[فَصْلٌ: تَوْضِيحِ الدَّعْوَى وَالرَّدِّ عَلَيْهَا] [ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبْعَثْ إِلَّا إِلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ]
إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ادَّعَوْا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ، بَلْ إِلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ فَهَذِهِ الدَّعْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ أُمَّتَهُ ادَّعَوْا لَهُ ذَلِكَ.
وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَكَلَامُهُمْ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ يَقْتَضِي الْوَجْهَ الْأَوَّلَ.
وَفِي آخِرِهِ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُمْ أَشَارُوا إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، لَكِنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُنْكِرُوا رِسَالَتَهُ إِلَى الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا رِسَالَتَهُ إِلَيْهِمْ.
وَأَمَّا رِسَالَتُهُ إِلَى الْعَرَبِ فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِتَصْدِيقِهِ فِيهَا وَلَا بِتَكْذِيبِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِمْ يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ، بَلْ صَدَّقُوا بِمَا وَافَقَ قَوْلَهُمْ وَكَذَّبُوا بِمَا خَالَفَ قَوْلَهُمْ.
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ نَتَكَلَّمُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَنُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ، بِوَجْهٍ مِنَ
[ ١ / ١٣٠ ]
الْوُجُوهِ، وَنُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ، لَا حُجَّةَ فِيهِ لَهُمْ، وَلَا فِيهِ تَنَاقُضٌ.
وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ لَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يُبْعَثْ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكَيْفَ وَالْكِتَابُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فِي إِبْطَالِ دِينِهِمْ، وَقَوْلِهِمْ فِي التَّثْلِيثِ، وَالِاتِّحَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ. فَهُمُ احْتَجُّوا فِي كِتَابِهِمْ هَذَا بِالْقُرْآنِ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ الْعَقْلِ.
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَلَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَلَا فِي الْعَقْلِ بَلْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ مَعَ صَرِيحِ الْعَقْلِ كُلُّهَا بَرَاهِينُ قَطْعِيَّةٌ عَلَى فَسَادِ دِينِهِمْ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجَّ بِمُجَرَّدِ الْمَنْقُولِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ يُكَذِّبُهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، بِخِلَافِ الِاحْتِجَاجِ بِكَلَامِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ مُوَافَقَةُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَأَمَّا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، أَوْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ نَبِيٌّ،
[ ١ / ١٣١ ]
فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِبَعْضِهِ، دُونَ بَعْضٍ سَوَاءٌ قُدِّرَ صِدْقُهُمْ، أَوْ كَذِبُهُمْ.
فَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، سَوَاءٌ أَقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إِلَى الْعَرَبِ، أَوْ غَيْرِهِمْ، أَوْ كَذَّبُوهُ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، أَوْ سَكَتُوا عَنْ هَذَا وَهَذَا، أَوْ صَدَّقُوهُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ.
إِنَّ احْتِجَاجَكُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا تُخَالِفُونَ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; فَاحْتِجَاجُكُمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْكُمْ، أَوْ عَلَى صِحَّةِ دِينِكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
مَعَ أَنَّا سَنُبَيِّنُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ كُلَّهَا مَعَ الْمَعْقُولِ، لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، بَلْ كُلُّهَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى، وَعِيسَى وَدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَعِنْدَهُمْ يَجِبُ الْإِيْمَانُ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَهَذَا أَصْلُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ، أَوْ كِتَابٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ كَافِرٌ، بَلْ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ كَافِرٌ
[ ١ / ١٣٢ ]
مُبَاحُ الدَّمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، يَتَنَاوَلُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، كَمَا يَتَنَاوَلُ الْقُرْآنَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
[ ١ / ١٣٣ ]
وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (وَكِتَابِهِ)، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥] .
فَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ، وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فَحَصَرَ الْفَلَاحَ فِي هَؤُلَاءِ، فَلَا يَكُونُ مُفْلِحًا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] . هُوَ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ لَيْسَ هَؤُلَاءِ صِنْفًا آخَرَ، فَإِنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الذَّاتُ وَاحِدَةً هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ هُنَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إِنَّ الصِّنْفَ الثَّانِيَ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ،
[ ١ / ١٣٤ ]
وَالْأَوَّلَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَهَذَا ضَعِيفٌ، وَأَفْسَدُ مِنْهُ قَوْلُ هَؤُلَاءِ
[ ١ / ١٣٥ ]
النَّصَارَى: إِنَّ الْكِتَابَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِنْجِيلُ، كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى - الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى - وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى - فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ١ - ٥] .
وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحَوَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٥] . إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] .
[ ١ / ١٣٦ ]
هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ، وَهُمُ الْمُفْلِحُونَ.
وَلَكِنْ فَصَّلَ إِيْمَانَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَجْمَلَهُ ; لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ مُجَرَّدَ دَعْوَى الْإِيْمَانِ بِالْغَيْبِ يَنْفَعُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ، فَلَوْ قَالَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ: أَنَا أُؤْمِنُ بِالْغَيْبِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُؤْمِنُ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، أَوْ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، حَتَّى يُؤْمِنَ بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانُوا صِنْفًا آخَرَ لَكَانَ الْمُفْلِحُونَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ، وَقِسْمًا يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ الْإِيْمَانَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُ الْإِيْمَانَ بِالْغَيْبِ، وَالْإِيْمَانُ بِالْغَيْبِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْإِيْمَانِ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ ﵎.
[مَا يَثْبُتُ بِهِ مَتَى ثَبَتَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ]
وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَسْتَجِيزُ أَحَدٌ مِنْهُمْ التَّكْذِيبَ بِشَيْءٍ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَكِنَّ الِاحْتِجَاجَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ:
إِحْدَاهَا: ثُبُوتُ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
وَالثَّانِيَةُ: صِحَّةُ التَّرْجَمَةِ إِلَى اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، أَوِ اللِّسَانِ الَّذِي.
[ ١ / ١٣٧ ]
يُخَاطَبُ بِهِ كَالرُّومِيِّ، وَالسُّرْيَانِيِّ، فَإِنَّ لِسَانَ مُوسَى، وَدَاوُدَ وَالْمَسِيحَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَتْ عِبْرَانِيَّةً، وَمَنْ قَالَ إِنَّ لِسَانَ الْمَسِيحِ كَانَ سُرْيَانِيًّا، أَوْ رُومِيًّا فَقَدْ غَلِطَ.
وَالثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَمَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ.
فَلِهَذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَرُدُّونَ شَيْئًا مِنَ الْحُجَجِ بِتَكْذِيبِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي شَيْءٍ قَالَهُ وَلَكِنْ قَدْ يُكَذِّبُونَ النَّاقِلَ عَنْهُمْ، أَوْ يُفَسِّرُونَ الْمَنْقُولَ عَنْهُمْ بِمَا أَرَادُوهُ، أَوْ بِمَعْنًى آخَرَ عَلَى وَجْهِ الْغَلَطِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَغْلَطُ فِي تَكْذِيبِ بَعْضِ النَّقْلِ، أَوْ تَأْوِيلِ بَعْضِ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ، فَهُوَ كَمَا يَغْلَطُ مَنْ يَغْلَطُ مِنْهُمْ، وَمِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ فِي التَّكْذِيبِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَطِ بِبَعْضِ مَا يُنْقَلُ عَمَّنْ يُقِرُّ بِنُبُوَّتِهِ، أَوْ فِي تَأْوِيلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ تَكْذِيبِ نَفْسِ النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ صَرِيحٌ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ مُرَادُهُمْ إِلَّا بِتَكْذِيبِهِمْ بِبَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَمَتَى كَذَّبَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بَطُلَ احْتِجَاجُهُ بِسَائِرِ كَلَامِهِ، فَكَانَتْ حُجَّتُهُمُ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا دَاحِضَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَفِي جَمِيعِ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا، وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ عَنِ اللَّهِ.
فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي ذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ مِمَّنِ
[ ١ / ١٣٨ ]
افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولًا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِخَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْهُ، وَإِذَا قَالَ هُوَ قَوْلًا، وَكَانَ صِدْقًا، كَانَ كَمَا يَقُولُهُ غَيْرُهُ يُقْبَلُ، لَا لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ وَلَا لِأَنَّهُ رَسُولٌ عَنِ اللَّهِ، بَلْ كَمَا يُقْبَلُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّ عُبَّادَ الْأَوْثَانِ إِذَا قَالُوا عَنِ اللَّهِ مَا هُوَ حَقٌّ مِثْلَ إِقْرَارِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ نُكَذِّبْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ الْكَافِرُ إِنَّ اللَّهَ حَيٌّ قَادِرٌ خَالِقٌ، لَمْ نُكَذِّبْهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ.
فَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي يَقُولُونَ إِنَّهُمْ يُبَلِّغُونَهَا عَنِ اللَّهِ ﵎، وَمَا قَالُوهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُمْ فِيهِ كَسَائِرِ النَّاسِ، بَلْ كَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْكَذَّابِينَ إِنْ عُرِفَ صِحَّةُ ذَلِكَ الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمْ قُبِلَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا لِكَوْنِهِمْ قَالُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ صِحَّتُهُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمْ، لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِمْ لَهُ مَعَ ثُبُوتِ كَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ.
وَحِينَئِذٍ، فَهَؤُلَاءِ إِنْ أَقَرُّوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِيْمَانُ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، كَمَا يَجِبُ الْإِيْمَانُ بِكُلِّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وَإِنْ كَذَّبُوهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ،، أَوْ شَكُّوا فِي صِدْقِهِ فِيهَا، امْتَنَعَ مَعَ
[ ١ / ١٣٩ ]
ذَلِكَ أَنْ يُقِرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِذَا لَمْ يُقِرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كَانَ احْتِجَاجُهُمْ بِمَا قَالَهُ كَاحْتِجَاجِهِمْ بِسَائِرِ مَا يَقُولُهُ مَنْ لَيْسَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ مِنَ الْكَذَّابِينَ، أَوْ مِنَ الْمَشْكُوكِ فِي صِدْقِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ عُرِفَ كَذِبُهُ عَلَى اللَّهِ فِيمَا يَقُولُ: إِنَّهُ يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ أَوْ شُكَّ فِي صِدْقِهِ، لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا أَنَّهُ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ، وَيُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ إِلَيْهِ شَيْئًا، بَلْ إِذَا عُرِفَ كَذِبُهُ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ إِلَيْهِ شَيْئًا وَلَا أَرْسَلَهُ، كَمَا عُرِفَ كَذِبُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ، وَكَمَا عُرِفَ كَذِبُ مَانِي، وَأَمْثَالِهِ،
[ ١ / ١٤٠ ]
وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ.
وَإِذَا شُكَّ فِي صِدْقِهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ كَذَبَهَا عَمْدًا، أَوْ خَطَأً لَمْ يَجُزْ تَصْدِيقُهُ مَعَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ ; لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ رَسُولًا صَادِقًا لَا يَكْذِبُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، لَا يَكْذِبُ فِيهِ عَمْدًا وَلَا خَطَأً.
[صِدْقُ الرَّسُولِ وَعِصْمَتُهُ مِنَ الْكَذِبِ]
وَهَذَا أَمْرٌ اتَّفَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ كُلُّهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَغَيْرُهُمُ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا مَعْصُومًا فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، لَا يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ خَطَأً وَلَا عَمْدًا، فَإِنَّ مَقْصُودَ الرِّسَالَةِ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ مُوسَى ﵇ لِفِرْعَوْنَ: ﴿يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١٠٥] .
وَفِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ: يُخْبِرُ أَنَّهُ جَدِيرٌ وَحَرِيٌّ وَثَابِتٌ وَمُسْتَقِرٌّ عَلَى أَنْ لَا يَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى أَخْبَرَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.
[ ١ / ١٤١ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] .
وَهَذَا لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ
[ ١ / ١٤٢ ]
مُحَمَّدٌ ﷺ، لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ رَسُولًا صَادِقًا فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ ﷿، فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَاءَ بِمَا يُخَالِفُ دِينَ النَّصَارَى، فَيَلْزَمُ إِذَا كَانَ رَسُولًا صَادِقًا أَنْ يَكُونَ دِينُ النَّصَارَى بَاطِلًا، وَإِنْ قَالُوا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُمْ رَسُولًا صَادِقًا مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ وَحِينَئِذٍ، فَسَوَاءٌ قَالُوا: هُوَ مَلِكٌ عَادِلٌ، أَوْ هُوَ عَالِمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الصَّالِحِينَ، أَوْ جَعَلُوهُ قِدِّيسًا عَظِيمًا مِنْ أَعْظَمِ الْقِدِّيسِينَ، فَمَهْمَا عَظَّمُوهُ بِهِ وَمَدَحُوهُ بِهِ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ مَحَاسِنِهِ الْبَاهِرَةِ وَفَضَائِلِهِ الظَّاهِرَةِ وَشَرِيعَتِهِ الطَّاهِرَةِ، مَتَى كَذَّبُوهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَوْ شَكُّوا فِيهَا كَانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَلَّغَ هَذَا الْقُرْآنَ عَنِ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً أَلْبَتَّةَ، لَكِنَّ لَهُ أُسْوَةَ أَمْثَالِهِ.
فَإِنْ عُرِفَ صِحَّةُ مَا يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، قُبِلَ الْقَوْلُ ; لِأَنَّهُ عُرِفَ صِدْقُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، لَا لِأَنَّهُ قَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ صِحَّةُ الْقَوْلِ لَمْ يُقْبَلْ
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقِرَّ الْمُقِرُّ لِمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ مَعْصُومٌ عَنِ اسْتِقْرَارِ الْكَذِبِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَمْ يَصِحَّ احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ.
[ ١ / ١٤٣ ]
وَهَذَا الْأَصْلُ يُبْطِلُ قَوْلَ عُقَلَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ لِقَوْلِ جُهَّالِهِمْ أَعْظَمُ إِبْطَالًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ عُقَلَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَكْثَرَهُمْ يُعَظِّمُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، لِمَا دَعَا إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَلِمَا صَدَّقَ التَّوْارَةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَالْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُ، وَلِمَا ظَهَرَ مِنْ عَظَمَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا، وَفَضَائِلِ أُمَّتِهِ الَّتِي آمَنَتْ بِهِ، وَلِمَا ظَهَرَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ مِنَ الْآيَاتِ، وَالْبَرَاهِينِ، وَالْمُعْجِزَاتِ، وَالْكَرَامَاتِ، لَكِنْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ بُعِثَ إِلَى غَيْرِنَا، وَإِنَّهُ مَلِكٌ عَادِلٌ، لَهُ سِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ، وَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَصَّلَ عُلُومًا مِنْ عُلُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَوَضَعَ لَهُمْ نَامُوسًا بِعِلْمِهِ وَرُتَبِهِ، كَمَا وَضَعَ أَكَابِرُهُمْ لَهُمُ الْقَوَانِينَ، وَالنَّوَامِيسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ
وَمَهْمَا قَالُوهُ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَصِيرُونَ بِهِ مُؤْمِنِينَ بِهِ، وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالَهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي يَعْلَمُهُ جَمِيعُ الْأُمَمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي ذَلِكَ، فَمَنْ كَذَّبَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ، فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ رَسُولًا لِلَّهِ، بَلْ كَانَ كَاذِبًا، وَمَنْ كَانَ كَاذِبًا عَلَى اللَّهِ، يَقُولُ: اللَّهُ أَرْسَلَنِي بِذَلِكَ، وَلَمْ يُرْسِلْهُ بِهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِ.
[ ١ / ١٤٤ ]
[الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِمْ بِالْإِرْسَالِ الْكَوْنِيِّ]
وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ جُهَلَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَانَ مَلِكًا مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُ رَسُولٌ غَضِبَ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِرْسَالًا كَوْنِيًّا ; لِيَنْتَقِمَ بِهِ مِنْهُمْ كَمَا أَرْسَلَ بُخْتُنَصَّرَ، وَسَنْحَارِيبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَمَا أَرْسَلَ جِنْكِسْ خَانْ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُلُوكِ الْكَافِرِينَ وَالظَّالِمِينَ مِمَّا
[ ١ / ١٤٥ ]
يَنْتَقِمُ بِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، فَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ تَكْذِيبًا لَهُ، وَكُفْرًا بِهِ مِنْ أُولَئِكَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَلَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي أُبَلِّغُهُ إِلَيْكُمْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ أَنْ تُصَدِّقُونِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، وَتُطِيعُونِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْنِي بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بَلْ هَؤُلَاءِ أَرْسَلَهُمْ إِرْسَالًا كَوْنِيًّا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، كَمَا يُرْسِلُ الرِّيحَ بِالْعَذَابِ، وَكَمَا يُرْسِلُ الشَّيَاطِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٤ - ٥] .
وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] .
[ ١ / ١٤٦ ]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣] .
فَإِنَّ هَذَا يَعْنِي بِهِ الْإِرْسَالَ الدِّينِيَّ، الَّذِي يُحِبُّهُ تَعَالَى، وَيَرْضَاهُ الَّذِي هَدَى بِهِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ، وَأَدْخَلَهُ فِي رَحْمَتِهِ، وَعَاقَبَ مَنْ عَصَاهُمْ، وَجَعَلَهُ مِنَ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلْعَذَابِ، وَهُوَ الْإِرْسَالُ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ بِهِ طَاعَةَ مَنْ أَرْسَلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .
وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ الَّتِي أَقَامَ بِهَا الْحُجَّةَ عَلَى الْخَلْقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .
[ ١ / ١٤٧ ]
وَهَذَا كَمَا اصْطَفَى رُوحَ الْقُدُسِ جِبْرِيلَ ﵇، لِنُزُولِهِ بِالْقُرْآنِ عَلَى مَنِ اصْطَفَاهُ مِنَ الْبَشَرِ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٢] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَزَّلَ بِهِ جِبْرِيلَ، وَسَمَّاهُ الرُّوحَ الْأَمِينَ، وَسَمَّاهُ رُوحَ الْقُدُسِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] .
[ ١ / ١٤٨ ]
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ - وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ - وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ - فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ - إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٢ - ٢٩] .
فَهَذَا الرَّسُولُ جِبْرِيلُ ﵇، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٤٧] .
فَهَذَا الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَأَمَّا الْإِرْسَالُ الْكَوْنِيُّ الَّذِي قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، مِثْلَ إِرْسَالِ الرِّيَاحِ وَإِرْسَالِ الشَّيَاطِينِ، فَذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨] .
وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، فَلَفْظُ الْإِرْسَالِ، وَالْبَعْثِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالْأَمْرِ، وَالْإِذْنِ، وَالْكِتَابِ، وَالتَّحْرِيمِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْكَلَامِ يَنْقَسِمُ إِلَى: خَلْقِيٍّ، وَأَمْرِيٍّ، وَكَوْنِيٍّ، وَدِينِيٍّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِرْسَالَ.
وَأَمَّا الْبَعْثُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] .
[ ١ / ١٤٩ ]
وَقَالَ فِي الْكَوْنِيِّ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١] .
وَأَمَّا الْإِرَادَةُ، فَقَالَ تَعَالَى فِي الْكَوْنِيَّةِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
وَقَالَ نُوحٌ ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] .
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْإِرَادَةِ الدِّينِيَّةِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
[ ١ / ١٥٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وَكَذَلِكَ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] .
[ ١ / ١٥١ ]
وَأَمَّا الْأَمْرُ الدِّينِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .
وَأَمَّا الْإِذْنُ الْكَوْنِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي السَّحَرَةِ: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَالدِّينِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] .
وَالْكِتَابُ الْكَوْنِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] .
وَالدِّينِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ﴾ [الحشر: ٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] .
[ ١ / ١٥٢ ]
وَالْقَضَاءُ الْكَوْنِيُّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] .
وَالدِّينِيُّ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
أَيْ: أَمَرَ.
وَالتَّحْرِيمُ الْكَوْنِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] .
وَالدِّينِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
وَالْكَلِمَاتُ الْكَوْنِيَّةُ، مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ، الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ» . وَمِنْهُ
[ ١ / ١٥٣ ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] .
وَالدِّينِيَّةُ: مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
[ ١ / ١٥٤ ]
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
[تَفْرُّقُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي النَّبِيِّ ﷺ]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ تَفَرُّقُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي النَّبِيِّ ﷺ، كُلٌّ يَقُولُ فِيهِ قَوْلًا هُوَ نَظِيرُ تَفَرُّقِ سَائِرِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ الْكُفَّارَ بِالْأَنْبِيَاءِ مِنْ عَادَاتِهِمْ أَنْ تَقُولَ كُلُّ طَائِفَةٍ فِيهِ قَوْلًا يُنَاقِضُ قَوْلَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَأَقْوَالُهُمْ كُلُّهَا أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ بَاطِلَةٌ، وَهَذَا هُوَ الِاخْتِلَافُ الْمَذْمُومُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٦] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤] .
[ ١ / ١٥٥ ]
وَمِثَالُ أَقْوَالِ الْكُفَّارِ فِي الْأَنْبِيَاءِ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا - وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا - وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا - وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا - وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا - أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا - انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ١ - ٩] .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْكُفَّارَ ضَرَبُوا لَهُ أَمْثَالًا كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، ضَلُّوا فِيهَا عَنِ الْحَقِّ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَ الضَّلَالِ سَبِيلًا إِلَى الْحَقِّ، وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ لَهُ يَتَضَمَّنُ تَمْثِيلَهُ بِأُنَاسٍ آخَرِينَ، وَجَعْلَهُ فِي تِلْكَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي لَيْسَ هُوَ مِنْهَا، وَلَا مُمَاثِلًا لِأَفْرَادِهَا، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] .
مَثَّلُوهُ بِالْكَاذِبِ الْمُسْتَعِينِ بِمَنْ يُعِينُهُ عَلَى مَا يَفْتَرِيهِ، وَمَثَّلُوهُ بِمَنْ
[ ١ / ١٥٦ ]
يَسْتَكْتِبُ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ غَيْرِهِ، فَتُقْرَأُ عَلَيْهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَهُوَ يَتَعَلَّمُ مِنْ أُولَئِكَ مَا يَقُولُهُ، وَمَثَّلُوهُ بِالْمَسْحُورِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا - وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا - نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا - انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ - لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ - وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ - كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ - الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ - فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ - فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٨٧ - ٩٦] .
قَالَ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ: هُمُ الَّذِينَ
[ ١ / ١٥٧ ]
عَضَّهُوهُ، فَقَالُوا سِحْرٌ، وَشِعْرٌ وَكِهَانَةٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ - وَمَا لَا تُبْصِرُونَ - إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ - وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ - وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ - وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ - وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ - فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٥٢] .
وَقَالَ: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ - أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ - قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ - أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ - أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٢٩ - ٣٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ - وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ - أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ - وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ - كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ - لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ - فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ - فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ - أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ - أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ - ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ - مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ - وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ - ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ٢٠٩] .
[ ١ / ١٥٨ ]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ - وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ - إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ - فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ - وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ - الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ - إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ - وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢٢٧] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ - وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ - وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ - بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ - وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ - قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ - وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ - يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ - يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦ - ٥٥] .
[ ١ / ١٥٩ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] .
[ ١ / ١٦٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ - وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٤٩ - ٥١] .
وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الْكُفَّارِ فِي الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] .
وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا عَنْ مُوسَى ﵇ أَنَّهُ سَاحِرٌ، وَأَنَّهُ مَجْنُونٌ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] .
[ ١ / ١٦١ ]
وَقَالَ: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] .
وَكَذَلِكَ قَالُوا عَنِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] .
وَذَكَرَ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ قَالُوا عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا، فَقَوْلُ الْيَهُودِ فِي الْمَسِيحِ مِنْ جِنْسِ أَقْوَالِ الْكُفَّارِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيمًا.
[الرَّدُّ عَلَى دَعْوَى قَصْرِ الرِّسَالَةِ عَلَى الْعَرَبِ]
فَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ رَسُولٌ أُرْسِلَ إِلَى الْعَرَبِ الْجَاهِلِيَّةِ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ:
إِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ لِكُلِّ مَنْ عُلِمَ أَحْوَالُهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ تَوَاتُرًا مِمَّا يُنْقَلُ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا، وَبِالْقُرْآنِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ، وَسُنَّتِهِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ، وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الْأُمِّيِّينَ، بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ عَرَبِهِمْ، وَعَجَمِهِمْ مِنَ الرُّومِ، وَالْفُرْسِ
[ ١ / ١٦٢ ]
وَالتُّرْكِ، وَالْهِنْدِ، وَالْبَرْبَرِ، وَالْحَبَشَةِ، وَسَائِرِ الْأُمَمِ، بَلْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ جَمِيعًا.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ، الَّتِي اتَّفَقَ عَلَى نَقْلِهَا عَنْهُ أَصْحَابُهُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وَتَفَرُّقِ دِيَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَقَدْ صَحِبَهُ عَشَرَاتُ أُلُوفٍ، لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُمُ التَّابِعُونَ، وَهُمْ أَضْعَافُ الصَّحَابَةِ عَدَدًا، ثُمَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ
[ ١ / ١٦٣ ]
إِلَى زَمَنِنَا مَعَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَانْتِشَارِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «زُوِيَتْ لِي الْأَرْضُ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا»، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، فَبَلَغَ مُلْكُ أُمَّتِهِ طَرَفَيِ الْعِمَارَةِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ، كَالْإِقْلِيمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ ; لِأَنَّهُمْ أَكْمَلُ عُقُولًا، وَأَخْلَاقًا، وَأَعْدَلُ أَمْزِجَةً، بِخِلَافِ طَرَفَيِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ نَقَصَتْ عُقُولُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ، وَانْحَرَفَتْ أَمْزِجَتُهُمْ.
أَمَّا طَرَفُ الْجَنُوبِ، فَإِنَّهُ لِقُوَّةِ الْحَرَارَةِ احْتَرَقَتْ أَخْلَاطُهُمْ، فَاسْوَدَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وَتَجَعَّدَتْ شُعُورُهُمْ.
[ ١ / ١٦٤ ]
وَأَمَّا أَهْلُ طَرَفِ الشَّمَالِ فَلِقُوَّةِ الْبَرْدِ لَمْ تَنْضَجْ أَخْلَاطُهُمْ، بَلْ صَارَتْ فَجَّةً، فَأَفْرَطُوا فِي سُبُوطَةِ الشَّعْرِ وَالْبَيَاضِ الْبَارِدِ الَّذِي لَا يُسْتَحْسَنُ.
وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ غَلَبَ أَهْلُهُ عَلَى وَسَطِ الْمَعْمُورَةِ، وَهُمْ أَعْدَلُ بَنِي آدَمَ وَأَكْمَلُهُمْ، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَرَبَّوْا تَحْتَ ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّصَارَى عُقُولًا وَأَخْلَاقًا، وَأَمَّا النَّصَارَى الْمُحَارِبُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الْخَارِجُونَ عَنْ ذِمَّتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، فَهُمْ أَنْقَصُ عُقُولًا وَأَخْلَاقًا، وَلِمَا فِيهِمْ مِنْ نَقْصِ الْعُقُولِ وَالْأَخْلَاقِ ظَهَرَتْ فِيهِمُ النَّصْرَانِيَّةُ دُونَ الْإِسْلَامِ.
[تَوْجِيهُ الدَّعْوَةِ مِنَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ نَفْسُهُ دَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا دَعَا مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ مِنَ الْعَرَبِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ.
[ ١ / ١٦٥ ]
وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ ﵎ بِكُفْرِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَبِأَنَّهُمْ يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ مَصِيرًا، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِجِهَادِهِمْ، وَدَعَاهُمْ بِنَفْسِهِ وَنُوَّابِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُمْ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَأْتِ إِلَيْنَا بَلْ إِلَى الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ سَوَاءٌ أَرَادُوا أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ إِلَى الْعَرَبِ، وَلَمْ يَبْعَثْهُ إِلَيْنَا، أَوْ أَرَادُوا أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الْعَرَبِ لَا إِلَيْنَا ; فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ جَمِيعُ الطَّوَائِفِ أَنَّ مُحَمَّدًا دَعَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَهُ بِجِهَادِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْهُمْ فَإِذَا قِيلَ مَعَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أُبْعَثْ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ، كَانَ كَاذِبًا كَذِبًا ظَاهِرًا عَلَيْهِ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْإِنْسَانُ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّهُ نَفْسَهُ دَعَا جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، فَدَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ كَمَا دَعَا الْأُمِّيِّينَ.
أَمَّا الْيَهُودُ: فَإِنَّهُمْ كَانُوا جِيرَانَهُ فِي الْحِجَازِ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا حَوْلَهَا، وَخَيْبَرَ، فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ كُلَّهُمْ آمَنُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَلَا قِتَالٍ، بَلْ لَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ بَرَاهِينِ نُبُوَّتِهِ، وَدَلَائِلِ صِدْقِهِ آمَنُوا بِهِ، وَقَدْ حَصَلَ مِنَ الْأَذَى فِي اللَّهِ لِمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي السِّيرَةِ، وَقَدْ آمَنَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْضُهُمْ بِمَكَّةَ وَبَعْضُهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَكَثِيرٌ
[ ١ / ١٦٦ ]
مِنْهُمْ كَانُوا بِغَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَاهَدَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ نَقَضُوا الْعَهْدَ، فَأَجْلَى بَعْضَهُمْ، وَقَتَلَ بَعْضَهُمْ ; لِمُحَارَبَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَقَدْ قَاتَلَهُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قَاتَلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ سُورَةَ الْحَشْرِ، وَقَاتَلَ قُرَيْظَةَ عَامَ الْأَحْزَابِ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَقَاتَلَ قَبْلَهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَبَعْدَ هَؤُلَاءِ
[ ١ / ١٦٧ ]
غَزَا خَيْبَرَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، الَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ، وَأَقَرَّ الْيَهُودَ فِيهَا فَلَّاحِينَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ الْفَتْحِ يَذْكُرُ فِيهَا ذَلِكَ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهَذِهِ حَالُ الْيَهُودِ مَعَهُ؟
[ ١ / ١٦٨ ]
[قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ رِسَالَتِهِ]
وَأَمَّا النَّصَارَى فَإِنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ الَّتِي بِالْيَمَنِ كَانُوا نَصَارَى، فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُهُمْ سِتُّونَ رَاكِبًا وَنَاظَرَهُمْ فِي مَسْجِدِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَلَمَّا ظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، وَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، أَمَرَهُ اللَّهُ إِنْ لَمْ يُجِيبُوهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ طَالَبُوا أَنْ يُمْهِلَهُمْ حَتَّى يَشْتَوِرُوا
[ ١ / ١٦٩ ]
فَاشْتَوَرُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ مَا بَاهَلَ قَوْمٌ نَبِيًّا إِلَّا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ.
فَاسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُبَاهَلَةِ، فَصَالَحُوهُ، وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، لَمَّا خَافُوا مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَدَخَلُوا تَحْتَ حُكْمِهِ، كَمَا يَدْخُلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الَّذِينَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَدَّى الْجِزْيَةَ مِنَ النَّصَارَى.
وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا مَشْهُورًا، يَذْكُرُ فِيهِ شَرَائِعَ الدِّينِ، فَكَانُوا فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَنَائِبِ رَسُولِهِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، ﵁، وَقِصَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، نَقَلَهَا أَهْلُ السِّيَرِ،
[ ١ / ١٧٠ ]
وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ، وَأَصْلُ حَدِيثِهِمْ مَعْرُوفٌ فِي الصِّحَاحِ، وَالسُّنَنِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَوَفْدُ نَجْرَانَ لَمَّا قَدِمُوا أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ بِسَبَبِ مَا جَرَى صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَذَكَرَ تَعَالَى فَرْضَ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وَهَذَا نَزَلَ إِمَّا سَنَةَ تِسْعٍ وَإِمَّا سَنَةَ عَشْرٍ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ: الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَغَيْرُهُ.
قَالُوا وُجُوبُ الْحَجِّ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
[ ١ / ١٧١ ]
وَرُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
قَالُوا إِنَّ فَرْضَ الْحَجِّ، إِنَّمَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبَيْتِ، وَصَالَحَهُمْ ذَلِكَ الْعَامَ، وَبَايَعَ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا سُورَةَ الْفَتْحِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَفِيهَا قَدِمَ عَلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَعَ وَفْدِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ أَرْسَلَ جَعْفَرًا،
[ ١ / ١٧٢ ]
وَزَيْدًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ لِغَزْوِ النَّصَارَى لِمُؤْتَةَ، ثُمَّ فَتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ سَنَةِ تِسْعٍ غَزَا النَّصَارَى إِلَى تَبُوكَ، وَفِيهَا حَجَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَأَمَرَ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
[ ١ / ١٧٣ ]
وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِنَبْذِ الْعُهُودِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ السَّيْفِ الْمُطْلَقَةَ بِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَجِهَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
[ ١ / ١٧٤ ]
وَهَذِهِ الْأَشْهُرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] .
فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعًا لَهُمْ عَهْدٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَهُوَ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَنَوْعًا لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ يَنْبِذَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ الْمُطْلَقِ ; لِأَنَّ هَذَا الْعَهْدَ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ فَهُوَ عَهْدٌ لَازِمٌ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُوَفِّيَ لَهُ إِذَا كَانَ مُؤَقَّتًا، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ
[ ١ / ١٧٥ ]
إِلَى أَنَّ الْهُدْنَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا مُؤَقَّتَةً، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْسَخَ الْهُدْنَةَ مَعَ قِيَامِهِمْ بِالْوَاجِبِ، وَالصَّوَابُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنَّهَا تَجُوزُ مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً.
فَأَمَّا الْمُطْلَقَةُ فَجَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ، يُخَيَّرُ بَيْنَ إِمْضَائِهَا وَبَيْنَ نَقْضِهَا. وَالْمُؤَقَّتَةُ لَازِمَةٌ.
[ ١ / ١٧٦ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ - وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ - فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ - كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ - كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ - اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ - فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ - أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١ - ١٣] .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ قُدُومِ وَفْدِ نَجْرَانَ النَّصَارَى: السَّيِّدِ وَالْعَاقِبِ وَمَنْ مَعَهُمَا.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ
[ ١ / ١٧٧ ]
فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدًا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ أَوْ جُمَادَى الْأَوَّلِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الْأَزْدِ وَفِيهَا قَدِمَ
[ ١ / ١٧٨ ]
وَفْدُ غَسَّانَ وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ زُبَيْدٍ، وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَارُودُ بْنُ عَمْرٍو فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمُوا، وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ
[ ١ / ١٧٩ ]
كِنْدَةَ فَأَسْلَمُوا، وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَجِيلَةَ، قَالَ: وَفِيهَا قَدِمَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ مِنْ نَجْرَانَ، فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ صُلْحٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ قُدُومَهُمْ فِي
[ ١ / ١٨٠ ]
الْوُفُودِ فَقَالَ: ذِكْرُ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ ذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قُدُومَ نَصَارَى نَجْرَانَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
[ ١ / ١٨١ ]
رُومَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ عَايِضِ بْنِ جُعْدُبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
[ ١ / ١٨٢ ]
أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالُوا: وَوَفْدُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فِي رِجَالٍ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَمَا هَدَمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ ذَا الْخَلَصَةِ، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ ١ / ١٨٣ ]
فَاكْتُبْ لَنَا كِتَابًا. وَذَكَرُوا الْقِصَّةَ، وَقُدُومَ وُفُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
قَالُوا: وَقَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ نَصَارَى وَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَهُمْ: الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ وَهُوَ أَمِيرُهُمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ وَالَّذِي يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ، وَأَبُو الْحَارِثِ أُسْقُفُّهُمْ وَإِمَامُهُمْ، وَصَاحِبُ مَدْرَاسِهِمْ، وَالسَّيِّدُ وَهُوَ صَاحِبُ رِحْلَتِهِمْ فَدَخَلُوا
[ ١ / ١٨٤ ]
الْمَسْجِدَ وَعَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَةِ، وَأَرْدِيَةٌ مَكْفُوفَةٌ بِالْحَرِيرِ، فَقَامُوا
[ ١ / ١٨٥ ]
يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهُمْ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ: ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ زِيِّكُمْ هَذَا فَانْصَرَفُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهِ بِزِيِّ الرُّهْبَانِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا وَكَثُرَ الْكَلَامُ، وَالْحِجَاجُ بَيْنَهُمْ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِنْ أَنْكَرْتُمْ مَا أَقُولُ فَهَلُمَّ أُبَاهِلْكُمْ. فَانْصَرَفُوا عَلَى ذَلِكَ، فَغَدَا عَبْدُ الْمَسِيحِ وَرَجُلَانِ مِنْ ذَوِي رَأْيِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: قَدْ بَدَا لَنَا أَنْ لَا نُبَاهِلَكَ، فَاحْكُمْ عَلَيْنَا بِمَا أَحْبَبْتَ نُعْطِكَ وَنُصَالِحْكَ. فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي رَجَبٍ، وَأَلْفٍ فِي صَفَرٍ، أَوْ قِيمَةِ كُلِّ حُلَّةٍ مِنَ الْأَوَاقِي، وَعَلَى عَارِيَّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ. وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهِمْ جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَمِلَّتِهِمْ، وَأَرْضِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَغَائِبِهِمْ، وَشَاهِدِهِمْ، وَبِيَعِهِمْ، لَا يُغَيَّرُ أُسْقُفٌّ مِنْ سِقِّيفَاهُ، وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلَا وَاقِفٌ مِنْ وَقْفَانِيَّتِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا مِنْهُمْ
[ ١ / ١٨٦ ]
أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمْ يَلْبَثِ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى رَجَعَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَا وَأَنْزَلَهُمَا دَارَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَقَامَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى مَا كَتَبَ لَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
[ ١ / ١٨٧ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ وَرِضْوَانُهُ.
ثُمَّ وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَكَتَبَ بِالْوَصَاةِ بِهِمْ عِنْدَ وَفَاتِهِ، ثُمَّ أَصَابُوا رِبًا فَأَخْرَجَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ هَذَا مَا كَتَبَ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِنَجْرَانَ، أَنَّهُ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ أَنَّهُ آمَنَ بِأَمَانِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفَّى لَهُمْ بِمَا كَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ وَقَعُوا بِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ وَأُمَرَاءِ الْعِرَاقِ فَلْيُوسِعْهُمْ مِنْ جَرِيبِ الْأَرْضِ فَمَا اعْتَمَلُوا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُمْ صَدَقَةٌ، وَعَقَبَةٌ لَهُمْ فَكَانَ أَرْضُهُمْ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لِأَحَدٍ وَلَا مُغْرِمٍ.
[ ١ / ١٨٨ ]
أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَلْيَنْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ ; فَإِنَّهُمْ أَقْوَامٌ لَهُمُ الذِّمَّةُ، وَجِزْيَتُهُمْ عَنْهُمْ مَتْرُوكَةٌ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَهْرًا بَعْدَ أَنْ يَقْدَمُوا، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا مِنْ ضَيْعَتِهِمُ الَّتِي اعْتَمَلُوا غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مَعْنُوفٍ عَلَيْهِمْ. شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، فَوَقَعَ نَاسٌ مِنْهُمُ الْعِرَاقَ، فَنَزَلُوا النَّجْرَانِيَّةَ الَّتِي بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ.
[ ١ / ١٨٩ ]
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ أَشْيَاخِهِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ نَجْرَانَ، فَهُوَ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ يُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ قَالَ:
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ نَجْرَانَ سِتُّونَ رَاكِبًا فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، إِلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمُ الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَذُو رَأْيِهِمْ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ وَالسَّيِّدُ ثَمَّالُهُمْ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَنَجْعَتِهِمْ، وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أُسْقُفُّهُمْ، وَحَبْرُهُمْ، وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مَدْرَاسِهِمْ، وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ، وَمَوَّلُوهُ، وَأَخْدَمُوهُ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَبَسَطُوا لَهُ الْكَرَامَاتِ لِمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ، فَلَمَّا وَجَّهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَجْرَانَ جَلَسَ
[ ١ / ١٩٠ ]
أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجِّهًا وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كُرْزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ، فَقَالَ، لِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ، فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ: فَمَا مَنْعَكَ مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ شَرَّفُونَا، وَمَوَّلُونَا، وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، فَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَلَغَنِي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رُؤَسَاءَ نَجْرَانَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ كِتَابًا عِنْدَهُمْ فَكُلَّمَا مَاتَ
[ ١ / ١٩١ ]
رَئِيسٌ مِنْهُمْ فَأَفْضَتِ الرِّيَاسَةُ إِلَى غَيْرِهِ، خَتَمَ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ خَاتَمًا مَعَ الْخَوَاتِمِ الَّتِي قَبْلَهُ وَلَمْ يَكْسِرْهَا، فَخَرَجَ الرَّئِيسُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، فَعَثَرَ فَقَالَ ابْنُهُ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: لَا تَفْعَلْ ; فَإِنَّهُ نَبِيٌّ وَاسْمُهُ فِي الْوَضَائِعِ، يَعْنِي الْكُتُبَ.
فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَكُنْ لِابْنِهِ هِمَّةٌ إِلَّا أَنْ شَدَّ فَكَسَرَ الْخَوَاتِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَحَجَّ وَهُوَ يَقُولُ:
إِلَيْك تَغْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا لِدِينِ النَّصَارَى دِينُهَا
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ جُبَبٌ، وَأَرْدِيَةٌ فِي جِمَالِ رِجَالِ بَنِي
[ ١ / ١٩٢ ]
الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ: مَا رَأَيْنَا بَعْدَهُمْ وَفْدًا مِثْلَهُمْ، وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعُوهُمْ، فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ تَسْمِيَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّذِينَ يَئُولُ إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ وَهُوَ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَوْسٌ، وَالْحَارِثُ، وَزَيْدٌ، وَقَيْسٌ، وَيَزِيدُ، وَنُبَيْهٌ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعُمَرُ، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَيُحَنَّسُ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالْأَيْهَمُ السَّيِّدُ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ، بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلِيَجْعَلَهُ آيَةَ النَّاسِ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ وَلَدُ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ
[ ١ / ١٩٣ ]
يُعْلَمُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، بِقَوْلِ اللَّهِ: فَعَلِمْنَا، وَأَمَرْنَا، وَخَلَقْنَا، وَقَضَيْنَا، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إِلَّا فَعَلْتُ، وَقَضَيْتُ، وَأَمَرْتُ، وَخَلَقْتُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ عِيسَى وَمَرْيَمُ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَسْلِمَا، قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا. قَالَ: إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فَأَسْلِمَا، قَالَا: بَلَى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ. قَالَ: كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ دَعْوَاكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا لِلصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمَا لِلْخِنْزِيرِ، قَالَا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَلَمْ يُجِبْهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْرِهِمْ كُلِّهِ صَدْرًا مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً.
[ ١ / ١٩٤ ]
وَذَكَرَ نُزُولَ الْآيَاتِ بِسَبَبِهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ - يَعْنِي - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ، عَنْ أَبِيهِ، «عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] . قَالَ: إِنَّ النَّصَارَى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَخَاصَمُوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَبُوهُ؟ وَقَالُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
[ ١ / ١٩٥ ]
وَالْبُهْتَانَ - لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُشْبِهُ أَبَاهُ؟، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَأَنَّ عِيسَى يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَنَاءُ؟، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ؟، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ؟، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا مَا عُلِّمَ؟، قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ وَلَا يُحْدِثُ الْحَدَثَ؟، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَمَا تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا، ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يَتَغَذَّى الصَّبِيُّ، ثُمَّ كَانَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُ الشَّرَابَ وَيُحْدِثُ الْحَدَثَ؟، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَمَا زَعَمْتُمْ؟ . قَالَ: فَعَرَفُوا ثُمَّ أَبَوْا إِلَّا الْجُحُودَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿الم - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]» .
[ ١ / ١٩٦ ]
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ حَدِيثُ وَفْدِ نَجْرَانَ فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] .
«دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» .
وَفِي الْبُخَارِيِّ «عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ جَاءَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَنَا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالَا: إِنَّمَا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا، قَالَ: لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ.
[ ١ / ١٩٧ ]
قَالَ فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الْجَرَّاحِ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَخْبَرَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ،
[ ١ / ١٩٨ ]
النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ، يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ ; وَعَارِيَةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ يَغْزُونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمِينِ كَيْدٌ ذَاتُ غَدْرٍ، عَلَى أَنْ لَا يُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ، وَلَا يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا، أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا» .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَقَدْ أَكَلُوا الرِّبَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا نَقَضُوا بَعْضَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْدَثُوا.
وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَهْلُ السِّيَرِ مِنْ مُصَالَحَتِهِ لِأَهْلِ نَجْرَانَ عَلَى
[ ١ / ١٩٩ ]
الْجِزْيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ:
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ ﷺ لِأَهْلِ نَجْرَانَ، إِذْ كَانَ لَهُ
[ ١ / ٢٠٠ ]
حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ أَنَّ فِي كُلِّ سَوْدَاءَ وَبَيْضَاءَ وَصَفْرَاءَ وَحَمْرَاءَ أَوْ ثَمَرَةٍ وَرَقِيقٍ وَأُفْضِلَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ ذَلِكَ لَهُمْ أَلْفَيْ حُلَّةٍ، فِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَفِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ مَا زَادَ الْخَرَاجُ أَوْ نَقَصَ فَعَلَى الْأَوَاقِي فَلْيُحْسَبْ، وَمَا قَضَوْا مِنْ رِكَابٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ دُرُوعٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِالْحِسَابِ، وَعَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ مَقْرَى رُسُلِي عِشْرِينَ لَيْلَةً فَمَا دُونَهَا وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةُ ثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثَلَاثِينَ دِرْعًا إِذَا كَانَ كَيْدٌ بِالْيَمَنِ ذُو مَغْدَرَةٍ، وَمَا هَلَكَ مِمَّا أَعَارُوا رُسُلِي فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى رُسُلِي حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَيْهِمْ وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَأَسَاقِفِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَعَلَى أَنْ لَا يُغَيِّرُوا أُسْقُفًّا مِنْ سَقِيفَاهُ، وَلَا وَاقِهًا مِنْ وَقِيهَاهُ، وَلَا رَاهِبًا مِنْ رَهَابِنِهِ، وَعَلَى أَنْ لَا يُخْسِرُوا، وَلَا يُعْشِرُوا، وَلَا يَطَأَ أَرْضَهُمْ جَيْشٌ، وَمَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ حَقًّا فَالنِّصْفُ بَيْنَهُمْ بِنَجْرَانَ، عَلَى أَنْ لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا، فَمَنْ أَكَلَ الرِّبَا مِنْ ذِي قَبْلُ فَذِمَّتِي مِنْهُمْ بَرِيئَةٌ وَعَلَيْهِمُ الْجُهْدُ وَالنُّصْحُ فِيمَا اسْتَقْبَلُوا غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مَعْنُوفٍ عَلَيْهِمْ، شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَمُعَيْقِيبٌ» .
[ ١ / ٢٠١ ]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْوَاقَةُ وَلِيُّ الْعَهْدِ فِي لُغَةِ بِلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ يَقُولُ: إِذَا مَاتَ هَذَا الْأُسْقُفُّ قَامَ الْآخَرُ مَكَانَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ أَبُو أَيُّوبَ وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: «فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَوْا أَبَا بَكْرٍ، فَوَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا نَحْوًا مِنْ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَصَابُوا الرِّبَا فِي زَمَانِهِ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَكَتَبَ لَهُمْ: أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ وَقَعُوا بِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ أَوِ الْعِرَاقِ فَلْيُوسِعْهُمْ مِنْ جَرِيبِ الْأَرْضِ، وَمَا اعْتَمَلُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعُقْبَى مِنْ أَرْضِهِمْ، قَالَ فَأتَوُا الْعِرَاقَ فَاتَّخَذُوا النَّجْرَانِيَّةَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْكُوفَةِ» .
وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْعَاقِبَ
[ ١ / ٢٠٢ ]
وَالْأَسْقُفَّ وَسَرَاةَ أَهْلِ نَجْرَانَ أَتَوْنِي بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرَوْنِي شَرْطَ عُمَرَ ﵁، وَقَدْ سَأَلْتُ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَأَنْبَأَنِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَحَثَ عَلَى ذَلِكَ، فَوَجَدَهُ صَارَ لِلدَّهَاقِينِ لِيَرْدَعَهُمْ عَنْ أَرْضِهِمْ، وَإِنِّي قَدْ وَضَعْتُ عَنْهُمْ مِنْ جِزْيَتِهِمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعُقْبَى لَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَإِنِّي أُوصِيكَ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ لَهُمْ ذِمَّةٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
[ ١ / ٢٠٣ ]
لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ: مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَفِي آخِرِهِ شَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَغِيلَانُ بْنُ عَمْرٍو وَمَالِكُ بْنُ
[ ١ / ٢٠٤ ]
عَوْفٍ مِنْ بَنِي نَضْرٍ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى.
[ ١ / ٢٠٥ ]
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
[ ١ / ٢٠٦ ]
قَدْ كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ مُدَّةَ هُدْنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ، وَقَدْ حَضَرَ عِنْدَ هِرَقْلَ، وَسَأَلَهُ هِرَقْلُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبُو سُفْيَانَ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَنُزُولُ آيَةِ الْجِزْيَةِ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ سَنَةَ تِسْعٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَقَبْلَ آيَةِ الْمُبَاهَلَةِ، وَآيَةُ الْمُبَاهَلَةِ قَدْ عُلِمَ يَقِينًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ قُدُومِ وَفْدِ نَجْرَانَ وَالْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ السِّيَرِ ذَكَرُوا أَنَّ آلَ عِمْرَانَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُنَاظَرَةِ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَقْلِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وَنَقَلَ أَهْلُ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَدَّاهَا، فَعُلِمَ أَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَآيَةُ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَعُلِمَ أَنَّ قُدُومَ وَفْدِ نَجْرَانَ كَانَ بَعْدَ آيَةِ السَّيْفِ الَّتِي هِيَ آيَةُ الْجِزْيَةِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَهْلُ نَجْرَانَ أَوَّلُ مَنْ أَدَّى الْجِزْيَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] . بَعْدَهَا آيَاتٌ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ - يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١] .
فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ وَتِلْكَ مِمَّا تَأَخَّرَ نُزُولُهُ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا
[ ١ / ٢٠٨ ]
لِلْمُنَاسَبَةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ، فَإِنَّ الْآيَاتِ كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ يَأْمُرُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضَعَهَا فِي مَوَاضِعَ تُنَاسِبُهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] لَفْظُهَا يَعُمُّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا دُعَاءٌ لِطَائِفَتَيْنِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِهَا الْيَهُودَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نُزُولَهَا مُتَقَدِّمٌ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ لِلْيَهُودِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَضْرِبِ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ يَهُودِ الْحِجَازِ، وَلَكِنْ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ وَكَانَ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا يَهُودُ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرًا، وَهَذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمُعَاذٌ بِالْيَمَنِ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ
[ ١ / ٢٠٩ ]
فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَوْشَبٍ وَغَيْرُهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ
[ ١ / ٢١٠ ]
كَتَبَ إِلَى أَلْيُونَ طَاغِيَةِ الرُّومِ، قَالَ: فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
[ ١ / ٢١١ ]
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا يَهُودَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَجَاهَدَهُمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا خِطَابٌ لِلطَّائِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٧] .
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ، أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ كَانَ مِنْهُمْ نَصَارَى أَهْلُ ذِمَّةٍ وَكَانَ مِنْهُمْ مُسْلِمُونَ - وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ - وَالنَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كَمَا أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» .
[ ١ / ٢١٢ ]
وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: «جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ» .
[ ١ / ٢١٣ ]
قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «جَاءَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالَا: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .
وَكَذَلِكَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، وَكَتَبَ لَهُ الْكِتَابَ الْمَشْهُورَ الَّذِي فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِطُولِهِ، وَرَوَى النَّاسُ بَعْضَهُ مُفَرَّقًا.
[ ١ / ٢١٤ ]
وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ وَفْدِ نَجْرَانَ إِلَّا وَفْدَ جَيْشَانَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ مُتَأَخِّرًا، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ذَكَرَ قُدُومَهُمْ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ مَعَ قِصَّةِ الْيَهُودِ ; لِيَجْمَعَ بَيْنَ خَبَرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَكَرَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ فَتْحَ نَجْرَانَ، وَإِرْسَالَ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَإِرْسَالُ خَالِدٍ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا قَبْلَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ٢١٥ ]
وَسَلَّمَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَأَنَّهُ قَدِمَ وَفْدٌ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ قُدُومِ وَفْدِ النَّصَارَى ; فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ الْعَاقِبَ وَالسَّيِّدَ أَسْلَمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْعَهْدُ بِالْجِزْيَةِ إِنَّمَا كَانَ مَعَ النَّصَارَى، وَآيَةُ الْجِزْيَةِ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَهَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِيهَا قِتَالُهُمْ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ الْجِزْيَةَ إِلَّا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، بَلْ وَقَالُوا: إِنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ أَوَّلُ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ كَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَضْرِبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ جِزْيَةً لَا مِنَ الْأُمِّيِّينَ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلِهَذَا لَمْ يَضْرِبْهَا عَلَى يَهُودِ قَيْنُقَاعَ وَالنَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ وَلَا ضَرَبَهَا عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ ; فَإِنَّهَا فُتِحَتْ سَنَةَ سَبْعٍ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ
[ ١ / ٢١٦ ]
الْجِزْيَةِ، وَأَقَرَّهُمْ فَلَّاحِينَ، وَهَادَنَهُمْ هُدْنَةً مُطْلَقَةً قَالَ فِيهَا: نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ.
فَإِذَا كَانَ أَوَّلَ مَا أَخَذَهَا مِنْ وَفْدِ نَجْرَانَ عُلِمَ أَنَّ قُدُومَهُمْ عَلَيْهِ وَمُنَاظَرَتَهُ لَهُمْ وَمُحَاجَّتَهُ إِيَّاهُمْ، وَطَلَبَهُ الْمُبَاهَلَةَ مَعَهُمْ كَانَتْ بَعْدَ آيَةِ السَّيْفِ الَّتِي فِيهَا قِتَالُهُمْ.
وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، مُحْكَمٌ لَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى مِنْ مُجَادَلَةِ الْخَلْقِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
[ ١ / ٢١٧ ]
فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: آيَاتُ الْمُجَادَلَةِ وَالْمُحَاجَّةِ لِلْكُفَّارِ مَنْسُوخَاتٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ; لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ الْمَشْرُوعِ يُنَافِي الْمُجَادَلَةَ الْمَشْرُوعَةَ وَهَذَا غَلَطٌ، فَإِنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ النَّاسِخُ مُنَاقِضًا لِلْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، كَمُنَاقَضَةِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الصَّلَاةِ لِلْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالشَّامِ، وَمُنَاقَضَةِ الْأَمْرِ بِصِيَامِ رَمَضَانَ لِلْمُقِيمِ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الصِّيَامِ وَبَيْنَ إِطْعَامِ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَمُنَاقَضَةِ نَهْيِهِ عَنْ تَعَدِّي الْحُدُودِ الَّتِي فَرَضَهَا لِلْوَرَثَةِ لِلْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَمُنَاقَضَةِ قَوْلِهِ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقِتَالِ لِقَوْلِهِ: قَاتِلُوهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] .
فَأَمْرُهُ لَهُمْ بِالْقِتَالِ نَاسِخٌ لِأَمْرِهِ لَهُمْ بِكَفِّ أَيْدِيهِمْ عَنْهُمْ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
[ ١ / ٢١٨ ]
فَهَذَا لَا يُنَاقِضُهُ الْأَمْرُ بِجِهَادِ مَنْ أَمَرَ بِجِهَادِهِ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ يُنَاقِضُ النَّهْيَ عَنْهُ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى الْمُجَادَلَةِ.
[وُجُوهُ الْجَمْعِ بَيْنَ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقِتَالِهِمْ]
فَأَمَّا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجِدَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْقِتَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَتَنَافَيَا بَلْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِالنَّسْخِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَنْفَعُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ الْآخَرُ، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا جَمِيعًا أَبْلَغُ فِي إِظْهَارِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ وَالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُمْ لَا يُجَاهَدُ بِالْقِتَالِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِدَعْوَتِهِ وَمُجَادَلَتِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَلَيْسَ هُوَ دَاخِلًا فِيمَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
فَالظَّالِمُ لَمْ يُؤْمَرْ بِجِدَالِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَمَنْ كَانَ ظَالِمًا مُسْتَحِقًّا لِلْقِتَالِ غَيْرَ طَالِبٍ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ فَهُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ لَا يُجَادَلُونَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، بِخِلَافِ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ وَالدِّينَ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ ظُلْمٌ، سَوَاءٌ كَانَ قَصْدُهُ الِاسْتِرْشَادَ، أَوْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ يَقْصِدُ نَصْرَ مَا يَظُنُّهُ حَقًّا، وَمَنْ كَانَ قَصْدُهُ الْعِنَادَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ وَيُجَادِلُ عَلَيْهِ فَهَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمُجَادَلَتِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، لَكِنْ قَدْ نُجَادِلُهُ بِطُرُقٍ أُخْرَى نُبَيِّنُ فِيهَا عِنَادَهُ وَظُلْمَهُ وَجَهْلَهُ جَزَاءً لَهُ بِمُوجِبِ عَمَلِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] .
[ ١ / ٢١٩ ]
فَهَذَا مُسْتَجِيرٌ مُسْتَأْمِنٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمَرَ اللَّهُ بِإِجَارَتِهِ حَتَّى تَقُومَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْلِغُهُ مَأْمَنَهُ، وَهَذَا فِي سُورَةِ (بَرَاءَةَ) الَّتِي فِيهَا نَقْضُ الْعُهُودِ، وَفِيهَا آيَةُ السَّيْفِ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ بِنَقْضِ الْعُهُودِ ; لِيُبَيِّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مِثْلُ هَذَا يَجِبُ أَمَانُهُ ; حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، لَا تَجُوزُ مُحَارَبَتُهُ كَمُحَارَبَةِ مَنْ لَمْ يَطْلُبْ أَنْ يُبَلَّغَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] إِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ مَا نَقُصُّ عَلَيْهِ وَنُخْبِرُ بِهِ فَأَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْسُوخٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ جَاءَكَ وَاسْتَمَعَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى
[ ١ / ٢٢٠ ]
يَأْتِيَكَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يَأْتِي الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عَهْدٍ، قَالَ: تُخَيِّرُهُ إِمَّا أَنْ تُقِرَّهُ، وَإِمَّا أَنْ تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] .
قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُسْمِعُهُ سَمْعًا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ فَهْمِ مَعْنَاهُ، إِذِ الْمَقْصُودُ لَا يَقُومُ بِمُجَرَّدِ سَمْعِ لَفْظٍ لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ فَهْمِ الْمَعْنَى، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَرَبِيٍّ وَجَبَ أَنْ يُتَرْجَمَ لَهُ مَا يَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ -
[ ١ / ٢٢١ ]
وَلَوْ كَانَ عَرَبِيًّا - وَفِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظٌ غَرِيبَةٌ لَيْسَتْ لُغَتَهُ، وَجَبَ أَنْ يُبَيَّنَ لَهُ مَعْنَاهَا، وَلَوْ سَمِعَ اللَّفْظَ كَمَا يَسْمَعُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَفْقَهِ الْمَعْنَى وَطَلَبَ مِنَّا أَنْ نُفَسِّرَهُ لَهُ وَنُبَيِّنَ لَهُ مَعْنَاهُ، فَعَلَيْنَا ذَلِكَ.
وَإِنْ سَأَلَنَا عَنْ سُؤَالٍ يَقْدَحُ فِي الْقُرْآنِ أَجَبْنَاهُ عَنْهُ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوِ الْمُسْلِمِينَ سُؤَالًا يُورِدُونَهُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُجِيبُهُ عَنْهُ كَمَا أَجَابَ ابْنَ الزِّبَعْرِيِّ لَمَّا قَاسَ الْمَسِيحَ عَلَى آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَظَنَّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ مَعْبُودِينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كُلَّ مَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ، فَجَعَلَ الْمَسِيحَ مَثَلًا لِآلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ قَاسَهُمْ عَلَيْهِ قِيَاسَ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ.
[ ١ / ٢٢٢ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ - وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨] .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ الْفَرْقَ الْمَانِعَ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] .
وَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَائِسِينَ مَا قَاسُوهُ إِلَّا جَدَلًا مَحْضًا لَا يُوجِبُ عِلْمًا ; لِأَنَّ الْفَرْقَ حَاصِلٌ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، فَإِنَّ الْأَصْنَامَ إِذَا جُعِلُوا حَصَبًا لِجَهَنَّمَ كَانَ ذَلِكَ إِهَانَةً وَخِزْيًا لِعَابِدِيهَا مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عُذِّبَ عِبَادُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَا سِيَّمَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ وَيَأْمُرُ إِلَّا لِحِكْمَةٍ، وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا فَيُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ، بَلْ وَلَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
[ ١ / ٢٢٣ ]
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وَمَنْ قَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ: إِنَّهُ يَجُوزُ مِنْهُ تَعَالَى فِعْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الظُّلْمَ هُوَ الْمُمْتَنِعُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ وَمَا لَا يَفْعَلُهُ بِدَلَالَةِ خَبَرِ الصَّادِقِ أَوْ بِالْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ يَسْتَدِلُّونَ بِخَبَرِ الصَّادِقِ وَبِغَيْرِهِ عَلَى مَا يَمْتَنِعُ مِنَ اللَّهِ.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يُعَذِّبُهُمْ فِي النَّارِ، بَلْ يَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، فَضْلًا أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ مَعَ كَرَاهِيَةٍ لِفِعْلِهِمْ، وَنَهْيِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ (مَا) كَانَتْ تَتَنَاوَلُ الْمَسِيحَ وَأَخَّرَ بَيَانَ الْعَامِّ أَوْ أَجَابَ بِأَنَّ لَفْظَ (مَا) لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا مَا لَا يَعْقِلُ، فَالْقَوْلَانِ ضَعِيفَانِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ عَارَضُوا النَّصَّ الصَّحِيحَ بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فَسَادَ الْقِيَاسِ وَذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا أَوْرَدَ بَعْضُ النَّصَارَى عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ هَارُونَ هَذَا هُوَ هَارُونُ أَخُو مُوسَى بْنِ
[ ١ / ٢٢٥ ]
عِمْرَانَ، وَأَنَّ عِمْرَانَ هَذَا هُوَ عِمْرَانُ أَبُو مَرْيَمَ أَمِّ الْمَسِيحِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، أَجَابَ بِأَنَّ هَارُونَ هَذَا لَيْسَ هُوَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَبَعْضُ جُهَّالِ النَّصَارَى يَقْدَحُ فِي الْقُرْآنِ بِمِثْلِ هَذَا وَلَا يَعْلَمُ هَذَا الْمُفْرِطُ فِي جَهْلِهِ أَنَّ آحَادَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ أَنَّ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى مُدَّةً طَوِيلَةً جِدًّا يَمْتَنِعُ مَعَهَا أَنْ يَكُونَ مُوسَى وَهَارُونُ خَالَيِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَقَلِّ أَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَهَذَا السُّؤَالُ مِمَّا أَوْرَدَهُ أَهْلُ نَجْرَانَ، كَمَا ثَبَتَ «عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ فَقَالُوا: أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى، فَلَمْ أَدْرِ مَا أُجِيبُهُمْ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ؟» .
وَهَذَا السُّؤَالُ الَّذِي هُوَ سُؤَالُ الطَّاعِنِ فِي الْقُرْآنِ لَمَّا أَوْرَدَهُ أَهْلُ نَجْرَانَ الْكُفَّارُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُجِبْهُمْ
[ ١ / ٢٢٦ ]
عَنْهُ أَجَابَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ: لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي إِلَّا السَّيْفُ، وَلَا قَالَ: قَدْ نَقَضْتُمُ الْعَهْدَ إِنْ كَانُوا قَدْ عَاهَدُوهُ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِمْ رَسُولًا إِلَّا وَالْجِهَادُ مَأْمُورٌ بِهِ.
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُورِدُونَ الْأَسْئِلَةَ عَلَيْهِ، كَمَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ عُمَرُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا صَالَحَ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تَكُنْ تُحَدِّثُنَا أَنَّا نَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ، قَالَ: بَلَى، أَقُلْتُ لَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ فِي هَذَا الْعَامِ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ.
وَكَذَلِكَ أَجَابَهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ جَوَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ تَوْقِيتُ ذَلِكَ بِعَامٍ، وَلَكِنَّ السَّائِلَ ظَنَّ مَا لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ: مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، «قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧] .
[ ١ / ٢٢٧ ]
فَقَالَ: ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحِسَابَ الْيَسِيرَ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ نُوقِشَ، وَقَدْ زَادَهَا بَيَانًا، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ الْعَرْضُ لَا الْمُقَابَلَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمُنَاقَشَةِ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَتْ لَهُ حَفْصَةُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] . فَأَجَابَهَا بِأَنَّهُ قَالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]» .
[ ١ / ٢٢٨ ]
فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ، وَهَذَا الدُّخُولُ هُوَ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَمَّا الْوُرُودُ فَهُوَ مُرُورُ النَّاسِ عَلَى الصِّرَاطِ، كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهَذَا الْمُرُورُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الدُّخُولِ الَّذِي يَجْزِي بِهِ الْعُصَاةَ، وَيَنْفِي عَنِ الْمُتَّقِينَ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَأَمَّا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ أَقْوَالِ الْكُفَّارِ وَحُجَجِهِمْ وَجَوَابِهَا، فَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، فَإِنَّهُ يُجَادِلُهُمْ تَارَةً فِي التَّوْحِيدِ، وَتَارَةً فِي النُّبُوَّاتِ، وَتَارَةً فِي الْمَعَادِ، وَتَارَةً فِي الشَّرَائِعِ بِأَحْسَنِ الْحُجَجِ وَأَكْمَلِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا - وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣] .
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﵎ عَنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ بِمُجَادَلَةِ الْكُفَّارِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] .
وَقَالَ عَنِ الْخَلِيلِ: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] .
وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِالْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَذَمَّ سُبْحَانَهُ مَنْ جَادَلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ، وَمَنْ جَادَلَ بِالْبَاطِلِ: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] .
[ ١ / ٢٣٠ ]
وَهَذَا هُوَ الْجِدَالُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] .
وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَاجُّ الْكُفَّارَ بَعْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُجِيرَ الْمُسْتَجِيرَ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُبْلِغُهُ مَأْمَنَهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ: تَبْلِيغُ رِسَالَاتِ اللَّهِ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَدْ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَفْسِيرِهِ لَهُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيُجَابُ بِهِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
[ ١ / ٢٣١ ]
عُلِمَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ نَاسِخٌ الْأَمْرَ بِالْمُجَادَلَةِ مُطْلَقًا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: إِنَّ آيَةَ مُجَادَلَةِ الْكُفَّارِ - أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يَدَّعِي نَسْخَهُ - مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قِيلَ لَهُ: مَا تَعْنِي بِآيَةِ السَّيْفِ؟ أَتَعْنِي آيَةً بِعَيْنِهَا، أَمْ تَعْنِي كُلَّ آيَةٍ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ؟
فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ، كَانَ جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْجِهَادِ مُتَعَدِّدَةٌ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا.
وَإِنْ قَالَ: أُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
قِيلَ لَهُ: هَذِهِ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَهَا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ:
[ ١ / ٢٣٢ ]
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
فَلَوْ لَمْ تَكُنْ آيَةُ السَّيْفِ إِلَّا وَاحِدَةً لَمْ تَكُنْ هَذِهِ أَوْلَى مِنْ هَذِهِ، وَإِنْ قَالَ: كُلَّ آيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجِهَادِ.
قِيلَ لَهُ الْجِهَادُ شُرِعَ عَلَى مَرَاتِبَ، فَأَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْإِذْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] .
فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَزَلَ وُجُوبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
[ ١ / ٢٣٣ ]
وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِقِتَالِ مَنْ طَلَبَ مُسَالَمَتَهُمْ، بَلْ قَالَ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ - أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ - وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٩ - ٩٠] .
وَكَذَلِكَ مَنْ هَادَنَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِقِتَالِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْهُدْنَةُ عَقْدًا جَائِزًا غَيْرَ لَازِمٍ.
ثُمَّ أَنْزَلَ فِي (بَرَاءَةَ) الْأَمْرَ بِنَبْذِ الْعُهُودِ، وَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، وَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا لَمْ يُسْلِمُوا حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَلَمْ يُبِحْ لَهُمْ تَرْكَ قِتَالِهِمْ وَإِنْ سَالَمُوهُمْ وَهَادَنُوهُمْ هُدْنَةً مُطْلَقَةً مَعَ إِمْكَانِ جِهَادِهِمْ.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فَإِنْ قَالَ: آيَةُ السَّيْفِ الَّتِي نَسَخَتِ الْمُجَادَلَةَ هِيَ آيَةُ الْإِذْنِ. قِيلَ: فَآيَةُ الْإِذْنِ نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ شَيْئًا مِنَ السَّرَايَا، وَقَدْ جَادَلَ بَعْدَ هَذَا الْكُفَّارَ.
وَكَذَلِكَ إِنْ قِيلَ: آيَاتُ فَرْضِ الْقِتَالِ. قِيلَ: فَقَوْلُهُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] . نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ بَدْرٍ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْجِهَادَ كَانَ وَاجِبًا يَوْمَ أُحُدٍ
[ ١ / ٢٣٥ ]
وَالْخَنْدَقِ وَفَتْحِ خَيْبَرَ وَمَكَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ آيَاتِ فَرْضِ الْجِهَادِ فِي هَؤُلَاءِ الْمَغَازِي كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْأَحْزَابِ. وَإِنْ قِيلَ: بَلِ الْجِدَالُ إِنَّمَا نُسِخَ لَمَّا أُمِرَ بِجِهَادِ مَنْ سَالَمَ وَمَنْ لَمْ يُسَالِمْ، قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْجِدَالَ إِنْ كَانَ مُنَافِيًا لِلْجِهَادِ، فَهُوَ مُنَافٍ لِإِبَاحَتِهِ وَلِإِيجَابِهِ وَلَوْ لِلْمُسَالِمِ، وَإِنْ لَمْ يُنَافِ الْجِهَادَ لَمْ يُنَافِ إِيجَابَ الْجِهَادِ لِلْمُسَالِمِينَ، كَمَا لَمْ يُنَافِ إِيجَابَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ. فَإِنَّ الْمُسَالِمَ قَدْ لَا يُجَادِلُ وَلَا يُجَالِدُ، وَقَدْ يُجَادِلُ وَلَا يُجَالِدُ، كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يُجَالِدُ وَيُجَادِلُ وَقَدْ يَفْعَلُ أَحَدَهُمَا.
[ ١ / ٢٣٦ ]
فَإِنْ كَانَ إِيجَابُهُ لِجِهَادِ الْمُحَارِبِ الْمُبْتَدِئِ بِالْقِتَالِ لَا يُنَافِي مُجَادَلَتَهُ، فَلَأَنْ يَكُونَ جِهَادُ مَنْ لَا يَبْدَأُ الْقِتَالَ لَا يُنَافِي مُجَادَلَتَهُ أَوْلَى وَأَحْرَى، فَإِنَّ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ عَنِ الْقِتَالِ كَانَتْ مُجَادَلَتُهُ أَقَلَّ مُنَافَاةً لِلْقِتَالِ مِمَّنْ يَكُونُ أَعْظَمَ قِتَالًا. يُبَيِّنُ هَذَا:
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْمَنْسُوخُ هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجِدَالِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَأْمُورًا أَنْ يُجَاهِدَ الْكُفَّارَ بِلِسَانِهِ لَا بِيَدِهِ، فَيَدْعُوهُمْ وَيَعِظُهُمْ وَيُجَادِلُهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَيُجَاهِدُهُمْ بِالْقُرْآنِ جِهَادًا كَبِيرًا، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا - فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢] .
وَكَانَ مَأْمُورًا بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ لِعَجْزِهِ وَعَجْزِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَصَارَ لَهُ بِهَا أَعْوَانٌ أُذِنَ لَهُ فِي الْجِهَادِ، ثُمَّ لَمَّا قَوَوْا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِمْ قِتَالُ مَنْ سَالَمَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَطِيقُونَ قِتَالَ جَمِيعِ الْكُفَّارِ.
فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ وَانْقَطَعَ قِتَالُ قُرَيْشٍ مُلُوكِ الْعَرَبِ، وَوَفَدَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ بِالْإِسْلَامِ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ، وَأَمَرَهُ بِنَبْذِ الْعُهُودِ الْمُطْلَقَةِ، فَكَانَ الَّذِي رَفَعَهُ وَنَسَخَهُ تَرْكَ الْقِتَالِ.
وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ بِاللِّسَانِ، فَمَا زَالَ مَشْرُوعًا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى آخِرِهِ،
[ ١ / ٢٣٧ ]
فَإِنَّهُ إِذَا شَرَعَ جِهَادَهُمْ بِالْيَدِ، فَبِاللِّسَانِ أَوْلَى، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ» .
وَكَانَ يَنْصِبُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي مَسْجِدِهِ يُجَاهِدُ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ بِلِسَانِهِ جِهَادَ هَجْوٍ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَاتِ الْقِتَالِ، وَأَيْنَ مَنْفَعَةُ الْهَجْوِ مِنْ مَنْفَعَةِ إِقَامَةِ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِبْطَالِ حُجَجِ الْكُفَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ؟
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقِتَالَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ آمَنُوا بِالْبُرْهَانِ وَالْآيَاتِ لَمَا احْتِيجَ إِلَى الْقِتَالِ، فَبَيَانُ آيَاتِ الْإِسْلَامِ وَبَرَاهِينُهُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا وُجُوبًا أَصْلِيًّا.
وَأَمَّا الْجِهَادُ: فَمَشْرُوعٌ لِلضَّرُورَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ؟
فَإِنْ قِيلَ: الْإِسْلَامُ قَدْ ظَهَرَتْ أَعْلَامُهُ وَآيَاتُهُ فَلَمْ يَبْقَ حَاجَةٌ إِلَى
[ ١ / ٢٣٨ ]
إِظْهَارِ آيَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى السَّيْفِ. قِيلَ: مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَ بِإِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ظُهُورَ عِلْمٍ وَبَيَانٍ وَظُهُورَ سَيْفٍ وَسِنَانٍ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] .
وَقَدْ فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ ظُهُورَهُ بِهَذَا وَهَذَا، وَلَفْظُ الظُّهُورِ يَتَنَاوَلُهُمَا، فَإِنَّ ظُهُورَ الْهُدَى بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ، وَظُهُورَ الدِّينِ بِالْيَدِ وَالْعَمَلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ; لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ قَبْلَ ظُهُورِهِ بِالْيَدِ وَالْقِتَالِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ وَالْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ، فَآمَنَتْ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا بِغَيْرِ سَيْفٍ لِمَا بَانَ لَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْبَرَاهِينِ وَالْمُعْجِزَاتِ، ثُمَّ أَظْهَرَهُ بِالسَّيْفِ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا جِهَادُ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ ابْتِدَاءً وَدَفْعًا، فَلَأَنْ يَجِبُ عَلَيْنَا بَيَانُ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَامُهُ ابْتِدَاءً وَدَفْعًا لِمَنْ يَطْعَنُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
فَإِنَّ وُجُوبَ هَذَا قَبْلَ وُجُوبِ ذَاكَ وَمَنْفَعَتَهُ قَبْلَ مَنْفَعَتِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَحْتَاجُ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى السَّيْفِ، فَكَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ، وَإِظْهَارُهُ بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ مِنْ جِنْسِ إِظْهَارِهِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ ظُهُورٌ مُجْمَلٌ عَلَا بِهِ عَلَى كُلِّ دِينٍ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْكُفَّارِ لَمْ يَقْهَرْهُ سَيْفُهُ فَكَذَلِكَ كَثِيرٌ
[ ١ / ٢٣٩ ]
مِنَ النَّاسِ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ آيَاتُهُ وَبَرَاهِينُهُ، بَلْ قَدْ يَقْدَحُونَ فِيهِ وَيُقِيمُونَ الْحُجَجَ عَلَى بُطْلَانِهِ، لَا سِيَّمَا وَالْمَقْهُورُ بِالسَّيْفِ فِيهِمْ مُنَافِقُونَ كَثِيرُونَ، فَهَؤُلَاءِ جِهَادُهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ دُونَ السَّيْفِ وَالسِّنَانِ، يُؤَكِّدُ هَذَا:
الْوَجْهُ السَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّ الْقِتَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِظَالِمٍ، فَإِنَّ مَنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا ظَالِمًا مُعْتَدِيًا، وَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَشَاقَّ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا ظَالِمًا.
وَأَمَّا الْمُجَادَلَةُ فَقَدْ تَكُونُ لِظَالِمٍ: إِمَّا طَاعِنٍ فِي الدِّينِ بِالظُّلْمِ، وَإِمَّا مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا، وَقَدْ تَكُونُ لِمُسْتَرْشِدٍ طَالِبِ حَقٍّ لَمْ يَبْلُغْهُ.
وَإِمَّا مَنْ بَلَغَهُ بَعْضُ أَعْلَامِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَدَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ، وَلَكِنْ عُورِضَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِشُبُهَاتٍ تُنَافِي ذَلِكَ، فَاحْتَاجَ إِلَى جَوَابِ تِلْكَ الْمُعَارَضَاتِ.
وَإِمَّا طَالِبٌ لِمَعْرِفَةِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ ذَلِكَ.
فَإِذَا كَانَ الْقِتَالُ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا لِدَفْعِ ظُلْمِ الْمُقَاتِلِ مَشْرُوعًا.
[ ١ / ٢٤٠ ]
فَالْمُجَادَلَةُ الَّتِي تَكُونُ لِدَفْعِ ظُلْمِهِ وَلِانْتِفَاعِهِ وَانْتِفَاعِ غَيْرِهِ مَشْرُوعَةٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . قَالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا مَنْ قَاتَلَكَ وَلَمْ يُعْطِكَ الْجِزْيَةَ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا: مِنْهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُمُ؛ الْمُجَادَلَةُ لَهُمْ بِالسَّيْفِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: لَا تُقَاتِلْ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ وَلَمْ يُعْطِكَ الْجِزْيَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: مَنْ أَدَّى مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ فَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِنْ قَالُوا شَرًّا فَقُولُوا خَيْرًا، فَهَذَا مُجَاهِدٌ لَا يَجْعَلُهَا مَنْسُوخَةً وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.
[ ١ / ٢٤١ ]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، قَالَ: لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، وَلَكِنْ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وَلَا مُجَادَلَةَ أَشَدُّ مِنَ السَّيْفِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَلَا
[ ١ / ٢٤٢ ]
نَسْخَ.
وَمِمَّا يُعْجَبُ مِنْهُ أَنَّ بَعْضَ الْمُنْكِرِينَ لِمُجَادَلَةِ الْكُفَّارِ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ نَجِدُهُ هُوَ وَمَنْ يُعَظِّمُهُ مِنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ يَعْتَمِدُ فِي أُصُولِ الدِّينِ عَلَى نَظَرِهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قَرَّرُوا دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ قَدْ أَوْرَدُوا مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالشُّكُوكِ وَالْمَطَاعِنِ عَلَى دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مَا يَبْلُغُ نَحْوَ ثَمَانِينَ سُؤَالًا وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ جَوَابًا فِي الْمَسَائِلِ الظَّنِّيَّةِ، بَلْ هِيَ إِلَى تَقْرِيرِ شُبَهِ الطَّاعِنِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى تَقْرِيرِ أُصُولِ الدِّينِ.
وَهُمْ كَمَا مَثَّلَهُمُ الْغَزَّالِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَنْ يَضْرِبُ شَجَرَةً ضَرْبًا يُزَلْزِلُهَا بِهِ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُثَبِّتَهَا، وَكَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ هَؤُلَاءِ مُضْطَرِبٌ فِي الْإِيمَانِ بِالنُّبُوَّةِ اضْطِرَابًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعُونَ
[ ١ / ٢٤٣ ]
أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَ شُيُوخِ هَؤُلَاءِ النُّظَّارِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ إِظْهَارِ آيَاتِ اللَّهِ وَبَرَاهِينِهِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ مَطَالِبِ مَشَايِخِهِمْ وَهُمْ لَمْ يُعْطُوهَا حَقَّهَا إِمَّا عَجْزًا وَإِمَّا تَفْرِيطًا.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَزْعُمُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَأُمَّتَهُ إِنَّمَا أَقَامُوا دِينَهُمْ بِالسَّيْفِ لَا بِالْهُدَى وَالْعِلْمِ وَالْآيَاتِ، فَإِذَا طَلَبُوا الْعِلْمَ وَالْمُنَاظَرَةَ، فَقِيلَ: لَهُمْ لَيْسَ لَكُمْ جَوَابٌ إِلَّا السَّيْفَ، كَانَ هَذَا مِمَّا يُقَرِّرُ ظَنَّهُمُ الْكَاذِبَ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى فَسَادِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ دِينُ رَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا هُوَ دِينُ مَلِكٍ أَقَامَهُ بِالسَّيْفِ.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ السَّيْفَ لَا سِيَّمَا سَيْفِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ هُوَ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ، بَلْ وَسَيْفُ الْمُشْرِكِينَ هُوَ تَابِعٌ لِآرَائِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ، وَالسَّيْفُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ - أَبَدًا - تَابِعٌ لِلْعِلْمِ وَالرَّأْيِ.
وَحِينَئِذٍ فَبَيَانُ دَيْنِ الْإِسْلَامِ بِالْعِلْمِ وَبَيَانُ أَنَّ مَا خَالَفَهُ ضَلَالٌ وَجَهْلٌ هُوَ تَثْبِيتٌ لِأَصْلِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَاجْتِنَابٌ لِأَصْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَمَتَى ظَهَرَ صِحَّتُهُ وَفَسَادُ غَيْرِهِ كَانَ النَّاسُ أَحَدَ رَجُلَيْنِ:
إِمَّا رَجُلٌ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَاتَّبَعَهُ، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِمَّا رَجُلٌ لَمْ يَتْبَعْهُ، فَهَذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْظُرْ فِي أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ، أَوْ نَظَرَ وَعَلِمَ فَاتَّبَعَ هَوَاهُ أَوْ قَصَّرَ.
وَإِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ كَانَ أَرْضَى لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَنْصَرَ لِسَيْفِ الْإِسْلَامِ وَأَذَلَّ لِسَيْفِ الْكُفَّارِ، وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ فَهْمِ الْحُجَّةِ، فَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا مَعَ عَدَمِ قِيَامِهَا، فَهُوَ مَعَ قِيَامِهَا أَوْلَى أَنْ لَا يُعْذَرَ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا مَعَ قِيَامِهَا فَهُوَ مَعَ عَدَمِهَا أَعْذَرُ، فَعَلَى
[ ١ / ٢٤٥ ]
التَّقْدِيرَيْنِ قِيَامُ الْحُجَّةِ أَنْصَرُ وَأَعْذَرُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» .
[ ١ / ٢٤٦ ]
وَكَانَ قَبْلَ قِصَّةِ نَجْرَانَ قَدْ آمَنَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى رُؤَسَاؤُهُمْ وَغَيْرُ رُؤَسَائِهِمْ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا آمَنَ بِهِ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا هُوَ وَقَوْمُهُ، وَكَانَ إِيمَانُهُ بِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا كَانَ أَصْحَابُهُ مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَظْلِمُونَهُمْ وَيُؤْذُونَهُمْ وَيُعَاقِبُونَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهَاجَرَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِثْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَعْفَرِ بْنِ
[ ١ / ٢٤٧ ]
أَبِي طَالِبٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَيْهِ، وَكَانَ مَلِكًا عَادِلًا، فَأَرْسَلَ الْكُفَّارُ خَلْفَهُمْ رُسُلًا بِهَدَايَا لِيَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَامْتَنَعَ مِنْ عَدْلِهِ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُمْ وَمَا أَخْبَرُوهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَآوَاهُمْ.
وَلَمَّا سَمِعَ الْقُرْآنَ قَالَ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمَّا سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ ﵇ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا رَجُلٌ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: وَاللَّهِ مَا زَادَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، فَنَخَرَتْ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ، وَإِنْ نَخَرْتُمْ، وَبَعَثَ ابْنَهُ وَطَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى النَّبِيِّ
[ ١ / ٢٤٨ ]
ﷺ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدِمَ جَعْفَرٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْمُسْنَدِ وَابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَهَا أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ
[ ١ / ٢٤٩ ]
اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ (النَّجَاشِيَّ) أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ، لَا نُؤْذَى، وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يَسْتَطْرِفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَعْجَبَ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَيْهِ الْأَدَمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ
[ ١ / ٢٥٠ ]
الْمَخْزُومِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ، وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعَا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ اسْأَلُوهُ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَا، فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدُهُ بِخَيْرِ دَارٍ عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطَرِيقٌ إِلَّا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قَالَا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَدْ صَبَأَ
[ ١ / ٢٥١ ]
إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِنَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ فَتُشِيرُوا عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْنَا وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ صَبَأَ إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعَلَا بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ.
قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَنَا.
[ ١ / ٢٥٢ ]
فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعَلَا بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا فَلْيَرُدَّاهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ. قَالَتْ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ لَا هَا اللَّهِ أَيْمُ اللَّهِ إِذًا لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلَا أُكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي وَنَزَلُوا بِلَادِي وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولُونَ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي.
قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ مَا عَلَّمَنَا وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ، كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا جَاءُوهُ زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ وَقَدْ دَعَى النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ
[ ١ / ٢٥٣ ]
وَمَعَهُمْ مَصَاحِفُهُمْ حَوْلَهُ، فَلَمَّا جَاءُوهُ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ؟
قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، نَخْلَعُ مَا كُنَّا نَحْنُ نَعْبُدُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ. قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ
[ ١ / ٢٥٤ ]
شَيْئًا وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟
قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ:
[ ١ / ٢٥٥ ]
﴿كهيعص - ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا - إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا - قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا - وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا - يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا - يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا - قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا - قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا - قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا - فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا - يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا - وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا - وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا - وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا - وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا - فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا - قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا - قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا - فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا - فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا - فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا - وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا - فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا - فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا - يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا - فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا - قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا - وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا - وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا - وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا - ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ - أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ - إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ١ - ٤٠]
[ ١ / ٢٥٦ ]
قَالَتْ أَمُّ سَلَمَةَ ﵂، فَبَكَى وَاللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمَا أَبَدًا وَلَا أُكَادُ.
قَالَتْ أَمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا أَعِيبُهُمْ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ.
قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ - وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا - لَا تَفْعَلْ ; فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا، قَالَ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ.
قَالَتْ: ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ الْغَدَ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي
[ ١ / ٢٥٧ ]
عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ.
قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ.
قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ فِيهِ مَا قَالَهُ اللَّهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ.
قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُومُ: الْآمِنُونَ - مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا ذَهَبًا وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْجَبَلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذُ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعُهُمْ فِيهِ.
[ ١ / ٢٥٨ ]
قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ، مَرْدُودٌ عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ. يَعْنِي: مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَخَوَّفْنَا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَيَأْتِي رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ بِالنَّجَاشِيِّ عَدُوُّهُ مِنْ أَرْضِهِ جَاءَ الْمُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا: إِنَّا نَحْنُ نَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، فَنُقَاتِلُ مَعَكَ، وَتَرَى جَزَاءَنَا، وَنَجْزِيكَ بِمَا صَنَعْتَ بِنَا، فَقَالَ: ذُو يَنْصُرُهُ اللَّهُ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي يَنْصُرُهُ النَّاسُ، يَقُولُ: الَّذِي يَنْصُرُهُ اللَّهُ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي يَنْصُرُهُ النَّاسُ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
(رَجَعْنَا إِلَى) حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النِّيلَ قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِينَا بِالْخَبَرِ؟
[ ١ / ٢٥٩ ]
قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا.
قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا، قَالَتْ: فَنَفَخْنَا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ.
قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللَّهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَعَلَى ذَلِكَ مُتَوَقِّعِينَ لِمَا هُوَ كَائِنٌ إِذْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ يَسْعَى وَيُلَوِّحُ بِثَوْبِهِ وَيَقُولُ: أَلَا أَبْشِرُوا، قَدْ ظَهَرَ النَّجَاشِيُّ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُ.
فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ فَرِحْنَا فَرْحَةً مِثْلَهَا قَطُّ.
قَالَتْ: فَرَجَعَ النَّجَاشِيُّ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَاسْتَوْثَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَدْ رَوَى جُمَلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمَا فِي اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، قَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا وَأَمَرَنَا - يَعْنِي بِالْإِقَامَةِ - فَأَقِيمُوا مَعَنَا. قَالَ: فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا. قَالَ: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَتَحَ خَيْبَرَ فَأَسْهَمَ لَنَا مِنْهَا، وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَائِبٍ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ غَيْرَنَا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَنَا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ.
قَالَ: فَلَمَّا رَأَى نَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا - يَعْنِي أَهْلَ السَّفِينَةِ - سَبَقْنَاكُمْ لِهِجْرَةٍ، قَالَ: وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ - وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا - عَلَى حَفْصَةَ زَائِرَةً، وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ
[ ١ / ٢٦١ ]
هَاجَرَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ قَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ، نَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ: يَا عُمَرُ كَلَّا وَاللَّهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ ﵎ وَفِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنَخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسْأَلُهُ، وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَاذَا
[ ١ / ٢٦٢ ]
قُلْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: قَلْتُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلُ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ» .
قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونَنِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَأَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ،
[ ١ / ٢٦٣ ]
قَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ.
وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: «نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ يَوْمَ تُوُفِّيَ، وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفُّوا وَرَاءَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» . أَخْرَجَاهُ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٦٤ ]
أَرْبَعًا» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
[ ١ / ٢٦٥ ]
[إِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ]
فَصْلٌ
«وَكَانَ أَوَّلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ﷺ الْوَحْيُ، عَرَضَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَتُهُ أَمْرَهُ عَلَى عَالِمٍ كَبِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى يُقَالُ لَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَكَانَ مِنَ الْعَرَبِ الْمُتَنَصِّرَةِ، فَقَالَ: هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ فِيهَا جَذَعًا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. يَعْنِي: لَيْتَنِي أَكُونُ شَابًّا فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا» . رَوَاهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ.
وَقَدِمَ إِلَيْهِ بِمَكَّةَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ النَّصَارَى، فَآمَنُوا بِهِ، فَآذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَصَبَرُوا وَاحْتَمَلُوا أَذَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ:
[ ١ / ٢٦٦ ]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ - وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ - أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامِ الرِّسَالَةِ، فَقَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَنْبَأَنَا، أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ
[ ١ / ٢٦٧ ]
أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَنْبَأَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِشْرُونَ رَجُلًا - وَهُوَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ - مِنَ النَّصَارَى حِينَ ظَهَرَ خَبَرُهُ فِي الْحَبَشَةِ فَوَجَدُوهُ فِي الْمَجْلِسِ فَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مُسَاءَلَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى اللَّهِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوا فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ ثُمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ، وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا مِنْ عِنْدِهِ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ فَتَأْتُونَهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ لَكُمْ، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ. أَوْ كَمَا قَالَ لَهُمْ، فَقَالُوا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ، لَا نَأْلُوا لِأَنْفُسِنَا إِلَّا خَيْرًا، وَيُقَالُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ:
[ ١ / ٢٦٨ ]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] .
[إِرْسَالُ الرُّسُلِ إِلَى جَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْمَوْجُودَةِ فِي عَهْدِهِ]
وَلَمَّا كَانَ بَعْدَ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمُهَادَنَةِ قُرَيْشٍ أَرْسَلَ ﷺ رُسُلَهُ إِلَى جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، فَأَرْسَلَ إِلَى النَّصَارَى: نَصَارَى الشَّامِ وَمِصْرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ هِرَقْلَ هَذَا هُوَ الَّذِي زَادَتِ النَّصَارَى لَهُ فِي صَوْمِهِمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمَّا اقْتَتَلَتِ الرُّومُ
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَالْفُرْسُ، وَقَتَلَ الْيَهُودَ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ أَمَّنَهُمْ، فَطَلَبَتْ مِنْهُ النَّصَارَى قَتْلَهُمْ وَضَمِنُوا لَهُ أَنْ يُكَفِّرُوا خَطِيئَتَهُ بِمَا زَادُوهُ فِي الصَّوْمِ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ مَجُوسًا، وَالرُّومُ نَصَارَى، وَكَانَتِ الْمَجُوسُ الْفُرْسُ غَلَبَتِ النَّصَارَى أَوَّلًا وَكَانَ هَذَا فِي أَوَائِلِ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَتْبَاعُهُ قَلِيلٌ، فَفَرِحَ الْمُشْرِكُونَ بِانْتِصَارِ الْفُرْسِ ; لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَخْبَرَهُ بِانْتِصَارِ الْفُرْسِ عَلَى الرُّومِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ - بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ١ - ٥] .
وَكَانَ هَذَا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ كَذَّبُوهُ فَرَاهَنَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ كَمَا ذَكَرَ هَذَا الْمُفَسِّرُونَ وَالْمُحَدِّثُونَ
[ ١ / ٢٧٠ ]
قَالَ سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ - وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢]
[ ١ / ٢٧١ ]
إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ يَقْرَؤُهَا بِمَكَّةَ رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٣] .
فَقَالَ لَهُ رُءُوسُ أَهْلِ مَكَّةَ: مَا هَذَا يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ لَعَلَّهُ مِمَّا يَأْتِي بِهِ صَاحِبُكَ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَقَوْلُهُ ﵎، قَالُوا: فَذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، فَرَاهَنَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ لِلرُّومِ عَلَى فَارِسَ دُونَ التِّسْعِ فَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ ابْنُ مُكْرَمٍ: وَإِنَّمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَسْتَفْتِحُ يَوْمَئِذٍ بِالْفُرْسِ ; لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ تَكْذِيبٍ بِالْبَعْثِ وَأَهْلُ أَصْنَامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَسْتَفْتِحُونَ يَوْمَئِذٍ بِالرُّومِ ; لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ نُبُوَّةٍ وَتَصْدِيقٍ بِالْبَعْثِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
[ ١ / ٢٧٢ ]
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤] .
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] . فَكَانَتْ فَارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَاهِرِينَ لِلرُّومِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ.
وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ - بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٤ - ٥] .
[ ١ / ٢٧٣ ]
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فَارِسَ ; لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ وَلَا إِيمَانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يَصِيحُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ١ - ٤] .
قَالَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَبِي بَكْرٍ: فَذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ زَعَمَ صَاحِبُكُمْ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، أَفَلَا نُرَاهِنُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَارْتَهَنَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُشْرِكُونَ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ - يَعْنِي غَرِيبًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ - وَإِلَّا فَهُوَ مَشْهُورٌ مُتَوَاتِرٌ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَالْقِصَّةُ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ النَّاسِ.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَغْلِبَ أَهْلُ فَارِسَ ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ١ - ٤] .
[ ١ / ٢٧٥ ]
فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا، فَإِنْ غَلَبُوا كَانَ لَكَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ غُلِبُوا كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا، فَجَعَلُوا بَيْنَهُمْ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، «فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: هَلَّا احْتَطْتَ، أَفَلَا جَعَلْتَهُ دُونَ الْعَشَرَةِ؟» قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَالْبِضْعُ: مَا دُونَ الْعَشْرِ. قَالَ فَغُلِبَتِ الرُّومُ، ثُمَّ غَلَبَتْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] .
وَهَذَا أَيْضًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ عَنْ
[ ١ / ٢٧٦ ]
سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
[ ١ / ٢٧٧ ]
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ بِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَهَبَ آخَرُونَ أَنَّهُ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهِرَقْلُ كَانَ قَدْ مَشَى شُكْرًا لِلَّهِ مِنْ حِمْصَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِمَا نَصَرَهُ عَلَى الْفُرْسِ، فَوَافَاهُ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ عَقِبَ نَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ عَلَى فَارِسَ، فَفَرِحَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: فَلَمَّا انْتَصَرَتِ الرُّومُ، وَخَرَجَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ مِنْ مَنْزِلِهِ مِنْ حِمْصَ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُتَشَكِّرًا لِلَّهِ
[ ١ / ٢٧٨ ]
﷿ حِينَ رَدَّ عَلَيْهِ مَا رَدَّ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصَلَّى فِيهِ قَدِمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، قَالَ: كُنَّا قَوْمًا تُجَّارًا، وَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَصَرَتْنَا حَتَّى هَلَكَتْ أَمْوَالُنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - يَعْنِي الَّتِي عُقِدَتْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - فَلَمَّا عُقِدَتِ الْهُدْنَةُ أَمِنَّا، فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ وَجْهَ مَتْجَرِنَا فَقَدِمْتُهَا حِينَ ظَهَرَ هِرَقْلُ عَلَى مَنْ كَانَ عَارَضَهُ مِنْ فَارِسَ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا، وَانْتُزِعَ لَهُ صَلِيبُهُ الْأَعْظَمُ، وَقَدْ كَانُوا سَلَبُوهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَبَلَغَهُ أَنَّ صَلِيبَهُ قَدِ اسْتُنْقِذَ لَهُ، وَكَانَتْ حِمْصُ مَنْزِلَهُ فَخَرَجَ مِنْهَا عَلَى قَدَمَيْهِ مُتَشَكِّرًا لِلَّهِ ﷿ حِينَ رَدَّ عَلَيْهِ مَا رَدَّ ; لِيُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبُسِطَ لَهُ الطَّرِيقُ بِالْبُسُطِ وَيُلْقَى عَلَيْهَا الرَّيَاحِينُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى إِيلِيَاءَ وَقَضَى فِيهَا صَلَاتَهُ وَمَعَهُ بَطَارِقَتُهُ وَأَسَاقِفَتُهُ، قَالَ: وَقَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٧٩ ]
وَسَلَّمَ مَعَ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ» يَعْنِي الْأَكَّارِينَ.
[ ١ / ٢٨٠ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي أُسْقُفُّ النَّصَارَى فِي زَمَانِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، زَعَمَ لِي أَنَّهُ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمْرِ هِرَقْلَ وَعَقْلِهِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ دِحْيَةَ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى رَجُلٍ بِرُومِيَّةَ كَانَ يَقْرَأُ مِنَ الْعِبْرَانِيَّةِ مَا يَقْرَأُ يَذْكُرُ لَهُ أَمْرَهُ وَيَصِفُ لَهُ شَأْنَهُ وَيُخْبِرُهُ مَا جَاءَ مِنْهُ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ رُومِيَّةَ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي نَنْتَظِرُهُ لَا شَكَّ فِيهِ فَاتَّبِعْهُ وَصَدِّقْهُ، فَأَمَرَ هِرَقْلُ بِبَطَارِقَةِ الرُّومِ، فَجُمِعُوا لَهُ فِي دَسْكَرَةِ مُلْكِهِ، وَأَمَرَ بِهَا فَأُشْرِجَتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُهَا، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلِّيَةٍ، وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ إِنِّي قَدْ جَمَعْتُكُمْ لِخَيْرٍ، إِنَّهُ قَدْ أَتَانِي كِتَابُ هَذَا الرَّجُلِ يَدْعُونِي إِلَى
[ ١ / ٢٨١ ]
دِينِهِ، وَإِنَّهُ - وَاللَّهِ - لَلرَّجُلُ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ وَنَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا، فَهَلُمَّ فَلْنَتَّبِعْهُ، لِنُصَدِّقَهُ فَتَسْلَمَ لَنَا دُنْيَانَا وَآخِرَتُنَا، فَنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ ابْتَدَرُوا أَبْوَابَ الدَّسْكَرَةِ لِيَخْرُجُوا مِنْهَا، فَوَجَدُوهَا قَدْ أُغْلِقَتْ دُونَهُمْ فَقَالَ: كُرُّوهُمْ عَلَيَّ، وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَكُرُّوا عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، إِنَّمَا قُلْتُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ الَّتِي قُلْتُ لَكُمْ ; لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَابَتُكُمْ عَلَى دِينِكُمْ لِهَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَدَثَ، فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أُسَرُّ بِهِ، فَوَقَعُوا سُجُودًا، وَأَمَرَ بِأَبْوَابِ الدَّسْكَرَةِ فَفُتِحَتْ لَهُمْ فَانْطَلَقُوا.
وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَهُوَ ذُو عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ بِهَذَا الشَّأْنِ، حَفِظَ مَا لَا يَحْفَظُهُ غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَخَذَ هِرَقْلُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَهُ فِي قَصَبَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَمْسَكَهَا عِنْدَهُ تَعْظِيمًا لَهُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ الصِّحَاحِ.
فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالسِّيَاقُ لِلْبُخَارِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا
[ ١ / ٢٨٢ ]
تُجَّارًا بِالشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَادَنَ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُوَ بِإِيلِيَا، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ بِالتُّرْجُمَانِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَنْ مَلَكَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. فَقَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ مِنْهُمْ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ يُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ. نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتُّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَنْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ
[ ١ / ٢٨٣ ]
قَبْلَهُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا. فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَتَأَسَّى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَنْ مَلَكَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَنْ مَلَكَ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ يُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ.
ثُمَّ دَعَى بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ
[ ١ / ٢٨٤ ]
فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، وَ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]» .
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ أُسْقُفًّا عَلَى نَصَارَى أَهْلِ
[ ١ / ٢٨٦ ]
الشَّامِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَا أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ أَنَّ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟، قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَلْيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ قَالَ: هُمْ مُخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةَ وَكَانَ هِرَقْلُ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٨٧ ]
وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُتَابِعُوا هَذَا النَّبِيَّ، فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَيَئِسَ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ قَالَ: رَدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَلَيْهِ، فَكَانَ هَذَا آخَرَ شَأْنِ هِرَقْلَ.
قُلْتُ: وَكَانَ هِرَقْلُ مِنْ أَجَلِّ مُلُوكِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ أَخْبَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ إِلَى الْآنِ بَاقٍ عِنْدِ ذُرِّيَّةِ هِرَقْلَ فِي أَرْفَعِ صُوَانٍ وَأَعَزِّ مَكَانٍ يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَأَخْبَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ بَاقٍ إِلَى الْآنِ عِنْدَ الْفُنْشَ
[ ١ / ٢٨٨ ]
صَاحِبُ قَشْتَالَةَ، وَبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ يَفْتَخِرُونَ بِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ.
وَقَدْ رَوَى سُنَيْدٌ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: لَمَّا كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَ كِتَابَهُ، وَجَمَعَ الرُّومَ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ لَمْ يَحْضُرْ أُسْقُفُّهُمْ
[ ١ / ٢٨٩ ]
الْكَبِيرُ وَتَمَارَضَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَبَى، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَبَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَأَيْتَ مَا رَكِبُوا مِنِّي فَأَنْتَ أَطْوَعُ فِيهِمْ مِنِّي فَتَعَالَ فَادْعُهُمْ، قَالَ: وَتَأْذَنُ لِي فِي ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ هُوَ ذَا أَجِيءُ، قَالَ: فَجَاءَ بِسَوَادِهِ إِلَى كَنِيسَتِهِمُ الْعُظْمَى، فَلَمَّا رَأَوْهُ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا الْمَلِكُ وَغَيْرُهُ، فَقَامَ فِي الْمَذْبَحِ فَقَالَ: يَا أَبْنَاءَ الْمَوْتَى، هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَنَخَرُوا وَوَثَبُوا إِلَيْهِ فَعَضُّوهُ بِأَفْوَاهِهِمْ حَتَّى قَتَلُوهُ، قَالَ: وَجَعَلُوا يُخْرِجُونَ أَضْلَاعَهُ بِالْكَلْبَتَيْنِ حَتَّى مَاتَ.
[ ١ / ٢٩٠ ]
[إِرْسَالُهُ رَسُولًا إِلَى مَلِكِ مِصْرَ الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ النَّصَارَى]
فَصْلٌ
وَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَسُولًا أَيْضًا إِلَى مَلِكِ مِصْرَ الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُهُ إِلَيْهِ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁، قَالَ حَاطِبٌ: قَدِمْتُ عَلَى الْمُقَوْقِسِ - وَاسْمُهُ جُرَيْحُ بْنُ مِينَا - بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ قَبْلَكَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ الرَّبُّ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى فَانْتَقَمَ بِهِ ثُمَّ انْتَقَمَ مِنْهُ فَاعْتَبِرْ
[ ١ / ٢٩١ ]
بِغَيْرِكَ وَلَا يُعْتَبَرْ بِكَ. قَالَ: هَاتِ. قُلْتُ: إِنَّ لَكَ دِينًا لَنْ تَدَعَهُ إِلَّا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْكَافِي بَعْدَ مَا سِوَاهُ، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى اللَّهِ فَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ وَأَعْدَاهُمْ لَهُ الْيَهُودُ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ النَّصَارَى، وَلَعَمْرِي مَا بِشَارَةُ مُوسَى بِعِيسَى إِلَّا كَبِشَارَةِ عِيسَى بِمُحَمَّدٍ، وَمَا دُعَاؤُنَا إِيَّاكَ إِلَى الْقُرْآنِ إِلَّا كَدُعَائِكَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ إِلَى الْإِنْجِيلِ، وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ نَبِيًّا فَهُوَ مِنْ أُمَّتِهِ، فَالْحَقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَأَنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكْتَ هَذَا النَّبِيَّ، وَلَسْنَا نَنْهَاكَ عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ، وَلَكِنَّا نَأْمُرُكَ بِهِ. ثُمَّ نَاوَلَهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: خَيْرًا، قَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا فَوَجَدْتُهُ لَا يَأْمُرُ بِمَزْهُودٍ فِيهِ وَلَا يَنْهَى عَنْ مَرْغُوبٍ فِيهِ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِالسَّاحِرِ الضَّالِّ وَلَا الْكَاهِنِ الْكَاذِبِ، وَوَجَدْتُ مَعَهُ آلَةَ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ جَعَلَ الْكِتَابِ فِي حُقٍّ مِنْ عَاجٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَى خَازِنِهِ، وَكَتَبَ جَوَابَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا قَدْ بَقِيَ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ. وَأَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ جَارِيَتَيْنِ وَبَغْلَةً تُسَمَّى الدُّلْدُلَ، فَقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ هَدِيَّتَهُ وَاصْطَفَى الْجَارِيَةَ الْوَاحِدَةَ وَاسْمُهَا مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ لِنَفْسِهِ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطَى الْأُخْرَى لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَعَاشَتِ الْبَغْلَةُ إِلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
[ ١ / ٢٩٢ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ضَنَّ الْخَبِيثُ بِمُلْكِهِ وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ» .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ
[ ١ / ٢٩٣ ]
الْهِجْرَةِ بَعَثَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ الْقِبْطِيِّ صَاحِبِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ مَعَهُ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ لَهُ: خَيْرًا، وَأَخَذَ الْكِتَابَ، وَكَانَ مَخْتُومًا فَجَعَلَهُ فِي حُقٍّ مِنْ عَاجٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَى خَازِنِهِ، وَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ جَوَابَ كِتَابِهِ، وَلَمْ يُسْلِمْ، وَأَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
فَكُلٌّ مِنَ الْمَلِكَيْنِ عَظَّمَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَوَاضَعَ لَهُ وَلِكِتَابِهِ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ الرَّسُولُ الْمُنْتَظَرُ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈.
وَقَدْ كَانَ الْمُقَوْقِسُ يَعْرِفُ أَنَّهُ حَقٌّ بِمَا يَسْمَعُ مِنْ صِفَاتِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَكِنْ ضَنَّ بِمُلْكِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ قَبْلَ إِسْلَامِ الْمُغِيرَةِ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عِيسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ
[ ١ / ٢٩٤ ]
عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِمْ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِطَائِفَةٍ مِنْهُ، قَالَ: قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْمُقَوْقِسِ مَعَ بَنِي مَالِكٍ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى الْمُقَوْقِسِ، قَالَ: كَيْفَ خَلَصْتُمْ إِلَيَّ مِنْ طَائِفَتِكُمْ وَمُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؟ قَالُوا: لَصِقْنَا بِالْبَحْرِ وَقَدْ خِفْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعْتُمْ فِيمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: مَا تَبِعَهُ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ. قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالُوا: جَاءَنَا بِدِينٍ مُجَدَّدٍ لَا تَدِينُ بِهِ الْآبَاءُ وَلَا يَدِينُ بِهِ الْمَلِكُ، وَنَحْنُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُنَا. قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ قَوْمُهُ؟ قَالُوا: تَبِعَهُ أَحْدَاثُهُمْ، وَقَدْ لَاقَاهُ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ فِي مُوَاطِنَ مَرَّةً تَكُونُ عَلَيْهِمُ الدَّائِرَةُ وَمَرَّةً تَكُونُ لَهُ. قَالَ: أَلَا تُخْبِرُونِي إِلَى مَاذَا يَدْعُو إِلَيْهِ؟ قَالُوا: يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كَانَ يَعْبُدُ الْآبَاءُ، وَيَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. قَالَ: وَمَا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ أَلَهَا وَقْتٌ يُعْرَفُ وَعَدَدٌ تَنْتَهِي إِلَيْهِ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلُّهَا لِمَوَاقِيتَ وَعَدَدٍ قَدْ سَمَّوْهُ
[ ١ / ٢٩٥ ]
لَهُ وَيُؤَدُّونَ مِنْ كُلِّ مَالٍ بَلَغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفَ مِثْقَالٍ، وَأَخْبَرُوهُ بِصَدَقَةِ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا. قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِذَا أَخَذَهَا أَيْنَ يَضَعُهَا؟ قَالُوا: يَرُدُّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَيَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَوَفَاءِ الْعَهْدِ، وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ، وَلَا يَأْكُلُ مِمَّا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَالَ الْمُقَوْقِسُ: هَذَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَى النَّاسِ، وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْطُ وَالرُّومُ اتَّبَعُوهُ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَهَذَا الَّذِي تَصِفُونَ مِنْهُ بُعِثَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِهِ، وَسَتَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ حَتَّى لَا يُنَازِعَهُ أَحَدٌ وَيَظْهَرَ دِينُهُ إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ وَمُنْقَطَعِ الْبُحُورِ، وَيُوشِكُ قَوْمُهُ أَنْ يُدَافِعُوهُ بِالرَّاحِ، قَالُوا: فَلَوْ دَخَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَعَهُ مَا دَخَلْنَا. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَنْغَضَ الْمُقَوْقِسُ رَأْسَهُ، وَقَالَ: أَنْتُمْ فِي اللَّعِبِ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِي قَوْمِهِ؟ قُلْنَا: هُوَ أَوْسَطُهُمْ نَسَبًا. قَالَ: كَذَلِكَ وَالْمَسِيحِ الْأَنْبِيَاءُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا. ثُمَّ قَالَ: فَكَيْفَ حَدِيثُهُ؟ قَالَ: قُلْنَا: مَا يُسَمَّى إِلَّا الْأَمِينُ مِنْ صِدْقِهِ. قَالَ: انْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ أَتَرَوْنَهُ يَصْدُقُ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ وَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: فَمَنْ تَبِعَهُ؟ قُلْنَا: الْأَحْدَاثُ. قَالَ: هُمْ وَالْمَسِيحِ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. قَالَ فَمَا فَعَلَتْ
[ ١ / ٢٩٦ ]
يَهُودُ يَثْرِبَ فَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ؟ قُلْنَا: خَالَفُوهُ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ فَقَتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ وَتَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ. قَالَ: هُمْ قَوْمٌ حَسَدَةٌ حَسَدُوهُ، أَمَا إِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مِنْ أَمْرِهِ مِثْلَ مَا نَعْرِفُ؟ قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَقُمْنَا مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ سَمِعْنَا كَلَامًا ذَلَّلَنَا لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَخَضَّعَنَا لَهُ، وَقُلْنَا: مُلُوكُ الْعَجَمِ يُصَدِّقُونَهُ وَيَخَافُونَهُ فِي بُعْدِ أَرْحَامِهِمْ مِنْهُ، وَنَحْنُ أَقْرِبَاؤُهُ وَجِيرَانُهُ وَلَمْ نَدْخُلْ مَعَهُ وَقَدْ جَاءَنَا دَاعِيًا إِلَى مَنَازِلِنَا، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِنَا فَأَقَمْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَا أَدَعُ كَنِيسَةً إِلَّا دَخَلْتُهَا، وَسَأَلْتُ أَسَاقِفَتَهَا مِنْ قِبْطِهَا وَرُومِهَا عَمَّا يَجِدُونَ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَانَ أُسْقُفٌّ مِنَ الْقِبْطِ هُوَ رَأْسُ كَنِيسَةِ يُوحَنَّا كَانُوا يَأْتُونَهُ بِمَرْضَاهُمْ فَيَدْعُو لَهُمْ لَمْ أَرَ قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَحَدٌ، وَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَقَدْ أَمَرَنَا عِيسَى بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ اسْمُهُ أَحْمَدُ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ وَلَا بِالْآدَمِ، يُعْفِي شَعْرَهُ وَيَلْبَسُ مَا غَلُظَ مِنَ الثِّيَابِ وَيَجْتَزِي بِمَا
[ ١ / ٢٩٧ ]
لَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَلَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى، يُبَاشِرُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَفْدُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، هُمْ لَهُ أَشَدُّ حُبًّا مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَآبَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ حَرَمٍ، وَيَأْتِي إِلَى حَرَمٍ، يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضِ سِبَاخٍ وَنَخْلٍ، يَدِينُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: زِدْنِي فِي صِفَتِهِ، قَالَ: يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ، وَيُخَصُّ بِمَا لَا تُخَصُّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ ; كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَيُبْعَثُ هُوَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُشَدَّدًا عَلَيْهِمْ لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ. قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: فَوَعَيْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَوْلِ غَيْرِهِ وَمَا سَمِعْتُ مِنْ ذَلِكَ.
فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ حَدِيثًا طَوِيلًا فِي رُجُوعِهِ وَإِسْلَامِهِ، وَمَا أُخْبِرَ بِهِ مِنْ
[ ١ / ٢٩٨ ]
صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ ذَلِكَ يُعْجِبُ النَّبِيَّ ﷺ وَيُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَهُ أَصْحَابُهُ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَكُنْتُ أُحَدِّثُهُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعُظَمَائِهِمْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - أَنَا أَمِيرُهُمْ - حَتَّى نَزَلْنَا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَقَالَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ رَجُلًا يُكَلِّمُنِي وَأُكَلِّمُهُ، فَقُلْتُ: لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِ غَيْرِي، قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ وَمَعِي تُرْجُمَانِي وَمَعَهُ تُرْجُمَانُهُ، فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ فَقُلْتُ: نَحْنُ الْعَرَبُ، وَنَحْنُ أَهْلُ الشَّوْكِ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، كُنَّا أَضْيَقَ النَّاسِ أَرْضًا، وَأَجْهَدَهُمْ عَيْشًا، نَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ، وَيُغِيرُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى خَرَجَ فِينَا رَجُلٌ لَيْسَ بِأَعْظَمِنَا يَوْمَئِذٍ، وَلَا بِأَكْثَرِنَا مَالًا، فَقَالَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، فَأَمَرَنَا بِمَا لَا نَعْرِفُ، وَنَهَانَا عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُنَا، فَكَذَّبْنَاهُ وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ قَوْمٌ غَيْرُنَا فَقَاتَلَنَا وَظَهَرَ عَلَيْنَا وَغَلَبَنَا، وَتَنَاوَلَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ يَعْلَمُ مَنْ وَرَائِي مِنَ الْعَرَبِ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا جَاءَكُمْ حَتَّى يُشْرِكَكُمْ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ. فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَكُمْ قَدْ صَدَقَ، قَدْ جَاءَتْنَا رُسُلُنَا بِمِثْلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُكُمْ، فَإِنْ أَنْتُمْ أَخَذْتُمْ بِأَمْرِ نَبِيِّكُمْ لَمْ يُقَاتِلْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبْتُمُوهُ، وَلَنْ يُشَارِكَكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ظَهَرْتُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلْتُمْ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْنَا وَتَرَكْتُمْ أَمْرَ نَبِيِّكُمْ لَمْ تَكُونُوا أَكْثَرَ عَدَدًا مِنًّا وَلَا أَشَدَّ مِنَّا قُوَّةً.
[ ١ / ٢٩٩ ]
[فَصْلٌ: قِتَالُهُ ﷺ النَّصَارَى]
ثُمَّ بَعْدَ الْإِرْسَالِ إِلَى الْمُلُوكِ، أَخَذَ ﷺ فِي غَزْوِ النَّصَارَى، فَأَرْسَلَ أَوَّلًا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَجَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي جَيْشٍ، فَقَاتَلُوا النَّصَارَى بِمُؤْتَةَ مِنْ أَرْضِ الْكَرَكِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقُتِلَ الثَّلَاثَةُ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ٣٠٠ ]
وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الثَّلَاثَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلُوا فِيهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ هَذَا غَزَا النَّصَارَى بِنَفْسِهِ، وَأَمَرَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فِي الْغَزَاةِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ لِأَحَدٍ، وَغَزَا فِي عَشَرَاتِ أُلُوفٍ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَقَدِمَ تَبُوكَ وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً ; لِيَغْزُوَ النَّصَارَى عَرَبَهُمْ وَرُومَهُمْ وَغَيْرَهُمْ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُهُمْ لِيُقَاتِلَهُمْ، فَسَمِعُوا بِهِ وَأَحْجَمُوا عَنْ قِتَالِهِ وَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ سُورَةِ (بَرَاءَةَ)، وَذَمَّ تَعَالَى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ جِهَادِ النَّصَارَى ذَمًّا عَظِيمًا.
وَالَّذِينَ لَمْ يَرَوْا جِهَادَهُمْ طَاعَةً جَعَلَهُمْ مُنَافِقِينَ كَافِرِينَ، لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ إِذَا لَمْ يَتُوبُوا، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ:
[ ١ / ٣٠١ ]
﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] .
فَإِذَا كَانَ هَذَاحُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيمَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جِهَادِهِمْ إِذْ لَمْ يَرَهُ طَاعَةً وَلَا رَآهُ وَاجِبًا، فَكَيْفَ حُكْمُهُ فِيهِمْ أَنْفُسِهِمْ؟ حَتَّى قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] .
[ ١ / ٣٠٢ ]
ثُمَّ عِنْدَ مَوْتِهِ ﷺ أَمَرَنَا بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَاأَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁، قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَنَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» .
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَقَامَ خُلَفَاؤُهُ ﵃ بَعْدَهُ بِدِينِهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْجُيُوشَ ; لِغَزْوِ النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَجَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ عِدَّةُ غَزَوَاتٍ، وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَهُمْ مُحَاصِرُو دِمَشْقَ ثُمَّ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَفَتَحَ عَامَّةَ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقَ وَبَعْضَ خُرَاسَانَ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَدِمَ إِلَى الشَّامِ فِي خِلَافَتِهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ النَّصَارَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ صِفَتِهِ عِنْدَهُمْ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ، قَالَ: قَالَ
[ ١ / ٣٠٤ ]
عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: لَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ لَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ: إِنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا لِمُصَالَحَتِكُمْ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ مَنْزِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنَّهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسْرِيَ بِنَبِيِّكُمْ إِلَيْهِ، وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ يَفْتَحَهَا مَلِكُكُمْ - وَكَانَ الْخَلِيفَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - فَبَعَثَ الْمُسْلِمُونَ وَفْدًا، وَبَعَثَ الرُّومُ أَيْضًا وَفْدًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَتَوُا الْمَدِينَةَ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ الرُّومُ لِتُرْجُمَانِهِمْ: مَنْ يَسْأَلُونَ؟ قَالُوا: عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاشْتَدَّ عَجَبُهُمْ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي غَلَبَ فَارِسَ وَالرُّومَ، وَأَخَذَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَلَيْسَ لَهُ مَكَانٌ يُعْرَفُ بِهِ! بِهَذَا غَلَبَ الْأُمَمَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ أَلْقَى نَفْسَهُ حِينَ أَصَابَهُ الْحَرُّ نَائِمًا، فَازْدَادُوا تَعَجُّبًا، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَ أَبِي عُبَيْدَةَ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَفِيهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الرُّومِ وَخَمْسُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَصَالَحَهُمْ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُصَالَحَةِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ أَحَدٌ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ
[ ١ / ٣٠٥ ]
زُبَالَةً عَظِيمَةً عَلَى الصَّخْرَةِ، فَأَمَرَ بِكَنْسِ الزُّبَالَةِ، وَتَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ وَأَمَرَ بِبِنَائِهِ وَجَعَلَ مُصَلَّاهُ فِي مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي كِتَابِ الْفُتُوحَاتِ، ثُمَّ قَدِمَ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى أَرْضِ الشَّامِ لَمَّا تَمَّ فَتْحُهُ فَشَارَطَ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَفَرْضِ الْأَمْوَالِ، وَشَارَطَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى شُرُوطِ الْمُسْلِمِينَ فَأْتَمَّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَهَا أَهْلُ السِّيَرِ وَغَيْرُهُمْ، فَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قَالَ: كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَنْ لَا يُحْدِثُوا فِي مَدِينَتِهِمْ وَلَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً
[ ١ / ٣٠٦ ]
وَلَا قِلَايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ، وَلَا يَمْنَعُوا كَنَائِسَهُمْ أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُطْعِمُونَهُمْ، وَلَا يُئْوُوا جَاسُوسًا، وَلَا يَكْتُمُوا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمُ الْقُرْآنَ وَلَا يُظْهِرُوا شِرْكًا، وَلَا يَمْنَعُوا ذَوِي قَرَابَتِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ يُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَقُومُوا لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ، وَلَا يَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكْتَنُوا بِكُنَاهُمْ، وَلَا يَرْكَبُوا سُرُجًا، وَلَا يَتَقَلَّدُوا سَيْفًا، وَلَا يَتَّخِذُوا شَيْئًا مِنْ سِلَاحٍ،
[ ١ / ٣٠٧ ]
وَلَا يَنْقُشُوا خَوَاتِيمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَبِيعُوا الْخُمُورَ، وَأَنْ يَجُذُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ، وَأَنْ يَلْزَمُوا زِيَّهُمْ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَأَنْ يَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ، وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ، وَلَا يَضْرِبُوا بِالنَّاقُوسِ إِلَّا ضَرْبًا خَفِيفًا، وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْرُجُوا شَعَانِينَ، وَلَا يَرْفَعُوا مَعَ مَوْتَاهُمْ أَصْوَاتَهُمْ، وَلَا يُظْهِرُوا النِّيرَانَ مَعَهُمْ، وَلَا يَشْتَرُوا مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ خَالَفُوا فِي شَيْءٍ مِمَّا شَرَطُوهُ، فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ
[ ١ / ٣٠٩ ]
قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَأْمُرُ فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ، وَأَنْ يَرْبِطُوا الْكُسْتِيجَاتِ فِي أَوْسَاطِهِمْ ; لِيُعْرَفَ زِيُّهُمْ مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ، وَمُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ
[ ١ / ٣١٠ ]
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يَخْتِمُوا رِقَابَ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ، وَأَنْ يَرْكَبُوا عَلَى الْأَكُفِّ، وَأَنْ يَرْكَبُوا عَرْضًا لَا يَرْكَبُوا كَمَا يَرْكَبُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَنْ يُوثِقُوا الْمَنَاطِقَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي الزَّنَانِيرَ.
[ ١ / ٣١١ ]
وَكَمَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ هَذِهِ الشُّرُوطَ وَالْتَزَمُوهَا، أَوْصَى بِهِمْ نُوَّابَهُ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَ مَنْ وَرَاءَهُمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ.
وَهَذَا امْتِثَالٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[ ١ / ٣١٢ ]
فَكَانَ هَذَا فِي النَّصَارَى الَّذِينَ أَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ.
وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا فَتَحَ الشَّامَ وَأَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، أَسْلَمَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﵎، فَإِنَّ الْعَامَّةَ وَالْفَلَّاحِينَ وَغَيْرَهُمْ كَانَ عَامَّتُهُمْ نَصَارَى، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْمَلُ فِلَاحَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِمَشْقَ مَسْجِدٌ يُصَلُّونَ فِيهِ إِلَّا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ لِقِلَّتِهِمْ، ثُمَّ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الشَّامِ وَغَيْرُهُمْ مُسْلِمِينَ طَوْعًا لَا كَرْهًا، فَإِنَّ إِكْرَاهَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ غَيْرُ جَائِزٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٦ - ٢٥٧] .
[ ١ / ٣١٣ ]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: «أَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَنُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ» .
[ ١ / ٣١٤ ]
[فَصْلٌ: إِرْسَالُ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ إِلَى مُلُوكِ الْفُرْسِ]
وَقَاتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفُرْسَ الْمَجُوسَ، وَفَتَحَ أَرْضَهُمْ، وَظَهَرَ تَصْدِيقُ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَهَذَا بَعْدَ أَنْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولَهُ إِلَى الْمَجُوسِ، وَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، كَمَا كَتَبَ إِلَى مُلُوكِ النَّصَارَى، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَيْصَرَ وَالْمُقَوْقِسِ، وَلَكِنَّ مُلُوكَ النَّصَارَى تَأَدَّبُوا مَعَهُ وَخَضَعُوا لَهُ، فَبَقِيَ مُلْكُهُمْ. وَأَمَّا مَلِكُ الْفُرْسِ فَمَزَّقَ كِتَابَهُ، فَدَعَا
[ ١ / ٣١٥ ]
عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ»، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُلْكٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ يَعْنِي كِسْرَى مَزَّقَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ» .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ، فَأَمَّا كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ مَزَّقَهُ، وَأَمَّا قَيْصَرُ لَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَاهُ وَوَضَعَهُ عِنْدَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَمَّا هَؤُلَاءِ يَعْنِي كِسْرَى فَيُمَزَّقُونَ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَسَتَكُونُ لَهُمْ بَقِيَّةٌ» .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ١ / ٣١٦ ]
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيَّ إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ مَلِكِ الْفُرْسِ، وَكَتَبَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ; لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ» .
فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّقَهُ، وَقَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ بِهَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ عَبْدِي؟
[ ١ / ٣١٧ ]
قُلْتُ: وَسَبَبُ قَوْلِ كِسْرَى هَذَا اسْتِعْلَائُهُ: أَنَّ الْحَبَشَةَ كَانُوا قَدْ مَلَكُوا الْيَمَنَ، وَمَلِكُهُمْ سَارَ إِلَى مَكَّةَ بِالْفِيلِ ; لِيُخَرِّبَ الْبَيْتَ، وَكَانُوا نَصَارَى، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ طَيْرًا أَبَابِيلَ، وَهِيَ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ تَحْمِلُ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ، فَأَلْقَتْهَا عَلَى الْحَبَشَةِ النَّصَارَى فَأَهْلَكَتْهُمْ، وَكَانَ هَذَا آيَةً عَظِيمَةً خَضَعَتْ بِهَا الْأُمَمُ لِلْبَيْتِ وَجِيرَانِ الْبَيْتِ.
وَعَلِمَ الْعُقَلَاءُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ نَصْرًا مِنَ اللَّهِ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ ; فَإِنَّ دِينَ النَّصَارَى خَيْرٌ مِنْ دِينِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ نَصْرًا لِلْبَيْتِ وَلِلْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي تُعَظِّمُهُ، وَلِلنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ مِنَ الْبَيْتِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَامَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ - أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ - وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ - تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ - فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥] .
ثُمَّ إِنَّ سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنَ ذَهَبَ إِلَى كِسْرَى، وَطَلَبَ مِنْهُ جَيْشًا
[ ١ / ٣١٨ ]
يَغْزُو بِهِ الْحَبَشَةَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ عَسْكَرًا مِنَ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ، فَأَخْرَجُوا الْحَبَشَةَ مِنَ الْيَمَنِ، وَصَارَتِ الْيَمَنُ بِيَدِ الْعَرَبِ، وَبِهَا نَائِبُ كِسْرَى، وَسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ هَذَا مِمَّنْ بَشَّرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ جَدَّهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا وَفَدَ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَتِ الْيَمَنُ مُطِيعَةً لِكِسْرَى، لِهَذَا أَرْسَلَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى الْيَمَنِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّ عَسْكَرَ الْيَمَنِ فِي الْعَادَةِ يَقْهَرُ أَهْلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ» حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُ شَقَّقَ كِتَابَهُ.
ثُمَّ كَتَبَ كِسْرَى إِلَى بَاذَانَ - وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ - أَنِ ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ فَلْيَأْتِيَانِي بِهِ، قَالَ: فَبَعَثَ
[ ١ / ٣١٩ ]
بَاذَانُ قَهْرُمَانَهُ، وَهُوَ بَابَوَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَكَانَ حَاسِبًا كَاتِبًا، وَبَعَثَ مَعَهُ بِرَجُلٍ مِنَ الْفُرْسِ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُمَا إِلَى كِسْرَى، وَقَالَ لِبَابَوَيْهِ: وَيْلَكَ، انْظُرْ مَا الرَّجُلُ وَكَلِّمْهُ وَائْتِنِي بِخَبَرِهِ.
قَالَ: فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا إِلَى الطَّائِفِ فَسَأَلَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا: هُوَ بِالْمَدِينَةِ وَاسْتَبْشَرُوا يَعْنِي الْكُفَّارَ، وَقَالُوا: قَدْ نَصَبَ لَهُ كِسْرَى كُفِيتُمُ الرَّجُلَ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ بَابَوَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ شَاهِنْشَاهْ مَلِكَ الْمُلُوكِ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ بَاذَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِكَ، وَقَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ فَانْطَلِقْ مَعِي، فَإِنْ فَعَلْتَ كَتَبَ مَعَكَ إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ بِكِتَابٍ يَنْفَعُكَ وَيَكُفُّ عَنْكَ بِهِ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ وَهُوَ مُهْلِكُكَ وَمُهْلِكُ قَوْمِكَ وَمُخَرِّبُ بِلَادِكَ.
وَكَانَا قَدْ دَخَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَلَقَا لِحَاهُمَا، وَأَبْقَيَا شَوَارِبَهُمَا فَكَرِهَ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ لَهُمَا: «وَيْلَكُمَا مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟»، قَالَا: أَمَرَنَا بِهَذَا رَبُّنَا - يَعْنِيَانِ كِسْرَى - فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ١ / ٣٢٠ ]
«لَكِنَّ رَبِّي ﷿ أَمَرَنِي بِإِعْفَاءِ لِحْيَتِي وَبِقَصِّ شَارِبِي» ثُمَّ قَالَ لَهُمَا «ارْجِعَا حَتَّى تَأْتِيَانِي الْغَدَ» .
قَالَ: وَجَاءَ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ: أَنَّ اللَّهَ ﷿ سَلَّطَ عَلَى كِسْرَى ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ، فَقَتَلَهُ فِي شَهْرِ كَذَا، فِي لَيْلَةِ كَذَا، فِي سَاعَةِ كَذَا، فَلَمَّا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُمَا: «إِنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّكُمَا لَيْلَةَ كَذَا، فِي شَهْرِ كَذَا، بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ كَذَا، سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ»، فَقَالَا لَهُ: هَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ؟ إِنَّا قَدْ نَقَمْنَا مِنْكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ هَذَا فَنَكْتُبُ بِهَذَا عَنْكَ وَنُخْبِرُ الْمَلِكَ بِهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ أَخْبِرَاهُ ذَلِكَ عَنِّي، وَقُولَا لَهُ إِنَّ دِينِي وَسُلْطَانِي سَيَبْلُغُ مَا بَلَغَ مُلْكُ كِسْرَى، وَيَنْتَهِي إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، وَقُولَا لَهُ: إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ وَمَلَّكْتُكَ عَلَى قَوْمِكَ مِنَ الْأَبْنَاءِ» . وَأَعْطَى رَفِيقَهُ مِنْطَقَةً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ كَانَ أَهْدَاهَا لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ، فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى قَدِمَا عَلَى بَاذَانَ وَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ.
[ ١ / ٣٢١ ]
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِكَلَامِ مَلِكٍ، وَإِنِّي لَأَرَى الرَّجُلَ نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ، وَلَنَنْظُرَنَّ مَا قَدْ قَالَ، فَلَئِنْ كَانَ مَا قَدْ قَالَ حَقًّا مَا بَقِيَ فِيهِ كَلَامٌ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسَنَرَى فِيهِ رَأْيَنَا، فَلَمْ يَلْبَثْ بَاذَانُ أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ شِيرَوَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّنِي قَدْ قَتَلْتُ كِسْرَى وَلَمْ أَقْتُلْهُ إِلَّا غَضَبًا لِفَارِسَ لِمَا كَانَ قَدِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ أَشْرَافِهِمْ وَتَجْهِيزَهُمْ فِي بُعُوثِهِمْ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَخُذْ لِيَ الطَّاعَةَ مِمَّنْ قِبَلَكَ، وَانْظُرِ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ كِسْرَى كَتَبَ إِلَيْكَ فِيهِ فَلَا تُهِجْهُ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي فِيهِ.
فَلَمَّا انْتَهَى كِتَابُ شِيرَوَيْهِ إِلَى بَاذَانَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَأَسْلَمَ لِلَّهِ، وَأَسْلَمَتْ أَبْنَاءُ فَارِسَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: حَدَّثَنِي الْمَقْبُرِيُّ قَالَ: جَاءَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ: بَلَغَنِي أَنَّ فِي أَرْضِكَ رَجُلًا تَنَبَّأَ فَارْبِطْهُ وَابْعَثْ بِهِ إِلَيَّ، فَقَالَ لَهُ
[ ١ / ٣٢٣ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ رَبِّي غَضِبَ عَلَى رَبِّكَ فَقَتَلَهُ، فَدَمُهُ بِنَحْرِهِ سَخُنَ السَّاعَةَ» فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَسَمِعَ الْخَبَرَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ آثَارٌ جَمِيلَةٌ مِنْهَا قَتْلُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْكَذَّابِ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ جَبَّارًا اسْتَدْعَى بِأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: مَا أَسْمَعُ. فَقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَرَدَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا، فَأَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُضْرِمَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ أَبِي مُسْلِمٍ فِيهَا فَلَمْ تَضُرَّهُ، فَأَخْمَدَهَا اللَّهُ تَعَالَى حِينَ أُلْقِيَ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَخْرِجْ هَذَا عَنْكَ مِنْ أَرْضِكَ ; لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَيْكَ أَتْبَاعَكَ فَأَخْرَجَهُ.
فَقَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ٣٢٤ ]
وَسَلَّمَ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَامَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ: مَا فَعَلَ الَّذِي حَرَقَهُ الْكَذَّابُ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْبٍ. قَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَاعْتَنَقَهُ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فَعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ.
[ ١ / ٣٢٥ ]
ثُمَّ خَرَجَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ عَلَى الْأَسْوَدِ الْعَنْسِي فَقَتَلَهُ، وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ وَهُوَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَخَرَجَ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ. وَقَالَ: «قَتَلَ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ» . وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ.
[ ١ / ٣٢٦ ]
[فَصْلٌ: ضَرْبُهُ ﷺ الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ]
وَلَمَّا فَتَحَ خُلَفَاءُ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرُ وَعُثْمَانُ الْعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ ضَرَبُوا الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ، كَمَا ضَرَبُوهَا عَلَى النَّصَارَى بَعْدَ أَنْ دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، كَمَا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَمَا ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِزْيَةَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ بَعْدَ أَنْ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿، فَإِنَّهُ ﷺ بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى
[ ١ / ٣٢٨ ]
الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ صَاحِبِ هَجَرَ - وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْبَحْرَيْنِ - بِكِتَابِهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ الْعَلَاءُ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قُلْتُ: يَا مُنْذِرُ، إِنَّكَ عَظِيمُ الْعَقْلِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا تَصْغُرَنَّ عَنِ الْآخِرَةِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَجُوسِيَّةَ شَرُّ دِينٍ، لَيْسَ فِيهَا تَكَرُّمُ الْعَرَبِ، وَلَا عِلْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَنْكِحُونَ مَا يُسْتَحَى مِنْ نِكَاحِهِ، وَيَأْكُلُونَ مَا يُتَكَرَّمُ عَنْ أَكْلِهِ، وَيَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا نَارًا تَأْكُلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَسْتَ بِعَدِيمِ عَقْلٍ وَلَا رَأْيٍ، فَانْظُرْ هَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَكْذِبُ أَنْ تُصَدِّقَهُ، وَلِمَنْ لَا يَخُونُ أَنْ تَأْمَنَهُ، وَلِمَنْ لَا يُخْلِفُ أَنْ تَتَّثِقَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَهَذَا هُوَ
[ ١ / ٣٢٩ ]
النَّبِيُّ ﷺ الْأُمِّيُّ الَّذِي - وَاللَّهِ - لَا يَسْتَطِيعُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْتَ مَا أَمَرَ بِهِ نَهَى عَنْهُ، أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ أَمَرَ بِهِ، أَوْ لَيْتَهُ زَادَ فِي عَفْوِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْ عِقَابِهِ، إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى أُمْنِيَةِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَفِكْرِ أَهْلِ الْبَصَرِ.
فَقَالَ الْمُنْذِرُ: قَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الَّذِي فِي يَدَيَّ فَوَجَدْتُهُ لِلدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، وَنَظَرْتُ فِي دِينِكُمْ فَوَجَدْتُهُ لِلْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ قَبُولِ دِينٍ فِيهِ أُمْنِيَةُ الْحَيَاةِ وَرَاحَةُ الْمَمَاتِ، وَلَقَدْ عَجِبْتُ أَمْسِ مِمَّنْ يَقْبَلُهُ، وَعَجِبْتُ الْيَوْمَ مِمَّنْ يَرُدُّهُ، وَإِنَّ مِنْ إِعْظَامِ مَنْ جَاءَ بِهِ أَنْ يُعَظِّمَ رَسُولَهُ، وَسَأَنْظُرُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُنْذِرُ، وَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِسْلَامِ وَالتَّصْدِيقِ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَأَتَى بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ١ / ٣٣٠ ]
ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ الْفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ، وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ. وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ
[ ١ / ٣٣١ ]
الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» .
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ فَارِسَ، وَأَخَذَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنَ الْبَرْبَرِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَهْلُ نَجْرَانَ فِيمَا بَلَغَنَا وَكَانُوا نَصَارَى، وَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَكَانُوا مَجُوسًا، ثُمَّ أَدَّى أَهْلُ (أَيْلَةَ)
[ ١ / ٣٣٢ ]
وَأَهْلُ (أَذْرُحَ) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، فَأَسَرُوا رَئِيسَهُمْ أُكَيْدِرَ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ.
[ ١ / ٣٣٣ ]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْجِزْيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالتَّنْزِيلِ، وَمِنَ الْمَجُوسِ وَالْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ بِالسُّنَّةِ.
[ ١ / ٣٣٤ ]
[فَصْلٌ: أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى عُمُومِ رِسَالَتِهِ ﷺ]
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ - وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي نَعَاهُ لِأَصْحَابِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ وَصَلَّى عَلَيْهِ -» بَلِ النَّجَاشِيُّ آخَرُ تَمَلَّكَ بَعْدَهُ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» .
[ ١ / ٣٣٥ ]
وَقَالَ ﷺ: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] .
وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ دَعْوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمِنْ دَعْوَةِ الْمُشْرِكِينَ وَعُبَّادِ الْأَوْثَانِ، وَجَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ،
[ ١ / ٣٣٦ ]
وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُذْكُرْ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَهَذِهِ دَعْوَتُهُ وَرُسُلُهُ وَجِهَادُهُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ بَعْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَهَذِهِ سِيرَتُهُ ﷺ فِيهِمْ؟
وَأَيْضًا فَالْكِتَابُ الْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ وَهُوَ الْقُرْآنُ يَذْكُرُ فِيهِ دُعَاءَهُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا، بَلْ يَذْكُرُ اللَّهُ ﵎ فِيهِ كُفْرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيَأْمُرُ فِيهِ بِقِتَالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧] .
وَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٧] .
[ ١ / ٣٣٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
[ ١ / ٣٣٨ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٢] .
[ ١ / ٣٣٩ ]
[فَصْلٌ: ابْتِدَاعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي دِينِهِمْ]
فَهَذِهِ الدَّلَائِلُ وَأَضْعَافُهَا مِمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَفْسَهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ دَعَاهُمْ وَجَاهَدَهُمْ وَأَمَرَ بِدَعْوَتِهِمْ وَجِهَادِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا فَعَلَتْهُ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ بِدْعَةً ابْتَدَعُوهَا، كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُجَوِّزُونَ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ شَرِيعَتِهِ، فَلَا يُحَلِّلُ مَا حَرَّمَ وَلَا يُحَرِّمُ مَا حَلَّلَ، وَلَا يُوجِبُ مَا أَسْقَطَ وَلَا يُسْقِطُ مَا أَوْجَبَ، بَلِ الْحَلَالُ عِنْدَهُمْ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، بِخِلَافِ النَّصَارَى الَّذِينَ ابْتَدَعُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ بِدَعًا لَمْ يُشَرِّعْهَا الْمَسِيحُ ﵇، وَلَا نَطَقَ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَنَاجِيلِ وَلَا كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَزَعَمُوا أَنَّ مَا شَرَعَهُ أَكَابِرُهُمْ مِنَ الدِّينِ فَإِنَّ الْمَسِيحَ يُمْضِيهِ لَهُمْ، وَهَذَا مَوْضِعٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْمِلَلُ الثَّلَاثُ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، كَمَا تَنَازَعُوا فِي الْمَسِيحِ ﵇ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[ ١ / ٣٤٠ ]
فَالْيَهُودُ: لَا يُجَوِّزُونَ لِلَّهِ ﷾ أَنْ يَنْسَخَ شَيْئًا شَرَعَهُ.
وَالنَّصَارَى: يُجَوِّزُونَ لِأَكَابِرِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا شَرْعَ اللَّهِ بِآرَائِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ: فَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، لَا شَرْعَ إِلَّا مَا شَرَعَ اللَّهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَاءَ كَمَا نَسَخَ الْمَسِيحُ مَا كَانَ شَرَعَهُ لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ.
فَالنَّصَارَى تَضَعُ لَهُمْ عَقَائِدَهُمْ وَشَرَائِعَهُمْ أَكَابِرُهُمْ بَعْدَ الْمَسِيحِ، كَمَا وَضَعَ لَهُمُ الثَّلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ الْأَمَانَةَ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَيْهَا، وَلَعَنُوا مَنْ خَالَفَهَا مِنَ الْأَرْيُوسِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِيهَا أُمُورٌ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِهَا كِتَابًا، بَلْ تُخَالِفُ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُتُبِ مَعَ مُخَالَفَتِهَا لِلْعَقْلِ الصَّرِيحِ فَقَالُوا فِيهَا: نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، أَبٍ ضَابِطِ الْكُلِّ، خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كُلِّ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ
[ ١ / ٣٤١ ]
يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٍ مِنْ نُورِ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مَوْلُودٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ مُسَاوِي الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ الْبَشَرُ وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَتَأَنَّسَ وَصُلِبَ عَلَى عَهْدِ بَيْلَاطِسَ الْبِنْطِيِّ وَتَأَلَّمَ وَقُبِرَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا فِي الْكُتُبِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ، وَأَيْضًا فَسَيَأْتِي بِمَجْدِهِ لِيُدِينَ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ الَّذِي لَا فَنَاءَ لِمُلْكِهِ، وَبِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِي الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ مَعَ الْأَبِ
[ ١ / ٣٤٢ ]
وَالِابْنِ مَسْجُودٍ لَهُ وَبِمَجْدِ النَّاطِقِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَبِكَنِيسَةٍ وَاحِدَةٍ جَامِعَةٍ مُقَدَّسَةٍ رَسُولِيَّةٍ، وَاعْتَرَفَ بِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، وَنَتَرَجَّى قِيَامَةَ الْمَوْتَى، وَحَيَاةَ الدَّهْرِ الْآتِي آمِينَ.
وَوَضَعُوا لَهُمْ مِنَ الْقَوَانِينِ وَالنَّامُوسِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ يُوجَدُ بَعْضُهُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَزَادَ أَكَابِرُهُمْ أَشْيَاءَ مِنْ عِنْدِهِمْ لَا تُوجَدُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَيَّرُوا كَثِيرًا مِمَّا شَرَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ، فَمَا عِنْدَ النَّصَارَى مِنَ الْقَوَانِينِ وَالنَّوَامِيسِ الَّتِي هِيَ شَرَائِعُ دِينِهِمْ وَبَعْضُهُ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُ مِنِ ابْتِدَاعِ أَكَابِرِهِمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِشَرْعِ الْأَنْبِيَاءِ، فَدِينُهُمْ مِنْ جِنْسِ دِينِ الْيَهُودِ، قَدْ لَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ.
وَكَانَ الْمَسِيحُ ﵇ بُعِثَ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالنَّهْيُ عَنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَأَحَلَّ لَهُمْ بَعْضَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَنَسَخَ بَعْضَ شَرْعِ التَّوْرَاةِ.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَكَانَ الرُّومُ وَالْيُونَانُ وَغَيْرُهُمْ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْهَيَاكِلَ الْعُلْوِيَّةَ وَالْأَصْنَامَ الْأَرْضِيَّةَ فَبَعَثَ الْمَسِيحُ ﵇ رُسُلَهُ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ فِي حَيَاتِهِ فِي الْأَرْضِ، وَبَعْضُهُمْ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، فَدَخَلَ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً ثُمَّ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِمَنْ زَيَّنَ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ دِينَ الْمَسِيحِ فَابْتَدَعُوا دِينًا مُرَكَّبًا مِنْ دِينِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ: دِينَ الْمَسِيحِ ﵇، وَمِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ الْمُجَسَّدَةَ الَّتِي لَهَا ظِلٌّ، وَهَذَا كَانَ دِينَ الرُّومِ وَالْيُونَانِ، وَهُوَ دِينُ الْفَلَاسِفَةِ أَهْلِ مَقْدُونِيَّةَ وَأَثِينَةَ،
[ ١ / ٣٤٤ ]
كَأَرِسْطُو وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ أَرِسْطُو قَبْلَ الْمَسِيحِ بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَهُوَ وَزِيرُ الْإِسْكَنْدَرِ بْنِ فِيلِبْسَ الْيُونَانِيِّ الْمَقْدُونِيِّ الَّتِي تُؤَرَّخُ لَهُ التَّارِيخُ الرُّومِيُّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهَذَا كَانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ هُوَ وَقَوْمُهُ الْأَصْنَامَ، وَلَمْ يَكُنْ يُسَمَّى ذَا الْقَرْنَيْنِ، وَلَا هُوَ ذَا الْقَرْنَيْنِ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا وَصَلَ هَذَا الْمَقْدُونِيُّ إِلَى أَرْضِ
[ ١ / ٣٤٥ ]
التُّرْكِ وَلَا بَنَى السَّدَّ، وَإِنَّمَا وَصَلَ إِلَى بِلَادِ الْفُرْسِ.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ أَرِسْطُو كَانَ وَزِيرَ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَارِفٍ بِأَدْيَانِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَلَا بِأَزْمَانِهِمْ.
فَلَمَّا ظَهَرَ دِينُ الْمَسِيحِ ﵇ بَعْدَ أَرِسْطُو بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ فِي بِلَادِ الرُّومِ وَالْيُونَانِ، كَانُوا عَلَى التَّوْحِيدِ إِلَى أَنْ ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْبِدَعُ، فَصَوَّرُوا الصُّوَرَ الْمَرْقُومَةَ فِي الْحِيطَانِ، جَعَلُوا هَذِهِ الصُّوَرَ عِوَضًا عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ.
وَكَانَ أُولَئِكَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ يَسْجُدُونَ إِلَيْهَا إِلَى جِهَةِ الشَّرْقِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ، وَجَعَلُوا السُّجُودَ إِلَيْهَا بَدَلًا عَنِ السُّجُودِ لَهَا ; وَلِهَذَا جَاءَ خَاتَمُ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ الَّذِي خَتَمَ اللَّهُ بِهِ الرِّسَالَةَ وَأَظْهَرَ بِهِ مِنْ كَمَالِ التَّوْحِيدِ مَا لَمْ يَظْهَرْ بِمَنْ قَبْلَهُ، فَأَمَرَ ﷺ أَنْ لَا يَتَحَرَّى أَحَدٌ بِصَلَاتِهِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ; لِأَنَّ
[ ١ / ٣٤٦ ]
الْمُشْرِكِينَ يَسْجُدُونَ لَهَا تِلْكَ السَّاعَةَ، فَإِذَا صَلَّى الْمُوَحِّدُونَ لِلَّهِ ﷿ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، صَارَ فِي ذَلِكَ نَوْعُ مُشَابَهَةٍ لَهُمْ فَيُتَّخَذُ ذَرِيعَةً إِلَى السُّجُودِ لَهَا، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ تَصْوِيرُ الصُّوَرِ وَتَعْظِيمُ الْقُبُورِ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ: قَالَ: «قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتُهُ، وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا» .
[ ١ / ٣٤٧ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسِ لَيَالٍ: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» .
وَلَمَّا ذَكَرُوا الْكَنِيسَةَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَذَكَرُوا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا تِلْكَ التَّصَاوِيرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
[ ١ / ٣٤٨ ]
وَنَهَى أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرَّجُلُ الْقَبْرَ فِي الصَّلَاةِ ; حَتَّى لَا يَتَشَبَّهَ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلْقُبُورِ، فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» . إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ
فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ يُصَوِّرُ صُوَرَ الْمَخْلُوقِينَ فِي الْكَنَائِسِ وَيُعَظِّمُهَا وَيَسْتَشْفِعُ بِمَنْ صُوِّرَتْ عَلَى صُورَتِهِ؟ وَهَلْ كَانَ أَصْلُ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فِي بَنِي آدَمَ مِنْ عَهْدِ نُوحٍ ﵇ إِلَّا هَذَا؟ وَالصَّلَاةُ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَالسُّجُودُ إِلَيْهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى السُّجُودِ لَهَا، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِاتِّخَاذِ الصُّوَرِ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِأَصْحَابِهَا، وَلَا بِالسُّجُودِ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ، وَإِنْ كَانَ يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ تَصْوِيرُ صُورَةٍ لِمَصْلَحَةٍ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ تَتَنَوَّعُ فِيهَا الشَّرَائِعُ
[ ١ / ٣٤٩ ]
بِخِلَافِ السُّجُودِ لَهَا وَالِاسْتِشْفَاعِ بِأَصْحَابِهَا، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَشْرَعْهُ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا أَمَرَ قَطُّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ ﷿ لَا عِنْدَ قَبْرِهِ، وَلَا فِي مَغِيبِهِ، وَلَا يُشْفَعُ بِهِ فِي مَغِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِخِلَافِ الِاسْتِشْفَاعِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبِالتَّوَسُّلِ بِهِ بِدُعَائِهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، فَهَذَا مِنْ شَرْعِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] .
[ ١ / ٣٥٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ - إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ - مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ - لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ١ - ٤] .
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقُولُ إِنَّ لِلْمَخْلُوقَاتِ خَالِقِينَ مُنْفَصِلِينَ مُتَمَاثِلِينَ فِي الصِّفَاتِ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ طَائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَلَكِنَّ الثَّنَوِيَّةَ مِنَ الْمَجُوسِ وَنَحْوِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَالَمَ صَادِرٌ عَنْ أَصْلَيْنِ: النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَالنُّورُ عِنْدَهُمْ هُوَ إِلَهُ الْخَيْرِ الْمَحْمُودُ، وَالظُّلْمَةُ هِيَ الْإِلَهُ الشِّرِّيرُ الْمَذْمُومُ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ الظُّلْمَةَ هِيَ الشَّيْطَانُ، وَهَذَا لِيَجْعَلُوا مَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الشَّرِّ صَادِرًا عَنِ الظُّلْمَةِ.
[ ١ / ٣٥١ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الظُّلْمَةَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ مَعَ أَنَّهَا مَذْمُومَةٌ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِلنُّورِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هِيَ حَادِثَةٌ، وَأَنَّ النُّورَ فَكَّرَ فِكْرَةً رَدِيئَةً، فَحَدَثَتِ الظُّلْمَةُ عَنْ تِلْكَ الْفِكْرَةِ الرَّدِيئَةِ.
فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ: أَنْتُمْ بِزَعْمِكُمْ كَرِهْتُمْ أَنْ تُضِيفُوا إِلَى الرَّبِّ ﷾ خَلْقَ مَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الشَّرِّ وَجَعَلْتُمُوهُ خَالِقًا لِأَصْلِ الشَّرِّ، وَهَؤُلَاءِ مَعَ إِثْبَاتِهِمُ اثْنَيْنِ وَتَسْمِيَةِ النَّاسِ لَهُمْ بِالثَّنَوِيَّةِ فَهُمْ لَا يَقُولُونَ: إِنَّ الشِّرِّيرَ مُمَاثِلٌ لِلْخَيْرِ.
وَكَذَلِكَ الدَّهْرِيَّةُ دَهْرِيَّةُ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرُهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الصَّانِعَ لِلْعَالَمِ، كَالْقَوْلِ الَّذِي أَظْهَرَهُ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِعِلَّةٍ يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْفَلَكِ كَابْنِ سِينَا.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وَالسُّهْرَوَرْدِيِّ الْمَقْتُولِ بِحَلَبَ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ مُتَفَلْسِفَةِ الْمِلَلِ.
وَأَمَّا مُشْرِكُو الْعَرَبِ وَأَمْثَالُهُمْ فَكَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ، وَبِأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَكَانَتْ عَقِيدَةُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ خَيْرًا مِنْ عَقِيدَةِ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ إِذْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ حَادِثَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَمِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الثَّلَاثَةِ: الْمُسْلِمُونَ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَمِنَ الْمَجُوسِ، وَالْمُشْرِكِينَ، وَهَؤُلَاءِ الدَّهْرِيَّةُ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ لَمْ تَزَلْ، وَكَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَيُجِيبُ دُعَاءَ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ، وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا بِمَشِيئَتِهِ وَلَا يُجِيبُ دُعَاءَ الدَّاعِي، بَلْ وَلَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ وَلَا يَعْرِفُ هَذَا الدَّاعِيَ مِنْ هَذَا الدَّاعِي وَلَا يَعْرِفُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مُوسَى مِنْ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ مِنْ رُسُلِهِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ عِلْمَهُ مُطْلَقًا كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إِلَّا الْكُلِّيَّاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ لَا الْأَفْلَاكَ وَلَا الْأَمْلَاكَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ بِأَعْيَانِهَا، وَالدُّعَاءُ عِنْدَهُمْ: هُوَ تَصَوُّفُ النَّفْسِ الْقَوِيَّةِ فِي هَيُولِي الْعَالَمِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ هُوَ النَّفْسُ الْفَلَكِيَّةُ، وَأَنَّ حَوَادِثَ الْأَرْضِ كُلَّهَا إِنَّمَا تَحْدُثُ عَنْ حَرَكَةِ الْفَلَكِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا يُثْبِتُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ وَلَا كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ خَلَقَتِ الْعَالَمَ، وَلَا أَنَّ الْأَصْنَامَ تَخْلُقُ شَيْئًا مِنَ الْعَالَمِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قَوْمَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النَّجْمَ أَوِ الشَّمْسَ أَوِ الْقَمَرَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، أَوْ أَنَّ الْخَلِيلَ ﵇ لَمَّا قَالَ هَذَا رَبِّي أَرَادَ بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا، بَلْ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ، وَكَانُوا يُشْرِكُونَ بِعِبَادَتِهِ كَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
[ ١ / ٣٥٤ ]
قَالَ تَعَالَى عَنِ الْخَلِيلِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ - قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ - قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ - قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ - قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ - الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ - وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ - وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ - وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ - وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ - رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ - وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ - وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ - وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ - وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ - يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ - وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ - وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ - وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ - فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ - وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ - قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ - تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٩٩] .
فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِكُلِّ مَا يَعْبُدُونَهُ إِلَّا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] .
[ ١ / ٣٥٥ ]
كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] .
وَقَالَ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
وَلَمْ يَقُلْ: مِنَ الْمُعَطِّلِينَ، فَإِنَّ قَوْمَهُ كَانُوا يُشْرِكُونَ، وَلَمْ يَكُونُوا مُعَطِّلِينَ كَفِرْعَوْنَ اللَّعِينِ، فَلَمْ يَكُونُوا جَاحِدِينَ لِلصَّانِعِ، بَلْ عَدَلُوا بِهِ، وَجَعَلُوا لَهُ أَنْدَادًا فِي الْعِبَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالدُّعَاءِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] .
[ ١ / ٣٥٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] .
وَقَالَ: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] .
وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ ثُمَّ عَبَدُوهَا.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وَهَكَذَا عِنْدَ النَّصَارَى عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ فِي كِتَابِ سِرِّ بُطْرُسَ الَّذِي يُسَمَّى بِشَمْعُونَ، وَسَمْعَانَ، وَالصَّفَا، وَبُطْرُسَ، وَالْأَرْبَعَةُ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ، عِنْدَهُمْ عَنْهُ كِتَابٌ عَنِ الْمَسِيحِ فِيهِ أَسْرَارُ الْعُلُومِ، وَهَذَا فِيهِ عِنْدَهُمْ عَنِ الْمَسِيحِ
فَالَّذِي تَفْعَلُهُ النَّصَارَى أَصْلُ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهَكَذَا قَالَ عَالِمُهُمُ الْكَبِيرُ - الَّذِي يُسَمُّونَهُ فَمَ الذَّهَبِ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ عُلَمَائِهِمْ - لَمَّا ذَكَرَ
[ ١ / ٣٥٨ ]
تَوَلُّدَ الذُّنُوبِ الْكِبَارِ عَنِ الصِّغَارِ. قَالَ: وَهَكَذَا هَجَمَتْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ فِيمَا سَلَفَ لَمَّا أَكْرَمَ النَّاسُ أَشْخَاصًا يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَوْقَ الْمِقْدَارِ الَّذِي يَنْبَغِي، الْأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] .
قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ كَالْعُزَيْرِ وَالْمَسِيحِ وَغَيْرِهِمَا، فَبَيَّنَ اللَّهِ ﵎ أَنَّ هَؤُلَاء عِبَادُهُ كَمَا أَنْتُمْ عِبَادُهُ، يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ كَمَا تَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ كَمَا تَخَافُونَ عَذَابَهُ، وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ كَمَا تَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] .
فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ يَتَّخِذُ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا فَهُوَ كَافِرٌ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ: أَنَّ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ
[ ١ / ٣٥٩ ]
وَالنَّبِيِّينَ مُشَارِكُونَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي خَلْقِ الْعَالَمِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا: تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ يَقُولُونَ: اللَّهُ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ وَاحِدٌ مَعَ اتِّخَاذِهِمْ آلِهَةً يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِهِ سُبْحَانَهُ يَتَّخِذُونَهُمْ شُفَعَاءَ إِلَيْهِ وَيَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ إِلَيْهِ.
[ ١ / ٣٦٠ ]
[فَصْلٌ: اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْمَاعِهِمْ وَتَفَرُّقُ النَّصَارَى بِابْتِدَاعِهِمْ]
وَكَذَلِكَ تَعْظِيمُهُمْ لِلصَّلِيبِ، وَاسْتِحْلَالُهُمْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَتَعَبُّدُهُمْ بِالرَّهْبَانِيَّةِ، وَامْتِنَاعُهُمْ مِنَ الْخِتَانِ، وَتَرْكُهُمْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، فَلَا يُوجِبُونَ غُسْلَ جَنَابَةٍ وَلَا وُضُوءًا، وَلَا يُوجِبُونَ اجْتِنَابَ شَيْءٍ مِنَ الْخَبَائِثِ فِي صَلَاتِهِمْ لَا عَذْرَةً وَلَا بَوْلًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْخَبَائِثِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
كُلُّهَا شَرَائِعُ أَحْدَثُوهَا وَابْتَدَعُوهَا بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇، وَدَانَ بِهَا أَئِمَّتُهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ، وَلَعَنُوا مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا، حَتَّى صَارَ الْمُتَمَسِّكُ فِيهِمْ بِدِينِ الْمَسِيحِ الْمَحْضِ مَغْلُوبًا مَقْمُوعًا قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَأَكْثَرُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالدِّينِ لَا يُوجَدُ مَنْصُوصًا عَنِ الْمَسِيحِ ﵇.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ: فَكُلُّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إِجْمَاعًا ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ فَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ، لَمْ يُحْدِثْ ذَلِكَ أَحَدٌ لَا بِاجْتِهَادِهِ وَلَا بِغَيْرِ اجْتِهَادِهِ، بَلْ مَا قَطَعْنَا بِإِجْمَاعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ يُوجَدُ مَأْخُوذًا عَنْ نَبِيِّهِمْ.
وَأَمَّا مَا يُظَنُّ فِيهِ إِجْمَاعُهُمْ وَلَا يُقْطَعُ بِهِ:
[ ١ / ٣٦١ ]
فَمِنْهُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ الظَّنُّ خَطَأً، وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ فِيهِ نِزَاعٌ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ نَصُّ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ هَذَا الْقَوْلِ.
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ ظَنُّ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ صَوَابًا، وَيَكُونُ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَثَرٌ خَفِيَتْ دَلَالَتُهُ أَوْ مَعْرِفَتُهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ أَكْمَلَ الدِّينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَبَيَّنَهُ، وَبَلَّغَهُ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ، فَلَا تَحْتَاجُ أُمَّتُهُ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ دِينِهِ، وَإِنَّمَا تَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ دِينِهِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ فَقَطْ، وَأُمَّتُهُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، بَلْ لَا يَزَالُ فِي أُمَّتِهِ طَائِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْحَقِّ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فَأَظْهَرَهُ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَأَظْهَرَهُ بِالْيَدِ وَالسِّنَانِ، وَلَا يَزَالُ فِي أُمَّتِهِ أُمَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِهَذَا وَهَذَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ إِجْمَاعًا ظَاهِرًا تَعْرِفُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، فَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَنَحْنُ لَا نَشْهَدُ بِالْعِصْمَةِ إِلَّا لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا كَثِيرٌ مِنْ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ فَفِيهِمْ بِدَعٌ مُخَالِفَةٌ لِلرَّسُولِ، وَبَعْضُهَا مِنْ جِنْسِ بِدَعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَفِيهِمْ فُجُورٌ وَمَعَاصِي، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لَهُ: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] .
[ ١ / ٣٦٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] .
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَذَلِكَ مِثْلَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ هَذَا تَلَقَّوْهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عِنْدَهُمْ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا يَعْلَمُونَهُ بِالضَّرُورَةِ.
وَكَذَلِكَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إِلَى النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِهِمْ.
وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى حَجِّهِ وَحَجَّتْهُ الْأَنْبِيَاءُ، حَتَّى حَجَّهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَيُونُسُ بْنُ
[ ١ / ٣٦٣ ]
مَتَّى وَغَيْرُهُمَا، وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَتَحْرِيمِ الْخَبَائِثِ وَإِيجَابِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا تَلَقَّوْهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْهُ ﷺ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا النَّصَارَى، فَلَيْسَتِ الصَّلَوَاتُ الَّتِي يُصَلُّونَهَا مَنْقُولَةً عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ وَلَا الصَّوْمُ الَّذِي يَصُومُونَهُ مَنْقُولًا عَنِ الْمَسِيحِ، بَلْ جَعَلَ أَوَّلُهُمُ الصَّوْمَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ زَادُوا فِيهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَنَقَلُوهُ إِلَى الرَّبِيعِ، وَلَيْسَ هَذَا مَنْقُولًا عِنْدَهُمْ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇.
وَكَذَلِكَ حَجُّهُمْ لِلْقُمَامَةِ، وَبَيْتِ لَحْمٍ، وَكَنِيسَةِ
[ ١ / ٣٦٤ ]
صَيْدَنَايَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَنْقُولًا عَنِ الْمَسِيحِ ﵇، بَلْ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ أَعْيَادِهِمْ مِثْلَ عِيدِ الْقَلَنْدَسِ، وَعِيدِ الْمِيلَادِ، وَعِيدِ الْغِطَاسِ - وَهُوَ الْقُدَّاسُ - وَعِيدِ الْخَمِيسِ
[ ١ / ٣٦٥ ]
وَعِيدِ الصَّلِيبِ الَّذِي جَعَلُوهُ فِي وَقْتِ ظُهُورِ الصَّلِيبِ، لَمَّا أَظْهَرَتْهُ هِيلَانَةُ الْحَرَّانِيَّةُ الْفُنْدُقَانِيَّةُ أُمُّ قُسْطَنْطِينَ بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇ بِمِائَتَيْنِ مِنَ السِّنِينَ، وَعِيدِ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ الَّتِي
[ ١ / ٣٦٦ ]
فِي آخِرِ صَوْمِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْيَادِهِمُ الَّتِي رَتَّبُوهَا عَلَى أَحْوَالِ الْمَسِيحِ وَالْأَعْيَادِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا لِكُبَرَائِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ بِدَعِهِمُ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا بِلَا كِتَابٍ نَزَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ هُمْ يَبْنُونَ الْكَنَائِسَ عَلَى اسْمِ بَعْضِ مَنْ يُعَظِّمُونَهُ، كَمَا فِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُمْ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُبْنَى لِلَّهِ ﷿ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] .
وَقَالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] .
وَالنَّصَارَى كَأَشْبَاهِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَخْشَوْنَ غَيْرَ اللَّهِ، وَيَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ.
[ ١ / ٣٦٧ ]
[فَصْلٌ: النَّصَارَى بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الَّذِي يَدِينُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولٌ إِلَى الثَّقَلَيْنِ: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ مُسْتَحِقٌّ لِعَذَابِ اللَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْجِهَادِ، وَهُوَ مِمَّا أَجْمَعَ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَهُ الرَّسُولُ أَيْضًا فِي الْحِكْمَةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَلَمْ يَبْتَدِعِ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا ابْتَدَعَتِ النَّصَارَى كَثِيرًا مِنْ دِينِهِمْ بَلْ أَكْثَرَ دِينِهِمْ.
وَبَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَغَيَّرُوهُ ; وَلِهَذَا كَانَ كُفْرُ النَّصَارَى لَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِثْلَ كُفْرِ الْيَهُودِ لَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ ﵇، فَإِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ بَدَّلُوا شَرْعَ التَّوْرَاةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ، فَكَفَرُوا بِذَلِكَ، وَلَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ إِلَيْهِمْ كَذَّبُوهُ فَصَارُوا كُفَّارًا بِتَبْدِيلِ مَعَانِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَأَحْكَامِهِ، وَبِتَكْذِيبِ الْكِتَابِ الثَّانِي.
وَكَذَلِكَ النَّصَارَى كَانُوا بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَابْتَدَعُوا مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَتَغْيِيرِ شَرَائِعِ الْإِنْجِيلِ أَشْيَاءَ لَمْ يُبْعَثْ بِهَا الْمَسِيحُ ﵇، بَلْ
[ ١ / ٣٦٨ ]
تُخَالِفُ مَا بُعِثَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا فِي ذَلِكَ فِرَقًا مُتَعَدِّدَةً، وَكَفَّرَ فِيهَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَذَّبُوهُ، فَصَارُوا كُفَّارًا بِتَبْدِيلِ مَعَانِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَأَحْكَامِهِ، وَتَكْذِيبِ الْكِتَابِ الثَّانِي، كَمَا يَقُولُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ دِينَهُمْ مُبَدَّلٌ مَنْسُوخٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلٌ مِنَ النَّصَارَى كَانُوا عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ الْمَسِيحِ، كَمَا كَانَ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ كُلِّهِ عَلَى الْحَقِّ، فَهَذَا كَمَا أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَّبِعًا شَرْعَ التَّوْرَاةِ عِنْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالْحَقِّ كَسَائِرِ مَنِ اتَّبَعَ مُوسَى، فَلَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ صَارَ كُلُّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَافِرًا، وَكَذَلِكَ لَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ صَارَ كُلُّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَافِرًا.
وَالْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: بَيَانُ مَا بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ عُمُومِ رِسَالَتِهِ، وَأَنَّهُ نَفْسَهُ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُ نَفْسَهُ ﷺ دَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَجَاهَدَهُمْ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ، فَمَنْ قَالَ بَعْدَ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إِلَيْنَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْنَا، كَانَ مُكَابِرًا جَاحِدًا لِلضَّرُورَةِ مُفْتَرِيًا عَلَى الرَّسُولِ فِرْيَةً ظَاهِرَةً تَعْرِفُهَا الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ.
وَكَانَ جَحْدُهُ لِهَذَا كَمَا لَوْ جَحَدَ أَنَّهُ جَاءَ بِالْقُرْآنِ، أَوْ شَرَعَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ؛ وَجَحْدُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَعْظَمُ مِنْ جَحْدِ أَتْبَاعِ الْحَوَارِيِّينَ
[ ١ / ٣٦٩ ]
الْمَسِيحَ ﵇، وَإِرْسَالَهُ لَهُمْ إِلَى الْأُمَمِ، وَمَجِيئَهُ بِالْإِنْجِيلِ، وَجَحْدِ مَجِيءِ مُوسَى ﵇ بِالتَّوْرَاةِ، وَجَحْدِ أَنَّهُ كَانَ يَسْبِتُ ; فَإِنَّ النَّقْلَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ مُدَّتُهُ قَرِيبَةٌ، وَالنَّاقِلُونَ عَنْهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَنْ نَقَلَ دِينَ الْمَسِيحِ عَنْهُ، وَأَضْعَافُ أَضْعَافِ أَضْعَافِ مَنِ اتَّصَلَ بِهِ نَقْلُ دِينِ مُوسَى ﵇، فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا زَالُوا كَثِيرِينَ مُنْتَشِرِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَمَا زَالَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ ظَاهِرٌ بِالدِّينِ مَنْصُورٌ عَلَى الْأَعْدَاءِ، بِخِلَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّهُمْ زَالَ مُلْكُهُمْ فِي أَثْنَاءِ الْأَمْرِ لَمَّا خَرِبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الْخَرَابَ الْأَوَّلَ بَعْدَ دَاوُدَ ﵇ وَنَقَصَ عَدَدُ مَنْ نَقَلَ دِينَهُمْ حَتَّى قَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ إِلَّا وَاحِدٌ.
وَالْمَسِيحُ ﵇ لَمْ يَنْقُلْ دِينَهُ عَنْهُ إِلَّا عَدَدٌ قَلِيلٌ لَكِنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ مُعْصَمُونَ مِثْلَ: إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا وَصَلْنَا إِلَيْهِ، إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إِلَّا إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ أَوْ غَايَةِ الْمُكَابَرَةِ وَالْمُعَانَدَةِ، فَإِنَّ هَذَا أَعْظَمُ جَهْلًا وَعِنَادًا مِمَّنْ يُنْكِرُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالطَّهَارَةِ وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُحَرِّمُ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ، وَأَعْظَمُ جَهْلًا وَعِنَادًا مِمَّنْ يُنْكِرُ مَا تَوَاتَرَ مِنْ أَمْرِ الْمَسِيحِ، وَمُوسَى ﵉، وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ: عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَيْنَا بَلْ إِلَى جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ.
[ ١ / ٣٧٠ ]
[فَصْلٌ: شُبُهَاتُ النَّصَارَى عَلَى رِسَالَةِ النَّبِيِّ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]
فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَاحْتِجَاجُ هَؤُلَاءِ بِالْآيَاتِ الَّتِي ظَنُّوا دَلَالَتَهَا عَلَى أَنَّ نُبُوَّتَهُ خَاصَّةٌ بِالْعَرَبِ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُمُ الِاسْتِدْلَالُ بِكَلَامِ أَحَدٍ عَلَى مَقْصُودِهِ وَمُرَادِهِ، وَأَنَّهُمْ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِ ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] .
فَلَيْسُوا أَهْلًا أَنْ يَحْتَجُّوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ عَلَى مُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْكَلَامِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى مُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ - بَلْ وَلَا يَحْتَجُّونَ بِكَلَامِ الْأَطِبَّاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالنُّحَاةِ وَعِلْمِ أَهْلِ الْحِسَابِ وَالْهَيْئَةِ عَلَى مَقَاصِدِهِمْ.
فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ مِنْ أَفْصَحِ لُغَاتِ الْآدَمِيِّينَ وَأَوْضَحِهَا، وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْبَيَانِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الدَّلَالَاتِ الْكَثِيرَةِ عَلَى مَقْصُودِ الرَّسُولِ ﷺ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ مِنَ
[ ١ / ٣٧١ ]
النُّقُولِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ سِيرَتِهِ ﷺ فِي دُعَائِهِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَمْرِهِ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَجِهَادِهِ لَهُمْ إِذَا كَفَرُوا بِهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى خِبْرَةٍ بِسِيرَتِهِ ﷺ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدِ امْتَلَأَ الْعَالَمُ بِهِ، وَسَمِعَهُ الْقَاصِي وَالدَّانِي، فَإِذَا كَانَ النَّاسُ الْمُؤْمِنُ بِهِ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِ بِهِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ ظُهُورَ مَقْصُودِهِ بِذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ بِالِاضْطِرَارِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، ثُمَّ شَرَعُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ دَلَّ عَلَى فَسَادِ نَظْرَتِهِمْ وَعَقْلِهِمْ، أَوْ عَلَى عِنَادِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ، وَكَانَ الْوَاجِبُ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةُ مَعَانِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى خُصُوصِ رِسَالَتِهِ أَنْ يَعْتَقِدُوا أَحَدَ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنَّ لَهَا مَعَانِيَ تُوَافُقُ مَا كَانَ يَقُولُهُ، أَوْ أَنَّهَا مِنَ الْمَنْسُوخِ فَقَدْ عَلِمَتِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَحْوَ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ إِلَى الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَالنَّصَارَى يُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّ شَرَائِعَ
[ ١ / ٣٧٢ ]
الْأَنْبِيَاءِ فِيهَا نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ، مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْآيَاتِ لَيْسَ مَنْسُوخًا، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ: أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ حَالِ الرَّسُولِ ﷺ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَقِينِيًّا مُتَوَاتِرًا لَا يَجُوزُ دَفْعُهُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ مَعْلُومٌ لِكُلِّ مَنْ عَرَفَ أَخْبَارَهُ ﷺ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ مُمْكِنٌ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ أَوْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِنُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ مُمْكِنٌ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ عُمُومُ رِسَالَتِهِ، فَلَيْسَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَوْقُوفًا عَلَى الْآخَرِ، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُكَذِّبُهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ تُقِرُّ بِنُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ لَا تُقِرُّ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: الْكَلَامُ مَعَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِعُمُومِ دَعْوَتِهِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ هُوَ مُتَوَاتِرٌ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ كَالْعِلْمِ بِنَفْسِ مَبْعَثِهِ وَدُعَائِهِ الْخَلْقَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ وَكَالْعِلْمِ بِهِجْرَتِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمَجِيئِهِ بِهَذَا الْقُرْآنِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَإِيجَابِ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَتَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَإِنْ قِيلَ: بَلْ فِي الْقُرْآنِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ رِسَالَتَهُ خَاصَّةٌ، وَفِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ رِسَالَتَهُ عَامَّةٌ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
[ ١ / ٣٧٣ ]
قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ، وَيُعْلَمُ بُطْلَانُهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ ; فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ أَحَدٍ آمَنَ بِهِ، أَوْ كَذَّبَهُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ عَقْلًا وَسِيَاسَةً وَخِبْرَةً، وَكَانَ مَقْصُودُهُ دَعْوَةَ الْخَلْقِ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِهِ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَيَأْمُرُ بِتَبْلِيغِهِ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَكَانَ مَنْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ حَتَّى يَقْرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ مِنَ الْكُفَّارِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ وَلَوْ كَانَ مُشْرِكًا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ كِتَابِيًّا؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] .
وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ، وَأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى الثَّقَلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَيَمْتَنِعُ مَعَ هَذَا أَنْ يَظْهَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ لِمُنَاقَضَتِهِ لِمُرَادِهِ، فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ مَنِ اتَّفَقَتْ عُقَلَاءُ الْأُمَمِ عَلَى أَنَّهُ أَعْقَلُ الْخَلْقِ وَأَحْسَنُهُمْ سِيَاسَةً وَشَرِيعَةً؟
وَأَيْضًا فَكَانَ أَصْحَابُهُ وَالْمُقَاتِلُونَ مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفِرُونَ عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ عَادَتَهُمْ أَنْ يَسْتَشْكِلُوا مَا هُوَ دُونَ هَذَا، وَهَذَا لَمْ يَسْتَشْكِلْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إِلَّا إِلَى
[ ١ / ٣٧٤ ]
الْعَرَبِ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى سَائِرِ الْخَلْقِ، كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى غَيْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يُرْسَلْ إِلَّا إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِدَعْوَتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ خَاصَّةً، فَلَا مُنَاقَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، فَكَيْفَ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ رِسَالَتِهِ بِالْعَرَبِ؟ وَإِنَّمَا فِيهِ إِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ فِيهِ إِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ إِلَى قُرَيْشٍ، وَلَيْسَ هَذَا مُنَاقِضًا لِهَذَا، وَفِيهِ إِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ [النساء: ٤٧] .
كَمَا فِيهِ إِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَقَوْلِهِ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَلَيْسَ هَذَا التَّخَصُّصَ لِلْيَهُودِ مُنَافِيًا لِذَلِكَ التَّعْمِيمِ، وَفِي رِسَالَتِهِ خِطَابٌ لِلْيَهُودِ تَارَةً وَلِلنَّصَارَى تَارَةً، وَلَيْسَ خِطَابُهُ لِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَدَعْوَتُهُ لَهَا مُنَاقِضًا لِخِطَابِهِ لِلْأُخْرَى وَدَعْوَتِهِ لَهَا، وَفِي كِتَابِهِ خِطَابٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أُمَّتِهِ فِي دَعْوَتِهِ لَهُمْ إِلَى شَرَائِعِ دِينِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُنَاقَضَةٌ بِأَنْ يُخَاطِبَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَيَدْعُوَهُمْ، وَفِي كِتَابِهِ أَمْرٌ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ النَّصَارَى، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
[ ١ / ٣٧٥ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
ثُمَّ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا أَنْ يَأْمُرَ بِقِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ ; حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، بَلْ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي الْمَجُوسِ بِسُنَّتِهِ وَاتِّفَاقِ أُمَّتِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ، فَكَيْفَ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَى تَقْدِيرِ نُبُوَّتِهِ، وَالنَّبِيُّ لَا يَتَنَاقَضُ قَوْلُهُ؟ وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِعُمُومِ دَعَوْتِهِ وَرِسَالَتِهِ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ، وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ، فَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ الْيَقِينِيُّ لَا يُعَارِضُهُ شَيْءٌ، وَلَكِنَّ هَذَا شَأْنُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ: النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ وَيَدَعُونَ الْمُحْكَمَ، وَبِسَبَبِ مُنَاظَرَةِ النَّصَارَى لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْمُتَشَابِهِ، وَعُدُولِهِمْ عَنِ الْمُحْكَمِ أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ فِيهِمْ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
[ ١ / ٣٧٦ ]
فَالتَّأْوِيلُ: يُرَادُ بِهِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ، وَمَعْرِفَةُ مَعَانِيهِ، وَهَذَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، وَيُرَادُ بِهِ مَا اسْتَأْثَرَ الرَّبُّ ﷾ بِعِلْمِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ كُنْهِهِ وَكُنْهِ مَا وَعَدَ بِهِ وَوَقْتِ السَّاعَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وَالضُّلَّالُ يَذْكُرُونَ آيَاتٍ تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا، فَيَتَّبِعُونَ تَأْوِيلَهَا ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهَا، وَلَيْسُوا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهَا مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ أَوْضَحِ الْآيَاتِ.
وَهَذَا الَّذِي سَلَكُوهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ نَظِيرُ مَا سَلَكُوهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ فِيهَا مِنَ النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَفِيهَا كَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ فِيهَا اشْتِبَاهٌ، فَتَمَسَّكُوا بِالْقَلِيلِ الْمُتَشَابِهِ الْخَفِيِّ الْمُشْكِلِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَرَكُوا الْكَثِيرَ الْمُحْكَمَ الْمُبَيَّنَ الْوَاضِحَ، فَهُمْ سَلَكُوا فِي الْقُرْآنِ مَا سَلَكُوهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لَكِنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ أَصْحَابِهَا وَمُحَمَّدٌ ﷺ هُمْ فِيهِ مُضْطَرِبُونَ مُتَنَاقِضُونَ، فَأَيُّ قَوْلٍ قَالُوهُ فِيهِ ظَهَرَ فَسَادُهُ وَكَذِبُهُمْ فِيهِ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ.
[الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ كَلَامَ الرَّسُولِ مُتَنَاقِضٌ]
وَإِنْ قَالُوا: كَلَامُهُ مُتَنَاقِضٌ وَنَحْنُ نَحْتَجُّ بِمَا يُوَافِقُ قَوْلَنَا، إِذْ مَقْصُودُنَا بَيَانُ تَنَاقُضِهِ.
قِيلَ لَهُمْ عَنْ هَذَا أَجْوِبَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ مُتَعَارِضٌ أَضْعَافُ مَا فِي الْقُرْآنِ وَأَقْرَبُ إِلَى التَّنَاقُضِ، فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْكُتُبُ مُتَّفِقَةً لَا تَنَاقُضَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَظُنُّ تَنَاقُضَهَا مَنْ يَجْهَلُ مَعَانِيَهَا وَمُرَادَ الرُّسُلِ فَيَكُونُ كَمَا قِيلَ:
[ ١ / ٣٧٨ ]
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
فَكَيْفَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْكُتُبِ؟
الثَّانِي: أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْمُتَشَابِهِ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَمُخَالِفُونَ الْمُحْكَمَ مِنْهَا كَمَا فَعَلُوهُ بِالْقُرْآنِ وَأَبْلَغَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُتَنَاقِضًا لَمْ يَكُنْ رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَكُونُ مُخْتَلِفًا مُتَنَاقِضًا، وَإِنَّمَا يَتَنَاقَضُ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
فَكُلُّ كِتَابٍ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَنَاقُضٌ، وَمَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ مُتَنَاقِضًا لَمْ يَجُزْ لَهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاقِضًا ثَبَتَ أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ عُمُومِ رِسَالَتِهِ، وَأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَيْهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُنَاقِضُهُ، فَإِنَّ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ.
الرَّابِعُ: أَنَّا نُبَيِّنُ أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ عُمُومِ رِسَالَتِهِ لَا يُنَافِي مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الْعَرَبِ، كَمَا أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ إِنْذَارِ عَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ، وَأَمْرِ قُرَيْشٍ لَا يُنَافِي مَا فِيهِ مِنْ دَعْوَةِ سَائِرِ الْعَرَبِ ; فَإِنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ الْعَامِّ بِالذِّكْرِ
[ ١ / ٣٧٩ ]
إِذَا كَانَ لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْمَذْكُورِ مُخَالَفَةٌ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ وَدَلِيلَ الْخِطَابِ.
وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ مَتَى كَانَ لَهُ سَبَبٌ يُوجِبُ الذِّكْرَ غَيْرَ الِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْمِ اللَّقَبِ مَفْهُومٌ، بَلْ وَلَا لِلصِّفَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] .
[ ١ / ٣٨٠ ]
فَإِنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ حَرَّمَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا، أَوْ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنَاقِضًا لِتَخْصِيصِ الْوَلَدِ بِالذِّكْرِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ فِي ذَلِكَ أُسْوَةٌ بِالْمَسِيحِ ﵇ فَإِنَّ الْمَسِيحَ خَصَّ أَوَّلًا بِالدَّعْوَةِ، ثُمَّ عَمَّ، كَمَا قِيلَ فِي الْإِنْجِيلِ: مَا بُعِثْتُ وَأُرْسِلْتُ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَالَ أَيْضًا فِي الْإِنْجِيلِ: مَا بُعِثْتُ إِلَّا
[ ١ / ٣٨١ ]
لِهَذَا الشَّعْبِ الْخَبِيثِ. ثُمَّ عَمَّ، فَقَالَ لِتَلَامِذَتِهِ حِينَ أَرْسَلَهُمْ كَمَا فِي الْإِنْجِيلِ: كَمَا بَعَثَنِي أَبِي أَبْعَثُ بِكُمْ، فَمَنْ قَبِلَكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي. وَقَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي، وَأَنَا أُرْسِلُكُمْ. وَقَالَ: كَمَا أَفْعَلُ أَنَا بِكُمْ، كَذَلِكَ افْعَلُوا أَنْتُمْ بِعِبَادِ اللَّهِ فَسِيرُوا فِي الْبِلَادِ، وَعَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ، وَلَا يَحْمِلُ مَعَهُ فِضَّةً وَلَا ذَهَبًا وَلَا عَصًا وَلَا حَرَّابَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي الْأَنَاجِيلِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ تَخْصِيصِ الدَّعْوَةِ ثُمَّ تَعْمِيمِهَا، وَهُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُمْ إِنْكَارُ مَا فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ نَظِيرَهُ؟ ثُمَّ يُقَالُ فِي بَيَانِ الْحَالِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا
[ ١ / ٣٨٢ ]
ﷺ، كَمَا بَعَثَ الْمَسِيحَ وَغَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ رِسَالَتُهُ أَكْمَلَ وَأَشْمَلَ كَمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ، فَأَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ إِلَى طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ، وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِ الْأَقْرَبِ مِنْهُ مَكَانًا وَنَسَبًا، ثُمَّ بِتَبْلِيغِ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ ; حَتَّى تَبْلُغَ النِّذَارَةُ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
أَيْ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَقَدْ أَنْذَرَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَنُبَيِّنُ هُنَا أَنَّ النِّذَارَةَ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِمَنْ شَافَهَهُمْ بِالْخِطَابِ، بَلْ يُنْذِرُهُمْ بِهِ وَيُنْذِرُ مَنْ بَلَغَهُمُ الْقُرْآنُ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ ﵎ أَوَّلًا بِإِنْذَارِ عَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ وَهُوَ قُرَيْشٌ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ انْطَلَقَ ﷺ إِلَى مَكَانٍ عَالٍ فَعَلَا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يُرِيدُ أَهْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ يَا صَبَاحَاهُ يَا صَبَاحَاهُ» .
[ ١ / ٣٨٣ ]
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ وَالتَّفْسِيرِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فَهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ
[ ١ / ٣٨٤ ]
أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ،
[ ١ / ٣٨٥ ]
فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي زُهْرَةَ حَتَّى عَدَّدَ الْأَفْخَاذَ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِيَ الْأَقْرَبِينَ، وَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟
[ ١ / ٣٨٦ ]
تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ - فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥] .
وَدَعَا قُرَيْشًا إِلَى اللَّهِ، وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْزَلَ تَعَالَى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ - إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ - فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ - الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤] .
وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَمْرَ جَمِيعِ الْخَلْقِ بِعِبَادَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
وَقُرَيْشٌ هُمْ قَوْمُهُ الَّذِينَ كَذَّبَهُ جُمْهُورُهُمْ أَوَّلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] .
[ ١ / ٣٨٧ ]
كَمَا أَنَّ جُمْهُورَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ قَوْمُ الْمَسِيحِ كَذَّبُوهُ أَوَّلًا.
ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَدْعُوَ سَائِرَ الْعَرَبِ، فَكَانَ يَخْرُجُ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ صِدِّيقُهُ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ قَبِيلَةً قَبِيلَةً، وَكَانَتِ الْعَرَبُ لَمْ تَزَلْ تَحُجُّ الْبَيْتَ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇، فَكَانَ ﷺ يَأْتِيهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ بِمِنًى، وَعُكَاظَ، وَمَجَنَّةَ، وَذِي الْمَجَازِ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا إِلَّا دَعَاهُ إِلَى اللَّهِ، وَيَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ آمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي وَتُصَدِّقُونِي وَتَمْنَعُونِي ; حَتَّى أُبَيِّنَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي فَمَنْ يَمْنَعُنِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي إِلَّا رَجُلٌ
[ ١ / ٣٨٨ ]
يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وَتَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ، وَتَذِلَّ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ» فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ إِنَّ أَمْرَكَ هَذَا لَعَجَبٌ.
وَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْلِنُ دَعْوَتَهُ، وَيُظْهِرُ رِسَالَتَهُ، وَيَدْعُو الْخَلْقَ إِلَيْهَا، وَهُمْ يُؤْذُونَهُ وَيُجَادِلُونَهُ وَيُكَلِّمُونَهُ، وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ بِأَقْبَحِ الرَّدِّ، وَهُوَ صَابِرٌ عَلَى أَذَاهُمْ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا» .
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ أَمْرُ قُرَيْشٍ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ وَهِيَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ
[ ١ / ٣٨٩ ]
شَرْقَيْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ لَيْلَتَيْنِ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَمَكَثَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَا يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَّا جَاءَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَكَلَّمَهُ وَدَعَاهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَخَافُوهُ عَلَى أَحْدَاثِهِمْ، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ فَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ إِذَا مَشَى حَتَّى أَنَّ رِجْلَيْهِ لَتُدْمِيَانِ، وَزَيْدٌ مَوْلَاهُ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتَّى أُلْجِئُوا إِلَى ظِلِّ كَرْمَةٍ فِي حَائِطٍ لِعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ فَرَجَعَ عَنْهُ مَا كَانَ تَبِعَهُ مِنْ سُفَهَائِهِمْ، فَدَعَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي، إِلَى بِعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» .
فَلَمَّا رَأَى ابْنَا رَبِيعَةَ مَا صُنِعَ بِهِ رَثَيَا لَهُ، وَقَالَا لِغُلَامٍ لَهُمَا يُقَالُ لَهُ
[ ١ / ٣٩٠ ]
عَدَّاسٌ - وَكَانَ نَصْرَانِيًّا -: خُذْ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ، ثُمَّ اجْعَلْهُ فِي طَبَقٍ، ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ يَأْكُلُهُ، فَفَعَلَ عَدَّاسٌ وَأَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَكَلَ فَنَظَرَ عَدَّاسٌ إِلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مِنْ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ فَقَالَ عَدَّاسٌ: أَنَا نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟ فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟ وَاللَّهِ لَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ نِينَوَى، وَمَا فِيهَا عَشَرَةٌ يَعْرِفُونَ مَتَّى، مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ أَنْتَ مَتَّى وَأَنْتَ أُمِّيٌّ وَفِي أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُوَ أَخِي كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ، فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
[ ١ / ٣٩١ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَمَّا رَجَعَ عَدَّاسٌ فَقَالَا: وَيْلَكَ يَا عَدَّاسُ، مَالَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، مَا فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، لَقَدْ خَبَّرَنِي بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ.
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ مَحْزُونٌ، إِذْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَلَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ فَعَلُوا وَفَعَلُوا، فَقَالَ: يَا زَيْدُ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ وَمُظْهِرٌ نَبِيَّهُ.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ دُخُولَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا لَقِيَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ مَا لَقِيَ وَدَعَا بِالدُّعَاءِ الْمُتَقَدِّمِ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَمَعَهُ مَلَكُ الْجِبَالِ - كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ - أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمُ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كَلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا
[ ١ / ٣٩٣ ]
جِبْرِيلُ فَنَادَانِي: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ قَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «ادْعُ اللَّهَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ
[ ١ / ٣٩٤ ]
عَلَيْنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ أَلَا تَسْتَنْصِرُ اللَّهَ لَنَا؟ فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ فَوْقَ رَأْسِهِ حَتَّى يُجْعَلَ فِرْقَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخْشَى إِلَّا اللَّهَ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» .
وَذِكْرُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَذَى وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالْإِغْرَاءِ وَهُوَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُظْهِرٌ لِأَمْرِ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، مُوَاجِهٌ لِقَوْمِهِ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ عَيْبِ دِينِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ، وَتَضْلِيلِ آبَائِهِمْ، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ، وَإِظْهَارِ عَدَاوَتِهِ، وَقِتَالِهِ إِيَّاهُمْ مَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْقَطْعِ.
[ ١ / ٣٩٥ ]
قَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْسِمُ حَجَّ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَى فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِالَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فَأَيْقَنُوا وَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى دَعْوَتِهِ، وَعَرَفُوا مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ بِصِفَتِهِ، وَمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ فَصَدَّقُوهُ وَآمَنُوا بِهِ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ الَّذِي سَاقَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ إِلَى مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي صِفَتِهِ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ جَعَلُوا يَدْعُونَهُمْ سِرًّا، وَيُخْبِرُونَهُمْ بِأَقْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّورِ وَالْهُدَى وَالْقُرْآنِ، فَأَسْلَمُوا حَتَّى قَلَّ أَنْ يُوجَدَ دَارٌ مِنْ دُورِهِمْ إِلَّا أَسْلَمَ فِيهَا نَاسٌ لَا مَحَالَةَ» .
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يُخْبِرُونَ الْعَرَبَ بِهِ وَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ مُقِرِّينَ بِنُبُوَّتِهِ مُخْبِرِينَ بِهَا مُبَشِّرِينَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَقَالَ تَعَالَى فِيمَا يُخَاطِبُ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ:
[ ١ / ٣٩٦ ]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ - بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٩١] .
فَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْعَرَبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ - أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ - وَكَانُوا هُمْ وَالْعَرَبُ يَقْتَتِلُونَ فَيَغْلِبُهُمُ الْعَرَبُ، فَيَقُولُونَ: سَوْفَ يُبْعَثُ
[ ١ / ٣٩٧ ]
النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَنَتَّبِعُهُ وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، وَكَانُوا يَنْعَتُونَهُ بِنُعُوتِهِ.
وَأَخْبَارُهُمْ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وَأَخْبَرَ بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْيَهُودُ مِنْ أَنَّهُ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ كَذَّبُوا بَعْضَهُمْ وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ بَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ; فَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا يَفْعَلُونَ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّثْنِيَةِ تَأْكِيدُ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مَرَّتَانِ، وَالْغَضَبُ الْأَوَّلُ: تَكْذِيبُهُمُ الْمَسِيحَ وَالْإِنْجِيلَ، وَالْغَصْبُ الثَّانِي: لِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ.
[ ١ / ٣٩٨ ]
[فَصْلٌ: مُعْجِزَاتُ مُحَمَّدٍ ﷺ]
وَكَانَ يَأْتِيهِمْ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ ﷺ، وَمُعْجِزَاتُهُ تَزِيدُ عَلَى أَلْفِ مُعْجِزَةٍ، مِثْلَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْآيَاتِ، وَمِثْلَ الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ، وَمِثْلَ أَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَهُ وَبِشَارَةِ
[ ١ / ٣٩٩ ]
الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَمِثْلَ أَخْبَارِ الْكُهَّانِ وَالْهَوَاتِفِ بِهِ، وَمِثْلَ قِصَّةِ الْفِيلِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ آيَةً عَامَ مَوْلِدِهِ، وَمَا جَرَى عَامَ مَوْلِدِهِ مِنَ الْعَجَائِبِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَمِثْلَ امْتِلَاءِ السَّمَاءِ وَرَمْيِهَا بِالشُّهُبِ الَّتِي تُرْجَمُ بِهَا الشَّيَاطِينُ بِخِلَافِ مَا كَانَتِ الْعَادَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ وَبَعْدَ مَبْعَثِهِ، وَمِثْلَ إِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ ﷿ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلِّمَهُ إِيَّاهَا بَشَرٌ. فَأَخْبَرَهُمْ بِالْمَاضِي مِثْلَ قِصَّةِ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحِ وَهُودٍ وَشُعَيْبٍ وَصَالِحٍ وَغَيْرِهِمْ، وَبِالْمُسْتَقْبَلَاتِ.
وَكَانَ قَوْمُهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ يَتَعَلَّمُ هُوَ مِنْهُ، بَلْ وَلَا كَانَ يَجْتَمِعُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ يَعْرِفُ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ، وَلَا كَانَ هُوَ يُحْسِنُ لِسَانًا غَيْرَ الْعَرَبِيِّ، وَلَا كَانَ يَكْتُبُ كِتَابًا، وَلَا يَقْرَأُ كِتَابًا مَكْتُوبًا.
وَلَا سَافَرَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ إِلَّا سَفْرَتَيْنِ: سَفْرَةٌ وَهُوَ صَغِيرٌ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ
[ ١ / ٤٠٠ ]
لَمْ يُفَارِقْهُ، وَلَا اجْتَمَعَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَسَفْرَةٌ أُخْرَى وَهُوَ كَبِيرٌ مَعَ رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَمْ يُفَارِقْهُمْ، وَلَا اجْتَمَعَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأَخْبَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِأَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِنُبُوَّتِهِ مِثْلَ إِخْبَارِ بَحِيرَى الرَّاهِبِ بِنُبُوَّتِهِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِمَّا دَلَّهُمْ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَلِهَذَا تَزَوَّجَتْ
[ ١ / ٤٠١ ]
بِهِ خَدِيجَةُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ لِمَا أُخْبِرَتْ بِهِ مِنْ أَحْوَالِهِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا: التَّنْبِيهُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَهُ مُعْجِزَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِثْلَ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَمِثْلَ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ حَتَّى أَكَلَ مِنْهُ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ، وَتَكْثِيرِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ حَتَّى شَرِبَ مِنْهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ.
وَهَذَا مَا جَرَى غَيْرَ مَرَّةٍ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مِنَ الْآيَاتِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، فَكَانَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ يُحْيِي اللَّهُ لَهُ الْمَوْتَى مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ، وَبَعْضُ أَتْبَاعِهِ يَمْشِي بِالْعَسْكَرِ الْكَثِيرِ عَلَى الْبَحْرِ حَتَّى يَعْبُرُوا إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى،
[ ١ / ٤٠٢ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، فَصَارَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا ذِكْرُ بَعْضِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِالْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ خَبَرًا مُفَصَّلًا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، أَوْ مَنْ أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ وَقَوْمُهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَهَذَا مِمَّا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ مَعَ قُوَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَحَصْرِهِمْ عَلَى مَا يَطْعَنُونَ بِهِ عَلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَطْعَنُوا طَعْنًا يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَكَانَ عِلْمُ سَائِرِ الْأُمَمِ بِأَنَّ قَوْمَهُ الْمُعَادِينَ لَهُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الطَّعْنِ عَلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ هَذِهِ الْغُيُوبَ عَلَّمَهَا إِيَّاهُ بَشَرٌ، فَوَجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنَّ هَذَا لَمْ يُعَلِّمْهُ إِيَّاهَا بَشَرٌ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ هُوَ وَلَا قَوْمُهُ، وَقَوْمُهُ تُقِرُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِ قَوْمِهِ ; وَلِهَذَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْ بَشَرٍ ظَهَرَ
[ ١ / ٤٠٣ ]
كَذِبُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ - إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ - وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣] .
فَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ مَمْلُوكٌ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ، فَادَّعَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَتَعَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ الْأَعْجَمِيِّ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ عَرَبِيٌّ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ أَلْسِنَةِ الْعَجَمِ، فَمَنْ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَفْقَهُ كَلَامَهُ، فَلَا ذَلِكَ
[ ١ / ٤٠٤ ]
الرَّجُلُ يُحْسِنُ التَّكَلُّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا مُحَمَّدٌ ﷺ يَفْهَمُ كَلَامًا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [النحل: ١٠٣] . أَيْ: يَمِيلُونَ إِلَيْهِ وَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ أَنَّهُ عَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ: ﴿أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ عَنِ الْقُرْآنِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] .
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٤ - ٦] .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ قَوْلَ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ الْمَعْلُومِ لِأَعْدَائِهِ فَضْلًا عَنْ أَوْلِيَائِهِ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ،
[ ١ / ٤٠٥ ]
وَلَيْسَ فِي قَوْمِهِ، وَلَا فِي بَلَدِهِ مَنْ يُحْسِنُ ذَلِكَ لِيُعِينَهُ عَلَيْهِ ; فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤] .
فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ بَلَدِهِ وَقَوْمِهِ الْمُعَادِينَ لَهُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا ظُلْمٌ لَهُ وَزُورٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ عُقَلَائِهِمُ الْمَعْرُوفِينَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَإِنَّ قَوْمَهُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُمْلِي عَلَيْهِ كِتَابًا، وَقَدْ بَيَّنَ مَا يُظْهِرُ كَذِبَهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] .
فَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَسْرَارِ مَا لَا يَعْلَمُهُ بَشَرٌ إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ لَمَّا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ هَذَا، ذَكَرَ مَا قَدَحُوا بِهِ فِي نُبُوَّتِهِ فَقَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا - أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨] .
فَهَذَا كَلَامُ الْمُعَارِضِينَ لَهُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَكْلَهُ وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا مَا يُؤْكَلُ وَمَا يُلْبَسُ، وَقَالُوا: هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ بِكَنْزٍ يُنْفِقُ مِنْهُ أَوْ جَنَّةٍ يَأْكُلُ مِنْهَا؟ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا.
[ ١ / ٤٠٦ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨] .
يَقُولُ مَثَّلُوكَ بِالْكَاذِبِ وَالْمَسْحُورِ وَالنَّاقِلِ عَنْ غَيْرِهِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَظْهَرُ كَذِبُهُ لِكُلِّ مَنْ عَرَفَكَ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨] وَالضَّالُّ: الْجَاهِلُ الْعَادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى الْمَقْصُودِ، بَلْ ظَهَرَ عَجْزُهُمْ وَانْقِطَاعُهُمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣] .
فَإِنَّهُ أَتَاهُمْ بِجَلِيَّةِ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى، كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ شَيْئًا، فَإِذَا أَخْبَرَهُمْ بِالْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ مَنْ أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بِخَبَرِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ لِسَائِرِ الْأُمَمِ ; فَإِنَّهُ إِذَا
[ ١ / ٤٠٧ ]
كَانَ قَوْمُهُ الْمُعَادُونَ وَغَيْرُ الْمُعَادِينَ لَهُ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِأَحَدٍ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ، صَارَ هَذَا مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ، وَكَانَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ مُخَالِفُوهُ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى الطَّعْنِ لَوْ أَمْكَنَ.
فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ بِالْغُيُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَامَتْ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى قَوْمِهِ وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ بَلَغَهُ خَبَرُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِالْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَهَذِهِ تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ عَرَفَ تَصْدِيقَ ذَلِكَ الْخَبَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ - بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: ١ - ٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، وَهَذَا الْخَبَرُ قَدْ مَضَى لَهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، وَقَالَ عَنِ الْكُفَّارِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] .
وَظَهَرَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرِهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] .
وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَعَدَهُ وَظَهَرَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] .
فَأَظْهَرَ اللَّهُ مَا بَعَثَهُ بِهِ بِالْآيَاتِ وَالْبُرْهَانِ وَالْيَدِ وَالسِّنَانِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢] .
[ ١ / ٤٠٩ ]
فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَهُمْ غُلِبُوا فِي الدُّنْيَا كَمَا شَاهَدَهُ النَّاسُ، وَهَذَا يُصَدِّقُ الْخَبَرَ الْأَخِيرَ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
وَقَدْ أَيَّدَهُ تَأْيِيدًا لَا يُؤَيَّدُ بِهِ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، بَلْ لَمْ يُؤَيَّدْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا أُيِّدَ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ بُعِثَ بِأَفْضَلِ الْكُتُبِ إِلَى أَفْضَلِ الْأُمَمِ بِأَفْضَلِ الشَّرَائِعِ، وَجَعَلَهُ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ ﷺ فَلَا يُعْرَفُ قَطُّ أَحَدٌ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَهُوَ كَاذِبٌ إِلَّا قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُ وَأَذَلَّهُ وَأَظْهَرَ كَذِبَهُ وَفُجُورَهُ.
وَكُلُّ مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الْمُدَّعِينَ لِلنُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَادِقًا كَمَا أَيَّدَ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، بَلْ وَأَيَّدَ شُعَيْبًا وَهُودًا وَصَالِحًا، فَإِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ أَنْ يَنْصُرَ رُسُلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، فَمَنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ إِلَّا بِالْعَادَةِ فَهَذِهِ عَادَةُ اللَّهِ وَسُنَّتُهُ يُعْرَفُ بِهَا مَا يَصْنَعُ، وَمَنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُؤَيَّدُ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَكَذَبَ عَلَيْهِ
[ ١ / ٤١٠ ]
تَأْيِيدًا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مُعَارَضَتُهُ، وَهَكَذَا أَخْبَرَتِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ أَنَّ الْكَذَّابَ لَا يُتِمُّ اللَّهُ أَمْرَهُ وَلَا يَنْصُرُهُ وَلَا يُؤَيِّدُهُ فَصَارَ هَذَا مَعْلُومًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ ; وَلِهَذَا أَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ نَعْتَبِرَ بِمَا فَعَلَهُ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِنْ جَعْلِ الْعَاقِبَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ وَعَصَاهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ - وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ - فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ - أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤٦] .
[ ١ / ٤١١ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] ثُمَّ ﴿كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ - كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٤ - ٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢١ - ٢٢] .
[ ١ / ٤١٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ - فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٢ - ٨٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: ١٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٥] .
فَأَخْبَرَ بِأَنَّ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ سَيَأْتِيهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَخْبَارُ الْقُرْآنِ الَّذِي اسْتَهْزَءُوا بِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ حَقٌّ بِوُقُوعِ الْخَبَرِ مُطَابِقًا لِلْخَبَرِ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
[ ١ / ٤١٣ ]
أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُرِيهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي الْآفَاقِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ بِأَنْ يَرَوْا مَا أَخْبَرَ بِهِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
فَإِنَّهُ قَدْ يَشْهَدُ لِلْقُرْآنِ بِأَنَّهُ حَقٌّ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ الَّتِي تَتَبَيَّنُ بِشَهَادَةِ الرَّبِّ تَعَالَى بِأَنَّهُ حَقٌّ، فَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الشَّهَادَةِ الْحَاضِرَةِ إِلَى انْتِظَارِ الْآيَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ - وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ - وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ - حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ١ - ٥] .
أَخْبَرَ بِاقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ قَدْ عَايَنُوهُ وَشَاهَدُوهُ وَتَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ مِثْلَ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ ; لِيُسْمِعَ النَّاسَ مَا فِيهَا مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ وَدَلَائِلِهَا وَالِاعْتِبَارِ، وَكُلُّ النَّاسِ يُقِرُّ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُهُ، فَعُلِمَ أَنَّ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ النَّاسِ عَامَّةً. ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَمُكَذِّبِيهِمْ، فَقَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ - فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ - فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ - وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ - وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ - تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ - وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٩ - ١٥] .
[ ١ / ٤١٤ ]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَبْقَى السُّفُنَ آيَةً عَلَى قُدْرَةِ الرَّبِّ وَعَلَى مَا جَرَى لِنُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي لِمَنْ كَذَّبَ وَنُذُرِي؟ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ قِصَّةَ عَادٍ وَثَمُودَ وَلُوطٍ وَغَيْرِهِمْ، يَقُولُ فِي عَقِبِ كُلِّ قِصَّةٍ: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ؟ وَنُذُرُهُ وَإِنْذَارُهُ وَهُوَ مَا بَلَّغَتْهُ عَنْهُ الرُّسُلُ مِنَ الْإِنْذَارِ، وَكَيْفَ كَانَتْ عُقُوبَتُهُ لِلْمُنْذَرِينَ.
وَالْإِنْذَارُ: هُوَ الْإِعْلَامُ بِالْمَخُوفِ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ صِدْقُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الْإِنْذَارِ وَشِدَّةِ عَذَابِهِ لِمَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ، وَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ - كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ - أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ - أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ - سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤١ - ٤٥] .
وَذَكَرَ فِي قِصَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ النَّاسِ أَنْوَاعًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ:
[ ١ / ٤١٥ ]
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ - وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٢ - ٣] .
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامِ الرِّسَالَةِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى جِنْسِ ذَلِكَ. وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَنَّهُ نَصَرَ فِرْعَوْنَ وَنُمْرُودَ
[ ١ / ٤١٦ ]
وَسَنْحَارِيبَ وَجَنْكِسَانَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْمُلُوكِ الْكَافِرِينَ جَوَابُهُ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْهُمُ النُّبُوَّةَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، بِخِلَافِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ بِذَلِكَ ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا رَسُولًا صَادِقًا يَنْصُرُهُ اللَّهُ وَيُؤَيِّدُهُ وَيَنْصُرُ أَتْبَاعَهُ، وَيَجْعَلُ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ، أَوْ يَكُونُ كَذَّابًا فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَيَقْطَعُ دَابِرَهُ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا جَاءَهُ بِهِ لَيْسَتْ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْمُعَارَضَةَ، بَلْ هِيَ مِنْ جِنْسِ مَخَارِقِ السَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ وَالْكَذَّابِينَ الَّتِي تَقْبَلُ الْمُعَارَضَةَ، فَإِنَّ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ خَوَاصِّهَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُعَارِضَهَا وَيَأْتِيَ بِمِثْلِهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِنَّ مُعَارَضَتَهَا مُمْكِنَةٌ فَيُبْطِلُ دَلَالَتَهَا.
وَالْمَسِيحُ الدَّجَّالُ: يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ، وَيَأْتِي بِخَوَارِقَ، وَلَكِنَّ نَفْسَ دَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةَ دَعْوَى مُمْتَنِعَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُهُ وَيُظْهِرُ كَذِبَهُ، وَمَعَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَاللَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَرَ.
[ ١ / ٤١٧ ]
وَمِنْهَا: أَنَّ أَحَدًا لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَيُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ الَّذِي قَتَلَهُ أَوَّلًا فَيَعْجِزُ عَنْ قَتْلِهِ.
فَمَعَهُ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى كَذِبِهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَا مَعَهُ لَيْسَ آيَةً عَلَى صِدْقِهِ، بِخِلَافِ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أَنْ يَأْتِيَ بِنَظِيرِهَا وَلَا يُبْطِلَهَا مِثْلَ قَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً لِمُوسَى، وَإِخْرَاجِ نَاقَةٍ لِصَالِحٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِلْمَسِيحِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ آيَةً وَاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ فَأَرَاهُمْ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ - وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ - وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ - حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ - فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ - خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ١ - ٧] .
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى مَا جَرَى قَبْلَهُ لِلْمُكَذِّبِينَ فَذَكَرَ قِصَّةَ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ ثُمَّ فِرْعَوْنَ، وَهَذِهِ السُّورَةُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي أَعْظَمِ اجْتِمَاعَاتِ النَّاسِ عِنْدَهُ وَهِيَ الْأَعْيَادُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يَسْمَعُونَ مَا يَذْكُرُهُ مِنِ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَقَوْلِ الْمُكَذِّبِينَ أَنَّهُ سِحْرٌ
[ ١ / ٤١٨ ]
وَالنَّاسُ كُلُّهُمُ الْمُؤْمِنُ بِهِ وَالْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ يُقِرُّونَ عَلَى هَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ الْقَمَرَ لَمْ يَنْشَقَّ وَلَا أَنْكَرَهُ أَحَدٌ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁: سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَا يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ، فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] وَ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] .
وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ انْشَقَّ لَأَسْرَعَ النَّاسُ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ إِلَى تَكْذِيبِ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أَعْدَائِهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي أَعْظَمِ مَجَامِعِهِمْ.
وَأَيْضًا فَمَعْلُومٌ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ مِنْ أَحْرَصِ الْخَلْقِ عَلَى تَصْدِيقِ النَّاسِ لَهُ وَاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَخْبَرَ النَّاسَ بِسِيَاسَةِ الْخَلْقِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَمَرُ انْشَقَّ لَمَا كَانَ يُخْبِرُ بِهَذَا، وَيَقْرَأُهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ وَيَسْتَدِلُّ بِهِ، وَيَجْعَلُهُ آيَةً لَهُ، فَإِنَّ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَقَلِّ النَّاسِ خِبْرَةً بِالسِّيَاسَةِ لَا يَتَعَمَّدُ إِلَى مَا يَعْلَمُ جَمِيعُ النَّاسِ أَنَّهُ كَاذِبٌ بِهِ فَيَجْعَلُهُ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ، وَيَقْرَأُهُ عَلَى النَّاسِ فِي أَعْظَمِ الْمَجَامِيعِ.
[ ١ / ٤١٩ ]
وَقَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَلَمْ يَقُلْ قَامَتِ السَّاعَةُ، وَلَا سَتَقُومُ، بَلْ قَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ [القمر: ١] أَيْ دَنَتْ وَقَرُبَتْ، وَ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى إِمْكَانِ انْحِرَاقِ الْفَلَكِ الَّذِي هُوَ قِيَامُ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ قَرَنَ بَيْنَ خَبَرِهِ بِاقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَخَبَرِهِ بِانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، فَإِنَّ مَبْعَثَ مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى قُرْبِهَا، كَمَا قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] .
وَعِلْمُ السَّاعَةِ أَخْفَاهَا اللَّهُ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، كَمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ عَنِ
[ ١ / ٤٢٠ ]
الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ، أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: إِنَّهَا لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ وَلَا الِابْنُ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا الْأَبُ وَحْدَهُ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا. قَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا - قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
أَيْ: خَفِيَتْ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
وَفِي الصَّحِيحِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ»، فَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ كَانَ آيَةً
[ ١ / ٤٢١ ]
عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ، وَعَلَى مَجِيءِ السَّاعَةِ وَإِمْكَانِ انْشِقَاقِ الْفَلَكِ ; فَإِنَّ الْمُنْكِرِينَ لِقِيَامِ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَانْشِقَاقِ السَّمَاوَاتِ وَانْفِطَارِهَا سَوَاءٌ أَقَرُّوا بِالْقِيَامَةِ الصُّغْرَى، وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَنْعَمُ أَوْ تُعَذَّبُ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ اللَّاإِلَهِيِّينَ، أَوْ أَنْكَرُوا الْمَعَادَ مُطْلَقًا، كَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْفَلَاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ، وَغَيْرُهُمْ يُنْكِرُونَ انْشِقَاقَ السَّمَاوَاتِ
[ ١ / ٤٢٢ ]
وَيَزْعُمُ هَؤُلَاءِ الدَّهْرِيَّةُ أَنَّ الْأَفْلَاكَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الِانْشِقَاقُ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ وَزَعَمُوا أَنَّ الِانْشِقَاقَ يَقْتَضِي حَرَكَةً مُسْتَقِيمَةً وَهِيَ مُمْتَنِعَةٌ بِزَعْمِهِمْ فِي الْفَلَكِ الْمُحَدَّدِ إِذْ لَا خَلَاءَ وَرَاءَهُ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا لَوْ دَلَّ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَلَكِ الْأَطْلَسِ لَا فِيمَا دُونَهُ، فَكَيْفَ وَهُوَ بَاطِلٌ؟ فَإِنَّ الْحَرَكَةَ الْمُسْتَقِيمَةَ هُنَاكَ بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ الْأَفْلَاكِ ابْتِدَاءً فِي هَذِهِ الْأَحْيَازِ الَّتِي هِيَ فِيهَا - سَوَاءٌ سُمِّيَ خَلَاءً أَوْ لَمْ يُسَمَّ - كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِانْشِقَاقِ الْقَمَرِ مَعَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إِمْكَانِ انْشِقَاقِ الْأَفْلَاكِ، وَانْفِطَارِهَا الَّذِي هُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، وَهُوَ آيَةٌ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى، كَمَا فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهَا الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى، وَفِي آخِرِهَا الْقِيَامَةَ الصُّغْرَى، وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي سُوَرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ سُورَةِ ق، وَسُورَةِ الْقِيَامَةِ، وَسُورَةِ التَّكَاثُرِ، وَسُورَةِ الْفَجْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدِ اسْتَفَاضَتِ الْأَحَادِيثُ بِانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا، وَفِي لَفْظٍ وَنَحْنُ مَعَهُ بِمِنًى، فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ كَانَ سَحَرَ الْقَمَرَ فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ مِنْ سِحْرِهِ أَنْ يَسْحَرَ الْأَرْضَ كُلَّهَا، فَاسْأَلُوا مَنْ يَأْتِيكُمْ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، هَلْ رَأَوْا هَذَا؟ فَأَتَوْا فَسَأَلُوهُمْ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْلَ ذَلِكَ.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ فِرْقَتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءَ بَيْنَهُمَا فَنَزَلَتِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١] .
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَيْضًا مَعْرُوفٌ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَالرِّوَايَاتُ فِي الصَّحِيحِ بِانْشِقَاقِ الْقَمَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ﵃.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وَلَمَّا زَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ أَلَّفَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣] .
ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤] .
ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٣] .
وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٨] .
فَعَجَزَ جَمِيعُ الْخَلْقِ أَنْ يُعَارِضُوا مَا جَاءَ بِهِ ثُمَّ سَجَّلَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْعَجْزَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ:
[ ١ / ٤٢٦ ]
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فَأَخْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنَّ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ إِذَا اجْتَمَعُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ بِمِثْلِهِ، فَعَجَّزَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَمَعَارِفُهُ وَعُلُومُهُ أَكْمَلَ مُعْجِزَةٍ وَأَعْظَمَ شَأْنًا، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مَعَ قُوَّةِ عَدَاوَتِهِمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى إِبْطَالِ أَمْرِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَقُدْرَتِهِمْ عَلَى أَنْوَاعِ الْكَلَامِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ إِذْ ذَاكَ آيَاتٍ بَيَّنَ فِيهَا أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَى غَيْرِهِمْ. فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ - وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ - وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٣ - ٤٧] .
[ ١ / ٤٢٧ ]
وَقَالَ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] .
وَقَالَ فِي سُورَةِ يس: ﴿يس - وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ - إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ - عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ - لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ١ - ٦] .
ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ نِعْمَتَهُ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَحُجَّتَهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِهِ، وَذَكَرَ بَعْضَ حِكْمَتِهِ فِي إِرْسَالِهِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إِلَّا لِهَذَا، بَلْ مِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ.
[ ١ / ٤٢٨ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي هَذِهِ الدَّوَابِّ مَنَافِعَ غَيْرَ الرُّكُوبِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [غافر: ١٥] .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ; لِيُنْذِرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونُوا نَزَلُوا بِالْبِشَارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالشَّرَائِعِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .
فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ ; لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ قُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ، وَمَعَ هَذَا فَفِي خَلْقِ ذَلِكَ لَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ أُمُورٌ أُخْرَى غَيْرَ عِلْمِ الْعِبَادِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي جَعْلِ الْكَعْبَةِ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ حِكَمًا وَمَنَافِعَ أُخْرَى.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي مُلْكِ اللَّهِ حِكَمًا أُخْرَى غَيْرَ جَزَاءِ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ سَعَادَةَ مَنْ آمَنَ بِهِمْ، وَغَيْرُهَا حِكَمٌ أُخْرَى غَيْرُ دَفْعِ حُجَّةِ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي تَسْخِيرِهَا حِكَمًا وَمَنَافِعَ غَيْرَ التَّكْبِيرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
[ ١ / ٤٣٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ لِلَّهِ حِكَمًا فِي خَلْقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، غَيْرَ انْتِفَاعِ بَنِي آدَمَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] .
وَفِيهَا حِكَمٌ أُخْرَى.
وَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
وَفِي إِنْزَالِ الْكِتَابِ مِنْ هُدَى مَنِ اهْتَدَى بِهِ وَاتِّعَاظِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَقَاصِدُ غَيْرُ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩] .
[ ١ / ٤٣١ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي مَبْعَثِ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَاصِدَ غَيْرَ بَيَانِ الْمُخْتَلِفِ فِي عِلْمِ هَؤُلَاءِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِمُجَرَّدِ الْإِنْذَارِ، بَلْ وَلِيُبَشِّرَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَلِأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَحْلِيلِ الطَّيِّبَاتِ، وَتَحْرِيمِ الْخَبَائِثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] . لَا يُنَافِي كَوْنَهُ لَمْ يَصِفْهُمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَّا بِالْإِنْذَارِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا - قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا - مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا - وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا - مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ١ - ٥] .
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ مَرَّةً صَلَّوْا صَلَاةَ الْعِيدِ بِحَضْرَةِ حِصَارِ النَّصَارَى فَقَامَ خَطِيبُهُمْ فَخَطَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَمَّا قَرَأَ قَوْلَهُ:
[ ١ / ٤٣٢ ]
﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الإسراء: ٩] أَشَارَ إِلَى جُنْدِ الْإِيمَانِ.
وَلَمَّا قَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤] أَشَارَ إِلَى جُنْدِ الصُّلْبَانِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وَفِي إِنْزَالِ الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ حِكَمٌ أُخْرَى مِنَ الْبِشَارَةِ وَالْإِنْذَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] .
وَفِي بَعْثِهِمْ حِكَمٌ أُخْرَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا - لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٧ - ٢٨] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي ذَلِكَ مَقَاصِدَ أُخْرَى مِنْ هِدَايَةِ الْخَلْقِ، وَقِيَامِ
[ ١ / ٤٣٣ ]
الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ بَلَغَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] .
وَفِيهِ حِكَمٌ أُخْرَى مِنْ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ وَضَلَالِ مَنْ ضَلَّ بِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي ذَلِكَ مَقَاصِدَ أُخْرَى مِنَ الْبِشَارَةِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي جَزَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاصِدَ أُخْرَى غَيْرَ عِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا مَعَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيهِ حِكَمًا أُخْرَى مِثْلَ تَبْشِيرِ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنْذَارِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْعَرَبِ.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ - لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيهِ حِكْمَةً أُخْرَى غَيْرَ الْإِنْذَارِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيهِ حِكْمَةً أُخْرَى مِنْ إِنْذَارِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَبْشِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا - لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٧ - ٨] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي أَخْذِ الْمِيثَاقِ حِكَمًا أُخْرَى.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢] .
[ ١ / ٤٣٥ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] .
وَقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] .
وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ حِكَمٌ أُخْرَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] .
وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَامَ الْعَاقِبَةِ، فَلَيْسَتِ الْعَاقِبَةُ مُنْحَصِرَةً فِي ذَلِكَ، بَلْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى مُوسَى وَتَرْبِيَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حِكَمٌ أُخْرَى، وَمِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] .
[ ١ / ٤٣٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] .
وَفِي إِرْسَالِهِ حِكَمٌ أُخْرَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] .
وَفِي إِنْزَالِهِ تَبْشِيرٌ وَإِنْذَارٌ وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] .
وَفِيهِ حِكَمٌ أُخْرَى كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] .
وَقَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢] .
[ ١ / ٤٣٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١١٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وَفِي كَوْنِهِمْ وَسَطًا حِكَمٌ أُخْرَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
وَفِيهِمَا حِكَمٌ أُخْرَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
وَفِي ذَلِكَ حِكَمٌ أُخْرَى مِنَ الْبِشَارَةِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] .
وَفِي ذَلِكَ حِكَمٌ أُخْرَى، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ ﷿ وَغَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ إِذَا ذَكَرَ حِكْمَةً لِلْفِعْلِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ حِكْمَةٌ أُخْرَى، لَكِنْ لَا بُدَّ لِتَخْصِيصِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ بِالذِّكْرِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ مُنَاسَبَتِهِ، وَهَذَا كَالْمُنَاسَبَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] .
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا أَوَّلَ الْمُنْذَرِينَ، وَأَحَقَّهُمْ بِالْإِنْذَارِ، فَكَانَ فِي تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ لَا أَنَّهُ خَصَّهُمْ لِانْتِفَاءِ إِنْذَارِ مَنْ سِوَاهُمْ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ لِيَكُونَ بَشِيرًا، وَلِيَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلَّ الطَّيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمَ الْخَبَائِثَ، وَيَضَعَ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ ﷺ.
[ ١ / ٤٣٩ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ احْتِجَاجِهِمْ بِبَعْضِ الْآيَاتِ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الرِّسَالَةِ]
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة: ١٥١] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٤] .
فَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
وَهَذَا فِي عُمُومِهِ نِزَاعٌ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَيَكُونَ الْمُرَادُ إِنَّا بَعَثْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا مِنَ الْبَشَرِ، إِذْ كُنْتُمْ لَا تُطِيقُونَ أَنْ تَأْخُذُوا عَنْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا بَشَرِيًّا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ - وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩] .
[ ١ / ٤٤٠ ]
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْعَرَبِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِنَّ مَا تَضَمَّنَ ذِكْرَ إِنْعَامِهِ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ بِإِرْسَالِهِ رَسُولًا مِنْ جِنْسِهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إِلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ خِطَابًا لِلْإِنْسِ كُلِّهِمْ، فَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ إِلَى الْجِنِّ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِمْ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ إِذَا كَانَ خِطَابًا لِلْعَرَبِ بِمَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ؟ أَنْ يَكُونَ قَدِ امْتَنَّ عَلَى غَيْرِهِمْ بِذَلِكَ، فَالْعَجَمُ أَقْرَبُ إِلَى الْعَرَبِ مِنَ الْجِنِّ إِلَى الْإِنْسِ، وَقَدْ أَخْبَرَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْجِنَّ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ آمَنُوا بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ - قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ - يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] .
[ ١ / ٤٤١ ]
وَقَالَ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا - وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا - وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا - وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا - وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا - وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا - وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا - وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا - وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا - وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا - وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا - وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا - وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا - وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا - وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا - لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا - وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا - وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا - قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا - قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا - إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا - حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا - قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا - عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا - لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢٨] .
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] .
وَقَوْمُهُ قُرَيْشٌ، وَلَا يَمْنَعُ أَنَّهُ ذِكْرٌ لِسَائِرِ الْعَرَبِ بَلْ لِسَائِرِ النَّاسِ،
[ ١ / ٤٤٢ ]
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ - وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ - إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ - وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٦ - ٨٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ - وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ - وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ - وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ - فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ - إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] .
وَهَذَا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أَنَّهُ ذِكْرٌ لَهُمْ يَذْكُرُونَهُ فَيَهْتَدُونَ بِهِ.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وَقِيلَ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُمْ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ شَرَفٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ وَلَيْسَ شَرَفًا لِجَمِيعِ قَوْمِهِ، بَلْ مَنْ كَذَّبَ بِهِ مِنْهُمْ كَانَ أَحَقَّ بِالذَّمِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] .
بِخِلَافِ كَوْنِهِ تَذْكِرَةً وَذِكْرَى ; فَإِنَّهُ تَذْكِرَةٌ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
فَعَمَّ الْعَالَمِينَ جَمِيعَهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] .
[ ١ / ٤٤٤ ]
إن أقروا برسالته إلى العرب
[فَصْلٌ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ] [إِنْ أَقَرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ]
هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: هُوَ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِدَعْوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبِدَعْوَةِ الْجِنِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَإِذَا سَلَّمُوا أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ وَلَكِنْ كَذَّبُوهُ فِي ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يُقِرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ، أَوْ لَا يُقِرُّوا.
فَإِنْ أَقَرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولٌ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، لَمْ يُمْكِنْ مَعَ ذَلِكَ تَكْذِيبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ يَجِبُ الْإِقْرَارُ بِرِسَالَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ وَأَصْدَقِهِمْ، أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ وَأَكْذَبِهِمْ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَإِنْ كَانَ
[ ١ / ٤٤٥ ]
كَاذِبًا فَهُوَ مِنْ شَرِّهِمْ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلَهُ - وَلَوْ إِلَى قَرْيَةٍ كَمَا أَرْسَلَ يُونُسَ بْنَ مَتَّى إِلَى أَهْلِ نِينَوَى - كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ، وَكَانَ صَادِقًا لَا يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا يَقُولُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَلَوْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَكَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، لَمْ يَكُنْ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ الصَّادِقِينَ، فَإِنَّ الْكَاذِبَ لَا يَكْذِبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ فِي الْبَعْضِ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَكَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْكَاذِبِينَ فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ لَا مِنَ الصَّادِقِينَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَقْصُودَ الرِّسَالَةِ تَبْلِيغُ رِسَالَاتِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا خُلِطَ الْكَذِبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ.
