنى «لا إله إلا الله»، ولهذا يُقال: المشركون من العرب أعلمُ منهم بمعنى «لا إله إلا الله»؛ كما قال ذلك الشيخ محمدُ بن عبد الوهاب في كتابه: «كشف الشبهات» (^٤)، لا شكَّ أنَّ كلمة «لا إلهَ إلا الله» تتضمنُ توحيد الربوبية، لكن ليس هو المقصودُ
_________________
(١) ينظر: الصحاح (٦/ ٢٢٣)، ومقاييس اللغة (١/ ١٢٧)، ولسان العرب (١٣/ ٤٦٩).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٣٥٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٨)، (١٣/ ٢٠٢)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، وتيسير العزيز الحميد (١/ ١٧٧ - ١٨٧).
(٣) هذا الفهم الخاطئ قالت به طائفة منهم الأشعري وغيره. ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٠)، والنبوات لابن تيمية (١/ ٢٨٥)، والجواب الصحيح (٣/ ٢٩٤)، ودرء التعارض (١/ ٢٢٦)، (٩/ ٣٧٧)، وشرح التدمرية لشيخنا (ص ٥٢٠).
(٤) ينظر: كشف الشبهات بشرح شيخنا (ص ٢٠).
[ ٥٣ ]
صيغ كلمة التوحيد في القرآن
بل المقصود منها توحيد العبادة فلو كان معناها لا خالق إلا الله لَقَبِلها المشركون ولَمَا أنكروها؛ لأنهم مُقرُّون بأنَّه لا خالق إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فالفرقُ بين الموحِّدِ والمشرك هو توحيدُ العبادة، فالمسلمُ يُقرُّ به والمشركُ يُنكره؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّاب (٤) جَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب (٥)﴾ [ص] (^١)، فلا بدَّ من التنبُّهِ لهذا الفرقِ بين المعنيين والفرق بين الفريقين.
وكلمةُ التوحيد جاءت في القرآنِ بألفاظٍ كثيرة، ومعناها واحد؛ فقال تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧)﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وقال: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات].
وجاءَت في هذه المواضعِ ونحوِها بصيغةِ الحصر الذي يكون بالنفي والاستثناء كما في الآيات أو ب «إنما»؛ كقوله تعالى: ﴿﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] (^٢)، وكلها من قَبيل قصرِ الصفةِ على الموصوف.
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٣)، (١٠/ ٦٦٩)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، والاستغاثة (ص ١٦٣)، وبدائع الفوائد (٤/ ١٥٤٣ - ١٥٤٤).
(٢) تارة تذكر بلفظها بالاسم الظاهر، وبالضمير بأنواعه: المتكلم والمخاطب والغائب، وتارة تذكر بمعناها بالنفي والإثبات، وتقديم المعمول. ينظر: شرح كلمة الإخلاص لشيخنا (ص ١٢٨ - ١٢٩).
[ ٥٤ ]
معنى قوله: (لا شبيه له، ولا نظير له)
معنى اسم الله الأحد والصمد
ثم ذكرَ الشيخ جملةً ممَّا يجب تنزيهُ الله تعالى عنه، فقال: (لا شبيهَ له، ولا نظيرَ له، ولا ولدَ له، ولا والدَ له، ولا صاحبةَ له): وهذا كلُّه جاءَ التصريحُ بنفيِه في القرآن، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وهذا في مواضعَ كثيرةٍ. وجاء التصريحُ ببعضه في سورةِ الإخلاص؛ فقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، فتضمنَ هذا النفيُ: نفيَ الوالدِ والولدِ والكفءِ، وذلك يتضمنُ كمالَ الاسمين المُتقدِّمين: أحديَّته، وصَمَدِيَّته (^١)، فهو الأحدُ الذي لا نظيرَ له ولا شريك، وهو الصمدُ الذي تَصمدُ إليه الخلائقُ، ولا تَجَزُّؤَ في ذاتِه ﷾. والشبيهُ والنظيرُ والمثل والكفء والندُّ ألفاظٌ متقاربةٌ.
