مُقَدّمَة
وجود مُسلمين قبل الْبعْثَة المحمدية (١):
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) يَعْنِي أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أُرسلت إِلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ وُجُودِهِ ﷺ، وَوُجُودِ أُمَّتِهِ كَقَوْلِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وَقَوْلِهِ عَنْ يُوسُفَ: (تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ)، وَقَوْلِهِ (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ)، وَقَوْلِهِ عَنْ لُوطٍ وَأَهْلِهِ، (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ] (٢) .
وَقَالَ فِي تَفْسِير قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: [وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِأَحْسَنِ الْقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَبَعض من
_________________
(١) - هَذِه العناوين وَضَعتهَا من عِنْدِي، لسُهُولَة التَّقْسِيم، وَقد وضعت كَلَام الْعَلامَة الشنقيطي - ﵀ - بَين معكوفتين []، لأميز بعضه من بعض، وَأما الْعزو للشَّيْخ عَطِيَّة مُحَمَّد سَالم فأبينه بِذكر اسْمه قبله، وعلامته أَن يكون الْعزو إِلَى المجلد الثَّامِن أَو التَّاسِع من كتاب " أضواء الْبَيَان "، وَلم أتدخل فِي نَص كَلَامهمَا مُطلقًا، إِلَّا مَا يكون من حذف بعض الْجمل الْخَارِجَة عَن مَوْضُوع الْمَسْأَلَة الَّتِي أنقلها، وَأبين ذَلِك بِوَضْع نقاط مَكَان الْكَلَام الْمَحْذُوف.
(٢) - ٢/١٦٧ - ١٦٨، الْأَنْعَام/ ١٤.
[ ١ / ١٣ ]
يَقُولُ بِهَذَا يَقُولُ: إِنِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ قَبْلَ بَعْثِ الرَّسُولِ ﷺ، كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ] (١) .
أهل الْكتاب والشرك وَهل الْكفْر مِلَّة وَاحِدَة؟
قَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [أهل الْكتاب هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكُونَ هُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَالْكُفْرَ يَجْمَعُ الْقِسْمَيْنِ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُخْتَصٌّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَكِنَّ الْخِلَافَ هَلِ الشِّرْكُ يَجْمَعُهُمَا أَيْضًا أَمْ لَا؟
فَبَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، عُمُومٌ فِي الْكُفْرِ وَخُصُوصٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَخُصُوصٌ فِي الْمُشْرِكِينَ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. وَلَكِنْ جَاءَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الشِّرْكِ يَشْمَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ أَيْضًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قولهمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) فَجَعَلَ مَقَالَةَ كُلٍّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِشْرَاكًا.
وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ مَنْعُ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ وَقَالَ: وَهَلْ أَكْبَرُ إِشْرَاكًا مِنْ قَوْلِهَا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (٢)، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْعِ الزَّوَاجِ مِنَ الكتابيات، إِلَّا أَنه اعتبرهن مشركات.
_________________
(١) - ٧/٥٠، الزمر/ ١٨.
(٢) - أخرجه بِنَحْوِهِ ابْن أبي شيبَة فِي " المُصَنّف " (٣/٤٥٧) بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح، وَالْآخر حسن.
[ ١ / ١٤ ]
وَلِهَذَا الْخِلَافِ وَالِاحْتِمَالِ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي مُسَمَّى الشِّرْكِ، هَلْ يَشْمَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ أَمْ لَا؟ مَعَ أَنَّنَا وَجَدْنَا فَرْقًا فِي الشَّرْعِ فِي مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُعَامَلَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَحَلَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يُحِلَّهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَحَلَّ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّاتِ وَلَمْ يُحِلَّهُ مِنَ الْمُشْرِكَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ .
وَقَالَ: ﴿لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، بَيَّنَ مَا فِي حَقِّ الْكِتَابِيَّاتِ قَالَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فَكَانَ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ فِي الْحُكْمِ.
وَقَدْ جَمَعَ وَالِدُنَا الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيْن تِلْكَ النُّصُوصِ فِي دفع إِيهَام الِاضْطِرَاب، ذِكْرُهَا جَمْعًا مُفَصَّلًا مَفَادُهُ أَنَّ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ الْمُخْرِجَ مِنَ الْمِلَّةِ أَنْوَاعٌ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُتَّصِفُونَ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ.
وَلَعَلَّ فِي نَفْسِ آيَةِ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أَيْ يُشَابِهُونَهُمْ فِي مَقَالَتِهِمْ، وَهَذَا الْقَدْرُ اتَّصَفَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ.
الثَّانِي: تَذْيِيلُ الْآيَةِ بِصِيغَةِ الْمُضَارع عَمَّا يشركُونَ بَين مَا وَصَفَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ فِي سُورَةِ الْبَيِّنَةِ بِالِاسْمِ: (وَالْمُشْرِكِينَ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ صِيغَةَ الْفِعْلِ تَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ وَصِيغَةَ الِاسْمِ تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَالثُّبُوتِ، فَمُشْرِكُو مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ دَائِمُونَ عَلَى الْإِشْرَاكِ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَقَعُ مِنْهُمْ حِينًا وَحِينًا. وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فَوَرَّثَ الْجَمِيعَ مِنْ بَعْضٍ وَمَنَعَ الْآخَرُونَ عَلَى أَسَاسِ
[ ١ / ١٥ ]
الْمُغَايرَة، وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى] (١) .
فصل: تَعْرِيف الْإِيمَان وَالْإِسْلَام:
[مُسَمَّى الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، وَالْإِسْلَامِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ هُوَ اسْتِسْلَامُ الْقَلْبِ بِالِاعْتِقَادِ وَاللِّسَانِ بِالْإِقْرَارِ، وَالْجَوَارِحِ بِالْعَمَلِ. . . وَكُلُّ انْقِيَادٍ وَاسْتِسْلَامٍ وَإِذْعَانٍ يُسَمَّى إِسْلَامًا لُغَةً. وَمِنْهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ مُسْلِمِ الْجَاهِلِيَّةِ:
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا
دَحَاهَا فَلِمَا اسْتَوَتْ شَدَّهَا جَمِيعًا وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا
إِذَا هِيَ سِيْقَتْ (٢) إِلَى بَلْدَةٍ أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالًا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أسْلَمَتْ لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حَالًا فَحَالَا
فَالْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ فِي هَذِه الأبيات: الاستسلام والانقياد] (٣) .
[قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ) . يُبَيِّنُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِيهِ مِنَّتَهُ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، بِأَنَّهُ عَلَّمَهُ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَعَلَّمَهُ تَفَاصِيلَ دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
فَقَوْلُهُ: (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ): أَيْ مَا كُنْتَ تَعْلَمُ مَا هُوَ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، حَتَّى عَلَّمْتُكَهُ، وَمَا كنت تَدْرِي مَا الْإِيمَان
_________________
(١) - ٩/٣٩٨: ٤٠٠، الْبَيِّنَة / ١: ٤.
(٢) - بِالْأَصْلِ: سقيت، وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ.
(٣) - ٧/٦٣٦ - ٦٣٧، الحجرات /١٤.
[ ١ / ١٦ ]
الَّذِي هُوَ تَفَاصِيلُ هَذَا الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ، حَتَّى عَلَّمْتُكَهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ شَامِلٌ لِلْقَوْلِ وَالْعَمَلِ مَعَ الِاعْتِقَادِ.
وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: حَدِيثُ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ الْمَشْهُورُ (١)، وَمِنْهَا حَدِيثُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» (٢) الْحَدِيثَ، فَسَمَّى فِيهِ قِيَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا، وَحَدِيثُ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» (٣)، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ «بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (٤) . وَالْأَحَادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ فَهُوَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَأَوْقَاتَهَا وَلَا صَوْمَ رَمَضَانَ، وَمَا يَجُوزُ فِيهِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الزَّكَاةِ وَلَا مَا تَجِبُ فِيهِ وَلَا قَدْرَ النِّصَابِ وَقَدْرَ الْوَاجِبِ فِيهِ وَلَا تَفَاصِيلَ الْحَجِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلاَ الإِيمَانُ)] (٥) .
_________________
(١) - رَوَاهُ البُخَارِيّ (١/٢٩) (٥٣)، وَمُسلم (١/٤٦) (١٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَفِيه قَوْله - ﷺ - لَهُم: (أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه وَحده) . قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَام رَمَضَان وَأَن تعطوا من الْمغنم الْخمس) وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ.
(٢) - رَوَاهُ البُخَارِيّ (١/٢٢) (٣٧)، وَمُسلم (١/٥٢٣) (٧٥٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ.
(٣) - رَوَاهُ مُسْلِمٍ (١/٦٣) (٥٧- (٣٥» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ.
(٤) - رَوَاهُ البُخَارِيّ (١/١٢) (٩)، وَمُسلم (١/٦٣) (٥٨- (٣٥» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ.
(٥) - ٧/٢٠١، الشورى /٥٢ وَانْظُر (٩/٥٠١ - ٥٠٢، الْعَصْر/٣) .
[ ١ / ١٧ ]
فَائِدَة: بَيَان أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام اللغويين قد يجامعا الشّرك:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ) . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِشْكَالٌ: وَهُوَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ أَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ لِعَامِلِهَا وَصْفٌ لِصَاحِبِهَا وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّ عَامِلَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ الَّذِي هُوَ يُؤْمِنُ مُقَيَّدٌ بِهَا، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى تَقْيِيدُ إِيمَانِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِمَا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالشِّرْكِ مِنَ الْمُنَافَاةِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -: لَمْ أَرَ مَنْ شَفَى الْغَلِيلَ فِي هَذَا الْإِشْكَالِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ الْمُقَيَّدَ بِحَالِ الشِّرْكِ إِنَّمَا هُوَ إِيمَانٌ لُغَوِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ يَعْبُدُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيمَانِ الْبَتَّةَ شَرْعًا؛ أَمَّا الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ فَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ تَصْدِيقٍ، فَتَصْدِيقُ الْكَافِرِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيمَانِ لُغَةً مَعَ كُفْرِهِ بِاللَّهِ، وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيمَانِ شَرْعًا. وَإِذَا حَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أَنَّ الْإِيمَانَ اللُّغَوِيَّ يُجَامِعُ الشِّرْكَ فَلَا إِشْكَالَ فِي تَقْيِيدِهِ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ الْمَوْجُودُ دُونَ الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ) فَهُوَ الْإِسْلَامُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ الشَّرْعِيَّ لَا يُوجَدُ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «نَزَلَتْ آيَةُ (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ) فِي قَوْلِ الْكُفَّارِ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ» وَهُوَ رَاجع إِلَى مَا ذكرنَا] (١) .
_________________
(١) - ٣/٦٥ - ٦٦، يُوسُف /١٢.
[ ١ / ١٨ ]
قَاعِدَة: الْإِيمَان وَالْإِسْلَام إِذا اجْتمعَا افْتَرقَا، وَإِذا افْتَرقَا اجْتمعَا:
[قَوْله فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (الَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ) ظَاهِرُهُ الْمُغَايِرَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ.
وَقد دلّ بَعْضُ الْآيَاتِ عَلَى اتِّحَادِهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) . وَلَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى جَمِيعِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَالْأَحَادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَمِنْ أَصَرَحِهَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ» . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ «وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» . فَقَدْ سَمَّى ﷺ «إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» إِيمَانًا. وَقَدْ أَطَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، فِي ذِكْرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي جَاءَ الْكتاب وَالسّنة تَسْمِيَتهَا إِيمَانًا.
فَالْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ التَّامُّ وَالْإِسْلَامُ الشَّرْعِيُّ التَّامُّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْإِيمَانُ إِطْلَاقًا آخَرُ عَلَى خُصُوصِ رُكْنِهِ الْأَكْبَرِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ.
وَالْقَلْبُ مُضْغَةٌ فِي الْجَسَدِ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، فَغَيْرُهُ تَابِعٌ لَهُ؛ وَعَلَى هَذَا تَحْصُلُ الْمُغَايَرَةُ فِي الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ؛ فَالْإِيمَانُ، عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ، اعْتِقَادٌ وَالْإِسْلَامُ شَامِلٌ لِلْعَمَلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُغَايَرَتَهُ تَعَالَى بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا، مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ. لِأَنَّ إِذْعَانَ الْجَوَارِحِ وَانْقِيَادَهَا دُونَ إِيمَانِ الْقَلْبِ إِسْلَامٌ لُغَةً لَا شَرْعًا.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ، وَلَكِنَّ نَفْيَ
[ ١ / ١٩ ]
الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ، يُرَادُ بِهِ عِنْدَ مَنْ قَالَ هَذَا، نَفْيُ كَمَالِ الْإِيمَانِ لَا نَفْيُ أَصْلِهِ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ الْآيَةِ لَا يُسَاعِدُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَمَّا يَدْخُلِ) فِعْلٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَهُوَ صِيغَةُ عُمُومٍ، عَلَى التَّحْقِيقِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَكَّدْ بِمَصْدَرٍ، وَوَجْهُهُ وَاضِحٌ جِدًّا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا. وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الصِّنَاعِيَّ يَنْحَلُّ، عَنْ مَصْدَرٍ وَزَمَنٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، وَعَنْ مَصْدَرٍ وَزَمَنٍ وَنِسْبَةٍ عِنْدَ الْبَلَاغِيِّينَ، كَمَا حَرَّرُوهُ فِي مَبْحَثِ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وَهُوَ أَصْوَبُ. فَالْمَصْدَرُ كَامِنٌ فِي مَفْهُومِ الْفِعْلِ الصِّنَاعِيِّ إِجْمَاعًا، وَهُوَ نَكِرَةٌ لَمْ تَتَعَرَّفْ بِشَيْءٍ فَيُؤَوَّلُ إِلَى مَعْنَى النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ. وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوِ الشَّرْطِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُوم بقوله:
وَنَحْوُ لَا شَرِبْتُ أَوْ إِنْ (١) شَرِبَا وَاتَّفَقُوا إِنْ مَصْدَرٌ قَدْ جَلَبَا
وَوَجْهُ إِهْمَالِ لَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لاَ خَوْفٌ) أَنَّ لَا الثَّانِيَةَ الَّتِي هِيَ (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) بَعْدَهَا مَعْرِفَةٌ وَهِيَ الضَّمِيرُ، وَهِيَ لَا تَعْمَلُ فِي الْمَعَارِفِ، بَلْ فِي النَّكِرَاتِ، فَلَمَّا وَجَبَ إِهْمَالُ الثَّانِيَةِ، أُهْمِلَتِ الْأُولَى لِيَنْسَجِمَ الْحَرْفَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ فِي إِهْمَالِهِمَا مَعًا] (٢) .
فَائِدَة: تَحْقِيق القَوْل فِي الْأَعْرَاب:
[قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ) . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ وَهُمْ أَهْلُ الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ قَالُوا آمَنَّا، وَأَنَّ اللَّهَ جلّ وَعلا أَمر نبيه
_________________
(١) - بِالْأَصْلِ: "وَإِن"، وَالصَّوَاب حذف الْوَاو.
(٢) - ٧/٢٧٨ - ٢٨٠، الزخرف /٦٩.