وَأَيْضًا فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَذَبَ فِي بَعْضِهَا لَمْ يَتَمَيَّزْ مَا صَدَقَ فِيهِ مِمَّا كَذَبَ فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ رِسَالَتِهِ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِرِسَالَتِهِ.
وَلِهَذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْمِلَلِ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ ﵎ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُقِرُّ كَاذِبًا عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] .
[ ١ / ٤٤٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤] .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، لَيْسَ دَاخِلًا فِي جَوَابِ الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، لَقَالَ وَيُحِقِّ الْحَقَّ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] .
فَلَمَّا قَالَ ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] بِالضَّمِّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أَخْبَرَ فِيهَا أَنَّهُ تَعَالَى يَمْحُو الْبَاطِلَ كَبَاطِلِ الْكَاذِبِينَ عَلَيْهِ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ كَحَقِّ الصَّادِقِينَ عَلَيْهِ، فَمَحْوُ الْبَاطِلِ نَظِيرُ إِحْقَاقِ الْحَقِّ، لَيْسَ مِمَّا عُلِّقَ بِالْمَشِيئَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْخَتْمِ عَلَى قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَشِيئَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ مَحْوُ الْبَاطِلِ كَتَعْلِيقِ الْخَتْمِ، بَلْ يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى فِي صِيَانَتِهِ وَإِحْكَامِهِ لِمَا تُبَلِّغُهُ رُسُلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ - وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤] .
وَأَيْضًا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ، وَقَدْ دَعَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَكَفَّرَهُمْ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَجَاهَدَهُمْ، وَقَتَلَ مُقَاتِلَهُمْ، وَسَبَى ذُرِّيَّاتِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَظْلَمِ النَّاسِ، وَمَنْ كَانَ نَبِيًّا قَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا وَهَذَا.
فَالْإِقْرَارُ بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ - مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ عُمُومِ دَعْوَتِهِ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ - قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَسُولٌ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ رِسَالَتَهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَكُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ رَسُولٌ لَزِمَهُ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْسَلَ رَسُولًا يَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِاتِّبَاعِي، وَأَمَرَنِي
[ ١ / ٤٤٨ ]
بِجِهَادِكُمْ إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي الرِّسَالَةِ وَإِلَّا فَلَا، فَالرَّسُولُ الْكَاذِبُ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيقَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ.
[ ١ / ٤٤٩ ]
[فَصْلٌ: إِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ]
وَإِمَّا أَنْ لَا يُقِرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ وَلَا غَيْرِهِمْ بَلْ قَالُوا فِيهِ مَا كَانَ يَقُولُهُ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مِنْ أَنَّهُ شَاعِرٌ أَوْ سَاحِرٌ أَوْ مُفْتَرٍ كَاذِبٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيُقَالُ: لَهُمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَدَلِيلُكُمْ أَيْضًا بَاطِلٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَحْتَجُّوا بِتَقْدِيرِ تَكْذِيبِكُمْ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ سَوَاءً صَدَّقْتُمْ مُحَمَّدًا - ﷺ - فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ: أَوْ فِي بَعْضِهِ أَوْ كَذَّبْتُمُوهُ فَدَلِيلُكُمْ بَاطِلٌ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ دِينِكُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَمَا ثَبَتَ بُطْلَانُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ أَنَّكُمْ إِذَا كَذَّبْتُمْ مُحَمَّدًا لَمْ يَبْقَ لَكُمْ طَرِيقٌ تَعْلَمُونَ بِهِ صِدْقَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَيَمْتَنِعُ مَعَ تَكْذِيبِهِ الْقَوْلُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ بَلْ مَنِ اعْتَقَدَ كَذِبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصِدْقِ غَيْرِهِ بَلْ يَكُونُ مُصَدِّقًا لَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصِدْقِهِمْ لَمْ يَجُزِ احْتِجَاجُهُ قَطُّ بِأَقْوَالِهِمْ بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْهُ بِلَا عِلْمٍ وَمُحَاجَّةٍ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا، فَإِنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ مُوسَى وَعِيسَى وَمُعْجِزَاتِهِ أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزَاتِ غَيْرِهِ وَالْكِتَابَ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ أَشْرَفُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ غَيْرُهُ وَالشَّرِيعَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا
[ ٢ / ٥ ]
أَكْمَلُ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى وَعِيسَى - ﵉ - وَأُمَّتَهُ أَكْمَلُ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ مِنْ أُمَّةِ هَذَا وَهَذَا وَلَا يُوجَدُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عِلْمٌ نَافِعٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ إِلَّا وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ مِنْهُ وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَمَا مِنْ مَطْعَنٍ مِنْ مَطَاعِنِ أَعْدَاءِ الْأَنْبِيَاءِ يُطْعَنُ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ الطَّعْنِ وَأَعْظَمَ مِنْهُ عَلَى مُوسَى وَعِيسَى.
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ نَبْسُطْهَا هُنَا ; لِأَنَّ جَوَابَ كَلَامِهِمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى - ﵉ - مَعَ التَّكْذِيبِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ أَوْ مِنْ أَعْظَمِهِمْ عِنَادًا وَاتِّبَاعًا لِهَوَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ احْتَجُّوا بِمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِهِمْ بَلْ أَخَذُوا ذَلِكَ مُسَلَّمًا وَطَلَبُوا أَنْ يَحْتَجُّوا بِمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَبِمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ
[ ٢ / ٦ ]
وَهَذِهِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ سَوَاءً صَدَّقُوهُ أَوْ كَذَّبُوهُ، فَإِنْ صَدَّقُوهُ بَطَلَ دِينُهُمْ وَإِنْ كَذَّبُوهُ بَطَلَ دِينُهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ صَدَّقُوهُ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ وَجَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ كَمَا دَعَا الْمَسِيحُ وَمُوسَى وَغَيْرُهُمَا مِنَ الرُّسُلِ وَأَنَّهُ أَبْطَلَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّحَادِ وَغَيْرِهِ وَكَفَّرَهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَلِهَذَا كَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَوْ إِلَى الْعَرَبِ يُوجِبُ بُطْلَانَ دِينِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَكُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَهُ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا لِلَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - قَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ دَعَا النَّصَارَى وَالْيَهُودَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ كَمَا دَعَا غَيْرَهُمْ وَأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَوَعَدَهُ النَّارَ وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ تَوَاتُرًا تَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكْثُرُ ذِكْرُهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] (١) ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] (٢) ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] (٣) ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] (٤) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] (٦) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] (٧) ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]
[ ٢ / ٧ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] (١٨) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] (١٩) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] .
وَقَدْ ذُكِرَ كُفْرُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: عَنِ النَّصَارَى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] .
[ ٢ / ٨ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: أَيْضًا ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٧٢) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] (٧٣) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] (٧٤) ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٧٥) ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] (٧٦) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] (١٧١) ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] (١٧٢) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] (١٧٣) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] (١٧٤) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]
[ ٢ / ٩ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣٠) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] (١١٦) ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] .
فَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] .
[ ٢ / ١٠ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وَالنَّصَارَى قَالَتِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فَذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذِهِ الْأَقْوَالَ لَكِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ.
كَمَا ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَالثَّعْلَبِيِّ وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ تَارَةً يَحْكُونَ عَنِ الْيَعْقُوبِيَّةِ أَنَّ عِيسَى هُوَ اللَّهُ
[ ٢ / ١١ ]
وَعَنِ النَّسْطُورِيَّةِ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَعَنِ الْمَرْيُوسِيَّةِ أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَتَارَةً يَحْكُونَ عَنِ النَّسْطُورِيَّةِ أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَعَنِ الْمَلَكِيَّةِ أَنَّهُ اللَّهُ وَيُفَسِّرُونَ قَوْلَهُمْ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ بِالْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ جَمِيعَهَا قَوْلُ طَوَائِفِ النَّصَارَى الْمَشْهُورَةِ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ كُلَّهَا تَقُولُ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ الْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، فَتَقُولُ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَتَقُولُ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ اللَّهُ وَتَقُولُ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ وَأَنَّ الْمُتَّحِدَ هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَقِيدَةِ إِيمَانِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ أَبٍ ضَابِطِ الْكُلِّ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْآبِ
[ ٢ / ١٢ ]
قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ نُورٌ مِنْ نُورٍ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
فَقَدْ فَسَّرُوهُ بِالتَّثْلِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْهُمُ الْمَذْكُورِ فِي أَمَانَتِهِمْ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَقَوْلُهُمْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ هُوَ قَوْلُ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ وَهُمْ قَدْ جَعَلُوا اللَّهَ فِيهَا ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَسَمَّوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ بِالْإِلَهِ وَالرَّبِّ وَقَدْ فَسَّرَهُ طَائِفَةٌ بِجَعْلِهِمْ عِيسَى وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ يُعْبَدَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
قَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ١٣ ]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
قَالَ: قَالَتِ النَّصَارَى إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ وَأُمُّهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وَقَدْ قِيلَ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَبِي صَخْرٍ قَالَ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] قَالَ: هُوَ قَوْلُ الْيَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَوْلُ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَجَعَلُوا اللَّهَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ فِي أَخْبَارِ النَّصَارَى أَنَّ مِنْهُمْ طَائِفَةً يُقَالُ لَهُمُ
[ ٢ / ١٤ ]
الْمَرْيَمِيُّونَ يَقُولُونَ إِنَّ مَرْيَمَ إِلَهٌ وَإِنَّ عِيسَى إِلَهٌ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمُتَوَجَّهٌ، فَإِنَّ النَّصَارَى الْمُتَّفِقِينَ عَلَى الْأَمَانَةِ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّثْلِيثَ وَالِاتِّحَادَ وَنَهَاهُمْ عَنْهُمَا وَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
وَقَالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١] ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]
[ ٢ / ١٥ ]
لَمْ يَذْكُرْ هُنَا أُمَّهُ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] قَالَ: مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ هُوَ قَوْلُهُ: كُنْ فَكَانَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ: قَتَادَةُ لَيْسَ الْكَلِمَةَ صَارَ عِيسَى، وَلَكِنْ بِالْكَلِمَةِ صَارَ عِيسَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُصَنَّفِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي كِتَابِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَذَكَرَهُ عَنْهُ الْخَلَّالُ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى قَالَ: أَحْمَدُ
[ ٢ / ١٦ ]
ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمَ ادَّعَى أَمْرًا فَقَالَ: إِنَّا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ قُلْنَا: أَيَّ آيَةٍ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] فَقُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ مَنَعَكُمُ الْفَهْمَ فِي الْقُرْآنِ عِيسَى - ﵇ - تَجْرِي عَلَيْهِ أَلْفَاظٌ لَا تَجْرِي عَلَى الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ عِيسَى يَجْرِي عَلَيْهِ نَسَمَةٌ وَمَوْلُودٌ وَطِفْلٌ وَصَبِيٌّ وَغُلَامٌ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَهُوَ يُخَاطَبُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَجْرِي عَلَيْهِ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَلَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَقُولَ فِي الْقُرْآنِ مَا نَقُولُ فِي عِيسَى هَلْ سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ مَا قَالَ عِيسَى؟ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ حِينَ قَالَ: لَهُ كُنْ فَكَانَ عِيسَى بِـ كُنْ وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكُنْ، وَلَكِنْ بِالْكُنْ كَانَ فَالْكُنْ مِنَ اللَّهِ قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْكُنْ مَخْلُوقًا وَكَذَبَتِ النَّصَارَى وَالْجَهْمِيَّةُ عَلَى اللَّهِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَذَلِكَ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا: عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ مَخْلُوقَةٌ.
[ ٢ / ١٧ ]
وَقَالَتِ النَّصَارَى رُوحُ اللَّهِ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ الْخِرْقَةُ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ وَقُلْنَا نَحْنُ إِنَّ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكَلِمَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ وَأَمَّا قَوْلُهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يَقُولُ مِنْ أَمْرِهِ كَانَ الرُّوحُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] يَقُولُ مِنْ أَمْرِهِ، وَتَفْسِيرُ رُوحِ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّهَا رُوحٌ بِكَلِمَةِ اللَّهِ خَلَقَهُمُ اللَّهُ كَمَا يُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ وَسَمَاءُ اللَّهِ، وَفِي نُسْخَةٍ رُوحٌ يَمْلِكُهَا اللَّهُ خَلَقَهَا اللَّهُ.
وَقَالَ: الشَّعْبِيُّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ١٨ ]
﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] الْكَلِمَةُ حِينَ قَالَ: لَهُ كُنْ فَكَانَ عِيسَى بِـ " كُنْ " وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكُنْ، وَلَكِنْ بِالْكُنْ كَانَ.
وَقَالَ: لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ رُوحٌ مِنْهُ قَالَ: رَسُولٌ مِنْهُ يُرِيدُ مُجَاهِدٌ قَوْلَهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩]
[ ٢ / ١٩ ]
وَالْمَعْنَى أَنَّ عِيسَى خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ وَهُوَ جِبْرِيلُ رُوحُ الْقُدُسِ سُمِّيَ رُوحًا كَمَا سُمِّيَ كَلِمَةً ; لِأَنَّهُ خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي أَمَانَتِهِمْ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَكِنْ ظَنُّوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ وَجَعَلُوهَا حَيَاتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَهُوَ رَبٌّ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَيَاةَ اللَّهِ وَلَا قُدْرَتَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ رُوحَ الْقُدُسِ، بَلْ رُوحُ الْقُدُسِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - يُرَادُ بِهَا مَا يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ كَالْوَحْيِ وَالْهُدَى وَالتَّأْيِيدِ وَيُرَادُ بِهَا الْمَلَكُ وَهَكَذَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اسْتَقْبَلَ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: قَدْ جَاءَ السَّاحِرُ ابْنُ السَّاحِرَةِ وَالْفَاعِلُ ابْنُ الْفَاعِلَةِ فَقَذَفُوهُ وَأُمَّهُ فَلَمَّا سَمِعَ عِيسَى ذَلِكَ
[ ٢ / ٢٠ ]
قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا مِنْ رُوحِكَ خَرَجْتُ وَبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي وَلَمْ آتِهِمْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] فَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُمْ سَوَاءٌ صَدَّقُوا مُحَمَّدًا أَوْ كَذَّبُوهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بُطْلَانُ دِينِهِمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا صَادِقًا فَقَدْ بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ
[ ٢ / ٢١ ]
فِي هَذَا الْكِتَابِ كُفْرَ النَّصَارَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَلَوْ إِلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَقَدْ أَخْبَرَ بِكُفْرِ النَّصَارَى وَضَلَالِهِمْ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمَعْقُولِ، بَلْ يُعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَسَادُ حُجَجِهِمْ عَلَى التَّفْصِيلِ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَقُولُونَ إِلَّا حَقًّا كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - لَمَّا حَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنَ الْيَهُودِ كَانَ كُلُّ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْيَهُودُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بَاطِلًا فَكُلُّ مَا عَارَضَ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَعْصُومِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا تَكْذِيبًا عَامًّا مُطْلَقًا وَقَالُوا لَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ أَصْلًا وَلَا أُرْسِلَ إِلَى أَحَدٍ لَا إِلَى الْعَرَبِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِمْ بَلْ كَانَ كَذَّابًا امْتَنَعَ مَعَ هَذَا أَنْ يُصَدِّقُوا بِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ نُبُوَّةُ مُوسَى وَعِيسَى يُعْلَمُ بِهِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِذَا قَالُوا: عُلِمَتْ نُبُوَّةُ مُوسَى وَالْمَسِيحِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَعُرِفَتِ الْمُعْجِزَاتُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ إِلَيْنَا قِيلَ لَهُمْ مُعْجِزَاتُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَعْظَمُ وَتَوَاتُرُهَا أَبْلَغُ وَالْكِتَابُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - أَكْمَلُ وَأُمَّتُهُ أَفْضَلُ وَشَرَائِعُ دِينِهِ أَحْسَنُ وَمُوسَى جَاءَ بِالْعَدْلِ وَعِيسَى جَاءَ بِتَكْمِيلِهَا بِالْفَضْلِ وَهُوَ
[ ٢ / ٢٢ ]
- ﷺ - قَدْ جَمَعَ فِي شَرِيعَتِهِ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ.
فَإِنْ سَاغَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هُوَ مَعَ هَذَا كَاذِبٌ مُفْتَرٍ كَانَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْبَاطِلِ غَيْرُهُ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِيهِ ذَلِكَ. فَيَبْطُلُ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا - ﷺ جَمِيعُ مَا مَعَهُمْ مِنَ النُّبُوَّاتِ إِذْ حُكْمُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ حُكْمُ مِثْلِهِ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ؟ فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ هَارُونَ وَيُوشَعَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَمُوسَى لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا أَوْ أَنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَيُوشَعَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَالْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. أَوْ قَالَ مَا تَقُولُهُ السَّامِرَةُ: أَنَّ يُوشَعَ كَانَ نَبِيًّا وَمَنْ بَعْدَهُ كَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَالْمَسِيحَ لَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ. أَوْ قَالَ مَا يَقُولُهُ الْيَهُودُ: إِنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ
[ ٢ / ٢٣ ]
وَأَشْعِيَا وَحَبْقُوقَ وَمَلِيخَا وَعَامُوصَ وَدَانْيَالَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ
[ ٢ / ٢٤ ]
وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا كَانَ هَذَا قَوْلًا مُتَنَاقِضًا مَعْلُومَ الْبُطْلَانِ، فَإِنَّ الَّذِينَ نَفَى هَؤُلَاءِ عَنْهُمُ النُّبُوَّةَ أَحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ وَأَكْمَلُ نُبُوَّةً مِمَّنْ أَثْبَتُوهَا لَهُ وَدَلَائِلُ نُبُوَّةِ الْأَكْمَلِ أَفْضَلُ فَكَيْفَ يَجُوزُ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ لِلنَّبِيِّ الْمَفْضُولِ دُونَ الْفَاضِلِ وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ أَنَّ زُفَرَ وَابْنَ الْقَاسِمِ وَالْمُزَنِيَّ
[ ٢ / ٢٥ ]
وَالْأَثْرَمَ كَانُوا فُقَهَاءَ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ لَمْ يَكُونُوا فُقَهَاءَ أَوْ قَالَ: إِنَّ الْأَخْفَشَ وَابْنَ الْأَنْبَارِيِّ وَالْمُبَرِّدَ كَانُوا نُحَاةً
[ ٢ / ٢٦ ]
وَالْخَلِيلَ وَسِيبَوَيْهِ وَالْفَرَّاءَ لَمْ يَكُونُوا نُحَاةً أَوْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَلَكِيِّ وَالْمُسَبَّحِيِّ وَنَحْوَهُمَا مِنْ كُتُبِ الطِّبِّ كَانُوا أَطِبَّاءً وَبُقْرَاطَ
[ ٢ / ٢٧ ]
وَجَالِينُوسَ وَنَحْوَهُمَا لَمْ يَكُونُوا أَطِبَّاءً أَوْ قَالَ: إِنَّ كُوشْيَارَ وَالْخِرَقِيَّ وَنَحْوَهُمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ عِلْمَ الْهَيْئَةِ وَبَطْلَيْمُوسَ وَنَحْوَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِالْهَيْئَةِ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَمَلِيخَا وَعَامُوصَ وَدَانْيَالَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فَتَنَاقُضُهُ أَظْهَرُ وَفَسَادُ قَوْلِهِ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا جَمِيعِهِ بَلْ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مُوسَى وَعِيسَى رَسُولَانِ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كِتَابَانِ مُنَزَّلَانِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ وَالْقُرْآنُ
[ ٢ / ٢٨ ]
لَمْ يَنْزِلْ مِنَ اللَّهِ فَبُطْلَانُ قَوْلِهِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ وَالْبَيَانِ لِمَنْ تَدَبَّرَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ، وَتَدَبَّرَ كِتَابَهُ وَالْكُتُبَ الَّتِي قَبْلَهُ وَآيَاتِ نُبُوَّتِهِ وَآيَاتِ نُبُوَّةِ هَؤُلَاءِ وَشَرَائِعَ دِينِهِ وَشَرَائِعَ دِينِ هَؤُلَاءِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُفَصَّلَةٌ مَشْرُوحَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى مَجَامِعِ جَوَابِهِمْ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لَمْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَنِ احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَوْ نَاظَرَهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَلَاحِدَةِ لَمْ يَكُنْ فِيمَا ذَكَرُوهُ حُجَّةٌ لَهُمْ وَلَا حُجَّةٌ لَهُمْ أَيْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا عَرَفُوا صِدْقَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ بِإِخْبَارِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُصَدِّقُوا بِالْفَرْعِ مَعَ الْقَدْحِ فِي الْأَصْلِ الَّذِي بِهِ عَلِمُوا صِدْقَهُمْ.
وَأَيْضًا فَالطَّرِيقُ الَّذِي بِهِ عُلِمَتْ نُبُوَّةُ هَؤُلَاءِ بِمَا ثَبَتَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ، فَكَذَلِكَ تُعْلَمُ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ بِمَا ثَبَتَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَأَخْبَارِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُصَدِّقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِنُبُوَّةِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَعَ تَكْذِيبِهِ لِمُحَمَّدٍ فِي كَلِمَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ.
[ ٢ / ٢٩ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُبَشَّرْ بِهِ]
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى إِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ فِي النُّبُوَّاتِ عَلَى بِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ فَيَقُولُونَ: الْمَسِيحُ - ﵇ - بَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ بِخِلَافِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّهُ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ نَبِيٌّ وَجَوَابُ هَؤُلَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ: بَلِ الْبِشَارَةُ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَعْظَمُ مِنَ الْبِشَارَةِ بِالْمَسِيحِ وَكَمَا أَنَّ الْيَهُودَ يَتَأَوَّلُونَ الْبِشَارَةَ بِالْمَسِيحِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ بَلْ هُوَ آخَرُ يَنْتَظِرُونَهُ وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَتْبَعُهُ الْيَهُودُ وَيَخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مُطَيْلَسٍ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ وَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ حَتَّى يَقُولَ الشَّجَرُ
[ ٢ / ٣٠ ]
وَالْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيَقْتُلُ مَسِيحُ الْهُدَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ الْأَعْوَرَ الدَّجَّالَ عَلَى بِضْعِ عَشْرَةَ خُطْوَةً مِنْ بَابِ لُدٍّ» لِيَتَبَيَّنَ
[ ٢ / ٣١ ]
لِلنَّاسِ أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَكُونُ إِلَهًا، فَيَقْتُلُ مَنِ ادَّعَى فِيهِ أَنَّهُ اللَّهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا ادَّعَى فِيهِ لِمَنِ ادَّعَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ اللَّهُ وَهُوَ دَجَّالٌ كَذَّابٌ، فَهَكَذَا الْبِشَارَاتُ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ يَتَأَوَّلُهَا بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّ بَسْطَ الْكَلَامِ فِي ذِكْرِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ النَّبِيِّ أَنْ يُبَشِّرَ بِهِ مَنْ تَقَدَّمَهُ كَمَا أَنَّ مُوسَى كَانَ رَسُولًا إِلَى فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِفِرْعَوْنَ بِهِ بِشَارَةٌ وَكَذَلِكَ الْخَلِيلُ - ﵇ - أُرْسِلَ إِلَى نُمْرُودَ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ بِشَارَةُ نَبِيٍّ إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَلُوطٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ هَؤُلَاءِ بِشَارَةٌ إِلَى قَوْمِهِمْ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَنْبِيَاءَ صَادِقِينَ، فَإِنَّ دَلَائِلَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ لَا تَنْحَصِرُ فِي أَخْبَارِ مَنْ تَقَدَّمَهُ بَلْ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ مِنْهَا الْمُعْجِزَاتُ وَمِنْهَا غَيْرُ الْمُعْجِزَاتِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى إِنَّمَا مُسْتَنَدُ دِينِهِمْ فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ السَّمْعُ وَهُوَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ جَاءَتْ بِذَلِكَ لَيْسَ مُسْتَنَدَهُمْ فِيهِ الْعَقْلُ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - يَمْتَنِعُ أَنْ
[ ٢ / ٣٢ ]
تَثْبُتَ نُبُوَّةُ غَيْرِهِ امْتَنَعَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِالسَّمْعِيَّاتِ وَأَمَّا الْعَقْلِيَّاتُ، فَإِنْ تَشَبَّثُوا بِبَعْضِهَا فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ حُجَّتَهُمْ فِيهَا ضَعِيفَةٌ وَأَنَّهَا عَلَى نَقِيضِ مَذْهَبِهِمْ أَدَلُّ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَسَنُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي سَمْعٍ وَلَا عَقْلٍ بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا تَمْثِيلُهُمُ الْكِتَابَ بِالْوَثِيقَةِ الَّتِي كُتِبَ الْوَفَاءُ فِي ظَهْرِهَا فَتَمْثِيلٌ بَاطِلٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْوَفَاءِ إِقْرَارٌ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ وَلَا مُنَاقَضَةَ بَيْنَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ أَوَّلًا وَسُقُوطِهِ آخِرًا بِالْوَفَاءِ بَلْ أَمْكَنَ مَعَ هَذَا دَعْوَاهُ وَأَمَّا مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَرَّ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ مَا أَنْبَأَ بِهِ عَنِ اللَّهِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا يُمْكِنُ اتِّبَاعُ بَعْضِ كِتَابِهِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كَانَ مَعْصُومًا فِي مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَذَّبَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً، وَوَجَبَ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ الْمُفْتَرِينَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِهِمْ وَلَا دِينِ غَيْرِهِمْ بِمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِ عَنِ اللَّهِ، بَلْ وَلَا بِمُجَرَّدِ خَبَرِهِ وَقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ خَبَّرَ عَنِ اللَّهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ كَمُسَيْلِمَةَ الْحَنَفِيِّ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ وَالْحَارِثِ الدِّمَشْقِيِّ وَبَابَا
[ ٢ / ٣٣ ]
الرُّومِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْكَذَّابِينَ.
وَالْوَاحِدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ بَلْ وَالرَّسُولُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُؤَاخَذُ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ فِي غَيْرِ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ خَطَأٌ، فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ وَيَسْتَقِرَّ ذَلِكَ وَيَأْخُذَهُ النَّاسُ عَنْهُ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ اللَّهَ قَالَهُ - وَلَمْ يَقُلْهُ اللَّهُ - كَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِمَقْصُودِ الرِّسَالَةِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولًا لِلَّهِ فِي ذَلِكَ بَلْ كَانَ كَاذِبًا فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ وَإِذَا بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ وَصُدِّقَ فِي ذَلِكَ كَانَ قَدْ صُدِّقَ مَنْ قَالَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا، وَيَمْتَنِعُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُصَدِّقَهُ اللَّهُ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ أَوْ أَنْ يُقِيمَ لَهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَمَنْ قَامَتِ الْبَرَاهِينُ وَالْآيَاتُ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ كَانَ صَادِقًا فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي خَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الْكَذِبِ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
[ ٢ / ٣٤ ]
وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي خَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ خَطَأٌ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْغَلَطِ مَا يَسْتَدْرِكُهُ وَيُبَيِّنُهُ فَلَا يُنَافِي مَقْصُودَ الرِّسَالَةِ كَمَا نُقِلَ مِنْ ذِكْرِ " «تِلْكَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَى، وَأَنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى» " هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلنَّاسِ: مِنْهُمْ مَنْ
[ ٢ / ٣٥ ]
يَمْنَعُ ذَلِكَ أَيْضًا وَطَعَنَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ سَمِعُوا مَا لَمْ يَقُلْهُ فَكَانَ الْخَطَأُ فِي سَمْعِهِمْ وَالشَّيْطَانُ أَلْقَى فِي سَمْعِهِمْ.
وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ قَالَ: إِذَا حَصَلَ الْبَيَانُ وَنُسِخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَحْذُورٌ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ وَدِيَانَتِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ هَوَاهُ وَلَا مُصِرٍّ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ، كَفِعْلِ طَالِبِ الرِّيَاسَةِ الْمُصِرِّ عَلَى خَطَئِهِ.
وَإِذَا كَانَ نَسْخُ مَا جُزِمَ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ لَا مَحْذُورَ فِيهِ، فَنَسْخُ مِثْلِ هَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مَحْذُورٌ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] (٥٢) ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣] (٥٣) ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤]
[ ٢ / ٣٦ ]
وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ وَأَقَامَ الْآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ: لَمْ يَكُنْ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ إِلَّا حَقًّا وَإِلَّا كَانَتِ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِ مَنْ لَيْسَ بِصَادِقٍ، وَبُطْلَانُ مَدْلُولِ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ مُمْتَنِعٌ.
وَالصِّدْقُ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَرَاهِينِهِمْ هُوَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ عَنِ اللَّهِ مُطَابِقًا لِمُخْبِرِهِ لَا يُخَالِفُهُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَنَا لَا أُسَمِّي الْخَطَأَ كَذِبًا أَوْ قَالَ: إِنَّ الْمُخْطِئَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي خَطَئِهِ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا لَا يَنْفَعُ هُنَا، فَإِنَّ الْآيَاتِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ رِسَالَاتِهِ، وَاللَّهُ لَا يُرْسِلُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ لَهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ إِرْسَالُ مَنْ يَتَعَمَّدُ عَلَيْهِ الْكَذِبَ بَلِ الْوَاحِدُ مِنَ النَّاسِ لَا يُرْسِلُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُبَلِّغُ خِلَافَ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ وَأَرْسَلَهُ مَعَ ذَلِكَ، لَكَانَ جَاهِلًا سَفِيهًا لَيْسَ بِعَلِيمٍ حَكِيمٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى أَعْلَمِ الْعَالِمِينَ وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟ .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينَ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ مُصَدِّقُهُ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَكُونَ صَادِقًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُصَدِّقَ اللَّهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَنْ لَا يَصْدُقُ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَإِنَّ تَصْدِيقَ مَنْ لَا يَصْدُقُ كَذِبٌ وَالْكَذِبُ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولًا صَادِقًا فِي
[ ٢ / ٣٧ ]
جَمِيعِ مَا يُبَلِّغُهُ فَيَمْتَنِعُ مَعَ هَذَا تَنَاقُضُ أَخْبَارِهِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا صَادِقَةٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ صَادِقٍ وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ فَلَا يَكُونُ رَسُولًا لِلَّهِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ كَانَ تَمْثِيلُ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِالْمُقِرِّ بِاسْتِيفَاءِ وَثِيقَتِهِ تَمْثِيلًا بَاطِلًا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْوَثِيقَةِ الَّذِي أَقَرَّ بِوَفَائِهَا بَعْدُ، كَانَتْ لَهُ حُجَّةً ثُمَّ اسْتَوْفَاهَا.
وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِمَّا صَادِقٌ وَإِمَّا كَاذِبٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِبَعْضِ كَلَامِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: مَقْصُودِي أُبَيِّنُ أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ، وَأَنَّ نَفْسَ كَلَامِهِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْنَا، وَأَنَّ دِينَنَا حَقٌّ، كَمَا أَنَّ نَفْسَ كَلَامِ الَّذِي كَانَ لَهُ الْحَقُّ هُوَ الْمُقِرُّ بِالْوَفَاءِ، قِيلَ: إِنْ كَانَ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا فَلَيْسَ بِرَسُولٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ بِخِلَافِ الْمُقِرِّ بِالْوَفَاءِ، فَإِنَّ إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْوَفَاءِ، وَإِقْرَارُ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ وَشَهَادَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولَةٌ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا وَفَاسِقًا، بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ وَخَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ.
فَمَنْ شَبَّهَ إِقْرَارَ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى غَايَةِ جَهْلِهِ بِالْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ وَالتَّمْثِيلِ. فَإِنَّ إِقْرَارَ الْمُقِرِّ
[ ٢ / ٣٨ ]
عَلَى نَفْسِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ، لَيْسَ هُوَ مِثْلُ شَهَادَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ، فَكَيْفَ بِمَنْ شَهِدَ عَلَى اللَّهِ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ؟ فَالْمُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ يُمْكِنُ قَبُولُ إِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ قَدْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا لَيْسَ هُوَ خَصْمًا فِيهِ وَلَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ بِمَا ادَّعَاهُ.
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّقَ فِي بَعْضِ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَيُكَذَّبَ فِي بَعْضٍ، بَلْ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ هُوَ رَسُولًا لِلَّهِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِكَلَامِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي نَفْسِهِ صِدْقٌ لَكِنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ بِهِ وَأَوْحَاهُ لَا يَكُونُ صَادِقًا فِيهِ إِذَا كَذَبَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُرْسِلُ كَاذِبًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهُ فِي بَعْضِ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ دُونَ بَعْضٍ بِخِلَافِ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ تَنَاقُضِهِ، كَانَ هَذَا احْتِجَاجًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ فَلَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَنَاقِضٍ.
وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ إِلْزَامَ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَهَذَا بَيَانُ أَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - سَوَاءً صَدَّقُوهُ أَوْ كَذَّبُوهُ.
[ ٢ / ٣٩ ]
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ ثَانِيًا: فِي الْجَوَابِ عَنِ التَّمْثِيلِ بِالْوَثِيقَةِ: إِنَّ الْإِقْرَارَ بِالِاسْتِيفَاءِ يُنَاقِضُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَلَيْسَ فِي إِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى قُرَيْشٍ ثُمَّ إِلَى الْعَرَبِ مَا يُنَاقِضُ إِخْبَارَهُ بِأَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ: أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ.
كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي إِخْبَارِهِ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُخَاطَبَةِ اللَّهِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٨٠] مَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إِلَى الْيَهُودِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِلَى النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَهُوَ لَمْ يَقُلْ قَطُّ: إِنِّي لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ وَلَا قَالَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا بَلْ ثَبَتَ عَنْهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى جَمِيعِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أُرْسِلْتُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لَكَانَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ إِرْسَالِهِ إِلَى الْعَرَبِ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
[ ٢ / ٤٠ ]
وَقَالَ أَيْضًا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: ١١٥] ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ هَذَا حَرَّمَ اللَّهُ أَشْيَاءَ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نَفْيِ تَحْرِيمِهَا فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتِ تَحْرِيمِهَا فِي الزَّمَنِ الثَّانِي مُنَافَاةٌ.
وَلَكِنْ يَظْهَرُ الدَّيْنُ إِذَا أَوْجَبَ شَيْئًا ثُمَّ نَسَخَ إِيجَابَهُ كَمَا نَسَخَ إِيجَابَ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوَى فَفِي مِثْلِ هَذَا يُتَمَسَّكُ بِالنَّصِّ النَّاسِخِ دُونَ الْمَنْسُوخِ كَمَا يُتَمَسَّكُ بِالْإِقْرَارِ بِالْوَفَاءِ النَّاسِخِ لِلْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ.
[ ٢ / ٤١ ]
فصل: إبطال استدلال النصارى على صحة دينهم بما جاء عن الأنبياء السابقين
طرق إثبات نبوة الأنبياء السابقين هي إثبات لنبوة النبي ﷺ
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ اسْتِدْلَالِ النَّصَارَى عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ بِمَا جَاءَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ] [طُرُقُ إِثْبَاتِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ هِيَ إِثْبَاتٌ لِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ]
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجُّوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِلَّا مَعَ التَّصْدِيقِ بِرِسَالَتِهِ وَأَنَّهُ مَعَ التَّكْذِيبِ بِرِسَالَتِهِ لَا يُمْكِنُ الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ وَلَا الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ فَتَكْذِيبُهُمْ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَهُمْ بِغَيْرِهِ فَإِذَا ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ غَيْرِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ دِينِهِمْ فَكَانَ صِحَّةُ دَلِيلِهِمْ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْمَدْلُولِ وَفَسَادُ الْمَدْلُولِ يَسْتَلْزِمُ فَسَادَ الدَّلِيلِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ مَلْزُومٌ لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ وَإِذَا تَحَقَّقَ الْمَلْزُومُ تَحَقَّقَ اللَّازِمُ وَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ فَإِذَا ثَبَتَ الدَّلِيلُ ثَبَتَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ وَإِذَا فَسَدَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ لَزِمَ فَسَادُ الدَّلِيلِ، فَإِنَّ الْبَاطِلَ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ.
فَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَزِمَ بُطْلَانُ دِينِهِمْ وَإِذَا بَطَلَ دِينُهُمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ فَثَبَتَ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِقَوْلِهِ بَاطِلٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
[ ٢ / ٤٢ ]
وَنَحْنُ نَذْكُرُ هُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوِ الرُّسُلِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ وَأَيْضًا، فَإِنَّ الَّذِينَ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِمْ مِثْلَ مُوسَى وَدَاوُدَ وَالْمَسِيحِ وَغَيْرِهِمْ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا عَرَفُوا أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ بِدَلِيلٍ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ كَالِاسْتِدْلَالِ بِآيَاتِهِمْ وَبَرَاهِينِهِمُ الَّتِي تُسَمَّى بِالْمُعْجِزَاتِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدِ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ بِلَا عِلْمٍ وَلَا دَلِيلٍ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا احْتَجُّوا بِذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ نُبُوَّةَ هَؤُلَاءِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِهِمْ.
أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ أَيُّ طَرِيقٍ ثَبَتَتْ بِهَا نُبُوَّةُ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -، فَإِنَّهُ تَثْبُتُ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِمِثْلِهَا وَأَعْظَمِ مِنْهَا وَحِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مَعَ أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى وَدَاوُدَ وَعِيسَى وَغَيْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَزِمَ أَنْ يَكُونُوا قَدْ نَقَضُوا دَلِيلَهُمْ فَجَعَلُوهُ قَائِمًا مَعَ انْتِفَاءِ مَدْلُولِهِ وَإِذَا انْتُقِضَ الدَّلِيلُ بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ إِذَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَدْلُولِ.
فَإِذَا كَانَ تَارَةً يُوجَدُ مَعَ الْمَدْلُولِ وَتَارَةً لَا يُوجَدُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا؛ فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ الْمُعْجِزَاتِ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيٍّ وَقَالَ: الْمُعْجِزَةُ هِيَ الْفِعْلُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ الْمَقْرُونُ بِالتَّحَدِّي السَّالِمِ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
قِيلَ لَهُ: إِنْ كَانَ هَذَا دَلِيلًا فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى
[ ٢ / ٤٣ ]
وَعِيسَى، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا لَمْ يَثْبُتْ مِثْلُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَنَقْلُ مُعْجِزَاتِهِ مُتَوَاتِرٌ أَعْظَمُ مِنْ نَقْلِ مُعْجِزَاتِ عِيسَى وَغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ التَّصْدِيقُ بِآيَاتِهِ مَعَ التَّكْذِيبِ بِآيَاتِ مُحَمَّدٍ - ﷺ.
وَإِنْ قَالُوا: مُعْجِزَاتُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَمْ تَتَوَاتَرْ عِنْدَنَا قِيلَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّوَاتُرِ أَنْ يَتَوَاتَرَ عِنْدَ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ هَذَا كَمَا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمَجُوسُ وَغَيْرُهُمْ لَمْ يَتَوَاتَرْ عِنْدَنَا مُعْجِزَاتُ مُوسَى وَالْمَسِيحِ - ﵉ - وَإِنَّمَا تَتَوَاتَرُ أَخْبَارُ كُلِّ إِنْسَانٍ عِنْدَ مَنْ رَأَى الْمُشَاهِدِينَ لَهُ أَوْ رَأَى مَنْ رَآهُمْ وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّذِينَ رَأَوْهُ وَنَقَلُوا مُعْجِزَاتِهِ أَضْعَافُ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ - ﵇ - وَالتَّابِعُونَ الَّذِينَ نَقَلُوا ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِمُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ - ﵇ - التَّصْدِيقُ بِمُعْجِزَاتِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمِنَ التَّكْذِيبِ بِمُعْجِزَاتِ مُحَمَّدٍ التَّكْذِيبُ بِمُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ.
وَإِنْ قَالُوا: عُرِفَتْ نُبُوَّةُ الْمَسِيحِ بِبِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ قِيلَ: وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ الْبِشَارَاتِ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - مِثْلُ مَا فِيهَا مِنَ الْبِشَارَاتِ بِالْمَسِيحِ وَأَكْثَرُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْضُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٢ / ٤٤ ]
وَإِنْ تَأَوَّلُوا تِلْكَ الْبِشَارَاتِ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - بِمَا يَمْنَعُ دَلَالَتَهَا قِيلَ لَهُمْ وَالْيَهُودُ يَتَأَوَّلُونَ بِشَارَاتِ الْمَسِيحِ بِمَا يَمْنَعُ دَلَالَتَهَا عَلَى الْمَسِيحِ.
فَإِذَا قَالُوا: تِلْكَ التَّأْوِيلَاتُ بَاطِلَةٌ مِنْ وُجُوهٍ مَعْرُوفَةٍ، بُيِّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذِهِ بَاطِلَةٌ أَيْضًا بِمِثْلِ تِلْكَ الْوُجُوهِ وَأَقْوَى فَمَا مِنْ جِنْسٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ إِلَّا وَدَلَالَتُهُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَقْوَى وَأَكْثَرُ فَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ نُبُوَّةِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ ثُبُوتُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمِنَ الطَّعْنِ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الطَّعْنُ فِي نُبُوَّةِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ قِيلَ لَهُمْ: ثُبُوتُ كَوْنِهِ إِلَهًا لَوْ كَانَ مُمْكِنًا أَبْعَدُ مِنْ ثُبُوتِ كَوْنِهِ رَسُولًا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى إِلَهِيَّتِهِ إِلَّا مَا يَنْقُلُونَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ أَوِ الْخَوَارِقِ وَالْخَوَارِقُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَا زَالُوا يَأْتُونَ بِالْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ وَلَمْ تَدُلَّ عَلَى إِلَهِيَّةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا أَقْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - فَلَا رَيْبَ أَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى رِسَالَتِهِ وَرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ فَيَمْتَنِعُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ دُونَ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَرِسَالَةِ الْمَسِيحِ وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّ
[ ٢ / ٤٥ ]
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَطَلَتْ إِلَهِيَّةُ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ كَفَّرَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ بَلْ وَكَذَلِكَ مَتَى ثَبَتَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَسُولُ اللَّهِ بَطَلَ كَوْنُهُ إِلَهًا، فَإِنَّ كَوْنَهُ هُوَ اللَّهُ مَعَ كَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ مُتَنَاقِضٌ.
[إِبْطَالُ دَعْوَى النَّصَارَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ ﵇]
وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ إِلَهٌ بِلَاهُوتِهِ وَرَسُولٌ بِنَاسُوتِهِ كَلَامٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا أَنَّ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ اللَّهُ أَوْ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ اللَّهَ بَطَلَ كَوْنُهُ رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ بَطَلَ كَوْنُهُ هُوَ اللَّهَ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى - ﵇ - مِنَ الشَّجَرَةِ هُوَ اللَّهُ لَمْ تَنْطِقِ الْكُتُبُ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَهَذَا وَارِدٌ بِأَيِّ وَجْهٍ فَسَّرُوا الِاتِّحَادَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الْمَسِيحِ كَلَامًا بِصَوْتِهِ الْمَعْرُوفِ وَصَوْتُهُ لَمْ يَخْتَلِفْ وَلَا حَالُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ تَغَيَّرَتْ كَمَا يَخْتَلِفُ الْإِنْسَانُ وَحَالُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ إِذَا حَلَّ فِيهِ الْجِنِّيُّ وَإِذَا فَارَقَهُ الْجِنِّيُّ، فَإِنَّ الْجِنِّيَّ إِذَا تَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ الْمَصْرُوعِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ بَلِ اخْتَلَفَ حَالُ الْمَصْرُوعِ وَحَالُ كَلَامِهِ وَسُمِعَ مِنْهُ مِنَ الْكَلَامِ مَا يُعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ وَغَابَ عَقْلُهُ بِحَيْثُ
[ ٢ / ٤٦ ]
يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْحَاضِرِينَ وَاخْتَلَفَ صَوْتُهُ وَنَغْمَتُهُ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْحَالُّ فِيهِ الْمُتَّحِدُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَامِهِ.
فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كَلَامِهِ وَصَوْتِهِ وَكَلَامِ سَائِرِ الْبَشَرِ وَصَوْتِهِمْ مِنَ الْفَرْقِ أَعْظَمُ مِنَ الْفَرْقِ الَّذِي بَيْنَ الْمَصْرُوعِ وَغَيْرِ الْمَصْرُوعِ بِمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا.
يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ مُوسَى لَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُ سَمِعَ صَوْتًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ مُخَالِفًا لِمَا يَعْهَدُ مِنَ الْأَصْوَاتِ وَرَأَى مِنَ الْآيَاتِ الْخَارِقَةِ وَالْعَجَائِبِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي سَمِعَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكَلُّمِ بِهِ إِلَّا اللَّهُ وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ كَلَامِهِ وَصَوْتِهِ مَعَ طُولِ عُمُرِهِ وَكَلَامِ سَائِرِ النَّاسِ فَرْقٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ وَإِنَّمَا عُلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ بِأَدِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ وَلَمْ يَكُنْ حَالُهُ يَخْتَلِفُ مَعَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَنَّ الِاتِّحَادَ مُلَازِمٌ لَهُ مِنْ حِينِ خُلِقَ نَاسُوتُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مَرْيَمَ وَإِلَى الْأَبَدِ لَا يُفَارِقُ اللَّاهُوتُ لِذَلِكَ النَّاسُوتِ أَبَدًا وَحِينَئِذٍ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ خِطَابَهُ لِلنَّاسِ إِنْ كَانَ خِطَابَ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَمْ يَكُنْ هُوَ رَسُولَهُ وَإِنْ كَانَ خِطَابَ رَسُولِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صَوْتَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ خِطَابَهُ خِطَابُ رَسُولٍ وَنَبِيٍّ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي عَامَّةِ الْمَوَاضِعِ.
[ ٢ / ٤٧ ]
الثَّالِثُ: أَنَّ مَصِيرَ الشَّيْئَيْنِ شَيْئًا وَاحِدًا مَعَ بَقَائِهِمَا عَلَى حَالِهِمَا بِدُونِ الِاسْتِحَالَةِ، وَالِاخْتِلَاطُ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ وَإِنَّمَا الْمَعْقُولُ مَعَ الِاتِّحَادِ أَنْ يَسْتَحِيلَا وَيَخْتَلِطَا كَالْمَاءِ مَعَ الْخَمْرِ وَاللَّبَنِ، فَإِنَّهُمَا إِذَا صَارَ شَيْئًا وَاحِدًا اسْتَحَالَا وَاخْتَلَطَا.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ مَعَ الِاتِّحَادِ يَصِيرُ الشَّيْئَانِ شَيْئًا وَاحِدًا فَيَكُونُ الْإِلَهُ هُوَ الرَّسُولُ، وَالرَّسُولُ هُوَ الْإِلَهُ؛ إِذْ هَذَا هُوَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْإِلَهُ غَيْرَ الرَّسُولِ فَهُمَا شَيْئَانِ وَمَهْمَا مَثَّلُوا بِهِ قَوْلَهُمْ كَتَشْبِيهِهِمْ ذَلِكَ بِالنَّارِ فِي الْحَدِيدِ وَالرُّوحِ فِي الْبَدَنِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ:، فَإِنَّ الْحَدِيدَ مَتَى طُرِقَ أَوْ وُضِعَ فِي الْمَاءِ كَانَ ذَلِكَ مُصِيبًا لِلنَّارِ وَكَذَلِكَ الْبَدَنُ إِذَا جَاعَ أَوْ صُلِبَ وَتَأَلَّمَ كَانَ ذَلِكَ الْأَلَمُ مُصِيبًا لِلرُّوحِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدْ أَصَابَهُ أَلَمُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ وَالصَّلْبُ عَلَى قَوْلِهِمْ وَهَذَا شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ: أَنَّهُ فَقِيرٌ وَأَنَّهُ بَخِيلٌ وَأَنَّهُ مَسَّهُ اللُّغُوبُ.
[ ٢ / ٤٨ ]
[فَصْلٌ: الْمُسْلِمُونَ لَمْ يُصَدِّقُوا نُبُوَّةَ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا مَعَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ]
وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُمْ الِاحْتِجَاجَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِيلَ لَهُمْ: أَوَّلًا هَذِهِ حُجَّةٌ جَدَلِيَّةٌ فَمَا مُسْتَنَدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ فِي تَصْدِيقِ شَخْصٍ وَتَكْذِيبِ آخَرَ مَعَ أَنَّ دَلَالَةَ الصِّدْقِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ بَلْ هِيَ فِي الَّذِي كَذَّبْتُمُوهُ أَظْهَرُ، فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لَزِمَ تَصْدِيقُ مَنْ كَذَّبْتُمُوهُ وَفَسَدَ دِينُكُمْ وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً بَطَلَ اسْتِدْلَالُكُمْ بِهَا عَلَى دِينِكُمْ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ الِاسْتِدْلَالُ بِكَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈.
وَقِيلَ لَهُمْ ثَانِيًا: الْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا عَرَفُوا صِدْقَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا دَلَّهُمْ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لَمْ يَعْرِفُوا صِدْقَ هَؤُلَاءِ فَيَبْطُلُ دَلِيلُكُمْ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا بَطَلَ دِينُ النَّصَارَى فَيَبْطُلُ دَلِيلُ صِحَّتِهِ فَثَبَتَ بُطْلَانُ دَلِيلِهِمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وَقِيلَ لَهُمْ ثَالِثًا: الْمُسْلِمُونَ لَمْ يُصَدِّقُوا نُبُوَّةَ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا مَعَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَإِنْ قِيلَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا ذَلِكَ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَلَا يُمْكِنُهُمْ تَصْدِيقُ نَبِيٍّ مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ.
[ ٢ / ٤٩ ]
وَقِيلَ لَهُمْ رَابِعًا: هُمْ إِنَّمَا يُصَدِّقُونَ مُوسَى وَعِيسَى اللَّذَيْنِ بَشَّرَا بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - فَإِنْ كَانَا قَدْ بَشَّرَا بِهِ فَثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا بَشَّرَا بِهِ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِالْمُبَشِّرِينَ بِهِ وَبِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ اللَّذَيْنِ هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِمَا.
فَإِنْ قُدِّرَ عَدَمُ ذَلِكَ فَهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ وُجُودَ مُوسَى وَعِيسَى وَتَوْرَاةً وَإِنْجِيلَ مُنَزَّلَيْنِ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِمَا ذِكْرُهُ - ﷺ.
وَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ صَدَّقْنَا هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ بِلَا عِلْمٍ لَنَا بِصِدْقِهِمْ وَطَرِيقٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ ; لِأَنَّ هَذَا دِينُ آبَائِنَا وَجَدْنَاهُمْ يُعَظِّمُونَ هَؤُلَاءِ وَيَقُولُونَ هُمْ أَنْبِيَاءُ فَاتَّبَعْنَا آبَاءَنَا فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلُكُمْ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَفِيمَا شَهِدُوا بِهِ إِنْ كَانُوا شَهِدُوا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهِ بَلْ مُتَّبِعِينَ فِيهِ لِآبَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ أَنَّ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اعْتِقَادِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ لَا عِلْمَ لَكُمْ وَلَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى صِحَّتِهِ بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِآبَائِكُمْ كَاتِّبَاعِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ لِآبَائِهِمْ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا حَالُ النَّصَارَى وَلِهَذَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ ضُلَّالًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]
[ ٢ / ٥٠ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ [الكهف: ٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النساء: ١٥٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] .
وَلِهَذَا كَانَ النَّصَارَى مَعْرُوفِينَ بِالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ مَعْرُوفُونَ بِالظُّلْمِ وَالْقَسْوَةِ وَالْعِنَادِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُمْ مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِمْ وَلَا دِينِ غَيْرِهِمْ.
[ ٢ / ٥١ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى خُصُوصِيَّةَ الْإِسْلَامِ لِكَوْنِ كِتَابِهِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ]
وَأَمَّا كَوْنُ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَحْدَهُ فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ وَالتَّوْرَاةُ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ بِاللِّسَانِ الْعِبْرِيِّ وَحْدَهُ وَمُوسَى - ﵇ - لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِالْعِبْرِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا إِلَّا بِالْعِبْرِيَّةِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكُتُبِ لَا يُنَزِّلُهَا اللَّهُ إِلَّا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ بِلِسَانِ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَلِسَانِ قَوْمِهِ الَّذِينَ يُخَاطِبُهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُبَلَّغُ الْكُتُبُ وَكَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ لِسَائِرِ الْأُمَمِ إِمَّا بِأَنْ يُتَرْجَمَ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَإِمَّا بِأَنْ يَتَعَلَّمَ النَّاسُ لِسَانَ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَيَعْرِفُونَ مَعَانِيَهُ وَإِمَّا بِأَنْ يُبَيَّنَ لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِ مَعَانِيَ مَا أُرْسِلَ بِهِ الرَّسُولُ - ﷺ - إِلَيْهِ بِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَائِرَ مَا أُرْسِلَ بِهِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مَا قَالَتْهُ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ وَمَا قَالُوا: لَهُمْ
[ ٢ / ٥٢ ]
- وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَرَبًا - وَأَنْزَلَهُ اللَّهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَحِينَئِذٍ، فَإِنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ تَمَكُّنُ الْعِبَادَ مِنْ فَهْمِ مَا أُرْسِلَ بِهِ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُرْسَلَ بِلِسَانٍ يُعْرَفُ بِهِ مُرَادُهُ ثُمَّ جَمِيعُ النَّاسِ مُتَمَكِّنُونَ مِنْ مَعْرِفَةِ مُرَادِهِ بِأَنْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ اللِّسَانَ أَوْ يَعْرِفُوا مَعْنَى الْكِتَابِ بِتَرْجَمَةِ مَنْ يُتَرْجِمُ مَعْنَاهُ وَهَذَا مَقْدُورٌ لِلْعِبَادِ وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَهْمُ كَلَامِ الرَّسُولِ إِلَّا بِتَعَلُّمِ اللُّغَةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِخِلَافِ مَا لَا يَتِمُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَا فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي التَّمَامِ فَلَا نَحْتَاجُ أَنْ نَقُولَ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ - وَكَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ - فَهُوَ وَاجِبٌ، فَإِنَّ مَا لَيْسَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ الْعِبَادُ بَلْ وَقَدْ يَكُونُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ وَلَا يُكَلَّفُونَ بِهِ.
فَلَمَّا كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْحَجِّ لَمْ يَجِبْ تَحْصِيلُ الِاسْتِطَاعَةِ بِخِلَافِ قَطْعِ الْمَسَافَاتِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ فَلِهَذَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ وَالْقَرِيبَةِ إِذَا كَانَ مُسْتَطِيعًا.
وَجُمْهُورُ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ مَعَانِيَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ إِلَّا بِمَنْ يُبَيِّنُهَا وَيُفَسِّرُهَا لَهُمْ وَإِنْ كَانُوا يَعْرِفُونَ اللُّغَةَ فَهَؤُلَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَلَبُ عِلْمِ مَا يَعْرِفُونَ بِهِ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ وَهَذَا
[ ٢ / ٥٣ ]
هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ الْمَفْرُوضِ عَلَى الْخَلْقِ وَكَذَلِكَ مَا بَيَّنَهُ الرَّسُولُ - ﷺ - مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ طَلَبُ عِلْمِ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ إِذَا كَانَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ.
كَمَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ قَالَ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ - ﵎ - فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ.
وَاللَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] لَمْ يَقُلْ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا إِلَى قَوْمِهِ لَكِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ أَوَّلًا، لِيُبَيِّنَ لِقَوْمِهِ فَإِذَا بَيَّنَ لِقَوْمِهِ مَا أَرَادَهُ حَصَلَ بِذَلِكَ الْمَقْصُودُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ بَلَّغَ إِلَيْهِمْ أَوَّلًا يُمْكِنُهُمْ أَنْ
[ ٢ / ٥٤ ]
يُبَلِّغُوا عَنْهُ اللَّفْظَ وَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يَنْقُلُوا عَنْهُ الْمَعْنَى لِمَنْ لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ وَيُمْكِنُ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ لِسَانَهُ فَيَعْرِفَ مُرَادَهُ فَالْحُجَّةِ تَقُومُ عَلَى الْخَلْقِ وَيَحْصُلُ لَهُمُ الْهُدَى بِمَنْ يَنْقُلُ عَنِ الرَّسُولِ: تَارَةً الْمَعْنَى وَتَارَةً اللَّفْظَ؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ نَقْلُ حَدِيثِهِ بِالْمَعْنَى، وَالْقُرْآنُ يَجُوزُ تَرْجَمَةُ مَعَانِيهِ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
[ ٢ / ٥٥ ]
وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُقْرَأُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ قِرَاءَتِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَنَعُوا أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُتَرْجَمَ لِلتَّفَهُّمِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ وَبَيَانُ مَعَانِيهِ وَإِنْ كَانَ التَّفْسِيرُ لَيْسَ قُرْآنًا مَتْلُوًّا وَكَذَلِكَ التَّرْجَمَةُ وَقَدْ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» .
[ ٢ / ٥٦ ]
وَقَالَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ فَزَرَعُوا وَسَقَوْا وَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
فَدَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - لِمَنْ يُبَلِّغْ حَدِيثَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِيهِ وَقَالَ: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» .
وَقَدْ كَانَ الْعَارِفُونَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - إِنَّمَا يُوجَدُونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَمَا وَالَاهَا كَأَرْضِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَبَعْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ثُمَّ انْتَشَرَ فَصَارَ أَكْثَرُ السَّاكِنِينَ فِي وَسَطِ الْمَعْمُورَةِ الْعَرَبِيَّةِ، حَتَّى الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الْمَوْجُودُونَ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ كَمَا يَتَكَلَّمُ بِهَا أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ بَلْ
[ ٢ / ٥٧ ]
كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَجْوَدَ مِمَّا يَتَكَلَّمُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدِ انْتَشَرَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ أَكْثَرَ مِمَّا انْتَشَرَتْ سَائِرُ اللُّغَاتِ حَتَّى أَنَّ الْكُتُبَ الْقَدِيمَةَ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْ كُتُبِ الْفُرْسِ وَالْهِنْدِ وَالْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَغَيْرِهِمْ عُرِّبَتْ بِهَذِهِ اللُّغَةِ.
وَمَعْرِفَةُ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ أَيْسَرُ عَلَى جُمْهُورِ النَّاسِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ اللِّسَانَ الْعِبْرِيَّ وَالسُّرْيَانِيَّ وَالرُّومِيَّ وَالْقِبْطِيَّ وَغَيْرَهَا وَإِنْ عَرَفَهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَالَّذِينَ يَعْرِفُونَ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْرِفُ لِسَانًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْسِنَةِ.
وَأَيْضًا فَمَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَمْرًا عَامًّا هُوَ مِمَّا نَقَلَهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا - ﷺ - نَقْلًا مُتَوَاتِرًا وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ مِثْلَ الْأَمْرِ
[ ٢ / ٥٨ ]
بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ أُمِّيِّهِمْ وَغَيْرِ أُمِّيِّهِمْ، وَإِقَامِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَإِيجَابِ الصِّدْقِ وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَالْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ هُوَ مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ مَعْرِفَةً عَامَّةً وَلَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَحْفَظَ الْقُرْآنَ بَلْ يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ مَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُوَرًا مَعَهَا يُصَلِّي بِهِنَّ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَالْهِنْدِ وَالْحَبَشَةِ وَالْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْعَرَبِيَّةِ الْكَلَامَ الْمُعْتَادَ وَقَدْ أَسْلَمُوا وَصَارُوا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَإِذَا كَلَّمَ النَّاسَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ إِلَّا بِلِسَانِهِ لَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِذَا خُوطِبَ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَفْقَهْ مَا قِيلَ لَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - كَانَ لِسَانُهُ عِبْرِيًّا وَكَذَلِكَ أَلْسِنَةُ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَوَّلًا ثُمَّ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْأُمَمِ يُخَاطِبُونَهُمْ وَيُتَرْجِمُونَ لَهُمْ مَا قَالَهُ الْمَسِيحُ - ﵇ - فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ رُسُلَ الْمَسِيحِ حُوِّلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ إِلَى أَلْسِنَةِ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ.
قِيلَ هَذَا مَنْقُولٌ فِي رُسُلِ الْمَسِيحِ وَفِي رُسُلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْأُمَمِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ رُسُلَ رُسُلِ اللَّهِ
[ ٢ / ٥٩ ]
كَرُسُلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَالْمَسِيحِ - ﵇ - إِلَى الْأُمَمِ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفُوا لِسَانَ مَنْ أَرْسَلَهُمُ الرَّسُولُ - ﷺ - إِلَيْهِمْ أَوْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أُولَئِكَ مَنْ يَفْهَمُ لِسَانَهُمْ وَلِسَانَ الرَّسُولِ - ﷺ - لِيُتَرْجِمَ لَهُمْ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَنْ أَرْسَلَ الْمَسِيحُ إِلَيْهِمْ مَنْ يُعْرَفُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِمْ.
وَكَذَلِكَ رُسُلُ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْأُمَمِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْسَلَ رُسُلَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَبَعَثَ إِلَى مُلُوكِ الْعَرَبِ بِالْيَمَنِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَأَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ النَّصَارَى بِالشَّامِ وَمِصْرَ قِبْطِهِمْ وَرُومِهِمْ وَعَرَبِهِمْ وَغَيْرِهِمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْفُرْسِ الْمَجُوسِ مُلُوكِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ ذِكْرُ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الرُّسُلَ بِكُتُبِهِ إِلَى الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ يَدْعُوهُمْ وَذَكَرَ مَا كَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِنَاسٍ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْمَرُ
[ ٢ / ٦٠ ]
بْنُ رَاشِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّتِهِ
[ ٢ / ٦١ ]
الشِّفَاءِ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَحَدَّثَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو (بْنِ جَعْفَرِ بْنِ
[ ٢ / ٦٢ ]
عَمْرِو) بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَنْ أَهْلِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ قَالُوا «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ أَرْسَلَ إِلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ كُتُبًا فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُلُوكَ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ نَقَشَهُ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَخَتَمَ بِهِ الْكُتُبَ فَخَرَجَ سِتَّةُ نَفَرٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَصْبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الْقَوْمِ الَّذِينَ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ» .
[ ٢ / ٦٣ ]
أَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى هِرَقْلَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ وَإِلَى الْمُقَوْقِسِ صَاحِبِ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ وَإِلَى كِسْرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ وَأَرْسَلَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا بِظَاهِرِ دِمَشْقَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّ وَأَرْسَلَ إِلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ.
وَقَالَ أَيْضًا: أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا دَلْهَمُ بْنُ
[ ٢ / ٦٤ ]
صَالِحٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ وَالزُّهْرِيِّ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " «ائْتُونِي بِأَجْمَعِكُمْ بِالْغَدَاةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ يَجْلِسُ فِي مُصَلَّاهُ قَلِيلًا يُسَبِّحُ وَيَدْعُو ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَبَعَثَ عِدَّةً إِلَى عِدَّةٍ وَقَالَ:
[ ٢ / ٦٥ ]
- ﷺ - انْصَحُوا لِلَّهِ فِي أَمْرِ عِبَادِهِ، فَإِنَّ مَنْ أُخْبِرَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْصَحْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ انْطَلِقُوا وَلَا تَصْنَعُوا كَمَا صَنَعَتْ رُسُلُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، فَإِنَّهُمْ أَتَوُا الْقَرِيبَ وَتَرَكُوا الْبَعِيدَ فَأَصْبَحُوا يَعْنِي الرُّسُلَ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُعْرَفُ بِلِسَانِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَذَكَرَ ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: هَذَا أَعْظَمُ مَا كَانَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ - ﷿ - عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ عِبَادِهِ» .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّصَارَى فِيهِمْ عَرَبٌ كَثِيرٌ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكُلُّ مَنْ يَفْهَمُ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ فَهْمُهُ لِلْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ لِسَانِهِ فَارِسِيًّا أَوْ رُومِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا أَوْ هِنْدِيًّا أَوْ قِبْطِيًّا وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلُوا هَذَا الْكِتَابَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى قَدْ قَرَءُوا الْمُصْحَفَ وَفَهِمُوا مِنْهُ مَا فَهِمُوا وَهُمْ يَفْهَمُونَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَاحْتَجُّوا بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُمْ مَعَ هَذَا أَنْ يَقُولُوا كَيْفَ تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَيْنَا بِكِتَابٍ لَمْ نَفْهَمْهُ؟ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُشْرِكِينَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ عَرَبٌ وَفِيهِمْ عَجَمٌ - تُرْكٌ وَهِنْدٌ وَغَيْرُهُمَا -
[ ٢ / ٦٦ ]
فَكَمَا أَنَّ جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْعَرَبِ وَفِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِمَّنْ يَعْرِفُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ مَنْ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ - ﷿.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَيْسَ فَهْمُ كُلِّ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَمَا نَهَاهُ عَنْهُ بِأَيِّ عِبَارَةٍ كَانَتْ وَهَذَا مُمْكِنٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ وَلِهَذَا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعُ أَصْنَافِ الْعَجَمِ مِنَ الْفُرْسِ وَالتُّرْكِ وَالْهِنْدِ وَالصَّقَالِبَةِ وَالْبَرْبَرِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَعْلَمُ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ التَّرْجَمَةَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَالتَّعْبِيرُ كَمَا يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا هَلْ يُقْرَأُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ تِلَاوَةً كَمَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قَرَأَ الْأَعْجَمِيُّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ مَعَهَا
[ ٢ / ٦٧ ]
بِالْعَرَبِيَّةِ أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ وَغَيْرُهُ مِنَ الذِّكْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهَذَا أَمْرٌ يَسِيرٌ أَيْسَرُ مِنْ أَكْثَرِ الْوَاجِبَاتِ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ - ﵎ - عِبَادَهُ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا جُمَلُ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ - ﷺ - مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ بِتَعْرِيفِ مَنْ يَعْرِفُهُ إِمَّا بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَإِمَّا بِلِسَانٍ آخَرَ لَا يَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ.
[ ٢ / ٦٨ ]
[فَصْلٌ: دَفْعُ مَا يُوهِمُ الْخُصُوصِيَّةَ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] فَهَذَا يَتَضَمَّنُ إِنْعَامَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ; لِأَنَّ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ أَكْمَلُ الْأَلْسِنَةِ وَأَحْسَنُهَا بَيَانًا لِلْمَعَانِي فَنُزُولُ الْكِتَابِ بِهِ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ نُزُولِهِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ إِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ أَوَّلًا الْعَرَبُ لِيَفْهَمُوهُ ثُمَّ مَنْ يَعْلَمُ لُغَتَهُمْ يَفْهَمُهُ كَمَا فَهِمُوهُ ثُمَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ لُغَتَهُمْ تَرْجَمَهُ لَهُ مَنْ عَرَفَ لُغَتَهُمْ وَكَانَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ بِهِ عَلَى الْعَرَبِ أَوَّلًا وَالْإِنْعَامُ بِهِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَعَانِيهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُهُمْ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]
[ ٢ / ٦٩ ]
وَقَالَ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] وَاللُّدُّ جَمْعُ الْأَلَدِّ وَهُوَ الْأَعْوَجُ فِي الْمُنَاظَرَةِ الَّذِي يَرُوغُ عَنِ الْحَقِّ كَمَا قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فَهُوَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - وَقَوْمُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - هُمْ قُرَيْشٌ وَبِلِسَانِهِمْ أُرْسِلَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا إِلَى قَوْمِهِ بَلِ الرَّسُولُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ وَغَيْرِ قَوْمِهِ كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى: أَنَّهُ بَعَثَ الْمَسِيحَ - ﵇ - وَالْحَوَارِيِّينَ إِلَى غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَيْسُوا مِنْ قَوْمِهِ، فَكَذَلِكَ بَعَثَ مُحَمَّدًا - ﷺ - إِلَى قَوْمِهِ وَغَيْرِ قَوْمِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يُبْعَثُ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ثُمَّ يَحْصُلُ الْبَيَانُ لِغَيْرِهِمْ بِتَوَسُّطِ الْبَيَانِ لَهُمْ إِمَّا بِلُغَتِهِمْ
[ ٢ / ٧٠ ]
وَلِسَانِهِمْ وَإِمَّا بِالتَّرْجَمَةِ لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِقَوْمِهِ أَوَّلًا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ لَا لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ وَإِذَا تَبَيَّنَ لِقَوْمِهِ أَوَّلًا حَصَلَ الْبَيَانُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِتَوَسُّطِهِمْ وَقَوْمَهُ إِلَيْهِمْ بُعِثَ أَوَّلًا وَلَهُمْ دَعَا أَوَّلًا وَأَنْذَرَ أَوَّلًا وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَى غَيْرِهِمْ لَكِنْ إِذَا تَبَيَّنَ لِقَوْمِهِ لِكَوْنِهِ بِلِسَانِهِمْ أَمْكَنَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُ قَوْمِهِ إِمَّا بِتَعَلُّمِهِ بِلِسَانِهِمْ وَإِمَّا بِتَعْرِيفٍ بِلِسَانٍ يُفْهَمُ بِهِ وَالرَّجُلُ يَكْتُبُ كِتَابَ عِلْمٍ فِي طِبٍّ أَوْ نَحْوٍ أَوْ حِسَابٍ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ثُمَّ يُتَرْجَمُ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَيُنْقَلُ إِلَى لُغَاتٍ أُخَرَ وَيَنْتَفِعُ بِهِ أَقْوَامٌ آخَرُونَ كَمَا تُرْجِمَتْ كُتُبُ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ الَّتِي صُنِّفَتْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ وَانْتَفَعَ بِهَا الْعَرَبُ وَعَرَفُوا مُرَادَ أَصْحَابِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ لَهَا أَوَّلًا إِنَّمَا صَنَّفَهَا بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي بَيَانِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا سَعَادَةُ الْآخِرَةِ وَالنَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ فِي الْعُلُومِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا سَعَادَةُ الْآخِرَةِ وَالنَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُنْقَلَ مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ حَتَّى يَفْهَمَ أَهْلُ اللِّسَانِ الثَّانِي بِهَا مَا أَرَادَهُ بِهَا الْمُتَكَلِّمُ بِهَا أَوَّلًا بِاللِّسَانِ الْأَوَّلِ.
وَأَبْنَاءُ فَارِسَ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَانَ لَهُمْ مِنْ عِنَايَةٍ بِهَذَا تَرْجَمُوا مَصَاحِفَ كَثِيرَةً فَيَكْتُبُونَهَا بِالْعَرَبِيِّ وَيَكْتُبُونَ التَّرْجَمَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَكَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَبْعَدَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الرُّومِ وَالنَّصَارَى فَإِذَا كَانَ الْفُرْسُ الْمَجُوسُ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِالْعَرَبِيِّ وَتَرْجَمَتَهُ فَكَيْفَ لَا يَصِلُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ وَعَامَّةُ الْأُصُولِ الَّتِي
[ ٢ / ٧١ ]
يَذْكُرُهَا الْقُرْآنُ عِنْدَهُمْ شَوَاهِدُهَا وَنَظَائِرُهَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّاتِ بَلْ كُلُّ مَنْ تَدَبَّرَ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَدَبَّرَ الْقُرْآنَ جَزَمَ يَقِينًا بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنَّ مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا لِمَا يَرَى مِنْ تَصَادُقِ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ مُوسَى - ﵇ - لَمْ يَأْخُذْ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - لَمْ يَأْخُذْ عَنْ مُوسَى، فَإِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ كَانَ أُمِّيًّا مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا الزَّبُورَ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيهِمْ وَلَمْ يُسَافِرْ قَطُّ إِلَّا سَفْرَتَيْنِ إِلَى الشَّامِ خَرَجَ مَرَّةً مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ قَبْلَ الِاحْتِلَامِ وَلَمْ يَكُنْ يُفَارِقُهُ وَمَرَّةً أُخْرَى مَعَ مَيْسَرَةَ فِي تِجَارَتِهِ وَكَانَ ابْنَ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مَعَ رُفْقَةٍ كَانُوا يَعْرِفُونَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ وَلَمْ يَجْتَمِعْ قَطُّ بِعَالِمٍ أَخَذَ عَنْهُ شَيْئًا لَا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ لَا بَحِيرَى وَلَا غَيْرُهُ، وَلَكِنْ كَانَ بَحِيرَى الرَّاهِبُ لَمَّا رَآهُ عَرَفَهُ لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذِكْرِهِ وَنَعْتِهِ فَأَخْبَرَ أَهْلَهُ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ لَا مِنْ بِحَيْرَى وَلَا مِنْ غَيْرِهِ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَسَنُبَيِّنُ - إِنْ
[ ٢ / ٧٢ ]
شَاءَ اللَّهُ - الدَّلَائِلَ الْكَثِيرَةَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَقِصَّةُ بَحِيرَى مَذْكُورَةٌ ذَكَرَهَا أَرْبَابُ السِّيَرِ وَأَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ أَبُو نُوحٍ أَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ
[ ٢ / ٧٣ ]
إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَقَالَ: لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَا عِلْمُكَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا وَلَا يَسْجُدْنَ إِلَّا لِنَبِيٍّ وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُرْضُوفِ كَتِفِهِ مِثْلِ التُّفَّاحَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ - وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الْإِبِلِ - فَقَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمُ الرَّاهِبُ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ قَالُوا: جِئْنَا ; لِأَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا.
[ ٢ / ٧٤ ]
فَقَالَ أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَتَابَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ. قَالَ: أُنْشِدُكُمُ اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ فَقَالَ: أَبُو طَالِبٍ أَنَا فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ قُرَادِ بْنِ نُوحٍ وَقَالَ: الْعَبَّاسُ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ يَعْنِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرُ قُرَادٍ وَسَمِعَهُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ مِنْ قُرَادٍ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ سِوَى هَؤُلَاءِ فَأَمَّا الْقِصَّةُ فَهِيَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي مَشْهُورَةٌ.
[ ٢ / ٧٥ ]
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - اثْنَيْ عَشْرَةَ سَنَةً خَرَجَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ فِي الْعِيرِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ فَنَزَلُوا بِالرَّاهِبِ
[ ٢ / ٧٦ ]
بَحِيرَى فَقَالَ: بَحِيرَى لِأَبِي طَالِبٍ فِي النَّبِيِّ - ﷺ - مَا قَالَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِ فَرَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ وَشَبَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَعَ أَبِي طَالِبٍ يَكْلَؤُهُ اللَّهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَعَايِبِهَا لِمَا يُرِيدُهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ حَتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا أَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا وَأَكْرَمَهُمْ مُخَالَطَةً وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا وَأَمَانَةً وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا وَأَبْعَدَهُمْ مِنَ الْفُحْشِ وَالْأَذَى فَمَا رُئِيَ مُلَاحِيًا وَلَا مُمَارِيًا أَحَدًا حَتَّى سَمَّاهُ قَوْمُهُ الْأَمِينُ لِمَا جُمِعَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الصَّالِحَةِ.
وَقَالَ: ابْنُ الْجَوْزِيِّ خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ فَنَزَلَ الرَّكْبُ بِبُصْرَى وَبِهَا رَاهِبٌ - يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى - فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ وَكَانَ ذَا عِلْمٍ بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ رَاهِبٌ تَنْتَهِي إِلَيْهِ عِلْمُ النَّصْرَانِيَّةِ صَاغِرًا عَنْ كَابِرٍ وَفِيهَا كُتُبٌ يَدْرُسُونَهَا وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَمُرُّ الرَّكْبُ فَلَا يُكَلِّمُهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ نَزَلُوا مَنْزِلًا قَرِيبًا مِنَ الصَّوْمَعَةِ فَصَنَعَ لَهُمُ الرَّاهِبُ طَعَامًا وَدَعَاهُمْ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ لِشَيْءٍ رَآهُ فَلَمَّا رَأَى بَحِيرَى ذَلِكَ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَأَمَرَ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَحُضِّرَ وَأَرْسَلَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أُحِبَّ أَنْ
[ ٢ / ٧٧ ]
تَحْضُرُوا طَعَامِي وَلَا يَتَخَلَّفْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَقَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ تُكْرِمُونِي فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْدَهُ جَعَلَ يُلَاحِظُ النَّبِيَّ - ﷺ - لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إِلَى جَسَدِهِ وَجَعَلَ أَبُو طَالِبٍ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّاهِبِ ثُمَّ قَالَ الرَّاهِبُ لِأَبِي طَالِبٍ ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّا نَجِدُ صِفَتَهُ فِي كُتُبِنَا وَيَرْوُونَهُ عَنْ آبَائِنَا فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ التِّجَارَةِ رَجَعَ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا إِلَى مَكَّةَ فَمَا خَرَجَ بَعْدَهَا بِهِ أَبُو طَالِبٍ خَوْفًا عَلَيْهِ.
هَذَا مَعَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِي بَعْضِ مَا حَرَّفُوهُ مِثْلَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - صُلِبَ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ إِلَهٌ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ سَاحِرٌ. وَطَعْنُهُمْ عَلَى سُلَيْمَانَ - ﵇ - وَقَوْلُهُمْ أَنَّهُ كَانَ سَاحِرًا. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُمْ.
وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - مَا لَا يُوجَدُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِثْلُ قِصَّةِ هُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[ ٢ / ٧٨ ]
وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْمَعَادِ وَتَفْصِيلِهِ وَصِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالنَّعِيمِ وَالْعَذَابِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بَلِ التَّوْرَاةُ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِذِكْرِ الْمَعَادِ وَعَامَّةُ مَا فِيهَا مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَهُوَ فِي الدُّنْيَا كَالْوَعْدِ بِالرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَالْعَاقِبَةِ وَالْوَعِيدِ بِالْقَحْطِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْأَعْدَاءِ. وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الْمَعَادِ مَوْجُودًا فِي غَيْرِ التَّوْرَاةِ مِنَ النُّبُوَّاتِ وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُقِرُّونَ بِالْمَعَادِ وَقِيَامِ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يُبْسَطْ كَمَا بُسِطَ فِي غَيْرِ التَّوْرَاةِ.
[ ٢ / ٧٩ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ زَعْمِ النَّصَارَى عِصْمَةَ الْحَوَارِيِّينَ الْمُتَرْجِمِينَ لِلْإِنْجِيلِ]
فَإِنْ قَالُوا إِنَّ الْكُتُبَ الَّتِي عِنْدَنَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا تَرْجَمَهَا لَنَا الْحَوَارِيُّونَ وَهُمْ عِنْدَنَا رُسُلٌ مَعْصُومُونَ وَتَرْجَمُوهَا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُتَرْجِمُهُ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ فَعَنْ هَذَا أَجْوِبَةٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ النَّصَارَى مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ فِيهِمْ نَصَارَى كَثِيرُونَ تَنَصَّرُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَكَانَ فِيهِمْ قَوْمٌ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَسَائِرِ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ - ﵇ - فَإِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ تَوْرَاةٌ وَلَا إِنْجِيلُ مُعَرَّبٌ مِنْ عَهْدِ الْحَوَارِيِّينَ بَلِ التَّوْرَاةُ الْعِبْرِيَّةُ تُنْقَلُ مِنَ اللِّسَانِ الْعِبْرِيِّ أَوْ غَيْرِهِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ يُنْقَلُ مِنَ اللِّسَانِ الرُّومِيِّ أَوِ السُّرْيَانِيِّ
[ ٢ / ٨٠ ]
أَوِ الْيُونَانِيِّ أَوْ غَيْرِهَا إِلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ كَانَ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ تَوْرَاةٌ وَإِنْجِيلُ وَنُبُوَّاتٌ بِلِسَانِهِمْ لَكَانَ نَصَارَى الْعَرَبِ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ نَصَارَى الْحَبَشَةِ وَالصَّقَالِبَةِ وَالْهِنْدِ، فَإِنَّهُمْ جِيرَانُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَهُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ - ﵇ - وَالْأَنَاجِيلُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَتَبَهَا بِلِسَانٍ كُتِبَتْ بِلِسَانِ الْعِبْرِيِّ وَالرُّومِيِّ وَالْيُونَانِيِّ مَعَ أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَنَاجِيلِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: " عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ " الَّذِي جَعَلُوهُ أَصْلَ دِينِهِمْ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ كَتَبَ إِنْجِيلًا بِلِسَانِهِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِنْجِيلٌ وَاحِدٌ أَصْلِيٌّ تَرْجِعُ إِلَيْهِ الْأَنَاجِيلُ كُلُّهَا ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا يَدَّعُونَ أَنَّهَا تُرْجِمَتْ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَهَذَا فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّنَاقُضِ أُمُورٌ سَنُنَبِّهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَلَى بَعْضِهَا لَكِنَّ غَايَةَ مَا يَدَّعُونَ أَنَّهُ تُرْجِمَ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَلْسِنَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي بَنِي آدَمَ فِي جَمِيعِ الْمَعْمُورَةِ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَ زَمَانِنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا كَمَا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ، بَلِ اللِّسَانُ الْوَاحِدُ كَالْعَرَبِيِّ وَالْفَارِسِيِّ وَالتُّرْكِيِّ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا يَفْهَمُ بَعْضُهُمْ لِسَانَ
[ ٢ / ٨١ ]
بَعْضٍ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَهُ مِنْهُمْ وَالْعَرَبُ أَقْرَبُ الْأُمَمِ إِلَى بَنِي إِسْحَاقَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْعِيصِ، فَإِنَّهُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وَجِيرَانُهُمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ جِيرَانُ الشَّامِ، وَمَكَّةُ لَمْ تَزَلْ تَحُجُّ إِلَيْهَا الْعَرَبُ وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ عِنْدَ الْعَرَبِ تَوْرَاةٌ وَلَا إِنْجِيلٌ عَرَبِيَّانِ مِنْ عَهْدِ الْمَسِيحِ - ﵇ - بَلْ وَلَا كَانَ بِمَكَّةَ لَا تَوْرَاةٌ وَلَا إِنْجِيلٌ لَا مُعَرَّبٌ وَلَا غَيْرُ مُعَرَّبٍ وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] فَكَيْفَ يُدَّعَى أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ تَرْجَمَهَا الْحَوَارِيُّونَ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ شَرْقًا وَغَرْبًا وَجَنُوبًا وَشَمَالًا بِلِسَانٍ يَفْهَمُونَهُ بِهِ وَهَلْ يَقُولُ هَذَا إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ وَأَجْهَلِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ تَرْجَمَةُ الْكَلَامِ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَعْصُومٍ بَلْ هَذَا أَمْرٌ تَعْلَمُهُ الْأُمَمُ فَكُلُّ مَنْ عَرَفَ اللِّسَانَيْنِ أَمْكَنَهُ التَّرْجَمَةَ وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُتَرْجِمُونَ كَثِيرِينَ مُتَفَرِّقِينَ
[ ٢ / ٨٢ ]
لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَبِقَرَائِنَ تَقْتَرِنُ بِخَبَرِ أَحَدِهِمْ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مَوْجُودٌ مَعْلُومٌ بَلْ إِذَا تَرْجَمَهُ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَعْرِفُ مَا يَقُولُهُ: الْآخَرُ وَلَمْ يَتَوَاطَئُوا حَصَلَ بِذَلِكَ الْمَقْصُودُ فِي الْغَالِبِ وَهُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّ التَّوْرَاةَ تَرْجَمَهَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ وَلَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ وَأَنَّ الْمَلِكَ فَرَّقَهُمْ لِئَلَّا يَتَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا كَانَ بَعْدَ الْخَرَابِ الْأَوَّلِ فَهَكَذَا يُمْكِنُ تَرْجَمَةُ غَيْرِ التَّوْرَاةِ.
وَهَذِهِ التَّوْرَاةُ فِي زَمَانِنَا وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ يُتَرْجَمُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَيُعْرَفُ الْمَقْصُودُ بِهِ بِلَا رَيْبٍ فَكَيْفَ بِالْقُرْآنِ الَّذِي يَفْهَمُ أَهْلُهُ مَعْنَاهُ وَيُفَسِّرُونَهُ وَيُتَرْجِمُونَهُ أَكْمَلَ وَأَحْسَنَ مِمَّا يُتَرْجِمُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ؟ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ دَعْوَى الْعِصْمَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى - ﵉ - دَعْوَى مَمْنُوعَةٌ وَهِيَ بَاطِلَةٌ وَإِنَّمَا هُمْ رُسُلُ الْمَسِيحِ - ﵇ - بِمَنْزِلَةِ رُسُلِ مُوسَى وَرُسُلِ إِبْرَاهِيمَ وَرُسُلِ مُحَمَّدٍ وَأَكْثَرُ النَّصَارَى أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ هُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَلَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَعْصُومٍ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ خَوَارِقُ عَادَاتٍ كَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ كَرَامَاتٌ مِنَ الْخَوَارِقِ فَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ مِنَ الْخَطَأِ
[ ٢ / ٨٣ ]
وَالْخَوَارِقُ الَّتِي تَجْرِي عَلَى يَدَيْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِمْ مَعْصُومِينَ، فَإِنَّ وَلِيَّ اللَّهِ مَنْ يَمُوتُ عَلَى الْإِيمَانِ وَمُجَرَّدُ الْخَارِقِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْإِيمَانِ بَلْ قَدْ يَتَغَيَّرُ عَنْ ذَلِكَ الْحَالِ وَإِذَا قَطَعْنَا بِأَنَّ الرَّجُلَ وَلِيُّ اللَّهِ كَمَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ: إِنْ لَمْ يُوَافِقْ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ خَطَأٌ وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِهِمْ وَمَنْ كَفَرَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ يَسُبُّ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَجَبَ قَتْلُهُ فِي شَرْعِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (١٣٦) ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
[ ٢ / ٨٤ ]
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
[ ٢ / ٨٥ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى زَعْمِهِمْ الِاسْتِغْنَاءَ بِرُسُلِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ عَنْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ لِأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ أَتَانَا رُسُلٌ مِنْ قَبْلِهِ خَاطَبُونَا بِأَلْسِنَتِنَا وَأَنْذَرُونَا بِدِينِنَا الَّذِي نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِهِ يَوْمَنَا هَذَا وَسَلَّمُوا إِلَيْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلُغَتِنَا عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُمَا الْكِتَابُ الَّذِي أَتَى بِهِ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ يَقُولُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقَالَ: فِي سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ إِثْبَاتَ رَسُولٍ مِنْ قَبْلِهِ إِلَيْكُمْ لَا يَمْنَعُ إِتْيَانَ رَسُولٍ ثَانٍ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مُوسَى - ﵇ - وَكَانُوا عَلَى شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ - ﵎ - إِلَيْهِمُ الْمَسِيحَ - ﵇ - وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَانَ كَافِرًا وَإِنْ قَالَ
[ ٢ / ٨٦ ]
إِنِّي مُتَمَسِّكٌ بِالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيَّ.
فَكَذَلِكَ إِذَا أَرْسَلَ اللَّهُ رَسُولًا بَعْدَ الْمَسِيحِ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَانَ كَافِرًا كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْمَسِيحِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ كَافِرًا.
وَبَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْثَرُ اخْتِصَاصًا بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ مِنَ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ فَالْمَسِيحُ وَالْإِنْجِيلُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عِبْرَانِيِّينَ وَالتَّوْرَاةُ عِبْرَانِيَّةٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالدِّينِ الَّذِي نَقَلَهُ الْحَوَارِيُّونَ عَنِ الْمَسِيحِ - ﵇ - كَذِبٌ ظَاهِرٌ بَلْ هُمْ عَامَّةُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ عَقَائِدِهِ وَشَرَائِعِهِ كَالْأَمَانَةِ وَالصَّلَاةِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ فِي الْكَنَائِسِ وَاتِّخَاذِهَا وَسَائِطَ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِأَصْحَابِهَا وَجَعْلِ الْأَعْيَادِ بِأَسْمَائِهِمْ وَبِنَاءِ الْكَنَائِسِ عَلَى أَسْمَائِهِمْ وَاسْتِحْلَالِ الْخِنْزِيرِ وَتَرْكِ الْخِتَانِ، وَالرَّهْبَانِيَّةِ، وَجَعْلِ الصِّيَامِ فِي الرَّبِيعِ وَجَعْلِهِ خَمْسِينَ يَوْمًا وَالصَّلَوَاتِ وَالْقَرَابِينَ وَالنَّامُوسِ
[ ٢ / ٨٧ ]
لَمْ يَنْقُلْهُ الْحَوَارِيُّونَ عَنِ الْمَسِيحِ وَلَا هُوَ مَوْجُودٌ لَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَإِنَّمَا هُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِقَلِيلٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأَمَّا كُفْرِيَّاتُهُمْ وَبِدَعُهُمْ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ أَنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا يَقُولُونَهُ فِي صَلَاتِهِمُ السِّحْرِيَّةِ " تَعَالَوْا بِنَا
[ ٢ / ٨٨ ]
نَسْجُدُ لِلْمَسِيحِ إِلَهِنَا وَفِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: " يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ افْتَحِي لَنَا أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ ".
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ أَنَّهُمْ سَلَّمُوا إِلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلُغَاتِهِمْ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي بَعْضِ النَّصَارَى لَا فِي جَمِيعِهِمْ، فَإِنَّ الْعَرَبَ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرَ الْعَرَبِ لَمْ يُسَلِّمْ أَحَدٌ إِلَيْهِمْ تَوْرَاةً وَلَا إِنْجِيلًا بِلِسَانِهِمْ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ وَلَا تُوجَدُ قَطُّ تَوْرَاةٌ وَلَا إِنْجِيلٌ مُعَرَّبٌ مِنْ زَمَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَإِنَّمَا عُرِّبَتْ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَإِذَا كَانَتِ النَّصَارَى مِنَ الْعَرَبِ تَقُومُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِكِتَابٍ نَزَلَ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ ثُمَّ عُرِّبَ لَهُمْ فَكَيْفَ لَا تَقُومُ عَلَى الرُّومِ وَغَيْرِهِمُ الْحُجَّةُ بِكِتَابٍ نَزَلَ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ ثُمَّ تُرْجِمَ بِلِسَانِهِمْ؟ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ الْأُمَّةُ إِذَا غَيَّرَتْ دِينَ رَسُولِهَا الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهَا وَبَدَّلَتْهُ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَنْ يَدْعُوهَا إِلَى الدِّينِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ كَمَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا غَيَّرُوا دِينَ مُوسَى وَبَدَّلُوهُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمُ الْمَسِيحَ بِالدِّينِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَكَذَلِكَ النَّصَارَى لَمَّا بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَغَيَّرُوهُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِالدِّينِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا
[ ٢ / ٨٩ ]
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
وَأُولَئِكَ الْبَقَايَا الَّذِينَ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ الْمَسِيحِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَانُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ - ﷿ - وَأَمَّا مِنْ حِينِ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا قَالَ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَا يُؤْمِنُ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ سَلَّمُوا إِلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَسَائِرَ النُّبُوَّاتِ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ دَعْوَى يُعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهَا يَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ بَلْ مُفْتَرٍ كَذَّابٌ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ الْآنَ فِي الْأَرْضِ هَذِهِ الْكُتُبُ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا كُلُّهَا مَنْقُولَةٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَكُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ الْبَتَّةَ فَهَذَا أَرْبَعُ دَعَاوَى أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ وَأَنَّهَا كُلَّهَا مَنْقُولَةٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ الرَّابِعَةُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ.
فَيُقَالُ: مَنِ الَّذِي مِنْكُمْ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ الَّتِي بِاثْنَيْنِ
[ ٢ / ٩٠ ]
وَسَبْعِينَ لِسَانًا هِيَ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ فَمَنِ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمُوَافَقَةِ بَعْضِهَا بَعْضًا وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا لِمَنْ يَعْلَمُ الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَيَكُونُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْكُتُبِ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَيَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِهَذَا اللِّسَانِ تُوَافِقُ النُّسْخَةَ الَّتِي عِنْدَهُ وَإِلَّا فَلَوْ جَمَعَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نُسْخَةً بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ مِنْ هَذِهِ هِيَ الْمَأْخُوذَةُ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ أُخِذَ عَنْهُمُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِسَانًا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ تُوَافِقُ تِلْكَ النُّسْخَةَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَ زَمَانِنَا لَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْكُتُبُ تُنْقَلُ مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ كَمَا يُتَرْجَمُ مِنَ الْعِبْرَانِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ وَمِنَ السُّرْيَانِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا وُجِدَتْ نُسْخَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا مِمَّا عُرِّبَتْ بَعْدَ الْحَوَارِيِّينَ أَوْ هِيَ مِنَ الْمَأْخُوذِ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ أُخِذَ عَنْهُمْ نُسْخَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْمَعَ جَمِيعَ النُّسَخِ الْمُعَرَّبَةِ وَيُقَابِلَ بَيْنَهَا بَلْ وَقَدْ وَجَدْنَا النُّسَخَ الْمُعَرَّبَةَ يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي التَّرْجَمَةِ مُخَالَفَةً شَدِيدَةً تَمْنَعُ الثِّقَةَ بِبَعْضِهَا وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا بِالزَّبُورِ عِدَّةَ نُسَخٍ مُعَرَّبَةٍ بَيْنَهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ وَمَا يَشْهَدُ بِأَنَّهَا مُبَدَّلَةٌ مُغَيَّرَةٌ لَا يُوثَقُ بِهَا وَرَأَيْتُ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمُعَرَّبَةِ مِنَ النُّسَخِ مَا يُكَذِّبُ بِكَثِيرٍ مِنْ تَرْجَمَتِهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ جَمِيعَ النُّسَخِ الَّتِي بِالِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَيُقَابِلَ بَيْنَ نُسَخِ كُلِّ لِسَانٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهَا النُّسْخَةُ
[ ٢ / ٩١ ]
الْقَدِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ ثُمَّ يُقَابِلُ بَيْنَ نُسَخِ جَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلَّا لِمَنْ يَكُونُ عَارِفًا بِالِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا مَعْرِفَةً تَامَّةً وَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَنَا بِاتِّفَاقِهَا.
وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ لَكَانَ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ أَوْ أَنْ يُتَرْجِمَ كُلُّ لِسَانٍ مَنْ يَعْلَمُ صِحَّةَ تَرْجَمَتِهِ حَتَّى تَنْتَهِيَ التَّرْجَمَةُ إِلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ كَالْعَرَبِيِّ مَثَلًا وَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ اتِّفَاقُهَا وَإِلَّا فَإِذَا تُرْجِمَ هَذَا الْكِتَابُ بِلِسَانٍ أَوْ لِسَانَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَتُرْجِمَ الْآخَرُ كَذَلِكَ لَمْ يُعْلَمِ اتِّفَاقُهَا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمَعْنَى بِهَذَا اللِّسَانِ هُوَ الْمَعْنَى بِهَذَا اللِّسَانِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِمَّنْ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ أَوْ مَنْ يُتَرْجَمُ لَهُ اللِّسَانَانِ بِاللِّسَانِ الَّذِي يَعْرِفُهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُتَرْجَمْ لَهُ الِاثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِسَانًا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ أَوِ أَلْسِنَةٍ يَعْرِفُهَا وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا.
وَحِينَئِذٍ فَالْجَزْمُ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمَكْتُوبَةِ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا أَوِ الْجَزْمُ بِأَنَّ نُسَخَ كُلِّ لِسَانٍ مُتَّفِقَةٌ جَزْمٌ بِمَا لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ الْيَوْمَ الِاثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِسَانًا مَنْقُولَةً عَنِ الْحَوَارِيِّينَ لَمْ تَخْتَلِطْ بِالْمُتَرْجَمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ وَأَكْثَرُ مَا بِأَيْدِي النَّاسِ هُوَ مِمَّا تُرْجِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ.
هَذَا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ سَلَّمُوهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ
[ ٢ / ٩٢ ]
إِلَى الْيَوْمِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مَعْرِفَتُهُ فَلَيْسَ الْيَوْمَ تَوْرَاةٌ وَإِنْجِيلٌ وَنُبُوَّاتٌ يَشْهَدُ لَهَا أَحَدٌ أَنَّهَا مُتَرْجَمَةٌ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مِنْ عَهْدِ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ وَلَا بِأَكْثَرِ الْأَلْسِنَةِ وَإِلَّا فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ سَلَّمُوهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا مَعَ حُصُولِ التَّرْجَمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَثْرَةِ الْمُتَرْجَمَاتِ أَمْكَنَ وُقُوعُ التَّغْيِيرِ فِي بَعْضِ الْمُتَرْجَمَاتِ وَحِينَئِذٍ فَالْعِلْمُ بِأَنَّ تِلْكَ النُّسَخَ الْقَدِيمَةَ لَا تَتَغَيَّرُ فِيهَا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ التَّغْيِيرِ فِي بَعْضِ مَا تُرْجِمَ بَعْدَهَا أَوْ فِي بَعْضِ مَا نُسِخَ مِنْهَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِاتِّفَاقِهَا مَعَ كَوْنِهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا بِخِلَافِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَخَطِّ الْعَرَبِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِاتِّفَاقِ مَا يُوجَدُ مِنْ نُسْخَةٍ مُمْكِنٌ وَهُوَ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ فِي الْكُتُبِ فَهُوَ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ لَفْظًا وَخَطًّا.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُمْ وَسَلَّمُوا إِلَيْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلِسَانِنَا عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُمَا الْكِتَابُ الَّذِي أَتَى بِهِ هَذَا الرَّجُلُ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَشْهَدُ لَكُمْ بِأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ سُلِّمَتْ إِلَيْكُمْ بِلِسَانِكُمْ فَاسْتِشْهَادُكُمْ بِالْقُرْآنِ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْ جِنْسِ اسْتِشْهَادِكُمْ بِهِ عَلَى أَنَّ دِينَكُمْ حَقٌّ.
وَمِنْ جِنْسِ اسْتِشْهَادِكُمْ بِالنُّبُوَّاتِ عَلَى مَا أَحْدَثْتُمُوهُ وَغَيَّرْتُمْ بِهِ دِينَ
[ ٢ / ٩٣ ]
الْمَسِيحِ - ﵇ - مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُمْ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] فَيُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ قَوْمَ مُوسَى - ﵇ - هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَبِلِسَانِهِمْ نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ وَكَذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ هُمْ قَوْمُ الْمَسِيحِ - ﵇ - وَبِلِسَانِهِمْ كَانَ الْمَسِيحُ يَتَكَلَّمُ فَلَمْ يُخَاطِبْ أَحَدٌ مِنَ الرَّسُولَيْنِ أَحَدًا إِلَّا بِاللِّسَانِ الْعِبْرَانِيِّ، لَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنْهُمَا لَا بِرُومِيَّةٍ وَلَا سُرْيَانِيَّةٍ وَلَا يُونَانِيَّةٍ وَلَا قِبْطِيَّةٍ.
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] كَلَامٌ مُطْلَقٌ عَامٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] لَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِكَوْنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ سُلِّمَتْ إِلَيْهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ عُمْدَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
[ ٢ / ٩٤ ]
الْحَوَارِيُّونَ هُمْ عِنْدَنَا رُسُلُ اللَّهِ كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحُ عِنْدَنَا هُوَ اللَّهُ وَهُوَ أَرْسَلَ إِلَيْنَا هَؤُلَاءِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا إِلَيْنَا بِلِسَانِنَا وَأَنْ يَكُونُوا سَلَّمُوا إِلَيْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلِسَانِنَا.
فَيُقَالُ: لَهُمْ هَبْ أَنَّكُمْ تَدَّعُونَ هَذَا وَتَعْتَقِدُونَهُ وَنَحْنُ سَنُبَيِّنُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ لَكِنْ أَنْتُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَذْكُرُونَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - يَشْهَدُ لَكُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَعَلَى كِتَابِهِ وَأَنْتُمْ صَدَّرْتُمْ كِتَابَكُمْ بِأَنَّ كِتَابَهُ يَشْهَدُ لَكُمْ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ كَذِبَكُمْ وَافْتِرَاءَكُمْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَقْرَرْتُمْ بِنُبُوَّتِهِ أَوْ لَمْ تُقِرُّوا بِهَا، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ يَقِينًا عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لِلْمَسِيحِ بِأَنَّهُ اللَّهُ بَلْ كَفَّرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَلَا يَشْهَدُ لِلْحَوَارِيِّينَ بِأَنَّهُمْ رُسُلٌ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بَلْ إِنَّمَا شَهِدَ لِلْحَوَارِيِّينَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّا مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ وَأَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ كَمَا شَهِدَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بَلْ وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ لِكَوْنِ أُمَّتِهِ خَيْرَ الْأُمَمِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]
[ ٢ / ٩٥ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطًا وَنُبَيِّنُ أَنَّ الرُّسُلَ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ " يس " لَيْسَ هُمُ الْحَوَارِيِّينَ وَلَا كَانُوا رُسُلًا لِلْمَسِيحِ بَلْ كَانَ هَذَا الْإِرْسَالُ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ كَذَّبُوا أُولَئِكَ الرُّسُلَ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ [يس: ٢٨] (٢٨) ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] وَالرُّسُلُ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ " يس " هُمْ ثَلَاثَةٌ وَكَانَ فِي الْقَرْيَةِ رَجُلٌ آمَنَ بِهِمْ وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَنْطَاكِيَّةُ فَكَانَ هَذَا الْإِرْسَالُ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحُ - ﵇ - ذَهَبَ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ
[ ٢ / ٩٦ ]
إِلَى السَّمَاءِ وَلَمْ يُعَزَّزُوا بِثَالِثٍ وَلَا كَانَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ وَآمَنَ أَهْلُ أَنْطَاكِيَّةَ بِالْمَسِيحِ - ﵇ - وَهِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِهِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - لَمْ يَشْهَدْ لِلْمَسِيحِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَلَا لِلْحَوَارِيِّينَ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَا أَنَّهُمْ سَلَّمُوا إِلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلِسَانِهِمْ وَلَا بِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ رُسُلَ اللَّهِ لَا رُسُلَ رُسُلِ اللَّهِ بَلْ رُسُلُ رُسُلِ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يُبَلِّغُوا رِسَالَاتِ الرُّسُلِ بِلِسَانِ الرُّسُلِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُتَرْجِمُ لَهُمْ ذَلِكَ اللِّسَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُتَرْجِمُ ذَلِكَ اللِّسَانَ كَانَتْ رُسُلُ الرُّسُلِ
[ ٢ / ٩٧ ]
تُخَاطِبُهُمْ بِلِسَانِهِمْ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونُوا قَدْ كَتَبُوا الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ بِلِسَانِهِمْ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقْرَءُوهَا بِلِسَانِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - ثُمَّ يُتَرْجِمُوهَا بِلِسَانِ أُولَئِكَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَلَمْ يَقُلْ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا إِلَى قَوْمِهِ بَلْ مُحَمَّدٌ أُرْسِلَ بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَهُمْ قُرَيْشٌ وَأُرْسِلَ إِلَى قَوْمِهِ وَغَيْرِ قَوْمِهِ كَمَا يَذْكُرُونَ ذَلِكَ عَنِ الْمَسِيحِ - ﵇ -
[ ٢ / ٩٨ ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] فَحَقُّ وَتَمَامُ الْآيَةِ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] وَهَذَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ أَيْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ
[ ٢ / ٩٩ ]
وَعِبَادَتِهِ كَمَا أَنْتَ هَادٍ أَيْ دَاعٍ لِمَنْ أُرْسِلْتَ إِلَيْهِ وَالْهَادِي بِمَعْنَى الدَّاعِي الْمُعَلِّمِ الْمُبَلِّغِ لَا بِمَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُ الْهُدَى فِي الْقُلُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (٥٢) ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا أَكْثَرَ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءً بُعِثَ إِلَيْهِمْ مُوسَى وَبُعِثَ إِلَيْهِمْ بَعْدَهُ أَنْبِيَاءُ كَثِيرُونَ حَتَّى قِيلَ أَنَّهُمْ أَلْفُ نَبِيٍّ وَكُلُّهُمْ يَأْمُرُونَ بِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَلَا يُغَيِّرُونَ مِنْهَا شَيْئًا ثُمَّ جَاءَ الْمَسِيحُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى غَيَّرَ فِيهَا بَعْضَ شَرْعِ التَّوْرَاةِ بِأَمْرِ اللَّهِ - ﷿.
فَإِذَا كَانَ إِرْسَالُ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ إِلَيْهِمْ لَمْ يَمْنَعْ إِرْسَالَ الْمَسِيحِ إِلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ إِرْسَالُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَهُمْ مِنْ حِينِ الْمَسِيحِ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ١٠٠ ]
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وَهَذِهِ الْفَتْرَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ - وَهِيَ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ كَانَتْ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وَقَدْ قِيلَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ وَهِيَ سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ هِلَالِيَّةٌ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ تَكُونُ مِائَةً وَثَلَاثَ سِنِينَ هِلَالِيَّةٍ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] وَهَذِهِ التِّسْعُ وَبَعْضُ الْعَاشِرَةِ وَالتَّارِيخُ قَدْ تُحْسَبُ فِيهِ التَّامَّةُ وَتُحْسَبُ فِيهِ النَّاقِصَةُ فَمَنْ قَالَ عِشْرِينَ حَسَبَ النَّاقِصَةَ وَمَنْ قَالَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَسَبَ التَّامَّةَ فَقَطْ.
[ ٢ / ١٠١ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ زَعْمِهِمْ بِأَنَّ عَدْلَ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُطَالَبُوا بِاتِّبَاعِ إِنْسَانٍ لَمْ يَأْتِ إِلَيْهِمْ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَدْلٌ وَلَيْسَ مِنْ عَدْلِهِ أَنْ يُطَالِبَ أُمَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِ إِنْسَانٍ لَمْ يَأْتِ إِلَيْهِمْ وَلَا وَقَفُوا لَهُ عَلَى كِتَابٍ بِلِسَانِهِمْ وَلَا مِنْ جِهَةِ دَاعٍ مِنْ قِبَلِهِ فَيُقَالُ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَهُ مَنْ كَتَبَ هَذَا الْكِتَابَ وَلَا أَحَدٌ يَفْهَمُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَفْهَمُونَ هَذَا الْكِتَابَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَدْ قَرَءُوهُ وَنَاظَرُوا بِمَا فِيهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَفْهَمُونَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُمْكِنُهُمْ فَهْمُ مَا قَالَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَتَفْهِيمُ ذَلِكَ لِقَوْمِهِمْ بِاللِّسَانِ الْآخَرِ.
الثَّانِي: كَمَا أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مَا فِي كُتُبِهِمُ الرُّومِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَالْقِبْطِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَيُتَرْجِمُونَهَا لِلْعَرَبِ مِنَ النَّصَارَى بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِذَا قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى عَرَبِ النَّصَارَى بِاللِّسَانِ الرُّومِيِّ فَلَأَنْ تَقُومَ عَلَى الرُّومِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْلَى، فَإِنَّ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ أَكْثَرُ انْتِشَارًا فِي الْعَالَمِ مِنَ اللِّسَانِ الرُّومِيِّ وَالنَّاطِقُونَ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ أَكْثَرُ مِنَ النَّاطِقِينَ بِغَيْرِهِ وَهُوَ أَكْمَلُ بَيَانًا وَأَتَمُّ تَفَهُّمًا.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ وَصُولُ الْمَعَانِي بِهِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِ لِسَانِهِ أَيْسَرَ لِكَمَالِ مَعْنَاهُ وَلِكَثْرَةِ الْعَارِفِينَ بِهِ وَهَؤُلَاءِ عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَقْرَءُونَ كُتُبَ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْفَلْسَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مَعَ أَنَّ مُصَنِّفِيهَا كَانُوا عَجَمًا مِنْ رُومِيٍّ وَيُونَانِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ وَتَفْسِيرُهُ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِاللِّسَانِ الْعِبْرِيِّ مَعَ أَنَّهُ أُخِذَ عَنِ الرَّسُولِ بِالْعَرَبِيِّ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُعْرَفَ بِهِ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ النَّاسُ لَهُمْ فِي عَدْلِ اللَّهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قِيلَ كُلُّ مَا يَكُونُ مَقْدُورًا فَهُوَ عَدْلٌ وَقِيلَ: الْعَدْلُ مِنْهُ نَظِيرُ الْعَدْلِ مِنْ عِبَادِهِ وَهُمَا قَوْلَانِ ضَعِيفَانِ وَقِيلَ: مِنْ عَدْلِهِ أَنْ يَجْزِيَ الْمُحْسِنَ بِحَسَنَاتِهِ لَا يُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْهَا وَلَا يُعَاقِبُهُ بِلَا ذَنْبٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ الْعَبْدُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِ طَوَائِفِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا لِلْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَقَدْ كُلِّفَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْأَعْمَالِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ لَهُمْ وَشَاقٌّ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ بِلُغَةٍ يُبَيِّنُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مَعْنَاهَا لَهُمْ وَالْعَرَبُ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ طَبَّقُوا الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ نَصَارَى لَا يُحْصَوْنَ فَكُلُّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى أَمْكَنَهُ فَهْمُ مَا يُقَالُ بِالْعَرَبِيِّ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رُومِيًّا كَانَ لَهُ أُسْوَةً مَنْ أَسْلَمَ مِنْ سَائِرِ طَوَائِفِ الْأَعَاجِمِ كَالْفُرْسِ وَالتُّرْكِ وَالْهِنْدِ وَالْبَرْبَرِ وَالْحَبَشَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَالْعَمَلِ بِهِ كَمَا يُمَكَّنُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بَلِ
[ ٢ / ١٠٣ ]
الرُّومُ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلِأَيِّ وَجْهٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَإِنَّمَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ هَلْ يُسَمَّى وَاجِبًا فَقِيلَ يُسَمَّى وَاجِبًا وَقِيلَ لَا يُسَمَّى وَاجِبًا، فَإِنَّ الْآمِرَ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالْأَمْرِ وَقَدْ لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مَخْلُوقًا.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا أَوْ يُعَاقَبُ تَارِكُهُ شَرْعًا أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ أَوْ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ أَوِ الْعِقَابِ وَقَالُوا وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ، فَإِنَّ الْحَجَّ إِذَا وَجَبَ عَلَى شَخْصَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعِيدٌ وَالْآخَرُ قَرِيبٌ وَلَمْ يَفْعَلَاهُ لَمْ تَكُنْ عُقُوبَةُ الْبَعِيدِ عَلَى التَّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ عُقُوبَةِ الْقَرِيبِ مَعَ أَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ قَطْعِهَا أَكْثَرُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لَيْسَتْ عُقُوبَتُهُ عَلَى التَّرْكِ بِأَقَلَّ مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى بَيْعِ مَالٍ لَهُ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِ الْوَاجِبِ وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ مُمْتَنِعٌ فَالْمَأْمُورُ بِهِ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ إِلَّا بِلَوَازِمِهِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ إِلَّا بِتَرْكِ مَلْزُومَاتِهِ لَكِنَّ هَذَا الْمَلْزُومَ لُزُومٌ عَقْلِيٌّ أَوْ عَادِيٌّ فَوُجُوبُهُ وُجُوبٌ عَقْلِيٌّ عَادِيٌّ لَا أَنَّ الْآمِرَ
[ ٢ / ١٠٤ ]
نَفْسَهُ قَصَدَ إِيجَابَهُ وَالذَّمَّ وَالْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ.
وَتَنَازَعَ النَّاسُ هَلْ يُقَالُ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ سَوَاءً كَانَ وُجُوبُهُ شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ يُحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَكَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ فَهُوَ وَاجِبٌ؟ .
فَالْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ الْأُولَى وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَيَّدُوهَا بِالْقُدْرَةِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا يَنْتَفِي الْوُجُوبُ مَعَ انْتِفَائِهِ فَيَكُونُ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ لَا فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَوْجَبَ عَلَى الْعِبَادِ شَيْئًا وَاحْتَاجَ أَدَاءُ الْوَاجِبِ إِلَى تَعَلُّمِ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ كَانَ تَعَلُّمُهُ وَاجِبًا فَإِذَا كَانَ مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ تَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ بِغَيْرِ لُغَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَعَلُّمِ مَعْنَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَيْسَتْ بِلُغَتِهِ أَوْ عَلَى مَعْرِفَةِ تَرْجَمَتِهَا بِلُغَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ ذَلِكَ.
وَلَوْ جَاءَتْ رِسَالَةٌ مِنْ مَلِكٍ إِلَى مَلِكٍ بِغَيْرِ لِسَانِهِ لَطَلَبَ مَنْ يُتَرْجِمُ مَقْصُودَ الْمَلِكِ الْمُرْسِلِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ أَنْتَ لَمْ تَبْعَثْ إِلَيَّ مَنْ يُخَاطِبُنِي بِلُغَتِي مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَفْهَمَ مُرَادَهُ بِالتَّرْجَمَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟ ! وَلَوْ أَمَرَ بِهِ بَعْضُ الْمُلُوكِ بَعْضَ رَعَايَاهُ وَجُنُودِهِ بِلُغَتِهِ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ إِمَّا بِتَعَلُّمِ لُغَتِهِ وَإِمَّا
[ ٢ / ١٠٥ ]
بِمَنْ يُتَرْجِمُ لَهُمْ مَا قَالَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا فَكَيْفَ يَكُونُ ظُلْمًا مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ؟ .