وجاءَ في القرآن نفيُ الكُفءِ والندِّ والسّميّ؛ فقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، فهو ﷾ لا سميَّ له، ولا كُفء له، ولا ندَّ له في أي شأنٍ من شؤونه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا في ذاتِه، ولا في صفاتِه، ولا في أفعاله، وهو تعالى يُوصفُ بالإثباتِ والنفيِ.
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٨ - ١١١)، ومنهاج السنة (٢/ ٣١٩)، والصواعق المرسلة (٣/ ١٠١٩ - ١٠٢٣)، وشرح التدمرية (ص ٢٢٠)، والقواعد المثلى بتعليق شيخنا (ص ٧٠) وما بعدها.
[ ٥٥ ]
المناسب البدء بإثبات أسماء الله ونفي ما يضادها لوجهين
معنى قوله: (ولا شريك له)
والمؤلفُ بدأَ بذكر النفي، وكان المناسبُ أن يبدأَ بإثبات أسمائِه ونفيِ ما يُضادّها، وذلك لوجهين:
أحدهما: أنَّ نصوصَ الإثبات في القرآن أكثرُ (^١).
الثاني: أنَّ ذِكْرَ الإثباتِ في الآيات مُقدَّمٌ على ذِكْرِ النفي كما في سورة الإخلاص، والآياتِ في آخر سورة الحشر، وقد يأتي النفيُ قبل الإثبات، وهو قليل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (^٢).
قوله: (ولا شريكَ له): هذه عامةٌ في نفي الشريك؛ أي: لا شريك له في ربوبيته ولا إلهيته ولا في شيء من خصائصه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢]، فليس له شريكٌ في الملكِ، فالملكُ كلُّه له، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، فلا أحدَ يملكُ ذرةً في السماواتِ والأرضِ، ولا شِركًا في ذرةٍ.
ولا شبيه له في أسمائِه وصفاتِه، فلا ربَّ غيرُه، ولا إله سواه.
_________________
(١) ينظر: التسعينية (١/ ١٧١ - ١٧٢)، والجواب الصحيح (٤/ ٤٠٦)، والصفدية (ص ١٤٣)، وجامع المسائل (٨/ ١٠٩)، وشرح التدمرية (ص ٩٢).
(٢) والصفات السلبية لا تذكر غالبًا إلا في الأحوال التالية: الأولى: بيان عموم كماله، والثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، والثالثة: دفع توَّهُمِ نقصٍ من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعيّن. ينظر: القواعد المثلى بتعليق شيخنا (ص ٧٤ - ٧٥).
[ ٥٦ ]
معنى اسم الله الأول والآخر
معنى واجب الوجود وحكم تسمية الله به
قوله: (ليس لأوَّليَّته ابتداءٌ، ولا لآخريَّته انقضاءٌ):
هذا يتضمنُ الإشارةَ إلى اسمين من أسماء الله الحسنى، وهما: الأوَّلُ، والآخرُ، فهو الأوَّلُ والآخر والظاهرُ والباطن، وجاءَ تفسيرُهما على لسان أعلمِ الخلق به ﷺ، وذلك في قولِه في الدعاء: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» (^١). فالمؤلف يقولُ: ممَّا يجبُ الإيمانُ به: أنَّه الأوَّلُ، وليس لأوليتِه ابتداءٌ، وأنه الآخرُ، وليس لآخريتِه انتهاء.
وهذان الاسمان يدلَّانِ على دوامِه أزلًا وأبدًا، وهما من لوازم كونه تعالى واجبُ الوجود، ومعنى واجبُ الوجود: أنه الذي لا يجوزُ عليه الحدوثُ ولا العدم، فلم يسبقْ وجودَه عدمٌ ولا يلحق وجوده عدم، فهو المُتقدِّمُ على كلِّ شيءٍ، والباقي بعد كلِّ شيءٍ (^٢)، فهو دائمٌ أزلًا وأبدًا، وما يبقى من الخلقِ كالجنة والنار؛ فبقاؤُهما بإبقائِه سبحانه، فليس بقاؤهما ذاتيًّا لهما، أما بقاؤُه ﷾ فهو ذاتيٌّ له (^٣)، وينبغي أن يُعلَم أنَّ ذِكرَ اللهِ بواجب الوجود هو من قَبيل الإخبارِ بالحقيقة، لا من باب
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧١٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) وللمتكلمين تعاريف أخرى تنظر في: المعجم الفلسفي لصليبا (٢/ ٥٤١ - ٥٤٢)، وشرح المصطلحات الفلسفية (ص ٤٢٠ رقم ١٧٧٠)، وينظر موقف أهل السنة من تعاريف المتكلمين في: الجواب الصحيح (٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، ومنهاج السنة (٢/ ١٣١ - ١٣٢)، ودرء التعارض (٨/ ١٢٣ - ١٢٤)، والصفدية (ص ٣٢٣ - ٣٢٤)، (ص ٤٤٤) ما بعدها.
