٨١ - باب: القرآن كلام اللَّه
قال أبو الفضل صالح: حدثني أبي قال: حدثنا سريج بن النعمان قال: أخبرني عبد اللَّه بن نافع قال: كان مالك يقول: كلم اللَّه موسىى ﵇. ويقول: القرآن كلام اللَّه، ويستفظع قول من يقول: القرآن مخلوق.
وقال: ويوجع ضربًا، ويحبس حتى يتوب.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٦٦.
وقال: قال أبي: بلغني أن إسماعيل ابن عُلية، دخل على محمد بن هارون وهو على سرير عَلية، فلما نظر إليه جعل يزحف على سريره، ويقول له: يا ابن الفاعلة، أنت المتكلم في القرآن.
قال: فجعل إسماعيل يقول له: جعلني اللَّه فداك يا أمير المؤمنين، زلة من عالم.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٦٧.
وقال: قال أبي: أسماع اللَّه في القرآن، والقرآن من علم اللَّه، وعلم اللَّه ليس بمخلوق، والقرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق على كل وجه، وعلى كل جهة، وعلى أي حال.
فقيل لأبي عبد اللَّه: قوم يقولون: إذا قال الرجل: كلام اللَّه ليس بمخلوق. يقولون: ما إمامك في هذا؟ ومن أين قلت: ليس بمخلوق؟
قال: الحجة قول اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] فما جاءه غير القرآن.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
قال: القرآن من علم اللَّه، وعلم اللَّه ليس بمخلوق، والقرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، ومثل هذا في القرآن كثير.
قيل له: يجزئ أن أقول هذا قول جهم، وعلى كل حال هو كلام اللَّه.
قال: نعم.
قيل له: فأحد من العلماء قال: ليس بمخلوق؟ قال: جعفر بن محمد.
قال صالح: فحدثني أبي: أملاه عليَّ من كتابه، قال: حدثنا موسى بن داود قال: حدثنا أبو عبد الرحمن بن معبد، عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلنا لجعفر: إنهم يسألونا عن القرآن أمخلوق هو؟
قال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام اللَّه.
قال أبي: وقد رأيت معبدًا، وبلغني أنه كان يفتي برأي ابن أبي ليلى (١).
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٦٩.
قال أبو داود: سمعت أحمد وذكر القرآن فقال: سمعت أبا النضر يقول: ليس بمخلوق.
وقال: سمعت أحمد يقول: قيل لي: ما تقول، أراه في شيء فيما مضى؟ قال: فقلت: لا يكون من اللَّه شيء مخلوق.
"مسائل أبى داود" (١٧٠٣ - ١٧٠٤)
قال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وهناد بن
_________________
(١) رواه البخاري في "خلق أفعال العباد" ص ٢٨ (٨٦)، وأبو داود في "مسائله" ص ٣٥٦ (١٧١٢)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ (٥٤، ٥٥)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٢٤١ - ٢٤٣، والمزي في "تهذيب الكمال" ٢٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤. وقال الألباني في "مختصر العلو" ص ١٤٨: الأثر ثابت عن جعفر بن محمد.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
السري، وعبد الأعلى بن حماد، وعبيد اللَّه بن عمر بن ميسرة، وحكيم ابن سيف الرقي، وأيوب بن محمد الرقي، وسوار بن عبد اللَّه، والربيع صاحب الشافعي، وعبد الوهاب بن الحكم، ومحمد بن الصباح بن سفيان، وعثمان بن شيبة، ومحمد بن بكار بن الريان، وأحمد بن جواس الحنفي، ووهب بن بقية، ومن لا أحصيهم من علمائنا، كل هؤلاء سمعتهم يقولون: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، وبعضهم قال: القرآن غير مخلوق.
"مسائل أبي داود" (١٧٢٠)
قال ابن هانئ: وسمعته يقول: على كل حال من الأحوال، القرآن كلام اللَّه، غير مخلوق.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٨٢)
قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: بلغ محمد ابن زبيدة أمير المؤمنين، أن إسماعيل ابن علية، يقول: القرآن مخلوق، قال: فبعث إليه، فجيء به، فلما دخل عليه فبصر به أمير المؤمنين، قال له: يا ابن الفاعلة -من البعد- أنت الذي تقول: القرآن مخلوق، أو قال: كلام اللَّه مخلوق؟
قال: فوقف إسماعيل، فجعل ينادي: يا أمير المؤمنين، جعلني اللَّه فداءك، زلَّة من عالم، يا أمير المؤمنين جعلني اللَّه فداءك، زلَّة من عالم.
قال: ثم أمر به فأخرج، وأمر ألا يحدث.
سمعت أحمد يقول: إني لأرجو أن يرحم اللَّه محمد ابن زبيدة بإنكاره على إسماعيل.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٩٢)
قال حرب بن إسماعيل: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة، أدركت أصحاب النبي -ﷺ- فمن دونهم يقولون: اللَّه الخالق وما سواه مخلوق،
[ ٣ / ٤٠١ ]
إلا القرآن فإنه كلام اللَّه منه خرج وإليه يعود (١).
قال حرب: حدثنا أحمد بن حنبل وعمرو بن العباس، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، قال: قال رسول اللَّه: "إنكم لن ترجعوا إلى اللَّه بشيء أفضل مما خرج منه" يعني: القرآن (٢).
"مسائل حرب" ص ٤٢١
قال حرب: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا أسود بن عامر، قال: ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" (٣).
_________________
(١) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧ (١٨٦٥)، والبيهقي ١٠/ ٤٣، وفي "الأسماء والصفات" (٥٣٢)، والذهبي في "العلو" ٢/ ١٠٢٠ (٣٨٢)، قال الألباني في "مختصر العلو" ص ١٦٤ (١٥٣): إسناده صحيح مسلسل بالثقات الحفاظ. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد" ص ٧ (١) من طريق الحكم بن محمد الطبري، عن سفيان، به، وجوّد الألباني إسناده.
(٢) رواه الإمام أحمد في "الزهد" ص ٤٦، والترمذي (٢٩١٢)، وأبو داود في "المراسيل" (٥٣٨)، والخلال في "السنة" ٢/ ٢٨٥ (١٩٦٠) مرسلًا. قال البخاري في "خلق أفعال العباد" (٤٥٤): هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه. وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٢٥٤٢) وانظر: "الضعيفة" (١٩٥٧). وقد روي موصولًا: رواه الحاكم ١/ ٥٥٥ والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٥٠٣) من طريق زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر الغفاري مرفوعًا به.
(٣) رواه الإمام أحمد ٣/ ٣٩٠، وأبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١) وصححه الحاكم ٢/ ٦١٣، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (١٩٤٧).
[ ٣ / ٤٠٢ ]
قال حرب: حدثنا إسحاق قال: أخبرنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: قال عمر: إن هذا القرآن كلام اللَّه، فلا (عرفتكم) (١) ما عطفتموه على أهوائكم (٢).
"مسائل حرب" ص ٤٢٢
قال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي، وسأله عبد اللَّه بن عمر -المعروف بمشكدانه- عن القرآن؟ فقال: كلام اللَّه، وليس بمخلوق.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٣٢ (٧٩)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية -يعني: ابن صالح- عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير قال: قال رسول اللَّه: "إنكم لن ترجعوا إلى اللَّه ﷿ بشيء أفضل مما خرج منه" يعني: القرآن. قال أبي: كذا قال عبد الرحمن.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٤٠ (١٠٩)، ٢/ ٤٩٧ (١١٤٣)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀: ثنا جرير، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جارًا لخباب، فخرجنا يومًا من المسجد وهو آخذ بيدي فقال: يا هناه، تقرب إلى اللَّه ما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه -يعني: القرآن (٣).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٤١ - ١٤٢ (١١١)
_________________
(١) كذا في المطبوع من المسائل، وفي "سنن الدارمي": (أعرفنكم).
(٢) رواه الدارمي في "سننه" (٣٣٩٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" ١/ ١٤٤ - ١٤٥ (١١٧ - ١١٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ١/ ٥٩١ (٥٢١).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣٦ (٣٠٠٨٩)، والآجري في "الشريعة" ص ٦٩ (١٤٨)، وصححه الحاكم ٢/ ٤٤١.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀، حدثنا أسود بن عامر، أنا أبو بكر -يعني: ابن عياش- عن الأعمش، عن الحسن قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "فضل القرآن على الكلام كفضل اللَّه ﷿ على عباده" (١).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٤٨ (١٢٤)، ٢/ ٤٩٥ (١١٣٧)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀، ثنا موسى بن داود، ثنا أبو عبد الرحمن معبد، عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لجعفر -يعني: ابن محمد: إنهم يسألون عن القرآن، مخلوق هو؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام اللَّه.
قال أبي: قد رأيت معبدًا هذا، ولم يكن به بأس. وأثنى عليه أبي وكان يفتي برأي ابن أبي ليلى (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٥١ - ١٥٢ (١٣٢)
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: بلغني عن إبراهيم بن سعد، وسعيد ابن عبد الرحمن الجمحي، ووهب بن جرير، وأبي النضر هاشم بن القاسم، وسليمان بن حرب قالوا: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٥٤ (١٣٨)
_________________
(١) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ١/ ٥٩٦ من طريق أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، به، من قول الحسن، وقد جاء موصولا بنحوه من حديث أبي سعيد الخدري، رواه الترمذي (٢٩٢٦) وغيره. وقال عنه ابن أبي حاتم في "العلل" ٢/ ٨٢: حديث منكر. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (١٣٣٥).
(٢) رواه البخاري في "خلق أفعال العباد" ص ٢٨ (٨٦)، وأبو داود في "مسائله" ص ٣٥٦ (١٧١٢)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ (٥٥ - ٥٤) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٢٤١ - ٢٤٣، والمزي في "تهذيب الكمال" ٢٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤. وقال الألباني في "مختصر العلو" ص ١٤٨: الأثر ثابت عن جعفر بن محمد.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
قال عبد اللَّه: حدثني مهنا أبو عبد اللَّه السلمي قال: سألت أحمد بن حنبل بعد ما أخرج من السجن بسنتين: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام اللَّه غير مخلوق. وقال: من روى عني غير هذا القول فهو مبطل.
قلت له: إن بعض من ذكر عنك أنك قلت له: هو كلام اللَّه لا مخلوق ولا غير مخلوق، ولكن هو كلام اللَّه، فقال أحمد: أبطل، ما قلت هذا، ولكنه هو كلام اللَّه غير مخلوق.
قال عبد اللَّه: حدثني مهنا أبو عبد اللَّه السلمي قال: سألت حارثًا البقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام اللَّه ﷿ لا أقول غير هذا.
فقلت له: إن أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل يقول: هو كلام اللَّه غير مخلوق، فقال لي: إن أبا عبد اللَّه لثقة عدل.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ٢٨٠ (٥٢٩ - ٥٣٠).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا أمية بن خالد، نا سفيان بن سعيد الثوري، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بريدة، أن أبا موسى وجد كتابًا فقال: لولا أني أخشى أن يكون فيه شيء من كتاب اللَّه لأحرقته (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٦٥ (١٠٥٧)
قال الخلال: أخبرني أحمد بن حمدويه الهمداني، قال: حدثني محمد
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة كما في "إتحاف الخيرة" ١/ ٢٤٤ (٣٦٣). قال البوصيري: هذا إسناد رجاله ثقات. وروى البزار ٨/ ١٣٤ (٣١٤٢، ٣١٤٣) عن أبي بردة قال: قال لي أبي: ما تسمع مني؟ قلت: بلى. قال: فأتني به. فقلت: أنا أكتبه. قال: فأتني به. فأتيته فمحاه ثم قال: احفظ كما حفظنا عن رسول اللَّه. قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٥١: رواه الطبراني في "الكبير" والبزار بنحوه. إلا أن البزار قال: أحفظ كما حفظنا عن رسول اللَّه. ورجاله رجال الصحيح اهـ. ورواه ابن أبي داود في "المصاحف" ص ١٩٥.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
ابن أبي عبد اللَّه الهمداني، قال: ثنا عيسى بن علي، قال: ثنا المثنى -يعني: الأنباري- قال: قال أبو الحسين -يعني: عبد الوهاب: سألني أبو طالب عمن حلف ألا يتكلم -وأكبر حفظي- بالطلاق؛ فقرأ القرآن، فقلت: لا يحنث، قال: فأخبرت أبا عبد اللَّه -يعني: أحمد بن حنبل- فأعجبه.
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: سئل أبو عبد اللَّه: ما تقول في رجل حلف ألا يتكلم فقرأ شيئا من القرآن؟ فقلت: إن عبد الوهاب قال: لا يحنث. فتبسم، وقال: عافى اللَّه عبد الوهاب.
قيل لأبي عبد اللَّه: كل ما أجاب عبد الوهاب بشيء تقول به!
قال: سبحان اللَّه! الناس يختلفون في الفقه، هو موضع.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٣ (١٨٤٩ - ١٨٥٠)
قال الخلال: وأخبرني علي بن الحسن بن هارون قال: حدثني محمد ابن أبي هارون قال: حدثني أبو بكر بن صالح قال: سمعت عبد الوهاب، وسئل عن رجل حلف ألا يتكلم، فقرأ شيئًا من القرآن؟ فقال: قال أبو عبيد: لم يحنث.
قيل لعبد الوهاب: هو كما قال؟ قال: نعم.
وذكر عبد الوهاب أن أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل قال: لا يحنث.
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: كتبت إلى أبي بكر الأثرم فكان في كتابه كلام أبي عبد اللَّه: ومن يحتج بقول أبي عبد اللَّه: من حلف بالطلاق ألا يتكلم، فقرأ أنه لا يحنث؛ لأنه لا يتكلم.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٤ (١٨٥٢ - ١٨٥٣)
قال الخلال: وسمعت عبد اللَّه بن أحمد قال: ذكر أبو بكر الأعين
[ ٣ / ٤٠٦ ]
قال: سئل أحمد بن حنبل عن تفسير قوله: القرآن كلام اللَّه، منه خرج وإليه يعود، فقال أحمد: منه خرج هو المتكلم به، وإليه يعود.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٦ (١٨٥٩).
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: ثنا أبو عبد اللَّه، قال: ثنا أسود بن عامر، قال: ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: كان النبي -ﷺ- يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه؟ ! فإن قريشًا قد منعوني أَن أبلغ كلام ربي" (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٧٩ (٩٩٥١)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر قال: ثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا يحيى بن غيلان، قال: ثنا رشدين بن سعد، قال: حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب أن عمر ﵀ قال: هذا القرآن كلام اللَّه (٢).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٨٣ (١٩٥٥)
قال الخلال: أخبرني حرب، قال: ثنا أحمد بن حنبل وبشار بن موسى، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جارًا لخباب، فقال: يا هناه، تقرب إلى اللَّه ما استطعت، فإنك لن تقرب إلى اللَّه بشيء أحب إليه من كلامه (٣).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦ (١٩٦١)
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٣/ ٣٩٠، وأبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥) وصححه، وكذلك الألباني في "الصحيحة" (١٩٤٧)، وقد تقدم تخريجه.
(٢) لم أقف عليه من هذا الطريق، لكن رواه الدارمي في "سننه" ٤/ ٢١١١ (٣٣٩٨) من طريق ليث عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء، وقد تقدم تخريجه.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣٦ (٣٠٠٨٩)، والآجري في "الشريعة" ص ٦٩ (١٤٨)، والحاكم ٢/ ٤٤١ وصححه.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
قال الخلال: قال عبد اللَّه: وحدثني أبي قال: ثنا هاشم بن القاسم قال: ثنا أبو عقيل عبد اللَّه بن عقيل الثقفي -ثقة- قال: ثنا مجالد، عن عمير بن شهر الهمداني، وكان وافد همدان إلى النبي -ﷺ- يقول: "انظروا قريشًا، اسمعوا من قولهم، ودعوا فعلهم". قال: وكنت عند النجاشي فأتاه بنون له غلمان بألواح يقرءون عليه من الإنجيل، فقرأ ابن له آية، فضحكت، فقال له النَّجاشي: أتضحك من كلام اللَّه؟
قال: لا، ولكن أضحك عجبًا مما قال غلامك (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (٢٠٠٩)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، عن أبي عبد اللَّه، عن موسى ابن داود قال: ثنا أبو عبد الرحمن معبد، عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لجعفر بن محمد: إنهم يسألوننا عن القرآن: مخلوق هو؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام اللَّه.
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٣ (٢٠٧١)
قال الخلال: وأخبرني حرب قال: ثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا يحيى ابن سعيد، عن مالك بن أنس قال: حدثني نافع قال: كان ابن عمر لا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر (٢).
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٥ (٢٠٨٠)
قال الخلال: أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني قال: قلت لإسحاق -يعني: ابن راهويه- الصبي يكتب القرآن على اللوح يمحوه بالبزاق؟ قال:
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٣/ ٤٢٨ واللفظ له، وأبو داود (٤٧٣٦)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٥٤٣)، وصححه ابن حبان (٤٥٨٥) والألباني في "الصحيحة" (١٥٧٧).
(٢) رواه عبد الرزاق ١/ ٣٣٨ (١٣١٤)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٧٨ - ٢٧٧ (٤٤) بنحوه.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
يمحوه بالماء، ولا يعجبني أن يبزق عليه. وكره أن يمحوه بالبزاق.
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٦ (٢٠٨٨)
قال حمويه بن يونس إمام مسجد جامع قزوين: حدثنا جعفر بن محمد ابن فضيل الرأسي -رأس العين- قال: حدثنا عبد اللَّه بن صالح -كاتب الليث بن سعد- قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄- في قول اللَّه ﷿: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] قال: غير مخلوق.
وقال حمويه بن يونس: بلغ أحمد بن حنبل هذا الحديث، فكتب إلى جعفر بن محمد بن فضيل يكتب إليه بإجازته، فسرَّ أحمد لهذا الحديث (١).
"الشريعة" للآجري ص ٦٩ - ٧٠ (١٥٠)
قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد اللَّه عن عباس النرسي فقلت: كان صاحب سنة، فقال: رحمه اللَّه تعالى.
قلت: بلغني عنه، قال: ما قولي: القرآن غير مخلوق إلا كقولي: لا إله إلا اللَّه، فضحك أبو عبد اللَّه وسرَّ بذلك.
قلت: يا أبا عبد اللَّه، أليس هو كما قال؟ قال: بلى، ولكن هذا الشيخ دلنا عليه لوين على شيء لم نفطن له، قوله: إن أول ما خلق اللَّه من شيء خلق القلم.
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ٢/ ٢٨٩ (٥٧ - ٥٨) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٢٤٢ (٣٥٥)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ١/ ٥٩٠ (٥١٨)، وذكره السيوطي في "الدر" ٥/ ٣٢٦ وزاد نسبته لابن مردويه.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
قلت: يا أبا عبد اللَّه، أنا سمعته يقول، قال: سبحان اللَّه! ما أحسن ما قال: كأنه كشف عن وجهي الغطاء، ورفع يده إلى وجهه.
قلت: إنه شيخ قد نشأ بالكوفة، فقال أبو عبد اللَّه: إن واحد الكوفة واحد، ثم ذكر حديث ابن عباس لكنه: أول ما خلق اللَّه من شيء خلق القلم، فقال: لم يروَ وقد كتبناه. ثم قال: نظرت فيه، فإذا قد رواه خمسة عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه (١).
"الشريعة" للآجري ص ٧٣ (١٦٧)
_________________
(١) روي من طرق بعضها موقوف وبعضها مرفوع، والموقوف على ابن عباس له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي. وسنقتصر على ذكر خمس طرق كما جاء وهي: الأولى: طريق أبي الضحى عن ابن عباس: رواه الطبري في "تفسيره" ١٢/ ١٧٥، وعبد بن حميد في "تفسيره" كما في "الدر" ٦/ ٣٨٧، والآجري في "الشريعة" ص ١٥٣ (٣٢٦) موقوفًا، ورواه الطبرانيُّ ١١/ ٤٣٣ مرفوعا. الثانية: طريق سعيد بن جبير: رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٨) وأبو يعلى ٤/ ٢١٧ (٢٣٢٩)، وأبو نعيم في "الحلية" ٨/ ١٨١، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ٢/ ٢٣٧ (٨٠٣) مرفوعًا. الثالثة: طريق أبي ظبيان: رواه الطبري في "تفسيره" ١٢/ ١٧٥، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" ٨/ ٨٠، والآجري في "الشريعة" ص ١٥٤ (٣٢٧)، والحاكم ٢/ ٤٩٨، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ٢/ ٢٣٩ (٨٠٤) موقوفا. الرابعة: طريق مقسم: رواه الدولابي في "الكنى" ٢/ ٨ (١٧٩٣)، والآجري في "الشريعة" ص ١٥٣ (٣٢٥)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب القدر ١/ ٣٤٥ (١٣٧٦) موقوفا. الخامسة: طريق مجاهد: رواه الطبري ١٢/ ١٧٨، والآجري في "الشريعة" ص ١٥٤ (٣٢٧)، وابن بطة في "الإبانة" ك القدر ١/ ٣٣٨ (١٣٧١) موقوفًا. قلت: والحديث المرفوع صححه الألباني في "ظلال الجنة"، و"السلسلة الصحيحة" (١٣٣)، وللحديث فوائد ذكرها العلامة الألباني فلينظر.
[ ٣ / ٤١٠ ]
قال أبو بكر المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: ولا نرضى أن نقول: كلام اللَّه. ونسكت حتى نقول: إنه غير مخلوق.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣١٤ (١١٥)
قال إسحاق بن أحمد الكاذي: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا أبو معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: من أخذ القرآن وهو شاب، اختلط بلحمه ودمه، وكان رفيق السفرة الكرام البررة، ومن أخذه كبيرًا وهو حريص عليه ويتفلت منه فذاك الذي له أجره مرتين (١).
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (١٧٣)
قال الحسين بن البزار: قيل لأبي عبد اللَّه: إن لوينًا قال: إن أول ما خلق اللَّه القلم؛ فأول الخلق القلم، وكلام اللَّه قبل خلق القلم، فاستحسنه أبو عبد اللَّه وقال: أبلغ منهم بما حدث.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٥ (٢١٧)
قال محمد بن سليمان الجوهري: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن محمد ابن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: عن أي باله تسأل؟
قلت: كلام اللَّه، فقال: كلام اللَّه وليس بمخلوق، ولا تحرج أن تقول ليس بمخلوق، فإن كلام اللَّه من ألله ومن ذات اللَّه، وتكلم اللَّه به، وليس من اللَّه شيء مخلوق.
قال أحمد بن الحسن الترمذي: سألت أبا عبد اللَّه، قال: قد وقع من
_________________
(١) رواه ابن عدي في "الكامل" ٦/ ٩٥ من طريق عمر بن طلحة، عن سعيد المقبري به، وقال: وعمر بن طلحة له غير ما ذكرت من الحديث وأحاديثه عن سعيد المقبري بعضه مما لا يتابعه عليه أحد. وانظر: "المقاصد الحسنة" ص ٣٤١.
[ ٣ / ٤١١ ]
أمر القرآن ما قد وقع، فإن سئلت عنه، ماذا أقول؟
قال لي: ألست أنت مخلوقًا؟ قلت: نعم.
قال: أليس كل شيء منك مخلوقًا؟ قلت: نعم.
قال: فكلامك، أليس هو منك وهو مخلوق؟ قلت: نعم.
قال: فكلام اللَّه أليس هو منه؟ قلت: نعم.
قال: فيكون شيء من اللَّه مخلوقًا؟ ! !
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٣٥ (٢٢٤ - ٢٢٥)
قال أبو بكر الأعين: سئل أحمد بن حنبل عن تفسير قوله: القرآن كلام اللَّه منه خرج وإليه يعود، قال أحمد: منه خرج وهو المتكلم به، وإليه يعود.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٣٦ (٢٢٦)
قال المروذي: رأيت أحمد بن محمد بن حنبل في النوم وعليه حلتان خضراوان، وفي رجليه نعلان شراكهما من المرجان، وعلى رأسه تاج مكلل بأنواع الجواهر، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، ما الذي فعل اللَّه بك؟
قال: غفر لي وتوجني وكساني، وقال لي: يا أبا عبد اللَّه، إنما أعطيتك هذا لمقالتك: القرآن غير مخلوق.
"شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٤٠٤ (٦٢٤)
قال أبو الحسن محمد بن إسحاق بن راهويه القاضي بمرو: سئل أبي، وأنا أسمع عن القرآن، وما حدث فيه من القول بالمخلوق؛ فقال: القرآن كلام اللَّه وعلمه ووحيه ليس بمخلوق، ولقد ذكر سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة يقولون: اللَّه الخالق وما سواه مخلوق، والقرآن كلام اللَّه منه خرج وإليه يعود.
قال أبي: وقد أدرك عمرو بن دينار أجلة أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- من
[ ٣ / ٤١٢ ]
البدريين والمهاجرين والأنصار مثل جابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير -﵃-، وأجلة التابعين رحمة اللَّه عليهم، وعلى هذا مضى صدر هذِه الأمة لم يختلفوا في ذلك.
"الأسماء والصفات" للبيهقى ١/ ٥٩٨ (٥٣٢)
قال أبو عبد اللَّه السجزي: أتيت إلى باب المعتصم: إلى أن قال: قال: يحضر أحمد بن حنبل، فأحضرني فلما وقفت بين يديه وسلم عليه قال: يا أحمد، تكلم ولا تخف، فقال له أحمد: لا، واللَّه لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال ذرة من الفزع، فقال: ما تقول في القرآن؟
فقال: كلام اللَّه قديم غير مخلوق.
"المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" ص ٤٧
قال أعين بن زيد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: القرآن كلام اللَّه، غير مخلوق.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٣١٧
قال ابن أبان القرشي: سألتُ أبا عبد اللَّه عن القرآن؛ فقال: كلام اللَّه ﷿ وليس بمخلوق.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ١٤١
قال ابن وارة: سألتُ أحمد عن القرآن، فقال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق حيثما تصرف.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٣٧٠
قال أبو موسى العكبري: سألت أحمد لما قدم عُكْبُرا في خان مليح، قلت: يا أبا عبد اللَّه، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود؟ قال: منه بدأ علمه، وإليه يعود حكمه.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٥١٧ - ٥١٨
[ ٣ / ٤١٣ ]
٨٢ - باب: القرآن يحفظ في قلوب الرجال
قال الفضل بن زياد: قلت لأبي عبد اللَّه: إن ابن عم لي قدم من طرسوس فأخبرني عنهم أنهم يحبون أن يعلموا رأيك في الذي تكلم به موسى بن عقبة.
فقال: قد كنت تكلمت بكلام فيه.
قلت: إنهم يريدون منك حركة في أمره.
فقال: قد أخرجت فيه أحاديث، وادفع إليَّ كاغدًا حتى أخرجها إليك. فقام فأخرجت كتابًا فدفعه إليَّ، فقال: اقرأ عليَّ. فقرأت الأحاديث، ودفع إليَّ طبق كاغد من عنده، فقال: انسخه. فنسخته، وعارضت به، وصححته.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٥٧ (١٦٥)
قال الفضل بن زياد: قرأت على أحمد: هاشم بن القاسم قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية -أو غيره- عن أبي هريرة في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، فذكر الحديث، أعني: حديث الإسراء، حتى بلغ إلى قوله: "وجعلت من أمتك قومًا قلوبهم أناجيلهم".
قال أحمد: هذا أردت: "وجعلتك أول النبيين خلقًا، وآخرهم بعثًا، وأولهم مقضيًّا له. . "، فذكر الحديث (١).
قال -يعني: الفضل: قال لي أحمد: أوليس أول النبيين خلقًا -يعني: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فبدأ به؟ !
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" ٨/ ٧ (٢٢٠٢١) من طريق أبي جعفر الرازي به.
[ ٣ / ٤١٤ ]
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي قال: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا شيبان، عن قتادة قال: حدثنا رجل من أهل العلم أن نبي اللَّه موسى ﵇ قال لما أخذ الألواح، قال: رب أجد في الألواح أمة، أناجيلهم في قلوبهم يقرءونها.
قال قتادة: وكان من قبلكم إنما يقرءون كتابهم نظرًا، فإذا رفعه من بين يديه لم يحفظه، ولم يعه، وإن اللَّه أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا قبلكم.
قال: رب، فاجلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد (١).
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٦٦ - ٣٦٩ (١٧٧ - ١٧٨)
_________________
(١) عزاه في "الدر المنثور" ٣/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
[ ٣ / ٤١٥ ]
٨٣ - باب: النهي عن المراء في القرآن
قال حرب بن إسماعيل: قال إسحاق: فالأشياء عند اللَّه على معنى إرادته وحكمه، وأظهر للعباد من العلم ما يكتفون به، فينبغي الانتهاء إلى ما علمنا وحد لنا؛ حتى نصيب سبيلًا في التفكر في خلق اللَّه، مشغلة عن التفكر فيما لم نؤمر به.
قال أبو يعقوب: وكيف يستوسع من يدعي العلم الخوض في الأشياء المنهي عنها، قال اللَّه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] فكيف يجوز لخلق أن يخوض في التسبيح من الشجب (١) والأشياء المعمولة، فيخوضوا كيف تسبح القصاع والأجوبة [. . .] (٢) المجنون، الثياب المنسوجة، وكل هذا قد صح فيه العلم أنهم يسبحون؛ فذلك إلى اللَّه أن يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا، ولا يتكلموا بشيء في هذا وشبهه إلا بما أمر اللَّه، ولا يزيدون على ذلك، واللَّه الموفق، وعليه التوكل، فاتقوا اللَّه، ولا تخوضوا في هذِه الأشياء المتشابهة؛ فإنه يردكم الخوض فيه عن سنن الحق.
"مسائل حرب" ص ٤٢٧ - ٤٢٨
قال عبد اللَّه: قثنا أبي، قثنا مكي بن إبراهيم، قثنا الجُعَيد بن عبد الرحمن، عن يزيد بن خُصَيْفة، عن السائب بن يزيد، أنه قال: أُتي
_________________
(١) قال في "القاموس" ص ١٢٧: الشَّجْب: الحاجة، والهم، وعمود من عمد البيت، وسقاء يابس يحرك فيه الحصى تذعر بذلك الإبل، وأبو قبيلة، والطويل، وسقاء يقطع نصفه فيتخذ أسفله دلوا.
(٢) كذا بالمطبوع، لعدم وضوحها بالمخطوط. و(الأجوبة) وقعت بالمطبوع: الأحوته.
[ ٣ / ٤١٦ ]
إلى عمر بن الخطاب فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلًا يسأل عن تأويل القرآن فقال: اللهم أمكني منه. قال: فبينا عمر ذات يوم جالس يُغَدي الناس إذ جاءه وعليه ثياب وعمامة فغداه ثم إذا فرغ، قال: يا أمير المؤمنين ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾ [الذاريات: ١، ٢] قال عمر: أنت هو؟ فمال إليه وحَسَرَ عن ذِراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، ثم قال: واحملوه حتى تُقدموه بلاده، ثم ليقم خطيبًا ثم ليقل: أن صَبِيْغًا ابتغى العلم فأخطأ. فلم يزل وَضيعًا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه (١).
"فضائل الصحابة" ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥
قال الخلال: قال المروذي: حدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا يزيد قال: ثنا محمد -يعني: ابن عمرو- عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: "مراء في القرآن كفر" (٢).
_________________
(١) رواه الآجري في "الشريعة" ص ٦٥ بسنده عن سليمان بن يسار، ثم قال: فإن قال قائل: فمن سأل عن تفسير ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾ استحق الضرب، والتنكيل به والهجرة؟ قيل له: لم يكن ضرب عمر -﵁- له بسبب هذه المسألة، ولكن لما بلغ عمر -﵁- ما كان يسأل عنه من متشابه القرآن من قبل أن يراه علم أنه مفتون، قد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه، وعلم أن اشتغاله بطلب علم الواجبات من علم الحلال والحرام أولى به، وتطلب علم سنن رسول اللَّه -ﷺ- أولى به، فلما علم أنه مقبل على ما لا ينفعه سأل عمر -﵁- ربه أن يمكنه منه حتى ينكل به، وحتى يحذر غيره؛ لأنه راع يجب عليه تفقد رعيته في هذا وفي غيره، فأمكن اللَّه منه. اهـ. وسيأتي تخريجه.
(٢) رواه الإمام أحمد ٢/ ٥٠٣، وأبو داود (٤٦٥٣) من طريق أحمد، به. وصححه ابن حبان ٤/ ٣٢٤ (١٤٦٤)، والحاكم ٢/ ٢٢٣، ورواه البيهقي في "الشعب" ٢/ ٤١٦ (٢٢٥٥)، ثلاثتهم من طريق محمد بن عمرو به. وصححه الألباني في "المشكاة" (٢٣٦)، و"الترغيب" (١٤٣).
[ ٣ / ٤١٧ ]
قال المروذي: حدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا حماد بن أسامة قال: ثنا محمد بن عمرو الليثي قال: ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: مراء في القرآن كفر (١).
"السنة" للخلال ٢/ ١٠٨ - ١٠٩ (١٤٣٣ - ١٤٣٤)
قال الخلال: قال أبو بكر المروذي: قال أبو عبد اللَّه: ثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي قال: ثنا سليمان بن بلال قال: حدثني يزيد ابن خصيفة قال: أخبرني بسر بن سعيد، قال: أخبرني أبو جهيم أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول اللَّه. وقال الآخر: تلقيتها من رسول اللَّه -ﷺ-. فسألا النبي -ﷺ- عنها، فقال: "إِنَّ القُرْآنَ يقرأ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَا تَمَارَوْا فِي القرآن، فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ" (٢).
"السنة" للخلال ٢/ ١٠٩ (١٤٣٥)، ٢/ ٢٨٨ (١٩٦٩)
قال الخلال: وأخبرني أحمد بن محمد بن مطر قال: ثنا أبو طالب أنه سأل أبا عبد اللَّه عن رجل حلف ألا يتكلم يومًا إلى الليل، فقرأ القرآن.
قلت: بلغني عن أبي عبيد يحنث. قال: من أبو عبيد؟
قلت: المحدث، ما تقول أنت؟ قال: ما أحب أن أتكلم في هذِه المسألة، ولا تجب من سألك عنها، ولا تكلمه.
قلت: عبد الوهاب أخبرني أن له جارًا كان يقول: إن من حلف ألا يتكلم، ثم قرأ القرآن وهو يصلي، لم يحنث، وإن كان قرأ في غير الصلاة حنث. قال: إن قرأ القرآن في الصلاة وغير الصلاة لا يحنث.
_________________
(١) لم أجده موقوفًا، وانظر السابق.
(٢) رواه الإمام أحمد ٤/ ١٦٩، والطبري ١/ ٤١ (٤١)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٥٢٢) و"صحيح الجامع" (٤٤٤٤).
[ ٣ / ٤١٨ ]
فقلت لأبي عبد اللَّه: سألتك فسكت، ولم تخبرني! فتبسم، وقال: ما أحب أن أتكلم في الشيء الذي لم يتكلم فيه، فأكره أن أبتدعه.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤ (١٨٥١)
قال الخلال: أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل قال: حدثني أبي حنبل قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: قال اللَّه في كتابه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فجبريل سمعه من اللَّه، وسمعه النبي من جبريل ﵉، وسمعه أصحاب النبي من النبي ﵇، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ولا نشك ولا نرتاب فيه، وأسماء اللَّه في القرآن وصفاته في القرآن من علم اللَّه وصفاته منه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فقد كنا نهاب الكلام في هذا حتى أحدث هؤلاء ما أحدثوا، وقالوا ما قالوا، دعوا الناس إلى ما دعوهم إليه، فبان لنا أمرهم وهو الكفر باللَّه العظيم.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لم يزل اللَّه عالمًا متكلمًا، نعبد اللَّه بصفاته غير محدودة، ولا معلومة إلا بما وصف بها نفسه، سميع عليم، غفور رحيم، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذِه صفات اللَّه ﵎ وصف بها نفسه، ولا تدفع ولا ترد، وهو عنى العرش بلا حد كما قال، استوى على العرش كيف شاء، والمشيئة إليه والاستطاعة له. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لا يبلغ وصفه الواصفون، وهو كما وصف به نفسه، نؤمن بالقرآن محكمه ومتشابهه، كل من عند ربنا، قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا﴾ [الأنعام: ٦٨] فنترك الجدال والمراء في القرآن، ولا نجادل
[ ٣ / ٤١٩ ]
ولا نماري فيه، ونؤمن به كله، ونرده إلى عالمه إلى اللَّه ﵎؟ فهو أعلم به، منه بدأ، وإليه يعود.
قال أبو عبد اللَّه: وقال لي عبد الرحمن بن إسحاق: كان اللَّه ولا قرآن. فقلت له مجيبًا: كان اللَّه ولا علم؟ فالعلم من اللَّه وله، وعلم اللَّه منه، والعلم غير مخلوق، فمن قال: إنه مخلوق فقد كفر باللَّه، وزعم أن اللَّه مخلوق، فهذا الكفر الصراح (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦ (١٨٥٨)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: أنبا أبو عبد اللَّه قال: ثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي قال: ثنا سليمان بن بلال قال: حدثني يزيد بن خصيفة قال: أخبرني بشر بن سعيد قال: أخبرني أبو جهيم أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول اللَّه. وقال الآخر: تلقيتها من رسول اللَّه. فسألا النبي -ﷺ-، فقال: "إن القرآن يقرأ على سبعة أحرف، لا تماروا في القرآن، فإن مراءً فيه كفر" (٢).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٨٨ (١٩٦٩)
قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق بكل جهة وعلى كل تصريف، وليس من اللَّه شيء مخلوق ولا يخاصم في هذا ولا يتكلم، ولا أرى المراء ولا الجدال فيه.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٣٦ (٢٢٧)
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ٢/ ٣٢ - ٣٤ (٢٢٣).
(٢) رواه الإمام أحمد ٤/ ١٦٩، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" ص ٣٣٧، والطبري في "تفسيره" ١/ ٤١ (٤٠). قال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٥١: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. قلت: وهو في البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨) من حديث عمر بن الخطاب بلفظ "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف".
[ ٣ / ٤٢٠ ]
باب المحنة
٨٤ - فصل: مبشرات المحنة (١)
قال علي بن عبد العزيز الطلحي: قال لي الربيع: قال لي الشافعي: يا ربيع خذ كتابي وامض به وسلمه إلى أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل وَأْتِني بالجواب.
قال الربيع: فدخلتُ بغداد ومعي الكتاب، ولقيت أحمد بن حنبل صلاة الصبح فصليت معه الفجر فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب، وقلت له: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر.
فقال أحمد: نظرتَ فيه؟ قلت: لا.
وكسر أحمد الخاتم وقرأ الكتاب فتغرغرت عيناه بالدموع.
فقلت له: أي شيء فيه يا أبا عبد اللَّه؟
فقال: يذكر أنه رأى النبي -ﷺ- في المنام فقال له: اكتب إلى أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام، وقل: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن، فلا تجبهم يرفع اللَّه لك علمًا إلى يوم القيامة.
قال الربيع: فقلت: البشارة. فخلع قميصه الذي يلي جلده فدفعه إليَّ، فأخذته وخرجت إلى مصر، وأخذت جواب الكتاب وسلمته إلى الشافعي. فقال لي: يا ربيع أي شيء الذي دفع إليك؟
قلت: القميص الذي يلي جلده.
فقال لي الشافعي: ليس نفجعك به، ولكن بله وادفع إلينا الماء حتى
_________________
(١) وانظر لهذا الفصل وما بعده ما تقدم في هذا الموضوع في قسم ترجمة الإمام أحمد.
[ ٣ / ٤٢١ ]
أشركك فيه (١).
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٥٥١
قال محمد بن ناصر: أنبأنا الحسن بن أحمد بن البناء، قال: أنا
_________________
(١) قال الإمام الذهبي في "السير" عند ترجمة الربيع بن سليمان: ولم يكن صاحب رحلة، فأما ما يُروى أنَّ الشافعي بعثه إلى بغداد بكتابه إلى أحمد بن حنبل؛ فغير صحيح "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٥٨٧. قال الشيخ سليمان بن عبد اللَّه: ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم، ونحو ذلك، وقد أكثر من ذلك أبو زكريا النووي في "شرح مسلم" في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئًا من ذلك مع النبي -ﷺ- وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي -ﷺ- وهذا خطأ صريح لوجوه: منها: عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي -ﷺ- في الفضل والبركة. ومنها: عدم تحقق الصلاح؛ فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص كالصحابة الذين أثنى اللَّه عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح، وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون، ونرجو لهم. ومنها: أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره. ومنها: أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي -ﷺ- بالجنة، وكذلك التابعون هلا فعلوا مع سعيد بن المسيب وعلى بن الحسين وأويس القرني والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص بالنبي -ﷺ-. ومنها: أن فعل هذا مع غيره ﷺ لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه، فيورثه العجب والكبر والرياء فيكون هذا كالمدح في الوجه، بل أعظم. اهـ "تيسير العزيز الحميد" ص ١٥٣ - ١٥٤.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
أبو محمد الحسن بن محمد الحافظ، قال: ثنا عبد الواحد بن على بن الحسين الفامي قال: ثنا أبو الحسن علي بن موسى بن عيسى البزاز قال: حدثني أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي قال: كنت يومًا قاعدا على قنطرة التبانين، فإذا أنا برجلين يقدمان رجلًا بدويا على قعود له، إذ وقفوا علي وقالوا: هو ذا، هو جالس، فقال لي البدوي: أنت أحمد بن حنبل؟
فقلت له: لا، أنا صاحبه، أذكر حاجتك، فقال: أريده.
قلت: أدلك عليه؟ قال: إي واللَّه.
فمضيت بين يديه حتى أتيت باب أبي عبد اللَّه، فدققت الباب فقالوا: من هذا؟ فقلت: أنا المروذي، قالوا: ادخل.
قلت: أنا ومن معي؟
قالوا: أنت ومن معك، فأناخ الأعرابي ناقته وعقلها، ودخلت ودخل معي، فلما رأى أبا عبد اللَّه، قال الأعرابي: إي واللَّه، ثلاث مرات! فسلم عليه، فقال له: ما حاجتك؟
فقال: أنا رسول رسول اللَّه إليك. قال: ويحك ما تقول؟
قال: إني رجل بدوي بين حيي والمدينة أربعون ميلًا، أوفدني أهلي المدينة أمتار لهم برًّا وتمرًّا، فأتيت المدينة فابتعت ما عهدوا إلي من ذلك، وجنَّني المساء، فصليت في مسجد النبي -ﷺ- عشاء الآخرة، واضطجعت، فبينا أنا نائم إذ أتاني محرك فحركني، وقال لي: أتمضي لرسول اللَّه في حاجة؟
فقلت: إي واللَّه، فقبض بيده اليمنى على ساعدي اليسرى وأتى بي حائط قبر النبي -ﷺ-، فوقفنى عند رأسه، فقال: يا رسول اللَّه، فسمعت
[ ٣ / ٤٢٣ ]
من وراء الحائط قائلا يقول: أتمضي لنا في حاجة؟
فقلت: إي واللَّه، إي واللَّه، إي واللَّه، ثلاثًا.
فقال: تمضي حتى تأتي بغداد، أو الزوراء -الشك من المروذي- فإذا أتيت بغداد فسل عن منزل أحمد بن حنبل، فإذا لقيته فقل: النبي يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن اللَّه مبتليك ببلية. وممتحنك بمحنة، وقد سألته لك الصبر عليها، فلا تجزع.
قال المروذي: وكان إذا قال له رجل: (وحملك) (١) يا أبا عبد اللَّه في السوط؟ يقول: قد تقدمت المسألة.
قال أبو بكر: وكان بين منصرف الأعرابي وبين المحنة خمسة وعشرون يومًا.
"مناقب الإمام أحمد" ص ٥٥٨ - ٥٥٩
قال أبو القاسم عبيد اللَّه بن القاسم: سمعت أحمد بن محمد المروذي يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: خرجت مع أحمد بن حنبل في آخر حجته التي حج فيها، فلما أن صرنا على عقبة المدينة فإذا نحن بشيخ يحمل في محفة، وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر قد شدها بعصابة، وإذا حوله مشيخة وشباب، وقائل يقول: أيكم أحمد بن حنبل؟ فأومأ الناس بأيديهم إلى أحمد، فأقبل الرجل حتى وقف بين يديه، فقال: أنت أحمد بن محمد بن حنبل؟ قال له: كذلك تزعم أمي.
قال له: أتعرفني؟ قال: اللهم لا.
قال: أنا من ولد عبيد اللَّه بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رأيت البارحة النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر
_________________
(١) كذا بالمطبوع.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
في المنام، وكانوا قد عبروا على جسر بغداد، فسقط رداء رسول اللَّه -ﷺ- عن شقه الأيمن، فأقبلت أنت يا أحمد فشلت الرداء حتى وضعته على كتف رسول اللَّه -ﷺ-، فالتفت إليك النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر -﵄- وقالوا لك: أبشر، فإنك غدا رفيقنا في الجنة.
فقال شيخ ممن حضر في ذلك مع أحمد بن حنبل: إن الرداء الذي رده أحمد على كتف رسول اللَّه -ﷺ- سنة رسول اللَّه -ﷺ-، يردها أحمد على الناس.
قال: فكان أحمد إذا ذكر هذا الحديث نكت بإصبعه الأرض، ثم قال: وددت لو أن الجبل ساخ بي -أو سار بي- ولم أسمع من هذا الكلام.
كل ذلك لئلا يتكل أحمد على شيء من القول.
"محنة الإمام أحمد" لعبد الغني المقدسي ص ٣٣ - ٣٤
[ ٣ / ٤٢٥ ]
٨٥ - فصل: محنة الإمام مع المأمون
قال صالح: سمعت أبي يقول: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة، فقرئ عليه كتاب الذي كان إلى طرسوس، فكان فيما قرئ علينا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، و﴿هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فقال أبي: فقلت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فقال بعض من حضر: سله ما أراد بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؟
فقال أبي: فقلت: هو كما قال ﵎.
قال صالح: ثم امتحن القوم، فوجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعا غير أربعة: أبي ﵀، ومحمد بن نوح، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سَجَّادة.
ثم أجاب عبيد اللَّه بن عمر، والحسن بن حماد، وبقي أبي، ومحمد بن نوح في الحبس، فمكثا أيامًا في الحبس، ثم ورد كتاب من طرسوس بحملهما، فحمل أبي ومحمد بن نوح رحمة اللَّه عليهما مقيدين زميلين، أخرجا من بغداد فصرنا معهما إلى الأنبار.
فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، إن عرضت على السيف تجيب؟ فقال: لا.
قال أبي: فانطلق بنا حتى دخلنا في الرحبة، فلما دخلنا منها وذلك في جوف الليل، وخرجنا من الرحبة عرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ .
فقيل له: هذا، فسلم على أبي ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا. ثم سلم وانصرف.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
فقلت: من هذا؟
فقيل: هذا رجل من ربيعة العرب، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر.
فلما صرنا إلى أَذِنَة (١)، ورحلنا منها، وذلك في جوف الليل، فتح لنا بابها، لقينا رجل ونحن خارجون من الباب وهو داخل، فقال: البشرى فقد مات الرجل.
قال أبي: وكنت أدعو اللَّه أني لا أراه.
فحدثني أبي قال: حدثنا معمر بن سليمان، عن مرار بن سلمان، عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن: لا تدخل على السلطان وإن قلت: آمره بطاعة اللَّه. ولا تدخلن على امرأة وإن قلت: أعلمها كتاب اللَّه. ولا تصغين سمعك لذي هوى، فإنك لا تدري ما يعلق قلبك منه (٢).
قال صالح: فصار أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس، وجاء نعي المأمون من البذَنْدُون (٣)، فردا في أقيادهما إلى الرقة، وأخرجا من الرقة في سفينة مع قوم محبسين، فلما صارا بعانة توفي محمد بن نوح، وتقدم أبي فصلى عليه، ثم صار إلى بغداد وهو مقيد، فمكث بالياسرية أياما، ثم صير إلى الحبس في دار اكتريت عند دار عمارة.
_________________
(١) قال ياقوت: بفتح أوله وثانيه ونون بوزن حَسَنَة، وأذِنة بكسر الذال بوزن خَشِنَة، قال السكونى: بحذاء توز جبل يقال له الغمر شرقي توز. "معجم البلدان" ١/ ١٣٢.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٨٤ - ٨٥ من طريق الإمام به.
(٣) قال في "معجم البلدان" ١/ ٣٦١: بفتحتين وسكون النون ودال معجمة وواو ساكنة ونون، قرية بينها وبين طرسوس يوم من بلاد الثغر، ومات بها المأمون.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية، فمكث في السجن منذ أخذ، وحمل إلى بغداد ضربًا، وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا.
قال أبي: فكنت أصلي بهم، وأنا مقيد.
فقال أبي: إذا كان القيد لا يحجزه عن تمام الصلاة فلا بأس.
وكنت أرى فوران يحمل له في دورق ماءً باردًا فيذهب به إلى السجن.
"سيرة الإمام أحمد" لابنه صالح ص ٤٨ - ٥٠
قال الحسين بن محمد: ثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل، حدثني أبو عبد اللَّه السلال، قال: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن نوح قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إن رأيتني ضعفت أو خذلت فلا تضعف، فلست أنت كأنا.
فقال لي: أبشر فإنك على إحدى ثلاث: إما ألا تراه ولا يراك، وإما رأيته فكذبته فقتلك فكنت من أفضل الشهداء، وإما رأيته فصدقته فحال اللَّه بينك وبينه.
أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر وحدثني عنه الحسين بن محمد، ثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد اللَّه قال: قال أحمد بن غسان: حملت أنا وأحمد بن حنبل في محمل على جمل يراد بنا المأمون، فلما صرنا قريب عانة قال لي أحمد: قلبي يحس أن رجاء الحصار يأتي في هذِه الليلة، فإن أتى وأنا نائم فأيقظني وإن أتى وأنت نائم أيقظتك. فبينا نحن نسير إذا قرع المحمل قارع، فأشرف أحمد، فإذا برجل يعرفه بالصفة وكان لا يأوي المدائن والقرى، وعليه عباءة قد شدها على عنقه، فقال: يا أبا عبد اللَّه إن اللَّه قد رضيك له وافدًا، فانظر لا يكون وفودك على المسلمين وفودًا مشئومًا، واعلم أن الناس إنما ينتظرونك؛ لأن تقول فيقولوا، واعلم أنما هو الموت والجنة.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
فلما أشرفنا على البذندون، قال لي: يا أحمد بن غسان إني موصيك بوصية فاحفظها عني، راقب اللَّه في السراء والضراء، واشكره على الشدة والرخاء، وإن دعانا هذا الرجل أن نقول: القرآن مخلوق. فلا تقل، وإن أنا قلت فلا تركن إلي، وتأول قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] فتعجبت من حداثة سنه وثبات قلبه، فلم يكن بأسرع أن خرج خادم وهو يمسح عن وجهه بكمه وهو يقول: عز علي يا أبا عبد اللَّه أن جرد أمير المؤمنين سيفًا لم يجرده قط، وبسط نطعًا لم يبسطه قط، ثم قال: وقرابتي من رسول اللَّه -ﷺ- لا رفعت عن أحمد وصاحبه حتى يقولا: القرآن مخلوق. قال: فنظرت إلى أحمد وقد برك على ركبتيه ولحظ السماء بعينيه، ثم قال: سيدي غر هذا الفاجر حلمُك حتى يتجرأ على أوليائك بالقتل والضرب، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته.
قال: فواللَّه ما مضى الثلث الأول من الليل إلا ونحن بصيحة وضجة، وإذا رجاء الحصار قد أقبل علينا فقال: صدقت يا أبا عبد اللَّه، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، قد مات واللَّه أمير المؤمنين.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٩٤ - ١٩٥
قال الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق: ثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه، وقلة علمه، أقوم بأمر اللَّه من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون اللَّه قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم وأنا معه خلوين: يا أبا عبد اللَّه، اللَّه اللَّه، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، وقد مد هذا الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق اللَّه واثبت لأمر اللَّه. أو نحو هذا الكلام.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
قال أبو عبد اللَّه: فعجبت من تقويته لي، وموعظته إياي.
قال أبو عبد اللَّه: انظر بما ختم له! فلم يزل ابن نوح كذلك وحتى مرض صار إلى بعض الطريق فمات.
قال عبد اللَّه: فصليت عليه ودفنته -أظنه قال: بعانة.
قال الخطيب: وكانت وفاته سنة ثمان عشرة ومائتين (١).
"تاريخ بغداد" ٣/ ٣٢٣
قال الخطيب البغدادي: أخبرني الحسن بن علي التميمي قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا أحمد بن محمد بن مسعدة الأصبهاني، حدثنا أبو يحيى مكي بن عبد اللَّه بن يوسف الثقفي، حدثنا أبو بكر الأعين قال: أتيت لآدم العسقلاني فقلت له: عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث يقرئك السلام.
قال: لا تقرئه مني السلام، فقلت له: لم؟
قال: لأنه قال: القرآن مخلوق.
قال: فأخبرته بعذره، وأنه أظهر الندامة، وأخبر الناس بالرجوع.
قال: فأقرئه السلام.
فقلت له بعد: إني أريد أن أخرج إلى بغداد، أفلك حاجة؟
قال: نعم، إذا أتيت بغداد فأْتِ أحمد بن حنبل فأقرئه مني السلام، وقل له: يا هذا، اتق اللَّه وتقرب إلى اللَّه بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك إن شاء اللَّه مشرف على الجنة، وقل له: حدثنا الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
_________________
(١) رواها ابن الجوزي في "المناقب" ص ٣٩٣.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من أرادكم على معصية اللَّه فلا تطيعوه" (١).
فأتيت أحمد بن حنبل في السجن فدخلت عليه، فسلمت عليه وأقرأته السلام، وقلت له هذا الكلام والحديث، فأطرق أحمد إطراقة ثم رفع رأسه فقال: ﵀ حيًّا وميتًا، فلقد أحسن النصيحة.
"تاريخ بغداد" ٧/ ٢٨ - ٢٩
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ثنا أبي قال: ثنا أحمد بن أبي الحواري عن بعض أصحابه قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة كانت أوقع في قلبي من كلمة سمعتها من أعرابي في رحبة طوق، قال لي: يا أحمد، إن قتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا.
قال ابن أبي حاتم: قال أبي: فكان كما قال، لقد رفع اللَّه ﷿ شأن أحمد بن حنبل بعد ما امتحن، وعظم عند الناس وارتفع أمره جدًا.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٠
قال ابن الجوزي: أخبرنا محمد بن ناصر قال: أنبأنا أحمد بن أبي سعد النيسابوري قال: سمعت عبد اللَّه بن يوسف يقول: سمعت أبا العباس الأصم يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سمعت أبا جعفر الأنباري يقول: لما حمل أحمد بن حنبل إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر، تعنيت؟
_________________
(١) رواه المزي في "تهذيب الكمال" ٢/ ٣٠٦ من طريق الخطيب، وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمر، رواه البخاري (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٣٩) بلفظ "فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
[ ٣ / ٤٣١ ]
فقلت: ليس هذا عناء، وقلت له: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فواللَّه لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق كثير من خلق اللَّه، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت، ولا بدَّ من الموت، فاتق اللَّه ولا تجبهم إلى شيء.
فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء اللَّه، ما شاء اللَّه.
ثم قال لي أحمد: يا أبا جعفر، أعد علي ما قلت، فأعدت عليه، فجعل يقول: ما شاء اللَّه، ما شاء اللَّه.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩١
قال أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن علي البخاري: سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: دعوت ربي ثلاث دعوات، فتبينت الإجابة في ثنتين، دعوته ألا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته ألا أرى المتوكل، فلم أر المأمون، مات بالبذندون -وهو نهر الروم- وأحمد محبوس بالرقة، حتى بويع المعتصم بالروم، ورجع فرد أحمد إلى بغداد سنة ثمان عشرة ومائتين، والمعتصم امتحنه.
فأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده، قعد له المتوكل في خوخة، حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٢
قال ابن الجوزي: أخبرني أبو العباس -وكان من حفاظ أهل الحديث- أنهم دخلوا على أحمد بالرقة وهو محبوس، فجعلوا يذاكرونه ما يروى في التقية من الأحاديث.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
فقال أحمد: وكيف تصنعون بحديث خباب: "إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه" (١).
قال: فيئسنا منه.
فقال أحمد: لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلا بالسيف، إنما أخاف فتنة بالسوط، وأخاف ألا أصبر.
فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك فقال: لا عليك يا أبا عبد اللَّه، فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي. فكأنه سري عنه، ورد من الرقة وحبس.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٤
قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل، وذكر الذين حملوا إلى الرقة إلى المأمون وأجابوا، فذكرهم أبو عبد اللَّه بعد ذلك فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا للَّه لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل -يعني: المأمون- ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم.
وكان أبو عبد اللَّه إذا ذكرهم اغتم لذلك ويقول: هم أول من ثلم هذِه الثلمة وأفسد هذا الأمر.
قال أبو علي حنبل: وكان أول من حمل للمحنة هؤلاء السبعة، جاء كتاب المأمون في أمرهم أن يحملوا إليه ولم يمتحنوا هاهنا، وإنما أخرجهم إليه فأجابوه بالرَّقة، وكانوا: يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقَي، وإسماعيل الجوزي،
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ١٠٩، والبخاري (٣٦١٢).
[ ٣ / ٤٣٣ ]
ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس المستملي، وابن أبي مسعود.
فحضرتهم حين أخرجوا إلى الرقة في الخان بباب الأنبار، فأخرجوا جميعا فأجابوا وأطلقوا.
قال: ثم ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضار أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة، ومحمد بن نوح بن ميمون، وأن يمتحنهم.
فوجه إليهم إسحاق، فأخذهم وأنا بالكوفة عند أبي نعيم، فقدمت بعد ذلك فأخبرني أبي بعد قدومي أن أبا عبد اللَّه أتاه صاحب الريع وقت غروب الشمس فذهب به.
قال أبي: فذهبت معه فقال: إذا كان غدًا فاحضر دار الأمير.
قال أبي: فقلت لأبي عبد اللَّه: لو تواريت.
فقال: كيف أتوارى؟ إن تواريت لم آمن عليك وعلى ولدي وولدك، ويلقى الناس بسببي المكروه، ولكني أنظر ما يكون.
فلما كان من الغد حضر أبو عبد اللَّه والمسمون معه فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد اللَّه والقوم أن يجيبوا جميعًا.
فسمعت أبا عبد اللَّه يقول بعد ما أخرج من الحبس: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم قرأ علينا كتاب الرجل -يعني: المأمون- الكتاب الذي كتب به إلى إسحاق تسمية رجل رجل بنسبه وبلقبه، وكان فيه: أما أحمد فذاك الصبي، وأما ابن نوح فما له ولهذا؟ ! عليه بالغيبة، وأما فلان فالآكل أموال اليتامى، وأما فلان فكذا، يسمي رجلًا رجلًا.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
قال أبو عبد اللَّه: وكان في الكتاب: اقرأ عليهم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
قال أبو عبد اللَّه: فلما قرأ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قلت: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فقال إسحاق: ما أردت بهذا؟ فقلت: كتاب اللَّه ﷿، ولم أزد في كتابه شيئًا كما قال ووصف ﵎.
ثم امتحن القوم، فمن لم يجبه وامتنع عليه أمر بحبسه وتقييده، فلما كان بعد ذلك دعا بالقواريري وسجادة، فأجابا وخلى عنهما، وكان أبو عبد اللَّه بعد ذلك يعذر القواريري وسجادة، يقول: قد أعذرا وحبسا وقيدا، وقال اللَّه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ثم قال: القيد كره، والحبس كره.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٣٩ - ٤٣
قال أبو طاهر السلفي: أخبرنا أبو محمد الحسن بن عبد الملك بن محمد بن يوسف، وأخبرنا أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي ببغداد، أخبرنا أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر، وأبو طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف، قالوا: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن عمر بن أجمد، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك البرزعي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا أبي قال: قال إبراهيم بن الحارث العبادي -من ولد عبادة بن الصامت، وكان رافقنا في بلاد الروم: حضر أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل أبو محمد الطُّفاوي، فذكر له حديثًا.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
فقال أبو عبد اللَّه: أخبرك بنظير هذا، لما أخرجنا جعلت أفكر فيما نحن فيه، حتى إذا صرنا إلى الرحبة أُنزلنا خارجًا من البيوت مما يلي البرية، فعامة من كان معنا ناموا، فجعلت أفكر في تلك البرية، وماذا أقول إذا صرت إلى ذلك؟ فأنا في تلك الحال إذ مددت بصري إذا بشيء لم أستبنه، فلم يزل يدنو حتى استبان، فإذا بأعرابي عليه ثياب الأعراب قد دنا، وجعل يتخطى تلك المحامل حتى صار إلي، فوقف علي فسلم ثم قال: أنت أحمد بن حنبل؟
فسكتُّ تعجبا، ثم قال الثانية: أنت أحمد بن حنبل؟
فسكتُّ فلم أجبه، فبرك على ركبتيه وقال: أنت أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم، فقال: أبشر واصبر، فإنما هي ضربة هاهنا، وتدخل الجنة هنا.
وزادني بعض أصحابنا أنه قال له الأعرابي: تحب اللَّه؟
قال أبو عبد اللَّه: قلت: نعم.
قال: فإنك إن أحببت اللَّه أحببت لقاءه.
ثم مضى فلم أزل أنظر إليه حتى غاب فلم أره.
قال له أبو محمد الطُّفاوي: احمدِ اللَّه يا أبا عبد اللَّه، فإنك محمود عند العامة.
فقال أبو عبد اللَّه: أحمد اللَّه على ديني، إنما هذا دين، ولو قلت لهم كفرت.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٤٨ - ٤٩
قال حنبل: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: كنت أدعو اللَّه ألا يريني وجهه -يعني: المأمون- وذلك أنه بلغني عنه أنه يقول: لئن وقعت عيني عليه لأقطعنه إربا إربا.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
قال أبو عبد اللَّه: فكنت أدعو اللَّه: لا ترني وجهه، فلما دخلنا طرسوس أقمنا أيامًا وأنا في ذلك، إذا رجل قد دخل علينا، فقال لي: يا أبا عبد اللَّه، قد مات الرجل. فحمدت اللَّه تعالى، وكنت على ذلك أتوقع الفرج، إذ دخل علينا رجل فقال: إنه قد صار مع أبي إسحاق -يعني: المعتصم- رجل يقال له: ابن أبي دؤاد، وقد أمر بإحضاركم إلى بغداد. فجاءني أمر آخر وحمدت اللَّه على ذلك، وطمعت وقلت: إنا قد استرحنا حين قيل لنا: انحدروا إلى بغداد.
قال أبو عبد اللَّه: فصيَّرتُ في سفينة من الرقة مع أسراهم، فكنت في أمر عظيم -يعني: من الأذى.
فقدم أبو عبد اللَّه بغداد، فجلس في دار عمارة في اصطبل لمحمد بن إبراهيم -أخي إسحاق بن إبراهيم- وكان في حبسٍ ضيق، ومرض أبو عبد اللَّه وكان في شهر رمضان، وكان مقيدًا، وكان في أمر عظيم، فحبس في ذلك الحبس قليلا، ثم حول إلى التعيين إلى سجن العامة، فمكث في السجن نحوًا من ثلاثين شهرًا، فكنا نأتيه في السجن أنا وأبي وأصحاب أبي عبد اللَّه، فأكثر ذلك ندخل عليه، وربما حجبنا.
فسأله أبي فقال: تُحدِّث أبا علي وتقرأ عليه، فإنك فارغ.
فأجابه، فقرأ عليّ كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، فرأيتُ أبا عبد اللَّه يُصلي بأهل الحبس وهو محبوس معهم وعليه القيد، وكان قيدا واسعًا، فكان في وقت الصلاة والوضوء والنوم يخرج إحدى الحلقتين من إحدى رجليه ويشدها على ساقه، فإذا صلى ردَّها في رجليه، وذلك بغير علم من إسحاق بن إبراهيم.
فقلت له في الحبس: يا عم، أراك تصلي بأهل الحبس!
[ ٣ / ٤٣٧ ]
فقال: ألا تراني وما أصنع؟ ! -يعني: في إخراج القيد من إحدى رجليه- قلت: بلى.
ثم ذكر أبو عبد اللَّه حُجر بن عدي أصحابه (١)، فقال: أليس كانوا مقيدين؟ أليس كانوا يصلون جماعة؟ ! على الضرورة لا بأس بذلك.
قال أبو عبد اللَّه: وإن كان فيهم مطلق ورضوه صلى بهم.
قلت: فالذي في رجليه القيد لا يمكنه أن يقعد في الصلاة على ما فعل رسول اللَّه -ﷺ- في الركعة الأخيرة يمنعه القيد من ذلك.
فقال أبو عبد اللَّه: كيفما تيسر له وأطاق، إلا أني أطيق ذلك؛ لأني أخرجه من رجلي.
ثم قال: فكرت في أمرنا فرأيت مثلنا في هذا الأمر مثل حجر وأصحابه لما أخرجوا وقيدوا، فكأنا كنا في مثال أمرهم. ثم قال أبو عبد اللَّه: أولئك أنكروا شيئًا ونحن دُعِينا إلى الكفر باللَّه، فالحمد للَّه على معونته وإحسانه، سبحان اللَّه لهذا الأمر الذي ابتلى اللَّه به العباد.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥١ - ٥٤
وقال محمود بن عبد الرحمن: لما حُمل أبو عبد اللَّه ومحمد بن نوح وصارا إلى حبسٍ بطاطيا، حانت الظهر فأنيخ له البعير، وذهب محمد بن نوح يتهيأ للصلاة، فجاء وهو يبكي.
فقال أبو عبد اللَّه: ما يبكيك يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: يا أبا عبد اللَّه، واللَّه ما أبكي أسًى على أهل ولا مال ولا ولد،
_________________
(١) قصة حجر بن عدي وأصحابه انظرها في "طبقات ابن سعد" ٦/ ٢١٧ - ٢٢٥، "أسد الغابة" ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦، "المستدرك" للحاكم ٣/ ٤٧٠، "الاستيعاب" ١/ ٣٩٠، "تاريخ الإسلام" للذهبي ٤/ ١٩٤.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
ولكنا نقدم على هذا الرجل وما ندري ما يكون حالنا.
فقال له أبو عبد اللَّه: أبشر، فلست تراه ولا يراك.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥٥
قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الهمذاني: سمعت بعض أصحابنا من المحدثين يقول: لما حمل أحمد إلى المصيصة دخل عليه أبو ثوبة الربيع بن نافع الحلبي، فقال: يا هذا، إن أعين الناس ممدودة إليك، فإن كنت تعلم أنك تقوم المقام الذي فيه استنقاذك واستنقاذ الخلق فيما بينهم وبين اللَّه تعالى، وإلا فاجعل الذي في رجلك في رجلي، وقم فاخرج.
قال: فقال: يا هذا! أتظن أن نفسك أعز علي من نفسي؟ ! لا آثرتك بهذا المقام أبدًا. أو نحوه.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥٦.
قال عباس بن عبد اللَّه البغدادي: كنت في مجلس الرمادي فحدثني من سمع القواريري يقول: لما حملنا إلى المأمون إلى بلاد الروم في أيام المحنة، سرنا حتى قربنا من الرقة في ليلة قمراء، فإذا أنا بشاب يدق المحمل، فأشرفت عليه وقلت: ما وراءك؟
فقال: بشر أحمد أن المأمون قد مات في هذِه الساعة.
قال القواريري: فنظرت إلى أحمد وهو رافع يديه يدعو، فما شككنا أنه دعا عليه فاستجيب له.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٦١ - ٦٢
قال أحمد بن نصر: سمعت عبد اللَّه بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: كنت في الحبس، فرأيت كأن قائلًا يقول لي: يا أحمد، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
فقلت: ما شاء اللَّه.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٦٨
[ ٣ / ٤٣٩ ]
٨٦ - فصل: محنة الإمام مع المعتصم
قال أبو الفضل: قال أبي ﵀: لما كان في شهر رمضان ليلة تسع عشرة خلت منه، حولت من السجن إلى دار إسحاق بن إبراهيم، وأنا مقيد بقيد واحد، يوجه إلي كل يوم رجلين -سماهما أبي، قال أبو الفضل: وهما أجمد بن رباح وأبو شعيب -الحجام- يكلماني ويناظراني، فإذا أرادا الانصراف، دعي بقيد فقيدت فمكثت على هذِه الحال ثلاثة أيام، وصار في رجلي أربعة أقياد.
فقال لي أحدهما في بعض الأيام في كلام دار، وسألته عن علم اللَّه؟
فقال: علم اللَّه مخلوق. قلت: يا كافر، كفرت.
فقال لي الرسول الذي كان يحضر معهم من قبل إسحاق: هذا رسول أمير المؤمنين.
قال: فقلت: إن هذا قد كفر. وكان صاحبه الذي يجيء معه خارجًا، فلما دخل قلت: إن هذا زعم أن علم اللَّه مخلوق.
فنظر إليه كالمنكر عليه. قال: ثم انصرف.
قال أبي: وأسماء اللَّه في القرآن، والقرآن من علم اللَّه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن أسماء اللَّه مخلوقة فقد كفر.
قال أبي: فلما كان الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة وجه -يعني: المعتصم- ببغا (١) إلى إسحاق يأمره بحملي، فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسك، إنه قد حلف ألا يقتلك بالسيف،
_________________
(١) بغا: أحد الأتراك من حاشية المعتصم.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟
قال أبي: فقلت: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفخلقهم؟ !
قال: فقال: اذهبوا به. قال أبي: فأنُزلت إلى شاطئ دجلة، فأحدرت إلى الموضع المعروف بباب البستان، ومعي بغا الكبير ورسول من قبل إسحاق، فقال بغا لمحمد الحارس بالفارسية: ما يريدون من هذا؟
قال: يريدون منه أن يقول: القرآن مخلوق.
فقال: ما أعرف شيئا من هذا إلا قول: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، وقرابة أمير المؤمنين من النبي -ﷺ-.
قال أبي: فلما صرنا إلى الشط، أخرجت من الزورق، وحملت على دابة، والأقياد عليَّ، وما معي أحد يمسكني، فجعلت أكاد أخِرُّ على وجهي حتى انتهى بي إلى الدار، فأُدخلت ثم خُرج بي إلى حجرة، فصيرت في بيت منها، وأغلق علي الباب، وأقعد عليه رجل، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فاحتجت إلى الوضوء، فمددت يدي أطلب شيئا، فإذا بإناء فيه ماء وطست، فتهيأت للصلاة، وقمت أصلي.
فلما أصبحت جاءني الرسول، فأخذ بيدي فأدخلني الدار، وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع أصحابه والدار غاصة بأهلها، فلما دنوت منه سلمت، فقال: أدنه، أدنه.
فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس. فجلست. وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت هنيهة، قلت: تأذن في الكلام.
قال: تكلم. قلت: إلامَ دعا إليه رسوله؟
[ ٣ / ٤٤١ ]
قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
قال: فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
قال: ثم قلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي -ﷺ- أمرهم بالإيمان باللَّه تعالى، فقال: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعلم.
قَالَ: "شَهَادَةُ أَن لَا إله إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَن تُعْطُوا الخُمُسَ مِنْ المَغْنَمِ".
قال أبو الفضل: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدثني أبو جمرة قال: سمعت ابن عباس -﵁- قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه -ﷺ- أمرهم بالإيمان (١)، فذكر مثل ذلك.
قال أبو الفضل: قال أبي: فقال لي عند ذلك: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق فقال له: يا عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟
قال أبي: فقلت في نفسي: اللَّه أكبر، إن في هذا لفرجا للمسلمين.
قال: ثم قال: ناظروه، وكلموه. ثم قال: يا عبد الرحمن، كلمه.
فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟
قلت: ما تقول في علم اللَّه؟ قال: فسكت.
قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا، فأرد على هذا، ثم أقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله أقول به.
فيقول لي ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا كما في كتاب اللَّه أو سنة
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ١/ ٢٢٨ بهذا الإسناد، ورواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧).
[ ٣ / ٤٤٢ ]
رسوله! قال: فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولت ما يحبس عليه ويقيد عليه.
قال: فقال ابن أبي دؤاد: فهو واللَّه يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع يا أمير المؤمنين، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم.
قال: فيقول لهم: ما تقولون؟
فيقولون: يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل مبتدع.
قال: فلا يزالون يكلموني. وقال: وجعل صوتي يعلو على أصواتهم، فقال لي إنسان منهم: قال اللَّه تعالى ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فيكون محدثًا إلا مخلوقًا.
قلت له: قال اللَّه تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام.
قال: فجعل ابن سماعة لا يفهم ما أقول.
قال: فجعل يقول لهم ما يقول؟ قال: فقالوا: إنه يقول كذا وكذا.
قال: فقال لي إنسان منهم: حديث خباب: يا هنتاه، تقرب إلى اللَّه بما استطعت؛ فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه (١).
قال: فقلت: نعم هكذا هو.
قال: فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه، ويلحظه متغيظا عليه.
قال أبي: وقال بعضهم: أليس قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
قال: قلت: قد قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدمرت إلا ما أراد اللَّه.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣٦ (٣٠٠٨٩)، والآجري في "الشريعة" ص ٦٩ (١٤٨)، والحاكم ٢/ ٤٤١ وصححه.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وقال: فقال لي بعضهم فيما يقول، وذكر حديث عمران بن حصين: "إن اللَّه ﵎ كتب الذكر" (١) فقال: إن اللَّه خلق الذكر.
قال: فقلت: هذا خطأ. حدثنا غير واحد: "كتب الذكر".
قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد يتكلم، فلما قارب الزوال، قال لهم: قوموا.
ثم حبس عبد الرحمن بن إسحاق فخلا بي وبعبد الرحمن، فجعل يقول لي: أما كنت تعرف صالحا الرشيدي؟ كان مؤدبي، وكان في هذا الموضع جالسا. وأشار إلى ناحية من الدار، قال: فتكلم وذكر القرآن، فخالفني، فأمرت به فسحب ووطئ.
قال أبي: ثم جعل يقول لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟
فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معك، وهو ملازم لمنزله.
قال: فجعل يقول: واللَّه إنه لفقيه، وإنه لعالم، ومما يسرني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الملل، ولئن أجابني إلى شيء له فيه أدنى فرج لأطلقن عنه بيدي، ولأوطئن عقبه، ولأركبن إليه بجندي.
قال: ثم التفت إلي فيقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟ قال: فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله.
فلما طال بنا المجلس ضجر فقام، فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ثم وجه إلي برجلين -سماهما وهما: صاحب الشافعي وغسان، من أصحاب ابن أبي دؤاد- يناظراني فيقيمان معي، حتى إذا حضر
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٤/ ٤٣١، والبخاري (٣١٩١).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
الإفطار وجه إلينا بمائدة عليها طعام، فجعلا يأكلان، وجعلت أتعلل حتى رفع المائدة، وأقاما إلى غد، وفي خلال ذلك يجيء ابن أبي دؤاد فيقول لي: يا أحمد، يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأقول له: أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله حتى أقول به. فقال لي ابن أبي دؤاد: واللَّه لقد كتب اسمك في السبعة فمحوته، ولقد ساءني أخذهم إياك، وإنه واللَّه ليس هو السيف، إنه ضرب بعد ضرب، ثم يقول لي: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا مما رددت عليه، ثم يأتي رسوله، فيقول: أين أحمد بن عمار؟ أخو الرجل الذي أنزلت في حجرته، فيذهب ثم يعود، فيقول: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأرد عليه نحوا مما رددت على ابن أبي دؤاد، فلا تزال رسله تأتي. قال أحمد بن عمار وهو يختلف فيما بيني وبينه، ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.
قال: فلما كان في اليوم الثاني أدخلت عليه، فقال: ناظروه، كلموه.
قال: فجعلوا يتكلمون، هذا من هاهنا وهذا من هاهنا، فأرد على هذا وهذا، فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله ﷺ، ولا فيه خبر ولا أثر، قلت: ما أدري ما هذا؟ فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت عليه الحجة علينا وثب، وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا؟ قال: فيقول: ناظروه.
قال: ثم يقول: يا أحمد، إني عليك شفيق.
فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله.
قال: فقلت له: ما تقول في قول اللَّه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
فقال: خص اللَّه بها المؤمنين. قال: فقلت له: ما تقول: إن كان قاتلًا أو كان قاتلًا عبدا يهوديا أو نصرانيا؟ قال: فسكت.
قال أبي: وإنما احتججت عليه بهذا؛ لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن، ولقوله: أراك تنتحل الحديث.
وكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، واللَّه لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار. فيعيد ما شاء اللَّه من ذلك، ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام، وخلا بي وبعبد الرحمن، فيدور بيننا كلام كثير، وفي خلال ذلك يقول لي: تدعو أحمد بن أبي دؤاد.
فأقول: ذلك إليك.
فيوجه إليه فيجيء فيتكلم، فلما طال بنا المجلس قام، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، وجاءني الرجلان اللذان كانا عندي بالأمس، فجعلا يتكلمان، فدار بيننا كلام كثير، فلما كان وقت الإفطار جيء بطعام على نحو مما أتي به في أولى ليلة فأفطرا وتعللت، وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار، فيمضي إليه ويأتيني برسالته على نحو مما كان أول ليلة، وجاءني ابن أبي دؤاد فقال: إنه قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس.
فقلت له: فما أصنع؟ .
حتى إذا كدت أن أصبح قلت: لخليق أن يحدث من أمري في هذا اليوم شيء. وقد كنت أخرجت تكَّتي من سراويلي، فشددت بها الأقياد أحملها بها إذا توجهت إليهم، فقلت لبعض من كان مع الموكلين: ارتَدْ لي خيطا، فجاءني بخيط، فشددت بها الأقياد، وأعدت التكة في
[ ٣ / ٤٤٦ ]
السراويل، ولبسته كراهية أن يحدث شيئا من أمري فأتعرى.
فلما كان في اليوم الثالث أدخلت عليه والقوم حضور، فجعلت أدخل من دار إلى دار وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك من الزي والسلاح وقد حشرت الدار الجند، ولم يكن في اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء، حتى إذا صرت إليه قال: ناظروه كلموه.
فعادوا بمثل مناظرتهم، ودار بيننا كلام كثير، حتى إذا كان في الوقت الذي يخلو فيه، فجاءني ثم اجتمعوا فشاورهم، ثم نحاهم ودعاني فخلا بي وبعبد الرحمن، فقال لي: ويحك يا أحمد، أنا عليك واللَّه شفيق، وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني فأجبني.
فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله -ﷺ-.
فلما ضجر وطال المجلس قال لي: عليك لعنة اللَّه، لقد كنت طمعت فيك، خذوه واسحبوه. قال: فأخذت وسحبت ثم خلعت، ثم قال: العقابين والسياط. فجيء بالعقابين والسياط.
قال أبي: وقد كان صار إلي شعرة أو شعرتان من شعر النبي -ﷺ- فصررتهما كم قميصي، فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي فوجه إلي: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت: شعر من شعر النبي -ﷺ-.
وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه في وقت ما أقمت بين العقابين فقال لهم -يعني: المعتصم- لا تخرقوه انزعوه عنه.
قال: إني ظننت أنه درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، ثم صيرت بين العقابين وشدت يدي، وجيء بكرسي فجلس عليه، وابن أبي دؤاد قائم على رأسه، والناس أجمعون قيام ممن حضر، فقال
[ ٣ / ٤٤٧ ]
لي إنسان ممن شدني: خذ بأي الخشبتين بيدك وشد عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخالعتْ يداي لما شدت، ولم أمسك الخشبتين.
قال أبو الفضل: ولم يزل أبي رحمة اللَّه عليه يتوجع منهما إلى أن توفي.
ثم قال للجلادين: تقدموا، فنظر إلى السياط فقال: ائتوا بغيرها.
ثم قال لهم: تقدموا، فقال لأحدهم: ادنه، أوجع، قطع اللَّه يدك.
فتقدم فضربني سوطين ثم تنحى، ثم قال لآخر: ادنه، أوجع، شد، قطع اللَّه يدك، ثم تقدم فضربني سوطين ثم تنحى.
فلم يزل يدعو واحدا بعد واحد يضربني سوطين ويتنحى، ثم قام حتى جاءني وهم محدقون بي فقال: ويحك يا أحمد، تقتل نفسك! ويحك أجبني حتى أطلق عنك بيدي!
فجعل بعضهم يقول لي: ويلك إمامك على رأسك قائم!
قال لي عجيف: فنخسني بقائم سيفه ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم! وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويحك الخليفة على رأسك قائم!
قال: ثم يقول بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي.
قال: ثم رجع فجلس على الكرسي، ثم قال للجلاد: ادنه، شد، قطع اللَّه يدك. ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد فيضربني بسوطين ويتنحى، وهو يقول: شد، قطع اللَّه يدك، ثم قام إليّ الثانية فجعل يقول: يا أحمد، أجبني.
فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ ! هذا يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة وابن أبي إسرائيل! وجعل يعد عليَّ من أجاب.
قال: وجعل وهو يقول: ويحك أجبني. قال: فجعلت أقول نحو
[ ٣ / ٤٤٨ ]
ما كنت أقول لهم.
قال: فرجع فجلس ثم جعل يقول للجلاد: شد، قطع اللَّه يدك.
قال أبي: فذهب عقلي فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق عني الأقياد، وقال لي إنسان ممن حضر: إنا أكببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك.
قال أبي: فقلت: ما شعرت بذاك. قال: فجاءوني بسويق فقالوا: اشرب. فقلت: لا أفطر. فجيء به إلى دار إسحاق بن إبراهيم.
قال أبي: فنودي بصلاة الظهر فصلينا الظهر.
وقال ابن سماعة: صليتَ والدم يسيل من ضربك؟
فقلت: به صلى عمر وجرحه يثعب دما (١). فسكت.
_________________
(١) رواه مالك ص ٥٠ ومن طريقه البيهقي ١/ ٣٥٧، وابن أبي شيبة في "الإيمان" (١٠٣) -تحقيق الألباني- عن ابن نمير كلاهما -مالك وابن نمير- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، وزاد ابن أبي شيبة ذكر ابن عباس فيه. ورواه عبد الرزاق ١/ ١٥٠ (٥٧٩) عن الثوري، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٧ (٨٣٨٨) من طريق أبي معاوية كلاهما عن هشام، عن أبيه عن سليمان بن يسار، عن المسور به. ورواه عبد الرزاق (٥٨٠) عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة قال: دخل المسور وابن عباس على عمر بعدما طعن. . الحديث، ورواه (٥٨١) عن معمر عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس به. ورواه ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٣٥٠ عن وكيع، عن هشام، عن أبيه عن المسور أن ابن عباس دخل على عمر. . الحديث. ورواه الدارقطني ١/ ٢٢٤ من طريق الزهري عن سليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة به، ومن طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور به. وقد صححه الألباني في "الإرواء" (٢٠٩)، و"الإيمان" لابن أبي شيبة؛ فقال في طريق مالك وابن نمير: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
ثم خلي عنه فصار إلى المنزل، ووجه إليه الرجل من السجن ممن يبصر الضرب والجراحات يعالج منه فنظر إليه، فقال: قال لنا: واللَّه لقد رأيت منه ضرب السيوط ما رأيت ضربًا أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه. ثم أدخل ميلًا في بعض تلك الجراحات، فقال: لم ينفذ. فجعل يأتيه فيعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير ضربة ثم مكث يعالجه ما شاء اللَّه، ثم قال له: إن هذا شيء أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين معه، وهو صابر يحمد اللَّه لذلك فبرأ منه، ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بَيِّنًا في ظهره إلى أن توفي رحمة اللَّه عليه.
قال صالح: سمعت أبي يقول: واللَّه لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولوددت أن أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي.
قال أبو الفضل: أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه -وقد كان هذا الرجل صاحب حديث قد سمع ونظر، ثم جاءني بعد فقال: يا ابن أخي، رحمة اللَّه على أبي عبد اللَّه، واللَّه ما رأيت أحدا -يعني: يشبهه.
لقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا الطعام: يا أبا عبد اللَّه، أنت صائم وأنت في موضع تقية! ولقد عطش.
فقال لصاحب الشراب: ناولني.
فناوله قدحا فيه ماء ثلج فأخذه فنظر إليه هنيهة ثم رده عليه، قال: فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وما هو فيه من الهول.
قال أبو الفضل: قد كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفًا أو رغيفين في هذِه الأيام فلم أقدر على ذلك.
وأخبرني رجل حضره قال: فقدته في هذِه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه
[ ٣ / ٤٥٠ ]
ويكلمونه، فما لحن ولا ظننت أن يكون أحد في مثل شجاعته وشدة قلبه.
قال أبو الفضل: دخلت على أبي رحمة اللَّه عليه يومًا وقلت له: بلغني أن رجلًا جاء إلى فضل الأنماطي، فقال: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك. فقال فضل: لا جعلت أحدا في حل.
فتبسم أبي وسكت، فلما كان بعد أيام مررت بهذِه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني به هاشم بن القاسم قال: حدثنا المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي اللَّه ﵎ يوم القيامة نودوا: ليقم من أجره على اللَّه. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا (١).
قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب اللَّه بسببه أحدًا.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٥١ - ٦٥
قال ابن بطة: وأخبرني أبو عمرو عثمان بن عمر قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون قال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي قال: سمعت عبيد بن محمد القصير قال: سمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل، فقال له أبو إسحاق: يا أحمد، إن كنت تخشى من هؤلاء النابتة جئتك أنا في جيشي إلى بيتك حتى أسمع منك الحديث.
قال: فقال له: يا أمير المؤمنين، خذ من غير هذا، واسأل عن العلم، واسأل عن الفقه، أي شيء تسأل عن هذا؟
_________________
(١) رواه أسد بن موسى في "الزهد" (٨٠) عن المبارك بن فضالة، عن رجل، عن الحسن به.
[ ٣ / ٤٥١ ]
قال عبيد بن محمد: وسمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل قال: التفت إليه المعتصم فقال: تعرف هذا؟ قال: لا.
قال: تعرف هذا؟ قال: لا.
فالتفت أحمد فوقعت عينه على ابن أبي دؤاد، فحول وجهه، فكأنما وقعت عينه على قرد.
قال: تعرف هذا -يعني: عبد الرحمن؟ قال: نعم.
قال: قل: اللَّه رب القرآن. قال: القرآن كلام اللَّه.
قال: فشهد ابن سماعة وقتلته، فقالوا: قد كفر، اقتله ودمه في أعناقنا.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٤٣٩)
قال ابن بطة: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي قال: حدثنا أبو بكر المروذي قال: كان أبو عبد اللَّه لا يلحن في الكلام.
قال: وأخبرت أنه لما نوظر بين يدي الخليفة لم يتعلق عليه بلحن، حتى حكي أنه جعل يقول: فكيف أقول ما لم يقل؟ !
قال أبو بكر المروذي: وقال لي ابن أبي حسان الوراق: طلب مني أبو عبد اللَّه وهو في السجن كتاب حمزة في العربية؛ فدفعته إليه، فنظر فيه قبل أن يمتحن.
وقال ابن بطة: أخبرني أبو عمرو عثمان بن عمر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون، وأخبرنا محمد بن علي السمسار قال: رأيت شيخًا قد جاء إلى أبي عبد اللَّه وهو مريض، فجعل يبكي وقال: إنه ممن حضر ضربه. فلما خرج سمعته يقول: واللَّه لقد كلمت ثلاثة من الخلفاء ووطئت بسطهم ما هبتهم، وما دخلني من الرعب ما دخلني منه وهو مسجى، واللَّه لقد رأيته يناظر وهو عالٍ عليهم قوي القلب،
[ ٣ / ٤٥٢ ]
والمعتصم يكلمه ويقول: أجبني إلى ما أسألك، أو شيء منه.
فيقول: لا أقول إلا ما في كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه.
فيقول له: ألا تقول: القرآن مخلوق؟
فيقول له: وكيف أقول ما لم يقل؟ !
قال الرجل: فقلت لرجل كان إلى جانبي: ما تراه ما يرهب ما هو فيه، ولا يلحن في مثل هذا الوقت، والسياط والعقابين بين يديه، وليس في يده منه شيء!
وقال ابن بطة: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي قال: حدثنا المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما ضربت كانا جلادين يضرب كل واحد منهما سوطًا ويتنحى، ويضرب الآخر سوطًا ويتنحى.
قلت: قام إليك أبو إسحاق مرتين؟ قال: أما مرة فأحفظ أنه خرج إلى الرواق وقال: خذوه. فأخذوا بضبعي وجروني نحوًا من مائة ذراع إلى العقابين فخلعوني، وأنا أجد ذلك في كتفي إلى الساعة، وكان علي شعر كثير، وانقطعت تكتي، فقلت: الآن تسود -يعني: وهو بينهم.
قلت: من ناولك خيطًا في ذلك الموضع؟ قال: لا أدري، فشددت سراويلي، وأخبرت أنهم خلعوا القميص ولم يحرقوه، وكان في كمه شعر النبي -ﷺ-.
قال المروذي: وبلغني عن يعقوب الفلاس قال: سمعت عيسى الفتاح يقول: قال لي أبو عبد اللَّه: يا أبا موسى! ما رأيت هؤلاء قط كان أشد علي من تلفت الجلاد، ثم يثب علي.
قال: وسمعت الفلاس يقول: سمعت عيسى الفتاح قال: قال لي
[ ٣ / ٤٥٣ ]
أبو عبد اللَّه: قال أبو إسحاق: ما رأيت ابن أنثى أشجع من هذا الرجل.
قال المروذي: وسمعت عيسى الجلاء يقول: رأى رجل في النوم قائلًا يقول: وإذا جماعة ناحية فجعل يقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ وأشار بيده إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] أحمد بن حنبل وأصحابه.
قال المروذي: وأخبرت عن زياد بن أبي بادويه القصري، قال: سمعتُ الحماني يقول: رأيتُ النبي -ﷺ- في المنام، قد جاء فأخذ بعضادتي فقال: نجا الناجون، وهلك الهالكون. فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي مَنِ الناجون؟ قال: أحمد بن حنبل وأصحابه.
قال المروذي: وبلغني عن امرأة رأوها في النوم وقد شاب صدغها فقيل لها: ما هذا الشيب؟ فقالت: لما ضرب أحمد بن حنبل زفرت جهنم زفرة [لم] (١) يبق منا أحد إلا شاب.
وقال ابن بطة: وحدثنا أبو إسحاق الشيرجي قال: حدثنا المروذي قال: حدثنا أبو عمر المخرمي قال: كنت مع سعيد بن منصور ونحن في الطواف قال: فسمعت هاتفًا يقول: ضرب أحمد بن حنبل اليوم بالسياط؟ قال: فقال لي سعيد: أوما سمعت -أو سمعت؟ قلت: بلى.
قال -يعني: سعيد بن منصور: هذا من صالحي الجن أو من الملائكة، إن كان هذا حقّا، فإن اليوم قد ضرب أحمد بن حنبل.
فقال: فنظرنا فإذا قد ضرب في ذلك اليوم.
قال أبو عبد اللَّه: لما ضربت امتلأت ثيابي بالدماء، وكنت صائمًا،
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
فجاءوا بسويق فلم أشرب، وأتممت صومي، وكان بعض الجيران ثم حاضرًا، فأي شيء نزل به -يعني: لما امتنع أبو عبد اللَّه من شرب السويق- لا أدري، إسحاق بن إبراهيم أو غيره، قال: وبلغني أنه لم يدخل على أبي عبد اللَّه طعام في قصر إسحاق، وقد كان منع أن يدخل إليه، وقال: تأكل من طعامنا. قال أبو عبد اللَّه: فمكثت يومين لا أطعم.
قال المروذي: فقال لي النيسابوري -صاحب إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأمير: إذا جاءوا بإفطاره فأرونيه. قال: فجاءوا برغيفين وخبازة قال: فأروه الأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٧ (٤٤١ - ٤٥٠)
قال أحمد بن الفرج: كنت أتولى شيئًا من أعمال السلطان، فبينا أنا ذات يوم قاعد في مجلس، إذا أنا بالناس قد أغلقوا أبواب دكاكينهم وأخذوا أسلحتهم، فقلت: ما لي أرى الناس قد استعدوا للفتنة؟ فقالوا: إن أحمد بن حنبل يحمل ليمتحن في القرآن، فلبست ثيابي وأتيت حاجب الخليفة وكان لي صادقًا فقلت: أريد أن تدخلني حتى أنظر كيف يناظر أحمد الخليفة؟ فقال: أتطيب نفسك بذلك؟ فقلت: نعم.
فجمع جماعة وأشهدهم علي وتبرأ من إثمي، ثم قال لي: امض فإذا كان يوم الدخول بعثت إليك، فلما أن كان اليوم الذي أدخل فيه أحمد على الخليفة أتاني رسوله فقال: البس ثيابك واستعد للدخول، فلبست قباء فوقه قفطان، وتمنطقت بمنطقة وتقلدت سيفًا، وأتيت الحاجب فأخذ بيدي وأدخلني إلى الفوج الأول، مما يلي أمير المؤمنين، وإذا أنا بابن الزيات وإذا بكرسي من ذهب مرصع بالجوهر، قد غشي أعلاه بالديباج، فخرج الخليفة فقعد عليه، ثم قال: أين هذا الذي يزعم أن اللَّه ﷿ يتكلم
[ ٣ / ٤٥٥ ]
بجارحتين، علي به. فأدخل أحمد وعليه قميص هروي وطيلسان أزرق، وقد وضع يدًا على يد، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه. حتى وقف بين يدي الخليفة، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل. فقال: أنت الذي بلغني أنك تقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. من أين قلت هذا؟
قال أحمد: من كتاب اللَّه تعالى وخبر نبيه -ﷺ-.
قال: وما قال النبي -ﷺ-؟ فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي -ﷺ- قال: إن اللَّه كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة وثلاث عشرة كلمة، فكان الكلام من اللَّه والاستماع من موسى، فقال موسى: أي رب، أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال اللَّه تعالى: يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك" (١).
_________________
(١) قال أبو نعيم "الحلية" ٩/ ٢٠٦: وهم أحمد بن الفرج في حفظ إسناد هذا الحديث حين ذكره عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وإنما يحفظ بعض هذا الحديث من حديث الضحاك عن ابن عباس اهـ. قلت: وحديث ابن عباس رواه عبد اللَّه في "السنة" ٢/ ٤٧٩ (١٠٩٩) والآجري في "الشريعة" ص ٢٧١ (٧٠٩)، والطبراني ١٢/ ١٢٠ (١٢٦٥) من طرق عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس بنحوه. ورواه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" ٤/ ٣٨١ موقوفًا. قال ابن كثير: إسناد ضعيف فإن جويبرًا ضُعف، والضحاك لم يدرك ابن عباس. وأورد الألباني المرفوع في "الضعيفة" (٥٢٥٨) وقال: ضعيفة جدا، فالآفة من جويبر، فإنه ضعيف جدا متروك، ثم إنه منقطع بين الضحاك وابن عباس، فإنه لم يسمع منه. اهـ بتصرف.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
قال: كذبت على رسول اللَّه -ﷺ-.
قال أحمد: فإن يك هذا كذبًا مني على رسول اللَّه -ﷺ- فقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من غير اللَّه فهو مخلوق، وإن كان مخلوقًا فقد ادعى حركة لا يطيق فعلها.
فالتفت إلى أحمد وابن الزيات، فقال: ناظروه.
قالوا: يا أمير المؤمنين، اقتله ودمه في أعناقنا.
قال: فرفع يده فلطم حر وجهه فخر مغشيا عليه، فتفرق وجوه قواد خراسان، وكان أبوه من أبناء قواد خراسان، فخاف الخليفة على نفسه منهم، فدعا بكوز من ماء فجعل يرش على وجهه، فلما أفاق رفع رأسه إلى عمه وهو واقف بين يدي الخليفة، فقال: يا عم، لعل هذا الماء الذي صب على وجهي غضب صاحبه عليه.
فقال الخليفة: ويحكم ما ترون ما يهجم علي من هذا الحديث، وقرابتي من رسول اللَّه -ﷺ- لا رفعت عنه السوط حتى يقول: القرآن مخلوق.
ثم دعا بجلاد -يقال له: أبو الدن- فقال: في كم تقتله؟
قال: في خمسة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين. فقال: اقتله، فكلما أسرعت كان أخفى للأمر ثم قال: جردوه.
قال: فنزعت ثيابه ووقف بين العقابين، وتقدم أبو الدن -قطع اللَّه يده- فضربه بضعة عشر سوطًا، فأقبل الدم من أكتافه إلى الأرض، وكان أحمد ضعيف الجسم، فقال إسحاق بن إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إنه إنسان ضعيف الجسم.
فقال: قد سمعت قولي، وقرابتي من رسول اللَّه -ﷺ- لا رفعت السوط
[ ٣ / ٤٥٧ ]
عنه حتى يقول كما أقول.
فقال: يا أبا عبد اللَّه، البشرى، إن أمير المؤمنين قد تاب عن مقالته وهو يقول: لا إله إلا اللَّه.
فقال أحمد: كلمة الإخلاص، وأنا أقول: لا إله إلا اللَّه.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد قال كما تقول، فقال: خلِّ سبيله.
وارتفعت بالباب، فقال: اخرج فانظر ما هذِه الضجة. فخرج ثم دخل فقال: يا أمير المؤمنين، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فأخرج أحمد بن حنبل إني لك من الناصحين.
فأخرج وقد وضع طيلسانه وقميصه على يده، وكنتُ أول من وافى الباب فقال الناس: ما قلت يا أبا عبد اللَّه حتى نقول؟ قال: وما عسى أن أقول، اكتبوا يا أصحاب الأخبار، واشهدوا يا معشر العامة: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
قال أحمد بن الفرج: وكنت أنظر إلى أحمد بن حنبل والسوط قد أخذ كتفيه وعليه سراويل فيه خيط فانقطع الخيط، ونزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك، فقال: نعم، إنه لما انقطع الخيط قلت: اللهم إلهي وسيدي، أوقفتني هذا الموقف، فلا تهتكني على رؤوس الخلائق. فعاد السراويل كما كان (١).
"حلية الأولياء" لابي نعيم ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٦
_________________
(١) قال الذهبي في "السير" ١١/ ٢٥٥: هذِه الحكاية لا تصح. قلت: قد روى مثل هذِه الحكاية كثير من تلاميذ الإمام، وممن شاهدوه في المحنة واللَّه أعلم.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
قال علي بن صالح المصري: حدثنا سليمان بن عبد اللَّه السجزي قال: أتيت إلى باب المعتصم وإذا الناس قد ازدحموا على بابه كيوم العيد، فدخلت الدار فرأيت بساطا مبسوطا وكرسيًّا مطروحًا، فوقفت بإزاء الكرسي، فبينما أنا قائم فإذا المعتصم قد أقبل، فجلس على الكرسي، ونزع نعله من رجله، ووضع رجلا على رجل، ثم قال: يحضر أحمد بن حنبل، فأحضر، فلما وقف بين يديه وسلم عليه قال له: يا أحمد، تكلم ولا تخف.
فقال أحمد: واللَّه يا أمير المؤمنين، لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال حبة من الفزع.
فقال له المعتصم: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام اللَّه قديم غير مخلوق، قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
فقال له: عندك حجة غير هذا؟ فقال أحمد: نعم يا أمير المؤمنين، قول اللَّه ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ولم يقل: الرحمن خلق القرآن. وقوله ﷿: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ولم يقل: يس والقرآن المخلوق.
فقال المعتصم: احبسوه. فحبس وتفرق الناس، فلما أصبحت قصدت الباب، فأدخل الناس فدخلت معهم، فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه فقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما أن وقف بين يديه، قال له المعتصم: كيف كنت يا أحمد في محبسك البارحة.
فقال: بخير والحمد للَّه، إلا أني رأيت يا أمير المؤمنين في محبسك أمرًا عجبا. قال له: وما رأيت؟ قال: قمت في نصف الليل فتوضأت للصلاة وصليت ركعتين، فقرأت في ركعة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وفي الثانية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ثم
[ ٣ / ٤٥٩ ]
جلست وتشهدت وسلمت، ثم قمت فكبرت وقرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأردت أن أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلم أقدر، ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر، فمددت عيني في زاوية السجن، فإذا القرآن مسجًّى ميتا، فغسلته وكفنته، وصليت عليه ودفنته.
فقال له: ويلك يا أحمد، والقرآن يموت؟ !
فقال له أحمد: فأنت كذا تقول: إنه مخلوق، وكل مخلوق يموت.
فقال المعتصم: قهرنا أحمد، قهرنا أحمد.
فقال ابن أبي دؤاد وبشر المريسي: اقتله حتى نستريح منه.
فقال: إني قد عاهدت اللَّه ألا أقتله بسيف ولا آمر بقتله بسيف.
فقال له ابن أبي دؤاد: اضربه بالسياط.
فقال: نعم، ثم قال: أحضروا الجلادين. فأحضروا، فقال المعتصم لواحد منهم: بكم سوط تقتله؟ فقال: بعشرة يا أمير المؤمنين.
فقال: خذه إليك.
قال سليمان السجزي: فأخرج أحمد بن حنبل من ثيابه، واتزر بمئزر من الصوف، وشد في يديه حبلان جديدان، وأخذ السوط في يده، وقال: أضربه يا أمير المؤمنين؟ فقال المعتصم: اضرب. فضربه سوطًا.
فقال أحمد: الحمد للَّه.
وضربه ثانيًا، فقال: ما شاء اللَّه كان.
فضربه ثالثًا، فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
فلما أراد أن يضربه السوط الرابع نظرت إلى المئزر من وسطه قد انحل ويريد أن يسقط، فرفع رأسه نحو السماء، وحرك شفتيه، وإذا الأرض قد انشقت وخرج منها يدان فوزرتاه بقدرة اللَّه ﷿، فلما أن نظر المعتصم إلى
[ ٣ / ٤٦٠ ]
ذلك قال: خلوه.
فتقدم إليه ابن أبي دؤاد وقال له: يا أحمد، قل في أذني: إن القرآن مخلوق، حتى أخلصك من يد الخليفة.
فقال له أحمد: يا ابن أبي دؤاد قل في أذني: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، حتى أخلصك من عذاب اللَّه ﷿.
فقال المعتصم: أدخلوه الحبس.
قال سليمان: فحمل إلى الحبس، وانصرف الناس وانصرفت معهم، فلما كان الغد أقبل الناس وأقبلت معهم فوقفت بإزاء الكرسي، فخرج المعتصم وجلس على الكرسي، وقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما وقف بين يديه قال له المعتصم: كيف كنت في محبسك الليلة يا ابن حنبل. قال: كنت بخير والحمد للَّه.
فقال: يا أحمد، إني رأيت البارحة رؤيا.
قال: وما رأيت يا أمير المؤمنين.
قال: رأيت في منامي كأن أسدين قد أقبلا إلي وأرادا أن يفترساني، وإذا ملكان قد أقبلا ودفعاهما عني، ودفعا إلي كتابا وقالا لي: هذا المكتوب رؤيا رآها أحمد بن حنبل في محبسه. فما الذي رأيت يا ابن حنبل؟ فأقبل أحمد على المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، فالكتاب معك؟ قال: نعم، وقرأته لما أصبحت وفهمت ما فيه.
فقال له أحمد: يا أمير المؤمنين رأيت كأن القيامة قد قامت، وكأن اللَّه قد جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد وهو يحاسبهم، فبينما أنا قائم إذ نودي بي، فقدمت حتى وقفت بين يدي اللَّه ﷿، فقال لي: يا أحمد، فيم ضربت؟ فقلت: من جهة القرآن.
[ ٣ / ٤٦١ ]
فقال لي: وما القرآن؟ فقلت: كلامك اللهم لك.
فقال لي: من أين قلت هذا؟ فقلت: يا رب حدثني عبد الرزاق، فنودي بعبد الرزاق فجيء به حتى أقيم بين يدي اللَّه ﷿ فقال له: ما تقول في القرآن يا عبد الرزاق؟ فقال: كلامك اللهم لك، فقال اللَّه ﷿: من أين قلت هذا؟ فقال: حدثني معمر، فنودي بمعمر، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه ﷿ له: ما تقول في القرآن يا معمر؟ فقال معمر: كلامك اللهم لك.
فقال له: من أين قلت هذا؟ فقال معمر: حدثني الزهري، فنودي بالزهري، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه ﷿ له: يا زهري ما تقول في القرآن؟ فقال الزهري: كلامك اللهم لك. فقال: يا زهري، من أين لك هذا؟ قال: حدثني عروة. فجيء به فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال له: يا عروة، من أين لك هذا؟ فقال: حدثتني عائشة بنت أبي بكر الصديق. فنوديت عائشة، فجيء بها، فوقفت بين يدي اللَّه، فقال اللَّه ﷿ لها: يا عائشة، ما تقولين في القرآن؟ فقالت: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه ﷿ لها: من أين لك هذا؟ قالت: حدثني نبيك محمد -ﷺ-.
قال: فنودي بمحمد ﷺ، فجيء به، فوقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه ﷿: يا محمد ما تقول في القرآن؟ فقال له: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه له: من أين لك هذا؟ فقال النبي -ﷺ-: حدثني به جبريل.
فنودي بجبريل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه فقال له: يا جبريل ما تقول في القرآن؟ قال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال: هكذا حدثنا إسرافيل.
فنودي بإسرافيل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه
[ ٣ / ٤٦٢ ]
سبحانه: يا إسرافيل، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه له: ومن أين لك هذا؟ فقال إسرافيل: رأيتُ ذلك في اللوح المحفوظ.
فجيء باللوح، فوقف بين يدي اللَّه، فقال له: أيها اللوح، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال اللوح: كذا جرى القلم علي.
فأتي بالقلم حتى وقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه ﷿ له: يا قلم، ما تقول في القرآن؟ فقال القلم: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه: من أين لك هذا؟ فقال القلم: أنت نطقت وأنا جريت.
فقال اللَّه ﷿: صدق القلم، صدق اللوح، صدق إسرافيل، صدق جبريل، صدق محمد، صدقت عائشة، صدق عروة، صدق الزهري، صدق معمر، صدق عبد الرزاق، صدق أحمد بن حنبل، القرآن كلامي غير مخلوق.
قال سليمان السجزي: فوثب عند ذلك المعتصم فقال: صدقت يا ابن حنبل. وتاب المعتصم، وأمر بضرب رقبة بشر المريسي وابن أبي دؤاد، وأكرم أحمد بن حنبل وخلع عليه، فامتنع من ذلك فأمر به فحمل إلى بيته.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٤٣٨ - ٤٤٣
قال ميمون بن الأصبغ: سمعت المعتصم يوم المحنة يقول لأحمد: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق؟
فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين البلاغات تزيد وتنقص.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
فقال له أمير المؤمنين: فأيش تقول؟
قال: أقول: غير مخلوق على أي الحالات كان.
قال: ومن أين قلت؟ . فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن كلام اللَّه الذي اختص به موسى مائة ألف كلمة وثلاثمائة وثلاثة عشر كلمة" (١) فكان الكلام من اللَّه والاستماع من موسى. .
إلى أن قال: قال أحمد: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من اللَّه فالكلام كلام اللَّه.
وقال ميمون بن الأصبغ: لما ضرب أحمد سوطًا قال: بسم اللَّه.
فلما ضرب الثاني قال: الحمد للَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
فلما ضرب الرابع قال: لن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا.
فضربوه تسعة وعشرين سوطا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت، فنزلت السراويل إلى عانته، فرمى بطرفه نحو السماء، وحرك شفتيه، فما كان بأسرع أن بقي السراويل فلم تنزل.
وذكر الكلام إلى أن قال: فدخلت إلى أحمد بعد سبعة أيام من ضربه وهو يقرأ في مصحف بين يديه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، رأيتك يوم ضربوك وقد انحل سراويلك، فرفعت طرفك نحو السماء ورأيتك تحرك شفتيك، فأيش قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به
_________________
(١) لم أقف عليه، وانظر حديث ابن عمر.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٩
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو معمر القطيعي قال: لما حضرنا في دار السلطان أيام المحنة، وكان أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل قد أحضر، وكان رجلا لينا، فلما رأى الناس يجيبون، انتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه، فقلت: إنه قد غضب للَّه.
قال أبو معمر: فلما رأيت ما به قلت: يا أبا عبد اللَّه، أبشر، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن الوليد بن عبد اللَّه بن جميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كان من أصحاب النبي -ﷺ- من إذا أريد على شيء من دينه رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون (١).
قال ابن أبي أسامة: حكي لنا أن أحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد اللَّه، ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟
فقال: كلا. إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٨٨ - ٣٨٩
قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: قدم المعتصم من بلاد الروم بغداد في شهر رمضان سنة ثمان عشرة، فامتحن فيها أحمد وضرب بين يديه.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٧٩ (٢٦٠٤٩) عن محمد بن فضيل به، والبخاري في "الأدب المفرد" ص ١٩٠ (٥٥٥) عن إسحاق، عن محمد بن الفضيل -وقع في المطبوع (الفضل) - به، قال الحافظ في "الفتح" ١٠/ ٥٤٠: بسند حسن. وحسنه الألباني في تعليقه على "الأدب المفرد".
[ ٣ / ٤٦٥ ]
فحدثني من أثق به من أصحابنا عن محمد بن إبراهيم بن مصعب -وهو يومئذ على الشرط للمعتصم، خليفة إسحاق بن إبراهيم- أنه قال: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان، ولا خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب.
قال المروذي في محنة أحمد بن حنبل وهو بين الهنبارين: يا أستاذ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فقال أحمد: يا مروذي، اخرج انظر أي شيء ترى؟
قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا اللَّه، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه.
قال المروذي: مكانكم. فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهنبارين قال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام، ينتظرون ما تقول فيكتبونه.