وَلَوْ وَجَبَ لِبَعْضِ الرَّعِيَّةِ حَقٌّ عَلَى بَعْضٍ أَوْ ظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَوَجَبَ عَلَى الْمَلِكِ أَنْ يُنْصِفَ الْمَظْلُومَ وَيُرْسِلَ إِلَى الظَّالِمِ مَنْ يَأْمُرُهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَيُعَاقِبُهُ إِذَا لَمْ يُنْصِفْ إِذَا كَانَ الظَّالِمُ مُتَمَكِّنًا مِنْ مَعْرِفَةِ أَمْرِ الْمَلِكِ بِالتَّرْجَمَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ لَيْسَ الْعَدْلُ أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ ظَالِمِينَ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَرْسَلَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِ بِالتَّرْجَمَةِ أَوْ غَيْرِ التَّرْجَمَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ وَهُوَ الْقِسْطُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ لِكَوْنِ الرَّسُولِ لَيْسَ لُغَتُهُ لُغَتَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَعْرِفَ مُرَادَهُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَالنَّاسُ فِي مَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ يَتَوَسَّلُ أَحَدُهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِ الْآخَرِ بِالتَّرْجَمَةِ وَغَيْرِهَا فَيَتَبَايَعُونَ وَبَيْنَهُمْ تُرْجُمَانٌ يُبَلِّغُ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَيَتَرَاسَلُونَ فِي عِمَارَةِ بِلَادِهِمْ وَأَغْرَاضِ نُفُوسِهِمْ بِالتَّرَاجِمِ الَّذِينَ يُتَرْجِمُونَ لَهُمْ وَأَمْرُ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَكَيْفَ لَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَكَيْفَ يَكُونُ أَمْرُ الدُّنْيَا أَهَمَّ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ إِلَّا عِنْدَ مَنْ أَغْفَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَأَعْرَضَ عَنْ
[ ٢ / ١٠٦ ]
ذِكْرِ رَبِّهِ وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ مِنَ الْعَجَبِ أَنْ تَعُدَّ النَّصَارَى مِثْلَ هَذَا ظُلْمًا خَارِجًا عَنِ الْعَدْلِ وَهُمْ قَدْ نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنَ الظُّلْمِ الْعَظِيمِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا سَبُّوهُ وَشَتَمُوهُ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ فَهُمْ مِنْ أَبْعَدِ الْأُمَمِ عَنْ تَوْحِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ وَحَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ آدَمَ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ غَضِبَ الرَّبُّ عَلَيْهِ وَعَاقَبَهُ وَأَنَّ تِلْكَ الْعُقُوبَةَ بَقِيَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِ إِلَى أَنْ جَاءَ الْمَسِيحُ وَصُلِبَ وَأَنَّهُ كَانَتِ الذُّرِّيَّةُ فِي حَبْسِ إِبْلِيسَ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ ذَهَبَتْ رُوحُهُ إِلَى جَهَنَّمَ فِي حَبْسِ إِبْلِيسَ حَتَّى قَالُوا: ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ.
[فَصْلٌ: رَدُّ عَقِيدَةِ النَّصَارَى فِي الصَّلْبِ وَالْفِدَاءِ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أَبُوهُ كَافِرًا وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ اللَّهُ بِذَنْبِ أَبِيهِ فَكَيْفَ
[ ٢ / ١٠٧ ]
يُؤَاخِذُهُ بِذَنْبِ آدَمَ وَهُوَ أَبُوهُ الْأَبْعَدُ، هَذَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَتُبْ فَكَيْفَ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ؟ ثُمَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الصَّلْبَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا بِهِ خَلَّصَ اللَّهُ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ وَبِهِ عَاقَبَ إِبْلِيسَ مَعَ أَنَّ إِبْلِيسَ مَا زَالَ عَاصِيًا لِلَّهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ مِنْ حِينِ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ وَوَسْوَسَ لِآدَمَ إِلَى حِينِ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ وَالرَّبُّ قَادِرٌ عَلَى عُقُوبَتِهِ وَبَنُو آدَمَ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَنْبِ أَبِيهِمْ فَمَنْ كَانَ قَوْلُهُمْ مِثْلَ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي هِيَ مَضَاحِكُ الْعُقَلَاءِ وَالَّتِي لَا تَصْلُحُ أَنْ تُضَافَ إِلَى أَجْهَلِ الْمُلُوكِ وَأَظْلَمِهِمْ فَكَيْفَ يَدَّعُونَ مَعَ هَذَا أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِالْعَدْلِ وَيَجْعَلُونَ مِنْ عَدْلِهِ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ الْإِنْسَانَ بِتَعَلُّمِ مَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَفِيهِ صَلَاحُ مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ وَيَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا مُوجِبًا لِتَكْذِيبِ كِتَابِهِ وَرُسُلِهِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى تَبْدِيلِ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَتَكْذِيبِ الْكِتَابِ الْآخِرِ وَعَلَى أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُخَالَفَةَ مُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ؟ .
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمُ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ جَمِيعًا إِنَّمَا مَكَّنَ الْكُفَّارَ مِنْ صَلْبِهِ لِيَحْتَالَ بِذَلِكَ عَلَى عُقُوبَةِ إِبْلِيسَ قَالُوا: فَأَخْفَى نَفْسَهُ عَنْ إِبْلِيسَ لِئَلَّا يُعْلَمَ وَمَكَّنَ أَعْدَاءَهُ مِنْ أَخْذِهِ وَضَرْبِهِ وَالْبُصَاقِ فِي وَجْهِهِ وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ وَصَلْبِهِ وَأَظْهَرَ الْجَزَعَ مِنَ الْمَوْتِ وَصَارَ يَقُولُ يَا إِلَهِي لِمَ سَلَّطْتَ أَعْدَائِي عَلَيَّ لِيَخْتَفِيَ بِذَلِكَ عَنْ إِبْلِيسَ فَلَا يَعْرِفُ إِبْلِيسُ أَنَّهُ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ وَيُرِيدُ إِبْلِيسُ أَنْ يَأْخُذَ رُوحَهُ إِلَى الْجَحِيمِ كَمَا أَخَذَ أَرْوَاحَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ
[ ٢ / ١٠٨ ]
وَمُوسَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ الرَّبُّ حِينَئِذٍ وَيَقُولُ بِمَاذَا اسْتَحْلَلْتَ يَا إِبْلِيسُ أَنْ تَأْخُذَ رُوحِي؟ فَيَقُولُ لَهُ إِبْلِيسُ: بِخَطِيئَتِكَ فَيَقُولُ: نَاسُوتِي لَا خَطِيئَةَ لَهُ كَنَوَاسِيتِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُمْ خَطَايَا اسْتَحَقُّوا بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ وَأَنَا لَا خَطِيئَةَ لِي.
وَقَالُوا فَلَمَّا أَقَامَ اللَّهُ الْحُجَّةَ عَلَى إِبْلِيسَ جَازَ لِلرَّبِّ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْخُذَ إِبْلِيسَ وَيُعَاقِبَهُ وَيُخَلِّصَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ إِذْهَابِهِمْ إِلَى الْجَحِيمِ وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ وَنِسْبَةِ الظُّلْمِ إِلَى اللَّهِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ فَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ: فَقَدْ قُدِحَ فِي عِلْمِ الرَّبِّ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ قَدْحًا مَا قَدَحَهُ فِيهِ أَحَدٌ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ إِبْلِيسُ إِنْ كَانَ أَخَذَ الذُّرِّيَّةَ بِذَنْبِ أَبِيهِمْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ بِخَطَايَاهُمْ فَلَمْ يَأْخُذْهُمْ بِذَنْبِ أَبِيهِمْ وَهُمْ قَالُوا إِنَّمَا أَخَذَهُمْ بِذَنْبِ آدَمَ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ مَنْ خُلِقَ بَعْدَ الْمَسِيحِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كَمَنْ خُلِقَ قَبْلَهُ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُمَكَّنَ إِبْلِيسُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ دُونَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكُلُّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آدَمَ سَوَاءٌ وَهُمْ أَيْضًا يُخْطِئُونَ أَعْظَمَ مِنْ خَطَايَا الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَكَيْفَ جَازَ تَمْكِينُ إِبْلِيسَ مِنْ عُقُوبَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ عُقُوبَةِ الْكُفَّارِ وَالْجَبَابِرَةِ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ؟ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ أَخْذُ إِبْلِيسَ لِذُرِّيَّةِ آدَمَ وَإِدْخَالُهُمْ جَهَنَّمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ظُلْمًا مِنْ إِبْلِيسَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا
[ ٢ / ١٠٩ ]
فَلَا لَوْمَ عَلَى إِبْلِيسَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَالَ عَلَيْهِ لِيَمْتَنِعَ مِنَ الْعَدْلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بَلْ يَجِبُ تَمْكِينُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ.
وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا فَلِمَ لَا يَمْنَعُهُ الرَّبُّ مِنْهُ قَبْلَ الْمَسِيحِ؟ .
فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَقْدِرْ فَقَدْ نَسَبُوهُ إِلَى الْعَجْزِ وَإِنْ قِيلَ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ ظُلْمِ إِبْلِيسَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ دَفْعِهِ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ إِنْ جَازَ ذَلِكَ جَازَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَإِنِ امْتَنَعَ امْتَنَعَ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ إِبْلِيسَ إِنْ كَانَ مَعْذُورًا قَبْلَ الْمَسِيحِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى عُقُوبَتِهِ وَلَا مَلَامَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ وَلَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ يُحْتَالَ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ تُقَامُ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: إِنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ قَبْلَ الصَّلْبِ فَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ حُجَّةً بِالصَّلْبِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا مَا عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا النَّاسُوتَ هُوَ نَاسُوتُ الرَّبِّ وَأَنْتَ يَا رَبِّ قَدْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آخُذَ جَمِيعَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ فَأُودِيهِمْ إِلَى الْجَحِيمِ فَهَذَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَمَا عَلِمْتُ أَنَّكَ أَوِ ابْنَكَ اتَّحَدَ بِهِ وَلَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ لَعَظَّمْتُهُ، فَأَنَا مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَظْلِمَنِي.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ نَقُولَ: أَنَّ إِبْلِيسَ يَقُولُ حِينَئِذٍ يَا رَبِّ فَهَذَا
[ ٢ / ١١٠ ]
النَّاسُوتُ الْوَاحِدُ أَخْطَأْتُ فِي أَخْذِ رُوحِهِ لَكِنَّ سَائِرَ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ بَعْدَهُ لِي أَنْ أَحْبِسَ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ كَمَا حَبَسْتُ أَرْوَاحَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ إِمَّا بِذَنْبِ أَبِيهِمْ وَإِمَّا بِخَطَايَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَحِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى حَقًّا فَلَا حُجَّةَ لِلَّهِ عَلَى إِبْلِيسَ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ هَبْ أَنَّ آدَمَ أَذْنَبَ وَبَنُوهُ أَذْنَبُوا بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ فَعُقُوبَةُ بَنِي آدَمَ عَلَى ذُنُوبِهِمْ هِيَ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى إِبْلِيسَ؟ فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ أَنَّ إِبْلِيسَ لَهُ أَنْ يُغْوِيَ بَنِي آدَمَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمْ ثُمَّ لَهُ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ جَمِيعًا بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَهَلْ هَذَا الْقَوْلُ إِلَّا مِنْ قَوْلِ الْمَجُوسِ الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الشَّرِّ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْعِقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ مِنْ فِعْلِ إِبْلِيسَ لَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا عَاقَبَ اللَّهُ أَحَدًا عَلَى ذَنْبٍ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ سَرَى إِلَى النَّصَارَى مِنَ الْمَجُوسِ لِهَذَا لَا يَنْقُلُونَ هَذَا الْقَوْلَ فِي كِتَابٍ مُنَزَّلٍ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَلِهَذَا كَانَ الْمَانَوِيَّةُ دِينُهُمْ مُرَكَّبًا مِنْ دِينِ النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَكَانَ رَأْسُهُمْ مَانِيُّ نَصْرَانِيًّا مَجُوسِيًّا فَالنَّسَبُ بَيْنَ النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ بَلْ وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ.
[ ٢ / ١١١ ]
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ إِبْلِيسُ عَاقَبَ بَنِي آدَمَ وَأَدْخَلَهُمْ جَهَنَّمَ بِإِذْنِ اللَّهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
إِنْ قَالُوا: بِإِذْنِهِ فَلَا ذَنْبَ لَهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْتَالَ عَلَيْهِ لِيُعَاقَبَ وَيَمْتَنِعُ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَهَلْ جَازَ فِي عَدْلِ اللَّهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ جَازَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي زَمَانٍ لَمْ يَجُزْ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْمَسِيحِ وَمَا بَعْدَهُ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنْ يُقَالَ هَلْ كَانَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ إِبْلِيسَ وَعُقُوبَتِهِ بِدُونِ هَذِهِ الْحِيلَةِ وَكَانَ ذَلِكَ عَدْلًا مِنْهُ لَوْ فَعَلَهُ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَقْدُورًا لَهُ وَهُوَ عَدْلٌ مِنْهُ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَحْتَالَ عَلَى إِبْلِيسَ وَلَا يَصْلُبَ نَفْسَهُ أَوِ ابْنَهُ ثُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا الْعَدْلُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَجَبَ مَنْعُ إِبْلِيسَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا جَازَ تَمْكِينُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَانٍ وَزَمَانٍ.
وَإِنْ قِيلَ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ إِبْلِيسَ فَهُوَ تَعْجِيزٌ لِلرَّبِّ عَنْ مَنْعِ إِبْلِيسَ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ
[ ٢ / ١١٢ ]
الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ النُّورُ أَنْ يَمْنَعَ الظُّلْمَةَ مِنَ الشَّرِّ وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِ دِيمُقْرَاطِيسَ وَالْحَنَّانِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَمْ يُمَكَّنْ وَاجِبُ الْوُجُودِ أَنْ يَمْنَعَ النَّفْسَ مِنْ مُلَابَسَةِ الْهَيُولِيِّ بَلْ تَعَلَّقَتِ النَّفْسُ بِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ مَا فَعَلَهُ بِهِ الْكُفَّارُ الْيَهُودُ الَّذِينَ صَلَبُوهُ طَاعَةً لِلَّهِ أَوْ مَعْصِيَةً، فَإِنْ كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ اسْتَحَقَّ الْيَهُودُ الَّذِينَ صَلَبُوهُ أَنْ يُثِيبَهُمْ وَيُكْرِمَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ كَمَا يُثِيبُ سَائِرَ الْمُطِيعِينَ لَهُ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ إِثْمًا وَهُمْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ وَهُمْ يَسْتَحِلُّونَ مِنْ دَمِهِمْ وَلَعْنَتِهِمْ مَا لَا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ بَلْ
[ ٢ / ١١٣ ]
يُبَالِغُونَ فِي طَلَبِ الْيَهُودِ وَعُقُوبَتِهِمْ فِي آخِرِ صَوْمِهِمُ الْأَيَّامَ الَّتِي تُشْبِهُ أَيَّامَ الصَّلِيبِ وَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ عُصَاةً لِلَّهِ فَهَلْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ إِبْلِيسَ مِنْ ظُلْمِ الذَّرِّيَّةِ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مَنْعِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ إِبْلِيسَ بِدُونِ هَذِهِ الْحِيلَةِ وَإِذَا كَانَ حَسَنًا مِنْهُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ كَانَ حَسَنًا مِنْهُ تَمْكِينُ إِبْلِيسَ مِنْ ظُلْمِ الذَّرِّيَّةِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْحِيلَةِ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوهَ الدَّالَّةَ عَلَى فَسَادِ دِينِ النَّصَارَى كَثِيرَةٌ جِدًّا وَكُلَّمَا تَصَوَّرَ الْعَاقِلُ مَذْهَبَهُمْ وَتَصَوَّرَ لَوَازِمَهُ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُهُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ تَنَاقُضِهِمْ فِي أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ عُذْرَ أَنْفُسِهِمْ فِي تَرْكِ الْإِيمَانِ بِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ لِكَوْنِهِ سُبْحَانَهُ عَدْلًا لَا يَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا يَعْجِزُونَ عَنْهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ إِلَّا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَقَدْ نَسَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ مَا لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ يُوَضِّحُ هَذَا.
الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: وَهُوَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ فِي الظُّلْمِ بِقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الْمُجْبِرَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِلَا حِكْمَةٍ وَلَا سَبَبٍ
[ ٢ / ١١٤ ]
وَلَا مُرَاعَاةِ عَدْلٍ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ عَادِلٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ، وَلَكِنْ لَيْسَ عَدْلُهُ كَعَدْلِ الْمَخْلُوقِ فَهَذِهِ أَقْوَالُ النَّاسِ الثَّلَاثَةُ.
فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ جَازَ أَنْ يُسَلِّطَ إِبْلِيسَ عَلَى جَمِيعِ الذُّرِّيَّةِ بِلَا ذَنْبٍ وَأَنْ يُعَاقِبَهُمْ جَمِيعًا بِلَا ذَنْبٍ وَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إِلَى الْحِيلَةِ عَلَى إِبْلِيسَ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ النَّاسِ لَوْ عَلِمَ أَنَّ بَعْضَ مَمَالِيكِهِ أَمَرَ غَيْرَهُ بِذَنْبٍ يَكْرَهُهُ السَّيِّدُ فَفَعَلَهُ كَانَ الْعَدْلُ مِنْهُ أَنْ يُعَاقِبَ الْآمِرَ وَالْمَأْمُورَ جَمِيعًا.
وَأَمَّا تَسْلِيطُهُ لِلْآمِرِ عَلَى عُقُوبَةِ الْمَأْمُورِ فَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ وَكَذَلِكَ تَسْلِيطُ الْآمِرِ الظَّالِمِ عَلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ الْمَأْمُورِ الَّذِينَ لَمْ يُذْنِبُوا ذَنْبَ أَبِيهِمْ لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ.
وَإِنْ قِيلَ: بَلْ هُوَ اسْتَحَقَّ أَنْ يَسْتَعْبِدَهُمْ لِكَوْنِ أَبِيهِمْ أَطَاعَهُ قِيلَ: فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَأْسِرَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ حَقِّهِ بِالِاحْتِيَالِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُمْ خَطَايَاهُمْ قِيلَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.
وَإِنْ قِيلَ: هُوَ لَمَّا طَلَبَ أَخْذَ رُوحِ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ مَنَعَ بِهَذَا الذَّنْبِ قِيلَ: هَذَا إِنْ كَانَ ذَنْبًا فَهُوَ أَخَفُّ ذُنُوبِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ نَاسُوتُ الْإِلَهِ وَإِذَا اسْتَحَقَّ الرَّجُلُ أَنْ يَسْتَرِقَّ أَوْلَادَ غَيْرِهِ فَطَلَبَ رَجُلًا
[ ٢ / ١١٥ ]
لِيَسْتَرِقَّهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ هَذَا ذَنْبًا يَمْنَعُ اسْتِرْقَاقَ الْبَاقِينَ.
وَإِنْ قِيلَ إِنَّ عَدْلَ الرَّبِّ لَيْسَ كَعَدْلِ الْمَخْلُوقِينَ بَلْ مِنْ عَدْلِهِ أَنْ لَا يَنْقُصَ أَحَدًا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَلَا يُعَاقِبَهُ إِلَّا بِذَنْبِهِ لَمْ يَجُزْ حِينَئِذٍ أَنْ يُعَاقِبَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ بِذَنْبِ أَبِيهِمْ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَاقِبَ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ ذَنْبٌ إِلَّا ذَنْبٌ تَابُوا مِنْهُ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ أَنْ يُقَرُّوا عَلَى ذَنْبٍ فَكُلُّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فَكَيْفَ يُعَاقَبُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَنْبِ أَبِيهِمْ إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الذَّنْبِ مَعَ أَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ بَاطِلٌ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَهُمْ خَطَايَا يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الْعُقُوبَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَتَسْلِيطَ إِبْلِيسَ عَلَى عُقُوبَتِهِمْ مَعَ أَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ بَاطِلٌ فَمَنْ بَعْدَ الْمَسِيحِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَى بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ فِي الْعَدْلِ الَّذِي يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ عُقُوبَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْعُ عُقُوبَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ بَلْ مَنْ هُوَ مِنَ الْكُفَّارِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ الرَّبَّ إِذَا قَصَدَ بِهَذَا دَفْعَ ظُلْمِ إِبْلِيسَ فَهَلَّا اتَّحَدَ بِنَاسُوتِ بَعْضِ أَوْلَادِ آدَمَ لِيَحْتَالَ عَلَى إِبْلِيسَ فَيَمْنَعُهُ مِنْ ظُلْمِ مَنْ تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنَ الشَّرِّ الْكَثِيرِ أَوْلَى مِنَ الْمَنْعِ مِنَ الشَّرِّ الْقَلِيلِ أَتَرَاهُ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ إِبْلِيسَ يَعْمَلُ هَذَا الشَّرَّ كُلَّهُ فَهَذَا تَجْهِيلٌ لَهُ أَوْ كَانَ يَعْرِفُ وَعَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ فَهَذَا تَعْجِيزٌ لَهُ ثُمَّ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ زَمَانٍ وَزَمَانٍ أَمْ كَانَ تَرْكُ مَنْعِهِ عَدْلًا مِنْهُ فَهُوَ عَدْلٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
[ ٢ / ١١٦ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا. . . تَقْتَضِي الْعَرَبَ وَحْدَهُمْ]
وَأَمَّا تَفْسِيرُهُمْ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] بِأَنَّ مُرَادَهُ قَوْمُهُ كَمَا قَالُوا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] يُرِيدُ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْعَدْلِ قَوْمَهُ الَّذِينَ أَتَاهُمْ بِلُغَتِهِمْ لَا غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْتِهِمْ بِمَا جَاءَ فِيهِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ فَسَّرَ مُرَادَ مُتَكَلِّمٍ: أَيِّ مُتَكَلِّمٍ كَانَ بِمَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ خِلَافُ مُرَادِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ آحَادِ الْعَامَّةِ وَلَوْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ كَذِبَهُ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَعَرَفَ مُرَادَهُ بِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ فَيُقَالُ: أَرَادَ كَذَا
[ ٢ / ١١٧ ]
وَكَذَا، فَإِنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ قَبِيحٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ سَوَاءً كَانَ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا فَكَيْفَ بِمَنْ يُفَسِّرُ مُرَادَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَا يَعْلَمُ كُلُّ مَنْ خَبَرَ حَالَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بَلْ يَعْلَمُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّهُ أَرَادَ الْعُمُومَ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] صِيغَةٌ عَامَّةٌ، وَصِيغَةُ " مَنْ " الشَّرْطِيَّةُ مِنْ أَبْلَغِ صِيَغِ الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] (٧) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ثُمَّ إِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَغَيْرَهُمْ، فَإِنَّ هَذَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي أَثْنَاءِ مُخَاطَبَتِهِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَمُنَاظَرَتِهِ لِلنَّصَارَى، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَفْدُ نَجْرَانَ النَّصَارَى وَرَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا وَفِيهِمُ السَّيِّدُ وَالْأَيْهَمُ وَالْعَاقِبُ وَقِصَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
وَقَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ بِذَمِّ دِينِ النَّصَارَى الَّذِي ابْتَدَعُوهُ وَغَيَّرُوا بِهِ دِينَ الْمَسِيحِ وَلَبَّسُوا الْحَقَّ الَّذِي بُعِثَ بِهِ الْمَسِيحُ بِالْبَاطِلِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ
[ ٢ / ١١٨ ]
حَتَّى صَارَ دِينُهُمْ مُرَكَّبًا مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَاخْتَلَطَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ مَعَهُ مَنْ يَعْرِفُ مَا نَسَخَهُ الْمَسِيحُ مِنْ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ مِمَّا أَقَرَّهُ وَالْمَسِيحُ قَرَّرَ أَكْثَرَ شَرْعِ التَّوْرَاةِ وَغَيَّرَ الْمَعْنَى وَعَامَّةُ النَّصَارَى لَا يُمَيِّزُونَ مَا قَرَّرَهُ مِمَّا غَيَّرَهُ فَلَا يُعْرَفُ دِينُ الْمَسِيحِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٧٩) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا فَهُوَ كَافِرٌ فَمَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِمْ أَرْبَابًا كَانَ أَوْلَى بِالْكُفْرِ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ النَّصَارَى اتَّخَذُوا مَنْ هُوَ دُونَهُمْ أَرْبَابًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]
[ ٢ / ١١٩ ]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى مَا قَالُوا، فَإِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وَهَذِهِ اللَّامُ الْأُولَى تُسَمَّى اللَّامَ الْمُوَطِّئَةَ لِلْقَسَمِ وَاللَّامُ الثَّانِيَةُ: تُسَمَّى لَامَ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَالْكَلَامُ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ شَرْطٌ وَقَسَمٌ وَقُدِّمَ الْقَسَمُ سَدَّ جَوَابُ الْقَسَمِ مَسَدَّ جَوَابِ الشَّرْطِ، وَالْقَسَمِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥]
[ ٢ / ١٢٠ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩] وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ [النور: ٥٣] وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] (وَقَوْلُهُ): ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] (وَقَوْلُهُ): ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩] وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠]
[ ٢ / ١٢١ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم: ٥٨] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٠] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ وَحَيْثُ لَمْ يُذْكَرِ الْقَسَمُ فَهُوَ مَحْذُوفٌ مُرَادُ تَقْدِيرِ
[ ٢ / ١٢٢ ]
الْكَلَامِ - وَاللَّهِ - ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]- وَاللَّهِ - ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢] وَمِنْ مَحَاسِنِ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَحْذِفُ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ اخْتِصَارًا وَإِيجَازًا لَا سِيَّمَا فِيمَا يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ كَالْقَسَمِ (وَقَوْلُهُ): ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] هِيَ مَا الشَّرْطِيَّةُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ أَعْطَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، وَلَا تَكْتَفُوا بِمَا عِنْدَكُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ مَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ عَلَى أَنْ تَتْرُكُوا مُتَابَعَتَهُ بَلْ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَتَنْصُرُوهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ فَلَا يُغْنِيكُمْ مَا آتَيْتُكُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ مُحَمَّدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ كِتَابٌ وَحِكْمَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ وَيَنْصُرَهُ كَمَا قَالَ ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]
[ ٢ / ١٢٣ ]
وَقَدْ أَقَرَّ الْأَنْبِيَاءُ بِهَذَا الْمِيثَاقِ وَشَهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]
[ ٢ / ١٢٤ ]
قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ مُسْلِمُونَ. فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَقَالُوا: لَا نَحُجُّ فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرَ حَجَّ الْبَيْتِ وَاجِبًا عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ.
وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَا يَرَوْنَهُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ فَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى أَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - " «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» ".
[ ٢ / ١٢٥ ]
وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ.
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: فِي أَوَّلِ السُّورَةِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] (١٨) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] (١٩) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]
[ ٢ / ١٢٦ ]
فَقَدْ أَمَرَهُ - تَعَالَى - بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أَنْ يَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ، وَأَنْ يَقُولَ لِلَّذِينِ أُوتُوا الْكِتَابَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْأُمِّيِّينَ وَهُمُ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ: أَأَسْلَمْتُمْ، فَالْعَرَبُ الْأُمِّيُّونَ يَدْخُلُونَ فِي لَفْظِ الْأُمِّيِّينَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ.
وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ: فَإِمَّا أَنْ يَشْمَلَهُ هَذَا اللَّفْظُ أَوْ يَدْخُلَ فِي مَعْنَاهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُبَيِّنَةِ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] فَقَدَ أَمْرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا أَمَرَ بِهِ الْأُمِّيِّينَ وَجَعَلَهُمْ إِذَا أَسْلَمُوا مُهْتَدِينَ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَقَدْ قَالَ: (إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) أَيْ تُبَلِّغُهُمْ رِسَالَاتِ رَبِّكَ إِلَيْهِمْ وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يُحَاسِبُهُمْ فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يُبَلِّغُ الْأُمِّيِّينَ، وَأَنَّ اللَّهَ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ كَمَا يُحَاسِبُ الْأُمِّيِّينَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ إِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ النَّصَارَى «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ
[ ٢ / ١٢٧ ]
عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجَرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ» .
وَ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ وَهَذَا تَحْقِيقٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
قَالَ - تَعَالَى -: عَنْ نُوحٍ أَوَّلِ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] (٧١) ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] فَهَذَا نُوحٌ الَّذِي غَرِقَ أَهْلُ الْأَرْضِ بِدَعْوَتِهِ وَجَعَلَ جَمِيعَ الْآدَمِيِّينَ
[ ٢ / ١٢٨ ]
مِنْ ذُرِّيَّتِهِ يَذْكُرُ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الْخَلِيلُ فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] (١٢٧) ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] (١٣٠) ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] (١٣١) ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] فَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَمَرَ الْخَلِيلَ بِالْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ قَالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَصَّى بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ وَصَّى بَنِيهِ أَنْ لَا يَمُوتُنَّ إِلَّا وَهُمْ مُسْلِمُونَ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] (٦٧) ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] وَقَالَ - تَعَالَى -: عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ ابْنِ يَعْقُوبَ أَنَّهُ قَالَ
[ ٢ / ١٢٩ ]
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وَقَالَ - تَعَالَى -: عَنْ مُوسَى ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وَقَالَ عَنِ السَّحَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] (٥٠) ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١] وَقَالُوا أَيْضًا ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وَقَالَ - تَعَالَى -: فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] (٣٠) ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] وَقَالَ ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] وَقَالَ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]
[ ٢ / ١٣٠ ]
وَقَالَ عَنْ بِلْقِيسَ الَّتِي آمَنَتْ بِسُلَيْمَانَ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] وَقَالَ: عَنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَقَالَ - تَعَالَى - عَنِ الْحَوَارِيِّينَ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] .
فَهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَقَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] لَا يَخْتَصُّ بِمَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ بَلْ
[ ٢ / ١٣١ ]
هُوَ حُكْمٌ عَامٌّ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١] .
[ ٢ / ١٣٢ ]
[فَصْلٌ: تَوَسُّطُ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ تَقْصِيرِ الْيَهُودِ وَغُلُوِّ النَّصَارَى]
قَوْلُهُمْ ثُمَّ وَجَدْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ تَعْظِيمِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ حَيْثُ يَقُولُ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] مَعَ الشَّهَادَاتِ لِلسَّيِّدِ الْمَسِيحِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَأَنَّهُ حَبَلَتْ بِهِ أَمُّهُ مِنْ غَيْرِ مُبَاضَعَةِ رَجُلٍ لِبِشَارَةِ مَلَائِكَةِ اللَّهِ لِأُمِّهِ وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ وَأَحْيَا الْمَيِّتَ وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَنَقَّى الْأَبْرَصَ وَأَنَّهُ خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَنَفَخَ فِيهِ فَكَانَ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ وَوَجَدْنَا أَيْضًا فِي الْكِتَابِ أَنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ: فِي سُورَةِ النِّسَاءِ
[ ٢ / ١٣٣ ]
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧] وَفِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] وَقَالَ: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] وَقَالَ: فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧] وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣] ثُمَّ وَجَدْنَاهُ يُعَظِّمُ إِنْجِيلَنَا.
الْجَوَابُ: أَمَّا تَعْظِيمُ الْمَسِيحِ وَأُمِّهُ فَهُوَ حُقٌّ وَكَذَلِكَ مَدْحُ مَنْ كَانَ
[ ٢ / ١٣٤ ]
عَلَى دِينِهِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ أَوْ بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ فَآمَنَ بِهِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ مُوسَى الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ إِلَى أَنْ بُعِثَ الْمَسِيحُ فَآمَنَ بِهِ فَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ مُهْتَدُونَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ عَدْلٌ مُتَوَسِّطُونَ لَا يَنْحَرِفُونَ إِلَى غُلُوٍّ وَلَا إِلَى تَقْصِيرٍ.
وَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَهُمْ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضٍ هَؤُلَاءِ يَنْحَرِفُونَ إِلَى جِهَةٍ وَهَؤُلَاءِ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي تُقَابِلُهَا كَمَا ذَكَرْنَا تَقَابُلَهُمْ فِي النُّسَخِ وَكَذَلِكَ تَقَابُلَهُمْ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الطَّيِّبَاتُ وَهُمْ يُبَالِغُونَ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ
[ ٢ / ١٣٥ ]
حَتَّى أَنَّ الْحَائِضَ لَا يُؤَاكِلُونَهَا وَلَا يُسَاكِنُونَهَا وَلَا يُجَامِعُونَهَا وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ بَلْ يُقْرَضُ مَوْضِعُهَا وَيَسْتَخْرِجُونَ الدَّمَ مِنَ الْعُرُوقِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَفِي مُقَابَلَتِهِمْ تَجِدُ عَامَّتَهُمْ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا حَرَامًا وَلَا نَجِسًا إِلَّا مَا كَرِهَهُ الْإِنْسَانُ بِطَبْعِهِ وَيُصَلُّونَ مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ وَحَمْلِ النَّجَاسَاتِ وَيَأْكُلُونَ الْخَبَائِثَ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ إِلَّا مَنْ كَرِهَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَتَرَكَهُ وَالْمُسْلِمُونَ وَسَطٌ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِيهِمْ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ عَدْلًا خِيَارًا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] (١٥٦) ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
[ ٢ / ١٣٦ ]
وَلِهَذَا كَانَ مَنِ انْحَرَفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى شُبَهِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَأْمُورًا بِتَرْكِ ذَلِكَ الِانْحِرَافِ وَاتِّبَاعِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ كَالْيَهُودِ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ كَالنَّصَارَى.
وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ يُبَالِغُ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ فَيُنَجِّسُ مَا لَمْ يُنَجِّسْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُحَرِّمُ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَأْخُذُهُ الْوَسْوَاسُ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَيُحَرِّمُ طَيِّبَاتٍ أَحَلَّهَا اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَزُولُ لَا بِمَاءٍ وَلَا بِغَيْرِهِ أَوْ يَرَى أَنَّهَا وَإِنْ زَالَتْ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ فَالْمَحَلُّ نَجِسٌ إِذَا لَمْ تَزَلْ بِمَا يَشْتَرِطُهُ هُوَ مِنَ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَرَى أَنَّ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي
[ ٢ / ١٣٧ ]
أَحَلَّهَا اللَّهُ حَرَامٌ خَبِيثَةٌ لِأَنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ عَنِ الْمُحَرَّمِ مَعَ أَنَّ الْخَلَّ حَلَالٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ كَانَ خَمْرًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا بَدَا إِلَى حَالَتِهِ أَوْ يَرَى أَنَّ الْمَاءَ الطَّيِّبَ وَالْمَائِعَاتِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ مِنَ الْخَبِيثِ حَرَامٌ لِكَوْنِ الْخَبِيثِ لَاقَاهَا أَوِ اسْتُهْلِكَ فِيهَا مَعَ أَنَّهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَا مِنَ الْخَبَائِثِ أَوْ يَرَى تَحْرِيمَ مَا سِوَى مَوْضِعِ الدَّمِ الَّذِي هُوَ أَذًى إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالٍ قَالَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنَّ غَيْرَهُمْ نَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاتَّبَعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ يُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَرَى نَجَاسَةَ الْكُفَّارِ كَمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ فَإِذَا أَكَلَ غَيْرُهُمْ مِنْ وِعَائِهِمْ نَجَّسَهُ عِنْدَهُمْ وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَهُ عَالِمٌ مِثْلُ مَنْ يَغْسِلُ يَدَيْهِ وَثِيَابَهُ وَحُصْرَ بَيْتِهِ بِتَوَهُّمِ نَجَاسَتِهَا أَوْ يَأْمُرُ الْحَائِضَ إِذَا طَهُرَتْ أَنْ تُبَدِّلَ ثِيَابَهَا الْأَوَّلَ أَوْ تَغْسِلَهَا أَوْ يَمْنَعُ الْجُنُبَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ حَتَّى يَغْتَسِلَ فَهَذَا كَثِيرٌ فِيمَنْ يُشْبِهُ الْيَهُودَ بَلْ يُشْبِهُ سَامِرَةَ الْيَهُودِ.
وَأَمَّا مَنْ يُشْبِهُ النَّصَارَى فَمِثْلُ مَنْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِمَنْ لَا يَتَطَهَّرُ وَلَا
[ ٢ / ١٣٨ ]
يُصَلِّي مِنَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْفَقْرِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ مِثْلُ مَنْ يَكُونُ فِي مَوَاضِعِ الشَّيَاطِينِ وَالنَّجَاسَاتِ كَالْحَمَّامِ وَالْأَتَاتِينِ وَالْمَزَابِلِ وَهُوَ مُتَلَوِّثٌ بِالْبَوْلِ وَالْعُذْرَةِ وَيُعَاشِرُ الْكِلَابَ وَلَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ بَلْ وَلَا يُصَلِّي أَوْ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَأَنَّ الْوُضُوءَ مِنَ الْحَدَثِ وَالِاغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ لَا يُصَلِّي إِلَّا بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَلَا يَتَيَمَّمُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وَمَنْ جَعَلَ الزَّاهِدَ الْعَابِدَ الَّذِي لَهُ نَوْعٌ مِنَ الْخَوَارِقِ مِثْلَ نَوْعٍ مِنَ الْكَشْفِ وَالتَّصَرُّفِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْجُهَّالُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ كَرَامَاتِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَتَوَضَّأُ وَيَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ لَمْ يُحَرِّمِ الْخَبَائِثَ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَالْبَوْلِ وَالْعُذْرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ جَعَلَ مُسْتَحِلَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِمُخَالَفَتِهِ لِدِينِ الرَّسُولِ وَلِيًّا لِلَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ فِيمَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ وَيَذُمُّ أَهْلَ الْكِتَابِ مَنْ يَكُونُ مُنَافِقًا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَيَكُونُ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَخَفَّ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] (١٤٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ السُّنَّةِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ فِي التَّوْحِيدِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ شَبَّهُوا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ وَهُوَ صِفَاتُ النَّقْصِ الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا وَالنَّصَارَى شَبَّهُوا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْخَالِقِ وَهُوَ صِفَاتُ الْكَمَالِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا اللَّهُ ﵎ فَقَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْيَهُودِ
[ ٢ / ١٤٠ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وَقَالُوا ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وَهُوَ بَخِيلٌ وَقَالُوا أَنَّهُ خَلَقَ الْعَالَمَ فَتَعِبَ فَاسْتَرَاحَ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَأَنَّهُ نَاحَ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَهْلَكَهُ مِنْ عِبَادِهِ كَمَا يَنُوحُ الْمُصَابُ عَلَى مَيِّتِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ وَيَتَقَدَّسُ - ﷾.
وَأَيْضًا فَهُمْ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ وَيَعْصُونَ أَمْرَهُ وَيَتَعَدَّوْنَ حُدُودَهُ وَلَا يُجَوِّزُونَ لَهُ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ بَلْ يَحْجُرُونَ عَلَيْهِ.
وَالنَّصَارَى يَصِفُونَ الْمَخْلُوقَ بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الْخَالِقُ فَيَجْعَلُونَهُ رَبَّ
[ ٢ / ١٤١ ]
الْعَالَمِينَ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ الَّذِي هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وَاتَّخَذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَ الْمَخْلُوقَاتِ وَاتَّخَذُوهُمْ شُفَعَاءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ كَمَا قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] وَالْمُسْلِمُونَ وَسَطٌ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ يَصِفُونَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَيُنَزِّهُونَهُ عَنِ النَّقَائِصِ الَّتِي تَمْتَنِعُ عَلَى الْخَالِقِ وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا
[ ٢ / ١٤٢ ]
إِلَّا الْمَخْلُوقُ فَيَصِفُونَهُ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَيُنَزِّهُونَهُ عَنِ الْمَوْتِ وَالنَّوْمِ وَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالظُّلْمِ وَالْفَنَاءِ وَيَعْلَمُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَثِيلَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَلَا أَحَدَ يَعْلَمُ كَعِلْمِهِ وَلَا يَقْدِرُ كَقُدْرَتِهِ وَلَا يَرْحَمُ كَرَحْمَتِهِ وَلَا يَسْمَعُ كَسَمْعِهِ وَلَا يُبْصِرُ كَبَصَرِهِ وَلَا يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ وَلَا يَسْتَوِي كَاسْتِوَائِهِ وَلَا يَأْتِي كَإِتْيَانِهِ وَلَا يَنْزِلُ كَنُزُولِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] وَلَا يَصِفُونَ أَحَدًا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ بِخَصَائِصِ الْخَالِقِ ﷻ بَلْ كُلُّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ فَقِيرٌ إِلَيْهِ عَبْدٌ لَهُ وَهُوَ الصَّمَدُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ وَيَسْأَلُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَهُوَ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] (٨٨) ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] (٨٩) ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] (٩٠) ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩١] (٩١) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] (٩٢) ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] (٩٣) ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] (٩٤) ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]
[ ٢ / ١٤٣ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] (١٧١) ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] (١٧٢) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] وَكَذَلِكَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ فَالنَّصَارَى يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ وَيَقُولُونَ أَيْضًا هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ وَالْيَهُودُ يَقُولُونَ هُوَ وَلَدُ زِنَا وَهُوَ ابْنُ يُوسُفَ النَّجَّارِ وَيَقُولُونَ عَنْ مَرْيَمَ إِنَّهَا بَغِيٌّ بِعِيسَى كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] وَيَقُولُونَ هُوَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَيَقُولُونَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ وَرُوحٌ مِنْهُ وَهُوَ وَجِيهٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيَصِفُونَهُ بِمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ لَا يَغْلُونَ فِيهِ غُلُوَّ النَّصَارَى وَلَا يُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهِ تَقْصِيرَ الْيَهُودِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَفِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَالْيَهُودُ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وَالَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ
[ ٢ / ١٤٤ ]
دُونَ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ شَارَكَ النَّصَارَى الْيَهُودَ فِي نَقْصِ حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَيَقُولُونَ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَيَقُولُونَ إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ مِثْلُ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَيَقُولُونَ إِنَّ مَنْ عَمِلَ بِوَصَايَا اللَّهِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ صَارَ مِثْلَ الْأَنْبِيَاءِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يُشَرِّعَ شَرِيعَةً وَبَعْضُ الْيَهُودِ غَلَوْا فِي الْعُزَيْرِ حَتَّى قَالُوا إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
وَلِهَذَا قَالَ نَبِيُّنَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» .
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ (كهيعص) قِصَّةَ ابْنَيِ الْخَالَةِ يَحْيَى وَعِيسَى وَيَحْيَى يُسَمُّونَهُ النَّصَارَى يُوحَنَّا وَهُوَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِيُّ عِنْدَهُمْ فَقَالَ - تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قِصَّةَ يَحْيَى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] (١٦) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] (١٩) ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] (٢٠) ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] (٢١) ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] (٢٢) ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] (٢٣) ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] (٢٤) ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] (٢٥) ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] (٢٦) ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] (٢٧) ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] (٢٨) ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] (٢٩) ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] (٣٠) ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] (٣١) ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] (٣٢) ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] .
[ ٢ / ١٤٦ ]
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] (٣٤) ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] (٣٥) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] (٣٦) ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] (٣٧) ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ قِصَّةَ مَرْيَمَ وَالْمَسِيحَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْمَكِّيَّةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِمَكَّةَ فِي السُّوَرِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا أُصُولَ الدِّينِ الْمَدَنِيَّةَ الَّتِي يُخَاطِبُ فِيهَا مَنِ اتَّبَعَ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ نَصَارَى نَجْرَانَ فَكَانَ فِيهَا الْخِطَابُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] (٣٣) ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] (٣٤) ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] (٣٥) ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنَ
[ ٢ / ١٤٧ ]
الشَّيْطَانِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ» ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى ثُمَّ قَالَ
[ ٢ / ١٤٨ ]
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] (٣٨) ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] (٣٩) ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] (٤٠) ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] (٤١) ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] (٤٣) ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] (٤٤) ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] (٤٥) ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] (٤٦) ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] (٤٧) ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] (٤٨) ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] (٤٩) ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠] (٥٠) ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] (٥١) ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] (٥٢) ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] (٥٤) ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] (٥٥) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] (٥٦) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] (٥٧) ذَلِكَ ﴿نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] (٥٨) ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] (٥٩) ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] (٦٠) ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] (٦١) ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢] (٦٢) ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣] (٦٣) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٦٥) ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] (٦٦) ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] (٦٧) ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] .
[ ٢ / ١٤٩ ]
فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ مَرْيَمَ وَالْمَسِيحَ فِي هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَعَ السُّوَرِ الْمُمَهِّدَةِ لِأُصُولِ الدِّينِ وَهِيَ سُورَةُ (كهيعص) وَالثَّانِيَةُ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَلِهَذَا تَضَمَّنَتْ مُنَاظَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُبَاهَلَتَهُمْ كَمَا نَزَلَتْ فِي بَرَاءَةٌ مُجَاهَدَتُهُمْ فَأَخْبَرَ فِي السُّورَةِ الْمَكِّيَّةِ أَنَّهَا لَمَّا انْفَرَدَتْ لِلْعِبَادَةِ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا رُوحَهُ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا فَقَالَتْ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] .
قَالَ أَبُو وَائِلٍ عَلِمَتْ أَنَّ الْمُتَّقِيَ ذُو نُهْيَةٍ أَيْ تَقْوَاهُ يَنْهَاهُ عَنِ الْفَاحِشَةِ وَأَنَّهَا خَافَتْ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْفَاحِشَةَ فَقَالَتْ أَعُوذُ
[ ٢ / ١٥٠ ]
بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أَيْ تَتَّقِي اللَّهَ وَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجُهَّالِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ فَاجِرٌ اسْمُهُ تَقِيٌّ فَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْهَذَيَانِ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ إِلَّا جَاهِلٌ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَأَخْبَرَ هَذَا الرُّوحُ الَّذِي تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّهَا فَدَلَّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ هَذَا الرُّوحَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا لَيْسَتْ صِفَةً لِغَيْرِهَا
[ ٢ / ١٥١ ]
وَأَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَلِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ جِبْرِيلُ - ﵇ - فَإِنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ الرُّوحَ الْأَمِينَ وَسَمَّاهُ رُوحَ الْقُدُسِ وَسَمَّاهُ جِبْرِيلَ وَهَكَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ لَكِنَّ ضَلَالَهُمْ حَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَيَاةُ اللَّهِ وَأَنَّهُ إِلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُعْبَدُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَا فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى صِفَتَهُ الْقَائِمَةَ بِهِ رُوحَ الْقُدُسِ وَلَا سَمَّى كَلَامَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا وَهَذَا أَحَدُ مَا يَثْبُتُ بِهِ ضَلَالُ النَّصَارَى وَأَنَّهُمْ حَرَّفُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَتِ الْأَنْبِيَاءُ، فَإِنَّ أَصْلَ تَثْلِيثِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي أَحَدِ الْأَنَاجِيلِ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - قَالَ لَهُمْ: عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا إِذَا كَانَ قَدْ قَالَهُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ فِي لُغَةِ الْمَسِيحِ وَلَا لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ صِفَةَ اللَّهِ الْقَائِمَةَ بِهِ وَلَا كَلِمَتَهُ وَلَا حَيَاتَهُ لَا ابْنًا وَلَا رُوحَ قُدُسٍ وَلَا يُسَمُّونَ كَلِمَتَهُ ابْنًا وَلَا يُسَمُّونَهُ نَفْسَهُ ابْنًا وَلَا رُوحَ قُدُسٍ، وَلَكِنْ يُوجَدُ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ الْمُصْطَفَى الْمُكَرَّمَ ابْنًا وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: لِإِسْرَائِيلَ أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي
[ ٢ / ١٥٢ ]
أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَرُوحُ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهِ الرُّوحُ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كَمَا نَزَلَتْ عَلَى دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ كَانَتْ فِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: لَهُمْ أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ فَسَمَّاهُ أَبًا لِلْجَمِيعِ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ مَخْصُوصًا عِنْدَهُمْ بِاسْمِ الِابْنِ وَلَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ لَفْظُ الِابْنِ إِلَّا اسْمًا لِلْمُصْطَفَى الْمُكَرَّمِ لَا اسْمًا لِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَلَا فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ تَوَلَّدَتْ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِي هَذَا مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِابْنِ كَلِمَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ الَّتِي يَقُولُونَ أَنَّهَا تَوَلَّدَتْ مِنَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ مَعَ كَوْنِهَا أَزَلِيَّةً وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ حَيَاةُ اللَّهِ بَلِ الْمُرَادُ بِالِابْنِ نَاسُوتُ الْمَسِيحِ وَبِرُوحِ الْقُدُسِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْمَلَكِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَالْمَلَكِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ وَبِهَذَا أُمِرَتِ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ وَلَيْسَ لِلْمَسِيحِ خَاصَّةٌ اسْتَحَقَّ بِهَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّاهُوتِ لَكِنْ ظَهَرَ فِيهِ نُورُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ وَرُوحُ اللَّهِ كَمَا ظَهَرَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، فَإِنَّ غَيْرَهُ أَيْضًا فِيمَا
[ ٢ / ١٥٣ ]
يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ يُسَمَّى ابْنًا وَرُوحُ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِيهِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَ النَّصَارَى لَا حُجَّةٌ سَمْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ تُوَافِقُ مَا ابْتَدَعُوهُ، وَلَكِنْ فَسَّرُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا يَعْلَمُهَا الْمَلَائِكَةُ وَلَا الِابْنُ وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا الْآبُ وَحْدَهُ فَبَيَّنَ أَنَّ الِابْنَ لَا يَعْلَمُ السَّاعَةَ فَعُلِمَ أَنَّ الِابْنَ لَيْسَ هُوَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ وَإِنَّمَا هُوَ الْمُحْدَثُ الزَّمَانِيُّ.
[ ٢ / ١٥٤ ]
[فَصْلٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ مِنْ مَمْلُوكَاتِهِ]
وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ نَوْعَانِ، فَإِنَّ الْمُضَافَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةً لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا.
فَالْأَوَّلُ إِضَافَةُ صِفَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .
وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» .
[ ٢ / ١٥٥ ]
وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥] وَالثَّانِي: إِضَافَةُ عَيْنٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] وَقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] فَالْمُضَافُ فِي الْأَوَّلِ صِفَةٌ لِلَّهِ قَائِمَةٌ بِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً لَهُ بَائِنَةً عَنْهُ وَالْمُضَافُ فِي الثَّانِي: مَمْلُوكٌ لِلَّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ بَائِنٌ عَنْهُ لَكِنَّهُ مُفَضَّلٌ مُشَرَّفٌ لِمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي اقْتَضَتْ إِضَافَتَهُ إِلَى اللَّهِ
[ ٢ / ١٥٦ ]
- ﵎ - كَمَا خَصَّ نَاقَةَ صَالِحٍ مِنْ بَيْنِ النُّوقِ وَكَمَا خَصَّ بَيْتَهُ بِمَكَّةَ مِنَ الْبُيُوتِ وَكَمَا خَصَّ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ مِنْ بَيْنِ الْخَلْقِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] فَإِنَّهُ وَصَفَ هَذَا الرُّوحَ بِأَنَّهُ تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا وَأَنَّهَا اسْتَعَاذَتْ بِاللَّهِ مِنْهُ إِنْ كَانَ تَقِيًّا وَأَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ النُّظَّارِ جَوْهَرًا وَقَدْ تُسَمَّى جِسْمًا إِذَا كَانَتْ مُشَارًا إِلَيْهَا مَعَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْجِسْمِ هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ أَمْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ أَمْ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْمُضَافَ هُنَا لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِغَيْرِهَا بَلْ مِنَ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا عُلِمَ أَنَّ الْمُضَافَ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ لَكِنَّ إِضَافَتَهُ إِلَى اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ اللَّهِ لَهُ مِنَ الِاصْطِفَاءِ وَالْإِكْرَامِ بِمَا أَوْجَبَ التَّخْصِيصَ بِالْإِضَافَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا كُنْتُ كَتَبْتُهُ قَبْلَ هَذَا مِنَ الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ وَبَيَّنْتُ أَنَّ الْمُضَافَاتِ إِلَى اللَّهِ نَوْعَانِ: أَعْيَانٌ وَصِفَاتٌ.
[ ٢ / ١٥٧ ]
فَالصِّفَاتُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ دَلَّتِ الْإِضَافَةُ عَلَى أَنَّهَا إِضَافَةُ وَصْفٍ لَهُ قَائِمٍ بِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً ; لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَوْصُوفٍ تَقُومُ بِهِ فَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ عُلِمَ أَنَّهَا صِفَةٌ لَهُ لَكِنْ قَدْ يُعَبَّرُ بِاسْمِ الصِّفَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ بِهَا فَيُسَمَّى الْمَقْدُورُ قُدْرَةً وَالْمَخْلُوقُ بِالْكَلِمَةِ كَلَامًا وَالْمَعْلُومُ عِلْمًا وَالْمَرْحُومُ بِهِ رَحْمَةً كَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ» .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - فِيمَا يَرْوِي عَنْهُ نَبِيُّهُ أَنَّهُ قَالَ: لِلْجَنَّةِ («أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ») .
[ ٢ / ١٥٨ ]
وَيُقَالُ لِلْمَطَرِ وَالسَّحَابِ هَذِهِ قُدْرَةُ قَادِرٍ وَهَذِهِ قُدْرَةٌ عَظِيمَةٌ وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ عِلْمَهُ فِيكَ أَيْ مَعْلُومَهُ.
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِمَّا أَنْ تُضَافَ بِالْجِهَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَخْلُوقُ مِثْلَ كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً وَمَمْلُوكَةً لَهُ وَمَقْدُورَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذِهِ إِضَافَةٌ عَامَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] وَقَدْ يُضَافُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهَا يُمَيَّزُ بِهِ الْمُضَافُ عَنْ غَيْرِهِ مِثْلَ: بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ وَرُوحُ اللَّهِ فَمِنَ الْمَعْلُومِ اخْتِصَاصُ نَاقَةِ صَالِحٍ بِمَا تَمَيَّزَتْ بِهِ عَنْ سَائِرِ النِّيَاقِ وَكَذَلِكَ اخْتِصَاصُ الْكَعْبَةِ وَاخْتِصَاصُ الْعَبْدِ الصَّالِحِ الَّذِي عَبَدَ اللَّهَ وَأَطَاعَ أَمْرَهُ وَكَذَلِكَ الرُّوحُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي امْتَازَتْ بِمَا فَارَقَتْ بِهِ غَيْرَهَا مِنَ الْأَرْوَاحِ، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَاتِ اشْتَرَكَتْ فِي كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً مَمْلُوكَةً مَرْبُوبَةً لِلَّهِ يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُهُ وَقَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ لَا اخْتِصَاصَ فِيهَا وَلَا فَضِيلَةَ لِلْمُضَافِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَامْتَازَ بَعْضُهَا بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيَصْطَفِيهِ وَيُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ وَيَأْمُرُ بِهِ أَوْ يُعَظِّمُهُ وَيُحِبُّهُ فَهَذِهِ الْإِضَافَةُ يَخْتَصُّ بِهَا بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ كَإِضَافَةِ الْبَيْتِ وَالنَّاقَةِ وَالرُّوحِ وَعِبَادِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١]
[ ٢ / ١٥٩ ]
وَقَالَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] (١١) ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] فَذَكَرَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ الَّتِي رَبَّتْ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ وَجَمَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ حَتَّى أَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ عِنْدَهَا وَذَكَرَ مَرْيَمَ أُمَّ الْمَسِيحِ الَّتِي وَلَدَتْهُ وَرَبَّتْهُ فَهَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ رَبَّتَا هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ فَلَمَّا قَالَ هُنَا ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٩١] أَيْ فِي الْمَرْأَةِ وَفِيهِ أَيْ فِي فَرْجِهَا مِنْ رُوحِنَا
[ ٢ / ١٦٠ ]
وَقَالَ هُنَا ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] إِلَى قَوْلِهِ: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ رُوحَنَا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ لَا الْحَيَاةُ وَلَا غَيْرُهَا وَلَا هُوَ رَبٌّ خَالِقٌ فَلَا هُوَ الرَّبُّ الْخَالِقُ وَلَا صِفَةُ الرَّبِّ الْخَالِقِ بَلْ هُوَ رُوحٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي اصْطَفَاهَا اللَّهُ وَأَكْرَمَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] وَأَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى أَنَّهُ جِبْرِيلُ.
وَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ فِيمَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ بَيْنَ صِفَاتِهِ وَبَيْنَ مَمْلُوكَاتِهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ ضَلَّ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهِمْ، فَإِنَّ كُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ وَغَيْرَهَا أَضَافَتْ إِلَى اللَّهِ أَشْيَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَأَشْيَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ فَقَالَتِ الْمُعَطِّلَةُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ: إِنَّ الْجَمِيعَ إِضَافَةُ مِلْكٍ وَلَيْسَ لِلَّهِ حَيَاةٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَلَا عِلْمٌ قَائِمٌ بِهِ وَلَا قُدْرَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَلَا كَلَامٌ قَائِمٌ بِهِ وَلَا حُبٌّ وَلَا بُغْضٌ وَلَا غَضَبٌ وَلَا رِضًى بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.
وَهَذَا أَوَّلُ مَا ابْتَدَعَتْهُ فِي الْإِسْلَامِ الْجَهْمِيَّةُ وَإِنَّمَا ابْتَدَعُوهُ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَكَانَ مُقَدَّمُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ
[ ٢ / ١٦١ ]
فَنُسِبَتِ الْجَهْمِيَّةُ إِلَيْهِ وَنَفَوُا الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ وَاتَّبَعَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ فَنَفَوُا الصِّفَاتِ دُونَ الْأَسْمَاءِ وَوَافَقَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ أَتْبَاعَ أَرِسْطُو.
وَقَالَتِ الْحُلُولِيَّةُ بَلْ مَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ قَدْ يَكُونُ هُوَ صِفَةً لَهُ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا عَنْهُ بَلْ قَالُوا: هُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ فَقَالُوا: رُوحُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ صِفَةٌ لِلَّهِ حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنَّ أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَصِفَةٌ لِلَّهِ وَقَالُوا إِنَّ مَا يَسْمَعُهُ النَّاسُ مِنْ أَصْوَاتِ الْقُرَّاءِ وَمِدَادِ الْمَصَاحِفِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَهُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ.
وَقَالَ حُذَّاقُ هَؤُلَاءِ بَلْ غَضَبُهُ وَرِضَاهُ وَحُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ لِمَا يَخْلُقُهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَهُوَ صِفَةُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ رَاضِيًا مُحِبًّا لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُطِيعُهُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ وَلَمْ يَزَلْ غَضْبَانًا سَاخِطًا عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَكْفُرُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ وَلَمْ يَزَلْ
[ ٢ / ١٦٢ ]
وَلَا يَزَالُ قَائِلًا يَا آدَمُ يَا نُوحُ يَا إِبْرَاهِيمُ قَبْلَ أَنْ يُوجَدُوا وَبَعْدَ مَوْتِهِمْ وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا وَبَعْدَ مَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ.
وَأَمَّا سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورُونَ بِالْإِمَامَةِ فِيهِمْ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَمْلُوكَاتِهِ وَبَيْنَ صِفَاتِهِ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْعِبَادَ مَخْلُوقُونَ وَصِفَاتِ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ وَأَجْسَادَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ وَكَلَامَهُمْ وَأَصْوَاتَهُمْ بِالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَمِدَادَهُمْ وَأَوْرَاقَهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ الْقَائِمَةِ بِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامِهِ وَإِرَادَتِهِ وَحَيَاتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَحُبِّهِ وَبُغْضِهِ بَلْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ فَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلَا يَتَأَوَّلُونَ كَلَامَ اللَّهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادَهُ وَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ الْخَالِقِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِ بَلْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ
[ ٢ / ١٦٣ ]
- سُبْحَانَهُ - لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ بَلْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَزَلْ عَالِمًا وَلَمْ يَزَلْ قَادِرًا وَلَمْ يَزَلْ حَيًّا سَمِيعًا بَصِيرًا وَلَمْ يَزَلْ مُرِيدًا فَكُلُّ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِهِ فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ - ﷾.
وَالنَّصَارَى مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ اضْطِرَابًا فِي هَذَا الْأَصْلِ فَتَارَةً يَجْعَلُونَ كَلَامَهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَيَنْفُونَ عَنْهُ الصِّفَاتِ وَتَارَةً يَجْعَلُونَ كَلِمَتَهُ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ ابْنُهُ وَيَجْعَلُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عِلْمَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ وَيَقُولُونَ إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ إِلَهٌ خَالِقٌ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَسِيحُ إِلَهٌ خَالِقُ الْعَالَمِ.
وَيَقُولُونَ: مَعَ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ هِيَ الْآبُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَيَجْعَلُونَ كَلِمَتَهُ صِفَةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً وَيَجْعَلُونَهَا ابْنًا لَهُ وَيَجْعَلُونَ الصِّفَةَ إِلَهًا خَالِقًا وَيَجْعَلُونَ الْمَسِيحَ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ وَيَقُولُونَ مَعَ هَذَا هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ.
وَلَهُمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالِاضْطِرَابِ وَمُخَالَفَةِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَفْسِيرِهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادُوهُ وَمُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ
[ ٢ / ١٦٤ ]
وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ مَا سَنَذْكُرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْهُ مَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ - ﷾ - إِذْ بَيَانُ فَسَادِ أَقْوَالِ النَّصَارَى بِالِاسْتِقْصَاءِ لَا يَتَّسِعُ لَهُ هَذَا الْكِتَابُ وَلَمَّا قَصَّ - تَعَالَى - قِصَّةَ الْمَسِيحِ قَالَ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] أَيْ يَشُكُّونَ وَيَتَمَارَوْنَ كَتَمَارِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] فَاخْتَلَفَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِيهِ ثُمَّ اخْتَلَفَتِ النَّصَارَى فِيهِ وَصَارُوا أَحْزَابًا كَثِيرَةً جِدًّا كَالنَّسْطُورِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ وَالْبَارُوبِيَّةِ وَالْمَرْيَمَانِيَّةِ وَالسُّمْيَاطِيَّةِ وَأَمْثَالِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ كَمَا سَنَذْكُرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - كَثِيرًا مِنْ طَوَائِفِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي مَجَامِعِهِمْ كَمَا حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ أَحَدُ أَكَابِرِهِمْ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ وَغَيْرُهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُمَمِ أَكْثَرُ اخْتِلَافًا فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْهُمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[ ٢ / ١٦٥ ]
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] يَقُولُ تَعَالَى مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ كَالنَّصَارَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بِإِفْكِهِمْ وَشِرْكِهِمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ضَلُّوا عَنِ الْحَقِّ فِي الْمَسِيحِ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٤] ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْلُ بِالدِّينِ وَأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ لَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهُ لَيْسَ مَنْقُولًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يُسَلَّمَ لِقَائِلِهِ بَلْ هُمُ ابْتَدَعُوهُ وَإِذَا سَأَلْتَهُمْ عَنْ مَعْنَاهُ قَالُوا: هَذَا لَا يُعْرَفُ بِالْعُقُولِ فَيَبْتَدِعُونَ كَلَامًا يَعْرِفُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَهُ وَهُوَ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ يَنْقُضُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ وَلِهَذَا لَا تَجِدُهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي مَعْبُودِهِمْ حَتَّى قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةُ نَصَارَى افْتَرَقُوا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا.
وَقَالَ: الرَّبَعِيُّ النَّصَارَى أَشَدُّ النَّاسِ اخْتِلَافًا فِي مَذَاهِبِهِمْ
[ ٢ / ١٦٦ ]
وَأَقَلُّهُمْ تَحْصِيلًا لَهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ لَهُمْ مَذْهَبٌ وَلَوْ سَأَلْتَ قَسًّا مِنْ أَقْسَائِهِمْ عَنْ مَذْهَبِهِمْ فِي الْمَسِيحِ وَسَأَلْتَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ لَاخْتَلَفُوا عَلَيْكَ الثَّلَاثَةُ وَلَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلًا لَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْآخَرِ.
وَقَالَ بَعْضُ النُّظَّارِ: وَمَا مِنْ قَوْلٍ يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ إِلَّا إِذَا تَأَمَّلْتَهُ تَصَوَّرْتَ مِنْهُ مَعْنًى مَعْقُولًا وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا إِلَّا قَوْلَ النَّصَارَى، فَإِنَّكَ كُلَّمَا تَأَمَّلْتَهُ لَمْ تَتَصَوَّرْ لَهُ حَقِيقَةً تُعْقَلُ لَكِنَّ غَايَاتِهِمْ أَنْ يَحْفَظُوا الْأَمَانَةَ أَوْ غَيْرَهَا وَإِذَا طُولِبُوا بِتَفْسِيرِ ذَلِكَ فَسَرَّهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِتَفْسِيرٍ يُكَفِّرُ بِهِ الْآخَرَ كَمَا يُكَفِّرُ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالْمَلَكَانِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ إِذْ كَانَ قَوْلُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ وَأَعْظَمِهَا تَنَاقُضًا كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
[ ٢ / ١٦٧ ]
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ دَعْوَاهُمُ اتِّحَادَ كَلِمَةِ اللَّهِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فَكَانَ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ فَهَذَا إِذَا قَالُوهُ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولُوا أَنَّ مُحَمَّدًا أَرَادَهُ تَكَلَّمْنَا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ عَقْلًا وَنَقْلًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: أَنَّ الْمُرَادَ إِذْنَ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ فَهَذَا مِنَ الْبُهْتَانِ الظَّاهِرِ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦] أَرَادَ بِهِ النَّصَارَى وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] أَرَادَ بِهِ الْعَرَبَ وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] أَرَادَ بِهِمُ الْحَوَارِيِّينَ وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ
[ ٢ / ١٦٨ ]
﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١] أَرَادَ بِهِ الْإِنْجِيلَ فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي فَسَّرُوا بِهَا الْقُرْآنَ وَزَعَمُوا أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - الَّذِي بَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ كَانَ يُرِيدُ بِمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرُوهَا هِيَ مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ جَهْلِ قَائِلِهَا أَوْ غَايَةِ مُعَانَدَتِهِ، وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا التَّأْوِيلِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ مِنَ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ قَدْ فَسَّرُوا مَوَاضِعَ كَثِيرَةً مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالنُّبُوَّاتِ بِنَحْوِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ الَّتِي حَرَّفُوا فِيهَا الْكَلَامَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَنْ مَوَاضِعِهِ تَحْرِيفًا ظَاهِرًا فَبَدَّلُوا بِذَلِكَ كُتُبَ اللَّهِ وَدِينَ اللَّهِ وَضَاهَوْا بِذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ فَتَحْرِيفُهُمْ لِلْقُرْآنِ مِنْ جِنْسِ تَحْرِيفِهِمْ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَهُمْ مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْمُحْكَمَ وَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَأَ بِهِ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ لَكِنْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ حَرَّفُوا الْمُحْكَمَ الَّذِي مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ فَكَانُوا مِنَ الْجَهْلِ وَالْمُعَانَدَةِ أَبْعَدَ عَنِ الصَّوَابِ مِمَّنْ حَرَّفَ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَسَائِرِ الْمُرْسَلِينَ وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]
[ ٢ / ١٦٩ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٧٢) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] (٧٣) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٤] (٧٦) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
فَقَدْ ذَكَرَ كُفْرَ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ مَرَّتَيْنِ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَسِيحُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فَغَايَتُهُ الرِّسَالَةُ كَمَا قَالَ: فِي مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
[ ٢ / ١٧٠ ]
وَغَايَةُ أُمِّهِ أَنْ تَكُونَ صِدِّيقَةً وَدَلَّ بِهَذَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ: كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الصِّفَاتِ النَّافِيَةِ لِلْإِلَهِيَّةِ لِحَاجَةِ الْأَكْلِ إِلَى مَا يَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ وَلِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَلَاتِ.
وَالرَّبُّ تَعَالَى أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
[ ٢ / ١٧١ ]
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ أَنَّهُ يَلِدُ وَأَنَّهُ يُولَدُ وَأَنَّ لَهُ كُفُوًا كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ أُخْبِرَ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] (٥٧) ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] (٥٨) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَطَقَ بِهِ الْمَسِيحُ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: شَهِيدٌ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] الْآيَاتِ كُلِّهَا.
فَإِذَا كَانَ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَبِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ وَبِإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ إِجْمَاعًا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ
[ ٢ / ١٧٢ ]
إِلَى النَّقْلِ عَنْهُ وَبِكِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وَسُنَّتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ لَيْسَ هُوَ إِلَّا رَسُولٌ وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ هَذَا تَفْسِيرُهُمْ لِقَوْلِ اللَّهِ الَّذِي بَلَّغَهُ نَبِيُّهُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ بِالنَّاسُوتِ كَذِبًا ظَاهِرًا عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ.
وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُ كَذِبَهُمْ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ الْعَالِمُ بِحَالِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - سَوَاءٌ أَقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ أَوْ أَنْكَرُوهَا.
فَالْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَذَبُوا عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَذِبًا ظَاهِرًا مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَالْمُكَذِّبِينَ لَهُ لَيْسَ هُوَ كَذِبًا خَفِيًّا.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ مَا قَالُوهُ يَكُونُ مَعْقُولًا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا فِي صَرَائِحِ الْعُقُولِ بَلْ هُوَ قَوْلٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ أَيْ غَيْرُ مَعْقُولٍ ثُبُوتُهُ فِي الْخَارِجِ وَإِنْ كَانَ يُعْقَلُ مَا يَخْتَلِفُونَ وَيُعْلَمُ بِهِ فَسَادُ عُقُولِهِمْ لِمَنْ قَالَ سَائِرَ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَاقِضَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهَا فِي الْخَارِجِ وَذَلِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ
[ ٢ / ١٧٣ ]
كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ اللَّهَ أَوْ صِفَةً لِذَاتِهِ أَوْ لَا هِيَ ذَاتُهُ وَلَا صِفَةٌ لَهُ أَوِ الذَّاتُ وَالصِّفَةُ جَمِيعًا.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ ذَاتِ اللَّهِ وَلَا صِفَتَهُ وَلَا الذَّاتِ وَالصِّفَةِ كَانَتْ بَائِنَةً عَنْهُ مَخْلُوقَةً لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَاهُوتًا بَلْ وَلَا خَالِقَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَتَّحِدْ بِالْمَسِيحِ لَاهُوتٌ بَلْ إِنْ لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ إِنَّهُ كَانَ اتَّحَدَ بِهِ إِلَّا مَخْلُوقٌ.
وَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ هِيَ الذَّاتُ أَوِ الذَّاتُ وَالصِّفَةُ فَهِيَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَهِيَ الْآبُ عِنْدَهُمْ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ هُوَ الْآبُ وَلَمْ يَتَّحِدْ بِهِ الْآبُ بَلْ الِابْنُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ صِفَةً لِلَّهِ - ﷿ - فَصِفَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ هِيَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ وَأَيْضًا فَصِفَةُ اللَّهِ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لَا تُفَارِقُ ذَاتَهُ وَتَحُلُّ بِغَيْرِهِ وَتَتَّحِدُ بِهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ عِنْدَهُمُ اتَّحَدَتْ بِالْمَسِيحِ.
وَإِنْ قَالُوا: قَوْلُنَا هَذَا كَمَا تَقُولُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ الْقُرْآنَ أَوِ التَّوْرَاةَ أَوِ الْإِنْجِيلَ حَلَّ فِي الْقُرَّاءِ أَوِ اتَّحَدَ بِهِمْ وَأَنَّ الْقَدِيمَ حَلَّ فِي الْمَخْلُوقِ أَوِ اتَّحَدَ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قِيلَ لَوْ كَانَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ صَوَابًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَبَيْنَ سَائِرِ مَنْ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْقُرْآنَ وَأَنْتُمْ تَدَّعُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ وَجَمِيعُ الْأُمَمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ قُرَّاءَ
[ ٢ / ١٧٤ ]
الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هُوَ اللَّهُ وَلَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَلَا أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْعَالَمِ فَإِذَا جَعَلْتُمْ قَوْلَكُمْ مِثْلَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ لَزِمَكُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ وَلَا ابْنُ اللَّهِ وَلَا رَبًّا لِلْعَالَمِ وَأَيْضًا فَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ قَالَ: أَنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ وَلَا أَنَّ الْقَدِيمَ اتَّحَدَ بِالْمُحْدَثِ وَلَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ صَارَ هُوَ وَالْمَخْلُوقُ شَيْئًا وَاحِدًا فَالِاتِّحَادُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَطْلَقَتْ لَفْظَ الْحُلُولِ وَطَائِفَةً أَنْكَرَتْ لَفْظَ الْحُلُولِ وَقَالُوا إِنَّمَا نَقُولُ ظَهَرَ الْقَدِيمُ فِي الْمُحْدَثِ لَا حَلَّ فِيهِ لَكِنْ قَالُوا مَا يَسْتَلْزِمُ الْحُلُولَ.
وَسَلَفُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ يُخَطِّئُونَ هَؤُلَاءِ وَيُبَيِّنُونَ خَطَأَهُمْ عَقْلًا وَنَقْلًا وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ هُوَ قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا قَوْلَ طَائِفَةٍ مَشْهُورَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
[ ٢ / ١٧٥ ]
وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالثَّوْرِيَّةِ وَالدَّاوُدِيَّةِ وَالْإِسْحَاقِيَّةِ
[ ٢ / ١٧٦ ]
وَغَيْرِهِمْ وَلَا قَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ كَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَامِيَّةِ وَلَا غَيْرِهِمْ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ وَأَمْثَالِهِمْ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ انْتُسِبَتْ إِلَى بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ قَلِيلٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ غَايَتُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِحُلُولِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ الرَّبِّ وَاتِّحَادِهِ فِي الْعَبْدِ مِنْ طَوَائِفِ الْغُلَاةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى التَّشَيُّعِ وَالتَّصَوُّفِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَهُمْ ضُلَّالٌ كَالنَّصَارَى مَعَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِلنَّصَارَى عَلَى هَؤُلَاءِ إِذْ كَانَ مَا يَقُولُونَهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَسِيحُ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَالنَّصَارَى تَدَّعِي اخْتِصَاصَ الْمَسِيحِ بِالِاتِّحَادِ مَعَ أَنَّ الْمُتَّحِدَ بِالنَّاسُوتِ صَارَ هُوَ وَالنَّاسُوتُ شَيْئًا وَاحِدًا وَمَعَ الِاتِّحَادِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا فِعْلٌ أَوْ صِفَةٌ خَارِجٌ عَنِ الْآخَرِ وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ الِاتِّحَادَ ثُمَّ يَتَنَاقَضُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ جَوْهَرَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَشِيئَةً وَاحِدَةً وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَشِيئَتَانِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ.
[ ٢ / ١٧٧ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمُ الْفَضْلَ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] فَهَذَا حَقٌّ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فَمَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ - ﵇ - جَعَلَهُ اللَّهُ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ قَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الْيَهُودِ وَأَيْضًا فَالنَّصَارَى فَوْقَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَهُمْ مُؤْمِنُونَ بِهِ لَيْسُوا كَافِرِينَ بِهِ بَلْ لَمَّا بَدَّلَ النَّصَارَى دِينَهُ وَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْمَسِيحَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ جَعَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَهُ فَوْقَ النَّصَارَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]
[ ٢ / ١٧٨ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١] (٥٢) ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَتَمَّ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كَانَ أَحَقَّ بِنْصِرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] وَقَالَ: فِي كِتَابِهِ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] (١٧٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] وَالْيَهُودُ كَذَّبُوا الْمَسِيحَ وَمُحَمَّدًا - ﷺ - كَمَا قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] فَالْغَضَبُ الْأَوَّلُ بِتَكْذِيبِهِمُ الْمَسِيحَ وَالثَّانِي: بِتَكْذِيبِهِمْ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَالنَّصَارَى لَمْ يُكَذِّبُوا الْمَسِيحَ فَكَانُوا مَنْصُورِينَ عَلَى الْيَهُودِ وَالْمُسْلِمُونَ مَنْصُورُونَ عَلَى الْيَهُودِ
[ ٢ / ١٧٩ ]
وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ آمَنُوا بِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُكَذِّبُوا بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ وَلَا كَذَّبُوا أَحَدًا مِنْ رُسُلِهِ بَلِ اتَّبَعُوا مَا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ حَيْثُ قَالَ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وَلَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمُ الْمُتَّبِعُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ كُلِّهِمُ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ وَكَانَ اللَّهُ قَدْ وَعَدَ أَنْ يَنْصُرَ الرُّسُلَ وَأَتْبَاعَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرَةً عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ".
وَقَالَ أَيْضًا: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجْتَاحَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا الْحَدِيثَ.
فَكَانَ مَا احْتَجُّوا بِهِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ.
[ ٢ / ١٨٠ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى الرُّوحِ الْقُدُسِ وَدَفْعُ اعْتِقَادِ النَّصَارَى أُلُوهِيَّتَهُ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] فَهُوَ حَقٌّ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى تَأْيِيدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بِرُوحِ الْقُدُسِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ فَقَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]
[ ٢ / ١٨١ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: فِي الْقُرْآنِ ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] (١٠١) ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (١٩٣) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩٧] فَرُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي نَزَلَ بِالْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ هُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ وَهُوَ جِبْرِيلُ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - «يَقُولُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: " أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» .
[ ٢ / ١٨٢ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: " إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: " اهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ» .
[ ٢ / ١٨٣ ]
فَهَذَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَاحِدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا نَافَحَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَجَا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَهُوَ جِبْرِيلُ - ﵇ - وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ اللَّاهُوتَ مُتَّحِدًا بِنَاسُوتِ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فَعُلِمَ أَنَّ إِخْبَارَهُ بِأَنَّ اللَّهَ أَيَّدَهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ لَا يَقْتَضِي اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّأْيِيدَ بِرُوحِ الْقُدُسِ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَسِيحِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ وَأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ مُؤَيَّدًا بِرُوحِ الْقُدُسِ كَدَاوُدَ وَغَيْرِهِ بَلْ يَقُولُونَ إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ كَانَتْ فِيهِمْ رُوحُ الْقُدُسِ وَقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِ بَلْ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَيَانُ كَذِبِهِمْ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَهَذَا التَّأْيِيدُ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فَهَذَا التَّأْيِيدُ بِرُوحٍ مِنْهُ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ لَمْ يُحِبَّ أَعْدَاءَ الرُّسُلِ وَإِنْ كَانُوا أَقَارِبَهُ بَلْ يُحِبُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ وَإِنْ كَانُوا أَجَانِبَ وَيُبْغِضُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالرُّسُلِ وَإِنْ كَانُوا أَقَارِبَ وَهَذِهِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] (٢٦) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] (٢٧) ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] وَقَالَ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وَهَذَا التَّأْيِيدُ بِرُوحِ الْقُدُسِ لِمَنْ يَنْصُرُ الرُّسُلَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ نَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الَّذِي أُيِّدَ بِهِ الْمَسِيحُ هُوَ صِفَةُ اللَّهِ الْقَائِمَةُ بِهِ وَهِيَ حَيَاتُهُ وَلَا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ رَبٌّ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ فَلَيْسَ رُوحُ الْقُدُسِ هِيَ اللَّهُ وَلَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ بَلْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ الْقَائِمَةَ بِهِ تُسَمَّى ابْنًا وَلَا رُوحَ الْقُدُسِ.
فَإِذَا تَأَوَّلَ النَّصَارَى قَوْلَ الْمَسِيحِ عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ عَلَى أَنَّ الِابْنَ صِفَتُهُ الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ وَرُوحُ
[ ٢ / ١٨٥ ]
الْقُدُسِ صِفَتُهُ الَّتِي هِيَ الْحَيَاةُ كَانَ هَذَا كَذِبًا بَيِّنًا عَلَى الْمَسِيحِ فَلَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِهِ وَلَا كَلَامِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَسْمِيَةُ اللَّهِ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا وَلَا حَيَاتُهُ رُوحَ الْقُدُسِ.
وَأَيْضًا فَهُمْ يَذْكُرُونَ فِي الْأَمَانَةِ أَنَّ الْمَسِيحَ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَهَذَا يُوَافِقُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَرْسَلَ رُوحَهُ الَّذِي هُوَ جِبْرِيلُ وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ فَنَفَخَ فِي مَرْيَمَ فَحَمَلَتْ بِالْمَسِيحِ فَكَانَ الْمَسِيحُ مُتَجَسِّدًا مَخْلُوقًا مِنْ أُمِّهِ وَمِنْ ذَلِكَ الرُّوحِ وَهَذَا الرُّوحُ لَيْسَ صِفَةً لِلَّهِ لَا حَيَاتَهُ وَلَا غَيْرَهَا بَلْ رُوحُ الْقُدُسِ قَدْ جَاءَ ذِكْرُهَا كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَيُرَادُ بِهَا إِمَّا الْمَلَكُ وَإِمَّا مَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنَ الْهُدَى وَالتَّأْيِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]
[ ٢ / ١٨٦ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] فَسَمَّى الْمَلَكَ رُوحًا وَسَمَّى مَا يَنْزِلُ بِهِ الْمَلَكُ رُوحًا وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ وَالْمَسِيحُ - ﵇ - مُؤَيَّدٌ بِهَذَا وَهَذَا.
وَلِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّهُ جِبْرِيلُ وَقَالَ: بَعْضُهُمْ إِنَّهُ الْوَحْيُ وَهَذَا كَلَفْظِ النَّامُوسِ يُرَادُ بِهِ صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ كَمَا يُرَادُ بِالْجَاسُوسِ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ فَيَكُونُ النَّامُوسُ جِبْرِيلُ وَيُرَادُ بِهِ الْكِتَابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالشَّرْعِ وَلَمَّا قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِلنَّبِيِّ: " هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى " فَسَّرَ النَّامُوسَ بِهَذَا وَهَذَا وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ ".
[ ٢ / ١٨٧ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي احْتِجَاجِهِمْ بِآيَةِ سُورَةِ الْحَدِيدِ عَلَى مَدْحِ الرَّهْبَانِيَّةِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] (٢٥) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] فَهُوَ حَقٌّ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لِلرَّهْبَانِيَّةِ وَلَا لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ وَإِنَّمَا فِيهِ مَدْحٌ لِمَنِ اتَّبَعُهُ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ حَيْثُ يَقُولُ ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] أَيْ وَابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ وَهَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةُ لَمْ يُشَرِّعْهَا اللَّهُ وَلَمْ يَجْعَلْهَا مَشْرُوعَةً لَهُمْ بَلْ نَفَى جَعْلَهُ عَنْهَا كَمَا نَفَى ذَلِكَ عَمَّا ابْتَدَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] .
[ ٢ / ١٨٨ ]
وَهَذَا الْجَعْلُ الْمَنْفِيُّ عَنِ الْبِدَعِ هُوَ الْجَعْلُ الَّذِي أَثْبَتَهُ لِلْمَشْرُوعِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وَقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] فَالرَّهْبَانِيَّةُ ابْتَدَعُوهَا لَمْ يُشَرِّعْهَا اللَّهُ وَلِلنَّاسِ فِي قَوْلِهِ: " وَرَهْبَانِيَّةً " قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ يَعْنِي ابْتَدَعُوهَا إِمَّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ أَوْ يُقَالُ هَذَا الْفِعْلُ عَمِلَ فِي الْمُضْمَرِ وَالْمُظْهَرِ كَمَا هُوَ
[ ٢ / ١٨٩ ]
قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ حَكَاهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وَثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُمَا وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا تَكُونُ الرَّهْبَانِيَّةُ مَعْطُوفَةً عَلَى الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهَا فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ فِي قُلُوبِهِمُ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالرَّهْبَانِيَّةَ الْمُبْتَدَعَةَ وَيَكُونُ هَذَا جَعْلًا
[ ٢ / ١٩٠ ]
خَلْقِيًّا كَوْنِيًّا وَالْجَعْلُ الْكَوْنِيُّ يَتَنَاوَلُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا مَدْحَ لِلرَّهْبَانِيَّةِ بِجَعْلِهَا فِي الْقُلُوبِ فَثَبَتَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَدْحٌ لِلرَّهْبَانِيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] أَيْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، وَابْتِغَاءُ رِضْوَانِ اللَّهِ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لَا بِمَا يُبْتَدَعُ وَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا.
[ ٢ / ١٩١ ]
كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا﴾ [النساء: ٢٩] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] (٢٠) ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] (٢١) ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢] (٢٢) ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٣] (٢٣) ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤] (٢٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٥] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] (٢٥) ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ كَتَبَهَا عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ نَفْسِهِ وَلَا أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِهِ كَمَا يُظَنُّ هَذَا وَهَذَا بَعْضُ الْغَالِطِينَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَذَكَرَ أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ وَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لَهُمْ بَلْ هُوَ ذَمٌّ ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧] وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ وَلَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْمَسِيحِ أَيْضًا فَالْمُرَادُ مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَإِلَّا فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِالْمَسِيحِ وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَمْ يَمْدَحْ سُبْحَانَهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ عَلَى دِينِهِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - لَمْ يَمْدَحِ النَّصَارَى الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَلَا الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ - ﷺ.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: " ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] " عَطْفٌ عَلَى " رَأْفَةً " " وَرَحْمَةً " وَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً أَيْضًا ابْتَدَعُوهَا وَجَعَلُوا الْجَعْلَ شَرْعِيًّا
[ ٢ / ١٩٣ ]
مَمْدُوحًا، قِيلَ هَذَا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ.
مِنْهَا: أَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تَكُنْ فِي كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ بَلِ الَّذِينَ صَحِبُوهُ كَالْحَوَارِيِّينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ رَاهِبٌ وَإِنَّمَا ابْتُدِعَتِ الرَّهْبَانِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِنَّهَا جُعِلَتْ فِي قَلْبِ كُلِّ مَنِ اتَّبَعُهُ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ بِخِلَافِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَبْتَدِعُوهَا وَإِذَا كَانُوا ابْتَدَعُوهَا لَمْ يَكُنْ قَدْ شَرَعَهَا لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْجَعْلُ الشَّرْعِيُّ الدِّينِيُّ لَا الْجَعْلُ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ فَلَمْ تَدْخُلِ الرَّهْبَانِيَّةُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْجَعْلَ الْخُلُقِيَّ الْكَوْنِيَّ فَلَا مَدْحَ لِلرَّهْبَانِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ جَعَلَهَا فِي الْقُلُوبِ وَالرَّهْبَانِيَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْقُلُوبِ بَلِ الرَّهْبَانِيَّةُ تَرْكُ الْمُبَاحَاتِ مِنَ النِّكَاحِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - هَمُّوا بِالرَّهْبَانِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَهْيَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ لَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ: أَمَّا أَنَا
[ ٢ / ١٩٤ ]
فَأَقُومُ لَا أَنَامُ وَقَالَ آخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ آخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ.
فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَطِيبًا فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَقُومُ وَأَنَامُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَآكُلُ اللَّحْمَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَجْلِسْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» .
[ ٢ / ١٩٥ ]
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
وَفِي السُّنَنِ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ١٩٦ ]
وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتُ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ بَيَّنَتِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ وَمَا كَانَ بِدْعَةً وَضَلَالَةً لَمْ يَكُنْ هُدًى وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ جَعَلَهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ شَرَعَهَا كَمَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ مَا شَرَعَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ.
[ ٢ / ١٩٧ ]
فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ: طَائِفَةٌ مَعْنَاهَا مَا فَعَلُوهَا إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مَا فَعَلُوهَا أَوْ مَا ابْتَدَعُوهَا إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ.
قِيلَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ خَطَأً، فَإِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ يَكْتُبْهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَلْ لَمْ يُشَرِّعْهَا لَا إِيجَابًا وَلَا اسْتِحْبَابًا، وَلَكِنْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَمَّا ابْتَدَعُوهَا كَتَبَ عَلَيْهِمْ إِتْمَامَهَا وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ نَفْسَ الرَّهْبَانِيَّةِ وَلَا إِتْمَامَهَا وَلَا رِعَايَتَهَا بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا بِدْعَةً وَأَنَّ تِلْكَ الْبِدْعَةَ لَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا لَكَانُوا مَمْدُوحِينَ.
قِيلَ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَعَ عَدَمِ الرِّعَايَةِ يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الذَّمِّ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ بِدُونِ ذَلِكَ فَيَكُونُ ذَمُّ مَنِ ابْتَدَعَ الْبِدْعَةَ وَلَمْ يَرْعَهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا أَعْظَمَ مِنْ ذَمِّ مَنْ رَعَاهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَحْمُودًا بَلْ مَذْمُومًا مِثْلَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ
[ ٢ / ١٩٨ ]
وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَقُومُوا بِوَاجِبَاتِهَا بَلْ أَخَذُوا مِنْهَا مَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ فَكَانَ كُفْرُهُمْ وَذَمُّهُمْ أَغْلَظَ مِمَّنْ هُوَ أَقَلُّ شَرًّا مِنْهُمْ وَالنَّارُ دَرَكَاتٌ كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ دَرَجَاتٌ.
وَأَيْضًا فَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا كَتَبَ شَيْئًا عَلَى عِبَادِهِ لَمْ يَكْتُبِ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِهِ بَلِ الْعِبَادُ يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ.
وَأَيْضًا فَتَخْصِيصُ الرَّهْبَانِيَّةِ بِأَنَّهُ كَتَبَهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهَا تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُوجِبٍ، فَإِنَّ مَا كَتَبَهُ ابْتِدَاءً لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَتَبَهُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِهِ فَكَيْفَ بِالرَّهْبَانِيَّةِ؟ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَا فَعَلُوهَا إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَهَذَا الْمَعْنَى لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لِلرَّهْبَانِيَّةِ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ مَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ بَلْ نَهَاهُ عَنْهُ مَعَ حُسْنِ مَقْصِدِهِ، غَايَتُهُ أَنْ يُثَابَ عَلَى قَصْدِهِ لَا يُثَابُ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ وَلَا عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ فَكَيْفَ وَالْكَلَامُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] وَلَمْ يَقُلْ مَا فَعَلُوهَا إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَلَا قَالَ: مَا ابْتَدَعُوهَا إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا فَعَلُوهَا أَوْ مَا ابْتَدَعُوهَا إِلَّا
[ ٢ / ١٩٩ ]
ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ لَكَانَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ الْفِعْلِ لِيَعْمَلَ فِيهِ وَلَا نَفَى الِابْتِدَاعَ بَلْ أَثْبَتَهُ لَهُمْ وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ لَفْظُ الْكِتَابَةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فَتَقْدِيرُهُ وَابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ لَكِنْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَإِنَّ إِرْضَاءَ اللَّهِ وَاجِبٌ مَكْتُوبٌ عَلَى الْخَلْقِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَبِتَرْكِ الْمَحْظُورِ لَا بِفِعْلِ مَا لَمْ يُأْمَرْ بِفِعْلِهِ وَبِتَرْكِ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْ تَرْكِهِ وَالرَّهْبَانِيَّةُ فِيهَا فِعْلُ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَتَرْكُ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي احْتِجَاجِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَهُمْ فِي قَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] فَهَذِهِ الْآيَةُ لَا اخْتِصَاصَ فِيهَا لِلنَّصَارَى بَلْ هِيَ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] (١١٠) ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] (١١١) ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] ثُمَّ قَالَ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]
[ ٢ / ٢٠١ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] صِفَةُ الْيَهُودِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢] فَقَوْلُهُ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِلْيَهُودِ ثُمَّ قَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ - ﷺ - لَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَالْآيَةُ إِذَا تَنَاوَلَتِ النَّصَارَى كَانَ حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْيَهُودِ وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَثْنَى عَلَى مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وَقَدْ ذَكَرَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْأُخْرَى فِي آلِ عِمْرَانَ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - لَكِنَّهُ لَمْ تُمْكِنْهُ الْهِجْرَةُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا الْعَمَلُ
[ ٢ / ٢٠٢ ]
بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ لِكَوْنِ أَهْلِ بَلَدِهِ نَصَارَى لَا يُوَافِقُونَهُ عَلَى إِظْهَارِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ قِيلَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إِنَّمَا صَلَّى عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ لِأَجْلِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُظْهِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ ظَاهِرَةٍ كَمَا يُصَلِّي الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَنَائِزِهِمْ.
وَلِهَذَا جُعِلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ كَوْنِهِ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُؤْمِنُ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فِي بِلَادِ الْحَرْبِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ بَلْ يَعْمَلُ مَا يُمْكِنُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فِي الظَّاهِرِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُؤْمِنٌ كَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ.
قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٢٠٣ ]
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] (٢٨) ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] (٢٩) ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ [غافر: ٣٠] (٣٠) ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] (٣١) ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢] (٣٢) ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣] (٣٣) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤] (٣٤) ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] (٣٥) ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] (٣٦) ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] (٣٧) ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] (٣٨) ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] (٣٩) ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠] (٤٠) ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١] (٤١) ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤٢] (٤٢) ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] (٤٣) ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] (٤٤) ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥] (٤٥) ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ حَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وَأَنَّهُ خَاطَبَهُمْ بِالْخِطَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبَارِ النَّسَبِ وَالْجِنْسِ وَالظَّاهِرِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَكَذَلِكَ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لَيْسَتْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ هَؤُلَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] وَامْرَأَةُ الرَّجُلِ مِنْ آلِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] (٥٩) ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] وَهَكَذَا أَهْلُ الْكِتَابِ فِيهِمْ مَنْ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مِنْهُمْ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - يَعْمَلُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ عِلْمًا وَعَمَلًا: وَ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْهِجْرَةِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَعَجْزِ النَّجَاشِيِّ.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وَكَمَا أَنَّ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ فِيهِمْ مَنْ هُمْ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمُونَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ مُنَافِقٌ كَافِرٌ فِي الْبَاطِنِ إِمَّا يَهُودِيٌّ وَإِمَّا نَصْرَانِيٌّ وَإِمَّا مُشْرِكٌ وَإِمَّا مُعَطِّلٌ.
كَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مَنْ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مِنْهُمْ وَمَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - يَفْعَلُ مَا يَقْدِرُ عَلَى عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَيَسْقُطُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ.
وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: تَأْمُرُنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ لِهَذَا الْعِلْجِ يَمُوتُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]» .
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمْ وَذَكَرَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمُ النَّجَّاشِيِّ» فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ
[ ٢ / ٢٠٧ ]
رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَصْحَابِهِ اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخٍ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ قَالُوا: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: النَّجَاشِيُّ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْبَقِيعِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ: وَكُشِفَ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَأَبْصَرَ سَرِيرَ النَّجَاشِيِّ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ حَبَشِيٍّ نَصْرَانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ وَلَيْسَ عَلَى دِينِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]» وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ - ﵇ - إِلَى أَنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَآمَنَ بِهِ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَجْوَدُ، فَإِنَّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُهُ الْمُسْلِمُونَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ كِتَابِيًّا؟ وَهَذَا مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَهَؤُلَاءِ لَا يُقَالُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا لَا يُقَالُ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَلَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مِنْهُمْ وَفِي الْبَاطِنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَفِي بِلَادِ النَّصَارَى مِنْ هَذَا النَّوْعِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَكْتُمُونَ إِيمَانَهُمْ إِمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا يَكْتُمُونَهُ عَنِ الْعَامَّةِ وَيُظْهِرُونَهُ لِخَاصَّتِهِمْ وَهَؤُلَاءِ قَدْ
[ ٢ / ٢٠٩ ]
يَتَنَاوَلُهُمْ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الْآيَةَ.
فَهَؤُلَاءِ لَا يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِأَجْلِ مَالٍ يَأْخُذُونَهُ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَمْنَعُونَهُمُ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] فَهَذِهِ الْآيَةُ تَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ أَقْوَى مِمَّا تَتَنَاوَلُ النَّصَارَى وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وَهَذَا مَدْحٌ مُطْلَقٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لِمَنْ كَذَّبَ الْمَسِيحَ وَلَا فِيهَا مَدْحٌ لِمَنْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا - ﷺ.
وَهَذَا الْكَلَامُ يُفَسِّرُهُ سِيَاقُ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
[ ٢ / ٢١٠ ]
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَقَدْ جَعَلَهُمْ نَوْعَيْنِ نَوْعًا مُؤْمِنِينَ وَنَوْعًا فَاسِقِينَ وَهُمْ أَكْثَرُهُمْ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَمَا يَتَنَاوَلُهُمْ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] ثُمَّ لَمَّا قَالَ: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] قَالَ ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] (١١١) ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]
[ ٢ / ٢١١ ]
وَضَرْبُ الذِّلَّةِ عَلَيْهِمْ أَيْنَمَا ثُقِفُوا وَمُبَاؤُهُمْ بِغَضَبِ اللَّهِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَعِصْيَانُهُمْ وَاعْتِدَاؤُهُمْ كَانَ الْيَهُودُ مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فَتَنَاوَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَلِ الْأَرْبَعِ مُتَمَسِّكًا بِهَا قَبْلَ النَّسْخِ بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ كَذَلِكَ آيَةُ آلِ عِمْرَانَ لَمَّا وُصِفَ أَهْلُ
[ ٢ / ٢١٢ ]
الْكِتَابِ بِمَا كَانُوا مُتَّصِفًا بِهِ أَكْثَرُهُمْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنَ الْكُفْرِ قَالَ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] . وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا مِنْهُمْ بِهَذَا قَبْلَ النَّسْخِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَلَمْ يُنْسَخْ كَمَا قَالَ فِي الْأَعْرَافِ ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] (١٦٨) ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] (١٦٩) ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] .
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] فَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَمَّنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذَا الْوَصْفِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ مُحَمَّدًا - ﷺ - فَآمَنَ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
[ ٢ / ٢١٣ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ تَعْظِيمَ الْإِسْلَامِ لِمَعَابِدِهِمْ]
قَالُوا ثُمَّ وَجَدْنَاهُ يُعَظِّمُ إِنْجِيلَنَا وَيُقَدِّمُ صَوَامِعَنَا وَيُشَرِّفُ مَسَاجِدَنَا وَيَشْهَدُ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهَا كَثِيرًا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] وَالْجَوَابُ أَنَّ فِيهَا ذِكْرُ الصَّوَامِعِ وَالْبِيَعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]، فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِبَ ذِكْرِهِ الْمَسَاجِدَ وَالْمَسَاجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا كَنَائِسَ النَّصَارَى، فَإِنَّهَا هِيَ الْبِيَعُ ثُمَّ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْمَسَاجِدِ فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُذْكَرُ كَثِيرًا فِي الْبِيَعِ وَالصَّوَامِعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ فِي الْجَمِيعِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - كَانَ فِيهَا مَنْ يَتَّبِعُ دِينَ الْمَسِيحِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَقَدْ قِيلَ أَنَّهَا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ
[ ٢ / ٢١٤ ]
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ.
قَالَ الضَّحَّاكُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ وَإِنْ كَانَ يُشْرَكُ بِهِ يَعْنِي أَنَّ الْمُشْرِكَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَطِّلِ الْجَاحِدِ الَّذِي لَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ بِحَالٍ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ خَيْرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا اقْتَتَلَ فَارِسُ وَالرُّومُ وَانْتَصَرَتِ الْفُرْسُ سَاءَ ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَرِهُوا انْتِصَارَ الْفُرْسِ عَلَى النَّصَارَى ; لِأَنَّ النَّصَارَى أَقْرَبُ إِلَى دِينِ اللَّهِ مِنَ الْمَجُوسِ وَالرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَتَقْدِيمِ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ عَلَى أَدْنَاهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانِ وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ بِخَيْرِهِمَا فَهَدْمُ صَوَامِعِ النَّصَارَى وَبِيَعِهِمْ فَسَادٌ إِذَا هَدَمَهَا الْمَجُوسُ وَالْمُشْرِكُونَ وَأَمَّا إِذَا هَدَمَهَا الْمُسْلِمُونَ وَجَعَلُوا
[ ٢ / ٢١٥ ]
أَمَاكِنَهَا مَسَاجِدَ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا فَهَذَا خَيْرٌ وَصَلَاحٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ ذُكِرَتْ فِي سِيَاقِ الْإِذْنِ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْجِهَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] وَهَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج: ٤٠] فَيَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْكُفَّارَ وَيَدْفَعُ شَرَّ الطَّائِفَتَيْنِ بِخَيْرِهِمَا كَمَا دَفَعَ الْمَجُوسَ بِالرُّومِ النَّصَارَى ثُمَّ دَفَعَ النَّصَارَى بِالْمُؤْمِنِينَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَهَذَا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وَأَمَّا التَّقْدِيمُ فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلِانْتِقَالِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
[ ٢ / ٢١٦ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] وَقَوْلُهُ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] (١) ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] (٢) ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣] (٣) ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ مَوَاضِعُ الْعِبَادَاتِ وَهَدْمُهَا فَسَادٌ إِذَا هَدَمَهَا مَنْ لَا يُبَدِّلُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا وَأَدْنَاهَا هِيَ الصَّوَامِعُ، فَإِنَّ الصَّوْمَعَةَ تَكُونُ لِوَاحِدٍ أَوْ لِطَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ فَبَدَأَ بِأَدْنَى الْمَعَابِدِ وَخَتَمَ بِأَشْرَفِهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا فَفِي الْجُمْلَةِ حُكْمُ هَذِهِ الْمَعَابِدِ حُكْمُ أَهْلِهَا وَأَهْلُهَا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ وَهَدْمُ مَعَابِدِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْلِمِينَ فَسَادٌ وَبَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ إِذَا غَلَبَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ كَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ وَهَدَمُوا مَعَابِدَهُمْ كَانَ ذَلِكَ فَسَادًا وَإِذَا هَدَمَهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ كَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَبْدَلُوهَا مَسَاجِدَ يُذْكَرُ فِيهَا
[ ٢ / ٢١٧ ]
اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَا يُشْرَكُ بِهِ وَيُذْكَرُ فِيهَا الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ كَانَ ذَلِكَ صَلَاحًا لَا فَسَادًا.
وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسَاجِدُ مَوَاضِعَ مَعَابِدِ الْكُفَّارِ كَمَا كَانَ لِثَقِيفٍ أَهْلِ الطَّائِفِ مَعْبَدٌ يَعْبُدُونَ فِيهِ اللَّاتَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُهْدَمَ ذَلِكَ الْمَعْبَدُ وَيُتَّخَذُ مَكَانَهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي يُعْبَدُ اللَّهُ وَحْدَهُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ هِيَ
[ ٢ / ٢١٨ ]
بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: ١٧] الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُهْتَدِينَ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ ذَكَرَ الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فَذَكَرَ أَهْلَ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَالْبَسِيطِ فَقَالَ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٢١٩ ]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] (٣٩) ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - بَلْ مَا جَاءَ بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَاهُمْ وُجُوبَ التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ]
قَالُوا وَهَذَا وَغَيْرُهُ أَوْجَبَ لَنَا التَّمَسُّكَ بِدِينِنَا وَأَنْ لَا نُهْمِلَ مَا مَعَنَا وَلَا نَرْفُضَ مَذْهَبَنَا وَلَا نَتَّبِعَ غَيْرَ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ وَحَوَارِيِّيهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْنَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِحُجَّتَيْنِ بَاطِلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ بَلْ إِلَى الْعَرَبِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ إِنِّي لَمْ أُرْسَلْ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا قَالَ قَطُّ إِنِّي لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ بَلْ نُصُوصُهُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ وَأَفْعَالُهُ تُبَيِّنُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ أُمِّيِّهِمْ وَكِتَابِيِّهِمْ.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَثْنَى عَلَى دِينِ النَّصَارَى بَعْدَ التَّبْدِيلِ وَالنَّسْخِ وَهِيَ أَيْضًا أَعْظَمُ كَذِبًا عَلَيْهِ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا كَيْفَ يُثْنِي عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُكَفِّرُهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَيَأْمُرُ بِجِهَادِهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَيَذُمُّ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ جِهَادِهِمْ غَايَةَ الذَّمِّ وَيَصِفُ مَنْ لَمْ يَرَ طَاعَتَهُ فِي قِتَالِهِمْ بِالنِّفَاقِ وَالْكُفْرِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ
[ ٢ / ٢٢١ ]
يَدْخُلُ جَهَنَّمَ وَهَذَا كُلُّهُ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَيَذْكُرُهُ تَبْلِيغًا لِرِسَالَةِ رَبِّهِ وَإِنَّمَا يُضَافُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ لَا لِأَنَّهُ أَنْشَأَهُ وَابْتَدَأَهُ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] (٤٠) ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] (٤١) ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] (٤٢) ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] (٤٣) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] (٤٤) ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] (٤٥) ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] (٤٦) ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] (٤٧) ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] (٤٨) ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] (٤٩) ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] (٥٠) ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] (٥١) ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وَأَمَّا ثَنَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ وَعَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ وَكَانَ عَلَى دِينِهِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ فَهَذَا حَقٌّ وَهُوَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - عَلَى مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَرِيعَةَ الْمَسِيحِ لَمْ تُبَدَّلْ وَأَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَثْنَى عَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهَا وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَنَاقِضًا وَإِذَا كَفَرَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ لَمْ يُنَاقِضْ ذَلِكَ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يُكَذِّبُوهُ.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
فَكَيْفَ وَهُوَ إِنَّمَا مَدَحَ مَنِ اتَّبَعَ دِينًا لَمْ يُبَدَّلْ؟ وَأَمَّا الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ فَلَمْ يَمْدَحْهُمْ بَلْ ذَمَّهُمْ كَمَا قَالَ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّصَارَى كَفَرُوا كَمَا كَفَرَتِ الْيَهُودُ: كَفَرُوا بِتَبْدِيلِهِمْ مَا فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَكَفَرُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالْكِتَابِ الثَّانِي.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَدِّلِ الْكِتَابَ أَوْ أَدْرَكَ مُحَمَّدًا - ﷺ - فَآمَنَ بِهِ فَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ تَعْظِيمَ الْمَسِيحِ لِلتَّوْرَاةِ وَاتِّبَاعَهُ لَهَا وَعَمَلَهُ بِشَرَائِعِهَا أَعْظَمُ مِنْ تَعْظِيمِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لِلْإِنْجِيلِ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا عَنِ الْيَهُودِ وُجُوبَ اتِّبَاعِهِمْ لِلْمَسِيحِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَعْظِيمُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لِلْإِنْجِيلِ مُسْقِطًا عَنِ النَّصَارَى وُجُوبَ اتِّبَاعِهِ.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ الْإِسْلَامَ عَظَّمَ الْحَوَارِيِّينَ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَحَوَارِيِّيهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْنَا أَنْذَرُونَا بِلُغَتِنَا وَسَلَّمُوا لَنَا دَيْنَنَا الَّذِينَ قَدْ عُظِّمُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] فَأُعْنِيَ بِقَوْلِهِ: أَنْبِيَاءَهُ الْمُبَشِّرِينَ وَرُسُلَهُ يَنْحُو بِذَلِكَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ دَارُوا فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ وَبَشَّرُوا بِالْكِتَابِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ الْإِنْجِيلُ الطَّاهِرُ ; لِأَنَّهُ لَوْ عُنِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ لَكَانَ قَالَ: مَعَهُمُ الْكُتُبُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَاءَ بِكِتَابٍ دُونَ
[ ٢ / ٢٢٤ ]
غَيْرِهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا الْكِتَابَ الْوَاحِدَ ; لِأَنَّهُ مَا أَتَى جَمَاعَةٌ مُبَشِّرِينَ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ غَيْرَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ أَتَوْا بِالْإِنْجِيلِ الطَّاهِرِ وَجَاءَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] يَعْنِي الْحَوَارِيِّينَ لَمْ يَقُلْ رَسُولٌ إِنَّمَا قَالَ: الْمُرْسَلِينَ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ وَلَا فِي غَيْرِهِ مَا يُوجِبُ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَى غَيْرِكُمْ وَتَمَسُّكَكُمْ بِدِينٍ مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا يُعَظَّمُ بِهِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةُ وَمَنِ اتَّبَعَ مُوسَى مَا يُوجِبُ لِلْيَهُودِ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَتَمَسُّكَهُمْ بِدِينٍ مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ: وَلَا نَتَّبِعُ غَيْرَ الْمَسِيحِ وَحَوَارِيِّيهِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا مُتَّبِعِينَ لَا لِلْمَسِيحِ وَلَا لِحَوَارِيِّيهِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دِينَهُمْ مُبَدَّلٌ لَيْسَ كُلُّهُ عَنِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ بَلْ أَكْثَرُ شَرَائِعِهِمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهَا لَيْسَتْ عَنِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَّرَ بِأَحْمَدَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] .
[ ٢ / ٢٢٥ ]
فَإِذَا لَمْ يَتَّبِعُوا أَحْمَدَ كَانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْمَسِيحِ وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْبِشَارَاتِ عَنِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَحْمَدَ مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا مَنْعُ احْتِجَاجِهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَبَيَانُ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ فِي بَعْضِهِ حُجَّةً لَهُمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ: أَنَّهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ عُظِّمُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ قَوْلٌ بَاطِلٌ فَسَّرُوا بِهِ الْقُرْآنَ تَفْسِيرًا بَاطِلًا مِنْ جِنْسِ تَفْسِيرِهِمُ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة: ٧] عَلَيْهِمْ بِالنَّصَارَى. وَتَفْسِيرُهُمْ بِإِذْنِي أَيْ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ. وَتَفْسِيرُهُمْ: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١] بِالْإِنْجِيلِ، وَتَفْسِيرُهُمُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] (٣) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] هُمُ النَّصَارَى.
وَتَفْسِيرُهُمْ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] هُمُ النَّصَارَى.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت: ٤٦] هُمُ الْيَهُودُ.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِهِمُ الْقُرْآنَ، مِثْلَ مَا يُفَسِّرُونَ بِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ مِنَ التَّفَاسِيرِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْإِلْحَادِ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَالْكَذِبِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ بِمَا يَظْهَرُ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لِكُلِّ مَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ. وَبُطْلَانُ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [الحديد: ٢٥] اسْمُ جَمْعٍ مُضَافٌ يَعُمُّ جَمِيعَ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّانِي: أَنَّ أَحَقَّ الرُّسُلِ بِهَذَا الْحُكْمِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ فِي الْقُرْآنِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا - وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وَقَالَ: فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٦٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٦٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١ - ١٤٥] وَقَوْلُهُ:
[ ٢ / ٢٢٨ ]
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٢٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٨٠] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا - فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] .
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وَذَكَرَ قِصَّتَهُ ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣١] . ثُمَّ لَمَّا قَضَى قِصَّتَهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ - مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ - ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ - ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ - إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢ - ٤٦] فَذَكَرَ إِرْسَالَ رُسُلِهِ تَتْرَى أَيْ مُتَوَاتِرَةً ثُمَّ ذَكَرَ إِرْسَالَ مُوسَى وَهَارُونَ وَإِرْسَالُ مُوسَى وَهَارُونَ قَبْلَ الْمَسِيحِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] فَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ - ﷾ - بِأَنَّهُ بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ - تَعَالَى -: فِي الْمَسِيحِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ -
[ ٢ / ٢٣٠ ]
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] . . . فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَسُولٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥] وَقَبْلَهُ قَدْ بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ «النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِائَةُ أَلْفِ نَبِيٍّ وَأَنَّ الرُّسُلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ» وَبَعْضُ النَّاسِ يُصَحِّحُ هَذَا الْحَدِيثَ وَبَعْضُهُمْ يُضَعِّفُهُ، فَإِنْ
[ ٢ / ٢٣١ ]
كَانَ صَحِيحًا فَالرُّسُلُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ صِحَّتُهُ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونُوا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ ; كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا أَقَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ أَكْرَمُهَا وَأَفْضَلُهَا عَلَى اللَّهِ» وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] .
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وَقَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ تَبَارَكَ: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ - إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ - تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٦ - ٩] فَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ كُلَّ فَوْجٍ يُلْقَى فِي النَّارِ وَقَدْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] .
[ ٢ / ٢٣٣ ]
فَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ قَبْلَ الْمَسِيحِ رُسُلًا كَثِيرِينَ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] هُمُ الْحَوَارِيُّونَ - فَقَطْ - الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ الْمَسِيحُ مَعَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ الْمَسِيحِ بِمَنْزِلَةِ رُسُلِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَرُسُلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَمَنْ أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَجَبَتْ طَاعَتُهُ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ; كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» .
فَبَيَّنَ أَنَّ أَمِيرَهُ إِنَّمَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَا فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ
[ ٢ / ٢٣٤ ]
رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا وَيُطِيعُوا فَأَغْضَبُوهُ فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا لَهُ ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوا نَارًا ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَادْخُلُوهَا فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنَ النَّارِ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا وَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» .
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ «- فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ
[ ٢ / ٢٣٦ ]
- ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «نَضَّرَّ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» .
فَالْحَوَارِيُّونَ فِي تَبْلِيغِهِمْ عَنِ الْمَسِيحِ كَسَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَبْلِيغِهِمْ عَنْهُمْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وَأُولُوا الْأَمْرِ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ فَإِذَا أَمَرُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمْ وَإِنْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ - ﷺ - لَا يُرَدُّ إِلَى أَحَدٍ دُونَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ ; كَمَا قَالَ: فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كِتَابًا مُعَيَّنًا ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنْ يُؤْمِنَ بِكِتَابٍ مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ بَلْ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَكُلَّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ; كَمَا قَالَ: فِي سُورَةِ الشُّورَى ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُؤْمِنَ بِكُلِّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ مَنْ بَلَغَتْهُمْ رِسَالَتُهُ ; كَمَا قَالَ ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهِ يَتَنَاوَلُهُ خِطَابُ الْقُرْآنِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» .
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ وَكِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ مُوَافِقَةٌ لِلْأُخْرَى وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] أَيْ فَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ ; كَمَا قَالَ: فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَلَمَّا اخْتَلَفَ بَنُو آدَمَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ.
وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ لِيَحْكُمَ اللَّهُ وَيَحْكُمَ كِتَابُهُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ فَالْحَاكِمُ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحُكْمُهُ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ فَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ أَنْ يَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
وَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ هُوَ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِهِ فَأَمَرَهُمْ بِالرَّدِّ إِلَى كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ ذَمَّ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَتَحَاكَمْ إِلَى كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ تَعَالَى:
[ ٢ / ٢٤٠ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا - فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا - وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا - فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٥] فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] يَتَنَاوَلُ الرُّسُلَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّهُمْ وَمِنْ أَحَقِّهِمْ بِذَلِكَ الرُّسُلُ الَّذِينَ أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ إِلَى عِبَادِهِ فَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ: أَنَّهُمُ الْحَوَارِيُّونَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] فَذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ أَيْضًا لِيَتَبَيَّنَ مَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالْحَدِيدِ.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحِوَارِيِّينَ وَالنَّصَارَى لَمْ يُؤْمَرُوا بِقِتَالِ أَحَدٍ بِالْحَدِيدِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٦] وَإِخْبَارُهُ بِإِرْسَالِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَبَيَانِ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْخَاصُّ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا دَخَلَ فِي الْعَامِّ ; كَمَا يَأْمُرُ السُّلْطَانُ الْعَسْكَرَ بِالْجِهَادِ وَيَأْمُرُ فُلَانًا وَفُلَانًا بِأَنْ يَفْعَلُوا كَذَا وَكَذَا وَمِثْلُ أَنْ يُقَالَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ إِلَى فُلَانٍ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فُلَانًا وَأَمَرَهُ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] فَنُوحٌ هُوَ أَبُو الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ حَدَثُوا بَعْدَ الطُّوفَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْرَقَ وَلَدَ آدَمَ إِلَّا أَهْلَ السَّفِينَةِ وَقَالَ: فِي نُوحٍ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وَإِبْرَاهِيمُ جَعَلَ الْأَنْبِيَاءَ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: فِي إِبْرَاهِيمَ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ إِرْسَالَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُ جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَفَّى عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِهِ وَقَفَّى بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَاهُ الْإِنْجِيلَ وَهَؤُلَاءِ رُسُلٌ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَآخِرُهُمُ الْمَسِيحُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَرْسَلَ أَحَدًا مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ هُمُ الْحَوَارِيُّونَ دُونَ الرُّسُلِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ وَأَرْسَلَهُمْ قَبْلَ الْمَسِيحِ.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ تَنْطِقُ بِأَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ اللَّهِ بَلْ وَلَا صَرَّحَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ لَكِنْ قَالَ: فِي سُورَةِ يس ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ - قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ - قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ - وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ - قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ - قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ - وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ - اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ - وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ - إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ - قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ - بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ - وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ - إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ - يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ١٣ - ٣٠] .
فَهَذَا كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُرْسَلِينَ كَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَلَا أَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ آمَنُوا بِهِمْ وَفِيهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَأَنَّ الْقَرْيَةَ أَنْطَاكِيَةُ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ اسْمُهُ حَبِيبٌ النَّجَّارُ ثُمَّ إِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ إِنَّ الْمَسِيحَ أَرْسَلَهُمْ فِي حَيَاتِهِ لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ النَّصَارَى أَنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ آمَنُوا بِالْحَوَارِيِّينَ وَاتَّبَعُوهُمْ لَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ.
وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ قَوْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي آمَنَ بِالرُّسُلِ.
وَأَيْضًا فَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّمَا جَاءُوا إِلَى أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ وَأَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا كَانُوا اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ثَالِثٌ قِيلَ أَحَدُهُمَا شَمْعُونُ الصَّفَا وَالْآخَرُ بُولُصُ وَيَقُولُونَ إِنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ آمَنُوا بِهِمْ وَلَا يَذْكُرُونَ حَبِيبَ النَّجَّارَ وَلَا مَجِيءَ رَجُلٍ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ بَلْ يَقُولُونَ إِنَّ شَمْعُونَ وَبُولُصَ دَعَوُا اللَّهَ حَتَّى أَحْيَا ابْنَ الْمَلِكِ فَالْأَمْرُ الْمَنْقُولُ عِنْدَ النَّصَارَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ لَيْسُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ عُلَمَاءِ
[ ٢ / ٢٤٥ ]
الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُفَسِّرِينَ وَذَكَرُوا أَنَّ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ يس لَيْسُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ وَسَمَّوْهُمْ بِأَسْمَاءِ غَيْرِ الْحَوَارِيِّينَ ; كَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ كَانَ مِنْ حَدِيثِ صَاحِبِ يس فِيمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ كَعْبٍ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ وَكَانَ اسْمُهُ حَبِيبًا وَكَانَ يَعْمَلُ الْحَرِيرَ وَكَانَ رَجُلًا سَقِيمًا قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ وَكَانَ مَنْزِلُهُ عِنْدَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ،
[ ٢ / ٢٤٦ ]
يُتَاجِرُ وَكَانَ مُؤْمِنًا ذَا صَدَقَةٍ يَجْمَعُ كَسْبَهُ إِذَا أَمْسَى فِيمَا يَذْكُرُونَ فَيَقْسِمُهُ نِصْفَيْنِ فَيُطْعِمُ نِصْفَهُ عِيَالَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِنِصْفِهِ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَةَ فِرْعَوْنُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ يُقَالُ لَهُ إِنْطَخْسُ بْنُ أَنْطَنْخَسَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ صَاحِبُ شِرْكٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمُرْسَلِينَ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ صَادِقٌ وَصَدُوقٌ وَشَلُومُ فَقَدَّمَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا ثُمَّ عَزَّزَ اللَّهُ بِالثَّالِثِ.
وَرَوَى الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٣ - ١٤] لِكَيْ تَكُونَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ فَأَتَوْا أَهْلَ الْقَرْيَةِ فَدَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فَكَذَّبُوهُمْ فَأَتَوْا عَلَى رَجُلٍ فِي نَاحِيَةِ الْقَرْيَةِ فِي زَرْعٍ لَهُ فَسَأَلَهُمُ الرَّجُلُ مَا أَنْتُمْ قَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
[ ٢ / ٢٤٧ ]
أُرْسِلْنَا إِلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ نَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ لَهُمْ: أَتَسْأَلُونَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأَلْقَى مَا فِي يَدِهِ ثُمَّ أَتَى أَهْلَ الْمَدِينَةِ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠] وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُرْسَلِينَ كَانُوا رُسُلًا لِلَّهِ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أُرْسِلُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَآمَنَ بِهِمْ حَبِيبٌ النَّجَّارُ فَهُمْ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ وَلَمْ تُؤْمِنْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالرُّسُلِ بَلْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ; كَمَا أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا عُمِّرَتْ أَنْطَاكِيَةُ وَكَانَ أَهْلُهَا مُشْرِكِينَ حَتَّى جَاءَهُمْ مَنْ جَاءَهُمْ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فَآمَنُوا بِالْمَسِيحِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَدَخَلُوا دِينَ الْمَسِيحِ.
وَيُقَالُ إِنَّ أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلُ الْمَدَائِنِ الْكِبَارِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْمَسِيحِ - ﵇ - وَذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ.، وَلَكِنْ ظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ هُمْ رُسُلُ الْمَسِيحِ وَهُمْ مِنَ
[ ٢ / ٢٤٨ ]
الْحَوَارِيِّينَ وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ أَهْلَكَ الَّذِينَ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ وَأَهْلُ أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا جَاءَهُمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ آمَنُوا وَلَمْ يُهْلَكُوا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرُّسُلَ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ وَجَاءَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ كَانُوا اثْنَيْنِ وَلَمْ يَأْتِهِمْ رَجُلٌ يَسْعَى لَا حَبِيبٌ وَلَا غَيْرُهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ جَاءُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَرْسَلَهُمْ وَهَذَا ; كَمَا أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أَهْلَكَ أَهْلَ مَدْيَنَ بِالظُّلَّةِ لَمَّا جَاءَهُمْ شُعَيْبٌ وَذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ مُوسَى أَتَاهَا وَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ وَاحِدٍ مِنْهَا فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهَذَا غَلَطٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ، كُلُّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ الَّذِي صَاهَرَهُ مُوسَى لَيْسَ هُوَ شُعَيْبًا النَّبِيَّ - ﷺ - وَحُكِيَ أَنَّهُ شُعَيْبٌ عَمَّنْ لَا يُعْرَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ; كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُقِرُّونَ بِأَنَّ الَّذِي صَاهَرَهُ مُوسَى لَيْسَ هُوَ شُعَيْبًا بَلْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَنَّهَا غَيْرُ مَدْيَنَ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرْسَلِينَ هَلْ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ أَوْ أَرْسَلَهُمُ الْمَسِيحُ قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُمْ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَهَذَا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَعْبٍ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: وَقَالَ: الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ:
[ ٢ / ٢٥٠ ]
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] أَخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضَادَتَيْ بَابِ الْمَدِينَةِ وَصَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ مَيِّتُونَ لَا يُسْمَعُ لَهُمْ حِسٌّ كَالنَّارِ إِذَا أُطْفِئَتْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] أَيْ سَاكِنُونَ كَهَيْئَةِ الرَّمَادِ الْخَامِدِ.
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ لَمْ يُصِبْهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ بَلْ آمَنُوا قَبْلَ أَنْ يُبَدَّلَ دِينُهُ وَكَانُوا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ بِهِ عَلَى دِينِهِ إِلَى أَنْ تَبَدَّلَ دِينُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ لَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ مُكَذِّبِي الْأُمَمِ بِعَذَابٍ مِنَ السَّمَاءِ يَعُمُّهُمْ ; كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمَ لُوطٍ وَفِرْعَوْنَ وَغَيْرَهُمْ بَلْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ ; كَمَا أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الْقَرْيَةُ أَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَهَا بِعَذَابٍ مِنَ السَّمَاءِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الرُّسُلَ الْمَذْكُورِينَ فِي يس كَانُوا قَبْلَ مُوسَى - ﵇ - وَأَيْضًا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْقُرْآنِ رَسُولًا
[ ٢ / ٢٥١ ]
أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرُّسُلَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ هُوَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ ; كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ نُوحًا وَمُوسَى وَغَيْرَهُمَا، وَفِي الْآيَةِ: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥]
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وَمِثْلُ هَذَا هُوَ خِطَابُ الْمُشْرِكِينَ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ لَا لِمَنْ جَاءَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ رَسُولٍ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] .
وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مِنْ عِنْدِ رُسُلِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ هَذَا مَثَلًا لِمَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدًا - ﷺ - يُحَذِّرُهُمْ أَنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ ; كَمَا انْتَقَمَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمُحَمَّدٌ إِنَّمَا يُضْرَبُ لَهُ الْمَثَلُ بِرَسُولٍ نَظِيرِهِ لَا بِمَنْ أَصْحَابُهُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا أَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ بَعْدَ الْمَسِيحِ رَسُولًا بَلْ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَانَ زَمَانَ فَتْرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩] وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٤] .
وَلَوْ كَانُوا رُسُلَ رَسُولٍ لَكَانَ التَّكْذِيبُ لِمَنْ أَرْسَلَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا شُبْهَةً، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ رُسُلُ رُسُلِ اللَّهِ بَشَرًا وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ بَشَرًا، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ
[ ٢ / ٢٥٣ ]
التَّكْذِيبُ لَهُمَا وَهُمَا رُسُلُ الرَّسُولِ لَأَمْكَنَهُمَا أَنْ يَقُولَا: فَأَرْسِلُوا إِلَى مَنْ أَرْسَلَنَا أَوْ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ صِدْقَنَا فِي الْبَلَاغِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا رُسُلَ اللَّهِ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُرْسِلُ وَمَنْ أَرْسَلَهُمْ غَيْرُهُ إِنَّمَا أَرْسَلَهُمْ ذَلِكَ لَمْ يُرْسِلْهُمُ اللَّهُ ; كَمَا لَا يُقَالُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ فَلَا يُقَالُ لِدِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ وَأَمْثَالِهِمَا مِمَّنْ أَرْسَلَهُمُ الرَّسُولُ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرْسَلَ رُسُلَهُ إِلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ ; كَمَا أَرْسَلَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ إِلَى قَيْصَرَ وَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى وَأَرْسَلَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ ; كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي هَؤُلَاءِ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ وَلَا يُسَمُّونَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ رُسُلَ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَالَ هَؤُلَاءِ دَاخِلُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
فَإِذَا كَانَتْ رُسُلُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَمْ يَتَنَاوَلْهُمُ اسْمُ رُسُلِ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ رُسُلَ رَسُولٍ غَيْرِهِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ - ﵎ - بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٣]
[ ٢ / ٢٥٤ ]
هَلْ مُرَادُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مَنْ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ أَوْ مَنْ أَرْسَلَهُمْ رَسُولُهُ، وَقَدْ عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِثْلِ هَذَا فَمَنْ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَرَادَ بِذَلِكَ مَنْ أَرْسَلَهُ رَسُولًا فَقَدْ كَذَبَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ فَسَادِ قَوْلِهِمْ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ]
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَسَادُ قَوْلِهِمْ: فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: وَقَالَ: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] قَالُوا: فَأَعْنِي بِقَوْلِهِ: أَنْبِيَاءَهُ الْمُبَشِّرِينَ وَرُسُلَهُ يَنْحُو بِذَلِكَ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ دَارُوا فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ وَبَشَّرُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي هُوَ الْإِنْجِيلُ الطَّاهِرُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَعْنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَمُحَمَّدٍ لَكَانَ قَالَ: وَمَعَهُمُ الْكُتُبُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَاءَ بِكِتَابٍ دُونَ غَيْرِهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا الْكِتَابَ الْوَاحِدَ ; لِأَنَّهُ مَا أُتِيَ جَمَاعَةٌ مُبَشِّرِينَ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ غَيْرَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ أُتُوا بِالْإِنْجِيلِ الطَّاهِرِ.
فَيُقَالُ: لَهُمْ: قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ هَذَا التَّفْسِيرِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] أَيْ فَاخْتَلَفُوا. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
وَالْحَوَارِيُّونَ لَيْسُوا مِنَ النَّبِيِّينَ وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ أَرْسَلَهُمْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِرْسَالِهِ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ كَمَنْ أَرْسَلَهُمْ مُوسَى وَمُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُمَا وَلِهَذَا تُسَمِّيهِمْ عَامَّةُ النَّصَارَى رُسُلًا وَلَا يُسَمُّونَهُمْ أَنْبِيَاءً.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ.
وَالْحَوَارِيُّونَ لَمْ يَنْزِلْ مَعَهُمُ الْكِتَابُ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ مَعَ الْمَسِيحِ، وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ أُنْزِلَ مَعَهُمْ جِنْسُ الْكِتَابِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ كُلُّهَا ; كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَنْ مَرْيَمَ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (وَكِتَابِهِ) وَأَيْضًا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ يُونُسَ ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَتْ بَنُو آدَمَ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ، وَاخْتِلَافُهُمْ كَانَ قَبْلَ الْمَسِيحِ بَلْ قَبْلَ مُوسَى بَلْ قَبْلَ الْخَلِيلِ بَلْ قَبْلَ نُوحٍ ; كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ حَدَثَ فِيهِمُ الشِّرْكُ وَالِاخْتِلَافُ عَلَى وَجْهَيْنِ تَارَةً يَخْتَلِفُونَ فَيُؤْمِنُ بَعْضُهُمْ وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] يَعْنِي أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَقَدْ يَكُونُ الْمُخْتَلِفُونَ كُلُّهُمْ عَلَى بَاطِلٍ كَقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٢٥٨ ]
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨] وَأَيْضًا: فَالْإِنْجِيلُ لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بَلْ عَامَّتُهُ مَوَاعِظُ وَوَصَايَا وَأَخْبَارُ الْمَسِيحِ بِخِلَافِ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، فَإِنَّ فِيهِمَا مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مَا لَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ هَدَى الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ اخْتِلَافِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بَغْيًا بَيْنَهُمْ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ وَهَذَا ذَمٌّ لِمَنْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَاخْتَلَفُوا.
وَالنَّصَارَى دَاخِلُونَ فِي هَذَا الذَّمِّ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْإِنْجِيلَ لَكَانُوا هُمُ الْمَذْمُومِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْيَهُودُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ مَذْمُومُونَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا الْمَمْدُوحُ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفَ أُولَئِكَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - قَطْعًا وَقَدْ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ آمَنَ مِنَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَالَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] وَأَمَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّ اللَّهَ هَدَاهُمْ لِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ، فَإِنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ الْوَسَطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الْبَاطِلِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ الَّذِي اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي التَّوْحِيدِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَخْبَارِ وَالتَّشْرِيعِ وَالنَّسْخِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
أَمَّا التَّوْحِيدُ فَإِنَّ الْيَهُودَ شَبَّهُوا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ فَوَصَفُوا الرَّبَّ سُبْحَانَهُ بِصِفَاتِ النَّقْصِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا الْمَخْلُوقُ فَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَبَخِيلٌ وَأَنَّهُ يَتْعَبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَالنَّصَارَى وَصَفُوا الْمَخْلُوقَ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا الْخَالِقُ فَقَالُوا: عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَ:
[ ٢ / ٢٦٠ ]
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الْآيَةَ.
وَالْمُسْلِمُونَ هَدَاهُمُ اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ فَلَمْ يُشَبِّهُوا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ وَلَا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ بَلْ أَثْبَتُوا لِلَّهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنَزَّهُوهُ عَنِ النَّقَائِصِ وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُ أَحَدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَيْسَ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَنَزَّهُوهُ عَنِ النَّقَائِصِ خِلَافًا لِلْيَهُودِ وَعَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِ لَهُ خِلَافًا لِلنَّصَارَى.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ - ﵈ - فَإِنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوا بَعْضًا وَكَذَّبُوا بَعْضًا ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] .
وَالنَّصَارَى أَشْرَكُوا بِهِمْ وَبِمَنْ هُوَ دُونَهُمْ فَعَبَدُوا الْمَسِيحَ بَلِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَجَعَلُوا الْحَوَارِيِّينَ رُسُلًا لِلَّهِ وَزَعَمُوا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَصِيرُ بِطَاعَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَصَارُوا يَدْعُونَهُمْ وَيَسْتَشْفِعُونَ بِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَإِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تَمَاثِيلَهُمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ذُكِرَ لَهُ كَنِيسَةٌ
[ ٢ / ٢٦١ ]
بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَذُكِرَ مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا فَقَالَ: أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ فَآمَنُوا بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ كُلِّهِمْ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَمْ يَغْلُوا فِيهِمْ غُلُوَّ النَّصَارَى وَلَا قَصَّرُوا فِي حَقِّهِمْ تَقْصِيرَ الْيَهُودِ وَكَذَلِكَ قَتَلَ الْيَهُودُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ وَالنَّصَارَى يُطِيعُونَ مَنْ يَأْمُرُ بِالشِّرْكِ وَإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَيُطِيعُونَ مَنْ يُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَيُحَلِّلُ الْحَرَامَ وَالْمُسْلِمُونَ يُطِيعُونَ مَنْ يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَلَا يُطِيعُونَ مَنْ يَأْمُرُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَالنَّصَارَى فِيهِمُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالْيَهُودُ فِيهِمْ الِاسْتِكْبَارُ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: فِي النَّصَارَى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] وَقَالَ: فِي الْيَهُودِ ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] وَالْإِسْلَامُ هُوَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ الْعَبْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَيَعْبُدُهُ وَحْدَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ فَمَنِ اسْتَسْلَمَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَانَ مُشْرِكًا، وَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. وَمَنْ
[ ٢ / ٢٦٢ ]
لَمْ يَسْتَسْلِمْ لَهُ بَلِ اسْتَكْبَرَ عَنْ عِبَادَتِهِ كَانَ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] فَلِهَذَا كَانَ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ مُسْلِمِينَ لِلَّهِ يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَإِنْ تَنَوَّعَتْ شَرَائِعُهُمْ فَالْمَسِيحُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا لَمَّا كَانَ مُتَّبِعًا لِشَرْعِ التَّوْرَاةِ وَلَمَّا نَسَخَ اللَّهُ لَهُ نُسْخَةً مِنْهَا.
وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا لِمَا كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ لَمَّا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ وَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى الْخَلْقِ كَانُوا كُلُّهُمْ مَأْمُورِينَ بِطَاعَتِهِ وَكَانَتْ عِبَادَةُ اللَّهِ طَاعَتَهُ، فَمَنْ لَمْ يُطِعْهُ لَمْ يَكُنْ عَابِدًا لِلَّهِ فَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا.
وَأَمَّا التَّشْرِيعُ فَإِنَّ الْيَهُودَ زَعَمُوا أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ يَمْتَنِعُ مِنْهُ أَنْ يَنْسَخَهُ.
وَالنَّصَارَى زَعَمُوا أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ يَسُوغُ لِأَكَابِرِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوهُ فَهَدَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ فَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَهُ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ خِلَافًا لِلْيَهُودِ وَلَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ شَرْعِ الْخَالِقِ خِلَافًا لِلنَّصَارَى.
وَأَمَّا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ فَإِنَّ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الطَّيِّبَاتُ وَشُدِّدَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِ النَّجَاسَاتِ، حَتَّى مُنِعُوا مِنْ
[ ٢ / ٢٦٣ ]
مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ وَالْجُلُوسِ مَعَهَا فِي بَيْتٍ وَمِنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَحْمُ الثَّرْبِ وَالْكُلْيَتَيْنِ وَكُلُّ ذِي ظُفُرٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْمَسِيحُ - ﵇ - أَحَلَّ لَهُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فَقَابَلَهُمُ النَّصَارَى فَقَالُوا: لَيْسَ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ لَا الْخِنْزِيرُ وَلَا غَيْرُهُ بَلْ وَلَا شَيْءَ نَجِسٌ، لَا الْبَوْلُ وَلَا غَيْرُهُ وَزَعَمُوا أَنَّ بَعْضَ أَكَابِرِهِمْ رَأَى مُلَاءَةً صُوِّرَ لَهُ فِيهَا صُوَرُ الْحَيَوَانِ وَقِيلَ لَهُ كُلْ مَا طَابَتْ نَفْسُكَ وَدَعْ مَا تَكْرَهُ وَأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُمْ جَمِيعُ الْحَيَوَانِ وَنَسَخُوا شَرْعَ التَّوْرَاةِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، فَالْحَلَالُ عِنْدَهُمْ مَا اشْتَهَتْهُ أَنْفُسُهُمْ وَالْحَرَامُ عِنْدَهُمْ مَا كَرِهَتْهُ أَنْفُسُهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ فَأَحَلَّ لَهُمُ اللَّهُ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَأَزَالَ عَنْهُمُ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ خِلَافًا لِلْيَهُودِ وَأَمَرَهُمْ بِالطَّهَارَةِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ خِلَافًا لِلنَّصَارَى. وَالْمَسِيحُ - ﵇ - جَعَلَتْهُ الْيَهُودُ وَلَدَ زِنًا كَذَّابًا سَاحِرًا، وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى هُوَ اللَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فَشَهِدُوا أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ خِلَافًا لِلنَّصَارَى وَأَنَّهُ رَسُولٌ وَجِيهٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ خِلَافًا لِلْيَهُودِ وَأَمَّا التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، فَإِنَّ الْيَهُودَ مِنْ شَأْنِهِمُ التَّكْذِيبُ بِالْحَقِّ وَالنَّصَارَى مِنْ شَأْنِهِمُ التَّصْدِيقُ بِالْبَاطِلِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ كَذَّبُوا مَنْ كَذَّبُوهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ جَاءُوا بِالْحَقِّ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] وَالنَّصَارَى يُصَدِّقُونَ بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ وَالشَّرَائِعِ ; كَمَا صَدَّقُوا بِالتَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمُمْتَنِعَاتِ.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّ الْقُرْآنَ يَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ]
ثُمَّ قَالُوا: عَنِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ حَيْثُ يَقُولُ: كَمَا قَالَ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ﴿الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] فَيُقَالُ: هَذَا حَقٌّ وَالْحَوَارِيُّونَ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ وَهُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَا فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ مَأْخُوذٌ عَنْهُمْ وَلَا فِي هَذَا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ مَعْصُومٌ مِنَ الْغَلَطِ بَلْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَنْ يَكُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ; كَمَا طَلَبَ الْمَسِيحُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] .
وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ بِأَنَّهُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٢٦٦ ]
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وَالْمُهَاجِرُونَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ أَيْضًا مِنْ أَنْصَارِ اللَّهِ نَصَرُوهُ ; كَمَا نَصَرَهُ الْأَنْصَارُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَهُمُ اسْمٌ يَخُصُّهُمْ وَهُوَ الْمُهَاجِرُونَ وَهُوَ أَفْضَلُ الِاسْمَيْنِ، خُصَّ الْأَنْصَارُ بِهَذَا الِاسْمِ. وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ أَفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِمُوسَى وَمَنْ آمَنَ بِعِيسَى عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِمْ عِنْدَهُمْ نَبِيٌّ وَلَا رَسُولٌ لِلَّهِ، وَلَكِنْ فِيهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَسْلِيمًا.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ عَظَّمَ إِنْجِيلَهُمُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ]
فَصْلٌ
قَالُوا وَأَمَّا تَعْظِيمُهُ لِإِنْجِيلِنَا وَكُتُبِنَا الَّتِي بِأَيْدِينَا فَيَقُولُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وَقَالَ: فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿الم - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ - مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١ - ٤] . وَقَالَ: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥] . فَأَعْنِي بِالْكِتَابِ الْإِنْجِيلَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ نَحْنُ
[ ٢ / ٢٦٨ ]
النَّصَارَى الَّذِينَ آمَنَّا بِالْمَسِيحِ وَمَا رَأَيْنَاهُ، ثُمَّ اتَّبَعَ بِالْقَوْلِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] فَأَعْنِي بِهِمُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَا آتَى بِهِ وَمَا أَتَى مِنْ قَبْلِهِ وَقَالَ: فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ - وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧] وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] فَأَعْنِي أَيْضًا بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ الَّذِي هُوَ الْإِنْجِيلُ الْمُقَدَّسُ.
وَقَالَ: أَيْضًا: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] .
فَثَبَتَ بِهَذَا مَا مَعَنَا وَنُفِيَ عَنْ إِنْجِيلِنَا وَكُتُبِنَا الَّتِي فِي أَيْدِينَا التُّهَمُ وَالتَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ لِمَا فِيهَا بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهَا.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وَالْجَوَابُ: بَعْدَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] . أَنْ يُقَالَ: أَمَّا تَصْدِيقُ خَاتَمِ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ وَلِمَنْ جَاءَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ مُتَوَاتِرًا تَوَاتُرًا ظَاهِرًا كَتَوَاتُرِ إِرْسَالِهِ إِلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ وَهَذَا مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ - فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ - وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٤ - ٨٥]
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وَقَالَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ - لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] وَتَصْدِيقُهُ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَذْكُورٌ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] .
[ ٢ / ٢٧١ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وَقَالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ مُهَيْمِنًا عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمُهَيْمِنُ الشَّاهِدُ الْمُؤْتَمَنُ الْحَاكِمُ يَشْهَدُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَقِّ وَيَنْفِي مَا حُرِّفَ فِيهَا وَيَحْكُمُ بِإِقْرَارِ مَا أَقَرَّهُ اللَّهُ مِنْ أَحْكَامِهَا وَيَنْسَخُ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ مِنْهَا وَهُوَ مُؤْتَمَنٌ فِي ذَلِكَ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَحْسَنُ الْقَصَصِ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ كُلُّ مَنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالتَّوْرَاةِ قَبْلَ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلِ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهَا، فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالْإِنْجِيلِ مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلِ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ قَبْلَ النَّسْخِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِشَرْعٍ مُبَدَّلٍ فَضْلًا عَمَّنْ تَمَسَّكَ بِشَرْعٍ مَنْسُوخٍ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ بَلْ قَدْ بَيَّنَ كُفْرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِتَبْدِيلِ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَبِتَرْكِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] أَنَّهُ الْإِنْجِيلُ وَ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]
[ ٢ / ٢٧٢ ]
عَنَى بِهِمُ النَّصَارَى فَهُوَ مِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَبْدِيلِ كَلَامِ اللَّهِ ; كَمَا فَعَلُوهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] وَفِي قَوْلِهِ: بِإِذْنِي أَيْ بِاللَّاهُوتِ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] .
وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرُوهُ وَتَأَوَّلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِهِ وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُمْ فَعَلُوا كَذَلِكَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ الَّذِي قَدْ عُرِفَ تَفْسِيرُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا حَتَّى عُرِفَ مَعْنَاهُ عِلْمًا يَقِينًا اضْطِرَارِيًّا فَيُبَدِّلُونَ مَعْنَاهُ وَيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَمَاذَا يَصْنَعُونَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَلَمْ يُنْقَلْ لَفْظُ ذَلِكَ وَمَعْنَاهُ ; كَمَا نُقِلَ الْقُرْآنُ وَلَيْسَ فِي أَهْلِ تِلْكَ الْكُتُبِ مَنْ يَذُبُّ عَنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا ; كَمَا يَذُبُّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ؟ .
وَهَؤُلَاءِ غَرَّهُمْ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] فَظَنُّوا أَنَّ لَفْظَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ يُشَارُ بِهَا إِلَى الْغَائِبِ أُشِيرَ بِهَا إِلَى الْإِنْجِيلِ.
فَيُقَالُ: لَهُمْ هَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَلَاهُ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢] وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خَبَرَ يُوسُفَ الصِّدِّيقَ ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] وَقَالَ أَيْضًا: لَمَّا ذَكَرَ خَبَرَ مَرْيَمَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] ; كَمَا قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ آيَاتٍ يُخْبِرُ فِيهَا عَنْ نُوحٍ ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٤٩] وَقَالَ: ﴿الر - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١ - ٢] وَتِلْكَ فِي الْمُؤَنَّثِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُذَكَّرِ وَمَعَ هَذَا فَأَشَارَ إِلَى
[ ٢ / ٢٧٤ ]
الْقُرْآنِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿الر - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] وَقَوْلُهُ: ﴿طس - تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١] وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿طسم - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص: ١ - ٢] وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿حم - عسق - كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ١ - ٣] وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] وَقَوْلُهُ: ﴿المر - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١] الْآيَةَ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ [يونس: ٢ - ١] وَنَحْوُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْكِتَابُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ قَدْ أُنْزِلَ تِلْكَ السَّاعَةَ وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ أُنْزِلَ قَبْلَ ذَلِكَ فَصَارَ كَالْغَائِبِ الَّذِي يُشَارُ إِلَيْهِ ; كَمَا يُشَارُ إِلَى الْغَائِبِ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ حُضُورِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - يُشَارُ إِلَيْهِ ; كَمَا يُشَارُ إِلَى الْحَاضِرِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وَلِهَذَا قَالَ: غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ذَلِكَ الْكِتَابُ أَيْ هَذَا الْكِتَابُ يَقُولُونَ الْمُرَادُ هَذَا الْكِتَابُ وَإِنْ كَانَتِ الْإِشَارَةُ تَكُونُ تَارَةً إِشَارَةَ غَائِبٍ وَتَارَةً إِشَارَةَ حَاضِرٍ وَقَدْ قَالَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢ - ٣] وَقَدْ وَصَفَ النَّصَارَى بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنَّهُمْ كَافِرُونَ ظَالِمُونَ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُمُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَأَوَّلُ التَّقْوَى تَقْوَى الشِّرْكِ وَقَدْ وَصَفَ النَّصَارَى بِالشِّرْكِ فِي قَوْلِهِ:
[ ٢ / ٢٧٦ ]
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] وَقَالَ - تَعَالَى -: لَمَّا ذَكَرَ الْمَسِيحَ ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ - أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٧ - ٣٨] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وَنَهَى عَنْ مُوَالَاتِهِمْ فَقَالَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ فَقَالَ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ - إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فَلَوْ كَانُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الْمُتَّقِينَ لَكَانَ اللَّهُ وَلِيَّهُمْ وَلَكَانَتْ مُوَالَاتُهُمْ وَاجِبَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ قَدْ نَهَى عَنْ مُوَالَاتِهِمْ وَجَعَلَ مَنْ يَتَوَلَّاهُمْ ظَالِمًا وَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَالْكُفَّارَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَلِهَذَا لَمَّا قَطَعَ اللَّهُ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ الْكَافِرِينَ.
قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» .
وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ لَا يَرِثُ مُسْلِمًا وَلَوْ كَانَ ابْنَهُ وَأَبَاهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وَقَدْ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» وَالنَّصَارَى يُصَلُّونَ بِغَيْرِ طَهُورٍ.
وَقَالَ - ﷺ -: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَهُمْ لَا يَقْرَؤُونَهَا. وَالصَّلَاةُ الَّتِي فَرَضَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا مُشْتَمِلَةٌ
[ ٢ / ٢٧٩ ]
عَلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَعَلَى رُكُوعٍ وَسَجْدَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى فَكَيْفَ يَمْدَحُهُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَهُمْ لَا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ الَّتِي أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا.
ثُمَّ لَوْ قَالَ الْيَهُودِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] التَّوْرَاةُ وَبِالْمُتَّقِينَ الْيَهُودُ لَكَانَ هَذَا مَعَ بُطْلَانِهِ أَقْرَبَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ الْإِنْجِيلُ ; لِأَنَّ التَّوْرَاةَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنَ الْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهَا الْأَصْلُ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقْرِنُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: ١٧] وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] .
وَقَدْ قَالَتِ الْجِنُّ لَمَّا سَمِعَتِ الْقُرْآنَ ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] وَقَالَ: النَّجَاشِيُّ لَمَّا سَمِعَ الْقُرْآنَ إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ قَالَ: هَذَا
[ ٢ / ٢٨٠ ]
هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: قَالُوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: ٤٨] أَيِ: التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ. وَقَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا أَيْ مُوسَى وَمُحَمَّدٌ وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كِتَابٌ أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢] .
[ ٢ / ٢٨١ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] فَهِيَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ مُجْمَلًا، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِإِيمَانٍ مُفَصَّلٍ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ. وَالْعَطْفُ بِالْوَاوِ يَكُونُ لِتَغَايُرِ الذَّوَاتِ وَيَكُونُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى - الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى - وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى - فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ١ - ٥] وَالَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى هُوَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ - وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ٩ - ١٢] وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١] .
[ ٢ / ٢٨٢ ]
فَهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَصَفَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ بِحَرْفِ الْوَاوِ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا - إِلَّا الْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ - وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ - لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ - وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ - وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٣٥] .
وَقَدْ فَسَّرَ قَبْلُ قَوْلَهُ: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ صِفَةُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: هَؤُلَاءِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، لَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ وَلَا بُدَّ فِي مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يُؤْمِنَ بِالْغَيْبِ. فَكُلٌّ مِنَ الْإِيمَانَيْنِ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِ مُفْلِحًا إِلَّا بِهَذَا وَهَذَا.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّصَارَى نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ وَمَا رَأَيْنَاهُ فَهَكَذَا الْيَهُودُ آمَنُوا بِمُوسَى - ﵇ - وَمَا رَأَوْهُ وَالْمُسْلِمُونَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمَا رَأَوْهُ بَلِ الْمُسْلِمُونَ آمَنُوا بِمُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَمَا رَأَوْهُمْ بِخِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ. ثُمَّ الْغَيْبُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ صُورَةَ النَّبِيِّ - ﵇ -، فَإِنَّ صُورَةَ النَّبِيِّ لَيْسَتْ مِنَ الْغَيْبِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَرَوْنَهَا وَلَيْسَ فِي رُؤْيَتِهَا مَا يُوجِبُ إِيمَانًا وَلَا كُفْرًا، وَلَكِنَّ الْغَيْبَ مَا غَابَ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْخَلْقِ وَهُوَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْغَيْبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ، وَسَوَاءٌ رُؤِيَتْ أَبْدَانُهُمْ أَوْ لَمْ تُرَ فَقَدْ يَرَاهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِرِسَالَتِهِمْ وَقَدْ يُؤْمِنُ بِرِسَالَتِهِمْ مَنْ لَمْ يَرَهُمْ.
وَالْمَقْصُودُ الْإِيمَانُ بِرِسَالَتِهِمْ لَا بِنَفْسِ صُوَرِهِمْ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ آمَنَّا بِنَبِيٍّ وَلَمْ نَرَهُ وَقَدْ يَعْلَمُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَأَعْلَامِ رِسَالَتِهِ مَنْ لَمْ يَرَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُهَا مَنْ رَآهُ.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ - وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧] فَهَذَا ثَنَاءٌ مِنْهُ عَلَى الْمَسِيحِ وَالْإِنْجِيلِ وَأَمْرٌ لِلنَّصَارَى بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ فِيهِ ; كَمَا أَثْنَى عَلَى مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ بِأَعْظَمَ مِمَّا عَظَّمَ بِهِ الْمَسِيحَ وَالْإِنْجِيلَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] أَيْ: قَائِلُونَ لِلْكَذِبِ مُصَدِّقُونَ مُسْتَجِيبُونَ مُطِيعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
لَمْ يَأْتُوكَ فَهُمْ مُصَدِّقُونَ لِلْكَذِبِ مُطِيعُونَ لِمَنْ يُخَالِفُكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَكُلٌّ مِنْ تَصْدِيقِ الْكَذِبِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ.
وَلَفْظُ السَّمِيعِ يُرَادُ بِهِ الْإِحْسَاسُ بِالصَّوْتِ وَيُرَادُ بِهِ فَهْمُ الْمَعْنَى وَيُرَادُ بِهِ قَبُولُهُ فَيُقَالُ: فُلَانٌ سَمِعَ مَا يَقُولُ فُلَانٌ أَيْ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُطِيعُهُ وَيَقْبَلُ مِنْهُ.
فَقَوْلُهُ: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَيْ مُصَدِّقُونَ بِهِ وَإِلَّا مُجَرَّدُ سَمَاعِ صَوْتِ الْكَاذِبِ وَفَهْمِ كَلَامِهِ لَيْسَ مَذْمُومًا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَكَذَلِكَ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أَيْ مُسْتَجِيبُونَ لَهُمْ مُطِيعُونَ ; كَمَا قَالَ: فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أَيْ مُسْتَجِيبُونَ مُطِيعُونَ لَهُمْ وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَاسُوسُ فَهُوَ غَالِطٌ كَغَلَطِ مَنْ قَالَ: سَمَّاعُونَ لَهُمْ هُمُ الْجَوَاسِيسُ، فَإِنَّ الْجَاسُوسَ إِنَّمَا يَنْقُلُ خَبَرَ الْقَوْمِ إِلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ مَا يَذْكُرُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَفْعَلُهُ يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ كُلُّ مَنْ بِالْمَدِينَةِ مُؤْمِنُهُمْ وَمُنَافِقُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ أَنْ يَكْتُمَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ خِلَافَ مَنْ كَانَ يَأْتِيهِ مِنَ الْيَهُودِ وَهُمْ يُصَدِّقُونَ الْكَذِبَ وَيُطِيعُونَ لِلْيَهُودِ
[ ٢ / ٢٨٦ ]
الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوهُ وَاللَّهُ نَهَى نَبِيَّهُ أَنْ يُحْزِنَهُ الْمُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُنَافِقَتَيْنِ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ بِهِ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَلَيْسَ مَقْصُودُهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ وَيَتَّبِعُوا حُكْمَهُ بَلْ إِنْ حَكَمَ بِمَا يَهْوُونَهُ قَبِلُوهُ وَإِنْ حَكَمَ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلُوهُ لِكَوْنِهِمْ مُطِيعِينَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوهُ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١] أَيْ لَمْ يَأْتِكَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ الْآخَرُونَ يَقُولُونَ أَيْ يَقُولُ السَّمَّاعُونَ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] وَالْحُكْمُ يَفْتَقِرُ إِلَى الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ صَادِقًا وَالْحَاكِمُ عَادِلًا وَهَؤُلَاءِ يُصَدِّقُونَ الْكَاذِبِينَ مِنَ الشُّهُودِ وَيَتَّبِعُونَ حُكْمَ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ اتِّبَاعَ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ فَلَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بَلْ إِنْ شِئْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَحْكُمْ.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وَلَكِنْ إِذَا حَكَمْتَ فَلَا تَحْكُمْ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ إِذْ هُوَ الْعَدْلُ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، ثُمَّ قَالَ ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ - إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٣ - ٤٥] فَهَذَا ثَنَاؤُهُ عَلَى التَّوْرَاةِ وَإِخْبَارُهُ أَنَّ فِيهَا حُكْمَ اللَّهِ وَأَنَّهُ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَفِيهَا ﴿هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَقَالَ: عَقِبَ ذِكْرِهَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وَهَذَا أَعْظَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهُ قَالَ: فِي الْإِنْجِيلِ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] وَقَالَ فِيهِ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وَقَالَ: فِي التَّوْرَاةِ ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَقَالَ: عَقِبَ ذِكْرِهَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ إِخْبَارِهِ بِإِنْزَالِ الْكِتَابَيْنِ يَصِفُ التَّوْرَاةَ بِأَعْظَمَ مِمَّا يَصِفُ بِهِ الْإِنْجِيلَ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَدْحِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ مَدْحَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الْمَسِيحَ وَمُحَمَّدًا - ﷺ -
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وَلَيْسَ فِيهِ ثَنَاءٌ عَلَى دِينِ الْيَهُودِ الْمُبَدَّلِ الْمَنْسُوخِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، فَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَدْحِ الْمَسِيحِ وَالْإِنْجِيلِ لَيْسَ فِيهِ مَدْحُ النَّصَارَى الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا وَبَدَّلُوا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَاتَّبَعُوا الْمُبَدَّلَ الْمَنْسُوخَ، وَالْيَهُودُ تُوَافِقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ مَدْحٌ لِلنَّصَارَى، وَالنَّصَارَى تُوَافِقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ مَدْحٌ لِلْيَهُودِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ. فَعُلِمَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهَا: الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَمُوسَى وَعِيسَى مَدْحٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا - ﷺ - وَلَا مَدْحٌ لِدِينِهِمُ الْمُبَدَّلِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينٍ مُبَدَّلٍ وَلَا بِدِينٍ مَنْسُوخٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينٍ مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
[فَصْلٌ: قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرُّسُلِ]
وَهُنَا أَصْلٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ إِلَّا مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا - اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا - مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: عَنْ أَهْلِ النَّارِ ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] وَقَالَ:
[ ٢ / ٢٩١ ]
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٤٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] .
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥] وَقَوْلُهُ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا تَقُومُ بِالْقُرْآنِ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَمَنْ بَلَغَهُ بَعْضُ الْقُرْآنِ دُونَ بَعْضٍ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِمَا بَلَغَهُ دُونَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَإِذَا اشْتَبَهَ مَعْنَى بَعْضِ الْآيَاتِ وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ وَجَبَ رَدُّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اجْتَهَدَ النَّاسُ فِي فَهْمِ مَا أَرَادَهُ الرَّسُولُ - ﷺ - فَالْمُصِيبُ لَهُ أَجْرَانِ وَالْمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ فَلَا يُمْنَعُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ جَمِيعُ نُصُوصِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ إِلَّا بِمَا بَلَغَهُ وَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهُ مِنْهُ فَاجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَتِهِ، فَإِنْ
[ ٢ / ٢٩٣ ]
أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَأُهُ مَحْطُوطٌ عَنْهُ فَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ تَحْرِيفَ الْكِتَابِ لَفْظِهِ أَوْ مَعْنَاهُ وَعَرَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَعَانَدَهُ فَهَذَا مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّطَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ مُشْتَغِلًا عَنْ ذَلِكَ بِدُنْيَاهُ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ قَدْ حَرَّفُوا بَعْضَ الْكِتَابِ وَفِيهِمْ آخَرُونَ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُجْعَلَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلْوَعِيدِ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ بَلْ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا جَاءَ بِهِ أَوْ بَعْضُ مَعَانِيهِ فَاجْتَهَدَ لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ وَقَدْ تُحْمَلُ أَخْبَارُ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَابْنِ التَّيْهَانِ وَغَيْرِهِ عَلَى هَذَا وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُكَذِّبِينَ لِلْمَسِيحِ تَكْذِيبَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ هَلْ يُمْكِنُ مَعَ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ أَنْ لَا يُبَيَّنَ لِلنَّاظِرِ الْمُسْتَدِلِّ صِدْقُ الرَّسُولِ أَمْ لَا. وَإِذَا لَمْ يُبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ أَمْ لَا؟ .
وَتَنَازَعَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْمُقَلِّدِ مِنْهُمْ أَيْضًا وَالْكَلَامُ فِي مَقَامَيْنِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ خَطَأِ الْمُخَالِفِ لِلْحَقِّ وَضَلَالِهِ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَسَمْعِيَّةٍ وَقَدْ يُعْرَفُ الْخَطَأُ فِي أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُخَالِفِينَ لِلْحَقِّ وَغَيْرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِأَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الدَّلَائِلِ.
وَالْمَقَامُ الثَّانِي: الْكَلَامُ فِي كُفْرِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمُ الْوَعِيدَ فِي الْآخِرَةِ.
فَهَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلنَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ مَالِكٍ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَهُمُ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ.
قِيلَ: أَنَّهُ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ وَإِنْ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ رَسُولٌ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَقُولُ بِالْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَقِيلَ: لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَذَّبَ مَنْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ لَا بِالشَّرْعِ وَلَا بِالْعَقْلِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يُجَوِّزُ تَعْذِيبَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَمَجَانِينِهِمْ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْجَهْمِ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَالْقَاضِي
[ ٢ / ٢٩٦ ]
أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَعَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ إِنَّهُ لَا يُعَذَّبُ إِلَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ وَلَا يُعَذَّبُ إِلَّا مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
قَالَ - تَعَالَى -: لِإِبْلِيسَ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ فِيمَا نُنَاظِرُ فِيهِ أَهْلَ الْكِتَابِ: مُتَقَدِّمِيهِمْ وَمُتَأَخِّرِيهِمْ تَارَةً نَتَكَلَّمُ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ وَهُوَ بَيَانُ مُخَالَفَتِهِمْ لِلْحَقِّ وَجَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ فَهَذَا تَنْبِيهٌ لِجَمِيعِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَتَارَةً نُبَيِّنُ كُفْرَهُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهَذَا
[ ٢ / ٢٩٧ ]
أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُتَكَلَّمُ فِيهِ إِلَّا بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ ; كَمَا أَنَّا أَيْضًا لَا نَشْهَدُ بِالْإِيمَانِ وَالْجَنَّةِ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ الرُّسُلُ وَمَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فِي الدُّنْيَا بِالرِّسَالَةِ كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَأَهْلِ الْفَتَرَاتِ فَهَؤُلَاءِ فِيهِمْ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَتِهِ، فَإِنْ أَطَاعُوهُ اسْتَحَقُّوا الثَّوَابَ وَإِنْ عَصَوْهُ اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ نَشْهَدُ لِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمُوسَى مُتَّبِعًا لَهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِالْمَسِيحِ مُتَّبِعًا لَهُ وَنَشْهَدُ لِمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِمُوسَى فَلَمْ يَتَّبِعْهُ كَآلِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالْمَسِيحِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] وَالَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ - فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ - وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٥ - ٥٧] وَأَمَّا مَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِالْمَسِيحِ وَبَلَغَتْهُ بَعْضُ أَخْبَارِهِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ بِمُوسَى وَبَلَغَهُ أَخْبَارُهُ دُونَ بَعْضٍ، فَهَؤُلَاءِ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ دُونَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ بَعْضِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَمَنْ قَصَدَ الْحَقَّ وَاجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ لَمْ يَجِبْ
[ ٢ / ٣٠١ ]
أَنْ يُعَذَّبَ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا لِلْحَقِّ جَاهِلًا بِهِ ضَالًّا عَنْهُ كَالْمُجْتَهِدِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قِيلَ: أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ أَوْ بَعْضَهُمْ أَوْ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ صُلِبَ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْخَطَأُ مِمَّا يَقْدَحُ فِي إِيمَانِهِمْ بِالْمَسِيحِ إِذَا آمَنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ وَلَا يُوجِبُ لَهُمُ النَّارَ، فَإِنَّ الْأَنَاجِيلَ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا ذِكْرُ صَلْبِ الْمَسِيحِ وَعِنْدَهُمْ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنِ الْأَرْبَعَةِ مُرْقُسَ وَلُوقَا وَيُوحَنَّا
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وَمَتَّى وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْبَعَةِ مَنْ شَهِدَ صَلْبَ الْمَسِيحِ وَلَا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ وَلَا فِي أَتْبَاعِهِ مَنْ شَهِدَ صَلْبَهُ وَإِنَّمَا الَّذِينَ شَهِدُوا الصَّلْبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُمْ: عَلِمُوا أَنَّ الْمَصْلُوبَ غَيْرُهُ وَتَعَمَّدُوا الْكَذِبَ فِي أَنَّهُمْ صَلَبُوهُ وَشُبِّهَ صَلْبُهُ عَلَى مَنْ أَخْبَرُوهُمْ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وَغَيْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلِ اشْتَبَهَ عَلَى الَّذِينَ صَلَبُوهُ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] أَيْ شُبِّهَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَخْبَرَهُمْ أُولَئِكَ بِصَلْبِهِ.
الْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: بَلْ شُبِّهَ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ صَلَبُوهُ كَمَا قَدْ ذُكِرَتِ الْقِصَّةُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَسَطٍ.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
أَمَّا الطَّرَفُ الْوَاحِدُ: فَهُمُ الْغُلَاةُ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ كَانُوا مَعْصُومِينَ فِيمَا يَقُولُونَهُ وَيَرْوُونَهُ وَيَرَوْنَهُ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ بِتَصْوِيبِ عُلَمَاءِ النَّصَارَى فِيمَا يَقُولُونَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْإِنْجِيلِ.
وَالطَّرَفُ الْآخَرُ يَقُولُ: بَلْ كُلُّ مَنْ غَلَطَ وَأَخْطَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ بَلْ كَافِرٌ.
وَالثَّالِثُ: الْوَسَطُ: أَنَّهُمْ لَا يُعْصَمُونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُخْطِئِينَ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُمْ إِذَا كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ بِحَسَبِ وُسْعِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ وَكُتُبُ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الضَّالِّ وَالْجَاحِدِ وَمَقْتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا بَعْدَ إِنْذَارِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ
[ ٢ / ٣٠٥ ]
- ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَقَتَهُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْبَقَايَا، وَالْمَقْتُ هُوَ الْبُغْضُ بَلْ أَشَدُّ الْبُغْضِ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَقَالَ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِعَذَابِهِمْ قَائِمٌ، وَلَكِنَّ شَرْطَ الْعَذَابِ هُوَ بُلُوغُ الرِّسَالَةِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَمَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» .
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي حُسْنِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحِهَا كَحُسْنِ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَالصِّدْقِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ وَالشِّرْكِ وَالْكَذِبِ هَلْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالسَّمْعِ وَإِذَا قِيلَ أَنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ فَهَلْ يُعَاقَبُ مَنْ
[ ٢ / ٣٠٧ ]
فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ رَسُولٌ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ فِي أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ، وَهَذَا قَوْلُ نُظَّارِ الْمُجْبِرَةِ كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَمْثَالِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْمَعَالِي
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ بَلْ قَدْ يُعْلَمُ حُسْنُ الْأَفْعَالِ وَقُبْحُهَا بِالْعَقْلِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَأَبِي نَصْرٍ
[ ٢ / ٣٠٩ ]
السِّجْزِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ سَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُظَّارِ الْمُثْبِتَةِ لِلْقَدَرِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ
[ ٢ / ٣١٠ ]
مِنْ نُظَّارِ الْقَدَرِيَّةِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَسْتَحِقُّونَ عَذَابَ الْآخِرَةِ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلْعَقْلِ كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ لَا يُعَذَّبُونَ حَتَّى يُبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. لَكِنَّ أَفْعَالَهُمْ تَكُونُ مَذْمُومَةً مَمْقُوتَةً يَذُمُّهَا اللَّهُ وَيُبْغِضُهَا وَيُوصَفُونَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذُمُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَذِّبُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ; كَمَا قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ; كَمَا تَقَدَّمَ «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: لِي قُمْ فِي قُرَيْشٍ، فَأَنْذِرْهُمْ قُلْتُ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي حَتَّى يَدَعُوهُ خُبْزَةً.
قَالَ: " إِنِّي مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلٍ بِكَ وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ فَابْعَثْ جُنْدًا أَبْعَثْ مِثْلَيْهِمْ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ وَأَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» .
وَقَالَ: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ
[ ٢ / ٣١١ ]
سُلْطَانًا» .
وَقَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ; كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَمَعَ
[ ٢ / ٣١٢ ]
مَقْتِ اللَّهِ لَهُمْ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسِيئِينَ وَلَا مُرْتَكِبِينَ لِقَبِيحٍ حَتَّى جَاءَ السَّمْعُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: أَنَّهُمْ كَانُوا مُعَذَّبِينَ بِدُونِ السَّمْعِ إِمَّا لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْعَقْلِ ; كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَإِمَّا لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ ; كَمَا يَقُولُهُ الْمُجْبِرَةُ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]
[ ٢ / ٣١٣ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ الْكُفَّارَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ قَبْلَ الرَّسُولِ كَانُوا قَدِ اكْتَسَبُوا الْأَعْمَالَ الَّتِي تُوجِبُ الْمَقْتَ وَالذَّمَّ وَهِيَ سَبَبٌ لِلْعَذَابِ، لَكِنْ شَرْطُ الْعَذَابِ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالرِّسَالَةِ.
[ ٢ / ٣١٤ ]
[فَصْلٌ: أَسْبَابُ ضَلَالِ النَّصَارَى وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ]
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ سَبَبَ ضَلَالِ النَّصَارَى وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْغَالِيَةِ كَغَالِيَةِ الْعُبَّادِ وَالشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَلْفَاظٌ مُتَشَابِهَةٌ مُجْمَلَةٌ مُشْكِلَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدَلُوا عَنِ الْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ وَتَمَسَّكُوا بِهَا وَهُمْ كُلَّمَا سَمِعُوا لَفْظًا لَهُمْ فِيهِ شُبْهَةٌ تَمَسَّكُوا بِهِ وَحَمَلُوهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَلْفَاظُ الصَّرِيحَةُ الْمُخَالِفَةُ لِذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُفَوِّضُوهَا، وَإِمَّا أَنْ يَتَأَوَّلُوهَا كَمَا يَصْنَعُ أَهْلُ الضَّلَالِ، يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ وَيَعْدِلُونَ عَنِ الْمُحْكَمِ الصَّرِيحِ مِنَ الْقِسْمَيْنِ.
وَالثَّانِي: خَوَارِقُ ظَنُّوهَا آيَاتٍ وَهِيَ مِنْ أَحْوَالِ الشَّيَاطِينِ وَهَذَا مِمَّا ضَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الضُّلَّالِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ، مِثْلُ دُخُولِ الشَّيَاطِينِ فِي الْأَصْنَامِ وَتَكْلِيمِهَا لِلنَّاسِ، وَمِثْلُ إِخْبَارِ الشَّيَاطِينِ لِلْكُهَّانِ بِأُمُورٍ غَائِبَةٍ وَلَا بُدَّ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ كَذِبٍ وَمِثْلُ تَصَرُّفَاتٍ تَقَعُ مِنَ الشَّيَاطِينِ.
وَالثَّالِثُ: أَخْبَارٌ مَنْقُولَةٌ إِلَيْهِمْ ظَنُّوهَا صِدْقًا وَهِيَ كَذِبٌ وَإِلَّا فَلَيْسَ مَعَ النَّصَارَى وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ عَلَى بَاطِلِهِمْ لَا مَعْقُولٌ
[ ٢ / ٣١٥ ]
صَرِيحٌ وَلَا مَنْقُولٌ صَحِيحٌ، وَلَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ إِنْ تَكَلَّمُوا بِمَعْقُولٍ تَكَلَّمُوا بِأَلْفَاظٍ مُتَشَابِهَةٍ مُجْمَلَةٍ. فَإِذَا اسْتَفْسَرُوا عَنْ مَعَانِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَفُرِّقَ بَيْنَ حَقِّهَا وَبَاطِلِهَا تَبَيَّنَ مَا فِيهَا مِنَ التَّلْبِيسِ وَالِاشْتِبَاهِ.
وَإِنْ تَكَلَّمُوا بِمَنْقُولٍ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى بَاطِلِهِمْ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ صَحِيحٍ ثَابِتٍ بَلْ مَكْذُوبٍ.
وَكَذَلِكَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا قَدْ ظَهَرَ عَلَى يَدِ نَبِيٍّ كَمُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ وَمَنْ قَبْلَهُ كَإِلْيَاسَ وَالْيَسَعَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَكَمُعْجِزَاتِ مُوسَى فَهَذِهِ حَقٌّ.
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ بَعْضِ الصَّالِحِينَ كَالْحَوَارِيِّينَ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ كَالْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَلَا يَسْتَقِرُّ فِي كَلَامِهِمْ بَاطِلٌ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً.
وَأَمَّا الصَّالِحُونَ فَقَدْ يَغْلَطُ أَحَدُهُمْ وَيُخْطِئُ مَعَ ظُهُورِ الْخَوَارِقِ عَلَى يَدَيْهِ وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ رَجُلًا صَالِحًا وَلَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا إِذَا كَانَ هُوَ لَمْ يَدَّعِ الْعِصْمَةَ وَلَمْ يَأْتِ بِالْآيَاتِ دَالَّةً عَلَى ذَلِكَ
[ ٢ / ٣١٦ ]
وَلَوِ ادَّعَى الْعِصْمَةَ وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ لَكَانَ كَاذِبًا لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ وَتَقْتَرِنَ بِهِ الشَّيَاطِينُ فَتُضِلُّهُ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١] وَالنَّصَارَى عِنْدَهُمْ مَنْقُولٌ فِي الْأَنَاجِيلِ أَنَّ الَّذِي صُلِبَ وَدُفِنَ فِي الْقَبْرِ رَآهُ بَعْضُ الْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ أَنْ دُفِنَ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ رَأَوْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَأَرَاهُمْ مَوْضِعَ الْمَسَامِيرِ وَقَالَ: لَا تَظُنُّوا أَنِّي شَيْطَانٌ.
[ ٢ / ٣١٧ ]
وَهَذَا إِذَا كَانَ صَحِيحًا فَذَاكَ شَيْطَانٌ ادَّعَى أَنَّهُ الْمَسِيحُ وَالْتَبَسَ عَلَى أُولَئِكَ، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ جَرَى لِخَلْقٍ عَظِيمٍ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَ زَمَانِنَا كَنَاسٍ كَانُوا بِـ " تَدْمُرَ " فَرَأَوْا شَخْصًا عَظِيمًا طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ وَظَهَرَ لَهُمْ مَرَّاتٍ بِأَنْوَاعٍ مِنَ اللِّبَاسِ وَقَالَ: لَهُمْ أَنَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَأَمَرَهُمْ بِأُمُورٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا الْمَسِيحُ - ﵇ - وَحَضَرُوا إِلَى عِنْدِ النَّاسِ وَبَيَّنُوا لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَيْطَانٌ أَرَادَ أَنْ يُضِلَّهُمْ.
وَآخَرُونَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ إِلَى قَبْرِ مَنْ يُعَظِّمُهُ وَيُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ فَتَارَةً يَرَى الْقَبْرَ قَدِ انْشَقَّ وَخَرَجَ مِنْهُ إِنْسَانٌ عَلَى صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَتَارَةً يَرَى ذَلِكَ الْإِنْسَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الْقَبْرِ وَتَارَةً يَرَاهُ إِمَّا رَاكِبًا وَإِمَّا مَاشِيًا دَاخِلًا إِلَى مَكَانِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ كَالْقُبَّةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْقَبْرِ وَتَارَةً يَرَاهُ خَارِجًا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ وَقَدْ يَظُنُّ أَنَّ قَوْمًا اسْتَغَاثُوا بِهِ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَهَذَا جَرَى لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُمْ وَتَارَةً يَسْتَغِيثُ
[ ٢ / ٣١٨ ]
أَقْوَامٌ بِشَخْصٍ يُحْسِنُونَ بِهِ الظَّنَّ إِمَّا مَيِّتٌ وَإِمَّا غَائِبٌ فَيَرَوْنَهُ بِعُيُونِهِمْ قَدْ جَاءَ وَقَدْ يُكَلِّمُهُمْ وَقَدْ يَقْضِي بَعْضَ حَاجَاتِهِمْ فَيَظُنُّونَهُ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْمَيِّتَ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ زَعَمَ أَنَّهُ هُوَ وَلَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ وَكَثِيرًا مَا يَأْتِي الشَّخْصُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي صُورَةِ الْمَيِّتِ فَيُحَدِّثُهُمْ وَيَقْضِي دُيُونًا وَيَرُدُّ وَدَائِعَ وَيُخْبِرُهُمْ عَنِ الْمَوْتَى وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ هُوَ الْمَيِّتُ نَفْسُهُ قَدْ جَاءَ إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ.
وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الشِّرْكِ كَبِلَادِ الْهِنْدِ وَنَحْوِهَا وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَرَاهُ أَنْتَ تَحْتَ سَرِيرِهِ آخِذٌ بِيَدِ ابْنِهِ فِي الْجِنَازَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِذَا مُتُّ فَلَا تَدَعُوا أَحَدًا يُغَسِّلُنِي، فَأَنَا آتِي مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ أُغَسِّلُ نَفْسِي فَيَأْتِي بَعْدَ الْمَوْتِ شَخْصٌ فِي الْهَوَاءِ عَلَى صُورَتِهِ يُغَسِّلُهُ هُوَ وَالَّذِي أَوْصَاهُ وَيَظُنُّ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَتَارَةً يَرَى أَحَدُهُمْ شَخْصًا إِمَّا طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ وَإِمَّا عَظِيمَ الْخِلْقَةِ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِأَشْيَاءَ غَائِبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيَقُولَ لَهُ أَنَا الْخَضِرُ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا كَذَبَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ وَقَدْ يَكُونُ
[ ٢ / ٣١٩ ]
الرَّائِي مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَقَدْ جَرَى هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ وَتَارَةً يَرَى عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ خَرَجَ إِمَّا مِنْ حُجْرَتِهِ وَإِمَّا مِنْ قَبْرِهِ وَعَانَقَ ذَلِكَ الزَّائِرَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ شَيْطَانًا تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَتَارَةً يَجِيءُ مَنْ يَجِيءُ إِلَى عِنْدِ قَبْرِ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَيَسْتَأْذِنُهُ فِي أَشْيَاءَ وَيَسْأَلُهُ عَنْ أُمُورٍ فَيُخَاطِبُهُ شَخْصٌ يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُ صَوْتًا وَلَا يَرَى
[ ٢ / ٣٢٠ ]
شَخْصًا وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا أَضَلَّهُ.
وَقَدْ يَرَى أَشْخَاصًا فِي الْيَقَظَةِ إِمَّا رُكْبَانًا وَإِمَّا غَيْرَ رُكْبَانٍ وَيَقُولُونَ هَذَا فُلَانٌ النَّبِيُّ إِمَّا إِبْرَاهِيمُ وَإِمَّا الْمَسِيحُ وَإِمَّا مُحَمَّدٌ وَهَذَا فُلَانٌ الصِّدِّيقُ إِمَّا أَبُو بَكْرٍ وَإِمَّا عُمَرُ وَإِمَّا بَعْضُ الْحَوَارِيِّينَ وَهَذَا فُلَانٌ لِبَعْضِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ إِمَّا جِرْجِسَ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تُعَظِّمُهُ النَّصَارَى وَإِمَّا بَعْضُ شُيُوخِ الْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا ادَّعَى أَنَّهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ أَوْ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَوِ الصِّدِّيقُ أَوِ الْقِدِّيسُ.
وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي كَثِيرًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَرَى أَحَدُهُمْ شَيْخًا يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ وَيَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ وَيَكُونُ شَيْطَانًا وَأَعْرِفُ مِنْ هَذَا شَيْئًا كَثِيرًا وَأَعْرِفُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَسْتَغِيثُ بِبَعْضِ الشُّيُوخِ الْغَائِبِينَ وَالْمَوْتَى يَرَاهُ قَدْ أَتَاهُ فِي الْيَقَظَةِ وَأَعَانَهُ.
وَقَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِي وَلِغَيْرِي مِمَّنْ أَعْرِفُهُ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ
[ ٢ / ٣٢١ ]
اسْتَغَاثَ بِي مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ وَأَنَّهُ رَآنِي قَدْ جِئْتُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُكَ رَاكِبًا بِلِبَاسِكَ وَصُورَتِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُكَ عَلَى جَبَلٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: غَيْرَ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُمْ أَنِّي لَمْ أُغِثْهُمْ وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِي لِيُضِلَّهُمْ لَمَّا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وَدَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا اسْتَغَاثَ بِهِ بَعْضُ مَنْ يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ فَرَآهُ قَدْ جَاءَهُ وَقَضَى حَاجَتَهُ قَالَ صَاحِبِي: وَأَنَا لَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ وَمِنْ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْمُسْتَغِيثَ بِهِ وَيُجِيبُهُ وَتَكُونُ الشَّيَاطِينُ أَسْمَعَتْهُ صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ الشَّيْخِ الْمُسْتَغِيثِ لَهُ فَأَجَابَهُ الشَّيْخُ بِصَوْتِهِ فَأَسْمَعَتِ الْمُسْتَغِيثَ صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ الشَّيْخِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ صَوْتُ الشَّيْخِ.
وَهَذَا جَرَى لِمَنْ أَعْرِفُهُ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَالَ: بَقِيَ
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الْجِنِّيُّ الَّذِي يُحَدِّثُنِي يُبَلِّغُنِي مِثْلَ صَوْتِ الْمُسْتَغِيثِينَ بِي وَيُبَلِّغُهُمْ مِثْلَ صَوْتِي وَيُرِينِي فِي شَيْءٍ أَبْيَضَ نَظِيرَ مَا أَسْأَلُ عَنْهُ فَأُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ أَنِّي رَأَيْتُهُ وَأَنَّهُ سَيَأْتِي وَلَا أَكُونُ قَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّمَا رَأَيْتُ شَبِيهَهُ.
وَهَكَذَا تَفْعَلُ الْجِنُّ بِمَنْ يَعْزِمُ عَلَيْهِمْ وَيُقْسِمُ عَلَيْهِمْ.
وَكَذَلِكَ مَا رَآهُ قُسْطَنْطِينُ مِنَ الصَّلِيبِ الَّذِي رَآهُ مِنْ نُجُومٍ، وَالصَّلِيبَ الَّذِي رَآهُ مَرَّةً أُخْرَى هُوَ مِمَّا مَثَّلَهُ الشَّيَاطِينُ وَأَرَاهُمْ ذَلِكَ لِيُضِلَّهُمْ بِهِ ; كَمَا فَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ بِعُبَّادِ الْأَوْثَانِ.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وَكَذَلِكَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَهُ فِي الْيَقَظَةِ وَخَاطَبَهُ بِأُمُورٍ ; كَمَا يُذْكَرُ عَنْ بُولِسَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ صَادِقًا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ وَقَالَ: أَنَّهُ الْمَسِيحُ، شَيْطَانًا مِنَ الشَّيَاطِينِ ; كَمَا جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَالشَّيْطَانُ إِنَّمَا يُضِلُّ النَّاسَ وَيُغْوِيهِمْ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ فِيهِ فَيُخَاطِبُ النَّصَارَى بِمَا يُوَافِقُ دِينَهُمْ وَيُخَاطِبُ مَنْ يُخَاطِبُ مِنْ ضُلَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يُوَافِقُ اعْتِقَادَهُ وَيَنْقُلُهُ إِلَى مَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ فِيهِ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ.
وَلِهَذَا يَتَمَثَّلُ لِمَنْ يَسْتَغِيثُ مِنَ النَّصَارَى بِجِرْجِسَ فِي صُورَةِ جِرْجِسَ أَوْ بِصُورَةِ مَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِ النَّصَارَى مِنْ أَكَابِرِ دِينِهِمْ، إِمَّا بَعْضُ الْبَطَارِكَةِ، وَإِمَّا بَعْضُ الْمَطَارِنَةِ، وَإِمَّا بَعْضُ الرُّهْبَانِ، وَيَتَمَثَّلُ لِمَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِ مِنْ ضُلَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْخٍ مِنَ الشُّيُوخِ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْخِ ; كَمَا تَمَثَّلَ لِجَمَاعَةٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُمْ فِي صُورَتِي وَفِي صُورَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ ذَكَرُوا فِيَّ ذَلِكَ وَيَتَمَثَّلُ كَثِيرًا فِي صُورَةِ
[ ٢ / ٣٢٤ ]
بَعْضِ الْمَوْتَى تَارَةً يَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَتَارَةً يَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْأَقْصُرِيُّ وَتَارَةً يَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ عَدِيٌّ وَتَارَةً يَقُولُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الرِّفَاعِيِّ وَتَارَةً يَقُولُ أَنَا أَبُو مَدْيَنَ
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الْمَغْرِبِيُّ وَإِذَا كَانَ يَقُولُ أَنَا الْمَسِيحُ أَوْ إِبْرَاهِيمُ أَوْ مُحَمَّدٌ فَغَيْرُهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» وَفِي رِوَايَةٍ «فِي صُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ» .
فَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَنَامِ حَقٌّ وَأَمَّا رُؤْيَةُ الْمَيِّتِ فِي الْيَقَظَةِ فَهَذَا جِنِّيٌّ تَمَثَّلَ فِي صُورَتِهِ.
وَبَعْضُ النَّاسِ يُسَمِّي هَذَا رُوحَانِيَّةَ الشَّيْخِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ هِيَ رَفِيقُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُرَى يَقُومُ مِنْ مَكَانِهِ وَيَدَعُ فِي مَكَانِهِ صُورَةً
[ ٢ / ٣٢٦ ]
مِثْلَ صُورَتِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ يُرَى فِي مَكَانَيْنِ وَيُرَى وَاقِفًا بِعَرَفَاتٍ وَهُوَ فِي بَلَدِهِ لَمْ يَذْهَبْ فَيَبْقَى النَّاسُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ حَائِرِينَ.
فَإِنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يَعْلَمُ أَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ.
وَالصَّادِقُونَ قَدْ رَأَوْا ذَلِكَ عِيَانًا لَا يَشُكُّونَ فِيهِ وَلِهَذَا يَقَعُ النِّزَاعُ كَثِيرًا بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ; كَمَا قَدْ جَرَى ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَهَذَا صَادِقٌ فِيمَا رَأَى وَشَاهَدَ وَهَذَا صَادِقٌ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ.
لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَرْئِيَّ كَانَ جِنِّيًّا تَمَثَّلَ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ.
وَالْحِسِّيَاتُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا عَقْلِيَّاتٌ تَكْشِفُ حَقَائِقَهَا وَإِلَّا وَقَعَ فِيهَا غَلَطٌ كَبِيرٌ.
وَهَذَا الْقِسْمُ الْمَشْهُودُ فِي الْخَارِجِ غَيْرَ مَا يَتَخَيَّلُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذَا يَعْرِفُهُ جَمِيعُ النَّاسِ وَيُصَوِّبُهُ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ يَتَخَيَّلُونَ أَشْيَاءَ فِي أَنْفُسِهِمْ ; كَمَا يَتَخَيَّلُهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ وَتَكُونُ تِلْكَ الصُّورَةُ مَوْجُودَةً فِي الْخَيَالِ لَا فِي الْخَارِجِ.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وَالْفَلَاسِفَةُ وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ يَعْتَرِفُونَ بِهَذَا، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفَلَاسِفَةِ يَظُنُّ أَنَّ مَا رَأَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَا سَمِعَتْهُ مِنَ الْكَلَامِ كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَيَظُنُّونَ أَنَّ مَا يُرَى مِنَ الْجِنِّ هُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَهَؤُلَاءِ جُهَّالٌ غَالِطُونَ فِي هَذَا، كَمَا جَهِلُوا وَغَلِطُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ سَبَبُهَا قُوًى نَفْسَانِيَّةٌ أَوْ طَبِيعِيَّةٌ أَوْ قُوًى فَلَكِيَّةٌ وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالسَّاحِرِ إِنَّمَا هُوَ حُسْنُ قَصْدِ هَذَا، وَفَسَادُ قَصْدِ الْآخَرِ وَإِلَّا فَكِلَاهُمَا خَوَارِقُ سَبَبُهَا قُوًى نَفْسَانِيَّةٌ أَوْ فَلَكِيَّةٌ، وَهَذَا النَّفْيُ بَاطِلٌ ; كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَبَيَّنَّا جَهْلَ هَؤُلَاءِ وَضَلَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالَّذِينَ شَاهَدُوا ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ بِالْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وُجُودُ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَاهِلُونَ ضَالُّونَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَظْهَرُ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ ; كَمَا ظَهَرَتْ لِإِبْرَاهِيمَ
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وَلُوطٍ وَمَرْيَمَ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ وَكَمَا كَانَ جِبْرِيلُ يَظْهَرُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - تَارَةً فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَتَارَةً فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ وَيَرَاهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عِيَانًا وَمَا فِي خَيَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ كَمَا ظَهَرَ إِبْلِيسُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي صُورَةِ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ وَظَهَرَ لَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَلَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ هَرَبَ.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: تَبَدَّى إِبْلِيسُ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَمَعَهُ رَايَةٌ فِي صُورَةِ رِجَالٍ مِنْ مُدْلِجٍ، وَالشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ - ﵇ - عَلَى إِبْلِيسَ فَلَمَّا رَآهُ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ وَوَلَّى مُدْبِرًا هُوَ وَشِيعَتُهُ فَقَالَ: الرَّجُلُ يَا سُرَاقَةُ أَتَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
[ ٢ / ٣٣٠ ]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَذَلِكَ لَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ قَالَ الضَّحَّاكُ: سَارَ الشَّيْطَانُ مَعَهُمْ بِرَايَتِهِ وَجُنُودِهِ وَأَلْقَى فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ أَحَدًا لَنْ يَغْلِبَكُمْ وَأَنْتُمْ تُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِكُمْ وَدِينِ آبَائِكُمْ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تَحْمِلُهُ الْجِنُّ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ فَتَحْمِلُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ إِلَى عَرَفَاتٍ وَغَيْرِ عَرَفَاتٍ وَإِذَا رُئِيَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ يَكُونُ تَارَةً مَحْمُولًا قَدْ حَمَلَتْهُ الْجِنُّ وَتَارَةً تَصَوَّرَتْ عَلَى صُورَتِهِ
[ ٢ / ٣٣١ ]
وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ لَهُمْ كَرَامَاتٌ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْكَافِرِينَ أَوِ الْفَاسِقِينَ وَأَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ قَضَايَا كَثِيرَةً لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا.
وَعِنْدَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ يَظُنُّونَهُ مِنْ جِنْسِ الْآيَاتِ الَّتِي لِلْأَنْبِيَاءِ.
إِنَّمَا هِيَ مِنْ جِنْسِ مَا لِلسَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ وَبَيْنَ خَوَارِقِ السَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ وَمَنْ تَقْتَرِنُ بِهِمُ الشَّيَاطِينُ وَإِلَّا الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ فَإِمَّا أَنْ يُكَذِّبَ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ الصَّادِقُونَ وَإِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَقُولُهُ: الْكَاذِبُونَ وَالْغَالِطُونَ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَعُلَمَاءُ النَّصَارَى يُسَلِّمُونَ هَذَا وَعِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْ حِكَايَاتِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ الَّذِينَ عَارَضَهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَبْطَلُوا أَحْوَالَهُمْ كَمَا أَبْطَلَ مُوسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - مَا عَارَضَتْهُ بِهِ
[ ٢ / ٣٣٢ ]
السَّحَرَةُ مِنَ الْخَوَارِقِ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَكَمَا يَذْكُرُونَهُ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، مِثْلِ حِكَايَةِ سِيمُونَ السَّاحِرِ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا كَانَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ الثَّابِتَةَ عَنْهُمْ بَلْ هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الدَّجَّالِ الْكَبِيرِ الَّذِي أَنْذَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ حَتَّى نُوحٌ أَنْذَرَ قَوْمَهُ وَقَالَ: خَاتَمُ الرُّسُلِ «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ حَتَّى نُوحٌ أَنْذَرَ
[ ٢ / ٣٣٣ ]
قَوْمَهُ وَسَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِأُمَّتِهِ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ (ك ف ر) يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ قَارِئٍ وَغَيْرِ قَارِئٍ وَقَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» .
وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَسِيحُ الْهُدَى يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَنْتَظِرُهُ الْيَهُودُ وَيَجْحَدُونَ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَيَقُولُونَ هَذَا هُوَ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَيَتْبَعُهُ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا مُطَيْلَسِينَ وَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ شَرَّ قِتْلَةٍ حَتَّى يَقُولَ الشَّجَرُ وَالْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَ
[ ٢ / ٣٣٤ ]
اقْتُلْهُ. وَكُلُّ هَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلِهَذَا أَمَرَ أُمَّتَهُ أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَتِهِ فَقَالَ: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» .
وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ أَنْذَرُوا بِالْكَذَّابِينَ الَّذِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَتَعَمَّدُ بَلْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ فَيَغْلَطُ فَيُخْبِرُ بِمَا يَظُنُّهُ حَقًّا وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَيَرَى فِي الْيَقَظَةِ مَا يَظُنُّهُ فُلَانًا الْوَلِيَّ أَوِ النَّبِيَّ - ﷺ - أَوِ الْخَضِرَ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَالْغَلَطُ جَائِزٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ - ﵈ -، فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، لَا يُقِرُّونَ عَلَى خَطَأٍ، فَمَنْ لَمْ يَزِنْ عُلُومَهُ وَأَعْمَالَهُ وَأَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ بِالْمَعْلُومِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِلَّا كَانَ ضَالًّا فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ مَسِيحَيْنِ: مَسِيحِ هُدًى مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ وَمَسِيحِ ضَلَالٍ. يَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ يُوسُفَ وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَسِيحَ الْهُدَى سَوْفَ يَأْتِي كَمَا يَأْتِي مَسِيحُ الضَّلَالَةِ. لَكِنِ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: مَسِيحُ الْهُدَى هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي مَرَّةً ثَانِيَةً لَكِنِ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ أَنَّهُ يَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَلَا يَبْقَى دِينٌ إِلَّا دِينَ الْإِسْلَامِ وَيُؤْمِنُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١] وَأَمَّا النَّصَارَى فَتَظُنُّ أَنَّهُ اللَّهُ وَأَنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِحِسَابِ الْخَلَائِقِ وَجَزَائِهِمْ وَهَذَا مِمَّا ضَلُّوا فِيهِ وَالْيَهُودُ تَعْتَرِفُ بِمَجِيءِ مَسِيحِ هُدًى يَأْتِي لَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى - ﵇ - لَمْ يَكُنْ مَسِيحَ هُدًى لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ جَاءَ بِدِينِ النَّصَارَى الْمُبْدَلِ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْمَسِيحَيْنِ.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
[فَصْلٌ: الْخَوَارِقُ الَّتِي يُضِلُّ بِهَا الشَّيَاطِينُ أَبْنَاءَ آدَمَ]
وَالْخَوَارِقُ الَّتِي تُضِلُّ بِهَا الشَّيَاطِينُ لِبَنِي آدَمَ مِثْلُ تَصَوُّرِ الشَّيْطَانِ بِصُورَةِ شَخْصٍ غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، ضَلَّ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ وَهُمْ بَنُو ذَلِكَ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ مَنْ ظَهَرَتْ هَذِهِ عَلَى يَدَيْهِ فَهُوَ وَلِيٌّ لِلَّهِ وَبِلُغَةِ النَّصَارَى هُوَ قِدِّيسٌ عَظِيمٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ فَهُوَ مَعْصُومٌ فَكُلُّ مَا يُخْبِرُ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَكُلُّ مَا يَأْمُرُ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ وَقَدْ لَا يَكُونُ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ خَوَارِقُ لَا رَحْمَانِيَّةٌ وَلَا شَيْطَانِيَّةٌ، وَلَكِنْ صَنَعَ حِيلَةً مِنْ حِيَلِ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ، وَحِيَلُ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَيُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَجَائِبِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِثْلَ الْحِيَلِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ الرُّهْبَانِ.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وَقَدْ صَنَّفَ بَعْضُ النَّاسِ مُصَنَّفًا فِي حِيَلِ الرُّهْبَانِ مِثْلِ الْحِيلَةِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْ أَحَدِهِمْ فِي جَعْلِ الْمَاءِ زَيْتًا بِأَنْ يَكُونَ الزَّيْتُ فِي جَوْفِ مَنَارَةٍ فَإِذَا نَقَصَ صُبَّ فِيهَا مَاءً فَيَطْفُو الزَّيْتُ عَلَى الْمَاءِ فَيَظُنُّ الْحَاضِرُونَ أَنَّ نَفْسَ الْمَاءِ انْقَلَبَ زَيْتًا.
وَمِثْلِ الْحِيلَةِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْهُمْ فِي ارْتِفَاعِ النَّخْلَةِ وَهُوَ أَنَّ بَعْضَهُمْ مَرَّ بِدَيْرِ رَاهِبٍ وَأَسْفَلُ مِنْهُ نَخْلَةٌ فَأَرَاهُ النَّخْلَةَ صَعِدَتْ شَيْئًا شَيْئًا حَتَّى حَاذَتِ الدَّيْرَ فَأَخَذَ مِنْ رُطَبِهَا، ثُمَّ نَزَلَتْ حَتَّى عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، فَكَشَفَ الرَّجُلُ الْحِيلَةَ فَوَجَدَ النَّخْلَةَ فِي سَفِينَةٍ فِي مَكَانٍ مُنْخَفِضٍ إِذَا أَرْسَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَ امْتَلَأَ حَتَّى تَصْعَدَ السَّفِينَةُ وَإِذَا صَرَّفَ الْمَاءَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ هَبَطَتِ السَّفِينَةُ.
وَمِثْلِ الْحِيلَةِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْهُمْ فِي التَّكَحُّلِ بِدُمُوعِ السَّيِّدَةِ يَضَعُونَ كُحْلًا فِي مَاءٍ مُتَحَرِّكٍ حَرَكَةً لَطِيفَةً فَيَسِيلُ حَتَّى يَنْزِلَ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ فَيَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهَا فَيُظَنُّ أَنَّهُ دُمُوعٌ.
وَمِثْلِ الْحِيلَةِ الَّتِي صَنَعُوهَا بِالصُّورَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْقُونَةَ
[ ٢ / ٣٣٩ ]
بِصِيدْنَايَا وَهِيَ أَعْظَمُ مَزَارَاتِهِمْ بَعْدَ الْقُمَامَةِ وَبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ الْمَسِيحُ وَحَيْثُ قُبِرَ، فَإِنَّ هَذِهِ صُورَةُ السَّيِّدَةِ مَرْيَمَ، وَأَصْلُهَا خَشَبَةُ نَخْلَةٍ سُقِيَتْ بِالْأَدْهَانِ حَتَّى تَنَعَّمَتْ وَصَارَ الدُّهْنُ يَخْرُجُ مِنْهَا دُهْنًا مَصْنُوعًا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ بَرَكَةِ الصُّورَةِ.
وَمِنْ حِيَلِهِمُ الْكَثِيرَةِ النَّارُ الَّتِي يَظُنُّ عَوَامُّهُمْ أَنَّهَا تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي عِيدِهِمْ فِي قُمَامَةٍ وَهِيَ حِيلَةٌ قَدْ شَهِدَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَرَأَوْهَا بِعُيُونِهِمْ أَنَّهَا نَارٌ مَصْنُوعَةٌ يُضِلُّونَ بِهَا عَوَامَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهَا وَإِنَّمَا هِيَ صَنْعَةُ صَاحِبِ مِحَالٍ وَتَلْبِيسٍ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ حِيَلِ النَّصَارَى فَجَمِيعُ مَا عِنْدَ النَّصَارَى الْمُبَدِّلِينَ لِدِينِ الْمَسِيحِ مِنَ الْخَوَارِقِ إِمَّا حَالٌ شَيْطَانِيٌّ وَإِمَّا مِحَالٌ
[ ٢ / ٣٤٠ ]
بُهْتَانِيٌّ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ الْمُبَدِّلِينَ لِدِينِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ دِينًا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَجْعَلُونَهُ طَرِيقًا إِلَى اللَّهِ وَقَدْ يَخْتَارُونَهُ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، مِثْلُ أَنْ يَخْتَارُوا سَمَاعَ الدُّفُوفِ وَالشَّبَّابَاتِ عَلَى سَمَاعِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمْ مِنَ الْوَجْدِ وَالْغَرَامِ الشَّيْطَانِيِّ مَا يَلْبِسُهُ مَعَهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى يَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِ أَحَدِهِمْ بِكَلَامٍ لَا يَعْرِفُهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ إِذَا أَفَاقَ ; كَمَا يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ وَقَدْ يُخْبِرُ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ بِمَا فِي نَفْسِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا فَارَقَ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَمْ يَدْرِ مَا قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ الشَّيْطَانُ وَيَصْعَدُ بِهِ قُدَّامَ النَّاسِ فِي الْهَوَاءِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُشِيرُ إِلَى بَعْضِ الْحَاضِرِينَ فَيَمُوتُ أَوْ يَمْرَضُ أَوْ يَصِيرُ مِثْلَ الْخَشَبَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُشِيرُ إِلَى بَعْضِ الْحَاضِرِينَ فَيَلْبَسُهُ الشَّيْطَانُ وَيَزُولُ عَقْلُهُ حَتَّى يَبْقَى دَائِرًا زَمَانًا طَوِيلًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
[ ٢ / ٣٤١ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ وَيَأْكُلُهَا وَيَبْقَى لَهَبُهَا فِي بَدَنِهِ وَشَعْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تُحْضِرُ لَهُ الشَّيَاطِينُ طَعَامًا أَوْ شَيْئًا مِنْ لَادِنٍ أَوْ سُكَّرٍ أَوْ زَعْفَرَانَ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْتِيهِ بِدَرَاهِمَ تَسْرِقُهَا الشَّيَاطِينُ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ إِذَا فَرَّقَ الدَّرَاهِمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا إِلَى أُمُورٍ يَطُولُ وَصْفُهَا وَآخَرُونَ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ فَيَصْنَعُونَ حِيَلًا وَمَخَارِيقَ.
فَالْمُلْحِدُونَ الْمُبَدِّلُونَ لِدِينِ الرُّسُلِ، دِينِ الْمَسِيحِ أَوْ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - هُمْ كَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وَالضُّلَّالِ الْكُفَّارِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ كَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَالْحَارِثِ الدِّمَشْقِيِّ وَبَابَا الرُّومِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُمْ خَوَارِقُ شَيْطَانِيَّةٌ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْحِيَلِ فَيَكْثُرُونَ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ بَلْ خَوَارِقُهُمْ إِذَا كَانَتْ شَيْطَانِيَّةً مِنْ جِنْسِ خَوَارِقِ الْكَهَنَةِ وَالسَّحَرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَالٌ شَيْطَانِيٌّ بَلْ مِحَالٌ بُهْتَانِيٌّ فَهُمْ مُتَعَمِّدُونَ لِلْكَذِبِ وَالتَّلْبِيسِ بِخِلَافِ مَنْ تَقْتَرِنُ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ فَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ ; كَمَا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَيَفْعَلُهُ لِتَحْصِيلِ أَغْرَاضِهِ، فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ كَثِيرٌ مِنَ الْخَوَارِقِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَوْ يَكُونُ حِيَلًا وَمَخَارِيقَ وَيَظُنُّ أَنَّهَا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ مَا يَكُونُ شَبِيهَ الشِّرْكِ أَوِ الْفُجُورِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِثْلُ أَنْ يُشْرِكَ الرَّجُلُ بِاللَّهِ فَيَدْعُو الْكَوَاكِبَ أَوْ يَدْعُو مَخْلُوقًا مِنَ الْبَشَرِ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا أَوْ يَعْزِمُ وَيُقْسِمُ بِأَسْمَاءٍ مَجْهُولَةٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا أَوْ يَعْرِفُ أَنَّهَا أَسْمَاءُ الشَّيَاطِينِ أَوْ يَسْتَعِينُ بِالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ، فَإِنَّ مَا كَانَ هَذَا سَبَبَهُ مِنَ الْخَوَارِقِ فَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ ; كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وَالصَّالِحُونَ لَهُمْ كَرَامَاتٌ مِثْلُ كَرَامَاتِ صَالِحِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمِثْلُ كَرَامَاتِ الْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ لَكِنْ وُجُودُ الْكَرَامَاتِ عَلَى أَيْدِي الصَّالِحِينَ لَا تُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ كَالْأَنْبِيَاءِ، لَكِنْ يَكُونُ الرَّجُلُ صَالِحًا وَلِيًّا لِلَّهِ وَلَهُ كَرَامَاتٌ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ يَغْلَطُ وَيُخْطِئُ فِيمَا يَظُنُّهُ أَوْ فِيمَا يَسْمَعُهُ وَيَرْوِيهِ أَوْ فِيمَا يَرَاهُ أَوْ فِيمَا يَفْهَمُهُ مِنَ الْكُتُبِ وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَيُتْرَكُ بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَصْدِيقُهُمْ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنَ الْغَيْبِ، وَطَاعَتُهُمْ فِي كُلِّ مَا أَمَرُوا بِهِ وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِمَا أُوتُوهُ وَلَمْ يُوجِبِ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ مَا يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُمْ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا مَعْلُومَ النُّبُوَّةِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ وَمَنْ سَبَّ نَبِيًّا وَجَبَ قَتْلُهُ بَلْ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ مَا أُوتِيَهُ النَّبِيُّونَ
[ ٢ / ٣٤٤ ]
كُلُّهُمْ وَأَنْ لَا نُفَرِّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠] وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَوْ كَانَ مِنْ رُسُلِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَدَّمِينَ.
فَضَلَالُ الضُّلَّالِ مِنْ هَؤُلَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَذَا لَهُ كَرَامَةٌ فَيَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ وَلِيَّ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ، وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يُصَدَّقَ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَيُطَاعَ فِي كُلِّ أَمْرٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
وَالْمُقَدِّمَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ قَدْ تَكُونُ إِحْدَاهُمَا بَاطِلَةً وَقَدْ يَكُونُ كِلَاهُمَا بَاطِلًا، فَالرَّجُلُ الْمُعَيَّنُ قَدْ لَا يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَكُونُ خَوَارِقُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَقَدْ لَا يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ خَوَارِقُ، وَلَكِنْ لَهُ مِحَالَاتٌ وَأَكَاذِيبُ.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
[فَصْلٌ: مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ]
قَالُوا: وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] فَأُعْنِيَ أَيْضًا بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ الَّذِي هُوَ الْإِنْجِيلُ الْمُقَدَّسُ.
فَيُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّسُلَ تَتَنَاوَلُ قَطْعًا الرُّسُلَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا أُولُو الْعَزْمِ كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - خَاتَمِ النَّبِيِّينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - خَصَّهُمُ اللَّهُ وَفَضَّلَهُمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا - لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧ - ٨]
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] فَالدِّينُ دِينُ رُسُلِ اللَّهِ دِينٌ وَاحِدٌ ; كَمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ وَأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» .
وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا اسْمَ الرُّسُلِ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ فِي الْقُرْآنِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا - وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وَأَمَّا الْحَوَارِيُّونَ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَهُمْ فِي الْقُرْآنِ وَوَصَفَهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَبِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ ; كَمَا أَنْزَلَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ - رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٢ - ٥٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمُ الْبَتَّةَ بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَلْهَمَهُمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] لَا يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]
وَأُمُّ مُوسَى لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً بَلْ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ ; كَمَا تَقُولُهُ: عَامَّةُ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ ذَكَرَ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلُ الْقَاضِيَيْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَأَبِي يَعْلَى بْنِ أَبِي الْفَرَّاءِ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] فَجَعَلَ غَايَةَ مَرْيَمَ الصِّدِّيقِيَّةَ ; كَمَا جَعَلَ غَايَةَ الْمَسِيحِ الرِّسَالَةَ.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ» يَعْنِي مِنْ نِسَاءِ الْأُمَمِ قَبْلَنَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّ مُوسَى لَيْسَتْ مِمَّنْ كَمُلَ مِنَ النِّسَاءِ فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيَّةً، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] وَقَوْلُهُ: وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْمَعْنَى فَيَعُمُّ كُلَّ كِتَابٍ مُنِيرٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْإِنْجِيلَ لَقِيلَ وَلَا الْكِتَابِ الْمُنِيرِ، وَأَيْضًا
[ ٢ / ٣٥٠ ]
فَالتَّوْرَاةُ أَعْظَمُ مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ كِتَابًا أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ﴾ [القصص: ٤٨] وَقُرِئَ سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٨] وَهَذَا تَعْجِيزٌ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْإِنْجِيلُ وَلَا الزَّبُورُ أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْكِتَابُ الْمُنِيرُ هُوَ الْإِنْجِيلُ دُونَ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَخُصُّ بِالذِّكْرِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ التَّوْرَاةَ دُونَ غَيْرِهَا فَهِيَ الَّتِي يُقْرِنُهَا بِالْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢]
[ ٢ / ٣٥١ ]
وَقَدْ وَصَفَ التَّوْرَاةَ بِأَنَّ فِيهَا نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ فَكَيْفَ يَجْعَلُ النُّورَ فِي الْإِنْجِيلِ دُونَهَا وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٤ - ١٥٦] فَقَدْ ذَكَرَ التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ، وَقَوْلُهُمْ أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ هُنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَذَكَرَ الْكِتَابَ بِلَفْظِ الْمُنْفَرِدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَرَادَ بِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّصَارَى ; كَمَا قَالَ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] .
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُفَسِّرُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَا يَعْلَمُ كُلُّ مَنْ عَرَفَ حَالَهُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ.
وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ بِالْكِتَابِ الْإِنْجِيلَ وَحْدَهُ ; كَمَا لَمْ يُرِدْ بِالرُّسُلِ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ أَرَادَ بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ; كَمَا أَرَادَ بِالرُّسُلِ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ مُطْلَقًا كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ أَجْمَعِينَ -.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
[فَصْلٌ: إِثْبَاتُ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا يُثْبِتُ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الفاتحة: ٩٤ - ٢٨٩٨١] فَيُقَالُ: لَهُمْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا النَّصَارَى فَقَطْ ; كَمَا تَقَدَّمَ، بَلِ الْيَهُودُ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ ; كَمَا تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وَقَوْلُهُ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ - فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٨ - ٢٠]
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] . وَتَنَاوُلُ لَفْظِ أَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا لِلْيَهُودِ أَظْهَرُ مِنْ تَنَاوُلِهِ لِلنَّصَارَى لِذِكْرِهِ لَعْنَةَ أَصْحَابِ السَّبْتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] فَهَذَا خَبَرٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا: ذَلِكَ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وَسَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُ أَرَادَ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلْقَاءَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَهُمْ دَاخِلُونَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَأَمَرَهُ تَعَالَى بِسُؤَالِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّكِّ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ شَكَّ وَلَا سَأَلَ، إِنْ قِيلَ الْخِطَابُ لَهُ، وَإِنْ قِيلَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالشَّرْطِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ الشَّرْطِ بَلْ قَدْ يُعَلَّقُ بِشَرْطٍ مُمْتَنِعٍ لِبَيَانِ حُكْمِهِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ - وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦] فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مَعَ انْتِفَاءِ
[ ٢ / ٣٥٦ ]
الشِّرْكِ عَنْهُمْ، بَلْ مَعَ امْتِنَاعِهِ لِأَنَّهُمْ قَدْ مَاتُوا ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّرْكِ بِهِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦] فَهَذَا خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ. وَذَكَرَ هُنَا لَفْظَ إِنَّ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِمَوْجُودٍ. وَهُنَاكَ خَبَرٌ عَنْ مَيِّتٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ﴾ [يونس: ٩٤] لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الشَّكِّ، وَلَا السُّؤَالِ، بَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ شَاكًّا وَلَا سَأَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ بَلْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَشُكُّ وَلَا أَسْأَلُ» .
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ مَا يُصَدِّقُكَ فِيمَا كَذَّبَكَ فِيهِ الْكَافِرُونَ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٢] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا - وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩] .
[ ٢ / ٣٥٨ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ مَا يُصَدِّقُكَ فِيمَا كَذَّبَكَ فِيهِ الْكَافِرُونَ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَنْطِقُ بِأَنَّ مُوسَى وَغَيْرَهُ دَعَوْا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَنَهَوْا عَنِ الشِّرْكِ فَكَانَ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ الشِّرْكَ دِينٌ.
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:.
﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] .
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَرْسَلَ إِلَى النَّاسِ بَشَرًا مِثْلَهُمْ لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَإِنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرْسِلُ إِلَّا مَلَكًا أَوْ بَشَرًا مَعَهُ مَلَكٌ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ إِرْسَالِ بَشَرٍ لَيْسَ مَعَهُ مَلَكٌ ظَاهِرٌ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] قُلْ ﴿لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ - فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٣ - ٢٤]
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٣] وَكَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وَكَذَلِكَ قَالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى وَهَارُونَ ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وَقَالَ: فِرْعَوْنُ ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٢] وَكَذَلِكَ قَالُوا: لِمُحَمَّدٍ وَقَالَ:
[ ٢ / ٣٦١ ]
تَعَالَى ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ - وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩] .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَ التَّلَقِّيَ عَنِ الْمَلَكِ فَلَوْ أَنْزَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ فِي صُورَةِ بَشَرٍ وَحِينَئِذٍ كُنْتُمْ تَظُنُّونَهُ بَشَرًا فَيَحْصُلُ اللَّبْسُ عَلَيْكُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِسُؤَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَمَّنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَكَانَ بَشَرًا أَمْ كَانَ مَلَكًا لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِرْسَالَ بَشَرٍ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: وَمَا ﴿أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ - ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٧ - ٩] وَأَهْلُ الذِّكْرِ هُمْ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَمَّا جَرَى لِلرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ وَكَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ، وَعَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: يَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنِ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ كَالْأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: يَسْأَلُونَهُمْ عَمَّا وَصَفَتْ بِهِ الرُّسُلُ رَبَّهُمْ هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا وَصَفَهُ بِهِ مُحَمَّدٌ أَمْ لَا؟ وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْمَسْؤُولُ عَنْهَا مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعْلُومَةٌ لَهُمْ لَيْسَتْ مِمَّا يَشُكُّونَ فِيهِ وَلَيْسَ إِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا مَعْلُومًا لَهُمْ بِالتَّوَاتُرِ فَيُسْأَلُونَ عَنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَقُولُونَهُ مَعْلُومًا لَهُمْ بِالتَّوَاتُرِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُمْ يَسْأَلُونَ أَيْضًا عَمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ الشَّهَادَاتِ وَالْبِشَارَاتِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] .
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦]
فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ صَدَّقَ بِالرَّسُولِ وَالْكِتَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَبَشَّرَ بِالرَّسُولِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ وَهُوَ أَحْمَدُ. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ - وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ - أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: عَنْ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مِنَ النَّصَارَى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [المائدة: ٨٣]
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا - قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا - وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ - وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ - أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥١ - ٥٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠]
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وَالْأَخْبَارُ بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - عِنْدَهُمْ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُمْ.
وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - تَجْرِي حُرُوبٌ وَقِتَالٌ بَيْنَ الْعَرَبِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَتَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ قَدْ قَرُبَ مَبْعَثُ هَذَا النَّبِيِّ - ﷺ - الْأُمِّيِّ الَّذِي يُبْعَثُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا ظَهَرَ اتَّبَعْنَاهُ وَقَتَلْنَاهُمْ مَعَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ - ﷺ - كَانَ مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩] أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي خِطَابِهِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ يَقُولُ لَهُمْ «وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي
[ ٢ / ٣٦٦ ]
رَسُولُ اللَّهِ» وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ كَانَ يَقُولُ لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الْمُخَرَّجَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ تَحْرِيفُ هَؤُلَاءِ لِكَلَامِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - ; كَمَا تَقَدَّمَ نَظَائِرُ ذَلِكَ.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ صَدَّقَ كُتُبَهُمُ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ]
قَالُوا فَثَبَتَ بِهَذَا مَا مَعَنَا نَعَمْ، وَنَفَى عَنْ إِنْجِيلِنَا وَكُتُبِنَا الَّتِي فِي أَيْدِينَا التُّهَمَ وَالتَّبْدِيلَ لَهَا وَالتَّغْيِيرَ لِمَا فِيهَا بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهَا.
فَيُقَالُ: كَلَامُكُمُ الَّذِي تَحْتَجُّونَ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا مَحْضًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَبَّسْتُمْ فِيهِ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، فَإِنَّ قَوْلَكُمْ بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهَا إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ صَدَّقَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ، فَإِنَّ هَذَا مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ وَكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ إِخْبَارِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ هَذِهِ الْكُتُبَ قَبْلَ الْقُرْآنِ وَأَنْزَلَ الْقُرْآنَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الم - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ - مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ١ - ٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] وَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وَقَالَ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] وَقَالَ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَحَكَمَ بِكُفْرِ
[ ٢ / ٣٦٩ ]
مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ - فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] فَذَمَّ الْمُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ وَبَيَّنَ أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]
[ ٢ / ٣٧٠ ]
فَبَيَّنَ أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَبِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُتُبِ فَمَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ تُعْلَمُ نُبُوَّتُهُ مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَيُونُسَ وَعِيسَى فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ وَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا اسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَمَنْ سَبَّ نَبِيًّا وَاحِدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قُتِلَ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَخْبَرَ بِهِ فَعَلَيْهِمُ التَّصْدِيقُ بِهِ ; كَمَا يُصَدِّقُونَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَتَنَاقَضُ وَلَا تَخْتَلِفُ وَمَا لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ كَمَا لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلَكِنْ لَا يُكَذِّبُونَ إِلَّا بِمَا عَلِمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ ; كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَدِّقُوا إِلَّا بِمَا عَلِمُوا أَنَّهُ صِدْقٌ وَمَا لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ وَلَا صِدْقٌ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ وَلَمْ يُكَذِّبُوا بِهِ ; كَمَا أَمَرَهُمْ نَبِيُّهُمْ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَبِهَذَا أَمَرَهُمْ
[ ٢ / ٣٧١ ]
الْمَسِيحُ - ﵇ - فَقَالَ: الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَأَمْرٌ اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
فَصْلٌ
وَإِنْ أَرَادُوا بِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهُمْ أَنَّهُ صَدَّقَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنَ اللَّهِ وَخَالَفُوا بِهَا مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ شَرَائِعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ خَالَفُوا بِهَا الشَّرْعَ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مِثْلَ الْقَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ وَالْأَقَانِيمِ وَالْقَوْلِ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ بَيْنَ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ وَقَوْلَهُمْ: أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِنْكَارِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمِنْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرُسُلُهُ كَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَدِينُونَ بِدِينِ الْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ بَلْ بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ ابْتَدَعَهُ لَهُمْ أَكَابِرُهُمْ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]
[ ٢ / ٣٧٣ ]
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَلِكَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا لَمَّا جَاءَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ وَقَدْ آمَنَ بِهِ عَدِيٌّ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] قَالَ: عَدِيٌّ قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَبَدُوهُمْ.
قَالَ «أَنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ فَأَطَاعُوهُمْ فَكَانَتْ تِلْكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ» .
[ ٢ / ٣٧٤ ]
فَإِنْ أَرَادُوا بِتَصْدِيقِهِمْ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - صَدَّقَ مَا عِنْدَهُمْ مِمَّا لَمْ يَأْتِ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَنِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبُوا عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَذِبًا ظَاهِرًا مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ وَإِنَّمَا صَدَّقَ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ.
وَأَمَّا مَا أَحْدَثُوهُ وَابْتَدَعُوهُ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ ; كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ لَهُمْ أَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرْعِ الْأَوَّلِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُبَدِّلًا بَلْ دَعَاهُمْ وَجَمِيعَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَاتِّبَاعِ مَا بُعِثَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَحَكَمَ بِكُفْرِ كُلِّ مَنْ لَمْ يَتْبَعْ كِتَابَهُ الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِ وَأَوْجَبَ مَعَ خُلُودِهِمْ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ جِهَادَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَحَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
وَقَدْ دَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عُمُومًا، ثُمَّ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ خُصُوصًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَعَ دُعَائِهِ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ وَغَيْرَهُمْ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٣٧٥ ]
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٨] وَقَالَ - تَعَالَى -: يُخَاطِبُ النَّصَارَى ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٣]
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ النَّصَارَى تَرَكُوا حَظًّا مِمَّا ذَكَّرَهُمْ بِهِ وَبِسَبَبِ ذَلِكَ أَغْرَى بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَاسْتَحَقُّوا لِذَلِكَ أَنْ يُغْرِيَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] فَنَهَاهُمْ عَنِ الْغُلُوِّ فِي دِينِهِمْ وَعَنِ اتِّبَاعِ أَهْوَاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا بِدَعًا غَيَّرُوا بِهَا شَرْعَ الْمَسِيحِ فَضَلُّوا مِنْ قِبَلِ هَؤُلَاءِ الْأَتْبَاعِ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَتْبَاعِ وَغَيْرِهِمْ وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَهُوَ وَسَطُ السَّبِيلِ بَيْنَ الضَّلَالِ وَقَيَّدَهُ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقَهُ وَأَجْمَلَهُ.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِقِتَالِهِمْ بِنَفْسِهِ عَامَ تَبُوكَ وَاسْتَنْفَرَ لِقِتَالِهِمْ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْقَادِرِينَ عَلَى الْغَزْوِ فِي التَّخَلُّفِ وَمَنْ تَخَلَّفَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ قِتَالَهُمْ وَاجِبًا كَانَ كَافِرًا وَإِنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ كَانَ مُنَافِقًا مَلْعُونًا بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ وَنَهَى نَبِيَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَأَنْزَلَ فِي ذَلِكَ جُمْهُورَ سُورَةِ بَرَاءَةَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ حَتَّى بَيَّنَ كُفْرَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوهُ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ مَعَهُ لِقِتَالِ النَّصَارَى.
قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٣٧٨ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ - إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ - عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ - لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ - إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ - وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ - لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ - لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٤٨] .
[ ٢ / ٣٧٩ ]
فَصْلٌ
فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُمْ: فَثَبَتَ بِهَذَا مَا مَعَنَا نَعَمْ، وَنُفِيَ عَنْ إِنْجِيلِنَا وَكُتُبِنَا الَّتِي فِي أَيْدِينَا التُّهَمُ وَالتَّبْدِيلُ لَهَا وَالتَّغْيِيرُ لِمَا فِيهَا بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهَا.
إِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ مَا جَاءَتِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ عَنِ اللَّهِ فَهَذَا حَقٌّ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ مَا هُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ مِنَ الشَّرْعِ الَّذِي خَالَفَ شَرْعَهُ أَوْ مَا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا لَمْ يَأْتِ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ - ﵈ - قَبْلَهُ فَهَذَا بَاطِلٌ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ صَدَّقَ أَلْفَاظَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِينَا أَيِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَهَذَا مِمَّا يُسَلِّمُهُ لَهُمْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ وَيُنَازِعُهُمْ فِيهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ ذَلِكَ مِمَّا يُسَلِّمُهُ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَمَّا تَحْرِيفُ مَعَانِي الْكُتُبِ بِالتَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ وَتَبْدِيلِ أَحْكَامِهَا
[ ٢ / ٣٨٠ ]
فَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيفِهَا وَتَبْدِيلِهَا ; كَمَا يَشْهَدُونَ هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى الْيَهُودِ بِتَحْرِيفِ كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِي التَّوْرَاةِ وَتَبْدِيلِ أَحْكَامِهَا وَإِنْ كَانُوا هُمْ وَالْيَهُودُ يَقُولُونَ إِنَّ التَّوْرَاةَ لَمْ تُحَرَّفْ أَلْفَاظُهَا.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَنْفَعُهُمْ بَقَاءُ حُرُوفِ الْكُتُبِ عِنْدَهُمْ مَعَ تَحْرِيفِ مَعَانِيهَا إِلَّا ; كَمَا يَنْفَعُ الْيَهُودَ بَقَاءُ حُرُوفِ التَّوْرَاةِ وَالنُّبُوَّاتِ عِنْدَهُمْ مَعَ تَحْرِيفِ مَعَانِيهَا بَلْ جَمِيعُ النُّبُوَّاتِ الَّتِي يُقِرُّونَ بِهَا هِيَ عِنْدَ الْيَهُودِ، وَهُمْ مَعَ الْيَهُودِ يَنْفُونَ عَنْهَا التُّهَمَ وَالتَّبْدِيلَ لِأَلْفَاظِهَا مَعَ أَنَّ الْيَهُودَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ كُفْرًا وَاسْتِحْقَاقًا لِعَذَابِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُمْ عِنْدَ النَّصَارَى الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَشَرٌّ مِنْهُمْ، فَإِنَّ النَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنَ النَّصَارَى بَلْ جَمِيعُ الْأُمَمِ الْمُخَالِفِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَالطَّوَائِفِ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَشَهَادَتُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ لَا تُقْبَلُ فَصَارَ هَذَا اتِّفَاقُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى تَفْضِيلِ دِينِ الْإِسْلَامِ.
فَعُلِمَ أَنَّ بَقَاءَ حُرُوفِ الْكِتَابِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ اتِّبَاعِ مَعَانِيهَا وَتَحْرِيفِهَا لَا يُوجِبُ إِيمَانَ أَصْحَابِهَا وَلَا يَمْنَعُ كُفْرَهُمْ.
وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ شَهَادَةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأُمَّتِهِ لِلْمَسِيحِ - ﵇ - وَلِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِنْجِيلِ فِي تَثْبِيتِ مَا عِنْدَ النَّصَارَى بِأَعْظَمَ مِنْ شَهَادَةِ الْمَسِيحِ - ﵇ - وَالْحَوَارِيِّينَ وَسَائِرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لِمُوسَى وَلِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي تَثْبِيتِ مَا عِنْدَ
[ ٢ / ٣٨١ ]
الْيَهُودِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَمَرَ أَتْبَاعَهُ بِاتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ إِلَّا الْقَدْرَ الْيَسِيرَ الَّذِي نَسَخَهُ مِنْهَا.
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَبُعِثَ بِكِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ وَشَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ كَامِلٍ تَامٍّ لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إِلَى شَرْعٍ سَابِقٍ تَتَعَلَّمُهُ أُمَّتُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا إِلَى شَرْعٍ لِاحِقٍ يُكْمِلُ شَرْعَهُ وَلِهَذَا قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» .
فَجَزَمَ أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ كَانَ فِيهِمْ مُحَدَّثُونَ وَعَلَّقَ الْأَمْرَ فِي أُمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُعَلَّقُ قَدْ تَحَقَّقَ ; لِأَنَّ أُمَّتَهُ لَا تَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى نَبِيٍّ آخَرَ، فَلِأَنْ لَا تَحْتَاجَ مَعَهُ إِلَى مُحَدَّثٍ مُلْهَمٍ أَوْلَى وَأَحْرَى.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَأَمَّا مَنْ كَانَ قَبْلَهُ فَكَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى نَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ فَأَمْكَنَ حَاجَتَهُمْ إِلَى الْمُحَدَّثِينَ الْمُلْهَمِينَ وَلِهَذَا إِذَا نَزَلَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فِي أُمَّتِهِ لَمْ يَحْكُمْ فِيهِمْ إِلَّا بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَإِذَا كَانَ مَعَ هَذَا فَشَهَادَةُ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِالْمَسِيحِ لِلتَّوْرَاةِ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَلِمُوسَى بِأَنَّهُ رَسُولٌ لَا يَمْنَعُ كُفْرَ الْيَهُودِ لِكَوْنِهِمْ بَدَّلُوا شَرْعَ التَّوْرَاةِ وَكَذَّبُوا بِالْمَسِيحِ وَالْإِنْجِيلِ.
فَكَيْفَ تَكُونُ شَهَادَةُ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ لِلْإِنْجِيلِ بِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلِلْمَسِيحِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَانِعَةً مِنْ كُفْرِ النَّصَارَى مَعَ تَبْدِيلِهِمْ شَرْعَ الْإِنْجِيلِ وَتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَشَرْعِ الْقُرْآنِ؟ .
وَأَمَّا إِيمَانُ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْعَرَبِ أَوْ بِكَثِيرٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ فَلَا يَمْنَعُ كُفْرَهُمْ إِذَا كَفَرُوا بِبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ، بَلْ مَنْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ آمَنَ بِأَكْثَرَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] وَقَالَ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٣٨٣ ]
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] وَقَدْ صَرَّحَ بِكُفْرِ النَّصَارَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَحَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ لَا يُوجِبُ جِهَادَهُمْ وَقِتَالَهُمْ أَوْ لَا يَرَى ذَلِكَ عِبَادَةً لِلَّهِ وَطَاعَةً لَهُ ; كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ مَنْ لَا يَرَى جِهَادَهُمْ عِبَادَةً لِلَّهِ كَافِرًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَكَيْفَ حَالُهُمْ عِنْدَهُ - ﷺ -.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ تَنَاقُضُ خَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ مَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ]
وَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مِمَّنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمَنْ كَفَرَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ وَالْأَنْبِيَاءِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ شَاهِدًا بِأَنَّ مُوسَى - ﵇ - وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لَهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - وَمَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ يُكَفِّرُ جَمِيعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ بَلَغَتْهُ رِسَالَتُهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَشَهِدَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ حَرَّفُوا كَثِيرًا مِنْ مَعَانِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كُلَّهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَشْهَدُونَ أَيْضًا بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَعَانِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ حَرَّفَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَحْتَجَّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمُ الَّذِي شَهِدَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - بِأَنَّهُ بَاطِلٌ مُبَدَّلٌ مَنْسُوخٌ وَأَهْلُهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ.
وَإِذَا قَالُوا: نَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ لِنُبَيِّنَ تَنَاقُضَهُ حَيْثُ صَدَّقَهَا وَهِيَ تُنَاقِضُ بَعْضَ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَوْ لِنُبَيِّنَ أَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ يُنَاقِضُ خَبَرَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا فِيمَا جَاءَ بِهِ.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
أَجَابَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ هَذَا بِعِدَّةِ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولُوا أَمَّا مُنَاقَضَةُ بَعْضِ خَبَرِهِ لِبَعْضٍ ; كَمَا يَزْعُمُهُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَنَّ كِتَابَهُ يَمْدَحُ أَهْلَ الْكِتَابِ مَرَّةً وَيَذُمُّهُمْ أُخْرَى وَأَنَّهُ يُصَدِّقُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ تَارَةً وَيَذُمُّهَا أُخْرَى فَهَذَا قَدْ ظَهَرَ بُطْلَانُهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا مَدَحَ مَنِ اتَّبَعَ مُوسَى وَالْمَسِيحَ عَلَى الدِّينِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَلَمْ يُنْسَخْ.
