(واعلمْ أنَّ خيرَ القلوبِ أَوعاها للخير، وأَرجى القلوبِ للخير ما لم يَسبقِ الشَّرُّ إليه، وأَولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أَجره الراغبون: إِيصالُ الخيرِ إلى قلوب أولادِ المؤمنين؛ ليرسخَ فيها، وتنبيهُهم على معالمِ الديانةِ، وحدودِ الشريعةِ؛ ليُراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقدَه من الدِّين قلوبُهم، وتعملَ به جوارحُهم؛ فإنَّه رُويَ أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر.
وقد مثَّلتُ لك مِنْ ذلك ما يَنتفعون - إن شاء اللهُ - بحفظه، ويَشرُفونَ بعلمه، ويسعدون باعتقاده والعملِ به.
وقد جاء أن يؤمَروا بالصلاة لِسَبع سنين، ويُضرَبوا عليها لعشرٍ، ويُفرَّقَ بينهم في المضاجع، فكذلك ينبغي أن يَعلموا ما فرضَ اللهُ على العباد من قولٍ وعملٍ قبل بُلوغهم؛ ليأتيَ عليهم البلوغُ وقد تمكَّن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسُهم، وأَنِسَتْ بما يعملون به من ذلك جوارحُهم.
وقد فرض اللهُ ﷾ على القلب عملًا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرةِ عملًا من الطاعات، وسأُفصِّلُ لك ما شرطتُ لك ذكرَه بابًا بابًا؛ ليَقربَ من فهم مُتعلِّميه - إن شاء الله تعالى -.
[ ٣٨ ]
معنى قوله: (واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير)
معنى قوله: (وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه)
وإيَّاه نستخيرُ وبه نستعينُ، ولا حول ولا قوَّةَ إلَّا بالله العليِّ العظيمِ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّدٍ نبيِّه، وآلِه وصحبِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا).
قوله: (واعلمْ أنَّ خيرَ القلوبِ أَوعاها للخير): يعني: أقبلَها للخير، وأكثرَها وعيًا وإدراكًا له.
قوله: (وأَرجى القلوبِ للخير ما لم يَسبقِ الشَّرُّ إليه): هذه لفتةٌ مهمَّةٌ من المؤلف وحكمةٌ قيّمةٌ، فأرجى القلوب إلى الخير؛ يعني: أحراها بالخير، والصلاح، وبالمعاني الجليلة، والاعتقاداتِ الصحيحةِ والأعمال الصالحة؛ هي القلوب التي لم يسبق إليها الشرُّ كتأثير الأبَوين بغرس الباطل في قلب الناشئ كما في الحديث: «فَأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه» (^١)، فإنَّ القلبَ الذي يسبق إليه الشرُّ ويدخلُه ويحلُّه؛ لا يقبل الخيرَ إذا وَردَ عليه ودُعي إليه؛ فإنَّ الشرَّ ضدُّه، والضدان لا يجتمعان، وكذلك العكس، فالقلبُ الذي يسبق إليه الخيرُ ويستقرُّ فيه فإنَّه يدفع الشرَّ إذا وَردَ عليه أو دُعي إليه، ولهذا أرشد المؤلفُ إلى المبادرة بغرس الخيرِ في قلوب الناشئةِ، والمقصود: أنَّ الإنسان الخالي قلبه عن الاعتقادات الباطلة إذا عُرِضَ عليه الخيرُ تَقَبَّلَه؛ لأنَّ هذا هو مُوجبُ الفطرةِ، يقال: فلانٌ على الفطرة، فالقلوبُ مفطورةٌ على حبِّ الخير وإيثارِ الحقِّ، لكن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٥٨) - واللفظ له -، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٩ ]
معنى قوله: (وأولى ما عني به الناصحون)
معنى قوله: (وتنبيههم على معالم الديانة، وحدود الشريعة؛ ليراضوا عليها)
إذا سبقَ إليها الشرُّ أفسدَ هذه الفطرة؛ كما قال ﷺ: «ما من مولودٍ إلا يُولد على الفطرة فَأبواهُ يُهَوِّدانهِ أَوْ يُنصِّرانه أَوْ يُمَجِّسانه».
