(وأنَّ الإيمانَ قولٌ باللسان، وإخلاصٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمالِ، وينقُصُ بنَقْصِها، فيكون فيها النقصُ وبها الزيادةُ، ولا يكملُ قولُ الإيمانِ إلَّا بالعمل، ولا قولَ وعملَ إلَّا بنيَّةٍ، ولا قولَ ولا عملَ ونيَّةَ إلَّا بموافقة السنَّةِ.
وأنَّه لا يكفرُ أحدٌ بذنبٍ من أهل القبلة):
في هذه الجملةِ يُقرِّرُ المؤلفُ ﵀ عقيدةَ أهلِ السُّنةِ والجماعة في مُسمَّى الإيمان، وهي قضيةٌ افترقَت فيها الأمَّةُ على مذاهب متعدِّدةٍ (^١).
فالجهميَّةُ يقولون: الإيمانُ هو المعرفةُ.
والأشاعرةُ يقولون: هو التصديقُ.
والمرجئةُ يقولون: هو التصديقُ بالقلب والإقرارُ باللسان.
_________________
(١) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١١٤) وما بعدها، والايمان لابن تيمية (ص ١٥٥ - ١٥٦)، والفرقان بين الحق والباطل (ص ٥١)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٥٩).
[ ١٥٨ ]
عقيدة أهل السنة في الإيمان
والكرَّامِيَّة (^١) يقولون: هو الإقرارُ باللِّسان فحسب، من غير اعتبارٍ لتصديقِ القلب، يقولُ شيخُ الإسلام ﵀ عن الكرَّامية: «فيجعلون المنافق مؤمنًا، لكنه يخلد في النار فخالفُوا الجماعةَ»؛ يعني جماعةَ المسلمين في المُنافقِ، «في الاسمِ دون الحُكمِ» (^٢). أي: خالفوا الجماعةَ في قولهم: إنَّ المُنافقَ مؤمنٌ، ووافقوا الجماعةَ في الحكمِ؛ وهو تخليده في النار، وهذا الذي قرَّرَه المؤلفُ هو الحقُّ، وهو أنَّ الإيمانَ اسمٌ يشمل:
١ - اعتقادَ القلبِ؛ وهو تصديقُه، وإقرارُه.
٢ - عملَ القلبِ؛ وهو انقيادُه، وإرادتُه، وما يتبعُ ذلك مِنْ أعمالِ القلوبِ؛ كالتوكلِ، والرجاءِ، والخوفِ، والمحبةِ.
٣ - إقرارَ اللسانِ.
٤ - عملَ الجوارحِ - واللسانُ مِنها - والعملُ يشمل: الأفعالَ والتروكَ؛ قوليةً أو فعليةً (^٣).
_________________
(١) أتباع أبي عبد الله محمد بن كرَّام السجستاني، المشهور بابن كرَّام، شيخ الكرَّامية ومؤسسها، تكلَّم في جملة مسائل كبار بما أُنكر عليه، منها: مسألة الإيمان، ومسألة الصفات وقوله بأنَّ الله جسم لا كالأجسام، مع ضلالات أخرى، وقد عدَّه شيخ الإسلام ابن تيمية من أئمة النُّظَّار المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، مع بيان مخالفته للجماعة في جملة من مسائل الاعتقاد، سُجن ابن كرام ثم نفي، ومات بأرض بيت المقدس سنة (٢٥٥ هـ). ينظر: الفَرْق بين الفِرِق (ص ١٨٩ - ١٩٧)، والملل والنحل (١/ ١٠٨ - ١١٣)، وشرح الأصبهانية (ص ٣٧٨)، والسير (١١/ ٥٢٣ رقم ١٤٦).
(٢) التدمرية (ص ١٠٩)، وبشرح شيخنا (ص ٥٣٠).
(٣) ينظر: الشريعة للآجري (٢/ ٦١١)، والإبانة لابن بطة (٢/ ٧٦٠)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٩١١) ما بعدها، والإيمان لابن تيمية (ص ١٣٧ - ١٣٨)، وجواب في الإيمان ونواقضه لشيخنا (ص ٧ - ١٣).