وَأَمَّا مَنِ اتَّبَعَ الدِّينَ الْمُبَدَّلَ الْمَنْسُوخَ فَقَدْ كَفَّرَهُ.
فَأَمَّا دَعْوَاهُمْ مُنَاقَضَةَ خَبَرِهِ لِخَبَرِ غَيْرِهِ فَيُقَالُ: هُوَ مُصَدِّقٌ لِلْأَنْبِيَاءِ فَمَا أَخْبَرُوا بِهِ.
وَأَمَّا مَا بُدِّلَ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ أَوْ غَيْرِهَا بِالتَّرْجَمَةِ أَوْ فُسِّرَ بِغَيْرِ مُرَادِهِمْ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ وَيُقَالُ أَيْضًا إِنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - تَثْبُتُ بِمِثْلِ مَا تَثْبُتُ بِهِ نُبُوَّاتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَبِأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَبَيَّنَ أَنَّ التَّكْذِيبَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مَعَ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ وَأَنَّهُ مَا مِنْ طَرِيقٍ يُعْلَمُ بِهَا نُبُوَّةُ غَيْرِهِ إِلَّا وَنُبُوَّتُهُ تُعْلَمُ بِمِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقِ وَبِأَعْظَمَ مِنْهَا فَلَوْ لَمْ تَكُنْ نُبُوَّتُهُ وَطَرِيقُ ثُبُوتِهَا إِلَّا
[ ٢ / ٣٨٦ ]
مِثْلَ نُبُوَّةِ غَيْرِهِ وَطَرِيقِ ثُبُوتِهَا لَوَجَبَ التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ ; كَمَا وَجَبَ التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ وَلَكَانَ تَكْذِيبُهُ كَتَكْذِيبِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمَا مِنَ الرُّسُلِ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَحِينَئِذٍ فَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ صَادِقُونَ مُصَدِّقُونَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ فِي خَبَرِهِمْ عَنِ اللَّهِ خَبَرٌ بَاطِلٌ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدُهُمْ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ غَيْرُهُ بَلْ وَلَا يَفْتَرِقُونَ فِي الدِّينِ الْجَامِعِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ - فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣] وَإِنَّمَا يَقَعُ النَّسْخُ فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ ; كَمَا يَقَعُ النَّسْخُ فِي شَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْوَاحِدِ وَحِينَئِذٍ فَيُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يُنْقَلُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِمَّا يُنَاقِضُ مَا عُلِمَ مِنْ إِخْبَارِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَهُوَ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ نَفْسُهُ بَاطِلًا لَمْ يَقُلْهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ أَوْ قَدْ قَالَ: لَفْظَا وَغَلِطَ
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الْمُتَرْجِمُونَ لَهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ أَوْ كَانَ اللَّفْظُ وَتَرْجَمَتُهُ صَحِيحَيْنِ لَكِنْ وَقَعَ الْغَلَطُ فِي مَعْرِفَةِ مُرَادِ ذَلِكَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ الْكَلَامِ.
فَإِنَّ كُلَّ مَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أُرْسِلَ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا بُدَّ فِي الِاحْتِجَاجِ بِأَلْفَاظِهِ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ أَنْ يَعْلَمَ اللَّفْظَ الَّذِي قَالَهُ وَيَعْلَمَ تَرْجَمَتَهُ وَيَعْلَمَ مُرَادَهُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ.
وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُقُوعِ الْغَلَطِ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَبَيَانِ مُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ بِهَا وَفِي تَرْجَمَةِ بَعْضِهَا، فَإِنَّكَ تَجِدُ بِالتَّوْرَاةِ عِدَّةَ نُسَخٍ مُتَرْجَمَةٍ وَبَيْنَهَا فُرُوقٌ يَخْتَلِفُ بِهَا الْمَعْنَى الْمَفْهُومُ وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا الطَّرِيقُ فِي الْجَوَابِ طَرِيقٌ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَشَهِدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا يُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يُقِيمُ دَلِيلًا صَحِيحًا عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى وَبُطْلَانِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ بَلْ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا صَحِيحًا عَلَى نُبُوَّةِ أَحَدِهِمَا إِلَّا وَإِقَامَةُ مِثْلِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ أَعْظَمَ مِنْهُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَوْلَى وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ
[ ٢ / ٣٨٨ ]
الْكِتَابِ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا ثَبَتَ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - سَوَاءٌ أَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ أَوْ أَنْكَرَهَا بَلْ إِنِ احْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بُيِّنَ لَهُ بُطْلَانُ احْتِجَاجِهِ بِهِ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ.
وَإِنِ احْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَنْقُولِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - طُولِبَ بِتَقْدِيرِ نُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُنْقَلَ عَنِ اثْنَيْنِ ادَّعَيَا النُّبُوَّةَ وَأَتَيَا بِالْآيَاتِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا النُّبُوَّاتُ خَبَرَانِ مُنَاقِضَانِ لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُ هَذَا وَتَكْذِيبُ ذَاكَ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ هَذَا وَكَذِبِ هَذَا وَكَذَلِكَ إِذَا عُورِضَ أَحَدُهُمَا بِجِنْسِ مَا يُعَارَضُ الْآخَرُ.
وَهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا رَدُّوا مَا يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مُخَالِفًا لِخَبَرِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَطْعَنُونَ فِي نُبُوَّةِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَعْرُوفِينَ وَإِنَّمَا يَطْعَنُونَ فِي أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَا يُخَالِفُ خَبَرَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ أَيْ لَمْ يَثْبُتِ اللَّفْظُ وَالتَّرْجَمَةُ وَتَفْسِيرُ اللَّفْظِ وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَقُومَ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُ خَبَرَ مُحَمَّدٍ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا.
فَأَهْلُ الْكِتَابِ يُطَالَبُونَ فِيمَا يُعَارِضُونَ بِهِ بِثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ.
أَحَدُهَا: تَقْدِيرُ أَنَّ أُولَئِكَ صَادِقُونَ وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - كَاذِبٌ.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وَالثَّانِي: ثُبُوتُ مَا أَتَوْا بِهِ لَفْظًا.
وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ تَرْجَمَةً وَتَفْسِيرًا وَإِنْ قَالَ الْكِتَابِيُّ لِلْمُسْلِمِ: أَنْتَ تُوَافِقُنِي عَلَى نُبُوَّةِ هَؤُلَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، إِجَابَةُ الْمُسْلِمِ بِوُجُوهٍ.
مِنْهَا أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَمْ أُوَافِقْكَ عَلَى نُبُوَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - بَلْ دِينُ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ أَنَّهُ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ فَهُوَ كَافِرٌ فَكَيْفَ بِمَنْ كَفَرَ بِمَنْ هُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمُهُمْ بَلْ قَدْ يَقُولُ لَهُ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ نَحْنُ لَمْ نَعْلَمْ نُبُوَّةَ أُولَئِكَ إِلَّا بِإِخْبَارِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ فَلَوْ قَدَحْنَا فِي الْأَصْلِ الَّذِي قَدْ عَلِمْنَا بِهِ نُبُوَّتَهُمْ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ وَالْفَرْعُ إِذَا قُدِحَ فِي أَصْلِهِ دَلَّ عَلَى فَسَادِهِ فِي نَفْسِهِ سَوَاءٌ قُدِّرَ أَصْلُهُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ فَاسِدًا فَسَدَ هُوَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ صَحِيحًا وَهُوَ يُنَاقِضُهُ بَطَلَ هُوَ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ فَاسِدًا فَسَدَ هُوَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ صَحِيحًا وَهُوَ يُنَاقِضُهُ بَطَلَ هُوَ فَهُوَ إِذًا نَاقِضٌ أَصْلَهُ بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لَهُ الْكِتَابِيُّ قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى تَصْدِيقِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَالْمَسِيحِ وَالْإِنْجِيلِ.
قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ إِنَّمَا وَافَقْتُكَ عَلَى تَصْدِيقِ مُوسَى وَعِيسَى الَّذَيْنَ
[ ٢ / ٣٩٠ ]
بَشَّرَا بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - ; كَمَا أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ عَنِ اللَّهِ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] الْآيَةَ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْإِيمَانُ بِمُوسَى الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ شَرِيعَتَهُ مُؤَيَّدَةٌ لَا يُنْسَخُ مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ بِمَسِيحٍ ادَّعَى أَنَّهُ اللَّهُ أَوْ أَنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِهِ أَوْ حَلَّ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَدَّعِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الرَّسُولَيْنِ وَالْكِتَابَيْنِ وَيُخَالِفُهُمْ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَهَذَا مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ لَا مِنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمُوَافَقَتِهِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ تَمَامِ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْلِمُ نَعَمْ أَنَا أُقِرُّ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ وَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَلَامُ اللَّهِ لَكِنْ يَمْتَنِعُ عَقْلًا الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ دُونَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّ
[ ٢ / ٣٩١ ]
الْبَرَاهِينَ وَالْآيَاتِ وَالْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَلَوِ انْتُقِضَتْ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ لَزِمَ فَسَادُهَا وَأَنْ لَا أُصَدِّقَ بِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لَزِمَ تَصْدِيقُهُمْ كُلُّهِمْ فَلَزِمَ إِمَّا أَنْ نُصَدِّقَهُمْ كُلَّهُمْ وَإِمَّا أَنْ نُكَذِّبَهُمْ كُلَّهُمْ وَلِهَذَا كَانَ مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَذَّبَ بِبَعْضٍ كَافِرًا.
وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقُولُوا نَحْنُ نُصَدِّقُ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ لَكِنْ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَا يُنَاقِضُ خَبَرَ مُحَمَّدٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، ثُبُوتُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعِلْمُ بِمَعْنَاهُ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي عُلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَنَاهُ، ثُمَّ الْعِلْمُ بِاللَّفْظِ يَحْتَاجُ مَعَ الْخِطَابِ بِغَيْرِ أَلْسُنِ الْأَنْبِيَاءِ الْعَرَبِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَرَبِيَّةً أَوْ رُومِيَّةً أَوْ سُرْيَانِيَّةً أَوْ قِبْطِيَّةً إِلَى أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي تُرْجِمَ بِهِ لَفْظُهُ مُطَابِقٌ لِلَفْظِهِ وَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي ثُبُوتِهِمَا تَنَاقُضَ الْأَدِلَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ الْعِلْمِيَّةُ لَا تَتَنَاقَضُ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ الْمُسْلِمُونَ: مَا تَذْكُرُونَهُ مِنَ الْمَنْقُولِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مُنَاقَضَةً لِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ أُمُورٌ لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهَا فَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ ثُبُوتِهَا وَالْجَزْمُ بِهَا وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ
[ ٢ / ٣٩٢ ]
أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَخْبَرَ بِخِلَافِهَا فَكَيْفَ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِخِلَافِهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ بِثُبُوتِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ.
أَحَدُهَا: الْعِلْمُ بِنُبُوَّتِهِمْ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ تَوَاتُرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا تَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ مَعْنَاهَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُنَاقِضُ لِخَبَرِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ.
وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ تَمْنَعُ الْعِلْمَ بِثُبُوتِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُنَاقِضَةِ لِخَبَرِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَكَيْفَ إِذَا اجْتَمَعَتْ.
وَهِيَ تَمْنَعُ الْعِلْمَ بِصِحَّتِهَا وَلَوْ لَمْ تُنَاقِضْ خَبَرَ مُحَمَّدٍ فَكَيْفَ إِذَا نَاقَضَتْهُ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: طَرِيقُ مَنْ يُبَيِّنُ أَنَّ أَلْفَاظَ هَذِهِ الْكُتُبِ لَمْ تَتَوَاتَرْ وَيُثْبِتُونَ ذَلِكَ بِانْقِطَاعِ تَوَاتُرِ التَّوْرَاةِ لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَانْقِطَاعِ تَوَاتُرِ الْإِنْجِيلِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ.
الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: طَرِيقُ مَنْ يُبَيِّنُ أَنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ حُرِّفَتْ،
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وَيُقِيمُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ عَلَى تَبْدِيلِ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا.
الطَّرِيقُ الْخَامِسُ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَا تُنَاقِضُ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ بَلْ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَيَتَكَلَّمُ عَلَى تَفْسِيرِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ بِأَعْيَانِهَا.
وَهَذِهِ الطَّرِيقُ يَسْلُكُهَا مَنْ لَا يُنَازِعُ فِي ثُبُوتِ الْأَلْفَاظِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَبْدِيلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَيَسْلُكُونَ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَيَسْلُكُونَ أَيْضًا بَيَانَ عَدَمِ تَوَاتُرِ الْأَلْفَاظِ بَلْ بَيَانَ التَّبْدِيلِ فِي أَلْفَاظِهَا.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
[فَصْلٌ: وُقُوعُ التَّبْدِيلِ فِي أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَانْقِطَاعِ سَنَدِهِمَا]
وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعَ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مُنَزَّلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَقَعْ فِيهَا تَبْدِيلٌ، وَيَقُولُونَ أَنَّهُ وَقَعَ التَّبْدِيلُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَيَقُولُونَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ فِي مُعَارَضَةِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ الْمَوْجُودَةُ الْيَوْمَ بِيَدِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ تَتَوَاتَرْ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى - ﵉ - أَمَّا التَّوْرَاةُ، فَإِنَّ نَقْلَهَا انْقَطَعَ لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَوَّلًا، وَأَجْلَى مِنْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّ الَّذِي أَمْلَاهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ عِزْرَا وَزَعَمُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَأَنَّهَا قُوبِلَتْ بِنُسْخَةٍ وُجِدَتْ عَتِيقَةٍ.
وَقَدْ قِيلَ أَنَّهُ أُحْضِرَتْ نُسْخَةٌ كَانَتْ بِالْمَغْرِبِ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُوجِبُ تَوَاتُرَ جَمِيعِ أَلْفَاظِهَا وَلَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْغَلَطِ فِي بَعْضِهَا ; كَمَا يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي يَلِي نَسْخَهَا وَمُقَابَلَتَهَا وَحِفْظَهَا الْقَلِيلُ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْهُ الْمَسِيحُ - ﵇ - وَلَا أَمْلَاهُ عَلَى مَنْ كَتَبَهُ وَإِنَّمَا أَمْلَوْهُ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ مَتَّى وَيُوحَنَّا وَكَانَا قَدْ صَحِبَا الْمَسِيحَ وَلَمْ يَحْفَظْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَبْلُغُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَمُرْقُسُ وَلُوقَا وَهُمَا لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ - ﵇ - وَقَدْ ذَكَرَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا بَعْضَ مَا قَالَهُ الْمَسِيحُ وَبَعْضَ أَخْبَارِهِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَوْعِبُوا ذِكْرَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَنَقْلُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ غَلِطُوا فِي الْمَسِيحِ نَفْسِهِ حَتَّى اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ بِالْمَصْلُوبِ، وَلَكِنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ اللَّهِ مِثْلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَمُوسَى - ﵉ - وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ وَأَنَّهُمْ سَلَّمُوا إِلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَأَنَّ لَهُمْ مُعْجِزَاتٍ وَقَالُوا لَهُمْ هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَهَذَا الْإِنْجِيلُ وَيُقِرُّونَ مَعَ هَذَا بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَمَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنَ الْخَطَأِ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ خَوَارِقُ عَادَاتٍ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَلَا مَعْصُومَ عِنْدَهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ نَبِيًّا.
وَدَعْوَى أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ تَنَاقُضٌ، وَكَوْنُهُمْ رُسُلَ اللَّهِ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ رُسُلُ الْمَسِيحِ وَهَذَا
[ ٢ / ٣٩٧ ]
الْأَصْلُ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ فِي طَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ نَمْنَعُهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَنُطَالِبُهُمْ بِالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ وَإِثْبَاتُهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ. وَالْعَقْلُ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ بَلْ يُحِيلُهُ وَهُمْ لَا يَدَّعُونَ ثُبُوتَ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ.
بَلْ غَايَةُ مَا يَدَّعُونَ إِثْبَاتُ إِمْكَانِهِ بِالْعَقْلِ لَا إِثْبَاتُ وُجُودِهِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ وَإِنَّمَا يَدَّعُونَ ثُبُوتَ وَجُودِهِ بِالسَّمْعِ وَهُوَ مَا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَلْفَاظٍ يَدَّعُونَ ثُبُوتَهَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ كَسَائِرِ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْحُجَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَإِنَّ عَامَّةَ بَيَانِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ دُونَ بَيَانِ دَلَالَةِ الْمَتْنِ وَكِلَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَةٌ.
وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْتُمْ لَا يُمْكِنُكُمْ إِثْبَاتُ كَوْنِ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّهُ إِلَّا بِهَذِهِ الْكُتُبِ وَلَا يُمْكِنُكُمْ تَصْحِيحُ هَذِهِ الْكُتُبِ إِلَّا بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ اللَّهِ مَعْصُومُونَ وَلَا يُمْكِنُكُمْ إِثْبَاتُ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ إِلَّا بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ فَصَارَ ذَلِكَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
فَإِنَّهُ لَا تُعْلَمُ إِلَهِيَّةُ الْمَسِيحِ إِلَّا بِثُبُوتِ هَذِهِ الْكُتُبِ وَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْكُتُبُ إِلَّا بِثُبُوتِ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إِلَّا بِثُبُوتِ أَنَّهُ اللَّهُ فَصَارَ ثُبُوتُ الْإِلَهِيَّةِ مُتَوَقِّفًا عَلَى ثُبُوتِ إِلَهِيَّتِهِ، وَثُبُوتُ كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ مُتَوَقِّفًا عَلَى كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ فَصَارَ ذَلِكَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا.
قَدْ يَدَّعُونَ عِصْمَةَ الْحَوَارِيِّينَ وَعِصْمَةَ أَهْلِ الْمَجَامِعِ بَعْدَ الْحَوَارِيِّينَ كَأَهْلِ الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ بِحَضْرَةِ قُسْطَنْطِينَ الَّذِي حَضَرَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَوَضَعُوا لَهُمُ الْأَمَانَةَ الَّتِي هِيَ عَقِيدَةُ النَّصَارَى الَّتِي لَا يَصِحُّ لَهُمْ قُرْبَانٌ إِلَّا بِهَا فَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ
[ ٢ / ٣٩٩ ]
أَوْ هَؤُلَاءِ جَرَتْ عَلَى أَيْدِيهِمْ خَوَارِقُ وَقَدْ يَذْكُرُونَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ جَرَى إِحْيَاءُ الْمَوْتَى عَلَى يَدَيْهِ وَهَذَا إِذَا كَانَ صَحِيحًا مَعَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ نَبِيٌّ لَا يَدُلُّ عَلَى عِصْمَتِهِ، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا لَهُمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَعْصُومٌ يَجِبُ قَبُولُ كُلِّ مَا يَقُولُ بَلْ يَجُوزُ الْغَلَطُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ - ﵈ -.
وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِمَا أُوتِيَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَلَمْ يُجِبِ الْإِيمَانَ
[ ٢ / ٤٠٠ ]
بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ كُلُّ وَلِيٍّ لِلَّهِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَلِهَذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ جَمِيعِهِمْ وَمَا أُوتُوهُ كُلُّهُمْ.
وَمَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا وَاحِدًا تُعْلَمُ نُبُوَّتُهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ سَبَّهُ وَجَبَ قَتْلُهُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِمُخَالَفَتِهِ وَلَا يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ سَبِّهِ إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِالسَّبِّ مَا يَكُونُ مُبِيحًا لِلدَّمِ.
وَالَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ وَجَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ وَلَيْسَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «قَدْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» وَالْمُحَدَّثُ الْمُلْهَمُ الْمُخَاطَبُ.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَمَا كَانَ يَقُولُ لِشَيْءٍ إِنِّي لَأَرَاهُ كَذَا وَكَذَا إِلَّا كَانَ ; كَمَا يَقُولُ وَكَانَتِ السَّكِينَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مَعْصُومًا مِنَ الْغَلَطِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ قَبُولُ مَا يَقُولُهُ: إِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَلَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا يُلْقَى فِي قَلْبِهِ إِنْ لَمْ يَعْرِضْهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ قَبِلَهُ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ رَدَّهُ.
وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ - ﵇ - مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - فَإِذَا قَالُوا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ: أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ فَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، كَمَا أَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ لَيْسَ بِإِلَهٍ فَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ كَمُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ -.
وَفِي الْمَلَاحِدَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْأُمَّةِ مَنْ فِيهِ بِدَعٌ مِنَ الْغُلُوِّ يُشْبِهُ غُلُوَّ النَّصَارَى كَمَنْ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ
[ ٢ / ٤٠٢ ]
مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ كَبَنِي عُبَيْدِ الْقَدَّاحِ
[ ٢ / ٤٠٣ ]
كَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ وَيَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَوْ غَيْرِهِ كَدَعْوَى النُّصَيْرِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَغُلَاةِ الْعَدَوِيَّةِ وَالْحَلَّاجِيَّةِ وَالْيُونُسِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ مَنْ يَدَّعِي عِصْمَةَ بَنِي عُبَيْدٍ أَوْ عِصْمَةَ الْإِثْنَيْ عَشَرَ أَوْ عِصْمَةَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ.
فَإِنَّ النَّصَارَى يَدَّعُونَ عِصْمَةَ الْحَوَارِيِّينَ الْإِثْنَيْ عَشَرَ وَهَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ عِصْمَةَ الْأَئِمَّةِ الْإِثْنَيْ عَشَرَ.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وَهَؤُلَاءِ يُسْنِدُونَ أَصْلَ دِينِهِمْ إِلَى قَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ الْمَعْصُومِينَ عِنْدَهُمْ وَيَقُولُونَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِي النَّقْلِ عَنِ الْمَسِيحِ وَفِي الْفُتْيَا وَإِنَّ مَا قَالُوهُ فَقَدْ قَالَهُ الْمَسِيحُ - ﵊ -.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ عَنْ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِي النَّقْلِ وَالْفُتْيَا وَإِنَّ مَا قَالُوهُ فَقَدْ قَالَهُ الرَّسُولُ - ﵊ - وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ مَعَ النَّصَارَى نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ عَنِ الْمَسِيحِ بِأَلْفَاظِ هَذِهِ الْأَنَاجِيلِ وَلَا نَقْلٌ لَا مُتَوَاتِرٌ وَلَا آحَادٌ بِأَكْثَرِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرَائِعِ وَلَا عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَ الْيَهُودِ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ بِأَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَنُبُوَّاتِ
[ ٢ / ٤٠٥ ]
الْأَنْبِيَاءِ كَمَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ بِالْقُرْآنِ وَبِالشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ الْمَعْرُوفَةِ لِلْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَهَذَا مِثْلُ الْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ دِينِهِمْ وَصَلَاتُهُمْ إِلَى الْمَشْرِقِ وَإِحْلَالُ الْخِنْزِيرِ وَتَرْكُ الْخِتَانِ وَتَعْظِيمُ الصَّلِيبِ وَاتَخَادُ الصُّوَرِ فِي الْكَنَائِسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِهِمْ لَيْسَتْ مَنْقُولَةً عَنِ الْمَسِيحِ وَلَا لَهَا ذِكْرٌ فِي الْأَنَاجِيلِ الَّتِي يَنْقُلُونَهَا عَنْهُ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَمَانَةَ الَّتِي جَعَلُوهَا أَصْلَ دِينِهِمْ وَأَسَاسَ اعْتِقَادِهِمْ لَيْسَتْ أَلْفَاظُهَا مَوْجُودَةً فِي الْأَنَاجِيلِ وَلَا هِيَ مَأْثُورَةٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ وَضَعُوهَا أَهْلُ الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَ قُسْطَنْطِينَ الَّذِي حَضَرَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَخَالَفُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْيُوسَ الَّذِي جَعَلَ الْمَسِيحَ عَبْدًا لِلَّهِ كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ وَوَضَعُوا هَذِهِ الْأَمَانَةَ.
وَهَذَا الْمَجْمَعُ كَانَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - ثَبَّتَ مَا مَعَهُمْ وَأَنَّهُ نَفَى عَنْ إِنْجِيلِهِمْ وَكُتُبِهِمُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمُ التُّهَمَ وَالتَّبْدِيلَ لَهَا وَالتَّغْيِيرَ لِمَا فِيهَا بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهَا.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - لَمْ يُصَدِّقْ شَيْئًا مِنْ دِينِهِمُ الْمُبَدَّلِ وَالْمَنْسُوخِ، وَلَكِنْ صَدَّقَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ وَمَا جَاءُوا بِهِ وَأَثْنَى عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُمْ لَا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَوْ كَذَّبَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِنَّ كُفْرَ النَّصَارَى مِنْ جِنْسِ كُفْرِ الْيَهُودِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ بَدَّلُوا مَعَانِيَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَكَذَّبُوا بِالْكِتَابِ الثَّانِي: وَهُوَ الْإِنْجِيلُ وَكَذَلِكَ النَّصَارَى بَدَّلُوا مَعَانِيَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَكَذَّبُوا بِالْكِتَابِ الثَّانِي: وَهُوَ الْقُرْآنُ وَأَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - صَدَّقَ بِجَمِيعِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَهُمْ.
فَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ يَمْنَعُونَ هَذَا وَيَقُولُونَ إِنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا بُدِّلَ ; كَمَا قَدْ بُدِّلَ كَثِيرٌ مِنْ مَعَانِيهَا، وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: التَّبْدِيلُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي مَعَانِيهَا لَا فِي أَلْفَاظِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ يُقِرُّ بِهِ عَامَّةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا كَفَّرَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَأُمَّتُهُ مِثْلِ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ وَتَغْيِيرِ شَرِيعَةِ الْمَسِيحِ وَتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مَا يَدُلُّ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا عَلَى الْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ دِينِهِمْ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ وَلَا فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرِ شَرَائِعِهِمْ
[ ٢ / ٤٠٧ ]
كَالصَّلَاةِ إِلَى الشَّرْقِ وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَيُقَالُ لَهُمْ: أَيْنَ مَا مَعَكُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ لَمْ يُغَيَّرْ فِيهَا شَيْءٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ فَرِيقٍ حُجَّةً عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ.
فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَبْدِيلِ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ فَرِيقٍ حُجَّةً عَلَى الْأُخْرَى وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مِنْكُمْ أَنْ يُضِيفَ إِلَى الرَّسُولِ قَوْلًا إِلَّا بِدَلِيلٍ.
فَأَيْنَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَنَّ جَمِيعَ مَا بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَنُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ تُبَدَّلْ بِشَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا حَتَّى يَقُولُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا نَفَى عَنْ كُتُبِهِمْ ذَلِكَ؟ .
وَهَؤُلَاءِ بَنَوْا كَلَامَهُمْ عَلَى أَنَّ أَلْفَاظَ كُتُبِهِمْ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَبَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَنَّهُ لَمْ يُبَدَّلْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِهَا.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ أَلْفَاظَ هَذِهِ الْكُتُبِ حُرِّفَتْ كُلُّهَا بِجَمِيعِ لُغَاتِهَا بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا أَعْلَمُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ بِالْجَوَابِ عَنْ هَذَا يَكُونُونَ قَدْ أَجَابُوا الْمُسْلِمِينَ.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ أَنَّ التَّحْرِيفَ وَقَعَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ]
فَقَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ التَّبْدِيلَ وَالتَّغْيِيرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ فَقَالُوا: إِنَّا نَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى عِلْمِهِمْ وَذَكَائِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ كَيْفَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَذَلِكَ أَنَّا أَيْضًا إِذَا احْتَجَجْنَا عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَقُلْنَا: إِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَوْمَنَا هَذَا قَدْ غَيَّرُوهُ وَبَدَّلُوهُ وَكَتَبُوا فِيهِ مَا أَرَادُوا وَاشْتَهَوْا هَلْ كَانُوا يُجَوِّزُونَ كَلَامَنَا؟ قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ لَهُمْ: هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَقُولَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ مِنْهُ إِلَى آخِرِ الْفَصْلِ وَسَيَأْتِي بِأَلْفَاظٍ بَعْدَ هَذَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا السَّائِلَ النَّصْرَانِيَّ الَّذِي ذَكَرَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ سُؤَالًا لَا يَقُولُونَهُ وَعَنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى جَوَابُهُ هُوَ وَهْمٌ بَنَوْا كَلَامَهُمْ عَلَى أَصْلَيْنِ فَاسِدَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّسُولَ ثَبَّتَ مَا مَعَهُمْ وَنَفَى عَنْ كُتُبِهِمُ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمُ التُّهَمَ وَالتَّبْدِيلَ وَالتَّغْيِيرَ لَهَا وَمَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا نَفَى التَّبْدِيلَ عَنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَنْفِهِ عَنْهَا بَلِ النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ وَهُمْ أَيْضًا وَكُلُّ عَاقِلٍ
[ ٢ / ٤١٠ ]
يَعْلَمُ أَنَّ الْكُتُبَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ فِي تَفْسِيرِهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ بَيْنَ فِرَقِ النَّصَارَى وَبَيْنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مُبَدَّلٌ مُحَرَّفٌ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي تَغْيِيرِ شَرَائِعِ هَذِهِ الْكُتُبِ، فَإِنَّ الْكُتُبَ تَضَمَّنَتْ أَصْلَيْنِ: الْإِخْبَارَ وَالْأَمْرَ. وَالْإِيمَانُ بِهَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَصْدِيقِهَا فِيمَا أَخْبَرَتْ وَإِيجَابِ طَاعَتِهَا فِيمَا أَوْجَبَتْهُ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُكَذِّبُونَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَخْبَرَتْ وَلَا يُوجِبُونَ طَاعَتَهَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا أَوْجَبَتْهُ وَأَمَرَتْ بِهِ وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تَشْهَدُ عَلَى الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَالنَّصَارَى لَهُمْ سَبْعُ مَجَامِعَ مَشْهُورَةٍ عِنْدَهُمْ وَهُمْ فِي كُلِّ
[ ٢ / ٤١١ ]
مَجْمَعٍ يَلْعَنُونَ طَائِفَةً مِنْهُمْ كَبِيرَةً وَيُكَفِّرُونَهُمْ وَيَقُولُونَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِبَعْضِ مَا فِي تِلْكَ الْكُتُبِ وَلَمْ يُوجِبُوا طَاعَةَ بَعْضِ أَمْرِهَا وَتِلْكَ الطَّائِفَةُ تَشْهَدُ عَلَى الْأُخْرَى بِأَنَّهَا كَذَّبَتْ بِبَعْضِ مَا فِيهَا، ثُمَّ فِرَقُهُمُ الثَّلَاثَةُ الْمَشْهُورَةُ النَّسْطُورِيَّةُ وَالْمَلَكِيَّةُ وَالْيَعْقُوبِيَّةُ كُلُّ طَائِفَةٍ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى وَتَلْعَنُهَا وَتَشْهَدُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مُكَذِّبَةٌ بِبَعْضِ مَا فِي النُّبُوَّاتِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِطَاعَةِ بَعْضِ مَا فِيهَا بَلِ اخْتِلَافُهُمْ فِي نَفْسِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ فَزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ وَالْمَسِيحُ - ﵇ - وَجَمِيعُ الرُّسُلِ بَرِيئُونَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا وَبَرِيئُونَ مِمَّنْ يَقُولُ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أَوْ يَقُولُ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ وَبَرِيئُونَ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ بَاطِلٍ يُقَالُ عَلَى اللَّهِ - ﷿ - وَإِنْ كَانَ قَائِلُهُ مُخْطِئًا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْكَذِبَ.
وَفِي مَقَالَاتِ النَّصَارَى مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ وَقَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[ ٢ / ٤١٢ ]
وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ جَمِيعَ الطَّوَائِفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ تَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ فِي مَعَانِيهَا وَتَفَاسِيرِهَا وَشَرَائِعِهَا فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ وَهُمْ مِنْ حِينِ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - صَارَ كُلُّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَافِرًا بِخِلَافِ حَالِ النَّصَارَى قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِدِينِ الْمَسِيحِ وَالْمُسْلِمُونَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ حَرَّفَ الدِّينَ وَبَدَّلَهُ فَجُمْهُورُهُمْ خَالَفُوا هَؤُلَاءِ فَلَا يَزَالُ فِيهِمْ طَائِفَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَخَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ بِخِلَافِ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ كَفَرُوا جَمِيعُهُمْ ; كَمَا كَفَرَتِ الْيَهُودُ بِتَكْذِيبِ الْمَسِيحِ.
وَالْمُسْلِمُونَ يُثْبِتُونَ بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا مَعَانِيَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَابْتَدَعُوا شَرْعًا لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمَسِيحُ وَلَا غَيْرُهُ وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ مِثْلَ زَعْمِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَغَيْرِهِمْ كَانُوا فِي الْجَحِيمِ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ لِأَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ آدَمَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا تَخَلَّصُوا مِنْ ذَلِكَ لَمَّا صُلِبَ الْمَسِيحُ.
[ ٢ / ٤١٣ ]
فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ نَقَلَهُ نَاقِلٌ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ لَقَطَعْنَا بِكَذِبِهِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ مَنْقُولًا عِنْدَهُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّمَا يَنْقُلُونَهُ عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً لَازِمَةً، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ دِينِهِمْ مَأْخُوذٌ عَنْ رُؤُوسِهِمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ.
فَإِذَا قَطَعْنَا بِكَذِبِ مَنْ يَنْقُلُهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - ﵈ - يُخْبِرُونَ النَّاسَ بِمَا تَقْصُرُ عُقُولُهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ لَا بِمَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مُمْتَنِعٌ فَيُخْبِرُونَهُمْ
[ ٢ / ٤١٤ ]
بِمُحَيِّرَاتِ الْعُقُولِ لَا مُحَالَاتِ الْعُقُولِ وَآدَمُ - ﵇ - وَإِنْ كَانَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَاجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى - ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي كُتُبِهِمْ مَا يَنْفِي تَوْبَتَهُ وَإِنَّمَا قَدْ يَقُولُ قَائِلُهُمْ إِنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ تَابَ أَوْ لَيْسَ عِنْدَنَا تَوْبَتُهُ وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ لَيْسَ عِلْمًا بِعَدَمِهِ وَعَدَمُ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابٍ آخَرَ فَفِي التَّوْرَاةِ مَا لَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ وَفِيهِمَا مَا لَيْسَ فِي الزَّبُورِ وَفِي الْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ مَا لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ وَفِي سَائِرِ النُّبُوَّاتِ مَا لَا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَالْقُرْآنُ لَوْ كَانَ دُونَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالنُّبُوَّاتِ أَوْ كَانَ مِثْلَهَا لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهَا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ أَفْضَلَ وَأَشْرَفَ وَفِيهِ مِنَ الْعِلْمِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَهُ عَلَيْهِمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾ [الزمر: ٢٣]
[ ٢ / ٤١٥ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وَسَوَاءٌ تَابَ آدَمُ أَوْ لَمْ يَتُبْ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُسُلُ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُ مَحْبُوسِينَ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ فِي جَهَنَّمَ بِذَنْبِهِ؟ وَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ كَانَ أَبُوهُ كَافِرًا وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ اللَّهُ بِذَنْبِهِ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ فِي جَهَنَّمَ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ بِسَبَبِ ذَنْبِ أَبِيهِ الْأَقْصَى آدَمَ؟ مَعَ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا وَنُوحٌ - ﵇ - قَدْ مَكَثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَغْرَقَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَرْضِ بِدَعْوَتِهِ وَجَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ لِأَجْلِ ذَنْبِ آدَمَ؟ .
وَمُوسَى بْنُ عِمْرَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا وَأَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِثْلُهُ عَلَى يَدَيِ الْمَسِيحِ وَقَتَلَ نَفْسًا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ وَلَهُ مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ وَالْكَرَامَةِ مَا لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ.
ثُمَّ أَيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الصَّلْبِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ سَوَاءً
[ ٢ / ٤١٦ ]
صَلَبُوا الْمَسِيحَ أَوِ الْمُشَبَّهَ بِهِ وَبَيْنَ تَخْلِيصِ هَؤُلَاءِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالذُّرِّيَّةِ كَانَ ظَالِمًا مُعْتَدِيًا وَاللَّهُ - ﷿ - قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ ظُلْمِهِمْ بَلْ وَعَلَى عُقُوبَتِهِ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ظُلْمِهِمْ.
فَلِمَاذَا أَخَّرَ مَنْعَهُ مِنْ ظُلْمِهِمْ إِلَى زَمَنِ الْمَسِيحِ؟ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ وَهُمْ رُسُلُهُ الَّذِينَ نَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ بَلْ أَهْلَكَ أَعْدَاءَهُمُ الَّذِينَ هُمْ جُنْدُ الشَّيْطَانِ فَكَيْفَ لَا يَمْنَعُ الشَّيْطَانَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ وَيَجْعَلَ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ هَذَا إِنْ قُدِّرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الشَّيْطَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمْ كَرَامَتَهُ وَإِحْسَانَهُ وَجَنَّتَهُ بِحُكْمِ وَعْدِهِ وَمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ فَجَعَلَهُ مُسَلَّطًا عَلَى حَبْسِهِمْ فِي جَهَنَّمَ؟ ! .
وَإِنْ قَالُوا: الرَّبُّ - ﷿ - مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِمْ مِنَ الشَّيْطَانِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَّا بِأَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ بِإِخْفَاءِ نَفْسِهِ لِيَتَمَكَّنَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ ; كَمَا يَزْعُمُونَ فَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ الْعَظِيمِ وَجَعْلِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَاجِزًا ; كَمَا جَعَلُوهُ أَوَّلًا ظَالِمًا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ مَا يَقْتَضِي عَظِيمَ جَهْلِهِمُ الَّذِي جَعَلُوا بِهِ الرَّبَّ جَاهِلًا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ احْتَالَ عَلَى الشَّيْطَانِ لِيَأْخُذَهُ بِعَدْلٍ ; كَمَا احْتَالَ الشَّيْطَانُ عَلَى آدَمَ بِالْحَيَّةِ فَاخْتَفَى مِنْهُ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَنَّهُ نَاسُوتُ الْإِلَهِ
[ ٢ / ٤١٧ ]
وَنَاسُوتُ الْإِلَهِ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
فَلَمَّا أَرَادَ الشَّيْطَانُ أَخْذَ رُوحِهِ لِيَحْبِسَهُ فِي جَهَنَّمَ كَسَائِرِ مَنْ مَضَى وَهُوَ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً اسْتَحَقَّ الشَّيْطَانُ أَنْ يَأْخُذَهُ الرَّبُّ وَيُخَلِّصَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ حَبْسِهِ.
وَهَذَا تَجْهِيلٌ مِنْهُمْ لِلرَّبِّ - ﷾ - عَمَّا يَقُولُونَ مَعَ تَعْجِيزِهِ وَتَظْلِيمِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ هُوَ سَلَّطَ الشَّيْطَانَ عَلَى بَنِي آدَمَ كَمَا يَقُولُونَ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ إِذِ الْجَمِيعُ بَنِي آدَمَ، وَأَيْضًا فَإِذَا قَدَّرَ أَنَّ النَّاسُوتَ يَدْفَعُ الشَّيْطَانَ عَنْ نَفْسِهِ بِحَقٍّ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ دَخَلَ الْجَحِيمَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ.
فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ تَسَلُّطُ الشَّيْطَانِ عَلَى حَبْسِهِمْ فِي الْجَحِيمِ بِحَقٍّ لِأَجْلِ ذُنُوبِهِمْ مَعَ ذَنْبِ أَبِيهِمْ لَمْ يَجُزْ إِخْرَاجُهُمْ لِأَجْلِ سَلَامَةِ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ مِنَ الذَّنْبِ وَإِنْ كَانُوا مَظْلُومِينَ مَعَ الشَّيْطَانِ وَجَبَ تَخْلِيصُهُمْ قَبْلَ صَلْبِ النَّاسُوتِ وَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ سَلَامَةِ الْمَسِيحِ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُوجِبُ سَلَامَةَ غَيْرِهِ وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ كَانَ بِدُونِ تَسَلُّطِهِ عَلَى صَلْبِهِ عَاجِزًا عَنْ دَفْعِهِ فَهُوَ مَعَ تَسَلُّطِهِ عَلَى صَلْبِهِ أَعْجَزُ وَأَعْجَزُ.
الْأَصْلُ الثَّانِي: الْفَاسِدُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ سُؤَالَهُمُ الَّذِي جَعَلُوهُ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَجَوَابُهُمْ ظَنُّهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ حُرِّفَتْ أَلْفَاظُ جَمِيعِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ مِنْهَا بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
[ ٢ / ٤١٨ ]
وَهَذَا مِمَّا لَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَكِنْ قَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ حُرِّفَ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَلْفَاظُ بَعْضِ النُّسَخِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا حُرِّفَتْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَانَ هَذَا قَبْلَ الْمَبْعَثِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَانَ بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ الْأَمْرَيْنِ أَوْ يُجَوِّزُهُمَا، وَلَكِنْ لَا يَقُولُ: إِنَّهُ حُرِّفَتْ أَلْفَاظُ جَمِيعِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، كَمَا حَكَاهُ هَذَا الْحَاكِي عَنْهُمْ، وَلَكِنْ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُقُوعِ التَّحْرِيفِ فِي الْمَعَانِي وَالتَّفْسِيرِ.
وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ تَزْعُمُ أَنَّ الْأُخْرَى هِيَ الَّتِي حَرَّفَتِ الْمَعَانِيَ.
وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْكُتُبِ فَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنَّ أَلْفَاظَهَا لَمْ تُبَدَّلْ ; كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى أَنَّهُ بُدِّلَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا.
وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَهُ أَيْضًا كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
حَتَّى فِي صَلْبِ الْمَسِيحِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا
[ ٢ / ٤١٩ ]
صُلِبَ الَّذِي شُبِّهَ بِالْمَسِيحِ ; كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ وَإِنَّ الَّذِينَ أَخْبَرُوا بِصَلْبِهِ كَانُوا قَدْ أَخْبَرُوا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى الْمَصْلُوبِ ظَنُّوا أَنَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ أَوْ تَعَمَّدُوا الْكَذِبَ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ فِي أَلْفَاظِ الْكُتُبِ مَا هُوَ مُبَدَّلٌ.
وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ الْمُبَدَّلَ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَثِيرًا مِنْهُمَا وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمُ الْمُبَدَّلَّ أَكْثَرَهُمَا لَا سِيَّمَا الْإِنْجِيلُ، فَإِنَّ الطَّعْنَ فِيهِ أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ مِنْهُ فِي التَّوْرَاةِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُسْرِفُ حَتَّى يَقُولَ: أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الَّذِي بُدِّلَتْ أَلْفَاظُهُ قَلِيلٌ مِنْهُمَا وَهَذَا أَظْهَرُ.
وَالتَّبْدِيلُ فِي الْإِنْجِيلِ أَظْهَرُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُ هَذِهِ الْأَنَاجِيلُ لَيْسَ فِيهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَالْإِنْجِيلُ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ هَذِهِ الْأَنَاجِيلَ.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
[فَصْلٌ: دَعْوَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى الْحُكْمِ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الصَّحِيحَةِ]
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّذِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا مَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ بُدِّلَ وَغُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهِمَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [المائدة: ٤١]
[ ٢ / ٤٢١ ]
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً بَعْدَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَعْدَ مَجِيءِ بُخْتُنَصَّرَ وَبَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ وَبَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ.
وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ يَهُودِ الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَإِنْ قِيلَ: أَنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا بَعْدَ مَبْعَثِهِ فَلَا نَشْهَدُ عَلَى كُلِّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا وَهُوَ أَيْضًا مُتَعَذِّرٌ بَلْ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَإِشَاعَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَتْبَاعِ حَتَّى لَا يُوجَدَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا غُيِّرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا تَخْتَلِفُ فِي الْيَسِيرِ مِنْ أَلْفَاظِهَا فَتَبْدِيلُ أَلْفَاظِ الْيَسِيرِ مِنَ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ - ﷺ - مُمْكِنٌ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَجْزِمَ بِنَفْيِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِالْكِتَابَيْنِ مُتَّفِقَةُ الْأَلْفَاظِ إِذْ هَذَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ، وَالِاخْتِلَافُ الْيَسِيرُ فِي أَلْفَاظِ هَذِهِ الْكُتُبِ
[ ٢ / ٤٢٢ ]
مَوْجُودٌ فِي الْكَثِيرِ مِنَ النُّسَخِ، كَمَا قَدْ تَخْتَلِفُ نُسَخُ بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوْ تُبَدَّلُ بَعْضُ أَلْفَاظِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الَّذِي حُفِظَتْ أَلْفَاظُهُ فِي الصُّدُورِ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُحْفَظَ فِي كِتَابٍ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَبْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَلَى عَهْدِهِ وَبَعْدَهُ مُنْتَشِرُونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَعِنْدَهُمْ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ.
وَكَذَلِكَ النَّصَارَى عِنْدَهُمْ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ جَمْعِ هَذِهِ النُّسَخِ وَتَبْدِيلِهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَكَانَ هَذَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] فَعُلِمَ أَنَّ فِي هَذَا الْإِنْجِيلِ حُكْمًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
الْحُكْمَ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّبْدِيلُ لَفْظًا وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ فَمَا يَكَادُ أَحَدٌ يَدَّعِي التَّبْدِيلَ فِي أَلْفَاظِهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: فِي الْإِنْجِيلِ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] هُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَا الْمَوْجُودِينَ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَهَذَا الْقَوْلُ يُنَاسِبُ مُنَاسَبَةً ظَاهِرَةً لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " وَلِيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ " بِكَسْرِ اللَّامِ كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ فَإِنَّ هَذِهِ لَامُ كَيْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ - وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧]
[ ٢ / ٤٢٤ ]
فَإِذَا قُرِئَ " وَلِيَحْكُمَ " كَانَ الْمَعْنَى وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ لِكَذَا وَكَذَا وَلِيَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَهَذَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ الْحَقِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْجِيلَ الْمَوْجُودَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ - ﷺ - هُوَ ذَلِكَ الْإِنْجِيلُ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾ [المائدة: ٤٧] فَهُوَ أَمْرٌ بِذَلِكَ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ أَمْرٌ لِمَنْ كَانَ الْإِنْجِيلُ الْحَقُّ مَوْجُودًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: " وَلْيَحْكُمْ " أَمْرٌ لَهُمْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَقَالَ: آخَرُونَ لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّفِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي الْإِنْجِيلِ كَالْقَوْلِ فِي التَّوْرَاةِ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٤٢٥ ]
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ - سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ - إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤١ - ٤٦] فَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَحَاكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ الْيَهُودِ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَقَالَ: بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] وَهَذِهِ لَامُ الْأَمْرِ وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ أَنْزَلَهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ وَأَمْرُ مَنْ مَاتَ قَبْلَ هَذَا الْخِطَابِ مُمْتَنِعٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْأَمْرُ أَمْرًا لِمَنْ آمَنَ
[ ٢ / ٤٢٦ ]
بِهِ مِنْ بَعْدِ خِطَابِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ بِالْأَمْرِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ، وَاللَّهُ أَنْزَلَ فِي الْإِنْجِيلِ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - ; كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ فَلْيَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ مِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - ; كَمَا أَمَرَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَهُ مِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ الْمَسِيحُ وَمَا نَسَخَهُ فَقَدْ أُمِرُوا فِيهَا بِاتِّبَاعِ الْمَسِيحِ وَقَدْ أُمِرُوا فِي الْإِنْجِيلِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَمَنْ حَكَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا يُخَالِفُ حُكْمَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِذْ كَانُوا مَأْمُورِينَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] .
[ ٢ / ٤٢٧ ]
فَجَعَلَ الْقُرْآنَ مُهَيْمِنًا. وَالْمُهَيْمِنُ الشَّاهِدُ الْحَاكِمُ الْمُؤْتَمَنُ فَهُوَ يَحْكُمُ بِمَا فِيهَا مِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ اللَّهُ وَيَشْهَدُ بِتَصْدِيقِ مَا فِيهَا مِمَّا لَمْ يُبَدَّلْ وَلِهَذَا قَالَ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ هَذَا. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا زَنَيَا فَقَالَ: لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَرُجِمَا» .
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَيُطَافُ بِهِمَا قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا فَقَرَأُوهَا حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ فَرَفَعَهَا فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ قَالُوا: صَدَقَ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّنَا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا وَأَنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا التَّحْمِيمَ وَالتَّجْبِيَةَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِرَجْمِهِمَا فَرُجِمَا» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «مُرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ فَدَعَى رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى
[ ٢ / ٤٢٩ ]
مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: لَا وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ فَقُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلَدَ مَكَانَ الرَّجْمِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [المائدة: ٤١] إِلَى قَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ إِلَى الظَّالِمُونَ إِلَى الْفَاسِقُونَ قَالَ: هِيَ فِي الْكُفَّارِ كُلِّهَا» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «رَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ وَرَجُلًا
[ ٢ / ٤٣٠ ]
مِنَ الْيَهُودِ» .
وَأَمَّا السُّنَنُ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ قَالَ: «أَتَى نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَدَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْقُفِّ فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ فَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: ائْتُونِي التَّوْرَاةَ فَأُتِيَ بِهَا فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ وَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا وَقَالَ: آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ، ثُمَّ قَالَ: ائْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ فَأُتِيَ بِشَابٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ» .
[ ٢ / ٤٣١ ]
وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقُلْنَا: نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ قَالُوا: فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ؟ .
قَالُوا نُحَمِّمُهُ وَنُجْبِيهِ وَنَجْلِدُهُ وَالتَّجْبِيَةُ أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ وَيُقَابَلَ أَقْفِيَتُهُمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا قَالَ: وَسَكَتَ شَابٌّ مِنْهُمْ فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاكِتًا أَنْشَدَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ فَقَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - فَمَا أَوَّلُ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ
[ ٢ / ٤٣٢ ]
فَأَرَادَ رَجْمَهُ فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ فَاصْطَلَحُوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ بَيْنَهُمْ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا» .
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] فَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْهُمْ.
وَأَيْضًا فَقَدْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي الْقَوْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ فَكَانَ إِذَا قَتَلَ بَعْضُ إِحْدَى الْقَبِيلَتَيْنِ قَتِيلًا مِنَ الْأُخْرَى فَيَقْتُلُونَهُ وَلَمْ يُضَعِّفُوا الدِّيَةَ وَإِذَا قُتِلَ مِنَ الْقَبِيلَةِ الشَّرِيفَةِ قَتَلُوا بِهِ وَأَضْعَفُوا الدِّيَةَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
[ ٢ / ٤٣٣ ]
الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ وُدِيَ مِائَةَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ» .
فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ - ﷺ - «قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلُهُ فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مُحَمَّدٌ فَأَتَوْهُ فَنَزَلَتْ
[ ٢ / ٤٣٤ ]
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]» وَالْقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] قَالَ: أَبُو دَاوُدَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ.
وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ، فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ - ﷿ - أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ الْمَسِيحِ - ﵇ - حُكْمَ اللَّهِ وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الْيَهُودَ تَرَكُوا حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالْمَسِيحِ وَهَذَا ذَمٌّ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى مَا تَرَكُوهُ مِنْ حُكْمِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَنْسَخْهُ الرَّسُولُ - ﷺ - الثَّانِي:.
وَهَذَا مِنَ التَّبْدِيلِ الثَّانِي: الَّذِي ذُمُّوا عَلَيْهِ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ حُكْمًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ أُمِرُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ وَهَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْإِنْجِيلِ.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَنْسَخْهُ الْإِنْجِيلُ وَلَا الْقُرْآنُ، فَكَذَلِكَ مَا أُمِرُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِنْجِيلِ هُوَ مِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ الْقُرْآنُ وَذَلِكَ أَنَّ الدِّينَ الْجَامِعَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَيَأْمُرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَيَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي أَيِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ وَلَمْ يَنْسَخْهُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ وَمَنْ حَكَمَ بِالشَّرْعِ الْمَنْسُوخِ فَلَمْ يَحْكُمْ
[ ٢ / ٤٣٦ ]
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَفِيهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ فَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي جِنْسِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ - وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ - أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ - وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٦] .
[ ٢ / ٤٣٧ ]
فَقَدَ أَمَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَحَذَّرَهُ اتِّبَاعَ أَهْوَائِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُخَالِفَ لِحُكْمِهِ هُوَ حُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ حَيْثُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] وَأَخْبَرَهُ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَأَمْرُهُ تَعَالَى بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَمْرٌ عَامٌّ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَالَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ دِينٌ وَاحِدٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ وَالرُّسُلُ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ تَنَوَّعُوا فِي الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ بَيْنَ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ فَهُوَ شَبِيهٌ بِتَنَوُّعِ حَالِ الْكِتَابِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أَوَّلًا مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ إِنَّمَا اتَّبَعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وَكَذَلِكَ مُوسَى - ﵇ - كَانَ مَأْمُورًا بِالسَّبْتِ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ مُتَّبِعٌ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ - ﷿ - وَالْمَسِيحُ أَحَلَّ بَعْضَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ مُتَّبِعٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ - فَلَيْسَ فِي أَمْرِ اللَّهِ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَمْرٌ بِمَا نَسَخَ ; كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَمْرٌ بِمَا نَسَخَ، بَلْ إِذَا كَانَ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ فَالَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ هُوَ الْحُكْمُ بِالنَّاسِخِ دُونَ الْمَنْسُوخِ فَمَنْ حَكَمَ بِالْمَنْسُوخِ فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ - وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] فَإِنَّ هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - أَنْ يَقُولَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى يُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ عِنْدَهُمْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِقَامَتِهِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا
[ ٢ / ٤٣٩ ]
قَرَّرَهُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَلَمْ يَنْسَخْهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ وَلَمْ يَنْسَخْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - الثَّانِي بَلْ أَقَرَّهُ كَانَ اللَّهُ آمِرًا بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَعْثَةِ الثَّانِي مَا يُسْقِطُ وُجُوبَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ الْأَوَّلُ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ الثَّانِي.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَنْسَخُ بِالْكِتَابِ الثَّانِي جَمِيعَ مَا شَرَعَهُ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا الْمَنْسُوخُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ وَالشَّرَائِعُ.
وَأَيْضًا فَفِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا دَلَّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَإِذَا حَكَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا حَكَمُوا بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ إِذْ لَا يُؤْمَرُونَ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَالْحُكْمُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعِلْمِ بِبَعْضِ مَعَانِي الْكُتُبِ لَا يُنَافِي عَدَمَ الْعِلْمِ بِبَعْضِهَا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعَانِي، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَمْرَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلْقِ رُسُلًا مِنَ الْبَشَرِ وَأَنَّهُ أَوْجَبَ الْعَدْلَ وَحَرَّمَ الظُّلْمَ وَالْفَوَاحِشَ وَالشِّرْكَ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرَائِعِ
[ ٢ / ٤٤٠ ]
الْكُلِّيَّةِ وَأَنَّ فِيهَا الْوَعْدَ بِالثَّوَابِ وَالْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَقَدْ تَنَازَعُوا فِي بَعْضِ مَعَانِيهَا وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ ; كَمَا اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ الْمُبَشِّرِ بِهِ النُّبُوَّاتُ، هَلْ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ - ﵇ - أَوْ مَسِيحٌ آخَرُ يُنْتَظَرُ
[ ٢ / ٤٤١ ]
وَالْمُسْلِمُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذَا مَعَ النَّصَارَى لَكِنْ لَا يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى مَا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنَ الْإِفْكِ وَالشِّرْكِ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ إِذَا بُدِّلَ قَلِيلٌ مِنْ أَلْفَاظِهَا الْخَبَرِيَّةِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ أَلْفَاظِهَا لَمْ يُبَدَّلْ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُبَدَّلِ وَقَدْ يُقَالُ أَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَفِي نَفْسِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَبْدِيلِهِ فَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يُبَدَّلْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِهَا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا كَانَ التَّبْدِيلُ قَدْ وَقَعَ فِي أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَمْ يُعْلَمِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِمَا وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِمَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يُذَمُّونَ حِينَئِذٍ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِهِمَا.
وَالْقُرْآنُ قَدْ ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بِمَا فِيهِمَا وَاسْتَشْهَدَ بِهِمَا فِي مَوَاضِعَ.
وَجَوَابُ ذَلِكَ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنَ التَّبْدِيلِ قَلِيلٌ وَالْأَكْثَرُ لَمْ يُبَدَّلْ وَالَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ فِيهِ أَلْفَاظٌ صَرِيحَةٌ تَبَيَّنَ بِهَا الْمَقْصُودُ مِنْ غَلَطِ مَا خَالَفَهَا وَلَهَا شَوَاهِدُ وَنَظَائِرُ مُتَعَدِّدَةٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِخِلَافِ الْمُبَدَّلِ، فَإِنَّهُ أَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ، وَسَائِرُ نُصُوصِ الْكُتُبِ يُنَاقِضُهَا، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَإِنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَوْ غَيْرِهِمَا أَحَادِيثُ قَلِيلَةٌ ضَعِيفَةٌ كَانَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا يُبَيِّنُ ضَعْفَ تِلْكَ.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
بَلْ وَكَذَلِكَ صَحِيحُ مُسْلِمٍ فِيهِ أَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ غَلَطٌ، وَفِي نَفْسِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَعَ الْقُرْآنِ مَا يُبَيِّنُ غَلَطَهَا، مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَجَعَلَ خَلْقَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ بَيَّنَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
[ ٢ / ٤٤٣ ]
مَهْدِيٍّ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ غَلَطٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ - ﷺ - بَلْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ; كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى
[ ٢ / ٤٤٤ ]
غَلَطِ هَذَا، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْخَلْقَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ آخِرَ الْخَلْقِ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَكُونُ أَوَّلُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْأَحَدِ.
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - ﷺ -، «صَلَّى الْكُسُوفَ
[ ٢ / ٤٤٥ ]
بِرُكُوعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ» .
فَإِنَّ الثَّابِتَ الْمُتَوَاتِرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ صَلَّى كُلَّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعَيْنِ وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجِ
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الْبُخَارِيُّ إِلَّا ذَلِكَ، وَضَعَّفَ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَغَيْرُهُمْ حَدِيثَ الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إِنَّمَا صَلَّى الْكُسُوفَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَفِي حَدِيثِ الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ أَنَّهُ صَلَّاهَا يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ، وَأَحَادِيثُ الرُّكُوعَيْنِ كَانَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَمِثْلُ هَذَا الْغَلَطِ إِذَا وَقَعَ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ غَلَطٌ، وَالْبُخَارِيُّ إِذَا رَوَى الْحَدِيثَ بِطُرُقٍ فِي بَعْضِهَا غَلَطٌ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ ذَكَرَ مَعَهُ الطُّرُقَ الَّتِي تُبَيِّنُ ذَلِكَ الْغَلَطَ ; كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
فَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ أَنَّهُ وَقَعَ تَبْدِيلٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَانَ فِي الْكُتُبِ مَا يُبَيِّنُ لَكَ الْغَلَطَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ مِنْ زَمَنِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِكُلِّ لِسَانٍ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ بُدِّلَتْ أَلْفَاظُهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا أَعْرِفُ
[ ٢ / ٤٤٧ ]
أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ قَالَهُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَدْ يَقُولُ ذَلِكَ، كَمَا فِي بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يُجَوِّزُ الِاسْتِنْجَاءَ بِكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَنَحْوُهَا مِنْ أَقْوَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - لَمَّا رَأَى بِيَدِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ نُسْخَةً مِنَ التَّوْرَاةِ قَالَ: يَا كَعْبُ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ التَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَاقْرَأْهَا فَعَلَّقَ الْأَمْرَ
[ ٢ / ٤٤٨ ]
عَلَى مَا يَمْتَنِعُ الْعِلْمُ بِهِ وَلَمْ يَجْزِمْ عُمَرُ - ﵁ - بِأَنَّ أَلْفَاظَ تِلْكَ مُبَدَّلَةً لَمَّا لَمْ يَتَأَمَّلْ كُلَّ مَا فِيهَا.
وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ الْمَوْجُودَيْنِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهِمَا مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ - ﷿ - وَالْجَزْمُ بِتَبْدِيلِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي فِي الْعَالَمِ مُتَعَذِّرٌ وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِ وَلَا عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ مِنَ الْكُتُبِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَعْرِفَهُ بِاخْتِبَارِهِ وَامْتِحَانِهِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ مِثْلُ هَذَا بِالْوَحْيِ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا
[ ٢ / ٤٤٩ ]
مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يُقَابِلَ كُلَّ نُسْخَةٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْعَالَمِ بِكُلِّ نُسْخَةٍ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ بِالْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ وَقَدْ رَأَيْنَاهَا مُخْتَلِفَةً فِي الْأَلْفَاظِ اخْتِلَافًا بَيِّنًا، وَالتَّوْرَاةُ هِيَ أَصَحُّ الْكُتُبِ وَأَشْهَرُهَا عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَعَ هَذَا فَنُسْخَةُ السَّامِرَةِ مُخَالِفَةٌ لِنُسْخَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَتَّى فِي نَفْسِ الْكَلِمَاتِ الْعَشْرِ ذُكِرَ فِي نُسْخَةِ السَّامِرَةِ مِنْهَا مِنْ أَمْرِ اسْتِقْبَالِ الطُّورِ مَا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّبْدِيلَ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ هَذِهِ الْكُتُبِ، فَإِنَّ عِنْدَ السَّامِرَةِ نُسَخًا مُتَعَدِّدَةً.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وَكَذَلِكَ رَأَيْنَا فِي الزَّبُورِ نُسَخًا مُتَعَدِّدَةً تُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا مُخَالَفَةً كَثِيرَةً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي يَقْطَعُ مَنْ رَآهَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا كَذِبٌ عَلَى زَبُورِ دَاوُدَ - ﵇ - وَأَمَّا الْأَنَاجِيلُ فَالِاضْطِرَابُ فِيهَا أَعْظَمُ مِنْهُ فِي التَّوْرَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَتِ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ مَنْسُوخَةً فَلِمَاذَا ذُمَّ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْهَا؟ قِيلَ: النَّسْخُ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي قَلِيلٍ مِنَ الشَّرَائِعِ وَإِلَّا فَالْإِخْبَارُ عَنِ اللَّهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا نَسْخَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ الدِّينُ الْجَامِعُ وَالشَّرَائِعُ الْكُلِّيَّةُ لَا نَسْخَ فِيهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَفَرُوا مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ تَبْدِيلِهِمُ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ، وَتَرْكِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِبَعْضِهِ، وَمِنْ جِهَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِالْكِتَابِ الثَّانِي: وَهُوَ الْقُرْآنُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ كَمَا
[ ٢ / ٤٥١ ]
كَفَرُوا حِينَ مَبْعَثِهِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ - قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٨ - ٤٩] وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَذُمُّهُمْ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ مَا أَنْزَلَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَعَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ مَا أَنْزَلَهُ فِي الْقُرْآنِ وَيُبَيِّنُ كُفْرَهُمْ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَبِالْكِتَابِ الثَّانِي: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَمْرُهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْمَنْسُوخِ مِنَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ; كَمَا لَيْسَ فِيهِ أَمْرُهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْمَنْسُوخِ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
[فَصْلٌ: قِيَاسُ النَّصَارَى كُتُبَهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ قِيَاسٌ بَاطِلٌ]
فَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُمْ: إِنَّا نَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى عِلْمِهِمْ وَذَكَائِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ كَيْفَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ؟
وَذَلِكَ أَنَّا أَيْضًا إِذَا قُلْنَا وَاحْتَجَجْنَا عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ إِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ يَوْمَنَا هَذَا قَدْ غَيَّرُوهُ وَبَدَّلُوهُ وَكَتَبُوا فِيهِ مَا أَرَادُوا وَاشْتَهَوْا هَلْ كَانُوا يُجَوِّزُونَ كَلَامَنَا؟
قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا مَا لَا يَجُوزُ وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ وَلَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وَلَا تَبْدِيلُ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ.
[ ٣ / ٥ ]
فَقَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ! إِذَا كَانَ الْكِتَابُ الَّذِي لَهُمْ، الَّذِي هُوَ بِاللِّسَانِ الْوَاحِدِ لَا يُمْكِنُ تَبْدِيلُهُ، وَلَا تَغْيِيرُ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ كُتُبِنَا الَّتِي هِيَ مَكْتُوبَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَفِي كُلِّ لِسَانٍ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا أَلْفِ نُسْخَةٍ وَجَازَ عَلَيْهَا إِلَى مَجِيءِ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، وَصَارَتْ فِي أَيْدِي النَّاسِ يَقْرَءُونَهَا بِاخْتِلَافِ أَلْسِنَتِهِمْ عَلَى تَشَاسُعِ بُلْدَانِهِمْ.
فَمَنِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا؟ وَمَنْ هُوَ الَّذِي حَكَمَ عَلَى الدُّنْيَا جَمِيعِهَا مُلُوكِهَا وَقَسَاوِسَتِهَا وَغَالِبِهَا حَتَّى حَكَمَ عَلَى جَمِيعِهَا فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَجَمَعَهَا فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الْعَالَمِ حَتَّى يُغَيِّرَهَا؟
وَإِنْ كَانَ غَيَّرَ بَعْضَهَا، وَتَرَكَ بَعْضَهَا فَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ كُلَّهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ وَلَفْظٌ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَلْسُنِ، فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَهُ أَبَدًا
[ ٣ / ٦ ]
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ:
أَوَّلًا: هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ جَهْلِهِمْ بِمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ فِي كُتُبِهِمْ، وَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ - لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ - يَظُنُّونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ مَقَالَةً لَا يَخْفَى فَسَادُهَا عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ وَمَعْرِفَةٍ وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ أَعْظَمُ الْأُمَمِ عُقُولًا وَأَفْهَامًا وَأَتَمُّهُمْ مَعْرِفَةً وَبَيَانًا وَأَحْسَنُ قَصْدًا وَدِيَانَةً وَتَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَحْصُلْ فِي النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ أُمَّةٌ أَكْمَلُ مِنْهُمْ وَلَا نَامُوسٌ أَكْمَلُ مِنَ النَّامُوسِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَحُذَّاقُ الْفَلَاسِفَةِ مُعْتَرِفُونَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَعِ الْعَالِمَ نَامُوسٌ أَكْمَلُ مِنْ هَذَا النَّامُوسِ.
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ طُرُقِ الْمَعَارِفِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَنْوَاعِهَا فَإِنَّ النَّاسَ نَوْعَانِ:
[ ٣ / ٧ ]
أَهْلُ كِتَابٍ وَغَيْرُ أَهْلِ كِتَابٍ، كَالْفَلَاسِفَةِ وَالْهُنُودِ.
وَالْعِلْمُ يُنَالُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ، وَمَا يُحَصَّلُ بِهِمَا وَبِوَحْيِ اللَّهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ.
وَلِهَذَا قِيلَ: الطُّرُقُ الْعِلْمِيَّةُ الْبَصَرُ، وَالنَّظَرُ، وَالْخَبَرُ: الْحِسُّ، وَالْعَقْلُ وَالْوَحْيُ: الْحِسُّ وَالْقِيَاسُ، وَالنُّبُوَّةُ.
فَأَهْلُ الْكِتَابِ امْتَازُوا عَنْ غَيْرِهِمْ بِمَا جَاءَهُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ مُشَارَكَتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْعُلُومِ الْحِسِّيَّةِ، وَالْعَقْلِيَّةِ.
وَالْمُسْلِمُونَ حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعُلُومِ النَّبَوِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَا كَانَ لِلْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَامْتَازُوا عَنْهُمْ بِمَا لَا تَعْرِفُهُ الْأُمَمُ وَمَا اتَّصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ عَقْلِيَّاتِ الْأُمَمِ هَذَّبُوهُ لَفْظًا وَمَعْنًى حَتَّى صَارَ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ وَنَفَوْا عَنْهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَضَمُّوا إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ مَا امْتَازُوا بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ.
وَكَذَلِكَ الْعُلُومُ النَّبَوِيَّةُ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِهِ أُمَّةً قَبْلَهُمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ مَعَ تَدَبُّرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ فَضْلِ عِلْمِ الْقُرْآنِ مَا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى الْعُمْيَانِ.
فَكَيْفَ يُظَنُّ مَعَ هَذَا بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ فَسَادُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ظَنَّهُ بِهِمْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ:
[ ٣ / ٨ ]
وَيُقَالُ: ثَانِيًا الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ حُرِّفَتْ بَعْدَ انْتِشَارِهَا، وَكَثْرَةِ النُّسَخِ بِهَا، وَلَكِنَّ جَمِيعَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُقُوعِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِيهَا، وَكَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا.
وَهَذَا مِمَّا تُسَلِّمُهُ النَّصَارَى جَمِيعُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالنُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْيَهُودَ بَدَّلُوا كَثِيرًا مِنْ مَعَانِيهَا وَأَحْكَامِهَا.
وَمِمَّا تُسَلِّمُهُ النَّصَارَى فِي فِرَقِهِمْ، أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تُخَالِفُ الْأُخْرَى فِيمَا تُفَسِّرُ بِهِ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَمِمَّا تُسَلِّمُهُ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ النَّصَارَى تُفَسِّرُ التَّوْرَاةَ وَالنُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْإِنْجِيلِ بِمَا يُخَالِفُ مَعَانِيهَا وَأَنَّهَا بَدَّلَتْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ فَصَارَ تَبْدِيلُ كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى.
وَأَمَّا تَغْيِيرُ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بُدِّلَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قِيَاسَهُمْ كُتُبَهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ كَمَا
[ ٣ / ٩ ]
لَا تُسْمَعُ دَعْوَى التَّبْدِيلِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ - قِيَاسٌ بَاطِلٌ فِي مَعْنَاهُ وَلَفْظِهِ.
أَمَّا مَعْنَاهُ: فَكُلُّ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِمْ إِجْمَاعًا ظَاهِرًا مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ فَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الرَّسُولِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، بَلْ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ، فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَالزَّكَاةَ، وَصِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَوُجُوبَ الْعَدْلِ وَالصِّدْقِ، وَتَحْرِيمَ الشِّرْكِ وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ، بَلْ وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالرِّبَا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (نَقْلًا مُتَوَاتِرًا كَنَقْلِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عُمُومُ رِسَالَتِهِ - ﷺ -) وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ إِلَى الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَأَنَّهُ كَانَ يُكَفِّرُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يُكَفِّرُ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ جَاهَدَهُمْ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ.
فَالْمُسْلِمُونَ - عِنْدَهُمْ مَنْقُولًا عَنْ نَبِيِّهِمْ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا - ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: لَفْظُ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَهِيَ الْحِكْمَةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ غَيْرَ الْقُرْآنِ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ١٠ ]
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] .
وَبِذَلِكَ دَعَا الْخَلِيلُ حَيْثُ قَالَ لَمَّا بَنَى - هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ - الْكَعْبَةَ
[ ٣ / ١١ ]
بِأَرْضِ فَارَانَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] (١٢٧) ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] (١٢٨) ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
وَقَالَ - ﷺ -: («أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ») .
[ ٣ / ١٢ ]
فَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُمْ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَبِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ مِثْلُ: كَوْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَرْبَعًا، وَكَوْنِ الْمَغْرِبِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَكَوْنِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ وَمِثْلُ الْجَهْرِ فِي الْعِشَائَيْنِ وَالْفَجْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَمِثْلُ كَوْنِ الرَّكْعَةِ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ، وَكَوْنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَرَمْيِ الْجَمَرَاتِ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَالْمُسْلِمُونَ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ فِي صُدُورِهِمْ حِفْظًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنِ الْمَصَاحِفِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «إِنَّ رَبِّي قَالَ لِي إِنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانًا» .
يَقُولُ: وَلَوْ غُسِلَ بِالْمَاءِ مِنَ الْمَصَاحِفِ لَمْ يُغْسَلْ مِنَ الْقُلُوبِ كَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ عُدِمَتْ نُسَخُهَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَنْقُلُهَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا مَحْفُوظَةً فِي الصُّدُورِ.
وَالْقُرْآنُ مَا زَالَ مَحْفُوظًا فِي الصُّدُورِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا حَتَّى لَوْ أَرَادَ مُرِيدٌ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنَ الْمَصَاحِفِ، وَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ
[ ٣ / ١٣ ]
لَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ غَيَّرَ الْمُصْحَفَ، لِحِفْظِهِمْ لِلْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَابِلُوهُ بِمُصْحَفٍ، وَأَنْكَرُوا ذَلِكَ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ مِنْهُمْ أَنْ يَكْتُبَ نُسَخًا كَثِيرًا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَيُغَيِّرُ بَعْضَهَا، وَيَعْرِضُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا غَيَّرَ مِنْهَا إِنْ لَمْ يَعْرِضُوهُ عَلَى النُّسَخِ الَّتِي عِنْدَهُمْ.
وَلِهَذَا لَمَّا غَيَّرَ مَنْ نَسَخَ التَّوْرَاةَ رَاجَ ذَلِكَ عَلَى طَوَائِفَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا التَّغْيِيرَ.
(وَأَيْضًا فَالْمُسْلِمُونَ لَهُمُ الْأَسَانِيدُ الْمُتَّصِلَةُ بِنَقْلِ الْعُدُولِ الثِّقَاتِ لِدَقِيقِ الدِّينِ كَمَا نَقَلَ الْعَامَّةُ جَلِيلَهُ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَهْلِ الْكِتَابِ) .
وَأَيْضًا فَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ كُتُبَهُمْ مَكْتُوبَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى التَّغْيِيرِ مِنَ الْكِتَابِ الْوَاحِدِ بِاللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ; فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَحْفَظُهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَهُ.
وَأَمَّا الْكُتُبُ الْمَكْتُوبَةُ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ بَعْضَ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِبَعْضِ الْأَلْسِنَةِ غُيِّرَ بَعْضُ مَا فِيهَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الْأَلْسُنِ الْبَاقِيَةِ، بَلْ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ النُّسَخِ الْأُخْرَى فَالتَّغْيِيرُ فِيهَا مُمْكِنٌ كَمَا يُمْكِنُ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ.
وَمَا ادَّعَوْهُ مِنْ تَعَذُّرِ جَمْعِ جَمِيعِ النُّسَخِ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ
[ ٣ / ١٤ ]
ذَلِكَ إِذَا كَانَ مُتَعَذِّرًا لَمْ يُمْكِنِ الْجَزْمُ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ النُّسَخِ لِوَاحِدٍ، حَتَّى يَشْهَدَ بِأَنَّهَا كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، بَلْ إِمْكَانُ التَّغْيِيرِ فِيهَا أَيْسَرُ مِنْ إِمْكَانِ الشَّهَادَةِ بِاتِّفَاقِهَا.
وَلِهَذَا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا تَغْيِيرُ الْقُرْآنِ، مَعَ كَوْنِهِ مَحْفُوظًا فِي الْقُلُوبِ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ، مَعَ أَنَّا لَا نَشْهَدُ لِجَمِيعِ الْمَصَاحِفِ بِالِاتِّفَاقِ، بَلْ قَدْ يَقَعُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَاحِفِ مَا هُوَ غَلَطٌ يَعْلَمُهُ حُفَّاظُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ بِمُصْحَفٍ آخَرَ.
وَتِلْكَ الْكُتُبُ لَا يَحْفَظُ كُلًّا مِنْهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ التَّوَاتُرِ حَتَّى تُعْتَبَرَ النُّسَخُ بِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ - ﵈ - فِيهِمْ مَوْجُودِينَ، كَانُوا هُمُ الْمَرْجِعُ لِلنَّاسِ فِيمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ إِذَا غَيَّرَ بَعْضُ النَّاسِ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ، فَلَمَّا انْقَطَعَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ أَسْرَعَ فِيهِمُ التَّغْيِيرُ.
فَلِهَذَا بَدَّلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى كَثِيرًا مِنْ دِينِ الْمَسِيحِ - ﵇ - بَعْدَ رَفْعِهِ بِقَلِيلٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَصَارُوا يُبَدِّلُونَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَتَبْقَى فِيهِمْ طَائِفَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِدِينِ الْحَقِّ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ -.
وَقَدْ بَقِيَ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
[ ٣ / ١٥ ]
«إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَاتُوا قُبَيْلَ مَبْعَثِهِ» .
وَقَدْ أَدْرَكَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ - وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَجُوسِيًّا - طَائِفَةً مِمَّنْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِدِينِ الْمَسِيحِ - ﵇ - وَاحِدًا بِالْمَوْصِلِ وَآخَرَ بِنَصِيبِينَ وَآخَرَ بِعَمُّورِيَّةَ.
وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ
[ ٣ / ١٦ ]
السَّلَامُ - إِلَّا قَلِيلٌ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ آخِرُهُمْ: لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُبْعَثُ نَبِيٌّ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ هِجْرَةِ سَلْمَانَ إِلَيْهِ وَإِيمَانِهِ بِهِ.
فَالدِّينُ الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ - ﷺ - الْمُسْلِمُونَ اجْتِمَاعًا ظَاهِرًا مَعْلُومًا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا نَقَلُوا الْقُرْآنَ وَنَقَلُوا سُنَّتَهُ، وَسُنَّتُهُ مُفَسِّرَةٌ لِلْقُرْآنِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - لَهُ:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
فَبَيَّنَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ فَصَارَ مَعَانِي الْقُرْآنِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ اتِّفَاقًا ظَاهِرًا مِمَّا تَوَارَثَتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا كَمَا تَوَارَثَتْ عَنْهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَكُنْ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - فِيمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ شَيْءٌ مُحَرَّفٌ مُبَدَّلٌ مِنَ الْمَعَانِي فَكَيْفَ بِأَلْفَاظِ تِلْكَ الْمَعَانِي.
فَإِنَّ نَقْلَهَا وَالِاتِّفَاقَ عَلَيْهَا أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْأَلْفَاظِ فَكَانَ الدِّينُ الظَّاهِرُ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِمَّا نَقَلُوهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَحْرِيفٌ وَلَا تَبْدِيلٌ لَا لِلَّفْظِ وَلَا لِلْمَعْنَى بِخِلَافِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَإِنَّ مِنْ أَلْفَاظِهَا مَا بَدَّلَ مَعَانِيَهُ وَأَحْكَامَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَوْ مَجْمُوعُهُمَا تَبْدِيلًا ظَاهِرًا مَشْهُورًا فِي عَامَّتِهِمْ كَمَا
[ ٣ / ١٧ ]
بَدَّلَتِ الْيَهُودُ مَا فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ الْبِشَارَةِ بِالْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الشَّرَائِعِ وَأَمْرِهِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ.
وَكَمَا بَدَّلَتِ النَّصَارَى كَثِيرًا مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ وَالنُّبُوَّاتِ مِنَ الْأَخْبَارِ وَمِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي لَمْ يُغَيِّرْهَا الْمَسِيحُ، فَإِنَّ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ مِنَ التَّوْرَاةِ يَجِبُ اتِّبَاعُ الْمَسِيحِ فِيهِ.
وَأَمَّا مَا بُدِّلَ بَعْدَ الْمَسِيحِ مِثْلُ اسْتِحْلَالِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلَمْ يُبِحْهُ الْمَسِيحُ وَمِثْلُ إِسْقَاطِ الْخِتَانِ وَمِثْلُ الصَّلَاةِ إِلَى الْمَشْرِقِ (وَزِيَادَةِ الصَّوْمِ وَنَقْلِهِ مِنْ زَمَانٍ إِلَى زَمَانٍ) وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِي الْكَنَائِسِ وَتَعْظِيمِ الصَّلِيبِ وَاتِّبَاعِ الرَّهْبَانِيَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا شَرَائِعُ لَمْ يَشْرَعْهَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا الْمَسِيحُ، وَلَا غَيْرُهُ خَالَفُوا بِهَا شَرْعَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرَعَهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ - لِلْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ - أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - كَانَ يَقُولُ إِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُهُ وَأَنَّهُ مُبَلِّغٌ لَهُ عَنِ اللَّهِ وَكَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا.
فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَ أُمَّتَهُ الْكِتَابَ
[ ٣ / ١٨ ]
وَالْحِكْمَةَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: عَنِ الْخَلِيلِ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ.
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] (١٢٨) ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
[ ٣ / ١٩ ]
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» فَكَانَ يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ الْكِتَابَ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُهُ وَهُوَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وَهُوَ الَّذِي شَرَّعَ لِأُمَّتِهِ أَنْ تَقْرَأَهُ فِي صَلَاتِهِمْ فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ إِلَّا بِهِ وَعَلَّمَهُمْ مَعَ ذَلِكَ الْحِكْمَةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقُرْآنِ مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الَّذِي يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ دُونَهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيَّةَ مُنَزَّلَةٌ عَلَى تَرْتِيبِ الْآيَاتِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَهَا بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ يَجُوزُ تَفْسِيرُهَا بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَتَرْجَمَتُهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا تِلَاوَتُهَا بِالْعَرَبِيِّ بِغَيْرِ لَفْظِهَا، فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا عَلَّمَهُمْ مِنَ الْحِكْمَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ حُكْمُ أَلْفَاظِهَا حُكْمَ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ
[ ٣ / ٢٠ ]
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا طَاهِرٌ، وَلَا يَقْرَأُهُ الْجُنُبُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أُمَّتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
وَالْقُرْآنُ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ مِنْهُ حِفْظًا فِي حَيَاتِهِ، وَحَفِظَ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ فِي حَيَاتِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا مَنْ حَفِظَ بَعْضَهُ وَكَانَ يَحْفَظُ بَعْضُهُمْ مَا لَا يَحْفَظُهُ الْآخَرُ فَهُوَ جَمِيعُهُ مَنْقُولٌ سَمَاعًا مِنْهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَهُوَ يَقُولُ إِنَّهُ مُبَلِّغٌ لَهُ عَنِ اللَّهِ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُهُ.
وَفِي الْقُرْآنِ - مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ - نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ وَكَانَ الَّذِينَ رَأَوْا مُحَمَّدًا - ﷺ - وَنَقَلُوا مَا عَايَنُوهُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرِيعَتِهِ وَمَا سَمِعُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَحَدِيثِهِ أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ رَأَوْهُ وَآمَنُوا بِهِ.
وَأَمَّا الْأَنَاجِيلُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى: فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنَاجِيلَ إِنْجِيلُ مَتَّى وَيُوحَنَّا
[ ٣ / ٢١ ]
وَلُوقَا وَمُرْقُسَ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ لُوقَا وَمُرْقُسَ لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ، وَإِنَّمَا رَآهُ مَتَّى وَيُوحَنَّا، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْإِنْجِيلَ، وَقَدْ يُسَمُّونَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِنْجِيلًا، إِنَّمَا كَتَبَهَا هَؤُلَاءِ بَعْدَ أَنْ رُفِعَ الْمَسِيحُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا أَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا أَنَّ الْمَسِيحَ، بَلَّغَهَا عَنِ اللَّهِ، بَلْ نَقَلُوا فِيهَا أَشْيَاءَ مِنْ كَلَامِ الْمَسِيحِ، وَأَشْيَاءَ مِنْ أَفْعَالِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُلُوا كُلَّ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ وَرَأَوْهُ فَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ مَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الَّتِي لَيْسَتْ قُرْآنًا.
فَالْأَنَاجِيلُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ شِبْهُ كِتَابِ السِّيرَةِ وَكُتُبِ الْحَدِيثِ أَوْ مِثْلُ هَذِهِ الْكُتُبِ وَإِنْ كَانَ غَالِبُهَا صَحِيحًا.
وَمَا قَالَهُ - ﵇ - فَهُوَ مُبَلِّغٌ لَهُ عَنِ اللَّهِ يَجِبُ فِيهِ تَصْدِيقُ خَبَرِهِ وَطَاعَةُ أَمْرِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّسُولُ مِنَ السُّنَّةِ فَهُوَ يُشْبِهُ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ مِنَ السُّنَّةِ فَإِنَّ مِنْهَا مَا يَذْكُرُ الرَّسُولُ أَنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ كَقَوْلِهِ.
يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُ بِالْحَرْبِ» وَنَحْوُ ذَلِكَ
[ ٣ / ٢٢ ]
وَمِنْهَا مَا يَقُولُهُ هُوَ وَلَكِنْ هُوَ أَيْضًا مِمَّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَمَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَهَكَذَا مَا يُنْقَلُ فِي الْإِنْجِيلِ وَهُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَإِنَّهُ كَانَ أَمْرًا مِنَ الْمَسِيحِ فَأَمْرُ الْمَسِيحِ أَمْرُ اللَّهِ وَمَنْ أَطَاعَ الْمَسِيحَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ.
وَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَسِيحُ عَنِ الْغَيْبِ فَاللَّهُ أَخْبَرَهُ بِهِ فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ أَنْ يَكْذِبَ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْإِنْجِيلُ يُشْبِهُ السُّنَّةَ الْمُنَزَّلَةَ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا غَلَطٌ كَمَا يَقَعُ فِي كُتُبِ السِّيرَةِ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، ثُمَّ هَذِهِ الْكُتُبُ قَدِ اشْتُهِرَتْ وَاسْتَفَاضَتْ بَيْنَ
[ ٣ / ٢٣ ]
الْمُسْلِمِينَ (فَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا - بَعْدَ اشْتِهَارِهَا وَكَثْرَةِ النُّسَخِ بِهَا - أَنْ يُبَدِّلَهَا كُلَّهَا.
لَكِنْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا غَلَطٌ وَقَعَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تُشْتَهَرَ، فَإِنَّ الْمُحَدِّثَ - وَإِنْ كَانَ عَدْلًا - فَقَدْ يَغْلَطُ) لَكِنْ مَا تَلَقَّاهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْعَمَلِ مِنَ الْأَخْبَارِ فَهُوَ مِمَّا يَجْزِمُ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ بِصِدْقِهِ عَنْ نَبِيِّهِمْ.
هَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ وَعَامَّةِ الطَّوَائِفِ كَجُمْهُورِ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْكِلَابِيَّةِ وَالْكَرَامِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ ظَنَّ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِصِدْقِهَا لِكَوْنِ الْوَاحِدِ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَكْذِبُ، وَهَذَا الظَّنُّ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ فِي الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ صِدْقُهُ وَضَبْطُهُ
[ ٣ / ٢٤ ]
أَمَّا إِذَا عُرِفَ صِدْقُهُ وَضَبْطُهُ، إِمَّا بِالْمُعْجِزَاتِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَإِمَّا بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ لَهُ فِيمَا يَقُولُ وَإِمَّا بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ عَلَى صِدْقِهِ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِهِ، أَوِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى قَبُولِ خَبَرِهِ وَإِقْرَارِهِ، وَذَكَرَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، أَوْ ظُهُورِ دَلَائِلَ وَشَوَاهِدَ وَقَرَائِنَ احْتَفَّتْ بِخَبَرِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى صِدْقِ الْمُخْبِرِ، فَهَذِهِ يَجِبُ مَعَهَا الْحُكْمُ بِصِدْقِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَمْ يَغْلَطْ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ لَوْ تَجَرَّدَ عَنْ تِلْكَ الدَّلَائِلِ أَمْكَنَ كَذِبُهُ أَوْ غَلَطُهُ كَمَا أَنَّ الْخَبَرَ الْمُجَرَّدَ لَا يُجْزَمُ بِكَذِبِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِمَّا قِيَامِ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ قَاطِعٍ أَوْ سَمْعِيٍّ قَاطِعٍ عَلَى أَنَّهُ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ فَيُجْزَمُ بِبُطْلَانِ خَبَرِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُخْبِرُ إِمَّا كَاذِبًا أَوْ غَالِطًا، وَقَدْ يُعْلَمُ أَحَدُهُمَا بِدَلِيلٍ.
فَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ نَبِيِّهِمْ مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ وَمَا اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ الْمَعْصُومَةُ عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَمَا قَامَتْ دَلَائِلُ صِدْقِهِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ مِثْلُ: أَنْ يُخْبِرَ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ كَثِيرٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ بِخَبَرٍ يَقُولُونَ إِنَّ أُولَئِكَ عَايَنُوهُ وَشَاهَدُوهُ فَيُقِرُّونَهُمْ عَلَى هَذَا وَلَا يُكَذِّبُ بِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَيُعْلَمُ بِالْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا لَامْتَنَعَ اتِّفَاقُ أَهْلِ التَّوَاتُرِ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ تَكْذِيبِهِ كَمَا يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ.
وَإِذَا نَقَلَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ مَا تُوجِبُ الْعَادَةُ اشْتِهَارَهُ وَظُهُورَهُ وَلَمْ يَظْهَرْ، وَنَقَلُوهُ مُسْتَخْفِينَ بِنَقْلِهِ لَمْ يَنْقُلُوهُ عَلَى رُءُوسِ الْجُمْهُورِ، عُلِمَ أَنَّهُمْ كَذَبُوا فِيهِ.
[ ٣ / ٢٥ ]
وَدَلَائِلُ صِدْقِ الْمُخْبِرِ وَكَذِبِهِ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَعِنْدَهُمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةَ الصِّدْقِ بِطُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ كَتَصْدِيقِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ وَدَلَالَةِ الْعَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُمْ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ فِي صُدُورِهِمْ لَا يَحْتَاجُونَ فِي حِفْظِهِ إِلَى كِتَابٍ مَسْطُورٍ، فَلَوْ عُدِمَتِ الْمَصَاحِفُ مِنَ الْأَرْضِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيمَا حَفِظُوهُ.
بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَوْ عُدِمَتْ نُسَخُ الْكُتُبِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ بِهِ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ بِأَلْفَاظِهَا إِذْ لَا يَحْفَظُهَا - إِنْ حَفِظَهَا - إِلَّا قَلِيلٌ لَا يُوثَقُ بِحِفْظِهِمْ فَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ بَعْدَ انْقِطَاعِ النُّبُوَّةِ عَنْهُمْ يَقَعُ فِيهِمْ مِنْ تَبْدِيلِ الْكُتُبِ إِمَّا تَبْدِيلِ بَعْضِ أَحْكَامِهَا وَمَعَانِيهَا، وَإِمَّا تَبْدِيلِ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا مَا لَمْ يَقُومُوا بِتَقْوِيمِهِ.
وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ فِيهِمِ الْإِسْنَادُ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا لَهُمْ كَلَامٌ فِي نَقَلَةِ الْعِلْمِ وَتَعْدِيلِهِمْ وَجَرْحِهِمْ وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِ نَقَلَةِ الْعِلْمِ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا قَامَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ، بَلْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى الْخَطَأِ لَمَّا كَذَّبُوا الْمَسِيحَ.
ثُمَّ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا - ﷺ - فَإِذَا كَانَتِ الْكُتُبُ الْمَنْقُولَةُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جِنْسِ الْكُتُبِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَلَمْ تَكُنْ مُتَوَاتِرَةً عَنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ تَصْدِيقُ غَيْرِ الْمَعْصُومِ حُجَّةً لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ
[ ٣ / ٢٦ ]
الْعِلْمِ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
فَهَذِهِ الْأَنَاجِيلُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فِيهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنْ أَقْوَالِ الْمَسِيحِ وَأَفْعَالِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ وَفِيهَا مَا هُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِ، بِلَا شَكٍّ، وَالَّذِي كَتَبَهَا فِي الْأَوَّلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ فَإِنَّ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ لَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ مِنْهُمْ لَا سِيَّمَا مَا سَمِعَهُ الْإِنْسَانُ وَرَآهُ ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّ الْغَلَطَ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أُمَّةٌ مَعْصُومَةٌ يَكُونُ تَلَقِّيهَا لَهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِهَا لِئَلَّا تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ الْمَعْصُومَةُ عَلَى الْخَطَأِ وَالْحَوَارِيُّونَ كُلُّهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
وَقِصَّةُ الصَّلْبِ مِمَّا وَقَعَ فِيهَا الِاشْتِبَاهُ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَصْلُوبَ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَسِيحَ - ﵇ -، بَلْ شَبَهَهُ وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ الْمَسِيحُ وَالْحَوَارِيُّونَ لَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْمَسِيحَ مَصْلُوبًا، بَلْ أَخْبَرَهُمْ بِصَلْبِهِ بَعْضُ مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ مِنَ الْيَهُودِ.
(فَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُونَ: إِنَّ أُولَئِكَ تَعَمَّدُوا الْكَذِبَ وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] عَنْ أُولَئِكَ، وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي (شُبِّهَ
[ ٣ / ٢٧ ]
لَهُمْ) عَنِ السَّامِعِينَ لِخَبَرِ أُولَئِكَ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَغْلَطُوا فِي هَذَا، وَلَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ فِي نَقْلِهِ جَازَ أَنْ يَغْلَطُوا فِي بَعْضِ مَا يَنْقُلُونَهُ عَنْهُ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَقْدَحُ فِي رِسَالَةِ الْمَسِيحِ، وَلَا فِيمَا تَوَاتَرَ نَقْلُهُ عَنْهُ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، سَوَاءٌ صُلِبَ أَوْ لَمْ يُصْلَبْ، وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، سَوَاءٌ صُلِبَ أَوْ لَمْ يُصْلَبْ.
وَالْحَوَارِيُّونَ مُصَدَّقُونَ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْهُ لَا يُتَّهَمُونَ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ لَكِنْ إِذَا غَلِطَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ مَا يَنْقُلُهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْلُومًا لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الَّذِي غَلِطَ فِيهِ مِمَّا تَبَيَّنَ غَلَطُهُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّصَارَى فِي عَامَّةِ مَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ حَتَّى فِي الصَّلْبِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْمَصْلُوبُ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحَ، بَلِ الشَّبَهَ كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ وَيُنْكِرُ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ كَالْأَرْيُوسِيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الِاتِّحَادَ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْحُلُولِ كَالنَّسْطُورِيَّةِ
[ ٣ / ٢٨ ]
وَأَمَّا الشَّرَائِعُ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا فَعُلَمَاؤُهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَكْثَرَهَا لَيْسَ عَنِ الْمَسِيحِ - ﵇ - فَالْمَسِيحُ لَمْ يَشْرَعْ لَهُمُ الصَّلَاةَ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَلَا الصِّيَامَ الْخَمْسِينَ وَلَا جَعَلَهُ فِي زَمَنِ الرَّبِيعِ، وَلَا عِيدَ الْمِيلَادِ وَالْغِطَاسِ، وَعِيدَ الصَّلِيبِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ
[ ٣ / ٢٩ ]
أَعْيَادِهِمْ، بَلْ أَكْثَرُ ذَلِكَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ بَعْدَ الْحَوَارِيِّينَ، مِثْلَ عِيدِ الصَّلِيبِ فَإِنَّهُ مِمَّا ابْتَدَعَتْهُ هِيلَانَةُ الْحَرَّانِيَّةُ أُمُّ قُسْطَنْطِينَ وَفِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَالْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ فَابْتَدَعُوا الْأَمَانَةَ الَّتِي هِيَ عَقِيدَةُ إِيمَانِهِمْ وَهِيَ عَقِيدَةٌ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُمْ، وَلَا هِيَ مَنْقُولَةٌ عَنْ أَحَدِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ صَحِبُوا الْمَسِيحَ،، بَلِ ابْتَدَعَهَا لَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَكَابِرِهِمْ قَالُوا كَانُوا ثَلَاثَ مِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
وَاسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إِلَى أَلْفَاظٍ مُتَشَابِهَةٍ فِي الْكُتُبِ وَفِي الْكُتُبِ أَلْفَاظٌ مُحْكَمَةٌ تُنَاقِضُ مَا ذَكَرُوهُ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ شَرَائِعِهِمُ الَّتِي وَضَعُوهَا فِي كِتَابِ " الْقَانُونِ " بَعْضُهَا مَنْقُولٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَعْضُهَا مَنْقُولٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَكَثِيرٌ مِنْهَا مِمَّا ابْتَدَعُوهُ لَيْسَتْ مَنْقُولَةً عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَهُمْ يُجَوِّزُونَ لِأَكَابِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنْ يُغَيِّرُوا مَا رَأَوْهُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَيَضَعُوا شَرْعًا جَدِيدًا فَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ شَرْعِهِمْ مُبْتَدَعًا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ كِتَابٌ وَلَا شَرَعَهُ نَبِيٌّ.
[ ٣ / ٣٠ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِمْ كَيْفَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ كُتُبِنَا الَّتِي هِيَ مَكْتُوبَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَيْفَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ كُتُبِنَا الَّتِي هِيَ مَكْتُوبَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَفِي كُلِّ لِسَانٍ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا أَلْفِ مُصْحَفٍ وَمَضَى عَلَيْهَا إِلَى مَجِيءِ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ؟
فَيُقَالُ: أَمَّا بَعْدَ انْتِشَارِهَا هَذَا الِانْتِشَارَ فَلَمْ يَقُلِ الْمُسْلِمُونَ، بَلْ وَلَا طَائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْهُمْ إِنَّ أَلْفَاظَ جَمِيعِ كُلِّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ غُيِّرَتْ لَكِنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ فِي أَلْفَاظِهَا مَا غُيِّرَ إِنَّمَا يَدَّعُونَ تَغْيِيرَ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا قَبْلَ الْمَبْعَثِ، أَوْ تَغْيِيرَ بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ لَا تَغْيِيرَ جَمِيعِ النُّسَخِ فَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ إِنَّ ذَلِكَ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ إِنَّ مِنْهَا مَا غُيِّرَ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَلَا يَقُولُونَ إِنَّهُ غُيِّرَ كُلُّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ، بَلْ يَقُولُونَ غُيِّرَ بَعْضُ النُّسَخِ دُونَ الْبَعْضِ وَظَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ النُّسَخُ الْمُبَدَّلَةُ دُونَ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ.
وَالنُّسَخُ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ
[ ٣ / ٣١ ]
نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِكُلِّ لِسَانٍ مُطَابِقٌ لَفْظُهَا سَائِرَ النُّسَخِ بِسَائِرِ الْأَلْسِنَةِ إِلَّا مَنْ أَحَاطَ عِلْمًا بِذَلِكَ وَهُمْ قَدْ سَلَّمُوا أَنَّ أَحَدًا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَنْ ذَكَرَ أَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا أُخِذَتِ الْأَنَاجِيلُ عَنْ أَرْبَعَةٍ، اثْنَانِ مِنْهُمْ لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ، بَلْ إِنَّمَا رَآهُ اثْنَانِ مِنْ نَقَلَةِ الْإِنْجِيلِ مَتَّى وَيُوحَنَّا.
وَمَعْلُومٌ إِمْكَانُ التَّغَيُّرِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهَا مَكْتُوبَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا فَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِالْعِبْرِيَّةِ كَسَائِرِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّهُ كَانَ مَخْتُونًا خُتِنَ بَعْدَ السَّابِعِ كَمَا يَخْتِنُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى قِبْلَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي إِلَى الشَّرْقِ وَلَا أَمَرَ بِالصَّلَاةِ إِلَى الشَّرْقِ.
وَمَنْ قَالَ إِنَّ لِسَانَهُ كَانَ سُرْيَانِيًّا كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ فَهُوَ غَالِطٌ فَالْكَلَامُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي الْأَنَاجِيلِ إِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ عِبْرِيًّا ثُمَّ تُرْجِمَ مِنْ تِلْكَ اللُّغَةِ إِلَى غَيْرِهَا.
وَالتَّرْجَمَةُ يَقَعُ فِيهَا الْغَلَطُ كَثِيرًا كَمَا وَجَدْنَا فِي زَمَانِنَا مَنْ يُتَرْجِمُ التَّوْرَاةَ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ وَيَظْهَرُ فِي التَّرْجَمَةِ مِنَ الْغَلَطِ مَا يَشْهَدُ بِهِ الْحُذَّاقُ الصَّادِقُونَ مِمَّنْ يَعْرِفُ اللُّغَتَيْنِ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ إِنَّمَا كُتِبَتْ بِأَرْبَعِ لُغَاتٍ: (بِالْعِبْرِيَّةِ
[ ٣ / ٣٢ ]
وَالرُّومِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ) .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهَا كُتِبَتْ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لُغَةً، فَهَذَا إِنْ كَانَ صَحِيحًا فَإِنَّمَا كُتِبَتْ بَعْدَ أَنْ كُتِبَتْ تِلْكَ الْأَرْبَعَةُ فَإِذَا كَانَ الْغَلَطُ وَقَعَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ، لَمْ يَرْفَعْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كِتَابَتُهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لُغَةً، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَقُولُونَ: إِنَّهَا كُتِبَتْ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لُغَةً غُيِّرَ لَفْظُهَا فِي جَمِيعِ الْأَلْسُنِ (لِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لُغَةً فِي كُلِّ نُسْخَةٍ مِنْ ذَلِكَ) .
وَإِنَّمَا يُقَالُ التَّغْيِيرُ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ فِي سَائِرِ مَا وَرَدَ
[ ٣ / ٣٣ ]
عَنِ الْمَسِيحِ وَمُوسَى (وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ - مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَأَحَادِيثِ السُّنَنِ، وَالْمَسَانِدِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِنَّ فِي الْعَالَمِ بِكُلِّ كِتَابٍ مِنْهَا نُسَخٌ كَثِيرَةٌ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُغَيَّرَ مِنْهَا فَصْلٌ طَوِيلٌ، وَلَكِنْ فِي نَفْسِ السِّيرَةِ وَقَعَ غَلَطٌ فِي مَوَاضِعَ وَأَحَادِيثَ وَقَعَتْ فِي السُّنَنِ هِيَ غَلَطٌ فِي الْأَصْلِ (فَاشْتِهَارُ النُّسَخِ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْغَلَطِ فِي الْأَصْلِ) وَهَذِهِ كُتُبُ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالدَّقَائِقِ، مَا مِنْ كِتَابٍ إِلَّا وَبِهِ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ فِي الْعَالَمِ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُ فَصْلٍ طَوِيلٍ مِنْهَا وَفِيهَا أَحَادِيثُ غَلَطٌ فِي الْأَصْلِ.
وَالْأَنَاجِيلُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى تُشْبِهُ هَذَا، وَلِهَذَا أُمِرُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا فِيهَا فَإِنَّ فِيهَا أَحْكَامَ اللَّهِ وَعَامَّةُ مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ لَمْ يُبَدَّلْ لَفْظُهُ وَإِنَّمَا بُدِّلَتْ بَعْضُ أَلْفَاظِ الْخَبَرِيَّاتِ وَبَعْضُ مَعَانِي الْأَمْرِيَّاتِ كَمَا نُؤْمَرُ نَحْنُ أَنْ نَعْمَلَ بِأَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اعْتَنَوْا بِضَبْطِهَا أَكْثَرَ مِنَ اعْتِنَائِهِمْ بِضَبْطِ الْخَبَرِيَّاتِ كَأَحَادِيثِ الزُّهْدِ وَالْقِصَصِ وَالْفَضَائِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِذْ حَاجَةُ الْأُمَمِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَكْثَرُ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى مَعْرِفَةِ التَّفَاصِيلِ بِالْخَبَرِيَّاتِ الَّتِي يُكْتَفَى بِالْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ بِهَا.
وَأَمَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَلَابُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، إِذِ الْعَمَلُ بِالْمَأْمُورِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُفَصَّلًا، وَالْمَحْظُورُ الَّذِي يَجِبُ اجْتِنَابُهُ لَابُدَّ أَنْ يُمَيَّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ٣٤ ]
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] .
وَالنَّصَارَى لَا يَحْتَاجُونَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ إِلَى هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِشَرْعٍ مَنْقُولٍ عَنِ الْمَسِيحِ - ﵇ - وَعِنْدَهُمْ لِأَكَابِرِهِمْ أَنْ يَشْرَعُوا دِينًا لَمْ يَشْرَعْهُ الْمَسِيحُ، وَيَقُولُونَ: مَا شَرَعَهُ هَؤُلَاءِ فَقَدْ شَرَعَهُ الْمَسِيحُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِنَايَةٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ بِشَرْعِ الْمَسِيحِ، كَمَا لِلْمُسْلِمِينَ عِنَايَةٌ وَمَعْرِفَةٌ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
[ ٣ / ٣٥ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّوْرَاةَ أُخِذَتْ عَنِ الْعُزَيْرِ وَهُوَ نَبِيٌّ مَعْصُومٌ]
وَأَمَّا التَّوْرَاةُ فَمِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خُرِّبَ الْخَرَابَ الْأَوَّلَ وَجَلَا أَهْلُهُ مِنْهُ وَسُبُوا وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِنَ التَّوْرَاةِ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ ظَاهِرَةٌ، بَلْ إِنَّمَا أُخِذَتْ عَنْ نَفَرٍ قَلِيلٍ.
كَمَا يَقُولُونَ إِنَّ عُزَيْرًا أَمْلَاهَا وَأَنَّهُمْ وَجَدُوا نُسْخَةً أُخْرَى فَقَابَلُوهَا بِهَا وَالْمُقَابَلَةُ تَحْصُلُ بِاثْنَيْنِ وَقَدْ يَغْلَطُ أَحَدُهُمَا وَهُمْ يَذْكُرُونَ
[ ٣ / ٣٦ ]
أَنَّ مِنَ الْمُلُوكِ مَنْ أَمَرَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ حَبْرًا مِنْهُمْ بِنَقْلِهَا وَاعْتَبَرَ بَعْضَ تِلْكَ النُّسَخِ بِبَعْضٍ وَهَذَا إِذَا كَانَ صِدْقًا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْغَلَطُ وَقَعَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنْ نَبِيٍّ مَعْصُومٍ أَوْ أَقَرَّ جَمِيعَ أَلْفَاظِهَا نَبِيٌّ مَعْصُومٌ.
فَمَا قَالَهُ الْمَعْصُومُ فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ فَهُوَ حَقٌّ.
وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ إِنَّهُ وَقَعَ التَّغْيِيرُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَقُولُونَ لَمْ تُؤْخَذْ عَنْ نَبِيٍّ مَعْصُومٍ وَلَا نُقِلَتْ بِالتَّوَاتُرِ.
وَمَنْ نَازَعَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ يَقُولُونَ: أُخِذَتْ عَنِ الْعُزَيْرِ، وَهُوَ نَبِيٌّ مَعْصُومٌ وَهَذَا مِمَّا يَحْتَاجُ الْمُثْبِتُ فِيهِ وَالنَّافِي إِلَى تَحْقِيقِهِ.
وَإِذَا قَالَتِ النَّصَارَى فَالْمَسِيحُ - ﵇ - أَقَرَّهَا قِيلَ الْمَسِيحُ - ﵇ - لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُلْزِمَهُمْ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ فَكَيْفَ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُغَيِّرَ نُسَخَ التَّوْرَاةِ الَّتِي عِنْدَهُمْ مَعَ كَثْرَتِهَا وَهُمْ قَدْ طَلَبُوا قَتْلَهُ وَصَلْبَهُ لِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ وَصَلَبُوا شَبِيهَهُ كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ صَلَبُوهُ نَفْسَهُ (كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى)، فَكَيْفَ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصْلِحَ مَا غُيِّرَ مِنْهَا؟
وَأَمَّا مَنْ بَعْدَ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ مَعْصُومًا وَالْمَسِيحُ غَيَّرَ بَعْضَ
[ ٣ / ٣٧ ]
أَحْكَامِهَا وَأَقَرَّ أَكْثَرَهَا، وَالْأَحْكَامُ إِنَّمَا يَدَّعِي الْمُسْلِمُونَ فِيهَا النَّسْخَ وَتَبْدِيلَهَا بِالِاعْتِقَادِ بِخِلَافِ مُوجِبِهَا وَالْعَمَلِ بِذَلِكَ، لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دَعْوَى تَبْدِيلِ أَلْفَاظِهَا، كَمَا بَدَّلُوا شَرِيعَةَ الرَّجْمِ بِغَيْرِهَا وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ.
بِخِلَافِ الْخَبَرِيَّاتِ فَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا.
وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ الْمَنْقُولَةُ عَنِ الِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ نَبِيًّا فَهَذِهِ لَا تُعْلَمُ مِنْهَا نُبُوَّةٌ وَاحِدَةٌ تَوَاتَرَتْ جَمِيعُ أَلْفَاظِهَا، بَلْ أَحْسَنُ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْجِيلِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يُنْقَلُ مِنْ أَقْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيَرِهِمْ كَسِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَوْ بَعْضِ كُتُبِ الْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ الَّتِي يَنْقُلُ فِيهَا مَا يَنْقُلُهُ النَّاقِلُونَ مِنْ أَقْوَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَفْعَالِهِ، وَأَكْثَرُهُ صِدْقٌ، وَبَعْضُهُ غَلَطٌ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ حَفِظَ اللَّهُ لَهَا مَا أَنْزَلَهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ٣٨ ]
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
فَمَا فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ أَوْ نَقْلِ الْحَدِيثِ أَوْ تَفْسِيرِهِ مِنْ غَلَطٍ فَإِنَّ اللَّهَ يُقِيمُ لَهُ مِنَ الْأُمَّةِ مَنْ يُبَيِّنُهُ وَيَذْكُرُ الدَّلِيلَ عَلَى غَلَطِ الْغَالِطِ وَكَذِبِ الْكَاذِبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا يَزَالُ فِيهَا طَائِفَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ إِذْ كَانُوا آخِرَ الْأُمَمِ فَلَا نَبِيَّ - بَعْدَ نَبِيِّهِمْ - بَعْدَهُمْ وَلَا كِتَابَ بَعْدَ كِتَابِهِمْ.
وَكَانَتِ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ إِذَا بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا يُبَيِّنُ لَهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - نَبِيٌّ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ أَنْ يَحْفَظَ مَا أَنْزَلَهُ مِنَ الذِّكْرِ وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، بَلْ أَقَامَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مَنْ يَحْفَظُ بِهِ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ وَيَنْفِي بِهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُضِلِّينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ.
[ ٣ / ٣٩ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ]
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَانَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا أَلْفَاظٌ صَرِيحَةٌ بِأُمُورٍ.
مِنْهَا اسْمُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَأَنَّهُ عَمَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَغَيَّرُوا بَعْضَ الْأَلْفَاظِ فِي النُّسَخِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ.
لَا يَقُولُونَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ غَيَّرُوا كُلَّ نُسْخَةٍ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَكِنْ غَيَّرُوا بَعْضَ أَلْفَاظِ النُّسَخِ وَكَتَبَ النَّاسُ مِنْ تِلْكَ النُّسَخِ الْمُغَيَّرَةِ نُسَخًا كَثِيرَةً انْتَشَرَتْ فَصَارَ أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ هُوَ مِنْ تِلْكَ النُّسَخِ الْمُغَيَّرَةِ.
وَفِي الْعَالَمِ نُسَخٌ أُخْرَى لَمْ تُغَيَّرْ فَذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ رَآهَا وَقَرَأَهَا وَفِي تِلْكَ النُّسَخِ مَا لَيْسَ فِي النُّسَخِ الْأُخْرَى وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ إِذَا أَخَذْتَ نُسَخَ التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالسَّامِرَةِ وَجَدْتَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَكَذَلِكَ نُسَخُ الْإِنْجِيلِ، وَكَذَلِكَ نُسَخُ الزَّبُورِ مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بِحَيْثُ لَا يَعْقِلُ الْعَاقِلُ أَنَّ جَمِيعَ نُسَخِ التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى لَفْظٍ
[ ٣ / ٤٠ ]
وَاحِدٍ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَ نُسَخِ الْإِنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَ نُسَخِ الزَّبُورِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ النُّبُوَّاتِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَهْلَ الْكِتَابِ إِقَامَةُ حُجَّةٍ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ النُّسَخِ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ فِي زَوَايَا الْأَرْضِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ مِنْ جَمِيعِ النُّبُوَّاتِ وَالْحُجَّةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا عَلَى تَعَذُّرِ تَغْيِيرِهَا كُلِّهَا تَدُلُّ عَلَى تَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِتَسَاوِيهَا كُلِّهَا.
فَإِذَا قَالُوا: فَمَنْ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، وَمَنْ هُوَ الَّذِي حَكَمَ عَلَى الدُّنْيَا كُلِّهَا مُلُوكِهَا وَقَسَاوِسَتِهَا وَعُلَمَائِهَا حَتَّى حَكَمَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بِأَقْطَارِ الْأَرْضِ وَجَمَعَهَا مِنْ أَرْبَعِ زَوَايَا الْأَرْضِ (حَتَّى يُغَيِّرَهَا.
قِيلَ لَهُمْ: وَمَنِ الَّذِي يَعْلَمُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لُغَةً وَمَنْ هُوَ الَّذِي حَكَمَ عَلَى الدُّنْيَا مُلُوكِهَا وَقَسَاوِسَتِهَا وَعُلَمَائِهَا حَتَّى حَكَمَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بِأَقْطَارِ الْأَرْضِ وَجَمَعَهَا مِنْ أَرْبَعِ زَوَايَا الْأَرْضِ) وَأَحْضَرَ كُلَّ نُسْخَةٍ مَوْجُودَةٍ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ وَقَابَلَ كُلَّ نُسْخَةٍ (مَوْجُودَةٍ فِي جَمِيعِ الْأَرْض) بِجَمِيعِ النُّسَخِ فَوَجَدَ جَمِيعَ أَلْفَاظِ جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لَفْظًا مُتَّفِقًا، لَمْ يَخْتَلِفْ أَلْفَاظُهَا.
فَإِنَّ دَعْوَى الْعِلْمِ بِهَذَا مُمْتَنِعٌ أَعْظَمُ مِنَ امْتِنَاعِ دَعْوَى تَغْيِيرِهَا، فَإِنَّهُ
[ ٣ / ٤١ ]
إِنْ أَمْكَنَ أَحَدًا أَنْ يَجْمَعَ جَمِيعَ النُّسَخِ كَانَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا كُلِّهَا أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ مُقَابَلَةِ كُلِّ مَا فِي نُسْخَةٍ بِجَمِيعِ مَا فِي سَائِرِ النُّسَخِ.