[ ١ / ٢٠ ]
أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: (لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا)، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ وَثُبُوتِ الْإِسْلَامِ لَهُمْ. وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ نَفْيَ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَعَمِّ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ مُسَمَّى الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، وَالْإِسْلَامِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ هُوَ اسْتِسْلَامُ الْقَلْبِ بِالِاعْتِقَادِ وَاللِّسَانِ بِالْإِقْرَارِ، وَالْجَوَارِحِ بِالْعَمَلِ، فَمُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ وَجْهِ الْفِرَقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ نَفَى عَنْهُمُ الْإِيمَانَ دُونَ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدِي أَنَّ الْإِيمَانَ الْمَنْفِيَّ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ مُسَمَّاهُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ، وَالْإِسْلَامُ الْمُثْبَتُ لَهُمْ فِيهَا هُوَ الْإِسْلَامُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هُوَ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ بِالْجَوَارِحِ دُونَ الْقَلْبِ. وَإِنَّمَا سَاغَ إِطْلَاقُ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ هَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ الْكَرِيمَ جَاءَ بِاعْتِبَار الظَّاهِر. وَأَن تُوكَلَ السَّرَائِرِ إِلَى اللَّهِ. فَانْقِيَادُ الْجَوَارِحِ فِي الظَّاهِرِ بِالْعَمَلِ وَاللِّسَانِ بِالْإِقْرَارِ يُكْتفى بِهِ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ مُنْطَوِيًا عَلَى الْكُفْرِ. وَلِهَذَا سَاغَ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: (وَلكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا)، لِأَنَّ انْقِيَادَ اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ فِي الظَّاهِرِ إِسْلَامٌ لُغَوِيٌّ مُكْتَفًى بِهِ شَرْعًا عَنِ التَّنْقِيبِ عَن الْقُلُوب. وَكُلُّ انْقِيَادٍ وَاسْتِسْلَامٍ وَإِذْعَانٍ يُسَمَّى إِسْلَامًا لُغَةً وَإِذَا حُمِلَ الْإِسْلَامُ فِي قَوْلِهِ: (وَلكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا) انْقَدْنَا وَاسْتَسْلَمْنَا بِالْأَلْسِنَةِ وَالْجَوَارِحِ. فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْأَعْرَابُ الْمَذْكُورُونَ مُنَافِقُونَ، لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فِي الظَّاهِرِ، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: (لَّمْ تُؤْمِنُواْ) نَفْيُ كَمَالِ
[ ١ / ٢١ ]
الْإِيمَانِ، لَا نَفْيُهُ مِنْ أصْلِهِ. وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مَعَ أَنَّ إِيمَانَهُمْ غَيْرُ تَامٍّ، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَإِنَّمَا اسْتَظْهَرْنَا الْوَجْهَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْلَامِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وَأَنَّ الْأَعْرَابَ الْمَذْكُورِينَ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ أَسْلَمُوا فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَلَا: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ) يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً كَمَا تَرَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (يَدْخُلِ) فِعْلٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ مِرَارًا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ مَرَاقِي السُّعُودِ:
وَنَحْوُ لَا شَرِبْتُ أَوْ إِنْ شَرِبَا وَاتَّفَقُوا إِنْ مَصْدَرٌ قَدْ جَلَبَا
فَقَوْلُهُ: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ): فِي مَعْنَى لَا دُخُولَ لِلْإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ. وَالَّذِينَ قَالُوا بِالثَّانِي قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ دُخُولِهِ نَفْيُ كَمَاله، وَالْأول أظهر كَمَا ترى] (١) .
فصل: الْإِيمَان يزِيد وَينْقص:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِنَبِيِّهِ ﷺ أَنَّهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ نَبَأَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ بِالْحَقِّ. ثُمَّ أَخْبَرَهُ مُؤَكِّدًا لَهُ أَنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا زَادَهُمْ هُدًى. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِرَبِّهِ وَأَطَاعَهُ زَادَهُ رَبُّهُ هُدًى. لِأَنَّ الطَّاعَةَ سَبَبٌ لِلْمَزِيدِ مِنَ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ.
وَهَذَا الْمَفْهُومُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِه
_________________
(١) - ٧/٦٣٦ -٦٣٩، الحجرات /١٤.
[ ١ / ٢٢ ]
تَعَالَى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)، وَقَوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)، وَقَوْلِهِ: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ)، وَقَوله تَعَالَى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ - مَفْهُومٌ مِنْهَا أَنَّهُ يَنْقُصُ أَيْضًا، كَمَا اسْتَدَلَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ ﵀ عَلَى ذَلِكَ. وَهِيَ تَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً صَرِيحَةً لَا شَكَّ فِيهَا، فَلَا وَجْهَ مَعَهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنَقْصِهِ كَمَا تَرَى. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى] (١) .
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) . فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّصْرِيحُ بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)، وَقَوْلِهِ: (هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ)، وَقَوْلِهِ: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَانًا) وَقَوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى)، وَتَدُلُّ هَذِهِ الْآيَاتُ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُصُ أَيْضًا. لِأَنَّ كُلَّ مَا يَزِيدُ يَنْقُصُ، وَجَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ الصَّحِيحَةِ كَقَوْلِهِ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ
مِثْقَالُ حَبَّةٍ من إِيمَان» (٢) وَنَحْو ذَلِك] (٣) .
_________________
(١) - ٤/٣١ - ٣٢، الْكَهْف / ١٣.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٢٤) (٤٤)، وَمُسلم (١/١٨٠) (١٩٣) من حَدِيث أنس - ﵁ - بِنَحْوِهِ.
(٣) - ٢/٣١٠، الْأَنْفَال / ٢.
[ ١ / ٢٣ ]
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [الْمُؤْمِنَ كُلَّمَا جَاءَهُ أَمْرٌ عَنِ اللَّهِ وَصَدَّقَهُ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ اكْتِفَاءً بِأَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، ازْدَادَ بِهَذَا التَّصْدِيقِ إِيمَانًا وَهِيَ مَسْأَلَةُ ازدياد الْإِيمَان بِالطَّاعَةِ والتصديق] (١) .
فَائِدَة: الِابْتِلَاء يكون على قدر الْإِيمَان:
[وَقَدْ بيَّنت السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ أَنَّ هَذَا الِابْتِلَاءَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُبْتَلَى بِهِ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى قَدْرِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاء، ثمَّ الصالحون، ثمَّ الأمثل فالأمثل» (٢)] (٣) .
فصل: الْكفْر يزْدَاد بِالْمَعَاصِي:
قَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [وَكُنْتُ سَمِعْتُ مِنْهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ قَوْلَهُ: (كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَالْمُؤْمِنُ يُثَابُ عَلَى إِيمَانِهِ وَعَلَى طَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ الْكُفْرُ يَزْدَادُ بِالْمَعَاصِي، وَيُجَازَى الْكَافِرُ عَلَى كُفْرِهِ وَعَلَى عِصْيَانِهِ، كَمَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) . فَعَذَابٌ عَلَى الْكُفْرِ وَعَذَابٌ عَلَى الْإِفْسَادِ، وَمِمَّا يَدُلُّ لِزِيَادَةِ الْكُفْرِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) وَقد تقدم للشَّيْخ
_________________
(١) - ٨/٦٢٣، المدثر /٣١، وَانْظُر أَيْضا فِي هَذَا الْفَصْل: (٧/٦٠٤، الْفَتْح / ٤)، (٦/٥٧٤، الْأَحْزَاب / ٢٢)، (٩/٥٠١، الْعَصْر/٣) .
(٢) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٤/٦٠١) (٢٣٩٨) من حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - بِهِ وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَوَافَقَهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٣) - ٦/٤٦٢، العنكبوت / ١- ٢.
[ ١ / ٢٤ ]
﵀ مَبْحَثُ زِيَادَةِ الْعَذَابِ عِنْدَ آيَةِ النَّحْل] (١) - يُشِير لقَوْله - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ) فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنَ الْعَذَابِ لِأَجْلِ إِضْلَالِهِمْ غَيْرَهُمْ، وَالْعَذَابُ الْمَزِيدُ (٢) فَوْقَهُ: هُوَ عَذَابُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْمُضِلِّينَ الَّذِينَ أَضَلُّوا غَيْرَهُمْ: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وَقَوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ) وَقَوْلِهِ (فَوْقَ الْعَذَابِ) أَيْ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِضَلَالِهِمْ وَكُفْرِهِمْ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. أَنَّ هَذَا الْعَذَابَ الْمَزِيدَ: عَقَارِبُ أَنْيَابُهَا كَالنَّخْلِ الطِّوَالِ، وَحَيَّاتٌ مِثْلُ أَعْنَاقِ الْإِبِلِ، وَأَفَاعِي كَأَنَّهَا الْبَخَاتِيُّ تَضْرِبُهُمْ (٣) . أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا! وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى] (٤) .
فصل: الْكَبِيرَة، وَحكم فاعلها:
ضَابِط الْكَبِيرَة:
[قَوْله تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) وَالْفَوَاحِشُ جَمْعُ فَاحِشَةٍ. وَالتَّحْقِيقُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنَّ الْفَوَاحِشَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا من أشنعها، لِأَن الْفَاحِشَة فِي اللُّغَة: وَهِي الْخصْلَة المتناهية
_________________
(١) - ٨/٤٤٦، الحاقة / ٣٣ - ٣٤.
(٢) - بِالْأَصْلِ: المزيدة، وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ.
(٣) - أخرجه مُخْتَصرا بِذكر أَوله فَقَط أَبُو يعلى (٥/٦٥) (٢٦٥٩)، وَالطَّبَرَانِيّ (٩/٢٢٦) (٩١٠٣)، وَالْحَاكِم (٢/٣٨٧) (٣٣٥٧)، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي صَحِيح التَّرْغِيب والترهيب.
(٤) - ٣/٣٠٥، النَّحْل /٨٨.
[ ١ / ٢٥ ]
فِي الْقُبْحِ، وَكُلُّ مُتَشَدِّدٍ فِي شَيْءٍ مُبَالِغٍ فِيهِ فَهُوَ فَاحِشٌ فِيهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ
فَقَوْلُهُ: الْفَاحِشُ أَيِ الْمُبَالِغُ فِي الْبُخْلِ الْمُتَنَاهِي فِيهِ
قَوْلِهِ (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) .
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّمَمَ، أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّمَمِ صَغَائِرُ الذُّنُوبِ، وَمِنْ أَوْضَحِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ) . فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ سَبَبٌ لِغُفْرَانِ الصَّغَائِرِ، وَخَيْرُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْقُرْآنُ الْقُرْآنُ. وَيَدُلُّ لِهَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَان النُّطْق وَالنَّفْسُ تُمَنِّي وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (١) . وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ إِلَّا اللَّمَمَ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ اللَّمَمَ الَّذِي هُوَ الصَّغَائِرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَدْخُلُ فِي الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ قَالُوا وَعَلَيْهِ، فَمَعْنَى إِلَّا اللَّمَمَ: إِلَّا أَنْ يَلُمَّ بِفَاحِشَةٍ مَرَّةً ثُمَّ يَجْتَنِبُهَا وَلَا يَعُودُ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ مَا أَلَمَّا
وَرَوَى هَذَا الْبَيْتَ ابْنُ جرير وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا مَرْفُوعا (٢) . وَفِي صِحَّته
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢٣٠٤) (٥٨٨٩)، وَمُسلم (٤/٢٠٤٦) (٢٦٥٧) .
(٢) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٥/٣٩٦) (٣٢٨٤) وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث زَكَرِيَّا بن إِسْحَق، والطبري فِي تَفْسِيره (١١/٢٥٢) أَخْرجَاهُ من طَرِيق زَكَرِيَّا بن إِسْحَق عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء: عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ١ / ٢٦ ]
مَرْفُوعا نظر. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِاللَّمَمِ مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مَنِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ.
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ هُوَ مَا قَدَّمَنَا لِدَلَالَةِ آيَةِ النِّسَاءِ الْمَذْكُورَةِ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ كُلُّ ذَنْبٍ اسْتَوْجَبَ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ كُلُّ ذَنْبٍ جَاءَ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ بِنَارٍ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ عَذَابٍ. وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ حَدَّ الْكَبِيرَةِ بِأَنَّهَا هِيَ كُلُّ ذَنْبٍ دَلَّ عَلَى عدم اكتراث صَاحبه بِالدّينِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي ضَابِطِ الْكَبِيرَةِ أَنَّهَا كُلُّ ذَنْبٍ اقْتَرَنَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ مُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ بِنَارٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ، أَوْ كَانَ وُجُوبُ الْحَدِّ فِيهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ وَتَوْكِيدِهِ. مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إِنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ) . وَقَوْلُهُ: (إِلاَّ اللَّمَمَ) يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمَعَاصِي كَبَائِرُ. وَبَعْضَهَا صَغَائِرُ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ (١)، وَالْعِلْمُ عِنْدَ الله تَعَالَى] (٢) .
تَعْرِيف اللَّعْنَة:
[وَاللَّعْنَةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي طرده قومه وأبعدوه
_________________
(١) - رُوِيَ مَرْفُوعا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأنس وَأبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة - ﵃ - وَجَمِيع أسانيدها واهية سَاقِطَة. وَانْظُر تفصيلها فِي: السلسة الضعيفة (رقم٤٨١٠)، وَلكنه صَحَّ من قَول ابْن عَبَّاس عِنْد الْبَيْهَقِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير وَغَيرهم. وَلَكِن الْإِصْرَار يحْتَاج لضابط.
(٢) - ٧/١٩٥ - ٢٠٠، الشورى / ٣٧.
[ ١ / ٢٧ ]
لِجِنَايَاتِهِ تَقُولُ لَهُ الْعَرَبَ رَجُلٌ لَعِينٌ، وَمِنْهُ قَول الشَّاعِر:
ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ مَقَامَ الذِئْبِ كَالرَجُلِ اللَّعِينِ
وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: اللَّعْنَةُ: الطَّرْدُ والإبعاد عَن رَحْمَة اللَّه] (١) .
عدد الْكَبَائِر وَبَعض أمثلتها:
[وَاعْلَمْ أَنَّ كَبَائِرَ الْإِثْمِ لَيْسَتْ مَحْدُودَةً فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَقَدْ جَاءَ تَعْيِينُ بَعْضِهَا كَالسَّبْعِ الموبقات أَي المهكات لِعِظَمِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَالسِّحْرُ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذَفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (٢) وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَعْيِينِ بَعْضِ الْكَبَائِرِ كَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَاسْتِحْلَالِ حُرْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْبَادِيَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَالسَّرِقَةِ، وَمَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ، وَمَنْعِ فَضْلِ الْكَلَإِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ ثُمَّ قَتْلُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَهُ، ثُمَّ زِنَاهُ بِحَلِيلَةِ جَارِهِ» (٣) . وَفِي بَعْضِهَا أَيْضًا «أَنَّ مِنَ الْكَبَائِرِ تَسَبُّبَ الرَّجُلِ فِي سَبِّ وَالِدَيْهِ» (٤)، وَفِي بَعْضِهَا أَيْضًا «أَنَّ سِبَابَ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالَهُ كُفْرٌ» (٥) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ. وَفِي بعض الرِّوَايَات «أَن من
_________________
(١) - ١/٢٩٠، النِّسَاء /٤٧.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٠١٧) (٢٦١٥)، وَمُسلم (١/٩٢) (٨٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ.
