(أما بعد:
أَعاننا اللهُ وإيَّاك على رِعاية ودائِعه، وحِفظِ ما أَودعَنا من شرائعه.
فإنك سألتني أن أَكتبَ لك جملةً مختصرةً من واجب أمورِ الديانة، ممَّا تَنطقُ به الألسنةُ، وتعتقدُه القلوبُ، وتعملُه الجوارحُ، وما يتَّصلُ بالواجب من ذلك من السُّنن؛ من مؤكَّدِها ونوافلِها ورَغائبِها، وشيءٍ من الآداب منها، وجُمَلٍ من أُصول الفقهِ وفنونِه على مذهب الإمام مالكِ بنِ أنسٍ - رحمه الله تعالى - وطريقته، مع ما سهَّلَ سبيلَ ما أَشكل من ذلك، من تفسير الرَّاسخين، وبيانِ المتفقِّهين؛ لِمَا رَغِبْتَ فيه مِنْ تعليم ذلك للوِلدان، كما تُعلِّمُهم حُروفَ القرآنِ؛ ليَسبقَ إلى قلوبهم من فهم دينِ اللهِ وشرائعه، ما تُرجى لهم بركتُه، وتُحمَدُ لهم عاقبتُه، فأَجبتُك إلى ذلك؛ لِمَا رَجوتُه لنفسي ولك من ثواب مَنْ عَلَّمَ دينَ اللهِ أو دعا إليه).
هذه مقدمةُ المؤلّفِ، وقد تضمَّنت ذكرَ سببِ التأليفِ، وهو أنَّه طلبَ منه أحدُ المعلِّمينَ للقرآن (^١) أنْ يكتبَ له من فنون العلم الشرعي؛
_________________
(١) وهو محرز بن خلف البكري، وقيل: هو إبراهيم بن محمد السبائي، والأول أرجح. ينظر: شرح زروق (١/ ١٩)، ومعالم الإيمان (٣/ ١١١).
[ ٢٨ ]
معنى قوله: (أما بعد)
تفسير «أما بعد» عند النحويين وإعرابها
عقائدِه، وأعمالِه، وأخلاقِه، وآدابِه، وفنونِ العلمِ مِنَ الأصولِ والفقهِ ما يُلقِّنُه ويعلِّمُه للأولاد، وهذا مطلبٌ شريفٌ يدلُّ على فقه هذا المعلِّم، ليجمع لهؤلاء الطُّلَّاب الصغارِ بين الحفظِ والفقهِ في مسائل الدِّينِ الاعتقاديةِ والعمليةِ والآدابِ والأخلاقِ المرضية، ومعلومٌ أنَّ هذا المطلبَ على صفة الاختصار، وقد فعلَ المؤلِّفُ، فألَّفَ هذا الكتابَ المعروفَ الذي سبقتِ الإشارةُ إلى أنَّه قد صار له شهرة وعُنِيَ به علماءُ المالكية؛ شرحًا، ونظمًا، ودراسةً، فالله يجزي فاعلَ الخيرِ ومن دعا إليه وكان سببًا فيه؛ فالكلُّ أهلٌ لثواب الله، وقد ذكرَ في هذه المقدمة أنَّه قد أجابَ إلى ما طُلِبَ منه، وفصَّل ذلك، وضمَّنَ هذه الرسالة ما طُلبَ منه من بيان الواجباتِ الشرعية والسننِ بأنواعها، والآدابِ، ومن فنونِ العلمِ الشرعي أصولِه وفروعِه.
وقد تضمَّنت جُمَلُ هذه المقدمة معاني جميلة وجليلة؛ لأنَّ لها دلالات ومعاني تستحقُّ توضيحَها والتعليقَ عليها، والاستفادةَ منها، وبيان ما ترمي إليه.
قوله: (أمَّا بعد): هذه الجملةُ يُؤتى بها في الخطب والمؤلفات للانتقال من الافتتاح إلى المقصود، وقد كان النبيُّ ﷺ يأتي بها في خطبه (^١)، إذن: فاستعمالُها في الكلام والخطبة سُنَّةٌ، بعدما يثني على الله، فإنه يقول: «أمَّا بعد»، ويفسِّرُها النحويون ب «أمَّا» الشرطية وجوابها؛ فيقولون: «أمَّا بعد»؛ معناها: مهما يُذكر من شيءٍ بعد فهو كذا وكذا،
_________________
(١) وقد بوَّب البخاري في «صحيحه»: «باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أمَّا بعد»، وذكر جملة من الأحاديث (٩٢٢ - ٩٢٧).
