[ ٩ ]
تمهيد: النار تعريف وبيان
النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسحن فيه المجرمين.
وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم، الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه،) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظلمين من أنصار ([آل عمران: ١٩٢]،) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له، نار جهنم خلدًا فيها ذلك الخزى العظيم ([التوبة: ٦٣]، وقال:) إن الخاسرين الذي خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ([الزمر: ١٥] .
وكيف لا تكون النار كما وصفنا وفيها من العذاب والآلام والأحزان ما تعجز عن تسطيره أقلامنا، وعن وصفه ألسنتنا، وهي مع ذلك خالدة وأهلها فيها خالدون، ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار في النار) إنها سآءت مستقرًا ومقامًا) [الفرقان: ٦٦]، (هذا وإن للطغين لشر مئاب * جهنم يصلونها فبئس المهاد) [ص: ٥٥ - ٥٦] .
[ ١١ ]
الفصل الأول: الجنة والنار مخلوقتان
قال الطحاوي في العقيدة السلفية التي تنسب إليه المعروفة بالعقيدة الطحاوية: " والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد ".
وقال محمد بن محمد بن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية في شرحه لهذا النص:
" أما قوله: "إن الجنة والنار مخلوقتان"، فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة. وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة. فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم".
[ ١٣ ]
ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أنهما مخلوقتان، "فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة:) أعدت للمتقين ([آل عمران: ١٣٣]،) أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله ([الحديد: ٢١]، وعن النار) أعدت للكافرين) [آل عمران: ١٣١]، (إن جهنم كانت مرصادًا * للطغين مئابًا) [النبأ: ٢١ - ٢٢] . وقال تعالى: (ولقد رءاه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى) [النجم: ١٣- ١٥] .
وقد رأى النبي - ﷺ - سدرة المنتهي، ورأى عندها جنة المأوى. كما في "الصحيحين"، من حديث أنس ﵁، في قصة الإسراء، وفي آخره: " ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك ".
وفي "الصحيحين" من حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ". (١)
وحديث البراء بن عازب وفيه: " ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ".
وفي "صحيح مسلم"، عن عائشة ﵂، قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) صحيح البخاري ١٣٧٩. وصحيح مسلم: ٢٨٦٦.
[ ١٤ ]
" رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم. ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت ". (١)
وفي " الصحيحين " واللفظ للبخاري، عن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ فقال: " أني رأيت الجنة، فتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء "، قالوا: بم، يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن" قيل: يكفرن بالله؟ قال: " يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت خيرًا قط ". (٢)
وفي "صحيح مسلم" من حديث عائشة السابق أن الرسول - ﷺ - قال في خطبته بعد الصلاة: " لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا ". (٣)
وفي "الموطأ والسنن"، من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ - " إنما نسمة المؤمن طيرٌ تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة ". (٤) وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة.
وفي "صحيح مسلم والسنن والمسند"، من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: " لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى
_________________
(١) صحيح مسلم: ٩٠١.
(٢) صحيح البخاري: ١٠٥٢، ٥١٩٧. وصحيح مسلم: ٩٠٧.
(٣) صحيح مسلم: ٩٠١
(٤) قال الألباني في تحقيقه للطحاوية: صحيح.
[ ١٥ ]
الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد.
قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها ". ونظائر ذلك في السنة كثيرة. (١)
وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: "باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٢) وساق في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على أن الجنة مخلوقة، منها الحديث الذي ينص على أن الله يُري الميت عندما يوضع في قبره مقعده من الجنة والنار، وحديث إطلاع الرسول - ﷺ - على الجنة والنار، وحديث رؤية الرسول - ﷺ - لقصر عمر بن الخطاب في الجنة، وغير ذلك من الأحاديث، وقد كان ابن حجر مصيبًا عندما قال: " وأصرح مما ذكره البخاري في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها ". (٣)
_________________
(١) شرح الطحاوية: ٤٧٦ - ٤٧٨.
(٢) في كتاب بدء الخلق، انظر فتح الباري: (٦/٣١٧)
(٣) فتح الباري: (٦/٣٢٠) .
[ ١٦ ]
شبهة من قال النار لم تخلق بعد:
وقد ناقش شارح الطحاوية شبهة الذين قالوا: لم تخلق النار بعد، ورد عليها فقال:
"وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطرارًا أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه ([القصص: ٨٨]، و(كل نفس ذائقة الموت) [آل عمران: ١٨٥]، وقد روى الترمذي في جامعه، من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر " (١) . قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود. وفيه أيضًا من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: " من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة " (٢)، قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغًا منها لم تكن قيعانًا، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت:
(رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة) [التحريم: ١١] .
فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور
_________________
(١) سنن الترمذي: ٣٤٦٢. وقال الشيخ ناصر في تعليقه على شرح الطحاوية ص: ١٠٦ وهو مخرج في الصحيحة.
(٢) وقال أيضًا في هذا الحديث: صحيح، وهو مخرج في المصدر السابق: ٦٤. وهو في سنن الترمذي برقم: ٣٤٦٤.
[ ١٧ ]
وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يُحدث فيها شيئًا يعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث فيها عند دخولهم أمورًا أخر - فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر.
وأما احتجاجكم بقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص: ٨٨]، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن - نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما!! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام. فمن كلامهم: أن المراد (كل شيء) مما كتب الله عليه الفناء والهلاك (هالك)، والجنة والنار خُلِقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة.
وقيل: المراد إلا مُلْكَه. وقيل: إلا ما أريد به وجهه. وقيل: إن الله تعالى أنزل: (كل من عليها فان) [الرحمن: ٢٦]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص: ٨٨] لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت. وإنما قالوا ذلك توفيقًا بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضًا، على ما يُذْكَر عن قريب، إن شاء الله تعالى". (١)
_________________
(١) شرح الطحاوية: ص ٤٧٩/ وراجع في هذه الموضوع: (بقظة أولى الاعتبار لصديق حسن خان ص: ٣٧، وعقيدة السفاريني: (٢/٢٣٠) .
[ ١٨ ]
الفصل الثاني: خزنة النار
يقوم على النار ملائكة، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦] .
وعدتهم تسعة عشر ملكًا، كما قال تعالى: (سأصليه سقر*وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر*لواحةٌ للبشر*عليها تسعة عشر)
[المدثر: ٢٦ - ٣٠] وقد فتن الكفار بهذا العدد، فقد ظنوا أنه يمكن التغلب على هذا العدد القليل، وغاب عنهم أن الواحد من هؤلاء يملك من القوة ما يواجه به البشر جميعًا، ولذلك عقب الحق على ما سبق بقوله: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) [المدثر: ٣١] .
قال ابن رجب: " والمشهور بين السلف والخلف أن الفتنة إنما جاءت من
[ ١٩ ]
حيث ذكر عدد الملائكة الذين اغتر الكفار بقلتهم، وظنوا أنهم يمكنهم مدافعتهم وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من الملائكة لا يمكن البشر كلهم مقاومته" (١) . وهؤلاء الملائكة هم الذين سماهم الله "بخزنة جهنم" في قوله: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب) [غافر: ٤٩] .
_________________
(١) التخويف من النار: ص ١٧٤.
[ ٢٠ ]
الفصل الثالث: صفة النار
المبحث الأول: مكان النار
اختلف العلماء في موقع النار الآن فقال بعضهم: هي في الأرض السفلى، وقال آخرون: هي في السماء، وقال آخرون بالتوقف في ذلك، وهو الصواب، لعدم ورود نص صريح صحيح يحدد موقعها، ومن الذين توقفوا في هذا، الحافظ السيوطي قال: " وتَقِفُ عن النار، أي: تَقُولُ فيها بالوقف، أي محلها، حيث لا يعلمه إلا الله، فلم يثبت عندي حديث أعتمده في ذلك ". (١)
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي في عقيدته: "ولم يصرح نص في تعيين مكانهما (أي الجنة والنار)، بل حيث شاء الله تعالى، إذ لا إحاطة لنا بخلق الله وعوالمه " (٢)، وقال صديق حسن خان عقب إيراده لقول الدهلوي هذا: " أقول: وهذا القول أرجح الأقوال وأحوطها إن شاء الله تعالى ". (٣)
_________________
(١) يقظة أولي الاعتبار، لصديق حسن خان: ص ٤٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٧.
(٣) المصدر السابق.
[ ٢١ ]
المبحث الثاني: سعة النار وبعد قعرها
النار شاسعة واسعة، بعيد قعرها، مترامية أطرافها، يدلنا على هذا أمور:
الأول: الذين يدخلون النار أعداد لا تحصى، ومع كثرة عددهم فإن خلق الواحد فيهم يضخم حتى يكون ضرسه في النار مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، ومع ذلك فإنها تستوعب هذه الأعداد الهائلة التي وجدت على امتداد الحياة الدنيا من الكفرة المجرمين على عظم خلقهم، ويبقى فيها متسع لغيرهم وقد أخبرنا الله بهذه الحقيقة في سورة ق فقال: (ويوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) [ق: ٣٠] .
إن النار تشبه الطاحونة التي ينحدر إليها ألوف وألوف من أطنان الحبوب فتدور بذلك كله لا تكل ولا تمل، وينتهي الحب والطاحونة تدور انتظارًا للمزيد. وقد جاء في حديث احتجاج الجنة والنار أن الله يقول للنار: " إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع رجله – وفي رواية حتى يضع الله ﵎ رجله – فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ، ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا " رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. (١)
وعن أنس عن النبي - ﷺ - قال: " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٤٤) وهو في البخاري يرقم: ٤٨٥٠. وفي مسلم: ٢٨٤٦.
[ ٢٢ ]
مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط، قط، بعزتك وكرمك " متفق عليه. (١)
الثاني: يدل على بعد قعرها أيضًا أن الحجر إذا ألقي من أعلاها احتاج إلى آماد طويلة حتى يبلغ قعرها، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ -، إذ سمع وَجْبَة (٢)، فقال النبي - ﷺ -: " تدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار إلى الآن ". (٣)
وروى الحاكم عن أبي هريرة، والطبراني عن معاذ وأبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: " لو أن حجرًا مثل سبع خلفات، ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفًا لا يبلغ قعرها ". (٤)
الثالث: كثرة العدد الذي يأتي بالنار من الملائكة في يوم القيامة، فقد وصف الرسول - ﷺ - مجيء النار في يوم القيامة، الذي يقول الله فيه: (وجاىء يومئذ بجهنم) [الفجر: ٢٣]، فقال: " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك " رواه مسلم عن عبد الله ابن مسعود (٥) . ولك أن تتخيل عظم هذا المخلوق الرهيب الذي احتاج إلى هذا العدد الهائل من الملائكة الأشداء الأقوياء الذين لا يعلم مدى قوتهم إلا الله ﵎.
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/١٠٩) وهو في البخاري برقم: ٦٦٦١. وفي مسلم: ٢٨٤٨. واللفظ لمسلم.
(٢) أي سقطة.
(٣) رواه مسلم، كتاب الجنة، باب في شدة حر النار، (٤/٢١٨٤)، ورقمه (٢٨٤٤) .
(٤) صحيح الجامع الصغير: (٥/٥٨)، ورقمه (٥٢١٤)، وإسناده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها، باب في شدة حر جهنم (٤/٢١٨٤)، ورقم الحديث: (٢٨٤٢) .
[ ٢٣ ]
الرابع: ومما يدل على هول النار وكبرها أن مخلوقين عظيمين كالشمس والقمر يكونان ثورين مكورين في النار، ففي "مشكل الآثار" للطحاوي عن سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة ". ورواه البيهقي في كتاب "البعث والنشور" وكذا البزار والإسماعيلي والخطابي، بإسناد صحيح، على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه مختصرًا بلفظ: " الشمس والقمر مكوران في النار ". (١)
_________________
(١) أورده الشيخ ناصر الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٣٢)، ورقم الحديث: ١٢٤، وقد نقلنا تحقيقه للحديث مختصرًا.
[ ٢٤ ]
المبحث الثالث: دركات النار
النار متفاوتة في شدة حرها، وما أعده الله من العذاب لأهلها، فليست درجة واحدة، وقد قال الحق ﵎: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء: ١٤٥] . والعرب تطلق: " الدرك " على كل ما تسافل، كما تطلق: " الدرج " على كل ما تعالى، فيقال: للجنة درجات وللنار دركات، وكلما ذهبت النار سفلًا كلما علا حرها واشتد لهيبها (١)، والمنافقون لهم النصيب الأوفر من العذاب، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار.
وقد تسمى النار درجات أيضًا، ففي سورة الأنعام ذكر الله أهل الجنة والنار، ثم قال: (ولكلٍ درجاتٌ مما عملوا) [الأنعام: ١٣٢]، وقال: (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير* هم درجاتٌ عند الله..) [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " درجات الجنة تذهب علوًا، ودرجات النار تذهب سفلًا " (٢) . وقد ورد عن بعض السلف أن عصاة الموحدين ممن يدخلون النار يكونون في الدرك الأعلى، ويكون في الدرك الثاني اليهود، وفي الدرك الثالث النصارى، وفي الدرك الرابع الصائبون، وفي الخامس المجوس،
_________________
(١) راجع تذكرة القرطبي: ص ٣٨٢، والتخويف من النار، لابن رجب: ص ٥٠.