(٣) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٦٢٦) (٤٢٠٧)، وَمُسلم (١/٩٠) (٨٦) بِنَحْوِهِ.
(٤) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢٢٢٨) (٥٦٢٨) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ - بِهِ.
(٥) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٢٧) (٤٨)، وَمُسلم (١/٨١) (٦٤) من حَدِيث ابْن مَسْعُود - ﵁ - بِهِ.
[ ١ / ٢٨ ]
الْكَبَائِرِ الْوُقُوعَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ، وَالسَّبَّتَيْنِ بِالسَّبَّةِ» (١) .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَّ
مِنْهَا جَمْعَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ» (٢) .
وَفِي بَعْضِهَا «أَنَّ مِنْهَا الْيَأْسَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ» (٣) وَيَدُلُّ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) . وَقَوْلُهُ (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) . وَفِي بَعْضِهَا «أَنَّ مِنْهَا سُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ» (٤) وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّآنِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) . وَفِي بَعْضِهَا «أَنَّ مِنْهَا الْإِضْرَارَ فِي الْوَصِيَّةِ» (٥) . وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ مِنْهَا
_________________
(١) - أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/٦٨٥) (٤٨٧٧)، وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الصمت (١/٣٠٦) (٧٢٧) من طَرِيق زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة بِهِ، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عبد الله بن الْعَلَاء بن زبر عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة بِهِ كَمَا ذكر ابْن كثير فِي تَفْسِيره، والْحَدِيث صَححهُ لغيره الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي صَحِيح التَّرْغِيب والترهيب تَحت حَدِيث (٢٨٣٢) .
(٢) - رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (١/٣٥٦) (١٨٨) من طَرِيق حَنش عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ جَمَعَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا من أَبْوَاب الْكَبَائِر) قَالَ أَبُو عِيسَى: وحَنش هَذَا هُوَ أَبُو على الرَّحبِي وَهُوَ حُسَيْن بن قيس وَهُوَ ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث ضعفه أَحْمد وَغَيره. والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فَقَالَ: ضَعِيف جدا.
(٣) - لم أَقف عَلَيْهِ مَرْفُوعا وَإِنَّمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَعبد الرَّزَّاق، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس.
(٤) - قَالَ العجلوني فِي كشف الخفاء (١/٢٠٠): (رَوَاهُ الديلمي وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر بِسَنَد ضَعِيف)، والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي ضَعِيف الْجَامِع.
(٥) - رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٦/٢٧١) عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا بِهِ، وَضَعفه الزَّيْلَعِيّ فِي نصب الرَّايَة (٤/٤٧٤)، وَالشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي ضَعِيف التَّرْغِيب والترهيب، وَقَالَ: مُنكر، وَرجح الْبَيْهَقِيّ فِيهِ الْوَقْف.
[ ١ / ٢٩ ]
الْغَلُولَ (١)، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . وَقَدَّمْنَا مَعْنَى الْغَلُولِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَذَكَرْنَا حُكْمَ الْغَالِّ. وَفِي بَعْضِهَا «أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا» (٢) .
وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولَئِكَ لاَ خَلَاقَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وَلَمْ نَذْكُرْ أَسَانِيدَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَنُصُوصَ مُتُونِهَا خَوْفَ الْإِطَالَةِ، وَأَسَانِيدُ بَعْضِهَا لَا تَخْلُو مِنْ نَظَرٍ لَكِنَّهَا لَا يَكَادُ يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ بَعْضِ الشَّوَاهِدِ الصَّحِيحَةِ، مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْكَبَائِرَ أَقْرَبُ إِلَى السَّبْعِينَ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ- عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ أَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي سَبْعٍ، وَأَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهَا سَبْعٌ لَا يَقْتَضِي انْحِصَارَهَا فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى نَفْيِ غَيْرِ السَّبْعِ بِالْمَفْهُومِ، وَهُوَ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَالْحَقُّ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ. وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهُ مَفْهُومُ عَدَدٍ لَكَانَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ أَيْضًا، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْكَبَائِرِ عَلَى السَّبْعِ مَدْلُولٌ عَلَيْهَا بِالْمَنْطُوقِ. وَقَدْ جَاءَ مِنْهَا فِي الصَّحِيحِ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، مَعَ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ مِنْ أقوى المفاهيم] (٣) .
_________________
(١) - رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (١٢/٢٥٢) (١٣٠٢٣) عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَحسن الهيثمي فِي الْمجمع (٧/٢٤٩) إِسْنَاده.
(٢) - انْظُر التَّعْلِيق السَّابِق، وَلكنه جعل الْيَمين الْغمُوس الْفَاجِرَة هِيَ الَّتِي من الْكَبَائِر مستدلا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة.
(٣) - ٧/١٩٧ - ١٩٩، الشورى / ٣٧.
[ ١ / ٣٠ ]
فرع: حكم تَارِك الصَّلَاة:
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ، الْجَاحِدَ لِوُجُوبِهَا كَافِرٌ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا مَا لَمْ يَتُبْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَرْكَ مَا لَا تصح الصَّلَاة دونه كَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ كَتَرْكِهَا. وَجَحْدَ وَجُوبِهِ كَجَحْدِ وَجُوبِهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَارِكِ صَلَاةٍ عَمْدًا تَهَاوُنًا وَتَكَاسُلًا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِوُجُوبِهَا، هَلْ هُوَ كَافِرٌ أَوْ مُسْلِمٌ. وَهَلْ يُقْتَلُ كُفْرًا أَوْ حَدًّا أَوْ لَا يُقْتَلُ. فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ فَذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ كُفْرًا. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا: الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَمَنْصُورٌ الْفَقِيهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَآتَوُا الزكاةَ فَإِخْوَانُكُمْ) وَيُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ لَمْ يَكُونُوا مِنْ إِخْوَانِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنِ انْتَفَتْ عَنْهُمْ أُخُوَّةُ الْمُؤْمِنِينَ فَهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) . وَمِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ الثَّابِتُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ عَنِ النَّبي ﷺ مِنْ طَرِيقَيْنِ. لَفْظُ الْمَتْنِ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا: سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» . وَلَفْظُ الْمَتْنِ فِي الْأُخْرَى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (١) انْتَهَى مِنْهُ. وَهُوَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ كَافِرٌ، لِأَنَّ عَطْفَ الشِّرْكِ عَلَى الْكُفْرِ فِيهِ تَأْكِيدٌ قَوِيٌّ لِكَوْنِهِ كَافِرًا. وَمِنْهَا حَدِيثُ أُمِّ سَلمَة، وَحَدِيث عَوْف بن مَالك
_________________
(١) - صَحِيح مُسلم (١/٨٨) (٨٢) .
[ ١ / ٣١ ]
الْآتِيَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى قِتَالِ الْأُمَرَاءِ إِذَا لَمْ يُصَلُّوا، وَهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَعَ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ. قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ» (١) . فَدَلَّ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ كُفْرٌ بِوَاحٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ. وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» . وَهَذَا مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٢) أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي (نَيْلِ الْأَوْطَارِ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ: صَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْعِرَاقِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ (الْمُهَذَّبِ): رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، لَا تُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. فَقَدِ احْتَجَّا جَمِيعًا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِالْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا جَمِيعًا. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْفَقِيهُ بِبُخَارَى، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أُنَيْفٍ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كفر غير
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٦/٢٥٨٨) (٦٦٤٧)، وَمُسلم (٣/١٤٦٩) (١٧٠٩) .
(٢) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٥/١٣) (٢٦٢١)، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، وَالنَّسَائِيّ (١/٣٢١) (٤٠٦٣)، وَابْن ماحه (١/٣٤٢) (١٠٧٩)، وَأحمد (٥/٣٤٦)، وَابْن حبَان (٤/٣٠٥) (١٤٥٤)، وَالْحَاكِم (١/٤٨) (١١) وَصَححهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -، وقوى إِسْنَاده الأرناؤوط فِي هَامِش الْمسند.
[ ١ / ٣٢ ]
الصَّلَاةِ (١) .
وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى تَصْحِيحِهِ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُور. وَقَالَ فِي
_________________
(١) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٥/١٤) (٢٦٢٢)، وَالْحَاكِم (١/٤٨) (١٢)، بِدُونِ ذكر أبي هُرَيْرَة - ﵁ -، قَالَ شَيخنَا أَبُو الْهَيْثَم إِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا - حفظه الله - مُعَلّقا على هَذَا الْأَثر: [هَذَا الْأَثر اخْتلف فِيهِ عَنهُ متْنا وثبوتًا وَدلَالَة.
(٢) مَدَاره كُله على الْجريرِي (سعيد بن إِيَاس) عَن عبد الله بن شَقِيق.
(٣) رَوَاهُ عَنهُ ثَلَاثَة: بشر بن الْمفضل، عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى، وَإِسْمَاعِيل بن عُلَّية. - لفظ بشر هُوَ الْأَشْهر، وَهُوَ مَوضِع النزاع. - وَلَفظ عبد الْأَعْلَى: (مَا كَانُوا يَقُولُونَ لعمل تَركه كفر غير الصَّلَاة؛ فقد كَانُوا يَقُولُونَ: تَركهَا كفر) . - وَلَفظ إِسْمَاعِيل بن علية: (مَا علمنَا شَيْئا من الْأَعْمَال قيل تَركه كفر إِلَّا الصَّلَاة) .
(٤) اخْتَلَط الْجريرِي فِي أَيَّام الطَّاعُون وروى عَنهُ إِسْمَاعِيل بن علية، وَعبد الْأَعْلَى قبل اخْتِلَاطه اتِّفَاقًا. وَاخْتلف فِي رِوَايَة بشر عَنهُ فأثبتها ابْن رَجَب، وَابْن حجر قبل الإختلاط، وَلم يذكرهُ الأبناسي فِي " الْكَوْكَب" فِيمَن سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط، وَالْبُخَارِيّ، وَمُسلم لم يرويا لبشر عَن الْجريرِي إِلَّا مَقْرُونا بِغَيْرِهِ.
(٥) أوثق النَّاس فِي الْجريرِي وأرواهم عَنهُ: ابْن علية؛ قَالَ أَبُو دَاوُد: (أرواهم عَن الْجريرِي: ابْن علية)، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: (إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ)، وَمَعَ ذَلِك يرويهِ بِلَفْظ: (مَا علمنَا ، قيل: تَركه كفر ) .
(٦) لهَذَا اخْتلف أهل الْعلم فِي ثُبُوت: ( أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - ) فصححها النَّوَوِيّ، وَابْن الْعِرَاقِيّ، والسخاوي، وَشَيخنَا الألباني - ﵀ - صججه فِي " صَحِيح التَّرْغِيب" (٥٦٤)، وضعّفه فِي "الْإِيمَان" لِابْنِ أبي شيبَة (١٣٧) .
(٧) على فرض ثُبُوته؛ فَلم يحكه إِجْمَاعًا، أَو اتِّفَاقًا، بل وَلم ينف علمه بِالْخِلَافِ؛ بل غَايَته من أدْرك مِنْهُم، وَهُوَ لم يدْرك جلَّ الصَّحَابَة - رضوَان الله عَنْهُم -.
(٨) من أجلِّ المعاصرين مِمَّن يرى ثُبُوته الشَّيْخ ابْن باز - ﵀ - تَارَة يحكيه إِجْمَاعًا، وَتارَة يحملهُ على قَول جُمْهُور الصَّحَابَة.
(٩) غَايَة مَا يفِيدهُ الْأَثر بألفاظه: اشتهار القَوْل بِكفْر تَارِك الصَّلَاة بَين السَّلف. أما الْإِجْمَاع، وَإِجْمَاع الصَّحَابَة؛ فَغير مُسلم، بل يُقال لمن ذهب إِلَى هَذَا: نَحن نرضى مِنْك أَن تحكيه عَن صحابيين أَو ثَلَاثَة فَقَط بِسَنَد صَحِيح، وَلَفظ صَرِيح.
(١٠) مُوَافقَة الْخَوَارِج فِي تَكْفِير تَارِك الصَّلَاة كموافقة المرجئة فِي عدم تكفيره، فَلَا يَصح رمي من اجْتهد فترجَّح عِنْده تكفيره بِأَنَّهُ خارجي أَو فِيهِ خارجية وَنَحْوه من الْأَلْفَاظ، وَلَا رمي من اجْتهد فترجح عِنْده عدم تكفيره بِأَنَّهُ مرجئ، أَو فِيهِ إرجاء، حتَّى يُوَافق أصل الْخَوَارِج فِي التَّكْفِير، أَو أصل المرجئة فِي عدم التَّكْفِير.
(١١) الْخلاف فِيهِ قوي، ومُعتبر، قَالَ ابْن رَجَب - ﵀ -: (وَأكْثر أهل الحَدِيث على أَن ترك الصَّلَاة كفر، دون غَيرهَا من الْأَركان) . ونَقَل عده كُفِرَه عَن الْجُمْهُور ابنُ عبد الْبر، والحافظ، وَغَيرهم، قَالَ ابْن قدامَة فِي "الْمُغنِي" (٣/٣٥٥): ( وَهَذَا قَول أَكثر الْفُقَهَاء وَهُوَ أصوب الْقَوْلَيْنِ) بل وَحَكَاهُ عَن جُمْهُور الْحَنَابِلَة. أما متأخري الْحَنَابِلَة فَاخْتَارُوا الرِّوَايَة الْأَشْهر عَن الإِمَام أَحْمد فِي تكفيره. وَالْخُلَاصَة أَن الْخلاف مُعتبر بَين أهل السّنة، لكُلٍّ فِيهِ اجْتِهَاده، وَالْحق وَاحِد لَا يتعدَّد، وَلكنه قد يخفى لقُوَّة الْأَدِلَّة، واحتمالاتها؛ فيعذر الْمُخَالف، وَالله أعلم] .
[ ١ / ٣٣ ]
أَثَرِ ابْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ: لَمْ يُتَكَلَّمْ عَلَيْهِ وَإِسْنَادُهُ صَالِحٌ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀ «لَمْ يُتَكَلَّمْ عَلَيْهِ» سَهْوٌ مِنْهُ، لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ عَلَى حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ آنِفًا، حَيْثُ قَالَ: وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا جَمِيعًا. يَعْنِي أَثَرَ ابْنِ شَقِيقٍ الْمَذْكُورِ كَمَا تَرَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ التَّابِعِيِّ الْمُتَّفَقِ عَلَى جَلَالَتِهِ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِإِسْنَاد صَحِيح اهـ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كَلَامِهِ هَذَا الِاتِّفَاقَ عَلَى جَلَالَةِ ابْنِ شَقِيقٍ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّ فِيهِ نَصْبًا. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُنْتَقَى: وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى آخِرِهِ. ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ اهـ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ رِوَايَةَ الْحَاكِمِ فِيهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَرِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ لَيْسَ فِيهَا أَبُو هُرَيْرَةَ. وَحَدِيثُ
[ ١ / ٣٤ ]
بُرَيْدَة بن الْحصيب، وَأثر ابْن شَقِيق الْمَذْكُور أَن فِيهِمَا الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا تَهَاوُنًا كُفْرٌ وَلَوْ أَقَرَّ تَارِكُهَا بِوُجُوبِهَا. وَبِذَلِكَ يَعْتَضِدُ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ كُفْرٌ - مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبي ﷺ، أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» (١) اهـ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَلَى كُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ النُّورِ وَالْبُرْهَانِ وَالنَّجَاةِ، وَالْكَيْنُونَةَ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى الْكُفْرِ كَمَا تَرَى. وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي (مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ اهـ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، مِنْهَا مَا هُوَ
ضَعِيفٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ، وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهَا الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ. وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ.
وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا تَهَاوُنًا وَتَكَاسُلًا إِذَا كَانَ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِهَا غَيْرُ كَافِرٍ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ لَا كُفْرًا. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلْأَكْثَرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ بَلْ يفسق ويستتاب. فَإِن تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ
_________________
(١) - أخرجه أَحْمد (٢/١٦٩)، والدارمي (٢/٣٩٠) (٢٧٢١)، وَحسن إِسْنَاده الأرناؤوط فِي هَامِش الْمسند.
[ ١ / ٣٥ ]
حدا كالزاني الْمُحصن وَلكنه يقتل بِالسَّيْفِ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّلِيلِ مِنْ جِهَتَيْنِ وَهُمَا عَدَمُ كُفْرِهِ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ. وَهَذِهِ أَدِلَّتُهُمْ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مَعًا. أَمَّا أَدِلَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ:
(فَمِنْهَا) قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَآتَوُاْ الزكاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ اشْتَرَطَ فِي تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ إِقَامَتَهُمُ الصَّلَاةَ. وَيُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُقِيمُوهَا لَمْ يُخَلَّ سَبِيلُهُمْ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وِمِنْهَا) مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ. فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا» (١) اهـ. فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا تُعْصَمُ دِمَاؤُهُمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ كَمَا تَرَى.
(وَمِنْهَا) مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ بِالْيَمَنِ إِلَى النَّبي ﷺ بذهيبة فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ؛ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، اتَّقِ الله. فَقَالَ: «وَيلك أَو لست أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ»؟! ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي» فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ (٢) . فَقَوله
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/١٧) (٢٥)، وَمُسلم (١/٥٣) (٢٢) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٥٨١) (٤٠٩٤)، وَمُسلم (٢/٧٤١) (١٠٦٤) .
[ ١ / ٣٦ ]
ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا» يَعْنِي لَا تَقْتُلْهُ. وَتَعْلِيلُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي» فِيهِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُصَلِّ يُقْتَلْ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ. فَمَنْ كره فقد برىء، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا مَا صَلَّوْا» (١) هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ. وَ«مَا» فِي قَوْلِهِ «مَا صَلَّوْا» مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ. أَيْ لَا تُقَاتِلُوهُمْ مُدَّةَ كَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُصَلُّوا قُوتِلُوا، وَهُوَ كَذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» (٢) . فَحَدِيث أم سَلمَة هَذَا وَنَحْوه حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ، وَبِضَمِيمَةِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ إِلَى ذَلِكَ يَظْهَرُ الدَّلِيلُ عَلَى الْكُفْرِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا..» الْحَدِيثَ. وَأَشَارَ فِي حَدِيثٍ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: إِلَى أَنَّهُمْ إِنْ تَرَكُوا الصَّلَاةَ قُوتِلُوا. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا مِنَ الْكُفْرِ الْبَوَاحِ. وَهَذَا مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ أَهْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَحَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْمَذْكُورُ هُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ. وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذين تبغضونم وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ قَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ..» الْحَدِيثَ (٣) . وَفِيهِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى قِتَالهمْ إِذا لم يقيموا
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٢/١٤٨٠) (١٨٥٤) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٦/٢٥٨٨) (٦٦٤٧)، وَمُسلم (٣/١٤٦٩) (١٧٠٩) .
(٣) - أخرجه مُسلم (٣/١٤٨١) (١٨٥٥) .
[ ١ / ٣٧ ]
الصَّلَاةَ كَمَا تَرَى.
وَمِنْ أَدِلَّةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ: مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ يُسَارُّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ؛ فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؟ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ! قَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»؟ قَالَ: بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ! قَالَ: «أَلَيْسَ يُصَلِّي»؟ قَالَ: بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ. قَالَ: «أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ» (١) اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْهُمْ.
هَذَا هُوَ خُلَاصَةُ أَدِلَّةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ قَالَ بِقَتْلِهِ يَقُولُونَ إِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُضْرَبُ بِالْخَشَبِ حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ أَوْ يُضْرَبُ بِخَشَبَةٍ، وَيُقَالُ لَهُ: صَلِّ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ. وَلَا يَزَالُ يُكَرَّرُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِتَابَتِهِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسْتَتَابُ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا وَالْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الضَّرُورِيِّ إِلَّا قَدْرُ رَكْعَةٍ وَلَمْ يُصَلِّ قُتِلَ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ. وَقِيلَ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ الْمَتْرُوكَةِ مَعَ الْأُولَى، وَالْأُخْرَى لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ
_________________
(١) - أخرجه مَالك (١/١٧١) (٤١٣)، وَأحمد (٥/٤٣٢)، وَالشَّافِعِيّ فِي "مُسْنده" (١/٣٢٠) (١٤٩٦)، وَابْن حبَان (١٣/٣٠٩) (٥٩٧١)، والْحَدِيث صحّح إِسْنَاده الأرناؤوط.
[ ١ / ٣٨ ]
الرَّابِعَةِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، وَأَنَّهُ يُسْتَتَابُ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ إِذَا تَابَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ فِي الْحَالِ، وَلَا يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ يَمْتَنِعُ مِنَ الصَّلَاةِ لِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ مَا يَسَعُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا أَدِلَّةُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى عَدَمِ كُفْرِهِ؛ فَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) . وَمِنْهَا حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ (١) الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخَدَّجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ. فَقَالَ الْمُخَدَّجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَقَالَ عبَادَة: كذب أَبُو مُحَمَّدًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ ﷿ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ، إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنُ كَلَفْظِ الْمُوَطَّأِ الَّذِي ذَكَرْنَا. وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حبَان، إِلَى آخر الْإِسْنَاد والمتن
_________________
(١) - أخرجه أَبُو دَاوُد (١/١٦٩) (٤٢٥)، وَالنَّسَائِيّ (١/٣٢٠) (٤٦١)، وَابْن مَاجَه (١/٤٤٩) (١٤٠١)، وَأحمد (٥/٣١٥)، وَمَالك (١/١٢٣) (٢٦٨)، والدارمي (١/٤٤٦) (١٥٧٧)، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -، والأرناؤوط.
[ ١ / ٣٩ ]
كَاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنِ الْمُخَدَّجِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ..» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِمَعْنَاهُ قَرِيبًا مِنْ لَفْظِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ رِجَالَ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ ثِقَاتٌ مَعْرُوفُونَ إِلَّا الْمُخَدَّجِيَّ الْمَذْكُورَ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَبِتَوْثِيقِهِ تَعْلَمُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ يَعْتَضِدُ بِهَا أَيْضًا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ، ثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ؛ فَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، أَشْهَدُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ..» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ. وَعَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ الْمَذْكُورُ قِيلَ إِنَّهُ صَحَابِيٌّ مَدَنِيٌّ. وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الْمُرَادِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبي ﷺ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَرِوَايَةُ الصُّنَابِحِيِّ الْمَذْكُورِ إِمَّا رِوَايَةُ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ ثِقَةٍ، وَبِهَا تَعْتَضِدُ رِوَايَةُ الْمُخَدَّجِيِّ الْمَذْكُورِ. وَرِجَالُ سَنَدِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ثِقَاتٌ، مَعْرُوفُونَ لَا مَطْعَنَ فِيهِمْ. وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ صِحَّةَ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ (فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ): وَفِيهِ يَعْنِي حَدِيثَ عُبَادَةَ الْمَذْكُورَ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ وَلَا يَتَحَتَّمُ عَذَابُهُ؛ بَلْ هُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ
[ ١ / ٤٠ ]
آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بِنَحْوِهِ فِي أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) . اهـ مِنْهُ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي (نَيْلِ الْأَوْطَارِ): وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (٢)، وَمِنْ حَدِيثٍ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ (٣)، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن الصنَابحِي اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ (فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتَ الْمَذْكُورَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمُخَدَّجِيَّ الْمَذْكُورَ فِي سَنَدِهِ مَجْهُولٌ؟ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ جِهَتَيْنِ: الْأُولَى - أَنَّ صِحَّتَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّوَاهِدِ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَإِنَّهَا تُصَيِّرُهُ صَحِيحًا. وَالثَّانِيَةُ - هِيَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ تَوْثِيقِ ابْن حبَان للمخدجي الْمَذْكُورَ. وَحَدِيثُ عُبَادَةَ الْمَذْكُورُ فِيهِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِكُفْرٍ، لِأَنَّ كَونه تَحت الْمَشِيئَة الْمَذْكُور فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْكُفْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) .
وَمِنْ أَدِلَّةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاة الْمقر بِوُجُوبِهَا غير كَافِر مَا
_________________
(١) - يُشِير إِلَى حَدِيث: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وهامان وَأبي بن خلف»، وَقد سبق تَخْرِيجه، وَرَوَاهُ ابْن نصر فِي " تَعْظِيم قدر الصَّلَاة " (١/١٣٣) (٥٨) .
(٢) - أخرجه ابْن مَاجَه (١/٤٥٠) (١٤٠٣)، وَحسنه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٣) - أخرجه أَحْمد (٤/٢٤٤) وَلَفظه: (فان ربكُم ﷿ يَقُول من صلى الصَّلَاة لوَقْتهَا وحافظ عَلَيْهَا وَلم يضيعها اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا فَلهُ عَليّ عهد أَن أدخلهُ الْجنَّة وَمن لم يصل لوَقْتهَا وَلم يحافظ عَلَيْهَا وضيعها اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا فَلَا عهد لَهُ أَن شِئْت عَذبته وان شِئْت غفرت لَهُ)، وَقَالَ الأرناؤوط: مرفوعه صَحِيح لغيره، وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف لانقطاعه.
[ ١ / ٤١ ]
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلَّا قِيلَ انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ. ثُمَّ يُفْعَلُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ» (١) اهـ.
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي (نَيْلِ الْأَوْطَارِ): الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ: طَرِيقَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ بِأَبِي هُرَيْرَةَ. وَالطَّرِيق الثَّالِث مُتَّصِل بِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ. وَكُلُّهَا لَا مَطْعَنَ فِيهَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ هُوَ وَلَا الْمُنْذِرِيُّ بِمَا يُوجِبُ ضَعْفَهُ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقٍ إِسْنَادُهَا جَيِّدٌ وَرِجَالُهَا رِجَالُ الصَّحِيحِ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْقَطَّانِ. وَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْحَاكِمُ (فِي الْمُسْتَدْرَكِ) وَقَالَ: هَذَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَفِي الْبَابِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ (٢) عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (فِي الْمُسْتَدْرَكِ) وَقَالَ: إِسْنَاده صَحِيح على شَرط مُسلم اهـ مَحِلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى عَدَمِ كُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ أَنَّ نُقْصَانَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَإِتْمَامَهَا مِنَ النَّوَافِلِ يَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ تَرْكَ بَعْضِهَا عَمْدًا، كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ عُمُومِ اللَّفْظِ كَمَا تَرَى.
وَقَالَ الْمَجْدُ (فِي الْمُنْتَقَى) بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْأَدِلَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَا عَلَى عدم كفر تَارِك الصَّلَاة الْمقر بِوُجُوبِهَا عمدا مَا نَصه: ويعضد هَذَا الْمَذْهَب عمومات
_________________
(١) - أخرجه النَّسَائِيّ (١/٢٣٣) (٤٦٦)، وَابْن مَاجَه (١/٤٥٨) (١٤٢٥)، وَأحمد (٢/٢٩٠)، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٢) - أخرجه أَبُو دَاوُد (١/٢٩١) (٨٦٦)، وَابْن مَاجَه (١/٤٥٨) (١٤٢٦)، وَأحمد (٤/١٠٣)، والدارمي (١/٣٦١) (١٣٥٥)، وَالْحَاكِم (١/٣٩٤) (٩٦٦)، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ١ / ٤٢ ]
مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا، أَيْ خَوْفًا مِنَ الْإِثْمِ بِتَرْكِ الْخَبَرِ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأمتي فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣) . وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّ النَّبي ﷺ، قَالَ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قلبه» رَوَاهُ البُخَارِيّ (٤) اهـ مَحِلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَأَصْحَابُهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ: إِنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا تكاسلًا وتهانًا مَعَ إِقْرَارِهِ بِوُجُوبِهَا لَا يُقْتَلُ وَلَا يُكَفَّرُ؛ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَاحْتَجُّوا عَلَى عَدَمِ كُفْرِهِ بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا آنِفًا لِأَهْلِ الْقَوْلِ الثَّانِي.
وَاحْتَجُّوا لِعَدَمِ قَتْلِهِ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا حَدِيث
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٢٦٧) (٣٢٥٤٢)، وَمُسلم (١/٥٧) (٢٨) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٥٩) (١٢٨)، وَمُسلم (١/٦١) (٣٢) .
(٣) - أخرجه مُسلم (١/١٨٩) (١٩٩) .
(٤) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٩) (٩٩) .
[ ١ / ٤٣ ]
ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» وَغَيْرِهَا: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ» (١) قَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، صَرَّحَ فِيهِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ دَمُ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا تَرْكَ الصَّلَاةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَتْلِ. قَالُوا: وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ عَلَى قَتْلِهِ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَفَاهِيمِهَا أَعْنِي مَفَاهِيمَ الْمُخَالَفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بِمَنْطُوقِهِ وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ. مَعَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ الْمَفْهُومَ الْمَعْرُوفَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ - وَعَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَرِفُ بِدَلَالَةِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى قَتْلِهِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَفْهُومِ مُخَالَفَتِهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَنْطُوقِهِ. وَمِنْهَا قِيَاسُهُمْ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَى تَرْكِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ مَثَلًا؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُقْتَلْ تَارِكُهَا، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ.
أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّهُ كَافِرٌ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ فَقَدْ أَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: بِأَنَّهُ عَامٌّ يُخَصَّصُ بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ. وَعَنْ قِيَاسِهِ عَلَى تَارِكِ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ: بِأَنَّهُ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ الدَّالَّةِ عَلَى قَتْلِهِ. وَعَنِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْكُفْرِ: بِأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ يُخَصَّصُ بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى كُفْرِهِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. فَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى كُفْرِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا أَصَحُّ مِنْهُ، لِأَنَّ بَعْضَهَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِكُفْرِهِ وَشِرْكِهِ. وَمِنْهَا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، مَعَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ إيضاحه.
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٦/٢٥٢١) (٦٤٨٤)، وَمُسلم (٣/١٣٠٢) (١٦٧٦) .