(٣) تنظر: (ص ١٤٨).
[ ٥٧ ]
معنى قوله: (ولا يحيط بأمره المتفكرون)
التسميةِ والنعتِ، فليس من أسمائه واجبُ الوجودِ، ولا من صفاته التي يُثنى عليه بها (^١).
قوله: (ولا يبلغُ كُنهَ صفتِه الواصفون):
المعنى: أنَّه لا يُدركُ أحدٌ كُنْهَ صفاته، ولهذا امتنع التكييفُ، فلا يجوزُ التفكُّرُ في كيفيةِ ذاته، أو كيفيةِ صفاته، فلا يقال: كيف ينزل؟ كيف يجيءُ؟ كيف يغضبُ؟ كيف يتكلمُ؟ فكلُّ هذا ممتنعٌ، لا يجوزُ التفكيرُ فيه، ولا السؤالُ عنه لأنه لا سبيل إلى معرفته، ولهذا أنكرَ الأئمة ذلك وقالوا: «والكيفُ مجهولٌ» (^٢)، فأنكروا على من يسألُ عن كيفيةِ الاستواءِ وغيره من الصفاتِ.
قوله: (ولا يُحيطُ بأمره المتفكِّرون): يعني بحقيقتِه وشأنِه، فشأنُه لا يُحيطُ به المُتفكِّرون، فلا يجوزُ التفكّر في ذاتِه، وقد جاءَ في الأثرِ: «تَفكَّروا
_________________
(١) ينظر تقرير هذه القاعدة في: مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢)، ودرء التعارض (١/ ٢٩٨)، والجواب الصحيح (٥/ ٨)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٨٤)، وشرح التدمرية (ص ٤١٧).
(٢) جاء هذا الأثر عن ربيعة ومالك. ينظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ٦٦، رقم ١٠٤)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٤١، رقم ٦٦٤)، (٣/ ٥٨٢ رقم ٩٢٨)، والإبانة الكبرى (٧/ ١٦٣ رقم ١٢١)، والحلية (٦/ ٣٢٥)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٠٤، رقم ٨٦٦ - ٨٦٧ - ٨٦٨)، والتمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٥١) وقد صحَّح هذا الأثر عن مالك: الذهبي في «العلو» (ص ١٣٨، رقم ٣٧٧)، وجوَّد إسناده ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، وقوَّاه الألباني في «مختصر العلو» (ص ١٤١). وقد رُوي عن أمِّ سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يُعتمد عليه. ينظر: شرح حديث النزول (ص ١٣٣).