[ ١٥٩ ]
ومن الدليلِ على هذا حديثُ: «الإِيمانُ بِضْعٌ وسبعون - أَوْ: بضعٌ وستُّون - شُعبةً، فأفضلها قولُ: لا إِلهَ إلَّا اللهُ، وأَدناها إِماطةُ الأَذى عن الطَّريقِ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان» (^١) فدلَّ الحديث على أن جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة من الإيمان، ومعنى هذا: أنَّ الصلاةَ من الإيمان، والزكاةَ من الإيمان، والصيامَ من الإيمان، والحجَّ من الإيمانِ، والجهادَ من الإيمان، والأمرَ بالمعروف والنهيَّ عن المنكر من الإيمان، والحياء من الإيمان؛ فالإيمانُ قولٌ وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
ولا يستقيمُ الإيمانُ إلا بالإخلاصِ كما قالَ المؤلف: (وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب) ولهذا كان من شرط صلاحِ العملِ الإخلاص، وكذلك موافقة السنة شرط لصلاح العمل، ولا بد من ذلك في جميع مسائل الدين العلمية والعملية، ولا يجوز أن يُدخَل في الدِّين ما ليس منه: عبادة أو عقيدة على حدِّ قوله ﷺ: «مَنْ أَحدثَ في أَمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ» (^٢)، وفي رواية: «مَنْ عملَ عملًا ليس عليه أَمرُنا؛ فهو رَدٌّ» (^٣).
وقول المؤلف إنَّ الإيمانَ: (يزيد بزيادة الأعمال) (^٤)؛ لأنَّ الأعمالَ عنده من الإيمانِ على مذهب أهل السنَّة، فما يفعله العبدُ من الطاعاتِ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ - ٥٨) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ - ١٧) - واللفظ له -، من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه مسلم (١٧١٨ - ١٨) من حديث عائشة ﵂.
(٤) ينظر: الشريعة للآجري (٢/ ٥٨٠)، والإبانة لابن بطة (٢/ ٨٢٨)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٦٠) ما بعدها.
[ ١٦٠ ]
الصحيح عن الإمام مالك أنه يقرر أن الإيمان يزيد وينقص
أجمع تعريف للإيمان
- فرضها ونفلها - هي من الإيمانِ، فيزدادُ الإيمانُ بزيادتها وينقصُ بنقصها، ولعملِ الجوارحِ أثرٌ في إيمان القلبِ فيقوى تصديقُه، ولقوَّةِ التصديقِ أثرٌ في صلاح العملِ وزيادته (^١)؛ فعُلِم بذلك أنَّ المؤلف على مذهب أهل السنة في الإيمان، فالأعمال عنده من الإيمان، وهو يزيد وينقص، وهو أيضًا مالكيٌّ في هذه المسألة فإنَّ الصحيح عن الإمام مالك أنَّ الإيمان يزيد وينقص؛ قال شيخ الإسلام أنَّ إحدى الروايتين عن مالك أنَّ الإيمان يزيد ولا ينقص، والرواية الأخرى، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم أنَّه يزيد وينقص (^٢).
وأجمعُ تعريفٍ للإيمان ما قاله شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في «العقيدة الواسطية»: «ومن أصول الفرقة الناجية: أنَّ الدين والإيمانَ قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ واللسانِ والجوارح» (^٣).
قوله: (وإخلاصٌ بالقلب):
الإخلاصُ من عملِ القلب، وهو أن يكون الغايةُ من العملِ هو ابتغاءُ وجهِ الله.
قوله: (يزيد بزيادة الأعمالِ، وينقُصُ بنقصِها):
أي: يزيدُ بزيادةِ الأعمالِ الصالحة، وينقصُ بنقصها، فينقصُ كمالُ الإيمان الواجب بنقص الفرائض والواجبات، وكمال الإيمان المُستحبّ
_________________
(١) أوصلها شيخ الإسلام إلى ثمانية أوجه. ينظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٨٣ - ١٨٧).
(٢) ينظر: الإيمان الأوسط (ص ٣٧١).
(٣) العقيدة الواسطية (ص ١١٣)، وبشرح شيخنا (ص ٢٠٢).