فقال: يا مروذي، أُضل هؤلاء كلهم! أقتل نفسي ولا أُضل هؤلاء كلهم (١).
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤٠٨ - ٤٠٩
_________________
(١) قال ابن الجوزي معلقا على هذا الخبر: هذا رجل هانت عليه نفسه في اللَّه تعالى فبذلها، كما هانت على بلال نفسه. وقد رُوينا عن سعيد بن المسيب أنه كانت نفسه عليه في اللَّه تعالى أهون من نفس ذباب. وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال، وشدة ابتلاء أحمد دليل على قوة دينه، لأنه قد صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يبتلى الرجل على حسب دينه" فسبحان من أيده وبصره وقواه ونصره!
[ ٣ / ٤٦٦ ]
قال جعفر الرازي: كان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا واللَّه رأيت يوم ضرب أحمد بن حنبل سراويله وقد ارتفع من بعد انخفاضه، وانعقد من بعد انحلاله، ولم يفطن بذلك لذهول عقل من حضره، وما رأيت يوما كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم، واللَّه لو لم يرفع عنه الضرب لم يبرح من مكانه إلا ميتا.
قال إبراهيم بن إسحاق الأنصاري: سمعت بعض الجلادين يقول: لقد بطل أحمد بن حنبل الشطار، واللَّه لقد ضربته ضربًا لو أبرك لي بعير فضربته ذلك الضرب لنقبت عن جوفه.
قال: محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة: سمعت شاباص التائب يقول: لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربته فيلًا لهدته.
قال محمد بن جعفر الراشدي: حدثني بعض أصحابنا قال: لما أخذت أبا عبد اللَّه السياط، قال: بك استغثت يا جبار السماء ويا جبار الأرض.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: كنت كثيرًا أسمع والدي يقول: رحم اللَّه أبا الهيثم، غفر اللَّه لأبي الهيثم، عفا اللَّه عن أبي الهيثم.
فقلت: يا أبت، من أبو الهيثم؟ قال: ألا تعرفه؟
قلت: لا. قال: أبو الهيثم الحداد، اليوم الذي أخرجت فيه للسياط، ومدت يداي للعقابين، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيار، اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين.
قال: فضربت ثمانية عشر سوطًا بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفا، وخرج
[ ٣ / ٤٦٧ ]
الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٢ - ٤١٣.
قال أبو شعيب الحراني: كنا مع أبي عبيد القاسم بن سلام بباب المعتصم وأحمد بن حنبل يضرب، قال: فجعل أبو عبيد يقول: أيضرب سيدنا؟ لا صبر، أيضرب سيدنا؟ لا صبر.
قال أبو شعيب فقلت:
ضربوا ابن حنبل بالسياط بظلمهم بغيا فثبت بالثبات الأنور
قال الموفق حين مدد بينهم مد الأديم مع الصعيد القرقر
إني أموت ولا أبوء بفجرة يصلى بوائقها محل المفتري
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٦
قال ميمون بن الأصبغ: كنت ببغداد فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ قال: أحمد بن حنبل يمتحن في القرآن.
قال: فأتيت منزلي فأخذت مالا له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس الذي يمتحن فيه أحمد، قال: فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد نضيت، والقواد بالأعمدة قد ترجلت، وبالأسواط قد طرحت، قال: فألبسوني أقبية سودًا ومنطقة وسيفًا حتى أوقفوني عند المجلس من حيث أسمع الكلام، فإذا أنا بأمير المؤمنين عليه رداء عدني، حتى جلس على الكرسي، فقال: أين هذا الذي يزعم أن اللَّه ﷿ ينطق بجارحتين؟ .
قال: فأتي بأحمد بن حنبل وعليه قميص أبيض، وكساء أخضر، ونعله
[ ٣ / ٤٦٨ ]
معلقة بيده حتى أوقف بين يديه، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟
فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل.
قال: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين، البلاغات تزيد وتنقص.
فقال له: يا مبارك، فأيش تقول؟
قال: أقول: القرآن غير مخلوق، وعلى أي الحالات كان.
قال: ومن أين قلت؟ قال: روي في الحديث، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: " إن كلام اللَّه الذي استخص به موسى ﵇، مائة ألف كلمة وثلاث عشرة كلمة" فكان الكلام من اللَّه ﷿، والاستماع من موسى.
فقال: كذبت يا عدو اللَّه على رسول اللَّه -ﷺ-، ما قال رسول اللَّه شيئًا من هذا. فقال أحمد: إن كنتَ تقول: إن رسول اللَّه -ﷺ- لم يقل شيئًا من هذا. فإن اللَّه ﷿ قال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، فإن يكن القول من اللَّه، فإن الكلام من اللَّه.
فالتفت إلى ابن أبي دؤاد. فقال: كلمه.
فقال ابن أبي دؤاد: اقتله. ولطم أحمد فخر مغشيا عليه، ثم أفاق.
فقال المعتصم: وقرابتي من رسول اللَّه -ﷺ- لأضربنك بالسياط أو تقول كما أقول. ثم التفت إلى جلاد، فقال: خذه إليك.
قال: فأخذه فخرق قميصه ثم أوقفه بين العقابين، فلما ضرب سوطًا واحدًا قال: باسم اللَّه. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، فضربه تسعة وعشرين سوطا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت،
[ ٣ / ٤٦٩ ]
فنزل السراويل على عانته، فقلت: الساعة ينهتك. فرمى أحمد بطرفه نحو السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٧٣ - ٧٦
قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: فلما طال حبس أبي عبد اللَّه، قال: وكان أبي يختلف في أمره ويكلم القواد وأصحاب السلطان في أمره، رجاء أن يطلق ويخلى له السبيل، فلما طال ذلك ولم يره يتم، استأذن على إسحاق بن إبراهيم، فقال له: أيها الأمير، إن بيننا وبين الأمير حرما في حرمة منها ما يرعاها الأمير؛ جوار بمرو، كان والدي حنبل مع جدك الحسين بن مصعب. قال: قد بلغني ذلك.
قلت: فإن رأى أمير المؤمنين أن يرعى لنا ذلك ويحفظه.
قال أبي: وقلت له: أيها الأمير، علام يحبس ابن أخي؟ ما جحد التنزيل، وإنما اختلفوا في التأويل، فاستحل منه أن حبس هذا الحبس الطويل، أيها الأمير، اجمع لنا الفقهاء والعلماء، قال أبي: ولم أذكر أهل الحديث. فقال إسحاق: وترضى؟
قلت: نعم أيها الأمير، فمن فلجت حجته كان أغلب. فقال لي ابن أبي ربعي بعد ذلك: ما صنعت! تجمع على ابن أخيك المخالفين له، فيثبتون عليه الحجة ممن يريد ابن أي دؤاد من أهل الكلام والخلاف، هلا شاورتني في ذلك؟ قلت له: قد كان ما كان.
قال أبي: ولما ذكر لإسحاق بن إبراهيم ما بيننا وبينه من الحرمة المتقدمة، قال لحاجبه البخاري: يا بخاري، اذهب معه إلى ابن أخيه فليكلمه ولا يكلم ابن أخيه بشيء لا تفهمه إلا أخبرتني به.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
قال أبي: فدخلت على أبي عبد اللَّه مع حاجب إسحاق الذي يقال له: البخاري. فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، قد أجاب أصحابك، وقد أعذرت فيما بينك وبين اللَّه ﷿، وقد أجاب القوم وبقيت أنت -يعني بقيت في الحبس والضيق.
فقال لي: يا عم، إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ !
قال أبي: فأمسكت عنه، فلما كان بعد أيام من لقائي إسحاق بن إبراهيم وكلامي إياه، لقي إسحاق المعتصم فأخبره بقول أبي وما كلمه به.
غدونا إلى الحبس يومًا نريد الدخول على أبي عبد اللَّه على ما كنا نختلف، وكان في جيراننا رجل، يقال له: هارون، يختلف إلى أبي عبد اللَّه بطعامه من المنزل، ويقضي حوائجه ويخدمه، فقيل لنا: قد حول الليلة أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق، فذهبت أنا وأبي وأصحابنا إلى دار إسحاق، فأردنا الدخول على أبي عبد اللَّه والوصول إليه، فحيل بيننا وبين ذلك، وجاء هارون الجصاص بإفطار أبي عبد اللَّه فدفعه إلى بعض الأعوان يوصله إلى أبي عبد اللَّه، فبعث إسحاق، فأخذ الزنبيل الذي فيه إفطاره فنظر إليه، فإذا فيه رغيفان وشيء من باقلا، فتعجب إسحاق من ذلك.
ولما كان الغد من اليوم الذي حول فيه أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق ونحن عند باب دار إسحاق، إذ جاء أبو شعيب الحجام ومحمد بن رباح، حتى دخلا إلى دار إسحاق، ثم دخلا إلى أبي عبد اللَّه ومعهما صورة السماوات والأرض وغير ذلك.
قال أبو عبد اللَّه: فسألني عن شيء ما أدري ما هو.
قال أبو عبد اللَّه: فلما سألاني -يعني: ابن الحجام وابن رباح- قلت:
[ ٣ / ٤٧١ ]
ما أدري، وما أعرف هذا، ثم قال لي أبو شعيب في كلام دار بيني وبينه: وسألته عن علم اللَّه ما هو؟
قال: علم اللَّه مخلوق. فقلت له: كفرت باللَّه العظيم، فقال لي رسول إسحاق -وكان معه: هذا رسول أمير المؤمنين.
فقلت له: إن هذا قد كفر باللَّه.
وقلت لصاحبه ابن رباح الذي جاء معه: إن هذا- أعني: أبا شعيب- قد كفر، زعم أن علم اللَّه مخلوق، فنظر وأنكر عليه مقالته، وقال: ويحك، ما قلت؟ ثم انصرفنا.
قال حنبل: فبلغني عن أبي شعيب أنه لما خرج من عند أبي عبد اللَّه، سمعه من كان قريبًا منه يقول: ما رأيت لهذا نظيرًا.
وكان أبو عبد اللَّه قال لأبي شعيب في وقت مناظرته: ويلك، بعد طلبك الحديث وكتابتك للعلم، ألم أرك في موضع كذا؟ ! ألم تحضر كذا؟ ! فقال أبو شعيب: ما رأيت لهذا نظيرًا، عجبت من رجل في هذا الذي هو فيه وتوبيخه إياي.
قال: ولما حول أبو عبد اللَّه من السجن إلى دار إسحاق، كان عليه قيدٌ خفيف فزيد عليه في القيد وثقل، فمكث ثلاثة أيام في دار إسحاق، فلما كانت الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة في شهر رمضان، جاء بُغا الكبير إلى إسحاق بن إبراهيم فأمره بحملي إلى المعتصم.
قال أبو عبد اللَّه: فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسُك، قد حلف ألا يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ ! قال أبو عبد اللَّه:
[ ٣ / ٤٧٢ ]
فقلت: قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ فسكت.
قال أبو عبد اللَّه: ثم قال لي إسحاق: يا أحمد، لو أجبت أمير المؤمنين إلى ما دعاك إليه.
قال: فكلمته بكلام، فقال: إني عليك مشفق، وإن بيننا وبينك حرمة.
فقلت: ما عندي في هذا إلا الأمر الأول، فقال: اذهبوا به.
فأمر بي فحملت في زورق إلى دار أبي إسحاق، وكانت في سراويلي تكة، فلما حولوني وزاد في قيودي وثقلت علي القيود، لم أقدر أن أمشي فيها، أخرجت التكة من السراويل وشددت بها قيودي، ثم لففت السراويل بغير تكة ولا خيط، فمضى بي إلى دار أبي إسحاق ومعي بُغا، ورسول إسحاق بن إبراهيم، فلما صرت إلى الدار أخرجت من الزورق وحملت على دابة والأقياد ثقلت عليّ وما معي أحدٌ يمسكني، فظننت أني أسقط إلى الأرض أو نحوه، فأدخلت فصيرت في بيت وأغلق علي الباب وأقعد عليه رجلان، وليس في البيت سراج، فقمت أصلي ولم أعرف القبلة، فصيلت، فلما أصبحت نظرت فإذا أنا على القبلة.
قال أبو عبد اللَّه: فأدخلت من الغد على أبي إسحاق، فإذا هو قاعد، وابن أبي دؤاد حاضر وقد جمع أصحابه، فلما نظر إلي أبو إسحاق فسمعته يقول لهم وقد قربت منهم: أليس زعمتم أنه حدث؟ هذا شيخ مكتهل.
فما أدري ما احتج به الخبيث عليه فلم أفهم ما قال، والدار كثيرة الناس، فلما دنوت سلمت، فقال لي: ادنه. فلم يزل يقول: ادنه. حتى قربت منه، قال: اجلس. فجلست وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت ساعة قلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن لي في الكلام؟
[ ٣ / ٤٧٣ ]
قال: تكلم. قلت: إلامَ دعا إليه ابن عمك رسول اللَّه -ﷺ-؟
قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه. قلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
وقلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه -ﷺ-، أمرهم بالإيمان باللَّه (١). . -وذكرت له الحديث كله- يا أمير المؤمنين، وإلام أدعى وهذِه شهادتي وإخلاصي للَّه بالتوحيد؟ ! قال: فسكت، فقال ابن أبي دؤاد كلامًا لم أفهمه.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ٨٠ - ٨٦
قال العباس بن المغيرة: حدثنا أبو علي حنبل قال: قال أبو عبد اللَّه: ولقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالتهم، وجعل ابن عون يقول: الجسم، وكذا وكذا، فقلت: لا أدري ما تقول. وقلت: هو الأحد الصمد.
قال أبو عبد اللَّه: فاحتججت عليه، فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن، نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع، قال اللَّه في كتابه تصديقا منه لقول إبراهيم، غير دافع لمقالته ولا منكر، فحكى اللَّه ذلك فقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم؟ !
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ١/ ٢٢٨، والبخاري (٥٣)، ومسلم (١٧).
[ ٣ / ٤٧٤ ]
قالوا: شبه يا أمير المؤمنين، شبه يا أمير المؤمنين!
قلت: أليس هذا القرآن، هذا منكر مدفوع؟ ! وهذِه قصة موسى ﵇، قال اللَّه لموسى في كتابه حكاية عن نفسه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فأثبت اللَّه تعالى الكلام لموسى كرامة منه لموسى، وقال بعد كلامه له: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] تأكيدًا للكلام. وقال اللَّه تعالى في كتابه: يا موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤] أفتنكرون هذا؟ ! فتكون هذِه الياء الراجعة حكاية ترد على غير اللَّه ويكون مخلوقا يدعي الربوبية إلا هو ﷿. قال اللَّه تعالى: ﴿يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] فهذا كتاب اللَّه يا أمير المؤمنين.
فأمسكوا وأداروا بينهم كلامًا لم أفهمه.
قال أبو عبد اللَّه: وكان القوم يدفعون هذا وينكرونه.
قلت له: فأبو إسحاق؟ قال: لم يقل شيئًا، ولم يقدر على دفع القرآن، وأنكروا الكلام والرؤية.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٩٩ - ١٠٠
قال أحمد في رواية حنبل: إن عرضتُ على السيف لا أجيب.
"الآداب الشرعية" ١/ ١٨٣
[ ٣ / ٤٧٥ ]
٨٧ - فصل: خروج الإمام من دار المعتصم
قال ابن محمد المصيصي: سمعت عبد الرزاق قال لأحمد بن حنبل: وأما أنت فجزاك اللَّه عن نبيك خيرًا.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٨٥
قال أبو محمد الطفاوي لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللَّه، أخبرني عما صنعوا بك؟ قال: لما ضربت بالسياط جاء ذاك الطويل اللحية -يعني: عجيفًا- فضربني بقائم السيف، فقلت: جاء الفرج تضرب عنقي وأستريح.
فقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في رقبتي.
فقال له ابن أبي دؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إماما وثبتوا على ما هم عليه، لا، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجًا من منزلك شك الناس في أمره، وقال بعضهم: لم يجبه. فيكون الناس في شك من أمره.
وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول: دعا المعتصم بعم أحمد ابن حنبل، ثم قال للناس: تعرفونه؟
قالوا: نعم! هو أحمد بن حنبل.
قال: فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم.
ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شر لا يقام له، فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناس وسكتوا.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٩ - ٤٢٠
[ ٣ / ٤٧٦ ]
قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أحمد بن سنان قال: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل يوم فتح بابل أو في يوم فتح عمورية، فقال: هو في حل من ضربي.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي: وجه إليَّ الواثق أن أجعل المعتصم في حل من ضربه إياي.
فقلت: ما خرجت من داره حتى جعلته في حل، وذكرت قول النبي -ﷺ-: "لا يقوم يوم القيامة إلا من عفا" (١) فعفوت عنه.
قال أبو علي الحسين بن عبد اللَّه الخرقي -وقد رأى أحمد بن حنبل: بت مع أحمد بن حنبل ليلة، فلم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح، فقلت: أبا عبد اللَّه، كثر بكاؤك الليلة، فما السبب؟
فقال لي: ذكرت ضرب المعتصم إياي، ومر بي في الدرس: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فسجدت وأحللته من ضربي في السجود.
قال إبراهيم الحربي: أحل أحمد بن حنبل من حضر ضربه وكل من شايع فيه، والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دؤاد داعية لأحللته.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤٢٤ - ٤٢٥
_________________
(١) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" ١١/ ١٩٨ - ١٩٩ من حديث ابن عباس، وروي من حديث عمران بن حصين رواه البيهقي في "شعب الإيمان" ٦/ ٤٤ (٧٤٥١)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٦/ ١٤٥. وذكرهما الألباني في "الضعيفة" (٢٥٨٣) وقال عن الحديث الأول: موضوع وقال عن الثاني: إسناده ضعيف.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
قال أبو علي حنبل بن إسحاق: لما أمر أبو إسحاق بتخلية أبي عبد اللَّه، خلع عليه أبو إسحاق منطقة وقميصًا وطيلسانًا وخفًّا وقلنسوة، فبينا نحن على باب أبي إسحاق في الدهليز، والناس في ذلك الوقت مجتمعون في الميدان، وفي الدروب وغيرها، وأغلقت الأسواق واجتمع الناس، فنحن على ذلك إذ خرج أبو عبد اللَّه على دابة من دار أبي إسحاق وقد ألبس تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه وإسحاق بن إبراهيم عن يساره، فلما صار في دهليز أبي إسحاق قبل أن يخرج إلى الطريق، قال لهم ابن أبي دؤاد: اكشفوا رأسه. فكشفوه وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس، فقال لهم: خذوا به هاهنا. يريد دجلة، فذهب به إلى الزورق، فحمل إلى دار إسحاق ومعه غسان وصاحب الشافعي، فأتي به دار إسحاق فأقامه عنده إلى أن صلينا الظهر، وبعثت إلى أبي وإلى جيراننا وإلى مشايخ المحال فجمعوا، فأدخلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرفه. وجاء ابن سماعة فدخل.
قال أبو عبد اللَّه: فقال ابن سماعة حين دخل للجماعة: هذا أحمد بن حنبل، وإن أمير المؤمنين ناظره في أمر وقد خلى سبيله، وها هو ذا، فأخرج على دابة لإسحاق عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس.
فلما صار إلى الباب سمعت عياشًا صاحب الحبس لما رأى أبا عبد اللَّه قد أقبل، فقال عياش لصاحب إسحاق والناس قيام: تازية تازية -يعني: عربي عربي- فدخل أبو عبد اللَّه ودخلت معه من باب الزقاق، وهو منحنٍ على الضربة التي كانت قد أجافت ولم تنقب بحمد اللَّه، وكان عليها
[ ٣ / ٤٧٨ ]
منحنيا، فلما صار إلى باب الدار ذهب لينزل علي احتضنته ولم أعلم، فوقعت يدي على موضع الضربة فصاح وآلمه ذلك ولم أعلم، فنحيت يدي، ونزل متوكئًا علي ودخلنا وأغلق الباب.
ورمى أبو عبد اللَّه بنفسه على وجهه، لا يقدر يتحرك هكذا ولا هكذا إلا بجهد، وخلع ما كان عليه وأمر به فبيع، وأخذ ثمنه فتصدق به.
وكان إسحاق بن إبراهيم لا يقطع عنه خبره، وذلك أنه تركه -فيما حكي لنا- عند الإياس منه. وكان أبو إسحاق ندم بعد ذلك وأسقط في يده حتى صلح. وكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا في كل يوم يتعرف خبره، حتى صلح وبرئ بعد الصلاح وخرج إلى الصلاة والحمد للَّه رب العالمين. وبقيت يده وإبهاماه متخلعتين يضربان عليه إذا أصابهما البرد حتى نسخِّن له الماء، وصار سوط من الضرب في خاصرته فظنوا أنها قد نقبت فسلمه اللَّه من ذلك ورزقه العافية.
قال أبو علي: وجاء رجل من أهل السجن يقال له: أبو الصبح، ممن يبصر الضرب والجراحات، قال: قد رأيت مَنْ ضُرِب الضربَ العظيم، ما رأيت ضربًا مثل هذا، ولا أشد منه، وهذا ضرب التلف، ولقد جر عليه الجلادون -قدَّ اللَّه أيديهم- من قدامه ومن خلفه، وإنما أريد قتله. ثم سبره بالميل -يعني: قدره- مخافة أن تكون نقبت فلم تكن نقبت.
ورأيت أبا عبد اللَّه وقد أصابت أذنه ضربة فقطعت الجلد وأنتنت أذنه، وأصابت وجهه غير ضربة فما كان يضطرب.
قال أبو عبد اللَّه: وقال لي بعضهم: يا أبا عبد اللَّه، لا تتحرك وانتصب.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دؤاد إلى المعالج فيلقي في دوائه ما يقتله، فعملنا الدواء والمرهم في منزله وكان في بَرْنِيَّة (١) عندنا، فكان إذا جاء المعالج ليعالجه حضرنا جميعًا معه فيعالجه منها، فإذا فرغ رفعناها، وكان في ضربه شيء من اللحم قد مات، فقطعه بالسكين، فلم يزل أثر الضرب في ظهره إذا أصابه البرد ضرب عليه، فإذا آذاه الدم بعث إلى الحجام في أي ساعة كان، فيخرج الدم حتى يسكن عنه ضربان كتفيه، وكان يسخن له الماء الحار لبدنه.
قال جرير بن أحمد بن أبي دؤاد -عم أبي نصر- قال أبي: ما رأيت أشد قلبًا من هذا الرجل أحمد بن حنبل، جعلنا نكلمه، وجعل الخليفة يكلمه يسميه مرة ويكنيه: يا أحمد، يا أبا عبد اللَّه، وهو يقول: أوجدني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه -ﷺ- حتى أجيبك.
قال جعفر بن عبد الواحد: ذاكرت المهتدي بشيء فقلت به: كان أحمد بن حنبل يقول، ولكنه كان يخالف -كأني أومأت إلى من مضى من آبائه.
قال: فقال لي المهتدي: رحم اللَّه أحمد بن حنبل، واللَّه لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه. قال: ثم قال: تكلم بالحق وقُل به، فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٠٢ - ص ١٠٧
_________________
(١) بفتح الباء، وسكون الراء، وكسر النون، وتشديد الياء: إناء من الخزف "تهذيب اللغة" ١/ ٣٢٢، مادة (برن).
[ ٣ / ٤٨٠ ]
قال محمد بن إدريس بن محمد الخياط: قال من حضر الضرب ومحنة أحمد: واللَّه أنا رأيت بعد ما استرخى أحمد في الضرب، كاد أن ينحل مئزره حتى خرج يدان من خاصرته فشدَّت المئزر، وغشي عند ذلك على المعتصم، حتى حمل بين اثنين، قال: فبلغني أن المعتصم كان يقول في منامه: يا أحمد، إني قد عفوت عنك فاعف عني، وإلا فخذ السوط فاقتص مني.
قال أبو علي حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: ذهب عقلي مرارًا، فإذا رفع عني الضرب رجعت إليّ نفسي، وإذا استرخيت وسقطت رفع عني الضرب، أصابني ذلك مرارًا وأنا لا أعقل.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: وكان ابن أبي دؤاد قبل أن أضرب يختلف إلي وإذا أخذه القلق ذهب إلى أبي إسحاق، وجاء إلي بالوعيد والتهديد، وحاجبه ابن دنقش أيضا يمشي برسالة أبي إسحاق يقول لك كذا، يقول لك كذا، فلما لم يروا الأمر يصير إلى الذي أرادوا، عزموا على أن ينالوني بما نالوني به.
فقال له أبو بكر بن عبيد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، فكيف رأيته هو -يعني: أبا إسحاق؟ قال: رأيته في الشمس قاعدا بغير ظلة، فربما لم أعقل وربما عقلت، إذا أعاد الضرب ذهب عقلي فلا أدري، فيرفع عني الضرب. فسمعته يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت إثمًا في أمر هذا الرجل.
فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه واللَّه كافرٌ مشرك، قد أشرك من غير وجه. فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، وقد كان أراد تخليتي بغير ضرب، فلم يدعه، ولا إسحاق بن إبراهيم، وعزم حينئذ على ضربي.
[ ٣ / ٤٨١ ]
قال أبو علي: وبلغني عن النوفلي قال: قال أبو إسحاق لابن أبي دؤاد بعد ما ضرب أحمد، وهو يسأله: كم ضرب؟ فقال ابن أبي دؤاد: نيفًا وثلاثين -أو أربعة وثلاثين- سوطًا.
قال أبو عبد اللَّه: فقال لي إنسان ممن كان حضر: ثم إنا ألقينا على صدرك بارية وأكببناك على وجهك ودسناك.
قال أبو عبد اللَّه: وما عقلت بهذا كله، وأمر بإطلاقي فلم أعلم حتى أخرج القيد من رجلي.
وقال له ابن أبي دؤاد بعدما ضربت وأمر بتخليتي: يا أمير المؤمنين، احبسه فإنه فتنة، يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل مبتدع، وإن خليته فتنت به الناس.
فقال: يا إسحاق، أطلقه، وقام فدخل، فحينئذ عقلت بالقيد وقد نزع من رجلي. وقام أبو إسحاق فدخل من مجلسه ذلك، فلم يجد بدان أن يخلي عني، ولولا ذلك كان حبسني.
فقال أبو بكر بن عبيد اللَّه لأبي عبد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، فابن سماعة؟ فقال أبو عبد اللَّه: سمعته يقول له -وقد أوقفت من الضرب وأنا بين العقابين: يا أمير المؤمنين، إنه رجل شريف، وهو رجل في نفسه مستور، ولعله يجيب أمير المؤمنين بما يكون له وجه عما دعاه إليه أمير المؤمنين. ثم قال لي ابن سماعة: ويحك! إن أمير المؤمنين مشفق عليك، وهو ذا بين يديك، فأجبه إلى ما يريد منك.
قلت له: ما رأيت أمرًا أوضح من كتاب ولا سنة. فتنحى ابن سماعة وتكلم بكلام لم أفهمه.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
قال أبو علي حنبل: وبلغني أن أبا عبد اللَّه قال: لي ولهم موقف بين يدي اللَّه تعالى، وكتب بها إليه، فقال: يخلى سبيله الساعة.
قال: وبلغني أن أبا العلاء الأهتمي قال: ما رأيت أحدًا أشجع قلبا من أحمد بن حنبل.
وأخبرني أبي قال: قال لي بعض من حضر يومئذ: كان أحمد في دهره مثل صاحب بني إسرائيل في دهره. وكان هؤلاء يحتجون عليه، وهؤلاء يحتجون عليه، فيحتج على هؤلاء، ويحتج على هؤلاء بقلب ثابت وفهم، ليس ثم شيء ينكر.
وقال لهم أبو إسحاق: ليس هذا كما وصفتم لي. وذلك أنهم وضعوا من قدره عنده ونالوه وصغروه عنده، فلما شاهده ورأى ما عنده عرف له فضله.
قال أبو عبد اللَّه: لولا الخبيث ابن أبي دؤاد كان أبو إسحاق قد خلاني، ولكن هو وإسحاق بن إبراهيم قالا له: يا أمير المؤمنين، ليس من تدبير الخلافة أن تخالف خليفتين وتخلي سبيله. ولولا ذلك كان أبو إسحاق قد أراد تخليتي قبل الضرب. وقد أراد ابن أبي دؤاد أن يحبسني بعد الضرب، فقال أبو إسحاق: يخلى. فعاوده فغضب أبو إسحاق وقال: يخلى عنه. فلم أعلم إلا بالقيد وقد نزع عني.
وقال لي أبو إسحاق في اليوم الثالث حين أمر بضربي: أجبني إلى شيء يكون لك فيه بعض الفرج حتى أطلق عنك، وأطأ عقبك، وآتيك بأهلي وولدي وحشمي. وأراد بذلك أن يتشبث بشيء يكون له فيه عذر، فقلت له: ما أتيتموني ببيان من كتاب اللَّه، ولا من سنة عن رسول اللَّه -ﷺ-.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
قال أبو عبد اللَّه: وكان أبو إسحاق أرق علي منهم كلهم، فأما ابن أبي دؤاد، فكان فدما (١) لا يحسن يحتج ولا يهتدي إلى شيء، إنما كان يعتمد على أولئك البصريين المعتزلة، برغوث وأصحابه.
قال أبو بكر بن يزدانيار -يعني: الأرموي- في حديث طويل: بلغني أن المعتصم لما ضرب أحمد بن حنبل لم ينتفع بنفسه، وأخذته الرعدة وضيق النفس، وكانت ترتعد فرائصه ولا تكاد تستقيم له قدم على الأرض، فإذا قيل له: الأطباء؟ قال: أنا أعرف علتي، علتي محنة العبد الصالح أحمد بن حنبل حين ابتليت به. حتى مات على ذلك.
وقال الشيخ -يعني: ابن يزدانيار-: وبلغني أن الجلاد الذي ضرب أحمد وقعت في يده الأكلة في وقته ذلك، وبعد ثلاثٍ مات، واسود وجهه كله.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١١٠ - ١١٦
قال أبو الفضل البغدادي: قال لي حنبل: لما ضرب ابن عمي انكسرت له قطعة من عظام ضلعه، وكنا لا نجسر أن نداويه مخافة أن يكون في الدواء شيء من السموم، حتى وصف لنا بالبصرة متطبب صالح، فجئنا به، فلما نظر إلى الكسر وإذا العظم متعلق بلحم مفسود، فجذبه الطبيب بأسنانه فانجذب، وغشي عليه، فلما أفاق سمعته يقول بلسان ضعيف: اللهم لا تؤاخذهم.
_________________
(١) الفدم من الناس: العَيِيُّ عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم، وهو أيضًا: الغليظ السمين الأحمق الجافي. "لسان العرب" ٦/ ٣٣٦٥ مادة (فدم).
[ ٣ / ٤٨٤ ]
فلما برئ قلت: سمعتك تقول -وذكر ما قال- فقال: نعم، أحببت أن ألقى اللَّه ﷿ وليس بيني وبين قرابة النبي -ﷺ- شيء، وقد جعلته في حل، إلا ابن أبي دؤاد ومن كان مثله، فإني لا أجعلهم في حل.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان لي جلادان، يضرب ذا سوطا ويتأخر، ويضرب ذا سوطا، فإذا وقع الضرب على الضرب أقول: يا نفس ما لك راحة دون الموت.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١١٦ - ١١٧
قال عبد اللَّه بن أحمد: جاء رجل إلى أبي ﵀ فذكر أنه كان عند بشر فذكروه، فأثنى عليه بشر، وقال: لا نسي اللَّه لأحمد صنيعه، ثبت وثبتنا ولولاه لهلكنا.
قال عبد اللَّه: ووجه أبي يتهلل، فقلت: يا أبة، أليس يكره المدح في الوجه؟
فقال لي: يا بني، إنما ذكرت عند رجل من عباد اللَّه الصالحين وما كان مني، فحمد صنيعي، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: "المؤمن مرآة المؤمن" (١).
قال عبد اللَّه: لقيني بشر في بعض الطريق فبدأني بالسلام، ثم قال: كيف أبو عبد اللَّه؟
_________________
(١) رواه البخاري في "الأدب المفرد" ص ٩٠ (٢٣٩)، وأبو داود (٤٩١٨)، من حديث أبي هريرة. وقال المنذري في "مختصر السنن" ٧/ ٢٣٥: في إسناده كثير بن زيد، قال ابن معين: ليس بذاك القوي، وقال مرة: ثقة، وقال النسائي: ضعيف اهـ. وحسنه العراقي في "تخريج الإحياء" ١/ ٤٧٩ (١٨٢٤) وكذا الألباني في "الصحيحة" (٩٢٦).
[ ٣ / ٤٨٥ ]
قلت: بخير، فقال بشر: أنا أخصه بالدعاء في كل وقت، وأبتدئ به ثم بنفسي، ولولاه واستقامته في هذا الأمر هلكنا آخر الأبد.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١١٧ - ١١٩
قال أبو علي حنبل: حضرت أبا عبد اللَّه وأتاه رجل في مسجدنا، وكان الرجل حسن الهيئة، كأنه كان مع السلطان، فجلس حتى انصرف من كان عند أبي عبد اللَّه، ثم دنا منه فرفعه أبو عبد اللَّه لما رأى من هيئته، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، اجعلني في حل.
قال: من ماذا؟
قال: كنت حاضرًا يوم ضربت، وما أعنت ولا تكلمت، إلا أني حضرت ذلك.
فأطرق أبو عبد اللَّه ثم رفع رأسه إليه، فقال: أحدث للَّه توبة، ولا تعد إلى مثل ذلك الموقف. فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أنا تائب إلى اللَّه تعالى من السلطان، قال له أبو عبد اللَّه: فأنت في حل وكل من ذكرني إلا مبتدع.
قال أبو عبد اللَّه: وقد جعلت أبا إسحاق في حل ورأيت اللَّه ﷿ يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وأمر النبي -ﷺ- أبا بكر بالعفو في قضية مسطح (١).
ثم قال أبو عبد اللَّه: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك. ولكن تعفو وتصفح عنه، فيغفر اللَّه لك كما وعدك.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٥٩ - ١٦٠
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٦/ ٥٩، والبخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة -﵄-.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
٨٨ - فصل: قصة الإمام مع الواثق
قال ابن الجوزي: ولي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وحسن له ابن أبي دؤاد امتحان الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك ولم يعرض لأحمد، إما لما علم من صبره، أو لما خاف من تأثير عقوبته، لكنه أرسل إلى أحمد بن حنبل: لا تساكني بأرض.
فاختفى أحمد بقية حياة الواثق، فما زال يتنقل في الأماكن ثم عاد إلى منزله بعد أشهر، فاختفى فيه إلى أن مات الواثق (١).
قال البغوي: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل في سنة ثمان وعشرين في أولها، وقد حدث حديث معاوية عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة فأعدوا للبلاء صبرا" (٢). فجعل يقول: اللهم رضينا! اللهم رضينا!
_________________
(١) قد ذُكر رجوع الواثق عن هذِه المقالة في أواخر حياته على يد شيخ اسمه أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن محمد بن إسحاق الأذرمي، شيخ أبي داود وأبي حاتم الرازي، كما قال الخطيب في "تاريخ بغداد" ١٠/ ٧٤ وكان ذلك في مناظرة تمت بينه وبين ابن أبي دؤاد بحضرة الواثق، وقد علا فيها الشيخ، وذكرها الآجري في "الشريعة" ص ٨٠ - ٨٣ (١٧٧). وقد ذكرناها بالتفصيل في تعليقنا على "ترجمة الإمام أحمد" من هذه الموسوعة.
(٢) روى أوله الإمام أحمد ٤/ ٩٤، وابن ماجه (٤٠٣٥) عنه. قال البوصيري في "زوائده" ص ٥٢١ (١٣٥٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. ورواه بتمامه "فأعدوا للبلاء صبرًا" ابن عدي في "الكامل" ٩/ ١٥١ في ترجمة يزيد بن يوسف، عنه، ونقل عن النسائي أنه متروك الحديث. وقال: ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه. ورواه بها من طريقه أبو عمرو الداني في "السنن الواردة =
[ ٣ / ٤٨٧ ]
قال إبراهيم بن هانئ: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام. ثم قال: اطلب لي موضعا حتى أتحول إليه.
قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد اللَّه.
فقال: افعل، فإذا فعلت أفدتك.
وطلبت له موضعا، فلما خرج قال لي: اختفى رسول اللَّه -ﷺ- في الغار ثلاثة أيام ثم تحول (١)، وليس ينبغي أن يتبع رسول اللَّه -ﷺ- في الرخاء ويترك في الشدة.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤٢٩ - ٤٣٠
_________________
(١) = في الفتن" ١/ ١٨٢ - ١٨٣ (٣) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٦٢/ ١٢٩. لكن وقع عند أبي عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" ١/ ٢٨٧ (٦٧) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي عبد ربه، عن معاوية، وهو سند أحمد وابن ماجه السابق بها أيضًا. لكن أشار محققه في الحاشية أنها ليست بالأصل. فرجع الأمر أنها لم تثبت إلا من طريق يزيد بن يوسف وهو ضعيف.
(٢) رواه الإمام أحمد ٦/ ١٩٨، والبخاري (٣٩٠٥) من حديث عائشة -﵄-.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
٨٩ - فصل: رسالة المتوكل إلى الإمام وجواب الإمام إليه
قال أبو الفضل: كتب عبيد اللَّه بن يحيى إلى أبي يخبره: إن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك كتابا أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وبصيرة.
فأملى عليَّ أبي ﵀ إلى عبيد اللَّه بن يحيى وحدي ما معنا أحد: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أحسن اللَّه عاقبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودفع عنك مكاره الدنيا برحمته، قد كتبتُ إليك -رضي اللَّه تعالى عنك- بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن بما حضرني، وإني أسأل اللَّه أن يُديم توفيق أمير المؤمنين، قد كان الناس في خوض من الباطل واختلاف شديد يغتمسون فيه، حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى اللَّه بأمير المؤمنين كل بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس، فصرف اللَّه ذلك كله، وذهب به أمير المؤمنين، ووقع ذلك من المسلمين موقعا عظيما، ودعوا اللَّه لأمير المؤمنين، وأسأل اللَّه أن يستجيب في أمير المؤمنين صالح الدعاء، وأن يتم ذلك لأمير المؤمنين، وأن يزيد في بيته، ويعينه على ما هو عليه.
فقد ذكر عن عبد اللَّه بن عباس أنه قال: لا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم (١).
وذكر عن عبد اللَّه بن عمرو أن نفرًا كانوا جلوسا بباب النبي -ﷺ- فقال بعضهم: ألم يقل اللَّه كذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل اللَّه كذا؟
_________________
(١) رواه أبو الفضل المقرئ في "أحاديث في ذم الكلام وأهله" ٢/ ١٣ (١٧١).
[ ٣ / ٤٨٩ ]
قال: فسمع ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال: "أبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَنْ تَضْرِبُوا كتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعضٍ؟ إِنَّمَا ضَلَّتِ الأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هذا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هاهنا فِي شَيءٍ، انْظُرُوا الذِي أُمِرْتُمْ بِهِ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَانظروا الذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا عنه" (١).
وروي عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "مِرَاءٌ فِي القُرْآنِ كُفْرٌ" (٢) وروي عن أبي جهيم -رجل من أصحاب النبي -ﷺ- عن النبي -ﷺ- قال: "لا تماروا فِي القُرْآنِ، فَإِنَّ مِرَاءً فِي القُرْآنِ كفرٌ" (٣).
وقال عبد اللَّه بن عباس: قدم على عمر بن الخطاب رجل، فجعل عمر يسأل عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا.
فقال ابن عباس: فقلت: واللَّه ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذِه المسارعة. فقال: فنهرني عمر، وقال: مه.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٧٨، ١٩٥، ورواه ابن ماجه (٨٥) بنحوه وابن أبي عاصم في "السنة" (٤٠٦). قال البوصيري في "الزوائد" ص ٣٩ (١٠): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وحسنه الألباني في "ظلال الجنة" (٤٠٦).
(٢) رواه الإمام أحمد ٢/ ٢٨٦، وأبو داود (٤٦٠٣)، والبزار في "البحر الزخار" ١٤/ ١٥٦ (٧٦٨٨)، وأبو يعلى ١٠/ ٣٠٣ (٥٨٩٧)، وابن حبان ٤/ ٣٢٤ (١٤٦٤)، والحاكم ٢/ ٢٢٣، وغيرهم من طرق عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عنه. صححه الحاكم وابن حبان، قال الذهبي: على شرط مسلم. وقال الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب" (١٤٣): حسن صحيح. وانظر "المشكاة" (٢٣٦).
(٣) رواه الإمام أحمد ٤/ ١٦٩، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" ص ٣٣٧، والطبري في "تفسيره" ١/ ٤١ (٤١). قال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٥١: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
فانطلقت إلى منزلي مكتئبا حزينا، فبينا أنا كذلك، إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت، فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي، فخلا بي، وقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، متى ما يتسارعوا هذِه المسارعة، يحتقُّوا (١)، ومتى ما يحتقُّوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا.
قال: دته أبوك، واللَّه إن كنت لأكتمها الناس حتى جئت بها (٢).
وروي عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان النبي -ﷺ- يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: "هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلّغَ كَلَامَ رَبِّي" (٣).
وروي عن جبير بن نفير قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنكم لن ترجعوا إلى اللَّه بشيء أفضل مما خرج منه" يعني: القرآن (٤).
_________________
(١) احتقَّ القوم: قال كل واحد منهم: الحق في يدي. انظر "لسان العرب" ٢/ ٩٤٠ مادة: (حقق) ..
(٢) رواه عبد الرزاق ١١/ ٢١٧ (٢٠٣٦٨).
(٣) رواه الإمام أحمد ٣/ ٣٩٠، وأبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٩٤٧).
(٤) رواه الترمذي (٢٩١٢) بعد أن قال: وقد روي هذا الحديث عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن النبي -ﷺ- مرسلًا. ورواه الإمام أحمد في "الزهد" ص ٤٦، وأبو داود في "المراسيل" (٥٣٨)، والخلال في "السنة" ٢/ ٢٨٥ (١٩٦٠). قال البخاري في "خلق أفعال العباد" ص ١٥٠: هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه. وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٢٠٤٢).
[ ٣ / ٤٩١ ]
وروي عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ- قال: "مَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ" (١) يعني القرآن.
وروي عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: جردوا القرآن، لا تكتبوا فيه شيئًا إلا كلام اللَّه ﷿ (٢).
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: هذا القرآن كلام اللَّه، فضعوه على مواضعه (٣).
وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إني إذا قرأت كتاب اللَّه وتدبرته ونظرت في عملي كدت أن آيس وينقطع رجائي. قال: فقال الحسن: إن القرآن كلام اللَّه، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر (٤).
وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جارا لخباب -وهو من أصحاب النبي -ﷺ- فخرجت معه يوما من المسجد، وهو آخذ بيدي فقال: يا هناه،
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ٢٦٨، والترمذي (٢٩١١) مطولا. وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٨٦٢).
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٣٢٣ (٧٩٤٤)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٤١ (٨٥٤٧) بلفظ: جردوا القرآن ولا تلبسوا به ما ليس منه. ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني ٩/ ٣٥٣ (٩٧٥٣). قال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٣٢٨: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أبي الزعراء وقد وثقه ابن حبان، وقال البخاري وغيره: لا يتابع في حديثه. وانظر "نصب الراية" ٤/ ٣٣٤.
(٣) رواه الإمام أحمد في "الزهد" ص ٤٦، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٤٩ (٢٢).
(٤) رواه بنحوه عبد اللَّه في "السنة" ١/ ١٥١ (١٣٠، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ١/ ٥٩٦ (٥٣٠).
[ ٣ / ٤٩٢ ]
تقرب إلى اللَّه بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه (١).
وقال رجل للحكم بن عتيبة: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات (٢).
وقال معاوية بن قرة -وكان أبوه ممن أتى النبي -ﷺ-: إياكم وهذِه الخصومات، فإنها تحبط الأعمال (٣).
وقال أبو قلابة -وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: لا تجالسوا أصحاب الأهواء -أو قال: أصحاب الخصومات- فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون (٤).
ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ فقال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب اللَّه؟ قال: لا، لتقومان عني أو لأقوم عنكما.
قال: فقام الرجلان فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرآ عليك آية من كتاب اللَّه تعالى؟
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣٦ (٣٠٠٨٩)، والآجري في "الشريعة" ص ٦٩ (١٤٨)، وصححه الحاكم ٢/ ٤٤١.
(٢) رواه الآجري في "الشريعة" ص ٥٣ (١١٧)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" ١/ ١٤٥ (٢١٨).
(٣) رواه الآجري في "الشريعة" ص ٥٢ (١١٠)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" ١/ ١٤٥ (٢٢١).
(٤) رواه الدارمي في "سننه" ١/ ٣٨٧ (٤٠٥)، والآجري في "الشريعة ص ٥٢ (١٠٩)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الإيمان ٢/ ٤٣٥ (٣٦٣)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" ١/ ١٥١ (٢٤٤).
[ ٣ / ٤٩٣ ]
فقال له ابن سيرين: إني خشيت أن يقرآ علي آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي (١). وقال محمد: لو أعلم أني أكون مثل الساعة لتركتهما.
وقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولى وهو يقول بيده: ولا نصف كلمة (٢).
وقال ابن طاوس لابن له يكلمه رجل من أهل البدع: يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول، ثم قال: اشدد (٣).
وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل (٤).
وقال إبراهيم النخعي: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبئ لكم لفضل عندكم (٥).
وكان الحسن ﵀ يقول: شر داء خالط قلبا. يعني: الأهواء (٦).
_________________
(١) رواه الدارمي في "سننه" ١/ ٣٨٩ (٤١١)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الإيمان ١/ ٤٤٥ (٣٩٨) والآجري في "الشريعة" ص ٥٣ (١١٥)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" ١/ ١٥١ (٢٤٢) ورواية ابن بطة والآجري مختصرة.
(٢) رواه الدارمي ١/ ٣٩٠ (٤١٢)، والآجري في "الشريعة" ص ٥٣ (١١٤)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الإيمان ١/ ٤٤٧ (٤٠٢)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" ١/ ١٦٢ (٢٩١).
(٣) رواه عبد الرزاق ١١/ ١٢٥ (٢٠٠٩٩) عن معمر قال: كنت عند ابن طاوس، فذكره.
(٤) رواه مالك في "الموطأ" رواية محمد بن الحسن ٣/ ٤٠٢ (٩١٧) عن يحيى بن سعيد قاله، ورواه الدارمي في "سننه" ١/ ٣٤٢ (٣١٢)، والآجري في "الشريعة" ص ٥٢ (١١٢)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الإيمان ٢/ ٥٠٢ (٥٦٥ - ٥٦٦، ٥٦٨ - ٥٦٩)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" ١/ ١٤٤ (٢١٦).
(٥) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ٢/ ٩٤٦ (١٨٠٨).
(٦) رواه الإمام أحمد في "الزهد" ص ٣٢٣.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وقال حذيفة بن اليمان -وكان من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: اتقوا اللَّه معشر القراء، وخذوا طريق من كان قبلكم، واللَّه لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا، أو قال: مبينًا (١).
قال أبي ﵀: وإنما تركت ذكر الأسانيد لما تقدم من اليمين التي حلفت بها -مما علمه أمير المؤمنين- لولا ذلك لذكرتها بأسانيدها.
وقد قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ﴾ [التوبة: ٦].
وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَأخبر بالخلق ثم قال: ﴿وَالأَمْرُ﴾. فأخبر أن الأمر غير مخلوق.
وقال ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
فأخبر تبارك تعالى أن القرآن من علمه.
وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠].
وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥].
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢٨٢) بلفظ: يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا، لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧].
فالقرآن من علم اللَّه تعالى. وفي هذِه الآيات دليل على أن الذي جاءه -ﷺ- هو القرآن لقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧].
وقد روي عن غير واحد ممن مضى ممن سلفنا أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق.
وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أدري الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب اللَّه، أو حديث عن النبي -ﷺ-، أو عن أصحابه، أو عن التابعين ﵏، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود.
وإني أسأل اللَّه أن يطيل بقاء الأمير، ويمده منه بمعونة، إنه على كل شيء قدير (١).
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ١١٢ - ١١٧، "مسائل صالح" (٨٧١)
_________________
(١) رواها عبد اللَّه في "السنة" عن أبيه ١/ ١٣٣ - ١٤٠ (٨٤ ب-١٠٨)، ورواها الخلال في "السنة" من طريق المروذي ٢/ ٣٧٣ - ٢٧٦ (١٩٤٧ - ١٩٤٨)، وذكرها الذهبي في "تاريخ الإسلام" ١٨/ ١٣٢ - ١٣٦ عن عبد اللَّه بن أحمد، وقال: رواة هذِه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد باللَّه أنه أملاها على ولده. وذكرها أيضا في "السير" ١١/ ٢٨١ - ٢٨٦، وقال: فهذِه الرسالة إسنادها كالشمس، فانظر إلى هذا النفس النوراني.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
باب: الجهمية
٩٠ - فصل: ذكر أناس من الجهمية وأخبارهم (١)
قال صالح: قال أبي: بلغني أن المثنى الأنماطي قعد بواسط، فأثنى على بشر المريسي، فقام يزيد بن هارون فقال: لا واللَّه أو ينفى منها. فأخرجه من واسط.
"مسائل صالح" (٣٣٣)
قال ابن هانئ: وسمعته يقول: أخزى اللَّه الكرابيسي، لا يجالس ولا يكلم ولا تكتب كتبه، ولا يجالس من جالسه. وذكره بكلام كثير.
وقيل له ما لا أحصي: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو عندك كافر؟
قال: نعم، هو عندي كافر.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٦٥)
قال ابن هانئ: حضرت الصلاة مع أبي عبد اللَّه يوم عيد، فإذا قاص يقص، فذكِر القاص كلمة قال: على ابن أبي دؤاد ألف لعنة اللَّه -أو كلمة نحوها- ثم جعل يقول: لعن اللَّه ابن أبي دؤاد. وجعل يذكره بالقبيح.
فلما قضى أبو عبد اللَّه صلاة العيد، ووافق ذلك يوم الجمعة، فصلى العيد ثم انصرف، ولم يغد إلى الجمعة -فلما صرنا ببعض الطريق، جلسنا نستريح، فذكر أبو عبد اللَّه القاص. قال: ما أنفعهم للعوام، وإن كان عامة ما يحدثون به كذبًا.
قلت له: إن أبا حامد الخفاف، قال لي: إن أبا نصر التمار مر بهذا وهو يقص بباب الشام والناس مستجمعون.
_________________
(١) انظر ما تقدم صفحة ٢٩٦ - ٢٩٨ وفيه ذكر جماعة من الجهمية بأسمائهم.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
فقال: ما هذا؟ فقيل له: قاص، فقرأ هذِه الآية: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨].
قال أبو عبد اللَّه: فهو أيش زين له؟ ! ثم ذكر كلمة، فقال: واللَّه ما كانت حجة عبد الرحمن بن إسحاق، وإسحاق بن إبراهيم عليّ إلا بأبي نصر التمار. وإسحاق جعل يقول لي: ألا ترى إلى إخوانك إسحاق بن أبي إسرائيل وأبي نصر.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٨٠)
قال حرب بن إسماعيل: سمعت أحمد وذكر شعيب بن سهل قاضي بغداد، فقال: أخزاه اللَّه، وهو يرى رأي جهم (١).
"مسائل حرب" ص ٤٥٦
قال عبد اللَّه: سمعت أبي ﵀ يقول: كنا نحضر مجلس أبي يوسف، وكان بشر المريسي يحضر في آخر الناس، فيشغب فيقول: أيش تقول؟ وأيش قلت يا أبا يوسف؟
فلا يزال يضج ويصيح، فكنت أسمع أبا يوسف يقول: اصعدوا به إلي، اصعدوا به إلي.
قال: فجاء يومًا فصنع مثل هذا، فقال أبو يوسف: اصعدوا به إلي.
قال أبي ﵀: وكنت بالقرب منه، فجعل يناظره في مسألة فخفي علي بعض قوله، فقلت: للذي كان أقرب مني: أيش قال له أبو يوسف؟ فقال: قال له: لا تنتهي حتى تفسد خشبة (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٧١ (٢٠٣)
_________________
(١) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ١٩٩ (١٧٦٤).
(٢) رواها الخطيب في "تاريخ بغداد" ٧/ ٦٣، بلفظ: حتى تصعد خشبة. ومعناه حتى تصلب على خشبة.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
قال أبو بكر الخلال: أخبرني عوان بن إسحاق الهمذاني قال: سمعت القاسم بن أسد الأصبهاني قال: سمعت أحمد بن حنبل قال: سمعت بعض ولد ساسان يقول: سمعت جهمًا يقول: أنا من حران من قدار.
"السنة" للخلال ٢/ ١٨٠ (١٦٧٨)
قال الخلال: حدثنا أبو بكر، قال: ثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى البزاز، قال: سمعت أبي يقول: قدم علينا رجل من صور معروف بالصوري متكلم، حسن الهيئة كأنه راهب، فأعجبنا أمره، ثم إنما لقي سائلا فجعل يقول لنا: الإيمان مخلوق، والزكاة مخلوقة، والحج مخلوق، والجهاد مخلوق، فجعلنا لا ندري ما نرد عليه، فأتينا عبد الوهاب الوراق، فقصصنا عليه أمره، فقال: ما أدري ما هذا؟ ائتوا أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل؟ فإنه جهبذ هذا الأمر.
قال أبي: فأتينا أبا عبد اللَّه، فأخبرناه بما أخبرنا عبد الوهاب من المسائل التي ألقاها علينا.
فقال لنا أبو عبد اللَّه: هذِه مسائل الجهم بن صفوان، وهي سبعون مسألة، اذهبوا فاطردوا هذا من عندكم.
"السنة" للخلال ٢/ ١٨٥ (١٧٠١)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه ذكر بشرًا المريسي، فقال: من كان أبوه يهوديا أيش تراه يكون؟
وقال المروذي في موضع آخر: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: ملأ اللَّه قبر المريسي نارًا.
"السنة" للخلال ٢/ ١٨٩ (١٧١٧)
قال الخلال: وأخبرني عبد الملك الميموني أن أبا عبد اللَّه ذكر عنده بشر المريسي، فقيل: كافر. فلم أر أبا عبد اللَّه أنكر من قول القائل شيئًا.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: قال يزيد: أما في الحربية من يفتك بالمريسي؟ قال: قد كان يقول ذاك.
"السنة" للخلال ٢/ ١٩٠ (١٧٢٠ - ١٧٢١)
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: أن مثنى الأنماطي تكلم بواسط، فأثنى على المريسي؟ فقال: نعم، فقال يزيد: ينفى. فأنفي، وكان من أهلها -يعني: من أهل واسط.
قال الخلال: أخبرني أبو بكر بن صدقة قال: سمعت محمد بن منصور الطوسي قال: كنا نمضي إلى سعدويه قال: فكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو خيثمة وعدة، قال: فتلقانا بشر المريسي. قال: فقصد له أبو خيثمة، ثم التفت إلينا فقال: رأيتم قط أشبه باليهود منه؟
قال: فجعل أحمد بن حنبل ﵀ يقول لأبي خيثمة ﵀: ستورثني يا أبا خيثمة، رأيت مثل ذلك الوجه.