[ ٥٨ ]
في مخلوقات اللهِ، ولا تَفكَّروا في ذات اللهِ» (^١)، قال ابنُ عبد البر: «وقد
_________________
(١) روي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا: أخرجه مرفوعًا: أبو الشيخ في «العظمة» (رقم ٣) من طريق أحمد بن مهدي، عن عاصم بن علي، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. وإسناده ضعيف، عاصم بن علي وأبوه ضعيفان، والأب أضعف، وعطاء اختلط بِأَخَرَة … والصواب وقفه، كما رواه غير واحد عن عاصم بن علي، وتابعه خالد الطحان كما سيأتي. وأخرجه موقوفًا: أبو الشيخ في «العظمة» (رقم ٢)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (رقم ٦١٨)، و(٨٨٧)، وابن بطة في «الإبانة» (رقم ١٠٨)، والأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (رقم ٦٦٨) من طرق، عن عاصم بن علي، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، موقوفًا. ورواه بعضهم عن عاصم بن علي، عن عطاء، بإسقاط أبيه، وأورده ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٢٣)، وعزاه لعبد الله بن الإمام أحمد في «كتاب السنة». وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في «كتاب العرش» (رقم ١٦) من طريق خالد بن عبد الله الطحان، عن عطاء، به. وهذه متابعة جيدة لعاصم وأبيه، ولكن سماع خالد الطحان من عطاء بِأَخَرَة بعد اختلاطه. وللمرفوع شواهد: عن ابن عمر: عند أبي الشيخ في «العظمة» (رقم ١)، واللالكائي في «السنة» (رقم ٩٢٧)، والبيهقي في «الشعب» (رقم ١١٩) من طريق الوازع بن نافع، عن سالم، عن أبيه، به. والوازع هذا متروك! وعن عبد الله بن سلام: عند أبي نعيم في «الحلية» (٦/ ٦٦)، وأبي الشيخ في «العظمة» (رقم ٢١) من طريق عبد الجليل بن عطية القيسي، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن سلام مرفوعًا بنحوه. وعبد الجليل بن عطية وشهر بن حوشب، كلاهما ضعيفان. وروي أيضًا: عن أبي ذر، وأبي هريرة، ويونس بن ميسرة مرسلًا، ولا يصح في الباب شيء. وحسَّن الذهبيُّ في «العرش» (٢/ ١٧١) الموقوف، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٣٨٣): «موقوف، وسنده جيد». أما الألباني فقد حسَّن المرفوع بمجموع طرقه، وكذا قال السخاوي: «وأسانيدها ضعيفة، لكن اجتماعها يكتسب قوة، والمعنى صحيح». ينظر: المقاصد الحسنة (رقم ٣٤٢)، والمداوي للغماري (٣/ ٢٧٩)، والصحيحة (١٧٨٨).
[ ٥٩ ]
مذهب أهل السنة في الصفات قائم على ثلاثة أمور
حكم عبارة: «كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك»
نُهينا عن التفكُّر في الله، وأُمرنا بالتفكُّر في خلقه الدالِّ عليه» (^١)؛ أي: تَفَكَّرْ في آياتِ الله الدالةِ على قدرته وعلمِه وحكمتِه ورحمتِه، ولا تُفَكِّرْ في ذاته؛ فإنه لا سبيلَ إلى معرفةِ كُنهِ ذاته، أو كُنهِ صفاته، ولهذا قالَ أهلُ العلم: إنَّه يجب الإيمان بما وَصَفَ الله به نفسه، أو وَصَفَه به رسولُه من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيل، فيجبُ الإيمان بصفاتِه بإثباتِ ما أثبتَه اللهُ لنفسه، ونفيِ مُماثلتِه لخلقه، ونفيِ العلم بالكيفية، فهذه الأمور الثلاثة هي مرتكز مذهب أهل السنة (^٢)، ويجبُ أن نعلمَ أنَّ لصفاته ولذاتِه كيفيةً لكن لا سبيلَ للعبادِ إلى معرفِتها، فالمنفيُّ هنا هو العلمُ (^٣).
فإذن: ذاتُه لها كُنْهٌ، وصفةٌ، وحقيقةٌ، ولكن لا يبلغُ ذلك الواصفون، ولا يحيطُ به المُتفكرون، وممَّا يتصل بهذا المعنى قول بعضهم: «كلُّ ما خطر ببالك فاللهُ بخلاف ذلك»، وهذه العبارةُ من الألفاظ المجملةِ التي تحتاج إلى تفصيل؛ فنقول: كلُّ ما خطر ببال العبدِ من الكيفيات في الذات والصفات فاللهُ بخلافِ ذلك؛ لأنَّ ما يخطرُ بالبال من الكيفيات أصلُه ما يعرفه الإنسانُ من كيفية المخلوقات المشاهدة، أمَّا ما يخطر بالبال من معاني الصفات؛ كالعلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك؛ فلا يجوز أن
_________________
(١) جامع بيان العلم (٢/ ٩٣١، رقم ١٧٦٩).
(٢) ينظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص ٣٦٥ - ٣٦٩)، وشرح العقيدة التدمرية (ص ٨٧)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٦٦)، وتوضيح مقاصد الواسطية (ص ٧٣).
