(وأنَّ الشهداءَ أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، وأرواحُ أهلِ السعادة باقيةٌ ناعمةٌ إلى يوم يُبعثون، وأرواحُ أهلِ الشقاوةِ مُعذَّبةٌ إلى يوم الدِّين، وأنَّ المؤمنين يُفتنون في قبورهم ويُسألون، ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]):
في هذه الجملة مسائل:
أحدها: قول المؤلف: (وأنَّ الشهداءَ أحياءٌ عند ربهم يُرزقون): الشهداء: هم الذين قُتلوا في سبيل الله، أخبر اللهُ عنهم أنَّهم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون (١٦٩)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون (١٥٤)﴾ [البقرة]، وهذه حياةٌ خاصَّةٌ يُعبِّرُ عنها العلماءُ «بالحياة البرزخية» نسبةً إلى البرزخ؛ وهو مُدَّةُ ما بين الموت إلى البعث، فالشهداءُ في هذه المدة أحياءٌ ليست كحياتهم في الدنيا، ولذا فليسوا كسائر الأمواتِ، فإنَّ أرواحهم يجعلها اللهُ في حواصل طيرٍ خُضرٍ تأكل من ثمار الجنةِ، وتَرِدُ أنهارها، وتأوي إلى قناديلَ مُعلَّقةٍ
[ ١٦٤ ]
المسألة الثانية: قوله: (وأرواح أهل السعادة باقية)
حقيقة الروح واضطراب الناس فيها
تحت العرش كما صحَّ به الحديثُ (^١)، وهذه الآيةُ والحديثُ وردا في شأن الذين قُتلوا في وقعةِ أُحدٍ، ومنهم: حمزةُ عمُّ النبيِّ ﷺ (^٢)، ومن أجل هذه الحياة نهى اللهُ عن أن نُسمَّيهم أمواتًا، ولكن باعتبار فراقهم الحياةَ الدنيا يُقال أنَّهم ماتوا، وتجري عليهم أحكامُ الأموات: من إرثِ أموالهم، ونكاحِ نسائِهم، ويُكفَّنون ويُدفنون، ومن آثار الحياةِ البرزخية؛ أنَّ أبدانَهم تبقى في القبور طريةً؛ أي: لا تأكلهم الأرضُ، كما شُوهد من حال بعضِهم، فتُشبِه حالُهم حالَ الأنبياء.
المسألة الثانية: قوله: (وأرواحُ أهلِ السعادة باقيةٌ ناعمةٌ إلى يوم يُبعثون، وأرواحُ أهلِ الشقاوةِ مُعذَّبةٌ إلى يوم الدِّين): الروحُ: ما به حياةُ الأبدان، تتَّصلُ بالبدن فيكون حيًّا، وتُفارقُه فيكون ميتًا، وهي مخلوقةٌ من جملة المخلوقات، قائمةٌ بنفسها؛ أي: ليست عرضًا كما يقول المتكلِّمون. وهي موصوفةٌ بصفاتٍ ثبوتيةٍ وسلبيةٍ، تذهبُ وتجيءُ، وتصعدُ وتهبطُ، وهي: موجودةٌ بعد مُفارقتها للبدن، تُنعم أو تُعذَّب.
وقد اضطرب الناسُ في حقيقتها؛ فالفلاسفةُ لا يصفونها إلَّا بالسُّلُوب، والمتكلمون يجعلونها من جنس الأجسامِ المشهودةِ، ويُعبِّرون عنها بعباراتٍ مختلفةٍ، وكِلا القولين باطلٌ، والحقُّ ما دلَّ عليه الكتابُ والسنَّةُ، وهو أنَّها مخلوقةٌ موصوفةٌ مخالفةٌ للأجسام المشهودة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٨٧) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) ينظر: أسباب النزول للواحدي (ص ١٢٨ - ١٢٩)، والعُجاب في بيان الأسباب (٢/ ٧٨٣ - ٧٨٨).