(٢) التخويف من النار، لابن رجب: ص ٥٠.
[ ٢٥ ]
وفي السادس مشركوا العرب، وفي السابع المنافقون (١) . ووقع في بعض الكتب تسمية هذه الدركات: فالأول جهنم، والثاني لظى، والثالث الحطمة، والرابع السعير، والخامس سقر، والسادس الجحيم، والسابع الهاوية.
ولم يصح تقسيم الناس في النار وفق هذا التقسيم، كما لم يصح تسمية دركات النار على النحو الذي ذكروه، والصحيح أن كل واحد من هذه الأسماء التي ذكروها: جهنم، لظى، الحطمة إلخ اسم علم للنار كلها، وليس لجزء من النار دون جزء، وصح أن الناس متفاوتون على قدر كفرهم وذنوبهم.
_________________
(١) إذا كان هذا التقسيم اجتهادي بحسب فقهنا للنصوص الدالة على شدة جرم الفرق المختلفة، فإن هذا الترتيب الذي ذكروه يحتاج إلى إعادة نظر، فالمجوس عباد النيران ليسوا بأقل جرمًا من مشركي العرب، والأولى أن نسكت فيما سكتت عنه النصوص.
[ ٢٦ ]
المبحث الرابع: أبواب النار
أخبر الحق أن للنار سبعة أبواب كما قال تعالى: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين* لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) [الحجر: ٤٣ - ٤٤] . قال ابن كثير في تفسير الآية: " أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بحسب عمله " ونُقِلَ عن علي بن أبي طالب قوله وهو يخطب: " إن أبواب جهنم هكذا – قال أبو هارون – أطباقًا بعضها فوق بعض " ونُقل عنه أيضًا قوله: " أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تمتلئ كلها ". (١)
وعندما يردُ الكفار النار تفتح أبوابها، ثم يدخلونها خالدين (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرًا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) [الزمر: ٧١]، وبعد هذا الإقرار يقال لهم: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) [الزمر: ٧٢]، وهذه الأبواب تغلق على المجرمين، فلا مطمع لهم في الخروج منها بعد ذلك، كما قال تعالى:
_________________
(١) تفسير ابن كثير: (٤/١٦٤) .
[ ٢٧ ]
(والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة*عليهم نار مؤصدة) [البلد: ١٩ - ٢٠] .
قال ابن عباس: (مؤصدة) مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش، أي أغلقه. (١)
وقال الحق في سورة الهمزة: (ويل لكل همزة لمزة*الذي جمع مالًا وعدده*يحسب أن ماله أخلده* كلا لينبذن في الحطمة* وما أدراك ما الحطمة* نار الله الموقدة*التي تطلع على الأفئدة* إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممدة) [الهمزة: ١ - ٩] .
فأخبر الحق أن أبوابها مغلقة عليهم، وقال ابن عباس: (في عمد ممدده) يعني الأبواب هي الممددة، وقال قتادة في قراءة ابن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة (٢)، وقال عطية العوفي: هي عمد من حديد، وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها، وعلى هذا فقوله: (ممددة) صفة للعمد، يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممددة مطولة، والممدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير. (٣)
وقد تفتح أبواب النار وتغلق قبل يوم القيامة، فقد أخبر المصطفى أن أبواب النار تغلق في شهر رمضان، فعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ومردة الجن ". (٤)
_________________
(١) تفسير ابن كثير: (٧/ ٢٩٨) .
(٢) تفسير ابن كثير: (٧/٣٦٨) .
(٣) التخويف من النار، لابن رجب، ص ٦١.
(٤) صحيح البخاري: ١٨٩٨، ١٨٩٩ ومسلم: ١٠٧٩ واللفظ لمسلم.
[ ٢٨ ]
وخرّج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب ". (١)
_________________
(١) سنن الترمذي: ٦٨٢، وأورده الألباني في صحيح سنن الترمذي: ٥٤٩.
[ ٢٩ ]
المبحث الخامس: وقود النار
الأحجار والفجرة الكفار وقود النار، كما قال الحق: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) [التحريم: ٦]، وقال: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) [البقرة: ٢٤] .
والمراد بالناس الذين توقد النار بهم الكفرة المشركون، وأما نوع الحجارة التي تكون للنار وقودًا فالله أعلم بحقيقتها، وقد ذهب بعض السلف إلى أن هذه الحجارة من كبريت، قال عبد الله بن مسعود: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في المستدرك. وقال بهذا القول ابن عباس ومجاهد وابن جريج. (١)
وإذا كان القول هذا مأخوذًا من الرسول - ﷺ - فنأخذ به، ولا نجادل فيه، وإن كان أمرًا اجتهاديًا مبنيًا على العلم بطبائع الحجارة وخصائصها فهذا قول غير مسلّم، فإن من الحجارة ما يفوق حجارة الكبريت قوة واشتعالًا. والأوائل رأوا أن حجارة الكبريت لها خصائص ليست لغيرها من الحجارة فقالوا إنها مادة وقود النار، يقول ابن رجب: " وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت
_________________
(١) تفسير ابن كثير: (١/١٠٧) .
[ ٣٠ ]
توقد بها النار. ويقال: إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حميت " (١) . وقد يوجد الله من أنواع الحجارة ما يفوق ما في الكبريت من خصائص، ونحن نجزم أن ما في الآخرة مغاير لما في الدنيا.
ومما توقد به النار الآلهة التي كانت تعبد من دون الله (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون* لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكلٌ فيها خالدون) [الأنبياء: ٩٨ – ٩٩] .
وحصبها: وقودها وحطبها، وقال الجوهري: " كل ما أوقدت به النار أو هيجتها فقد حصبتها "، وقال أبو عبيدة: " كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به ". (٢)
_________________
(١) التخويف من النار، لابن رجب: ص ١٠٧.
(٢) يقظة أو لي الاعتبار: ص ٦١.
[ ٣١ ]
المبحث السادس: شدة حرها وعظم دخانها وشرارها
قال الله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال*في سموم وحميم*وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم) [الواقعة: ٤١ - ٤٤]، وقد تضمنت هذه الآية ذكر ما يتبرد به الناس من الكرب والحر وهو ثلاثة: الماء والهواء والظل، وذكرت الآية أن هذه لا تغني عن أهل النار شيئًا، فهواء جهنم: السموم، وهو الريح الحارة الشديدة الحر، وماؤها: الحميم الذي قد اشتد حره، وظلها: اليحموم وهو قطع دخانها. (١)
وكما هوّل في هذه الآية أمر أصحاب الشمال أهل النار، هوّل في آية أخرى أمر النار فقال: (وأما من خفت موازينه* فأمه هاوية* وما أدراك ما هيه * نار حامية) [القارعة: ٨ - ١١] .
والظل الذي أشارت إليه الآية (وظل من يحموم) [الواقعة: ٤٣]، هو ظل دخان النار، والظل يشعر عادة بالنداوة والبرودة، كما أن النفس تحبه وتستريح إليه، أما هذا الظل فإنه ليس ببارد المدخل ولا بكريم المنظر، إنه ظل من يحموم.
وقد حدثنا القرآن عن هذا الظل الذي هو دخان جهنم الذي يعلو النار،
_________________
(١) التخويف من النار: ص ٨٥.
[ ٣٢ ]
فقال: (انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب* لا ظليل ولا يغني من اللهب* إنها ترمي بشرر كالقصر *كأنه جملت صفر) [المرسلات: ٣٠-٣٣] . فالآية تقرر أن الدخان الذي يتصاعد من هذه النار لضخامته ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وهو يلقي ظلالًا ولكنها غير ظليلة، ولا تقي من اللهب المشتعل، أما شرار هذه النار المتطاير منها فإنه يشبه الحصون الضخمة، كما يشبه هذا الشرار الجمالة الصفر، أي الإبل السود.
وقال الحق مبينًا قوة هذه النار، ومدى تأثيرها في المعذبين: (سأصليه سقر*وما أدراك ما سقر*لا تبقي ولا تذر*لواحة للبشر) [المدثر: ٢٦-٢٩]، إنها تأكل كل شيء، وتدمر كل شيء، لا تبقي ولا تذر، تحرق الجلود، وتصل إلى العظام، وتصهر ما في البطون، وتطلع على الأفئدة.
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - أن " نارنا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم "، قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: " فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلهن مثل حرها ". رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، وفي لفظ مسلم: " ناركم التي يوقد ابن آدم..". (١)
وهذه النار لا يخبو أوارها مع تطاول الزمان، ومرور الأيام (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا) [النبأ: ٣٠]، (كلما خبت زدناهم سعيرا) [الإسراء: ٩٧]، ولذلك لا يجد الكفار طعم الراحة، ولا يخفف عنهم العذاب مهما طال العذاب: (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) [البقرة: ٨٦] . والنار تسعر كل يوم كما في الحديث عند
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار، فتح الباري: (٦/٣٣٠)، ورواه مسلم في كتاب الجنة، باب شدة حر النار: (٤/٢١٨٤) .
[ ٣٣ ]
مسلم عن عمرو ابن عبسة عن النبي - ﷺ - قال: " صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة، حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ ". (١)
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم ". (٢)
وتُسعرُ النار في يوم القيامة عندما تستقبل أهلها (وإذا الجحيم سعرت *وإذا الجنة أزلفت ([التكوير: ١٢-١٣]، ومعنى سُعِّرت: أوقدت، وأحميت.
_________________
(١) صحيح مسلم: ٨٣٢.
(٢) صحيح البخاري: ٥٣٦. ومسلم: ٦١٥.
[ ٣٤ ]
المبحث السابع: النار تتكلم وتبصر
الذي يقرأ النصوص من الكتاب والسنة التي تصف النار يجدها مخلوقًا يبصر، ويتكلم، ويشتكي، ففي الكتاب العزيز أن النار ترى أهلها وهم قادمون إليها من بعيد، فعند ذلك تطلق الأصوات المرعبة الدالة على مدى حنقها وغيظها على هؤلاء المجرمين، قال تعالى: (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظًا وزفيرا) [الفرقان: ١٢] .
وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: " إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ فتقول: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك، فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف ". (١)
وقد خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: " يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، تقول: إني وُكّلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين " وصححه الترمذي. (٢)
_________________
(١) ساق ابن كثير هذا الحديث في (النهاية) (٢/٢١) وقال: (إسناده صحيح) . وانظره في تفسير ابن جرير: ١٨/١٨٧.
(٢) التخويف من النار، ص ١٧٩، وانظر جامع الأصول: (١٠/٥١٨)، وقال المحقق: إسناده حسن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ ٣٥ ]
المبحث الثامن: رؤيا ابن عمر للنار
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن ابن عمر أنه رأى في المنام أنه جاءه ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، يقبلا بي إلى جهنم ثم لقيه ملك في يده مقمعة من حديد، قالوا: لن تُرع. نعم الرجل أنت، لو كنت تكثر الصلاة، قال: فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإن هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرن البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالًا معلقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله - ﷺ - فقال: " إن عبد الله رجل صالح ". (١)
_________________
(١) صحيح البخاري: ٧٠٢٨، ٧٠٢٩. ومسلم: ٢٤٧٩.
[ ٣٦ ]
المبحث التاسع: هل يرى أحد النار قبل يوم القيامة عيانًا؟
الذي نعلمه أن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه قد رأى النار كما رأى الجنة في حياته، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس في صلاة الخسوف أن الرسول - ﷺ - قال: " إني رأيت الجنة، فتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء ". (١)
وفي صحيح البخاري عن أسماء أن الرسول - ﷺ - قال: " قد دنت مني الجنة، حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، ودنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم؟ فإذا امرأة – حسبت أنه قال – تخدشها هرة. قلت: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعًا، لا هي أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل – قال نافع: حسبت أنه قال: - من خشيش أو خشاش الأرض ". (٢)
وفي مسند أحمد عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله - ﷺ - " إن النار أدنيت منى حتى نفخت حرها عن وجهي، فرأيت فيها صاحب المحجن، والذي بحر البحيرة، وصاحب حمير، وصاحبة الهرة ". (٣)
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "إنه
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (١/ ٤٠٧)، وانظر البخاري: ١٠٥٢. ومسلم: ٩٠٧.
(٢) صحيح الجامع: (٤/ ١٣٣)، ورقم الحديث: ٤٢٤٧. انظر صحيح البخاري: ٧٤٥، ٢٣٦٤.
(٣) صحيح الجامع: (٢/١٧١)، ورقمه: ١٩٦٨.