(٣) ينظر: بيان تلبيس الجهمية (٨/ ٣٠٥)، ومجموع الفتاوى (٥/ ١٨١)، (١٣/ ٣٠٩) وشرح التدمرية (ص ٧٨)، وشرح القصيدة الدالية (ص ٦٧)، وتوضيح مقاصد الواسطية (ص ٧٤).
[ ٦٠ ]
معرفة الله لها طريقان
يُقال: إنَّ اللهَ بخلاف ذلك، فإنه مُتَّصفٌ بهذه المعاني، فيُقال: إنَّه عليمٌ قديرٌ سميعٌ بصيرٌ، وإذا قيل: الله بخلاف ذلك؛ آلَ إلى التعطيل (^١).
قوله: (يَعتبر المُتفكرون بآياتِه، ولا يتفكَّرون في ماهية ذاتِه):
يعتبرُ المُتفكِّرُون في آياتِه الكونية، ويهتدُون إلى معرفةِ الله بالتفكُّرِ في مخلوقاته، والتدبر لآياته. فمعرفةُ الله لها طريقان: التفكرُ في آياته الكونيةِ، والتدبُّرُ لآياتِه الشرعية، فكلاهما طريقٌ يَعرف به العبادُ ربَّهم؛ كما قالَ سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران].
وكثيرًا ما يذكر اللهُ في كتابه آياتِه الكونية، وهي: مخلوقاته ثم يُتبعها بذكر المنتفعين بها؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون (٣)﴾ [الرعد]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين (٢٢)﴾ [الروم]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُون (٢٣)﴾ [الروم]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون (٢٤)﴾ [الروم]، وهذا كثيرٌ في القرآن؛ يُنبهُ الله العبادَ إلى ما في آياتِه الكونيةِ السماوية والأفقيةِ والأرضيةِ والنفسية؛ قال تعالى: ﴿﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]، وقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون (٢١)﴾ [الذاريات]، فيعتبرُ أولو الألباب المُتفكِّرون المُتذكِّرون بآياتِه ولا يتفكرون في ذاتِه، وهذا هو الواجبُ.
_________________
(١) ينظر: الرد على الجهمية والزنادقة (ص ٢٠٨ - ٢٠٩)، والاستقامة (١/ ١٣٧)، وبيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ٤٥ - ٤٦).
[ ٦١ ]
معنى الماهية والمائية
معنى قوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)
الفرق بين الإحاطة والعلم
(ولا يتفكَّرُون في ماهيَّةِ ذاتِه): يعني في حقيقةِ ذاته، فالمعنى مُتقاربٌ: في ماهيتِه، أو في حقيقتِه، أو في كيفيتِه، أو في كُنْهِه.
لكن نؤمنُ بأنَّ له تعالى ذاتًا لا تشبهُ الذواتَ، وأنَّه قائمٌ بنفسه، غنيٌّ بذاتِه عن كلِّ ما سواه، فلا يفتقرُ إلى شيءٍ بوجهٍ من الوجوه.
تنبيه: في بعض نسخ الرسالة: ولا يتفكَّرون في مائيته بالهمز (^١)، ويقول بعضُ أهلِ اللغة: إنَّ مائية وماهية معناهما واحد، وذلك يجري على لغة مَنْ يُبدل الهمزة هاء، وأنَّ أصلَ همزة ماء: هاء؛ بدليل أنك تقول في التصغير: مويه، وفي الجمع: مِياه، ولكن المشهور عند المناطقة: ماهية بالهاء، ويقولون: ماهيةُ الشيءِ: ما يُجابُ به مَنْ قال في شيءٍ: ما هو؟ (^٢)
قوله: (ولا يُحيطون بشيءٍ من علمه إلَّا بما شاء، وَسِعَ كُرسيُّه السماواتِ والأرض، ولا يؤودُه حِفظُهما وهو العليُّ العظيمُ):
هذا بعضُ «آيةِ الكرسي»، فقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ﴾: أي: لا يحيطُ العباد، والإحاطةُ غير مُطلق العلم، فنحن نرى الشمسَ ولا نُحيطُ بها رؤيةً، ونعلمُ أشياء كثيرةً ممَّا أخبرنا الله به من علومِ الغيب أو من الأخبارِ الواقعةِ في هذه الدنيا، لكننا لا نحيطُ بها، فالشيءُ لا يُحاط به،
_________________
(١) وهو المثبت في أغلب النسخ كما في شرح التنوخي (١/ ٢٢)، وشرح زروق (١/ ٣٦)، وغُرر المقالة للمغراوي (ص ٧٥)، والفواكه الدواني (١/ ٦٨، ٦٩)، وطبعة الشيخ بكر أبو زيد ضمن الردود (ص ٤٨٧).