[ ٢٩ ]
معنى قوله: (أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه)
الدعاء يكون بفعل الطلب وبالفعل الماضي
ولهذا يؤتى بعدها بالفاء الجوابية (^١)، إلَّا أَنَّ المؤلّفَ لم يأتِ بالفاء، فكان من المناسب أن يقول: «أمَّا بعد؛ فأعاننا اللهُ وإياك».
ومن الخطأ الشائعِ حذف أمَّا وجوابها والاقتصار على الظرف فيقولون: «وبعد»، وهذا الظرف مبنيٌّ على الضم؛ لأنَّه على نيَّة المضافِ إليه، والتقدير: وبعد ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] على قراءة الضم، وهي: المشهورة (^٢).
قوله: (أَعاننا اللهُ وإيَّاك على رِعاية ودائِعه، وحِفظِ ما أَودعَنا من شرائعه): هذه دعوةٌ حسنةٌ، فقوله: (أَعاننا اللهُ وإيَّاك): دعاءُ استعانة.
فأعانَ: فعلُ ماض، لكنه يؤتى به ويساوي: أسأل اللهَ أنْ يعينني وإياك، فالدعاءُ تارةً يأتي بفعل الطلب؛ اللهمَّ أعني، أو أستعينك يا اللهُ، أو بصيغةِ الفعلِ الماضي.
والمقصود بقول المؤلف: (على رِعاية ودائِعه) هي: الأمانات التي اؤْتُمِنَّا عليها، وربّما أَنَّ المؤلّفَ يُشيرُ إلى أنَّ هذا المُعلِّمَ مستودعٌ؛ وأنَّ الأولادَ وديعةٌ عنده، قد عُهِدَ إليه بتعليمهم، أو يريد ما هو أعمُّ من ذلك.
(وحِفظِ ما أَودعَنا من شرائعه): هذا تخصيصٌ بعد تعميمٍ، يعني: أنَّ الإنسان مودعٌ لودائعَ كثيرة، فنِعَمُ اللهِ، وما استرعي عليه من أهلٍ وولدٍ، وما عُهد إليه بحفظه؛ كلُّ ذلك وديعةٌ.
_________________
(١) ينظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ١٣٧، ١٣٩)، والجنى الداني (ص ٥٢٢)، وشرح ابن عقيل على الألفية (٤/ ٥٢).
(٢) وقرئ شاذًا بالكسر فيهما كما في قراءة أبي السَمَّال، والجحدري اليماني. ينظر: الكامل في القراءات العشر والأربعين الزائدة (ص ٦١٦)، وشواذ القراءات للكرماني (ص ٣٧٤)، والبحر المحيط في التفسير (٨/ ٣٧٥).
[ ٣٠ ]
معنى الديانة
ما يتعلق به الدين
ولكنْ أعظمُ هذه الودائعِ ما استودعَ اللهُ عبادَه من دينه وشرعه، فالواجباتُ الشرعيةُ أمانةٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
ولهذا قال: (على رِعاية ودائِعه، وحِفظِ ما أَودعَنا من شرائعه)، فالإنسانُ مسؤولٌ عن علمه وعمله؛ فكلُّه أمانةٌ، وعليه أنْ يقومَ بواجب علمه، وبسائر ما أوجبه اللهُ.
قوله: (فإنك سألتني أن أَكتبَ لك جملةً مختصرةً من واجب أمورِ الديانة، مما تَنطقُ به الألسنةُ، وتعتقدُه القلوبُ، وتعملُه الجوارحُ): هذا تصريحٌ بسببِ التأليف، فقوله: (من واجب أمور الديانة): يعني: في أمور الديانة، والديانةُ: التَّديُّنُ، فهي مصدرٌ؛ مثل العناية، والصناعة، يقال: يفعل هذا ديانةً؛ يعني تَدَيُّنًا وعبادةً.
وقوله: (مما تَنطقُ به الألسنةُ، وتعتقدُه القلوبُ، وتعملُه الجوارحُ): لأنَّ الدِّينَ يتعلَّقُ بهذه الجوانب، فمثلما نقول في الإيمان: اعتقادٌ بالجنان، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان؛ أي: بالجوارح.
