(على العرش استوى، وعلى المُلك احتوى، وله الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العُلى، لم يَزل بجميع صفاتِه وأسمائِه، تعالى أن تكون صفاتُه مخلوقةً، وأسماؤه مُحدثةً.
كلَّم موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاتِه، لا خلقٌ من خلقه، وتجلَّى للجبل فصار دكًّا من جلاله).
يقولُ المؤلف في ذكرِه لبعضِ ما يجبُ الإيمانُ به من أسماءِ الله وصفاتِه: (على العرش استوى)؛ يعني: يجبُ الإيمانُ بأنَّه تعالى على العرشِ استوى؛ كما أخبرَ بذلك في سبعِ آياتٍ من القرآن، في ستةِ مواضعَ منها بلفظ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في الأعراف ويونس والرعد والفرقان والسجدة والحديد، وفي طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]. وقد دلَّت هذه الآياتُ على أنَّ استواءَه على العرشِ كان بعد خلقِ السماواتِ والأرض، فقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].
[ ٨٢ ]
تضمن الاستواء للعلو ودلالته عليه
تفسير السلف للاستواء بأربع عبارات
واستواؤُه على العرشِ يتضمَّنُ علوَّه تعالى على جميعِ المخلوقات؛ لأنَّ العرشَ أعلى المخلوقات، ولهذا تُعَدُّ الآياتُ والأحاديثُ الدالةُ على استوائِه تعالى على العرش من جملة أدلَّة العلوِّ (^١).
والاستواءُ على العرش جاءَ تفسيرُه عن السَّلف بأربع عبارات: علا وارتفعَ واستقرَّ وصعدَ، وهي معانٍ متقاربةٌ، وقد نظمها ابنُ القيم في نونيَّته (^٢)؛ فقال:
فلهم عبارات عليها أربعٌ … قد حُصِّلَت للفارس الطعَّان
وهي استقر وقد علا وكذلك ار … تَفَعَ الذي ما فيه من نُكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابعٌ … وأبو عُبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره … أدرى من الجهميِّ بالقرآن
وأهلُ السنَّةِ والجماعة يُثبتون هذه الصفة، بأنَّ الله تعالى فوقَ العرشِ كما تقدَّمَ (^٣)، وأنَّه فوق العرشِ المجيدِ بذاتِه، يؤمنون بذلك على المعنى المفهوم من استوَى في لغة العرب؛ لأنَّ الله خاطبَ عبادَه بلسانٍ عربيٍّ مُبين.
_________________
(١) ينظر: هامش (ص ٦٨).
(٢) ينظر: النونية (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، رقم ١٣٥٣ - ١٣٥٦).
(٣) تنظر: (ص ٧٢).
[ ٨٣ ]
الفرق بين العلو والاستواء
شبهة المعطلة في نفي العلو والاستواء
ولهذا لَمَّا قيل للإمام مالك: كيف استوى؟ قال: «الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ» (^١).
إذن: أهلُ السنَّة والجماعة يُثبتون العلوَّ والاستواء، وهما معنيان بينهما تناسُبٌ، كما تقدَّم أنَّ الاستواءَ يتضمنُ العلوَّ، لكن العلوَّ صفةٌ ثابتةٌ ذاتيةٌ لله تعالى أزلًا وأبدًا، والاستواءُ صفةٌ فعليَّةٌ، والعلوُّ: هو على جميعِ المخلوقاتِ ففيه عمومٌ، فتقول: اللهُ عالٍ على جميعِ خلقه، لكن في الاستواءِ لا يقال إلَّا أنَّه مستوٍ على العرش، فالاستواءُ مختصٌّ بالعرشِ.
ومن الفروق بين العلوِّ والاستواء: أنَّ الاستواءَ طريقُ العلمِ به هو الكتابُ والسنَّةُ والإجماعُ؛ أمَّا العلوُّ: فطريقُ العلم به السمعُ والعقل، فعلوُّه على خلقه ثابتٌ بالكتابِ والسنَّةِ والإجماعِ والعقلِ والفطرةِ (^٢).
وأنكرَت المُعطلةُ: الجهميةُ والمُعتزلةُ ومَن وافقَهم كالأشاعرةِ عُلوَّه تعالى بذاتِه واستواءَه على عرشه، كما تقدَّم (^٣)، وزعموا أنَّ ذلك يدلُّ على حصره تعالى في مكان، ويستلزمُ أن يكون جسمًا؛ قالوا: والأجسام مُتماثلةٌ، فيلزمُ من ذلك التشبيه.
ولهم سوى ذلك شبهات قد كشَفها علماءُ أهلِ السنَّة وللهِ الحمدُ، وهي شبهاتٌ داحضةٌ، وما أخبرَ الله به عن نفسِه وأخبرَ به عنه رسولُه حقٌّ، فكلُّ ما عارضَه فهو باطلٌ، فالاستواءُ يجب الإيمانُ به كما جاءَ في جوابِ الإمام مالك وغيره، فيجبُ إثباتُ حقيقةِ الاستواءِ لله، مع
_________________
(١) تقدم تخريجه في (ص ٥٨).
(٢) ينظر شرح حديث النزول (ص ٣٩٥)، ومجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢)، وشرح التدمرية (ص ٢٨٠)، وتوضيح مقاصد الواسطية (ص ١١٢).