(٢) ينظر: الألفاظ المستعملة في المنطق للفارابي (ص ٥٠)، ومحك النظر للغزالي (ص ٢٥٧)، وآداب البحث والمناظرة (ص ٤٧ - ٤٨).
[ ٦٢ ]
تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾
ولا تُدركُ حقيقتُه إلا بمشاهدتِه، أو مُشاهدةِ نظيره (^١). فاللهُ تعالى أخبرَ بأنَّ العبادَ لا يُحيطون بشيءٍ من علمه.
﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾: يعني: من معلوماتِه إلا بما علَّمَهم، وهذا يُفسِّرُه قوله تعالى عن الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال الخضرُ لموسى: «ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر» (^٢). فعلمُ الخلائقِ - الملائكة والإنس والجن - كلّهم لا نسبةَ له إلى علمِه ﷾.
وقِيل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾: أي: العلم به لا يُحيطون بشيءٍ من ذلك إلا بما شاءَ، فالعبادُ لا يعلمون من شأنِ ربهم إلا ما علَّمهم،
_________________
(١) ينظر: درء التعارض (٩/ ١٠)، (٥/ ٧٣)، وشرح حديث النزول (ص ١٠٤)، وشرح التدمرية (ص ٢١٤).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (١٢٢)، (٤٧٢٦)، ومسلم (٢٣٨٠) من حديث ابن عباس، وأخرجه بهذا اللفظ: عبد الله بن الإمام أحمد في «زوائد المسند» (٢١١١٩) من طريق عبد الله بن إبراهيم المروزي، حدثني هشام بن يوسف، في تفسير ابن جريج، الذي أملاه عليهم: أخبرني يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، يزيد أحدهما على الآخر، وغيرهما، قال: قد سمعت يحدثه، عن سعيد بن جبير، قال: إنَّا لعند عبد الله بن عباس في بيته فذكره بطوله. وقال: «ووجدته في كتاب أبي: عن يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف مثله». قلنا: عبد الله بن إبراهيم المروزي لم نجد له ترجمة إلا أنه قال عنه الخليفة النيسابوري: «عبد الله بن إبراهيم المروزي، حدث بنيسابور». ينظر: تلخيص تاريخ نيسابور (ص ٢٥). ولكن تابعه يحيى بن معين كما أشار عبد الله بن أحمد في وجاداته، وتابعه أيضًا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف به كما في البخاري (٤٧٢٦)، ولفظه: «والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر».
[ ٦٣ ]
الخلاف في الكرسي وأصح ما قيل في تفسيره
والمعنيان صحيحَان، فلا علمَ للعباد بذاتِه وصفاته إلا ما علَّمَهم، ولا علمَ للعباد بشيءٍ ممَّا يعلمُه إلا بما شاءَ (^١)، كما قال تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]؛ فلا علمَ لأحدٍ - حتى الملائكة والأنبياء - إلا ما علَّمَهم، يقولُ اللهُ لأفضل الخلق ﷺ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء]، وقال عن الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
فما جاءَ به الرسولُ ﵊ من العلمِ العظيم، إنَّما كان بتعليمٍ من الله تعالى، فعلَّمَه بالوحيِ الذي أنزلَه من الكتابِ والحكمة.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: الكرسيُّ أصحُّ ما قِيل في تفسيره: أنه موضعُ قدمِي الربِّ (^٢)،
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٧٩ - ٦٨٠)، وتفسير سورة الفاتحة والبقرة للعثيمين (٣/ ٢٥٣)، والتعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - الفاتحة والبقرة - لشيخنا (ص ٥٦٦).