قال الخلال: أخبرني أحمد بن بحر الصفار المخرمي قال: ثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان المريسي صاحب خطب وليس صاحب حجج -وهو يومئذ حي.
قال الخلال: أخبرني محمد بن علي قال: ثنا الأثرم قال: سمعت أبا عبد اللَّه قديمًا يُسأل عن الصلاة خلف بشر المريسي.
قال: لا يصلى خلفه.
"السنة" للخلال ٢/ ١٩١ (١٧٢٤ - ١٧٢٧)
قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرسوسي، قال: ثنا جعفر بن أحمد، قال: ثنا محمد بن عبد اللَّه بن الحارث، قال: ثنا زكريا بن الحكم، عن جعفر بن محمد، قال: ثنا يحيى الزمي قال:
[ ٣ / ٥٠٠ ]
بينما أنا جاءٍ من خراسان، إذ نمت ببعض الخانات، فتمثل لي في منامي شيء عظيم، له عينان في صدره، هالني أمره، فقلت: لا إله إلا اللَّه.
فقال: يا يحيى، صدقت، لا إله إلا اللَّه. قال: فصارت العينان في موضع العينين.
قال: قلت: ويلك، من أنت؟ فقال لي: يا يحيى، لا تعرفني؟
قال: قلت لا، ما كنت أبالي ألا أعرفك، من أنت؟ قال: هو إبليس.
قال: فقلت له: لا حييت، من أين أقبلت؟ قال: من العراق.
قلت له: وأي العراق؟ قال: بغداد.
قال: قلت له: ما كنت تصنع ببغداد؟ قال: استخلفت بها خليفة.
قلت: ومن الذي استخلفت؟ قال: استخلفت بشرًا المريسي.
قلت: وما أصبت أوثق منه تستخلفه؟
قال لي: إنه دعا الناس إلى شيء لو دعوتهم ما أجابوني إليه.
قال: قلت له: إلام دعاهم؟ قال: إلى خلق القرآن.
قال: فقلت له يا ملعون، ما تقول في القرآن؟ قال لي: اللَّه اللَّه يا يحيى، إن كنت أعصي اللَّه، فإن القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، ولا بمجهول.
قال أبو يحيى: قال أحمد بن حنبل: لو رحل في هذا إلى خراسان أو إلى مصر لكان (قليلًا) (١).
"السنة" للخلال ٢/ ١٩٤ (١٧٣٨)
قال أبو بكر الخلال: أخبرني الحسن بن ثواب المخرمي قال: قلت
_________________
(١) في "السنة": (قليل).
[ ٣ / ٥٠١ ]
لأحمد بن حنبل: ابن أبي دؤاد؟ قال: كافر باللَّه العظيم (١).
وقال الخلال: أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الوليد يقول: استتيب ابن أبي دؤاد من القرآن مخلوق في ليلة ثلاث مرات يتوب ثم يرجع، يتوب ثم يرجع.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون: أن حبيش بن سندي حدثهم: أن أحمد بن حنبل ذكر ابن أبي دؤاد، فقال: حشا اللَّه قبره نارًا.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون؛ أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم؛ أنه حضر العيد مع أبي عبد اللَّه، قال: فإذا بقاص يقول: على ابن أبي دؤاد لعنة اللَّه، وحشا اللَّه قبر ابن أبي دؤاد مائة ألف عمود من نار. وجعل يلعن، فقال أبو عبد اللَّه: ما أنفعهم للعامة.
وقال الخلال: أخبرني عبد اللَّه بن أحمد؛ أن البندنيجي قال: ثنا عبد اللَّه بن الحسن الزراد الهمذاني، قال: ثنا محمد بن يعقوب البغدادي، قال: سمعتُ أبا بكر الأثرم يقول: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد ابن حنبل يقول: رأيتُ ابن أبي دؤاد في المنام، فقلت: ما فعل بك ربك؟ فقال: ما فعل لي، قال لي: انطلقوا إلى ما كنتم تعبدون. يا أحمد، تمسك بما أنت عليه فإنه الحق.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن يحيى الكحال قال: قلت لأبي عبد اللَّه: رجل صلى على ابن أبي دؤاد. فقال: هذا معتقد، هو جهمي.
_________________
(١) ورواها الخطيب في "تاريخ بغداد" ٤/ ١٥٣، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" ١/ ٣٥٤.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
قال: وذكرت لأبي عبد اللَّه البارودي، فقال: ذاك خزانة من خزائنه، يعني ابن أبي دؤاد.
وقال الخلال: أخبرني عبد الملك الميموني قال: ذكر أبو عبد اللَّه ابن رباح، فقال: ذاك الخبيث.
"السنة" للخلال ٢/ ١٩٨ - ١٩٩ (١٧٥٧ - ١٧٦٣)
قال الخلال: أخبرني عبد الملك الميموني قال: ذكر أبو عبد اللَّه ابن رباح وشعبويه، فدعا عليهم دعاءً ما سمعت يدعو على أحد مثله.
"السنة" للخلال ٢/ ١٩٩ (١٧٦٥)
قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن صدقة، قال: سمعت الميموني يقول: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللَّه، لما أخرجت جنازة ابن طراح جعلوا الصبيان يصيحون: اكتب إلى مالك: قد جاء حطب النار.
قال: فجعل أبو عبد اللَّه يشير وجعل يقول: يصيحون يصيحون.
"السنة" للخلال ٢/ ١٩٩ (١٧٦٨)
قال أبو جعفر محمد بن الحسن بن بدينا: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، أنا رجل من أهل الموصل الغالب على أهل بلدنا الجهمية، وفيهم أهل سنة نفر يسير محبوك، وقد وقعت مسألة الكرابيسي فأفتنتهم -قول الكرابيسي: لفظي بالقرآن مخلوق.
فقال لي أبو عبد اللَّه: إياك إياك إياك إياك وهذا الكرابيسي، لا تكلمه، ولا تكلم من يكلمه -أربع مرار أو خمسًا- إن في كتابي أربعًا.
قلت: يا أبا عبد اللَّه فهذا القول عندك ما يتشعب منه يرجع إلى قول جهم؟ قال: هذا كله قول جهم.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٢٩ - ٣٣٠ (١٢٩)
[ ٣ / ٥٠٣ ]
قال أبو بكر -يعني: المروذي- قلت لأبي عبد اللَّه ونحن بالعسكر جاءني كتاب من بغداد أن رجلا قد تابع الحسين الكرابيسي على القول، فقال لي: هذا قد تجهم وأظهر الجهمية، ينبغي أن تحذر منه، ومن كل من اتبعه.
قال: مات بشر المريسي وخلف حسينًا الكرابيسي.
وذكر حسين الكرابيسي فقال: ما أعرفه بشيء من الحديث، وقال: صاحب كلام لا يفلح، من تعاطى الكلام لم يخل من أن يتجهم، وقال: ما كان اللَّه ليدعه حتى يبين أمره -وهو يقصد إلى سليمان التيمي يتكلم فيه.
وقال: ليس قوم عندي خيرًا من أهل الحديث، لا يعرفون الكلام.
وقال: صاحب كلام لا يفلح.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ١٢٨ - ١٢٩ (٤٠٣)
قال أبو طالب: أخبروني عن الكرابيسي أنه ذكر قول اللَّه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال -يعني، الكرابيسي: لو أكمل لنا ديننا ما كان هذا الاختلاف. فقال -يعني أحمد: هذا الكفر صراحًا.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٨٤ - ٨٥
وقال ابن حماد المقرئ: سألت أبا عبد اللَّه عن حسين الكرابيسي، فقال: جهمي.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٨٨
[ ٣ / ٥٠٤ ]
٩١ - فصل: مقالة الجهمية
قال الخلال: سمعت أبا بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه وذكر الجهمية، فقال: إنما كان يراد بهم المطابق، تدري أي شيء عملوا هؤلاء في الإسلام؟
قيل لأبي عبد اللَّه: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟
قال: ومن لا يفر بهذا؟
قيل له: إن ابن المبارك قال: الذي ينتقم من الحجاج هو ينتقم للحجاج من الناس. قال: أي شيء يشبه هذا من الحجاج؟ هؤلاء أرادوا تبديل الدين.
قال الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد قال: قال لي أبو عبد اللَّه وذكر الجهمية وما يصنعون، قال: ليس بالناس حياة.
قال الخلال: أخبرني عبد اللَّه بن محمد: ثنا المثنى الأنباري أنه سمع أبا عبد اللَّه يقول: ما حل بالإسلام؟
قال الخلال: أخبرني محمد بن موسى أن حمدان بن علي حدثهم قال: سمعت أحمد يقول: الجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه -عني: فهو مؤمن- وهذا كفر إبليس، قد عرف ربه بقلبه، فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩].
"السنة" للخلال ٢/ ٢٠٠ (١٧٦٩ - ١٧٧٢)
قال الخلال: أخبرني عبد الملك أنه ذاكر أبا عبد اللَّه أمر الجهمية وما يتكلمون به، فقال: في كلامهم كلام الزندقة، يدورون على التعطيل، ليس يثبتون شيئًا وهكذا الزنادقة.
[ ٣ / ٥٠٥ ]
وقال أبو عبد اللَّه: بلغني أنهم يقولون شيئًا هم يدعونه وينقضونه على المكان، يقولون: هو شيء في الأشياء كلها وليس الشيء في الشيء. قال لي: فهو قد ترك قوله الأول. وأقبل متعجبًا لي.
قال الخلال: أخبرني محمد بن علي بن محمود بن فرقد الوراق قال: حدثني أحمد بن سعد الجوهري قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد أضر على أهل الإسلام من الجهمية، ما يريدون إلا إبطال القرآن وأحاديث رسول اللَّه -ﷺ-.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١ (١٧٧٤ - ١٧٧٥)
[ ٣ / ٥٠٦ ]
٩٢ - فصل: فرق الجهمية
قال أبو الفضل: سمعت أبي يقول: افترقت الجهمية على ثلاث فرق:
فرقة قالوا: القرآن مخلوق.
وفرقة قالوا: كلام اللَّه. وتسكت.
وفرقة قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق.
قال اللَّه ﷿ في كتابه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فجبريل سمعه من اللَّه، وسمعه النبي -ﷺ- من جبريل ﵇، وسمعه أصحاب النبي -ﷺ- من النبي فالقرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٧٢
قال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: افترقت الجهمية على ثلاث فرق: الذين قالوا: مخلوق، والذين شكوا، والذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة (١).
فقال أبو عبد اللَّه: ولا نقول: هؤلاء واقفة، نقول: هؤلاء شكاكة (٢).
وقال الخلال: أخبرني حنبل بن إسحاق بن حنبل بواسط، قال: سمعت أبو عبد اللَّه يقول: الجهمية على ثلاثة ضروب: فرقة قالوا: القرآن مخلوق. وفرقة قالوا: كلام اللَّه. وتقف، وفرقة قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، فهم عندي في المقالة واحد (٣).
وقال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرم المزني قال: حدثني أحمد بن حازم أنه سمع أبا عبد اللَّه.
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" ١/ ٢٩٧ (٧٢)، ١/ ٣٤٣ (١٥٠).
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" ١/ ٢٩٧ (٧٣)
(٣) رواه ابن بطة في "الإبانة" ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧ (٩٦).
[ ٣ / ٥٠٧ ]
وأخبرني أحمد بن يحيى الصفار، قال: سمعت الحسن بن البزار قال: قال أبو عبد اللَّه.
وأخبرني محمد بن علي، قال: ثنا صالح بن أحمد، قال: سمعت أبي -والمعنى واحد- يقول: افترقت الجهمية على ثلاث فرق: فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام اللَّه وتسكت، وفرقة قالوا: ألفاظنا مخلوقة.
زاد صالح بن أحمد عن أبيه قال: وقال اللَّه في كتابه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فجبريل سمعه من اللَّه ﷿، وسمعه النبي -ﷺ- من جبريل ﵇، وسمعه أصحاب النبي -ﷺ- من النبي، فالقرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
أخبرني منصور بن الوليد، أن جعفر بن محمد حدثهم قال: قلت لأبي عبد اللَّه: قال لي ابن أبي عمر: جاءني اليوم قوم من أهل بغداد فقلت لهم: من قال: القرآن مخلوق. والواقفة واللفظية شيء واحد؟ فقال: بارك اللَّه فيه. قالها ثلاثا.
قلت لأبي عبد اللَّه: سمعت هارون بن إسحاق يقول: من قال القرآن مخلوق والواقفة واللفظية جهمية؛ فأعجبه ذلك، وقال: عافاه اللَّه وجزاه خيرًا.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (١٧٧٧ - ١٧٨٠)
قال أبو طالب أحمد بن حميد: قال لي أبو عبد اللَّه: صاروا ثلاث فرق في القرآن.
قال ابن بطة: قلت: نعم، هم ثلاث: الجهمية، والواقفة، واللفظية، فأما الجهمية، فهم يكشفون أمرهم، يقولون: مخلوق.
قال: لهم جهمية، هؤلاء يستترون، فإذا أحرجتهم كشفوا الجهمية، فكلهم جهمية، قال اللَّه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال:
[ ٣ / ٥٠٨ ]
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فيسمع مخلوقًا، وجبريل جاء إلى النبي -ﷺ- بمخلوق؟ !
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (٦٤)
قال ابن بطة: قال أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء: حدثنا أبو نصر عصمة بن أبي عصمة قال: حدثنا الفضل بن زياد قال: حدثنا أبو طالب -أحمد بن حميد- عن أبي عبد اللَّه، قلت: قد جاءت جهمية رابعة. قال: ما هي؟ قلت: زعموا أن إنسانًا أنت تعرفه قال: من زعم أن القرآن في صدره فقد زعم أن في صدره من الألهية شيئًا.
قال: ومن قال هذا فقد قال مثل ما قالت النصاري في عيسى أن كلمة اللَّه فيه. وقال: ما سمعت بمثل هذا قط.
قلت: هذِه الجهمية. قال: أكبر من الجهمية من قال هذا؟
قلت: إنسان. قال: لا تكتم عليَّ مثل هذا.
قلت: موسى بن عقبة. وأقرأته الكتاب فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، فقال: ليس هذا صاحب حديث، وإنما هو صاحب كلام، لا يفلح صاحب كلام. واستعظم ذلك وقال: هذا أكثر من الجهمية، قال النبي -ﷺ-: "ينزع القرآن من صدوركم" (١).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٤٠٤٩) والحاكم ٤/ ٤٧٤ بنحوه من حديث حذيفة بن اليمان، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وصحح إسناده البوصيري في "زوائده" ص ٥٢٢ (١٣٥٧) وقال: رجاله ثقات. وكذا الألباني في "الصحيحة" (٨٧). وقد ذكرها الذهبي في "تاريخ الإسلام" ١٨/ ٨٦ وقال: الملفوظ كلام اللَّه، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق لأن التلفظ من كسب القارئ، وهو الحركة، والصوت، وإخراج الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القارئ، ولم يحدث حروف القرآن ولا معانيه، =
[ ٣ / ٥٠٩ ]
وقال: في صدورنا وأبنائنا. هذا أكثر من الجهمية.
ثم قلت: إنه قد أقر بما كتب به وقال: أستغفر اللَّه، فقال: لا يقبل منه ولا كرامة، يجحد ويحلف ثم يقر، ليته بعد كذا وكذا سنة إذا عرف منه التوبة يقبل منه، لا يكلم ويجفى، ومن كلمه وقد علم فلا يكلم.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٥٥ (١٦٤)
قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل ﵀ يقول: تفرقت الجهمية على ثلاثة أصناف: صنف قالت: القرآن مخلوق، وصنف وقفت، وصنف قالت: لفظنا بالقرآن مخلوق.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٥٩
_________________
(١) = وإنما أحدث نطقه به. فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يجوز الإمام أحمد: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق، إذ كل واحدٍ من الإطلاقين موهم. واللَّه أعلم.
[ ٣ / ٥١٠ ]
٩٣ - فصل: الواقفة والرد عليهم
قال أبو داود: سمعت أحمد، سئل: هل لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام اللَّه، ثم يسكت، فقال: ولم يسكت؟ ! لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون؟ ! (١)
وقال أبو داود: سمعت أحمد ذكر رجلين كانا وقفا في القرآن ودعيا إليه فجعل يدعو عليهما وقال لي: هذا -لأحدهما- فتنة عظيمة، وجعل يذكرهما بالمكروه.
"مسائل أبي داود" (١٧٠٥ - ١٧٠٦)
قال أبو داود: سمعت أحمد وقيل له: كتب إليك فلان -رجل من المحدثين كان قذف بالوقف- كتابا به؟
قال: ما أحب مثله إذا كان على ذلك الرأي.
فقيل له: لعل فيه شيئًا، فأذن أن يأتي به.
وقال أبو داود: سمعت أحمد وقيل له: إن فلانا -يعني: هذا الرجل (٢) - روى عليك أنك أمرته أن يقف.
قال: وأنا لم أثبته معرفة إلا بعد وإنه ربما سألني الإنسان عن الشيء فأقف، لا أقف إلا كراهية الكلام فيه.
"مسائل أبي داود" (١٧٠٨ - ١٧٠٩)
_________________
(١) رواها الآجري في "الشريعة" ص ٧٦ ثم قال: معنى قول أحمد في هذا المعنى: يقول: لم يختلف أهل الإيمان أن القرآن كلام اللَّه، فلما جاء جهم فأحدث الكفر بقوله: إن القرآن مخلوق. لم يسع العلماء إلا الرد عليه بأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق بلا شك ولا توقف فيه، فمن لم يقل: غير مخلوق سمي واقفا، شاكًّا في دينه.
(٢) في "السنة" الخلال: اسمه أبو سمينة.
[ ٣ / ٥١١ ]
قال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه يقول: من قال: لا أقول: القرآن مخلوق، ولا غير مخلوق؛ فهو جهمي.
"مسائل أبي داود" (١٧٤٤)
قال ابن هانئ: وسئل عمن يقول: الإيمان قول، وعن الشاكة؛ فقال: المرجئة خير من هؤلاء الشاكة.
"مسائل ابن هانئ" (١٩٠٤)
قال حرب بن إسماعيل: وسألته عن الرجل يقول: القرآن كلام اللَّه ويقف، قال: هو عندي شر من الذي يقول إنه مخلوق؛ لأنه يقتدي به غيره.
حدثنا إبراهيم بن الحارث قال: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل قلت: يا أبا عبد اللَّه، يكون من أهل السنة من قال: لا أقول: القرآن مخلوق، ولا أقول: ليس بمخلوق؟
قال: لا، ولا كرامة، لا يكون من أهل السنة، قد بلغني عن ذاك الخبيث ابن معذل أنه يقول بهذا القول، وقد فتن به قوم كثير من أهل البصرة.
"مسائل حرب" ص ٤١٧
قال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي ﵀ يقول: من كان من أصحاب الحديث أو من أصحاب الكلام فأمسك عن أن يقول: القرآن ليس بمخلوق. فهو جهمي.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٥١ (١٣١)
قال عبد اللَّه: سمعت أبي ﵀ وسئل عن الواقفة، فقال أبي: من كان يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يعرف بالكلام يجانب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يسأل.
وقال عبد اللَّه: سئل أبي ﵀وأنا أسمع- عن اللفظية والواقفة، فقال: من كان منهم جاهلًا ليس بعالم فليسأل، وليتعلم.
وقال عبد اللَّه: سمعت أبي ﵀ مرة أخرى وسئل عن اللفظية والواقفة،
[ ٣ / ٥١٢ ]
فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي.
وقال مرة أخرى: هم شر من الجهمية.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٧٩ (٢٢٣ - ٢٢٥)
قال أبو بكر الخلال: أخبرنا الحسن بن ثواب المخرمي أنه قال لأبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل: الواقفة؟
قال: هم شر من الجهمية، استتروا بالوقف.
وقال الخلال: أخبرنا صالح بن علي الحلبي من آل ميمون بن مهران؛ أنه قال لأبي عبد اللَّه: ما تقول فيمن وقف؟ قال: لا أقول: خالق ولا مخلوق؟ قال: هو مثل من قال: القرآن مخلوق. وهو جهمي.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سألت أبا عبد اللَّه عن رجل من الواقفة يقف في الموضع ويتكلم.
قال: هذا داعية، هذا جهمي لا نشك في هذا.
وقال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: سألت أبا عبد اللَّه عمن وقف لا يقول: غير مخلوق؟ قال: أنا أقول: كلام اللَّه.
قال: يقال له: إن العلماء يقولون: غير مخلوق. فإن أبى فهو جهمي.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٠٤ (١٧٨٢ - ١٧٨٥)
قال الخلال: وأخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي عبد اللَّه: الشكاك عندك بمنزلة الجهمية؟ قال: من كان منهم يتكلم، فهو جهمي.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن أحمد بن جامع الرازي قال: سمعت محمد بن مسلم أن أبا عبد اللَّه قيل له: فالواقفة؟ قال: أما من كان لا يعقل فإنه يُبَصَّر، وإن كان يعقل ويبصر الكلام فهو مثلهم.
قال: والقرآن حيث ما تصرف كلام اللَّه غير مخلوق.
[ ٣ / ٥١٣ ]
وقال الخلال: أخبرنا محمد بن علي أبو بكر أن يعقوب بن بختان حدثهم قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الرجل يقف؟
قال: هذا عندي شاك مرتاب.
وقال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: حدثني أبو طالب المشكاني قال: كنت عند أبي عبد اللَّه فسمعت نفرًا على الباب يتكلمون.
وقال الخلال: وأخبرني أحمد بن محمد بن مطر قال: ثنا أبو طالب، بمثله. قال: فسمعت أحدهم يسألك عن إمام لنا وقف، فصاح بهم أبو عبد اللَّه، قال: فقال واحد للآخر: هو ذا تسمع أبا عبد اللَّه، هو ذا يقول لك قد كره كلامًا في ذا.
فقال أبو عبد اللَّه: ردهم. فصحت بهم.
فقال أبو عبد اللَّه: من شك فهو كافر، ومن وقف فهو كافر.
وقال الخلال: وأخبرني يعقوب بن يوسف المطوعي قال: حضرت باب أحمد بن حنبل، فجاء قوم من أهل دار القطن، فقالوا: إن هاهنا رجلًا قد علق بقلبه مذهب ابن الأشعث، وقال: إنه ما قال لي أبو عبد اللَّه فأنا أصير إليه.
فقال: جيئوا به. فجاء الرجل، فقال أحمد: ما لكم وللجدل؟ ما لكم وللكلام؟ ما لكم وللخصومة؟
فقال الرجل: يا أبا عبد اللَّه، جزاك اللَّه خيرًا، تنهى عن الجدال، وعن الكلام، وعن الخصومة.
فقال له القوم الذين جاءوا به: إن هذا الساعة يذهب فيقول: ذهبت إلى أحمد بن حنبل، فنهاني عن الجدال والكلام والخصومة ويسكت على الشك.
[ ٣ / ٥١٤ ]
وقال الخلال: أخبرنا محمد بن علي أبو بكر أن يعقوب بن بختان حدثهم قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الرجل يقف؟
قال: هذا عندي شاك مرتاب.
وقال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: حدثني أبو طالب المشكاني قال: كنت عند أبي عبد اللَّه فسمعت نفرًا على الباب يتكلمون.
وقال الخلال: وأخبرني أحمد بن محمد بن مطر قال: ثنا أبو طالب، بمثله. قال: فسمعت أحدهم يسألك عن إمام لنا وقف، فصاح بهم أبو عبد اللَّه، قال: فقال واحد للآخر: هو ذا تسمع أبا عبد اللَّه، هو ذا يقول لك قد كره كلامًا في ذا.
فقال أبو عبد اللَّه: ردهم. فصحت بهم.
فقال أبو عبد اللَّه: من شك فهو كافر، ومن وقف فهو كافر.
وقال الخلال: وأخبرني يعقوب بن يوسف المطوعي قال: حضرت باب أحمد بن حنبل، فجاء قوم من أهل دار القطن، فقالوا: إن هاهنا رجلًا قد علق بقلبه مذهب ابن الأشعث، وقال: إنه ما قال لي أبو عبد اللَّه فأنا أصير إليه.
فقال: جيئوا به. فجاء الرجل، فقال أحمد: ما لكم وللجدل؟ ما لكم وللكلام؟ ما لكم وللخصومة؟
فقال الرجل: يا أبا عبد اللَّه، جزاك اللَّه خيرًا، تنهى عن الجدال، وعن الكلام، وعن الخصومة.
فقال له القوم الذين جاءوا به: إن هذا الساعة يذهب فيقول: ذهبت إلى أحمد بن حنبل، فنهاني عن الجدال والكلام والخصومة ويسكت على الشك.
[ ٣ / ٥١٥ ]
قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت أبا عبد اللَّه قلت: إن بعض الناس يقول: إن هؤلاء الواقفة هم شر من الجهمية؟
قال: هم أشد على الناس (تزيينًا) (١) من الجهمية، هم يشككون الناس، وذلك أن الجهمية قد بان أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا: إنا لا نتكلم. استمالوا العامة، إنما هذا يصير إلى قول الجهمية.
قال: وسمعته يسأل عمن قال: أقول القرآن كلام اللَّه وأسكت.
قال: لا، هذا شاك، لا حتى يقول: غير مخلوق (٢).
قال الخلال: أخبرنا محمد بن علي السمسار قال: ثنا مهنا قال: سألت حارثًا البقال: ما تقول في القرآن؟
فقال: القرآن كلام اللَّه، لا أقول غير مخلوق.
فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، أحمد بن حنبل يقول: هو كلام اللَّه غير مخلوق. فقال لي: أخي، أحمد بن حنبل ثقة عدل.
قال: وسألت أبا يعقوب إسحاق بن سليمان الجواز عن القرآن؛ فقال: هو كلام اللَّه وهو غير مخلوق.
ثم قال لي: إذا كنا نقول: القرآن كلام اللَّه لا نقول: مخلوق ولا غير مخلوق. فليس بيننا وبين هؤلاء الجهمية خلاف.
فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل، فقال أحمد: جزى اللَّه أبا يعقوب خيرًا.
_________________
(١) في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤ (٦٢) تربيثا، وفي هامشها: أي: خديعة.
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤ (٦٢ - ٦٣).
[ ٣ / ٥١٦ ]
قال: وسألت أحمد بعدما أخرج من السجن بيسير، ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام اللَّه غير مخلوق. وقال: من روى عني غير هذا القول؛ فهو مبطل. فقلت له: إن بعض من ذكر عنك أنك قلت له: هو كلام اللَّه، وإنك قلت له: لا مخلوق ولا غير مخلوق، ولكنه كلام اللَّه.
فقال أحمد: أبطل، ما قلت هذا، ولكن هو كلام اللَّه وهو غير مخلوق.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨ (١٧٩٩ - ١٨٠٠).
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن علي قال: ثنا أبو بكر الأثرم قال: أتينا أبا عبد اللَّه أنا والعباس بن عبد العظيم فقال لنا العباس: وأخبرني موسى بن سهل، قال: ثنا محمد بن أحمد الأسدي، قال: حدثني إبراهيم بن الحارث العبادي، قال: قمتُ من عند أبي عبد اللَّه، فأتيت عباسًا العنبري، فأخبرته بما تكلم أبو عبد اللَّه في أمر ابن معذل، فسر به ولبس ثيابه ومعه أبو بكر بن هانئ، فدخل على أبي عبد اللَّه، فابتدأ عباس فقال: يا أبا عبد اللَّه قوم هاهنا حدثوا يقولون: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق.
قال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم! فإن لم تقولوا: ليس بمخلوق، فقولوا: مخلوق!
فقال أبو عبد اللَّه: كلام سوء. فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: الذي أعتقده وأذهب إليه، ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق. ثم قال: سبحان اللَّه! ومن يشك في هذا؟ ثم تكلم أبو عبد اللَّه استعظاما للشك في ذلك فقال: سبحان اللَّه! في هذا شك؟ ! قال اللَّه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الخلق والأمر.
قال أبو عبد اللَّه: فالقرآن من علم اللَّه، ألا تراه يقول: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، والقرآن فيه أسماء اللَّه، أي شيء تقولون؟ ألا تقولون أن
[ ٣ / ٥١٧ ]
أسماء اللَّه ﷿ غير مخلوقة؟ من زعم أن أسماء اللَّه ﷿ مخلوقة فقد كفر، لم يزل اللَّه قديرًا، عليمًا، عزيزًا، حكيمًا، سميعًا، بصيرًا، لَسْنا نشك أن أسماء اللَّه ليست بمخلوقة، ولسنا نشك أن علم اللَّه ﵎ ليس بمخلوق وهو كلام اللَّه ﷿، ولم يزل اللَّه ﷿ (حكيمًا) (١).
ثم قال أبو عبد اللَّه: وأي كفر أبين من هذا، وأي كفر أكفر من هذا؟ إذا زعموا أن القرآن مخلوق، فقد زعموا أن أسماء اللَّه مخلوقة وأن علم اللَّه مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا، ويقولون: إنما يقولون القرآن مخلوق، فيتهاونون ويظنون أنه هين ولا يدرون ما فيه من الكفر.
قال: فأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد، وهم يسألوني، فأقول: إني أكره الكلام في هذا، فبلغني أنهم يدعون علي أني أمسك.
قلت لأبي عبد اللَّه: فمن قال: القرآن مخلوق، فقال: لا أقول: أسماء اللَّه مخلوقة ولا علمه. ولم يزد على هذا، أقول: هو كافر؟
فقال: هكذا هو عندنا.
قال أبو عبد اللَّه: نحن نحتاج أن نشك في هذا؟ ! القرآن عندنا فيه أسماء اللَّه وهو من علم اللَّه، من قال: مخلوق؛ فهو عندنا كافر.
ثم قال أبو عبد اللَّه: بلغني أن أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهم يجلسون في ذلك الجانب، فيعيبون قولنا، ويدعون إلى هذا القول ألا يقال: مخلوق ولا غير مخلوق، ويعيبون من يكفر، ويزعمون أنا نقول بقول الخوارج. ثم تبسم أبو عبد اللَّه كالمغتاظ، ثم قال: هؤلاء قوم سوء.
ثم قال أبو عبد اللَّه للعباس: وذاك السجستاني الذي عندكم بالبصرة،
_________________
(١) في المطبوع من "الإبانة": متكلمًا.
[ ٣ / ٥١٨ ]
ذاك خبيث، بلغني أنه قد وضع في هذا يومًا يقول: لا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق، وذاك خبيث، ذاك الأحول.
فقال العباس: كان يقول مرة بقول جهم، ثم صار إلى أن يقول هذا القول. فقال أبو عبد اللَّه: ما يعني أنه كان يقول بقول جهم إلا الشفاعة.
أخبرني محمد بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللَّه عن القرآن قال: وإياك من أحدث فيه؟ فقال: أقول: كلام اللَّه، ولا أقول: مخلوق أو غير مخلوق، فإن قال: مخلوق، فهو ألحن بحجته من هذا، وإن كانت ليست لهما حجة والحمد للَّه.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٠٨ - ٢١٠ (١٨٠٤ - ١٨٠٥)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الصلاة على الواقفي يعني: إذا مات؟ قال: لا يصلى عليه.
"السنة" للخلال ٢/ ٢١٠ (١٨٠٨)
قال أبو طالب: وجاء رجل إلى أبي عبد اللَّه وأنا عنده، فقال: إن لي قرابة يقول بالشك. قال: فقال وهو شديد الغضب: من شك فهو كافر.
قال أبو طالب: وقال رجل: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق.
قال: فقال: هذا قولنا: من شك فهو كافر. قال: فقال: جزاك اللَّه خيرًا.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٩٥ (٦٦ - ٦٧)
قال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من لم يقل: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق. فهو يحل محل الجهمية.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (٧٠).
قال أبو بكر المروذي: قال لي أبو عبد اللَّه: أول من سألني عن الوقف علي الأشقر، فقلت له: القرآن غير مخلوق.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (٧٠ - ٧١)
[ ٣ / ٥١٩ ]
قال مهنا بن يحيى: قلت لأحمد بن حنبل: أي شيء تقول في القرآن؟ قال: كلام اللَّه وهو غير مخلوق.
قلت: إن بعض الناس يحكي عنك أنك تقول: القرآن كلام اللَّه وتسكت. قال: من قال عليَّ ذا فقد أبطل.
وقال يعقوب الدورقي: سألت أحمد بن محمد بن حنبل قلت: فهؤلاء الذين يقولون: نقف ونقول: كما في القرآن، كلام اللَّه ونسكت.
قال: هؤلاء شر من الجهمية، إنما يريدون رأي جهم.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩ (٩٩ - ١٠٠)
قال أبو عبد اللَّه السلمي: سألتُ أبا يعقوب الخزاز إسحاق بن سليمان -يعني: الرازي- عن القرآن؟ فقال: هو كلام اللَّه ﷿، وهو غير مخلوق.
فقال لي: إذا كنا نقول: القرآن كلام اللَّه ﷿، ولا نقول: مخلوق، ولا غير مخلوق. ليس بيننا وبين هؤلاء -يعني: الجهمية- خلاف.
فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل، فقال لي أحمد: جزى اللَّه أبا يعقوب خيرًا.
"شرح أصول الاعتقاد" للالكائي ٢/ ٢٨٨ (٤٤٣)
قال محمد بن مسلم بن وارة: قال لي أبو مصعب: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومن قال: لا أدري -يعني: مخلوق أو غير مخلوق- فهو مثله، ثم قال: بل هو شر منه.
فذكرت رجلًا كان يظهر مذهب مالك، فقلت: إنه أظهر الوقف، فقال: لعنه اللَّه ينتحل مذهبنا، وهو بريء منه.
فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فأعجبه وسر به.
"شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٣٥٨ (٥٢٢)
[ ٣ / ٥٢٠ ]
وقال سلمة بن شبيب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الواقفي لا تشك في كفره.
"شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٣٦٣ (٥٤٤)
قال أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: القرآن من علم اللَّه، وعلم اللَّه غير مخلوق، فمن قال: مخلوق؟ فهو كافر، فالواقف الذي يبصِر الكلام ويعرف هو جهمي، والذي لا يبصِر ولا يعرف يُبَصَّر.
"شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٣٩١ (٦٠٠)
قال شاهين بن السميدع: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل يقول؟ الواقفة أشر من الجهمية، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر.
قال: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: إسحاق بن أبي إسرائيل واقفي مشؤوم.
قال: وسألت أبا عبد اللَّه عمن يقول: أنا أقف في القرآن تورعًا، قال: ذاك شاك في الدين، إجماع العلماء والأئمة المتقدمين على أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، هذا الدين الذي أدركت عليه الشيوخ، وأدرك الشيوخ من كان قبلهم على هذا.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٦٠
قال ابن الليث: وسئل أحمد بن حنبل -وأنا حاضر- عن الواقفة، فقال: الواقفة والجهمية واللفظية عندنا سواء.
"مناقب الإمام أحمد" ص ٢٠٥
[ ٣ / ٥٢١ ]
٩٤ - فصل: مجانبة الواقفة
قال صالح: قلت لأبي: ولا يكلم من وقف؟ قال: لا يكلم.
قلت: [فإن] (١) كلمه رجل؟ قال: يأمره، فإن ترك كلامه كلمه، وإن لم يترك كلامه فلا تكلمه.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٧٢
قال أبو داود: ورأيت أحمد سلم عليه رجل من أهل بغداد -قال أبو داود: بلغني أنه أبو بكر المغازلي ممن وقف فيما بلغني- فقال له: اغرب، لا أرينك تجيء إلى بابي -في كلام غليظ- ولم يَرد ﵇، وقال له: ما أحوجك أن يصنع بك ما صنع عمر بصبيغ (٢) -
_________________
(١) في المطبوع: قال.
(٢) روى الإمام مالك ص ٢٨٢ عن الزهري عن القاسم بن محمد أن رجلَّا جَاء يسأل ابن عباس، فكرر في المسألة حتى كاد أن يحرجه فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب ا. هـ باختصار. وروى عبد الرزاق ١١/ ٤٢٦ (٢٠٩٠٦) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن صبيغًا قدم على عمر فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد اللَّه صبيغ، فسأله عمر عن أشياء، فعاقبه. قال عبد الرزاق: في علمي أنه قال: وحرق كتبه، وكتب إلى أهل البصرة ألا تجالسوه. وروى الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" ١/ ٥٥٤ - ٥٤٥ (٧١٧) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٣/ ٤١٢ عن السائب بن يزيد أنه قال: أتي إلى عمر فقالوا: إنا لقينا رجلًا يسأل عن تأويل القرآن بنحوه. ورواه الدارمي ١/ ٢٥٢ (١٤٦)، والآجري في "الشريعة" ص ٦٥ (١٤٤) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٣/ ٤١٠ عن سليمان بن يسار وروى البزار ١/ ٤٣٣ (٢٩٩) عن سعيد بن المسيب. ورواه ابن عساكر ٢٣/ ٤١٣ عن محمد بن سيرين. قال الحافظ في "الإصابة" ٢/ ١٩٩ بعد ذكر رواياته وتضعيف بعضها: أخرجه ابن الأنباري -يعني: في "المصاحف"- عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، عن عمر بسند صحيح.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
أفهمني: عمر بصبيغ. بعض أصحابنا- فدخل بيته ورد الباب.
"مسائل أبي داود" (١٧٠٧)
قال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: ما ترى في الصلاة خلف من يقول -يعني: في القرآن: كلام اللَّه ويقف؟ قال: يعجبني أن يجفو.
"مسائل أبي داود" (١٧١٠)
قال ابن هانئ: شهدت أبا عبد اللَّه في طريق مسجد الجامع، وسلم عليه رجل من الشاكة، فلم يَرُد ﵇، فأعاد عليه، فدفعه أبو عبد اللَّه، ولم يسلم عليه.
قال إسحاق: هو ابن المخنون. بخاء معجمة.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٥٩)
قال ابن هانئ: وسئل عن الواقفي، أيجالس؟ قال: إذا كان يخاصم؛ لا يكلم، ولا يجالس.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٨١)
قال عبد اللَّه: ذُكِر عند أبي رجل من أهل البصرة ممن كان يحدث، فقلت: إنه واقفي، يقف؛ وقد ترك أصحاب الحديث ما يأتونه. فقال: أبعده اللَّه.
"العلل" برواية عبد اللَّه (١٤٤٢)
قال أبو بكر الخلال: أخبرنا محمد بن النقيب بن أبي حرب الجرجرائي قال: سألت أبا عبد اللَّه عن رجلٍ له والد واقفي.
فقال: يأمره ويرفق به.
قلت: فإن أبى، يقطع لسانه عنه؟ قال: نعم.
قال: وأخبرنا محمد بن أبي حرب قال: سألت أبا عبد اللَّه عن رجل له أخت، أو عمة، ولها زوج واقفي. قال: يلتقي بها، ويسلم عليها.
قلت: فإن كانت الدار له؟ قال: يقف على الباب، ولا يدخل.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
قال: أخبرنا أحمد بن أصرم المزني قال: سمعت أبا عبد اللَّه قال له رجل: إن لي أخا واقفيا، فأقطع لساني عنه؟ قال: نعم نعم -مرتين أو ثلاثا.
قال: وأخبرني أحمد بن حسين بن حسان أن أبا عبد اللَّه سأله الطالقاني عن اللفظية. فقال أحمد: لا يجالسون، ولا يكلمون.
قال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد اللَّه قيل له: فمن وقف؟
قال: يقال له، وبكلم في ذاك، فإن أبى هجر.
"السنة" الخلال ٢/ ٢١٢ (١٨١٣ - ١٨١٧)
قال الخلال: وأخبرني محمد بن يحيى الكحال قال: قال أبو عبد اللَّه: كتب إلي ذاك المغازلي بكتاب فيه كلام جهم.
"السنة" للخلال ٢/ ٢١٣ (١٨٢٠)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: ذكرت لأبي عبد اللَّه رجلا من المحدثين سألوه، فوقف. قال: قد جاءني فلم آذن له، ولم أخرج إليه.
"السنة" للخلال ٢/ ٢١٣ (١٨٢٢)
قال الخلال: أخبرني محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدثهم أنه سأل أبا عبد اللَّه عمن قال: القرآن كلام اللَّه، ليس بمخلوق، وعن رجل يقول: القرآن كلام اللَّه، ويعتقد أنه ليس بمخلوق، ويكفر من زعم أنه مخلوق، أيكلم هذا الرجل؟
قال: يكلم الذي يرى أنه ليس بمخلوق، ويجفى الذي سكت.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٩٣ (١٨٢٥)
قال أبو طالب: سألت أبا عبد اللَّه عمن أمسك فقال: لا أقول ليس هو مخلوقًا، إذا لقيني في الطريق وسلم علي، أسلم عليه؟
قال: لا تسلم عليه، ولا تكلمه، كيف يعرفه الناس إذا سلمت عليه؟
[ ٣ / ٥٢٤ ]
وكيف يعرف هو أنك منكر عليه؟ فإذا لم تسلم عليه عرف الذل، وعرف أنك أنكرت عليه، وعرفه الناس.
"الشريعة" للآجري ص ٧٧ (١٧٦)
قال أبو بكر المروذي: وقدم رجل من ناحية الثغر فأدخلته عليه فقال: ابن عم لي يقف وقد زوجته ابنتي، وقد أخذتها وحولتها على أن أفرق بينهما، فقال: لا ترضى منه حتى يقول: غير مخلوق فإن أبى ففرق بينهما.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٩٨ (٧٥)
قال محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي: سمعت سلمة بن شبيب، قال: دخلتُ على أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد اللَّه! ما تقول فيمن يقول: القرآن كلام اللَّه؟
فقال أحمد: من لم يقل: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، فهو كافر، ثم قال لي: لا تشكن في كفرهم، فإنه من لم يقل: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق. فهو يقول: مخلوق، فهو كافر.
وقال لنا سلمة بن شبيب: وقلت يعني: لابن حنبل -الواقفة؟
فقال: كفار.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦ (٩٤)
قال ابن هانئ: وسألته عن رجل من الشاكة يسلم على الرجل، أيرد عليه الرجل؟
قال: إذا كان ممن يخاصم ويجادل فلا أرى أن يُسَلِّم عليه.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣١٣ (١١٢).
[ ٣ / ٥٢٥ ]
٩٥ - فصل: اللفظية وحكم الإمام فيهم
قال أبو الفضل: قلت لأبي: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يكلم؟
قال: هذا لا يكلم، ولا يصلى خلفه، وإن صلى رجل أعاد.
قال أبو الفضل: سأل يعقوب بن إبراهيم الدورقي أبي عمن قال: لفظه بالقرآن مخلوق، كيف تقول في هؤلاء؟
قال: لا يكلم هؤلاء، ولا يكلم في هذِه، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل جهة، وعلى كل وجه، وعلى أي حال.
قال صالح: تناهى إلي أن أبا طالب يحكي عن أبي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فأخبرت أبي بذلك، فقال: من أخبرك؟
فقلت: فلان. قال: ابعث إلى أبي طالب. فوجهت إليه، فجاء، وجاء فوران، فقال له أبي: أنا قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ ! وغضب، وجعل يرعد، فقال له: قرأتُ عليك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. فقلتَ لي: هذا ليس بمخلوق.
قال: قال: تحكي عني أني قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق (١)؟ ! وبلغني أنك وضعت ذلك في كتابك، وكتبت به إلى القوم، فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إلى القوم الذين كتبت إليهم أني لم أقل لك هذا. وغضب وأقبل عليه، فقال: تحكي عني ما لم أقل لك. فجعل فوران يعتذر إليه، وانصرف من عنده وهو مرعوب. فعاد أبو طالب فذكر أنه قد حك ذلك من كتابه، وأنه كتب إلى القوم يخبرهم أنه وهم
_________________
(١) في المطبوع من "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي: فقال له: فلم حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق.
[ ٣ / ٥٢٦ ]
على أبي عبد اللَّه في الحكاية (١).
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٧٠ - ٧١
قال أبو داود: سمعت أحمد يتكلم في اللفظية وينكر عليهم كلامهم، فقال له هارون: يا أبا عبد اللَّه، هؤلاء جهمية؟ فجعل يقول: هم وهم، ولم يصرح بشيء، ولم ينكر عليه ما قال من قوله: هم جهمية (٢).
قال أبو داود: كتبتُ رقعةً وَأرسلت به إلى أبي عبد اللَّه، وهو يومئذ متوارٍ، فأخرج إليَّ جوابه مكتوبًا فيه: قلتَ: رجل يقول: التلاوة مخلوقة وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن ليس بمخلوق، ما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعًا؟ وعلى ما يكون عقد القلب في التلاوة والألفاظ؟ وكيف الجواب فيه؟ قال: هذا يجانب، وهو فوق المبتدع، وما أراه إلا جهميًّا، وهذا كلام الجهمية، القرآن ليس بمخلوق؟ قالت عائشة: تلا رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] الآية، فقالت: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا رَأَيْتُمْ الذِينَ يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم؛ فإنهم الذِينَ عَنَى اللَّهُ ﷿" (٣)، والقرآن ليس بمخلوق (٤).
"مسائل أبي داود" (١٧١١ - ١٧١٢).
_________________
(١) ذكرها الذهبي في "السير" ١١/ ٢٨٨ وقال: الذي استقر الحال عليه، أن أبا عبد اللَّه كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع. وأنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. فكان ﵀ لا يقول هذا ولا هذا. وربما أوضح ذلك، فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن فهو جهمي.
(٢) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٥ (٢١١٨)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣١ (١٣١).
(٣) رواه الإمام أحمد ٦/ ٤٨، والبخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).
(٤) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣٠ (١٣٠).
[ ٣ / ٥٢٧ ]
قال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ذكر اللفظية فبدعهم.
"مسائل أبي داود" (١٧٤٥)، (١٧٥٢)
قال أبو داود: ثنا يعقوب بن إبراهيم أن أحمد بن محمد بن حنبل قال له: اللفظية إنما يدورون على كلام جهم؛ يزعمون أن جبريل ﵇ إنما جاء بشيء مخلوق [إلى مخلوق] يعني: [جبريل] (١) مخلوق جاء به إلى محمد -ﷺ- (٢).
قال أبو داود: ثنا أحمد بن إبراهيم قال: سألتُ أحمد بن حنبل قلتُ: هؤلاء الذين يقولون: إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، فقال: هذا شر من قول الجهمية، من زعم هذا فقد زعم أن جبريل ﵇ جاء بمخلوق وأن النبي -ﷺ- تكلم بمخلوق (٣).
"مسائل أبي داود" (١٧٥٣ - ١٧٥٤)
_________________
(١) ما بين المعكوفات من "الإبانة".
(٢) رواه حرب في "مسائله" ص ٤٢٣، والخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٢١١٦)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣١ - ٣٣٢ (١٣٢).
(٣) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٥ (٢١١٧)، وذكرها الذهبي في "السير" ١١/ ٢٩٠ وقال: فقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث خوفًا من أن ينذرع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى. آمنا باللَّه تعالى، وبملائكته، وبكتبه، ورسله، وأقداره، والبعث، والعرض على اللَّه يوم الدين. ولو بسط هذا السطر، وحرر وقرر بأدلته لجاء في خمس مجلدات، بل ذلك موجود مشروح لمن رامه، والقرآن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين، ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه. فلقد أحسن الإمام أبو عبد اللَّه حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين إذ كل =
[ ٣ / ٥٢٨ ]
قال ابن هانئ: وسئل عمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، أيصلى خلفه؟ قال: لا يصلى خلفه، ولا يجالس، ولا يكلم، ولا يسلم عليه.
وسمعته يقول: الجهمية قوم سوء.
وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي (١).
"مسائل ابن هانئ" (١٨٥١ - ١٨٥٣)
وسألته عن الذي يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟
قال: هذا كلام جهم، من كان يخاصم منهم فلا يجالس ولا يكلم، والجهمي كافر (٢).
"مسائل ابن هانئ" (١٨٦٤)
قال حرب بن إسماعيل: سمعت إسحاق بن إبراهيم وسئل عن الرجل قال: القرآن ليس بمخلوق، ولكن قراءتي أنا له مخلوقة؛ لأني أحكيه، وكلامنا مخلوق.
فقال إسحاق: هذا بدعة، ولا يقار على هذا حتى يرجع ويدع قوله هذا (٣).
"مسائل حرب" ٤٢٣
قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي ﵀ ما تقول في رجل قال: التلاوة مخلوقة، وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن كلام اللَّه ﷿ وليس بمخلوق؟ وما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعًا، فقال: هذا يجانب وهو قول
_________________
(١) = واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق. واللَّه أعلم.
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣٩ (١٤٤).
(٣) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٣٢ (٢١٤٦).
(٤) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٣١ (٢١٤١).
[ ٣ / ٥٢٩ ]
المبتدع، وهذا كلام الجهمية، ليس القرآن بمخلوق، قالت عائشة -﵂-: تلا رسول اللَّه -ﷺ- ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧] (١). فالقرآن ليس بمخلوق (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٦٣ - ١٦٤ (١٧٨)
قال عبد اللَّه: سألت أبي ﵀: إن قوما يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق.
فقال: هم جهمية وهم أشر ممن يقف، هذا قول جهم. وعظم الأمر عنده في هذا، وقال: هذا كلام جهم (٣).
وقال عبد اللَّه: وسألته عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: قال اللَّه -ﷺ-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] قال النبي -ﷺ-: "حتى أبلغ كلام ربي" (٤) وقال النبي -ﷺ-: "إِنَّ هذِه الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ" (٥).
وقال: سمعت أبي ﵀ يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي (٦).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٦/ ٤٨، والبخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣ (١٤٩).
(٣) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦ (٢١١٩).
(٤) رواه الإمام أحمد ٣/ ٣٩٠، وأبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١) من حديث جابر -﵁-. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٩٤٧).
(٥) رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧ ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
(٦) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٤ (٢١١٣)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٤١ - ٣٤٢ (١٤٦).
[ ٣ / ٥٣٠ ]
وقال: سمعت أبي ﵀، وسئل عن: اللفظية فقال: هم جهمية وهو قول جهم، ثم قال: لا تجالسوهم.
وقال: سمعت أبي ﵀ يقول: كل من يقصد إلى القرآن بلفظ أو غير ذلك يريد به: مخلوق. فهو جهمي (١).
وقال: سُئل أبي وأنا أسمع عن: اللفظية والواقفة، فقال: من كان منهم جاهلا فليسأل وليتعلم.
وقال: سئل أبي ﵀ وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة، فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، وقال مرة: هم شر من الجهمية، وقال مرة أخرى هم جهمية (٢).
وقال: سمعت أبي يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. هذا كلام سوء رديء، وهو كلام الجهمية. قلت له: إن الكرابيسي يقول هذا، فقال: كذب -هتكه اللَّه- الخبيث وقال: قد خلف هذا بشرًا المريسي.
وكان أبي ﵀ يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء أو يقال: مخلوق أو غير مخلوق (٣).
وقال: سألته عن: الكرابيسي حسين هل رأيته يطلب الحديث؟
فقال: ما أعرفه وما رأيته يطلب الحديث.
قلت: فرأيته عند الشافعي ببغداد، فقال: ما رأيته ولا أعرفه.
_________________
(١) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٤ (٢١١٤)، ٢/ ٣٢٨ (٢١٢٧).
(٢) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٤ (٢١١١)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ١/ ٣٠٧ (٩٧).
(٣) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ١/ ٣٤٢ (١٤٧).
[ ٣ / ٥٣١ ]
فقلت: إنه يزعم أنه كان يلزم يعقوب بن إبراهيم بن سعد، فقال: ما رأيته عند يعقوب بن إبراهيم ولا غيره وما أعرفه.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٦٤ - ١٦٦ (١٨٠ - ١٨٧)
قال أبو بكر الخلال: أخبرني أبو يحيى زكريا بن يحيى الناقد قال: ثنا أبو طالب قال: قلت لأبي عبد اللَّه: كتب إلي من طرسوس أن الشراك يزعم أن القرآن كلام اللَّه، فإذا تلوته فتلاوته مخلوقة. قال: قاتله اللَّه! هذا كلام جهم بعينه.
قلت: رجل قال: القرآن كلام اللَّه وليس بمخلوق، ولكن لفظي به مخلوق.
قال: من قال هذا فقد جاء بالأمر كله، إنما هو كلام اللَّه على كل حال، الحجة فيه حديث أبي بكر: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ [الروم: ١، ٢]
فقيل له: هذا مما جاء به صاحبك؟ فقال: لا واللَّه، ولكنه كلام اللَّه (١). هذا وغيره إنما هو كلام اللَّه.
قلت: بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. هذا الذي قرأت الساعة كلام اللَّه؟
_________________
(١) رواه الترمذي (٣١٩٤) مطولا دون ذكر: هذا مما جاء به صاحبك. وقال: صحيح حسن. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد" (٧٢) معلقا وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" ١/ ١٤٣ (١١٦)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٢٣٧)، والبيهقي في "الاعتقاد" ص ١٠٧ - ١٠٨، وفي "الأسماء والصفات" (٥١٠) وقال: وهذا إسناد صحيح. وذكر الألباني رواية الترمذي وحسن إسنادها. انظر "الضعيفة" ٧/ ٣٦ حديث رقم (٣٣٥٤).
[ ٣ / ٥٣٢ ]
قال: إي واللَّه، فهو كلام اللَّه، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فقد جاء بالأمر كله، أيش بقي إذ قال: لفظي؟ ! إن لم يرجع هذا فاجتنبه، ولا تكلمه، هذا مثل ما قال الشراك، أخزاه اللَّه!
قال: تدري من كان خاله؟
قلت: لا. قال: عبدك الصوفي، كان صاحب كلام ورأي سوء، كل من كان صاحب كلام فليس ينزع إلى خير، واستعظم ذلك واسترجع.
وقال: إلام صار الناس؟ ثم قال لي بعد ذلك: إن فلانا بلغني عنه أنه كان يقول: إن ابن نوح قال: الورق والحبر والكتاب مخلوق. وأبو عبد اللَّه يستمع فلم ينكر، كذبت ما سمعت [. . .] (١) قلت: يا أبا عبد اللَّه، إني احتججت عليهم بالقرآن والحديث، وأحب أن أعرضه عليك: قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
أليس من محمد ﷺ سمع كلام اللَّه؟
وقال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].
وقال اللَّه ﵎: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥]. وقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥].
وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف: ٢٧]. وقال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢].
وقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥].
وقال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. فعلى كل حال هو قرآن.
_________________
(١) قال محققه: طمس بمقدار ثلاث كلمات.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
وقال في حديث جابر: "إن قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي".
وقال النبي -ﷺ- لمعاوية بن الحكم: "إِنَّ هذِه الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الآدميين إلا القرآن" (١)، فالقرآن غير الكلام.
وقال أبو بكر الصديق ﵁: لا، ولكنه كلام اللَّه وقوله.
قال أبو عبد اللَّه: ما أحسن ما احتججت! جبريل جاء إلى النبي -ﷺ- بمخلوق، والنبي ﵇ جاء إلى الناس بمخلوق؟ !
قلت: يحزنني أن أقول: هذا كلام جهم -وعلى كل حال هو كلام اللَّه ﷿. قال: نعم.