(٣) تنظر: (ص ٧٣).
[ ٨٤ ]
معنى قوله: (وعلى الملك احتوى) وبيان ورودها في كلام أهل العلم
أقدم من رويت عنه عبارة «احتوى» على ملكه
نفي مُماثلتِه لاستواءِ المخلوق، فالمخلوقُ يُوصفُ بالاستواء؛ كما قال تعالى: ﴿﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨].
لكن استواءه تعالى لا يُماثل استواءَ المخلوق، كما أنَّ ذاتَه لا تُماثل ذواتَ المخلوقين، ولا نعلمُ ولا نعقلُ كُنْهَ استوائِه كما تقدَّمَ، فلا يبلغُ كُنهَ صفاتِه الواصفون، فيجبُ الإثباتُ ونفيُ التمثيل ونفيُ العلمِ بالكيفية، فهذا ما يقومُ عليه مذهبُ أهل السنَّة، وهو تعالى مستوٍ على العرش، ولا يلزمُ من ذلك ما يلزمُ في استواءِ المخلوق على المخلوقِ، لأنه يستلزمُ حاجته وافتقارَه إليه، وأمَّا الله فهو مُستوٍ على العرش مع غِناه عنه، فإنَّه هو المُمسِكُ للعرش وما دون العرشِ، فلا بدَّ من هذا الفرقِ.
فعُلِمَ: أنَّ وصفَه بالاستواءِ لا يستلزمُ محظورًا، فاستواءُ المخلوق على المخلوقِ يستلزمُ خصائصَ المخلوق، أمَّا استواءُ الربِّ فلا يستلزمُ شيئًا من خصائصِ المخلوق.
وقوله: (وعلى المُلك احتوى): كلمةُ «احتوى» ما علمتُ أنها وردَت في حديثٍ ولا أثرٍ، لكنَّها وردت في كلام بعض العلماء؛ مثل ابن أبي زيدٍ، وعبد القادر الجيلاني رحمهما الله (^١) وابن طالب المالكي (^٢)، وهو أقدم
_________________
(١) وعبارة الشيخ عبد القادر: «وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك». الغنية لطالبي طريق الحق (١/ ١٢١)، وبمثلها في «اليواقيت والجواهر» للشعراني (١/ ١٢١) وعزاها لكتاب «البهجة» فقال: «ورأيت في كتاب «البهجة» المنسوبة لسيدي الشيخ عبد القادر الجيلي ».
(٢) ابن طالب: عبد الله بن طالب القاضي تفقَّه بسحنون، وكان من كبار أصحابه ولقي المصريين: محمد بن عبد الحكم ويونس بن عبد الأعلى، وحج وانصرف =
[ ٨٥ ]
من رويت عنه (^١)، ونقلها عنهما أهل العلم ولم ينكروها (^٢)، ومعناه حقٌّ، وهو عموم الملك، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١].
ويلاحظ أنَّ اللهَ كثيرًا ما يَقْرِنُ بين ذِكرِ استوائِه على العرش، ومُلكِه للسماوات والأرض؛ كما في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ [طه] يعني: هو على العرشِ استوى، وقد أحاطَ ملكه بكل شيء؛ كما في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣].
ويمكن أن يشبهُ هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، إلى قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٥٤)﴾ [الأعراف].
_________________
(١) =وولي قضاء القيروان مرتين، له مصنفات منها: «الرد على من خالف مالكًا»، توفي سنة (٢٧٥ هـ). ينظر: ترتيب المدارك (٤/ ٣٠٨)، والديباج المذهب (١/ ٤٢١).
(٢) ينظر: ترتيب المدارك (٤/ ٣٠٨)، ومعالم الإيمان (٢/ ١٦١).
(٣) وردت - دون نسبةٍ لمعيَّن - في نوادر الأصول للحكيم الترمذي (٦/ ٤٣٦) في مقالات التابعين وما دونهم في سجداتهم. وذكرها قبل الشيخ عبد القادر الجيلاني: أبو علي الهاشمي في عقيدته، وتتابع العلماء في ذكر هذا اللفظ كالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحفيده الشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وغيرهم. ينظر: الإرشاد إلى سبيل الرشاد للهاشمي (ص ٦)، ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - الخطب المنبرية - (١٣/ ١١)، وتيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٢)، والدرر السنية (١٢/ ٣٧٣، ٣٨٠)، والخطب المنبرية للسعدي (ص ٢٢٥).
[ ٨٦ ]
نفاة الاستواء قسمان: أهل تأويل وأهل تفويض
سبب تسمية أهل التفويض بأهل التجهيل
التفويض الواجب هو تفويض الكيفية وليس المعنى
والذين يَنفُون حقيقةَ الاستواءِ منهم مَنْ يتأوَّلُه بالاستيلاء، وهم أهلُ التأويل (^١)، ومنهم مَنْ يُفوِّضُ، فيقول: اللهُ أعلمُ بمراده، وهم أهلُ التفويض، وسمَّاهم شيخُ الإسلام أهل التجهيل (^٢)؛ لأنَّ مذهبَهم يتضمَّنُ تجهيلَ الرسولِ والصحابة بمعاني نصوصِ الصفات، وهذه التسميةُ أدلُّ على حقيقة مذهبهم من تسميتهم أهل التفويض؛ لأنَّ التفويضَ منه ما هو واجبٌ؛ وهو التفويضُ في كيفيَّة الصفات، ويُقابلُهم أهلُ التأويل الذين يُفسِّرون الآياتَ بتفسيرٍ يُخرجونها به عن ظاهرِها، وكلٌّ من المذهبين - أعني التفويضَ والتأويل - باطلٌ، ومبنيٌّ على باطلٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما مبنيٌّ على نفيِ الصفات، فأهلُ التأويلِ وقعوا في التحريفِ، وأهلُ التفويضِ وقعوا في التجهيلِ.
