(والإيمانُ بالقدر خيره وشرِّه، حُلوِه ومُرِّه، وكلُّ ذلك قد قدَّره اللهُ ربُّنا، ومقاديرُ الأمور بيده، ومصدرُها عن قضائه، عَلِمَ كلَّ شيءٍ قبل كَونه، فجرى على قَدَره، لا يكون مِنْ عباده قولٌ ولا عملٌ إلَّا وقد قضاه وسبق عِلمُه به: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (١٤)﴾ [الملك]، يُضلُّ مَنْ يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَنْ يشاء فيُوفِّقُه بفضله، فكلٌّ ميسَّرٌ بتيسيره إلى ما سَبَق من علمه وقَدَره من شقيٍّ أو سعيدٍ، تعالى اللهُ أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحدٍ عنه غنى، أو يكون خالقٌ لشيءٍ، إلَّا هو، ربُّ العباد، وربُّ أعمالهم، والمقدرُ لحركاتهم وآجالهم).
في هذه الجملةِ انتقالٌ من ذكرِ أسماءِ الله وصفاتِه إلى الكلامِ في الأصل السادس من أصول الإيمان، وهو الإيمان بالقدر كما جاء في جواب النبيِّ ﵊ في حديثِ جبريل؛ قال: «وتُؤمن بالقَدَرِ خيرِه وشرِّهِ» (^١)، فالمؤلفُ في هذه العبارةِ يُقرِّرُ مذهبَ أهل السنَّةِ والجماعة، ومعنى الإيمانُ بالقَدَر؛ الإيمانُ بأنَّ كلَّ شيءٍ بقدَرٍ، وأنَّ اللهَ قد قدَّرَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨)، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ١٠٢ ]
معنى القدر
الأصول الأربعة في الإيمان بالقدر
مقاديرَ كلِّ شيءٍ، فكلُّ ما في هذا الوجودِ فإنَّه بقدرِ الله، والخيرُ والشرُّ بقدرِ الله.
والقدَرُ يُطلَقُ على فعلِ الربِّ وهو تقديرُه لمقاديرِ الأشياء، ويُطلَقُ على الشيءِ المُقدَّرِ؛ فتقولُ للحادثِ المعيَّن: «هذا قدرٌ»؛ يعني هذا مُقدَّرٌ؛ من إطلاق المصدرِ على اسم المفعول، وهذه لغةُ المسلمين إذا شهدوا أمرًا قالوا: هذا قدَرٌ، يعني هذا مقدَّرٌ، وله تعالى الحكمةُ في أقداره.
والإيمانُ بالقدرِ لا بدَّ فيه من أربعةِ أصولٍ، لا يكونُ الإنسان مؤمنًا بالقدر إلَّا بها:
الأصلُ الأول: الإيمانُ بعلمِ الله القديم السابقِ لكلِّ شيء، بما في ذلك أفعالُ العبادِ من طاعاتِهم ومعاصيهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧٥)﴾ [الأنفال].
الأصلُ الثاني: الإيمانُ بكتابةِ المقادير؛ وذلك بأنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الأشياءِ، وكتبَ ذلك في أمِّ الكتابِ، اللوحِ المحفوظِ، وقد جمعَ الله بين هذين الأصلين في غير آيةٍ: العلمَ والكتابَ، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧٠)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (١١)﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي
[ ١٠٣ ]
مذهب الجبرية في القدر
الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٢٢)﴾ [الحديد].
الأصلُ الثالث: الإيمانُ بعمومِ مشيئةِ الله، وأنَّه لا خروجَ لشيءٍ عن مشيئته، فما شاءَ كان، وما لم يشأ لم يكن.
فهذا الوجودُ كلُّه حاصلٌ وموجودٌ بمشيئته ﷾ وقدرته، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، بما في ذلك أفعالُ العباد؛ فهي واقعةٌ بمشيئته؛ كما قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يُرِيد (١٦)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [فاطر: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور (٤٩)﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢].