ثم أتيته بعد ذلك، فقال: قد وجدت فيه غير آية: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦].
وفي سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢] (٢).
قال الخلال: وأخبرني محمد بن علي قال: ثنا يعقوب بن بختان قال: ذكرت لأبي عبد اللَّه أمر الشراك وما جاء فيه من طرسوس فقال: تحذر عنه ولا يجالس ويجفى من دفع عنه وجالسه إذا كان يخبره أمره، إلا أن يكون رجلا جاهلا.
قال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل: جاءنا كتاب ابن حبان النجار من طرسوس، وفيه كلام الشراك وما شهدوا عليه (٣).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧، ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" الرد على الجهمية (١/ ٣٣٥ - ٣٣٩) رقم (١٤١، ١٤٣).
(٣) أخرج نحوه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية (١/ ٣٣٨) (١٤٣).
[ ٣ / ٥٣٤ ]
فقال أبو عبد اللَّه: يحذر عنه وكان قال: لفظي بالقرآن مخلوق.
قال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إني قلت لأبي ثور: وسألته عن الشراك، قال: هذِه بدعة. فغضب غضبا شديدا، وقال: هكذا أراد أن يقول: بدعة! هذا كلام جهم بعينه.
قلت: فقد جاءني كتاب من طرسوس يذكرون فيه أمر الشراك وما [. . .] (١) عنه. قال: يحذر عنه.
قلت: أخبرني رجل من أصحاب الشراك ممن يدفع عنه أنه تكلم بطرسوس إنسان يقال له: أبو حنيفة بهذا الكلام -يعني: لفظي بالقرآن مخلوق- ثم جاء بعد هذا الكلام غلام فتكلم هذا الكلام، وكانوا يرونه يلزم الشراك، فقالوا له: عمن أخذت هذا؟ قال: بيني وبينكم أحمد الشراك. فجاءوا إليه، فقال: هذا يجوز في كلام العرب، وحسن قول الغلام. وقلت: وهو يحلف أني لم أقل. فأي شيء تقول؟ قال: يجفى.
قلت: ومن دفع عنه؟ قال: يجفى.
وأمرني أبو عبد اللَّه أن أحذر عنه، وأهجر من جلس إليه، فأخبرت أبا عبد اللَّه بقدومه إلى بغداد؛ فأمرني أن أحذر عنه، وعن كل من جلس إليه حتى يظهر توبة صحيحة.
قلت: فإن الشراك يقول: لم أقل، فكيف أتوب؟ فقال أبو عبد اللَّه: كذب، هؤلاء يحكون عنه ويشهدون -يعني: الذين شهدوا عليه بطرسوس.
قلت: فيجفى من جلس إليه ودفع عنه؟ قال: نعم، إلا رجلا جاهلا لا يدري فيحذر عنه.
_________________
(١) قال محقق الكتاب: كلمة مطموسة.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
قلت لأبي عبد اللَّه: إن رجلا من أصحاب الشراك قال: الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل.
فقال أبو عبد اللَّه: أخزاه اللَّه -أو قاتله اللَّه- أبوا إلا أن يظهروا الكفر.
قال أبو بكر المروذي: وقال لي إسحاق بن حنبل عم أبي عبد اللَّه: لما قدم الشراك من طرسوس جاءني فانكب على رأسي فقبله، وقال: إن أبا عبد اللَّه غليظ علي.
فقلت: قد حذر عنك. قال: فاكتب رقعة وتعرضها على أبي عبد اللَّه.
قال: فكتب رقعة بخطه فأخذتها، فأي شيء لقيت من أبي عبد اللَّه من الغلظة؟ ! وأريت أبا عبد اللَّه كتابا جاءني من طرسوس في الشراك أنهم احتجوا عليه بقول اللَّه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وفي حديث أبي أمامة: "هو أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرّجَالِ مِنْ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهَا" (١) وحديث ابن أشعث الباهلي: القرآن -وفيه الذى في صدورنا- غير مخلوق.
فقال أبو عبد اللَّه: ما أحسن ما احتجوا عليه!
قال الخلال: أخبرنا الحسن بن عبد الوهاب قال: ثنا أبو بكر -يعني: ابن حماد- قال: سمعت هارون الحمال يقول: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل عن أحمد الشراك؟ فقال: لا يُكلَّم، ولا يُجالَس، ويُهجَر، ويحذر عنه.
_________________
(١) لم أقف عليه من حديث أبي أمامة، لكن رواه الإمام أحمد ١/ ٤١٧، والبخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٩٠) من حديث ابن مسعود. ورواه الإمام أحمد ٤/ ٣٩٧، والبخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١) من حديث أبي موسى الأشعري.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم أنه سأل أبا عبد اللَّه عن أحمد الشراك، فقال: تبين أمره وتحذر عنه، ولا يجالس ولا يكلم.
وسمعت أبا عبد اللَّه يقول لأبي يوسف عمه: لم أردت أن تقعد معهم أو تكلمهم؟ لا يقربنك منهم أحد -يعني: الشراك ومن كان معه.
قلت له: يا أبا عبد اللَّه! إنه يدفع عن نفسه هذِه المقالة، فقال: لقد قرأت كتابا جاءني في أمره فيه كلام سوء، لا أخبرك لا أدري ما هو، لا أخبرك لا أدري ما هو، وذاكرته أمر رجل؟ فقال: جهمية صراح، يعني: لفظي بالقرآن مخلوق.
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٨ - ٣٢٢ (٢٠٩٧ - ٢١٠٢)
قال الخلال: وأخبرني محمد بن يحيى الكحال؛ قال: مرَّ بنا الشراك فسلَّم عليَّ وحكى لي كيف فعل، وقلت: نهانا أبو عبد اللَّه عنك وأمر بهجرانك -أو كما
قال محمد بن يحيى- قال: فقال: بيننا وبينكم القيامة.
قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، قال: ثنا أبو طالب، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: قال أحمد بن إبراهيم بن الدورقي: إن الكرابيسي كان إلى جنبه فسمعه يقول: أخرجوا أحمد البائس -يعني: الشراك- من عبادان. واستعدوا عليه السلطان حتى أخرجوه، هؤلاء الكفار باللَّه، هم أعظم من اليهود والنصاري، فقال أبو عبد اللَّه: رجع أمره إلى أصل الجهمية لما كفر وأظهر الجهمية.
قلت: كان هذا عقده فأظهره؟ قال: نعم.
قال الخلال: أخبرني محمد بن جعفر ومحمد بن موسى أن أبا
[ ٣ / ٥٣٧ ]
الحارث حدثهم أنه قال لأبي عبد اللَّه: إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي؟ قال: فأيش بقي إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ !
قال الخلال: أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ قال: يقال لمن قال هذِه المقالة: لا إله إلا اللَّه هو مخلوق؟ هو يلزمه في مقالته هذِه هذا، ويقال له: لفظ جبريل به مخلوق؟ ولفظ محمد به مخلوق؟ قال: هذا كلام سوء رديء وهو كلام الجهمية، قال: وبلغني أنهم أنحلوه نعيما وكذبوا عليه وما نعلم [. . .] (١) كتابا يقرؤه على الناس، هذِه الكتب بدعة وضعها.
قال الخلال: سمعت أبا بكر المروذي يقول: أتيت أبا عبد اللَّه ليلة في جوف الليل فقال لي: يا أبا بكر بلغني أن نعيمًا كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فإن كان قاله فلا غفر اللَّه له في قبره.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ (٢١٠٥ - ٢١٠٩)
قال الخلال: وأخبرني محمد بن الحسن بن هارون، قال: سألت أبا عبد اللَّه فقلت: يا أبا عبد اللَّه، أنا رجل من أهل الموصل، وقد سمعت فيهم مسألة الكرابيسي فأفتنهم قول الكرابيسي: لفظي بالقرآن مخلوق.
فقال لي: إياك إياك أربعا أو خمسا؛ لا تكلم الكرابيسي، ولا تكلم من يكلمه.
فقلت: يا أبا عبد اللَّه، هذا القول عندك، وما تشعب منه يرجع إلى قول جهم؟ قال: هذا كله من قول جهم.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٢٤ (٢١١٥)
_________________
(١) قال محقق "السنة" للخلال: طمس بمقدار كلمة.
[ ٣ / ٥٣٨ ]
قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، قال: ثنا أبو طالب أنه سمع أبا عبد اللَّه سأله يعقوب الدورقي. وأخبرنا محمد بن علي، قال: ثنا صالح؛ قال: سمعت أبي سأله يعقوب الدورقي. وأنبأ محمد بن علي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا يعقوب الدورقي.
وأخبرنا عثمان بن صالح الأنطاكي قال: ثنا الدورقي قال: قلت لأحمد بن حنبل -المعنى قريب- ما تقول فيمن زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق؟ قال: فاستوى أحمد لي جالسًا ثم قال: يا أبا عبد اللَّه، هؤلاء عندي أشر من الجهمية، من زعم هذا فقد زعم أن جبريل هو المخلوق، وأن النبي -ﷺ- تكلم بمخلوق وأن جبريل جاء إلى نبينا بمخلوق، هؤلاء عندي أشر من الجهمية، لا تكلم هؤلاء ولا تكلم في شيء من هذا، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل جهة وعلى كل وجه تصرف وعلى أي حال كان، لا يكون مخلوقًا أبدًا، قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ولم يقل: حتى يسمع كلامك يا محمد، وقول النبي -ﷺ-: "لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ" (١)، وقال النبي -ﷺ-: "حتى أبلغ كلام ربي" (٢)، هذا قول جهم، على من جاء بهذا غضب اللَّه.
قلت له: إنما يدورون هؤلاء على الإبطال؟ قال: نعم، عليهم لعنة اللَّه.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٢١١٦)
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧، ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
(٢) رواه الإمام أحمد ٣/ ٣٩٠، وأبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١) من حديث جابر -﵁-. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٩٤٧).
[ ٣ / ٥٣٩ ]
قال الخلال: أخبرني حنبل بن إسحاق بن حنبل؛ أنه سمع أبا عبد اللَّه قيل له: فمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق يكلم؟
قال: وأي شيء بقي؟ ! هذا لا يكلم، ولا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، ولا خلف من يقف، ولا خلف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وإن صلى خلف رجل منهم وهو لا يعلم ثم علم أعاد الصلاة.
ثم قال أبو عبد اللَّه: وأي شيء بقي إذا وقف وشك أن كلام اللَّه غير مخلوق؟ ! أو قال: لفظه بالقرآن مخلوق فكيف يتم به الصلاة؟ لا تتم الصلاة بمخلوق، والقوم قد [. . .] (١) أو هم لا يعلمون.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٢٦ (٢١٢١)
قال الخلال: وأخبرني حنبل بن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد اللَّه وذكر هذا الحديث -يعني: حديث معاوية بن الحكم السلمي (٢) - فقال: فيه حجة أن كلام اللَّه ليس بمخلوق، وأن الصلاة تتم به، وكلام الآدميين لا يصلح في الصلاة، ففرق رسول اللَّه بين الكلام بالقرآن والكلام بغيره في الصلاة لما قال: "لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" فلو كان كذلك لم تتم الصلاة به كما لا تتم بغيره من كلام الناس. فبين قراءة القرآن وكلام الناس فرق، ولا تتم الصلاة إلا بقراءة القرآن، وقراءة الآدميين في الصلاة ليس مثل كلامهم بغيره، وجعل كلامهم بالقرآن تتم، وكلامهم بغير القرآن لا تتم، وقال: "إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِير، وَقِرَاءَة القرآن" (٣) فبين النبي -ﷺ- في هذا أنها بقراءة
_________________
(١) قال محقق "السنة": طمس بمقدار كلمة.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧، ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم.
[ ٣ / ٥٤٠ ]
القرآن تتم، وبغير القرآن لا تتم، والتهليل والتسبيح من القرآن وبه تتم الصلاة.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لا أحب الخوض في هذا ولا الكلام فيه.
قال الخلال: أخبرني محمد بن أحمد بن جامع الرازي قال: سمعت محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل قلت له: أحب أن تتحمل لي استفتاء عما أريد في اللفظية.
قال: هم شر من هؤلاء من الواقفة يلبسون على الناس، وقال اللَّه ﷿: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]
وقال: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥] ممن كانوا يسمعون.
قال أحمد: القرآن حيث تصرف كلام اللَّه، واللفظية جهمية.
قلنا: هل علمت أن أحدًا من الجهمية كان يقوله؟
قال: بلغني أن المريسي كان يقوله.
قال الخلال: أخبرني معاذ بن المثني العنبري أن هارون بن عبد اللَّه البزار حدثهم قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إنه قد ظهر قوم يتكلمون بكلام تشمئز منه القلوب، وأن قوما يسألوننا فنخبرهم، وأحب أن أزداد برأيك بصيرة، قوم يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق.
فقال قولًا بغضب: هذا كلام سوء خبيث.
فقلت: أليس نقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل حال وعلى كل جهة؟ قال: نعم.
قال الخلال: أخبرني الحسين بن إسحاق التستري؛ أن أبا عبد اللَّه سُئل عن هؤلاء اللفظية؛ فقال: هم الجهمية.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨ (٢١٢٣ - ٢١٢٦)
قال الخلال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي وأحمد بن الحسين،
[ ٣ / ٥٤١ ]
قال إسماعيل: سألت أحمد قلت: من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟
قال: هو جهمي، زاد أحمد بن الحسين: لا يشك فيه.
قال الخلال: أخبرني (أحمد أبو بكر محمد بن علي) (١) أن يعقوب بن بختان حدثهم. وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه قال: الذين قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق هذا كلام الجهمية.
قال: أخبرني محمد بن سليمان الجوهري، قال: قال لي أبو عبد اللَّه: وإياك ومن أحدث حدثًا ثالثًا، فقال باللفظ الكلام فيه لا يحل؛ القرآن كلام اللَّه غير مخلوق من جميع الجهات.
قال: أخبرني أحمد بن الحسين؛ أن أبا عبد اللَّه قال له الطالقاني: أبا عبد اللَّه، اللفظية ما تقول فيهم؟ قال: اللَّه المستعان نحن نطلب العافية وليس شرك، جهمية لا يشك فيهم.
قال له: كيف قلت يا أبا عبد اللَّه في اللفظية؟ قال: جهمية لا يشك فيهم.
قال: أخبرني أبو بكر محمد بن علي؛ أن يعقوب بن بختان حدثهم؛ أنه سأل أبا عبد اللَّه عمن قال: أقول كلامي ولفظي، وكلام اللَّه غير مخلوق؟
فقال: هذا قول سوء، هؤلاء شر من الجهمية.
قال: أخبرني منصور بن الوليد؛ أن جعفر بن محمد حدثهم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: أيش ترى أنا أقول: من قال: لفظه بالقرآن مخلوق كافر؟
قال: هو كلام جهم، هو كلام جهم، هو كلام جهم، والجهمية يكفرون.
قال: وأخبرني محمد بن أبي هارون؟ أن إسحاق حدثهم قال: سمعت
_________________
(١) كذا جاء الاسم في طبعتي دار الراية، والفاروق لكتاب "السنة" للخلال، ولعل كلمة (أحمد) مقحمة، أو المقصود الخلال وسقطت لفظة التحمل.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
أبا عبد اللَّه يقول: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي.
قال: أرأيت حيث جاء جبريل إلى النبي -ﷺ- فتلا عليه القرآن، فتلاوة جبريل على النبي -ﷺ- بالقرآن أكان مخلوقًا؟ !
قال: أخبرني جعفر بن محمد العطار، قال: ثنا خطاب بن بشر، قال: أتينا أحمد بن حنبل في النصف من رجب سنة ثمان وثلاثين أنا وأبو عثمان الشافعي، فسئل عن هؤلاء الذين يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق. فكره المسألة وأعرض عنه، ثم قال: هؤلاء جهمية، هؤلاء جهمية.
قال الخلال: سمعت عبد اللَّه بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: وقيل له: إن لوينا، وأخبرني عبد الكريم بن الهيثم أن الحسن بن البزار حدثهم أن أبا عبد اللَّه قيل له: إن لوينا احتج على اللفظية ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، قال أبو عبد اللَّه: وهل هذا إلا في الدنيا ممن سمع كلامه؟ !
وقال: قد أبلغ منهم بما حدث. وهذا على لفظ ابن البزار.
قال: أخبرني أبو بكر محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدثهم أنه سمع أبا عبد اللَّه يقول: صاروا طبقات اللفظية، ثم قال: قال اللَّه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٩٧].
فقلت: يقول اللَّه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] إنما سمعوا كلام اللَّه ﷿ من النبي -ﷺ-. قال: نعم.
وسُئل عمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق هو جهمي، [قال:] ما هم عندي مسلمون، والجهمية كفار (١).
_________________
(١) انظر: "طبقات الحنابلة" ١/ ٤٦.
[ ٣ / ٥٤٣ ]
قال: وأخبرني أبو بكر محمد بن علي؛ أن يعقوب بن بختان حدثهم؛ أنه قال لأبي عبد اللَّه: قال عبدوس الرازي: إذا قرأت القرآن فأردت به الصلاة والثواب والأجر فهو مخلوق، وإذا قرأت القرآن أريد اللَّه به فهو غير مخلوق.
فقال: لا فرج اللَّه عن هذا، هذا كلام سوء، ما أقل ما يفلح صاحب كلام.
قال: ذكر محمد بن عبيد الرحبي قال: سمعت علي بن المصري يقول: رأيت النبي -ﷺ- في النوم وعلى يمينه أبو بكر وعلى يساره عمر -﵄- فقلت: يا رسول اللَّه، هؤلاء اللفظية؟
فقال: هم الجهمية، فقال -ﷺ-: ولا صلاة لهم فقلت: يا رسول اللَّه! ومن يبين لي ذلك؟ ومن يشهد لي بذلك؟ قال: أحمد بن محمد بن حنبل. وأومأ بيده إلى رجل مغطى الرأس جالس ناحية، فجئت فكشفت الخرقة عن وجهه فإذا هو أحمد بن محمد بن حنبل ﵀ وإذا أثر الحناء قد نصل (١) في لحيته، ويده على خده كهيئة الحزين، فلما أصبحت غدوت عليه فقلت: هؤلاء اللفظية؟ فقال: هم الجهمية.
قال: أخبرني الحسين بن عبد اللَّه قال: سألت أبا بكر المروذي عن قصة هشام بن عمار أيش أنكر عليه أبو عبد اللَّه؟
فقال: ورد علي كتاب من دمشق فيه: سل لنا أبا عبد اللَّه فإن هشام بن عمار قال: لفظ جبريل ومحمد ﵉ بالقرآن مخلوق، فسألت أبا عبد اللَّه عما كتبوا به، فقال: قاتله اللَّه، الكرابيسي لم يجترئ أن
_________________
(١) النصل: أثر خروج الخضاب من اللحية.
[ ٣ / ٥٤٤ ]
يدخل جبريل ولا محمدًا ﷺ، هذا قد تجهم، قاتله اللَّه (١).
"السنة"، للخلال ٢/ ٣٢٨ - ٣٣١ (٢١٢٨ - ٢١٤٠)
قال الخلال: أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان سمع أبا عبد اللَّه يقول: اللفظية جهمية، لا تكلمه ولا تجالسه.
قال: أخبرني أبو بكر المروذي، أن أبا عبد اللَّه سئل عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ قال: جهمي.
قال: أخبرني الحسين بن محمد أنه قال لأبي عبد اللَّه: فمن قال هذِه المقالة يحذر عنه؟ قال: أشد التحذير.
قال: أخبرني حنبل بن إسحاق بن حنبل قال: سمعت أبا عبد اللَّه قيل له: من
قال: لفظي بالقرآن مخلوق يكلم؟ فقال: وأي شيء بقي؟ ! هذا لا يكلم.
قال: وأخبرني محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدثهم.
وأخبرنا محمد بن علي؛ أن صالح بن أحمد حدثهم، قال: قلت لأبي: من
قال: لفظي بالقرآن مخلوق يكلم؟ قال: وأيش بقي؟ ! هذا لا يكلم، قال يعقوب وإسحاق: ولا يجالس.
قال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: أنكر أبو عبد اللَّه على من رد بشيء
_________________
(١) ذكرها الذهبي في "السير" ١١/ ٤٣٢ وقال: كان الإمام أحمد يسد الكلام في هذا الباب، ولا يجوزه، وكذلك كان يبدع من يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. ويضلل من يقول: لفظي بالقرآن قديم، ويكفر من يقول: القرآن مخلوق. بل يقول: القرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق، وينهى عن الخوض في مسألة اللفظ. ولا ريب أن تلفظنا بالقرآن من كسبنا، والقرآن الملفوظ المتلو كلام اللَّه تعالى غير مخلوق، والتلاوة والتلفظ والكتابة والصوت به من أفعالنا، وهي مخلوقة، واللَّه أعلم.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
من جنس الكلام إذا لم يكن فيها إمام يقدم.
قال: وأخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قيل لأبي عبد اللَّه: إن رجلًا تكلم بكلام فرد عليه رجل من أهل السنة بعد ذلك بكلام محدث. فغضب أبو عبد اللَّه وأنكر عليهما جميعًا، وقال: يستغفر ربه الذي رد بمحدثة، وقال: كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها.
قال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: حدثني أبو عبد اللَّه محمد بن الوليد صاحب غندر، قال: أخبرني أبو يعقوب البصري -وكان من خيار المسلمين ﵀- قال: تكلم معاذ بن معاذ بشيء فبلغ يحيى بن سعيد القطان فأرسل بابنه: قد أدركت ابن عون ويونس، هل سمعت أحدًا منهم تكلم بمثل هذا؟
فرجع معاذ وقال: أي شيء يقول يحيى حتى أقول؟ !
قال ابن الوليد: فهؤلاء -يعني: الجهمية اللفظية- الذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، ويزعمون أن إمامهم أحمد بن حنبل ويظهرون خلافه عن جهم، من قال: لفظي بالقرآن مخلوق إلا أحمد بن حنبل حتى انتشر في الآفاق وقبل الناس قوله، فالذي جهم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. هو أنكر على من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وقال: ما سمعت عالمًا قال هذا.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٣١ - ٣٣٣ (٢١٤٢ - ٢١٤٨)
قال الخلال: أخبرنا المروذي قال: بلغ أبا عبد اللَّه عن أبي طالب أنه كتب إلى أهل نصيبين أن لفظي بالقرآن غير مخلوق، قال أبو بكر: فجاءنا صالح بن أحمد فقال: قوموا إلى أبي. فجئنا فدخلنا على أبي عبد اللَّه، فإذا هو غضبان شديد الغضب يبين الغضب في وجهه فقال: اذهب فجئني بأبي
[ ٣ / ٥٤٦ ]
طالب. فجئت به، فقعد بين يدي أبي عبد اللَّه وهو يرعد، فقال: كتبت إلى أهل نصيبين تخبرهم عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: إنما حكيت عن نفسي.
قال: فلا تحك هذا عنك ولا عني، فما سمعت عالمًا قال هذا.
قال أبو عبد اللَّه: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق كيف تصرف، فقيل لأبي طالب: اخرج فأخبر أن أبا عبد اللَّه قد نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فخرج أبو طالب، فلقي جماعة من المحدثين فأخبرهم أن أبا عبد اللَّه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.
قال الخلال: قال أبو بكر المروذي: وقال حمدان بن علي الوراق: شكا إليّ أبو طالب ما نزل به من أبي عبد اللَّه، قال: وثب علي كأنه أسد، وقال أبو عبيدة، جاءني أبو طالب فقال لي: يا أبا عبيدة، كان الوهم من قبلي، وأخبر بنهي أبي عبد اللَّه وما نزل به.
وقال الفضل بن زياد: كنت أنا والبستي عند أبي طالب، قال: فأخرج إلينا كتابا وقد ضرب على المسألة، وقال: الخطأ من قبلي، وأنا أستغفر اللَّه، إنما قرأت على أبي عبد اللَّه القرآن فقال: هذا غير مخلوق. وكان الوهم من قبلي يا أبا العباس.
وقال أبو بكر المروذي: وكاتبه جماعة من أهل نصيبين ممن كان أبو طالب كتب بالمسألة إليهم، فأخبرهم أبو طالب بإنكار أبي عبد اللَّه أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.
قال أبو بكر المروذي: ورأيت كتاب أبي طالب بخطه إلى أهل نصيبين بعد وفاة أبي عبد اللَّه يخبرهم أن أبا عبد اللَّه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.
[ ٣ / ٥٤٧ ]
قال الخلال: أخبرني محمد بن علي الوراق قال: ثنا صالح قال: تناهى إلى أبي أن أبا طالب يحكي عن أبي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فأخبرت أبي بذلك، فقال: من أخبرك؟ قلت: فلان.
قال: ابعث إلى أبي طالب. فجئت إليه، فجاء وجاء فوران، فقال له أبي: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ ! وغضب وجعل يرعد.
فقال له: قرأت عليك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقلت لي: هذا ليس بمخلوق.
قال له: لم حكيت عني أني قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وبلغني أنك وضعت ذلك في كتابك وكتبت به إلى قومٍ، فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إلى القوم الذين كتبت إليهم أني لم أقل لك هذا. وغضب وأقبل عليه، فقال: تحكي عني ما لم أقل لك؟ ! فجعل فوران يعتذر إليه، وانصرف من عنده وهو مرعوب، فعاد أبو طالب فذكر أنه قد محا ذلك من كتابه، وأنه كتب إلى القوم يخبرهم أنه وهم على أبي عبد اللَّه في الحكاية.
قال الخلال: قال أبو يحيى بن زكريا بن الفرج البزار: قال لي أبو محمد فوران.
وأخبرني محمد بن علي الوراق، قال: ثنا أبو محمد فوران، قال: جاءني صالح وأبو بكر المروذي عندي، فدعاني إلى أبي عبد اللَّه، وقال: إنه قد بلغ إليّ أن أبا طالب قد حكى عني أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقمت إليه وتبعني صالح من بابه فدخلنا على أبي عبد اللَّه فإذا أبو عبد اللَّه غضبان شديد الغضب، يتبين الغضب في وجهه، فقال لأبي بكر: اذهب فجئني بأبي طالب، فجاء أبو طالب، فجعلتُ أُسكِّن
[ ٣ / ٥٤٨ ]
أبا عبد اللَّه قبل مجيء أبي طالب، وأقول: له (حرمة)، فقعد بين يديه وهو متغير اللون.
فقال له أبو عبد اللَّه: حكيتَ عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟
فقال: إنما حكيتُ عن نفسي. فقال له: فلا تحك هذا عنك ولا عني؛ فما سمعت عالمًا قال هذا. أو العلماء، شك فوران.
وقال له: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق حيث تصرف، فقلت لأبي طالب -وأبو عبد اللَّه يسمع: إن كنت حكيت هذا لأحد، فاذهب حتى تخبره أن أبا عبد اللَّه نهى عن هذا، فخرج أبو طالب، فأخبر غير واحد بنهي أبي عبد اللَّه، منهم: أبو بكر بن زنجويه، والفضل بن زياد القطان، وحمدان بن علي الوراق، وأبو عبيدة بن عامر.
وكتب أبو طالب بخطه إلى أهل نصيبين بعد موت أبي عبد اللَّه يخبرهم أن أبا عبد اللَّه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. وجاءني أبو طالب بكتابه، وقد ضرب على المسألة من كتابه.
زاد زكريا بن الفرج قال: فمضيت إلى عبد الوهاب الوراق، فأخذ الرقعة فقرأها، فقال لي: من أخبرك بهذا عن أحمد؟ فقلت له: فوران. فقال: الثقة المأمون على أحمد. قال زكريا بن الفرج: وكان قبل ذلك قد أخبر أبو بكر المروذي عبد الوهاب، فصار عن عبد الوهاب شاهدان.
قال أبو زكريا: وسمعت عبد الوهاب قال: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ يهجر ولا يكلم، ويحذر عنه، وكان قبل ذلك قال: هو مبتدع.
قال علي بن عيسى: إن حنبلًا حدثهم قال: كان أبو طالب حكى عن أبي عبد اللَّه أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فأخبر أبو عبد اللَّه، فبعث
[ ٣ / ٥٤٩ ]
إلى أبي طالب فجاء وجاء معه فوران، فقال له أبو عبد اللَّه وغضب: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ !
فقال له أبو طالب: قرأت عليك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقلت لي: هذا ليس بمخلوق. قال: فلم حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ ! ووضعت في ذلك كتابًا، وكتبت به إلى قوم؛ فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إلى القوم أو من كتبت به إليه أني لم أقل هذا. وغضب غضبًا شديدًا، إنما كره أبو عبد اللَّه أنه حكى عنه كلاما [لم] يقله؛ فأنكر ذلك عليه، وغضب من ذلك.
ثم قال أبو عبد اللَّه: القرآن كلام اللَّه بكل جهة غير مخلوق، فأجمل الكلام فيه أنه على كل جهة غير مخلوق.
قال حنبل: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: قد نهيتم أن تماروا في القرآن، وأن تضربوا بعضه ببعض، فما لكم وللجدال في القرآن؟ ! القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل وجه وعلى كل حالٍ وحيث تصرف، وما أحب الكلام ولا المراء. وكان ينهى عن ذلك.
قال محمد بن هارون الجرجرائي بطرسوس: ثنا إبراهيم بن أبان الموصلي قال: سمعت أبا عبد اللَّه وقد دخل عليه أبو طالب، فقال له: بلغني أنك أخبرت عني في القرآن بشيء لم تسمعه مني، سمعتني أقول: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ !
فقال: ما سمعت منك شيئًا؛ هذا شيء قلته عن نفسي.
فقال: ما كل ما تكلمت به إلا منسوب إليَّ؛ لولا أني أكره صرم المسلم أو قطعه ما كلمتك.
قال أحمد بن محمد بن مطر: ثنا أبو طالب قال: سمعت أبا عبد اللَّه
[ ٣ / ٥٥٠ ]
يقول -وأبو محمد فوران حاضر، فقال لي: حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ !
قلت: إنما حكيت عن نفسي.
قال: لا تحك عني ولا عنك هذا، ما سمعت عالمًا قال هذا.
وقال: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق حيث تصرف وعلى كل جهة.
قال أبو بكر المروذي: قال لي أبو عبد اللَّه: قد غلظ قلي على ابن شداد.
قلت: أي شيء حكى عنك في اللفظ؟
فبلغ ابن شداد أن أبا عبد اللَّه قد أنكر عليه، فجاءنا حمدون بن شداد بالرقعة فيها مسائل، فأدخلتها على أبي عبد اللَّه، فنظر فرأى فيها أن لفظي بالقرآن غير مخلوق مع مسائل فيها.
فقال أبو عبد اللَّه: فيها كلام ما تكلمت به. فقام من الدهليز فدخل فأخرج المحبرة والقلم، وضرب أبو عبد اللَّه على موضع: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وكتب أبو عبد اللَّه بخطه بين سطرين: القرآن حيث تصرَّف غيرُ مخلوق، وقال: ما سمعت أحدًا تكلم في هذا بشيء. وأنكر على من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.
قال أبو بكر المروذي: قال ابن الطبري: فجاءنا حمدون بن شداد بالرقعة فقال: الساعة جئت من عند أبي عبد اللَّه، وفيها القرآن حيث تصرف غير مخلوق.
قال: وقال علي الجزاز: أنا أحضر عند ابن الطبري حين جاء شداد بالرقعة فيها: لفظي بالقرآن غير مخلوق مضروب عليه، وبين السطرين: القرآن حيث تصرف غير مخلوق.
وقال أبو العباس: ثنا محمد بن علي الوراق قال: ثنا أبو محمد فوران
[ ٣ / ٥٥١ ]
قال: جاءني شداد برقعة فيها مسائل، وفيها: أن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فدفعتها إلى أبي بكر المروذي، وقلت له: اذهب بها إلى أبي عبد اللَّه فأخبره أن ابن شداد هاهنا، وهذِه الرقعة قد جاء بها، فما كرهت منها وأنكرت فاضرب عليه.
فجاءني بالرقعة قد ضرب على موضع: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وكتب أبو عبد اللَّه بخطه: القرآن حيث تصرف غير مخلوق.
قال فوران: وأعرف خط أبي عبد اللَّه.
قال أحمد بن الحسين بن علي البزوري: سمعت أبا عبد اللَّه حين سأله رجل عن اللفظ، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، حكوا عنك بالكرخ أنك قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فوقف غضبان، وقال: ما أكثر الكذب عليَّ! ما قلت في هذا شيئًا، ولا أقول، إنما بلغني هذا الكلام. فقلت: هذا كلام سوء أختبره، اللَّه المستعان. ودخل إلى منزله مغضبًا.
قال الخلال: أخبرني منصور بن الوليد النيسابوري: أن جعفر بن محمد النسائي قال: صح عندي في حياة أبي عبد اللَّه أنه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.
قال جعفر بن محمد النسائي: من قال هذا فهو كلام محدث لم يقله أحد من العلماء.
قال سليمان بن الأشعث: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: على كل حال من الأحوال القرآن غير مخلوق.
قال محمد بن موسى ومحمد بن جعفر إن أبا الحارث حدثهم، قال: سمعت رجلًا يقول لأبي عبد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، أليس تقول: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، لمعنى من المعاني، وعلى كل حال وجهة؟
[ ٣ / ٥٥٢ ]
قال أبو عبد اللَّه: نعم.
قال أبو بكر المروذي: قرأت على أبي عبد اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقال: هذا غير مخلوق.
قال عبد اللَّه بن محمود بن أفلح -بعين زربة- سمعت أبا بكر بن زنجويه يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال: لفظه بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: لفظه بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع لا يكلم.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٩ (٢١٥٣ - ٢١٦٧)
قال الخلال: أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان؛ أن أبا عبد اللَّه سُئل عن اللفظي؟ فقال: لا تجالسه، ولا تكلمه.
قال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه قال: لا يُصلى على اللفظية.
قال أبو بكر الخلال: فهذا الذي ثبت عن أبي عبد اللَّه في اللفظ الأخير، وأولها قصة أبي طالب، وقد حكاها عن أبي عبد اللَّه أصحابه الثقات، وقصة حمدويه بن شداد، وما أنكر عليهم أبو عبد اللَّه، فثبت عن أبي عبد اللَّه الإنكار عليهم فيما حكوا عنه، وثبت عنه من الجميع أنه أنكر على من قال هذِه المقالة، وأمر بهجرانهم.
وقال أبو بكر ابن زنجويه خاصة عنه أنه بدعهم، فهؤلاء الكاذبون الذين يحكون عن أبي عبد اللَّه غير هؤلاء الجهال الذين يقولون باللفظ بغير إمام، فنسأل اللَّه العافية، ثم بعدها قول الشيوخ، فالرجوع إلى الحق خير من الإقامة على الباطل.
قال أبو بكر المروذي أحمد بن محمد بن الحسين: سمعت أبا الحسن عبد الوهاب الوراق يقول: أبو عبد اللَّه إمامنا وهو من الراسخين يقول: ما سمعت عالمًا، يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. غير هؤلاء عند أبي
[ ٣ / ٥٥٣ ]
عبد اللَّه الذين خالفوا قوله: إذا وقفت بين يدي اللَّه ﷿ فسألني: بمن اقتديت؟ أي شيء أقول؟ وأي شيء ذهب على أبي عبد اللَّه من أمر الإسلام؟ وأبو عبد اللَّه عالم هذِه المسألة وقد بلي منذ عشرين سنة في هذا الأمر، فمن لم يصر إلى قول أبي عبد اللَّه فنحن نظهر خلافه ونهجره ولا نكلمه، إذا قلنا: إن القرآن غير مخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، وأي شيء بقي، فإنما هذا من طريق أصحاب الكلام، وأصحاب الكلام لا يفلحون.
قال أبو بكر المروذي: سمعت عبد الوهاب -يعني: الوراق- يقول لإسحاق بن داود: ما رفع اللَّه أخاك بما سمع، يخالف أبا عبد اللَّه، فقال له إسحاق: قد كتبت إلى أخي: إنما ارتفعت بأبي عبد اللَّه فإن أظهرت خلافه وضعك اللَّه.
قال إسحاق: قد جاءني كتاب أخي بخطه: أما إذ صح عندك أن أبا عبد اللَّه نهى عن هذا فنحن لأبي عبد اللَّه ولمشيختنا هؤلاء تبع.
قال إسحاق بن داود: نحن نقتدي بمن مات، أحمد بن حنبل إمامنا وهو من الراسخين في العلم يقول: ما سمعت عالمًا يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأي شيء ذهب على أبي عبد اللَّه من أمر الإسلام إذا قلنا من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فنحن نهجره ولا نكلمه، وهذِه بدعة، وما غضب أحد من هذا الأمر إلا وهو دون غضب أبي عبد اللَّه، وأبو عبد اللَّه يغضب الغضب الشديد حتى جعلوا يسكنونه.
قال أبو بكر المروذي: سمعت أبا الحسين علي بن مسلم الطوسي يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، وهذا قول أبي عبد اللَّه، وبه نقتدي، إذ كنا لم ندرك في عصره أحدًا يقدمه في العلم والمعرفة والديانة،
[ ٣ / ٥٥٤ ]
وهو وإن كان مقدمًا عند من أدركنا من علمائنا، فما علمت أحدًا بُلي بمثل ما بلي به فصبر، فهو حجة وقدوة، وحجة لأهل هذا العصر، ومن بلي بعدهم فنحن متبعون لمقالته وموافقون له، فمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ قد ابتدع، وقد صحَّ عندنا أن أبا عبد اللَّه أنكر على من قال ذلك، وغضب منه الغضب الشديد، وقال: ما سمعت عالمًا قال هذا.
فمن خالف أبا عبد اللَّه فيما نهى عنه فنحن غير موافقين له منكرون عليه، وقد أدركنا من علمائنا مثل عبد اللَّه بن المبارك، وهشيم بن بشير، وإسماعيل ابن علية، وسفيان بن عيينة، وعباد بن عباد، وعباد بن العوام، وأبو بكر بن عياش، وعبد اللَّه بن إدريس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ويحيى بن أبي زائدة، ويوسف بن يعقوب الماجشون، ووكيع، ويزيد بن هارون، وأبو أسامة، وهؤلاء كلهم قد أدركوا التابعين وسمعوا منهم ورووا عنهم، ما منهم أحد قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. والحمد للَّه، فنحن لهم متبعون ولما أحدث بعدهم مخالفون.
قال أبو بكر المروذي: سمعت إسحاق بن حنبل -عم أبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل ومولده في السنة التي توفي فيها سفيان الثوري سنة إحدى وستين (١) ومائة ﵀- يقول: القرآن كلام اللَّه وليس بمخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن زعم أن لفظه بالقرآن غير مخلوق فقد ابتدع، وقد نهى أبو عبد اللَّه عن هذا وغضب، وقال: ما سمعتُ عالمًا قال هذا.
_________________
(١) في المطبوع: (وسبعين)، والتصويب من "طبقات الحنابلة" ١/ ٢٩٨، وانظر: "تهذيب الكمال" ١١/ ١٦٩.
[ ٣ / ٥٥٥ ]
قال أبو يوسف: وأنا ما سمعت عالمًا قال هذا، أدركت العلماء مثل: هشيم وأبو بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، فما سمعتهم قالوا هذا، وأبو عبد اللَّه أعلم الناس في زمانه بالسنة، لقد ذب عن دين اللَّه ﷿ وأوذي في اللَّه، وصبر على السراء والضراء، فمن حكى عن أبي عبد اللَّه أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ فقد كذب، ما سمعت أبا عبد اللَّه قال هذا، إنما قال أبو عبد اللَّه: اللفظية جهمية. وأبو عبد اللَّه أعلم الناس بالسنة في زمانه.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٤٠ - ٣٤٢ (٢١٧٠ - ٢١٧٥)
قال الخلال: أبو بكر المروذي أخبرنا، قال: سمعت أبا بكر محمد بن سهل بن عسكر صاحب عبد الرزاق يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق وحيث تصرف، والقرآن من علم اللَّه، ومن زعم أنه ليس من علم اللَّه فهو كافر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي كافر باللَّه، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فلم أر أحدًا من العلماء قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ ونحن متبعون لأحمد بن حنبل في هذِه المسألة، فمن خالفه فنحن منه بريئون في الدنيا والآخرة، سمعت عبد الرزاق يقول: إن يعش هذا الرجل يكن خلفا من العلماء -يريد أحمد بن محمد بن حنبل﵀.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت عبد اللَّه بن أيوب المخرمي يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق، فقد أبطل الصوم والحج والجهاد وفرائض اللَّه، ومن أبطل واحدة من هذِه الفرائض فهو كافر باللَّه العظيم، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو ضال مبتدع، أدركتُ ابن عيينة ويحيى بن سليم ووكيع بن الجراح وعبد اللَّه بن نمير وجماعة من علماء الحجاز والبصرة والكوفة، ما سمعتُ أحدًا منهم
[ ٣ / ٥٥٦ ]
قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا غير مخلوق. وقد صحَّ عندنا أن أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فمن خالف ما قال أبو عبد اللَّه فقد صحت بدعته.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا يعقوب إسحاق ابن إبراهيم الخراساني بن عمير منيع، يقول: أدركت إسماعيل ابن علية، ومعاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون، ووكيع بن الجراح، وجماعة، ما رأيت أحدًا بلي بمثل ما بلي به فصبر. قال حنبل: قد صح عندنا أنه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. وقال: ما سمعت عالمًا قال هذا.
قال أبو يعقوب: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق. فهو كافر، ومن قال: إن لفظه بالقرآن مخلوق. فهو جهمي، ومن قال: لفظه بالقرآن غير مخلوق، فقد ابتدع وأحدث في الإسلام أمرًا لا نعرفه، أدركنا مشايخنا وأئمتنا، مثل: معاذ، ويزيد، فما أدركنا أشد منهما على أهل البدع، فما سمعناهما ولا غيرهما ممن شهدنا يقول هذا القول.
وقد صح عندنا عن إمامنا وإمام المسلمين في زمانه أحمد بن محمد بن حنبل أنه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وقال: ما سمعت عالمًا قال هذا.
قال أبو يعقوب: ونحن لم نسمع عالمًا قال هذا، ولا بلغنا عن عالم أنه قاله منذ بعث اللَّه محمدًا -ﷺ- وإلى زماننا هذا، وإنما نحن أصحاب اتباع وتقليد لأئمتنا وأسلافنا الماضين ﵏، لا نحدث بعدهم حدثا ليس في كتاب اللَّه ولا في سنة رسوله ولا قاله إمام، فمن خالف أبا عبد اللَّه في هذا هجرناه وحذرنا عنه، حتى يرجع إلى قول أبي عبد اللَّه والعلماء.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت علي بن شعيب
[ ٣ / ٥٥٧ ]
صاحب شعيب بن حرب يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق؛ فهو كافر، وما نعرف اللفظ مخلوقًا ولا غير مخلوق، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فلا نكلمه ونهجره.
قلت له: فأدركت أحدًا من العلماء يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، أو صوتي بالقرآن غير مخلوق؟
قال: معاذ اللَّه. ثم قال: قد قال لي رجل بضده.
فقلت له: وعلينا أن نقول بضد الشيء. ثم قال: أحمد بن حنبل في زمانه أو في مثل هذا الزمان مثل قوم علي [. . .] (١) لولا أن أحمد أنكر مثل هذِه المواضع من كنا؟ ! نحن المساكين، من خالف (٢) أحمد بن محمد بن حنبل في هذا هجرناه ولا نكلمه، أحمد سيدٌ، أحمد [سيد] (٣).
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت محمد بن عبد اللَّه المخرمي الحافظ يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل الجهات، والقول من علم اللَّه، ومن قال: إن علم اللَّه مخلوف، فهو كافر، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، وما أحد ممن أدركنا من العلماء قال هذا -يعني: لفظي بالقرآن غير مخلوق- وأبو عبد اللَّه ممن يقتدى به، وما أنكره أبو عبد اللَّه فنحن ننكره، ونتبع أبا عبد اللَّه فيما قال ولا نخالفه، وما أدركت أحدًا قال: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق، وقد أدركت يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وأبا أسامة، ويحيى بن عيسى
_________________
(١) قال محقق "السنة": طمس بمقدار كلمة.
(٢) في المطبوع "السنة": (قلده)! !، وانظر ما سبق، وما سيأتي في الصفحات التالية.
(٣) ليست بالمطبوع، والسياق يقتضيها.
[ ٣ / ٥٥٨ ]
الرملي، وغيرهم من العلماء.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا الفضل العباس بن محمد الدوري يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق، فهو كافر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقد أحدث حدثًا لم نسمعه ممن أدركنا من العلماء، وأبو عبد اللَّه عندنا الإمام الذي نقتدي به، فمن خالف أبا عبد اللَّه فنحن نهجره.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق الصغاني يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، فمن قال: إنه مخلوق؛ فهو كافر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ فهو مبتدع، ما القول إلّا قول أبي عبد اللَّه، فمن خالفه؛ فنحن نهجره ولا نكلمه.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت هارون بن سفيان المستملي يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
وقال هارون: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: اللفظية جهمية.
قلت لهارون: فمن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. أي شيء هو؟
قال: هذِه بدعة لا نعرفها.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي: سمعت أبا علي بن الجروي يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل جهة، ما نعرف غير هذا.
قلت لابن الجروي: فسمعت أحدًا يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟
قال: معاذ اللَّه. قال ابن الجروي: قد قلت لهم -يعني: لسليمان اللؤلؤي ولابن سالم الخلقاني: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق،
[ ٣ / ٥٥٩ ]
فهذِه بدع، ونهيتهم عنها. فقالوا: نقبل.
فقلت لابن الجروي: فمن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، أي شيء هو عندك؟ قال: هذِه بدعة، يضرب رأس قائلها ويحبس. فقلت له: فلم لا تهجرهم أنت؟ فقال: لو سألني رجل له معرفة ومذهب لقلت: اهجرهم حتى يراجعوا.
وقال ابن الجروي: ربما بليت بهم في جنازة. وجعل يعتذر. وقال: إنهم ليعرفون خلافي وإنكاري لهذِه المقالة، وما أقول إلا لينكشف عني. قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قلت لمحمد بن هشام المروذي: أدركتَ أحدًا من العلماء يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ قال: لا، هذِه بدعة. وقد أدرك أبا علقمة الفروي، وهشيمًا، وأبا بكر ابن عياش، وابن إدريس، وابن أبي زائدة، ووكيعًا، والمحاربي، وأبا خالد الأحمر، والقاسم بن مالك المزني.
وقال: لقد شهدت إسماعيل -يعني: ابن إبراهيم- إذا أقيمت الصلاة قال: هاهنا أحمد بن حنبل؟ قولوا له: يتقدم يصلي بنا.
قال محمد بن هشام: وما نعرف اللفظ مخلوقًا ولا غير مخلوق، وهذِه بدعة.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا يوسف يعقوب ابن أخي معروف الكرخي ﵀ يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق؛ فهو كافر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فهو مبتدع، أنا صاحب هذِه المسألة أولًا، كتبوا إلي من الموصل فدرت على مشيختنا، وكتبوا إلي من نصيبين فقالوا لي: هذِه بدعة، قال يعقوب: وأبو عبد اللَّه أفضل
[ ٣ / ٥٦٠ ]
من معروف الكرخي رحمهما اللَّه، نحن بمنزلة الأنصار من أبي عبد اللَّه، قال النبي -ﷺ-: "لَوْ سَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا -أَوْ قال: شِعْبًا- لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ" (١) ولو قال الناس قولًا، وقال أحمد بن محمد بن حنبل قولًا، لقلنا بقوله.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعتُ أبا جعفر وأبا الحسين محمد وعلي ابني داود القنطري يقولان: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق وحيث تصرف، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فنحن نهجره ولا نكلمه؛ لخلافه لأبي عبد اللَّه.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا حمدون المقري يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
وسمعت وكيع بن الجراح يقول: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. قال أبو حمدون: ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، ما أدركتُ أحدًا من العلماء قال هذا. أما العلماء فقد حجوهم، فأما أهل القرآن فقد دفعوا قولهم، وقالوا: ما نجد هذا في كتاب اللَّه، هذِه بدعة، فاذهبوا إلى أهل الكلام حتى يناظروكم، أما أصحاب العلم والقرآن، فقد دفعوكم.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا الحسن مثنى ابن جامع يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فقد أحدث، وقد صح عندنا أن أبا عبد اللَّه نهى عنه، فمن خالف أبا عبد اللَّه فنحن نهجره.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٧ (٢١٧٧ - ٢١٩١)
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ١٦٩، والبخاري (٣٧٧٨)، ومسلم (١٠٥٩) من حديث أنس -﵁-.
[ ٣ / ٥٦١ ]
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: كتب إليَّ هارون بن إسحاق الهمداني: ما رسمه أبو عبد اللَّه فهو المرسوم، وهذِه بدعة لا نعرفها، وكان في كتابه: ما بكم من حاجة أن يستوحشوا إلى قول أحد ما لم يكن لأبي عبد اللَّه فيه قول.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٤٨ (٢١٩٤)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وكتب إليَّ بخطه: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقد أحدث وابتدع، ونحن متبعون لأبي عبد اللَّه ننكر ما أنكر، فمن حكى عني غير هذا فقد كذب.
"السنة" للخلال ٢/ ٣٤٨ (٢١٩٦)
قال إسحاق بن داود: سمعت جعفر بن أحمد يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية والواقفة زنادقة عتق.
قال أبو حفص: حدثنا أبو جعفر محمد بن داود قال: قال عباس الدوري: كان أحمد بن حنبل يقول: الواقفة واللفظية جهمية.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٩٦ (٦٨ - ٦٩)
قال يعقوب الدورقي: قلت لأحمد بن حنبل: هؤلاء الذين يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق؟
فقال: القرآن على أي جهة ما كان لا يكون مخلوقًا أبدًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ولم يقل: حتى يسمع كلامك يا محمد.
فقلت له: إنما يدور هؤلاء على الإبطال والتعطيل.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
قال: نعم، وقال أحمد بن حنبل: عليهم لعنة اللَّه.
قال صالح: جاء عباس فقال: يا أبا عبد اللَّه إن قومًا عندنا يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق، فنقول: ليس بمخلوق؟
قال: لا، ما سمعت أحدًا يقول هذا.
قال أبو جعفر: حدثني أبو الحارث الصائغ قال: وسمعته -يعني: أبا عبد اللَّه- يسأل عن قول حسين الكرابيسي، قيل له: إنه يقول لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: هذا قول جهم، قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فمن يسمع كلام اللَّه؟ أهلكهم وضع الكتب، تركوا آثار رسول اللَّه -ﷺ- وأقبلوا على الكلام.
فقلت له: إذا قال: لفظي بالقرآن [مخلوق]؛ فهو جهمي.
قال: فأي شيء بقي إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق.
قال أبو الحارث: ذهبت أنا وأبو موسى إلى أبي عبد اللَّه فقال له أبو موسى: يا أبا عبد اللَّه، هذا الأمر الذي قد أحدثوه تشمئذ منه القلوب، والناس يسألوننا عنه، يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق؟
قال أبو عبد اللَّه -بالانتهار منه: هذا كلام سوء رديء خبيث لا خير فيه.
قال له أبو موسى: أليس تقول: القرآن كلام اللَّه ليس مخلوقًا على كل حال، وبجميع الجهات والمعاني؟
قال: نعم، وكل ما تشعب من هذا فهو رديء خبيث.
قال أبو طالب أحمد بن حميد: قلت لأبي عبد اللَّه: أخبرني ساكني أن رجلًا بالرميلة كان يقول [بقول] الكرابيسي: لفظه بالقرآن [مخلوق]، فمنعوه يصلِّيَ بهم، فجاء فسألك عن: الرجل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، يُصلَّى خلفه؟ فقلت له: لا. فرجع إليهم فأخبرهم بقولك، وقال: إني تائب
[ ٣ / ٥٦٣ ]
وأستغفر اللَّه مما قلت. فقالوا له: صلِّ بنا. فصلَّى بهم.
قال: هو كان نفسه! سألني رجل طويل اللحية بعدما صليتُ الظهر، فقلت له: لم تَكلَّمون فيما قد نهيتم عنه، لا يُصلَّى خلفه ولا يُجالَس.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣٣ - ٣٣٥ (١٣٦ - ١٤٠)
قال عبد اللَّه بن سويد: سمعتُ أبا إسحاق الهاشمي يقول: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل فقلت: إذا قالوا لنا: القرآن بألفاظنا مخلوق؛ نقول لهم: ليس هو بمخلوق بألفاظنا أو نسكت؟
فقال: اسمع ما أقول لك: القرآن في جميع الوجوه ليس بمخلوق.
ثم قال أبو عبد اللَّه: جبريل حين قاله للنبي ﷺ كان منه مخلوقًا؟ ! والنبي حين قاله كان منه مخلوقا؟ ! هذا من أخبث قول وأشره.
ثم قال أبو عبد اللَّه: بلغني عن جهم أنه قال بهذا في بدء أمره.
نقل أبو طالب عن أبي عبد اللَّه قال: قلت له: كتب إليَّ من طرسوس أن الشراك يزعم أن القرآن كلام اللَّه، فإذا تلوته فتلاوته مخلوقه.
قال: قاتله اللَّه، هذا كلام جهم بعينه.
قلت: رجل قال في القرآن: كلام اللَّه ليس بمخلوق، ولكن لفظي هذا به مخلوق؟ قال: هذا كلام سوء، من قال هذا فقد جاء بالأمر كله.
قلت: الحجة فيه حديث أبي بكر لما قرأ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢] فقالوا: هذا جاء به صاحبك؟ قال: لا، ولكنه كلام اللَّه (١). قال: نعم، هذا وغيره إنما هو كلام اللَّه، إن لم يرجع عن هذا فاجتنبه ولا تكلمه، هذا مثل ما قال الشراك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
قلت: كذا بلغني. قال: أخزاه اللَّه تدري من كان خاله؟ قلت: لا.
قال: كان خاله عبدك الصوفي، وكان صاحب كلام ورأي سوء، وكل من كان صاحب كلام فليس ينزع إلى خير. واستعظم ذلك واسترجع وقال: إلام صار أمر الناس؟ !
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (١٤٢ - ١٤٣)
قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: إن رجلًا من أصحابنا زوج أخته من رجل، فإذا هو من هؤلاء اللفظية، يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وقد كتب الحديث، فقال أبو عبد اللَّه: هذا شر من جهمي.
قلت: فتفرق بينهما؟ قال: نعم.
قلت: فإن أخاها يفرق بينهما؟ قال: قد أحسن، وقال: أظهروا الجهمية، هذا كلام ينقض آخره أوله.
قلت لأبي عبد اللَّه: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر؟ قال: بل هو كافر، وقال: مات بشر المريسي وخلفه حسين الكرابيسي.