[ ٣٧ ]
عرضت عليّ الجنة، حتى لو تناولت منها قطفًا أخذته، (أو قال: تناولت منها قطفاُ، فقصرت يدي عنه)، وعرضت عليّ النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها، ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت عمرو بن مالك يجرُّه قصبه في النار ". (١)
وبعد أن يموت العباد تعرض عليهم في البرزخ مقاعدهم في الجنة إن كانوا مؤمنين، ومقاعدهم في النار إن كانوا كافرين. وقد بينا ذلك في الحديث عن البرزخ.
_________________
(١) صحيح مسلم: ٩٠٤.
[ ٣٨ ]
المبحث العاشر: تأثير النار على الدنيا وأهلها
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: " اشتكت النار إلى ربها، فقالت رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لنا بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشدُّ ما تجدون من الزمهرير ".
وروى البخاري أيضًا عن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: " أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم ". (١)
_________________
(١) انظر هذين الحديثين في صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، فتح الباري: (٦/٣٣٠)، ورقمهما: ٣٢٥٨، ٥٢٥٩، ٣٢٦٠. وانظرهما في مسلم برقم: ٦١٦، ٦١٧.
[ ٣٩ ]
الفصل الرابع: النار خالدة لا تبيد
النار خالدة لا تفنى ولا تبيد، كما قال الطحاوي في عقيدته: " والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان ولا تبيدان " (١)، ونقل ابن حزم اتفاق الأمة على ذلك، فقد جاء في كتابه " الملل والنحل " قوله: " اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان ". (٢)
وجاء في كتابه " مراتب الإجماع" قوله: " وأن النار حق، وأنها دار عذاب لا تفنى، ولا يفنى أهلها بلا نهاية " (٣) . والنصوص الدالة على خلود النار كثيرة، وحسبك أن الله سماها " دار الخلد ".
هذا مذهب أهل السنة والجماعة أن النار خالدة لا تبيد، وأهلها فيها خالدون، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين، أما الكفرة والمشركون فهم فيها خالدون.
_________________
(١) شرح الطحاوية: ص ٤٧٦.
(٢) الملل والنحل: لابن حزم: (٤/٨٣) .
(٣) مراتب الإجماع: ١٧٣.
[ ٤١ ]
القائلون بفناء النار
والمخالفون لمذهب أهل الحق في هذه المسألة سبع فرق:
١- الجهمية: القائلون بفناء النار وفناء الجنة أيضًا، وقد حكى الإمام أحمد في آخر كتاب " الرد على الزنادقة " مذهب الجهمية بأن النار والجنة تفنيان، ورد عليهم ذاكرًا النصوص الدالة على عدم فنائهما.
٢- الخوارج والمعتزلة: يقولون بخلود كل من يدخل النار، ولو كانوا من أهل التوحيد، وسر هذا القول أن الخوارج يكفرون المسلمين بالذنوب، فكل من ارتكب ذنبًا، فإنه كافر خالد مخلد في نار جهنم، والمعتزلة يرون أن من ارتكب ذنبًا في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا كافر، ويجرون عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ولكنه في الآخرة مخلد في نار جهنم، وقد سقنا كثيرًا من النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يخرجون من النار.
٣- اليهود: الذين يزعمون أنهم يعذبون في النار وقتًا محدودًا، ثم يخلفهم غيرهم فيها، وقد أكذبهم الله في زعمهم، ورد عليهم مقالتهم (وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة قل أتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون * بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [البقرة: ٨٠ - ٨١] . (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون*ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) [آل عمران: ٢٣ - ٢٤] .
[ ٤٢ ]
ونقل ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية البقرة: " قال أعداء الله اليهود: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأيام التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوماُ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب ".
وذكر ابن حرير عن السدي قوله: " قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل، فلذلك أمرنا أن نختن، قالوا: فلا يدعون منا في النار أحدًا إلا أخرجوه ". (١)
وذكر أيضًا ابن عباس قال: " ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتويًا: إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهي إلى شجرة الزقوم ثابتة في أصل الجحيم، وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله أنه خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أيامًا معدودة ".
قال ابن جرير: "وإنما يعني بذلك يعني بذلك المسير الذي ينتهي في أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل، فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله: (لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة) [البقرة: ٨٠] . يعنون بذلك الأجل، فقال ابن عباس: " لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أيامًا معدودة، فقد خلا العدد، وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون ". (٢)
_________________
(١) تفسير ابن جرير: (١/٣٨١) .
(٢) تفسير ابن جرير: (١/٣٨١) .
[ ٤٣ ]
٤- قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي، فإنه زعم أن أهلها يعذبون فيها مدة، ثم تنقلب طبائعهم نارية يتلذذون بالنار لموافقتها لطبائعهم، قال ابن حجر في الفتح: "وهذا قول بعض من ينسب إلى التصوف من الزنادقة ". (١)
٥- قول من زعم أن أهلها يخرجون منها، وتبقى على حالها خالدة لا تبيد.
٦- قول أبي هذيل العلاف من أئمة المعتزلة الذاهب إلى أن حياة أهل النار تفنى، ويصيرون جمادًا لا يتحركون، ولا يحسون بألم، قال بذلك لأنه يقول بامتناع حوادث لا نهاية لها، فخالف الأدلة الصريحة القطيعة الثبوت بمقاييس عقلية باطلة.
٧- قول من قال: إن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الأحاديث، ثم يبقيها شيئًا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه. (٢)
والقول الأخير مال إليه البحر العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر له، كما ذهب تلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.
وقد تتابع العلماء في التأليف لبيان خطأ هذا المذهب، يقول ابن حجر العسقلاني بعد حكايته لهذا القول: "وقد مال بعض المتأخرين إلى هذا القول، ونصره بعدة أوجه من جهة النظر، وهو مذهب رديء مردود على قائله، وقد أطنب السبكي الكبير في بيان وهائه فأجاد " (٣)، وهذا الكتاب الذي أشار إليه هو
_________________
(١) فتح الباري: (١١/٤٢١) .
(٢) راجع في هذا المبحث المصادر التالية: شرح الطحاوية: ص٤٨٣، شرح عقيدة السفاريني (٢/٢٣٤)، بقظة أولي الاعتبار لصديق حسن خان: ص٤١، فتح الباري: (١١/٤٢١) .
(٣) فتح الباري: (١١/٤٢٢) .
[ ٤٤ ]
"الاعتبار ببقاء الجنة والنار" لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي المتوفى سنة ٧٥٦.
وقال صديق حسن خان: "وقد ألف العلامة الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي رسالة سماها: " توفيق الفريقين على خلود أهل الدارين "، وفي الباب رسالة للسيد الإمام محمد بن إسماعيل الأمير، ورسالة للقاضي العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني، حاصلهما بقاء الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما ". (١)
وهنا أمور نحب بيانها:
الأول: أن هذا القول قول باطل وإن ذهب إليه علمان من أعلام الإسلام، فقد علمنا شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم أن حب الحق ينبغي أن يكون مقدمًا على حب الرجال. وأدلة بطلانه النصوص الكثيرة الدالة على خلود النار، وهي نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وقد ذكرنا قول من نقل الإجماع على خلود النار.
الثاني: أنه لا يجوز بحال من الأحوال ذم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بسبب هذه المقالة، فقد كفرهما قوم، وفسقهما قوم بسبب ذلك، وكل هذا ليس بصواب، فإنهما مجتهدان مأجوران مثابان، ولو علما الحق في خلاف قولهما لاتبعاه، ودعوى أن المخالف في مثل هذا يكفر قائله يوصل القائلين بهذا إلى تكفير أئمة هذه الأمة الذين لا يُمارى في إمامتهم، فإن عمر بن الخطاب ﵁ كان يذهب إلى أن المسافر إذا لم يجد الماء لا يتيمم ولا يصلي، وقد اتفقت الأمة على خلاف هذا، والإمام مالك كان يرى أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية
_________________
(١) يقظة أولي الاعتبار، لصديق حسن خان: ص ٤٢، ورسالة الصنعاني طبعها المكتب الإسلامي بييروت، وقد حققها وكتب لها مقدمة ضافية الشيخ ناصر الدين الألباني فأجاد.
[ ٤٥ ]
من كتاب الله، وقد أجمعت الأمة على أن مابين الدفتين قرآن، وقال أقوام بعدم زيادة الإيمان ونقصانه مع كونه مثبت بالكتاب والسنة صريح فيهما، والإجماع منعقد عليه.
الثالث: ينبغي أن ننبه أن لابن تيمية وابن القيم قولًا بعدم فناء النار، جاء في مجموع فتاوى شيخ الإسلام قوله في إجابة سؤال: " وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين، كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله، وسنة رسوله، وجماع سلف الأمة وأئمتها ". (١)
وإذا كان الأمر كذلك، أي لهما قولان، فلا يجوز أن نجزم بأن القول بفناء النار هو قولهما ما لم يعلم أنه القول الأخير، وإذا لم يعلم القول الأخير فالأولى التوقف في نسبة أحد المذهبين إليهما.
الرابع: الأدلة التي احتج بها شيخ الإسلام وابن القيم على فناء النار، بعضها غير صحيح، والصحيح منها غير صريح، بل يمكن حمله على غير فناء النار، بل على فناء النار التي يكون فيها عصاة الموحدين. وقد ناقش الصنعاني في رسالته التي يرد فيها على ابن تيمية وابن القيم هذه الأدلة، وبين عدم نهوضها على ما ذهبا إليه. وهذه الرسالة هي المسماة " برفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ". (٢)
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٨/٣٠٧) .
(٢) طبعها المكتب الإسلامي / بيروت.
[ ٤٦ ]
ومن الذين تعرضوا لهذه المسألة القرطبي في " التذكرة "، فقد ساق النصوص الدالة على خلود الجنة والنار، والمخبرة بأن الموت يذبح بين الجنة والنار ثم يقال: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت" ثم قال: " هذه الأحاديث مع صحتها في خلود أهل الدارين فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة ". (١)
ورد القرطبي على الذين قالوا بفناء النار، وبين أن الذي يفنى إنما هو النار التي يدخلها عصاة الموحدين، قال: " فمن قال: إنهم يخرجون منها، وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول.. وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العلية التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهي التي ينبت على شفيرها الجرجير ". (٢)
ونقل القرطبي عن فضل بن صالح المعافري قال: " كنا عند مالك بن أنس ذات يوم، فقال لنا: انصرفوا، فلما كان العشية رجعنا إليه، فقال: إنما قلت لكم انصرفوا، لأنه جاءني رجل يستأذن علي زعم أنه قدم من الشام في مسألة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في أكل الجرجير، فإنه يتحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به (٣) . فقال: أستودعك الله، وأقرأ عليك السلام، ذكره الخطيب أبو بكر أحمد ﵀، وذكر أبو بكر البزار، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها، ليس فيها أحد، يعني من الموحدين، هكذا رواه
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص ٤٣٦.
(٢) هذا القول لا يصح فيه خبر ثابت، وكأن قائله أراد منه خمود النار التي يكون فيها عصاة الموحدين حتى ينبت النبات على حوافها.
(٣) هذه القصة إن كانت صحيحة فقد تكلف هذا السائل في سفره لتبين أمر هو في غاية الوضوح.
[ ٤٧ ]
موقوفًا عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي - ﷺ -، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع ". (١)
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص ٤٣٧.
[ ٤٨ ]
الفصل الخامس: أهل النيران وجرائمهم
المبحث الأول: أهلها المخلدون فيها
المطلب الأول: التعريف بهم
أهل النار الخالدون فيها الذين لا يرحلون ولا يبيدون - هم الكفرة والمشركون. قال تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [الأعراف: ٣٦]، وقال: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون) [الأنبياء: ٩٩]، وقال: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون) [الزخرف: ٧٤]، وقال: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من
[ ٤٩ ]
عذابها) [فاطر: ٣٦] . وقال: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [البقرة: ٣٩]، وقال: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين*خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) [البقرة: ١٦٠-١٦١] .
وقال: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدًا فيها ذلك الخزي العظيم) [التوبة: ٦٣]، وقال: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) [التوبة: ١٧] .
ولما كانوا خالدين فيها فقد وصف الحق عذاب النار بأنه مقيم، أي لا ينقطع، كما أضافه إلى الخلد، قال تعالى: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) [المائدة: ٣٧] وقال: (ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون) [يونس: ٥٢] .
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: " يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، خلود " (١) . وروي عن أبي هريرة قال:
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، فتح الباري: (١١/٤٠٦) .
[ ٥٠ ]
قال رسول الله - ﷺ -: " يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود لا موت، ولأهل النار، يا أهل النار خلود لا موت ". (١)
وهذا يقال بعد ذبح الموت كما في حديث ابن عمر عند البخاري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادي: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم ". (٢)
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". قال: ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) [مريم: ٣٩] . (٣)
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: " إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار " قال: حديث حسن صحيح. (٤)
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق: باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (١١/٤١٥) .
(٣) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها: (٤/٢١٨٨) .
(٤) سنن الترمذي: ٢٥٥٨.