قوله: (وله الأسماءُ الحُسنَى):
اللهُ له الأسماءُ الحسنى، وهذا من الإثباتِ المُجمل؛ لأنَّها كلمةٌ عامة، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء
_________________
(١) وقد أفرد شيخُ الإسلام لذلك مؤلفًا يعرف ب: «رسالة في الاستواء وإِبطال قول من تأوَّله بالاستيلاء من نحو عشرين وجهًا»، وقد ذكرها ابن رشيِّق في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية - ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام وتكملته - (ص ٣٦٨)، وذكرها ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص ٨٩) ولعلها - والله أعلم - رسالة «علو الله على سائر مخلوقاته»، وهي مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ١٣٦ - ١٥٢)، ولكن ذكر فيها اثني عشر وجهًا (ص ١٤٤ - ١٤٩)، وقد أوصل ابن القيم هذه الوجوه إلى اثنين وأربعين وجهًا كما في «مختصر الصواعق» (٣/ ٨٨٨ - ٩٤٦).
(٢) ينظر: درء التعارض (١/ ١٥)، والجواب الصحيح (٦/ ٥٢٠)، والانتصار لأهل الأثر (ص ٩٧ - ٩٨)، والفتوى الحموية (ص ٢٧٣).
[ ٨٧ ]
الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه]، وقال: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فكلُّ الأسماء الحسنى ثابتةٌ له سبحانه، لكن هذه الأسماءُ منها ما أطلعَ اللهُ عليه مَنْ شاءَ من العباد، ومنها ما استأثرَ بعلمِه كما في حديث دعاءِ الهمِّ: «أَسأَلُك بِكُلِّ اسمٍ هو لكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نفْسَك، أَوْ أَنْزَلتهُ فِي كِتابِكَ، أو عَلَّمتَه أَحدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتأْثرتَ به فِي عِلمِ الغَيبِ عِندكَ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٧١٢)، وابن أبي شيبة (٢٩٣١٨)، وأبو يعلى (٥٢٩٧) - وعنه ابن حبان (٩٧٢) -، والطبراني في «الكبير» (١٠٣٥٢)، والحاكم (١٨٧٧) - وعنه البيهقي في «الأسماء والصفات» (رقم ٧) -، من طريق فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، به. وفي إسناده ضعفٌ من وجهين: الأول: جهالة أبي سلمة الجهني، فلم يرو عنه غير فضيل بن مرزوق، وممن ذهب إلى جهالته: الذهبي في «الميزان» (٤/ ٥٣٣، رقم ١٠٢٦٥)، وابن حجر في «اللسان» (٩/ ٨٣ رقم ٨٨٨٦)، والحسيني في «الإكمال» (رقم ١٠٨٧)، والهيثمي في «المجمع» (١٠/ ١٣٦، رقم ١٧١٢٩)، وهو مقتضى صنيع الدارقطني في «العلل» (٥/ ٢٠٠، رقم ٨١٩). وقد اشتبه أبو سلمة الجهني بموسى الجهني على بعض النقَّاد، مع أن البخاري في «تاريخه» (٩/ ٣٩، رقم ٣٤١)، و(٧/ ٢٨٨، رقم ١٢٢٩) فرّق بينهما، وكنى موسى بأبي عبد الله، وتابعه ابن حبان في «ثقاته» (٧/ ٤٤٩) و(٧/ ٦٥٩). وموسى الجهني وأبو سلمة الجهني من طبقة واحدة، وكلاهما يروي عن القاسم بن عبد الرحمن؛ لذلك وقع الاشتباه بينهما، غير أن موسى الجهني معروف من رجال «التهذيب»، ولا يُعرف لفضيل بن مرزوق رواية عنه، أما أبو سلمة الجهني فلم يرو عنه غير فضيل بن مرزوق.=
[ ٨٨ ]
وأسماء الله تعالى ليست محصورة في تسعة وتسعين
وأسماؤه تعالى ليست محصورةً في تسعةٍ وتسعين كما قد يُفهم من حديثِ: «إنَّ لله تِسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلَّا واحدًا، مَنْ أحصاها دَخلَ الجنةَ» (^١). قال العلماء: إنَّ هذا ليس فيه حصرٌ لأسمائه في هذا العددِ، بل فيه الإخبارُ عن أنَّ من أسمائه تسعة وتسعين اسمًا، مِنْ شأنها ومِن صفتِها وفضلِها: أنَّ من أحصَاها دخلَ الجنة، وهذا لا ينفي أن تكونَ له أسماءٌ أخرى، فيجبُ التنبُّهُ لذلك، فأسماؤُه كثيرةٌ، منها ما علَّمَه لمن شاءَ من عبادِه، ومنها ما استأثرَ بعلمه، يوضِّحُ ذلك لو قال قائلٌ: عندي مئة فرسٍ أعددتها للجهاد، لم يدلَّ على أنَّه ليس عنده سواها (^٢).