قال أبو طالب عن أبي عبد اللَّه: سأله يعقوب الدورقي عمن قال: لفظنا بالقرآن مخلوق، كيف تقول في هذا؟ قال: لا يكلم هؤلاء ولا يكلم هذا، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، على كل جهة، وعلى كل وجه تصرف، وعلى أي حال كان.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. وقول النبي -ﷺ-: "لا يصلح في الصلاة شيء من كلام الناس"؛ وقال -ﷺ-: "حتى أبلغ كلام ربي". هذا كلام جهم، على من جاء بهذا غضب اللَّه.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥ (١٥١ - ١٥٢)
[ ٣ / ٥٦٥ ]
قال أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء: حدثنا أبو جعفر محمد بن داود، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا الحسن عبد الوهاب الوراق يقول: ما سمعت عالمًا يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فمن هؤلاء عند أبي عبد اللَّه الذين خالفوا قوله إذا وقفت غدا بين يدي اللَّه، فسألني: بمن اقتديت؟ أي شيء أقول؟ وأي شيء ذهب على أبي عبد اللَّه من أمر الإسلام؟ وأبو عبد اللَّه عالم هذِه المسألة، فقد بلي منذ عشرين سنة في هذا الأمر، فمن لم يصر إلى قول أبي عبد اللَّه؛ فنحن نظهر خلافه ونهجره، ولا نكلمه إذا قلنا: القرآن غير مخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن، فهو جهمي، فأي شيء بقي؟ ! وإنما هذا من طريق أصحاب الكلام، وأصحاب الكلام لا يفلحون.
قال أبو حفص: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر قال: قال إسحاق بن داود: نحن نقتدي بمن مات، أحمد بن حنبل إمامنا، وهو من الراسخين في العلم، يقول: ما سمعت عالمًا يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. وأي شيء ذهب على أبي عبد اللَّه من أمر الإسلام؟ !
إذ قلنا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، وقلنا كما قال العلماء: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق حيثما تصرف، فأي شيء بقي؟ ! من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فنحن نهجره ولا نكلمه، وهذِه بدعة، وما غضب أحد من هذا الأمر وهو دون غضب أبي عبد اللَّه، أبو عبد اللَّه يغضب الغضب الشديد؛ حتى جعلوا يسكنونه.
قال أبو حفص: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر: سمعت [أبا] (١)
_________________
(١) ليست في المطبوع، وهو أبو الحسن الطوسي، انظر: "تهذيب الكمال" ٢١/ ١٣٢.
[ ٣ / ٥٦٦ ]
الحسن علي بن مسلم يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، هذا قول أبي عبد اللَّه؛ فِبهِ نقتدي إذ كنا لم ندرك في عصره أحدًا تقدمه في العلم والمعرفة والديانة، وكان مقدمًا عند من أدركنا من علمائنا، فما علمت أن أحدًا بلي بمثل ما بلي به فصبر، فهو قدوة وحجة لأهل هذا العصر، ولمن يجيء بعدهم، فنحن متبعون لمقالته وموافقون له.
فمن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فقد أبدع، وليس هو من كلام العلماء، وهذا مما أحدثه أصحاب الكلام المبتدعة، وقد صح عندنا أن أبا عبد اللَّه أنكر على من قال ذلك، وغضب منه الغضب الشديد.
وقال: ما سمعت عالمًا قال هذا، فمن خالف أبا عبد اللَّه فيما نهى عنه؛ فنحن غير موافقين له، منكرون عليه، وقد أدركنا من علمائنا مثل عبد اللَّه بن المبارك، وهشيم بن بشير، وإسماعيل ابن علية، وسفيان بن عيينة، وعباد بن عباد، وعباد بن العوام، وأبي بكر بن عياش، وعبد اللَّه بن إدريس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ويحيى بن زائدة، ويوسف بن يعقوب بن الماجشون، ووكيع، ويزيد بن هارون، وأبي أسامة، وقد أدرك هؤلاء كلهم التابعين، وسمعوا عنهم ورووا عنهم، ما منهم أحد قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فنحن لهم متبعون، ولما أحدث بعدهم مخالفون.
قال أبو حفص: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر -يعني: المروذي- قال: وقال إسحاق بن حنبل: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي، ومن زعم أن لفظه بالقرآن غير مخلوق؛ فقد ابتدع.
فقد نهى أبو عبد اللَّه عن هذا، وغضب منه وقال: ما سمعت عالمًا قال هذا، أدركتُ العلماء مثل هشيم، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، فما سمعتهم قالوا هذا، وأبو عبد اللَّه أعلم الناس بالسنة في زمانه، لقد ذب
[ ٣ / ٥٦٧ ]
عن دين اللَّه، وأوذي في اللَّه، وصبر على السراء والضراء.
قال أبو يوسف: فمن حكى عن أبي عبد اللَّه أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ فقد كذب، ما سمعت أبا عبد اللَّه قال هذا، إنما قال أبو عبد اللَّه: اللفظية جهمية، وأبو عبد اللَّه أعلم الناس بالسنة في زمانه.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٤٧ - ٣٥١ (١٥٥ - ١٥٨)
قال أبو حفص: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، قال: سمعت أبا بكر بن سهل بن عسكر يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق حيث تصرف، والقرآن من علم اللَّه، ومن زعم أنه ليس من علم اللَّه؛ فهو كافر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي كافر باللَّه، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، لم أر أحدًا من العلماء قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.
ونحن متبعون لأحمد بن محمد بن حنبل في هذِه المسألة، فمن خالفه؛ فنحن منه بريئون في الدنيا والآخرة؛ سمعت عبد الرزاق يقول: إن يعش هذا الرجل يكن خلفًا من العلماء -يريد أحمد بن حنبل ﵀.
قال أبو حفص: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر قال: سمعت عبد اللَّه بن أيوب المخرمي يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق؛ فقد أبطل الصوم والحج والجهاد وفرائض اللَّه، ومن أبطل واحدة من هذِه الفرائض فهو كافر باللَّه العظيم، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو ضال مبتدع، أدركت ابن عيينة، ويحيى بن سليم، ووكيع بن الجراح، وعبد اللَّه بن نمير، وجماعة من علماء الحجاز والبصرة والكوفة، ما سمعت أحدًا منهم قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا غير مخلوق.
وقد صح عندنا أن أبا عبد اللَّه -أحمد بن حنبل- نهى أن يقال: لفظي
[ ٣ / ٥٦٨ ]
بالقرآن غير مخلوق، فمن قال بخلاف ما قال أبو عبد اللَّه؛ فقد صحت بدعته.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٥١ - ٣٥٣ (١٦٠ - ١٦١)
قال أبو عمران (الجصاص) (١): سمعت رجلًا يسأل أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل من أهل الشام، قال له: يا أبا عبد اللَّه، إن قومًا قد حدثوا عندنا يقولون: إن كلام اللَّه وأسماءه وصفاته مخلوق.
فقال أحمد بن حنبل: ﵎، ليس شيء من صفاته ولا كلامه ولا أسمائه مخلوق، قال: ولا على لسان المخلوقين مخلوقة.
قال: فأي شيء المخلوق؟ قال: كل شيء على لسان المخلوقين مخلوق.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ١٦ - ١٧ (٢٠٤)
قال أبو إسماعيل الترمذي: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية، قال اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] من يسمع؟ !
قال ابن جرير: وسمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يحكون عنه أنه كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو جهمي.
"شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٣٩٢ (٦٠٢)
نقل عبد اللَّه بن الإمام أحمد عن أبيه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق -يريد به القرآن- فهو كافر (٢).
"الاعتقاد" للبيهقي ص ١١٥
قال ابن شاذان بن خالد الهمذاني: سمعت أحمد يقول: من قال: لفظه
_________________
(١) في المطبوع من "الإبانة": الحصاصي. ولعل المثبت صحيح، انظر: "تاريخ بغداد" ١/ ٥ ففيه: أبو عمران الجصاص سمع أحمد وروى عنه.
(٢) رواه عبد اللَّه في "السنة" ١/ ١٦٥ (١٨١) بلفظ: فهو جهمي.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
بالقرآن مخلوق، فهو جهمي مخلد في النار خالدًا فيها، ثم قال: وهذا شرك باللَّه العظيم.
"طبقات الحنابلة" ١/ ١٠٩
قال أبو الحارث: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من أحب الكلام لم يخرج من قلبه.
قال: وسمعته وسُئل عن قول الحسين الكرابيسي، فقيل له: إنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: هذا قول جهم، قال اللَّه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فمن لم يسمع كلام اللَّه أهلكهم اللَّه.
"طبقات الحنابلة" ١/ ١٧٨ - ١٧٩
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: يا أبا عبد اللَّه، إن الكرابيسي وابن الثلجي قد تكلما، فقال أحمد: فيم؟
قلت: في اللفظ، فقال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٢٤١
قال أبو بكر السراج: سألت أحمد عن رجل يقول: القرآن مخلوق، قال: كافر. وسألته عمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، قال: جهمي.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٢٧٠
قال بديل بن محمد بن أسد: دخلت أنا وإبراهيم بن سعيد الجوهري على أحمد بن حنبل -﵁- في اليوم الذي مات فيه أو مات في تلك الليلة التي تستقبل ذلك اليوم، قال: فجعل أحمد يقول لنا: عليكم بالسنة، عليكم بالأثر، عليكم بالحديث، لا تكتبوا رأي فلان ورأي فلان، فسمى أصحاب الرأي.
ثم قال له إبراهيم بن سعيد: يا أبا عبد اللَّه إن الكرابيسي وابن الثلجي قد تكلما، فقال أحمد: فيم تكلموا؟
[ ٣ / ٥٧٠ ]
قال: في اللفظ، فقال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي كافر.
قال أبو طاهر: ثم لقيت إبراهيم بن سعيد ببغداد وما دخلت عليه إلا بعد كدٍّ في داره، فسألته فقلت: أخبرني بديل بن محمد أنك سألت أحمد بن حنبل عن اللفظ بالقرآن، فأخبرني إبراهيم أنه سأل أحمد فقال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر.
ثم دخلت عليه بعد ذلك في زربة فسألته عن هذِه اللفظة فأخبرني بها كما أخبرني أول مرة.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٣٢٥
قال ابن بدينا: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل -﵁- فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، أنا رجل من أهل الموصل، والغالب على أهل بلدنا الجهمية، ومنهم أهل سنة نفر يسير يحبونك وقد وقعت مسألة الكرابيسي ففتنهم قول الكرابيسي: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال لي أبو عبد اللَّه: إياك وإياك وهذا الكرابيسي لا تكلمه ولا تكلم من يكلمه. أربع مرار، أو خمسًا إلا أن في كتابي أربعًا.
فقلت: يا أبا عبد اللَّه فهذا القول عندك وما نشأ عنه يرجع إلى قول جهم؟ قال: هذا كله من قول جهم.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٨١
قال ابن شداد الصفدي: سمعت أحمد بن حنبل، وتذاكرنا أمر القرآن، فقال: هو من حيث تصرف غير مخلوق، واللفظ بالقرآن من قال: هو مخلوق. فهذا من قول جهم، والنبي -ﷺ- يقول: "مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي ﷿" (١) وقال اللَّه: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ٥٧١ ]
قال: وقال أحمد: لا يجالس من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا يُصلَّى خلفه؛ فإن هذا من قول جهم.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٣٠٤
قال ابن منده: قال أحمد: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٣٩١
قال شاهين بن السميدع: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو كافر.
وقال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: القرآن مخلوق. فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر.
قال أبو طالب: قرأت عليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] وسألته هذا مخلوق؟ فقال له أحمد: هذا ليس بمخلوق، فبلغه أن أبا طالب حكى عنه أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فغضب عليه أحمد وقال: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ ! فقال: لا، ولكن قرأت عليك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فقلت لك: هذا غير مخلوق؟ فقلت: نعم.
فقال: فلم حكيت عني أني قلت لك: لفظى بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: لم أحكه عنك وإنما حكيته عن نفسي.
قال: فلا تقل هذا، فإني لم أسمع عالِمًا يقول هذا، ولكن قل: القرآن حيث تصرف كلام اللَّه غير مخلوق.
"مجموع الفتاوى" ١٢/ ٣٢٥
قال ابن زنجويه: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع لا يكلم.
"مجموع الفتاوى" ١٢/ ٣٢٥
[ ٣ / ٥٧٢ ]
٩٦ - فصل: ذكر من قال: القرآن محدث
قال حرب الكرماني: سمعت إسحاق يقول: من قال: إن القرآن محدث على معنى مخلوق؛ فهو كافر باللَّه الغني العظيم.
قلت: ما معنى قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، قال: محدث من العرش آخر ما نزل من الكتب من العرش. ثم راجعته في ذلك فقال: أحدث الكتب عهدًا بالرحمن (١).
"مسائل حرب" ص ٤١٧ - ٤١٨.
قال أبو بكر المروذي: قال أبو عبد اللَّه: مَنْ داود بن علي الأصبهاني! لا فرَّج اللَّه عنه، جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري؛ أن داود الأصبهاني قال كذبا: إن القرآن محدث.
وقال عبد اللَّه: استأذن داود على أبي، فقال: مَنْ هذا؟ داود؟ لا جبر ود اللَّه قلبه، ودود اللَّه قبره. فمات مدودًا.
"مجموع الفتاوى" ٦/ ١٦١
_________________
(١) قال البيهقي في "الاعتقاد" ص ٩٩: قال أحمد بن حنبل: قد يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه محدث.
[ ٣ / ٥٧٣ ]
٩٧ - فصل: مناظرة الجهمية
قال الإمام أحمد: قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، قال: وذلك أن قريشًا قالوا: إن القرآن شعر. وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: أضغاث أحلام، وقالوا: تقوله محمد من تلقاء نفسه. وقالوا: تعلمه من غيره؛ فأقسم اللَّه بالنجم إذا هوى، يعني: القرآن إذا نزل فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ يعني: محمدًا ﴿وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ يقول: إن محمدًا لم يقل هذا القرآن من تلقاء نفسه، فقال: ﴿إِنْ هُوَ﴾ يقول: ما هو، يعنى: القرآن ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فأبطل اللَّه أن يكون القرآن شيئًا غير الوحي؛ لقوله إِن ﴿إِنْ هُوَ﴾ يقول: ما هو ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ثم قال: ﴿علَّمَهُ﴾ يعني: علم محمدًا جبريل -ﷺ-، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ فسمى اللَّه القرآن وحيًا ولم يسمه خلقًا.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: أخبرونا عن القرآن، هو شيء؟ فقلنا: نعم، هو شيء. فقال: إن اللَّه خلق كل شيء، فلم لا يكون القرآن مع الأشياء المخلوقة، وقد أقررتم أنه شيء؟ !
فلعمري لقد ادعى أمرا أمكنه فيه الدعوى، ولبس على الناس بما ادعى، فقلنا: إن اللَّه في القرآن لم يسم كلامه شيئًا إنما سمى شيئًا الذي كان بقوله، ألم تسمع إلى قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٠] فالشيء ليس قوله، إنما الشيء الذي كان بقوله، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢] فالشيء ليس هو أمره، إنما الشيء الذي كان بأمره.
ومن الأعلام والدلالات أنه لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة،
قال اللَّه للريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] وقد
[ ٣ / ٥٧٤ ]
أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها؛ منازلهم ومساكنهم والجبال التي بحضرتهم، فأتت عليها تلك الريح ولم تدمرها، وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة، وقال لملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقد كان ملك سليمان شيئًا ولم تؤته، وكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] لا يعني: كلامه مع الأشياء المخلوقة، وقال اللَّه لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ثم قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فقد عرف من عقل عن اللَّه أنه لا يعني نفسه مع الأنفس التي تذوق الموت، وقد ذكر اللَّه ﷿ كل نفس، فكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة.
ففي هذا دلالة وبيان لمن عقل عن اللَّه، فرحم اللَّه من فكر، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، ولم يقل على اللَّه إلا الحق، فإن اللَّه قد أخذ ميثاقَ خلقه فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣] فقد حرم اللَّه أن يقال عليه الكذب.
وقد قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] فأعاذنا اللَّه وإياكم من فتن المضلين.
وقد ذكر اللَّه كلامه في غير موضع من القرآن فسماه كلامًا ولم يسمه
[ ٣ / ٥٧٥ ]
خلقًا، قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥]، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فأخبرنا اللَّه أن النبي -ﷺ- كان يؤمن باللَّه وبكلام اللَّه، وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] وقال: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ولم يقل: حتى يسمع خلق اللَّه. فهذا منصوص بلسان عربي مبين لا يحتاج إلى تفسير، هو مبين بحمد اللَّه.
وقد سألت الجهمي: أليس إنما قال اللَّه ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقال: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] ولم نسمع اللَّه يقول: قولوا إن كلامي خلق.
وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا﴾ [النساء: ١٧١] وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] ﴿لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]
[ ٣ / ٥٧٦ ]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
ومثله في القرآن كثير، فهذا ما نهى اللَّه عنه ولم يقل لنا: لا تقولوا إن القرآن كلامي.
وقد سمَّت الملائكة كلام اللَّه كلامًا ولم تسمه خلقًا، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، وذلك أن الملائكة لم يسمعوا صوت الوحي ما بين عيسى ومحمد ﷺ، وبينهما كذا وكذا سنة. فلما أوحى اللَّه إلى محمد سمع الملائكة صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا، فظنوا أنه أمر من الساعة ففزعوا وخروا لوجوههم سجدًا، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يقول: حتى إذا انجلى الفزع عن قلوبهم رفع الملائكة رؤوسهم فسأل بعضهم بعضا فقالوا: ماذا قال ربكم؟ ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم، فهذا بيان لمن أراد اللَّه هداه.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: أنا أجد آية في كتاب اللَّه ﵎ تدل على القرآن أنه مخلوق. فقلنا: في أي آية؟ فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فزعم أن اللَّه قال للقرآن: محدث، وكل محدث مخلوق.
فلعمري لقد شبه على الناس بهذا، وهي آية من المتشابه، فقلنا في ذلك قولًا واستعنا باللَّه ونظرنا في كتاب اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
قال أحمد -﵁-: اعلم أن الشيئين إذا اجتمعا في اسم يجمعهما فكان أحدهما أعلى من الآخر، ثم جرى عليهما اسم مدح فكان أعلاهما أولى بالمدح وأغلب عليه، وإن جرى عليه اسم ذم فأدناهما أولى به.
ومن ذلك قول اللَّه تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[ ٣ / ٥٧٧ ]
[البقرة: ١٤٣] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] يعني: الأبرار دون الفجار، فإذا اجتمعوا في اسم الإنسان واسم العباد فالمعنى في قول اللَّه جل ثناؤه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يعني: الأبرار دون الفجار؛ لقوله إذا انفرد الأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار: ١٣] وإذا انفرد الفجار: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فالمؤمن أولى به وإن اجتمعا في اسم الناس؛ لأن المؤمن إذا انفرد أعطي المدحة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وإذا انفرد الكفار جرى عليهم الذم في قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وقال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠] فهؤلاء لا يدخلون في الرحمة.
وفي قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] فاجتمع الكافر والمؤمن في اسم العبد، والكافر أولى بالبغي من المؤمنين؛ لأن المؤمنين انفردوا ومدحوا فيما بسط من لهم الرزق، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. وقد بسط الرزق لسليمان بن داود، ولذي القرنين، وأبي بكر، وعمر ومن كان على مثالهم ممن بسط له فلم يبغ، وإذا انفرد الكافر وقع عليه اسم البغي في قوله لقارون: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] ونمرود بن كنعان حين آتاه اللَّه الملك فحاج في ربه، وفرعون حين قال موسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٨٨] فلما اجتمعوا في الاسم الواحد فجرى عليهم اسم البغي كان الكفار أولى به كما أن المؤمن أولى بالمدح.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
فلما قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فجمع بين ذكرين: ذكر اللَّه وذكر نبيه، فأما ذكر اللَّه إذا انفرد لم يجر عليه اسم الحدث ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾؟ ! وإذا انفرد ذكر النبي -ﷺ- فإنه جرى عليه اسم الحدث ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] فذكر النبي -ﷺ- له عمل واللَّه له خالق محدث، والدلالة على أنه جمع بين ذكرين، لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ فأوقع عليه الحدث عند إتيانه إيانا وأنت تعلم أنه لا يأتينا بالأنبياء إلا مبلغ ومذكر، وقال اللَّه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ [الأعلى: ٩] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] فلما اجتمعوا في اسم الذكر جرى عليهم اسم الحدث، وذكر النبي إذا انفرد وقع عليه اسم الخلق، وكان أولى بالحدث من ذكر اللَّه الذي إذا انفرد لم يقع عليه اسم خلق ولا حدث.
فوجدنا دلالة من قول اللَّه ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ إلى النبي -ﷺ-؛ لأن النبي -ﷺ- كان لا يعلم فعلمه اللَّه، فلما علمه اللَّه؛ كان ذلك محدثًا إلى النبي -ﷺ-.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: إنا وجدنا آية في كتاب اللَّه تدل على أن القرآن مخلوق.
فقلنا: أي آية؟ فقال: قول اللَّه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] وعيسى مخلوق.
فقلنا: إن اللَّه منعك الفهم في القرآن، عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن؛ لأنه يسميه مولودًا وطفلًا وصبيًا وغلامًا يأكل ويشرب، وهو مخاطب بالأمر والنهي يجري عليه اسم الخطاب والوعد
[ ٣ / ٥٧٩ ]
والوعيد، ثم هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم، ولا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى، هل سمعتم اللَّه يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ! ولكن المعنى من قول اللَّه جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: ﴿كُنْ﴾ وفكان عيسى بـ ﴿كُنْ﴾ وليس عيسى هو الكن؛ ولكن بالكن كان، فالكن من اللَّه قول وليس الكن مخلوقا.
وكذب النصارى والجهمية على اللَّه في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح اللَّه وكلمته؛ لأن الكلمة مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح اللَّه من ذات اللَّه وكلمته من ذات اللَّه، كما يقال: إن هذِه الخرقة من هذا الثوب.
وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة، وأما قول اللَّه: ﴿وَرُوحٌ منْه﴾ يقول من أمره كان الروح فيه كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. يقول: من أمره. وتفسير روح اللَّه إنما معناها أنها روح بكلمة اللَّه خلقها اللَّه، كما يقال: عبد اللَّه، وسماء اللَّه، وأرض اللَّه.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: إن اللَّه يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩] فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما فشبه على الناس ولبس عليهم.
فقلنا له: أليس إنما أوقع اللَّه جل ثناؤه الخلق والمخلوق على ما في السموات والأرض وما بينهما؟ فقالوا: نعم.
فقلنا: هل فوق السموات شيء مخلوق؟ قالوا: نعم.
فقلنا: فإنه لم يجعل ما فوق السموات مع الأشياء المخلوقة، وقد
[ ٣ / ٥٨٠ ]
عرف أهل العلم أن فوق السموات السبع الكرسي والعرش واللوح المحفوظ والحجب وأشياء كثيرة لم يسمها ولم يجعلها مع الأشياء المخلوقة، وإنما وقع الخبر من اللَّه على السموات والأرض وما بينهما.
قلنا: فيما ادعوا أن القرآن لا يخلو أن يكون في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما، فقلنا: اللَّه ﵎ يقول: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨] فالذي خلق به السموات والأرض قد كان قبل السموات والأرض، والحق الذي خلق به السموات والأرض هو قوله؛ لأن اللَّه يقول الحق، وقال: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ [ص: ٨٤] ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] فالحق الذي خلق به السموات والأرض قد كان قبل السموات والأرض، والحق قوله، وليس قوله مخلوقًا.
"الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد ص ١١٤ - ١٢٦
قال الإمام أحمد: فقالوا: جاء الحديث: "إن القُرْآن يجيء في صورة الشاب الشَّاحِبِ فيأتي صِاحبَه فيقول: هل تعرفني؟ . . فيقول له: من أنت؟ . . فيقول: أَنَا القرآن أَظْمَأْتُ نهارك وأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ" (١).
قال: "فيأتي به اللَّه، فيقول: يا رب. . " (٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ٣٤٨، وابن ماجه (٣٧٨١) - مختصرًا، والدارمي (٣٤٣٤)، والحاكم ١/ ٥٥٦، والبغوي في "شرح السنة" ٤/ ٤٥٣ (١١٩٠) وقال: حسن غريب. وقال ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٢٤٢: هذا إسناد حسن على شرط مسلم. وقال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٥٩: رجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" (١٢٥٥): هذا إسناد رجاله ثقات.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣٠ (٣٠٠٣٨)، والبيهقي في "الشعب" ٢/ ٣٤٥ (١٩٩١)، من حديث أبى هريرة
[ ٣ / ٥٨١ ]
فادعوا أن القرآن مخلوق من قبل هذِه الأحاديث، فقلنا لهم: القرآن لا يجيء إلا بمعنى أنه قد جاء من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فله كذا وكذا، ألا ترون أن من قرأ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يجئه إلا بثواب؛ لأنا نقرأ القرآن فيقول: يا رب؛ لأن كلام اللَّه لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال، وإنما معنى أن القرآن يجيء إنما يجيء ثواب القرآن، فيقول: يا رب.
"الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد ص ١٤٥
قال صالح: وجَّه المتوكل إلى أبي إسحاق بن إبراهيم يأمره بحمل أبي إلى المعسكر. قال: فوجَّه إسحاق إلى أبي فقال: إن أمير المؤمنين قد كتب إليَّ يأمرني بإشخاصك إليه فتأهب لذلك.
قال أبي: فقال لي إسحاق بن إبراهيم: اجعلني في حل، فقلت: قد جعلتك وكل من حضر في حل.
قال أبي: فقال لي إسحاق: أسألك عن القرآن مسألة مسترشد لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مستورًا، ما تقول في القرآن؟ .
قال أبي: فقلت: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق.
قال: فقل لي: من أين قلت غير مخلوق؟ قال أبي: فقلت له: قال اللَّه ﵎: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الخلق والأمر.
فقال إسحاق: الأمر مخلوق؟ فقال أبي: فقلت له: يا إسحاق، إن اللَّه يخلق خلقًا (١). فقال أبي: فقال لي: وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟
_________________
(١) كذا في المطبوع من "السيرة"، وعند ابن الجوزي في "المناقب" ص ٤٤١، والذهبي في "السير" ١١/ ٢٦٦: فقال: يا سبحان اللَّه! أمخلوق يخلق خلقَا؟ ! قال الذهبي معلقًا: يعني: إنما خلق الكائنات بأمره، وهو قوله ﴿كُن﴾.
[ ٣ / ٥٨٢ ]
فقلت: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق. قال: فسكت.
"سيرة الإمام أحمد" لابنه صالح ص ٨٣ - ٨٤
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقِول: كان فيما احتججت عليهم يومئذ قلت:
قال اللَّه: ﴿أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمرُ﴾ ففرق بين الخلق والأمر، وذلك أنهم قالوا لي: أليس كل ما دون اللَّه مخلوق؟
قلت لهم: ما دون اللَّه مخلوق، فأما القرآن فكلامه وليس بمخلوق، فقال لي شعيب: قال اللَّه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا﴾ [الزخرف: ٣] أفليس كل مجعول مخلوقًا؟
قلت: فقد قال اللَّه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] خلقهم؟ ! ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥] فخلقهم؟ ! أفكل مجعول مخلوق؟ ! كيف يكون مخلوقًا وقد كان قبل أن يخلقه؟ . قال: فأمسك.
وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
فقلت لهم حينئذ: الخلق غير الأمر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] فأمره وكلامه واستطاعته ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، قد نهينا عن هذا.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ص ٣٠، ٣١ (٢٢١)
وقال أبو عمر عثمان بن عمر الدراج: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد ابن هارون الخلال، قال: كتب إلي أحمد بن الحسين الوراق من الموصل، قال: حدثنا بكر بن محمد بن الحكم، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه قال: سألته عما احتج به حين دخل على هؤلاء؟ فقال: احتجوا علي بهذِه الآية: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] أي: أن القرآن حث، فاحتججت عليهم بهذه الآية: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١] قلت:
[ ٣ / ٥٨٣ ]
فهو سماه الذكر، وقلت: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فهذا يمكن أن يكون غير القرآن محدث، ولكن ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فهو القرآن ليس هو محدثا، قال: فبهذا احتججت عليهم.
واحتجوا عليَّ: ما خلق اللَّه من سماء ولا أرض ولا كذا أعظم من آية الكرسي (١).
قال: فقلت له: إنه لم يجعل اية الكرسي مخلوقة، إنما هذا مثل ضربه -أي: هي أعظم من أن تخلق، ولو كانت مخلوقة لكانت السماء أعظم منها- أي: فليست بمخلوقة.
قال: واحتجوا علي بقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
فقلت: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]؛ فخلق من القرآن زوجين؟ ! ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فأوتيت القرآن؟ ! فأوتيت النبوة؟ أوتيت كذا وكذا؟ !
وقال اللَّه تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]؛ فدمرت كل شيء؟ ! إنما دمرت ما أراد اللَّه من شيء.
قال: وقال لي ابن أبي دؤاد: أين تجد أن القرآن كلام اللَّه؟
قلت: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف: ٢٧]
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٨٨٤) عن سفيان بن عيينة أنه قال في تفسير قول ابن مسعود هذا: لأن آية الكرسي هو كلام اللَّه، وكلام اللَّه أعظم من خلق السماء والأرض. ورواه ابن الضريسي في "فضائل القرآن" (١٨٧)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن " ٢٣٠، والطبراني ٩/ ١٣٣ (٨٦٥٩) من طريق الشعبي، عن شتير بن شكل ومسروق، عن ابن مسعود، قال الهيثمي في "المجمع" ٦/ ٣٢٣: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٥٨٤ ]
فسكت.
وقلت له بين يدي الرئيس، وجرى كلام بيني وبينه، فقلت له: اجتمعت أنا وأنت أنه كلام، وقلت: إنه مخلوق. فهاتوا الحجة من كتاب اللَّه أو من السنة. فما أنكر ابن أبي دؤاد ولا أصحابه أنه كلام.
قال: وكانوا يكرهون أن يظهروا أنه ليس بكلام فيشنع عليهم.
قال حمزة بن القاسم: حدثنا حنبل قال: قال أبو عبد اللَّه: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كلامه، فإذا كلمني أبو إسحاق ألنت له القول والكلام.
قال: فقال لي أبو إسحاق: لئن أجبتني لآتينك في حشمي وموالي، ولأطأن بساطك، ولأنوهن باسمك، يا أحمد اتق اللَّه في نفسك، يا أحمد! اللَّه اللَّه.
قال أبو عبد اللَّه: وكان لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد! إني عليك شفيق.
فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا القرآن وأحاديث رسول اللَّه -ﷺ- وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها.
قال: فيتكلم هذا وهذا.
قال: فقال ابن أبي دؤاد لما انقطع وانقطع أصحابه: والذي لا إله إلا هو لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف ومائة ألف عددًا مرارًا كثيرة. قال أبو عبد اللَّه: وكان فيما احتججت عليهم يومئذ قلت لهم: قال اللَّه ﷿: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وذلك أنهم قالوا لي: أليس كل ما دون اللَّه مخلوق؟ فقلت لهم: فرق بين الخلق والأمر، فما دون اللَّه مخلوق، فأما القرآن فكلامه ليس بمخلوق.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
فقال: قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].
فقلت لهم: قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ فأمره كلامه واستطاعته ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، فقد نهينا عن ذلك.
قال حنبل: وقال أبو عبد اللَّه: واحتججت عليهم، فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها، وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع.
قال اللَّه ﷿ في كتابه تصديقا منه لقول إبراهيم غير دافع لمقالته ولا لما حكي عنه فقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم: ٤٢]، فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم؟ ! فقالوا: شبه شبه يا أمير المؤمنين.
فقلت: أليس هذا القرآن؟ هذا منكر عندكم مدفوع؟ ! وهذه قصة موسى، قال اللَّه لموسى في كتابه حكاية عن نفسه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ [النساء: ١٦٤] فأثبت اللَّه الكلام لموسى كرامة منه لموسى ثم قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] فتنكرون هذا؟ ! فيجوز أن تكون هذه الياء راجعة ترد على غير اللَّه؟ ! أو يكون مخلوقًا يدعي الربوبية؟ ! وهل يجوز أن يقول هذا غير اللَّه؟ ! وقال له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]. فهذا كتاب اللَّه يا أمير المؤمنين، فيجوز أن يقول لموسى: أنا ربك مخلوق؟ ! وموسى كان يعبد مخلوقًا؟ ! ومضى إلى فرعون برسالة مخلوق يا أمير المؤمنين؟ !
[ ٣ / ٥٨٦ ]
قال: فأمسكوا، وأداروا بينهم كلامًا لم أفهمه.
قال أبو عبد اللَّه: والقوم يدفعون هذا وينكرونه، ما رأيت أحدا طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا بكلام واحتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه، والقوم يرجعون إلى التعطيل في أقاويلهم، وينكرون الرؤية والآثار كلها، ما ظننت أنه هكذا حتى سمعت مقالاتهم.
قال أبو عبد اللَّه: قيل لي يومئذ: كان اللَّه ولا قرآن.
فقلت له: كان اللَّه ولا علم؟ ! فأمسك، ولو زعم (غير) (١) ذلك أن اللَّه كان ولا علم لكفر باللَّه.
قال أبو عبد اللَّه: وقلت له يعني: لابن الحجام: يا ويلك، لا يعلم حتى يكون، فعلمه وعلمك واحد! كفرت باللَّه عالم السر وأخفى، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ويلك، يكون علمه مثل علمك، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ !
قال أبو عبد اللَّه: فهذه أليست مقالته؟
قال أبو عبد اللَّه: وهذا هو الكفر باللَّه، ما ظننت أن القوم هكذا، لقد جعل برغوث (٢) يقول يومئذ: الجسم وكذا. .، وكلام لا أفهمه.
فقلت: لا أعرف ولا أدري ما هذا، إلا أنني أعلم أنه أحد صمد، لا شبه له ولا عدل، وهو كما وصف نفسه. فيسكت عني.
_________________
(١) كذا في "الإبانة"، وأرى أن السياق لا يقتضيها، واللَّه أعلم.
(٢) هو محمد بن عيسى، من رؤوس البدع، كان على مذهب النجار في أكثر مذاهبه، وإليه تنتسب الفرقة البرغوثية.
[ ٣ / ٥٨٧ ]
قال: فقال لي شعيب: قال اللَّه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]؛ أفليس كل مجعول مخلوقًا؟
قلت: فقد قال اللَّه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]؛ أفخلقهم؟ ! ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ ! أفكل مجعول مخلوق؟ ! كيف يكون مخلوقًا وقد كان قبل أن يخلق الجعل؟ قال: فأمسك.
قال أبو عمرو، عثمان بن عمر: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون، قال: أخبرني علي بن أحمد أبو غالب، قال: حدثني محمد بن يوسف المروزي -المعروف بابن سرية- قال: دخلت على أبي عبد اللَّه والجبائر على ظهره، قال لي: يا أبا جعفر، أشاط القوم بدمي، فقالوا له؟ يعني: المعتصم: يا أمير المؤمنين، سله عن القرآن، أشيء هو أو غير شيء؟ قال: فقال لي المعتصم: يا أحمد، أجبهم.
قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين! إن هؤلاء لا علم لهم بالقرآن، ولا بالناسخ والمنسوخ، ولا بالعام والخاص، قد قال اللَّه ﷿ في قصة موسى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]؛ فما كتب له القرآن. وقال في قصة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وما أوتيت القرآن. فأخرسوا.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٥٠ - ٢٥٨ (٤٣١ - ٤٣٣)
وقال أبو عمرو، عثمان بن عمر: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: سمعت هرثمة بن خالد -قرابة إسحاق بن داود- وكنا جميعا أنا وإسحاق، قال: قال أحمد بن حنبل: قال لي ابن أبي دؤاد -وهم يناظروني- وقد كنت قلت لهم: أوجدوني ما تقولون في كتاب اللَّه أو في سنة رسول اللَّه: أوجدني
[ ٣ / ٥٨٨ ]
أنت يا ابن حنبل في علمك أن هذا البساط الذي نحن عليه مخلوق؟
قال: قلت: نعم، قال اللَّه ﷿: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠] قال: فكأني ألقمته حجرًا.
حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي الخصيب، قال: حدثنا أبو بكر، [أحمد بن] محمد بن الحجاج المروذي، قال: قال لي أبو عبد اللَّه: مكثت ثلاثة أيام يناظرونني. قلت: فكان يدخل إليك بالطعام؟ قال: لا. قلت: فكنت تأكل شيئا؟ قال: مكثت يومين لا أطعم، ومكثت يومين لا أشرب، ومكثت ثلاثة أيام يناظرونني بين يديه -يعني: الرأس أبا إسحاق- وقد جمعوا عليّ نحوا من خمسين بصريًّا وغير ذلك -يعني من المناظرين- وفيهم الشافعي الأعمى.
فقلت له: كلهم يناظرونك بالليل؟ قال: نعم، كل ليلة، وكان فيهم الغلام غسان -يعني: قاضي الكوفة- وقال: إنما كان الأمر أمر ابن أبي دؤاد.
قلت له: كانوا كلهم يكلمونك؟ قال: نعم، هذا يتكلم من هاهنا، وهذا يحتج من هاهنا، وهذا يتأول على آية، وعجيف عن يمينه، وإسحاق عن يساره قائم، ونحن بين يديه -يعني: أبا إسحاق- فسألني غير مرة، فقلت: أوجدني في كتاب أو سنة.
فقال لي إسحاق وعجيف: وأنت لا تقول إلا ما كان في كتاب أو سنة؟
قلت لهم: ناظروني في الفقه أو في العلم.
فقال عجيف: أنت وحدك تريد أن تغلب هؤلاء الخلق كلهم. ولزني بقائمة سيفه، وأشار أبو عبد اللَّه إلى عنقه يريني بيده هكذا، ثم قال إسحاق بن إبراهيم: وأنت لا تقول إلا ما كان في كتاب أو سنة. ولكزني بقائمة سيفه -وأومأ أبو عبد اللَّه إلى حلقه.
[ ٣ / ٥٨٩ ]
قلت: فكان أبو إسحاق يتكلم؟
قال: لا، إلا ساكت، إنما كان الأمر أمر ابن أبي دؤاد.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لم يكن فيهم أحد أرق علي من أبي إسحاق مع أنه لم يكن فيهم رشيد.
قال: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما قلت: لا أتكلم إلا ما كان في كتاب أو سنة، احتج الأعمى الشافعي بحديث عمران بن حصين: "خلق اللَّه الذكر" (١). قال: فقلت له: هذا خطأ، رواه الثوري وأبو معاوية، وإنما وهم فيه محمد بن عبيد، وقد نهيته أن يحدث به.
قال: فقال أبو إسحاق: أراه فقيهًا.
وقال أبو عمرو، عثمان بن عمر: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون، قال: وكتب إلي أحمد بن الحسين الوراق من الموصل، قال: حدثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه قال: واجتمع علي خلق من الخلق، وأنا بينهم مثل الأسير، وتلك القيود قد أثقلتني، قال: وكان يلغطون ويضحكون، وكل واحد منهم ينزع آية، وآخر يجيء بحديث، قال: والرئيس يسكتهم.
قال: فكان هذا يقول شيئًا، وهذا يقول شيئًا، وهذا يقول شيئًا، فقال لي واحد منهم: أليس يروى عن أبي السليل، عن عبد اللَّه بن رباح، عن أُبيِّ
_________________
(١) بهذا اللفظ رواه الطبراني ١٨/ ٢٠٣ (٤٩٩) وقال: هذا الحرف كان محمد بن عبيد يخطئ فيه وينهاه أحمد بن حنبل أن يحدث له. وروى الإمام أحمد ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢، والبخاري (٣١٩١) من طريق أبي معاوية بلفظ: ". . . وكتب في الذكر كل شيء". ورواه البخاري (٣١٩٠) من طريق سفيان.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
[ابن] كعب (١)؟ فقلت: وأنت ما يدريك من أبو السليل؟ ومن عبد اللَّه بن رباح؟ وما لك ولهذا؟ قال: فسكت.
وقال لي آخر: "ما خلق اللَّه من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي"، فقلت: إنما هذا مَثَل. فسكت.
واحتج علي آخر بحديث الطنافسي عن الأعمش، عن جامع حديث عمران بن حصين: "إن اللَّه خلق الذكر"؟ فقلت: هذا وهم فيه -يعني: الطنافسي- وأبو معاوية يقول: "كتب اللَّه الذكر".
قال: وكنت أصيح عليهم، وأرفع صوتي، وكان أهون علي من كذا وكذا، ذهب اللَّه بالرعب من قلبي، حتى لم أكن أبالي بهم ولا أهابهم، فلما يئسوا مني واجتمعوا علي، قال لي عبد الرحمن: ما رأيت مثلك قط، من صنع ما صنعت؟ ! قلت له: القرآن، قد اجتمعت أنا وأنتم على أنه كلام اللَّه، وزعمتم أنه مخلوق، فهاتوه من كتاب أو سنة، فقال لي ابن أبي دؤاد: وأنت تجد في كل شيء كتابًا وسنة؟
فلما أيس مني قال: خذوه، وأدخل الأتراك أيديهم في أقيادي فجروني إلى موضع بعيد، وذكر قصة الضرب.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٥٨ - ٢٦٢ (٤٣٦ - ٤٣٨)
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ١٤١ - ١٤٢، ومسلم (٨١٠)، ولفظه: قال رسول اللَّه -ﷺ- "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب اللَّه أعظم؟ " قال: قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟ " قال: قلت: اللَّه لا إله إلا هو الحي القيوم قال: فضرب في صدري وقال: "واللَّه ليهنك العلم أبا المنذر". هذا لفظ مسلم، وزاد الإمام أحمد: "والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش". قال الهيثمي ٦/ ٣٢١: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٥٩١ ]
قال زرقان بن محمد سمعت أبا داود السجستاني يقول: لما جيء بعبد اللَّه بن عبد اللَّه الخراساني، وأحضر للمحنة، وأحمد بن حنبل محبوس،
قال الخراساني: هذا الذي تدعوني إليه، اعرضوه علي.
قال: تقول: القرآن مخلوق؟
قال: هذا الذي تدعون إليه، علمه اللَّه ورسوله وجميع المؤمنين؟
قالوا: نعم. قال: فوسعهم السكوت عنه؟
فأطرق المعتصم مليًّا، ثم رفع رأسه فقال: نعم.
قال: فما وسعكم ما وسع القوم؟ !
قال: فقال المعتصم: أخلوا لي بيتًا، فأخلي له بيت، فطرح نفسه فيه على قفاه، ورفع رجليه مع الحائط وهو يقول: علمه اللَّه، وعلمه رسوله، والمؤمنون، ووسعهم السكوت عنه، وسعنا ما وسع القوم، صدق الخراساني، ما زال يقول ذلك ويردده يومه وليلته، لا يجد فيه حجة.
فلما كان من الغد أمر بإحضار الجماعة ثم جلس على كرسيه وأحضر القوم، فبدأ الخراساني فأسكتهم وقطع حجتهم، فقال المعتصم: خلوا عن الخراساني.
فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، إن هذا متى يخرج على هذه السبيل يفتن العامة، ويقول: غلبت أمير المؤمنين وغلبت قضاته وشيوخه وعلماءه، وقهرته وأدحضت حجته، فقال: صدقت يا أحمد، ثم قال: جروا برجله. فجروا برجله على وجهه إلى البيت الذي فيه أحمد بن حنبل، فتعلقت الرزة بغلصمته، فقال: اجذبوه. فانقطع رأسه.
قال أحمد بن حنبل: فسمعت اللسان يقول في الرأس: غير مخلوق ثلاث مرات، ثم سكت.
[ ٣ / ٥٩٢ ]
قال أحمد: فكان ذلك مما بصرني في أمري، وشجع به قلبي.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣ (٤٥٥)
قال سلامة بن جعفر الرملي: حدثنا العباس بن مشكويه الهمذاني، قال: أدخلت على الخليفة المتكنى بالواثق أنا وجماعة من أهل العلم، فأقبل بالمسألة علي من بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين إني رجل مروع ولا عهد لي بكلام الخلفاء من قبلك.
فقال: لا تروع ولا بأس عليك، ما تقول في القرآن؟ فقلت: كلام اللَّه غير مخلوق، فقال: أشهد لتقولن مخلوقًا أو لأضربن عنقك.
قال: فقلت: إنك إن تضرب عنقي فإنك في موضع ذلك إن جرت به المقادير من عند اللَّه، فتثبت علي يا أمير المؤمنين، فإما أن أكون عالمًا فتثبت حجتي، وإما أن أكون جاهلًا فيجب عليك أن تعلمني؛ لأنك أمير المؤمنين وخليفة اللَّه في أرضه، وابن عم نبيه.
فقال: أما تقرأ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]. قلت: يا أمير المؤمنين! الكلية في كتاب اللَّه خاص أم عام؟ قال: عام. قلت: لا، بل خاص، قال اللَّه ﷿: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فهل أوتيت ملك سليمان ﵇؟
فحذفني بعمود كان بين يديه، ثم قال: أخرجوه فاضربوا عنقه. فأخرجت إلى قبة قريبة منه، فشد عليها كتافي، فناديت: يا أمير المؤمنين، إنك ضارب عنقي وأنا متقدمك، فاستعد للمسألة جوابًا.
فقال: أخرجوا الزنديق وضعوه في أضيق المحابس.
فأخرجت إلى دار العامة، فإذا أنا بابن أبي دؤاد يناظر الناس على خلق القرآن، فلما نظر إلي قال: يا خرمي!
[ ٣ / ٥٩٣ ]
قلت: أنت والذين معك، وهم شيعة الدجال.
فحبسني في سجن ببغداد يقال له: المطبق، فأرسل إلي جماعة من العلماء رقعة يشجعونني ويثبتونني على ما أنا عليه، فقرأت ما فيها، فإذا فيها:
عليك بالعلم واهجر كل مبتاع وكل غاوٍ إلى الأهواء ميالِ
ولا تميلن يا هذا إلى بدع يضل أصحابها بالقيل والقالِ
إن القرآن كللام اللَّه أنزله ليس القرآن بمخلوق ولا بالِ
لو أنه كان مخلوقا لصيره ريب الزمان إلى موت وإبطال
وكيف يبطل ما لا شيء يبطله؟ أم كيف يبلى كلام الخالق العالي
وهل يضيف كلام اللَّه من أحدٍ إلى البلى غير ضلال وجهالِ
فلا تقل بالذي قالوا وإن سفهوا وأوثقوك بأقياد وأغلالِ
ألم ترى العالم الصبار حيث بلي بالسوط هل حالٍ عن حالِ إلى حالِ
فاصبر على كل ما يأتي الزمان به فالصبر سرباله من خير سربالِ
[ ٣ / ٥٩٤ ]
يا صاحب السجن فكر فيم تحسبه أقاتل هو أم عون لقتالِ
أم هل أتيت به رأسا لرافضة يرى الخروج لهم جهلًا على الوالي؟
أم هل أصيب على خمرٍ ومعزفةٍ يصرف الكأس فيها كل ضلالِ؟
ما هكذا هو بل لكنه ورع عف عفيف عن الأعراض والمالِ
ثم ذكرني بعد أيام وأخرجني من السجن، وأوقفني بين يديه، وقال: عساك مقيمًا على الكلام الذي كنت سمعته منك؟
فقلت: واللَّه يا أمير المؤمنين إني لأدعو ربي ﵎ في ليلي ونهاري ألا يميتني إلا على ما كنت سمعته مني.
قال: أراك متمسكًا! قلت: ليس هو شيء قلته من تلقاء نفسي، ولكنه شيء لقيت فيه العلماء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام والثغور، فرأيتهم على السنة والجماعة.
فقال لي: وما السنة والجماعة؟ قلتُ: سألت عنها العلماء، فكل يخبر ويقول: إن صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة أن يقول العبد مخلصًا: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاءت الأنبياء والرسل، ويشهد العبد على ما ظهر من لسانه وعقد عليه قلبه، والإيمان بالقدر خيره وشره من اللَّه، ويعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن اللَّه ﷿ قد علم من خلقه ما هم فاعلون،
[ ٣ / ٥٩٥ ]
وما هم إليه صائرون، فريق في الجنة وفريق في السعير، وصلاة الجمعة والعيدين خلف كل إمام بر وفاجر، وصلاة المكتوبة من غير أن تقدم وقتًا أو تؤخر وقتًا، وأن نشهد للعشرة الذين شهد لهم رسول اللَّه -ﷺ- من قريش بالجنة، والحب والبغض للَّه وفي اللَّه، وإيقاع الطلاق إذا جرى كلمة واحدة، والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، والتقصير في السفر إذا سافر ستة عشر فرسخا بالهاشمي -ثمانية وأربعين ميلًا- وتقديم الإفطار وتأخير السحور، وتركيب اليمين على الشمال في الصلاة، والجهر بآمين، وإخفاء بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وأن تقول بلسانك. وتعلم يقينا بقلبك أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان اللَّه عليهم، والكف عما شجر بين أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، والإيمان بالبعث والنشور، وعذاب القبر، ومنكر ونكير، والصراط، والميزان، وأن اللَّه ﷿، يخرج أهل الكبائر من هذه الأمة من النار، وأنه لا يخلد فيها إلا مشرك، وأن أهل الجنة يرون اللَّه بأبصارهم، وأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. قال: فلما سمع هذا مني أمر بي فقلع لي أربعة أضراس، وقال: أخرجوه عني لا يفسد علي ما أنا فيه.
فأخرجت فلقيت أبا عبد اللَّه -أحمد بن حنبل- فسألني عما جرى بيني وبين الخليفة فأخبرته، فقال: لا نسي اللَّه لك هذا المقام حين تقف بين يديه، ثم قال: ينبغي أن نكتب هذا على أبواب مساجدنا، ونعلمه أهلنا وأولادنا، ثم التفت إلى ابنه صالح فقال: اكتب هذا الحديث، واجعله في رق أبيض واحتفظ به، واعلم أنه من خير حديث كتبته إذا لقيت اللَّه
[ ٣ / ٥٩٦ ]
يوم القيامة تلقاه على السنة والجماعة.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٨ (٤٥٦)
قال أبو عمر حمزة بن القاسم بن عبد العزيز الهاشمي الخطيب، كان في جامع منصور: حدثنا أبو علي -حنبل بن إسحاق بن حنبل- قال: حضرت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عند عفان، وكان أول ما امتحن عفان، وسأله يحيى بعدما امتحن من الغد، فقال له: يا أبا عثمان، أخبرنا بما كلمك به إسحاق، وما كان مرده عليك؟
فقال: يا أبا زكريا، لم أسود وجهك ولا وجوه أصحابك -يعني بذلك: أني لم أجب.
فقال له: كيف كان؟ قال: قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة من الرقة، فإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول: القرآن -يعني: مخلوق- فإن أجاب فأقره على أمره، وإن لم يجبك إلى ما كتبت به فاقطع عنه الذي تجري عليه.
قال عفان فلما قرأ علي قال لي إسحاق: ما تقول؟
قرأت عليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].
فقال لي إسحاق: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى ما يدعوك إليه يقطع عنك ما يجري عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا نحن أيضًا.
فقال: قال عفان: فقلت له: فقول اللَّه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] قال: فسكت عني، وانصرفت، فسر أبو عبد اللَّه بذلك ويحيى وأصحابهم.
قال حنبل: فسمعت أبا عبد اللَّه بعد ذلك يقول: سبحان اللَّه! كان
[ ٣ / ٥٩٧ ]
الناس يتكلمون -يعني: في هذين الشيخين- ويذكرونهما، وكنا من الناس في أمرهما ما اللَّه به عليم، قاما للَّه بأمر لم يقم به أحد مثل ما قاما به: عفان وأبو نعيم.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤ (٤٦٣)
نقل حنبل عن أحمد في كتاب "المحنة" أنه قال ذلك في المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله: "تجيء البقرة وآل عمران" (١) قالوا: والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ (٢) [الأنعام: ١٥٨].
"إبطال التأويلات" ٢/ ٣٩٦.
[باقي أبواب الرد على الجهمية في المجلد التالي]
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ٢٤٩، ومسلم (٨٠٤) من حديث أبي أمامة بلفظ "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان".
(٢) ذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ١٦/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
[ ٣ / ٥٩٨ ]
مدونة الحنابلة (١)
الجامع لعلوم الإمام أحمد
تأليف
خالد الرباط - سيد عزت عيد - محمد أحمد عبد التواب
(بمشاركة الباحثين بدار الفلاح)
«قسم العقيدة ٢»
[المجلد الرابع]
[ ٤ / ٥٩٦ ]
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة لدار الْفَلاح وَلَا يجوز نشر هَذَا الْكتاب بِأَيّ صِيغَة أَو تَصْوِيره PDF إِلَّا بِإِذن خطي من صَاحب الدَّار الْأُسْتَاذ/ خَالِد الرِّبَاط
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
رقم الْإِيدَاع بدار الْكتب
١٩١٩٤/ ٢٠٠٩
دَار الْفَلاح للبحث العلمي وَتَحْقِيق التراث
١٨ شَارِع أحمس - حَيّ الجامعة - الفيوم
ت: ٠١٠٠٠٠٥٩٢٠٠
Kh_rbat@hotmail.com
[ ٤ / ٢ ]
الْجَامِعُ لِعُلوْم الإِمَامِ أَحْمد
[ ٤ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٤ / ٤ ]
قسم العقيدة (٢)
١ - تابع: الرد على الجهمية
٢ - الإيمان بنبوة محمد -ﷺ-
٣ - كتاب القدر
٤ - كتاب الفتن وأشراط الساعة
٥ - كتاب الإيمان باليوم الآخر
٦ - كتاب الصحابة
[ ٤ / ٥ ]
٩٨ - فصل آخر في الرد على الجهمية
قال أبو داود: سمعت أحمد وسأله علي بن عثام بن عليٍّ حين ذُكر محنة الأسرى عند فداهم؟ فقال أحمد: يأبون -يعني: يأبون الإجابة- ويدفعونه أشد الدفع.
قيل فيقاتلون؟ قال: لا.
"مسائل أبي داود" (١٧٠١)
قال ابن هانئ: وقال: أرأيت جبريل ﵇، حيث جاء إلى النبي -ﷺ- فتلا عليه؟ تلاوة جبريل للنبي -ﷺ-، أكان مخلوقًا؟ ! ما هو مخلوق.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٥٤)
قال ابن هانئ: سمعت دلويه يقول لأبي عبد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، سمعتُ علي بن الجعد يقول: أنا لا أقول: القرآن مخلوق، ولو أن رجلًا قال: القرآن مخلوق، لم أعنفه؟
قال أحمد لدلويه: آه آه، هذا أشد شيء بلغني عنه.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٦١)
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: وكيع قال: حدثنا الأعمش عن إبراهيم -يعني: ابن مهاجر- عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها (١).
_________________
(١) رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (٣)، والطبري في "تفسيره" ١٢/ ١٤٥ (٣٤٣٧٢)، وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" ٦/ ٣٦٣، وإبراهيم بن مهاجر ضعفه غير واحد. قال يحيى بن معين: ضعيف. وقال الإمام أحمد: لا بأس به. وقال البرهاني الحلبي: قال أحمد في "العلل": لي به بأس، هو كذا وكذا. وقد قال =
[ ٤ / ٩ ]
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: روح قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ من السماء السابعة، إلى الأرض السابعة (١).
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: علي بن حفص، في تفسير ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ من السماء السابعة، إلى الأرض السابعة.
قرأت على أبي عبد اللَّه: عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل سماء، وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه ﷿ (٢).