ومن المعلوم أنَّ الإنسان الذي يولدُ بين أبوين مسلمين؛ تَقَبُّلُه للخير - إذا تفتَّحَ عقلُه - معروفٌ وظاهرٌ، لكن مَنْ يولدُ بين كافرين إذا بلغ وقد تغيَّرتْ فطرتُه، فيحتاجُ في نقلِه من يهوديَّته ونصرانيَّته إلى جهدٍ جهيدٍ، فأرجى القلوب للخير وقبوله ووعيه ما لم يسبقِ الشرُّ إليه.
قوله: (وأَولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أَجره الراغبون: إِيصالُ الخيرِ إلى قلوب أولادِ المؤمنين؛ ليرسخَ فيها):
أي: أولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أجره الراغبون إيصالُ الخيرِ إلى أولاد المسلمين؛ ليرسخَ فيها ويتمكَّنَ ويسبقَ الشرَّ؛ لتسلمَ فِطَرهم وتستقيمَ وتستنيرَ بالخير، والعلم عقولهم.
وهذا لا شكَّ أنه خير ما يُقَدَّمُ للصغار الناشئين، وهو تقديمُ العلمِ والأدب والتربية الصالحة.
وهذا الخيرُ - كما تقدَّم - شاملٌ للأمور العلميَّةِ الاعتقاديَّة، والأمورِ العمليةِ من الأقوال السديدةِ، والأعمالِ الرشيدةِ، فالخيرُ الدينيُّ شاملٌ للمسائل العلميَّة والاعتقادات الصحيحة، وللأعمال الصالحة القلبيَّة، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان.
قوله: (وتنبيهُهم على معالمِ الديانةِ، وحدودِ الشريعةِ؛ ليُراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقدَه من الدِّين قلوبُهم، وتعملَ به جوارحُهم؛ فإنَّه رُويَ
[ ٤٠ ]
أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ (^١)، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر (^٢):
_________________
(١) رواه الربيع بن حبيب في «مسنده» (٢٣) من طريق أبي عُبيدة، عن جابر بن زيد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ. والربيع بن حبيب الإباضي، مجهول ليست له ترجمة، وكذلك شيخه أبو عبيدة مسلم بن كريمة، وكتابه «المسند» هذا مشحون بالأحاديث المنكرة والباطلة، ثم هو منقطع بين أبي عبيدة وجابر بن زيد؛ لعدم الدليل على تتلمذ أبي عبيدة على جابر بن زيد. ينظر: الضعيفة (١٣/ ٦٥٩، رقم ٦٣٠٢)، ومسند الربيع بن حبيب الإباضي دراسة نقدية، لسعد آل حميد. وروي بلفظ آخر: «إن الله ﷿ لا يغضب، فإذا غضب سبَّحت الملائكة لغضبه، فإذا اطلع إلى الأرض فنظر إلى الولدان يقرؤون القرآن تملأ رضا». أورده ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٣٥٣ رقم ١٠١٨) في ترجمة عبد الله بن أيوب بن أبي علاج وقال: منكر. وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٨٢ رقم ٢٦٦) وقال: لا يصح وألفاظه منكرة. والذهبي في «الميزان» (٢/ ٣٩٤) في ترجمة المذكور (٤٢١٧) وقال: متَّهم بالوضع كذَّاب مع أنه من كبار الصالحين، ثم ذكر الحديثَ فقال عقبه: هذا كذب بيّن. ووافقه الحافظ ابن حجر في «اللسان» (٤/ ٤٣٨، ترجمة ٤١٦٧).