فأمورُ الديانةِ تتعلَّقُ بهذه الجوارح والجوانح (^١)، وتحقيقُ القيامِ بدِينِ الله إنما يكون بالاعتقاد الصحيح والقولِ الحقِّ، والعملِ الصالحِ ظاهرًا وباطنًا.
_________________
(١) مراد شيخنا - حفظه الله - بالجوانح هنا: البواطن. وأصل الجوانح: أوائل الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر، كالضلوع مما يلي الظهر. ينظر: لسان العرب (٢/ ٤٢٩).
[ ٣١ ]
معنى قوله: (وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن)
تضمن الرسالة على اختصارها جميع أنواع المعاني الشرعية
قوله: (وما يتَّصلُ بالواجب من ذلك من السُّنن؛ من مؤكَّدِها ونوافلِها ورَغائبِها، وشيءٍ من الآداب منها، وجُمَلٍ من أُصول الفقهِ وفنونِه على مذهب الإمام مالكِ بنِ أنسٍ - رحمه الله تعالى - وطريقته):
هذا وعدٌ من المؤلف بأنه سيذكر في هذه الرسالة ما طلبه السائلُ من بيان الواجبات الشرعية، وما يتَّصلُ بها من السنن المؤكدة وغير المؤكدة، وهو ما سمَّاه نوافلَ، وما يتبع ذلك من الآداب والرغائب، وأنه ﵀ يفعل ذلك إجابةً للسائل، ورجاءَ ثوابِ اللهِ الذي يناله السائلُ والمجيبُ، وكلُّ مَنْ كان له يدٌ في نشر ذلك العلم؛ فهذا يقتضي أنَّ الرسالةَ قد تضمَّنت - على اختصارها - جميع أنواعِ المعاني الشرعية؛ اعتقادية وقولية وعملية، من واجباتٍ وسننٍ وآدابٍ وفضائلَ (^١).
ولا بدَّ أنَّه قد اقتصر على ما رآه من المهمات، وإلَّا فالعلمُ واسعٌ، وممَّا يُبَيِّنُ أنه قصد إلى ذكر هذه الجوانب على وجه الاختصار أَنَّه كتبه للأولاد الذين يتعلَّمون القرآنَ، وهم الأطفال، وتكون أعمارُهم من سبعٍ أو من ثمانٍ فما فوق إلى ما قبل البلوغ، وهؤلاء لا يناسبُهم إلَّا الاختصارُ والإيجازُ.
ويقول أيضًا إنه في هذا كلِّه قد مشى على مذهب الإمامِ مالكٍ ﵀ وطريقتِه.
_________________
(١) وجملتها (٤٨) ترجمةً، منها بغير لفظ الباب، وقيل: إن عدد أبواب هذا المتن (٤٤) بابًا، بعضها ملفوظ به وبعضها مقدر، وعدد مسائلها (٤٠٠٠) مسألة. ينظر: شرح التنوخي (١/ ١٦)، وشرح زروق (١/ ٢٩)، والفواكه الدواني (١/ ٥٧).
[ ٣٢ ]
ظهور المذاهب الفقهية الأربعة واختلافهم في فهم الأدلة
اتفاق أهل السنة في أصول مسائل الاعتقاد
تقرير ابن تيمية أن مسائل الاتفاق أكثر من مسائل الاختلاف
وأهلُ العلمِ لهم مذاهبُ واختياراتٌ واجتهاداتٌ وطرائقُ في فهم الأدلَّة؛ فكُلٌّ له اجتهادُه، وقد اشتهر في الفقه أربعةٌ من العلماء؛ وهم المعرفون بالأئمة الأربعة: أبو حنفية ومالك والشافعي وأحمد، فصار أصحابُهم مِنْ بعدهم على مذاهبهم، وبهذا وُجدت المذاهبُ الأربعةُ وصارت هذه المذاهبُ مدارسَ، فكلُّ طالب علمٍ يتخصص بمذهب من هذه المذاهب، وتفرَّقَ أصحابُ هذه المذاهب في البلاد حسب مَنْ وُجد فيها من أصحاب الأئمة الأربعة، ومن ذلك: اشتهارُ مذهبِ أبي حنفية في المشرق، ومالك في المغرب، وهذا أكثرُ ما يجري في الأمور العمليَّةِ.