"مسائل ابن هانئ" (١٨٨٦ - ١٨٨٩)
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: يحيى بن سعيد، عن سفيان قال: حدثني إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ هو قال: لو أخبرتكم بتفسيرها لرجمتموني بالحجارة (٣).
_________________
(١) = المصنف في "الميزان" -يعني الذهبي- في ترجمة يونس بن أبي إسحاق السبيعي في بيان مصطلح الإمام أحمد في هذه الكلمة: كذا وكذا. وهي بالاستقراء كناية عمن فيه لين، فلا تعارض إذا بين قوله وقول القطان والنسائي في المترجم -يعني إبراهيم بن مهاجر. ا. هـ. انظر: "الكامل في ضعفاء الرجال" ١/ ٣٤٨ وما بعدها، و"تهذيب الكمال" ٢/ ٢١٣، و"الكاشف" (٢٠٩) وحاشيته.
(٢) "تفسير مجاهد" ٢/ ٦٨٢، ورواه عنه عبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" ٦/ ٣٦٣.
(٣) "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٢٣٩ (٣٢٤١)، ورواه الطبري ١٢/ ١٤٥ (٣٤٣٧٨) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به.
(٤) انظر الصفحة السابقة.
[ ٤ / ١٠ ]
قال ابن هانئ: قلت لأبي عبد اللَّه: حديث عطاء بن السائب فيه: "محمد كمحمدكم، وادم كآدم، وإبراهيم كإبراهيم" (١).
قال: ليس حديثه في هذا بشيء، اختلط عطاء بن السائب، ليس فيها شيء من آدم كادم، ولا نبي كنبيكم.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٩٠ - ١٨٩١)
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن الإيمان، مخلوق هو؟
قال أبو عبد اللَّه وقرأ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أمخلوق هذا؟ ما هو واللَّه مخلوق.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٩٩)
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده، مما يحتج به على الجهمية من القرآن الكريم:
في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة: ١٧٤].
وقال في يس: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢، ٨٣].
_________________
(١) رواه الحاكم ٢/ ٤٩٣، ومن طريقه البيهقي في "الأسماء والصفات" ٢/ ٢٦٧ (٨٣١) من طريق عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس. ورواه الطبري في "تفسيره" ١٢/ ١٤٥ (٣٤٣٧١)، والحاكم ٢/ ٤٩٣ ومن طريقه البيهقي في "الأسماء والصفات" ٢/ ٢٦٧ (٨٣٢) من طريق عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس بنحوه. قال الحاكم: هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا واللَّه أعلم ا. هـ.
[ ٤ / ١١ ]
وقال في سورة البقرة أيضًا: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ [البقرة: ١١٧، ١١٨].
وقال اللَّه في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧].
وقال ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١].
وقال في سورة الأنعام: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقال في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)﴾ [النمل: ٨ - ١٠].
وقال في سورة الأعراف: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال في القصص: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٨].
وقال في الرحمن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]
[ ٤ / ١٢ ]
وقال في طه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [طه: ٣٩، ٤٠].
وقال في البقرة: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤].
وقال في آل عمران: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩].
وقال في سورة النساء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
وقال في الأنعام: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤].
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقال في طه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١١ - ١٤].
وقال في الكهف: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف: ٢٧].
وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩].
وقال في التوبة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
وقال في ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١، ٢]: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١].
[ ٤ / ١٣ ]
وقال في سورة لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
وفي القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠].
وفي الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٣، ١٤٤].
وفي الفتح: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وفي البقرة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥].
وفي الكهف: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
وفي الأعراف: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧].
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وفي الأنفال: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
وفي التوبة: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].
وفي يونس: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
وفي يونس: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾ [يونس: ١٩]. وفي يونس: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ
[ ٤ / ١٤ ]
فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ [يونس: ٦٤]. وقال: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ [يونس: ٨٢]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ [يونس: ٩٦].
وفي فصلت: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾ [فصلت: ٤٥].
وفي هود: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٩].
وفي الكهف: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧].
وفي طه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: ١٢٩].
وفي الصافات: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ [الصافات: ١٧١].
وفي المؤمن (١): ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ [غافر: ٦].
وقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾ [هود: ١١٠].
وفي ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١، ٢]: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾ [الشورى: ٢٤]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١].
رفي الفتح: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: ١٥].
وفي التحريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢].
وفي المؤمن (١): ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥].
_________________
(١) في المطبوع: المؤمنون.
[ ٤ / ١٥ ]
وفي النحل: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢] ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢].
وفي الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
وفي ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١، ٢]: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
وفي الشعراء: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].
وقال في ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨].
وفي الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥].
وقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة: ٦٩، ٧٠].
وقال: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨١، ٨٢].
وفي الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم: ٤٨].
وفي ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥].
وفي المرسلات: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٢].
وفي الأنعام: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩] ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦].
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠].
[ ٤ / ١٦ ]
وفي الأعراف: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [الأعراف: ٤٧] ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤].
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩].
﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠].
وفي الرعد: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦].
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣].
وفي هود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢].
وقال في الشعراء: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ [الشعراء: ٢٩].
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ [الشعراء: ٨٤ - ٨٥].
وفي فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ [فصلت: ٩].
وفي النمل: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤].
وفي القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: ٤].
وفي الذاريات: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤١، ٤٢].
وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥١].
وفي القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ [القصص: ٥] وقال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
وقال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨].
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١].
[ ٤ / ١٧ ]
وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: ٧١].
وقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]
وفي ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧٢].
وفي إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].
وفي الحجر: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ [الحجر: ٩١] ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٦] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)﴾ [الحجر: ٧٣].
وفي النحل: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦].
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ [النحل: ٥٧].
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢].
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠].
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١]. ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].
وفي الإسراء: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ [الإسراء: ٦].
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢].
وفي الفرقان: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان: ٣٧].
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤].
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)﴾ [الفرقان: ٣٥].
وفي العنكبوت: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾ [العنكبوت: ١٥].
[ ٤ / ١٨ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
وفي سبأ: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ: ١٩].
﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣].
وفي إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥].
وفي المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
وفي التوبة: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩].
وفي يونس: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [يونس: ٧٣] ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ [يونس: ٨٥]
وفي الزخرف: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥٦].
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف: ٦٠].
وفي الفيل: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥].
وفي سورة الأنبياء: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧، ٥٨].
﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٧٠].
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٢، ٧٣]. وقال: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [الأنبياء: ١٥].
وفي الصافات: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ [الصافات: ٩٧، ٩٨]. ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].
وفي ص: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨].
[ ٤ / ١٩ ]
وفي الزمر: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ [الزمر: ٢١].
وفي يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥].
وقال: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠]. ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢].
وفي الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وفي الإسراء: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
وفي النساء: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤].
وفي الواقعة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة: ٧٧].
وفي البروج: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾ [البروج: ٢١].
وفي الزخرف: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤].
وفي فصلت: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ [فصلت: ٤١].
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ١، ٢].
﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢].
وفي الفرقان: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩].
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١].
وفي فصلت: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢].
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النحل: ١٠٢].
[ ٤ / ٢٠ ]
وفي الأنعام: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
وفي فصلت: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤].
وفي ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى: ١، ٢]: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٤].
وفي سورة العلق: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق: ١٤، ١٥].
وفي المائدة: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦].
وفي الأنعام: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢].
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وفي الطور: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨].
وفي البقرة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧].
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥].
وفي طه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
وفي مريم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم: ٤٢].
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩].
وفي لقمان: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
[ ٤ / ٢١ ]
وفي النساء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤].
وفي الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وفي المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وفي الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠].
وفي طه: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ [طه: ٤٥ - ٤٧].
وفي القيامة: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢٢].
وفي المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥، ١٦]، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ [المطففين: ٢٢، ٢٣].
وفي الملك: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٦، ٢٧].
وفي النجم: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٠ - ١٥].
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٥١٢ - ٥٢٠ (١٢٠٢)
[ ٤ / ٢٢ ]
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: قال أبو عبد اللَّه: بلغني عن إبراهيم بن سعد، وسعيد بن عبد الرحمن الجميح، ووكيع بن الجراح، ووهب بن جرير، وسليمان بن حرب، قالوا: إن القرآن ليس بمخلوق. زاد المروذي وكيعًا.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٠ (١٨٤٠)
قال الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن اللَّه مخلوق.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لا إله إلا اللَّه، ما أعظم هذا القول وأشده! هذا الذى كنا نحذره أن يكون.
قال أبو بكر الخلال: ومعنى قول أبي عبد اللَّه عندي -واللَّه أعلم- هذا الذى كنا نحذر ما روي عن النبي -ﷺ-: "يكون قوم يقولون: هذا اللَّه خلق الخلق، فمن خلق اللَّه؟ " (١)، لأن هذا معنى ذاك.
قال الخلال: وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني؛ أنه قال لأبي عبد اللَّه: ما تقول فيمن قال: إن أسماء اللَّه ﷿ محدثة؛ فقال: كافر.
ثم قال لي: اللَّه من أسمائه، فمن قال: إنها محدثة، فقد زعم أن اللَّه تبارك تعالى مخلوق. فأعظم أمرهم عنده، وجعل يكفرهم، وقرأ علي: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ [الصافات: ١٢٦]، وقرأ آية أخرى.
قال الخلال: أخبرنا محمد بن سليمان أنه قال لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: عن أي شيء تسأل؟
قلت: كلامه. قال: كلام اللَّه، وليس بمخلوق، ولا تجزع أن تقول:
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٣/ ١٠٢، والبخاري (٧٢٩٦)، ومسلم (١٣٦) من حديث أنس. وفي الباب عن أبي هريرة وخزيمة بن ثابت، عائشة.
[ ٤ / ٢٣ ]
ليس مخلوقًا؛ فإن كلام اللَّه ﷿ من اللَّه، ومن ذات اللَّه، وتكلم اللَّه به، وليس من اللَّه شيء مخلوق.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر؛ أن أبا الحارث حدثهم، قال: سمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر.
قلت: يا أبا عبد اللَّه، أي شيء قلت لأبي العباس؟ فقال: لا أقول: غير مخلوق إلا أن يكون في كتاب اللَّه.
قلت له: فتقول: إن وجه اللَّه ليس بمخلوق؟ فقال: لا، إلا أن يكون في كتابي نصًّا. فارتعد أبو عبد اللَّه وقال: أستغفر اللَّه، سبحان اللَّه! هذا الكفر باللَّه، أحد يشك أن وجه اللَّه ليس مخلوقًا؟ !
فقلت: يا أبا عبد اللَّه، إن الجهمية لم تقل هذا. قال: أيش الجهمية؟ ! هؤلاء أشر من جهم وأخبث هذا الكفر الذي لا شك فيه.
قال الخلال: أخبرني حنبل بن إسحاق بن حنبل، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق بكل جهة وعلى كل تصريف، وليس من اللَّه شيء مخلوق، ولا تخاصم في هذا ولا تكلم فيه، ولا أرى الجدال والمراء فيه.
قال الخلال: أخبرني محمد بن يحيى، ومحمد بن المنذر، وأحمد بن يحيى الصفار، قالوا: ثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: سألتُ أحمد فقلت: يا أبا عبد اللَّه، قد وقع من أمر القرآن ما قد وقع، فإن سئلت عنه، ماذا أقول؟ فقال لي: ألست مخلوقا؟
قلت: نعم. فقال: أليس كل شيء منك مخلوقًا؟ قلت: نعم.
قال: فكلامك أليس هو منك، وهو مخلوق؟
[ ٤ / ٢٤ ]
قلت: نعم. قال: فكلام اللَّه ﷿ أليس هو منه؟ قلت: نعم.
قال: فيكون من اللَّه شيء مخلوق؟ !
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢١ - ٢٢٣ (١٨٤٣ - ١٨٤٨)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: هذا ما احتج به أبو عبد اللَّه على الجهمية في القرآن، كتب بخطه، وكتبته من كتابه، فذكر المروذي آيات كثيرة دون ما ذكر الخضر بن أحمد، عن عبد اللَّه وقال: وفيه سمعت أبا عبد اللَّه يقول: في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع -يعني: الجهمية.
قال الخلال: وأخبرنا الخضر بن أحمد بن المثنى الكندي قال: سمعت عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل قال: وجدت هذا الكتاب بخط أبي فيما يحتج به على الجهمية، وقد ألف الآيات إلى الآيات من السورة، وأول ما ذكر عبد اللَّه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤]، ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] يا اللَّه، يا رحمن، يا رحيم، يا راحم، يا مالك، يا ملك، يا مليك، يا حي، يا قيوم، يا غفار، يا تواب، يا حكيم، يا عزيز، يا وهاب، يا ودود، يا محيط، يا فاطر، يا فاصل، يا فالق، يا مولى، يا بصير، يا واسع، يا قابض، يا باسط، يا محيي، يا مميت، يا مغيث، يا حسيب، يا رقيب، يا شهيد، يا برُّ، يا عليُّ، يا ولي، يا فتاح، يا منان، يا جواد، يا متين، يا قدوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا بارئ، يا مصور، يا من له الأسماء الحسنى، يا خير الحاسبين، يا أرحم الراحمين، يا أحكم الحاكمين، يا أحسن الخالقين، يا كبير، يا متعال،
[ ٤ / ٢٥ ]
يا علي، يا عظيم، يا حليم، يا قيوم، يا ذا الطول، لا إله إلا أنت، يا ذا الجلال والإكرام، يا قوي، يا قائم على كل نفس بما كسبت، يا ذاري (١)، يا رفيع، يا ماجد، يا جواد، يا مدبر، يا خير الرازقين، يا إله العالمين.
ثم ولفت ما روى المروذي، وعبد اللَّه من هاهنا في سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ و﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]، ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥]. ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦] وقال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٧، ١١٨]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة: ١٧٤].
[وفي آل عمران] ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥]، ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ [آل عمران: ٤٧]، وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
_________________
(١) قال الشيخ السعدي في "تفسير أسماء اللَّه الحسنى" ص ١١: وإذا ورد في الكتاب والسنة اسم فاعل يدل على نوع من الأفعال ليس بعام شامل فهذا لا يكون من الأسماء الحسنى؛ لأن الأسماء الحسنى معانيها الحاملة الحسن تدل على الذات ولا تدل على معنى خاص مثل مُجري السحاب، هازم الأحزاب، الزارع، الذاري.
[ ٤ / ٢٦ ]
خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧].
وقال في سورة النساء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤].
وقال في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦].
وفي الأنعام: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢]، وقال: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾ [الأنعام: ٦٣]، وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ
[ ٤ / ٢٧ ]
أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]، وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣].
الأعراف: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿فَآمِنُوا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧]، وقال: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]، ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠]، وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤].
الأنفال: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ [الأنفال: ٧].
[ ٤ / ٢٨ ]
التوبة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وقال: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، وقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩].
يونس: وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]، ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ [يونس: ٣٣]، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤]، ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]، وقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [يونس: ٧٣]، وقال: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]، وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧]، وقال: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢]، وقال: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٢، ٢٣].
هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، وقال:
[ ٤ / ٢٩ ]
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢].
سورة يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣] ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠]، ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢]، ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].
الرعد: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣].
إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].
الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، وقال: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٦]، وقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: ٧٣، ٧٤]، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٥، ٩٦].
النحل: قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ [النحل: ٥٦]، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، قال: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢]، وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١]، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠]، ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا
[ ٤ / ٣٠ ]
خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١]، وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢].
بني إسرائيل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿ثُمَّ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ [الإسراء: ٦]، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ﴾ [الإسراء: ٣٩]، ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠].
الكهف: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ [الكهف: ٩٨]، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١٠٩، ١١٠]، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف: ٢٧]، قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
مريم: وقال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٢ - ٤].
طه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١١ - ١٤]، وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦]، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي [طه: ٤١، ٤٢]
[ ٤ / ٣١ ]
﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٢ - ٤٧]، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: ١٢٩].
الأنبياء: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧، ٥٨] وقال: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٧٠]، وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٢، ٧٣] وقال: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [الأنبياء: ١٥] وقال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤] وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٩].
وقال في السورة التي يذكر فيها المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
الفرقان: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان: ٣٧]، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)﴾ [الفرقان: ٣٥] ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا
[ ٤ / ٣٢ ]
دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧]، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩] من الفرقان.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤]، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة: ٧٧]، ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤]، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ١، ٢].
الشعراء: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ [الشعراء: ٢٩]، وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ [الشعراء: ٨٤، ٨٥].
النمل: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النمل: ١، ٢]، ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)﴾ [النمل: ٨ - ١٠]، ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]، ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤].
القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: ٤]، ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ [القصص: ٣٥]، ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٨]، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ [القصص: ٥]، وقال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، وقال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي
[ ٤ / ٣٣ ]
صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١]، وقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣].
العنكبوت: قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾ [العنكبوت: ١٥]، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥].
الروم: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [الروم: ٣٣]، ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾ [الروم: ٤٨].
لقمان: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ١ - ٣] ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٨]، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧]، ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].
السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ١ - ٣].
الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب: ٤].
سبأ: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]، قال:
[ ٤ / ٣٤ ]
﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]، وقال: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ: ٣٣].
سورة الملائكة: يس: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١، ٢]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ [يس: ٧١]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢، ٨٣].
الصافات: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ [الصافات: ١٧١]، وقال: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ [الصافات: ٩٧، ٩٨]، وقال: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾ [الصافات: ١٥٨].
ص: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨]، وقال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٤، ٥]، ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ [ص: ٧٥].
الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨]، وقال: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ [الزمر: ٢١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر: ٢٧، ٢٨].
المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ [غافر: ٦٨]، ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾ [غافر: ٢٠]، ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٦]،
[ ٤ / ٣٥ ]
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، وقال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٣، ١٤]، وقال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦].
حم السجدة: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾ [فصلت: ١ - ٤]، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت: ٢٩]، ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ [فصلت: ٩]، وقال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فصلت: ٥١]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢].
عسق: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، وقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾ [الشورى: ١٤]، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾ [الشورى: ٢٤]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].
[ ٤ / ٣٦ ]
الزخرف: وقال: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ١ - ٤]، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥، ٥٦]، وقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف: ٦٠]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩].
الجاثية، والشريعة، الدخان: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١].
سورة الفتح: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾ [الفتح: ١٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠].
الذاريات، وقال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ [الذاريات: ٤٢، ٤٣]، وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥١].
والطور: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨].
النجم: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم: ١٠ - ١٤].
الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]، وقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة: ٦٩، ٧٠]، وقال: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨١، ٨٢].
[ ٤ / ٣٧ ]
الرحمن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
قد سمع: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١].
وقال في التحريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢].
سورة الملك: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٤ - ٢٧].
القلم: قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥].
وفي القيامة: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢٣].
ويل للمطففين: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٤ - ١٦]، وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ [المطففين: ٢٢، ٢٣]، وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾ [البروج: ٢١].
وقال في ألم تر: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥].
وقال في اقرأ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق: ١٤، ١٥].
وقال في لم يكن: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٤٠ - ٢٥٢ (١٩٠٦ - ١٩٠٧)
_________________
(١) قال أبو بكر الخلال معلقًا: أسماء اللَّه ﷿ التي خرجها أبو عبد اللَّه -﵁-، وهذِه الآيات والأحرف في القرآن بيّن -﵁- في ذلك أنه لا يكون القرآن مخلوقًا بوجه ولا سبب، ولا معنى من المعاني، وهذا نقض لفتوى الجهمية الضلال؛ لأن هذِه الآيات الأخرى وهذِه الأسماء تبين له أنه لا يكون من القرآن شيء مخلوق؛ وأما أسماء اللَّه ﵎، فقد وجدت أيضًا من أخرجها من كتاب أحمد، وبين =
[ ٤ / ٣٨ ]
قال الخلال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذي قال: أمرني أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل أن أكتب إلى رجل بلغه عنه الشك. قال: وكتبتُ ما يقوله، وبينت ما جرى فيه.
وأخبرنا [. . .] (١).
موضع آخر قال: أمرني أبو عبد اللَّه أن أكتب إلى محمد بن حمدون الأنطاكي مواعظ في بعض الكتاب، وكتبتُ الكتاب، فعرضتُه عليه، فصححه بيده، قال: وكانت له معرفة بالحديث، وكان يختلف إليَّ، فهو ذا، أكتب: أنا، وانظر ما عندك من المشيخة ممن قال: القرآن غير مخلوق، فصيره معه؛ واكتب به أنت إليه، اكتبها نسختين؛ فإني لا آمن إن لم [. . .] (٢) أن يكتمها، واكتب إلى عيسى الفتاح نسخة وإليه نسخة.
قال أبو بكر المروذي: وزاد أبو عبد اللَّه فيه ونقص، ثم أمرني أن أتوجه به إليه، وهذِه نسخته:
أحسن اللَّه إلينا وإليك في الأمور كلها برحمته، وأعاذنا وإيإك من الأهواء المردية والفتن المضلة بقدرته، ومن علينا وعليك بالتمسك بكتابه، والعمل بطاعته، الذي حملني على الكتاب إليك، وإن لم يجر بيني وبينك خلطة ما أوجبه اللَّه ﵎ على المؤمنين من النصح بعضهم لبعض، وما رأيته من اغتمام أبي عبد اللَّه بأمرك للمكان الذي كنت به من قلبه، ومذهبك في اتباعك الآثار، وتركك من خالفها
_________________
(١) = مواضعها من القرآن، وهذا تصديق لما ذكره أبو عبد اللَّه له في هذا الموضع من القرآن والأسماء.
(٢) قال محقق "السنة": بين المعقوفين غير مقروء، بمقدار ثلاث كلمات.
(٣) طمس بمقدار ثلاث كلمات.
[ ٤ / ٣٩ ]
ومجانبتهم، بلغه عنك الشك في القرآن، وأنك لا تقول: القرآن غير مخلوق، وأبو عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، وإنه من علم اللَّه، ويحتج لذاك بغير شيء، قال اللَّه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ [الرعد: ٣٧]، وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران: ٥٩، ٦٠]، وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥]، الآية، فالقرآن من العلم الذى جاء، وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فأخبر أن الخلق غير الأمر، وقال ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، وقال في موضع آخر: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، فأخبر أن أمره هو القول، وفرق بين خلقه وأمره، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ [الرحمن: ١ - ٣].
وقال أبو ذر عن النبي -ﷺ- (١): "عطائي كلام وعذابي كلام" (٢)، فأخبر ﵎ أن الخلق يكون بكلامه، وفرق بين الخلق والأمر.
_________________
(١) يعني عن رب العزة ﵎.
(٢) بهذا اللفظ رواه الإمام أحمد ٥/ ١٥٤، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧) قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني في "الضعيفة" (٥٣٧٥): وهذا إسناد ضعيف لسوء حفظ شهر بن حوشب. اهـ. قلت: وقد جاء عند الإمام أحمد ٥/ ١٦٠، ومسلم (٢٥٧٧) من طريق أخرى بأطول منه.
[ ٤ / ٤٠ ]
وقال ابن عباس: إن أول ما خلق اللَّه ﷿ القلم، فقال له: اكتب. فقال: يا رب، وما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة. (١) ورواه الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس (٢).
ورواه وكيع، وأبو معاوية، والثوري، وشعبة، وحدث به عن الحكم، عن أبي ظبيان. رواه منصور بن زاذان (٣). ورواه مجاهد عن ابن عباس (٤)، وعروة بن عامر عن ابن عباس (٥)، وأبو الضحى عن ابن عباس (٦)، فكان أول ما خلق اللَّه القلم، فاللَّه لم يخل من العلم والكلام، وليسا من الخلق؛ لأنه لم يخل منها، فالقرآن كلام اللَّه ومن علم اللَّه، وليس بمخلوق، ولم يزل اللَّه عالما متكلما، وعند جماعة من العلماء أنهم قالوا: غير مخلوق.
فاتقِ اللَّه وانظر لنفسك، فإن هذا أمر قد بان لأهل الإسلام أنه ضلالة، وأنه أحيا رأي جهم، وإنما يضلكم في هذِه المقالة رجلان، وهما القائلان بها:
_________________
(١) رواه عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" ٢/ ٤٠١ (٨٧١)، والطبري في "تفسيره" ١٢/ ١٧٥، وعبد بن حميد في " تفسيره" كما في "الدر المنثور" ٦/ ٣٨٧، والآجري في "الشريعة" ١/ ٥١٧، والبيهقي ٣/ ٩ من طرق متعددة، سيأتي بيانها في السطور التالية.
(٢) رواه الفريابي في "القدر" ص ٧٩ (٧٧، ٧٨، ٧٩)، والآجري في "الشريعة" ص ١٥٤ (٣٢٧)، وابن بطة في "الإبانة" الرد على الجهمية ٢/ ٢٩ (٢٢٠).
(٣) رواه عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" ٢/ ٤٠١ (٨٧٢)، وابن بطة في "الإبانة" الرد على الجهمية ٢/ ٢٢ (٢١٦).
(٤) رواه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" ١/ ٣٧ (٤٤)، والطبري في "تفسيره" ١٢/ ١٧٨ (٣٤٥٤٦، ٣٤٥٤٧).
(٥) رواه عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" ٢/ ٤١١ (٨٩٨)، والطبري ١١/ ١٦٦ (٣٠٧٥٩).
(٦) رواه عبد اللَّه في "السنة" ٢/ ٤٠١ (٨٧١)، والآجري في "الشريعة" ص ١٥٣ (٣٢٦).
[ ٤ / ٤١ ]
أحدهما قد عرف الناس أمره كيف كان، وأنه قد كان تجهم، وصحب بشرا المريسي، ثم جاء إلى الناس فأظهر تكفير الجهمية بالنفاق منه -عدو اللَّه- لما رأى من الذلة حتى إذا ظن أنه قد تمكن أظهرها ثانية.
وآخر قد عرف الناس جهله، وإن كان قد سمع الحديث، فقد عرف أهل العلم بأنه ليس من أهل المعرفة بمعاني الأخبار ولا بأحكامها ولا بالتفقه فيها ولا بالتمييز لضعيفها من قويها، وأنه صاحب لجاج وخفة وقلة فهم بحمد اللَّه ونعمته، وإلا فهل يشتبه أمر هؤلاء على أحد له في اللَّه نصيب، إن قومًا قصدوا إلى جعل جهم وضرار، وأبي بكر الأصم، وبشر المريسي، رؤساء الضلالة والكفر، وإلى مثل عبد اللَّه بن المبارك، وابن عيينة، ووكيع، ويزيد بن هارون، فقالوا: هؤلاء وهؤلاء سواء أحكامهم واحدة.
هؤلاء فيما أحدثوا من التكذيب بكتاب اللَّه، وقول رسول اللَّه -ﷺ-؛ إذ جحدوا كلام اللَّه وصفاته، وقالوا: إن أسماءه مخلوقة، فلم يثبتوا شيئًا، حتى قال حماد بن زيد: إنما يحاولن أن لا شيء في السماء (١).
رواه عنه سليمان بن حرب، ورواه إبراهيم بن سعد أو، شعيب: إنما يعبدون صنما. ورواه عنهم هارون بن معروف، فسووا بينهم وبين الذين قاموا بكتاب اللَّه وسنة رسوله -ﷺ-.
وقد بين اللَّه لنا أمرهم بأئمتنا الذين أدركناهم، وبما نقل إلينا الثقات عمن مضى من سلفنا، مثل: جعفر بن محمد، وحماد بن زيد، وابن
_________________
(١) أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" ص ٩ (٩)، وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" ١/ ١١٧ (٤١)، وابن بطة في "الإبانة" ٢/ ٩٥ (٣٢٩).
[ ٤ / ٤٢ ]
عيينة، وإبراهيم بن سعد، ووكيع، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، ويحيى ابن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عياش، وحفص، وابن إدريس، وخلق من خلق اللَّه كثير ممن أكفرهم وضللهم؛ فبين اللَّه لنا بهم، وبما بين في كتابه أنه متكلم عالم سميع بصير، كل هذه صفاته، وقد بين ذلك أيضا على لسان نبيه -ﷺ-؛ إذ أخبر أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم في القيامة ويكلمونه ويسائلهم، ويضحك إليهم، وأنهم يعاينون ذلك منه، وينظرون إليه ويسمعون منه، ولقد أكد ذلك فقال: "مَا مِنْكُم من أحدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ولا حاجب" رواه أبو أسامة قال: ثنا الأعمش قال: ثنا خيثمة، عن عدي بن حاتم قال "ليس بينهم وبينه ترجمان" (١).
وحدثناه الحكم بن موسى، قال: ثنا عيسى بن يونس، قال: ثنا الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مَا مِنْكُم مِنْ أحدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ" (٢).
وحدثونا عن عبد الواحد أيضًا، عن الأعمش (٣).
قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يدنو المؤمن من اللَّه ﷿ يوم القيامة فيضع عليه كنفه فيقول: هل تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: رب، أعرف. فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب، أعرف. فيقول: أنا سترتها عليك في الدنيا".
حدثناه ابن المنهال الضرير، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز قال: بينا ذات يوم مع ابن عمر
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٤٣) من طريق أبي أسامة به، بلفظ: "ليس بينه وبينه".
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" ٣/ ١٧ - ١٨ (١٨) من طريق الحكم بن موسى به.
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" ١٧/ ٨٢ من طريق عبد الواحد، به. ورواه الإمام أحمد ٤/ ٢٥٦، ٣٧٧ من طريق الأعمش، به.
[ ٤ / ٤٣ ]
إذ عرض له شيخ فقال له: يا ابن عمر، هل سمعت من النبي -ﷺ- في النجوى شيئا؟ قال: نعم، سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول. .، وذكر القصة (١).
وحتى قال عبد اللَّه بن مسعود: وليس أحد إلا يخلو اللَّه به.
حدثونا به عن شريك، عن هلال الوزان، عن عبد اللَّه بن عكيم، عن عبد اللَّه بن مسعود (٢). ثم ما بينه من الزيادة، والدنو، والقرب، على قدر التسارع إلى الجماعات.
وفي ذلك من الأخبار أمر عظيم، لا يجهلها أحد من أهل العلم رد على أعداء اللَّه المكذبة الرادة على رسول اللَّه -ﷺ- بقوله: إنهم يعاينون ذلك من ربهم ويسمعون.
ولقد قال محمد بن عبد اللَّه بن نمير: من شك في القرآن، فهو شر من الجهمية. وقال: هذا الوقف زندقة.
ولقد أخبرني شيخ أنه سمع ابن عيينة يقول: القرآن خرج من اللَّه.
وحدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنكم لن ترجعوا إلى اللَّه ﷿ بشيء أفضل مما خرج منه". يعني: القرآن (٣).
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ١٠٥، والبخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨). رواه البخاري (٤٦٨٥) من طريق يزيد بن زريع به. ورواه أحمد ٢/ ١٠٥ من طريق سعيد بن أبي عروبه، به.
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٨)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٢١٧، ٢٤٥)، والطبراني في "الكبير" ٩/ ١٨٢ (٨٩٠٠)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٣/ ٤٣ - ٤٤ (٣٢) من طريق شريك به.
(٣) رواه مرسلا الإمام أحمد في "الزهد" ص ٤٦، والترمذي (٢٩١٢) وأبو داود =
[ ٤ / ٤٤ ]
وحدثنا عباس الوراق، وغيره -يعني: عن أبي النضر هاشم بن القاسم قال: ثنا بكر بن خنيس، عن ليث بن أبي سليم، عن زيد بن أرطاة، عن أبي أمامة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما تقرب العباد إلى اللَّه ﷿ بمثل ما خرج منه" (١) يعني: القرآن. في [. . .] (٢).
وحدثني عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: إذا سمع القرآن من في الرحمن كأنهم لم يسمعوه.
وحدثني أبو علي الحسن بن الحباب المقري، قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: إذا سمع الناس القرآن يوم القيامة من في الرحمن ﵎ كأنهم لم يسمعوا قبل ذلك قط.
وفي أحاديث الرؤية الصحاح التي قالها رسول اللَّه -ﷺ- ما يبين هذا أن
_________________
(١) = في "المراسيل" (٣٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، ورواه الطبراني ٢/ ٤٦ (١٦١٤) من طريق آخر عن ليث بن أبي سليم عن عيسى، عن زيد بن أرطأة به. قال البخاري في "خلق أفعال العباد" ص ١٥٠ (٤٠٤): لا يصح لإرساله وانقطاعه. وقال الهيثمي في "المجمع" ٢/ ٢٥٠: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه ليث بن أبي سليم وفيه كلام. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (١٩٥٧).
(٢) رواه أحمد ٥/ ٢٦٨، والترمذي (٢٩١١) والطبراني ٨/ ١٥١ (٧٦٥٧)، وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" ١/ ٢٠٨ (١٧٨) والخطيب في "تاريخ بغداد" ٧/ ٨٨ كلهم من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم به. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر أمره. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (١٩٧٥).
(٣) بياض بالمطبوع.
[ ٤ / ٤٥ ]
المؤمنين يعاينون ذلك من اللَّه إذا تكلم وهم ينظرون، وإذا ضحك إليهم، ولقد
قال النبي -ﷺ- للحسن والحسين: "أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ".
حدثنا ابن أبي شيبة قال: ثنا أبو حفص الأبار قال: ثنا منصور والأعمش، عن المنهال -يعني: ابن عمرو- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي يعوذ الحسن والحسين: "أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ. . " (١) وذكر الحديث.
ورواه سفيان الثوري أيضا، عن منصور (٢).
وحدثونا أيضا عن جعفر بن سليمان، قال: ثنا أبو التياح، قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش، كيف صنع رسول اللَّه -ﷺ- حين كادته الشياطين؟ قال: تحدرتْ عليه الشياطين من الجبال والأودية يريدون رسول اللَّه -ﷺ-. قال: وفيهم شيطان معه في يده شعلة من نار يريد أن يحرق رسول اللَّه -ﷺ- فمأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد، قل. قال: "ما أقول؟ " قال: قل: "أعوذ بكلمات اللَّه التامات. . " وذكر الحديث (٣).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ١/ ٢٣٦، والبخاري (٣٣٧١).
(٢) رواه الإمام أحمد ١/ ٢٧٠، والترمذي (٢٠٦٠) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٣٥٢٥) من طريق سفيان عن منصور، به.
(٣) رواه الإمام أحمد ٣/ ٤١٩، وأبو يعلى ١٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ (٦٨٤٤) وابن قانع في "معجم الصحابة" ٢/ ١٧٣، وأبو نعيم في "الدلائل" ١/ ١٩١ (١٣٧)، وفي "معرفة الصحابة" ٤/ ١٨٣٦ - ١٨٣٧ (٤٦٣٦)، والبيهقي في "الدلائل" ٧/ ٩٥. وقال البخاري كما في "الإصابة" ٢/ ٣٩٦: في إسناده نظر. وقال الألباني في "الصحيحة" (٨٤٠): والإسناد صحيح، رجاله إلى ابن خنبش على شرط مسلم، وقد اختلفوا في صحبته، وقد اختار الحافظ في "الإصابة" قول من جزم بأن له صحبة.
[ ٤ / ٤٦ ]
وحدثونا عن عفان، عن وهيب، عن ابن عجلان، عن يعقوب بن عبد اللَّه، عن سعيد بن المسيب، عن سعيد بن مالك، عن خولة بنت حكيم أن النبي -ﷺ-، قال: "لو أن أحدكم إذا نَزَلَ مَنْزِلًا قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ. . ". وذكر الحديث (١).
وحدثونا عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي -ﷺ-، قال: "إِذَا أَصَابَ أَحدكم فزع عِنْدَ النَّوْمِ، فليقل: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ" (٢).
وحدثونا عن جرير بن حازم، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ قَالَ حين يمسي: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ" (٣) وذكر الحديث.
ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالنبي، أو بالجبال، أو بالأنبياء، أو بالملائكة، أو بالعرش، أو بالأرض، أو بشيء مما خلق اللَّه، لا يتعوذ إلا باللَّه أو بكلماته.
وقوله: أوجبوا على من حلف بالقرآن كل آية يمين.
حدثونا عن هشيم قال: ثنا أبو بشر، وعون، عن الحسن قال: قال
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٦/ ٣٧٧، ومسلم (٢٧٠٨).
(٢) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٨١، وأبو داود (٣٨٩٣)، والترمذي (٣٥٢٨). والنسائي في "الكبرى" ٦/ ١٩٠ - ١٩١، وعلقه البخاري في "خلق أفعال العباد" (٣٤٧) وصححه الحاكم ١/ ٥٤٨. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقال الحافظ في "نتائج الأفكار" ٣/ ١١٨: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في "الصحيحة" (٢٦٤).
(٣) رواه الإمام أحمد ٢/ ٢٩٠، ومسلم (٢٧٠٩).
[ ٤ / ٤٧ ]
رسول اللَّه -ﷺ-: "من حلف بسورة من القرآن بكل آية يمين" (١).
وحدثونا عن هشيم قال: أنبأ مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول: من حلف بسورة من القرآن بكل آية يمين (٢).
وقد روي عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن أبي كنف، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه سمع رجلا يحلف بسورة البقرة، فقال: أما إن عليه بكل آية يمينا (٣).
فهذا خلاف ما قاله هؤلاء الجهمية الشكاك، هؤلاء إذا قالوا: إنه مخلوق، وهؤلاء إذا شكوا فيه، وقد سمعت وهب بن بقية الواسطي يقول: سمعت وكيعًا وكتبته عنه -يعني: وكيعًا- وسألوه عن القرآن؟
فقال: كلام اللَّه وليس بمخلوق.
وحدثونا عن معاوية عن عمار الدهني قال: سئل جعفر بن محمد عن القرآن؛ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق.
وأخبرني من سمع يزيد بن هارون، يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق.
وأخبرني عباس العنبري قال: أخبرني عمرو بن هارون المقري، قال: سمعت ابن عيينة وسئل عن القرآن، فقال: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق.
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤ (٣٥) والبيهقي ١٠/ ٤٣ وقال: هذا الحديث إنما روي من وجهين جميعًا مرسلًا، وروي عن ثابت بن الضحاك موصولًا مرفوعًا وإسناده ضعيف.
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦ (٣٦).
(٣) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٧٢ (١٥٩٤٧)، وابن بطة في "الإبانة" ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٣٤)، واللالكائي في "شرح السنة" ٢/ ٢٥٨ (٣٧٩)، والبيهقي ١٠/ ٤٣.
[ ٤ / ٤٨ ]
وأخبرنيه أيضًا أبو بكر الأعين، أنه سمع من عمرو بن هارون هذا قال: سمعت ابن عيينة يقول هذا.
وسمعت جعفر بن مكرم يقول: سمعت وهب بن جرير يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق.
وسمعت أبا عبد اللَّه يقول هذا، ويقول: بلغني هذا عن جعفر بن محمد، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وإبراهيم بن سعد، وأبي النضر، ووهب بن جرير، ووكيع، وغيرهم، أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، إنه ممن يقول: غير مخلوق، فهل يحل عنده محل الجهمية النافعة.
وقد سمعت من يقول: وقع بيني وبين مثنى الأنماطي كلام، ونحن في طريق مكة، فأتيت وكيعا، وسألته عمن قال: القرآن مخلوق؛ فقال: هذا كفر، هذا كفر، هذا كفر كفر.
وسمعت فضلا الأنماطي يقول: سمعت يزيد بن هارون والفريابي يقولان: من قال: القرآن مخلوق. فهو كافر.
وأخبرني محمد بن غيلان، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المروزيان، أنهما سمعا علي بن الحسن بن شقيق يقول: سمعت عبد اللَّه بن المبارك يقول: القرآن كلام اللَّه وليس بمخلوق. وهذان من فضلاء أهل خراسان.
وأخبرني أبو سعيد بن أخي حجاج الأنماطي؛ أنه سمع عمه يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس من اللَّه شيء مخلوق، وهو منه، وليس بمختلف عندنا.
عن أبي النضر، وعفان، وعاصم، أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام
[ ٤ / ٤٩ ]
اللَّه، وليس بمخلوق.
وسمعت عباسا العنبري يقول: سمعت أبا الوليد يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق؛ ومن لم يعقد عليه قلبه أنه ليس بمخلوق، فهو كافر.
وحدثنا حسن بن عيسى مولى ابن المبارك قال: سمعت ابن المبارك يقول: الجهمية كفار.
وحدثني أبو عمر الدوري المقري، قال: ثنا عفان، قال: شهدتُ سلَّامًا أبا المنذر قارئ أهل البصرة، وقد جاءه رجلٌ جهمي والمصحف في حجره، فقال له: ما هذا يا أبا المنذر؟ قال: قم يا زنديق، هذا كلام اللَّه غير مخلوق.
وسمعت محمد بن يحيى بن سعيد القطان يقول: كان أبي وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: الجهمية تدور أن ليس في السماء شيء.
وحدثني العباس العنبري، قال: سمعت شاذًّا يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: من قال: القرآن مخلوق. فهو -واللَّه الذى لا إله إلا هو- زنديق.
وقال عمر بن عثمان الواسطي ابن أخي علي بن عاصم قال: سألت هشيما، وجريرا، والمعتمر، ومرحوما، وعمي علي بن عاصم، وأبا بكر ابن عياش، وأبا معاوية، وسفيان، والمطلب بن زياد، ويزيد بن هارون عمن قال: القرآن مخلوق، فقالوا: زنادقة. قال أبو بكر: زنادقة يقتلون.
قلت ليزيد بن هارون: يقتلون يا أبا خالد بالسيف؟ قال: بالسيف.
وأخبرنا من سَمِعَ يعقوب بن إبراهيم بن سعد يقول: جاء سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، فسأل أبي عن رجل يقول: القرآن مخلوق؟
فقال: هذا كافر باللَّه، تضرب عنقه من هاهنا، وأشار بيده إلى عنقه.
[ ٤ / ٥٠ ]
فقلت ليعقوب: أي شيء تقول أنت؟
قال: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق. وأخبرني فطر بن حماد قال: سألت المعتمر، وحماد بن زيد عمن قال: القرآن مخلوق؛ فقالا: كافر.
قال: وسألت يزيد بن زريع، صليت خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: خلف رجل مسلم أحب إلي.
وسمعتُ حسينا يقول: سمعت قبيصة يقول: من قال: محدث؛ فهو يقول: إنه مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق؛ فهو كافر باللَّه، سمعته من وكيع، وقد أخبرتك من ينصب في هذا الأمر ويقوم به في تكفير من مضى لهم بيان ذلك، حتى تكلموا في استتابتهم وموارثتهم، ولو كان هذا الأمر الذي جاءت به الجهمية أمرا يرتاب فيه أو يشك فيه، لما وسع أهل العلم التكذيب به، ولا إخراج أهله من الحق، ولا إثبات ما جحدوه من صفات اللَّه وأسمائه، وانتحالهم خلق القرآن، ولا جاز لهم مباينتهم إذا استتابوا بشرا وأصحابه، ولوجب عليهم الإمساك عنهم وترك الرد عليهم والخلاف لهم، ولكنهم كانوا -واللَّه- أعلم باللَّه، وأشد في أمره في أن يشكوا فيما قد وضع لهم من الحق، وبان لهم من الباطل، فاتق اللَّه، وانظر لنفسك، فإني قد نصحتك، وأحببت لك ما أحببت لنفسي، ودعوتك إلى ما عليه شيخ الإسلام أبو عبد اللَّه، وأهل العلم قبلنا، وأهل الشورى، انْقَدْ للحق وتواضع عليه، وعظم أمره، وبين ذلك واكشفه، فإني أرجو أن يقبل اللَّه إليك بقلوب المؤمنين، ويشرح صدرك بالذي شرح به صدورهم إذا علم منك الصدق والتواضع والاستكانة له والتضرع إليه، فإن كان قوم قد نازعوك هذا وأنكروه عليك فأَلِنْ لهم جانبك، وتواضع للحق والفهم، وبين ذلك،
[ ٤ / ٥١ ]
فقد كان من ابن علية كلام في نبله ومجالسته أيوب، ويونس، وابن عون، والتيمي، فما منعه ذلك أن كشفه على رءوس الناس ورجع عنه فرفعه اللَّه بذلك، فإن اللَّه ﷿ كافيك ما تحذر، فإني قد رأيت أبا عبد اللَّه يحب أن يوفقك اللَّه، ورأيته معنيا بأمرك، يحب أن يسددك اللَّه للذي أجمع عليه أصحابك من أهل السنة وأهل الحديث، فإن هذا عنده مثل رأي الجهمية -عصمنا اللَّه وإياك- وباللَّه التوفيق، وجمع لنا ولك خير الدنيا والآخرة، وقد بلغني أن زكريا أظهر كتابا بحضرتك حكى فيه حكايات في الوقف عن مشيخة عرفها الناس عندنا أنها كذب.
قال أبو بكر المروذي: هذا آخر الكتاب الذي سطر أبو عبد اللَّه فيه وصححه بخطه.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٥٥ - ٢٧٠ (١٩٠٩ - ١٩٤١)
قال ابن بطة: حدثنا أبو حفص، قال: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا الفضل، قال: حدثنا أبو طالب، قال: قلت: يا أبا عبد اللَّه! إني قد احتججت عليهم بالقرآن والحديث وأحب أن أعرضه عليك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]؛ أليس من محمد يسمع كلام اللَّه؟ !
قال اللَّه ﷿: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥].
وقال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].
وقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ﴾ [الإسراء: ٤٥].
وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف: ٢٧].
[ ٤ / ٥٢ ]
وقال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾ [النمل: ٩٢]؛ أليس يتلو القرآن؟ ! وقال ﷿: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فعلى كل حال فهو قرآن.
وقال النبي -ﷺ- في حديث جابر: "إن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي" (١).
وقال النبي -ﷺ- لمعاوية بن الحكم: "إنَّ هذِه الصَّلَاةَ لَا يَصلُح فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إلا القرآن" (٢)؛ فالقرآن غير كلام الناس.
وقال أبو بكر -﵁-: لا واللَّه، ولكنه كلام اللَّه (٣).
فقال لي: ما أحسن ما احتججت به! جبريل جاء إلى النبي -ﷺ- بمخلوق! والنبي -ﷺ- جاء إلى الناس بمخلوق!
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣٥ - ٣٣٧ (١٤١)
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٣/ ٣٩٠، وأبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١)، والنسائي في "الكبرى" ٤/ ٤١١ (٧٧٢٧). قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٩٤٧).
(٢) رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧، ومسلم (٥٣٧).
(٣) رواه عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" ١/ ١٤٣ (١١٦)، وابن خزيمة في "التوحيد" ١/ ٤٠٤ (٢٣٧) وحمزة بن يوسف في "تاريخ جرجان" (٤١٤)، وابن بطة في "الإبانة" الرد على الجهمية ١/ ٢٧١ - ٢٧٣ (٤١)، والبيهقي في "الاعتقاد" ص ١٠٧ - ١٠٨، وابن الأثير في "أسد الغابة" ٦/ ٢٩٨ ترجمة أبي مكرم الأسلمي (٦٢٦٧) جميعًا من طريق سريج بن النعمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم أن أبا بكر -﵁- خاطر قومًا. . وفيه قصة المراهنة بين أبي بكر وكفار مكة في غلبة الروم على فارس مصداقًا للآية. وروى أصله الترمذي (٣١٩٤) دون موضع الشاهد وقال: حسن صحيح.
[ ٤ / ٥٣ ]
قال ابن بطة: وأخبرني أبو صالح وحدثنا أبو حفص قالا: حدثنا محمد بن داود بن جعفر البصروي قال: حدثنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق؛ فهو كافر باللَّه واليوم الآخر، والحجة فيه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١].
وقال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠].
وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ [الرعد: ٣٧].
فالذي جاء النبي -ﷺ- به من العلم هو القرآن، وهو العلم الذي جاءه، والعلم غير مخلوق، والقرآن من العلم وهو كلام اللَّه.
وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ [الرحمن: ١ - ٣].
وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فأخبر أن الخلق خلق، والأمر غير الخلق، وهو كلام، فإن اللَّه لم يخل من العلم.
وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ [الإنسان: ٢٣].
والذكر هو القرآن، وأن اللَّه ﷿ لم يخل منهما، ولم يزل اللَّه متكلمًا عالمًا.
وقال في موضع آخر: إن اللَّه ﷿ لم يخل من العلم والكلام وليسا من الخلق؛ لأنه لم يخل منهما، فالقرآن من علم اللَّه.
وقال ابن عباس: أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب. فقال: يا رب! وما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة.
[ ٤ / ٥٤ ]
رواه الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس (١)، وأبو الضحى، عن ابن عباس (٢)، ورواه منصور بن زاذان (٣)، ورواه مجاهد، عن ابن عباس (٤)، ورواه عروة بن عامر، عن ابن عباس (٥)، وحدث به الحكم، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس (٦)، فكان أول ما خلق اللَّه من شرعه القلم.
وفي هاتين الآيتين رد على الجهمية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢].
وقال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٤]، ولا يقولون: إنه مخلوق.
وفي هؤلاء الآيات أيضًا دليل على أن الذي جاءه هو القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧].
"الإبانة" لابن بطة كتاب: الرد على الجهمية ٢/ ٢٦ - ٢٩ (٢١٨)
قال المروذي: هاهنا رجل قد تكلم في ذلك الجانب وقال: اعرضوا كلامي على أبي عبد اللَّه: فذكر في رقعة أشياء منها: أن صلاتنا وإيماننا
_________________
(١) رواه الفريابي في "القدر" ص ٧٩ (٧٧، ٧٨، ٧٩)، والآجري في "الشريعة" صـ ١٥٤ (٣٢٧)، وابن بطة في "الإبانة" الرد على الجهمية ٢/ ٢٩ (٢٢٠) بعد هذه المسألة.
(٢) رواه الإمام أحمد في "السنة" ٢/ ٤٠١ (٨٧١) والآجري في "الشريعة" ص ٥٣ (٣٢٦).
(٣) رواه الإمام أحمد في "السنة" ٢/ ٤٠١ (٨٧٢) وابن بطة في "الإبانة" الرد على الجهمية ٢/ ٢٢ (٢١٦) قبل هذه المسألة من طريق منصور، عن الحكم، عن أبي ظبيان، عنه.
(٤) رواه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" ١/ ٣٧ (٤٤)، والطبري في "تفسيره" ١٢/ ١٧٨ (٣٤٥٤٦)، (٣٤٥٤٧).
(٥) رواه الإمام أحمد في "السنة" ٢/ ٤١١ (٨٩٨)، والطبري ١١/ ١٦٦ (٣٠٧٥٩).
(٦) هو طريق منصور بن زاذان السابق.
[ ٤ / ٥٥ ]
مخلوق على الحركة والفعل لا على القول، فمن قال: الإيمان مخلوق. وأراد القول فهو كافر.
فلما قرأها أحمد وانتهى إلى قوله: الحركة والفعل. رمى (١) بالرقعة وغضب، ثم قال: هذا أهل أن يحذر عنه، هذا كلام جهم، إذا قال: الإيمان مخلوق فأيش بقي! الذي يقول: الإيمان شهادة أن لا إله إلا اللَّه، ولا إله إلا اللَّه مخلوق (٢)!
"الروايتين والوجهين" ص ٨٢ - ٨٣
قال إبراهيم بن الحكم القصار: سئل أحمد بن محمد بن حنبل عن الإيمان: مخلوق أم لا؟ قال: أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما ما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٢٣٨
قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: إن علي بن المديني حدث عن الوليد حديث عمر: كلوه إلى عالمه. فقال: إلى خالقه. فقال: هذا كذب. ثم قال: هذا قد كتبناه عن الوليد، إنما هو: فكلوه إلى عالمه (٣)،
_________________
(١) زيادة من "تاريخ الإسلام" للذهبي.
(٢) ذكرها الذهبي في "تاريخ الإسلام" ١٨/ ٩٤ وقال: إنما حط عليه أحمد بن حنبل لكونه خاض وأفتى وقسم، وفي هذا عبرة وزاجر، واللَّه أعلم. فقد زجر الإمام أحمد كما ترى في قصة الرقعة التي في الإيمان، وهي واللَّه بحث صحيح، وتقسيم مليح. وبعد هذا فقد ذم من أطلق الخلق على الإيمان، باعتبار قول العبد لا باعتبار مقوله، لأن ذلك نوع من الكلام، وهو كان يذم الكلام وأهله، وإن أصابوا، ونهى عن تدقيق النظر في أسماء اللَّه وصفاته، مع أن محمد بن نصر المروزي قد سمع إسحاق بن راهويه يقول: خلق اللَّه الإيمان والكفر، والخير والشر.
(٣) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" ٤/ ١٥٦ (٢٩٨٩) عن أبي زرعة، عن أبي اليمان، عن شعيب عن الزهري عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا=
[ ٤ / ٥٦ ]
وهذه اللفظة قد روي عن ابن المديني غيرها.
"تاريخ بغداد" ١/ ٤٦٨
قال الميموني: قال رجل لأبي عبد اللَّه: ذهبت إلى خلف البزار أغظه، بلغني أنه حدث بحديث عن [أبي] الأحوص، عن عبد اللَّه قال: ما خلق اللَّه شيئًا أعظم. . وذكر الحديث.
فقال أبو عبد اللَّه: ما كان ينبغي له أن يحدث بهذا في هذه الأيام -يريد زمن المحنة- والمتن: ما خلق اللَّه من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي (١).
وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا عليه هذا يوم المحنة: إن الخلق واقع هنا على السماء والأرض وهذه الأشياء، لا على القرآن.
"سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٥٧٨.
_________________
(١) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال: كل هذا قد علمنا به، فما الأب؟ ثم قال: هذا لعمر اللَّه التكلف، اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه. ورواه الخطيب في "تاريخه" بعد المسألة المذكورة من طريق علي بن المديني، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، به، بلفظ: فكلوه إلى ربه.
(٢) رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" ص ٩٢، ٩٣ (١٩٣، ١٩٤)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" ص ٢٣٠، من طرق عن ابن مسعود. وروى الترمذي (٢٨٨٤) عن سفيان بن عيينة أنه قال في تفسير قول ابن مسعود هذا: لأن آية الكرسي هو كلام اللَّه، وكلام اللَّه أعظم من خلق السماء والأرض.
[ ٤ / ٥٧ ]
٩٩ - فصل: حكم الجهمية
قال صالح: حدثني أبي قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: أخبرني عبد اللَّه بن نافع، قال: كان مالك يقول: أنا مؤمن، ويقول: الإيمان قول وعمل، ويقول: كلم اللَّه موسى، ويستفظع قول من يقول: القرآن مخلوق؛ قال: يوجع ضربًا، ويحبس حتى يتوب. وقال مالك: اللَّه في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
"مسائل صالح" (٨٣٩)
قال أبو الفضل: حدثني أبي قال: سمعت إسماعيل ابن علية يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ مبتدع.
وقال أبي: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، ومن زعم أن أسماء اللَّه مخلوقة كفر، لا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق؛ فإن صلى رجل عاد.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٦٦ - ٦٧
قال أبو داود: قلت لأحمد: الجمعة؟ قال: أنا أعيد، ومتى ما صليت خلف أحد ممن يقول القرآن مخلوق فأعد. قلت: وبعرفة؟ قال: نعم.