[ ١٦١ ]
بنقص المستحبات؛ هذا مذهب أهل السنة والجماعة كما دلَّ عليه الكتاب والسنة؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون (١٢٤)﴾ [التوبة]؛ أي: السورة المنزلة، ومن السنَّة حديثُ الشفاعةِ الطويل، وفيه: «يخرجُ من النار مَنْ قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقالُ برَّةٍ أو خردلةٍ أو شعيرةٍ من الإيمان» (^١)، وخالف في ذلك المبتدعةُ من المرجئة والخوارج والمعتزلة، وقالوا: إنَّ الإيمانَ شيءٌ واحدٌ لا يزيد ولا ينقص، بل إذا ذهب بعضُه ذهبَ كلُّه، وأجودُ من عبارة المؤلف أن يُقال: يزيدُ بالطاعة وينقصُ بالمعصية.
قوله: (ولا يكملُ قولُ الإيمانِ إلَّا بالعمل):
هذا تأكيدٌ لِمَا سبق، وأنَّه لابدَّ من العمل، فلا يكفي إقرارُ اللسانِ ولا اعتقادُ القلبِ؛ بل الأعمالُ الصالحةُ دليلٌ على صلاح القلب؛ لقوله ﷺ في القلب: «إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كلُّه» (^٢).
قوله: (ولا قولَ وعملَ إلَّا بنيَّةٍ، ولا قولَ ولا عملَ ونيَّةَ إلَّا بموافقة السنَّةِ).
معناه: أنَّ إقرارَ اللسانِ وعملَ الجوارحِ وعملَ القلب، وهو النية، وبها الإخلاص، هذه الثلاثةُ لا بدَّ منها، وهي: متلازمةٌ، وأمرٌ رابعٌ، وهو اتباعُ السنَّةِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤)، (٧٤١٠)، (٧٥١٠)، ومسلم (٣٢٥ - ١٩٣)، (٣٢٦) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄.
[ ١٦٢ ]
التعبير الصحيح هو: لا يكفر أحد من أهل القبلة بكل ذنب
عقيدة الخوارج والمعتزلة في مرتكب الكبيرة
من هم أهل القبلة
قوله: (وأنه لا يكفرُ أحدٌ بذنبٍ من أهل القبلة):
هذه المسألةُ من فروع مسألةِ الإيمان، وهذا مذهبُ أهلِ السنَّة، يقولون: لا يكفرُ أحدٌ من أهل القبلة بكلِّ ذنبٍ ما لم يستحله، وإن كانت من الكبائر؛ كالزنا والقتلِ والشربِ، وهذا هو الأصحُّ في التعبير تقول: بكلِّ ذنب، فيكون من قَبيل سلبِ العموم (^١)، وعبارةُ المؤلف من قَبيل عمومِ السَّلبِ، خلافًا للخوارج الذين يُكفِّرون بكبائر الذنوب، ومنهم مَنْ يُكفِّرُ بالصغائر، وقد يعدُّون ما ليس بذنبٍ ذنبًا؛ فيُكفِّرون به كما فعلوا مع عليٍّ وعثمان ﵄، ويُخلِّدون مرتكبَ الكبيرةِ في النار إذا مات من غير توبةٍ. وخلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إنَّ مرتكبَ الكبيرةِ في الدنيا في منزلةٍ بين المنزلتين، وجعلوا ذلك أحد أصولهم الخمسة وفي الآخرة مخلدٌ في النار (^٢). وأهلُ القبلة: كلُّ مَنْ يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، ولم يأتِ بناقضٍ من نواقض الإسلامِ، فمَن أتى بناقضٍ عالمًا عامدًا مختارًا جادًّا أو هازلًا صار مرتدًا، ولم يكن من أهل القبلةِ.
ومن دليل أهلِ السنَّةِ على عدم التكفيرِ بالذنوبِ، وإن كانت من الكبائر؛ قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، فسمَّاهم مؤمنين وإخوةً مع اقتتالِهم.
* * * * *
_________________
(١) ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤).
(٢) ينظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٦٩٧) وما بعدها.
[ ١٦٣ ]