أمَّا مسائل الاعتقادِ؛ فالأصلُ أنَّهم فيها على منهجٍ وطريقٍ واحدٍ، والتباعدُ والاختلافُ إنَّما يجري في المسائل العمليَّةِ كما هو ظاهرٌ، فأهلُ السنَّةِ والجماعةِ ليس بينهم خلافٌ في أصول مسائلِ الاعتقادِ، لكنْ يختلفون في المسائل العمليَّة، وهي: أبواب الطهارة، والعبادات والمعاملات.
والإمامُ ابن تيميّة يُقرِّرُ في كتابه «الاستقامة» أنَّ ما يتفقُ عليه أهلُ العلم هو أعظمُ وأكثرُ ممَّا يختلفون فيه؛ خلافًا لمن يظنُّ خلافَ ذلك، فيبدو للقارئ أنَّ مسائلَ الخلاف أكثرُ من مسائل الاتفاق، والأمرُ بالعكس، وليُرجع إلى هذا الموضع؛ فإنَّه نافعٌ في هذا المقام (^١).
_________________
(١) ينظر: الاستقامة (١/ ٥٥ - ٦٥).
[ ٣٣ ]
معنى قوله: (مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك)
معنى الراسخين والمتفقهين
معنى قوله: (لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان)
الوصية بتدريس العقيدة والفقه في حلقات تحفيظ القرآن
قوله: (مع ما سهَّلَ سبيلَ ما أَشكل من ذلك من تفسير الرَّاسخين، وبيانِ المتفقِّهين):
أي: مع ذِكر ما يسهل ذلك، من شروح الراسخين في العلم وبيانِ المتفقّهين. والراسخون في العلم: هم المتمكِّنون فيه، ومُراده بالمتفقِّهة: العالمون بالفقه، ولا يريد بالمتفقِّه المعنى الشائع وهو المشتغلُ بالفقه وإن لم يكن فقيهًا؛ لأنَّه عطف المتفقهة على الراسخين في العلم، والذين لديهم القدرةُ على بيان ما أشكلَ من المسائل هم المعتنون بالفقه، المجتهدون فيه.
قوله: (لِمَا رَغِبْتَ فيه مِنْ تعليم ذلك للوِلدان، كما تُعلِّمُهم حُروفَ القرآنِ): وقوله هذا كما تقدَّم؛ ليجمعَ لهم بين تعليم حروفِ القرآنِ وألفاظِه؛ ليُتقنوا النُّطقَ به، ويُضيف إلى ذلك تعلُّمَ أصولِ الاعتقادِ ومسائلَ في أبواب الفقه، وهكذا ينبغي أن لا يُقتصر في تعليم الشباب في حِلق التحفيظِ على حروف القرآن، بل ينبغي أن يُعَلَّمُوا أيضًا من الفقه، ومسائل العقيدةِ، فيقرَّرُ لهم بعض المختصرات في العقيدة والفقه؛ لتعليمهم أحكامَ دينهم، فإنَّ هذا أيضًا هو من مقاصد تعلُّمِ القرآن، فليس المقصودُ الوحيدُ من تعليم الأولاد القرآن تعلُّمَ ألفاظِه كما هو الحاصلُ من كثيرٍ من المسلمين؛ يقفون عند تعليم ألفاظ القرآن، ويَعنونَ ببعض التجويد فقط، وينشغلونَ بدراسة التجويدِ والقراءات عن العناية بالأحكام المأخوذة من القرآن والسنَّة.
[ ٣٤ ]
وقد كان الصحابةُ والتابعون يتعلمونَ القرآنَ ولا يتجاوزون عشرَ آياتٍ حتى يتعلَّموا معانيهنَّ والعملَ بِهنَّ (^١)، فينبغي أنْ يُلتفتَ إلى هذا المنهج وهو تعليمُ المعاني والأحكام.