"مسائل أبي داود" (٣٠٥)
قال أبو داود: سمعتُ أحمد ذكر له رجل أن رجلا قال: إن أسماء اللَّه مخلوقة، والقرآن مخلوق؟ فقال أحمد: كفر بين. قال: قلت لأحمد: من قال: القرآن مخلوق أهو كافر؟ قال: أقول: هو كافر.
"مسائل أبي داود" (١٦٩٦ - ١٦٩٧)
قال ابن هانئ: سمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق، ومن قال: إن القرآن مخلوق؛ فهو كافر باللَّه العظيم.
قال ابن هانئ: سمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لو كان لي قرابة ممن يقول: القرآن مخلوق، ثم مات لم أرثه.
[ ٤ / ٥٨ ]
قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: والقرآن علم من علم اللَّه، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر باللَّه تعالى.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٥٦ - ١٨٥٨)
وسمعته يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، والقرآن علم من علم اللَّه، فمن زعم أن علم اللَّه مخلوق (١).
"مسائل ابن هانئ" (١٨٦٠)
قال ابن هانئ: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: أربعة مواضع في القرآن: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فمن زعم أن القرآن مخلوق؛ فهو كافر.
قال ابن هانئ: وسمعته يقول: القرآن علم من علم اللَّه، فمن زعم أن علم اللَّه مخلوق، فهو كافر.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٦٢ - ١٨٦٣)
قال ابن هانئ: وسئل عن رجل حلف بالطلاق لا يكلم زنديقًا، فلقي رجلا يقول: القرآن مخلوق، فكلمه، فسكت أحمد، فقال له هارون الديك: إن سجادة يقول: طلقت امرأته. قال أبو عبد اللَّه: ما أبعد.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٧٢)
قال ابن هانئ: قال (٢): والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر؟ فقال: نعم.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٧٧)
قال المروذي: حدثنا الميموني قال: سألته فيما بيني وبينه، واستفهمته واستثبته، قلت: يا أبا عبد اللَّه: قد بلينا بهؤلاء الجهمية، ما تقول فيمن قال: إن اللَّه ليس على العرش؟ قال: كلامهم كلهم يدور على الكفر.
قلت: ما تقول فيمن قال: إن اللَّه لم يكلم موسى؟ قال: كافر لا يشك فيه.
_________________
(١) كذا جواب الشرط ساقط من المطبوع، ولعله: فهو كافر، كما في الروايات التالية.
(٢) رجل يسأل الإمام.
[ ٤ / ٥٩ ]
قلت من قال: إن أسماء اللَّه محدثة؟ قال: كافر، ثم قال لي: اللَّه من أسمائه، فمن قال: إنها محدثة، فقد زعم أن اللَّه مخلوق، وأقبل يعظم أمرهم، ويكفر، وقرأ: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ [الصافات: ١٢٦].
وذكر آية أخرى قلت: من قال: إن اللَّه كان ولا علم، فتغير وجهه في هذا كله، وكان في هذا أشد تغيرا وأكثر غيظا، ثم قال لي: كافر، وقال: في كل يوم أزداد في القوم بصيرة.
"العدل" برواية المروذي وغيره (٣٤٩)
قال حرب: سمعت أحمد بن حنبل وذكر عنده كلام الناس في القرآن أنه مخلوق، فقال: كفرٌ ظاهر. مرتين.
قال: سألت إسحاق قلت: أليس تقول: القرآن كلام اللَّه تكلم به ليس بمخلوق؟ [قال: نعم، القرآن كلام اللَّه تكلم به ليس بمخلوق] (١)، ومن قال: إنه مخلوق، فهو كافر.
وسألته عن الرجل يقول: القرآن كلام اللَّه ويقف. قال: هو عندي شر من الذي يقول إنه مخلوق، لأنه يقتدي به غيره.
"مسائل حرب" ص ٤١
قال حرب: سمعتُ إسحاق يقول: ليس بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق، وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقًا؟ ! ولو كان ما قالوا لكان يلزمهم أن يقولوا: علمه وقدرته ومشيئته مخلوقة. فإن قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا: كان اللَّه تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة. وهو الكفر المحض الواضح، لم يزل اللَّه عالما متكلمًا، له المشيئة والقدرة في خلقه. والقرآن كلام اللَّه وليس بمخلوق، فمن زعم أنه مخلوق، فهو كافر، ومن وقف فهو شر منه.
_________________
(١) من "السنة" للخلال (١٨٢٧).
[ ٤ / ٦٠ ]
قال حرب: حدثنا إبراهيم بن الحارث، قال: قال أحمد بن حنبل: القرآن كلام اللَّه، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر، والقرآن من علم اللَّه، وفيه أسماؤه، وعلم اللَّه ليس بمخلوق، وقال اللَّه: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤] فالقرآن من علم اللَّه، وعلم اللَّه ليس بمخلوق، فيه أسماؤه.
قال حرب: سمعتُ إسحاق بن إبراهيم قال: القرآن كلام اللَّه تكلم به. من قال: إنه كعباد اللَّه. فهو كافر.
"مسائل حرب" ص ٤١
قال حرب: وقال أبو عبد اللَّه: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر.
قلت: لا يصلى عليه؟ قال: لا.
قلت: ولا تجوز الصلاة خلفه؟ قال: لا.
قلت: فإن صلى خلفه يعيد الصلاة؟ قال: نعم.
"مسائل حرب" ص ٤٢
قال حرب: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن أعين أنه شهد ابن المبارك وقيل له: إن النضر بن محمد يقول: من قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] مخلوق؛ فهو كافر. فقال ابن المبارك: صدق النضر.
"مسائل حرب" ص ٤٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: أخبرني عبد اللَّه بن نافع، قال: كان مالك -يعني: ابن أنس- يقول: الإيمان قول وعمل. ويقول: القرآن كلام اللَّه. ويقول: من يقول القرآن مخلوق. قال: يوجع ضربا ويحبس حتى يتوب، وقال مالك: اللَّه في السماء وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء.
"العلل" برواية عبد اللَّه (١٢٤٨)
قال عبد اللَّه: سمعت أبي ﵀ يقول: من قال: القرآن مخلوق؛
[ ٤ / ٦١ ]
فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم اللَّه ﷿ وفيه أسماء اللَّه ﷿.
وقال: سمعت أبي ﵀ يقول: إذا قال الرجل: العلم مخلوق؛ فهو كافر؛ لأنه يزعم أنه لم يكن له علم حتى خلقه.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٠٢ (١ - ٢)
قال عبد اللَّه: سمعت أبي ﵀ يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم اللَّه ﷿، قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] وقال ﷿: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠] وقال ﷿: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥] وقال ﷿: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] قال أبي ﵀: والخلق غير الأمر، وقال ﷿ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [هود: ١٧].
قال أبي ﵀: قال سعيد بن جبير: والأحزاب: الملل كلها ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، وقال ﷿: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ [الرعد: ٣٦، ٣٧] (١).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٠٣ (٣)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀ قال: حدثنا سريج بن النعمان، أخبرني عبد اللَّه بن نافع، قال: كان مالك بن أنس ﵀ يقول: من قال: القرآن
_________________
(١) رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٢٣٠ (١٨٧٣) مختصرًا، ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩ (١٩٠١).
[ ٤ / ٦٢ ]
مخلوق، يوجع ضربًا ويحبس حتى يموت.
وقال مالك ﵀: اللَّه في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء وتلا هده الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وعظم عليه الكلام في هذا واستشنعه.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٠٦ - ١٠٧ (١١)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀: سمعناه من ابن علية، وجاءه منصور بن عمار فقال ابن علية: من قال: القرآن مخلوق، فهو مبتدع.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٣١ - ١٣٢ (٨٠)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي: حدثني شاذ بن يحيى، سمعت يزيد بن هارون يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو -واللَّه الذي لا إله إلا هو- زنديق.
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٨١ (١١٠٥)
أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر باللَّه العظيم واليوم الآخر.
قال الخلال: عن أحمد بن الحسين، ويوسف بن موسى، وإسماعيل ابن إسحاق الثقفي -المعنى واحد- أنهم سمعوا أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر.
قال الخلال: وأخبرني يعقوب بن يوسف أبو بكر المطوعي، قال: سمعت أحمد وقال له رجل: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق؟
قال أحمد: كذا نقول.
قال الرجل: يا أبا عبد اللَّه، هذا هو الحق؟ قال: كذا نقول.
قال الخلال: أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه قال له رجل: رأيت بالبصرة قد كُتِب على مسجد:
[ ٤ / ٦٣ ]
القرآن مخلوق. ففزع أبو عبد اللَّه من ذلك، وجعل يقول: لا إله إلا اللَّه، لا إله إلا اللَّه.
قال الخلال: أخبرني محمد بن علي، قال: ثنا صالح، وأخبرني محمد بن علي قال: ثنا الحسن بن إبراهيم. وأخبرني أحمد بن بحر الصفار قال: سمعت الحسن بن البزار. وأخبرني بن جحدر، ومحمد بن أبي هارون، أن الحسن بن ثواب حدثهم -المعنى قريب- كلهم سمع أبا عبد اللَّه أنه قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق؛ فهو كافر.
"السنة" للخلال ٢/ ٢١٧ - ٢١٨ (١٨٢٨ - ١٨٣٢)
قال الخلال: أخبرنا محمد بن علي قال: ثنا صالح أن أباه قيل له: أفأحد من العلماء قال: ليس بمخلوق؟ قال: جعفر بن محمد.
حدثني أبي -أملاه عليَّ إملاء من كتابه- قال: ثنا موسى بن داود قال: ثنا أبو عبد الرحمن معبد. .، فذكر الحديث. قال أبي: وقد رأيت معبدًا.
"السنة" للخلال ٢/ ٢١٩ (١٨٣٧)
قال الخلال: أخبرني محمد بن العباس القطيعي، قال: حدثني محمد ابن أحمد بن مهنا، قال: سألت عبد الوهاب الوراق، يعني: عن شيء من القرآن؟ فقال: أخبرني المروذي قال: قال أبو عبد اللَّه، أو قال أحمد: من طعن في القرآن بسوء فهو جهمي.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٧ (١٨٦١)
قال الخلال: أخبرني أبو النضر إسماعيل بن عبد اللَّه بن ميمون العجلي، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: إن أسماء اللَّه مخلوقة، وإن علم اللَّه مخلوق؛ فهو كافر (١).
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" -كتاب الرد على الجهمية- ٢/ ٦٥ - ٦٦ (٢٧٩) عن إسحاق بن هانئ، ٢/ ٦٧ (٢٨٥) عن إبراهيم بن هانئ.
[ ٤ / ٦٤ ]
قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر؛ أن أبا الحارث حدثهم، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق؛ فقد كفر؛ لأنه يزعم أن علم اللَّه مخلوق، وأنه لم يكن له علم حتى خلقه (١).
قال الخلال: وأخبرني عبد الملك؛ أنه سأل أبا عبد اللَّه، قال: قلت: من قال: إن اللَّه كان ولا علم؟ فتغير وجهه تغيرا شديدا، وكثر غيظه، ثم قال: الكافر، وقال لي: إني كل يوم أزداد في القوم بصيرة (٢).
قال: وقال لي أبو عبد اللَّه: علمت أن بشرًا المريسي كان يقول العلم علمان، فعلم مخلوق، وعلم ليس بمخلوق، فهذا أيش يكون هذا؟ !
قلتُ: يا أبا عبد اللَّه كيف يكون إذًا؟ قال: لا أدري، أيكون علمه كله بعضه مخلوق، وبعضه ليس بمخلوق، لا أدري كيف ذا؟ بشر كذا كان يقول!، وتعجب أبو عبد اللَّه تعجبًا شديدًا.
قال الخلال: وأخبرني أحمد بن أصرم المزني، قال: سمعت هارون الحمال يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من زعم أن أسماء اللَّه مخلوقة؛ فقد كفر.
قال الخلال: أخبرني موسى بن محمد الوراق، قال: ثنا عبد اللَّه بن محمد الحلبي، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: اسم اللَّه مخلوق؛ فهو كافر، وأسماؤه في القرآن.
قال الخلال: أخبرنا أبو محمد عبيد بن شريك البزار، قال: ثنا محمد
_________________
(١) رواه ابن بطة ٢/ ٦٩ - ٧٠ (٢٩٠).
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٧٠ (٢٩١).
[ ٤ / ٦٥ ]
ابن إبراهيم الأشمي ابن الكردية، قال: دخلت على أحمد بن حنبل أنا وأبي، فقال له أبي: يا أبا عبد اللَّه ما تقول في القرآن؟ قال: القرآن من علم اللَّه، ومن قال: من علم اللَّه شيء مخلوق؛ فقد كفر.
قال الخلال: أخبرني محمد بن موسى؛ أن حبيش بن سندي وإسحاق ابن إبراهيم حدثاه، قال حبيش: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من زعم أن علم اللَّه مخلوق؛ فهو كافر.
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قال أبو عبد اللَّه: قلت لابن الحجام -يعني: يوم المحنة- ما تقول في علم اللَّه؟ فقال: مخلوق، فنظر ابن رباح إلى ابن الحجام نظر المنكر عليه لما أسرع. فقلت لابن رباح: أيش تقول أنت؟ فلم يرض ما قال ابن الحجام. فقلت له: كفرت.
قال أبو عبد اللَّه: يقول: إن اللَّه كان لا علم له، وهذا الكفر باللَّه، وقد كان المريسي يقول: إن علم اللَّه وكلامه مخلوق، وهذا الكفر باللَّه.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٨ - ٢٣٠ (١٨٦٤ - ١٨٧٢)
قال الخلال: وكتب إليَّ أحمد بن الحسين الوراق من الموصل، قال: ثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه، وسمعه يقول: من قال: إن علم اللَّه مخلوق، فهو كافر، ومن زعم أن علمه مخلوق فكأنه لم يكن يعلم حتى خلق العلم. ومن قال: إن أسماء اللَّه مخلوقة؛ فكأن أسماء اللَّه لم تكن حتى خلقت، وإن كل مخلوق يبيد فهذا عندي كافر إذا قال هذا.
قال الخلال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن مطر، قال: ثنا أبو طالب، قال: قال أبو عبد اللَّه: ليس شيء أشد عليهم مما أدخلت علي ممن قال: القرآن مخلوق، قلت: علم اللَّه مخلوق؟ قالوا: لا.
قلت: فإن علم اللَّه هو القرآن، قال اللَّه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ
[ ٤ / ٦٦ ]
مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] (١).
قال الخلال: أخبرني منصور بن الوليد، أن جعفر بن محمد حدثهم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: القرآن من علم اللَّه؟ فقال: القرآن من علم اللَّه، قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وهو في القرآن في أربع مواضع.
قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن جامع الرازي، قال: ثنا أبو زرعة الرازي، قال: ثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لتغلبن مضر عباد اللَّه حتى لا يبقى للَّه اسم يعبد، أو ليغبنهم عباد اللَّه حتى لا يمنعوا ذنب تلعة" (٢) قال أبو زرعة: قال أحمد بن حنبل: أسماء اللَّه غير مخلوقة، أما ترى أنه
_________________
(١) رواه الآجري في "الشريعة" (١٧٢)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٤٩ (٤٢٨)، وسيأتي نحوه ص ٧٥.
(٢) رواه الإمام أحمد ٣/ ٨٦ من طريق عباد بن عباد، عن مجالد بن سعيد به. قال الهيثمي ٧/ ٣١٣: فيه مجالد وثقه النسائي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وله شاهد من حديث حذيفة قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن هذا الحيَّ من مضر لا تدع للَّه في الأرض عبدًا صالحًا إلا افتتنته وأهلكته حتى يدركها اللَّه بجنود من عنده فيذلها حتى لا تمنع ذنب تلعة". رواه الإمام أحمد ٥/ ٣٩٠، عن الطيالسي ١/ ٣٣٦ (٤٢١)، عن هشام عن قتادة عن أبي الطفيل عن حذيفة. وهو طريق أحمد السالف. ورواه البزار ٧/ ٢٢٥ من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة به وقال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة إلا هشام. ورواه الحاكم ٤/ ٤٦٩ - ٤٧٠ من طريق موسى بن إسماعيل عن هشام به، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٣١٣: رواه أحمد بأسانيد البزار من طرق وأحد أسانيد أحمد وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح. انتهى باختصار.
[ ٤ / ٦٧ ]
قال: "حتى لا يبقى للَّه اسم يعبد".
قال الخلال: أخبرنا عبد الملك الميموني، قال: ثنا ابن حنبل قال: ثنا عباد بن عباد، عن مجالد بن سعيد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لتضربن مضر عباد اللَّه حتى لا يعبد للَّه اسم، وليضربنهم المؤمنون حتى لا يمنعوا ذنب تلعة" (١).
قال الخلال: أخبرنا محمد بن علي أبو بكر؛ أن يعقوب بن بختان سأل أبا عبد اللَّه عمن قال: القرآن مخلوق؛ فقال: كنت أهاب أن أقول كافر فرأيت قول اللَّه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١].
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن داود، قال: ثنا حنبل، قال: سمعت أبا عبد اللَّه -وسأله ابن الدورقي- فقال: قد كنا نهاب الكلام في هذا، ثم بان لنا الحكم، يقول اللَّه في كتابه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ (٢).
قال الخلال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن مطر، أن أبا طالب حدثني أنه قال لأبي عبد اللَّه: قوم يقولون من إمامك في هذا؟ ومن أين قلت: إنه ليس بمخلوق؟ قال لي: الحجة ما أخبرتك، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾.
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد اللَّه
_________________
(١) تقدم ذكر هذه الطريق في تخريج الحديث السالف.
(٢) رواها الآجري في "الشريعة" ١/ ٥٠٧، ونص الرواية: قال حنبل: سمعتُ أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل، وسأله يعقوب الدورقي عمن قال: القرآن مخلوق؟ فقال: من زعم أن علم اللَّه وأسماءه مخلوقة فقد كفر، ويقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أفليس هو القرآن؟ فمن زعم أن علم اللَّه وأسماءه وصفاته مخلوقة فهو كافر، لا شك في ذلك إذا اعتقد ذلك، وكان رأيه ومذهبه، وكان دينا يتدين به، كان عندنا كافرا. وانظر: "طبقات الحنابلة" (٢/ ٥٥٣).
[ ٤ / ٦٨ ]
يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر باللَّه واليوم الآخر، والحجة فيه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾. الآية [آل عمران: ٦١]. وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ [الرعد: ٣٧]. والذي جاء النبي -ﷺ- القرآن، وهذا العلم الذي جاءه العلم غير مخلوق، والقرآن من العلم، وهو كلام اللَّه، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ [الرحمن: ١ - ٣].
وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فأخبر أنه خلق الخلق، والأمر غير الخلق، وهو كلام اللَّه، وأن اللَّه ﷿ لم يخل من العلم، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] والذكر هو القرآن، وأن اللَّه لم يخل منهما، ولم يزل متكلما عالما.
وقال في موضع آخر: وأن اللَّه لم يخل من العلم والكلام، وليسا من الخلق؛ لأنه لم يخل منهما، فالقرآن من علم اللَّه، وهو كلامه عن أبي عبد اللَّه.
وأخرج المروذي الفعل من الكلام، وزاد المروذي قال: وقال ابن عباس: أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب فقال: يا رب، وما أكتب؟ قال: اكتب القدر مجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة.
رواه الأعمش عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، وأبو الضحى، عن ابن عباس، ورواه منصور بن زاذان، ورواه مجاهد، عن ابن عباس، ورواه عروة بن عامر، عن ابن عباس، وحدث به الحكم، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: كان أول ما خلق اللَّه ﷿ القلم.
[ ٤ / ٦٩ ]
وفي هاتين الآيتين الرد على الجهمية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤]، وهؤلاء يقولون: إنه مخلوق، وفي هذه الآيات أيضًا دليل على أن الذي جاءه هو القرآن؛ لقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠] (١).
قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر؛ أن أبا الحارث حدثهم، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: قول ابن عباس حجة عليهم، أول ما خلق اللَّه القلم، وكلام اللَّه قبل أن يخلق القلم (٢).
قال الخلال: وأخبرني أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن صدقة، قال: سمعتُ لوينا يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ما أنا قلته، ولن ابن عباس قاله: حدثنا هشيم، قال: ثنا منصور بن زاذان، عن الحكم، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق اللَّه القلم.
قال لوين: فأخبر ابن عباس أن أول ما خلق اللَّه القلم، وقال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]. فإنما خلق الخلق بكن، وكلامه قبل الخلق.
قال الخلال: قال أبو بكر بن صدقة: قال الفضل بن زياد: فدخلت على أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل، وقد كنت حضرت مجلس لوين، فقال لي: يا أبا العباس، حضرت مجلس هذا الشيخ؟ . قلت: نعم.
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦ - ٢٩ (٢١٨).
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" -الكتاب الثالث- ٢/ ٢٢ (٢١٥).
[ ٤ / ٧٠ ]
قال: سمعت ما قال الشيخ في القرآن؟ . فقلت: نعم.
قال: سبحان اللَّه! كأنما كان على وجهي غطاء، فكشفه عنه، أما سمعت قوله: إن أول الخلق القلم، وإنما خلق القلم بكلامه، وكان كلامه قبل خلقه، ثم قال لي: [تعلم أن واحد] (١) الكوفيين. واحد يعني: أنَّ لوينا أصله كوفي. (٢)
قال الخلال: أخبرني عبد الكريم بن الهيثم العاقولي أن الحسن بن الصباح حدثهم أن أبا عبد اللَّه قيل له: إن لوينا قال: أول ما خلق اللَّه ﷿ القلم، فأول الخلق القلم، وكلام اللَّه قبل خلق القلم، فاستحسنه أبو عبد اللَّه وقال: أبلغ منهم بما حدث (٣).
قال الخلال: وأخبرنا عبد اللَّه بن أحمد إن أبي قيل له: إن لوينا [. . .] (٤).
قال الخلال: وأخبرني عبد اللَّه في موضع آخر قال: قلت لأبي: إن لوينا محمد بن سليمان الأسدي يقول: أول ما خلق اللَّه القلم، واللَّه لم يزل متكلما قبل أن يخلق الخلق. فأعجبه هذا واستحسنه.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٣٠ - ٢٣٥ (١٨٧٤ - ١٨٨٧)
قال الخلال: قال عبد اللَّه: وحدثني أبي قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن أبي ظبيان -قال وكيع: هو حصين بن جندب- عن ابن عباس قال: إن أول ما خلق اللَّه من شيء القلم، فقال له: اكتب، فقال: يا رب، وما أكتب؟ فقال: اكتب القدر. قال: فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون فدحا الأرض عليها، فارتفع
_________________
(١) طمس في الأصل، والمثبت من "الإبانة".
(٢) رواه الآجري (٣٨٨)، وابن بطة في "الإبانة" الكتاب الثالث (٢/ ٢٣ - ٢٤) (٢١٦).
(٣) رواه ابن بطة -الكتاب الثالث- (٢/ ٢٤ - ٢٥) (٢١٧).
(٤) قال محقق "السنة": بين المعقوفين سطر غير مقروء في (ص).
[ ٤ / ٧١ ]
بخار الماء ففتق منه السماوات، فاضطرب النون فمالت، أو فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة.
قال الخلال: قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر والثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: إن أول ما خلق اللَّه القلم فقال له: اكتب قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فجرى القلم بما هو كائن في ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم طوي الكتاب ورفع القلم، ثم رفع بخار الماء ففتقت السماوات، ثم خلقت النون، ثم بسط عليها الأرض، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض، ثم خلق اللَّه الجبال فأثبتها؛ فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ إلى ﴿بِمَجْنُونٍ﴾.
قال الخلال: قال عبد اللَّه: وحدثني أبي قال: ثنا عتاب، قال: ثنا هاشم، قال: ثنا عطاء بن السائب، قال: حدثني أبو ظبيان، عن عطية، وابن عباس قالا: إن أول شيء خلق اللَّه القلم، وأمره أن يكتب، فالناس يجرون فيما كتب إلى يوم القيامة.
"السنة" للخلال ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦ (١٨٩٠ - ١٨٩٢)
قال الخلال: قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سليمان -يعني: الأعمش- عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: إن أول ما خلق اللَّه من شيء القلم، فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلقت النون فبسطت الأرض على النون، فتحركت النون، فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾.
قال الخلال: قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: ثنا عبد الرحمن بن
[ ٤ / ٧٢ ]
مهدي، عن شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا ظبيان يحدث عن ابن عباس؛ فذكر الحديث.
قال الخلال: قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: ثنا أبو معاوية وابن نمير وأسباط قالوا: ثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق اللَّه القلم، قال له: اكتب. قال: يا رب، وما أكتب؟ قال: اكتب القدر قال: فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم القيامة، فذكر الحديث.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٣٧ (١٨٩٤ - ١٨٩٦)
قال الخلال: وأخبرني صالح بن علي النوفلي المرخي من آل ميمون بن مهران، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن قال: القرآن مخلوق؛ فقال: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر باللَّه العظيم. ثم التفت إلي وقال: لعلك تسأل كيف كفر؟ قلت: لا.
قال: إن القرآن من علم اللَّه، ومن جعل علم اللَّه مخلوقًا، فهو كافر باللَّه العظيم، ألم تسمع إلى قول اللَّه: ﴿عَلَّامُ الغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨] و﴿عَالِمُ الغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨]، وفي غير موضع من القرآن ذكر الغيب.
قال الخلال: أخبرنا الحسن بن ثواب المخرمي أنه قال لأبي عبد اللَّه: من أين أكفرتهم؟ قال: قرأت في كتاب اللَّه غير موضع ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥]، فذكر الكلام.
قال الحسن بن ثواب: ذاكرت ابن الدورقي، فذهب إلى أحمد، ثم جاء فقال لي: سألته فقال لي كما قال لك، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، ثم قال لي أحمد: إنما أرادوا الإبطال (١).
أخبرني محمد بن أبي هارون؛ أن حبيش بن سندي حدثهم، عن أبي
_________________
(١) انظر: "شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٢٩٠.
[ ٤ / ٧٣ ]
عبد اللَّه، قال اللَّه: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾، ففرق بين العلم والخلق.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ (١٨٩٨ - ١٩٠٠)
قال الخلال: وأخبرني أحمد بن محمد بن مطر أن أبا طالب حدثهم، قال: سمعت أبا عبد اللَّه قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١]، فالذكر هو القرآن، وليس بمخلوق وقال: هذا شيء فتح لي.
قال الخلال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: سمعت أبا علي الصائغ، وكان من كبار أصحاب إدريس الحداد المقرئ، قال: سمعت عمران التمار يقول: قال أحمد بن حنبل: قال اللَّه ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم: ٢٥]، من زعم أن دعوة اللَّه س مخلوقة؛ فقد كفر.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٣٩ (١٩٠٢ - ١٩٠٣)
قال الخلال: أخبرنا محمد بن علي أبو بكر؛ أن يعقوب بن بختان حدثهم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إن رجلا جاء إلى سجادة. .
وأخبرني عبد الكريم بن الهيثم الديرعاقولي قال: حدثني الحسن بن البزار، قال: قيل لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل: إن سجادة سئل عن رجل قال: امرأته طالق ثلاثا إن كلم زنديقا، فكلم رجلًا يقول: القرآن مخلوق، فقال سجادة: طلقت امرأته؛ فقال أبو عبد اللَّه: ما أبعد.
قال الخلال: أخبرنا علي بن الحسن بن هارون الحربي، قال: ثنا أبو الفضل الوراق، قال: سألت أبا علي الحسن بن حماد سجادة، فقلت: بلغنا أنك قلت: لو أن رجلا حلف بالطلاق ألا يكلم زنديقًا فكلَّم رجلا يقول: القرآن مخلوق؛ حنث؟ فقال: نعم، من حلف ألا يكلِّم
[ ٤ / ٧٤ ]
كافرًا، فكلم رجلا يقول: القرآن مخلوق. حنث. قال أبو الفضل: وحدثني أبو بكر بن زنجويه أن هذا ذكر لأحمد بن حنبل فقال: ما أبعد (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٧١ (١٩٤٢ - ١٩٤٣)
قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل وسأله يعقوب الدورقي عمن قال: القرآن مخلوق؛ فقال: من زعم أن علم اللَّه تعالى وأسماءه مخلوقة فقد كفر بقول اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] أفليس هو القرآن؟ ومن زعم أن علم اللَّه تعالى وأسماءه وصفاته مخلوقة؛ فهو كافر، لا شك في ذلك، إذا اعتقد ذلك وكان رأيه ومذهبه دينا يتدين به؛ كان عندنا كافرًا (٢).
"الشريعة" للآجري ص ٧١ (١٦٠)
قال محمد بن يوسف بن الطباع: سمعت رجلًا سأل أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد اللَّه، أصلي خلف من يشرب المسكر؟ فقال: لا.
قال: فأصلي خلف من يقول القرآن مخلوق؟ فقال: سبحان اللَّه، أنهاك عن مسلم، وتسألني عن كافر (٣).
"الشريعة" للآجري ص ٧٢ (١٦٣)
قال أبو طالب قال: قال أحمد: يا أبا طالب ليس شيء أشد عليهم مما أدخلت عليَّ من قال: القرآن مخلوق. قلتُ: علم اللَّه تعالى مخلوق؟ قال: لا. قلت: فإن علم اللَّه تعالى هو القرآن، قال اللَّه ﷿: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية - ٢/ ٦١ - ٦٢ (٢٦٩).
(٢) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ٢/ ٧١ (٢٩٤).
(٣) رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ٢/ ٧١ - ٧٢ (٢٩٥).
[ ٤ / ٧٥ ]
مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] هذا في القرآن في غير موضع (١).
"الشريعة" للآجرى ص ٧٢ (١٦٤)
قال ابن بطة: حدثنا حفص، قال: حدثنا أبو نصر -عصمة، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد اللَّه قال: من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن اللَّه مخلوق.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لا إله إلا اللَّه، ما أعظم هذا القول وأشده! هذا الذي كنا نحذره أن يكون. بلغني عن بعض شيوخنا أنه قال: معنى قول أبي عبد اللَّه هذا الذي كنا نحذره ما روي عن النبي -ﷺ-: "يكون قوم يقولون: هذا اللَّه، خلق الخلق، فمن خلق اللَّه؟ " (٢).
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٦٧ - ٦٨ (٢٨٦)
قال الميموني: سألتُ أبا عبد اللَّه، قلت: من قال: إن اللَّه تعالى كان ولا علم؛ فتغير وجهه تغيرا شديدا، وكثر غيظه، ثم قال لي: كافر. وقال لي: كل يوم أزداد في القوم بصيرة.
"الإبانة"، لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٧٠ (٢٩١)
قال أبو طالب: قلتُ لأبي عبد اللَّه: قال لي رجل: لم قلتَ: مَنْ كفر بآية من القرآن فقد كفر؟ هو كافر مثل اليهودي والنصراني والمجوسي، أو كافر بنعمة اللَّه، أو كافر بمقالته؟ قلت: لا أقول: هو كافر مثل اليهودي والنصراني والمجوسي. ولكن مثل المرتد، أستتيبه ثلاثًا، فإن تاب، وإلا قتلته.
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" - الرد على الجهمية ٢/ ٢٤٩ (٤٢٨)، وانظر هنا ص ٦٦.
(٢) رواه أحمد ٢/ ٢٨٢، والبخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤) من حديث أبي هريرة.
[ ٤ / ٧٦ ]
قال: ما أحسن ما قلت، ما كافر بنعمة؟ ! من كفر بآية فقد كفر.
قلت: أليس بمنزلة المرتد إن تاب وإلا قتل؟ قال: نعم.
وقال أبو طالب: وقلت لأبي عبد اللَّه: سألني إنسان عن الجهمي يقول: القرآن مخلوق، فهو كافر؟
قلت: قوم يقولون: حلال الدم والمال، لو لقيته في خلاء لقتلته.
قال: من هؤلاء؟ هذا المرتد يستتاب ثلاثة أيام، قول عمر وأبي موسى، وهذا بمنزلة المرتد يستتاب.
وقال أبو توبة الطرسوسي -الربيع بن نافع: قلت لأحمد بن حنبل وهو عندنا بطرسوس -يعني: حين حمل في المحنة: ما ترى في هؤلاء الذين يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: كفار.
قلت: ما يصنع بهم؟ قال: فقال: يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. قال: فقلت: قد جئت تضعف أهل العراق، لا بل يقتلون ولا يستتابون.
قال أبو بكر الأثرم: فقال أبو إسحاق العباداني يومًا لأبي عبد اللَّه ونحن عنده: يا أبا عبد اللَّه، حكى عنك أبو توبة كذا وكذا فابتسم، ثم قال: عافى اللَّه أبا توبة.
وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر: نا الخلال، قال: حدثني علي بن عيسى العكبري؛ أن حنبلا حدثهم سمع أبا عبد اللَّه قال: من قال: إن اللَّه لم يتخذ إبراهيم خليلًا؛ فقد كفر ورد على اللَّه أمره وقوله، يستتاب فإن تاب؛ وإلا قُتل.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٧٧ - ٧٩ (٣٠١ - ٣٠٤)
قال أبو طالب: سألت أبا عبد اللَّه عن ميراث الجهمي إذا كان له ابن
[ ٤ / ٧٧ ]
أخ يرثه. قال: بلغني عن عبد الرحمن (١) أنه قال: لو كنت أنا ما ورثته.
قلت: ما تقول أنت؟ قال: ما تصنع بقولي؟
قلت: على ذاك؟ قال: لست أقول شيئًا.
قلت: فإن ذهب إنسان إلى قول عبد الرحمن تنكر عليه؟
قال: لم أنكر عليه. كأنه أعجبه.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٨٠ (٣٠٧)
قال الخلال: أخبرنا المروذي؛ أنه سمع أبا عبد اللَّه يقول: بلغني عن عبد الرحمن أنه قال: لو كان لي قرابة ممن يقول: القرآن مخلوق ثم مات لم أرثه (٢).
قال يعقوب بن بختان: قلت لأبي عبد اللَّه ﵀: من كان له قرابة جهمي يرثه؟ قال: بلغني عن عبد الرحمن أنه قال: لا يرثه.
فقيل: ما ترى؟ فقال: إذا كان كافرًا. قلت: لا يرثه؟ قال: لا.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٨١ (٣٠٩ - ٣١٠)
قال أبو محمد فوران: كان أبو عبد اللَّه ﵀ لا يرى أن يرث رجلا يقول: القرآن مخلوق.
وقال أبو محمد فوران: قال أحمد بن حنبل: في الجهمي إذا مات وله ولد: أنه لا يرثه.
وقال المروذي: سألت أبا عبد اللَّه عن الجهمي يموت وله ابن عم ليس
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن مهدي الإمام.
(٢) روى عبد اللَّه في "السنة" ١/ ١٢١ (٤٧) عن أبي بكر بن الأسود قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ليحيى بن سعيد وهو على سطحه: يا أبا سعيد لو أن رجلًا جهميًّا مات وأنا وارثه ما استحللت أن آخذ من ميراثه.
[ ٤ / ٧٨ ]
له وارث غيره؟ فقال: قال النبي -ﷺ-: "لا يرث المسلم الكافر" (١).
قلت: فلا يرثه؟ قال: لا. قلت: فما يصنع بماله؟ قال: بيت المال، نحن نذهب إلى أن مال المرتد لبيت المال.
"الإبانة" لابن بطة كتاب: الرد على الجهمية ٢/ ٨٢ - ٨٣ (٣١٢ - ٣١٤)
وقال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: رجل صلى خلف الصف هو ورجل، فلما سلَّم نظر إلى الذي صلى على جانبه فإذا هو جهمي؛ قال: يعيد الصلاة؛ فإنه إنما صلى خلف الصف وحده. أو كلام هذا معناه -إن شاء اللَّه.
"الإبانة" لابن بطة كتاب: الرد على الجهمية ٢/ ١٢٢ (٣٨٩)
قال الفضل بن زياد: قلت لأبي عبد اللَّه: إن الشراك بلغني عنه أنه قد تاب ورجع. قال: كذب، لا يتوب هؤلاء، كما قال أيوب: إذا مرق أحدهم لم يعد فيه أو نحو هذا.
"الإبانة" لابن بطة كتاب: الرد على الجهمية ٢/ ١٢٩ - ١٣٠ (٤٠٤)
قال أبو الحارث الصائغ: قلت لأبي عبد اللَّه: إن أصحاب ابن الثلاج نلنا منهم ومن أعراضهم، فنستحلهم من ذلك؟ فقال: لا، هؤلاء جهمية، من أي شيء يستحلون؟ !
"الإبانة" لابن بطة -الرد على الجهمية ٢/ ١٣١ - ١٣٢ (٤٠٨)
قال أحمد بن سلمة: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: أفضوا إلى أن قالوا: أسماء اللَّه مخلوقة؛ لأنه كان ولا اسم. وهذا الكفر المحض؛ لأن للَّه الأسماء الحسنى، فمن فرق بين اللَّه وبين أسمائه وبين علمه ومشيئته فجعل ذلك مخلوقًا كله، واللَّه خالقها؛ فقد كفر، وللَّه ﷿ تسعة وتسعون
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٢٠٠، والبخاري (٤٢٨٣)، ومسلم (١٦١٤) عن أسامة بن زيد -﵁-.
[ ٤ / ٧٩ ]
اسمًا. صح ذلك عن النبي -ﷺ- أنه قاله (١)، ولقد تكلم بعض من ينسب إلى جهم بالأمر العظيم فقال: لو قلت: إن للرب تسعة وتسعين اسما لعبدت تسعة وتسعين إلها، حتى إنه قال: إني لا أعبد اللَّه الواحد الصمد، إنما أعبد المراد به. فأي كلام أشد فرية وأعظم من هذا، أن ينطق الرجل أن يقول: لا أعبد اللَّه.
"شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٢٤٠ (٣٥٢).
قال يعقوب بن سفيان: سمعت أبا هاشم زياد بن أيوب، قال: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللَّه رجل قال: القرآن مخلوق. فقلت له: يا كافر، ترى علي فيه إثم؟ قال: كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: لو كان لي فيهم قرابة ثم مات ما ورثته.
فقال له خراساني بالفارسية: الذي يقول القرآن مخلوق، أقول: إنه كافر؟ قال: نعم.
"شرح أصول الاعتقاد" للالكائي ٢/ ٣٥٣ (٥١٣)
ونقل أبو طالب عن أحمد وقد حكى له سري السقطي: لما خلق اللَّه الحروف سجدت له إلا الألف قالت: لا أسجد حتى أؤمر، فقال: هذا كفر.
"الروايتين والوجهين" مسائل العقيدة ص ٨١
وقال في رواية أبي طالب: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومَنْ لا يكفر من قال: القرآن مخلوق؛ فلا نكفره.
وكذلك نقل المروذي في قوم بطرسوس يكفرون من لا يكفر، فقال: ما سمعت في هذا شيئًا.
"الروايتين والوجهين" مسائل العقيدة ص ١١١، "الفروع" ٦/ ٥٦٨
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٢/ ٢٥٨، والبخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٤ / ٨٠ ]
قال أبو جعفر الدارمي: قلت لأحمد بن حنبل: أقول لك قولي، وإن أنكرت منه شيئًا؟ فقل: إني أنكره. قلتُ له: نحن نقول: القرآن كلام اللَّه من أوله إلى آخره، ليس منه شيء مخلوق، ومن زعم أن شيئًا منه مخلوق فهو كافر. فما أنكر منه شيئًا ورضيه.
"طبقات الحنابلة" ١/ ١٠٤
قال ابن منيع البغوي: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عمن قال: القرآن مخلوق، فقال: كفر.
"طبقات الحنابلة" ١/ ١٨٤
قال أبو توبة الربيع بن نافع: قلت لأحمد بن حنبل: إنا قد لقينا من ضعف أهل العراق في السنة، فأيش تقول فيمن زعم أن القرآن مخلوق؟ فقال: أقول: إنه كافر.
قال: قلت: فما تقول في دمه؟ قال: حلال بعد أن يستتاب.
فقلت: أديتها عراقية. قال أبو توبة: لا يستتاب، ولكنه يقتل.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٤١٨
قال زياد بن أيوب: كنت عند علي بن الجعد، فسألوه عن القرآن، فقال: القرآن كلام اللَّه، ومن قال: مخلوق؛ لم أُعَنِّفْه.
قال أبو هاشم زياد بن أيوب: فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل، فقال: ما بلغني عنه أشد من هذا.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٤٢٢
قال البخاري: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل: أنا رجل مبتلى، قد ابتليت أن أقول لك، ولكن أقول، فإن أنكرت شيئًا فردني عنه، القرآن من أوله إلى آخره كلام اللَّه، ليس شيء منه مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق -أو شيء منه مخلوق- فهو كافر، ومن زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي كافر. قال: نعم.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٥٩
[ ٤ / ٨١ ]
قال ابن بدينا: وسألت أبا عبد اللَّه عمن: قال بخلق القرآن، وقال: إن اللَّه لم يكلم موسى، أكافر هو؟ فذهب إلى أنه كافر.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٨٥
قال الخانقيني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٢٠
قال الحسن بن الصباح: قيل لأحمد بن حنبل: أن سجادة سئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن كلم زنديقًا، فكلم رجلا يقول: القرآن مخلوق، فقال سجادة: طلقت امرأته. فقال أحمد: ما أبعد.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٩٢
وسأله إبراهيم الأطروش: عن قتل الجهمية، قال: أرى قتل الدعاة منهم.
"الفروع" ٦/ ١٥٨
[ ٤ / ٨٢ ]
١٠٠ - فصل: مجانبة الجهمية
قال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد اللَّه: من يقول: القرآن مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية.
قلت: يقال له (ك - ف - ر). قال: إي واللَّه، كل شر وكل بلية بهم.
قلت: فتظهر العداوة لهم أو تداريهم؟ قال: أهل خراسان لا يقوون بهم. يقول كأن المداراة (١).
"مسائل الكوسج" (٣٣٨٦)
قال أبو الفضل صالح: قال أبي: إن امتحن فلا يجيب، ولا كراهة، فالمكره (٢) لا يكون عندي إلا أن ينال بضرب أو بتعذيب، فأما المتهدد فلا يكون عندي بالتهديد مكرها؛ لأن الآية التي قال اللَّه فيها: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فالإيمان (٣)، نزلت في عمار، وكان عمار عذب (٤).
_________________
(١) رواها الخلال في "السنة" ٢/ ٣١٧ (٢٠٩٢).
(٢) في المطبوع: المكروه.
(٣) يقصد آية الإيمان السالفة.
(٤) روي في تعذيب المشركين عمارًا ونزول الآية المذكورة فيه بعد نطقه بكلمة الكفر والوقوع في النبي أحاديث كثيرة منها:
(٥) ما رواه ابن ماجه (١٥٠) عن عبد اللَّه بن مسعود أن أول من أظهر إسلامه سبعة وعد منهم عمارًا وبلالًا، فمنهم من منعه قومه، ومنهم من عذب وألبس أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما صبر منهم على العذاب غير بلال. قال البوصيري في "الزوائد" (٣٥): هذا إسناد رجاله ثقات. وحسنه الألباني في "صحيح ابن ماجه" (١٢٢).
(٦) وما رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٣١١ (١٥٠٩)، وابن سعد في "طبقاته" ٣/ ٢٤٩، والطبري في "تفسيره" ٧/ ٦٥١ (٢١٩٤٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤٣/ ٣٧٤ جميعًا من طريق عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة بن محمد بن =
[ ٤ / ٨٣ ]
قلت لأبي: فإذا اجتمع رجلان أحدهما قد امتحن والآخر لم يمتحن ثم حضرت الصلاة. قال: يتقدم الذي لم يمتحن.
وقال أبي: كان سفيان بن عيينة يحدث هذا الحديث، ولم أسمعه أنا عن إسماعيل، عن قيس قال: اجتمع الأشعث بن قيس وجرير على جنازة فقدمه الأشعث عليها. وقال الأشعث للناس: إني ارتددتُ وإنه لم يرتد. وأعجب أبي هذا الحديث.
قال أبو الفضل: حدثنا علي بن عبد اللَّه، عن (١) سفيان بن عيينة، قال أبو الفضل: وضرب أبي على حديث كل من أجاب.
وقال أبو الفضل: قدم ابن رباح يريد البصرة، فبلغه أن عبد اللَّه القواريري شيعه أو سلم عليه، فصار القواريري إلى أبي، فلما نظر إليه
_________________
(١) = عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي -ﷺ- فقال النبي -ﷺ-: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي -ﷺ-: "فإن عادوا فعُد". قال الحافظ في "الفتح" ١٢٥/ ٣١٢: هو مرسل ورجاله ثقات.
(٢) وما رواه ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٢٥٠، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٨٩ (٣٢٢٤٤) والطبري في "تفسيره" ٧/ ٦٥٢ عن أبي مالك في قوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] قال: نزلت في عمار بن ياسر.
(٣) وما رواه الطبري في "تفسيره" عن ابن عباس. قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وذلك أن المشركين أصابوا عمار فعذبوه ثم تركوه فنزلت الآية. قال الحافظ في "الفتح" ١٢/ ٣١٢: وفي سنده ضعيف ثم قال بعد ما ذكر مراسيل أُخَر: وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.
(٤) في المطبوع: بن.
[ ٤ / ٨٤ ]
قال: ألم يكف ما كان منك من الإجابة، حتى سلمت على ابن رباح، ورد الباب في وجهه وجاءه الحزامي -وقد ذهب إلى ابن أبي دؤاد- فدق الباب، فلما خرج إليه، ورآه أغلق الباب ودخل.
قال صالح: قال أبي: لا يشهد رجل عند قاض جهمي.
قال صالح: وسئل أبي عن الرجل يكون قد أشهد رجلا على شهادة يدعوه إلى القاضي ليشهد له، والقاضي جهمي. قال: لا يذهب إليه.
قيل له: فإن استعدى عليه فذهب به فامتحن؛ قال: لا يجيب ولا كراهة، يأخذ كفًّا من تراب يضرب به وجهه.
"سيرة الإمام أحمد" ص ٧٣ - ٧٤
قال عبد اللَّه: سمعت أبي ﵀ يقول: من قال ذلك القول: لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها، إلا إنا لا ندع إتيانها، فإن صلى رجل أعاد الصلاة، يعني: خلف من قال: القرآن مخلوق.
قال عبد اللَّه: سألت أبي ﵀ عن الصلاة خلف أهل البدع، قال: لا يصلى خلفهم مثل الجهمية والمعتزلة.
قال عبد اللَّه: سمعت أبي ﵀ يقول: إذا كان القاضي جهميًّا فلا تشهد عنده.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٠٣ (٤ - ٦)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا عفان، قال: حدثني معاذ بن معاذ، قال: جاء الأشعث بن عبد الملك إلى قتادة، فقال له قتادة: من أين؟ لعلك دخلت في هذه المعتزلة، فقال له رجل: إنه لزم الحسن ومحمدًا، قال: هي ها اللَّه إذًا فالزمهما (١).
"العلل" برواية عبد اللَّه (٦٢٢)
_________________
(١) رواه ابن بطة في "الإبانة" - القدر ٢/ ٣٠٥ (١٩٧٦) من طريق الفضل، وابن عدي في "الكامل" ٢/ ٣٨ من طريق الأثرم.
[ ٤ / ٨٥ ]
قال الخلال: أخبرني يوسف بن موسى وإسماعيل بن إسحاق الثقفي؛ أن أبا عبد اللَّه سئل عن رجل له جار جهمي يسلم عليه؟ قال: لا.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل حدثه قال: قال أبو عبد اللَّه: أما الجهمية فلا تكلمهم.
وأخبره علي بن عبد الصمد قال: سألت أحمد بن حنبل عن جار لنا جهمي يسلم عليَّ؛ أرد عليه؟ قال: لا.
قال الخلال: أخبرني الحسن بن عبد الوهاب قال: ثنا أبو بكر بن حماد قال: حدثني أبو ثابت الحطاب، قال: كنت أنا وإسحاق بن أبي عمر جالسان، فمر بنا رجل جهمي، وأنا أعلم أنه جهمي، فسلم علينا، فرددت ﵇، ولم يرد عليه إسحاق بن أبي عمر، فقال لي إسحاق: ترد على جهمي السلام! قال: فقلت: أليس أرد على اليهودي والنصراني؟
قال: ترضى بأبي عبد اللَّه؟ قلت: نعم.
قال: فغدوت إلى أبي عبد اللَّه، فأخبرته بالخبر.
فقال: سبحان اللَّه! ترد على جهمي؟ !
فقلت: أليس أرد على اليهودي والنصراني؟ فقال: اليهودي والنصراني قد تبين أمرهما.
قال الخلال: أخبرني عبد الملك الميموني: أن أبا عبد اللَّه ذكر رجلا من الجهمية فقال: أخزاه اللَّه.
قال الخلال: أخبرني عبد اللَّه بن محمد قال: حدثني بكر بن محمد قال: سمعت أبا عبد اللَّه ذكر إنسانًا فقال: قاتله اللَّه.
قال الخلال: أخبرنا أحمد بن محمد بن مطر، وذكره ابن يحيى أن
[ ٤ / ٨٦ ]
أبا طالب حدثه، أنه قال لأبي عبد اللَّه: قد يقولون: نقاتلهم ونخرج عليهم.
فقال: لا، السيف لا نريده، تكون فتنة يقتل فيه البريء، الدعاء عليكم به.
قال أحمد بن محمد بن مطر: ثنا أبو طالب، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إنهم مرُّوا بطرسوس بقبر رجل، فقال أهل طرسوس: الكافر لا ﵀. فقال أبو عبد اللَّه: نعم، فلا ﵀، هذا الذي أسس هذا وجاء بهذا.
قال الخلال: أخبرني موسى بن محمد الوراق، قال: ثنا عبيد اللَّه بن أحمد الحلبي، قال: سمعت أبا عبد اللَّه، وحدثني بحديث جرير بن عبد اللَّه في الرؤية (١)، فلما فرغ قال: على الجهمية لعنة اللَّه.
قال الخلال: قرأت على الحسين بن عبد اللَّه النعيمي، عن الحسين بن الحسن فقال: ثنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: الرجل المقرئ يجيئه ابن الجهمي، ترى أن يأخذ عليه؟
قال: وابن كم هو؟ قلت: ابن سبع أو ثمان.
قال: لا تأخذ عليه ولا تقبله؛ ليذل الأب به.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: أمر بقرية جهمي وليس معي زاد، ترى أن أطوي؟
قال: نعم، اطو ولا تشتر منه شيئًا.
وقال المروذي في موضع آخر: قال: سألت أبا عبد اللَّه قلت: أبيع
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٤/ ٣٥٨، والبخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) أن النبي -ﷺ- نظر للقمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ [ق: ٣٩].
[ ٤ / ٨٧ ]
الثوب من الرجل الذى أكره كلامه ومبايعته أعني: الجهمي؟
قال: دعني حتى أنظر. فلما كان بعدما سألته عنها، قال: توق مبايعته.
قلت لأبي عبد اللَّه: فإن بايعته وأنا لا أعلم.
قال: إن قدرت أن ترد البيع فافعل.
قلت: فإن لم يمكنِّي، أتصدق بالثمن؟
قال: أكره أن أحمل الناس على هذا؛ فتذهب أموالهم.
قلت: فكيف أصنع؟ قال: ما أدري، أكره أن أتكلم فيه بشيء.
قلت: إنما أريد أن أعرف مذهبك. قال: أليس بعت ولا تعرفه؟
قلت: نعم. قال: أكره أن أتكلم فيه بشيء، ولكن أقل ما هاهنا أن تصدق بالربح وتوقى مبايعتهم.
قال الخلال: أخبرنا محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدثهم أن رجلا قال لأبي عبد اللَّه: ما تقول في رجل من الجهمية يموت ولا يشهد أحد من أصحابه، أندفنه؟
قال لي: أقل ما يكون هذا، أرجو ألا تبتلى بهذا. ثم قال: بلغني أن بعض [. . .] (١) من أن رجلا منهم ضرب عنقه، فطرحوه فيها، فلم يصل عليه.
قال الخلال: أخبرني الحسين بن عبد اللَّه النعيمي، عن الحسين بن الحسن، قال: ثنا يعقوب بن بختان، أن أبا عبد اللَّه قال: لا يصلى على الجهمي.
قال الخلال: أخبرني عبد الملك الميموني، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يذكر الجهمية، فقال رجل لأبي عبد اللَّه: أرأيت إن مات في قرية ليس فيها
_________________
(١) قال محقق "السنة": ما بين المعقوفين كلام غير واضح في (ص) بمقدار أربع كلمات.
[ ٤ / ٨٨ ]
إلا نصارى، من يشهده؟ قال أبو عبد اللَّه مجيبا: أنا لا أشهده، يشهده من شاء. قال لي أبو عبد اللَّه: غير واحد يحكي عن وكيع أنه قال: كافر.
"السنة" للخلال ٢/ ١٨٥ - ١٨٨ (١٧٠٢ - ١٧١٣)
قال الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ لم يجالس، ولا أرى لمن قال بهذه المقالة إلا أن يجانبه، ويظهر له الجفاء.
قال الخلال: أخبرني محمد بن جعفر، ومحمد بن موسى، أن أبا الحارث حدثهم قال: قال أبو عبد اللَّه: لا يكلمون، ولا يجالسون.
قال الخلال: أخبرني يعقوب بن يوسف أبو بكر المطوعي، قال: سمعت محمود بن غيلان قال لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن يحيى النيسابوري قال: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. لا يكلم، ولا يجالس.
فقال أحمد: ثبت اللَّه قوله (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٦ - ٣١٧ (٢٠٨٩ - ٢٠٩١)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ فإن مرض فلا تعده.
قال الخلال: أخبرني محمد بن جعفر ومحمد بن موسى أن أبا الحارث حدثهم أن أبا عبد اللَّه قال: لا يعادون.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ فلا تشهد جنازته.
_________________
(١) انظر: "طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١.
[ ٤ / ٨٩ ]
قال الخلال: أخبرني محمد بن جعفر، ومحمد بن موسى، أن أبا الحارث حدثهم قال: قال أبو عبد اللَّه: لا يصلى عليه.
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٧ (٢٠٩٣ - ٢٠٩٦)
قال الخلال: حدثنا أبو طالب قال: سألت أبا عبد اللَّه عمن أمسك فقال: لا أقول ليس هو مخلوقًا، إذا لقيني بالطريق وسلم علي أسلم عليه؟
قال: لا تسلم عليه ولا تكلمه، كيف تعرفه الناس إذا سلمت عليه؟ وكيف يعرف هو أنك منكر عليه؟ فإذا لم تسلم عليه عرف الذل، وعرف أنك أنكرت عليه وعرفه الناس.
"الشريعة" للآجري ص ٧٧ (١٧٦)
قال شاهين بن السميدع: وسألتُ أبا عبد اللَّه قلت: أصلي خلف الجهمي؟ قال: لا تصلي خلف الجهمي، ولا خلف الرافضي.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٦٠
قال أبو طالب: نقل عن أبي عبد اللَّه في "الإيمان": أن مَنْ قال: مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: إنه غير مخلوق، فقد ابتدع، وأنه يهجر حتى يرجع؛ أن ذلك وعيد على مخالفة أمر لا يسع الجواب فيه.
"طبقات الحنابلة" ٣/ ٣١٩
[ ٤ / ٩٠ ]