(٢) روي بلفظ: «مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش في الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء». وعزاه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٢٥) للطبراني في «الكبير» عن أبي الدرداء، به. وقال الهيثمي: «فيه مروان بن سالم الشامي ضعفه البخاري ومسلم وأبو حاتم». ومروان بن سالم الجزي هذا متهم؛ كما يشير إلى ذلك قول البخاري فيه: «منكر الحديث». التاريخ الكبير (رقم ١٦٠٢)، ورماه أبو عروبة الحراني والساجي بالوضع. وينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (رقم ١٢٥٥)، والمجروحين لابن حبان (٣/ ١٣)، والميزان (٤/ ٩٠، رقم ٨٤٢٥)، وتهذيب التهذيب (رقم ١٧١). وقال الألباني في الضعيفة (٦١٨): «موضوع». ورواه ابن الجوزي من طريق هناد بن إبراهيم النسفي بسنده عن بقية بن الوليد، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم العلم وهو شاب كان بمنزلة وسم في حجر، ومن تعلمه بعد كبر =
[ ٤١ ]
تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر
لا يصح حديث: «تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الله» وتوجيهه
(ليُراضوا): من الرياضة والترويض؛ يعني ليُرَوَّضُوا ويَرْتَاضُوا على هذه الأخلاقِ والآدابِ، وأداءِ هذه الواجبات، وأشارَ - بهذه المناسبة - إلى حديثين، أحدُهما ضعيفٌ، والآخرُ موضوعٌ كما نصَّ على ذلك أهلُ العلم.
وقول المؤلف: (فإنَّه رُويَ أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر): معناهما - وخصوصًا الثاني - صحيحٌ؛ فالتعليمُ والتعلُّمُ في الصِّغر أثبتُ من التعلُّم في الكبر، وهذا أمرٌ محسوسٌ ومعروفٌ من الواقع؛ لأنَّ الشابَّ مَداركُه ومَلكاتُه وذِهنُه في حال قوَّتِه، والعوائقُ والشواغلُ بعيدةٌ منه، بخلاف الكِبَر، فالكبيرُ أوَّلًا: قواهُ الذهنيّة كقواه الجسدية قد وَهنتْ وضَعُفتْ. وثانيًا: أنَّه قد امتلأَ ذِهنُه بالشواغل، والذِّهنُ - يقولون - مثلُ الإناءِ؛ إذا امتلأَ الإناءُ لا تستطيعُ أنْ تضيفَ إلى ما فيه شيئًا.
أمَّا قوله: (أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ): فهذا أيضًا لم يصحَّ حديثًا، لكن قد يُستشهدُ لمعناه بأنَّ هذا من نوع الصدقة، وفي الحديث: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ؛ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (^١). والصَّدقةُ بالعلم على الصغار وغيرهم أعظمُ من الصَّدقة بالمال.
_________________
(١) = فهو بمنزلة كتاب على ظهر الماء». ولا يصح عن رسول الله ﷺ، وهناد لا يُوثَّق، وبقية مدلس، ويروي عن الضعفاء، وأصحابه يُسَوُّون حديثه ويحذفون الضعفاء منه. ينظر: الموضوعات (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤ رقم ٤٣٥)، والضعيفة رقم (٦١٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٣٣)، والطبراني في «الكبير» (٢٠، رقم ٢٠٠) من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، به. وعاصم بن أبي النجود فيه لين، وشهر بن حوشب مختلف في توثيقه وتضعيفه، ولم يدرك معاذًا. =
[ ٤٢ ]
معنى قوله: (وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون إن شاء الله بحفظه)
قوله: (وقد مثَّلتُ لك مِنْ ذلك ما يَنتفعون - إن شاء اللهُ - بحفظه): يعني: بيَّنتُ لك ممَّا طلبتَ ممَّا يحتاجُ الولدانُ إلى تعليمِه وتلقينِه وتربيتِهم وترويضِهم عليه، مثَّلتُ لك من ذلك ما يُرجَى أنْ يَنتفعوا به ويعودَ عليهم بالخيرِ والصلاح، ويستشهد على مسيسِ الحاجة إلى تعليمِ الأولادِ أمورَ دينهم بالحديثِ المشهورِ المعروف: «مُرُوا أَولادَكم بالصَّلاة لِسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (^١).
_________________
(١) = وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٠٣) - ومن طريقه أحمد (٢٢٠١٦) -، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والنسائي في «الكبرى» (١١٣٣٠) من طريق معمر، عن عاصم، عن أبي وائل، عن معاذ، به. وأبو وائل لم يسمع معاذًا؛ كما حقَّقه ابن رجب في «جامع العلوم» (٢/ ١٣٥). ثم إن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه، وقال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب. وأخرجه البزار (٢٧ - كشف الأستار)، وابن حبان (٢١٤) من طريق علي بن الجعد، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن معاذ، به. وعبد الرحمن بن ثابت ضعيف، ومكحول لم يسمع من معاذ. وله طرق أخرى عن معاذ، قال ابن رجب: كلها ضعيفة. ينظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ١٣٥). وللحديث شاهد عن: جابر، وأنس، وصححه الألباني بمجموع طرقه. ينظر الصحيحة (٣٢٨٤)، وإرواء الغليل (٤١٣).