[ ٥١ ]
المطلب الثاني: النار مسكن الكفرة المشركين
لما كان الكفرة المشركون خالدين في النار فإن النار تعتبر بالنسبة لهم سكنًا ومأوى، كما أن الجنة مسكن المؤمنين، (ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين) [آل عمران: ١٥١]، (أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون) [يونس: ٨]، (أليس في جهنم مثوى للكافرين) [العنكبوت: ٦٨] . وهي مأواهم تتولى أمرهم (مأواكم النار هي مولاكم) [الحديد: ١٥] .
وهي بئس المسكن والمثوى، (فحسبه جهنم ولبئس المهاد) [البقرة: ٢٠٦]، (وإن للطاغين لشر مئاب*جهنم يصلونها فبئس المهاد) [ص: ٥٥-٥٦] .
المطلب الثالث: الدعاة إلى النار
أصحاب المبادئ الضالة، والمذاهب الباطلة المخالفون لشرع الله، الدعاة المؤمنون بباطلهم هم دعاة النار، (أولئك يدعون إلى النار) [البقرة: ٢٢١]،
[ ٥٢ ]
(وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) [القصص: ٤١]، ومن هؤلاء الشيطان (أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) [لقمان: ٢١]، (إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) [فاطر: ٦] .
وهؤلاء الذين يدعون إلى النار في الدنيا يقودون أقوامهم وأتباعهم إلى النار في الآخرة، ففرعون مثلًا: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) [هود: ٩٨] . وكل قادة الشر الذين يدعون إلى عقائد ومبادئ مخالفة للإسلام هم دعاة إلى النار، لأن الطريق الوحيد الذي ينجي من النار ويدخل الجنة هو طريق الإيمان (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار) [غافر: ٤١]، كانوا يدعونه إلى فرعون وكفره وشركه، وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده والإيمان به.
ولما كان الكفار دعاة إلى النار حرم الله على المؤمنين الزواج من المشركات، كما حرم على المؤمنات الزواج من المشركين (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون) [البقرة: ٢٢١] .
المطلب الرابع: أعظم جرائم الخالدين في النار
لقد أطال القرآن في تبيان جرائم الخالدين الذين استحقوا بها الخلود في النيران، ونحن نذكر هنا أهمها:
[ ٥٣ ]
١- الكفر والشرك: فقد أخبرنا الحق ﵎ أن الذين كفروا يُنادَون عندما يكونون في النار. فيقال لهم: إن مقت الله لكم أعظم من مقتكم أنفسكم بسبب كفركم بالإيمان، ثم بين أن خلودهم في النار إنما هو بسبب كفرهم وشركهم (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون*قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل*ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير) [غافر: ١٠] .
وحدثنا الحق ﵎ أن خزنة النار يسألون الكفار عند ورودهم النار قائلين: (أولم تكُ تأتيكم رسلكم بالبينات) [غافر: ٥٠]، فيكون الجواب: أنهم استحقوا النار بسبب تكذيبهم المرسلين، وما جاؤوا به (قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير) [الملك: ٩] .
وقال في المكذبين بالكتاب: (وقد آتيناك من لدنا ذكرا*من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا خالدين فيها وساء لهم يوم القيامة حملا) [طه: ٩٩-١٠١] .
وقال في المكذبين بالكتاب المشركين بالله: (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون*إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في الحميم ثم في النار يسجرون* ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون* من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئًا كذلك يضل الله الكافرين* ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون* ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) [غافر: ٧٠-٧٦] .
[ ٥٤ ]
وقال في الكفرة المشركين المسوين آلهتم برب العالمين (فكبكبوا فيها هم والغاوون* وجنود إبليس أجمعون* قالوا وهم فيها يختصمون*تالله إن كنا لفي ضلال مبين* إذ نسويكم برب العالمين) [الشعراء: ٩٤-٩٨] .
وقال في حق المكذبين بيوم الدين: (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) [الفرقان: ١١]، (وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابًا أءنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [الرعد: ٥] . وقال: (مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا*ذلك بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أءذا كنا عظامًا ورفاتًا أءنا لمبعوثون خلقًا جديدا) [الإسراء: ٩٧-٩٨] .
٢- عدم القيام بالتكاليف الشرعية مع التكذيب بيوم الدين وترك الالتزام بالضوابط الشرعية، فقد أخبرنا الحق ﵎ أن أهل الجنة يسألون أهل النار قائلين: (ما سلككم في صقر) [المدثر: ٤٢]، فيجيبون قائلين: (لم نك من المصلين*ولم نك نطعم المسكين* وكنا نخوض مع الخائضين*وكنا نكذب بيوم الدين*حتى أتانا اليقين) [المدثر: ٤٣-٤٧] .
٣- طاعة رؤساء الضلال وزعماء الكفر فيما قرروه من مبادئ الضلال وخطوات الكفر التي تصد عن دين الله ومتابعة المرسلين. قال تعالى في هؤلاء: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم
[ ٥٥ ]
القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين*وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون* فلنذيقن الذين كفروا عذابًا شديدًا ولنجزينهم أسوأ الذين كانوا يعملون* ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون) [فصلت: ٢٥-٢٨] .
وعندما يحل الكفار في النار، وتقلب وجوههم فيها يتندمون لعدم طاعتهم الله ورسوله، وطاعتهم السادة الكبراء: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا*خالدين فيها أبدًا لا يجدون وليا ولا نصيرا* يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا* وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) [الأحزاب: ٦٤-٦٧] .
٤- النفاق: وعد الله المنافقين النار، وهو وعد قطعه على نفسه لا يخلفه: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) [التوبة: ٦٨]، وأخبرنا أن موقع المنافقين في النار هو دركاتها السفلى، وهي أشدها حرًا، وأكثرها إيلامًا) إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء: ١٤٥] .
٥- الكبر: وهذه صفة يتصف بها عامة أهل النار، قال تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [الأعراف: ٣٦] .
وقد عقد مسلم في صحيحه بابًا عنون له يقوله: " باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء " وذكر فيه احتجاج الجنة والنار وما قالتا وما قال الله
[ ٥٦ ]
لهما، وساق فيه حديث أبي هريرة يرفعه إلى الرسول - ﷺ -، وفيه أن النار قالت: "يدخلني الجبارون والمتكبرون" وفي رواية قالت: " أوثرت بالمتكبرين والجبارين ". وقال الله لها: " أنت عذابي أعذب بك من أشاء ". (١)
وفي صحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي عن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر " (٢)، وفي رواية لمسلم: " كل جواظ زنيم متكبر ". (٣)
ومصداق هذا في كتاب الله ﵎: (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) [الزمر: ٦٠]، وقوله: (فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق) [الأحقاف: ٢٠]، وقوله: (فأما من طغى*وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى) [النازعات: ٣٧] .
المطلب الخامس: جملة الجرائم التي تدخل النار
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ما عمل أهل النار، وما عمل أهل الجنة؟ فأجاب: " عمل أهل النار: الإشراك بالله تعالى، والتكذيب
_________________
(١) صحيح مسلم: (٤/٢١٨٦) ورقم الحديث: ٢٨٤٦.
(٢) جامع الأصول: (١٠/٥٤٧) ورقم الحديث: ٨١١١
(٣) انظر الحديث ورواياته في (صحيح مسلم) كتاب الجنة (باب النار يدخلها الجبارون): (٤/٢١٩٠) ورقمه ٢٨٥٣، والمتل: الغليظ الجافي الذي لا يتقاد للخير، والزنيم: الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، أو هو اللثيم في أخلاق الناس، والجواظ: الذي جمع ومنع.
[ ٥٧ ]
للرسل، والكفر، والحسد، والكذب، والخيانة، والظلم، والفواحش، والغدر، وقطيعة الرحم، والجبن عن الجهاد، والبخل، واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والجزع عند المصائب، والفخر والبطر عند النعم، وترك فرائض الله، واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته، وخوف المخلوق دون الخالق، والعمل رياءً وسمعة، ومخالفة الكتاب والسنة، أي اعتقادًا وعملًا، وطاعة المخلوق في معصية الخالق، والتعصب للباطل، واستهزاء بآيات الله، وجحد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة، والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والربا، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ". (١)
وقد ذكر الرسول - ﷺ - جماع الذنوب التي تدخل النار، ففي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبة له طويلة: " وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له (٢)، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغون أهلا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع (٣)، وإن دقّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسى إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك. وذكر البخل، والكذب، والشنظير (٤)، الفحاش ". (٥)
_________________
(١) يقظة أولي الاعتبار، ص ٢٢٢.
(٢) أي لا عقل له يمنعه مما لا ينبغي، وقيل: هو الذي لا مال له.
(٣) أي لا يظهر له.
(٤) هو الفحاش كما هو مفسر في الحديث.
(٥) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار: (٤/٢١٩٧) . ورقمه: ٢٨٦٥.
[ ٥٨ ]
المطلب السادس: أشخاص بأعيانهم في النار
الكفار المشركون في النار لا شك في ذلك، وقد أخبرنا القرآن الكريم، كما أخبرنا الرسول - ﷺ - أن أشخاصًا بأعيانهم في النار، فمن هؤلاء فرعون موسى، (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) [هود: ٩٨] .
ومنهم امرأة نوح وامرأة لوط، (ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئًا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [التحريم: ١٠] .
ومنهم أبو لهب وامرأته (تبت يدا أبي لهب وتب*ما أغنى عنه ماله وما كسب* سيصلى نارًا ذات لهب* وامرأته حمالة الحطب* في جيدها حبل من مسد) [المسد] ومنهم عمرو بن عامر الخزاعي، فقد رآه الرسول يجر أمعاءه في النار (١)، ومنهم الذي قتل عمار وسلبه، ففي معجم الطبراني بإسناد صحيح عن عمرو بن العاص وعن ابنه عن النبي - ﷺ - قال: " قاتل عمار وسالبه في النار ". (٢)
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد، وقد ذكرنا نص الحديث في موضع آخر.
(٢) صحيح الجامع: (٤/١١٠) ورقمه: ٤١٧٠.
[ ٥٩ ]
المطلب السابع: كفرة الجن في النار
كفرة الجن يدخلون النار كما يدخلها كفرة الإنس، فالجن مكلفون كالإنس (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات: ٥٦] .
وفي يوم القيامة يحشر الجن والإنس على حد سواء: (ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) [الأنعام: ١٢٨]، (فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا* ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا*ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا) [مريم: ٦٨-٧٠] ثم يقال للكفرة منهم: (ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار) [الأعراف: ٣٨]، وعند ذلك يكبكبون في النار: (فكبكبوا فيها هم والغاوون*وجنود إبليس أجمعون) [الشعراء: ٩٤-٩٥]، وبذلك تتم كلمة الله القاضية بملء النار من كفرة الجن والإنس (وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) [هود: ١١٩] (وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس) [فصلت: ٢٥] .
[ ٦٠ ]
المبحث الثاني: الذين لا يخلدون في النار
المطلب الأول: التعريف بهم
الذين يدخلون النار، ثم يخرجون منها هم أهل التوحيد الذين لم يشركوا بالله شيئًا، ولكن لهم ذنوب كثيرة فاقت حسناتهم، فخفت موازينهم، فهؤلاء يدخلون النار مددًا يعلمها الله ﵎، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ويخرج الله برحمته أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط.
المطلب الثاني: الذنوب المتوعد عليها بالنار
سنذكر هنا بعض الذنوب التي جاءت النصوص مخبرة أن أهلها يعذبون بسببها في النار:
١- الفرق المخالفة للسنة:
روى أبو داود والدارمي وأحمد والحاكم وغيرهم عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: ألا إن رسول الله - ﷺ - قام فينا فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة ".
[ ٦١ ]
وهذا حديث صحيح. قال فيه الحاكم بعد سياقه لأسانيده: "هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح الحديث". ووافقه الذهبي. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية فيه: " هو حديث صحيح مشهور ". وصححه الشاطبي في " الاعتصام "، وقد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني طرقه وتكلم على أسانيده، وبين أنه حديث صحيح لا شك في صحته. (١)
وقد ذهب صديق حسن خان إلى أن الزيادة التي في الحديث وهي " كلها هالكة إلا واحدة " ومثلها: " ثنتان وسبعون في النار " زيادة ضعيفة. ونقل تضعيف ذلك عن شيخه الشوكاني ومن قبله عن ابن الوزير ومن قبله عن ابن حزم. وقد استحسن قول من قال: " إن هذه الزيادة من دسيس الملاحدة، فإن فيها التفير عن الإسلام والتخويف من الدخول فيه ". (٢)
وقد رد الشيخ ناصر الدين الألباني على من ضعّف هذه الزيادة من وجهين:
الأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعفها.
الثاني: أن الذين صححوها أكثر وأعلم من ابن حزم، لا سيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده بالنقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة، فكيف إذا خالف.