فَإِنَّا إِذَا أَحْضَرْنَا بِكِتَابٍ مِنَ الْكُتُبِ عَشْرَ نُسَخٍ كَانَ تَغْيِيرُ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْعَشْرَةِ أَيْسَرَ عَلَيْنَا مِنْ مُقَابَلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشْرَةِ بِالتِّسْعَةِ الْبَاقِيَةِ إِذِ الْمُقَابَلَةُ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ أَلْفَاظِ كُلِّ نُسْخَةٍ وَمُسَاوَاتِهَا لِلْأُخْرَى.
وَأَمَّا التَّغْيِيرُ فَيَكْفِي فِيهِ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ كُلِّ نُسْخَةٍ مَا يُغَيِّرُهُ مِنَ الْأُخْرَى فَإِنْ كَانَ تَغْيِيرُ جَمِيعِ النُّسَخِ مُمْتَنِعًا فِي الْعَادَةِ فَالْعِلْمُ بِاتِّفَاقِهَا أَشَدُّ امْتِنَاعًا، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بِاتِّفَاقِهَا مُمْكِنًا، فَإِمْكَانُ تَغْيِيرِ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا أَيْسَرُ وَأَيْسَرُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُهَا وَتُرِكَ بَعْضُهَا، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهَا كُلَّهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ وَلَفْظٌ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَلْسُنِ.
فَيُقَالُ: أَمَّا إِمْكَانُ قَوْلِ هَذَا فَظَاهِرٌ لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ، وَهُوَ وَاقِعٌ فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا التَّوْرَاةَ الَّتِي عِنْدَ السَّامِرَةِ تُخَالِفُ تَوْرَاةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (حَتَّى فِي الْعَشْرِ الْكَلِمَاتِ.
فَذَكَرَ السَّامِرَةُ فِيهَا مِنْ أَمْرِ اسْتِقْبَالِ الطُّورِ مَا لَا يُوجَدُ فِي نُسَخِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) وَكَذَلِكَ بَيْنَ نُسَخِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اخْتِلَافٌ
[ ٣ / ٤٢ ]
مَعْرُوفٌ وَنُسَخُ الْإِنْجِيلِ مُخْتَلِفَةٌ، وَنُسَخُ الزَّبُورِ مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَقْدِرُ عَاقِلٌ أَنْ يَقُولَ: يَمْتَنِعُ تَغْيِيرُ بَعْضِ النُّسَخِ.
وَلَكِنْ إِذَا قَالُوا لَمْ يُغَيَّرْ شَيْءٌ مِنْهَا لِأَنَّ جَمِيعَهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ وَلَفْظٌ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَلْسُنِ كَانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى بَاطِلَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَعْوَى الْعِلْمِ بِتَسَاوِي جَمِيعِ النُّسَخِ أَبْلَغُ مِنْ دَعْوَى إِمْكَانِ تَغْيِيرِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّغْيِيرُ مُمْتَنِعًا عَلَى جَمِيعِهَا كَانَ عِلْمُ الْوَاحِدِ بِمَا فِي جَمِيعِهَا - وَأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةُ الْأَلْفَاظِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَلْسُنِ - أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا دَعْوَى خِلَافِ الْوَاقِعِ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ مَوْجُودٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ نَحْنُ بِأَعْيُنِنَا، وَرَآهُ غَيْرُنَا، فَرَأَيْتُ عِدَّةَ نُسَخٍ بِالزَّبُورِ يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَرَأَيْنَا بَعْضَ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ الَّتِي يَنْقُلُهَا هَذِهِ الطَّائِفَةُ وَهِيَ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهَا هِيَ التَّوْرَاةُ الصَّحِيحَةُ الْمَنْقُولَةُ عِنْدَهُمْ بِالتَّوَاتُرِ تُخَالِفُ بَعْضَ أَلْفَاظِ تَوْرَاةِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ.
وَبِالْجُمْلَةِ قَوْلُهُمْ: هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ وَلَفْظٌ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَلْسُنِ، تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ:
تَضَمَّنَ دَعْوَى كَاذِبَةً، وَحُجَّةً بَاطِلَةً، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: (هَذَا لَا يُمْكِنُ) مُكَابَرَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّ إِمْكَانَ تَغْيِيرِ بَعْضِ النُّسَخِ مِمَّا لَا يُنَازِعُ عَاقِلٌ فِي إِمْكَانِهِ، لَكِنْ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: إِذَا غُيِّرَ بَعْضُ النُّسَخِ وَأُظْهِرَ ذَلِكَ، شَاعَ
[ ٣ / ٤٣ ]
ذَلِكَ فَرَأَى سَائِرُ أَهْلِ النُّسَخِ تِلْكَ النُّسْخَةَ مُغَايِرَةً لِنُسَخِهِمْ فَأَنْكَرُوهُ، فَإِنَّ الْهِمَمَ وَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ، كَمَا يُوجَدُ الْيَوْمَ مِثْلُ ذَلِكَ لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُغَيِّرَ كِتَابًا مَشْهُورًا عِنْدَ النَّاسِ، بِهِ نُسَخٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِذَا غَيَّرَهُ فَوَصَلَتْ تِلْكَ النُّسْخَةُ إِلَى مَنْ يَعْرِفُ مَا فِي تِلْكَ النُّسَخِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
فَيُقَالُ: هَذَا يُمْكِنُ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ النُّسْخَةُ الْمُغَيَّرَةُ وَصَلَتْ إِلَى طَائِفَةٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ مُوَاطَأَتُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّهُ كَمَا يَمْتَنِعُ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ، فَيَمْتَنِعُ التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِ مَا يَتَعَذَّرُ كِتْمَانُهُ فِي الْعَادَةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَالنُّسَخُ إِنَّمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَيْسَ عَامَّتُهُمْ يَحْفَظُ أَلْفَاظَهَا كَمَا يَحْفَظُ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ فَإِذَا قَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَغْيِيرَ نُسْخَةٍ أَوْ نُسَخٍ عِنْدَهُمْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا تَوَاطَأَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى أَنْ لَا يَذْكُرُوا ذَلِكَ أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَتِ الطَّوَائِفُ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهَا عَلَى الْكَذِبِ أَوِ الْكِتْمَانِ امْتَنَعَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
وَقَدْ رَأَيْنَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ كُتُبًا يَدَّعُونَ أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِيهَا أُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِأَغْرَاضِهِمْ، وَقَدِ الْتَبَسَ أَمْرُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَظَّمُوا مَا فِيهَا وَأَعْطَوْا أَهْلَ الْكِتَابِ مَا كُتِبَ لَهُمْ فِيهَا مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُمْ مُمْتَثِلِينَ مَا فِيهَا
[ ٣ / ٤٤ ]
فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى مَنْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَيَّنُوا كَذِبَهَا بِطُرُقٍ مَعْلُومَةٍ بِالتَّوَاتُرِ، مِثْلَ ذِكْرِهِمْ فِيهَا: شَهِدَ بِمَا فِيهَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْحَبْرُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَعْنُونَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ.
وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ إِنَّمَا أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ مَاتِعٍ، وَلَكِنْ فِي الْأَنْصَارِ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الشَّاعِرُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ فِي سُورَةِ (بَرَاءَةٌ)، فَظَنَّ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ أَنَّ هَذَا هُوَ ذَاكَ.
وَمِثْلُ ذِكْرِهِمْ شَهَادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ذَكَرُوا شَهَادَتَهُ عَامَ خَيْبَرَ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ مَاتَ
[ ٣ / ٤٥ ]
عَقِبَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ قَبْلَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِمُدَّةٍ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حُجَّتُهُمُ الدَّاحِضَةُ فَقَوْلُهُمْ: إِنَّ جَمِيعَ كُتُبِ النُّبُوَّاتِ الَّتِي فِي الْعَالَمِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالنُّبُوَّاتِ مَوْجُودَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَقَوْلٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ إِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ؟ وَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ مِنَ النُّبُوَّاتِ الْأَرْبَعَةِ وَعِشْرِينَ بِأَحَدِ الْأَلْسِنَةِ الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مُوَافِقَةٌ لِكُلِّ نُسْخَةٍ فِي سَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، وَلَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي الْعَالَمِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ (أَوْ كُلَّ نُسْخَةٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ فِي الْعَالَمِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ) أَوْ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ مِنَ الزَّبُورِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مُوَافِقَةٌ لِجَمِيعِ النُّسَخِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي زَوَايَا الْعَالَمِ لَكَانَ قَدِ ادَّعَى مَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ عِلْمُهُ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ؟
وَهَلْ رَأَى كُلَّ نُسْخَةٍ عَرَبِيَّةٍ بِهَذِهِ الْكُتُبِ، أَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُعْلَمُ صِدْقُهُ أَنَّ جَمِيعَ النُّسَخِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعَالَمِ مُوَافِقَةٌ لِهَذِهِ النُّسْخَةِ؟
وَكَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى ذَلِكَ فِي اللِّسَانِ الْيُونَانِيِّ، وَالسُّرْيَانِيِّ، وَالرُّومِيِّ،
[ ٣ / ٤٦ ]
وَالْعِبْرَانِيِّ، وَالْهِنْدِيِّ، فَإِنْ كَانَ فِي الْعَالَمِ بِكُلِّ كِتَابٍ مِنْ هَذِهِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِسَانًا فَدَعْوَى اتِّفَاقِ نُسَخِ كُلِّ لِسَانٍ مِنْ جِنْسِ دَعْوَى اتِّفَاقِ النُّسَخِ الْعَرَبِيَّةِ، فَكَيْفَ إِذَا ادَّعَى اتِّفَاقَ النُّسَخِ بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ؟
وَهَبْ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي نُسَخِ لِسَانٍ نَقَلَهَا أَهْلُهُ، وَالنَّاطِقُونَ بِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ دَعْوَاهُ فِي لِسَانٍ كَثُرَ النَّاطِقُونَ بِهِ وَانْتَشَرَ أَهْلُهُ؟
وَلَيْسَ هَذَا كَدَعْوَى اتِّفَاقِ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَتَوَقَّفُ نَقْلُهُ عَلَى الْمَصَاحِفِ، بَلِ الْقُرْآنُ مَحْفُوظٌ فِي قُلُوبِ أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﷿، فَلَوْ عُدِمَ كُلُّ مُصْحَفٍ فِي الْعَالَمِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي نَقْلِ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُ قَلَّ أَنْ نَجِدَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدًا يَحْفَظُ كِتَابًا مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ، فَقَلَّ أَنْ يُوجَدَ مِنَ الْيَهُودِ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَا يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالنُّبُوَّاتِ كُلَّهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحْفَظَهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، (وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ لَا الْكَذِبُ وَلَا الْغَلَطُ) .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ انْتِشَارِ كُتُبِهِمْ بِالْأَلْسِنَةِ الْمُخْتَلِفَةِ هُوَ مِنْ أَقْوَى الْأُمُورِ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِتَمَاثُلِ مَا فِيهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ إِذَا كَانَ مَنْقُولًا، بِلُغَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ اللِّسَانُ يَحْفَظُهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِهِ، وَإِنْ
[ ٣ / ٤٧ ]
أَمْكَنَ تَغْيِيرُ بَعْضِ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُ غُيِّرَ جَمِيعُ أَلْفَاظِ جَمِيعِ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَمَا ظَنَّهُ بِهِمْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ، بَلْ إِنَّمَا ادَّعَوْا مَا يُسَوِّغُهُ الْعَقْلُ، بَلْ وَيَظْهَرُ دَلِيلُ صِدْقِهِ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالَ ادَّعَوُا الْعِلْمَ، بِأَنَّ جَمِيعَ النُّسَخِ بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ، بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَادْعَوْا مَا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا عِلْمُهُ، وَادَّعَوْا مَا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ
[ ٣ / ٤٨ ]
[فَصْلٌ: ثُبُوتُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّغْيِيرِ فِي نُسَخِ أَهْلِ الْكِتَابِ]
وَقَدْ ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ فَمَنْ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، أَوْ مَنْ هُوَ الَّذِي حَكَمَ عَلَى الدُّنْيَا جَمِيعِهَا مُلُوكِهَا وَقَسَاوِسَتِهَا وَعُلَمَائِهَا حَتَّى حَكَمَ عَلَى الدُّنْيَا جَمِيعِهَا مِنْ أَرْبَعِ زَوَايَا الْعَالَمِ حَتَّى غَيَّرَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا أَمْكَنَهُ جَمْعُهَا كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا.
فَهَذَا مَا لَا يُمْكِنُ، إِذْ جَمِيعُهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ وَنَصٌّ وَاحِدٌ وَاعْتِقَادٌ وَاحِدٌ.
وَقَدْ ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّا لَمْ نَدَّعِ تَغْيِيرَهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ بِهَذِهِ الْأَلْسُنِ، وَانْتَشَرَتْ بِهَا النُّسَخُ، بَلْ لَا نَدَّعِي التَّغْيِيرَ بَعْدَ انْتِشَارِ النُّسَخِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلِ كُتُبِ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْأَحَادِيثِ وَالسُّنَنِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّا نُقِلَ فِي الْأَصْلِ نَقْلَ آحَادٍ، ثُمَّ صَارَتِ النُّسَخُ بِهِ كَثِيرَةً مُنْتَشِرَةً، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِي أَنَّهُ بَعْدَ انْتِشَارِ النُّسَخِ بِكُتَّابٍ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا حَكَمَ إِنْسَانٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَعْمُورَةِ، وَجَمَعَ النُّسَخَ
[ ٣ / ٤٩ ]
الَّتِي بِهَا وَغَيَّرَهَا.
وَلَا ادَّعَى أَحَدٌ مِثْلَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى ذَلِكَ فِيهَا، لَمَّا كَانَتِ النُّسَخُ قَلِيلَةً: إِمَّا نُسْخَةً، وَإِمَّا اثْنَتَيْنِ، وَإِمَّا أَرْبَعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ.
أَوِ ادَّعَى تَغْيِيرَ بَعْضِ أَلْفَاظِ النُّسَخِ، فَإِنَّ بَعْضَ النُّسَخِ يُمْكِنُ تَغْيِيرُهَا.
وَنُسَخُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ وَفِي بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ، لَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ قَلِيلٌ وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا الِاتِّفَاقُ.
وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِالْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ: إِنَّ جَمِيعَهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَنَصٌّ وَاحِدٌ، وَاعْتِقَادٌ وَاحِدٌ، لَيْسَ كَمَا قَالُوهُ، بَلْ نُسَخُ التَّوْرَاةِ مُخْتَلِفَةٌ فِي مَوَاضِعَ.
وَبَيْنَ تَوْرَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالسَّامِرَةِ اخْتِلَافٌ، وَبَيْنَ نُسَخِ الزَّبُورِ اخْتِلَافٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْأَنَاجِيلِ فَكَيْفَ بِنُسَخِ النُّبُوَّاتِ؟
وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا مِنْ نُسَخِ الزَّبُورِ مَا فِيهِ تَصْرِيحٌ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِاسْمِهِ وَرَأَيْتُ نُسْخَةً أُخْرَى بِالزَّبُورِ فَلَمْ أَرَ
[ ٣ / ٥٠ ]
ذَلِكَ فِيهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ صِفَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا لَيْسَ فِي أُخْرَى.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ التَّبْدِيلَ فِي التَّفْسِيرِ أَمْرٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مَكْتُوبٌ فِيمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَلَى عَهْدِهِ كَانَتْ كَثِيرَةً مُنْتَشِرَةً فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فَلَابُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ يَكُونَ غُيِّرَ اللَّفْظُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَانْتَشَرَتِ النُّسَخُ الْمُغَيَّرَةُ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ كَمَا اسْتَخْرَجَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَحْبَارِهِمُ، اسْتَخْرَجُوا ذِكْرَهُ وَالْبِشَارَةَ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَنُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَمَنْ قَالَ إِنَّ ذِكْرَهُ مَوْجُودٌ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَأَصْرَحُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يُمْكِنُ هَؤُلَاءِ دَفْعُهُ بِأَنْ يَقُولُوا: قَدِ اطَّلَعْنَا عَلَى كُلِّ نُسْخَةٍ فِي
[ ٣ / ٥١ ]
الْعَالَمِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فَوَجَدْنَاهَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا كَذَّابٌ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَشَرًا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى كُلِّ نُسْخَةٍ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، كَمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُغَيِّرَ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ اخْتِلَافَ النُّسَخِ لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَزْمُ بِاتِّفَاقِهَا فِي اللَّفْظِ، فَكَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ الْمُطَّلِعُونَ عَلَيْهَا مِنِ اخْتِلَافِ لَفْظِهَا؟ مَا تَبَيَّنَ بِهِ كَذِبُ مَنِ ادَّعَى اتِّفَاقَ لَفْظِهَا (وَكَيْفَ يُمْكِنُ اتِّفَاقُ لَفْظِهَا وَهِيَ، بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ)
[ ٣ / ٥٢ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى فِي أَنَّ الْقُرْآنَ أَقَرَّهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ]
قَالُوا: ثُمَّ وَجَدْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا بُرْهَانًا، مِثْلَ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الشُّورَى:
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] .
وَأَمَّا لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَقُولُ:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] . . . السُّورَةَ كُلَّهَا. وَالْجَوَابُ:
أَمَّا قَوْلُهُ:
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
فَهَذِهِ الْآيَةُ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ٥٣ ]
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] (١٣) ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] (١٤) ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
فَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ شَرَعَ لَنَا مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] (٣٠) ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] (٣١) ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] (٥١) ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] (٥٢) ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] .
[ ٣ / ٥٤ ]
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ تَفَرُّقِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كَتَفَرُّقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَتَفَرُّقِ فِرَقِ الْيَهُودِ، وَفِرَقِ النَّصَارَى كَالنَّسْطُورِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى: ١٤]- أُولَئِكَ الْمُفْتَرِقِينَ - ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] .
وَهَكَذَا تُوجَدُ عَامَّةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ مُرِيبٍ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] (١٥٧) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] .
[ ٣ / ٥٥ ]
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥] .
إِلَى الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا:
﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ أَهْوَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا يَتَنَاوَلُ أَهْوَاءَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] .
كَمَا صَرَّحَ بِنَهْيِهِ عَنِ اتِّبَاعِ أَهْوَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ٥٦ ]
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] .
وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥] .
حَقٍّ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ وَجَمِيعَ الْخَلْقِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَقَوْلُهُ:
﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنْهُ لِمَنْ يُخَاطِبُ بِذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
[ ٣ / ٥٧ ]
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] (٣) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] (٤) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] (٥) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَقَوْلِهِ:
﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
وَهِيَ كَلِمَةٌ تُوجِبُ بَرَاءَتَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ وَبَرَاءَتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنَّ حَرْفَ اللَّامِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، فَقَوْلُهُ:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
يَدُلُّ عَلَى أَنَّكُمْ مُخْتَصُّونَ بِدِينِكُمْ لَا أُشْرِكُكُمْ فِيهِ، وَأَنَا مُخْتَصٌّ بِدِينِي لَا تُشْرِكُونِي فِيهِ، كَمَا قَالَ:
﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
[ ٣ / ٥٨ ]
وَلِهَذَا «قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] هِيَ بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ»، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ رَضِيَ بِدِينِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ، وَلَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ جِهَادِهِمْ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْغَالِطِينَ، وَجَعَلُوهَا مَنْسُوخَةً، بَلْ فِيهَا بَرَاءَتُهُ مِنْ دِينِهِمْ وَبَرَاءَتُهُمْ مِنْ دِينِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ أَعْمَالُهُمْ وَلَا يُجْزَوْنَ بِعَمَلِهِ وَلَا يَنْفَعُهُمْ.
وَهَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ وَلَمْ يَرْضَ الرَّسُولُ بِدِينِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا أَهْلِ الْكِتَابِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ بِدِينِ الْكُفَّارِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] (٣) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] (٤) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] (٥) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
(فَظَنَّ هَذَا الْمُلْحِدُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] مَعْنَاهُ
[ ٣ / ٥٩ ]
أَنَّهُ رَضِيَ بِدِينِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، فَيَكُونُ قَدْ رَضِيَ بِدِينِ الْكُفَّارِ)، وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ قَطُّ إِلَّا بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، مَا رَضِيَ قَطُّ بِدِينِ الْكُفَّارِ لَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِدِينِهِمْ، بَلْ وَلَا عَلَى إِقْرَارِهِمْ عَلَيْهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ دِينِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - (إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ) .
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
وَقَدْ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] الْآيَةَ، أَنِّي لَا آمُرُ بِالْقِتَالِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أَتَعَرَّضُ لَهُ بِنَفْيٍ
[ ٣ / ٦٠ ]
وَلَا إِثْبَاتٍ وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ دِينَكُمْ لَكُمْ أَنْتُمْ مُخْتَصُّونَ بِهِ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَدِينِي لِي وَأَنَا مُخْتَصٌّ بِهِ وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنْهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ لَا يُمْكِنُ نَسْخُهُ بِحَالٍ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: عَنِ الْخَلِيلِ.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] (٢٦) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] .
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] .
وَهُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
[ ٣ / ٦١ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، بَلْ قَالَ - تَعَالَى - لِنَبِيِّهِ:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] (٢١٥) ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] .
فَإِذَا كَانَ قَدْ بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ مَعْصِيَةِ مَنْ عَصَاهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لَا يُبَرِّئُهُ مِنْ كُفْرِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ لَهُ مَعْصِيَةً وَمُخَالَفَةً؟ !
[ ٣ / ٦٢ ]
[فَصْلٌ: إِلْزَامُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِدِينِ الْإِسْلَامِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] (٣) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] (٤) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] (٥) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فَهُوَ أَمْرٌ بِالْقَوْلِ لِجَمِيعِ الْكَافِرِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ كَافِرُونَ قَدْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ وَكَفَّرَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُمْ كَافِرِينَ وَيُوجِبْ جِهَادَهُمْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ٦٣ ]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَحَرْفُ (مِنْ) فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، فَتُبَيِّنُ جِنْسَ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ كَانَ مَا قَبْلَهَا يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْجِنْسِ الَّذِي بَعْدَهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِ:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] .
فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - ﷺ - جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ.
وَكَذَلِكَ دَخَلَ فِي الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَتُهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
[ ٣ / ٦٤ ]
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور: ٥٥] .
وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْجِنْسُ يَتَنَاوَلُ الْمَذْكُورِينَ وَغَيْرَهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَبْقَ فِي الْجِنْسِ إِلَّا الْمَذْكُورُونَ، كَمَا يَقُولُ: هُنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْهُمْ غَيْرُهُ.
وَوَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ، وَبِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرْبَابًا وَاتَّخَذُوا الْمَسِيحَ رَبًّا وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا وَهَؤُلَاءِ بِاتِّخَاذِهِمْ غَيْرَهُ أَرْبَابًا عَبَدُوهُمْ فَأَشْرَكُوا بِاللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ -.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ٦٥ ]
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٧٩) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَيْضًا أَنَّهُ مَنِ اتَّخَذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا فَإِنَّهُ كَافِرٌ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] (٧٣) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] (٧٤) ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٧٥) ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]
(فَقَدَ وَبَّخَ أَهْلَ التَّثْلِيثِ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فَدَخَلُوا فِي قَوْلِهِ:
[ ٣ / ٦٦ ]
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] .
كَمَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَهُمْ أَوْلَى بِالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: (مَا تَعْبُدُونَ) يَتَنَاوَلُ صِفَاتِ الْمَعْبُودِ، وَالْإِلَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ الْمُؤْمِنُونَ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ، وَأَرْسَلَ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ -.
وَالْإِلَهُ الْمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَعْبُدُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَهَذَا كَقَوْلِهِ:
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
فَهَذَا الْإِلَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، وَلَيْسَ هُوَ إِلَهَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِأَنْ يَعْبُدُوهُ فَإِنَّهُمْ يُشْرِكُونَ بِعِبَادَتِهِ وَيَصِفُونَهُ بِمَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ فَلَا يُخْلِصُونَ لَهُ الدِّينَ، فَيَعْبُدُوا مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى إِنْ لَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْ عِبَادَتِهِ، وَإِلَهُ الْعَبْدِ الَّذِي يَعْبُدُهُ بِالْفِعْلِ لَيْسَ حَالُهُ مَعَهُ كَحَالِهِ مَعَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْبُدَهُ، وَهُوَ لَا يَعْبُدُهُ، بَلْ يُشْرِكُ بِهِ أَوْ يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] .
وَالشِّرْكُ غَالِبٌ عَلَى النَّصَارَى، وَالْكِبْرُ غَالِبٌ عَلَى الْيَهُودِ.
[ ٣ / ٦٧ ]
[فَصْلٌ: وُجُوبُ مُحَاجَّةِ الظَّالِمِينَ مِنْ مُشْرِكِينَ وَأَهْلِ كِتَابِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
الْآيَةَ، فَهَذَا لَيْسَ خِطَابًا لِلنَّصَارَى خُصُوصًا، بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ، وَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى ظَنُّوا أَنَّ مَعْنَى هَذَا لَا تُحَاجُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ، كَمَا ظَنُّوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ - أَيِ النَّصَارَى - إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، أَيِ الْيَهُودَ اهـ.
وَهَذَا تَحْرِيفُ كَلِمِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِتَحْرِيفِهِمْ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ، فَإِنَّهُمْ أَعْظَمُ تَسَلُّطًا عَلَى تَحْرِيفِ مَعَانِيهَا مِنْهُمْ عَلَى تَحْرِيفِ مَعَانِي
[ ٣ / ٦٨ ]
الْقُرْآنِ، إِذْ كَانَ الْقُرْآنُ لَهُ أُمَّةٌ تَحْفَظُهُ، وَتَعْرِفُ مَعَانِيَهُ، وَتَذُبُّ عَنْهُ مَنْ يُحَرِّفُ لَفْظَهُ أَوْ مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا تِلْكَ الْكُتُبُ فَلَيْسَ لَهَا مَنْ يَذُبُّ عَنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا، فَلِهَذَا عَظُمَ تَحْرِيفُهُمْ لَهَا، وَكَانَ أَعْظَمَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ لِلْقُرْآنِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّصَارَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ كَانَتْ تَتَنَاوَلُ مَنْ لَا يَقْرَأُ الْكِتَابَ، لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ كَانَتْ تَعُمُّ الْأُمَمَ أَوْ تَخْتَصُّ بِالْمُشْرِكِينَ.
وَالسُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ خِطَابُهَا تَارَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَارَةً تَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِينَ وَتَارَةً تَعُمُّ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] .
[ ٣ / ٦٩ ]
فَالْخِطَابُ إِمَّا أَنْ يَعُمَّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلَ الْكِتَابِ، أَوْ يَخُصُّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَبِكُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّصَارَى بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
وَقَوْلِهِ:
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] .
فَالْحُجَّةُ اسْمٌ لِمَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ كَقَوْلِهِ.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] .
فَإِنَّ الظَّالِمِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ بِحُجَّةٍ بَاطِلَةٍ كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ قَدْ عَادَ إِلَى قِبْلَتِكُمْ فَسَوْفَ يَعُودُ إِلَى مِلَّتِكُمْ،
[ ٣ / ٧٠ ]
فَهَذِهِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ مِنَ الظَّالِمِينَ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ بَعْدُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] .
فَسَمَّاهَا حُجَّةً وَجَعَلَهَا دَاحِضَةً، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ هُمُ الْكُفَّارُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
فَهُمْ يُحَاجُّونَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَقَالَ عَنِ النَّصَارَى:
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
فَكَانَ الْكُفَّارُ يُحَاجُّونَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، كَمَا يُؤْذُونَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.
وَمُحَاجَّتُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ لَهُمْ وَالْعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ وَقَوْلِ الْبَاطِلِ، فَأَمَرَهُ - تَعَالَى - أَنْ يَقُولَ: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
أَيْ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَظْلِمُونَا، وَتَعْتَدُوا عَلَيْنَا بِحُجَّتِكُمُ الدَّاحِضَةِ،
[ ٣ / ٧١ ]
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّا نَحْنُ لَا نُحَاجُّكُمْ، وَنَدْعُوكُمْ إِلَى الْحَقِّ بِالْحُجَجِ الصَّحِيحَةِ.
فَإِنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
فَأَمَرَهُ - تَعَالَى - أَنْ يُجَادِلَ أَهْلَ دَعْوَتِهِ مُطْلَقًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
فَإِنَّ الظَّالِمَ بَاغٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَابَلَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ، لَا يَجِبُ الِاقْتِصَارُ مَعَهُ عَلَى الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَظْلِمْ، فَإِنَّهُ لَا يُجَادَلُ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ:
[ ٣ / ٧٢ ]
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] .
وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَالظَّالِمُ يَكُونُ ظَالِمًا بِتَرْكِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَالْكَلَامِ بِلَا عِلْمٍ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَعَنَدَ عَنْهُ كَانَ ظَالِمًا.
وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَلَدِّ فِي الْخِصَامِ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] .
وَقَالَ:
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] .
وَقَالَ:
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] .
[ ٣ / ٧٣ ]
[فَصْلٌ: الْإِسْلَامُ هُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا]
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: كُونُوا لَهُ مُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ وَنَحْنُ، أَيْ عَنْهُ وَعَنِ الْعَرَبِ التَّابِعِينَ لَهُ، وَلِمَا أَتَى بِهِ وَجَاءَ فِي كِتَابِهِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا وَنَظَائِرُهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْقُرْآنَ، بَلْ وَلَا يَفْهَمُ كَلَامَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ إِذَا عُرِفَ مِنْ صَاحِبِ كِتَابٍ يَقُولُ إِنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ يَقُولُ إِنَّهُ صَنَّفَهُ هُوَ أَنَّهُ يَدْعُو قَوْمًا بِالْأَقْوَالِ الصَّرِيحَةِ الْكَثِيرَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْبَيِّنَةِ الظَّاهِرَةِ، كَانَ سُكُوتُهُ عَنْ دُعَائِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ لَا يُنَافِي دُعَاءَهُمْ لَهُ.
لَكِنْ إِنْ كَانَ حَكِيمًا فِي كَلَامِهِ كَانَ لِلسُّكُوتِ عَنْ دُعَائِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ حِكْمَةٌ تُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
[ ٣ / ٧٤ ]
أَفَتَرَاهُ لَمَّا أَمَرَ أُمَّتَهُ أَنْ يَقُولُوا ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْكِتَابِ مَأْمُورِينَ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَمْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْإِخْلَاصِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] (٤) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
وَكَذَلِكَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى التَّوَلِّي عَنْهُ فِي مِثْلِ:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] (١٨) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] (١٩) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] (١٣٠) ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] (١٣١) ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] (١٣٢) ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
[ ٣ / ٧٥ ]
فَقَدْ بَيَّنَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُ لَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أَيْ سَفِهَ نَفْسًا، أَيْ كَانَتْ نَفْسُهُ سَفِيهَةً جَاهِلَةً، هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ مِنَ النُّحَاةِ، يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوبُ عَلَى التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً، كَمَا يَكُونُ نَكِرَةً، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] .
وَذَكَرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَصَّى بِهَا بَنِيهِ، وَيَعْقُوبُ وَصَّى بِهَا بَنِيهِ أَيْضًا، كِلَاهُمَا قَالَ لِبَنِيهِ:
﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ يَعْقُوبَ عِنْدَ مَوْتِهِ:
﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
فَهَؤُلَاءِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ كُلُّهُمْ عَلَى
[ ٣ / ٧٦ ]
الْإِسْلَامِ وَهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ:
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
ثُمَّ قَالَ:
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ إِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْإِيمَانِ بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ الْمُتَضَمِّنِ قَوْلَكُمْ: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ، أَيْ: مُشَاقُّونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] .
[ ٣ / ٧٧ ]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٤] .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فِي الْعَنْكَبُوتِ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فِي الْبَقَرَةِ مَعَ دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي قَوْلِهِ:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
فَقَدْ دَعَاهُمْ أَوَّلًا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ لَا يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ٧٨ ]
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي كَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ لَمَّا دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِهِ.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ وَ:
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]» .
[ ٣ / ٧٩ ]
فَدَعَاهُ النَّبِيُّ إِلَى الْإِسْلَامِ، فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا فِي آلِ عِمْرَانَ:
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٧٩) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] .
فَذَكَرَ التَّوْحِيدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَفَّرَ مَنِ اتَّخَذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِمَنِ اتَّخَذَ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ أَرْبَابًا ثُمَّ ذَكَرَ الْإِيمَانَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] (٨١) ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] (٨٢) ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] (٨٣) ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] (٨٤) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
[ ٣ / ٨٠ ]
فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ وَأُمَمِهِمْ: مَهْمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ.
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ لِكُلِّ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ ثَانٍ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَنْصُرُونَهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ مَا كَانَ، وَلَا يَقُولُونَ: نَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِمَا عِنْدَنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، لَا نُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ الَّذِي جَاءَنَا.
وَنَخُصُّ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَإِنَّهُ خَاتَمُ الرُّسُلِ، وَهُوَ آخِرُ رَسُولٍ جَاءَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، فَوَجَبَ عَلَى مَنْ جَاءَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ مَا كَانَ.
وَهَذَا الْمِيثَاقُ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَأَخَذُوهُ عَلَى أُمَمِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] .
وَهَذَا هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، فَمَنِ ابْتَغَى غَيْرَهُ فَقَدِ ابْتَغَى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، (الَّذِي قَالَ) فِيهِ:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
[ ٣ / ٨١ ]
[فَصْلٌ: أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِ الْحَقِّ لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُخَالِفِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
فَهُوَ أَمَرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ لِيُرْضُوا بِهِ اللَّهَ، وَتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ كَلَامًا حَقًّا يَلْزَمُكَ، وَيَلْزَمُ الْمُنَازِعَ لَكَ أَنْ يَقُولَهُ، فَإِنْ وَافَقَكَ وَإِلَّا ظَهَرَ عِنَادُهُ وَظُلْمُهُ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
فَإِنَّا مُشْتَرِكُونَ فِي أَنَّهُ رَبُّنَا كُلِّنَا وَأَنَّ عَمَلَ كُلِّ عَامِلٍ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ،
[ ٣ / ٨٢ ]
وَامْتَزْنَا نَحْنُ بِأَنَّا مُخْلِصُونَ لَهُ، وَأَنْتُمْ لَسْتُمْ مُخْلِصِينَ لَهُ، فَأَوْجَبَ هَذَا أَنَّ الْحَقَّ مَعَنَا دُونَكُمْ، وَأَنَّ أَعْمَالَنَا صَالِحَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَأَعْمَالَكُمْ مَرْدُودَةٌ.
وَيُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
فَأَمْرُهُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يَتَضَمَّنُ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ الْمَسِيحُ - ﵇ - يَقُولُ.
[ ٣ / ٨٣ ]
[فَصْلٌ: نَقْضُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الظُّلْمَ اتَّصَفَ بِهِ الْيَهُودُ دُونَ النَّصَارَى]
ثُمَّ قَالُوا: فَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَمَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ سَجَدُوا لِرَأْسِ الْعِجْلِ، وَكَفَرُوا بِاللَّهِ مِرَارًا كَثِيرَةً لَيْسَتْ وَاحِدَةً، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ، وَذَبَحُوا لِلشَّيَاطِينِ لَيْسَ حَيَوَانَاتٍ غَيْرَ نَاطِقَةٍ فَقَطْ، بَلْ بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ حَسَبَ مَا شَهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَائِلًا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ - ﵇ - فِي كِتَابِ الزَّبُورِ فِي مَزْمُورِ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ يَقُولُ ذَبَحُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ لِلشَّيَاطِينِ وَأَرَاقُوا دَمًا زَكِيًّا دَمَ بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمُ الَّذِينَ ذَبَحُوا لِلْمَنْحُوتَاتِ بِكَنْعَانَ وَقَدْ تَنَجَّسَتِ الْأَرْضُ بِالدِّمَاءِ وَتَنَجَّسَتْ أَعْمَالُهُمْ وَزَنَوْا بِضَغَائِنِهِمْ، وَسَخِطَ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ وَرَذَّلَ مِيرَاثَهُمْ.
وَقَالَ أَيْضًا عَلَى لِسَانِ أَشْعِيَا النَّبِيِّ - ﵇ - يَقُولُ اللَّهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: لَمْ يَسْمَعُوا وَصَايَايَ، لَمْ يَحْفَظُوا كُلَّ مَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ،
[ ٣ / ٨٤ ]
بَلْ غَيَّرُوا وَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ الَّذِي كُنْتُ جَعَلْتُهُ لَهُمْ إِلَى الْأَبَدِ، فَلِذَلِكَ أَجْلَسْتُهُمْ عَلَيْهِمُ الْحُزْنُ، وَأَهْلَكْتُهُمْ وَانْقَطَعَ مِمَّنْ يَبْقَى مِنْهُمُ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ.
هَكَذَا قَالَ اللَّهُ عَلَى سُكَّانِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: سَأُبَدِّدُهُمْ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ يَرْفَعُونَ الْأُمَمُ أَصْوَاتَهُمْ وَيُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَيُمَجِّدُونَهُ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ، وَيَجْتَمِعُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَمِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَمِنَ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ وَيُقَدِّسُونَ اسْمَ اللَّهِ وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ، وَيَكُونُونَ شُعْبَةً، وَأَمَّا بَنُو إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُونَ مُبَدَّدِينَ فِي الْأَرْضِ.
وَقَالَ أَشْعِيَا النَّبِيُّ - ﵇ - يَقُولُ اللَّهُ: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ نَجَّسْتُمْ جَبَلِي الْمُقَدَّسَ، فَإِنِّي سَأُفْنِيكُمْ بِالْحَرْبِ وَتَمُوتُونَ، وَذَلِكَ لِأَنِّي
[ ٣ / ٨٥ ]
دَعَوْتُكُمْ فَلَمْ تُجِيبُوا وَكَلَّمْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَعَمِلْتُمُ الشَّيْءَ بَيْنَ يَدِيَّ) .
وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَغَضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ وَمِنْ بَيْتِهِ وَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَعْنَةٌ، وَجُعِلُوا لَعْنَةَ النَّاسِ فَلِذَلِكَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَبَدَّدَهُمْ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَلَا يَعُودُ يَرْحَمُهُمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ، وَلَا يُقَرِّبُونَ لِلَّهِ قُرْبَانًا وَلَا ذَبِيحَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَذَلِكَ الزَّمَانِ، وَلَا يَفْرَحُ بَنُو إِسْرَائِيلَ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا عَنِ اللَّهِ - ﷿ -) .
وَقَالَ أَرْمِيَا النَّبِيُّ - ﵇ -: (كَمَا أَنَّ الْحَبَشِيَّ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ أَبْيَضًا، فَكَذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا يَتْرُكُونَ عَادَتَهُمُ الْخَبِيثَةَ، وَلِذَلِكَ إِنِّي لَا أَرْحَمُ، وَلَا أُشْفِقُ، وَلَا أَرِقُّ عَلَى الْأُمَّةِ الْخَبِيثَةِ وَلَا أَرْثِي لَهَا) .
[ ٣ / ٨٦ ]
وَقَالَ حِزْقِيلُ النَّبِيُّ - ﵇ -: (قَالَ اللَّهُ: إِنَّمَا رَفَعْتُ يَدِي عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَدَّدْتُهُمْ بَيْنَ الْأُمَمِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِوَصَايَايَ، وَلَمْ يُطِيعُوا أَمْرِي، وَخَالَفُونِي فِيهَا فِيمَا قُلْتُ لَهُمْ وَلَمْ يَسْمَعُوا لِي) .
وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي التَّوْرَاةِ، وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَزَبُورِ دَاوُدَ شَيْءٌ كَثِيرٌ يُقِرُّونَهَا الْيَهُودُ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَيَقْرَأُونَهَا وَلَا يُنْكِرُونَ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا، وَمِثْلُ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ، وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ الْأَلْسُنِ اهـ.
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا كَوْنُ الْيَهُودِ ظَالِمِينَ كَافِرِينَ مُعْتَدِينَ مُسْتَحِقِّينَ لِعَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ، فَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ، كَمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ - ﷺ - أَنَّ النَّصَارَى أَيْضًا ظَالِمُونَ مُعْتَدُونَ كَافِرُونَ مُسْتَحِقُّونَ لِعَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ، وَفِي الْيَهُودِ مِنَ الْكُفْرِ مَا لَيْسَ فِي النَّصَارَى، وَفِي النَّصَارَى مَا لَيْسَ فِي الْيَهُودِ فَإِنَّ الْيَهُودَ بَدَّلُوا شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ كَفَرُوا بِهِ
[ ٣ / ٨٧ ]
وَكَذَّبُوهُ فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ كَذَّبُوهُ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى - عَنْهُمْ:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] (٨٥) أُولَئِكَ ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] (٨٦) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] (٨٧) ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] (٨٨) ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (٨٩) ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] (٩٠) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] (٩١) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢] (٩٢) ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] .
[ ٣ / ٨٨ ]
فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا بِتَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، وَثَانِيًا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] (٧٨) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْيَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَأَنَّهُمْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ، وَأَنَّهُ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ لَكِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ أَنَّهُمْ
[ ٣ / ٨٩ ]
الْمُرَادُونَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] .
فِي قَوْلِهِ:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
غَلَطٌ بَيِّنٌ وَلِهَذَا كَانَ بَاطِلًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
نَهْيٌ عَنْ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَقَوْلَهُ:
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] .
مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا.
وَلِهَذَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِذَا جَادَلَهُمُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ أَنْ يُجَادِلُوهُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِاللِّسَانِ تَارَةً وَبِالْيَدِ أُخْرَى، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِجِهَادِ الظَّالِمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَجَاهَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا
[ ٣ / ٩٠ ]
بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَحَوْلَهَا وَقَرِيبًا مِنْهَا، كَمَا جَاهَدَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَالنَّضِيرَ، وَقُرَيْظَةَ، وَأَهْلَ خَيْبَرَ، وَأَهْلَ وَادِي الْقُرَى، وَغَيْرَهُمْ.
[ ٣ / ٩١ ]
وَكَمَا جَاهَدَ النَّصَارَى عَامَ تَبُوكٍ غَزَاهُمْ بِالشَّامِ عَرَبَهُمْ وَرُومَهُمْ، وَأَغْزَاهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ نُوَّابَهُ: زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَأَمَرَهُمْ بِغَزْوِهِمْ فَغَزَاهُمْ بَعْدَهُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ.
وَالنَّبِيُّ - ﷺ - لَمَّا قَدِمَ وَفَدُ نَجْرَانَ النَّصَارَى جَادَلَهُمْ فِي مَسْجِدِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، فَامْتَنَعُوا عَنْ مُبَاهَلَتِهِ، وَأَقَرُّوا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَجَادَلَ بَعْضَهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَالظَّالِمُ مِنْهُمْ عَاقَبَهُ وَجَاهَدَهُ، كَمَا عَاقَبَ الظَّالِمَ مِنَ الْيَهُودِ.
وَمِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ قَوْلُهُمْ: وَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُمُ الْيَهُودُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ: ثُمَّ وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا بُرْهَانًا
[ ٣ / ٩٢ ]
وَهُوَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الشُّورَى:
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهِيَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ فِي قَوْلِهِ:
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢] .
أَنَّهُ عَنَى بِالْكِتَابِ الْإِنْجِيلَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ: النَّصَارَى، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَزَعْمُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا بَيِّنٌ ظَاهِرٌ.
وَتَفَاسِيرُ النَّصَارَى لِلْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ فِيهَا مِنَ التَّحْرِيفِ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وَالْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَلَا يَنْقَضِي التَّعَجُّبُ مِنْهُ، لَكِنَّ إِقْدَامَهُمْ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالْإِلْحَادِ وَالتَّحْرِيفِ أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ كَقَوْلِهِمْ: [إِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ أَثْنَى عَلَى الدِّينِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، بَعْدَ مَبْعَثِهِ - ﷺ -، وَأَنَّ
[ ٣ / ٩٣ ]
قَوْلَهُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] أَرَادَ بِهِ النَّصَارَى.
وَقَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [الحديد: ٢٥] أَرَادَ بِهِ الْحَوَارِيِّينَ.
وَقَوْلَهُ: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
أَرَادَ بِهِ الْإِنْجِيلَ] فَإِنَّ فِي هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ، وَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُ أَرَادَ هَذِهِ الْأُمُورَ، مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ افْتِرَائِهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالزَّبُورَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْكُتُبِ أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَأْتُونَ إِلَى مَا يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - لَمْ يُرِدْهُ، فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ، وَإِنَّهُ قَوْلٌ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ، وَكُلُّ مَنْ عَرَفَ حَالَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالدِّينِ يَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينِيًّا ضَرُورِيًّا أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ النَّصَارَى مُؤْمِنِينَ دُونَ الْيَهُودِ، بَلْ كَانَ يُكَفِّرُ الطَّائِفَتَيْنِ، وَيَأْمُرُ بِجِهَادِهِمْ، وَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَرَ جِهَادَهُمْ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عِنْدَهُمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، بَلْ هَذَا يَعْلَمُهُ مِنْ حَالِهِ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ، إِلَّا مَنْ هُوَ مُفَرِّطٌ فِي الْجَهْلِ بِحَالِهِ، أَوْ مَنْ هُوَ مُعَانِدٌ عِنَادًا ظَاهِرًا
[ ٣ / ٩٤ ]
[فَصْلٌ: الْمُسْلِمُونَ يُوَافِقُونَ النَّصَارَى فِيمَا كَفَّرُوا بِهِ الْيَهُودَ]
وَأَمَّا مَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كُفْرِ الْيَهُودِ، فَهَذَا لَا نُنَازِعُهُمْ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا نَقَلُوهُ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَثْبُتُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مَا يُبَيِّنُ كُفْرَهُمْ لَمَّا بَدَّلُوا دِينَ مُوسَى - ﵇ - كَمَا كَفَرَ النَّصَارَى لَمَّا بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ، فَهَذَا حَقٌّ مُوَافِقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ خَاتَمُ الرُّسُلِ - ﷺ - فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا كُفْرَهُمْ مِنْ جِهَةٍ لَا نَشُكُّ فِي صِدْقِهَا.
وَمَا أَخْبَرُونَا بِهِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ إِنْ عَلِمْنَا صِدْقَهُمْ فِيهِ، صَدَّقْنَاهُمْ فِيهِ وَإِنْ عَلِمْنَا كَذِبَهُمْ فِيهِ كَذَّبْنَاهُمْ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ صِدْقَهُ وَلَا كَذِبَهُ لَمْ نُصَدِّقْهُ وَلَمْ نُكَذِّبْهُ، بَلْ نَقُولُ:
﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ حَقٌّ وَاجِبٌ، لَكِنَّ وُجُوبَ التَّصْدِيقِ فِي النَّبِيِّ الْمُعَيَّنِ الَّذِي لَمْ نَعْلَمْهُ مِنْ غَيْرِهِمْ يَقِفُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ:
١ - أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ قَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ
[ ٣ / ٩٥ ]
٢ - وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرُوهُ بِهِ مُرَادًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، فَلَابُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْإِسْنَادِ وَدَلَالَةِ الْمَتْنِ.
وَهَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ، لَابُدَّ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَدْ يُحْتَاجُ إِلَى مُقَدِّمَةٍ ثَالِثَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللُّغَةَ الْعِبْرِيَّةَ، فَإِنَّ مُوسَى وَدَاوُدَ وَالْمَسِيحَ وَغَيْرَهُمْ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِاللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِهَا، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوِ الرُّومِيَّةِ، لَابُدَّ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْمُتَرْجِمَ مِنْ تِلْكَ اللُّغَةِ إِلَى هَذِهِ قَدْ تَرْجَمَ تَرْجَمَةً مُطَابِقَةً.
[ ٣ / ٩٦ ]
[فَصْلٌ: غُلُوُّ النَّصَارَى فِي عِيسَى عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَأَمَّا نَحْنُ النَّصَارَى فَلَمْ نَعْمَلْ شَيْئًا مِمَّا عَمِلَتْهُ الْيَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي ذُنُوبِ الْيَهُودِ، فَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ فَلَكُمْ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ مَا بَعْضُهُ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ، وَإِنْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ أَلْيَنَ مِنَ الْيَهُودِ وَأَقْرَبَ مَوَدَّةً، فَأَنْتُمْ أَيْضًا أَجْهَلُ وَأَضَلُّ مِنَ الْيَهُودِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] (٨٨) ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] (٨٩) ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] (٩٠) ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩١] (٩١) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] (٩٢) ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] (٩٣) ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] (٩٤) ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] (١) ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢] (٢) ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣] (٣) ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤] (٤) مَا ﴿لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] .
[ ٣ / ٩٧ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣٠) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٤] .
[ ٣ / ٩٨ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:، لَمَّا قَصَّ قِصَّةَ الْمَسِيحِ - ﵇ -:
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] (٣٤) ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] (٣٥) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] (٣٦) ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] (٣٧) ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
[ ٣ / ٩٩ ]
[فَصْلٌ: تَطَرُّفُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَتَوَسُّطُ الْمُسْلِمِينَ]
وَمَنْ تَدَبَّرَ حَالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَدَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مُتَقَابِلِينَ هَؤُلَاءِ فِي طَرَفِ ضَلَالٍ، وَهَؤُلَاءِ فِي طَرَفٍ يُقَابِلُهُ، وَالْمُسْلِمُونَ هُمُ الْوَسَطُ.
وَذَلِكَ فِي التَّوْحِيدِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالشَّرَائِعِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَخْلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَالْيَهُودُ يُشَبِّهُونَ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ فِي صِفَاتِ النَّقْصِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَخْلُوقِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَنْهَا كَقَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ فَقِيرٌ، وَإِنَّهُ بَخِيلٌ، وَإِنَّهُ تَعِبَ لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَالنَّصَارَى يُشَبِّهُونَ الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْخَالِقِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا مِثْلٌ، كَقَوْلِهِمْ إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، وَابْنُ اللَّهِ.
وَكُلٌّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ.
وَالنَّصَارَى أَيْضًا يَصِفُونَ اللَّاهُوتَ بِصِفَاتِ النَّقْصِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا، وَيَسُبُّونَ اللَّهَ سَبًّا مَا سَبَّهُ إِيَّاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، كَمَا كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ: لَا تَرْحَمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ سَبُّوا اللَّهَ سُبَّةً مَا سَبَّهُ
[ ٣ / ١٠٠ ]
إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ.
وَالْيَهُودُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَمْتَنِعُ مِنْهُ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ، كَمَا يَمْتَنِعُ مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْقُدْرَةِ أَوْ يُنَافِي الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ.
وَالنَّصَارَى يُجَوِّزُونَ لِأَكَابِرِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا شَرْعَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، فَيُحَلِّلُوا مَا حَرَّمَ، كَمَا حَلَّلُوا الْخِنْزِيرَ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْخَبَائِثِ، بَلْ لَمْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا، وَيُحَرِّمُونَ مَا حَلَّلَ، كَمَا يُحَرِّمُونَ فِي رَهْبَانِيَّتِهِمُ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا، وَحَرَّمُوا فِيهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَيُسْقِطُونَ مَا أَوْجَبَ كَمَا أَسْقَطُوا الْخِتَانَ وَغَيْرَهُ، وَأَسْقَطُوا أَنْوَاعَ الطَّهَارَةِ مِنَ الْغُسْلِ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَيُوجِبُونَ مَا أَسْقَطَ، كَمَا أَوْجَبُوا مِنَ الْقَوَانِينِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ.
وَالْمُسْلِمُونَ وَصَفُوا الرَّبَّ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَنَزَّهُوهُ عَنِ النَّقْصِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ، فَوَصَفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، مَعَ
[ ٣ / ١٠١ ]
عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ.
وَقَالُوا: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، فَكَمَا لَا يَخْلُقُ غَيْرُهُ لَا يَأْمُرُ غَيْرُهُ، بَلِ الدِّينُ كُلُّهُ لَهُ، هُوَ الْمَعْبُودُ الْمُطَاعُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هُوَ، وَلَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ إِلَّا طَاعَتُهُ، وَهُوَ يَنْسَخُ مَا يَنْسَخُهُ مِنْ شَرْعِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْسَخَ شَرْعَهُ.
وَالْيَهُودُ بَالَغُوا فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ، وَتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ، وَالنَّصَارَى اسْتَحَلُّوا الْخَبَائِثَ، وَمُلَابَسَةَ النَّجَاسَاتِ، وَالْمُسْلِمُونَ أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ خِلَافًا لِلْيَهُودِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، خِلَافًا لِلنَّصَارَى.
وَالْيَهُودُ يُبَالِغُونَ فِي طَهَارَةِ أَبْدَانِهِمْ مَعَ خُبْثِ قُلُوبِهِمْ وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يُطَهِّرُونَ قُلُوبَهُمْ مَعَ نَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ، وَالْمُسْلِمُونَ يُطَهِّرُونَ أَبْدَانَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ جَمِيعًا.
وَالنَّصَارَى لَهُمْ عِبَادَاتٌ وَأَخْلَاقٌ، بِلَا عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَلَا ذَكَاءٍ، وَالْيَهُودُ لَهُمْ ذَكَاءٌ وَعِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ بِلَا عِبَادَاتٍ وَلَا أَخْلَاقٍ حَسَنَةٍ.
وَالْمُسْلِمُونَ جَمَعُوا بَيْنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، بَيْنَ الزَّكَا وَالذَّكَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، فَالْهُدَى
[ ٣ / ١٠٢ ]
يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ النَّافِعَ، وَدِينُ الْحَقِّ يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَالظُّهُورُ يَكُونُ بِالْعِلْمِ وَاللِّسَانِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ حَقٌّ وَهُدًى، وَيَكُونُ بِالْيَدِ وَالسِّلَاحِ لِيَكُونَ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا، وَاللَّهُ أَظْهَرُهُ هَذَا الظُّهُورَ فَهُمْ أَهْلُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ، كَالْيَهُودِ، وَلَا الضَّالِّينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ وَيَعْبُدُونَ وَيَزْهَدُونَ بِلَا عِلْمٍ كَالنَّصَارَى.
وَالْيَهُودُ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ، وَالَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ.
وَالْمُسْلِمُونَ اعْتَدَلُوا فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَآمَنُوا بِجَمِيعِ النَّبِيِّينَ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ فَلَمْ يُكَذِّبُوا الْأَنْبِيَاءَ وَلَا سَبُّوهُمْ وَلَا غَلَوْا فِيهِمْ وَلَا عَبَدُوهُمْ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ لَا يَبْخَسُونَهُمْ حَقَّهُمْ وَلَا غَلَوْا فِيهِمْ.
وَالْيَهُودُ يَغْضَبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَنْتَقِمُونَ، وَالنَّصَارَى لَا يَغْضَبُونَ لِرَبِّهِمْ وَلَا يَنْتَقِمُونَ.
وَالْمُسْلِمُونَ الْمُعْتَدِلُونَ الْمُتَّبِعُونَ لِنَبِيِّهِمْ يَغْضَبُونَ لِرَبِّهِمْ وَيَعْفُونَ عَنْ حُظُوظِهِمْ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا
[ ٣ / ١٠٣ ]
قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: لِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ؟» وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ إِذَا عَاتَبَنِي عَلَى شَيْءٍ يَقُولُ:
" دَعُوهُ فَلَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ ".
[ ٣ / ١٠٤ ]
هَذَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَأَمَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -:
«(أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، (فَقَالُوا مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ، فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ، أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحُدُودَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)» .
وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِأَنَّهُمْ أَنْفَعُ الْأُمَمِ لِلْخَلْقِ، فَقَالَ:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
[ ٣ / ١٠٥ ]
فَفِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ مَا لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي الْأُمَّتَيْنِ.
[ ٣ / ١٠٦ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَفَى عَنْهُمُ الشِّرْكَ]
ثُمَّ قَالُوا: وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقُولُ:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] .
فَذَكَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ، لِئَلَّا يُقَالَ: إِنَّ هَذَا قِيلَ عَنْ غَيْرِنَا، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَفْعَالِنَا وَحُسْنِ نِيَّاتِنَا، وَنَفَى عَنَّا اسْمَ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِ الْيَهُودُ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا أَشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَقْرَبُهُمْ مَوَدَّةً.
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: تَمَامُ الْكَلَامِ:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
[ ٣ / ١٠٧ ]
فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِدْ بِالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] .
وَالشَّاهِدُونَ هُمُ الَّذِينَ شَهِدُوا لَهُ بِالرِّسَالَةِ فَشَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمُ الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ:
[ ٣ / ١٠٨ ]
﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] .
قَالَ مَعَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأُمَّتِهِ.
وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ لِلرُّسُلِ بِالتَّصْدِيقِ فَهُوَ مِنَ الشَّاهِدِينَ كَمَا قَالَ الْحَوَارِيُّونَ:
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] (٧٧) ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] .
فَهُوَ كَمَا أَخْبَرَ - ﷾ - فَإِنَّ عَدَاوَةَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَشَدُّ مِنْ عَدَاوَةِ النَّصَارَى، وَالنَّصَارَى أَقْرَبُ مَوَدَّةً لَهُمْ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْيَهُودِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ فِيهِمْ مِنَ الْبُغْضِ وَالْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ مَا لَيْسَ فِي النَّصَارَى.
[ ٣ / ١٠٩ ]
وَفِي النَّصَارَى مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ مَا لَيْسَ فِي الْيَهُودِ، وَالْعَدَاوَةُ أَصْلُهَا الْبُغْضُ فَالْيَهُودُ كَانُوا يُبْغِضُونَ أَنْبِيَاءَهُمْ، فَكَيْفَ بِبُغْضِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَيْسَ فِي الدِّينِ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ عَدَاوَةٌ وَلَا بُغْضٌ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، فَكَيْفَ بِعَدَاوَتِهِمْ وَبُغْضِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَدِلِينَ أَهْلِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، الْمُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ؟
وَلَيْسَ فِي هَذَا مَدْحٌ لِلنَّصَارَى بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَلَا وَعْدٌ لَهُمْ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ، وَاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ مَوَدَّةً، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] .
أَيْ بِسَبَبِ هَؤُلَاءِ، وَسَبَبِ تَرْكِ الِاسْتِكْبَارِ يَصِيرُ فِيهِمْ مِنَ الْمَوَدَّةِ مَا يُصَيِّرُهُمْ بِذَلِكَ خَيْرًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَقْرَبَ مَوَدَّةً مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] .
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَدَحَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَوَعَدَهُمْ بِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالضَّمِيرُ وَإِنْ عَادَ إِلَى الْمُتَقَدِّمِينَ، فَالْمُرَادُ جِنْسُ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ١١٠ ]
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .
وَكَأَنَّ جِنْسَ النَّاسِ، قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ جِنْسَ النَّاسِ، قَدْ جَمَعُوا وَيَمْتَنِعُ الْعُمُومُ، فَإِنَّ الْقَائِلَ مِنَ النَّاسِ، وَالْمَقُولَ لَهُ مِنَ النَّاسِ، وَالْمَقُولَ عَنْهُ مِنَ النَّاسِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ قَالَ لِجَمِيعِ النَّاسِ: إِنَّهُ قَدْ جَمَعَ لَكُمْ جَمِيعَ النَّاسِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] .
أَيْ جِنْسُ الْيَهُودِ قَالَ هَذَا، لَمْ يَقُلْ هَذَا كُلُّ يَهُودِيٍّ، وَمِنْ هَذَا أَنَّ فِي النَّصَارَى مِنْ رِقَّةِ الْقُلُوبِ الَّتِي تُوجِبُ لَهُمُ الْإِيمَانَ مَا لَيْسَ فِي الْيَهُودِ، وَهَذَا حَقٌّ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَنَفَى عَنَّا اسْمَ الشِّرْكِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَوَصَفَ مَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، بَلْ قَدْ مَيَّزَ بَيْنَ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ حَقٌّ، فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] .
[ ٣ / ١١١ ]
وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] .
وَأَمَّا وَصْفُهُمْ بِالشِّرْكِ فَفِي قَوْلِهِ:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ لَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا بَعَثَ رُسُلَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] .
[ ٣ / ١١٢ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
فَالْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِنَّمَا دَعَوْا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَفِي التَّوْرَاةِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَعْظُمُ وَصْفُهُ، لَمْ يَأْمُرْ أَحَدُ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنْ يُعْبَدَ مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ وَلَا كَوْكَبٌ وَلَا وَثَنٌ، وَلَا أَنْ تُسْأَلَ وَلَا تُطْلَبَ الشَّفَاعَةُ إِلَى اللَّهِ مِنْ مَيِّتٍ وَلَا غَائِبٍ، لَا نَبِيٍّ وَلَا مَلَكٍ، فَلَمْ يُأْمَرْ أَحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ بِأَنْ يَدْعُوَ الْمَلَائِكَةَ، وَيَقُولَ: اشْفَعُوا لَنَا إِلَى اللَّهِ وَلَا يَدْعُوَ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ الْمَوْتَى وَالْغَائِبِينَ، وَيَقُولَ: اشْفَعُوا لَنَا إِلَى اللَّهِ وَلَا تُصَوَّرُ تَمَاثِيلُهُمْ لَا مُجَسَّدَةً ذَاتَ ظِلٍّ، وَلَا مُصَوَّرَةً فِي الْحِيطَانِ، وَلَا بِجَعْلِ دُعَاءِ تَمَاثِيلِهِمْ وَتَعْظِيمِهَا قُرْبَةً وَطَاعَةً، سَوَاءٌ قَصَدُوا دُعَاءَ أَصْحَابِ التَّمَاثِيلِ، وَتَعْظِيمَهُمْ وَالِاسْتِشْفَاعَ بِهِمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ - تَعَالَى -، وَجَعَلُوا تِلْكَ التَّمَاثِيلَ تَذْكِرَةً بِأَصْحَابِهَا، أَوْ قَصَدُوا دُعَاءَ التَّمَاثِيلِ وَلَمْ يَسْتَشْعِرُوا أَنَّ
[ ٣ / ١١٣ ]
الْمَقْصُودَ دُعَاءُ أَصْحَابِهَا، كَمَا فَعَلَهُ جُهَّالُ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا جَمِيعِهِ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَقْصِدُونَ عِبَادَتَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ لَهُمْ فِي صُورَةٍ مَا يَظُنُّونَ أَنَّهَا صُورَةُ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ، وَيَقُولُ: أَنَا الْخَضِرُ، أَنَا الْمَسِيحُ، أَنَا جِرْجِسُ، أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ.
كَمَا قَدْ وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ فِي بَعْضِ التَّمَاثِيلِ فَيُخَاطِبُهُمْ، وَقَدْ يَقْضِي بَعْضَ حَاجَاتِهِمْ، فَبِهَذَا السَّبَبِ وَأَمْثَالِهِ ظَهَرَ الشِّرْكُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَفَعَلَ النَّصَارَى وَأَشْبَاهُهُمْ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الشِّرْكِ.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - فَنَهَوْا عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَلَمْ يَشْرَعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَالنَّصَارَى لَا يَأْمُرُونَ بِتَعْظِيمِ الْأَوْثَانِ الْمُجَسَّدَةِ، وَلَكِنْ بِتَعْظِيمِ التَّمَاثِيلِ الْمُصَوَّرَةِ، فَلَيْسُوا عَلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ، وَلَيْسُوا كَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَيُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، فَلِهَذَا جَعَلَهُمُ اللَّهُ نَوْعًا مِنْ غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ تَارَةً، وَذَمَّهُمْ عَلَى مَا أَحْدَثُوهُ مِنَ الشِّرْكِ تَارَةً.
وَإِذَا أَطْلَقَ لَفْظَ الشِّرْكِ فَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تُدْخِلُ فِيهِ جَمِيعَ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] .
[ ٣ / ١١٤ ]
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ اللَّفْظَ عَامًّا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَلَا سِيَّمَا النَّصَارَى ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَنْهَى عَنْ نِكَاحِ هَؤُلَاءِ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، يَنْهَى عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَيَقُولُ: لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ عِيسَى رَبُّهَا.
وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَيُجَوِّزُونَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّاتِ وَيُبِيحُونَ ذَبَائِحَهُمْ لَكِنْ إِذَا قَالُوا لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ عَامٌّ قَالُوا: هَذِهِ الْآيَةُ
[ ٣ / ١١٥ ]
مَخْصُوصَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥] .
وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَجْعَلُ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أُطْلِقَ لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا كَوْنُ النَّصَارَى فِيهِمْ شِرْكٌ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] .
أَنَّ النَّصَارَى لَمْ يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ الَّذِينَ أَشْرَكُوا كَمَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ الْيَهُودِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] .
وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ تَتَنَوَّعُ دَلَالَتُهُ بِالْإِفْرَادِ وَالِاقْتِرَانِ
[ ٣ / ١١٦ ]
فَيَدْخُلُ فِيهِ مَعَ الْإِفْرَادِ وَالتَّجْرِيدِ مَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ بِغَيْرِهِ، كَلَفْظِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
فَإِنَّهُ هُنَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ، وَجَمِيعَ مَا نَهَى عَنْهُ فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] .
فَهُنَا قَرَنَ الصَّدَقَةَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَكَذَلِكَ الْمُنْكَرُ فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] .
قَرَنَ الْفَحْشَاءَ بِالْمُنْكَرِ، وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] .
قَرَنَ الْفَحْشَاءَ بِالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْبِرِّ وَالْإِيمَانِ، إِذَا أَفْرَدَهُ أَدْخَلَ فِيهِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَالتَّقْوَى، كَقَوْلِهِ:
[ ٣ / ١١٧ ]
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وَقَالَ:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] .
وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] .
وَقَدْ يُقْرِنُهُ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] .
وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] .
وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْفَقِيرِ، وَالْمِسْكِينِ إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ فِيهِ مَعْنَى الْآخَرِ.
وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] .
[ ٣ / ١١٨ ]
فَيَكُونَانِ هُنَا صِنْفَيْنِ، وَفِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَكَذَلِكَ لَفْظُ الشِّرْكِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ:
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] .
يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْكُفَّارِ، أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ أَفْرَدَهُ وَجَرَّدَهُ، وَإِنْ كَانُوا إِذَا قُرِنَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ كَانَا صِنْفَيْنِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «كَانَ إِذَا أَرْسَلَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ، أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَوْصَاهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَقَالَ لَهُمْ: اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى خِلَالٍ ثَلَاثٍ - فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمُ - ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ إِلَى ذَلِكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ
[ ٣ / ١١٩ ]
وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ نَصِيبٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» .
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَهِيَ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكٍ لَمَّا قَاتَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَالْيَهُودَ بِالْيَمَنِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الْجِزْيَةِ: هَلْ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
[ ٣ / ١٢٠ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ الْقُرْآنَ سَوَّى بَيْنَ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ]
قَالُوا وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] .
فَسَاوَى بِهَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ: الْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ:
أَوَّلًا: لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَطْلُوبِكُمْ، فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ، وَأَنْتُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ
[ ٣ / ١٢١ ]
كُفَّارٌ مِنْ حِينِ بُعِثَ الْمَسِيحُ إِلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُ.
وَكَذَلِكَ الصَّابِئُونَ مِنْ حِينِ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ فَكَذَّبُوهُ، فَهُمْ كُفَّارٌ. فَإِنْ كَانَ فِي الْآيَةِ مَدْحٌ لِدِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ فَفِيهَا مَدْحُ دِينِ الْيَهُودِ أَيْضًا، وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَدْحُ الْيَهُودِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ فَلَيْسَ فِيهَا مَدْحٌ لِدِينِ النَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِلْيَهُودِيِّ، إِنِ احْتَجَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ دِينِهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ النَّصَارَى يُكَفِّرُونَ الْيَهُودَ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُمْ حَقًّا لَزِمَ كُفْرُ الْيَهُودِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَزِمَ بُطْلَانُ دِينِهِمْ فَلَابُدَّ مِنْ بُطْلَانِ أَحَدِ الدِّينَيْنِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مَدَحَتْهُمَا، وَقَدْ سَوَّتْ بَيْنَهُمَا.
فَعُلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَمْدَحْ وَاحِدًا مِنْهُمَا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَالَّذِينَ هَادُوا الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُوسَى - ﵇ -، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى شَرْعِهِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمَسِيحَ - ﵇ -، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى شَرِيعَتِهِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ.
[ ٣ / ١٢٢ ]
وَالصَّابِئِينَ وَهُمُ الصَّابِئُونَ الْحُنَفَاءُ، كَالَّذِينَ كَانُوا مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ قَبْلَ التَّبْدِيلِ وَالنَّسْخِ.
فَإِنَّ الْعَرَبَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَغَيْرِهِ الَّذِينَ كَانُوا جِيرَانَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ كَانُوا حُنَفَاءَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَنْ غَيَّرَ دِينَهُ بَعْضُ وُلَاةِ خُزَاعَةَ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ بِالشِّرْكِ، وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ - أَيْ أَمْعَاءَهُ - فِي النَّارِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ
[ ٣ / ١٢٣ ]
السَّوَائِبَ، وَغَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ» .
وَكَذَلِكَ بَنُو إِسْحَاقَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُوسَى مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ كَانُوا مِنَ السُّعَدَاءِ الْمَحْمُودِينَ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ وَإِبْرَاهِيمَ، وَنَحْوُهُمْ هُمُ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] .
فَأَهْلُ الْكِتَابِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَيْسُوا مِمَّنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ١٢٤ ]
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَفَّرَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَ مُوسَى وَالْمَسِيحِ، وَكَذَّبُوا بِالْمَسِيحِ أَوْ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَتِلْكَ آيَاتٌ صَرِيحَةٌ، وَنُصُوصٌ كَثِيرَةٌ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى سَلَكُوا فِي الْقُرْآنِ مَا سَلَكُوهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَدَعُونَ النُّصُوصَ الْمُحْكَمَةَ الصَّرِيحَةَ الْبَيِّنَةَ الْوَاضِحَةَ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، وَيَتَمَسَّكُونَ بِالْمُتَشَابِهِ الْمُحْتَمَلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِمْ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِيهِمْ وَفِي أَمْثَالِهِمْ:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
[ ٣ / ١٢٥ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا كَلِمَةَ اللَّهِ عِنْدَهُمُ الَّتِي عَظَّمَهَا الْقُرْآنُ]
قَالُوا: ثُمَّ مَدَحَ قَرَابِينَنَا وَتَوَّعَدَنَا إِنْ أَهْمَلْنَا مَا مَعَنَا وَكَفَرْنَا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا أَنْ يُعَذِّبَنَا عَذَابًا أَلِيمًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ:
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] (١١٢) ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] (١١٣) ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (١١٤) ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] .
فَالْمَائِدَةُ هِيَ الْقُرْبَانُ الْمُقَدَّسُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ فِي كُلِّ قُدَّاسٍ.
[ ٣ / ١٢٦ ]
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ:
هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، كَمَا كَذَبْتُمْ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَاتِ ذِكْرُ قَرَابِينِكُمْ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ الْمَائِدَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ - ﵇ -، وَقَوْلُهُمْ: الْمَائِدَةُ هِيَ الْقُرْبَانُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ فِي كُلِّ قُدَّاسٍ، هُوَ أَوَّلًا: قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَثَانِيًا: هُوَ قَوْلٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ نَقَلُوا هَذَا الْقُرْآنَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَائِدَةَ مَائِدَةٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى عَهْدِ الْمَسِيحِ - ﵇ -، وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ تَعْرِفُهَا الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهَا قَرَابِينُ النَّصَارَى، وَلَيْسَ فِي لَفْظِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْآيَةَ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمَائِدَةَ مُنَزَّلَةٌ مِنَ السَّمَاءِ وَقَرَابِينُهُمْ هِيَ عِنْدَهُمْ فِي الْأَرْضِ لَمْ تَنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ.
وَفِي الْآيَةِ أَنَّ عِيسَى قَالَ:
﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (١١٤) ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] .
[ ٣ / ١٢٧ ]
وَفِي أَوَّلِ الْكَلَامِ:
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] (١١٢) ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] .
فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَرَابِينِهِمُ الْمَوْجُودَةِ الْيَوْمَ؟
[ ٣ / ١٢٨ ]
[فَصْلٌ: تَكْرِيمُ الْإِسْلَامِ لِلْمَسِيحِ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]
قَالُوا: وَلِمَا تَقَدَّمَ بِهِ الْقَوْلُ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَنْ نُهْمِلَ رُوحَ الْقُدُسِ وَكَلِمَةَ اللَّهِ الَّذِي شَهِدَ لَهُمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ بِالْعَظَائِمِ، فَقَالَ عَنْ كَلِمَةِ اللَّهِ:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] .
وَالْجَوَابُ:
إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَبْعَثْ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِإِهْمَالِ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ الْمَسِيحِ - ﵇ -، بَلْ أَمَرَهُ بِالْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا أَمَرَهُ بِالْإِيمَانِ بِمُوسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَكَمَا أَمَرَ الْمَسِيحَ بِالْإِيمَانِ بِمُوسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَلَكِنَّهُ أَمَرَ بِإِهْمَالِ مَا ابْتُدِعَ مِنَ الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ - ﵇ -، وَمَا نَسَخَهُ اللَّهُ مِنْ شَرْعِهِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَيُهْمِلُ الْمُبَدَّلَ وَالْمَنْسُوخَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ
[ ٣ / ١٢٩ ]
الْمَسِيحَ أَنْ يُهْمِلَ مَا ابْتَدَعَتْهُ الْيَهُودُ مِنَ الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ، وَمَا نَسَخَهُ مِنْ شَرْعِ مُوسَى.
فَكَمَا أَمَرَ الْمَسِيحَ أَنْ يُهْمِلَ الْمُبَدَّلَ وَالْمَنْسُوخَ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى - ﵇ -، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِهْمَالٌ لِمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ التَّوْرَاةِ وَمُوسَى - ﵇ -، فَكَذَلِكَ إِذَا أُهْمِلَ الْمُبَدَّلُ وَالْمَنْسُوخُ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِهْمَالٌ لِمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ الْإِنْجِيلِ وَالْمَسِيحِ، بَلْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَأَنْ لَا نُفَرِّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
وَالنَّصَارَى كَالْيَهُودِ، آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَأَيُّمَا هُوَ اللَّائِقُ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ، أَنْ نُؤْمِنَ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، أَوْ نُؤْمِنَ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرَ بِبَعْضٍ وَأَيُّمَا هُوَ اللَّائِقُ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَنَعْبُدُهُ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، أَوْ نَبْتَدِعَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْعِبَادَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ اللَّهُ كِتَابًا وَلَا بَعَثَ بِهِ رَسُولًا وَنُضَاهِي الْمُشْرِكِينَ عُبَّادَ الْأَوْثَانِ؟
[ ٣ / ١٣٠ ]
قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
فَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يُهْمِلُوا رُوحَ الْقُدُسِ، وَكَلِمَةَ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - عَنْ كَلِمَةِ اللَّهِ:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] .
، بَلْ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا دِينَهُ وَدِينَ الرُّسُلِ قَبْلَهُ فَإِنَّ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - جَمِيعِهِمْ وَاحِدٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ
[ ٣ / ١٣١ ]
- ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
فَدِينُ الْمُرْسَلِينَ كُلِّهِمْ دِينٌ وَاحِدٌ، وَيَتَنَوَّعُ شَرْعُهُمْ وَمَنَاهِجُهُمْ كَتَنَوُّعِ شَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ دِينَ الْمَسِيحِ هُوَ دِينُ مُوسَى، وَهُوَ دِينُ الْخَلِيلِ قَبْلَهُمَا، وَدِينُ مُحَمَّدٍ بَعْدَهُمَا، مَعَ أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ مَا نَسَخَ مِنْهَا وَهُوَ قَبْلَ النَّسْخِ وَبَعْدَهُ دِينُهُ دِينُ مُوسَى وَلَمْ يُهْمِلْ دِينَ مُوسَى.
كَذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ هُمْ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَسَائِرِ الرُّسُلِ وَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمَسِيحَ وَلِهَذَا جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ النَّصَارَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَالنَّصَارَى الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ
[ ٣ / ١٣٢ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِيئُونَ مِنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ، كَبَرَاءَةِ مُوسَى مِمَّنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ دِينَهُ وَكَذَّبَ الْمَسِيحَ.
وَالْمُسْلِمُونَ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلْمَسِيحِ - ﵇ - وَاتِّبَاعًا لَهُ بِالْحَقِّ مِمَّنْ بَدَّلَ دِينَهُ وَخَالَفَهُ مِنَ النَّصَارَى، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُصَدِّقُونَهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّفُونَ مَا قَالَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يُفَسِّرُونَ كَلَامَهُ بِغَيْرِ مُرَادِهِ، وَكَلَامَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، وَهَذَا إِذَا قَالَهُ الْمَسِيحُ فَإِنَّهُ يُفَسَّرُ بِلُغَتِهِ وَعَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَعَادَةِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، (وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ وَلَا فِي كَلَامِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا كَلَامِ غَيْرِهِمْ أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ) الْقَائِمَةَ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَ- تَعَالَى - تُسَمَّى ابْنًا، وَلَا رُوحَ قُدُسٍ، وَلَا تُسَمَّى صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ ابْنًا، وَلَا رُوحَ قُدُسٍ، وَلَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ اسْمُ الِابْنِ وَاقِعًا إِلَّا عَلَى مَخْلُوقٍ.
وَالْمُرَادُ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ أَنَّهُ مُصْطَفًى مَحْبُوبٌ لِلَّهِ، كَمَا يَنْقُلُونَهُ أَنَّهُ قَالَ لِإِسْرَائِيلَ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي)، وَلَدَاوُدَ (أَنْتَ ابْنِي
[ ٣ / ١٣٣ ]
وَحَبِيبِي)، وَأَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ (أَبِي وَأَبِيكُمْ)، فَجَعَلَهُ أَبًا لِلْجَمِيعِ، وَهُمْ كُلُّهُمْ مَخْلُوقُونَ فَيَكُونُ اسْمُ الِابْنِ وَاقِعًا عَلَى الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ نَاسُوتٌ مَخْلُوقٌ، فَعَمَدَ هَؤُلَاءِ الضَّلَالَ فَجَعَلُوا اسْمَ الِابْنِ وَاقِعًا عَلَى اللَّاهُوتِ، قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَزَعَمُوا أَنَّ الِابْنَ يُرَادُ بِهِ الِابْنُ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ الْمَخْلُوقُ، وَهُوَ الِابْنُ بِالطَّبْعِ، وَهُوَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ الْمَوْلُودُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ هُمْ أَحْدَثُوهُ وَابْتَدَعُوهُ وَلَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ أَنَّهُ سَمَّى الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ ابْنًا، وَلَا جَعَلَ لَهُ ابْنًا قَدِيمًا مَوْلُودًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَلَا سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ قَطُّ ابْنًا.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ رُوحِ الْقُدُسِ مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ
[ ٣ / ١٣٤ ]
- ﵈ - لَا يُرَادُ بِهَذَا قَطُّ حَيَاةُ اللَّهِ وَلَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ.
وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ، وَيَجْعَلُهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ هُدَاهُ وَنُورِهِ وَوَحْيِهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَمِمَّا يُنَزِّلُ بِذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الْأَنْبِيَاءُ رُوحَ الْقُدُسِ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ الْمَسِيحُ، بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ قَدْ أَنْزَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ كَانَتْ فِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَتْ أَيْضًا عِنْدَهُمْ فِي الْحَوَارِيِّينَ.
وَهَكَذَا خَاتَمُ الرُّسُلِ، كَانَ يَقُولُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُدَافِعُ عَنْ نَبِيِّهِ»، وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
[ ٣ / ١٣٥ ]
فَرُوحُ الْقُدُسِ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ - ﵇ - بِهَا، بَلْ مَا يُفَسَّرُ بِهِ اسْمُ الِابْنِ وَاسْمُ رُوحِ الْقُدُسِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وُصِفَ بِهِ الْمَسِيحُ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وَإِذَا فَسَّرُوا الْحُلُولَ بِظُهُورِ نُورِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ وَهُدَاهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ فَهَذَا حَقٌّ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ.
فَأَمَّا نَفْسُ ذَاتِ اللَّهِ فَلَمْ تَحِلَّ فِي أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ.
وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ شَهَادَتِهِمْ لِلْمَسِيحِ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُؤَيَّدٌ مَنْصُورٌ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَطَهَّرَهُ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُسَلِّطْهُمْ عَلَيْهِ.
وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ أَنَّ اسْمَ الْمَسِيحِ اسْمُ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ وَأَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، وَهَذَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا وَعَقْلًا ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِالصِّفَاتِ الْمُتَنَاقِضَةِ، يَصِفُونَهُ بِأَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَشْرَارِ الْيَهُودِ وَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَأَهَانُوهُ وَصَلَبُوهُ وَفَعَلُوا بِهِ مَا لَا يُفْعَلُ بِأَخَسِّ النَّاسِ، وَيَقُولُونَ مَعَ هَذَا: إِنَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.
[ ٣ / ١٣٦ ]
[فَصْلٌ: نَسْخُ شَرْعِ التَّوْرَاةِ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ حَقٌّ]
قَالُوا ثُمَّ شَهِدَ لِقَرَابِينِنَا وَذَبَائِحِنَا أَنَّهَا مُقَدَّسَةٌ مَقْبُولَةٌ لَدَى اللَّهِ مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ يَوْمَنَا هَذَا الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ.
قَالَ أَشْعِيَا: (قَالَ اللَّهُ: إِنِّي أَعْرِفُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلُوبَهُمُ الْقَاسِيَةَ الْخَبِيثَةَ فَإِذَا أَنَا ظَهَرْتُ إِلَى الْأُمَمِ فَنَظَرُوا إِلَى كَرَامَتِي أُقِيمُ مِنْهَا أَنْبِيَاءَ وَأَبْعَثُ مِنْهُمْ مُخَلِّصِينَ يُخَلِّصُونَ الْأُمَمَ مِنَ الْبُلْدَانِ الْقَاصِيَةِ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا بِسَمَاعِي، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْ قَبْلُ كَرَامَتِي، وَيَكُونُ اسْمِي فِيهِمْ، وَيَجْلِبُونَ إِخْوَتَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ كُلِّهَا، وَيُجِيبُونَ قَرَابِينَ اللَّهِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْمَرَاكِبِ إِلَى جَبَلٍ قُدْسِيٍّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيُقَرِّبُونَ لِي الْقَرَابِينَ بِالسَّمِيدِ، كَمَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلُ وَكَذَلِكَ بَاقِي الْأُمَمِ وَتُقَرَّبُ الْقَرَابِينُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَهُمْ وَزَرْعُهُمْ إِلَى الْأَبَدِ، وَيَحُجُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَفِي كُلِّ شَهْرٍ، وَمِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، بَيْتِ اللَّهِ وَيُقَرِّبُونَ لِلَّهِ رَبِّهِمْ فِيهِ قَرَابِينَ زَكِيَّةً نَقِيَّةً، يَنْظُرُونَ إِلَى الْأُمَّةِ الْخَبِيثَةِ الْمَارِدَةِ: بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَا يَبْلَى حُزْنُهَا وَلَا يَنْقَطِعُ، بَلَاؤُهَا إِلَى الْأَبَدِ) .
[ ٣ / ١٣٧ ]
وَقَالَ دَانْيَالُ النَّبِيُّ - ﵇ -: (وَسَيَأْتِي عَلَى شَعْبِكَ وَقَرْيَةِ قُدْسِكَ سَبْعُونَ سَابُوعًا، وَتَنْقَضِي الذُّنُوبُ، وَتَفْنَى الْخَطَايَا وَغُفْرَانُ الْإِثْمِ، وَيُؤْتَى بِالْحَقِّ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ مِنْ قَبْلُ، وَتَتِمُّ نُبُوَّاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَكُتُبُ الرُّسُلِ، وَتَبِيدُ قَرْيَةُ الْقُدْسِ وَتُخَرَّبُ مَعَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ، وَيَفْنَى الْمِيثَاقُ الْعَتِيقُ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ بَعْدِ أُسْبُوعٍ وَنِصْفٍ تَبْطُلُ ذَبَائِحُ الْيَهُودِ وَقَرَابِينُهُمْ، وَتَصِيرُ عَلَى كَفِّ النَّجَاسَةِ وَالْفَسَادِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ) .
[ ٣ / ١٣٨ ]
وَقَالَ مِيخَا النَّبِيُّ - ﵇ -: (قَالَ اللَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِذَا أَتَى الْمَسِيحُ يَدْعُو الْأُمَمَ الْمُبَدَّدَةَ، وَيَضَعُهُمْ شَعْبًا وَاحِدًا، وَيُبْطِلُ قِتَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسِلَاحَهُمْ وَقَرَابِينَهُمْ إِلَى الْأَبَدِ) .
وَقَالَ عَامُوصُ النَّبِيُّ: (لَا تَذْبَحُوا الْعُجُولَ بَعْدُ فَإِنَّ الرَّبَّ سَيَأْتِي صِهْيُونَ وَيُحْدِثُ وَصِيَّةً جَدِيدَةً طَاهِرَةً مِنَ الْخُبْزِ النَّقِيِّ وَالْخَمْرِ الزَّكِيِّ وَيَصِيرُ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَطْرُودِينَ) .
[ ٣ / ١٣٩ ]
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنَ النَّقْلِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى أَرْبَعِ مُقَدِّمَاتٍ: إِلَى أَنْ تُعْلَمَ نُبُوَّةُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ، وَالَى أَنْ يُعْلَمَ لَفْظُهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وَإِلَى أَنْ يُعْلَمَ مَا ذَكَرُوهُ تَرْجَمَةً صَحِيحَةً عِنْدَهُ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِالْعَرَبِيَّةِ، بَلْ وَلَا بِالرُّومِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِالْعِبْرِيَّةِ، كَالْمَسِيحِ - ﵇ -.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِنْ قَبُولِ قَرَابِينِهِمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَنَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ نَقْتَصِرُ عَلَى مُنَازَعَتِهِمْ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ، فَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ دَلِيلٌ عَلَى مَدْحِ قَرَابِينِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ وَالنَّسْخِ، وَلَكِنَّ غَايَتَهَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَدْحِهَا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ النُّعُوتَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ " أَشْعِيَا " وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُوَافِقُ مَا عَلَيْهِ النَّصَارَى، فَإِنَّ النَّصَارَى لَا يُقَرِّبُونَ الْقَرَابِينَ بِالسَّمِيدِ، كَمَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَمِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَيْتِ اللَّهِ، وَيُقَرِّبُونَ لِلَّهِ رَبِّهِمْ فِيهِ قَرَابِينَ نَقِيَّةً زَكِيَّةً، وَإِنَّمَا يَحُجُّونَ إِلَى قُمَامَةَ الْخَارِجَةِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الَّذِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَقْصِدُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بَيْتِ
[ ٣ / ١٤٠ ]
الْمَقْدِسِ، وَيَزُورُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ نَفْسَهُ، وَأَمَّا قُمَامَةُ فَلَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -، بَلْ إِنَّمَا ظَهَرَتْ قُمَامَةُ فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، لَمَّا أَظْهَرَتْهَا أُمُّهُ هِيلَانَةُ الْحَرَّانِيَّةُ لَمَّا جَاءَتْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَاخْتَارَتْ مِنَ الْيَهُودِ ثَلَاثَةً، وَسَأَلَتْهُمْ أَنْ يَدُلُّوهَا عَلَى مَوْضِعِ الصَّلِيبِ فَامْتَنَعُوا، فَعَاقَبَتْهُمْ بِالْحَبْسِ وَالْجُوعِ، فَدَلُّوهَا عَلَى مَوْضِعِهِ فِي مَزْبَلَةٍ فَاسْتَخْرَجُوهُ، وَجَعَلَتْهُ فِي غِلَافٍ مِنْ ذَهَبَ وَحَمَلَتْهُ، وَبَنَتْ كَنِيسَةَ الْقُمَامَةِ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ فِي تَارِيخِهِ، وَغَيْرُهُ، كَمَا سَيَأْتِي، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مِائَةِ سَنَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَظْهَرُوا الصَّلِيبَ، وَجَعَلُوا " عِيدَ الصَّلِيبِ "، وَلَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ لَا الْمَسِيحُ وَلَا الْحَوَارِيُّونَ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَائِهِمْ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا هُمْ يَأْتُونَ بِقَرَابِينَ لِلَّهِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْمَرَاكِبِ إِلَى جَبَلِ قُدْسِ بَيْتِ اللَّهِ الْمَقْدِسِ.
[ ٣ / ١٤١ ]
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ عَنْ " دَانْيَالَ " لَا يَتَضَمَّنُ مَدْحَ دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَإِنَّمَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الْمَسِيحَ - ﵇ - بِالْحَقِّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ قَبْلَهُ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ يُخَرَّبُ مَعَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ، وَيَفْنَى الْمِيثَاقُ الْعَتِيقُ، يَعْنِي مَا نُسِخَ مِنْ شَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَأَنَّهُ يُبْطِلُ ذَبَائِحَ الْيَهُودِ وَقَرَابِينَهُمْ.
وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ شَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَبُطَلَانِ دَوْلَةِ الْيَهُودِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ بِالْحَقِّ، وَمَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ كَانَ عَلَى الْحَقِّ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمَسِيحُ فَإِنَّهُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَلَكِنْ مَنْ جَاءَ بِشَرْعٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمَسِيحُ أَوْ أَرَادَ اتِّبَاعَ شَرْعِهِ بَعْدَ النَّسْخِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ نَسَخَ اللَّهُ مَا نَسَخَهُ مِنْ شَرْعِهِمْ وَأَزَالَ دَوْلَتَهُمْ وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِالنَّصَارَى لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَزَالَ دَوْلَتَهُمْ عَنْ وَسَطِ الْأَرْضِ وَخِيَارِهَا وَحَيْثُ بُعِثَتِ الْأَنْبِيَاءُ كَأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ
[ ٣ / ١٤٢ ]
وَالْجَزِيرَةِ، وَالْعِرَاقِ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَجْلَاهُمْ إِلَى طَرَفَيِ الْأَرْضِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ، وَصَارَ الَّذِينَ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ إِذَا لَمْ يُسْلِمُوا أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ عَنْ " مِيخَا " وَ" عَامُوسَ " إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَجِيءِ الْمَسِيحِ - ﵇ -، وَبُطْلَانِ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ وَأَبْطَلَهُ مِنْ شَرْعِ الْيَهُودِ
[ ٣ / ١٤٣ ]
وَمُلْكِهِمْ وَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ دِينِ النَّصَارَى الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ الْمَسِيحُ - ﵇ - وَلَا عَلَى صِحَّتِهِ بَعْدَ أَنْ نُسِخَ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - نَسْخًا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ نَسْخِ بَعْضِ شَرْعِ مُوسَى بِشَرْعِ الْمَسِيحِ - ﵇ -.
هَذَا إِذَا سَمَّى الشَّرْعَ الْمُؤَقَّتَ بِغَايَةٍ مَجْهُولَةٍ نَسْخًا، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُبَشِّرْ بِالثَّانِي.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بَشَّرَ بِالثَّانِي، وَكَانَتْ شَرِيعَةُ الْأَوَّلِ مُؤَقَّتَةٌ إِلَى مَجِيءِ الثَّانِي لَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ نَسْخًا، فَالْمَسِيحُ وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْسَخَا شَيْئًا، بَلْ كَانَ شَرْعُ مُوسَى إِلَى مَجِيءِ الْمَسِيحِ، وَشَرْعُ الْمَسِيحِ إِلَى مَجِيءِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ -.
وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَشْعِيَا عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا ظَهَرْتَ إِلَى الْأُمَمِ فَهَذَا قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ النَّصَارَى وَبِأَمْثَالِهِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - عَلَى الْحُلُولِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَلَا يُرَادُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حُلُولُ ذَاتِ اللَّهِ فِي أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، كَمَا ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ ﷿
[ ٣ / ١٤٤ ]
اسْتَعْلَنَ لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَأْتِي مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَيُشْرِفُ مِنْ سَاعِيرَ، وَيَسْتَعْلِنُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ.
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ- تَعَالَى - لَمْ يَحِلَّ فِي مُوسَى وَغَيْرِهِ لَمَّا كَلَّمَهُ، وَلَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ مَعَ إِخْبَارِهِ أَنَّهُ اسْتَعْلَنَ مِنْهَا.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] .
فَأَظْهَرَهُ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَأَظْهَرَهُ بِالْيَدِ وَالسِّنَانِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] .
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ
[ ٣ / ١٤٥ ]
الْمُؤْمِنِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ
[ ٣ / ١٤٦ ]
بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ تُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاوَاتِ كَمَا تُضِيءُ الْكَوَاكِبُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ.
وَالْمَخْلُوقُ الَّذِي تَظْهَرُ مَحَبَّتُهُ وَذِكْرُهُ وَطَاعَتُهُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، يُقَالُ فُلَانٌ قَدْ ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، فَإِذَا ظَهَرَ ذِكْرُ اللَّهِ وَذِكْرُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدُهُ وَآيَاتُهُ وَعِبَادَتُهُ حَتَّى امْتَلَأَتِ الْقُلُوبُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُمْتَلِئَةً بِظُلْمَةِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ ظُهُورِهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ فِي بُيُوتِهِ الَّتِي يُعْبَدُ فِيهَا وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهُ.
وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ - تَعَالَى - آيَةَ النُّورِ وَقَالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] .
[ ٣ / ١٤٧ ]
قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦] .
وَكَذَلِكَ مَا فِي الْكُتُبِ مِنْ ظُهُورِهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَهُوَ كَظُهُورِهِ بِطُورِ سَيْنَاءَ وَبِجَبَلِ فَارَانَ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَرَهُ مُوسَى وَلَا غَيْرُهُ، لَا مُجَرَّدًا وَلَا حَالًّا فِي غَيْرِهِ وَقَدْ أَخْبَرَ الْمَسِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، كَمَا أَخْبَرَ غَيْرُهُ وَذَلِكَ نَفْيٌ عَامٌّ يُوجِبُ أَنَّهُ لَا يُرَى لَا مُجَرَّدًا، وَلَا حَالًّا فِي دَارِ الدُّنْيَا كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُلَابَسَةَ الشَّيْءِ أَبْلَغُ مِنْ رُؤْيَتِهِ فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ - تَعَالَى - لَا يَرَاهُ نَاسُوتٌ فَأَنْ لَا يُلَابِسَهُ نَاسُوتٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُ اتَّحَدَ هُوَ وَالنَّاسُوتُ وَهَذَا أَعْظَمُ مِنَ الرُّؤْيَةِ.
[ ٣ / ١٤٨ ]
[فَصْلٌ: شَهَادَةُ كُتُبِ الْيَهُودِ لِعِيسَى بِالنُّبُوَّةِ شَهَادَةٌ لِمُحَمَّدٍ]
قَالُوا: فَمَاذَا يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا بُرْهَانًا، وَأَقْوَى شَهَادَةً، إِذْ هَذِهِ كُتُبُ أَعْدَائِنَا الْمُخَالِفِينَ لِدِينِنَا، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ وَيَقْرَءُونَهُ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرُوا مِنْهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا كَانَ عَلَى مَا قَالُوهُ مِنْ ثُبُوتِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَيْسَ فِيهَا مَدْحٌ لِدِينِهِمْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، فَكَيْفَ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ؟ وَإِنَّمَا فِيهَا إِخْبَارٌ بِزَوَالِ مُلْكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبِنَسْخِ مَا نُسِخَ مِنْ شَرْعِهِمْ بِمَجِيءِ الْمَسِيحِ - ﵇ -، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَصِدْقِهِ وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَالْمَسِيحُ - ﵇ - عِنْدَهُمْ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ، بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - لِمَرْيَمَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦] .
[ ٣ / ١٤٩ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ هَذَا وَغَيْرَهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَعْدَائِنَا الْيَهُودِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ لَا رَيْبَ أَنَّ الْيَهُودَ يُخَالِفُونَكُمْ فِي تَفْسِيرِ الْكُتُبِ، فَأَنْتُمْ تُفَسِّرُونَهَا بِشَيْءٍ، وَهُمْ يُفَسِّرُونَهَا بِشَيْءٍ آخَرَ وَقَدْ يَكُونُ كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ بَاطِلًا وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لَكُمْ كَمَا أَنَّ كُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ شَاهِدَةٌ لِلْمَسِيحِ وَلِدِينِهِ وَإِنْ خَالَفَتْكُمُ الْيَهُودُ فِي تَفْسِيرِهَا، فَكَذَلِكَ هِيَ شَاهِدَةٌ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأُمَّتِهِ، وَإِنْ خَالَفَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِهَا كَمَا قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَالْوَاجِبُ فِي الْكُتُبِ إِذَا تَنَازَعَتِ الْأُمَمُ فِي تَفْسِيرِهَا أَنْ يَبِينَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ وَالْعَقْلِيُّ، وَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أَنَّكُمْ فَسَّرْتُمْ كُتُبَ اللَّهِ بِأَشْيَاءَ تُخَالِفُ مُرَادَ اللَّهِ فِي أَمْرِ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ بِتَفْسِيرِ الْكُتُبِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[ ٣ / ١٥٠ ]
[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ]
قَالُوا: وَأَيْضًا فِي قَوْلِ هَذَا الْإِنْسَانِ مِمَّا أَتَى فِي كِتَابِهِ حَيْثُ اتَّبَعَ الْقَوْلَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْنَا مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي سُورَةِ سَبَأٍ حَيْثُ يَقُولُ:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
وَأَيْضًا فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ يَقُولُ:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ نَقْلَهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ كِتَابَهُ مَمْلُوءٌ بِدَعْوَتِهِمْ وَأَمْرِهِ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ، بَلْ وَبِعُمُومِ رِسَالَتِهِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، بَلْ وَإِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَطُّ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِدَعْوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
[ ٣ / ١٥١ ]
وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ النَّصَارَى الَّذِي اسْمُهُ هِرَقْلُ بِالشَّامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -:
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] .
يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُنْذِرِ الْأُمِّيِّينَ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُنْذِرُ غَيْرَهُمْ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
يَقْتَضِي إِنْذَارَ قَوْمِهِ وَلَا يُنَافِي أَنْ يُنْذِرَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي قُرَيْشٍ:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣] .
لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ قُرَيْشٍ مَأْمُورِينَ بِعِبَادَةِ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، بَلْ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ الثَّقَلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَنْ يَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَكَتَ عَنْ مَا سِوَى الْأُمِّيِّينَ فِي هَذَا، فَيُشْعِرُ بِالنَّفْيِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي يُسَمَّى مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، قِيلَ ذَاكَ إِنَّمَا يَدُلُّ إِذَا
[ ٣ / ١٥٢ ]
لَمْ يَكُنْ فِي التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ سِوَى الِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ كَحُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَهُنَا لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ -، أَمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ أَوَّلًا، ثُمَّ يُنْذِرُ الْعَرَبَ الْأُمِّيِّينَ ثُمَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ وَغَيْرَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا.
[ ٣ / ١٥٣ ]
[فَصْلٌ: اللَّهُ ﷾ نَفَى جَمِيعَ وُجُوهِ الشِّرْكِ بِهِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ فَمِنَ الْكَذِبِ الْبَيِّنِ فَإِنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ:
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] (٢٢) ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] (٢٣) ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (٢٤) ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] (٢٥) ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦] .
فَإِنَّهُ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَدْعُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا هُوَ شَرِيكٌ، وَلَا هُوَ ظَهِيرٌ وَلَا يَنْفَعُ شَفِيعٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، نَفَى بِذَلِكَ جَمِيعَ وُجُوهِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ مَا يُشْرَكُ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُلْكٌ أَوْ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أَوْ يَكُونَ مُعِينًا، فَإِذَا انْتَفَتِ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي هِيَ دُعَاءٌ لَكَ
[ ٣ / ١٥٤ ]
وَمَسْأَلَةٌ وَتِلْكَ لَا تَنْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لَا رَازِقَ يَرْزُقُ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا اللَّهُ دَلَّ بِهَذَا وَهَذَا عَلَى التَّوْحِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] (٥٣) ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] (٥٤) ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .
فَلَمَّا ذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ، وَبَيَانِ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ هُمْ عَلَى الْهُدَى، وَأَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ عَلَى الضَّلَالِ قَالَ:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
يَقُولُ: إِنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، وَأَهْلِ الشِّرْكِ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
وَهَذَا مِنَ الْإِنْصَافِ فِي الْخِطَابِ الَّذِي كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ وَلِيٍّ وَعَدُوٍّ قَالَ لِمَنْ خُوطِبَ بِهِ قَدْ أَنْصَفَكَ صَاحِبُكَ، كَمَا يَقُولُ الْعَادِلُ الَّذِي ظَهَرَ عَدْلُهُ لِلظَّالِمِ الَّذِي ظَهَرَ ظُلْمُهُ: الظَّالِمُ إِمَّا أَنَا وَإِمَّا أَنْتَ، لَا لِلشَّكِّ فِي الْأَمْرِ الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ لِبَيَانِ أَنَّ أَحَدَنَا ظَالِمٌ ظَاهِرُ الظُّلْمِ، وَهُوَ أَنْتَ لَا أَنَا.
[ ٣ / ١٥٥ ]
فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: أَهْلُ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَلَى هُدًى، أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَأَهْلُ الشِّرْكِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ عَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
تَبَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ عَلَى الْهُدَى، وَأَهْلَ الشِّرْكِ عَلَى الضَّلَالِ، وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُهُ جَمِيعُ الْمِلَلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَعْلَمُونَ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ عَلَى الْهُدَى، وَأَهْلَ الشِّرْكِ عَلَى الضَّلَالِ.
وَفِي الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ مِثْلِ هَذَا مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ، بَلْ قُطْبُ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ وَمَدَارُهَا عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ الرَّسُولَ كَانَ يَشُكُّ هَلِ الْمُهْتَدَى هُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ أَمْ أَهْلُ الشِّرْكِ؟ وَهَلْ يَقُولُ هَذَا إِلَّا مَنْ هُوَ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالْعِنَادِ.
(ثُمَّ الْآيَةُ خِطَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لَيْسَتْ خِطَابًا لِلنَّصَارَى خُصُوصًا) .
[ ٣ / ١٥٦ ]
[فَصْلٌ: الرَّسُولُ بَشَرٌ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا يَقُولُ إِنَّهُ مَلَكٌ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: قُلْ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ، فَلَفْظُ الْآيَةِ:
﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] .
وَهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: ٨] .
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وَهَذَا قَالَهُ نُوحٌ - ﵇ - أَوَّلُ الرُّسُلِ، وَأُمِرَ مُحَمَّدٌ
[ ٣ / ١٥٧ ]
- ﷺ - آخِرُ الرُّسُلِ أَنْ يَقُولَهُ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] (٢١) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢] (٢٢) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
وَهَذَا وَنَحْوُهُ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَتَعَدَّى حَدَّ الرِّسَالَةِ وَلَا يَدَّعِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، كَمَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] .
فَتَبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى حَدَّ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ.
وَلِهَذَا قَالَ - ﷺ - وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» .
[ ٣ / ١٥٨ ]
فَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .
يَقُولُ لَسْتُ أَوَّلَ مَنْ أُرْسِلَ، أَوِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلِي رُسُلٌ:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] .
يَقُولُ لَا أَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكُمْ بِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ أُنْذِرَكُمْ بِهِ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ صِدْقِهِ وَعَدْلِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَتَمْيِيزِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْخَالِقُ وَحْدَهُ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْعَبْدُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَلَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرَّسُولِ أَنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَا يَكُونُ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .
نَفْيٌ لِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ مَا يُفْعَلُ بِهِ وَبِهِمْ وَهَذَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ
[ ٣ / ١٥٩ ]
- ﵎ -، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّهُ سَعِيدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ تَفَاصِيلَ مَا يَجْرِي لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمِحَنِ وَالْأَعْمَالِ، وَمَا يَتَجَدَّدُ لَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَمَا يُكْرَمُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَصْنَافِ النَّعِيمِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)»، وَأَيْضًا هَذَا مَأْثُورٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -.
وَلَا مِنْ شَرْطِ النَّبِيِّ أَنْ يَعْلَمَ حَالَ الْمُخَاطَبِينَ: مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرُ، وَتَفْصِيلَ مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ، هَذَا إِنْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نُفِيَ فِيهَا، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْلِمْهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً، بَلْ أَعْلَمَهُ بِالْأُمُورِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
[ ٣ / ١٦٠ ]
«إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا» (١) «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا» (٢) «وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا» .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] .
وَفِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ عَنْهُ - ﷺ - مِنَ الْإِخْبَارِ بِمَا سَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يُوجَدُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، حَتَّى إِنَّهُ يُنَبِّئُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ مَا يَبِينُ مِنَ السِّنِينَ خَبَرًا أَكْمَلَ مِنْ خَبَرِ مَنْ عَايَنَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الْأَعْيُنِ، ذُلْفَ الْأُنُوفِ، حُمْرَ الْخُدُودِ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، فَمَنْ رَأَى
[ ٣ / ١٦١ ]
هَؤُلَاءِ التُّرْكَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ حِينِ خَرَجَ جِنْكِزْ خَانْ مَلِكُهُمُ الْأَكْبَرُ وَأَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، مِثْلُ هُولَاكُو وَغَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ التُّرْكِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَصِفَهُمْ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ» .
وَقَدْ أَخْبَرَ بِهَذَا قَبْلَ ظُهُورِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَوْلِهِ: ﷺ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى،» وَهَذِهِ النَّارُ ظَهَرَتْ سَنَةَ
[ ٣ / ١٦٢ ]
خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَكَانَتْ تَحْرِقُ الْحَجَرَ وَلَا تُنْضِجُ اللَّحْمَ، وَرَأَى أَهْلُ بُصْرَى أَعْنَاقَ الْجِمَالِ مِنْ ضَوْءِ تِلْكَ النَّارِ، وَكَانَتْ مُنْذِرَةً بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا، فَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ دَخَلَ هُولَاكُو مَلِكُ الْكُفَّارِ بَغْدَادَ، وَقَتَلَ فِيهَا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً مَشْهُورَةً (وَسَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - بَعْضُ أَخْبَارٍ أَنَّهُ شَاهَدَ النَّاسُ وُقُوعَهَا كَمَا أَخْبَرْنَا عِنْدَ ذِكْرِنَا مُعْجِزَاتِهِ) .
[ ٣ / ١٦٣ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ]
ثُمَّ قَالُوا: مَعَ الْأَمْرِ لَهُ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَنْ يَسْأَلَ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فَإِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ الثَّلَاثَ أُمَمٍ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِهِ، وَهُمُ: النَّصَارَى، وَالْيَهُودُ وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ أُمَمٌ.
فَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ نَحْنُ النَّصَارَى وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ فَلَا - يُشَكُّ أَنَّهُمُ - الْيَهُودُ، الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَهَذَا الْكِتَابِ، وَالضَّالِّينَ فَهُمْ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ اللَّهِ، فَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالصِّرَاطُ: هُوَ الْمَذْهَبُ، أَيِ الطَّرِيقُ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ رُومِيَّةٌ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ بِالرُّومِيَّةِ اسْطِرَاطَا.
وَالْجَوَابُ:
أَمَّا قَوْلُهُمْ: الْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ نَحْنُ النَّصَارَى، فَمِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى فَرْطِ جَهْلِ صَاحِبِهَا، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ هَذَا شَيْءٌ بَيِّنٌ
[ ٣ / ١٦٤ ]
وَاضِحٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ ذَوِي الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ!
أَلَمْ يَعْرِفِ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ عِلْمًا ضَرُورِيًّا لَا تُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَدِينِ أُمَّتِهِ الَّذِي تَلَقَّوْهُ عَنْهُ مِنْ تَكْفِيرِ النَّصَارَى وَتَجْهِيلِهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ وَاسْتِحْلَالِ جِهَادِهِمْ وَسَبْيِ حَرِيمِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، مَا يُنَاقِضُ كُلَّ الْمُنَاقَضَةِ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا صِرَاطَ النَّصَارَى.
وَهَلْ يَنْسِبُ مُحَمَّدًا - ﷺ - وَأُمَّتَهُ إِلَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَهْدِيَهُمْ صِرَاطَ النَّصَارَى إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَكْذَبِ الْكَذَّابِينَ وَأَعْظَمِ الْخَلْقِ افْتِرَاءً وَوَقَاحَةً وَجَهْلًا وَضَلَالًا؟
وَلَوْ كَانُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ هِدَايَةَ طَرِيقِ النَّصَارَى، لَدَخَلُوا فِي دِينِ النَّصَارَى، وَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ، وَيَضَعُوا عَلَيْهِمِ الْجِزْيَةَ الَّتِي يُؤَدُّونَهَا عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأُمَّتُهُ أَخَذُوا ذَلِكَ جَمِيعَهُ عَنْهُ مَنْقُولًا عَنْهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ بِإِجْمَاعِهِمْ، لَمْ يَبْتَدِعُوا ذَلِكَ، كَمَا ابْتَدَعَتِ النَّصَارَى مِنَ الْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فَلَا يُلَامُ الْمُسْلِمُونَ فِي اتِّبَاعِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى.
وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - إِنْ كَانَ رَسُولًا صَادِقًا، فَقَدْ كَفَّرَ
[ ٣ / ١٦٥ ]
النَّصَارَى، وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ وَمِنْ دِينِهِمْ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِمَّا نَقَلَهُ عَنِ اللَّهِ ﷿.
وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣٠) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
فَمَنْ يَقُولُ عَنِ النَّصَارَى مِثْلَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ هَلْ يَأْمُرُ أُمَّتَهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَقُولُوا: اهْدِنَا طَرِيقَهُمْ؟
ثُمَّ يُقَالُ: أَيُّ شَيْءٍ فِي الْآيَةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ، هُمُ النَّصَارَى.
وَإِنَّمَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .
[ ٣ / ١٦٦ ]
فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَسْأَلُوا هِدَايَةَ صِرَاطِهِمْ.
وَأَمَّا النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ فَهُمْ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ كَانُوا مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا النَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ فَهُمْ مِنَ الضَّالِّينَ، لَا مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] .
وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ مِنَ الضَّالِّينَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ رَوَاهُ الْإِمَامُ
[ ٣ / ١٦٧ ]
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ، وَالنَّصَارَى يَعْبُدُونَ بِلَا عِلْمٍ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْيَهُودَ بِأَعْمَالٍ، وَالنَّصَارَى بِأَعْمَالٍ، فَوَصَفَ الْيَهُودَ بِالْكِبْرِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَالْقَسْوَةِ وَكِتْمَانِ الْعِلْمِ وَسُلُوكِ سَبِيلِ الْغَيِّ وَهُوَ سَبِيلُ الشَّهَوَاتِ وَالْعُدْوَانِ.
وَذَكَرَ عَنِ النَّصَارَى الْغُلُوَّ وَالْبِدَعَ فِي الْعِبَادَاتِ وَالشِّرْكَ وَالضَّلَالَ وَاسْتِحْلَالَ مَحَارِمِ اللَّهِ، فَقَالَ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ١٦٨ ]
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] (١٧١) ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] (١٧٢) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] .
أَيْ لَكِنْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَمْ نَكْتُبْ عَلَيْهِمُ الرَّهْبَانِيَّةَ، بَلْ هُمُ ابْتَدَعُوهَا وَمَعَ ابْتِدَاعِهِمْ إِيَّاهَا فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ فَهُمْ مَذْمُومُونَ عَلَى ابْتِدَاعِ الرَّهْبَانِيَّةِ وَعَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
[ ٣ / ١٦٩ ]
وَأَمَّا مَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ ابْتِغَاءِ رِضْوَانِ اللَّهِ فَيَحْصُلُ بِفِعْلِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَرْضَاهُ، وَمَنْ فَعَلَ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ فَقَدْ فَعَلَ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلُ رِضْوَانُ اللَّهِ أَيْضًا بِمُجَرَّدِ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَلَى الْعِبَادِ، فَإِذَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءُ رِضْوَانِ اللَّهِ كَانَ ابْتِغَاءُ رِضْوَانِهِ وَاجِبًا، فَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ.
وَلِهَذَا ضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ: أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ صَلَّى فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَمَا أَمَرَ فَقَدْ فَعَلَ الْوَاجِبَ، وَبِذَلِكَ يَرْضَى اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْمُسْتَحِبَّاتِ وَالْمُسَابَقَةُ إِلَى الطَّاعَاتِ أَبْلَغَ فِي إِرْضَاءِ اللَّهِ، وَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ مَا لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْوَاجِبَاتِ.
[ ٣ / ١٧٠ ]
كَمَا قَالَ مُوسَى - ﵇ -.
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي فَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي
[ ٣ / ١٧١ ]
الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَقَوْلُهُ حَتَّى أُحِبَّهُ يُرِيدُ الْمَحَبَّةَ الْمُطْلَقَةَ الْكَامِلَةَ.
وَأَمَّا أَصْلُ الْمَحَبَّةِ: فَهِيَ حَاصِلَةٌ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَمَنْ أَدَّى الْوَاجِبَاتِ فَهُوَ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُقْسِطِينَ.
وَقَالَ - تَعَالَى - فِيهِمْ:
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣٠) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - خَاطَبَ النَّصَارَى بِهَذَا لِأَنَّ النَّصَارَى يَعْتَمِدُونَ فِي دِينِهِمْ عَلَى مَا يَقُولُهُ كُبَرَاؤُهُمُ الَّذِينَ وَضَعُوا لَهُمُ الْقَوَانِينَ وَالنَّوَامِيسَ
[ ٣ / ١٧٢ ]
وَيُسَوِّغُونَ لِأَكَابِرِهِمُ الَّذِينَ صَارُوا عِنْدَهُمْ عُظَمَاءَ فِي الدِّينِ أَنْ يَضَعُوا لَهُمْ شَرِيعَةً وَيَنْسَخُوا بَعْضَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَا يَرُدُّونَ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ مِنْ دِينِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَرُسُلِهِ، بِحَيْثُ لَا يُمَكِّنُونَ أَحَدًا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَعَنِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -.
وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] .
بَلْ مَا وَضَعَهُ لَهُمْ أَكَابِرُهُمْ مِنَ الْقَوَانِينِ الدِّينِيَّةِ وَالنَّوَامِيسِ الشَّرْعِيَّةِ بَعْضُهَا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعْضُهَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، وَكَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ مَنْقُولًا، لَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، بَلْ مِنْ وَضْعِ أَكَابِرِهِمْ وَابْتِدَاعِهِمْ.
