نبذة عن ابن أبي زيد وثناء العلماء عليه
منزلة كتاب «الرسالة» عند المالكية
مقدمة
الحمدُ لله، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارك على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا تعليقٌ على مقدمة كتاب: «الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني ﵀، وقد سميته: «التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية لابن أبي زيد القيرواني»، وهو من أشهر علماء المالكية، ومشهورٌ بأنَّه ﵀ من أهل السنَّة في أبواب العقيدة، وتاريخُه متقدِّمٌ؛ لأنَّه من أعلام القرن الرابع، فإنَّه وُلد سنةَ عشر وثلاث مئة، وتُوفي سنةَ ستٍّ وثمانين وثلاث مئة، وممن أثنى عليه القاضي عياض في ترجمته لابن أبي زيد؛ قال: «وكان أبو محمَّدٍ إمامَ المالكية في وقته وقدوتَهم، وجامعَ مذهبِ مالك، وشارحَ أقوالِه، وكان واسعَ العلم، كثيرَ الحفظِ والرواية؛ كُتبه تشهدُ له بذلك» (^١).
وهذه الرسالةُ معظَّمةٌ عند المالكية، وهي متنٌ فقهيٌّ، وربما نشبِّهها ب «عمدةِ الفقهِ» من مصنفات الحنابلة، للموفَّق ابن قدامة إلَّا أنَّ ابنَ أبي زيد ﵀ صدَّرها بذكر مسائل الاعتقاد.
_________________
(١) ينظر: ترتيب المدارك (٦/ ٢١٥ - ٢١٦).
[ ٩ ]
مذهب أهل السنة في الاعتقاد ليس محصورا على الحنابلة
سبب انحراف بعض أهل المذاهب الأربعة في مسائل الاعتقاد
ولشهرتها وتعظيمِ المالكيةِ لها ولمؤلفها؛ كثُرت العنايةُ بها، وكَثُرَ شُرَّاحُها وحُفَّاظُها وناظموها، فقد اعتنى بها الناسُ عنايةً عجيبةً: شرحًا ونظمًا ودرسًا وتدريسًا، حتى قيل إنها كُتِبَت بالذّهب (^١)، ولا أقول: إنها أفضل من غيرها، ولكنَّ العادةَ أنَّ كلَّ أهلِ مذهبٍ يُعظِّمون علماءَ مذهبهم ومؤلفاتِهم، بل قد يتعصَّبون لهم، وإلَّا فقد قُرئت عليَّ، فوجدتُ أنَّها كتابُ فقهٍ مختصرٍ جدًا؛ ككتب الفقه المختصرة التي تكون عبارتُها فيها خفاءٌ؛ بسبب شدَّةِ الاختصارِ، ك «العمدة» في الفقه على مذهب الإمام أحمد مع أنَّ كتبَ الحنابلة أوضحُ عبارةً من المؤلفات في المذاهب الأخرى، وابنُ قدامة ﵀ ضَمَّن كتابَه بعضَ الأحاديث، ونوَّه عن هذا في المقدمة.
ومذهبُ أهل السنَّة في الاعتقاد ليس محصورًا على الحنابلة، فالأئمةُ ﵏ كلُّهم على مذهب السَّلف، بل هم من السَّلف؛ لأنهم على مذهب مَنْ قبلهم من الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم - (^٢).
وقد دخلت المذاهبُ الكلاميَّةُ على كثيرٍ من المتأخرين من أهل المذاهب الأربعة في مسائل الاعتقاد، فتجدُ هؤلاء ينتسبون إلى الأئمة في أبواب ومسائلِ الأحكامِ الفقهيةِ، ويخالفونَ الأئمةَ الذين ينتسبون
_________________
(١) ينظر: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان للدبَّاغ (٣/ ١١١).
(٢) ينظر: منهاج السنة (٢/ ١٠٥ - ١٠٦)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٢٥٦)، والإيمان (ص ٣١٥)، وللاستزادة ينظر: اعتقاد الأئمة الأربعة لمحمد الخميس.