_________________
(١) =والثاني: اختُلف في سماع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه، فقال أبو حاتم وغيره: سمع من أبيه، وقال النسائي وغيره: لم يسمع من أبيه، واختلف قول ابن معين في ذلك، وهو وإن سمع من أبيه إلا أنه لم يسمع منه إلا قليلًا؛ لأنَّه كان صغيرًا، لذلك حكى العجلي في «الثقات» (رقم ٩٦٣): «يقال: إنَّه لم يسمع من أبيه إلا حرفًا واحدًا: «محرم الحلال كمستحل الحرام».»، وقال ابن المديني: «سمع من أبيه حديثين: حديث الضبِّ، وحديث تأخير الوليد للصلاة». ينظر: تهذيب الكمال (١٧/ ٢٣٩، رقم ٣٨٧٧)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٢١٥ رقم ٤٣٦). وللحديث شاهد من حديث أبي موسى عند ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٣٩) من طريق عبد الله بن زبيد، عن أبي موسى، به. وعبد الله بن زبيد هو ابن الحارث اليامي، لم يوثقه غير ابن حبان، ولا يعرف له سماع من أبي موسى، وأورده الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ١٣٦ - ١٣٧) ونسبه إلى الطبراني، وقال: «وفيه من لم أعرفه».
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) هذا قول أكثر العلماء، وقد نقل الإمام النووي اتفاق العلماء على أنَّ هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾. ينظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٥)، وجامع المسائل (٩/ ١٢٨)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٣٨١)، (٢٢/ ٤٨٦)، وشفاء العليل (٢/ ٣٦٧)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
[ ٨٩ ]
معنى قوله: (والصفات العلى)
كل اسم لله متضمن لصفة وليس كل صفة يشتق له منها اسم
والحُسنى: اسمُ تفضيلٍ، مثلُ الأحسنِ، وهذا أكملُ من أن يُقالَ: له الأسماءُ الحَسَنَةُ، فالأحسنُ والحُسنى: البالغُ في الحُسنِ غايته (^١).
فأسماؤُه مُتضمِّنةٌ لصفاتِ الكمال على وجهِ الكمال، وفي هذا الرد على الجهمية والمعتزلة.
قوله: (والصفاتُ العُلى): الصفاتُ هي المعاني الثابتة القائمة به ﷾، من علمِه، وسمعِه، وبصره، وكلامه، وأفعاله؛ كنزولِه، واستوائِه على العرش، ومحبته، وغضبه، ورضاه إلى غير ذلك من نُعوت جَلاله.
لكن ينبغي أن يُعلمَ أنَّ كلَّ اسم متضمِّنٌ لصفة، فهو العليمُ، والعلمُ صفته، فاسمُ العليمِ تضمَّنَ العلمَ، والحيُّ يتضمَّنُ الحياةَ، والسميعُ يتضمَّنُ السمعَ، والبصيرُ يتضمَّنُ البصرَ، وهكذا (^٢).
لكن ليس كلُّ صفةٍ يُشتقُّ له تعالى منها اسمٌ، فمثلًا قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، فلا تقُلْ: إنَّه تعالى المحبُّ والرَّاضي والكارهُ، وما إلى ذلك، فكلُّ اسمٍ مُتضمِّن لصفةٍ، فاسمُه العليمُ يدلُّ على ذاتِه وصفةِ العلمِ، وأمَّا الأفعالُ والصفاتُ الأخرى؛ فلا يلزمُ من ذلك أنْ يُشتقَّ له منها أسماءٌ (^٣).
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٤١)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٧٨)، والتعليق على القواعد المثلى لشيخنا (ص ١٦)، (ص ٢١).
(٢) تقدم في (ص ٧١).
(٣) ينظر: بدائع الفوائد (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، وطريق الهجرتين (٢/ ٧١٩ - ٧٢٠)، ومختصر الصواعق (١/ ٧٤٥ - ٧٤٦)، والتعليق على القواعد المثلى (ص ٤١)، والتعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري (رقم: ٩٤، ١٠٦).
[ ٩٠ ]
معنى قوله: (لم يزل بجميع صفاته وأسمائه)
الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية في دوام فاعلية الرب تعالى
والصفاتُ العُلى يعني من حيث المعنى صفاتٌ عالية، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]. هذا من الإثباتِ المجملِ؛ يعني له الوصفُ الأكملُ والأطيبُ والأفضلُ، فله المثلُ الأعلى في جميعِ نعوته ﷾.