وأما ابن الوزير فإنه يرد الزيادة من جهة المعنى لا من جهة الإسناد، وقد تكلم على هذا صديق حسن خان في "يقظة أولى الاعتبار" مبينًا أن مقتضى الزيادة أن الذي يدخل الجنة من هذه الأمة قليل، والنصوص الصحيحة الثابتة تدل على
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، ورقم الحيث: (٢٠٤) .
(٢) يقظة أولي الاعتبار: ص ٢٠٦.
[ ٦٢ ]
أن الداخلين من هذه الأمة الجنة كثير كثير، يبلغون نصف أهل الجنة. (١)
والرد على هذا من عدة وجوه:
الأول: ليس معنى انقسام الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة أن يكون أكثر الأمة في النار، لأن أكثر الأمة عوام لم يدخلوا في تلك الفرق، والذين افترقوا وقعّدوا وأصّلوا مخالفين السنة قليل بالنسبة للذين جانبوا ذلك كله.
الثاني: ليس كل من خالف أهل السنة في مسألة من مسائل يعد من الفرق المخالفة للسنة، بل المراد بهم الذين تبنوا أصولًا تصيرهم فرقة مستقلة بنفسها، تركوا من أجلها كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، كالخوارج والمعتزلة والرافضة.
أما الذين يتبنون الكتاب والسنة ولا يحيدون عنهما، فإنهم إذا خالفوا في مسألة من المسائل لا يعدون فرقة من الفرق.
الثالث: الزيادة دلت على أن الفرق في النار، ولكنها لم توجب لهم الخلود في النار.
ومن المعلوم أن بعض أهل هذه الفرق كفرة خالدون في النار، كغلاة الباطنية الذين يُظِهرون الإيمان ويُبطنون الكفر كالإسماعيلية والدروز والنصيرية ونحوهم.
ومنهم الذين خالفوا أهل السنة في مسائل كبيرة عظيمة، ولكنها لا تصل إلى الكفر، فهؤلاء ليس لهم وعد مطلق بدخول الجنة، ولكنهم تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم، وقد تكون لهم أعمال صالحة عظيمة تنجيهم من
_________________
(١) انظر كلام الشيخ في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) حديث رقم (٢٠٤)، و(بقظة أولي الاعتبار) . ص٢٠٧.
[ ٦٣ ]
النار، وقد ينجون من النار بشفاعة الشافعين، وقد يدخلون النار، ويمكثون فيها ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يخرجون منها بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين.
٢- الممتنعون من الهجرة:
لا يجوز للمسلم أن يقيم في ديار الكفر إذا وجدت ديار الإسلام خاصة إذا كان مكثه في ديار الكفر يعرضه للفتنة، ولم يقبل الله الذين تخلفوا عن الهجرة، فقد أخبرنا الحق أن الملائكة تُبَكّت هذا الصنف من الناس حال الموت، ولا تعذرهم عندما يدعون أنهم كانوا مستضعفين في الأرض (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تك أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) [النساء: ٩٧ - ٩٨]، فلم يعذر الله من هؤلاء إلا المستضعفين الذين لا يجدون حيلة للخروج، ولا يهتدون إلى الطريق الذي يوصلهم إلى ديار الإسلام.
٣- الجائرون في الحكم:
أنزل الله الشريعة ليقوم الناس بالقسط، وأمر الله عباده بالعدل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) [النحل: ٩٠]، وفرض على الحكام والقضاة الحكم بالعدل وعدم الجور (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) [النساء: ٥٨]، وقد تهدد الحق الذين لا يحكمون بالحق بالنار، فقد روى
[ ٦٤ ]
بريدة بن الحصيب أن رسول الله - ﷺ -، قال: " القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار" أخرجه أبو داود. (١)
٤- الكذب على الرسول الله - ﷺ -:
عقد ابن الأثير في كتابه الكبير: " جامع الأصول فصلًا ساق فيه كثيرًا من الأحاديث التي تحذر من الكذب على الرسول - ﷺ -، فمنها ما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن على بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تكذبوا على، فإنه من كذب علي يلج النار ".
ومنها ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " من تقول عليّ ما لم أقل (٢)، فليتبوأ مقعده في النار ". (٣)
ومنها ما رواه البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ".
ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي معتمدًا فليتبوأ مقعده من النار ". (٤)
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/١٦٧)، وقال محقق الكتاب، وهو حديث صحيح.
(٢) تقول عليه: إذا قال عنه ما لم يقله.
(٣) التبوؤ: اتخاذ المنزل، لأن المباءة المنزل.
(٤) جامع الأصول: (١٠/٦١١)، وقد ساق روايات أخرى فارجع إليه إن أحببت الاطلاع على جميع ما ساقه.
[ ٦٥ ]
٥- الكبر:
من الذنوب الكبار الكبر، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما أدخلته النار " وفي رواية " أذقته النار " رواه مسلم.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، قال: " إن الله جميل يحب الجمال. الكبر: بطر الحق، وغمط الناس " رواه مسلم. (١)
٦- قاتل النفس بغير حق:
قال تعالى: (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيما) [النساء: ٩٣] .
فلا يجوز في دين الله قتل النفس المسلمة إلا بإحدى ثلاث كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك للجماعة ". (٢)
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ". قال ابن
_________________
(١) انظر هذين الحديثين وأحاديث أخرى في ذم الكبر والترهيب منه في (مشكاة المصابيح) (٣/٦٣٤-٦٣٥) . وهو في مسلم برقم: ٩١.
(٢) تفسير ابن كثير: (٢/٣٥٥) . وهو في البخاري برفم: ٦٨٧٨. وفي مسلم برقم: ١٦٧٦.
[ ٦٦ ]
عمر: " إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله " (١) . وقد حذر الرسول - ﷺ - المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضًا، وأخبر أن القاتل والمقتول في النار، فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قال: فقلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصًا على قتل صاحبه " (٢) . ولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه، خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخيه (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين*لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقلتك إني أخاف الله رب العالمين* إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) [المائدة: ٢٧ - ٢٩] .
٧- أكلة الربا:
من الذنوب التي توبق صاحبها الربا، وقد قال الحق في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله له: (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [البقرة: ٢٧٥]، وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين) [آل عمران: ١٣٠-١٣١] .
وقد عده
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: [ومن يقتل مؤمنا متعمد]، فتح الباري: (١٢/١٨٧) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما: (٤/٢٢١٣) .
[ ٦٧ ]
الرسول - ﷺ - في الحديث المتفق عليه واحدًا من سبعة ذنوب توبق صاحبها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " اجتنبوا السبع الموبقات ". قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ". (١)
٨- أكلة أموال الناس بالباطل:
من الظلم العظيم الذي يستحق به صاحبه النار أكل أموال الناس بالباطل، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما* ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرًا ([النساء: ٢٩-٣٠] .
ومن أكل أموال الناس بالباطل أكل أموال اليتامى ظلمًا، وقد خص الحق أموالهم بالذكر لضعفهم وسهولة أكل أموالهم، ولشناعة هذه الجريمة (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرا) [النساء: ١٠] .
٩- المصورون:
أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون الذين يضاهئون خلق الله، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إن أشدّ الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون ". (٢)
_________________
(١) صحيح البخاري: ٢٧٦٦. وصحيح مسلم: ٨٩.
(٢) صحيح البخاري: ٥٩٥٠، وصحيح مسلم: ٢١٠٩.
[ ٦٨ ]
وعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا، فتعذبه في جهنم " متفق عليه. (١)
وعن عائشة أن الرسول - ﷺ - قال في النمرقة التي فيها تصاوير: " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم " متفق عليه. (٢)
وعن عائشة أيضًا، عن النبي - ﷺ - قال: " أشدّ الناس عذابًا الذين يضاهون بخلق الله " متفق عليه. (٣)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " قال ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة " متفق عليه. (٤)
١٠ – الركون إلى الظالمين:
من الأسباب التي تدخل النار الركون إلى الظالمين أعداء الله وموالاتهم، (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) [هود: ١١٣] .
_________________
(١) صحيح مسلم: ٢١١٠. ورواه البخاري بألفاظ مقاربة: ٢٢٢٥، ٥٩٦٣.
(٢) صحيح البخاري: ٥٩٥٧. وصحيح مسلم: ٢١٠٧.
(٣) صحيح البخاري: ٥٩٥٤. وصحيح مسلم: ٢١٠٧.
(٤) صحيح البخاري: ٥٩٥٣، وصحيح مسلم: ٢١١١. واللفظ لمسلم.
[ ٦٩ ]
١١ – الكاسيات العاريات والذين يجلدون ظهور الناس:
من الأصناف التي تصلى النار الفاسقات المتبرجات اللواتي يفتن عباد الله، ولا يستقمن على طاعة الله، فقد روى أبو هريرة ﵁ النبي - ﷺ - قال: " صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا " أخرجه مسلم، والبيهقي، وأحمد. (١)
قال القرطبي في الذين معهم سياط كأذناب البقر: "وهذه الصفة للسياط مشاهدة عندنا بالمغرب إلى الآن " قال صديق حسن خان معقبًا على قول القرطبي: " بل هو مشاهد في كل مكان وزمان، ويزداد يومًا فيومًا عند الأمراء والأعيان، فنعوذ بالله من جميع ما كرهه الله " (٢) . أقول: ولا زلنا نرى هذا الصنف من الناس في كثير من الديار يجلدون أبشار الناس، فتبًّا لهؤلاء وأمثالهم.
والكاسيات العاريات كثيرات في زماننا، ولعله لم يسبق أن انتشرت فتنتهن كما انتشرت في زماننا، وهن على النعت الذي وصفه الرسول - ﷺ -: كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت.
١٢- الذين يعذبون الحيوان:
روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عُرضَت عليّ
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٣١٦) ورقم الحديث: ١٣٢٦.
(٢) يقظة أولي الاعتبار: ص ١١٣.
[ ٧٠ ]
النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تُعذّب في هرة لها، ربطتها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت جوعًا ". (١)
إذا كان هذا حال من يعذب هرة، فكيف من يتفنن في تعذيب العباد؟ فكيف إذا كان التعذيب للصالحين منهم بسبب إيمانهم وإسلامهم؟
١٣ - عدم الإخلاص في طلب العلم:
ساق الحافظ المنذري كثيرًا من الأحاديث التي ترهب من تعلّم العلم لغير الله، منها: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه الله ﷿، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " يعنى ريحها. رواه أبو داود وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم. (٢)
وعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، من فعل ذلك فالنار النار " رواه ابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي. (٣)
وعن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال: " من تعلم علمًا لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار". رواه الترمذي وابن ماجة كلاهما عن خالد بن دريك عن ابن عمر، ولم يسمع منه. ورجال إسنادهما ثقات. (٤)
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/٦٨٨) .
(٢) وهو في سنن أبي داود: ٣٦٦٤. وأورده الألباني في صحيح أبي داود: ٣١١٢، وصحيح ابن ماجه: ٢٥٢، وقال: صحيح.
(٣) أورده الألباني في صحيح سنن ابن ماجه: ٢٥٤. وقال فيه: صحيح.
(٤) انظر هذه الأحاديث وتخريجها في: (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري: (١/٩١) .
[ ٧١ ]
١٤- الذين يشربون في آنية الذهب والفضة:
روى البخاري ومسلم عن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجر في بطنه نار جهنم ". وفي رواية لمسلم: " إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب ". (١)
وعن حذيفة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة " متفق عليه. (٢)
١٥- الذي يقطع السدر الذي يظل الناس:
عن عبد الله بن حبيش قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار " رواه أبو داود. (٣)
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة عن رسول الله - ﷺ - قال: " إن الذين يقطعون السدر يصبون في النار على رؤوسهم صبًا ". (٤)
١٦- جزاء الانتحار:
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عن النبي - ﷺ - قال: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٢/٤٦٢) . صحيح مسلم: ٢٠٦٥. ورواه البخاري: ٥٦٣٤ بلفظ "الذي يشرب في إناء الفضة ".
(٢) صحيح البخاري: ٥٤٢٦. وصحيح مسلم: ٢٠٦٧.
(٣) مشكاة المصابيح: (٢/١٢٥)، وأورده الشيخ ناصر في (صحيح الجامع): (٥/٣٤١)، ورقم الحديث: (٦٣٥٢) وعزاه إلى أبي داود والضياء في (المختارة) وقال: صحيح. وهو في سنن أبي داود برقم: ٥٢٣٩. وبعد رواية الحديث جاء ما يلي: سئل أبو داود معنى هذا الحديث، فقال: هذا الحديث مختصر، يعني: من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم، عبثًا وظلمًا بغير حق له فيها، صوب الله رأسه في النار.
(٤) عزاه في (صحيح الجامع) (٢/٨٨) إلى البيهقي في (السنن) وقال فيه: صحيح.
[ ٧٢ ]
أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه، فهو في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ". (١)
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار ". (٢)
_________________
(١) صحيح البخاري: ٥٧٧٨. وصحيح مسلم: ١٠٩ واللفظ لمسلم.
(٢) صحيح البخاري: ١٣٦٥.