الأصلُ الرابع: الإيمانُ بعمومِ خَلْقِه؛ يعني أنَّه خالقُ كلِّ شيءٍ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل (٦٢)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر (٤٩)﴾ [القمر].
فهذه أربعةُ أصول، لا يتحقَّقُ الإيمانُ بالقدرِ إلَّا بالإيمان بها (^١).
وضلَّ في القدرِ طائفتان: الجبريةُ الذين أثبتُوا القدر، ولكنهم غلوا فيه؛ فنفوا أفعالَ العباد، وقالوا: العبادُ لا فِعلَ لهم، ولا مشيئةَ ولا قدرةَ، فالعبادُ يتحركون ويتصرَّفُون كالحركات اللاإرادية؛ كحركةِ المُرتعشِ
_________________
(١) ينظر: الواسطية بشرح شيخنا (ص ١٩٢ - ٢٠١)، وشفاء العليل (١/ ١٠٠) وما بعدها، وجامع العلوم والحكم (١/ ١٠٣).
[ ١٠٤ ]
مذهب الأشاعرة في أفعال العباد ومفهوم الكسب عندهم
مذهب القدرية النفاة وهم قسمان
والنائمِ، وكالريشة في مَهبِّ الريح. فهؤلاء اسمُهم جبريةٌ، وهو مذهبٌ باطلٌ شرعًا وعقلًا وحسًّا، ولا يستقيمُ معه أمرُ دينٍ ولا دنيا، وجاءت الأشاعرةُ فلفَّقوا كعادتهم وقالوا: أفعالُ العباد خلْقٌ لله، وكسبٌ من العباد، لكن مفهوم الكسب عندهم هو: الفعلُ المقارنُ للقدرة المحدثة التي لا أثر لها في الفعل، وهذا مبنيٌّ على نفي الأسباب عندهم.
فيرون أنَّ العلاقةَ بين الأسبابِ والمسبَّبَاتِ، وبين قدرةِ العبد وأفعاله مجرَّد الاقتران، فيقولون: إنَّ اللهَ يفعل عند الأسباب لا بها، فليس عندهم باء سببية؛ بل يرونها للمصاحبة.
فهم يَقْرُبون في هذا من قول الجبرية، بل هم جبرية؛ لأنَّ قولَهم يتضمَّنُ: أنه لا أثر لقدرتهم في وجود أفعالهم (^١).
ويُقابلُ أولئك: القدريةُ النُّفاةُ الذين ينفون القدرَ، وهم طائفتان: غلاةٌ ينفون المراتبَ الأربع؛ العلم والكتابة وعموم المشيئة وعموم الخلق، والطائفةُ الثانيةُ ينفون عمومَ المشيئة وعمومَ الخلق ويُثبتون
_________________
(١) ولهذا قال بعض الناس: عجائب الكلام التي لا حقيقة لها ثلاثة: طفرة النظَّام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري. ممَّا يُقال ولا حقيقة تحته … معقولة تدنو إلى الأفهامِ الكسب عند الأشعري والحال عِنـ … ـد البهشمي وطفرة النظَّامِ ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٨)، وشرح الأصبهانية (ص ١٧١ - ١٧٢)، والصفدية (ص ١٧١ - ١٧٣)، ومنهاج السنة (١/ ٤٥٨ - ٤٦١)، (٢/ ٢٩٧)، وشفاء العليل (١/ ١٧١ - ١٧٢)، (١/ ٣٩٩ - ٤٠١).
[ ١٠٥ ]
الشر في المقدورات لا في تقدير الله
العلمَ والكتابَ، فكلُّ القدرية النُّفاة يُخرجون أفعالَ العبادِ عن مشيئةِ الله وقدرتِه وخلقه (^١).
فعندهم: أنَّ العبادَ هم الخالقون لأفعالِهم، وأنَّ اللهَ لا يَقْدر على أن يجعلَ المؤمنَ كافرًا أو الكافرَ مؤمنًا، والعاصي مُطيعًا والمُطيع عاصيًا، بل ولا يجعلُ القاعدَ قائمًا أو القائمَ قاعدًا، وهكذا سائرُ الأفعالِ؛ لأنَّ أفعالَ العبادِ هم مُستقلون بها.