قوله: (لم يزل بجميع صفاته وأسمائه): يعني: أنَّ أسماءَه وصفاته ثابتةٌ له في الأزل، لم تحدث بعد أن لم تكن، وهذا فعلٌ يدلُّ على الاستمرارِ في الماضي، ما زالَ في الماضي ولا يزال في المستقبل، كما يقولُ الطحَّاوي: «ما زالَ بصفاتِه قديمًا قبل خلقِه، لم يزدَدْ بكونهم شيئًا لم يكن قبلُهم من صفتِه، وكما كان بصفاتِه أزليًا، كذلك لا يزالُ عليها أبديًا» (^١). فصفاتُه الذاتية كلها لم تَزَلْ، يعني لم يَزَل عليمًا ولا يزال عليمًا، فليس لعلمه بداية ولا نهاية، ولم يزل حيًّا قيُّومًا، ولا يزالُ كذلك، ولم يزل سميعًا بصيرًا، ولا يزالُ كذلك، ولم يزل قديرًا، لم تحدثْ له قدرةٌ بعد أن لم يكن قادرًا؛ بل لم يزل على كلِّ شيءٍ قديرًا، ولا يزالُ كذلك، ولم يزل عزيزًا، والعزةُ صفته، ولا يزالُ كذلك، وهذا في الصفاتِ الذاتية ظاهرٌ.
أمَّا الصفاتُ الفعليةُ ففيها تفصيلٌ؛ لأنَّها تابعةٌ لمشيئته، فجنسُ الفعل وبعضُ أنواعه ممكن أن تقول: الله تعالى لم يزل فعَّالًا لِمَا يُريد، فكونُه فعَّالًا هذا صفةٌ لازمةٌ لذاته، فلم يزل قادرًا على الفعلِ، فعَّالًا لِمَا يريد، فما أرادَ أن يفعلَه فعلَه؛ لأنه لا يُعجزُه شيءٌ، ولا يمنعُه شيءٌ ممَّا أرادَه ﷾.
_________________
(١) ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (١/ ٩٦).
[ ٩١ ]
معنى قوله: (تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة)
معنى عبارة: «الكلام قديم النوع حادث الآحاد»
كذلك صفةُ الكلامِ هي صفةٌ ذاتيةٌ فعلية، ولهذا تقول: اللهُ لم يزل مُتكلِّمًا إذا شاءَ، فينبغي التقييدُ بما شاء. أمَّا أنواعُ الفعلِ مثل الاستواءِ؛ فلا تقلْ: اللهُ لم يزل مُستويًا على العرش؛ فالعرشُ مُحدَثٌ مخلوقٌ، فلا يُتَصوَّرُ أن تقولَ: إنَّه تعالى لم يزل مستويًا على العرش، بل تقول: لم يزل فعَّالًا لِمَا يريدُ، والاستواءُ من أفعاله، وكذلك المجيءُ يومَ القيامة من أفعاله، وكذلك النزولُ كلَّ ليلةٍ حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخر (^١)، وإذا عُلِمَ أنَّه تعالى لم يزل فعَّالًا لِمَا يريد؛ فمعنى ذلك دوامُ فاعليته ودوامُ أفعالِه؛ بمعنى: أنَّه ما من فعلٍ إلَّا وقَبْله فعل، وهذا لازمٌ من دوام فاعليته، ويُعبَّرُ عنه بتَسَلْسُلِ الأفعال؛ أي: أفعال الرب، وهذا لا خلاف فيه بين أهل السنَّة (^٢).
قوله: (تعالى أن تكونَ صفاتُه مخلوقةً، وأسماؤُه مُحدثةً): هذا فيه تفصيلٌ؛ فالصفاتُ الفعلية نوعُها في الجملة قديمٌ، وأفرادُها حادثةٌ؛ مثل الكلامِ، يقولُ أهلُ العلم المُحقِّقون: إنَّ الكلامَ قديمُ النوعِ حادثُ الآحاد (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) عن أبي هريرة ﵁، وهو حديث متواتر. ينظر: نظم المتناثر (ص ١٧٨ رقم ٢٠٦).
(٢) ينظر: درء التعارض (١/ ١٢١ - ١٢٧)، (١/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، (١/ ٣٥١ - ٣٥٦)، (١/ ٣٦٨ - ٣٧٠)، (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٨)، (٢/ ٣٤٤ - ٣٩٩)، ومنهاج السنة (١/ ١٤٦ - ١٤٨)، (١/ ١٧٦ - ١٧٨)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٠ - ٢٤٤)، والكافية الشافية (١/ ٢٧٢ - ٢٨٢).
(٣) ينظر: منهاج السنة (١/ ١٦٦)، (٢/ ٣٧٩)، والجواب الصحيح (٣/ ٢١٢ - ٣١٣)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٢).
[ ٩٢ ]
اضطراب أهل الكلام في الصفات الفعلية
ومعنى «قديم»: ما لا بدايةَ له (^١)، وتكليمُه لموسى إنما حصلَ في وقته، وتكليمُه للأبوين في وقتِه، وتكليمُه لأهل الموقفِ يكون يومَ القيامة، فليس قديمًا، لكن نوعُ الكلام قديمٌ؛ بمعنى: أنَّ اللهَ لم يزل يتكلَّم بما شاء.
وأهلُ الكلام عندَهم اضطرابٌ في الصفاتِ الفعلية: منهم مَنْ ينفي الصفات الفعلية كما ينفي غيرها؛ وهم الجهميةُ والمعتزلةُ، ومنهم مَنْ يُثبتُها لكن يقولُ: إنها لازمةٌ لذاته لا تتعلقُ بها المشيئةُ؛ وهم الكُلَّابيَّة (^٢)؛ مثل الغضبِ، والرضا، والحبِّ، والبغضِ (^٣).