[ ٧٣ ]
الفصل السادس: كثرة أهل النار
المبحث الأول: النصوص الدالة على ذلك
جاءت النصوص كثيرة وافرة دالة على كثرة من يدخل النار من بني آدم، وقلة من يدخل الجنة منهم.
قال تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: ١٠٣]، وقال: (ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين) [سبأ: ٢٠] . وقال الحق ﵎ لإبليس: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) [ص: ٨٥] . فكل من كفر فهو من أهل النار على كثرة من كفر من بني آدم.
ويدلك على كثرة الكفرة المشركين الذين رفضوا دعوة الرسل أن النبي بأتي في يوم القيامة ومعه الرهط، وهم جماعة دون العشرة، والنبي ومعه الرجل
[ ٧٥ ]
والرجلان، بل إن بعض الأنبياء يأتي وحيدًا لم يؤمن به أحد، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: " عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد..". (١)
وجاءت نصوص كثيرة تدل على أنه يدخل في النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف، وواحد فقط هو الذي يدخل الجنة. فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، ثم يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى وما هم بسكرى، ولكن عذاب الله شديد. فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل. ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة. قال: فحمدنا الله وكبرنا. ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار ". (٢)
وروى عمران بن حصين أن رسول الله - ﷺ - قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير، رفع بهاتين الآيتين صوته: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم* يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع
_________________
(١) صحيح مسلم: (١/١٩٨) . ورقم الحديث: ٢٢٠.
(٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب قول الله ﷿: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) فتح الباري: (١١/٣٨٨) .
[ ٧٦ ]
كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) [الحج: ١-٢]، فلما سمع أصحابه ذلك حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما دنوا حوله قال: " أتدرون أي يوم ذاك؟ قال: ذاك يوم يُنادى آدم ﵇، فيناديه ربه ﷿، فيقول: يا آدم ابعث بعثًا إلى النار. فيقول: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد في الجنة ". قال: فأبلس أصحابه، حتى ما أوضحوا بضاحكة. فلما رأى ذلك قال: " أبشروا واعملوا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج يأجوج، ومن هلك من بنى آدم وبني إبليس " قال: فسري عنهم، ثم قال: " اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو الرقمة في ذراع الدابة " رواه أحمد والترمذي والنسائي في كتاب التفسير في سننهما، وقال الترمذي: حسن صحيح. (١)
وروى الترمذي في سننه عن عمران بن حصين أن النبي - ﷺ - قال لما نزلت (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) [الحج: ١]، قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر، فقال: " أتدرون أي يوم ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة "، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله - ﷺ -: " قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن
_________________
(١) تفسير ابن كثير: (٤/٦١٠) . وهو في مسند أحمد (٤/٤٣٥) . سنن الترمذي: ٣١٦٩.
[ ٧٧ ]
تمت، وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير "، ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا "، ثم قال: ولا أدري أقال: الثلثين أم لا. وكذا رواه الإمام أحمد، وقال الترمذي فيه: هذا حديث حسن صحيح. (١)
وقد يقال كيف تجمع بين هذه الأحاديث وبين ما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " أول من يدعى يوم القيامة آدم، فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا رب، كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين فقالوا: يا رسول الله، إذا أخذ منا من كل مائه تسعة وتسعون، فما يبقى منا؟ قال: إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ". (٢)
والظاهر أن هذه الرواية لا تخالف الروايات الأخرى الصحيحة التي سقناها من قبل، فإن ذلك العدد باعتبار معين، وهذا العدد باعتبار آخر.
فالأحاديث التي تجعل النسبة تسعمائة وتسعة وتسعين يمكن تحمل على جميع ذرية أدم، وحديث البخاري الذي يجعلها تسعة وتسعين تحمل على جميع ذريته ما عدا يأجوج ومأجوج، ويقرب هذا الجمع – كما يقول ابن حجر – أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة، ويمكن أن يقال: إن الأحاديث الأولى تتعلق بالخلق أجمعين، فإذا جعلت نسبة من يدخل النار إلى من يدخل الجنة باعتبار الأمم جميعًا تكون النسبة (٩٩٩)، ويكون حديث البخاري الأخير مبينًا نسبة من يدخل النار من هذه الأمة دون سواها، قال ابن حجر: " ويُقربه – أي هذا
_________________
(١) تفسير ابن كثير: (٤/٦١٠) . وهو في سنن الترمذي: ٣١٦٨.
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الحشر، فتح الباري: (١١/٣٧٨) .
[ ٧٨ ]
القول – قولهم في حديث أبى هريرة " إذا أخذ منا "، ثم قال: " ويحتمل أن تقع القسمة مرتين مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة، فيكون من كل ألف واحد إلى الجنة، ومرة من هذه الأمة، فيكون من كل ألف عشرة ". (١)
_________________
(١) فتح الباري: (١١/٣٩٠)، وقد ساق أقوالًا أخرى، فارجع إليه إن أحببت الاطلاع على المزيد.
[ ٧٩ ]
المبحث الثاني: السر في كثرة أهل النار
ليس السبب في كثرة أهل النار هو عدم بلوغ الحق إلى البشر على اختلاف أزمانهم وأمكنتهم، فإن الله لا يؤاخذ العباد إذا لم تبلغهم دعوته، (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الإسراء: ١٥]، ولذلك فإن الله أرسل في كل أمة نذيرًا، (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) [فاطر: ٢٤] .
ولكن السبب وراء ذلك يعود إلى قلة الذين استجابوا للرسل وكثرة الذين كفروا بهم، وكثير من الذين استجابوا لم يكن إيمانهم خالصًا نقيًا.
وقد تعرض ابن رجب في كتابه " التخويف من النار " إلى السبب في قلة أهل الجنة، وكثرة أهل النار فقال: " فهذه الأحاديث وما في معناها تدل على أن أكثر بني آدم من أهل النار، وتدل أيضًا على أن أتباع الرسل قليل بالنسبة إلى غيرهم، وغير أتباع الرسل كلهم في النار إلا من لم تبلغه الدعوة أو لم يتمكن من فهمها على ما جاء فيه من الاختلاف، والمنتسبون إلى أتباع الرسل كثير منهم من تمسك بدين منسوخ، وكتاب مبدل، وهم أيضًاَ من أهل النار كما قال تعالى: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) [هود: ١٧] .
[ ٨٠ ]
وأما المنتسبون إلى الكتاب المحكم والشريعة المؤيدة والدين الحق فكثير منهم من أهل النار أيضًا، وهم المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وأما المنتسبون إليه ظاهرًا وباطنًا فكثير منهم فتن بالشبهات، وهم أهل البدع والضلال، وقد وردت الأحاديث على أن هذه الأمة ستفترق على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، وكثير منها أيضًا فتن بالشهوات المحرمة المتوعد عليها بالنار - وإن لم يقتض ذلك الخلود فيها - فلم ينج من الوعيد بالنار، ولم يستحق الوعد المطلق بالجنة من هذه الأمة إلا فرقة واحدة، وهو ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه ظاهرًا وباطنًا، وسلم من فتنة الشهوات والشبهات، وهؤلاء قليل جدًا لا سيما في الأزمان المتأخرة ". (١)
ولعل السبب الأعظم هو اتباع الشهوات، ذلك أن حب الشهوات مغروس في أعماق النفس الإنسانية (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا) [آل عمران: ١٤] .
وكثير من الناس يريد الوصول إلى هذه الشهوات عن الطريق التي تهواها نفسه ويحبها قلبه، ولا يراعي في ذلك شرع الله المنزل، أضف إلى هذا تمسك الأبناء بميراث الآباء المناقض لشرع الله (ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) [الزخرف: ٢٣-٢٤] .
_________________
(١) التخويف من النار، لابن رجب، ص ٢١٤.
[ ٨١ ]
وإلف ما كان عليه الآباء وتقديسه داء ابتليت به الأمم، لا يقل أثره عن الشهوات المغروسة في أعماق الإنسان، إن لم يكن هو شهوة في ذاته.
وقد روى الترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: " لما خلق الله النار، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فلما رجع، قال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها". أخرجه الترمذي وأبو داود، وزاد النسائي: بعد قوله: "اذهب فانظر إليها"، "وإلى ما أعددت لأهلها فيها ". (١)
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره ". أخرجه البخاري ومسلم، ولمسلم " حفت " بدل: " حجبت ". (٢)
قال صديق حسن خان: "والمراد بالشهوات مرادات النفوس ومستلذاتها وأهويتها " (٣)، وقال القرطبي: " الشهوات كل ما يوافق النفس ويلائمها، وتدعو إليه، ويوافقها، وأصل الحفاف الدائر بالشيء المحيط به، الذي لا يتوصل إليه بعد أن يتخطى ". (٤)
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٢٠)، ورقمه: ٨٠٦٨، وقال المحقق: قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) المصدر السابق: (١٠/٥٢٠)، ورقمه: ٨٠٦٩.
(٣) يقظة أو لي الاعتبار: ص ٢٢٠.
(٤) المصدر السابق.
[ ٨٢ ]
المبحث الثالث: أكثر من يدخل النار النساء
أكثر من يدخل النار من عصاة الموحدين النساء، كما في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -، إنه قال في خطبة الكسوف " أريت النار، فلم أر منظر كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء ". (١)
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - أنه قال: " يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار " فقلن: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: " تكثرن اللعن، وتكفرن المشير ". (٢)
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد: " وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء ".
وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين عن النبي - ﷺ - قال: " إن أقل ساكني الجنة النساء ". (٣)
وهذا لا ينافي أن كل واحد من أهل الجنة له أكثر من زوجة، فإن المراد بالنساء اللواتي هن أكثر أهل النار من كان منهن من ذرية آدم، أما زوجات أهل الجنة الكثيرات فهن من الحور العين.
" وإنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذ بصائرها إلى الآخرى، فيضعفهن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين لها، ومع ذلك هن أقوى أسباب
_________________
(١) صحيح البخاري: ١٠٥٢. وصحيح مسلم: ٩٠٧.
(٢) صحيح البخاري: ١٤٦٢، وصحيح مسلم: ٧٩، ٨٠
(٣) صحيح البخاري: ٢٥٤٦، وصحيح مسلم: ٢٧٣٦.
[ ٨٣ ]
الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة، لما فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن صارفات عنها لغيرهن، سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى، وأعمالها من المتقين " (١) . ومع ذلك ففيهن صالحات كثير، يقمن حدود الله، ويلتزمن شريعته ويطعن الله ورسوله، ويدخل منهن الجنة خلق كثير، وفيهن من يسبقن كثيرًا من الرجال بإيمانهن وأعمالهن الصالحة.
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: (١/٣٦٩) .
[ ٨٤ ]
الفصل السابع: عظم خلق أهل النار
يدخل أهل الجحيم النار على صورة ضخمة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، ففي الحديث الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله - ﷺ - قال: " ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع " رواه مسلم (١) . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث ". (٢)
وقال زيد بن أرقم: " إن الرجل من أهل النار ليعظم للنار، حتى يكون الضرس من أضراسه كأحد ". رواه أحمد وهو مرفوع، ولكن زيدًا لم يصرح برفعه. (٣)
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن غلظ جلد الكافر اثنان
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب يدخلها الجبارون: (٤/٢١٩٠) .
(٢) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون: (٤/٢١٨٩)، وعزاه في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/١٣٢) إلى مسلم والترمذي والحاكم وابن حبان وأحمد.
(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/١٣١)، وقال فيه: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٨٥ ]
وأربعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة " رواه الترمذي. (١)
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعًا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، ومقعده من النار ما بيني وبين الربذة " أخرجه الحاكم وأحمد. (٢)
وهذا التعظيم لجسد الكافر ليزداد عذابه وآلامه، يقول النووي في شرحه لأحاديث مسلم في هذا الباب: " هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به " (٣) . وقال ابن كثير معلقًا على ما أورده من هذه الأحاديث: "ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال شديد العقاب: (ليذوقوا العذاب) [النساء: ٥٦] . (٤)
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/١٠٣)، وقال محقق المشكاة: "رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، قلت: وسنده صحيح".
(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/٩٤)، ونسب إلى الحاكم والذهبي تصحيح الحديث ووافقهما عل ذلك على ضعف في أحد رواة الحديث وهو ابن إسحاق، وقد ساق المؤلف كثيرًا من المتابعات والشواهد للحديث. والبيضاء اسم جبل. أو يعني بها المدينة المعروفة بالمغرب.
(٣) شرح النووي على مسلم: (١٧/١٨٦) .
(٤) النهاية لابن كثير: (٢/١٣٩) .
[ ٨٦ ]
الفصل الثامن: طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم
طعام أهل النار الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين والغساق، قال تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع* لا يسمن ولا يغني من جوع) [الغاشية: ٦-٧]، والضريع شوك بأرض الحجاز يقال له الشبرق. وعن ابن عباس: الشبرق: نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، فإذا هاج سمي ضريعًا. وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه (١) . وهذا الطعام الذي يأكله أهل النار لا يفيدهم، فلا يجدون لذة، ولا تنتفع به أجسادهم، فأكلهم له نوع من أنواع العذاب.