(٢) أخرجه أحمد (٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٩٥) و(٤٩٦)، والدارقطني (٨٨٧)، والحاكم (٧٠٨)، والبيهقي (٥١٥٧) من طرق، عن سوار بن داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به. وله طريق آخر من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه، عن جده بنحوه: أخرجه أبو داود (٤٩٤)، والترمذي (٤٠٧)، والدارقطني (٨٨٦)، والحاكم (٧٢١)، والبيهقي (٥١٥٦). قال الترمذي: «حديث حسن». وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم». وقال البيهقي في «خلافياته» (٢/ ٢٤١، رقم ١٤٦٢): «إسناده صحيح؛ فقد احتج مسلم بعبد الملك هذا عن أبيه عن جده، روى لهم في الصحيح». وللحديث شواهد أخرى لا تخلو من مقال تنظر في: نصب الراية (١/ ٢٩٦)، والبدر المنير (٣/ ٢٣٨)، والتلخيص الحبير (٢/ ٥١٣، رقم ٢٩٤)، وإرواء الغليل (١/ ٢٦٦، رقم ٢٤٧).
[ ٤٣ ]
معنى قوله: (وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع سنين)
أمر الصبيان بالصلاة ليس لوجوب الصلاة عليهم، ولكن لتعويدهم
معنى قوله ﷺ: «وفرقوا بينهم في المضاجع»
تربية نفوس الصغار على الخير أهم من تربية أبدانهم
قوله: (وقد جاء أن يؤمَروا بالصلاة لِسَبع سنين، ويُضرَبوا عليها لعشرٍ، ويُفرَّقَ بينهم في المضاجع): يشير إلى حديث: «مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عَشْر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، ومعلوم أن هذا ليس لوجوب الصلاة عليهم فإنها لا تجب إلا إذا بلغوا، ولكن لترويضهم على أداء الصلاة حتى يعتادوها فإذا بلغوا، وجرى عليهم قَلمُ التكليف؛ كانوا متهيئين لأداء الواجبات فكانت سهلة عليهم فيُؤمرونَ بها ثلاثَ سنين بدون تأديبٍ، وبالعشرِ يُضرَبون ويُؤَدَّبون؛ لأنَّ البلوغَ قد قَرُبَ، فيمكن أنْ يبلغَ الإنسانُ في الإحدى عشرة سنة، أو الاثنتي عشرة سنة، فابن عشرٍ قد شارفَ على البلوغ، ولهذا يُقال: إنَّه ناهزَ البلوغَ؛ يعني: قاربَ البلوغَ، ولهذا قال ﵊: «وفرِّقوا بينهم في المضاجع»؛ يعني: إذا تمَّ لهم عشرٌ؛ فاضربوهم لأداء الصلاة، وفرِّقوا بينهم في المضاجع؛ أي: الفُرُش، فلكلِّ ابنٍ أو بنتٍ فِراشٌ، فيُفرَّقُ بين البنين مع بعضهم، وبين البنات مع بعضهنَّ، ويُفرَّقُ بين البنين والبنات، فأمرَ ﷺ بأمرين عظيمين: الأمرُ بالصلاة والحمل عليها، وتجنيبهم دواعي الشرِّ ومداخلَ الشيطانِ.