_________________
(١) هذا تفسير للقديم على اصطلاح المتكلمين، والقديم في اللغة: ما كان متقدمًا على غيره ولو كان مخلوقًا، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس]. ينظر: المبين في شرح معاني الحكماء والمتكلمين (ص ١١٨ - ١١٩ رقم ٢٠٤)، والصفدية (ص ٣٦٨)، وبيان تلبيس الجهمية (٥/ ١٧١)، والجواب الصحيح (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، (٤/ ٤٨٣)، وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٢٩).
(٢) الكُلاَّبية: أتباع عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب القطان البصري، رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، وسلك طريقته أبو الحسن الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال، يثبت ابن كُلَّاب وأتباعه الأسماء والصفات الخبرية إلا أنه ينفي الصفات الاختيارية بناءً على نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، وأوجب له ذلك: القول بأزلية صفات الأفعال، وهو أوَّل من ابتدع القول بالكلام النفسي، وقال في كلام الله والقرآن قولَه المشهور، وهو أنه ليس بحروف ولا صوت، وأنَّه معنى واحد، وأنَّ القرآن الذي يُتلى هو حكاية عن كلام الله مع قوله: إن القرآن غير مخلوق. ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٣٨)، (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢)، (٢/ ٣٨٠)، ودرء التعارض (٢/ ١٦)، والتسعينية (٢/ ٦٨٣)، وشرح حديث النزول (ص ٤٠٦).
(٣) ينظر: رسالة الأفعال الاختيارية - ضمن: جامع الرسائل والمسائل (٢/ ٣ - ٧٠)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٢١٧ - ٢٦٧) - ودرء التعارض (٢/ ٣ - ١٥٦)، وشرح الأصبهانية (ص ٤٩٩ - ٥٠١).
[ ٩٣ ]
مذهب الأشاعرة في الصفات
عقيدة أهل السنة في كلام الله
والأشاعرةُ وإن أثبتوا الصفات السبع المعروفة، فإنهم ينفون الصفاتِ الفعلية بناءً على أصلهم في نفي حلول الحوادث، وما ينفونه من الصفات كالمحبَّةِ والرضا والبُغضِ والغضبِ؛ منهم مَنْ يوجب فيها التفويض، ومنهم مَنْ يوجب فيها التأويل، فيؤولونها إمَّا بالإرادةِ، وإمَّا ببعضِ المخلوقاتِ من النِّعمِ والعقوباتِ (^١).
قوله: (كلَّم موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاته، لا خلقٌ من خلقه):
في هذا تقريرٌ لإثباتِ كلام الله، وأهلُ السنَّةِ والجماعة يُثبتون الكلامَ كما يُثبتون سائرَ الصفات، فيقولون: إنَّ الله كلَّمَ ويُكلِّمُ، وقال ويقول، وأنَّه يتكلم إذا شاءَ بما شاء كيف شاء، ويستشهدون بالنصوص الكثيرةِ من الكتابِ والسنَّةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، ويقولون: إنَّ كلامَ الله قائمٌ به، وليس بمخلوقٍ، وأنه يتكلَّمُ بصوتٍ، ولهذا جاءَ وصْفُ كلامِه بالنِّداء؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢].
فيقولُ المؤلف: (كلَّمَ موسى): أي: اللهُ كلَّمَ موسى يوم كلَّمَه، وهو سبحانه كلَّمَ موسى مرتين: عند إرسالِه، وعندما واعدَه، فالتكليمُ الأوَّلُ لم يكن عن ميعادٍ، والتكليمُ الثاني كان عن ميعادٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، إلى قوله: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فكلَّمَ موسى بكلامِه الذي هو صفةُ ذاته؛ أي: بكلام قائم بذاتِه كغيره من الصفات؛ فإنَّ
_________________
(١) ينظر: شرح التدمرية (ص ١٤٦)، (ص ١٨٥).
[ ٩٤ ]
عقيدة المعتزلة والجهمية في كلام الله
عقيدة الكلابية والأشاعرة في كلام الله
الصفةَ لا بدَّ أن تقومَ بالموصوفِ، فهذا هو المعقولُ، لا بكلامٍ مخلوقٍ كما يقولُ المعتزلة والجهميةُ: إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، ولا يقومُ به الكلامُ، ومعنى هذا أنَّ كلامَه تعالى الذي كلَّمَ به موسى مخلوقٌ، فقالوا: خلقَ الله كلامًا في الشجرة فسمعَه موسى (^١)، وبناء على هذا قالوا: القرآنُ مخلوقٌ وهي القضيةُ التي وقعَت بسببها الفتنةُ والمحنةُ وثَبَّتَ اللهُ مَنْ ثبَّتَه من أهلِ السنَّةِ، وحفظَ اللهُ دينَه (^٢).
فعبارةُ المؤلفِ جيدةٌ حيث قالَ: (كلَّمَ موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاته، لا خلقٌ من خلقه)، ففيه إثباتُ الكلامِ للهِ بكلام هو صفةُ ذاته ليس بمخلوق؛ يعني: كأنَّه يقول: خلافًا لمن زعمَ أنَّ كلامَ الله مخلوقٌ، والقرآنَ مخلوقٌ، وهناك مذاهبُ أُخرى لطوائف المتكلِّمين كالكُلَّابية؛ وهم أتباعُ أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب (^٣)، وهو أحدُ المتكلِّمين المنتسبين إلى السنَّة، وكان يردُّ على المعتزلة، وعلى منهجه دَرجَ أبو الحسن الأشعري، وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ الله معنىً نفسيٌ قائم بذاته، ليس بحرفٍ ولا صوت، وإنه قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ.