وقال تعالى: (إن شجرت الزقوم*طعام الأثيم*كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم) [الدخان: ٤٣-٤٦] وقد وصف شجرة الزقوم في آية أخرى فقال: (أذلك خيرٌ نزلًا أم شجرة الزقوم* إنا جعلناها فتنة للظالمين* إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم*طلعها كأنه رؤوس الشياطين* فإنهم لأكلون منها فمالئون منها البطون*
_________________
(١) التخويف من النار، لابن رجب: ص ١١٥.
[ ٨٧ ]
ثم إن لهم عليها لشوبًا من حميم* ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) [الصافات: ٦٢-٦٨] .
وقال في موضع آخر: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون* لأكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم* هذا نزلهم يوم الدين) [الواقعة: ٥١-٥٦] .
ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه برؤوس الشياطين، وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم، ومع خبث هذه الشجرة وخبث طلعها، إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفرًا من الأكل منها إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم كما يغلي دردي الزيت، فيجدون لذلك الآمًا مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ اندفعوا إلى الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهى حره، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم (وسقوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم) [محمد: ١٥] . هذه هي ضيافتهم في ذلك اليوم العظيم، أعاذنا الله من حال أهل النار بمنه وكرمه.
وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غصوا به لقبحه وخبثه وفساده (إن لدينا أنكالًا وجحيمًا* وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليما) [المزمل: ١٢-١٣]، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه.
[ ٨٨ ]
وقد صور لنا الرسول - ﷺ - شناعة الزقوم وفظاعته، فقال: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (١)
ومن طعام أهل النار الغسلين، قال تعالى: (فليس له اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون) [الحاقة: ٣٥-٣٧]، وقال تعالى: (هذا فليذوقوه حميم وغساق* وآخر من شكله أزواج) [ص: ٥٧-٥٨] .
والغسلين والغساق بمعنى واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، وقيل: ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم، وقال القرطبى: هو عصارة أهل النار. (٢)
وقد أخبر الحق أن الغسلين واحد من أنواع كثيرة تشبه هذا النوع في فظاعته وشناعته.
أما شرابهم فهو الحميم، قال تعالى: (وسقوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم) [محمد: ١٥]، وقال: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) [الكهف: ٢٩]، وقال: (ويسقى من ماء صديد* يتجرعه ولا يكاد يسيغه) [إبراهيم: ١٦-١٧]، وقاا: (هذا فليذوقوه حميم وغساق) [ص: ٥٧] .
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/١٠٥)، وراوي الحديث هو ابن عباس.
(٢) يقظة أولي الاعتبار: ص ٨٦.
[ ٨٩ ]
وقد ذكرت هذه الآيات أربعة أنواع من شراب أهل النار:
الأول: الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهي حره، كما قال تعالى: (يطوفون بينهم وبين حميم آن) [الرحمن: ٤٤]، والـ (آن): هو الذي انتهى حره، وقال: (تسقى من عين آنية) [الغاشية: ٥]، وهي التي انتهى حرها فليس بعدها حر.
النوع الثاني: الغساق، وقد مضى الحديث عنه، فإنه يذكر في مأكول أهل النار ومشروبهم.
النوع الثالث: الصديد، وهو ما يسيل من لحم الكافر وجلده، وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: " إن على الله عهدًا لمن شرب المسكرات ليسقيه طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار ".
الرابع: المهل. وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي عن النبي - ﷺ - في قوله: " كعكر الزيت، فإذا قرب وجهه سقطت فروة وجهه فيه ".
وقال ابن عباس: في تفسير المهل: " غليظ كدردي الزيت ".
أكلهم النار:
من أصحاب الذنوب من يطعمه الله جمر جهنم جزاء وفاقًا، (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا) [النساء: ١٠] .
[ ٩٠ ]
وقال: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) [البقرة: ١٧٤] .
أما لباس أهل النار فقد أخبرنا الحق ﵎ أنه يُفصّل لأهل النار حلل من النار، كما قال تعالى: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) [الحج: ١٩] . وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: سبحان من خلق من النار ثيابًا. (١)
وقال تعالى: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد* سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) [إبراهيم: ٤٩] . والقطران: هو النحاس المذاب. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الاشعري عن النبي - ﷺ - قال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليه سربال من قطران ودرع من جرب ".
وخرجه ابن ماجه ولفظه: " النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابًا من قطران ودرعًا من جرب ".
_________________
(١) التخويف من النار: ص ١٢٦.
[ ٩١ ]
الفصل التاسع: عذاب أهل النار
المبحث الأول: شدة ما يكابده أهل النار من عذاب
النار عذابها شديد، وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يبذل في سبيل الخلاص منها نفائس الأموال (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين) [آل عمران: ٩١]، وقال الحق في هذا المعنى: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعًا ومثلهم معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقُبل منهم ولهم عذاب أليم) [المائدة: ٣٦] .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يؤتي
[ ٩٣ ]
بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ". (١)
إنها لحظات قليلة تُنسي أكثر الكفار نعيمًا كلّ أوقات السعادة والهناء.
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يقول الله - ﵎ - لأهون أهل النار عذابًا لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم. فيقول أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك (أحسبه قال:) ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك ". (٢)
إن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه، وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار، وأنى له النجاة: (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه* وصاحبته وأخيه* وفصيلته التي تؤيه* ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه* كلا إنها لظى * نزاعة للشوى) [المعارج: ١١-١٦] .
وهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم، وألم مستمر.
_________________
(١) روه مسلم: ٢٨٠٧.
(٢) رواه البخاري: صحيح البخاري: ٣٣٣٤، ورواه مسلم: ٢٨٠٥. المصابيح: (٣/١٠٢) .
[ ٩٤ ]
المبحث الثاني: صور من عذابهم (الجزء الأول)
المطلب الأول: تفاوت عذاب أهل النار
لما كانت النار دركات بعضها أشد عذابًا وهولًا من بعض كان أهلها متفاوتون في العذاب، ففي الحديث الذي يرويه مسلم وأحمد عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال في أهل النار: " إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته " وفي رواية " إلى عنقه ". (١)
وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن أخف أهل النار عذابًا، ففي صحيح البخاري عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: " إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه ". وفي رواية أخرى في صحيح البخاري أيضًا عن النعمان بن بشير: " إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل في القمقم ". (٢)
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب شدة حر النار، (٤/٢١٨٥) .
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري (١١/٤١٧)، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: (١/١٩٦)، ورقمه ٣٦٣، واللفظ للبخاري.
[ ٩٥ ]
وفي رواية عن النعمان بن بشير عن مسلم: " إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا ". (١)
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: " إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل نعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه ". (٢)
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ انه سمع رسول الله - ﷺ - وذُكر عنده عمه أبو طالب، فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه ". (٣)
وقد جاءت النصوص القرآنية مصدقة لتفاوت أصحاب النار في العذاب كقوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء: ١٤٥]، وقوله: (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) [غافر: ٤٦]، وقوله: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) [النحل: ٨٨] .
يقول القرطبي في هذا الموضوع: " هذا الباب يدلك على أن كفر من كفر فقط، ليس ككفر من طغى وكفر وتمرد وعصى، ولا شك أن الكفار في عذاب
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان: (١/١٩٦)، ورقم الحديث (٣٦٤) .
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان (١/١٩٥)، ورقم الحديث (٣٦١) .
(٣) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري (١١/٤١٧) ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب، (١/١٩٥)، وحديث رقم (٣٦٠)، وساق فيه عدة أحاديث أخرى.
[ ٩٦ ]
جهنم متفاوتون كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسد في الأرض وكفر، مساويًا لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين، ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي - ﷺ - إلى ضحضاح لنصرته إياه، وذبّه عنه وإحسانه إليه؟ وحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب، ويصح أن يكون فيمن يعذب من الموحدين ". (١)
وقال ابن رجب: " واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي أدخلوا بها النار " ثم ساق الأدلة الدالة على ذلك، وساق قول ابن عباس: " ليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كمن ليس كذلك" ثم قال ابن رجب: " وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أهل الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم بحسنات أخرى له أو بما شاء الله من الأسباب، ولهذا يموت بعضهم في النار ". (٢)
المطلب الثاني: إنضاج الجلود
إن نار الجبار تحرق جلود أهل النار، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلودًا أخرى غير تلك التي احترقت، لتحترق من جديد، وهكذا دواليك، (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص٤٠٩.
(٢) التخويف من النار: ص١٤٢ – ١٤٣.
[ ٩٧ ]
نارًا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزًا حكيمًا) [النساء: ٥٦] .
المطلب الثالث: الصهر
من ألوان العذاب صب الحميم فوق رؤوسهم، والحميم هو ذلك الماء الذي انتهى حره، فلشدة حره تذوب أمعاؤهم وما حوته بطونهم (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما بطونهم والجلود) [الحج: ١٩-٢٠] .
أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " إن الحميم ليصب على رؤوسهم، فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعود كما كان "، وقال: حسن غريب صحيح. (١)
المطلب الرابع: اللفح
أكرم ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهانا الرسول - ﷺ - عن ضرب الوجه، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يحشرون في يوم القيامة على وجوههم عميًا وصما وبكمًا (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا مأواهم جهنم كلما
_________________
(١) التخويف من النار لابن رجب: ١٤٥، جامع الأصول: (١٠/٥٤٠) . وهو في الترمذي برقم: ٢٥٨٢.
[ ٩٨ ]
خبت زدناهم سعيرا) [الإسراء: ٩٧]، ويلقون في النار على وجوههم (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) [النمل: ٩٠] .
وتلفح النار وجوههم وتغشاها أبدًا لا يجدون حائلا يحول بينهم وبينها (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون) [الأنبياء: ٣٩]، (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) [المؤمنون: ١٠٤]، (سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) [إبراهيم: ٥٠]، (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) [الزمر: ٢٤]، وانظر إلى هذا المنظر الذي تقشعر لهوله الأبدان: (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) [الأحزاب: ٦٦]، أرأيت كيف يقلب اللحم على النار، والسمك في المقلى، كذلك تقلب وجوههم في النار، نعوذ بالله من عذاب أهل النار.
المطلب الخامس: السحب
ومن أنواع العذاب الأليم سحب الكفار في النار على وجوههم (إن المجرمين في ضلال وسعر* يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر) [القمر: ٤٧-٤٨]، ويزيد من آلامهم حال سحبهم في النار أنهم مقيدون بالقيود والأغلال
[ ٩٩ ]
والسلاسل (فسوف يعلمون* إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في الحميم ثم في النار يسجرون) [غافر: ٧٠-٧٢]، قال قتادة: يسحبون مرة في النار وفي الحميم مرة. (١)
المطلب السادس: تسويد الوجوه
يسود الله في الدار الآخرة وجوه أهل النار (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) [آل عمران: ١٠٦]، وهو سواد شديد، كأنما حلت ظلمة الليل في وجوههم (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلمًا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [يونس: ٢٧] .
صور من عذابهم (الجزء الثاني)
المطلب السابع: إحاطة النار بالكفار
أهل النار هم الكفار الذين أحاطت بهم ذنوبهم ومعاصيهم، فلم تبق لهم حسنة، كما قال تعالى في الرد على اليهود الذين قالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم
_________________
(١) التخويف من النار لابن رجب: ١٤٧.
[ ١٠٠ ]
فيها خالدون) [البقرة: ٨١]، ولا يكون المرء كذلك إلا إذا كان كافرًا مشركًا، يقول صديق حسن خان: " المراد بالسيئة هنا الجنس، ولابد أن يكون سببها محيطًا بها من جميع جوانبه، فلا تبقى له حسنة، وسدت عليها مسالك النجاة، والخلود في النار هو للكفار والمشركين، فيتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية بالكفر والشرك، وبهذا يبطل تشبث المعتزلة والخوارج لما ثبت في السنة متواترًا من خروج عصاة الموحدين من النار ". (١)
ولما كانت الخطايا والذنوب تحيط بالكافر إحاطة السوار بالمعصم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولذا فإن النار تحيط بالكفار من كل جهة، كما قال تعالى: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) [الأعراف: ٤١] . والمهاد ما يكون من تحتهم، والغواش جمع غاشية، وهي التي تغشاهم من فوقهم، والمراد أن النيران تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، كما قال تعالى: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجهلم) [العنكبوت: ٥٥]، وقال في موضع آخر: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل) [الزمر: ١٦]، وقد صرح بالإحاطة في موضع آخر: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) [التوبة: ٤٩] . وقد فسر بعض السلف المهاد بالفرش، والغواش باللحف. (٢)
وتأتي الإحاطة من ناحية أخرى، ذلك أن للنار سورًا يحيط بالكفار، فلا
_________________
(١) يقظة أولي الاعتبار: ص٦٧.
(٢) تفسير ابن كثير: (٣/١٦٨) .