فالمؤلفُ يستشهدُ بهذا على ورودِ الشريعةِ بتربية الصِّغارِ وتعليمهم قبلَ البلوغِ؛ ليستعدّوا وليعتادوا الخيرَ، وكما يُؤمرون بالصلاةِ يُؤمرون بالصيامِ، ولهذا كان الصحابة يأمرون أولادهم بصيام يوم عاشوراء لمَّا فُرض على الناس قبل فرض رمضان (^١)، وكذا يجب أن يُنهى الصغار
_________________
(١) أخرج البخاري (١٩٦٠) واللفظ له، ومسلم (١١٣٦) عن الربيع بنت معوذ، قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرًا، =
[ ٤٤ ]
معنى قوله: (فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد)
القول يطلق ويراد به الاعتقاد
ضرر إهمال الصبي واليتيم
عن المنكرات، ولا يُقالُ: هذا صغيرٌ، وإن كانوا لو فعلوه لم يأثموا، ولم يستوجبوا عقابًا، لكن يجبُ على الآباءِ والأمهات أن يأمروهم وينهوهم، وفي هذا تربيةٌ لنفوسهم، وهي أهمُّ من تربيةِ أبدانهم بأنواع الأغذية وأسباب الوقاية.
قوله: (فكذلك ينبغي أن يَعلموا ما فرض اللهُ على العباد من قولٍ وعملٍ قبل بُلوغهم؛ ليأتيَ عليهم البلوغُ وقد تمكَّن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسُهم، وأَنِسَتْ بما يعملون به من ذلك جوارحُهم):
(من قولٍ): يعني: اعتقادٍ، فالقولُ يُطلقُ على الاعتقادِ كما يقولُ الأئمة: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ»، قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ والجوارحِ (^١)، فهكذا ينبغي أن يتعلَّمُوا ما فرضَ اللهُ عليهم من أمرِ الديانةِ من قولٍ وعملٍ.
(قبل بُلوغهم؛ ليأتيَ عليهم البلوغُ وقد تمكَّن ذلك من قلوبهم): هذا أمْرٌ معروفٌ في التربية؛ فإهمالُ الصغير وتركُ الحبلِ على الغارب له (^٢)؛ يتصرفُ بنزواتِه ونزعاتِه وجهلِه، فهذا فيه إضرارٌ به، وجِنايةٌ من وَلِيِّه عليه، حتى ولو كان الصبيُّ يتيمًا فإنه يجب أمرُه بالصلاة وضربُه عليها،
_________________
(١) = فليتم بقية يومه ومن أصبح صائمًا، فليصم»، قالت: فكنا نصومه بعد، ونُصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار.
(٢) ينظر: (ص ١٥٨).
(٣) الغارب هو مُقدَّم السّنام في البعير، يُقَال: ألقيت حبله على غاربه إِذا تركته يذهب حَيْثُ يُرِيد، ويُضرب به المثل عند منح الحرية الكاملة، من دون قيد أو شرط. ينظر: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (١/ ٣٨٢).
[ ٤٥ ]
هل يكلف البالغ الذي ولد على الإسلام بالنطق بالشهادتين؟
معنى قوله: (وقد فرض الله ﷾ على القلب عملا من الاعتقادات)
فهذا من الإحسان إليه، وبعضُ الناس يتحرَّجُ من ضَرْبِ اليتيم، فيترك تربيتَه رحمةً به، وهذا خطأٌ؛ فإنَّ تربيتَه إحسانٌ إليه، وإهمالَه إساءةٌ إليه، فعامِلِ اليتيمَ بنحو ما تُعامل به أولادَك من وجوهِ وطرقِ التربيةِ البدنيةِ والروحيةِ، حتى إذا ارتاضَت نفوسُهم، وسكنَت جوارحُهم، وانقادَت طبائعُهم لِمَا كُلِّفُوا به؛ أدركهم البلوغُ وهم مستعدُّون لأداء ما افترضَ اللهُ عليهم، والحمدُ لله.
وهنا مسألة: الناشئُ الذي وُلد على الإسلامِ ويشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، إذا بلغَ هل يُكلَّفُ أن ينطقَ الشهادتين؟
الجواب: لا يكلَّف بذلك، فقد حصلَ منه النطقُ وللهِ الحمدُ، ويُشبِّهون هذا بمَن توضَّأ قبل دخولِ الوقت فإنَّه لا يُؤمَر بتجديده إذا دخلَ الوقتُ، فهذا قد أتى بالشهادتَين قبل التكليف، وصحَّ إسلامُه، فلا يحتاجُ إلى أن يُجدِّدَ إسلامَه إذا بلغَ؛ لأنَّه قد جاءَ بالإسلامِ وأتى بالشهادتين ونطقَ بهما قبل وجوبِهما عليه (^١).