لكن ابن كُلَّاب يقول: إنَّه أربعة معانٍ: أمرٌ، ونهيٌ، وخبرٌ، واستخبارٌ، وأمَّا الأشعري في المذهب المشهور الموروث عنه فيقول: إنَّه معنىً واحد لا تعدُّد فيه، وهو قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، وهو معنىً نفسيٌّ
_________________
(١) ينظر: التسعينية (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، (٢/ ٤٤٠ - ٤٤١)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٢٥)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٣١٥ - ٣١٦)، (١٢/ ٥٠٢ - ٥٢٢).
(٢) ينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص ٤١٦ - ٤٦٤)، والبداية والنهاية (١٤/ ٣٩٣ - ٤٠٥).
(٣) تقدم التعريف به وبمذهبه في (ص ٩٣).
[ ٩٥ ]
ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، وهذا هو مذهب الأشاعرةِ الذي يتكلَّمون به ويُقرِّرونه. ومذهب الكُلَّابيةِ والأشاعرةِ قريبان في المعنى (^١).
ويشهد لقول المؤلف أنَّ الله: (كلَّم موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاته، لا خلقٌ من خلقه) ما روي عن مالك من قوله: «كلَّم اللَّه موسى ﵇». ويقول: «القرآن كلام اللَّه» (^٢).
قوله: (وتجلَّى للجبل فصار دكًّا من جلاله):
أي: ظهرَ للجبلِ قدْرًا من التجلِّي بإشراقٍ ونورٍ (^٣)، فجعله دكًّا؛ أي: ساخَ ولم يستقر، وقد قالَ اللهُ لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فلمَّا رأى موسى هذا المشهدَ العظيمَ؛ خرَّ موسى صَعِقًا، أي: صعقَ وغابَ عقلُه من هولِ المشهد، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين (١٤٣)﴾ [الأعراف]، فهو تعالى مُحتجبٌ بالنور الذي هو حجابُه، ويتجلَّى إذا شاءَ لمن شاء ولِما شاءَ، وتجلِّيه بكشف حجابِه؛ كما في حديث أبي موسى قال رسول الله ﷺ: «حِجَابُه النُّورُ لو كشفَه لأحرَقتْ سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه» (^٤).
_________________
(١) ينظر اختلاف الناس في مسألة كلام الله واضطرابهم فيها في: منهاج السنة (٢/ ٣٥٨ - ٣٦٣)، (٥/ ٤١٦ - ٤٢٩)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٢ - ١٧٣)، ومختصر الصواعق (٤/ ١٣٠٢ - ١٣١٦)، وتوضيح المقصود في نظم ابن أبي داود لشيخنا (ص ٣٥ - ٤٠).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: صالح بن الإمام أحمد في «سيرة الإمام أحمد» (ص ٦٦). وينظر: الشريعة (١/ ٥٠١ رقم ١٦٥ - ١٦٦)، والإبانة الكبرى (٦/ ٣٨ رقم ٢٣٠).
(٣) ينظر: لسان العرب (١٤/ ١٥١).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٩).
[ ٩٦ ]
تجلي الله لعباده يوم القيامة
وقد دلَّت النصوصُ على أنَّه يتجلَّى يومَ القيامةِ، ويراه المؤمنون، والمنافقون (^١)، وفي الجنةِ يتجلَّى لأهلِ الجنةِ ويَرَوْنه.
قال ابن عبد البر: «وفي قول الله ﷿: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليًا للجبل … ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فلينظر في تفسير بَقِيِّ بن مَخلد (^٢) ومحمد بن جرير (^٣) وليقف على ما ذَكَرَا من ذاك ففيما ذكرا منه كفاية وبالله العصمة والتوفيق» (^٤).
فكأنَّ المؤلف بهذا يشيرُ إلى إثباتِ الرؤيةِ، وأنَّ الله يَظهرُ لمن شاءَ ويتجلَّى لمن شاء، ويراه مَنْ شاءَ إذا شاء، وقد أخبرَ الله في كتابه أنَّ الوجوهَ الناضرةَ تنظرُ إلى ربِّها، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا
_________________
(١) ينظر الخلاف في رؤية المنافقين والكفار لربهم يوم القيامة في: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٥ - ٥٠٦)، وبيان تلبيس الجهمية (٧/ ٥٨)، وحادي الأرواح (١/ ٦٠٩)، وتوضيح المقصود في نظم بن أبي داود (ص ٥٢ - ٥٥).
(٢) بقي بن مخلد: بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي الحافظ أحد الأعلام، صاحب «المسند» و«التفسير»، أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي، ورحل إلى المشرق، ولقي الكبار كالإمام أحمد وغيره توفي سنة (٢٧٦ هـ). و«التفسير» الذي ذكره ابن عبد البر مفقودٌ، قال الحميدي: قال لنا أبو محمد علي بن أحمد (ابن حزم): «فمِن مصنفات أبي عبد الرحمن كتابه في تفسير القرآن فهو الكتاب الذي أقطع قطعًا لا استثناء فيه أنه لم يُؤلَّف في الإسلام مثله ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره». ينظر: جذوة المقتبس (ص ٢٥١ رقم ٣٣٢)، وطبقات المفسرين للسيوطي (ص ٤٠)، وتاريخ التراث لسزكين (١/ ٢٩٦).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٤٢٧).