[ ١٦٥ ]
وقد ذكر المؤلفُ حالَ الأرواحِ في دار البرزخِ: أرواح السعداءِ، وأرواح الأشقياءِ، فأرواحُ أهلِ السعادة مُنعَّمةٌ إلى يوم القيامة، ومنها أرواحُ الشهداءِ كما تقَّدم، وأرواحُ أهلِ الشقاءِ مُعذَّبةٌ إلى يوم القيامة كما دلَّت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنَّةِ.
والروحُ لها شأنٌ عظيمٌ؛ قال ابنُ القيِّم في النونية:
فالشأنُ للأرواحِ بَعْدَ فِراقِها … أبدانَنا واللهِ أعظمُ شَانِ
إِمَّا عذابٌ أو نعيمٌ دائمٌ … قد نُعِّمَتْ بالرَّوْحِ والريحانِ
إلى أن قال:
وعذابُ أَشقاها أشدُّ من الذي … قد عاينت أبصارُنا بعِيانِ
والقائلون بأنَّها عَرَضٌ أَبَوْا … ذا كلَّه تبًّا لذي نكرانِ (^١)
وبعد فلمزيد معرفةٍ في شأن الروحِ؛ يُراجَع كتابُ «الروح» لابن القيم، وما قاله شيخُ الإسلام في «التدمرية» (^٢).
_________________
(١) ينظر: الكافية الشافية (١/ ٨١ - ٨٣، رقم ١٢٧ - ١٢٨ و١٣٦ - ١٣٧).
(٢) التدمرية (ص ٥٠)، وشرحها لشيخنا (ص ٢٠٣) وما بعدها.
[ ١٦٦ ]
المسألة الثالثة: قوله: (وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم)
عقيدة أهل السنة في فتنة القبر
هل فتنة القبر عامة أو مختصة بالمنتسبين للإيمان؟
المسألة الثالثة: قوله: (وأنَّ المؤمنين يُفتنون في قبورهم ويُسألون، ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ [إبراهيم: ٢٧]):
يُقرِّرُ المؤلِّفُ عقيدةَ أهلِ السنَّة في فتنة القبر؛ وهي: امتحانُ الميتِ بسؤاله عن ربِّه ودينِه ونبيِّه. وقوله: (وأنَّ المؤمنين يُفتنون): يدلُّ على أنَّ فتنةَ القبرِ عنده مختصَّةٌ بالمنتسبين للإيمان دون الكفار، ويدخل في المؤمنين المنافقُ، ويدلُّ لِمَا قال: قولُه ﷺ: «أُوحيَ إليَّ أنَّكم تُفتنون في قبوركم مثلَ أو قريبَ من فتنة المسيحِ الدَّجالِ، يقال: ما عِلمك بهذا الرجل؟ فأمَّا المؤمنُ أو الموقنُ فيقول: هو محمَّدٌ رسولُ الله، جاءنا بالبيِّناتِ والهدى فأجبنا واتَّبعنا؛ فيقال: نمْ صالحًا قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأمَّا المنافقُ أو المرتاب؛ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُه» (^١)، وقد ذهب ابنُ عبدِ البرِّ (^٢) إلى أنَّها خاصَّةٌ بالمؤمنين، كما ذهب إليه ابن أبي زيد، واختار ابنُ القيمِ (^٣) والقرطبيُّ (^٤) أنَّ فتنةَ القبرِ عامَّةٌ للمؤمنين والكفار، ولكلٍّ من القولين أدلةٌ من السنَّة، والمسألةُ محتملةٌ، واللهُ أعلمُ بالصواب، وأمَّا عذابُ القبر ونعيمه؛ فقد تقدَّم في المسألة الثانية.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥) من حديث عائشة ﵂.
(٢) التمهيد (٢٢/ ٢٥٢).
(٣) الروح (١/ ٢٥٢ - ٢٦٠).
(٤) ينظر: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (١/ ٤١٣ - ٤١٥).
[ ١٦٧ ]