وأهلُ السنَّةِ والجماعةِ آمنوا بالقدرِ بكلِّ مراتبه، وبأنَّ العبادَ فاعلون حقيقةً، وأنَّ اللهَ خالقُهم وخالقُ أفعالِهم، طاعاتِهم ومعاصيهم.
فهذا خلاصةُ القول في هذا الأصل، وأدلةُ الحقِّ في هذا ظاهرةٌ في كتاب الله، وفيها إثباتُ شمول علمِه وكتابه للمقاديرِ، وعمومِ مشيئته وخلقه.
قوله: (والإيمانُ بالقدر خيره وشرِّه، حُلوِه ومُرِّه، وكلُّ ذلك قد قدَّره اللهُ ربُّنا):
كأنَّه يريدُ الإيمانَ بتقدير الله الخيرَ والشرَّ، فالخيرُ والشرُّ الواقعُ في الوجودِ هو بتقديرٍ من الله، فمِن الإيمان: الإيمانُ بتقديره تعالى لكلِّ شيء خيرًا كان أو شرًّا، حلوًا كان أو مرًّا، والقدرُ الذي هو فعلُ الربِّ وهو تقديرُه وقضاؤُه وحُكمه لا شرَّ فيه، بل هو عدلٌ وحكمةٌ، وهو تعالى محمودٌ على كلِّ أفعالِه ﷾.
_________________
(١) ينظر: درء التعارض (٨/ ٤٢١)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٠ - ٤٥١)، والإيمان لابن تيمية (ص ٣٠١ - ٣٠٢)، وشفاء العليل (٢/ ٤٢٦)، وتوضيح مقاصد الواسطية (ص ١٩٨).
[ ١٠٦ ]
لكنَّ الشرَّ إنما يكون في المخلوقاتِ المفعولات، فإبليسُ وجنودُه شرٌّ، وهكذا الأشياءُ الضارَّةُ؛ كالحيَّاتِ والعقارب فيها شرٌّ، لكنْ خَلْقُ الله لهذه المخلوقاتِ الضارةِ والشريرةِ لحكمةٍ، إذن: فخلقُه تعالى ومشيئتُه لها عدلٌ وحكمةٌ، وهو تعالى محمودٌ على ذلك، فله الحكمةُ البالغة، علِمنا ذلك أو لم نعلمه، لكنَّنا نعلمُ علمًا إجماليًّا ونُؤمن إيمانًا مُجملًا بأنَّه تعالى حكيمٌ، لا يخلقُ شيئًا عبثًا، ولا يخلقُ شيئًا إلا لحكمةٍ هو أعلمُ بها.
وقوله: (حُلوِه ومُرِّه): كأنَّ هذا التعبيرَ من تنويع الكلام؛ لأنَّ الأمورَ المقدَّرةَ منها ما هو حلوٌ في حسِّ وذوقِ الناس؛ كالنِّعم والأشياء المستطابة. والمرُّ: الأشياءُ الكريهةُ؛ كالمصائب؛ لأنَّ لها مرارة في النفوس.