(٤) التمهيد (٧/ ١٥٣).
[ ٩٧ ]
أدل دليل من القرآن على إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى
معنى التشبيه في الحديث: «كما ترون هذا القمر»
وجه تشبيه رؤية الله يوم القيامة برؤية الشمس والقمر
نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، فهذه الآيةُ هي أدلُّ دليلٍ من القرآن على إثبات رؤيةِ المؤمنين لله تعالى؛ لأنها لا تحتمل إلَّا نظر العين، وأمَّا الكفارُ فإنهم يُحجبون عنه، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين]. إذن: المؤمنون لا يُحجبون بل يرونه وينظرون إليه، قال تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣)﴾ [المطففين]، وفي الحديث الصحيح: «إنكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمرَ لا تُضامون في رؤيته» (^١)، وقد تضمَّن الحديثُ: تشبيهَ رؤية المؤمنين لربهم برؤية الشمس والقمر، فالمشبَّه والمشبَّه به هو الرؤية، فشبَّهَ الرؤية بالرؤية، ولم يُشبِّه المرئي بالمرئي، فلا يُقال: إنَّ اللهَ تعالى كالشمس والقمر، فقوله ﷺ: «إنكم سترون ربَّكم كما ترون»، يعني: ترون ربَّكم رؤيةً؛ كرؤيتكم للشمس والقمر، ووجهُ الشَّبه بين الرؤيتين:
أوَّلًا: أنَّها رؤية بصرية لا عِلمية، ونفاةُ الرؤيةِ يُفسِّرون هذه الرؤيةَ بالرؤية العلمية؛ أي: يزداد علمهم بالله يوم القيامة، لا أنَّهم يرونه بأبصارهم.
ثانيًا: أنَّهم يرونه في العلو كما يُرى القمران في العلو.
ثالثًا: أنَّها رؤية من غير إحاطةٍ، فالمؤمنون يرون ربهم يومَ القيامة من غير إحاطةٍ، كما أنَّ الناسَ في الدنيا يرون الشمسَ والقمرَ من غير إحاطةٍ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير بن عبد الله ﵁، وأحاديث الرؤية متواترة، رواها سبعةٌ وعشرون صحابيًا ساقها ابن القيم وغيره، ينظر: حادي الأرواح (٢/ ٦٢٥ - ٦٨٥)، ونظم المتناثر (ص ٢٣٨، رقم ٣٠٧).
[ ٩٨ ]
مذاهب الجهمية والمعتزلة في الرؤية
تذبذب الأشاعرة وتناقضهم في زعمهم أن الله يرى لا في جهة
رابعًا: أنَّها رؤية واضحة لا تَكلُّف فيها، وهو معنى: «لا تضامون في رؤيته» أو «لا تُضارُّون» (^١)، (^٢).
وأمَّا مذاهبُ المتكلِّمين في الرؤية:
فالمعتزلةُ والجهميةُ أنكروا الرؤية مطلقًا، وكذَّبوا بها، وتأوَّلوا النصوصَ أو ردُّوها، فما قدروا على ردِّه ردُّوه، وما لم يقدروا على ردِّه - كالقرآن - أوَّلوه، بل حرَّفوه، فأمْرُهم دائرٌ بين التكذيب والتحريف، وبنوا هذا على أصولٍ فاسدةٍ، زعموا أنَّها عقليات؛ وهي في حقيقتها جهليات، فهم ينفون العلو، وينفون قيامَ الصفات به، وأنَّ الرؤيةَ تستلزم المقابلة، وأنَّ المرئي لا بدَّ أن يكون ذا لونٍ، ونحو ذلك من الخيالات التي يُعارضون بها النصوصَ الصريحةَ الصحيحةَ.
وأمَّا الأشاعرةُ: فإنَّ طريقتهم في الرؤية طريقةٌ فيها تذبذبٌ، فليسوا مع المعتزلة ولا مع أهل السنَّة، فهم يقولون: إنَّ اللهَ يُرى لا في جهةٍ؛ لا من فوقٍ، ولا عن يمينٍ، ولا عن شمالٍ، ولا من أمامٍ، ولا غير ذلك من الجهات، وبهذا أضحكوا عليهم العقلاء، وفتحوا الباب للمُعارضين؛ إذ أنَّهم يثبتون رؤيةً لا حقيقةَ لها ولا معنى، وإذا حُقق مذهبهم: تبيَّن أنَّهم لا يثبتون الرؤية؛ لأنَّ ما أثبتوه منها غير معقولٍ (^٣).
_________________
(١) أخرج هذا اللفظ: البخاري (٧٤٣٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁، ومسلم (٢٩٦٨) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) ينظر: شرح التدمرية (ص ٢٧٥)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ١١٦).
(٣) ينظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٥)، (٤/ ٤٢٠ - ٤٨٠)، ومنهاج السنة (٢/ ٣٢٥) وما بعدها، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٨٤ - ٨٩)، وشرح الطحاوية لشيخنا (ص ١١٧)، وشرح القصيدة الدالية لشيخنا (ص ٧٤).
[ ٩٩ ]