[ ١ / ٤٤ ]
وَرَدَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ أَدِلَّةَ مُخَالِفِيهِمْ - بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُفْرِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُفْرَ الْمُخْرِجَ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ. وَاحْتَجُّوا لِهَذَا بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ يُصَرِّحُ فِيهَا النَّبي ﷺ بِالْكُفْرِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الْخُرُوجَ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الْمَجْدُ (فِي الْمُنْتَقَى): وَقَدْ حَمَلُوا أَحَادِيثَ التَّكْفِيرِ عَلَى كُفْرِ النِّعْمَةِ، أَوْ عَلَى مَعْنًى قَدْ قَارَبَ الْكُفْرَ. وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أُرِيدَ بِهَا ذَلِكَ؛ فَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ (٣) . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَحْلِفُ «وَأَبِي» فَنَهَاهُ النَّبي ﷺ وَقَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللَّهَ كَعَابِدِ وَثَنٍ» (٥) انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
وَأَمْثَالُهُ فِي السّنة كَثِيرَة جدا. وَمن ذَلِك
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٢٧) (٤٨)، وَمُسلم (١/٨١) (٦٤) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٢٩٢) (٣٣١٧)، وَمُسلم (١/٧٩) (٦١) .
(٣) - أخرجه مُسلم (١/٨٢) (٦٧)، وَأحمد (٢/٤٩٦) .
(٤) - أخرجه أَحْمد (١/٤٧)، (٢/٣٤) من طَرِيق سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر بِهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مِمَّا لم يسمعهُ سعد بن عُبَيْدَة من ابْن عمر.
(٥) - أخرجه أَحْمد (١/٢٧٢)، وَعبد الرَّزَّاق (٩/٢٣٩) (١٧٠٧٠)، وَابْن حبَان (١٢/١٦٧) (٥٣٤٧)، وَالطَّبَرَانِيّ (١٢/٤٥) (١٢٤٢٨)، وَأَبُو نعيم فِي " الْحِلْية " (٩/٢٥٣)، وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَله شَاهد عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عِنْد ابْن مَاجَه (٢/١١٢٠) (٣٣٧٥)، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - لغيره.
[ ١ / ٤٥ ]
الْقَبِيلِ تَسْمِيَةُ الرِّيَاءِ شِرْكًا. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ» قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ. لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (١) فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَخْرَجَ فِيهَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ. وَقَدْ أَطْلَقَ فِيهِ النَّبي ﷺ اسْمَ الْكُفْرِ عَلَيْهِنَّ؛ فَلَمَّا اسْتَفْسَرُوهُ عَنْ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ غَيْرُ الْكُفْرِ الْمُخْرِجِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ.
هَذَا هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ وَأَدِلَّتِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُوبِهَا. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَدِلَّةً عِنْدِي: قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَافِرٌ. وَأَجْرَى الْأَقْوَالَ عَلَى مُقْتَضَى الصِّنَاعَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَعُلُومِ الْحَدِيثِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: إِنَّهُ كُفْرٌ غَيْرُ مُخْرِجٍ عَنِ الْمِلَّةِ لِوُجُوبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِذَا أَمْكَنَ. وَإِذَا حُمِلَ الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ الْمَذْكُورَانِ فِي الْأَحَادِيثِ عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي لَا يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ حَصَلَ بِذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَالْجَمْعُ وَاجِبٌ إِذَا أمكن؛ لِأَن إِعْمَال الدَّلِيلَيْنِ أولى إِن إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْأُصُولِ وَعِلْمِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ (فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) بَعْدَ أَنْ سَاقَ أَدِلَّةَ مَنْ قَالُوا إِنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ مَا نَصُّهُ: وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يُوَرِّثُونَ تَارِكَ الصَّلَاةِ وَيُوَرَّثُونَ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ وَلَمْ يَرِثْ وَلَمْ يُورَثْ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ كَفَّرَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَبُرَيْدَةَ، وَرِوَايَةِ ابْنِ شَقِيقٍ فَهُوَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَارَكَ الْكَافِرَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ وَهُوَ
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٣٥٧) (١٠٠٤) .
[ ١ / ٤٦ ]
الْقَتْلُ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا - انْتَهَى مَحِلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ] (١) .
فصل فِي بَيَان أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ يَكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الصَّغَائِرَ:
[وَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى بِأَنَّ الْمَنْهِيَّاتِ مِنْهَا كَبَائِرُ. وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مِنْهَا صَغَائِرُ. وَبَيَّنَ أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ يَكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الصَّغَائِرَ؛ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) . وَيُرْوَى عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: ضَجُّوا مِنَ الصَّغَائِرِ قَبْلَ الْكَبَائِر] (٢) .
فصل فِي بَيَان أَن كَبَائِر الذُّنُوب والمعاصي لَا تنَافِي الْإِيمَان:
[فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة - أَي قَوْله تَعَالَى: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) -، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَبَائِرَ الذُّنُوبِ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، لِأَنَّ هِجْرَةَ مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، وَقَذْفَهُ لِعَائِشَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلَمْ يُبْطِلْ هِجْرَتَهُ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِيهِ بَعْدَ قَذْفِهِ لَهَا (وَالْمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هِجْرَتَهُ فِي سَبِيلِ
_________________
(١) - ٤/٣٣٥ - ٣٤٨، مَرْيَم / ٥٩ - ٦٠.
(٢) - ٤/١٢٨ - ١٢٩، الْكَهْف / ٤٩.
[ ١ / ٤٧ ]
اللَّهِ، لَمْ يُحْبِطْهَا قَذْفُهُ لِعَائِشَةَ ﵂.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَا يُحْبِطُ الْأَعْمَالَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ مِسْطَحًا بَعْدَ قَوْلِهِ بِالْهِجْرَةِ وَالْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكَبَائِرِ، وَلَا يُحْبِطُ الْأَعْمَالَ غَيْرُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) اهـ. وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ فِي الْآيَةِ وَصْفَ مِسْطَحٍ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْآيَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُوما.] (١) .
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [ردّ أهل السّنة بِهَذِهِ الْآيَة - أَي قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) - وَأَمْثَالِهَا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ قَوْلَهُمْ: إِنَّ الْمَعْصِيَةَ تُنَافِي الْإِيمَانَ، لِأَنَّ اللَّهَ نَادَاهُمْ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ مَعَ قَوْلِهِ: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) فَلَمْ يُخْرِجْهُمْ بِضَلَالِهِمْ عَنْ عُمُومِ إِيمَانِهِمْ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ الضَّلَالَ هُنَا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل لَا مُطلق السَّبِيل] (٢) .
فصل: الْكَلَام على الْوَعْد والوعيد:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَطْلُبُونَ مِنَ النَّبي ﷺ تَعْجِيلَ الْعَذَابِ الَّذِي يَعِدُهُمْ بِهِ طغيانًا وعنادًا.
_________________
(١) - ٦/١٦٢ - ١٦٣، النُّور / ٢٢.
(٢) - ٨/١٣٥، الممتحنة / ١.
[ ١ / ٤٨ ]
وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) وَقَوْلِهِ: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) وَقَوْلِهِ: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ الْعَذَابُ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَعْدِ هُنَا: هُوَ مَا أَوْعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَهُ. وَالْمَعْنَى: هُوَ مُنْجِزٌ مَا وعدهم بِهِ من الْعَذَاب، إِذا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ لِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْوَعْدَ يُطْلَقُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْوَعْدِ بِالشَّرِّ. وَمِنَ الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) فَإِنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي النَّارِ: وَعَدَهَا اللَّهُ بِصِيغَةِ الثُّلَاثِيِّ الَّذِي مَصْدَرُهُ الْوَعْدُ، وَلَمْ يَقُلْ أَوْعَدَهَا.
وَمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، مِنْ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ الْكُفَّارَ مِنَ الْعَذَابِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ بِذَلِكَ، جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق (قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ) وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ) أَنَّ مَا أَوْعَدَ الْكُفَّارَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، لَا يُبَدَّلُ لَدَيْهِ، بَلْ هُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) أَيْ وَجَبَ وَثَبُتَ فَلَا يُمْكِنُ عَدَمُ وُقُوعِهِ بِحَالٍ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِنَا: دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ، عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا
[ ١ / ٤٩ ]
شَآءَ اللَّهُ) . وأوضحنا أَنما أُوعِدُ بِهِ الْكُفَّارُ لَا يُخْلَفُ بِحَالٍ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ. أَمَّا مَا أُوعِدَ بِهِ عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ الَّذِي يَجُوزُ أَلَّا يُنَفِّذَهُ وَأَنْ يَعْفُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) . وَبِالتَّحْقِيقِ الَّذِي ذَكَرْنَا: تَعْلَمُ أَنَّ الْوَعْدَ يُطْلَقُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا بَيَّنَّا، وَإِنَّمَا شَاعَ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، مِنْ أَنَّ الْوَعْدَ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْوَعْدِ بِخَيْرٍ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يُخْلِفُهُ اللَّهُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ شَرًّا، فَإِنَّهُ وَعِيدٌ وَإِيعَادٌ. قَالُوا: إِنَّ الْعَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الْوَعْدِ لُؤْمًا، وَعَنِ الْإِيعَادِ كَرَمًا، وَذَكَرُوا عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، فَجَاءَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، هَلْ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ؟ فَقَالَ: لَا، فَذَكَرَ آيَةَ وَعِيدٍ، فَقَالَ لَهُ: أَمِنَ الْعَجَمِ أَنْتَ؟ إِنَّ الْعَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الْوَعْدِ لُؤْمًا وَعَنِ الْإِيعَادِ كَرَمًا، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَلَا يَرْهَبُ ابْنُ الْعَمِّ وَالْجَارُ سَطْوَتِي وَلَا انْثَنَى عَنْ سَطْوَةِ الْمُتَهَدِّدِ
فَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: هُوَ مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا مِنْ إِطْلَاقِ الْوَعْدِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى التَّوَعُّدِ بِالنَّارِ، وَالْعَذَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ فِي حُلُول الْعَذَاب الَّذِي يستعجلونك بِهِ بهم، لِأَنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِقَوْلِهِ: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) فَتَعَلُّقُهُ بِهِ هُوَ الظَّاهِرُ.
الثَّانِي: هُوَ مَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الْكُفَّارَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُخْلِفَهُ بِحَالٍ، لِأَنَّ ادِّعَاءَ جَوَازِ إِخْلَافِهِ، لِأَنَّهُ إِيعَادٌ وَأَنَّ الْعَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِيعَادِ كَرَمًا يُبْطِلُهُ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَوَازُ أَلَّا يَدْخُلَ النَّارَ كَافِرٌ أَصْلًا، لِأَنَّ إيعادهم بإدخالهم
[ ١ / ٥٠ ]
النَّارَ مِمَّا زَعَمُوا أَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ كَرَمٌ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ.
الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ: عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ مَا أَوْعَدَ بِهِ الْكُفَّارَ مِنَ الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ: (قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِمْ: (فَحَقَّ وَعِيدِ) وَقَوْلِهِ فِيهِمْ: (فَحَقَّ عِقَابِ) وَمَعْنَى حَقَّ: وَجَبَ وَثَبَتَ، فَلَا وَجْهَ لِانْتِفَائِهِ بِحَالٍ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ هُنَا وَفِي غير هَذَا الْموضع] (١) .
فصل فِي بَيَان بعض الْأَفْعَال الكفرية:
وَهَذِه جملَة من الْأَفْعَال المكفرة الَّتِي ذكرهَا الْعَلامَة الشنقيطي - ﵀ - وناقشها فِي تَفْسِيره:
ادِّعَاء شُفَعَاءَ عِنْدَ اللَّه لِلْكُفَّارِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ:
[ادِّعَاء شُفَعَاءَ عِنْدَ اللَّه لِلْكُفَّارِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ بِهِ جَلَّ وَعَلَا، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الاْرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .] (٢) .
من لم يحجّ:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، بعد قَوْله: (وَللَّهِ
_________________
(١) - ٥/٧١٥ - ٧١٨، الْحَج / ٤٧، وَانْظُر أَيْضا: (٦/٤٧٥، الرّوم / ٦)، (٧/٦٤٦ - ٦٤٧، ق / ١٤) .
(٢) - ١/٦٥، الْبَقَرَة /٤٨.
[ ١ / ٥١ ]
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ كَافِرٌ، واللَّه غَنِيٌّ عَنْهُ.
وَفِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (وَمَن كَفَرَ)، أَوْجُهٌ لِلْعُلَمَاءِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَمَن كَفَرَ) أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ فَقَدْ كَفَرَ واللَّه غَنِيٌّ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ مِنْ أَنَّهُمَا قَالَا لَمَّا نَزَلَتْ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ)، قَالَتِ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّه فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَقَالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا، وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا»، قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) . (١)
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَمَن كَفَرَ)، أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ» (٢) .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلم يحجّ
_________________
(١) - أخرجه الْبَيْهَقِيّ (٤/٣٢٤)، وَغَيره من طرق عَن ابْن أبي نجيح عَنْهُمَا بِهِ، وَقَالَ الشَّيْخ مقبل - ﵀ - فِي مُقَدّمَة كِتَابه " الصَّحِيح الْمسند من أَسبَاب النُّزُول " (ص/١٤): [وَأما قَول التَّابِعِيّ نزلت فِي كَذَا فَهُوَ مُرْسل، فَإِن تعدّدت طرقه قبل، وَإِلَّا فَلَا على الرَّاجِح عِنْد الْمُحدثين]، ومدار الطَّرِيقَيْنِ هُنَا على ابْن أبي نجيح، وَقد ذكره النَّسَائِيّ فِيمَن كَانَ يُدَلس، وَقد عنعنه، وَقَالَ ابْن حبَان أَنه روى عَن مُجَاهِد من غير سَماع، وَعَلِيهِ فَلَا يَصح هَذَا الآثر عَنْهُمَا.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٤٧٤) (٣٧٩٤)، وَمُسلم (١/٩٥) (٩٥) .
[ ١ / ٥٢ ]
بَيْتَ اللَّه فَلَا يَضُرُّهُ، مَاتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا؛ وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه قَالَ: (وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)» (١) . رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ هِلَالَ بْنَ عَبْدِ اللَّه مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيِّ، وَهِلَالٌ هَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَجْهُولٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا الْحَارِثُ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي «الْكَافِي الشَّافِ، فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْكَشَّافِ»: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْبَاهِلِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّه وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» . وَقَالَ: غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّه مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْعَقِيلِيُّ فِي تَرْجَمَةِ هِلَالٍ، وَنَقْلًا عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ»: تَفَرَّدَ بِهِ هِلَالٌ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ (٢)
بِلَفْظِ: «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ، فَمَاتَ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، أَوْ إِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»، أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنْهُ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ
_________________
(١) - أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٣/١٧٦) (٨١٢)، وَقَالَ: وَفِي إِسْنَاده مقَال وهِلَال بن عبد الله مَجْهُول والْحَارِث يضعف فِي الحَدِيث. والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٢) - أخرجه الدَّارمِيّ (٢/٤٥) (١٧٨٥)، وَأعله حُسَيْن أَسد بليث بن أبي سليم..