ويُفسَّرُ الخيرُ باللذات وأسبابها، والشرُّ بالآلام وأسبابها، لكن هناك لذَّاتٌ في نفسها لكنها أسباب لآلامٍ طويلةٍ، فتكون في ذاتها خيرًا، لكنها شرٌّ باعتبار ما تُفضي إليه، فالمعاصي شرٌّ وإن استلذَّتها النفوسُ؛ لأنها تفضي إلى أعظم الآلام. والطاعاتُ خيرٌ في ذاتها ومآلها، وإن اشتملت على بعض المشاقِّ والكُلَف، لكنها خير؛ لأنَّها نفسها مصالحُ ومنافعُ عظيمة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «حُفَّت الجنةُ بالمكاره، وحُفَّت النارُ بالشهوات» (^١)، واللهُ تعالى اقتضت حكمته تنويعَ الخلْقِ، وخلْقَ الأضداد في هذا الوجود، فخلَقَ الخيرَ والشرَّ، والنافعَ والضارَّ، والحسنَ والقبيحَ في الذوات والصفات والأفعال، فخلقَ النورَ والظلمات، وخلقَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٢٢) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ١٠٧ ]
معنى قول النبي ﷺ: «والشر ليس إليك»
الملائكة والشياطين، وخلقَ الصحةَ والمرضَ والحياةَ والموتَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
إذن؛ الأشياءُ المخلوقةُ فيها خيرٌ وشرٌّ، واللهُ خالقُ الخير والشر، أمَّا فعلُ الربِّ سبحانه: حُكمه وقضاؤه وتقديره؛ فكلُّه خيرٌ، ليس فيه شرٌّ، والشرُّ لا يُضاف إلى الله اسمًا، ولا صفةً ولا فعلًا، فلا يكون في أسمائه، فكلُّها حُسنى، ولا في صفاته فكلُّها صفاتُ كمالٍ وحمدٍ، ولا في أفعاله فكلُّها أفعالُ عدلٍ وحكمةٍ، وإنَّما يكون في مفعولاته؛ أي: مخلوقاته.
وهذا ما فُسِّر به قولُ النبي ﷺ: «والشرُّ ليس إليك» (^١)؛ أنه تعالى لا يخلق شرًّا محضًا؛ بل كلُّ الشرِّ الذي في المخلوقات شرٌّ نسبيٌّ ليس شرًا محضًا، وهذا يرجع إلى الإيمان بحكمته ﷾، وأنه حكيمٌ، ما خَلَق شيئًا عبثًا، فلم يخلق شيئًا إلا لمصالحَ وحِكمٍ يعلمُها سبحانه، وليس من شرط ذلك أن تكون عائدةً للعبد، بل قد يكون فيها شرٌّ لبعض الناس، وهو شرٌّ جزئي إضافي، فأمَّا شرٌّ كليٌّ، أو شرٌّ مطلقٌ؛ فاللهُ تعالى منزَّهٌ عنه.
وكلُّ ما خلقه اللهُ إمَّا أن يكون خيرًا محضًا، أو أنَّ وجودَه خيرٌ من عدمه باعتبار الحكمةِ العامة، فاللهُ خلقَ هذه الأضداد لحِكمٍ بالغةٍ، ومن حِكمه تعالى في خلقه: الابتلاء، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وينظر تفسيره في: الكلم الطيب (ص ٤٣ - ٤٤)، وشفاء العليل (٢/ ٥٢)، وبدائع الفوائد (٢/ ٧٢٤)، وحادي الأرواح (٢/ ٧٧٠ - ٧٧١).
[ ١٠٨ ]
الوجوه الثلاثة التي يعبر بها في إضافة الشر المخلوق لله تعالى
أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
والشرُّ الذي في المخلوقات لا يُضاف إلى الله مفردًا أبدًا؛ بل إمَّا يدخل في عموم المخلوقات؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وكقوله: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، يعني: الخيرَ والشرَّ.
وإمَّا بصيغة البناء للمفعول؛ كقوله تعالى عن الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن: ١٠]، وإما أن يُضاف إلى خلقه سبحانه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَق (٢)﴾.
هذه هي الوجوهُ التي يُعبَّرُ بها في إضافة الشرِّ المخلوق (^١).
وعلى هذا فلا ينبغي أن تقول: اللهُ خالقُ الشرَّ، لكن قل: اللهُ خالقُ كلِّ شيء، وهذا معنى التعبير بالعموم، وقل: فلانٌ أُريدَ به السوءُ، ولا تقل: أَرادَ اللهُ به.