[ ١٠ ]
الرد على ابن عاشر الذي خالف مالكا في الاعتقاد والسلوك
إليهم - كالشافعي ومالك مثلًا - في مسائلِ الاعتقاد في الجملة، فمُقِلٌّ ومُستكثِر (^١).
ويمكن أن يُستشهَد لهذا المعنى ببيتٍ لابن عاشر (^٢)؛ قال فيه:
في عقد الأشعري وفقه مالك … وفي طريقة الجنيد السالك (^٣)
فتراه اتَّخذ ثلاثة أئمة: الأشعري في العقيدة، ومالك في الفقه، والجنيد (^٤) في السلوك.
_________________
(١) كان المغاربة على مذهب السلف في أصول الدين زمن دولة المرابطين (٤٥١ - ٥٤١ هـ)، فلما أظهر محمد بن تومرت المغربي المصمودي (ت ٥٢٤ هـ) دعوته؛ كفَّر مخالفيه من المغاربة، واتهمهم بالتشبيه والتجسيم، واستباح دماءهم وأموالهم، ودخل في حروب طاحنة مع المرابطين، وأدخل المغرب الإسلامي في فتنة دامية، وفرض الأشعريةَ على الرعيَّة، فكان شرًا على الملَّة من الحجاج بن يوسف بكثير، واستباح قتل مخالفيه من العلماء، وسمَّى أصحابه «موحدين»، وهم جهميةٌ نُفاة لصفات الله تعالى، وعندما هلك واصل أتباعُه دعوتَهُ، وارتكبوا مجازر رهيبة في حق المرابطين عندما دخلوا مدينة مراكش سنة (٥٤١ هـ)، ويُروى أنهم قتلوا منهم سبعين ألف شخص! ينظر: السير للذهبي (١٩/ ٥٣٩)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٦)، والمنار المنيف لابن القيم (ص ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) ابن عاشر: عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر، أندلسيّ الأصل، نشأ بفاس، له تصانيف منها: «المرشد المعين على الضروريّ من علوم الدين»، وشرح على «مورد الظمآن في علم رسم القرآن». توفي في فاس في ذي الحجة سنة (١٠٤٠ هـ) وعمره خمسون سنة. ينظر: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (٣/ ٩٦)، وشجرة النور الزكية (١/ ٤٣٤).
(٣) ينظر: متن ابن عاشر المسمى بالمرشد المعين على الضروري من الدين (ص ٢، رقم البيت ٥).
(٤) الجنيد: أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز، أصله من نهاوند وولد ونشأ ببغداد، وسمع بها الحديث وتفقه على أبي ثور، كان زاهدًا عابدًا، توفي سنة (٢٩٧ هـ). ينظر: طبقات الصوفية (ص ١٢٩)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٦٦).
[ ١١ ]
وجوب اتباع ما مضى عليه الصدر الأول وسبب ذلك
فالواجبُ اتباعُ ما مضى عليه الصدرُ الأوَّلُ من الصحابة والتابعين وأئمة الدين ﵃، والتمسكُ بما مضى عليه الأئمة؛ فإنهم والتابعون ومَن سلك سبيلَهم هم أهلُ السنَّةِ والجماعةِ، لأنهم يعتمدون في دينهم - علمًا وعملًا - على كتاب الله وسنَّة رسوله وما مضى عليه الصحابة -رضوان الله عليهم - ومَن تبعهم بإحسان.
فهذا هو طريقُ السلامة والهُدى قبل أنْ يتفرَّق الناسُ وتتَّسعَ الفُرقةُ، فإنَّها حدثت في هذه الأمة مُبكِّرة، لكن لوجودِ الصحابة لم تنتشر، وأمَّا بدايات الفُرقةِ فقد كانت في عهد الصحابة في خلافة عليٍّ ﵁؛ فظهرت الخوارجُ والشيعةُ ثم القدريَّةُ، فكلُّهم وُجِدوا في عهد الصحابة ﵃، ثم لم يزل الاختلافُ والافتراقُ يتَّسعُ وتعظُمُ المحنةُ، ولا سيّما في أُخريات القرن الثاني وما بعده، وبعد: فنبدأ بشرح خطبة المؤلف:
[ ١٢ ]