(٢) أخرجه محمد بن أبي شيبة في «كتاب العرش» (رقم ٦١)، والدارمي في «الرد على المريسي» (١/ ٣٩٩)، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٣٩، رقم ١٢٤٠٤) والحاكم في «المستدرك» (٣١١٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (رقم ٧٥٨) من طرق، عن سفيان الثوري، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، موقوفًا. ورواية الطبراني: عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، بإسقاط مسلم البطين، وهو منقطع؛ لأن عمار الدهني لم يسمع من سعيد بن جبير، كما قال أبو بكر بن عيَّاش. ينظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٤٠٦ - ٤٠٧ رقم ٦٦١). وأخرجه أبو الشيخ في «العظمة» (٢/ ٥٥٢) و(٢/ ٥٨٢) من وجهين آخرين عن عمار الدهني، به. =
[ ٦٤ ]
وقِيل: العرش (^١)، وقيل: العلمُ، أي: وسعَ علمُه، وروي
_________________
(١) = وهذا الأثر عن ابن عباس قال عنه الدارمي: «عرفناه عن ابن عباس صحيحًا مشهورًا»، وصحَّحه الحاكم على شرط الشيخين، والصواب أنه على شرط مسلم فقط؛ لأن البخاري لم يخرج لعمار الدهني. وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٣٢٣) وقال: «رجاله رجال الصحيح». وذكره الذهبي في «العلو» (ص ٧٦ رقم ١٢٣) وقال: «رواته ثقات». وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص ١٠٢): «هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وتابعه يوسف بن أبي إسحاق عن عمار الدهني». والخبر موقوف لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ كما قال البيهقي وغيره. وينظر: السلسلة الضعيفة (١٣/ ٢٦٨).
(٢) روي ذلك عن الحسن البصري: رواه عنه ابن جرير الطبري (٤/ ٥٣٩) بإسناده عن جويبر، عن الحسن، عن الضحاك، قال: كان الحسن يقول: «الكرسي: هو العرش». وقال ابن كثير (١/ ٦٧١): «والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم». ويشير ابن كثير لما أخرجه الطبري (٤/ ٥٤٠) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة؛ فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: «إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع»، ثم قال بأصابعه فجمعها: «وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله». وأخرجه ابن جرير من طريق أخرى عن إسرائيل نفسه به؛ إلا أنه زاد في إسناده فقال: عن عمر، عن النبي ﷺ بنحوه. وأخرجه أبو الشيخ في «العظمة» (٤/ ٣٤٥)، والبزار (٣٢٥) من هذه الطريق إلى قوله: «وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله». وللحديث ثلاث علل: الأولى: جهالة عبد الله بن خليفة؛ قال الذهبي: «لا يكاد يُعرف». الميزان (٢/ ٤١٤ رقم ٤٢٩٠). الثانية: لا يُعرف له سماع من عمر. قال ابن كثير: «وفي سماعه من عمر نظر». تفسيره (١/ ٦٨١). =
[ ٦٥ ]
هذا عن ابن عباس، ولا يصحُّ (^١)، كما أنه لا يُعرَفُ في اللغة تفسيرُ الكرسي بالعلم.
_________________
(١) = الثالثة: الاضطراب، فمرة يرويه عبد اللَّه بن خليفة مرسلًا، ومرة يرويه عن عمر من قوله. وقال ابن كثير في «التفسير» (١/ ٦٨١): «عن عبد الله بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عنه مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادةً غريبةً، ومنهم من يحذفها». وقد أعله شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٤ - ٦)، وقال الألباني في «الضعيفة»: (٤٩٧٨): «منكر».
(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٥٣٧)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٩٠، برقم ٢٥٩٩)، واللالكائي في «السنة» (٣/ ٤٤٩ رقم ٦٧٩)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (رقم ٢٣٣) من طريق مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: «علمه». وخالف مطرفَ سفيانُ الثوري فرواه في تفسيره - كما في «فتح الباري» (٨/ ١٩٩) - عن جعفر، عن سعيد بن جبير من قوله. وأخرجه عنه ابن حجر في «تغليق التعليق» (٤/ ١٨٥)، وعلّقه البخاري في «صحيحه» في: «باب قوله ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [البقرة]» (٦/ ٣١). والعهدة في هذا الاختلاف على جعفر بن أبي المغيرة، وخالفه مسلم البطين فرواه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس كما سبق، وهو المحفوظ. قال ابن منده في «الرد على الجهمية» (ص ٤٤ رقم ١٥): «ولم يُتابع عليه جعفر، وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير»، وأقره الذهبي في «الميزان» (١/ ٤١٧ رقم ١٥٣٦)، ثم قال: «قد روى عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره». فكأنه يشير إلى أن هذه الرواية هي المحفوظة. وقال الأزهري في «تهذيب اللغة» (١٠/ ٣٣): «والصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسي: موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها، والذي روي عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم، فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار».