وكذلك إذا أردت أن تُخبر عن خلق اللهِ للمخلوقات، قل: اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، واللهُ خالقُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولا تقل: اللهُ خالقُ الحشراتِ وخالقُ الكلابِ، أو: اللهُ ربُّ الكلابِ، هذا منكرٌ؛ بل قل: ربُّ السماواتِ والأرضِ، وربُّ كلِّ شيءٍ، هذا الذي فيه التعظيم، كما تَمَدَّح
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة (٣/ ١٤٢ - ١٤٣)، (٥/ ٤١٠)، وجامع المسائل (٨/ ٥٤ - ٥٦)، (٩/ ١١٣)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٩٤ - ٩٦)، (٨/ ٤٠١)، (٨/ ٤٤٧)، (٨/ ٥١١)، (١٤/ ٢١)، (١٤/ ٢٦٦)، وشفاء العليل (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، وبدائع الفوائد (٢/ ٧٢٤ - ٧٢٥).
[ ١٠٩ ]
معنى قوله: (ومصدرها عن قضائه)
﷾ بذلك في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٨٦)﴾ [المؤمنون]، وهكذا في النفع والضر فلا تقل: الله هو الضار؛ بل قل: اللهُ هو النافعُ الضارُّ، وهذا من جنس الأوَّل في التعبير بالعموم.
ومن هذا ما ذَكر اللهُ من قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين (٨٠)﴾ [الشعراء]، ولم يقل: وإذا أمرضني شفاني، وهذا من الأدب في الإخبار عن الله ﷾.
قوله: (ومصدرُها عن قضائه): أي: مصدرُ الأمورِ كلِّها، هو مالكُها بيده؛ قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، ومصدرُها عن حُكمِه وقضائِه ومشيئته.
قوله: (عَلِمَ كلَّ شيءٍ قبل كونه): هذه المرتبةُ الأولى، وهي الإيمانُ بعلمِ الله السابق بكلِّ شيءٍ.
قوله: (فجرى على قدره): أي: كل شيء قدَّره الله وخَلَقه جرى على وِفق ما قدَّره، وعلى وفق ما علِمه لأنَّه لا يكون شيءٌ إلا بمشيئته مطابقًا لعلمه وكتابه.
قوله: (لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلَّا وقد قضاه وسبق عِلمُه به: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (١٤)﴾ [الملك]، يُضلُّ مَنْ يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَنْ يشاء فيُوفِّقُه بفضله):
في هذا إثباتُ المشيئةِ لله وإثبات القدر، والإيمان بالمشيئة العامة هي المرتبة الثالثة، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [النحل:
[ ١١٠ ]
معنى قوله: (فكل ميسر بتيسيره)
٩٣]، والآياتُ الدالَّةُ على تعلُّقِ المشيئةِ بالموجودات كثيرةٌ كما أُشيرَ إلى بعضِها، وقد تضمن كلام المؤلف: إثبات علم الله القديم بكل شيء، والإيمان بذلك هو المرتبة الأولى من الإيمان بالقدر، وقد روي عن الإمام مالك ما يُشبِه قول المؤلف في إثبات المشيئة، وهو قوله لرجلٍ: «سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم، قال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين (١٣)﴾ [السجدة]. فلا بد أن يكون ما قال الله تعالى». روى ذلك أبو نعيم في الحلية عن ابن وهب (^١)؛ قال سمعت مالك يقول: … إلى آخره (^٢).
قوله: (فكلٌّ ميسَّرٌ بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقَدَره من شقيٍّ أو سعيدٍ):
يعني: المُكلَّفُون قد علمَ الله ما هم عاملون من طاعاتٍ ومعاصٍ، قد سبقَ علمه وكتابه بذلك، وقد سُئِلَ النبي ﵊: هل ما يعملُه الناس قد جفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قيل: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميَّسَر لما خُلق له، أمَّا من كان من أهل السعادة
_________________
(١) ابن وهب: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي الفقيه المحدث، تفقه بمالك، والليث، وابن دينار، وغيرهم وصحب مالكًا عشرين سنة، له مؤلفات منها: «الجامع في الحديث»، و«أهوال القيامة» وغيرها، توفي سنة (١٩٧ هـ): ينظر: ترتيب المدارك (٣/ ٢٢٨)، والسير (٩/ ٢٢٣).
(٢) حلية الأولياء (٦/ ٣٢٦).