قوله: (وقد فرض اللهُ ﷾ على القلب عملًا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرةِ عملًا من الطاعات.
وسأُفصِّلُ لك ما شرطتُ لك ذكرَه بابًا بابًا؛ ليَقربَ من فهم مُتعلِّميه - إن شاء الله تعالى -. وإيَّاه نستخيرُ وبه نستعينُ، ولا حول ولا قوَّةَ إلَّا بالله العليِّ العظيمِ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّدٍ نبيِّه، وآلِه وصحبِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا):
_________________
(١) قال شيخ الإسلام: «واتفق المسلمون على أن الصبي إذا بلغ مسلمًا، لم يجب عليه عقب بلوغه تجديد الشهادتين». درء التعارض (٨/ ٨)، وينظر: (٨/ ١١، ١٣).
[ ٤٦ ]
تفاوت متعلقات أحكام الدين وجوبا واستحبابا
اسم الدين شامل لكل ما جاء به الرسول ﷺ
بيان الرسول ﷺ لما أجمل في القرآن والسنة من العبادات
أشارَ المُصنفُ إلى تعلُّقِ أحكامِ الدين وأمورِ الديانةِ بالقلبِ، واللسانِ، والجوارحِ - كما تقدَّمَ -، وهذه المُتعلَّقاتُ منها ما هو فرضٌ، ومنها ما هو مُستحبٌّ. فأعمال القلوب - مثلًا - منها ما هو واجبٌ، ومنها ما هو مُستحبٌّ، لكن الإيمان بأصول الإيمان على سبيل الإجمال فرض عين.
فنقول: الإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكتبِه، ورسله، واليومِ الآخر، وبالقدرِ خيرِه وشرِّه، على سبيل الإجمال فرضُ عينٍ على كلِّ مُكلَّفٍ، لكنَّ معرفتَها على سبيلِ التفصيل فرضُ كفايةٍ، فكثيرٌ من المسلمين - أو أكثرُهم - لا يعرفون هذه الأصولَ تفصيلًا، إنما يعرفُ هذا أهل العلم، فإنهم يعرفُون من الإيمانِ بهذه الأصول تفصيلًا ما لا يعرفهُ العامَّةُ؛ لِعِلمهم بالكتاب والسنَّة، وهكذا أعمالُ القلوب والجوارح؛ منها ما هو فرضٌ، ومنها ما هو مُستحبٌّ.
واسمُ الدِّينِ شاملٌ لكلِّ ما جاء به الرسولُ ﷺ، والرسولُ ﵊ في حديثِ «جبريلَ» إنما ذكرَ مراتبَ الدِّينِ؛ وهي: الإسلام والإيمان والإحسان، وأصولَ كلِّ مرتبة؛ ثم قال: «فإنَّه جِبريلُ، أَتاكم يُعَلِّمُكم دِينكم» (^١)، يعني: ما بيَّنه ﷺ في تفسير الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، لكنَّ تفصيلَ هذه الأصولِ مُبيَّنةٌ في الكتاب والسنَّةِ.
فمثلًا: الصلاةُ والزكاةُ والصيامُ مُجمَلةٌ في الحديث، لكن تحتاجُ إلى تفصيل أحكامِها، فمنه ما هو مُبيَّنٌ في القرآنِ وهو قليلٌ، وأكثرُه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨ - ١) - بهذا اللفظ - من حديث ابن عمر ﵄، وأخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) عن أبي هريرة ﵁ بنحوه.
[ ٤٧ ]
بَيَّنَهُ الرسولُ بسنَّتِه القوليةِ والفعليةِ، كما قالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيتمونِي أُصلِّي» (^١)، وكذلك الحجِّ؛ قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وجملةٌ من أحكامِ الحجِّ مُبَيَّنَةٌ في القرآنِ، وأكثرُه إنما بَيَّنته السُّنةِ، فحجَّ ﵊ فعلَّم الناس المناسك، وقال: «لتأخذوا مناسِكَكُم» (^٢)، فنسألُ اللهَ البصيرةَ في الدِّين، والفقهَ فيه.
* * * * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
(٢) أخرجه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
[ ٤٨ ]