[ ١ / ٥٣ ]
أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ»، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ أَبَا أُمَامَةَ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمَوْضُوعَاتِ» مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَدِيٍّ، وَابْنُ عَدِيٍّ وَأَوْرَدَهُ فِي «الْكَامِلِ» فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْمَهْزُومِ يَزِيدَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَنَقَلَ عَنِ الْقَلَّاسِ أَنَّهُ كَذَّبَ أَبَا الْمَهْزُومِ، وَهَذَا مِنْ غَلَطِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي تَصَرُّفِهِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ فِيهَا مَنِ اتُّهِمَ بِالْكَذِبِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيّا (١)، وَالْعلم عِنْد اللَّه تَعَالَى] (٢) .
مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطَانِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلَى مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِدُعَائِهِمُ الشَّيْطَانَ الْمَرِيدَ عِبَادَتَهُمْ لَهُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ)، وَقَوْلُهُ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ مُقَرِّرًا لَهُ: (يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ)، وَقَوْلُهُ عَنِ الْمَلَائِكَةِ: (بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ)، وَقَوْلُهُ: (وَكَذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَا وَجه عِبَادَتهم للشَّيْطَان،
_________________
(١) - أخرجه أَبُو نعيم فِي " الْحِلْية " (٩/٢٥٢)، وَقَالَ ابْن حجر فِي التَّلْخِيص (٢/٢٢٢): وَلَهُ طَرِيقٌ صَحِيحَةٌ إِلَّا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ رَوَاهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخطاب قَالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رِجَالًا إِلَى هَذِه الْأَمْصَار فينظروا كل من لَهُ جِدَّةٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ لَفْظُ سَعِيدٍ وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: " لِيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا - يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - رَجُلٌ مَاتَ وَلم يحجّ وَوجد لِذَلِكَ سَعَةً وَخُلِّيَتْ سَبِيلُهُ " قُلْتُ وَإِذَا انْضَمَّ هَذَا الْمَوْقُوف إِلَى مُرْسل بن سابط علم أَن لهَذَا الحَدِيث أصلا وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ خَطَأُ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَالله أعلم.
(٢) - ١/٢٤٧ - ٢٤٩، آل عمرَان /٩٧.
[ ١ / ٥٤ ]
وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخر أَنَّ مَعْنَى عِبَادَتِهِمْ لِلشَّيْطَانِ إِطَاعَتُهُمْ لَهُ وَاتِّبَاعُهُمْ لِتَشْرِيعِهِ وَإِيثَارُهُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِ اللَّه تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، وَقَوْلِهِ: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، فَإِنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا؟ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّه، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّه فَاتَّبَعُوهُمْ» (١)، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى اتِّخَاذِهِمْ إِيَّاهُمْ أَرْبَابًا. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ بِوُضُوحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطَانِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَهُوَ كَافِرٌ باللَّه، عَابِدٌ لِلشَّيْطَانِ، مُتَّخِذٌ الشَّيْطَانَ رَبًّا، وَإِنْ سَمَّى اتِّبَاعَهُ لِلشَّيْطَانِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَسْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا تَتَغَيَّرُ بِإِطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ عَلَيْهَا، كَمَا هُوَ مَعْلُوم] (٢) .
[وَمِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ لِلَّتِي هِيَ أقْوَم بَيَانُهُ أَنَّهُ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعًا غَيْرَ التَّشْرِيعِ الَّذِي جَاءَ بِهِ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَاتِّبَاعُهُ لِذَلِكَ التَّشْرِيعِ الْمُخَالِفِ كُفْرٌ بَوَاحٌ، مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. وَلَمَّا قَالَ الْكُفَّارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: الشَّاةُ تُصْبِحُ مَيِّتَةً مَنْ قَتَلَهَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: «اللَّهُ قَتَلَهَا» فَقَالُوا لَهُ: مَا ذَبَحْتُمْ بِأَيْدِيهِمْ حَلَالٌ، وَمَا ذَبَحَهُ الله بِيَدِهِ الْكَرِيمَة تَقولُونَ إِنَّه حَرَامًا فَأَنْتُمْ إِذَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ!؟ - أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (٣)
_________________
(١) - رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٥/٢٧٨) (٣٠٩٥)، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عبد السَّلَام بن حَرْب وغطيف بن أعين لَيْسَ بِمَعْرُوف فِي الحَدِيث. والْحَدِيث حسنه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٢) - ١/٣٦٤ - ٣٦٥، النِّسَاء /١١٧.
(٣) - رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢/١١١) (٢٨١٩) بِنَحْوِهِ مَوْصُولا من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -، وَقد رُوِيَ من طرق أُخْرَى عَن عِكْرِمَة، سعيد بن جُبَير مُرْسلا.
[ ١ / ٥٥ ]
وَحَذْفُ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) يَدُلُّ عَلَى قَسَمٍ مَحْذُوفٍ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ جَواب مَا أَخَّرْتَ فَهُوَ مُلْتَزَمْ
إِذْ لَوْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ جَوَابًا لِلشَّرْطِ لَاقْتَرَنَتْ بِالْفَاءِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَو جُعِلْ شَرْطًا لِأَن أَو غَيرهَا لَمْ يَنْجَعِلْ
فَهُوَ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جلَّ وَعَلَا أَقْسَمَ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطَانَ فِي تَحْلِيلِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ مُشْرِكٌ، وَهَذَا الشِّرْكُ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَيُوَبِّخُ اللَّهُ مُرْتَكِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) لِأَنَّ طَاعَتَهُ فِي تشريعه الْمُخَالف للوحي هِيَ عِبَادَته ] (١) .
قَطْعُ أُذُنِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ تَقَرُّبًا بِذَلِكَ لِلْأَصْنَامِ:
[وَقَوْلُهُ: (وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ آذَانَ الاْنْعَامِ)، يَدُلُّ عَلَى أَن تقيطع آذَانِ الْأَنْعَامِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَمَّا قَطْعُ أُذُنِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ تَقَرُّبًا بِذَلِكَ لِلْأَصْنَامِ فَهُوَ كفر باللَّه إِجْمَاعًا] (٢) .
_________________
(١) - ٣/٤٠٠ - ٤٠١، بني إِسْرَائِيل / ٩.
(٢) - ١/٣٦٩، النِّسَاء / ١١٩.
[ ١ / ٥٦ ]
الِامْتِنَاع مِنَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ لِقَصْدِ مُعَارَضَتِهِ ورده، والامتناع من الْتِزَامه:
[من كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ لِقَصْدِ مُعَارَضَتِهِ وَرَدِّهِ، وَالِامْتِنَاعِ مِنِ الْتِزَامِهِ، فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ كُلُّهَا بِمَعْنَاهَا الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ، وَمَنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنَ الْحُكْمِ لِهَوًى، وَهُوَ يَعْتَقِدُ قُبْحَ فِعْلِهِ، فَكُفْرُهُ وَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ غَيْرُ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ مَا امْتَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِهِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ إِيمَانِهِ، كَالِامْتِنَاعِ مِنِ اعْتِقَادِ مَا لَا بُدَّ مِنِ اعْتِقَادِهِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي الْآيَات الْمَذْكُورَة، وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى] (١) .
تولي الْكفَّار عمدا اخْتِيَارا، رَغْبَة فيهم:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، مِن الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُمْ بِتَوَلِّيهِ إِيَّاهُمْ. وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ مُوجِبٌ لِسُخْطِ اللَّهِ، وَالْخُلُودِ فِي عَذَابِهِ، وَأَنَّ مُتَوَلِّيَهُمْ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا مَا تَوَلَّاهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلكن كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) . وَنَهَى فِي موضِع آخَرَ عَنْ تَوليهم مُبَيِّنًا سَبَبَ التَّنْفِيرِ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ، فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُوَالَاةُ بِسَبَبِ خَوْفٍ، وَتَقِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَصَاحِبُهَا مَعْذُورٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا بَيَانٌ لِكُلِّ الْآيَاتِ الْقَاضِيَةِ بِمَنْعِ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا وَإِيضَاحٌ، لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْخَوْف
_________________
(١) - ٢/٩٧، الْمَائِدَة /٤٧، وَانْظُر: (٢/ ٩٣، الْمَائِدَة /٤٤) .
[ ١ / ٥٧ ]
وَالتَّقِيَّةِ، فَيُرَخَّصُ فِي مُوَالَاتِهِمْ، بِقَدْرِ الْمُدَارَاةِ الَّتِي يَكْتَفِي بِهَا شَرُّهُمْ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ سَلَامَةُ الْبَاطِن من تِلْكَ الْمُوَالَاة.
وَمَنْ يَأْتِي الْأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيهَا اخْتِيَارًا
وَيُفْهَمُ مِنْ ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْكُفَّارَ عَمْدًا اخْتِيَارًا، رَغْبَةً فيهم أَنه كَافِر مثلهم] (١) .
بعض الطّرق الَّتِي يُرَاد بهَا التَّوَصُّل إِلَى شئ من علم الْغَيْب غير الْوَحْي:
[لَمَّا جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِأَنَّ الْغَيْبَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَانَ جَمِيعُ الطُّرُقِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التَّوَصُّلُ إِلَى شَيْءٍ
مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ غَيْرِ الْوَحْيِ مِنَ الضَّلَالِ الْمُبِينِ، وَبَعْضٌ مِنْهَا يَكُونُ كُفْرًا.
وَلِذَا ثَبَتَ عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتى عرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شيءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (٢)، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَنْعِ الْعِيَافَةِ وَالْكِهَانَةِ وَالْعَرَافَةِ، وَالطَّرْقِ وَالزَّجْرِ، وَالنُّجُومِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْكِهَانَةِ، لِأَنَّهَا تَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ ادِّعَاءِ الِاطِّلَاعِ عَلَى علم الْغَيْب.
قد سُئِلَ ﷺ عَنِ الكهَّان فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» (٣)، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ: فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ يَنْزِلُ الْغَيْثُ غَدًا، وَجَزَمَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَمَارَةٍ ادَّعَاهَا أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي الرَّحِمِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، فَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ، وَقَالَ: إِنَّ النَّوْءَ يَنْزِلُ بِهِ الْمَاءُ عَادَةً، وَإِنَّهُ سَبَبُ المَاء
_________________
(١) - ٢/ ٩٨ - ٩٩، الْمَائِدَة /٥١.
(٢) - أخرجه مُسلم (٤/١٧٥١) (٢٢٣٠) من حَدِيث صَفِيَّة عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.
(٣) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢٢٩٤) (٥٨٥٩)، وَمُسلم (٤/١٧٥٠) (٢٢٢٨) من حَدِيث عَائِشَة ﵂.
[ ١ / ٥٨ ]
عَادَةً، وَإِنَّهُ سَبَبُ الْمَاءِ عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ لَمْ يَكْفُرْ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَلَّا يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا بِكَلِمَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ، لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَتَى شَاءَ مَرَّةً بِنَوْءِ كَذَا، وَمَرَّةً دُونَ النَّوْءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ» (١) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْوَاقِعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَكَذَلِكَ قَوْلُ الطَّبِيبِ إِذَا كَانَ الثَّدْيُ الْأَيْمَنُ مُسْوَدَّ الْحَلَمَةِ، فَهُوَ ذَكَرٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّدْيِ الْأَيْسَرِ فَهُوَ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجِدُ الْجَنْبَ الْأَيْمَنَ أَثْقَلَ فَالْوَلَدُ أُنْثَى، وَادَّعَى ذَلِكَ عَادَةً لَا وَاجِبًا فِي الْخِلْقَةِ لَمْ يَكْفُرْ، وَلَمْ يَفْسُقْ.
وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى الْكَسْبَ فِي مُسْتَقْبَلِ الْعُمْرِ فَهُوَ كَافِرٌ، أَوْ أَخْبَرَ عَنِ الْكَوَائِنِ الْمُجْمَلَةِ، أَوِ الْمُفَصَّلَةِ فِي أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ فَلَا رِيبَةَ فِي كُفْرِهِ أَيْضًا.
فَأَمَّا مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُؤَدَّبُ وَلَا يُسْجَنُ، أَمَّا عَدَمُ كُفْرِهِ فَلِأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا: إِنَّهُ أَمْرٌ يُدْرَكُ بِالْحِسَابِ وَتَقْدِيرِ الْمَنَازِلِ حَسْبَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) .
وَأَمَّا أَدَبُهُمْ، فَلِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الشَّكَّ عَلَى الْعَامَّةِ، إِذْ لَا يَدْرُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَغَيْرِهِ فَيُشَوِّشُونَ عَقَائِدَهُمْ، وَيَتْرُكُونَ قَوَاعِدَهُمْ فِي الْيَقِينِ، فَأُدِّبُوا حَتَّى يَسْتُرُوا ذَلِكَ إِذَا عَرَفُوهُ وَلَا يُعْلِنُوا بِهِ.
قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبي ﷺ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٢)، وَالْعَرَّافُ: هُوَ الْحَازِي وَالْمُنَجِّمُ الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ، وَهِيَ الْعَرَافَةُ وَصَاحِبُهَا عَرَّافٌ، وَهُوَ الَّذِي يسْتَدلّ على الْأُمُور بِأَسْبَاب ومقدمات
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٢٩٠) (٨١٠)، وَمُسلم (١/٨٣) (٧١) من حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ.
(٢) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
[ ١ / ٥٩ ]
يدَّعي مَعْرِفَتَهَا، وَقَدْ يَعْتَضِدُ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ فِي ذَلِكَ بِالزَّجْرِ وَالطَّرْقِ وَالنُّجُومِ، وَأَسْبَابٍ مُعْتَادَةٍ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْفَنُّ هُوَ الْعِيَافَةُ بِالْيَاءِ، وَكُلُّهَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْكِهَانَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
وَالْكِهَانَةُ: ادِّعَاءُ عِلْمِ الْغَيْبِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الْكَافِي): مِنَ الْمَكَاسِبِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا الرِّبَا، وَمُهُورُ الْبَغَايَا، وَالسُّحْتُ، وَالرِّشَا، وَأَخَذُ الْأُجْرَةِ عَلَى النِّيَاحَةِ، وَالْغِنَاءِ، وَعَلَى الْكِهَانَةِ، وَادِّعَاءِ الْغَيْبِ، وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ، وَعَلَى الزَّمْرِ وَاللَّعِبِ وَالْبَاطِلُ كُلُّهُ. اهـ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ تَعْرِيفَهُ لِلْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْعَرَّافُ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْمَسْرُوقِ، وَمَكَانِ الضَّالَّةِ
وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: الْعَرَّافُ: اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ، وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي
مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّرْقِ: قِيلَ الْخَطُّ الَّذِي يَدَّعِي بِهِ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْغَيْبِ، وَقِيلَ إِنَّهُ الضَّرْبُ بِالْحَصَى الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ، وَالزَّجْرُ هُوَ الْعِيَافَةُ، وَهِيَ التَّشَاؤُمُ وَالتَّيَامُنُ بِالطَّيْرِ، وَادِّعَاءُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ مِنْ كَيْفِيَّةِ طَيَرَانِهَا وَمَوَاقِعِهَا وَأَسْمَائِهَا وَأَلْوَانِهَا وَجِهَاتِهَا الَّتِي تَطِيرُ إِلَيْهَا.
وَمِنْهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ التَّمِيمِيِّ:
وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلْغِرْبَانِ يَزْجُرُهَا عَلَى سَلَامَتِهِ لَا بُدَّ مَشْئُومُ
وَكَانَ أَشَدَّ الْعَرَبِ عِيَافَةً بَنُو لَهب حَتَّى قَالَ فيهم الشَّاعِر:
خَبِيرٌ بَنُو لَهَبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيًا مَقَالَةَ لَهَبِي إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ ناظم عَمُود النّسَب:
[ ١ / ٦٠ ]
فِي مَدْلَجِ بْنِ بَكْرٍ الْقِيَافَةُ كَمَا لِلَهَبٍ كَانَت العيافة
وَلَقَد صدق من قَالَ:
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ
وَوَجْهُ تَكْفِيرِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ يَدَّعِي الِاطِّلَاعَ عَلَى الْغَيْبِ أَنَّهُ ادَّعَى لِنَفْسِهِ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَكَذَّبَ الْقُرْآنَ الْوَارِدَ بِذَلِكَ كَقَوْلِه (قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَوَات والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ)، وَقَوْلِهِ هُنَا (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ) وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ حُلْوَانَ الْكَاهِنِ لَا يَحِلُّ لَهُ، وَلَا يُرَدُّ لِمَنْ أَعْطَاهُ لَهُ، بَلْ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي نَظَائِرَ نَظَمَهَا، بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بقوله:
وَأَيُّ مَالٍ حَرَّمُوا أَنْ يَنْتَفِعْ مَوْهُوبُهُ بِهِ وَرَدُّهُ مُنِعْ
حُلْوَانُ كَاهِنٌ وَأُجْرَةُ الْغِنَا وَنَائِحٌ وَرِشْوَةٌ مَهْرُ الزِّنَا
هَكَذَا قِيلَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أعلم] (١) .
من زعم أَن الْخمر حَلَال:
[وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَمْرَ حَلَالٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ - أَي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) الْآيَةِ - فَهُوَ كَافِرٌ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ] (٢) .
من اعْتقد سُقُوط التكاليف إِذا بلغ العَبْد (الْيَقِين) الْمعرفَة:
[اعْلَمْ أَنَّ مَا يُفَسِّرُ بِهِ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَة - أَي قَوْله تَعَالَى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ
_________________
(١) - ٢/١٧٦ - ١٧٨، الْأَنْعَام / ٥٩.
(٢) - ٢/٢٢١، الْأَنْعَام /١٤٥.
[ ١ / ٦١ ]
حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) - بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ الْكَفَرَةِ الْمُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ - مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْيَقِينِ الْمَعْرِفَةَ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَأَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا وَصَلَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ الْمُعَبَّرَ عَنْهَا بِالْيَقِينِ - أَنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ الْعِبَادَاتُ وَالتَّكَالِيفُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَقِينَ هُوَ غَايَةُ الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ.
إِنَّ تَفْسِيرَ الْآيَةِ بِهَذَا كُفْرٌ بِاللَّهِ وَزَنْدَقَةٌ، وَخُرُوجٌ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا النَّوْعُ لَا يُسَمَّى فِي الِاصْطِلَاحِ تَأْوِيلًا، بَلْ يُسمى لعبًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ هُمْ وَأَصْحَابُهُ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِاللَّهِ، وَأَعْرُفُهُمْ بِحُقُوقِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يَسْتَحِقُّ مِنَ التَّعْظِيمِ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ أَكْثَرَ النَّاسِ عِبَادَةً لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَأَشَدَّهُمْ خَوْفًا مِنْهُ وَطَمَعًا فِي رَحْمَتِهِ. وَقَدْ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى] (١) .
الشَّك فِي الْبَعْث:
[وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ فِي الْبَعْثِ كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الرَّعْدِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قولهمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ)] (٢) .
من ادَّعَى أَنَّهُ غَنِيٌّ فِي الْوُصُولِ إِلَى مَا يُرْضِي ربه عَن الرُّسُل فَلَا شكّ فِي زندقته:
[لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِمَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَام أَنه لَا طَرِيق تعرف بهَا
_________________
(١) - ٣/١٨٧ - ١٨٨، الْحجر /٩٩.
(٢) - ٤/١١٤، الْكَهْف / ٣٧.
[ ١ / ٦٢ ]
أَوَامِرُ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، وَمَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ. فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ غَنِيٌّ فِي الْوُصُولِ إِلَى مَا يُرْضِي ربه عَن الرُّسُل، وَمَا جاؤوا بِهِ وَلَوْ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا شَكَّ فِي زندقته] (١) .
ترك الصَّلَاة أَو مَا لَا تصح إِلَّا بِهِ جحُودًا:
[أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ، الْجَاحِدَ لِوُجُوبِهَا كَافِرٌ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا مَا لَمْ يَتُبْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَرْكَ مَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاة دونه كَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ كَتَرْكِهَا. وَجَحْدَ وَجُوبِهِ كَجَحْدِ وُجُوبهَا] (٢) .
زعم أَن السَّمَاء فضاء لَا جرم مبْنى:
[هَذِهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: (وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ) وَقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَات وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) وَقَوْلِهِ: (إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَآءِ) وَقَوْلِهِ: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا)، وَقَوْلِهِ: (وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا)، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً، عَلَى أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ مَلَاحِدَةُ الْكَفَرَةِ، وَمَنْ قَلَّدَهُمْ مِنْ مَطْمُوسِي الْبَصَائِرِ مِمَّنْ يَدَّعُونَ الْإِسْلَامَ أَنَّ السَّمَاءَ فَضَاءٌ لَا جُرْمٌ مَبْنِيٌّ، أَنَّهُ كُفْرٌ وَإِلْحَادٌ وَزَنْدَقَةٌ، وَتَكْذِيبٌ لِنُصُوصِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى] (٣) .
_________________
(١) - ٤/١٧٤، الْكَهْف / ٦٥.
(٢) - ٤/٣٣٥، مَرْيَم /٥٩ - ٦٠.
(٣) - ٥/٧٤٤، الْحَج / ٦٥.
[ ١ / ٦٣ ]
قذف النَّبِي - ﷺ -، أَو أمه:
[ذكر غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ قَذَفَ أُمّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَذَفَهُ هُوَ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ رِدَّةٌ، وَخُرُوجٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى، وَأَنَّ حُكْمَهُ الْقَتْلُ] (١) .
التَّكْذِيب بالساعة:
[قَوْله تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْذِيبَ بالساعة
كفر مستوجب لنار جَهَنَّم] (٢) .
إِسْنَاد التَّأْثِير للطبيعة:
[وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَبَى مِنْهُمْ إِلَّا كُفُورًا الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَطَرَ لَمْ يُنَزِّلْهُ مُنَزِّلٌ هُوَ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ، وَإِنَّمَا نَزَلَ بِطَبِيعَتِهِ، فَالْمُنَزِّلُ لَهُ عِنْدَهُمْ: هُوَ الطَّبِيعَةُ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ الْمَاءِ التَّبَخُّرُ، إِذَا تَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ دَرَجَاتُ الْحَرَارَةِ مِنَ الشَّمْسِ أَوْ الِاحْتِكَاكِ بِالرِّيحِ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْبُخَارَ يَرْتَفِعُ بِطَبِيعَتِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ، ثُمَّ يَتَقَاطَرُ، وَأَنَّ تَقَاطُرَهُ ذَلِكَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا فَاعِلَ لَهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَطَرُ. فَيُنْكِرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ وَيُنْكِرُونَ دَلَالَةَ إِنْزَالِهِ عَلَى قُدْرَةِ مُنَزِّلِهِ، وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ، فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ دَاخِلُونَ فِي قَوْلِهِ (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا) بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ) . وَقَدْ صَرَّحَ فِي قَوْلِهِ: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ) أَنَّهُ تَعَالَى، هُوَ مُصَرِّفُ الْمَاءِ، وَمُنَزِّلُهُ حَيْثُ شَاءَ كَيْفَ شَاءَ. وَمِنْ قَبِيلِ هَذَا الْمَعْنَى: مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسلم من
_________________
(١) - ٦/١٢٥، النُّور / ٤ - ٥.
(٢) - ٦/٢٨٥ - ٢٨٦، الْفرْقَان / ١١.
[ ١ / ٦٤ ]
حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِي: فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (١)، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِبُخَارِ كَذَا مُسْنِدًا ذَلِكَ لِلطَّبِيعَةِ، أَنَّهُ كَافِرٌ بِاللَّهِ مُؤْمِنٌ بِالطَّبِيعَةِ وَالْبُخَارِ. وَالْعَرَبُ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَ الْمَطَرِ أَصْلُهُ مِنَ الْبَحْرِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُسْنِدُونَ فِعْلَ ذَلِكَ لِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ جَلَّ وَعَلَا، وَمِنْ أَشْعَارِهِمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ:
لَا تَلُمْنِي إِنَّهَا مِنْ نِسْوَةٍ رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقَالِيتٍ نُزُرْ
كَبَنَاتِ الْبَحْرِ يَمْأَدْنَ إِذَا أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ الْخُضَرْ
فَقَوْلُهُ: بَنَاتُ الْبَحْرِ يَعْنِي: الْمُزْنَ الَّتِي أَصْلُ مَائِهَا مِنَ الْبَحْرِ.
وَقَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
سَقَى أم عَمْرو كل آخر لَيْلَة حناتم غرماؤهن نجيج
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لُجَجٌ خُضْرٌ لَهُنَّ نَئِيجُ
وَلَا شَكَّ أَنَّ خَالِقَ السَّمَوَات وَالْأَرْضِ جَلَّ وَعَلَا، هُوَ مُنَزِّلُ الْمَطَرِ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَشَاءُ كَيْفَ يَشَاءُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا] (٢) .
وَقَالَ أَيْضا: [قد أوضح تَعَالَى أَن اخْتِلَاف ألوان الْآدَمِيّين وَاخْتِلَاف ألوان
_________________
(١) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
(٢) - ٥/٧٨٦ - ٧٨٧، الْمُؤْمِنُونَ / ١٨، وَانْظُر: ٦/ ٣٣٥، ٣٣٦، الْفرْقَان /٦٠.
[ ١ / ٦٥ ]
الْجِبَالِ، وَالثِّمَارِ، وَالدَّوَابِّ، وَالْأَنْعَامِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ الدالَّة عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنَزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِك)، وَاخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَرَائِبِ صُنْعِهِ تَعَالَى وَعَجَائِبِهِ، وَمِنَ الْبَرَاهِينَ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ جلَّ وَعَلَا، وَأَنَّ إِسْنَادَ التَّأْثِيرِ لِلطَّبِيعَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ والضلال] (١) .
الظَّن بِاللَّه مَا لَا يَلِيق:
[وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ جَلَّ وَعَلَا، فَلَهُ النَّارُ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ أَرْدَاهُ وَجَعَلَهُ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَجَعَلَ النَّارَ مَثْوَاهُ. وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلكن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِين َفَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) الْآيَة] (٢) .
الْخَوْف من الْأَصْنَام:
[وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَامِ مَنْ أشنع أَنْوَاع الْكفْر والإشراك بِاللَّه] (٣) .
قَول: الْمَوْلُود لَهُ معبود، أَو الْمَوْلُود معبود:
[لَو قُلْتَ: الْمَوْلُودُ لَهُ مَعْبُودٌ، أَوِ الْمَوْلُودُ مَعْبُودٌ. قلت الْبَاطِل الَّذِي هُوَ
_________________
(١) - ٦/٤٨٦، الرّوم / ٢٢.
(٢) - ٧/ ٢٨، ص/٢٧.
(٣) - ٧/٥٧، الزمر / ٣٦.
[ ١ / ٦٦ ]
الْكفْر البواح] (١) .
طَاعَة مَنْ كَرِهَ مَا نَزَّلَ اللَّهُ فِي مُعَاوَنَتِهِ لَهُ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَاطِل:
[وَالْآيَة الْكَرِيمَةِ - (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) - تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَطَاعَ مَنْ كَرِهَ مَا نَزَّلَ اللَّهُ فِي مُعَاوَنَتِهِ لَهُ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَاطِلِ، أَنَّهُ كَافِرٌ بِاللَّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَنْ كَانَ كَذَلِكَ (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)] (٢) .
عَدَمَ احْتِرَامِ النَّبِيِّ ﷺ الْمشعر بالغض مِنْهُ أَو تنقيصه وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ أَو الِاسْتِهْزَاء بِهِ:
[اعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ احْتِرَامِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُشْعِرَ بِالْغَضِّ مِنْهُ أَوْ تَنْقِيصَهُ ﷺ
وَالِاسْتِخْفَافَ بِهِ أَوِ الِاسْتِهْزَاءَ بِهِ رِدَّةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَكُفْرٌ بِاللَّهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَسَخِرُوا مِنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمَّا ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ
وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)] (٣) .
مَسْأَلَة: هَل الْكفَّار مخاطبون بِفُرُوع الشَّرِيعَة:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم
_________________
(١) - ٧/٢٩٨، الزخرف /٨١.
(٢) - ٧/٥٨٧، مُحَمَّد /٢٨.
(٣) - ٧/٦١٧، الحجرات / ٢.
[ ١ / ٦٧ ]
بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) قَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ، وَأَنَّهُمْ كَافِرُونَ بِالْآخِرَةِ، وَقَدْ تَوَعَّدَهُمْ بِالْوَيْلِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِالْآخِرَةِ، وَعَدَمِ إِيتَائِهِمُ الزَّكَاةَ، سَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ الزَّكَاةَ فِي الْآيَةِ هِيَ زَكَاةُ الْمَالِ الْمَعْرُوفَةُ، أَوْ زَكَاةُ الْأَبْدَانِ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ لِأَنَّ سُورَةَ فُصِّلَتْ هَذِهِ، مِنَ الْقُرْآنِ النَّازِلِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَزَكَاةُ الْمَالِ الْمَعْرُوفَةُ إِنَّمَا فُرِضَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ سنة اثْنَتَيْنِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى خِطَابِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ، أَعْنِي امْتِثَالَ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابَ نَوَاهِيهِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، مِنْ كَوْنِهِمْ مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ وَأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَى الْكُفْرِ، وَيُعَذَّبُونَ عَلَى الْمَعَاصِي، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُمْ مُقَرِّرًا لَهُ: (مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) فَصَرَّحَ تَعَالَى عَنْهُمْ، مُقَرِّرًا لَهُ أَنَّ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي سَلَكَتْهُمْ فِي سَقَرَ، أَيْ أَدْخَلَتْهُمُ النَّارَ، عَدَمُ الصَّلَاةِ، وَعَدَمُ إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، وَعْدَّ ذَلِكَ مَعَ الْكُفْرِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاْسْلُكُوهُ) ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ فَقَالَ: (إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ) إِلَى غَيْرِ ذَلِك من الْآيَات] (١) .