[ ٦٦ ]
تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يئوده﴾
لكن الذي عليه جمهورُ السَّلف: أنَّ المرادَ بالكرسيِّ موضعُ القدمين، وهو مخلوقٌ عظيم غيرُ العرشِ (^١).
والآيةُ تدلُّ على سعةِ الكرسيِّ وعِظمِه، وجاء في بعض الأحاديثِ كما عند ابن جرير: «ما السماواتُ السبعُ في الكرسي إلا كدراهمَ سبعة أُلقيت في تُرْس» (^٢).
﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: يعني لا يشقُّ عليه، ولا يُعجزه حفظُ هذا العالَمِ العلويِّ والسفليِّ (^٣). كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]؛ أي: لا يمسكُهما أحدٌ غيره. وقال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، فهو الحافظُ للعبادِ، والحافظُ لهذا الوجود، ولولا حفظُ الله لهذا العالم لدَكَّ بعضُه بعضًا، فهذا العالمُ: السماواتُ والأرضُ كلُّها مستقرَّة على وفقِ ما قدَّرَه ﷾، وهذه الأجرامُ العلويةُ من الكواكبِ؛ ماضيةٌ في مجاريها بقدرتِه ﷾.
_________________
(١) ينظر: أصول السنة لابن أبي زَمَنين (ص ٥٤)، وبيان تلبيس الجهمية (٨/ ٣٦٣ - ٣٦٥)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٥٨٤ - ٥٨٥)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٣٦٨ - ٣٧١)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ١٩٠).
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٣٩)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٢/ ٥٨٧) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ فذكره بهذا اللفظ. قال الذهبي في «العلو» (ص ١١٧ رقم ٣١٣): «هذا مرسل، وعبد الرحمن ضعيف». وضعفه الألباني في «الضعيفة» (رقم ٦١١٨).
(٣) ينظر: غريب القرآن لابن قتيبة (ص ٩٣)، والمفردات للراغب الأصبهاني (ص ٩٧).
[ ٦٧ ]
«الحي القيوم» قيل: إنهما الاسم الأعظم
معنى اسم الله العلي والعظيم
وختمَ اللهُ آيةَ الكرسيِّ باسمَين عظيمين كما بدأَها باسمَين آخرين، فبدأها باسمِه «الحيُّ القيوم»، وقد قِيل: إنهما الاسمُ الأعظمُ (^١)، وختمَها باسمَيه «العليُّ العظيمُ»، واسمُه «العليُّ» يدلُّ على أنَّ له العلوَّ بكلِّ معانيه؛ علوُّ الذاتِ، والقَدْرِ، والقهرِ، وهو «العظيمُ» الذي لا أعظمَ منهسبحانه وتعالى، ولا نُدركُ كنهَ عظمتِه كما هو الشأنُ في سائرِ صفاته.
فاسمُه «العليُّ» هو من جملةِ ما يُستدلُّ به على علوِّ الذات (^٢).
* * * * *
_________________
(١) ينظر: جامع المسائل (٨/ ١٠٧)، ومدارج السالكين (٢/ ٧٨)، والصواعق المرسلة (٣/ ٩١١ - ٩١٢)، وزاد المعاد (٤/ ٢٠٤)، وفتح الباري (١١/ ٢٢٤) وقد ذكر ابن حجر أربعة عشر قولًا في تحديد الاسم الأعظم.
(٢) تنظر أنواع أدلة العلو في: الكافية الشافية (٢/ ٣٠٧) وما بعدها، وإعلام الموقعين (٤/ ٦٧ - ٧٥)، وتوضيح مقاصد الواسطية (ص ١٠٩)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ١٩٣). وقد ذكر ابن القيم ثلاثين طريقًا تدل على العلو. ينظر: الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٨٠ - ١٣٤٠).
[ ٦٨ ]