[ ١٠١ ]
يستطيع الكفار مغادرتها أو الخروج منها، كما قال تعالى: (إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) [الكهف: ٢٩] . وسرادق النار سورها وحائطها الذي يحيط بها.
المطلب الثامن: إطلاع النار على الأفئدة
ذكرنا أن أهل النار يضخم خلقهم في النار شيئًا عظيمًا، ومع ذلك فإن النار تدخل في أجسادهم حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم (سأصليه سقر* وما أدراك ما سقر* لا تبقي ولا تذر* لواحة للبشر) [المدثر: ٢٦-٢٩]، قال بعض السلف في قوله: (لا تبقي ولا تذر)، قال: " تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك ". (١)
وقال الحق ﵎: (كلا لينبذن في الحطمة* وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة) [الهمزة: ٤-٧] .
قال محمد بن كعب القرظي: " تأكله النار إلى فؤاده، فإذا بلغت فؤاده أنشئ خلقه ". وعن ثابت البناني أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: " تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء، لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي ". (٢)
_________________
(١) التخويف من النار لابن رجب: ١٤٦.
(٢) التخويف من النار لابن رجب: ١٤٦.
[ ١٠٢ ]
المطلب التاسع: اندلاق الأمعاء في النار
في الصحيحين عن أسامة بن زيد عن النبي - ﷺ - قال: " يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ". (١)
ومن الذين يجرون أمعاءهم في النار عمرو بن لحي، وهو أول من غير دين العرب، وقد رآه الرسول - ﷺ - يجر قصبه في النار، ففي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب ". (٢)
المطلب العاشر: قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم
أعد الله لأهل النار في النار سلاسل وأغلالًا وقيودًا ومطارق (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالًا وسعيرا) [الإنسان: ٤]، (إن لدينا أنكالًا وجحيمًا * وطعامًا ذا
_________________
(١) صحيح البخاري: ٣٢٦٧، ٧٠٩٨، ومسلم: ٢٩٨٩.
(٢) صحيح البخاري: ٣٥٢١. وصحيح مسلم: ٢٨٥٦، تسييب السوائب: تشريع سنة عمرو للعرب حرم فيه ما أحل الله تعالى، فقد حرم أنواعًا من الأنعام بأسباب لم ينزل الله بها من سلطان، كأن يمنع ذبح تلك الحيوانات وحلبها والركوب عليها. قال سعيد بن المسيب فيما رواه عنه البخاري ومسلم في روايتهما للحديث السابق: " البحيرة التي يمنع درها للطواغيت، ولا يحلبها أحد من الناس ".
[ ١٠٣ ]
غصة وعذابًا أليمًا) [المزمل: ١٢-١٣]، والأغلال توضع في الأعناق (وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) [سبأ: ٣٣]، (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون) [غافر: ٧١]، والأنكال: القيود، سميت أنكالًا لأن الله يعذبهم وينكل بهم بها (إن لدينا أنكالًا وجحيمًا) [المزمل: ١٢]، والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يقيد بها المجرمون كما يقيد المجرمون في الدنيا، وانظر إلى هذه الصورة التي أخبرنا بها الكتاب الكريم (خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه) [الحاقة: ٣٠-٣٢] .
وأعد الله لأهل النار مقامع من حديد، وهي المطارق التي تهوي على المجرمين وهم يحاولون الخروج من النار، فإذا بها تطوح بهم مرة أخرى إلى سواء الجحيم، (ولهم مقامع من حديد* كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق) [الحج: ٢١-٢٢] .
[ ١٠٤ ]
المطلب الحادي عشر: قرن معبوداتهم وشياطينهم بهم في النار
كان الكفار والمشركون يعظمون الآلهة التي يبعدونها من دون الله، ويدافعون عنها، ويبذلون في سبيل ذلك النفس والمال، وفي يوم القيامة يدخل الحق تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله النار إهانة لعابديها وإذلالًا لهم، ليعلموا أنهم كانوا ضالين، يعبدون ما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا (إنكم وما تعبدون من دون حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون) [الأنبياء: ٩٨-٩٩] .
يقول ابن رجب: " لما عبد الكفار الآلهة من دون الله، واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله، وتقربهم إليه، عوقبوا بأن جعلت معهم في النار إهانة لهم وإذلالًا، ونكاية لهم وإبلاغًا في حسرتهم وندامتهم، فإن الإنسان إذا قرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته ". (١)
ومن أجل ذلك يقذف في يوم القيامة بالشمس والقمر في النار، ليكونا مما توقد به النار، تبكيتًا للظالمين الذين كانوا يعبدونها من دون الله، ففي الحديث: " الشمس والقمر مكوران في النار ". (٢)
يقول القرطبي: " وإنما يجمعان في جهنم، لأنهما قد عُبدًا من دون الله لا
_________________
(١) التخويف من النار: ص١٠٥.
(٢) رواه البيهقي في (شعب الإيمان)، والبزاز والإسماعيلي والخطابي، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: (١/٣٢) .
[ ١٠٥ ]
تكون النار عذابًا لهم، لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم، هكذا قال بعض أهل العلم ". (١)
ولهذا المعنى يقرن الكفار بشياطينهم ليكون أشد لعذابهم: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون* حتى إذا جاءنا قال يا ليت بين وبينك بعد المشرقين فبئس القرين* ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) [الزخرف: ٣٦-٣٩] .
المطلب الثاني عشر: حسرتهم وندمهم ودعاؤهم
عندما يرى الكفار النار يندمون أشد الندم، ولات ساعة مندم (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) [يونس: ٥٤] .، وعندما يطلع الكافر على صحيفة أعماله، فيرى كفره وشركه الذي يؤهله للخلود في النار، فإنه يدعو بالثبور والهلاك (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبورًا *ويصلى سعيرًا) [الانشقاق: ١٠-١٢] .
ويتكرر دعاؤهم بالويل والهلاك عندما يلقون في النار، ويصلون حرها (وإذا ألقوا منها مكانًا ضيقًا مقرنين دعوا هنالك ثبورًا* لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدة وادعوا ثبورًا كثيرًا) [الفرقان: ١٣-١٤] . وهناك يعلو صراخهم ويشتد عويلهم، ويدعون ربهم آملين أن يخرجهم من النار، (وهم يصطرخون فيها ربنا
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص٣٩٢.
[ ١٠٦ ]
أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل) [فاطر: ٣٧]، وهم يعترفون في ذلك الوقت بضلالهم وكفرهم وقلة عقولهم (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) [الملك: ١٠]، (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) [غافر: ١١] .
ولكن طلبهم يرفض بشدة، ويجابون بما تستحق أن تجاب به الأنعام (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين* ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون* قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون) [المؤمنون: ١٠٦-١٠٨] .
لقد حق عليهم القول، وصاروا إلى المصير الذي لا ينفع معه دعاء ولا يقبل فيه رجاء (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون* ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين * فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون) [السجدة: ١٢-١٤] .
ويتوجه أهل النار بعد ذلك بالنداء إلى خزنة النار، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم كي يخفف الله عنهم شيئًا مما يعانونه (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب* قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) [غافر: ٤٩-٥٠] .
[ ١٠٧ ]
عند ذلك يسألون الشفاعة كي يهلكهم ربهم (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون) [الزخرف: ٧٧] .
إنه الرفض لكل ما يطلبون، لا خروج من النار، ولا تخفيف من عذابها، ولا إهلاك، بل هو العذاب الأبدي السرمدي الدائم، ويقال لهم آن ذاك: (فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون) [الطور: ١٦] .
هناك يشتد نحيبهم، وتفيض دموعهم، ويطول بكاؤهم (فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) [التوبة: ٨٢]، إنهم يبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون دمًا، وتؤثر دموعهم في وجوههم كما يؤثر السيل في الصخر، ففي مستدرك الحاكم عن عبد الله بن قيس أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن أهل النار ليبكون، حتى لو أجريت السفن في دموعهم، لجرت وإنهم ليبكون الدم – يعني – مكان الدمع ".
وعن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: " يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى تصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت ". (١)
لقد خسر هؤلاء الظالمون أنفسهم وأهليهم عندما استحبوا الكفر على الإيمان، واستمع إلى عويلهم وهم يرددون حال العذاب (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله
_________________
(١) أورد الشيخ ناصر الحديثين في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٤/٢٤٥) حديث رقم: ١٦٧٩، وعزا الحديث الأول منهما إلى الحاكم في مستدركه، وقد قال فيه الحاكم: (حديث صحيح الإسناد) . ووافقه الذهبي: قال الشيخ ناصر: وحقه أن يزيد: على شرط الشيخين (فإن رجاله كلهم من رجالهما، وذكر أن أحد رجاله وهو أبو النعمان ويلقب (بعارم) كان قد اختلط، وساق الشيخ ناصر الحديث الثاني شاهدًا للأول، وعزاه إلى ابن ماجة وابن أبي الدنيا، ويزيد الرقاشي أحد رواته ضعيف، وباقي رجاله رجال الشيخين.
[ ١٠٨ ]
وأطعنا الرسول *وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا* ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا) [الأحزاب: ٦٦-٦٨] .
وتأمل قوله تعالى يصف حالهم، ونعوذ بالله من حالهم (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق* خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) [هود: ١٠٦]، قال الزجاج: الزفير من شدة الأنين وهو المرتفع جدًا. وقيل: الزفير: ترديد النفس في الصدر من شدة الخوف حتى تنتفخ منه الأضلاع، والشهيق النفس الطويل الممتد، أو رد النفس إلى الصدر، والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه.
وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ويخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. (١)
_________________
(١) يقظة أولي الاعتبار، لصديق حسن خان ص٧٢.
[ ١٠٩ ]
الفصل العاشر: كيف يتقي الإنسان نار الله؟
لما كان الكفر هو السبب في الخلود في النار فإن النجاة من النار تكون بالإيمان والعمل الصالح، ولذا فإن المسلمين يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم كي يخلصهم من النار، (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار) [آل عمران: ١٦]، (ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار* ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار* ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) [آل عمران: ١٩١-١٩٤] .
وقد فصلت النصوص هذا الموضوع فبينت الأعمال التي تقي النار فمن ذلك محبة الله، ففي مستدرك الحاكم ومسند أحمد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " والله لا يلقي الله حبيبه في النار ". (١)
والصيام جنة من النار، ففي مسند أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله عن
_________________
(١) حديث صحيح، انظر صحيح الجامع (٦/١٠٤)، ورقم الحديث: (٦/١٠٤) .
[ ١١١ ]
النبي - ﷺ - قال: " قال الله تعالى: الصيام جنة يستجن بها من النار ". (١)
وعند البيهقي في الشعب من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي - ﷺ -: " الصوم جنة من عذاب الله " ورواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن خزمية وإسناده صحيح. (٢)
أما إذا كان الصوم في حال جهاد الأعداء فذاك الفوز العظيم، فعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: " من صام يومًا في سبيل الله بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا ". رواه أحمد، والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي. (٣)
ومما ينجي من النار مخافة الله، والجهاد في سبيل الله (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦]، وروى الترمذي والنسائي في سننهما عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ". (٤)
وفي صحيح البخاري عن ابن عبس وهو عبد الرحمن بن جبر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار " (٥)، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا ". (٦)
ومما يقي العبد من النار استجارة العبد بالله من النار، (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا* إنها ساءت مستقرًا ومقامًا) [الفرقان: ٦٥-٦٦]، وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان ومستدرك
_________________
(١) صحيح الجامع: (٤/١١٤) .
(٢) صحيح الجامع: (٣/٢٦٤) .
(٣) صحيح الجامع: (٥/٣١٠) . وفي صحيح البخاري: ٢٨٤٠. وصحيح مسلم: ١١٥٣.
(٤) مشكاة المصابيح: (٢/٣٥٦)، حديث رقم: ٣٨٢٨، وقال المحقق في إسناده: صحيح. انظره في سنن الترمذي: ١٦٣٣، ٢٣١١. وقال الترمذي فيه: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) مشكاة المصابيح: (٢/٣٤٩)، ورقمه: ٣٧٩٤. وهو في صحيح البخاري برقم: ٢٨١١.
(٦) مشكاة المصابيح: (٢/٣٤٩)، ورقمه: ٣٧٩٥. وهو في صحيح مسلم برقم: ١٨٩١.
[ ١١٢ ]
الحاكم بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما سأل أحد الله الجنة ثلاثًا، إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم الله من النار ثلاثًا، إلا قالت النار: اللهم أجره مني". (١)
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - في ذكر الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر وفيه: " أن الله ﷿ يسألهم وهو أعلم بهم، فيقول: " فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد مخافة، فأشهدكم أني قد غفرت لهم ". (٢)
_________________
(١) صحيح الجامع: (٥/١٤٥)، ورقمه: ٥٥٠٦.
(٢) صحيح الجامع: (٢/٢٣٣)، ورقمه: ٢١٦٩، وعزاه إلى البخاري ومسلم وأحمد.
[ ١١٣ ]