_________________
(١) - ٧/١١٤ - ١١٥، فصلت / ٦، ٧، وَانْظُر: (٤/١٢٩، الْكَهْف / ٤٩)، (٥/٧٢، الْحَج /٢٧)، (٨/٤٤٥، ٤٤٦، الحاقة/٣٣: ٣٤)، (٨/٦٢٦، ٦٢٧، المدثر/٤٢: ٤٧)، (٨/٦٩٢، المرسلات /٤٩) . -
[ ١ / ٦٨ ]
فصل: الْإِيمَان شَرط فِي قبُول الْعَمَل:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَن (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) أَيْ عَمِلَ لَهَا عَمَلَهَا الَّذِي تَنَالُ بِهِ، وَهُوَ امْتِثَالُ أَمْرِ اللَّهِ، وَاجْتنَابُ نَهْيِهِ بِإِخْلَاصٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أَيْ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، غَيْرُ مُشْرِكٍ بِهِ وَلَا كَافِرٍ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَشْكُرُ سَعْيَهُ، بِأَنْ يُثِيبَهُ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ عَنْ عَمَلِهِ الْقَلِيلِ.
وَفِي الْآيَةِ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا تَنْفَعُ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا
حَسَنَةٌ، لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، وَقَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى هَذَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ: كَقَوْلِهِ (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأولئك يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)، وَقَوْلُهُ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وَقَوْلُهُ: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأولئك يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَمَفْهُومُ هَذِهِ الْآيَاتِ - أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَطَاعَ اللَّهَ بِإِخْلَاصٍ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، لِفَقْدِ شَرْطِ الْقَبُولِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
وَقَدْ أَوْضَحَ جَلَّ وَعَلَا هَذَا الْمَفْهُومَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ فِي أَعْمَالِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ: (وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا)،
[ ١ / ٦٩ ]
وَقَوله: (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ)، وَقَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا)، إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات] (١) .
مسَائِل مُتَعَلقَة بِهَذَا الْفَصْل:
الرِّدَّة تبطل الْعَمَل مَا لم يتب مِنْهَا:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ المُرتد يُحْبِطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ بِرِدَّتِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ زَائِدٍ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ)، وَمُقْتَضَى الْأُصُولِ حَمْلُ هَذَا الْمُطْلَقِ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ، فَيُقَيِّدُ إِحْبَاطَ الْعَمَلِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ الْقَائِلِ بِإِحْبَاطِ الرِّدَّةِ الْعَمَلَ مُطْلَقًا، وَالْعِلْمُ عِنْد الله تَعَالَى] (٢) .
تَوْبَة الْمُشرك:
[قَوْله تَعَالَى: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ) . بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة: أَن من
_________________
(١) - ٣/٤٤٨ - ٤٤٩، بني إِسْرَائِيل/١٩، وَانْظُر (١/١٠-١١، الْمُقدمَة)، (٢/٩٣، الْمَائِدَة /٤٥)، (٣/٩٧، إِبْرَاهِيم /١٨)، (٣/٣٢١ - ٣٢٢، النَّحْل /٩٧)، (٤/٩، ١٠، الْكَهْف /١: ٥)، (٦/٢٤٢، ٢٤٣، النُّور /٣٩)، (٧/٢٨٤، الزخرف/٧٢)، (٧/٤١٤، مُحَمَّد /١: ٣) .
(٢) - ٢ /٧، الْمَائِدَة / ٥، وَانْظُر (٤/٢١١، الْكَهْف /١٠٥) .
[ ١ / ٧٠ ]
أَشْرَكَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ أَيْ وَمَاتَ وَلَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ فِي هَلَاكٍ، لَا خَلَاصَ مِنْهُ بِوَجْهٍ وَلَا نَجَاةَ مَعَهُ بِحَالٍ، لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالَّذِي خَرَّ: أَيْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَتَمَزَّقَتْ أَوْصَالُهُ، وَصَارَتِ الطَّيْرُ تَتَخَطَّفُهَا وَتَهْوِي بِهَا الرِّيحُ فَتُلْقِيهَا فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ: أَيْ مَحَلٍّ بَعِيدٍ لِشِدَّةِ هُبُوبِهَا بِأَوْصَالِهِ الْمُتَمَزِّقَةِ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى لَهُ خَلَاصٌ وَلَا يُطْمَعُ لَهُ فِي نَجَاةٍ، فَهُوَ هَالِكٌ لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّ مَنْ خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ لَا يَصِلُ الْأَرْضَ عَادَةً إِلَّا مُتَمَزِّقَ الْأَوْصَالِ، فَإِذَا خَطَفَتِ الطَّيْرُ أَوْصَالَهُ وَتَفَرَّقَ فِي حَوَاصِلِهَا، أَوْ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ فَهَذَا هَلَاكٌ مُحَقَّقٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ هَلَاكِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يُرْجَى لَهُ خَلَاصٌ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) . وَكَقَوْلِهِ: (قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) وَقَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَالْخَطْفُ: الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ. وَالسَّحِيقُ: الْبَعِيدُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) أَيْ بُعْدًا لَهُمْ.
وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ أُخَرُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ هَذَا الْهَلَاكِ الَّذِي لَا خَلَاصَ مِنْهُ بِحَالِ الْوَاقِعِ بِمَنْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ، إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْإِشْرَاكِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ. أَمَّا مَنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ كَقَوْلِهِ: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ) وَقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ) إِلَى قَوْلِهِ: (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأولئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) وَقَوْلِهِ فِي الَّذِينَ (قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ
[ ١ / ٧١ ]
وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وَقَوْلِهِ: (وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًَا) . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ تَوْبَتُهُ مِنْ شِرْكِهِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهُ، عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا) وَكَقَوْلِهِ فِي فِرْعَوْنَ: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) .] (١) .
إِيمَان الْكفَّار لَا يَنْفَعهُمْ بعد مُعَاينَة الْعَذَاب:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) . التَّحْقِيقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ الْكُفَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ، يَتَذَكَّرُونَ وَيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَنْفَعُهُمْ لِفَوَاتِ وَقْتِهِ، فَقَوْلُهُ (ذِكْرَاهُمْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (فَأَنَّى لَهُمْ) أَيْ كَيْفَ تَنْفَعُهُمْ ذِكْرَاهُمْ وَإِيمَانُهُمْ بِاللَّهِ، وَقَدْ فَاتَ الْوَقْتُ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ الْإِيمَانُ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِي (جَاءَتْهُمْ) عَائِدٌ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي هِيَ الْقِيَامَةُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى، الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ يَوْم الْقِيَامَة
_________________
(١) - ٥/٦٩٠: ٦٩٢، الْحَج /٣١.
[ ١ / ٧٢ ]
يُؤْمِنُونَ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَقَالُواْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجِىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) . فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ أَنَّى لَهُمْ نَفْعُ ذِكْرَاهُمْ.
وَالذِّكْرَى اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الِاتِّعَاظِ الْحَامِل على الْإِيمَان] (١) .
[قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ) بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكَفَّارَ، إِذَا عَايَنُوا الْحَقِيقَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقِرُّونَ بِأَن الرُّسُل جَاءَت بِالْحَقِّ وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ اعْتِرَافَهُمْ هَذَا بِقَوْلِهِمْ: (قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) لَا يَنْفَعُهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ)، وَقَوْلِهِ: (قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ] (٢) .
وَقد أحَال صَاحب التَّتِمَّة على هَذَا الْكَلَام للشَّيْخ - ﵀ - ثمَّ قَالَ: [وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ اعْتِرَافَهُمْ وَإِيمَانَهُمْ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ بِالْمُعَايَنَةِ كَمَا جَاءَ فِي حَقِّ فِرْعَوْنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، فَقِيلَ لَهُ: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) .
وَجَاءَ أَصْرَحَ مَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا
_________________
(١) - ٧/٤٢٦ - ٤٢٧، مُحَمَّد/ ١٨.
(٢) - ٢/٢٧٠: ٢٧٢، الْأَعْرَاف / ٥٣، وَانْظُر (٦/٦٢٨، سبأ / ٥٢)، (٤/٣٠١: ٣٠٣، مَرْيَم / ٣٨) .
[ ١ / ٧٣ ]
إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا) .
فَلَمَّا جَاءَ بَعْضُ آيَاتِ اللَّهِ وَظَهَرَ الْحَقُّ، لَمْ يَكُنْ لِلْإِيمَانِ مَحَلٌّ بَعْدَ الْمُعَايَنَةِ (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) أَيْ مِنْ قَبْلِ الْمُعَايَنَةِ كَحَالَةِ فِرْعَوْنَ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، فَإِذَا عَايَنَهَا لَمْ تَكُنْ حِينَذَاكَ غَيْبًا، فَيَفُوتُ وَقْتُ الْإِيمَانِ، وَالْعلم عِنْد الله، وَعَلِيهِ حَدِيث التَّوْبَة: فَلم (١) يُغَرْغر (٢)] (٣) .
لَا نَسْتَغْفِر للْمُشْرِكين:
[قَوْله: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) وَعْدٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ بِاسْتِغْفَارِهِ لَهُ، وَقَدْ وَفَّى بِذَلِكَ الْوَعْدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: (وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ)، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) وَلَكِن الله بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ، وَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ) وَالْمَوْعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ قَوْلُهُ هُنَا (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) الْآيَةَ. وَلَمَّا اقْتَدَى الْمُؤْمِنُونَ بِإِبْرَاهِيمَ فَاسْتَغْفَرُوا لِمَوْتَاهُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَغْفَرَ النَّبي ﷺ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ - أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
_________________
(١) - كَذَا بِالْأَصْلِ، وَالصَّوَاب: "مَا لم يُغَرْغر".
(٢) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٥/٥٤٧) (٣٥٣٧)، وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَأحمد (٢/١٣٢)، وَحسنه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -، والأرناؤوط.
(٣) - ٨/٣٩٨ - ٣٩٩، الْملك / ١١.
[ ١ / ٧٤ ]
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) . ثُمَّ قَالَ: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ) . وبيَّن فِي سُورَةِ «الْمُمْتَحِنَةِ» أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمُشْرِكِينَ مُسْتَثْنًى مِنَ الْأُسْوَةِ بِإِبْرَاهِيمَ، وَالْأُسْوَةُ: الِاقْتِدَاءُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا) إِلَى قَوْلِهِ (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)، أَيْ فَلَا أُسْوَةَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ.
وَلَمَّا نَدِمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِغْفَارِهِمْ للْمُشْرِكين حِين قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ) بيَّن اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ مَنْعَ ذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ)] (١) .
أَعمال الْكَافِر الصَّالِحَة قد يجازى بهَا فِي الدُّنْيَا:
[الْقُرْآن وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، قَدْ دَلَّا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا مُطَابِقًا لِلشَّرْعِ، مُخْلِصًا فِيهِ لِلَّهِ، كَالْكَافِرِ الَّذِي يَبَرُّ وَالِدَيْهِ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُنَفِّسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ، وَيُعِينُ الْمَظْلُومَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ يُثَابُ بِعَمَلِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا خَاصَّةً بِالرِّزْقِ وَالْعَافِيَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ) وَقَدْ قَيَّدَ تَعَالَى هَذَا الثَّوَابَ الدُّنْيَوِيَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَاتِ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، فِي قَوْله تَعَالَى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ
_________________
(١) - ٤/٣١٠ - ٣١١، مَرْيَم / ٤٧.
[ ١ / ٧٥ ]
الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا) .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةَ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (١) هَذَا لَفَظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمُ بِهَا طُعْمَةً فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ» (٢) اهـ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ التَّصْرِيحُ، بِأَنَّ الْكَافِرَ يُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنُ يُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعًا، وَبِمُقْتَضَى ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ تَعْيِينًا لَا مَحِيصَ عَنْهُ، أَنَّ الَّذِي أَذْهَبَ طَيِّبَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا هُوَ الْكَافِرُ، لِأَنَّهُ لَا يُجْزَى بِحَسَنَاتِهِ إِلَّا فِي الدُّنْيَا خَاصَّة] (٣) .
هَل ينْتَفع الْكَافِر إِذا أسلم بِعَمَلِهِ الصَّالح الَّذِي عمله حَال كفره:
قَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قد بَحَثَ الْعُلَمَاءُ مَوْضُوعَ عَمَلِ الْكَافِرِ الَّذِي عَمِلَهُ حَالَةَ كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ، هَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ أَمْ لَا؟
وَالرَّاجِحُ: أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ، كَمَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حزَام بعد مَا
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٤/٢١٦٢) (٥٦ - ٢٨٠٨) .
(٢) - الْموضع السَّابِق رقم (٥٧ - ٢٨٠٨) .
(٣) - ٧/٣٩٣ - ٣٩٥، الْأَحْقَاف /٢٠، وَانْظُر (٣/٤٤٩ - ٤٥٠، بني إِسْرَائِيل / ١٩)، (٤/٣٩٣، مَرْيَم / ٧٦)، (٦/٢٤٢، ٢٤٣، النُّور / ٣٩) .
[ ١ / ٧٦ ]
أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَنَّثُ بِأَعْمَالٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهَلْ لَنَا مِنْهَا شئ؟ فَقَالَ ﵇: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنَ الْخَيْرِ) (١)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ وَيَفُكُّ الْعَانِيَ وَيُعْتِقُ الرِّقَابَ، وَيَحْمِلُ عَلَى إِبِلِهِ لِلَّهِ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (٢) .
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَهَا، أَيْ لَوْ أَسْلَمَ فَقَالَهَا كَانَ يَنْفَعهُ، وَالله تَعَالَى أعلم] (٣) .
هَل يقْضِي الْكَافِر وَالْمُرْتَدّ مَا تركاه من الْعِبَادَات حَال كفرهما؟
[اعْلَم أَوَّلًا أَنَّ الْكَافِرَ تَارَةً يَكُونُ كَافِرًا أَصْلِيًّا لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ إِسْلَامٌ، وَتَارَةً يَكُونُ كَافِرًا بِالرِّدَّةِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْلِمًا.
أَمَّا الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ) وَقَدْ أَسْلَمَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِقَضَاءِ شَيْءٍ فَائِتٍ فِي كُفْرِهِ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ مَعْرُوفٌ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ، وَلَا فِي زَمَنِ إِسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ وَتَجْعَلُهُ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ عِيَاذًا بِاللَّهِ تَعَالَى؛ وَإِن كَانَ قد
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٢/٥٢١) (١٢٦٩)، وَمُسلم (١/١١٣) (١٢٣) .
(٢) - أخرجه مُسلم (١/١٩٦) (٢١٤) .
(٣) - ٩/٢٣٢ - ٢٣٣، الْبَلَد / ١٧.
[ ١ / ٧٧ ]
حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَبْطَلَتْهَا رِدَّتُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا إِذَا رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِهَذَا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، وَقَوْلِهِ (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ وَزَمَنِ إِسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَمْ تُبْطِلْهَا. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) . فَجَعَلَ الْمَوْتَ عَلَى الْكُفْرِ شَرْطًا فِي حُبُوطِ الْعَمَلِ. وَبِالْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ. وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ. وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَجْرَى عَلَى الْأُصُولِ؛ لِوُجُوبِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اتَّحَدَ الحكم وَالسَّبَب كَمَا هُنَا] (١) .
_________________
(١) - ٤/٣٥٦ - ٣٥٧، مَرْيَم / ٥٩ - ٦٠.
[ ١ / ٧٨ ]