[ ١١١ ]
لازم مذهب القدرية النفاة
إفحام أبي إسحاق الإسفرائيني للقاضي عبد الجبار
فيُيَّسَر لعمل أهل السعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاء فيُيَّسَر لعمل أهل الشقاوة»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الليل] الآية (^١)، فكلٌّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له من شقاوةٍ وسعادة، فمَن كان من أهلِ السعادة؛ فيُيسَّرُ لعملِ أهل السعادةِ فيصيرُ من السعداء، ومَن كان من أهلِ الشقاوة؛ يُيسَّرُ لعملِ أهلِ الشقاوةِ فيكون شقيًّا.
قوله: (تعالى اللهُ أن يكون في ملكه ما لا يريد):
هذا تنزيهٌ لله عن العجز، وفيه الردُّ على القدرية النفاةِ القائلين بأنَّ أفعالَ العباد ليست بمشيئةِ الله، وأنها خارجةٌ عن قدرته ﷾ عن ذلك، فلازم كلامِهم: أنَّ الله يكونُ في ملكِه ما لا يريد؛ كالكفر والمعاصي، بل كل ذلك يكون قهرًا على الله.
ولهذا قالَ أهلُ السنَّةِ: إنَّ قولَ القدريةِ يتضمنُ تعجيزَ الرب؛ أي أنَّه عاجز، فلا يقدرُ أن يهدي ضالًّا ولا أن يُضِلَّ مُهتديًا، ولا يتصرَّفُ في أفعال العباد، لأنَّها لا تدخل تحت قدرته (^٢)، وهذا مذهبٌ باطلٌ شرعًا وعقلًا؛ واللهُ ﷿ قد أكذبهم في غير ما آيةٍ من كتابِه الكريم، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (١١٢)﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقد رُوي أنَّ القاضي عبد
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٤٨ - ٨) عن سراقة بن مالك ﵁ إلى قوله: «فكل ميَّسر»، وأخرج الجزء الآخر البخاري (٤٩٤٩) عن علي ﵁.
(٢) تنظر قصة إلزام مجوسيٍّ لرجلٍ ينفي القدر، وكذا قصة الأعرابي مع عمرو بن عبيد المعتزلي في: كتاب القدر للفريابي (٣٥٩)، والإبانة الكبرى (٤/ ٢٧٩، رقم ١٩١٣)، (٤/ ٢٨٠، رقم ١٩١٤)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/ ٨١٦ - ٨١٧، رقم ١٣٧٦).
[ ١١٢ ]
الإرادة نوعان: كونية وشرعية والفرق بينهما
الجبار الهمذاني المعتزلي (^١) دخل على أبي إسحاق الإسفرائيني (^٢) فقال: «سبحان مَنْ تَنَزَّه عن الفحشاء»، وهذا كلامٌ طَيِّبٌ في ظاهره، لكنَّه يرمز به إلى شيءٍ من مذهبه، فهو يريد أن يعترضَ به على من يُثبِتُ القدرَ، فيقول: «سبحان مَنْ تَنزَّهَ عن الفحشاء»؛ يعني: سبحان مَنْ تَنزَّه عن أن يريد الكفر والمعاصي، ففَهِم أبو إسحاق الإسفرائيني مغزاه، فأجابه على الفور قائلًا: «سبحان مَنْ لا يكون في مُلكه إلا ما يشاء» (^٣).
والإرادةُ نوعان: إرادةٌ كونية، وهي بمعنى المشيئةِ، وإرادةٌ شرعيةٌ وتتضمنُ المحبةَ، وفرَّق العلماءُ بينهما، فمن شواهدِ الإرادةِ الكونية؛
_________________
(١) القاضي عبد الجبار الهمذاني: عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار، شيخ المعتزلة، ولي قضاء القضاة بالريِّ، وله تصانيفه كثيرة منها: «دلائل النبوة»، و«طبقات المعتزلة»، و«شرح الأصول الخمسة»، تخرج به خَلق في الرأي الممقوت، مات سنة (٤١٥ هـ). ينظر: طبقات المعتزلة (ص ١١٢)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٤ رقم ١٥٠)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٩٧ رقم ٤٤٣).