_________________
(١) قال أبو عبدُ الرَّحمن السُّلَمي: «حدثنا الذين كانوا يُقرِئونَنَا القرآنَ؛ كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرِهما أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي ﷺ عشرَ آياتٍ لم يجاوِزُوها حتى يتعلَّموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلَّمْنَا القرآن والعلم والعمل جميعًا». أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٢٩)، وأحمد (٢٣٤٨٢)، والطبري في «تفسيره» (١/ ٧٤)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٤٥١) من طرق، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي. وأخرجه الطحاوي (١٤٥٠)، والحاكم (٢٠٤٧) من طريق عبد الله بن صالح، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، به. وعبد الله بن صالح وشريك النخعي سيئا الحفظ، وعطاء فيه لين واختلاط. ينظر تراجمهم بالتوالي في: ميزان الاعتدال (٢/ ٤٤٠ رقم ٤٣٨٣)، و(٢/ ٢٧٠ رقم ٣٦٩٧)، و(٣/ ٧٠ رقم ٥٦٤١). وأصح منه: ما أخرجه الطبري (١/ ٧٤) من طريق الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، به. وله شاهد عن ابن عمر قال: «لقد عشنا بُرهةً من دهرنا وإن أحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلَّمُ حلالَها وحرامَها، وما ينبغي أن يُوقف عنده فيها، كما تعلمون أنتم القرآن» ثم قال: «لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن؛ فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل!» أخرجه الحاكم (١٠١) من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن القاسم بن عوف الشيباني، به. وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة ولم يخرجاه» وليس كما قال، فالقاسم بن عوف الشيباني: لم يرو له البخاري شيئًا، ولم يرو له مسلم إلا حديثًا واحدًا ليس له عنده غيره؛ كما قال المزي في «تهذيب الكمال» (٢٣/ ٤٠١ رقم ٤٨٠٥)، وقد تكلَّم فيه بعض أهل العلم، لكنه يعتبر به.
[ ٣٥ ]
كتب التفسير التي ينصح بها
معنى قوله: (ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه)
معنى قوله: (فأجبتك إلى ذلك؛ لما رجوته لنفسي)
وليس المقصودُ من تعليم المعاني تتبُّعَ ما في كتب التفسير من تشقيقات، والتوسعَ فيما يخرجُ به الإنسانُ عن مقصود التفسير؛ باللغويات والإعرابات وما أشبه ذلك.
ولهذا: عندما نُسْتَنْصَحُ عن كتب التفسير؛ ننصحُ بتفسير ابنِ كثيرٍ، وبتفسير الشيخِ عبدِ الرَّحمن السعدي؛ لأنهما أبعد عن التشقيقات.
فكثيرٌ من المفسرين يوغل في النواحي اللغويَّةِ؛ البلاغيةِ، والنحويةِ، وسرِّ التقديمِ والتأخيرِ، وما أشبهَ ذلك من الجوانب التي تَصرِفُ العقلَ عن المعاني المقصودة للقرآن، لكنَّ أصحابَ التخصّصِ الأمرُ في حقّهم أوسعُ.
قوله: (ليَسبقَ إلى قلوبهم من فهم دينِ اللهِ وشرائعه، ما تُرجى لهم بركتُه، وتُحمَدُ لهم عاقبتُه):
هذا معنًى جميلٌ؛ أي: لتسبقَ علومُ العقيدة الصحيحة والأحكام الشرعية إلى عقولهم، قبل أنْ يسبقَ إليها همومُ الدنيا، وأطماعُها، أو يسبقَ إلى عقولهم أفكارٌ دخيلةٌ وآراءُ سقيمةٌ يتلقَّونها من هنا وهناك. فأشارَ المؤلّفُ إلى هذا النوع من السبق وعظيمِ أثرِه؛ أي: سبقِ الخيرِ إلى القلوب.
قوله: (فأَجبتُك إلى ذلك؛ لِمَا رَجوتُه لنفسي ولك من ثواب مَنْ عَلَّمَ دينَ اللهِ أو دعا إليه):
أي: أجبتك إلى ما طلبتَ رجاءَ ثوابِ اللهِ الموعودِ لمن تعلَّمَ دينَ الله وعلَّمَه، ودعا إليه، وهكذا ينبغي أنْ يكون الغايةُ من التعلُّمِ والتعليمِ هو
[ ٣٦ ]
احتسابُ ثوابِ اللهِ؛ فإنَّ هذا عليه الْمُعَوَّلُ؛ كما في الحديث الصحيح: «مَنْ صامَ رَمضانَ إِيمانًا واحتسابًا» (^١)، و«مَنْ قامَ رَمضانَ إِيمانًا واحتسابًا» (^٢)، وقوله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء].
* * * * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨)، ومسلم (٧٦٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٣٧)، ومسلم (٧٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٧ ]