(٢) أبو إسحاق الإسفرائيني: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصولي، الشافعي، الملقب ركن الدين، أحد المجتهدين في عصره ومن أئمة الأشاعرة، ارتحل في الحديث وسمع من: دعلج السجزي، وأبي بكر الإسماعيلي وحدث عنه: أبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القشيري، ومن تصانيفه: «الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين»، و«مسائل الدور» وغير ذلك، توفي بنيسابور يوم عاشوراء سنة (٤١٨ هـ). والإسفرائيني تضبط أيضًا: (الإسفراييني) أو بياء واحدة (الإسفرايني) نسبة إلى (إسفرايين) بلدة بخراسان بنواحي نيسابور. ينظر: الأنساب (١/ ٢٣٥)، وطبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٣١٢ رقم ٨٧)، وطبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٢٥٦ رقم ٣٥٨)، والسير (١٧/ ٣٥٣ رقم ٢٢٠).
(٣) أورد هذه المناظرة: الرازي في «تفسيره» (٢١/ ٧٣)، والسبكي في «طبقات الشافعية» (٤/ ٢٦١ - ٢٦٢)، وابن حجر - دون أن يُسمي المتناظرَيْن - في «الفتح» (١٣/ ٤٥١).
[ ١١٣ ]
معان أخرى يجري فيها التقسيم السابق
قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج]، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيد (١٦)﴾ [الحج]، ومن شواهدِ الإرادة الشرعية؛ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦].
والفرقُ بين الإرادتين: أنَّ الإرادةَ الكونية عامَّةٌ لجميع الموجوداتِ، المحبوبُ منها والمبغوضُ، وأنَّ مُتعلَّقَها لا بدَّ أن يكون، فما شاءَ اللهُ كان ولا بدَّ.
وأمَّا الإرادةُ الشرعيةُ؛ فهي مُختصَّةٌ بِمَحَابِّه ﷾، ثم مُتعلّقها قد يكونُ وقد لا يكون.
وتجتمعُ الإرادَتان: الكونيةُ والشرعية في إيمانِ المؤمن، فإيمانُ أبي بكرٍ واقعٌ بالإرادتين، وتنفردُ الإرادة الكونيةُ بكفرِ الكافر، فهو واقع بمشيئتِه وتقديره ﷾، وليس مرادًا شرعًا، وتنفردُ الإرادةُ الشرعية بإيمان الكافرِ الذي لم يحصُلْ، فهو مطلوبٌ شرعًا ولكنه لم تتعلَّقْ به المشيئةُ، فلذلك لم يحصل (^١).
وتقسيمُ الإرادةِ إلى كونيةٍ وشرعيةٍ يجري مثلُه في معانٍ متعددةٍ مضافةٍ إلى الله في القرآن؛ كالإذنِ والبعث والإرسال والقضاء والتحريم والحكم والأمر، فكلٌّ من هذه المذكورات وغيرها تنقسم إلى كونيةٍ
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة (٣/ ١٦ - ١٨)، (٣/ ١٥٦ - ١٥٨)، (٧/ ٧٢ - ٧٣)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٨٧ - ١٩٠) (١٨/ ١٣٢)، والفرقان (ص ٢٧٦ - ٢٧٨)، وشفاء العليل (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
[ ١١٤ ]
المشيئة كونية فقط ولا تنقسم إلى كونية وشرعية
وشرعيةٍ، فالإذن - مثلًا - كونيٌّ؛ كقوله تعالى في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وشرعيٌّ؛ كقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]، والبعثُ الكونيُّ؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء: ٥]، والبعثُ الشرعيُّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]، والتحريمُ الكوني؛ كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، والشرعيُّ؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهكذا بقيَّةُ المعاني، وشواهدُها في القرآن معروفةٌ (^١).
وينبغي أن يُعلَمَ أنَّ المشيئةَ لا تنقسم؛ فلا يقال: إنَّ المشيئةَ نوعان: شرعيةٌ وكونيةٌ.
بل المشيئةُ كونيةٌ فقط، وليس لمن قال: «إنَّ المشيئةَ نوعان» ما يَشهدُ لقوله، وهي عامةٌ لجميع الموجودات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
قوله: (أو يكون لأحدٍ عنه غنى):
أي: أن يستغني عنه أحدٌ، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، فلا غنًى لأحدٍ عنه سبحانه، فالعبادُ فقراءُ إليه في وجودهم، وفي بقائِهم، وفي جميع أمورهم، فالعبدُ لا يقدرُ إلَّا على ما أقدرَه اللهُ عليه، ولا يفعلُ إلا ما أعانه اللهُ عليه.
_________________
(١) ينظر: الجواب الصحيح (١/ ١٤٩ - ١٥٥)، وبيان تلبيس الجهمية (٨/ ٤٢٦ - ٤٢٩)، والتحفة العراقية (ص ٣٢٥ - ٣٣٠)، والفرقان (ص ٢٧٦ - ٢٨٦)، وشفاء العليل (٢/ ٣٧٧ - ٣٨٦).
[ ١١٥ ]
تنبيه على خطأ في ضبط «إلا» في بعض النسخ
قوله: (أو يكون خالقٌ لشيءٍ):
أي: تعالى أن يكون أحدٌ خالقًا لأيِّ شيءٍ، وهذا كلُّه ردٌّ على القدريَّةِ؛ لأنَّ القدريَّةَ النفاة يقولون: إنَّ العبادَ خالقون لأفعالهم.
قوله: (إلَّا هو ربُّ العباد، وربُّ أعمالهم):
إلا هو ﷾ ربُّ العبادِ وخالقُهم ومالكُهم والمنعِمُ عليهم، وهو ربُّ أفعالهم؛ أي: أنه خالقُ أفعالهم بمشيئتِه وقدرته، وفي بعض النسخِ بدل: «إلَّا» «ألَا»، وهو خطأ.
قوله: (والمقدرُ لحركاتهم وآجالهم):
أي: هو ﷾ المقدِّرُ الذي سبق علمُه وقدره، (لحركاتهم) أي: حركات العباد؛ وهي أفعالهم: طاعاتهم ومعاصيهم.
(وآجالهم): أي: هو المُقدِّرُ لآجالهم، فاللهُ قَدَّرَ الأقدارَ وضربَ الآجالَ، والآياتُ الدالَّة على تقديرِ الآجالِ كثيرةٌ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون (٣٤)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُون (٢)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب (٣٨)﴾ [الرعد]. فلهذه الدنيا أجلٌ محتومٌ معلوم، وإذا انتهى عمرُ الدنيا؛ قامت القيامةُ، ولكلٍّ نفسٍ أجلٌ، ولكلِّ أمَّةٍ أجلٌ.
[ ١١٦ ]
المقتول ميت بأجله
ومن فروعِ هذه المسألة: قولُ أهل السنَّة: إنَّ المقتولَ ميتٌ بأجلِه؛ خلافًا للمُعتزلةِ في قولهم: إنَّ المقتولَ مقطوع عليه أجله، ومعناه عندهم: أنَّ المقتولَ قد يكون عمره مئة سنةٍ - مثلًا - فاعتدى عليه القاتلُ فقطع عليه أجلَه، وهذا مناسبٌ لقولهم: إنَّ أفعالَ العباد لا تدخل تحت قدرة الله، وأهلُ السنَّة يقولون: بل هو ميتٌ بأجله، فاللهُ قد سبقَ عِلمُه وكتابُه بأنَّ عُمرَه كذا وأنَّه يموت بالقتل (^١).
* * * * *
_________________
(١) ينظر جواب شيخ الإسلام لأهل الرحبة ضمن: المسائل والأجوبة (ص ١١٥ - ١١٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٥١٦ - ٥١٨)، وجامع المسائل (٧/ ٣٧ - ٤٠)، وينظر: جامع الرسائل والمسائل (١/ ٩٤).
[ ١١٧ ]