كَمَا ابْتَدَعُوا لَهُمُ الْأَمَانَةَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ عَقِيدَتِهِمْ، وَابْتَدَعُوا لَهُمُ الصَّلَاةَ إِلَى الشَّرْقِ، وَابْتَدَعُوا لَهُمْ تَحْلِيلَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَسَائِرِ
[ ٣ / ١٧٣ ]
الْمُحَرَّمَاتِ، وَابْتَدَعُوا لَهُمُ الصَّوْمَ وَقْتَ الرَّبِيعِ، وَجَعَلُوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَابْتَدَعُوا لَهُمْ أَعْيَادَهُمْ، كَعِيدِ الصَّلِيبِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْيَادِ.
وَكَذَلِكَ «قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَمَّا سَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] .
فَقَالَ: لَمْ يَعْبُدُوهُمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ فَأَطَاعُوهُمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ فَأَطَاعُوهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ عِبَادَتَهُمْ» وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَ أَكَابِرِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، وَأُولَئِكَ ضَلُّوا مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ وَأَضَلُّوا أَتْبَاعَهُمْ، وَهُمْ كَثِيرُونَ، وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَهُوَ وَسَطُ السَّبِيلِ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَإِنْ كَانُوا هُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ ضَالِّينَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنْ
[ ٣ / ١٧٤ ]
يَسْأَلُوهُ أَنْ يَهْدِيَهُمُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَيَعْنِيَ بِهِ صِرَاطَ هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّينَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.
وَقَدْ قَالَ - سُبْحَانَهُ -: وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ أَصْلَ ابْتِدَاعِهِمْ هَذِهِ الْبِدْعَةَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَعَ ظَنٍّ كَاذِبٍ، فَكَانُوا مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ:
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] .
وَمِمَّنْ قِيلَ فِيهِ.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ - ﷺ - لَمَّا رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَعَادَاهُ الْيَهُودُ، وَعَادَوْا أَتْبَاعَهُ عَدَاوَةً شَدِيدَةً، وَبَالَغُوا فِي أَذَاهُمْ وَإِذْلَالِهِمْ وَطَلَبِ قَتْلِهِمْ وَنَفْيِهِمْ، صَارَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ بُغْضِ الْيَهُودِ، وَطَلَبِ الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ مَا لَا يُوصَفُ، فَلَمَّا صَارَ لَهُمْ دَوْلَةٌ وَمُلْكٌ مِثْلَ مَا صَارَ لَهُمْ فِي دَوْلَةِ قُسْطَنْطِينَ، صَارُوا يُرِيدُونَ مُقَابَلَةَ الْيَهُودِ.
كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمُتَقَابِلَةِ الْمُتَنَازِعِينَ فِي الْمُلْكِ، وَالْمُتَنَازِعِينَ فِي الْبِدَعِ كَالْخَوَارِجِ، وَالرَّوَافِضِ،
[ ٣ / ١٧٥ ]
وَالْجَبْرِيَّةِ مَعَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ مَعَ الْمُمَثِّلَةِ، وَكَالدَّوْلَتَيْنِ الْمُتَنَازِعَتَيْنِ عَلَى الْمُلْكِ وَالْأَهْوَاءِ بِمَنْزِلَةِ قَيْسٍ وَيَمَنٍ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
إِذَا ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْأُخْرَى بَعْدَمَا آذَتْهَا الْأُخْرَى وَانْتَقَمَتْ مِنْهَا تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ بِثَأْرِهَا، وَلَا تَقِفَ عِنْدَ حَدِّ الْعَدْلِ، بَلْ تَعْتَدِي عَلَى تِلْكَ كَمَا اعْتَدَتْ تِلْكَ عَلَيْهَا.
فَصَارَ النَّصَارَى يُرِيدُونَ مُنَاقَضَةَ الْيَهُودِ فَأَحَلُّوا مَا يُحَرِّمُهُ الْيَهُودُ كَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ، وَصَارُوا يَمْتَحِنُونَ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ بِأَكْلِ الْخِنْزِيرِ، فَإِنْ أَكَلَهُ وَإِلَّا لَمْ يَجْعَلُوهُ نَصْرَانِيًّا.
[ ٣ / ١٧٦ ]
وَتَرَكُوا الْخِتَانَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَعْمُودِيَّةَ عِوَضٌ عَنْهُ، وَصَلَّوْا إِلَى قِبْلَةٍ غَيْرِ قِبْلَةِ الْيَهُودِ.
وَكَانَ الْيَهُودُ قَدْ أَسْرَفُوا فِي ذَمِّ الْمَسِيحِ - ﵇ - وَزَعَمُوا أَنَّهُ وَلَدُ زِنَا، وَأَنَّهُ كَذَّابٌ سَاحِرٌ.
فَغَلَوْا هَؤُلَاءِ فِي تَعْظِيمِ الْمَسِيحِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ، وَأَمْثَالُ
[ ٣ / ١٧٧ ]
ذَلِكَ، وَصَارَ مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ الْقَوْلَ الْعَدْلَ مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ، يَجْمَعُونَ لَهُ مَجْمَعًا وَيَلْعَنُونَهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَصُّبِ، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالْغُلُوِّ فِيمَنْ يُعَظِّمُونَهُ، كَمَا يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ، كَالْفَلَاةِ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَبَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضِ الْمُلُوكِ، وَبَعْضِ الْقَبَائِلِ وَبَعْضِ الْمَذَاهِبِ، وَبَعْضِ الطَّرَائِقِ، فَإِنَّمَا كَانَ مَصْدَرُ ضَلَالِهِمْ أَهْوَاءَ نُفُوسِهِمْ، قَالَ - تَعَالَى - لِلنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا فِي وَقْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْمَذْهَبُ أَيِ الطَّرِيقُ، وَهَذِهِ لَفْظَةٌ رُومِيَّةٌ لِأَنَّ الطَّرِيقَ بِالرُّومِيَّةِ اسْطِرَاطَا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: الصِّرَاطُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: هُوَ الطَّرِيقُ يُقَالُ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ وَيُقَالُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمَحْدُودُ بِجَانِبَيْنِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْهُ، وَمِنْهُ الصِّرَاطُ الْمَنْصُوبُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي يَعْبُرُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِذَا عَبَرَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ سَقَطُوا فِي جَهَنَّمَ، وَيُقَالُ فِيهِ: مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَالِاعْتِدَالِ الَّذِي يُوجِبُ سُرْعَةَ الْعُبُورِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، هِيَ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ: الصِّرَاطُ، وَالسِّرَاطُ، وَالزِّرَاطُ، وَهِيَ لُغَةٌ
[ ٣ / ١٧٨ ]
عَرَبِيَّةٌ عَرْبَاءُ لَيْسَتْ مِنَ الْمُعَرَّبِ، وَلَا مَأْخُوذَةً مِنْ لُغَةِ الرُّومِ كَمَا زَعَمُوا.
وَيُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَرَطْتُ الشَّيْءَ أَسْرُطُهُ سَرْطًا، إِذَا ابْتَلَعْتُهُ وَاسْتَرَطْتُهُ ابْتَلَعْتُهُ، فَإِنَّ الْمُبْتَلِعَ يَجْرِي بِسُرْعَةٍ فِي مَجْرًى مَحْدُودٍ.
وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ: لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُسْتَرَطْ، وَلَا مُرًّا فَتُعْفَى، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَعْفَيْتَ الشَّيْءَ، إِذَا أَزَلْتَهُ مِنْ فِيكَ لِمَرَارَتِهِ، وَيُقَالُ فُلَانٌ يَسْتَرِطُ مَا يَأْخُذُ مِنَ الدَّيْنِ.
وَحَكَى يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ: الْأَخْذُ سُرَّيْطٌ، وَالْقَضَاءُ ضُرَّيْطٌ، وَالسِّرْطَاطُ: الْفَالَوْذَجِ، لِأَنَّهُ يُسْتَرَطُ اسْتِرَاطًا، وَسَيْفٌ سِرَاطِيٌّ، أَيْ قَاطِعٌ فَإِنَّهُ مَاضٍ سَرِيعُ الْمَذْهَبِ فِي مَضْرِبِهِ.
فَالصِّرَاطُ: هُوَ الطَّرِيقُ الْمَحْدُودُ الْمُعْتَدِلُ الَّذِي يَصِلُ سَالِكُهُ إِلَى مَطْلَبِهِ بِسُرْعَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ الصِّرَاطِ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ سَبِيلَ الشَّيْطَانِ سِرَاطًا، بَلْ سَمَّاهَا سُبُلًا، وَخَصَّ طَرِيقَهُ بِاسْمِ الصِّرَاطَ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ١٧٩ ]
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَطًّا، وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ وَهَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ أَجَابَهُ قَذَفَهُ فِي النَّارِ ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» .
فَسَمَّى - سُبْحَانَهُ - طَرِيقَهُ صِرَاطًا، وَسَمَّى تِلْكَ سُبُلًا، وَلَمْ يُسَمِّهَا صِرَاطًا كَمَا سَمَّاهَا سَبِيلًا، وَطَرِيقُهُ يُسَمِّيهِ سَبِيلًا كَمَا يُسَمِّيهِ صِرَاطًا.
وَقَالَ - تَعَالَى -: عَنْ مُوسَى وَهَارُونَ:
[ ٣ / ١٨٠ ]
﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] (١١٧) ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] (١) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] (٢) ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] .
وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ الْخَاصَّةُ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا بَعْدَ فَتْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَخَصُّ مِمَّا تَقَدَّمَ فَإِنَّ السَّالِكَ إِلَى اللَّهِ لَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، وَيَزِيدُهُ اللَّهُ هُدًى بَعْدَ هُدًى، وَأَقْوَمُ الطَّرِيقِ وَأَكْمَلُهَا الطَّرِيقُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
[ ٣ / ١٨١ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ أَنَّ تَفْسِيرَهُمْ لِلتَّثْلِيثِ تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ]
قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا فِي قَوْلِنَا، أَبٌ وَابْنٌ، وَرُوحُ قُدُسٍ، وَأَيْضًا فِي قَوْلِنَا إِنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، وَأَيْضًا فِي قَوْلِنَا إِنَّ الْمَسِيحَ رَبٌّ وَإِلَهٌ وَخَالِقٌ، وَأَيْضًا يَطْلُبُونَ مِنَّا إِيضَاحَ تَجْسِيدِ تَجَسُّمِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقِ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ.
أَجَابُوا قَائِلِينَ: لَوْ عَلِمُوا قَوْلَنَا هَذَا إِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ الْقَوْلَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْنَا ذَلِكَ، لِأَنَّنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَمَّا رَأَيْنَا حُدُوثَ الْأَشْيَاءِ عَلِمْنَا أَنَّ شَيْئًا غَيْرَهَا أَحْدَثَهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ حُدُوثُهَا مِنْ ذَوَاتِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّضَادِّ وَالتَّقَلُّبِ.
فَقُلْنَا: إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ إِذْ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ لِنَنْفِيَ عَنْهُ الْعَدَمَ، وَرَأَيْنَا الْأَشْيَاءَ الْمَخْلُوقَةَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: شَيْءٌ حَيٌّ، وَشَيْءٌ غَيْرُ حَيٍّ، فَوَصَفْنَاهُ بِأَجْمَلِهِمَا، فَقُلْنَا: هُوَ شَيْءٌ حَيٌّ، لِنَنْفِيَ
[ ٣ / ١٨٢ ]
الْمَوْتَ عَنْهُ، وَرَأَيْنَا الْحَيَّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: حَيٌّ نَاطِقٌ، وَحَيٌّ غَيْرُ نَاطِقٍ، فَوَصَفْنَاهُ بِأَفْضَلِهِمَا، فَقُلْنَا: هُوَ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ لِنَنْفِيَ الْجَهْلَ عَنْهُ.
وَالثَّلَاثَةُ أَسْمَاءٍ وَهِيَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، مُسَمًّى وَاحِدٌ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ، خَالِقٌ وَاحِدٌ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ، أَيِ الذَّاتُ وَالنُّطْقُ وَالْحَيَاةُ، فَالذَّاتُ عِنْدَنَا الْأَبُ الَّذِي هُوَ ابْتِدَاءُ الِاثْنَيْنِ، وَالنُّطْقُ الِابْنُ الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ مِنْهُ لِوِلَادَةِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ، وَالْحَيَاةُ رُوحُ الْقُدُسِ، وَهَذِهِ أَسْمَاءٌ لَمْ نُسَمِّهِ نَحْنُ بِهَا.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُمْ: أَمَّا قَوْلُنَا أَبٌ، وَابْنٌ، وَرُوحُ قُدُسٍ، فَلَوْ عَلِمُوا قَوْلَنَا هَذَا إِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ تَصْحِيحَ الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ حَيٌّ نَاطِقٌ لَمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْنَا، فَيُقَالُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ادَّعَوْهُ فَإِنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ تَلَقَّوْهُ عَنِ الْإِنْجِيلِ، وَإِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - أَنَّهُ قَالَ: عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ، وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ فَكَانَ أَصْلُ قَوْلِهِمْ هُوَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ أَنَّهُ مُتَلَقًّى مِنَ الشَّرْعِ الْمُنَزَّلِ لَا أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْحَيَاةَ وَالنُّطْقَ بِمَعْقُولِهِمْ، ثُمَّ عَبَّرُوا عَنْهَا بِهَذِهِ الْعِبَارَاتِ، كَمَا ادَّعَوْهُ فِي مُنَاظَرَتِهِمْ.
[ ٣ / ١٨٣ ]
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَلَا إِلَى جَعْلِ الْأَقَانِيمِ ثَلَاثَةً، بَلْ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ، قَدِيرٌ مُتَكَلِّمٌ لَا تَخْتَصُّ صِفَاتُهُ بِثَلَاثَةٍ، وَلَا يُعَبَّرُ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا بِعِبَارَةٍ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ لَفْظُ: الْأَبِ، وَالِابْنِ، وَرُوحِ الْقُدُسِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا فَسَّرُوهَا بِهِ فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَلَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ عَبَّرَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعَانِي، بَلْ إِثْبَاتُ مَا ادَّعَوْهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ هُوَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لَا شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ.
وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ التَّثْلِيثَ وَالْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ إِنَّمَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَهُوَ نُصُوصُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ نَطَقَتْ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَكَلَّفُوا لِمَا ظَنُّوهُ مَدْلُولَ الْكِتَابِ طَرِيقًا عَقْلِيَّةً، فَسَّرُوهُ بِهَا تَفْسِيرًا ظَنُّوهُ جَائِزًا فِي الْعَقْلِ وَلِهَذَا نَجِدُ النَّصَارَى لَا يَلْجَئُونَ فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ إِلَّا إِلَى الشَّرْعِ وَالْكُتُبِ وَهُمْ يَجِدُونَ نَفْرَةَ عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ عَنِ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ فَإِنَّ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنَ الْمَعَارِفِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي قَدْ يُسَمُّونَهَا نَامُوسًا عَقْلِيًّا طَبِيعِيًّا يَدْفَعُ ذَلِكَ وَيَنْفِيهِ وَيُنَفِّرُ عَنْهُ وَلَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ جَاءَتْ بِذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يَفُوقُ الْعَقْلَ وَأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ طَوْرٍ وَرَاءَ طَوْرِ الْعَقْلِ
[ ٣ / ١٨٤ ]
فَيَنْقُلُونَهُ لِظَنِّهِمْ أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ أَخْبَرَتْ بِهِ، لَا لِأَنَّ الْعُقُولَ دَلَّتْ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ وَيُبْطِلُهُ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ، وَبَيْنَ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْعَقْلُ فَلَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَحْكُمُ فِيهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَأَنَّ الرُّسُلَ أَخْبَرَتْ بِالنَّوْعِ الثَّانِي: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُخْبِرَ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مُحَالَاتِ الْعُقُولِ وَمَحَارَاتِ الْعُقُولِ، وَقَدْ ضَاهَوْا فِي ذَلِكَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ وَلَدًا شَرِيكًا.
قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وَقَدْ ضَاهَاهُمْ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ الْمُشْبِهُونَ لَهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَحْوَ قَوْلِهِمْ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَنْ يَدَّعِي الْوَحْدَةَ أَوِ الْحُلُولَ أَوِ الِاتِّحَادَ الْخَاصَّ الْمُعَيَّنَ كَدَعْوَى النَّصَارَى وَدَعْوَى الْغَالِيَةِ مِنَ الشِّيعَةِ فِي عَلِيٍّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ كَالنَّصِيرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَدَّعِي
[ ٣ / ١٨٥ ]
إِلَهِيَّةَ عَلِيٍّ، وَكَدَعْوَى بَعْضِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْإِلَهِيَّةَ فِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ.
وَدَعْوَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ نَحْوَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الشُّيُوخِ، إِمَّا الْمَعْرُوفِينَ بِالصَّلَاحِ، وَإِمَّا مَنْ يُظَنُّ بِهِ الصَّلَاحُ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّ لَهُمْ أَقْوَالًا مِنْ جِنْسِ أَقْوَالِ النَّصَارَى، وَبَعْضُهَا شَرٌّ مِنْ أَقْوَالِ النَّصَارَى.
وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ إِذَا خُوطِبُوا بِبَيَانِ فَسَادِ قَوْلِهِمْ قَالُوا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى، هَذَا أَمْرٌ فَوْقَ الْعَقْلِ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ مَا كَانَ يَقُولُهُ التِّلْمِسَانِيُّ لِشَيْخِ أَهْلِ الْوَحْدَةِ، يَقُولُ: ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ
[ ٣ / ١٨٦ ]
مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ النَّقْلِ وَيَقُولُونَ: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَهُمْ: دَعِ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ، أَوِ اخْرُجْ مِنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ.
وَيُنْشِدُونَ فِيهِمْ:
مَجَانِينُ إِلَّا أَنَّ سِرَّ جُنُونِهِمُ عَزِيزٌ عَلَى أَقْدَامِهِ يَسْجُدُ الْعَقْلُ
هُمْ مَعْشَرٌ حَلُّوا النِّظَامَ وَحَرَّقُوا السِّيَاجَ فَلَا فَرْضَ لَدَيْهِمُ وَلَا نَقْلُ
وَهَؤُلَاءِ مُقَلِّدُونَ لِمَشَايِخِهِمْ مُتَّبِعُونَ لَهُمْ فِيمَا يَخْرُجُونَ بِهِ عَنْ شَرِيعَةِ الرَّسُولِ، وَمَا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ بِاتِّخَاذِ الْبِدَعِ عِبَادَاتٍ، وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ كَتَقْلِيدِ بَعْضِ النَّصَارَى لِشُيُوخِهِمْ، وَإِذَا اعْتَرَضَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الشَّيْخُ يُسَلَّمُ لَهُ حَالُهُ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ كَمَا يَقُولُ النَّصَارَى لِشُيُوخِهِمْ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ نَحْنُ أَوْلَادُ اللَّهِ،
[ ٣ / ١٨٧ ]
وَيَقُولُ: الْمَسِيحُ هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَنْطِقُ أَيْضًا، بِلَفْظِ الشَّهْوَةِ، فَيَقُولُ إِنَّهُمْ أَوْلَادُ شَهْوَةٍ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ زَوْجُ مَرْيَمَ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ النَّصَارَى.
وَغَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ يَحْكُونَ عَنْ شُيُوخِهِمْ نَوْعًا مِنْ خَرْقِ الْعَادَاتِ، قَدْ يَكُونُ كَذِبًا، وَقَدْ يَكُونُ صِدْقًا، وَإِذَا كَانَتْ صِدْقًا فَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ كَالسَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ، وَإِذَا كَانَتْ مِنْ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ تَقْلِيدَ الْوَلِيِّ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ، إِذِ الْوَلِيُّ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا، وَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ، وَلَا الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ.
وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَقُولُونَهُ فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُمْ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ الْغَيْبِ، وَطَاعَتُهُمْ فِيمَا أَوْجَبُوهُ عَلَى الْأُمَمِ، وَمَنْ كَفَرَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءُوا بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَبَّ نَبِيًّا وَاحِدًا وَجَبَ قَتْلُهُ، وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ.
فَهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةُ الْغُلَاةُ الْمُشْرِكُونَ الْقَائِلُونَ بِنَوْعٍ مِنَ الْحُلُولِ هُمْ
[ ٣ / ١٨٨ ]
مُضَاهِئُونَ لِلنَّصَارَى بِقَدْرِ مَا شَابَهُوهُمْ فِيهِ، وَخَالَفُوا فِيهِ دِينَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِدِينِ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ، وَأَمَّا الْغُلَاةُ مِنْهُمْ فَمُوَافَقَتُهُمْ لِلنَّصَارَى أَكْثَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَكْفَرُ مِنَ النَّصَارَى، وَلَمَّا كَانَ مُسْتَنَدُ النَّصَارَى هُوَ مَا يَنْقُلُونَهُ إِمَّا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِمَّا عَنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُوجِبُونَ اتِّبَاعَهُ كَانُوا إِذَا أَوْرَدُوا عَلَى عُلَمَائِهِمْ مَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ ذَلِكَ قَالُوا هَكَذَا فِي الْكِتَابِ، وَبِهَذَا نَطَقَ الْكِتَابُ وَهَذِهِ الْكُتُبُ جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ، يَعْنُونَ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَيَعْنُونَ بِالرُّسُلِ الْحَوَارِيِّينَ فَاعْتِصَامُهُمْ بِهَا إِنَّمَا هُوَ لِمَا ظَنُّوهُ مَذْكُورًا فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِنْ رَأَوْهُ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ.
وَلِهَذَا يَنْهَوْنَ جُمْهُورَهُمْ عَنِ الْبَحْثِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِي ذَلِكَ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ مَتَى تَصَوَّرَ دِينَهُمْ عَلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَدَعْوَى الْمُدَّعِينَ أَنَّا إِنَّمَا قُلْنَا أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ قُدُسٍ لِتَصْحِيحِ الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ حَيٌّ نَاطِقٌ كَذِبٌ ظَاهِرٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَتَصْحِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ حَيٌّ مُتَكَلِّمٌ، لَا يَقِفُ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ، بَلْ يُمْكِنُهُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْعِبَارَاتِ الْبَيِّنَةِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ بِدُونِ قَوْلِنَا أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ قُدُسٍ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ النَّصَارَى - الْمُقِرُّونَ بِأَنَّ
[ ٣ / ١٨٩ ]
هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي الْإِنْجِيلِ الْمَأْخُوذِ عَنِ الْمَسِيحِ - مُخْتَلِفُونَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْكَلَامِ، فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ الْأَبُ هُوَ الْوُجُودُ، وَالِابْنُ هُوَ الْكَلِمَةُ، وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ الْحَيَاةُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلِ الْأَبُ هُوَ الْوُجُودُ، وَالِابْنُ هُوَ الْكَلِمَةُ، وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ الْقُدْرَةُ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَقَانِيمَ الثَّلَاثَةَ: جَوَادٌ حَكِيمٌ قَادِرٌ، فَيُجْعَلُ الْأَبُ هُوَ الْجَوَادَ، وَالِابْنُ هُوَ الْحَكِيمَ، وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ الْقَادِرَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ تَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى وُجُودِهِ بِإِخْرَاجِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَذَلِكَ مِنْ جُودِهِ.
وَقَدْ رَأَيْتُ فِي كُتُبِ النَّصَارَى هَذَا وَهَذَا وَهَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنِ الْكَلِمَةِ بِالْعِلْمِ، فَيَقُولُونَ: مَوْجُودٌ حَيٌّ عَالِمٌ، أَوْ مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: نَاطِقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَوْجُودٌ حَيٌّ حَكِيمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ حَيٌّ حَكِيمٌ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُتَّحِدَ بِالْمَسِيحِ وَالْحَالَّ فِيهِ هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الِابْنَ دُونَ الْأَبِ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ مِنْهُمْ كَالْأَرْيُوسِيَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - عَبْدٌ مُرْسَلٌ، كَسَائِرِ الرُّسُلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ -، فَوَافَقَهُمْ عَلَى لَفْظِ: الْأَبِ، وَالِابْنِ، وَرُوحِ الْقُدُسِ، وَلَا يُفَسِّرُ ذَلِكَ بِمَا يَقُولُهُ مُنَازِعُوهُ مِنَ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.
[ ٣ / ١٩٠ ]
كَمَا أَنَّ النَّسْطُورِيَّةَ يُوَافِقُونَهُمْ أَيْضًا عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَيُنَازِعُونَهُمْ فِي الِاتِّحَادِ الَّذِي يَقُولُهُ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالْمَلَكِيَّةُ: فَإِذَا كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى اللَّفْظِ مُتَنَازِعِينَ فِي مَعْنَاهُ، عُلِمَ أَنَّهُمْ صَدَقُوا أَوَّلًا بِاللَّفْظِ لِأَجْلِ اعْتِقَادِهِمْ مَجِيءَ الشَّرْعِ بِهِ، ثُمَّ تَنَازَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْكِتَابِ، كَمَا يَخْتَلِفُونَ هُمْ وَسَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الْكَلَامِ الَّذِي يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -، وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ قَوْلِهِمُ: الْأَبُ، وَالِابْنُ، وَرُوحُ الْقُدُسِ، لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ تَصْحِيحِ الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَيٌّ نَاطِقٌ الَّذِي عَلِمُوهُ أَوَّلًا بِالْعَقْلِ.
يُوَضِّحُ هَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُهُمْ إِنَّمَا لَمَّا رَأَيْنَا حُدُوثَ الْأَشْيَاءِ عَلِمْنَا أَنَّ شَيْئًا غَيْرَهَا أَحْدَثَهَا، إِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا طَائِفَةً مُعَيَّنَةً مِنَ النَّصَارَى، فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: الْقَوْلُ بِالْأَبِ، وَالِابْنِ، وَرُوحِ الْقُدُسِ، مَوْجُودٌ عِنْدَ النَّصَارَى قَبْلَ وُجُودِكُمْ، وَقَبْلَ نَظَرِكُمْ هَذَا وَاسْتِدْلَالِكُمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَظَرُكُمْ هُوَ الْمُوجِبَ لِقَوْلِ النَّصَارَى هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ جَمِيعَ النَّصَارَى مِنْ حِينِ قَالُوا هَذَا الْكَلَامَ نَظَرُوا وَاسْتَدَلُّوا حَتَّى قَالُوا ذَلِكَ فَهَذَا كَذِبٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقُولُ النَّصَارَى إِنَّهُمْ تَلَقَّوْهُ مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - قَالَ: عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ، وَالِابْنِ، وَرُوحِ الْقُدُسِ.
[ ٣ / ١٩١ ]
وَالْمَسِيحُ وَالْحَوَارِيُّونَ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِهَذَا النَّظَرِ الْمُوجِبِ لِهَذَا الْقَوْلِ، وَلَا جَعَلَ الْمَسِيحُ هَذَا الْقَوْلَ مَوْقُوفًا عِنْدَهُمْ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ، فَعُلِمَ أَنَّ جَعْلَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ نَاشِئًا عَنْ هَذَا الْبَحْثِ قَوْلٌ بَاطِلٌ يَعْلَمُونَ هُمْ بُطْلَانَهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ: إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ لَمْ يَقُلْهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ، وَلَوْ عَنَى بِهِ الْإِنْسَانُ مَعْنًى صَحِيحًا فَإِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْمَعَانِي الْبَاطِلَةَ، وَلِهَذَا يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّ النَّصَارَى يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، الْبُنُوَّةَ الْمَعْرُوفَةَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَرْيَمَ زَوْجَةُ اللَّهِ وَهَذَا لَازِمٌ لِعَامَّةِ النَّصَارَى، وَإِنْ لَمْ يَقُولُوهُ فَإِنَّ الَّذِي يَلِدُ لَابُدَّ لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ.
وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] .
وَجَعْلُ الرَّبِّ وَالِدَ الْمَوْلُودِ أَنْكَرُ فِي الْعُقُولِ مِنْ إِثْبَاتِ صَاحِبَةٍ لَهُ سَوَاءً فُسِّرَتِ الْوِلَادَةُ بِالْوِلَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ، أَوْ بِالْوِلَادَةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يَقُولُهَا عُلَمَاءُ النَّصَارَى، فَإِنَّ مَنْ أَثْبَتَ صَاحِبَةً لَهُ يُمْكِنُهُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ، كَمَا تَأَوَّلُوا هُمُ الْوَلَدَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْأَبَ وُلِدَتْ مِنْهُ الْكَلِمَةُ، وَمَرْيَمُ وُلِدَ مِنْهَا النَّاسُوتُ وَاتَّحَدَ النَّاسُوتُ بِاللَّاهُوتِ، فَكَمَا أَنَّ الْأَبَ أَبٌ بِاللَّاهُوتِ لَا بِالنَّاسُوتِ، وَمَرْيَمَ أُمٌّ لِلنَّاسُوتِ لَا لِلَّاهُوتِ، فَكَذَلِكَ هِيَ صَاحِبَةٌ لِلْأَبِ بِالنَّاسُوتِ، وَاللَّاهُوتُ زَوْجُ مَرْيَمَ، بِلَاهُوتِهِ، كَمَا أَنَّهُ أَبٌ لِلْمَسِيحِ
[ ٣ / ١٩٢ ]
بِلَاهُوتِهِ، وَإِذَا اتَّحَدَ اللَّاهُوتُ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلِمَاذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْتَمِعَ اللَّاهُوتُ بِنَاسُوتِ مَرْيَمَ مُدَّةً قَصِيرَةً، وَإِذَا جُعِلَ النَّاسُوتُ الَّذِي وَلَدَتْهُ ابْنًا لِلَّاهُوتِ، فَلِأَيِّ شَيْءٍ لَا تُجْعَلُ هِيَ صَاحِبَةً وَزَوْجَةً لِلَّاهُوتِ فَإِنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَهُمُ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، فَلَاهُوتُهُ مِنَ اللَّهِ، وَنَاسُوتُهُ مِنْ مَرْيَمَ، فَهُوَ مِنْ أَصْلَيْنِ: لَاهُوتٌ وَنَاسُوتٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ أَبَاهُ وَالْآخَرُ أُمَّهُ، فَلِمَاذَا لَا تَكُونُ أُمُّهُ زَوْجَةَ أَبِيهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، مَعَ أَنَّ الْمُصَاحَبَةَ قَبْلَ الْبُنُوَّةِ؟ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْفَرْعُ الْمَلْزُومُ بِدُونِ ثُبُوتِ الْأَصْلِ اللَّازِمِ؟
وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُحَالِ عَلَى أَصْلِهِمْ إِلَّا مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ إِثْبَاتِ بُنُوَّةِ الْمَسِيحِ، وَأَقَلُّ امْتِنَاعًا، وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ - ﵇ - قَالَ هَذَا الْكَلَامَ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَعْصُومُونَ لَا يَقُولُونَ: إِلَّا الْحَقَّ، وَإِذَا قَالُوا قَوْلًا فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ مَعْنًى صَحِيحٍ.
وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ مَا يَمْتَنِعُ بُطْلَانُهُ بِسَمْعٍ أَوْ عَقْلٍ فَإِذَا كَانَتِ الْعُقُولُ، وَنُصُوصُ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ تُنَاقِضُ مَا ابْتَدَعَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، عُلِمَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرِدْ مَعْنًى بَاطِلًا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحَ الْمَنْقُولِ.
، بَلْ نَقُولُ فِي الْوَجْهِ الْخَامِسِ: إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ عَنِ الْمَسِيحِ
[ ٣ / ١٩٣ ]
الْمَعْصُومِ ﵊، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا يُنَاسِبُ سَائِرَ كَلَامِهِ، وَفِي الْمَوْجُودِ فِي كُتُبِهِمْ تَسْمِيَةُ الرَّبِّ أَبًا وَتَسْمِيَةُ عِبَادِهِ أَبْنَاءً، كَمَا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ لِيَعْقُوبَ: " إِسْرَائِيلُ " " أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي "، وَقَالَ لِدَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: " أَنْتَ ابْنِي وَحَبِيبِي "، وَفِي الْإِنْجِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ يَقُولُ الْمَسِيحُ: " أَبِي وَأَبِيكُمْ " كَقَوْلِهِ إِنِّي أَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ فَيُسَمِّيهِ أَبًا لَهُمْ كَمَا يُسَمِّيهِمْ أَبْنَاءً لَهُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ الرَّبُّ الْمُرَبِّي الرَّحِيمُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، وَالِابْنُ هُوَ الْمُرَبَّى الْمَرْحُومُ، فَإِنَّ تَرْبِيَةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ أَكْمَلُ مِنْ تَرْبِيَةِ الْوَالِدَةِ لِوَلَدِهَا فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَبِ الرَّبَّ، وَالْمُرَادُ بِالِابْنِ عِنْدَهُ الْمَسِيحَ الَّذِي رَبَّاهُ.
وَأَمَّا رُوحُ الْقُدُسِ: فَهِيَ لَفْظَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا حَيَاةَ اللَّهِ بِاتِّفَاقِهِمْ، بَلْ رُوحُ الْقُدُسِ عِنْدَهُمْ تَحِلُّ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الصَّالِحِينَ.
[ ٣ / ١٩٤ ]
وَالْقُرْآنُ قَدْ شَهِدَ أَنَّ اللَّهَ أَيَّدَ الْمَسِيحَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] .
فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ نَبِيِّهِ» وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هَذَا كُلُّهُ مَبْسُوطًا.
وَرُوحُ الْقُدُسِ: قَدْ يُرَادُ بِهَا الْمَلَكُ الْمُقَدَّسُ كَجِبْرِيلَ، وَيُرَادُ بِهَا الْوَحْيُ، وَالْهُدَى وَالتَّأْيِيدُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَتِهِ، وَقَدْ يَكُونَانِ مُتَلَازِمَيْنِ، فَإِنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ بِهِ الْمَلَكُ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - يُؤَيِّدُ رُسُلَهُ بِالْمَلَائِكَةِ وَبِالْهُدَى، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: عَنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -:
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
[ ٣ / ١٩٥ ]
فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ سُورَةِ " بَرَاءَةٌ ".
وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -:
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -:
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] .
وَقَالَ:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]
[ ٣ / ١٩٦ ]
وَإِذَا كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ مَعْرُوفًا فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهَا أَمْرٌ يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَصَالِحِي عِبَادِهِ سَوَاءً كَانَ مَلَائِكَةً تَنَزَّلُ بِالْوَحْيِ وَالنَّصْرِ أَوْ وَحْيًا وَتَأْيِيدًا مَعَ الْمَلَكِ، وَبِدُونِ الْمَلَكِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَنَّهَا حَيَاةُ اللَّهِ الْقَائِمَةُ بِهِ كَانَ الْمَعْصُومُ إِنْ كَانَ قَالَ: عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ مُرَادُهُ مُرُوا النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَنَبِيِّهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ وَبِالْمَلَكِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ الَّذِي جَاءَ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَمْرًا لَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحُ الْمَنْقُولِ.
فَتَفْسِيرُ كَلَامِ الْمَعْصُومِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي يُوَافِقُ سَائِرَ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَهُمْ، وَيُوَافِقُ الْقُرْآنَ، وَيُوَافِقُ الْعَقْلَ، أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِمَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحَ الْمَنْقُولِ.
وَهَذَا تَفْسِيرٌ ظَاهِرٌ لَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وَلَا هُوَ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي هُوَ صَرْفُ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ بِمَا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَيْهِ بِاللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَالْعِبَارَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِي خِطَابِ الْمَسِيحِ، وَخِطَابِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
أَمَّا تَفْسِيرُ النَّصَارَى بِأَنَّ الِابْنَ مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ هُوَ الْعِلْمُ أَوْ كَلِمَةُ
[ ٣ / ١٩٧ ]
اللَّهِ، فَتَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ بِمَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ هَذَا اللَّفْظُ فِيهِ، لَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ رُوحِ الْقُدُسِ بِحَيَاةِ اللَّهِ، فَالَّذِي فَسَّرَ النَّصَارَى بِهِ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَسِيحِ هُوَ تَفْسِيرٌ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةُ الْمَسِيحِ وَعَادَتُهُ فِي كَلَامِهِ، وَلَا لُغَةُ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، بَلِ الْمَعْرُوفُ فِي لُغَتِهِ وَكَلَامِهِ وَكَلَامِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرُهُ بِمَا فَسَّرْنَاهُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ أَكَابِرُ عُلَمَاءِ النَّصَارَى.
وَأَمَّا ضُلَّالُ النَّصَارَى الْمُحَرِّفُونَ لِمَعَانِي كُتُبِ اللَّهِ ﷿، فَسَّرُوهُ بِمَا يُخَالِفُ مَعْنَاهُ الظَّاهِرَ وَيُنْكِرُهُ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ.
وَتَمَامُ هَذَا بِالْوَجْهِ السَّادِسِ: وَهُوَ أَنَّ النَّصَارَى لَمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي الْكُتُبِ تَسْمِيَةُ الْمَسِيحِ - ﵇ - ابْنًا، وَتَسْمِيَةُ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ابْنًا، كَقَوْلِهِ لِيَعْقُوبَ: أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي، وَتَسْمِيَةُ الْحَوَارِيِّينَ أَبْنَاءً قَالُوا هُوَ ابْنُهُ بِالطَّبْعِ، وَغَيْرُهُ هُوَ ابْنُهُ بِالْوَضْعِ، فَجَعَلُوا لَفْظَ الِابْنِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ وَأَثْبَتُوا لِلَّهِ طَبْعًا، جَعَلُوا الْمَسِيحَ ابْنَهُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الطَّبْعِ، وَهَذَا يُقَرِّرُ قَوْلَ مَنْ يَفْهَمُ مِنْهُمْ أَنَّهُ ابْنُهُ الْبُنُوَّةَ الْمَعْرُوفَةَ فِي الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّ مَرْيَمَ زَوْجَةُ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ جَعَلُوا رُوحَ الْقُدُسِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ حَيَاةِ اللَّهِ وَبَيْنَ رُوحِ الْقُدُسِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ عَلَى
[ ٣ / ١٩٨ ]
خِلَافِ الْأَصْلِ وَأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا اسْتُعْمِلَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ كَانَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً مُتَوَاطِئًا فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مُشْتَرَكًا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا بِحَيْثُ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي خُصُوصِ هَذَا، أَوْ يَكُونُ مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ الْمَجَازَ وَالِاشْتِرَاكَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، هَذَا إِنْ قُدِّرَ أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ اسْتُعْمِلَ فِي نُطْقِ اللَّهِ وَحَيَاتِهِ كَمَا يَزْعُمُ النَّصَارَى فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَفْظُ الِابْنِ، وَلَفَظُ رُوحِ الْقُدُسِ، وَأَرَادُوا بِهِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ لَا كَلَامِهِ وَلَا حَيَاتِهِ وَلَا عِلْمِهِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ لَمْ يُوجَدِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الِابْنِ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا فِي شَيْءٍ مَخْلُوقٍ، وَلَمْ يُوجَدِ اسْتِعْمَالُ رُوحِ الْقُدُسِ كَمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الْقَائِمَةِ بِهِ، وَنَحْنُ إِذَا فَسَّرْنَا الْأَبَ وَرُوحَ الْقُدُسِ بِبُنُوَّةِ التَّرْبِيَةِ، وَرُوحَ الْقُدُسِ بِمَا يَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُنَّا قَدْ جَعَلْنَا اللَّفْظَ مُفْرَدًا مُتَوَاطِئًا وَهُمْ يَحْتَاجُونَ أَنْ يَجْعَلُوا اللَّفْظَ مُشْتَرَكًا أَوْ مَجَازًا فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَكَانَ تَفْسِيرُهُمْ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ اللُّغَةِ الَّتِي خُوطِبُوا بِهَا، وَلِظَاهِرِ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَتَفْسِيرُنَا مُوَافِقًا لِظَاهِرِ لُغَتِهِمْ، وَظَاهِرِ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَقَدَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ بِالتَّثْلِيثِ لَا حُجَّةٌ سَمْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ، بَلْ هُوَ بَاطِلٌ شَرْعًا وَعَقْلًا.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهُ السَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّهُمْ فِي أَمَانَتِهِمْ أَثْبَتُوا مِنَ
[ ٣ / ١٩٩ ]
الْمَعَانِي وَلَفْظِ الْأَقَانِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْكُتُبُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ الْبَتَّةَ، بَلْ فَهِمُوا مِنْهَا مَعْنًى بَاطِلًا، وَضَمُّوا إِلَيْهِ مَعَانِيَ بَاطِلَةً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، فَكَانُوا مُحَرِّفِينَ لَكُتُبِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، مُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ بِالْأَقَانِيمِ مَعَ بُطْلَانِهِ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ عِنْدَهُمْ كِتَابٌ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا اللَّفْظُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَلَا فِي كَلَامِ الْحَوَارِيِّينَ، بَلْ هِيَ لَفْظَةٌ ابْتَدَعُوهَا، وَيُقَالُ: إِنَّهَا رُومِيَّةٌ، وَقَدْ قِيلَ: الْأُقْنُومُ فِي لُغَتِهِمْ مَعْنَاهُ الْأَصْلُ، وَلِهَذَا يَضْطَرِبُونَ فِي تَفْسِيرِ الْأَقَانِيمِ تَارَةً يَقُولُونَ: أَشْخَاصٌ، وَتَارَةً خَوَاصٌّ وَتَارَةً صِفَاتٌ وَتَارَةً جَوَاهِرُ وَتَارَةً يَجْعَلُونَ الْأُقْنُومَ اسْمًا لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ مَعًا، وَهَذَا تَفْسِيرُ حُذَّاقِهِمْ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُمْ فِي الْمَسِيحِ - ﵇ - إِنَّهُ خَالِقٌ، قَوْلٌ مَعَ بُطْلَانِهِ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، قَوْلٌ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النُّبُوَّاتِ الَّتِي عِنْدَهُمْ، وَلَكِنْ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: قَوْلُهُمْ فِي تَجَسُّدِ اللَّاهُوتِ - أَيْضًا - هُوَ قَوْلٌ مَعَ بُطْلَانِهِ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ قَوْلٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَعْصُومِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ
[ ٣ / ٢٠٠ ]
الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: إِنَّا نَقُولُ: لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي دَلَّ الرَّسُولُ عَلَيْهَا وَأَرْشَدَ إِلَيْهَا فَصَارَتْ مَعْرُوفَةً بِالْعَقْلِ مَدْلُولًا عَلَيْهَا بِالشَّرْعِ مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَنْتُمْ مَعَ دَعْوَاكُمْ أَنَّكُمْ تُثْبِتُونَ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ، لَمْ تَذْكُرُوا عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا عَقْلِيًّا.
فَقَوْلُكُمْ لَمَّا رَأَيْنَا حُدُوثَ الْأَشْيَاءِ عَلِمْنَا أَنَّ شَيْئًا غَيْرَهَا أَحْدَثَهَا إِذْ لَا يُمْكِنُ حُدُوثُهَا مِنْ ذَوَاتِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّضَادِّ وَالتَّقَلُّبِ، كَلَامٌ قَاصِرٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّكُمْ لَمْ تَرَوْا حُدُوثَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَإِنَّمَا رَأَيْتُمْ حُدُوثَ مَا يُشْهَدُ حُدُوثُهُ كَالسَّحَابِ وَالْمَطَرِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَأَيْنَ دَلِيلُكُمْ عَلَى حُدُوثِ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ؟
الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولُوا لَمَّا عُلِمَ حُدُوثُ الْمُحْدَثَاتِ، أَوْ حُدُوثُ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ حُدُوثُ مَا سِوَى اللَّهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُحْدَثَ مَا سِوَى اللَّهِ، فَأَمَّا إِطْلَاقُ حُدُوثِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَبَاطِلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يُسَمَّى عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] .
فَإِنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْخَالِقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ خِلَافَ قَوْلِ الْقَائِلِ حُدُوثِ الْأَشْيَاءِ.
[ ٣ / ٢٠١ ]
الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الْمُحْدَثَ لَابُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، عِلْمٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: فِي الْقُرْآنِ:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] .
«قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: لَمَّا سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ بِهَا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَحْسَسْتُ بِفُؤَادِي قَدِ انْصَدَعَ»، يَقُولُ - تَعَالَى -: أَخُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ خَلَقَهُمْ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ الْحَادِثَ لَا يَحْدُثُ إِلَّا بِمُحْدِثٍ أَحْدَثَهُ.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
وَإِنَّ حُدُوثَ الْحَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ أَحْدَثَهُ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَهَذَا أَمْرٌ مَرْكُوزٌ فِي بَنِي آدَمَ حَتَّى الصِّبْيَانِ، لَوْ ضُرِبَ الصَّبِيُّ ضَرْبَةً فَقَالَ: مَنْ ضَرَبَنِي؟ فَقِيلَ: مَا ضَرَبَكَ أَحَدٌ، لَمْ يُصَدِّقْ عَقْلُهُ أَنَّ الضَّرْبَةَ حَدَثَتْ مِنْ غَيْرِ فَاعِلٍ.
وَلِهَذَا لَوْ جَوَّزَ مُجَوِّزٌ أَنْ يَحْدُثَ كِتَابَةٌ أَوْ بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُحْدِثٍ لِذَلِكَ، لَكَانَ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ إِمَّا مَجْنُونًا وَإِمَّا مُسَفْسِطًا كَالْمُنْكِرِ لِلْعُلُومِ الْبَدِيهِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الضَّرُورِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ نَفْسَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا قَبْلَ حُدُوثِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُحْدِثَ غَيْرَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُحْدِثَ نَفْسَهُ.
فَقَوْلُكُمْ لَمْ يَكُنْ حُدُوثُهَا مِنْ ذَوَاتِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّضَادِّ وَالتَّقَلُّبِ، تَعْلِيلٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ عِلْمَنَا بِأَنَّ حُدُوثَهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِهَا لَيْسَ لِأَجْلِ مَا فِيهَا مِنَ التَّضَادِّ وَالتَّقَلُّبِ، بَلْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَمَاثِلَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً أَوْ مُتَضَادَّةً، نَحْنُ نَعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يُحْدِثُ نَفْسَهُ، وَهَذَا مِنْ أَظَهَرِ الْمَعَارِفِ وَأَبْيَنِهَا لِلْعَقْلِ، كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَخْلُقُ مَوْجُودًا، وَأَنَّ الْمُحْدِثَ لِلْحَوَادِثِ الْمَوْجُودَةِ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّكُمْ ذَكَرْتُمْ حُجَّةً عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُحْدِثْ نَفْسَهَا، وَهِيَ
[ ٣ / ٢٠٣ ]
حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ وَلَمْ تَذْكُرُوا حُجَّةً عَلَى أَنَّهَا حَدَثَتْ، بِلَا مُحْدِثٍ، لَا أَنْفُسِهَا وَلَا غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُ كَوْنِهَا أَحْدَثَتْ نَفْسَهَا مُحْتَاجًا إِلَى دَلِيلٍ، فَكَذَلِكَ امْتِنَاعُ حُدُوثِهَا، بِلَا مُحْدِثٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، وَهُوَ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، فَكَذَلِكَ الْآخَرُ، فَذِكْرُ الدَّلِيلِ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ خَطَأٌ لَوْ كُنْتُمْ ذَكَرْتُمْ دَلِيلًا صَحِيحًا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ بَاطِلًا؟ وَمَنْ يَكُونُ مُبَلِّغَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُثْبِتُونَ بِهَا الْعِلْمَ بِالصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ؟ ثُمَّ يُرِيدُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُثْبِتُوا مَعَانِيَ عَقْلِيَّةً وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِفَهْمِهِمُ الْبَاطِلِ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، فَهُمْ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] (٣٩) ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: قَوْلُكُمْ: فَقُلْنَا إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، إِذْ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ، لِنَنْفِيَ عَنْهُ الْعَدَمَ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]
[ ٣ / ٢٠٤ ]
أَيْ مَثَلًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى بِأَسْمَائِهِ، وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . .
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ، فَإِنَّ الْمِثْلَيْنِ اللَّذَيْنِ يَسُدُّ أَحَدُهُمَا مَسَدَّ الْآخَرِ يَجِبُ لِأَحَدِهِمَا مَا يَجِبُ لِلْآخَرِ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ لِلْخَالِقِ مِثْلٌ لَلَزِمَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ.
وَالْخَالِقُ يَجِبُ لَهُ الْوُجُودُ وَالْقِدَمُ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ وَاجِبَ الْوُجُودِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَمْ يُعْدَمْ قَطُّ، وَكَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كَانَ مَعْدُومًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعْدُومًا قَدِيمًا مُحْدَثًا، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ يَمْتَنِعُ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ، وَأَيْضًا فَالْمَخْلُوقُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْقِدَمُ، وَيَجِبُ لَهُ سَابِقَةُ الْعَدَمِ، فَلَوْ وَجَبَ لِلْخَالِقِ الْقَدِيمِ مَا يَجِبُ لَهُ، لَوَجَبَ كَوْنُ الْوَاجِبِ لِلْقِدَمِ وَاجِبَ الْحُدُوثِ بَعْدَ الْعَدَمِ وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَجْزِمُ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَكِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَذْكُرُوا عَلَى ذَلِكَ حُجَّةً، (بَلْ قُلْتُمْ إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، إِذْ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَذْكُرُوا حُجَّةً) عَلَى أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، إِذْ كَانَ عُمْدَتَكُمْ عَلَى مَا شَهِدْتُمْ حُدُوثَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَمْ تَذْكُرُوا
[ ٣ / ٢٠٥ ]
حُجَّةً مَعَ كَوْنِهِ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، بَلْ قُلْتُمْ لِأَنَّنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَمَّا رَأَيْنَا حُدُوثَ الْأَشْيَاءِ عَلِمْنَا أَنَّ شَيْئًا غَيْرَهَا أَحْدَثَهَا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّضَادِّ وَالتَّقَلُّبِ فَقُلْنَا: إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ إِذْ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ لِنَنْفِيَ الْعَدَمَ عَنْهُ، وَدَلِيلُكُمْ لَوْ دَلَّ عَلَى الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ لَمْ يَدُلَّ إِلَّا عَلَى أَنَّهُ خَالِقٌ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَدُلَّ؟
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا لَا مَعْدُومًا، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ وَالنُّظَّارِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَثْبَتَ وُجُودَهُ بِالدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ، لَكِنْ لَيْسَ فِي دَلِيلِكُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، وَقَوْلُكُمْ: إِذْ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ خَالِقٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ نَفْيٍ لِلْمُمَاثَلَةِ عَنْهُ، وَلَكِنْ بَيَّنْتُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ جَهْلَكُمْ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ كَجَهْلِكُمْ بِالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ - تَعَالَى - عَنْ أَهْلِ النَّارِ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] .
[ ٣ / ٢٠٦ ]
[فَصْلٌ: دَلَائِلُ وُجُودِ اللَّهِ وَحَيَاتِهِ]
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: وَرَأَيْنَا الْأَشْيَاءَ الْمَخْلُوقَةَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: شَيْءٌ حَيٌّ، وَشَيْءٌ غَيْرُ حَيٍّ، فَوَصَفْنَاهُ بِأَجَلِّ الْقِسْمَيْنِ فَقُلْنَا إِنَّهُ حَيٌّ لِنَنْفِيَ الْمَوْتَ عَنْهُ.
فَيُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ حَيٌّ كَمَا نَطَقَتْ بِذَلِكَ كُتُبُهُ الْمُنَزَّلَةُ الَّتِي هِيَ آيَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ، وَدَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتُهُ كَمَخْلُوقَاتِهِ، الَّتِي هِيَ آيَاتُهُ الْفِعْلِيَّةُ، قَالَ - تَعَالَى -:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
أَيِ الْقُرْآنُ حَقٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] .
فَاللَّهُ - تَعَالَى - يُرِي عِبَادَهُ مِنْ آيَاتِهِ الْمُشَاهَدَةِ الْمُعَايَنَةِ الْفِعْلِيَّةِ، مَا يُبَيِّنُ صِدْقَ آيَاتِهِ الْمُنَزَّلَةِ الْمَسْمُوعَةِ الْقَوْلِيَّةِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]
[ ٣ / ٢٠٧ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] .
وَالدَّلَائِلُ عَلَى حَيَاتِهِ كَثِيرَةٌ:
مِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَالِمٌ، وَالْعِلْمُ لَا يَقُومُ إِلَّا بِحَيٍّ، وَثَبَتَ أَنَّهُ قَادِرٌ مُخْتَارٌ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ، وَالْقَادِرُ الْمُخْتَارُ لَا يَكُونُ إِلَّا حَيًّا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ خَالِقُ الْأَحْيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْخَالِقُ أَكْمَلُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، فَكُلُّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ فَهُوَ مِنَ الْخَالِقِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنْ خَالِقِهِ، وَكَمَالُهُ أَكْمَلَ مِنْهُ.
وَالْمُتَفَلْسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ يُسَلِّمُونَ هَذَا، وَيَقُولُونَ: كَمَالُ الْمَعْلُولِ مُسْتَفَادٌ مِنْ عِلَّتِهِ فَإِذَا كَانَ خَالِقًا لِلْأَحْيَاءِ كَانَ حَيًّا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَيَّ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢] .
فَلَوْ كَانَ الْخَالِقُ غَيْرَ حَيٍّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُمْكِنُ الْمُحْدَثُ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنَ الْوَاجِبِ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ، فَيَكُونُ أَنْقَصُ الْمَوْجُودَيْنِ أَكْمَلَ مِنْ أَكْمَلِهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ يَتَنَاوَلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يُبَيِّنُوهُ بَيَانًا تَامًّا، لَكِنَّ قَوْلَهُمْ قُلْنَا إِنَّهُ حَيٌّ لِنَنْفِيَ الْمَوْتَ عَنْهُ.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
كَلَامٌ مُسْتَدْرَكٌ فَإِنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الثُّبُوتِيَّةِ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، فَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهَا سَلْبُ صِفَاتِ النَّقْصِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ لَا يُمْدَحُ بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ إِلَّا لِتَضَمُّنِهَا الْمَعَانِي الثُّبُوتِيَّةَ، فَإِنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ وَالسَّلْبَ الصِّرْفَ لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ، إِذْ كَانَ الْمَعْدُومُ يُوصَفُ بِالْعَدَمِ الْمَحْضِ، وَالْعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ لَا كَمَالَ فِيهِ، إِنَّمَا الْكَمَالُ فِي الْوُجُودِ.
وَلِهَذَا جَاءَ كِتَابُ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَيَصِفُ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ بِالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَبِصِفَاتِ السَّلْبِ الْمُتَضَمَّنَةِ لِلثُّبُوتِ كَقَوْلِهِ:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
فَنَفْيُ أَخْذِ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ، إِذِ النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ مَعَ كَمَالِ الرَّاحَةِ، كَمَا لَا يَمُوتُونَ.
وَالْقَيُّومُ: الْقَائِمُ الْمُقِيمُ لِمَا سِوَاهُ، فَلَوْ جُعِلَتْ لَهُ سِنَةٌ أَوْ نَوْمٌ لَنَقَصَتْ حَيَاتُهُ وَقَيُّومِيَّتُهُ، فَلَمْ يَكُنْ قَائِمًا وَلَا قَيُّومًا، كَمَا ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، لَمَّا سَأَلُوا مُوسَى: هَلْ يَنَامُ رَبُّكَ؟ فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ قَوَارِيرَ فَأَخَذَهُ النَّوْمُ فَتَكَسَّرَتْ.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
بَيَّنَ بِهَذَا الْمَثَلِ أَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ لَوْ نَامَ لَنَفِدَ الْعَالَمُ، ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
فَإِنْكَارُهُ وَنَفْيُهُ أَنْ يَشْفَعَ أَحَدٌ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ مُلْكِهِ لِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، فَإِنَّ مَنْ شَفَعَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَقَبِلَ شَفَاعَتَهُ كَانَ مُشَارِكًا لَهُ إِذْ صَارَتْ شَفَاعَتُهُ سَبَبًا لِتَحْرِيكِ الْمَشْفُوعِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالْمُلْكِ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
فَنَفَى أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ لَيْسَ إِلَّا أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالتَّعْلِيمِ، فَهُوَ الْعَالِمُ بِالْمَعْلُومَاتِ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ شَيْئًا إِلَّا بِتَعْلِيمِهِ، كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ:
﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]
[ ٣ / ٢١٠ ]
أَيْ لَا يَكْرُثُهُ وَلَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ أَدْنَى مَشَقَّةٍ، وَلَا أَيْسَرُ كُلْفَةٍ فِي حِفْظِ الْمَخْلُوقَاتِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] .
بَيَّنَ بِذَلِكَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ اللُّغُوبُ فِي الْأَعْمَالِ الْعَظِيمَةِ مِثْلِ خَلْقِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، كَمَا يَلْحَقُ الْمَخْلُوقَ اللُّغُوبُ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا عَظِيمًا، وَاللُّغُوبُ: الِانْقِطَاعُ وَالْإِعْيَاءُ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِذَاتِهِ وَيَمْتَنِعُ اتِّصَافُهُ بِنَقَائِضِهَا، وَإِذَا وُصِفَ بِالسُّلُوبِ، فَالْمَقْصُودُ هُوَ إِثْبَاتُ الْكَمَالِ، وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: قَدْ وَصَفْنَاهُ بِالْحَيَاةِ لِنَنْفِيَ عَنْهُ الْمَوْتَ، كَمَا قَالُوا: هُوَ شَيْءٌ لِنَنْفِيَ الْعَدَمَ عَنْهُ، وَالْحَيَاةُ صِفَةُ كَمَالٍ يَسْتَحِقُّهَا بِذَاتِهِ، وَالْمَوْتُ مُنَاقِضٌ لَهَا، فَلَمْ يُوصَفْ بِالْحَيَاةِ لِأَجْلِ نَفْيِ الْمَوْتِ، بَلْ وَصْفُهُ بِالْحَيَاةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْتِ، فَيَنْفِي عَنْهُ الْمَوْتَ لِأَنَّهُ حَيٌّ، لَا يُثْبِتُ لَهُ الْحَيَاةَ لِنَفْيِ الْمَوْتِ، وَكَذَلِكَ لِتُثْبِتَ لَهُ أَنَّهُ شَيْءٌ مَوْجُودٌ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْعَدَمِ عَنْهُ، لَا أَنَّ إِثْبَاتَ وُجُودِهِ لِأَجْلِ نَفْيِ الْعَدَمِ، بَلْ نَفْيُ الْعَدَمِ عَنْهُ
[ ٣ / ٢١١ ]
لِأَجْلِ وُجُودِهِ، كَمَا أَنَّ نَفْيَ الْمَوْتِ عَنْهُ لِأَجْلِ حَيَاتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: قُلْنَا إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ وَذَلِكَ لِنَنْفِيَ الْعَدَمَ عَنْهُ، لَكِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُمْ قَاصِرَةً - إِثْبَاتَ الْوُجُودِ، وَنَفْيَ الْعَدَمِ، وَإِثْبَاتَ الْحَيَاةِ وَنَفْيَ الْمَوْتِ.
[ ٣ / ٢١٢ ]
[فَصْلٌ: طُرُقُ مَعْرِفَةِ صِفَاتِ الرَّبِّ]
ثُمَّ قَالُوا: وَرَأَيْنَا الْحَيَّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: حَيًّا نَاطِقًا، وَحَيًّا غَيْرَ نَاطِقٍ فَوَصَفْنَاهُ بِأَفْضَلِ الْوَصْفَيْنِ، فَقُلْنَا: إِنَّهُ نَاطِقٌ لِنَنْفِيَ الْجَهْلَ عَنْهُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَا رَيْبَ أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ مُتَكَلِّمٌ مُخْتَارٌ، لَكِنَّ قَوْلَهُمْ: فَقُلْنَا إِنَّهُ نَاطِقٌ لِنَنْفِيَ الْجَهْلَ عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّكُمْ أَرَدْتُمُ النُّطْقَ الْمُنَاقِضَ لِلْجَهْلِ، وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يُنَاقِضُ الْجَهْلَ لَمْ تُرِيدُوا بِذَلِكَ النُّطْقَ الَّذِي هُوَ الْعِبَارَةُ وَالْبَيَانُ، وَلَمْ تُرِيدُوا بِذَلِكَ مَا جَعَلَهُ بَعْضُ النُّظَّارِ كَلَامًا، وَهِيَ مَعَانِي قَائِمَةٌ بِالنَّفْسِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْعُلُومِ، وَلَا مِنْ جِنْسِ الْإِرَادَاتِ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لَكُمْ: لَيْسَ فِي الْأَحْيَاءِ إِلَّا مَا هُوَ شَاعِرٌ، فَكُلُّ حَيٍّ فَلَهُ شُعُورٌ بِحَسَبِهِ.
وَكُلَّمَا قَوِيَتِ الْحَيَاةُ قَوِيَ شُعُورُهَا، وَشُعُورُ الْحَيَوَانِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْعِلْمِ، كَمَا يَقُولُ النَّاسُ: عِلْمُ الْفَهْدِ وَالْبَازِي وَالْكَلْبِ، وَيُقَالُ: كَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَغَيْرُ مُعَلَّمٍ وَبَازِي مُعَلَّمٌ.
[ ٣ / ٢١٣ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] .
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَقَتَلَ فَكُلْ» وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعِلْمَ صِفَةُ كَمَالٍ، فَالْعَالِمُ أَكْمَلُ مِنَ الْجَاهِلِ، وَالدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، مِثْلُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِإِرَادَتِهِ.
وَالْإِرَادَةُ تَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ الْمُرَادِ فَلَابُدَّ أَنْ يَعْلَمَ الْمَخْلُوقَاتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا.
وَكُلُّ مَا وُجِدَ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ مَوْجُودٌ وُجُودًا مُعَيَّنًا يَمْتَازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا خَلَقَهَا كَذَلِكَ فَلَابُدَّ أَنْ يَعْلَمَهَا عِلْمًا مُفَصَّلًا يَمْتَازُ بِهِ كُلُّ مَعْلُومٍ عَمَّا سِوَاهُ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَلِمَهَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ مِنْهَا شَيْئًا،
[ ٣ / ٢١٤ ]
لِأَنَّ الْكُلِّيَّ إِنَّمَا يَكُونُ كُلِّيًّا فِي الْأَذْهَانِ، وَأَمَّا مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ مُعَيَّنٌ مُخْتَصٌّ بِعَيْنِهِ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَفْلَاكِ مُعَيَّنٌ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ إِلَّا الْكُلِّيَّاتِ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَقَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا وَبُيِّنَ فَسَادُ شُبَهِ نُفَاةِ ذَلِكَ بِمَا ادَّعَوْهُ مِنْ لُزُومِ التَّغْيِيرِ أَوِ التَّكَثُّرِ، وَبُيِّنَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ عِلْمِ اللَّهِ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ مَحْذُورٌ يَنْفِيهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ.
فَإِنَّ التَّكَثُّرَ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي هُوَ مَدْلُولُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ فَإِنَّهُ عَالِمٌ قَادِرٌ حَيٌّ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ هُوَ الْقُدْرَةَ، وَلَا الْقُدْرَةُ هِيَ الْحَيَاةَ وَلَا الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَ، وَمَنْ جَعَلَ كُلَّ صِفَةٍ هِيَ الْأُخْرَى، وَجَعَلَ الصِّفَاتِ هِيَ الْمَوْصُوفَ، فَهُوَ قَوْلٌ فِي غَايَةِ السَّفْسَطَةِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خَالِقُ الْعَالَمِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَجَاعِلُهُمْ عُلَمَاءَ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ غَيْرَهُ عَالِمًا مَنْ لَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِهِ بِعَالِمٍ، فَإِنَّ الْعِلْمَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَمَنْ يَعْلَمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ، وَكُلُّ كَمَالٍ لِلْمَخْلُوقِ فَهُوَ مِنَ الْخَالِقِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنَ الْخَالِقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي الْمُمْكِنَاتِ الْمُحْدَثَةِ الْمَخْلُوقَةِ مَا هُوَ عَالِمٌ، وَالْوَاجِبُ الْقَدِيمُ الْخَالِقُ أَكْمَلُ مِنَ الْمُمْكِنِ الْمُحْدَثِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْكَمَالِ الْمَوْجُودُ
[ ٣ / ٢١٥ ]
النَّاقِصُ الْخَسِيسُ دُونَ الْمَوْجُودِ الْكَامِلِ الشَّرِيفِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَعْنَى حُجَّتِهِمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حَيٌّ، وَالْحَيَاةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِجِنْسِ الْعِلْمِ، وَإِذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ أَكْمَلَ مِنْ كُلِّ حَيَاةٍ فَعِلْمُهُ أَكْمَلُ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ، لَكِنْ يُقَالُ لَكُمْ: كَمَا أَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ فَهُوَ أَيْضًا قَادِرٌ، فَمَا ذَكَرْتُمْ بِأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ أَوِ الْأَحْيَاءَ تَنْقَسِمُ إِلَى قَادِرٍ وَغَيْرِ قَادِرٍ، فَيَجِبُ أَنْ يُوصَفَ بِأَجَلِّ الْقِسْمَيْنِ، وَهُوَ الْقُدْرَةُ.
لَا سِيَّمَا وَدَلَائِلُ كَوْنِهِ قَادِرًا أَظْهَرُ مِنْ دَلَائِلِ كَوْنِهِ عَالِمًا، فَإِنَّ نَفْسَ كَوْنِهِ خَالِقًا فَاعِلًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ قَادِرًا، فَإِنَّ الْفِعْلَ بِدُونِ الْقُدْرَةِ مُمْتَنِعٌ حَتَّى إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْجَمَادَ يَفْعَلُ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ بِقُوَّةٍ فِيهِ كَالْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي فِي الْأَجْسَامِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ فِي خَالِقِ الْعَالَمِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ، وَلَا قُدْرَةٌ، قَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَوْ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثُ الِاسْتِخَارَةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَتُخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ»
[ ٣ / ٢١٦ ]
وَكَثِيرٌ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ الْمُصَنِّفِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الدَّلِيلَ عَلَى كَوْنِهِ قَادِرًا قَبْلَ كَوْنِهِ عَالِمًا وَحَيًّا، وَيَقُولُونَ: الْعِلْمُ بِذَلِكَ أَسْبَقُ فِي السُّلُوكِ الِاسْتِدْلَالِيِّ النَّظَرِيِّ لِدَلَالَةِ الْأَحْدَاثِ وَالْفِعْلِ عَلَى قُدْرَةِ الْمُحْدِثِ الْفَاعِلِ فَيَجِبُ أَنْ يُثْبِتُوا لَهُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ مَعَ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْحَيَّ لَمَّا كَانَ يَنْقَسِمُ إِلَى سَمِيعٍ، وَغَيْرِ سَمِيعٍ، وَبَصِيرٍ، وَغَيْرِ بَصِيرٍ، وَصَفْنَاهُ بِأَشْرَفِ الْقِسْمَيْنِ، وَهُوَ السَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ.
وَكَذَلِكَ فِي النُّطْقِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْبَيَانُ وَالْعِبَارَةُ، وَلَمْ يُرَدْ بِهِ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ، أَوْ مَعْنًى مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ فَإِنَّ الْحَيَّ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَكَلِّمٍ، وَمُبَيِّنٍ مُعَبِّرٍ عَمَّا فِي نَفْسِهِ، وَإِلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ تَصِفُوهُ بِأَشْرَفِ الْقِسْمَيْنِ، وَهُوَ الْكَلَامُ الْمُبَيِّنُ الْمُعَبِّرُ عَنْهُ عَمَّا فِي النَّفْسِ مِنَ الْمَعَانِي.
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ثُبُوتِ جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصَفْ بِكَوْنِهِ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا لَوُصِفَ بِضِدِّ ذَلِكَ، كَالْمَوْتِ وَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالصَّمَمِ وَالْبُكْمِ وَالْخَرَسِ، وَمَعْلُومٌ وُجُوبُ تَقَدُّسِهِ عَنْ هَذِهِ النَّقَائِصِ، بَلْ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهُ أَكْمَلُ الْمَوْجُودَاتِ، وَأَجَلُّهَا وَأَعْظَمُهَا، وَرَبُّ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَخَالِقُهُ وَمَالِكُهُ، وَجَاعِلُ كُلِّ مَا سِوَاهُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ شَيْئًا عَاجِزًا جَاهِلًا أَصَمَّ أَبْكَمَ أَخْرَسَ، بَلْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهَذِهِ النَّقَائِصِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
[ ٣ / ٢١٧ ]
وَلِبَعْضِ الْمَلَاحِدَةِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ هُنَا سُؤَالٌ مَشْهُورٌ وَهُوَ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ إِذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يُوصَفَ بِأَضْدَادِهَا إِذَا كَانَ قَابِلًا لَهَا، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لَهَا لَمْ يَلْزَمْ.
قَالُوا: هَذِهِ الصِّفَاتُ مُتَقَابِلَةٌ تُقَابِلُ الْعَدَمَ وَالْمَلَكَةَ، وَهُوَ عَدَمُ الشَّيْءِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لَهُ كَعَدَمِ الْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ.
وَالْكَلَامُ عَنِ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ الْقَابِلُ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لَهُ كَالْجَمَادِ، فَلَا يُسَمَّى مَعَ عَدَمِ الْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ مَيِّتًا وَلَا أَصَمَّ وَلَا أَعْمَى وَلَا أَخْرَسَ.
وَجَوَابُ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ مِمَّنْ قَبِلَهَا، وَلَمْ يَتَّصِفْ
[ ٣ / ٢١٨ ]
بِهَا، فَالْجَمَادُ أَنْقَصُ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَمْ يَتَّصِفْ بَعْدُ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَابِلًا لَهَا لَزِمَ إِذَا عَدِمَهَا أَنْ يَتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا.
وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَقُولُونَ: فِي إِثْبَاتِهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْحَيَوَانِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: وَفِي نَفْيِهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْجَمَادِ الَّذِي هُوَ أَنْقَصُ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي نَفْيِهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْجَمَادِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي إِثْبَاتِهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالْحَيَوَانِ فَهُوَ مَحْذُورٌ، فَالْمَحْذُورُ فِي تَشْبِيهِهِ بِالْجَمَادِ أَعْظَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا التَّشْبِيهِ مَحْذُورًا فِي ذَلِكَ، فَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْذُورًا فِي هَذَا بِطْرِيقِ الْأَوْلَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَعْلَهُمْ سَلْبَ الْمَوْتِ وَالصَّمَمِ وَالْبُكْمِ عَنِ الْجَمَادِ لِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لَهَا اصْطِلَاحٌ مَحْضٌ، فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَسْمِيَةُ الْجَمَادِ مَيِّتًا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْأَصْنَامِ:
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١] .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَكْفِي عَدَمُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ صِفَةُ نَقْصٍ سَوَاءٌ قُدِّرَ الْمَوْصُوفُ قَابِلًا لَهَا أَوْ غَيْرَ قَابِلٍ، بَلْ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لَهَا كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي النَّقْصِ.
فَعُلِمَ أَنَّ نَفْيَ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَنْهُ، وَنَفْيَ قَبُولِهَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ مِنَ الْحَيَوَانِ الْأَعْمَى الْأَصَمِّ الَّذِي يَقْبَلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْكَمَالَ فِي الْوُجُودِ، وَالنَّقْصَ فِي الْعَدَمِ، فَنَفْسُ
[ ٣ / ٢١٩ ]
ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ كَمَالٌ، وَنَفْسُ نَفْيِهَا نَقْصٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا لَزِمَ نَقْصُهُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ أَكْمَلَ مِنَ الْفَاعِلِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُحْدَثُ الْمُمْكِنُ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنَ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْخَالِقِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَكِنْ نَبَّهْنَا عَلَيْهَا هُنَا لِبَيَانِ بَعْضِ الطُّرُقِ الَّتِي بِهَا تُعْرَفُ صِفَاتُ الرَّبِّ، وَبَيَانِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مِنْ أَجْهَلِ أَهْلِ الْمِلَلِ بِالرَّبِّ.
وَالطُّرُقُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا كَمَالُهُ فِيهَا الْعَقْلِيَّةُ وَالسَّمْعِيَّةُ، وَأَنَّ الْقَوْمَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ مَا لَمْ يَفْهَمُوا كَثِيرًا مِنْهُ وَمَا حَرَّفُوا كَثِيرًا مِنْهُ، وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْمَعْقُولِ فِي ذَلِكَ مَا يَفْضُلُهُمُ الْيَهُودُ فِيهِ، لَكِنَّ الْيَهُودَ، وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ مِنْهُمْ، فَهُمْ أَعْظَمُ عِنَادًا وَكِبْرًا وَجَحْدًا لِلْحَقِّ، وَالنَّصَارَى أَجْهَلُ وَأَضَلُّ مِنَ الْيَهُودِ لَكِنْ هُمْ أَعْبَدُ وَأَزْهَدُ وَأَحْسَنُ أَخْلَاقًا، وَلِهَذَا كَانُوا أَقْرَبَ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى]
قَالُوا: وَالثَّلَاثَةُ أَسْمَاءٍ فَهِيَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَرَبٌّ وَاحِدٌ، وَخَالِقٌ وَاحِدٌ، مُسَمًّى وَاحِدٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ شَيْئًا حَيًّا نَاطِقًا، أَيِ الذَّاتُ، وَالنُّطْقُ، وَالْحَيَاةُ.
فَالذَّاتُ عِنْدَنَا: الْأَبُ الَّذِي هُوَ ابْتِدَاءُ الِاثْنَيْنِ.
وَالنُّطْقُ: الِابْنُ الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ مِنْهُ كَوِلَادَةِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ.
وَالْحَيَاةُ: هِيَ الرُّوحُ الْقُدُسُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ- تَعَالَى - مُتَعَدِّدَةٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] (٢٢) ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] (٢٣) ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]
[ ٣ / ٢٢١ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿طه﴾ [طه: ١] (١) ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] (٢) ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٣] (٣) ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾ [طه: ٤] (٤) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (٥) ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦] (٦) ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] (٧) ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»
[ ٣ / ٢٢٢ ]
وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي أَشْهَرِ قَوْلِي الْعُلَمَاءِ وَأَصَحِّهِمَا أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِلَّا فَأَسْمَاؤُهُ تَبَارَكَ وَ- تَعَالَى -: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حُزْنٌ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِي قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَ مَكَانَهُ فَرَحًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ، قَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ
[ ٣ / ٢٢٣ ]
سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» .
وَإِذَا كَانَتْ أَسْمَاءُ اللَّهِ كَثِيرَةً، كَالْعَزِيزِ وَالْقَدِيرِ وَغَيْرِهَا، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ دُونَ غَيْرِهَا بَاطِلٌ، وَأَيُّ شَيْءٍ زَعَمَ الزَّاعِمُ فِي اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِهِ دُونَ غَيْرِهَا فَهُوَ بَاطِلٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُمُ الْأَبُ الَّذِي هُوَ ابْتِدَاءُ الِاثْنَيْنِ، وَالِابْنُ: النُّطْقُ الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ مِنْهُ، كَوِلَادَةِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ، كَلَامٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَازِمَةٌ لِذَاتِ الرَّبِّ ﷿ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا، لَمْ يَصِرْ حَيًّا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا، وَلَا عَالِمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.
فَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الْأَبَ الَّذِي هُوَ الذَّاتُ، هُوَ ابْتِدَاءُ الْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ قَبْلَ الْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ، وَأَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِلْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ، فَإِنَّ مَا كَانَ ابْتِدَاءً لِغَيْرِهِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ أَوْ فَاعِلًا لَهُ.
وَهَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ بَاطِلٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ النُّطْقَ مَوْلُودٌ مِنْهُ كَوِلَادَةِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْمَوْلُودَ مِنْ غَيْرِهِ مُتَوَلِّدٍ مِنْهُ، فَيَحْدُثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، كَمَا يَحْدُثُ النُّطْقُ
[ ٣ / ٢٢٤ ]
شَيْئًا فَشَيْئًا، سَوَاءٌ أُرِيدَ بِالنُّطْقِ الْعِلْمُ أَوِ الْبَيَانُ فَكِلَاهُمَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ، بَلْ حَدَثَ فِيهَا وَاتَّصَفَتْ بِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ كَانَتْ قَابِلَةً لَهُ نَاطِقَةً بِالْقُوَّةِ، فَإِذَا مَثَّلُوا تَوَلُّدَ النُّطْقِ مِنَ الرَّبِّ كَتَوَلُّدِهِ عَنِ الْعَقْلِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ كَانَ نَاطِقًا بِالْقُوَّةِ، ثُمَّ صَارَ نَاطِقًا بِالْفِعْلِ فَيَلْزَمُ أَنَّهُ صَارَ عَالِمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَأَشَدِّهِ اسْتِحَالَةً، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا، إِذْ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ وَكَمَالُهُ مِنْهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ جَاعِلُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَ- تَعَالَى - كَامِلًا.
وَذَلِكَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، إِذْ كَانَ الشَّيْءُ لَا يَجْعَلُ غَيْرَهُ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ مُتَّصِفًا بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا حَتَّى جَعَلَهُ غَيْرُهُ مُتَّصِفًا بِهَا لَزِمَ الدَّوْرُ الْمُمْتَنِعُ، مِثْلُ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ فَاعِلًا لِلْآخَرِ وَعِلَّةً لَهُ أَوْ لِبَعْضِ صِفَاتِهِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْفِعْلِ فَتَبَيَّنَ بُطْلَانُ كَوْنِ نُطْقِهِ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ، كَتَوَلُّدِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ، كَمَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ مَا هُوَ مَبْدَأٌ لَهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا أَوْ فَاعِلٌ لَهَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الِابْنِ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ الْحَيَاةُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلَّهِ، فَيَكُونُ رُوحُ الْقُدُسِ
[ ٣ / ٢٢٥ ]
أَيْضًا ابْنًا ثَانِيًا، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، صَارَ عَالِمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ بَاطِلًا وَكُفْرًا فَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ أَنَّهُ صَارَ حَيًّا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ تَسْمِيَةَ حَيَاةِ اللَّهِ رُوحَ الْقُدُسِ أَمْرٌ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ، فَإِطْلَاقُ رُوحِ الْقُدُسِ عَلَى حَيَاةِ اللَّهِ مِنْ تَبْدِيلِهِمْ وَتَحْرِيفِهِمْ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمُتَّحِدَ بِالْمَسِيحِ هُوَ الْكَلِمَةُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ، وَهَذَا إِنْ أَرَادُوا بِهِ نَفْسَ الذَّاتِ الْعَالِمَةِ النَّاطِقَةِ، كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَبَ، وَكَانَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ هُوَ الْأَبَ، وَهُوَ الِابْنَ، وَهُوَ رُوحَ الْقُدُسِ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ بَاطِلٌ وَكُفْرٌ.
وَإِنْ قَالُوا الْمُتَّحِدُ بِهِ هُوَ الْعِلْمُ، فَالْعِلْمُ صِفَةٌ لَا تُفَارِقُ الْعَالِمَ، وَلَا تُفَارِقُ الصِّفَةَ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّحِدَ بِهِ الْعِلْمُ دُونَ الذَّاتِ، وَدُونَ الْحَيَاةِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الْعِلْمَ أَيْضًا صِفَةٌ، وَالصِّفَةُ لَا تُخْلَقُ وَلَا تُرْزَقُ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ لَيْسَ هُوَ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَأَيْضًا فَهُوَ عِنْدَهُمْ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّحِدُ بِهِ صِفَةً، فَإِنَّ الْإِلَهَ الْمَعْبُودَ هُوَ الْإِلَهُ الْحَيُّ الْعَالِمُ الْقَادِرُ، وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْحَيَاةِ، وَلَا نَفْسَ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ.
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَا حَيَاةَ اللَّهِ، أَوْ يَا عِلْمَ اللَّهِ، أَوْ يَا كَلَامَ اللَّهِ، اغْفِرْ
[ ٣ / ٢٢٦ ]
لِي، وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي، كَانَ هَذَا بَاطِلًا فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنْ يُقَالَ لِلتَّوْرَاةِ أَوِ الْإِنْجِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْإِلَهِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا الْكَلَامِ: اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي.
وَالْمَسِيحُ - ﵇ - عِنْدَكُمْ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، فَلَوْ كَانَ هُوَ نَفْسَ عِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا مَعْبُودًا فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ نَفْسَ عِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ بِكَلَامِهِ حَيْثُ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ؟
فَتَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَفِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كَالتَّوْرَاةِ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِكَلَامِهِ، وَكَانَ فِي أَوَّلِ التَّوْرَاةِ أَنَّهُ قَالَ: لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ هُوَ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، إِذْ هُوَ مَخْلُوقٌ بِكَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ ﷿.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ أَمَانَتَكُمُ الَّتِي وَضَعَهَا أَكَابِرُكُمْ بِحَضْرَةِ قُسْطَنْطِينَ، وَهِيَ عَقِيدَةُ إِيمَانِكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا أَصْلَ دِينِكُمْ تُنَاقِضُ مَا تَدَّعُونَهُ مِنْ أَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، وَتُبَيِّنُ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ لِمَنْ يُنَاظِرُكُمْ خِلَافَ مَا تَعْتَقِدُونَهُ.
وَهَذَانِ أَمْرَانِ مَعْرُوفَانِ فِي دِينِكُمْ تَنَاقُضُكُمْ وَإِظْهَارُكُمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ
[ ٣ / ٢٢٧ ]
بِخِلَافِ مَا تَقُولُونَهُ مِنْ أَصْلِ دِينِكُمْ، فَإِنَّ الْأَمَانَةَ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا جَمَاهِيرُ النَّصَارَى يَقُولُونَ فِيهَا: أُومِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، أَبٍ ضَابِطِ الْكُلِّ، خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كُلِّ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ الْبَشَرَ، وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَتَأَنَّسَ وَصُلِبَ وَتَأَلَّمَ وَقُبِرَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى مَا فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ، وَأَيْضًا سَيَأْتِي بِمَجْدِهِ لِيَدِينَ الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ الَّذِي لَا فَنَاءَ لِمُلْكِهِ، وَبِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِي الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ الَّذِي هُوَ مَعَ الْأَبِ وَالِابْنِ الْمَسْجُودِ لَهُ، وَمُمَجَّدٍ نَاطِقٍ فِي الْأَنْبِيَاءِ، كَنِيسَةٌ وَاحِدَةٌ جَامِعَةٌ رَسُولِيَّةٌ، وَأَعْتَرِفُ بِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، وَابْنٍ جَاءَ لِقِيَامَةِ الْمَوْتَى، وَحَيَاةِ الدَّهْرِ الْعَتِيدِ كَوْنُهُ أَمِينًا.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
فَفِي هَذِهِ الْأَمَانَةِ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا أَصْلَ دِينِكُمْ ذُكِرَ الْإِيمَانُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، خَالِقِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، فَهَذَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَهُوَ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهُوَ الَّذِي دَعَتْ جَمِيعُ الرُّسُلِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَهَوْا أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] .
ثُمَّ قُلْتُمْ: وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ
[ ٣ / ٢٢٩ ]
الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ، فَصَرَّحْتُمْ بِالْإِيمَانِ مَعَ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِرَبٍّ وَاحِدٍ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ الْأَبَ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ، وَقُلْتُمْ: هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْإِيمَانِ بِإِلَهَيْنِ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَعِلْمُ اللَّهِ الْقَائِمُ بِهِ، أَوْ كَلَامُهُ أَوْ حِكْمَتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ الَّذِي سَّمَيْتُمُوهُ ابْنًا، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ صِفَةَ اللَّهِ ابْنًا لَيْسَ هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، بَلْ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَهَذَا صِفَةُ الْإِلَهِ، وَصِفَةُ الْإِلَهِ لَيْسَتْ بِإِلَهٍ، كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَسَائِرَ صِفَاتِهِ لَيْسَ بِآلِهَةِ، وَلِأَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، وَصِفَاتِهِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَالْإِلَهَ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِالصِّفَاتِ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَالصِّفَةَ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ، وَلِأَنَّكُمْ سَمَّيْتُمُ الْإِلَهَ جَوْهَرًا، وَقُلْتُمْ: هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
وَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَمَانَةِ قَدْ جَعَلُوا اللَّهَ وَالِدًا وَهُوَ الْأَبُ، وَمَوْلُودًا وَهُوَ الِابْنُ، وَجَعَلُوهُ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْجَوْهَرِ، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالُوا: مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ، فَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْجَوْهَرِ، وَالْمُسَاوِي لَيْسَ هُوَ الْمُسَاوَى.
وَلَا يُسَاوِي الْأَبُ فِي الْجَوْهَرِ إِلَّا جَوْهَرٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ جَوْهَرًا ثَانِيًا، وَرُوحُ الْقُدُسِ جَوْهَرًا ثَالِثًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ جَوَاهِرَ، وَثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّمَا نُثْبِتُ جَوْهَرًا وَاحِدًا وَإِلَهًا وَاحِدًا، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ،
[ ٣ / ٢٣٠ ]
فَهُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ جَعْلِ الْآلِهَةِ وَاحِدًا، وَإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَبَيْنَ إِثْبَاتِ جَوْهَرٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ إِثْبَاتِهِ ثَلَاثَةَ جَوَاهِرَ، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
فَنَزَّهَ نَفْسَهُ أَنْ يَلِدَ كَمَا يَقُولُونَ: هُوَ الْأَبُ، وَأَنْ يُولَدَ كَمَا يَقُولُونَ: هُوَ الِابْنُ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ لَهُ مَنْ يُسَاوِيهِ فِي الْجَوْهَرِ.
وَإِذَا قُلْتُمْ نَحْنُ نَقُولُ أَحَدِيُّ الذَّاتِ ثُلَاثِيُّ الصِّفَاتِ، قِيلَ لَكُمْ: قَدْ صَرَّحْتُمْ بِإِثْبَاتِ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ وَبِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ جَوْهَرٍ ثَانِي لَا بِصِفَةٍ، فَجَمَعْتُمْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ إِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ جَوَاهِرَ، وَبَيْنَ دَعْوَى إِثْبَاتِ جَوْهَرٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذَا اعْتِذَارُ مَنِ اعْتَذَرَ مِنْكُمْ كَيَحْيَى بْنِ عَدِيٍّ وَنَحْوِهِ حَيْثُ قَالُوا: هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ الطَّبِيبُ الْحَاسِبُ الْكَاتِبُ، ثُمَّ تَقُولُ: زَيْدٌ الطَّبِيبُ وَزَيْدٌ الْحَاسِبُ وَزَيْدٌ الْكَاتِبُ.
فَهُوَ مَعَ كُلِّ صِفَةٍ لَهُ حُكْمٌ خِلَافَ حُكْمِهِ مَعَ الصِّفَةِ الْأُخْرَى، وَقَدْ يُفَسِّرُونَ الْأُقْنُومَ بِهَذَا، فَيَقُولُونَ: الْأُقْنُومُ هُوَ الذَّاتُ مَعَ الصِّفَةِ، فَالذَّاتُ مَعَ
[ ٣ / ٢٣١ ]
كُلِّ صِفَةٍ أُقْنُومٌ، فَصَارَتِ الْأَقَانِيمُ ثَلَاثَةً، لِأَنَّ هَذَا الْمِثَالَ لَا يُطَابِقُ قَوْلَكُمْ، فَإِنَّ زَيْدًا هُنَا هُوَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لَهُ ثَلَاثُ صِفَاتٍ: الطِّبُّ وَالْحِسَابُ وَالْكِتَابَةُ، وَلَيْسَ هُنَا ثَلَاثَةُ جَوَاهِرَ، وَلَكِنْ لِكُلِّ صِفَةٍ حُكْمٌ لَيْسَ لِلْأُخْرَى.
وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الصِّفَةَ مُسَاوِيَةٌ لِلْمَوْصُوفِ فِي الْجَوْهَرِ، وَلَا أَنَّ الذَّاتَ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ تُسَاوِي الذَّاتَ مَعَ الصِّفَةِ الْأُخْرَى فِي الْجَوْهَرِ، لِأَنَّ الذَّاتَ وَاحِدَةٌ وَالْمُسَاوِي لَيْسَ هُوَ الْمُسَاوَى، وَلِأَنَّ الذَّاتَ مَعَ الصِّفَةِ هِيَ الْأَبُ فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ فَالْمُتَّحِدُ بِهِ هُوَ الْأَبُ، وَلِأَنَّكُمْ قُلْتُمْ عَنْ هَذَا الَّذِي قُلْتُمْ: (إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ الَّذِي هُوَ مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ وَأَنَّهُ نَزَلَ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَتَأَنَّسَ وَصُلِبَ وَتَأَلَّمَ) فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ الْحَقُّ الْمُسَاوِي لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ صُلِبَ وَتَأَلَّمَ، فَيَكُونَ اللَّاهُوتُ مَصْلُوبًا مُتَأَلِّمًا، وَهَذَا تُقِرُّ بِهِ طَوَائِفُ مِنْكُمْ، وَطَوَائِفُ تُنْكِرُهُ، لَكِنَّ مُقْتَضَى أَمَانَتِكُمْ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَمَرْيَمَ، فَإِنْ كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ، كَمَا زَعَمْتُمْ فَيَكُونُ الْمَسِيحُ كَلِمَةَ اللَّهِ وَحَيَاتَهُ، فَيَكُونُ لَاهُوتُهُ أُقْنُومَيْنِ مِنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَهُمْ إِنَّمَا هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ
[ ٣ / ٢٣٢ ]
فَقَطْ وَإِنْ كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ بَطَلَ تَفْسِيرُكُمْ لِرُوحِ الْقُدُسِ بِأَنَّهُ حَيَاةُ اللَّهِ.
وَقِيلَ لَكُمْ: لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ رُوحُ الْقُدُسِ صِفَةً لِلَّهِ وَلَا أُقْنُومًا.
ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي عَقِيدَةِ أَمَانَتِكُمْ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِي، فَأَثْبَتُّمْ رَبًّا ثَالِثًا، قُلْتُمُ الْمُنْبَثِقُ مِنَ الْأَبِ وَالِانْبِثَاقُ: الِانْفِجَارُ، كَالِانْدِفَاقِ وَالِانْصِبَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يُقَالُ: بَثَقَ السَّيْلُ مَوْضِعَ كَذَا يَبْثُقُهُ بَثْقًا أَيْ خَرَقَهُ وَشَقَّهُ فَانْبَثَقَ أَيِ انْفَجَرَ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّبُّ الْمُحْيِي انْفَجَرَ مِنَ الْأَبِ وَانْدَفَقَ مِنْهُ.
ثُمَّ قُلْتُمْ: هُوَ مَعَ الْأَبِ مَسْجُودٌ لَهُ وَمُمَجَّدٌ نَاطِقٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ فَجَعَلْتُمُوهُ مَعَ الْأَبِ مَسْجُودًا لَهُ فَأَثْبَتُّمْ إِلَهًا ثَالِثًا يُسْجَدُ لَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ لَيْسَتْ مُنْبَثِقَةً مِنْهُ، بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تَخْرُجُ عَنْهُ الْبَتَّةَ، وَهِيَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومَاتِ، وَالْقُدْرَةَ بِالْمَقْدُورَاتِ وَالتَّكْلِيمَ بِالْمُخَاطَبِينَ بِخِلَافِ التَّكَلُّمِ فَإِنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ، يُقَالُ: عَلِمَ اللَّهُ كَذَا، وَقَدَرَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى.
وَأَمَّا الْحَيَاةُ: فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهَا لَازِمٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْحَيِّ، يُقَالُ
[ ٣ / ٢٣٣ ]
حَيَا يَحْيَا حَيَاةً، وَلَا يُقَالُ حَيَا كَذَا وَلَا بِكَذَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَحْيَا كَذَا، وَالْإِحْيَاءُ فِعْلٌ غَيْرُ كَوْنِهِ حَيًّا، كَمَا أَنَّ التَّعْلِيمَ غَيْرُ الْعِلْمِ، وَالْإِقْدَارَ غَيْرُ الْقُدْرَةِ، وَالتَّكْلِيمَ غَيْرُ التَّكَلُّمِ، ثُمَّ جَعَلْتُمْ رُوحَ الْقُدُسِ هَذَا نَاطِقًا فِي الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -، وَحَيَاةُ اللَّهِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تَحِلُّ فِي غَيْرِهِ، وَرُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي تَكُونُ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَيْسَ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ الْقَائِمَةَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي فِي الْأَنْبِيَاءِ هُوَ أَحَدَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ لَكَانَ كُلٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَهًا مَعْبُودًا قَدِ اتَّحَدَ نَاسُوتُهُ بِاللَّاهُوتِ كَالْمَسِيحِ عِنْدَكُمْ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمَّا اتَّحَدَ بِهِ أَحَدُ الْأَقَانِيمِ صَارَ نَاسُوتًا وَلَاهُوتًا، فَإِذَا كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ نَاطِقًا فِي الْأَنْبِيَاءِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِيهِ لَاهُوتٌ وَنَاسُوتٌ كَالْمَسِيحِ وَأَنْتُمْ لَا تُقِرُّونَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ إِلَّا لِلْمَسِيحِ وَحْدَهُ مَعَ إِثْبَاتِكُمْ لِغَيْرِهِ مَا ثَبَتَ لَهُ.
وَهُمْ تَارَةً يُشَبِّهُونَ الْأُقْنُومَيْنِ - الْعِلْمَ وَالْحَيَاةَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْكَلِمَةَ وَرُوحَ الْقُدُسِ - بِالضِّيَاءِ وَالْحَرَارَةِ الَّتِي لِلشَّمْسِ، مَعَ الشَّمْسِ وَيُشَبِّهُونَ ذَلِكَ بِالْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ الَّذِي لِلنَّفْسِ مَعَ النَّفْسِ، وَهَذَا تَشْبِيهٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا بِالضِّيَاءِ وَالْحَرَارَةِ مَا يَقُومُ بِذَاتِ الشَّمْسِ، فَذَلِكَ صِفَةٌ لِلشَّمْسِ قَائِمَةٌ بِهَا لَمْ تَحِلَّ بِغَيْرِهَا وَلَمْ تَتَّحِدْ بِغَيْرِهَا، كَمَا أَنَّ صِفَةَ النَّفْسِ كَذَلِكَ هَذَا إِنْ قِيلَ إِنَّ الشَّمْسَ تَقُومُ بِهِ حَرَارَةٌ، وَإِلَّا فَهَذَا مَمْنُوعٌ.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: بَيَانُ فَسَادِ كَلَامِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ.
وَإِنْ أَرَادُوا مَا هُوَ بَائِنٌ عَنِ الشَّمْسِ قَائِمٌ بِغَيْرِهَا. كَالشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْحَرَارَةِ الْقَائِمَةِ بِذَلِكَ كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ أَعْرَاضٌ مُنْفَصِلَةٌ بَائِنَةٌ عَنِ الشَّمْسِ قَائِمَةٌ بِغَيْرِهَا لَا بِهَا، وَنَظِيرُ هَذَا مَا يَقُومُ بِقُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْوَحْيِ الَّذِي أَنْذَرُوا بِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ فِي النَّاسُوتِ شَيْئًا مِنَ اللَّاهُوتِ وَإِنَّمَا فِيهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَرَارَةَ وَالضَّوْءَ الْقَائِمَ بِالْهَوَاءِ وَالْجُدْرَانِ أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِغَيْرِ الشَّمْسِ، وَالْكَلِمَةُ وَرُوحُ الْقُدُسِ عِنْدَهُمْ هُمَا جَوْهَرَانِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الشَّمْسَ، وَلَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ حَاصِلٌ فِي غَيْرِ الشَّمْسِ بِسَبَبِ الشَّمْسِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُنْكَرُ قِيَامُهُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمَسِيحِ - ﵇ - بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ، فَمَا حَلَّ بِالْمَسِيحِ حَلَّ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَمَا لَمْ يَحِلَّ بِغَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ بِهِ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِأَمْرٍ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا هُنَا اتِّحَادٌ بَيْنَ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، كَمَا لَمْ تَتَّحِدِ الشَّمْسُ وَلَا صِفَاتُهَا الْقَائِمَةُ بِهَا بِالْهَوَاءِ، وَالْأَرْضِ الَّتِي حَصَلَ بِهَا الشُّعَاعُ وَالْحَرَارَةُ.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمَّى نَفْسَهُ أَبًا وَابْنًا وَرُوحَ قُدُسٍ]
قَالُوا: وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ لَمْ نُسَمِّهِ نَحْنُ مَعْشَرَ النَّصَارَى بِهَا مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِنَا، بَلِ اللَّهُ سَمَّى لَاهُوتَهُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى النَّبِيِّ فِي التَّوْرَاةِ مُخَاطِبًا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: أَلَيْسَ هَذَا الْأَبُ الَّذِي صَنَعَكَ وَبَرَاكَ وَاقْتَنَاكَ؟ وَعَلَى لِسَانِهِ أَيْضًا قَائِلًا: وَكَانَ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ وَقَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ: رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي، وَأَيْضًا عَلَى لِسَانِهِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَبِرُوحِ فَاهٍ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى لِسَانِ أَشْعِيَا: (يَيْبَسُ الْقَتَادُ وَيَجِفُّ الْعُشْبُ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ
[ ٣ / ٢٣٦ ]
بَاقِيَةٌ إِلَى الْأَبَدِ، وَعَلَى لِسَانِ أَيُّوبَ الصِّدِّيقِ، رُوحُ اللَّهِ خَلَقَنِي وَهُوَ يُعَلِّمُنِي) .
وَقَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ لِلتَّلَامِيذِ الْأَطْهَارِ: (اذْهَبُوا إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ)، وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] .
وَقَالَ أَيْضًا:
﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] .
وَقَالَ أَيْضًا:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]
[ ٣ / ٢٣٧ ]
وَقَالَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] .
وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ وَلَا يَكُونُ كَلَامٌ إِلَّا لِحَيٍّ نَاطِقٍ، وَهَذِهِ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْهَا غَيْرُ الْأُخْرَى وَالْإِلَهُ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَجَزَّأُ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَقُولَ: إِنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا وَصِدْقًا، وَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِدُونِ إِخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يَكُونُ كَلَامُ النَّبِيِّ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ مُنَاقِضًا لِكَلَامِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا لِكَلَامِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ كُلُّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَحَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ ذَلِكَ، وَكَفَرَ بِبَعْضِهِ، فَمَا عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ لَا يُنَاقِضُ مَا عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنْ بَعْضِهِمْ لَا يُنَاقِضُ مَا عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ قَدْ يَخْتَلِفُ بَعْضُ الشَّرْعِ وَالْمَنَاهِجِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
فَأَمَّا مَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،
[ ٣ / ٢٣٨ ]
وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَاقِضَ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ بِهِ إِذْ عُلِمَ إِسْنَادُهُ وَمَتْنُهُ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْهُمْ نَقْلًا صَحِيحًا، وَنَعْلَمُ أَنَّ تَرْجَمَتَهُ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ إِلَى اللِّسَانِ الْآخَرِ، كَالرُّومِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ تَرْجَمَةٌ صَحِيحَةٌ وَيُعْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَلَيْسَ مَعَ النَّصَارَى حُجَّةٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ تَثْبُتُ فِيهَا هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ الثَّلَاثُ وَنَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَكْفِينَا الْمَنْعُ، وَالْمُطَالَبَةُ لَهُمْ بِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ التَّثْلِيثَ أَخَذُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَنَحْنُ نُطَالِبُهُمْ بِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَا نُبَيِّنُ تَفْسِيرَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ، أَمَّا قَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى - ﵇ - مُخَاطِبًا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: (أَلَيْسَ الْأَبُ الَّذِي صَنَعَكَ وَبَرَاكَ وَاقْتَنَاكَ)؟ فَهَذَا فِيهِ أَنَّهُ سَمَّاهُ أَبًا لِغَيْرِ الْمَسِيحِ - ﵇ -، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ لِإِسْرَائِيلَ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي)، وَدَاوُدَ (ابْنِي حَبِيبِي)، وَقَوْلِ الْمَسِيحِ (أَبِي وَأَبِيكُمْ) وَهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ بِمَعْنَى الرَّبِّ لَا مَعْنَى التَّوَلُّدِ الَّذِي يَخُصُّونَ بِهِ الْمَسِيحَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَسْمِيَتُهُ أَبًا لِغَيْرِ الْمَسِيحِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ إِلَّا مَعْنَى الرَّبِّ، عُلِمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي لُغَةِ الْكُتُبِ يُرَادُ بِهِ الرَّبُّ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ عَلَى
[ ٣ / ٢٣٩ ]
هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْكَلَامِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي خَصُّوا بِهِ الْمَسِيحَ، إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ أُرِيدَ الْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَوْهُ فِي الْمَسِيحِ فَلَوْ أُثْبِتَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِمُجَرَّدِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَبِ لَزِمَ الدَّوْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ أَنَّهُ كَانَ يُرَادُ بِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ هَذَا الْمَعْنَى وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْمَسِيحِ، فَإِذَا تَوَقَّفَ الْعِلْمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ لَمْ يُعْلَمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ أُرِيدَ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ، بِلَفْظِ الْأَبِ مَا خَصُّوهُ بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَلَامِهِمْ إِطْلَاقُ اسْمِ الْأَبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَبُ اللَّاهُوتِ، وَلَا إِطْلَاقُ اسْمِ الِابْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّاهُوتِ لَا كَلِمَتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ، بَلْ لَا يُوجَدُ لَفْظُ الِابْنِ إِلَّا وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، فَلَا يَكُونُ لَفْظُ الِابْنِ إِلَّا لِابْنٍ مَخْلُوقٍ.
وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُسَمَّى الِابْنِ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ هُوَ النَّاسُوتُ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ الِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ أَنَّهُمَا صِفَتَانِ لِلَّهِ وَأَنَّ الْمَسِيحَ اسْمٌ لِلَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ نُصُوصَ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ تُبْطِلُ مَذْهَبَ النَّصَارَى، وَتُنَاقِضُ أَمَانَتَهُمْ، فَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:
بَيْنَ الْإِيمَانِ بِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ (وَبُطْلَانِ دِينِهِمْ.
وَبَيْنَ تَصْحِيحِ دِينِهِمْ وَتَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ)، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى الرُّوحِ فِي قَوْلِهِ وَكَانَ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ]
قَالُوا: وَعَلَى لِسَانِهِ أَيْضًا قَائِلًا: (وَكَانَ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ) .
فَيُقَالُ هَذَا فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ " سِفْرِ الْخَلِيقَةِ " فِي أَوَّلِهِ، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ فِي الْبَدْءِ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنَّهُ كَانَتِ الْأَرْضُ مَغْمُورَةً بِالْمَاءِ، وَكَانَتْ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ، أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ الْمَاءُ فَوْقَ التُّرَابِ وَالْهَوَاءُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَرُوحُ اللَّهِ هِيَ الرِّيحُ الَّتِي كَانَتْ فَوْقَ الْمَاءِ.
هَذَا تَفْسِيرُ جَمِيعِ الْأُمَمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَعُقَلَاءِ النَّصَارَى، وَلَفْظُ الْكَلِمَةِ بِالْعِبْرِيَّةِ " رُوُّحٌ " بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَهِيَ الرُّوحُ، وَالرِّيحُ تُسَمَّى رُوحًا، وَجَمْعُهَا أَرْوَاحٌ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ كَانَتْ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ.
فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، فَإِنَّ حَيَاةَ اللَّهِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تُفَارِقُهُ وَلَا تَقُومُ بِغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَقُومَ بِمَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَرِفَّ عَلَى الْمَاءِ وَالَّذِي يَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ، جِسْمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي كَانَتْ تَتَحَرَّكُ فَوْقَ الْمَاءِ.
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ
[ ٣ / ٢٤١ ]
فَإِنَّهَا مِنْ رُوحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَلَا تَسُبُّوهَا وَلَكِنْ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا» وَقَوْلُهُ: إِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ
[ ٣ / ٢٤٢ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ " رُوحُكَ الْقُدُسِ لَا تُنْزَعُ مِنِّي]
قَالُوا: وَقَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ ﷺ: " رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي ".
فَيُقَالُ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ كَانَتْ فِي دَاوُدَ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمَسِيحِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَسِيحِ، وَهُمْ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِ فِي دَاوُدَ، وَفِي الْحَوَارِيِّينَ، وَفِي غَيْرِهِمْ.
وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ وَمَنْ حَلَّتْ فِيهِ يَكُونُ لَاهُوتًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ هَؤُلَاءِ فِيهِمْ لَاهُوتٌ وَنَاسُوتٌ كَالْمَسِيحِ، وَهَذَا خِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَالْيَهُودِ.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ فِيهِ لَاهُوتَانِ الْكَلِمَةُ وَرُوحُ الْقُدُسِ، فَيَكُونُ الْمَسِيحُ مَعَ النَّاسُوتِ أُقْنُومَيْنِ: أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَأُقْنُومُ رُوحِ الْقُدُسِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِفَةً لِلَّهِ قَائِمَةً بِهِ، فَإِنَّ صِفَةَ اللَّهِ الْقَائِمَةُ بِهِ، بَلْ وَصِفَةُ كُلِّ مَوْصُوفٍ لَا تُفَارِقُهُ وَتَقُومُ بِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي
[ ٣ / ٢٤٣ ]
هَذَا أَنَّ اللَّهَ اسْمُهُ رُوحُ الْقُدُسِ، وَلَا أَنَّ حَيَاتَهُ اسْمُهَا رُوحُ الْقُدُسِ وَلَا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الَّذِي تَجَسَّدَ الْمَسِيحُ مِنْهُ، وَمِنْ مَرْيَمَ هُوَ حَيَاةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ- تَعَالَى -، وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ إِنَّا مَعَاشِرَ النَّصَارَى لَمْ نُسَمِّهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِنَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَمَّى لَاهُوتَهُ بِهَا، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَلَا سَمَّى نَفْسَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا فَبَطَلَ تَسْمِيَتُكُمْ لِصِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الْحَيَاةُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلِصِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ بِالِابْنِ.
وَأَيْضًا فَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ مُخْتَصٌّ بِالْكَلِمَةِ وَالرُّوحِ، فَإِذَا كَانَتْ رُوحُ الْقُدُسِ فِي دَاوُدَ - ﵇ - وَالْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، بَطَلَ مَا خَصَّصْتُمْ بِهِ الْمَسِيحَ، وَقَدْ عُلِمَ بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ دَاوُدَ عَبْدٌ لِلَّهِ ﷿، وَإِنْ كَانَتْ رُوحُ الْقُدُسِ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ عَبْدٌ لِلَّهِ وَإِنْ كَانَتْ رُوحُ الْقُدُسِ فِيهِ، فَمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا حُجَّةٌ لَكُمْ.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَبِرُوحِ فَاهٍ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ]
قَالُوا: وَأَيْضًا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ - ﵇ -: بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِرُوحِ فَاهْ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ.
فَيُقَالُ: أَمَّا قَوْلُهُ: بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِكَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ (كُنْ)، كَمَا قَالَ فِي التَّوْرَاةِ (لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا) وَكَذَلِكَ فِي الزَّبُورِ: (لِأَنَّهُ قَالَ فَكَانُوا، وَهُوَ أَمْرٌ فَخُلِقُوا) فَجَعَلَ كَوْنَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي الزَّبُورِ: (الْكُلُّ بِحِكْمَةٍ صَنَعْتُ)، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وَلَيْسَ الْمَسِيحُ هُوَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
الثَّانِي: أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ اسْمُ جِنْسٍ، فَإِنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا، قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
وَالتَّوْرَاةُ تَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْكَلِمَاتِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ مَجْمُوعَ الْكَلِمَاتِ، بَلْ خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنْهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَكُمْ هُوَ الْخَالِقُ، وَأَنْتُمْ مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ الِابْنُ وَالْكَلِمَةُ، تَقُولُونَ إِنَّهُ الْإِلَهُ الْخَالِقُ، وَتَقُولُونَ إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَتَقُولُونَ: إِلَهٌ وَاحِدٌ فَتَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَإِذَا كَانَ هُوَ الْخَالِقُ فَهُوَ الَّذِي يُشَدِّدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، لَا يُقَالُ بِهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ بِهِ فِيمَا كَانَ صِفَةً لِلْمَوْصُوفِ، فَيُقَالُ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِكُنْ، وَخَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: (بِكَلِمَتِهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلِمَةَ صِفَةُ فِعْلٍ بِهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْخَالِقَةُ وَالْمَسِيحُ عِنْدَكُمْ هُوَ الْخَالِقُ لَيْسَ هُوَ صِفَةُ خَلْقٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ يُرَادُ بِهَا جِنْسُ كَلِمَاتِهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]
[ ٣ / ٢٤٦ ]
وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ أَقَامَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِكَلِمَتِهِ، كَقَوْلِهِ كُنْ وَلَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِلْمَسِيحِ - ﵇ -.
وَأَمَّا نَقْلُكُمْ أَنَّهُ قَالَ: (وَبِرُوحِ فَاهْ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ) فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهَا لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَيَاةُ اللَّهِ فَإِثْبَاتُ حَيَاةِ اللَّهِ حَقٌّ وَهُوَ لَمْ يُسَمِّ حَيَاةَ اللَّهِ رُوحَ الْقُدُسِ، كَمَا زَعَمْتُمْ، وَإِنْ أَرَادَ شَيْئًا غَيْرَ حَيَاةِ اللَّهِ لَمْ تَنْفَعْكُمْ فَأَنْتُمُ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ رُوحُ الْقُدُسِ حَتَّى قُلْتُمْ مُرَادُهُ فِي الْإِنْجِيلِ بِقَوْلِهِ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ) هُوَ حَيَاةُ اللَّهِ، وَادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّوْهُ بِذَلِكَ وَلَمْ تَذْكُرُوا نَقْلًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ سَمَّوْا حَيَاتَهُ رُوحَ الْقُدُسِ، بَلْ ذَكَرْتُمْ عَنْهُمْ مَا يُوَافِقُ مَا فِي الْقُرْآنِ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا حَيَاةَ اللَّهِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ اسْتُعْمِلَ فِي هَذَا وَهَذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (رُوحُ الْقُدُسِ) حَيَاةَ اللَّهِ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فِي حَيَاةِ اللَّهِ قَطُّ.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لِرُوحِ اللَّهِ]
قَالُوا: وَقَوْلُهُ: عَلَى لِسَانِ أَيُّوبَ الصِّدِّيقِ رُوحُ اللَّهِ خَلَقَنِي وَهُوَ يُعَلِّمُنِي.
فَيُقَالُ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّكُمُ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّتْ حَيَاةَ اللَّهِ رُوحَ الْقُدُسِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ رُوحُ الْقُدُسِ، بَلْ قَالَ رُوحُ اللَّهِ.
وَرُوحُ اللَّهِ يُرَادُ بِهَا الْمَلَكُ الَّذِي هُوَ رُوحٌ اصْطَفَاهُ اللَّهُ فَأَحَبَّهَا، كَمَا قَالَ فِي الْقُرْآنِ:
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رُوحَهُ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَسُولُهُ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ مَلَكٌ، هُوَ رُوحٌ اصْطَفَاهَا فَأَضَافَهَا إِلَيْهِ، كَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ الْأَعْيَانُ الَّتِي خَصَّهَا بِخَصَائِصَ يُحِبُّهَا.
كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] .
[ ٣ / ٢٤٨ ]
وَقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ إِنْ كَانَ صِفَةً لَمْ تَقُمْ بِمَخْلُوقٍ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ، كَانَ صِفَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا أَوْ صِفَةً لِغَيْرِهِ، كَالْبَيْتِ وَالنَّاقَةِ وَالْعَبْدِ وَالرُّوحِ، كَانَ مَخْلُوقًا مَمْلُوكًا مُضَافًا إِلَى خَالِقِهِ وَمَالِكِهِ، وَلَكِنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْمُضَافِ بِصِفَاتٍ تَمَيَّزَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، حَتَّى اسْتَحَقَّ الْإِضَافَةَ، كَمَا اخْتَصَّتِ الْكَعْبَةُ وَالنَّاقَةُ وَالْعِبَادُ الصَّالِحُونَ بِأَنْ يُقَالَ فِيهِمْ (بَيْتُ اللَّهِ) وَ(نَاقَةُ اللَّهِ) وَ(عِبَادُ اللَّهِ)، كَذَلِكَ اخْتَصَّتِ الرُّوحُ الْمُصْطَفَاةُ بِأَنْ يُقَالَ لَهَا رُوحُ اللَّهِ.
بِخِلَافِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ كَأَرْوَاحِ الشَّيَاطِينِ وَالْكُفَّارِ، فَإِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وَلَا تُضَافُ إِلَيْهِ إِضَافَةَ الْأَرْوَاحِ الْمُقَدَّسَةِ، كَمَا لَا تُضَافُ إِلَيْهِ الْجَمَادَاتُ كَمَا تُضَافُ الْكَعْبَةُ، وَلَا نُوقُ النَّاسِ، كَمَا تُضَافُ نَاقَةُ صَالِحٍ الَّتِي كَانَتْ آيَةً مِنْ آيَاتِهِ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] .
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا اللَّفْظُ إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَنِ النَّبِيِّ وَتُرْجِمَ تَرْجَمَةً صَحِيحَةً، فَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَلَكَ صَوَّرَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي، وَهُوَ يُعَلِّمُنِي، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا يَشَاءُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يُزَادُ عَلَى أَمْرٍ وَلَا يُنْقَصُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ.
وَقَدْ يُقَالُ: مَنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الزَّبُورِ فِي مَزْمُورِ الْخَلِيقَةِ: تُرْسِلُ رُوحَكَ فَيُخْلَقُونَ، وَفِي الْمَزْمُورِ أَيْضًا هُوَ قَالَ: فَكَانُوا وَأَمَرَ فَخُلِقُوا فَقَدْ يُضَافُ الْخَلْقُ إِلَى الْمَلَكِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
[ ٣ / ٢٥٠ ]
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ الْمَلَكُ يَخْلُقُ النُّطْفَةَ فِي الرَّحِمِ بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ خَلَقَتْنِي وَتُعَلِّمُنِي، فَإِنَّ الصِّفَةَ لَا تَخْلُقُ وَلَا تُعَلِّمُ، إِنَّمَا يَخْلُقُ وَيُعَلِّمُ الرَّبُّ الْمَوْصُوفُ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَلَكِنْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ، فَجَازَ أَنْ يُضَافَ الْفِعْلُ إِلَى الْوَسَائِطِ تَارَةً، وَإِلَى الرَّبِّ أُخْرَى، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَمَا فِي الْقُرْآنِ:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] .
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] .
وَفِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] .
[ ٣ / ٢٥١ ]
وَالْجَمِيعُ حَقٌّ، فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ لَهُ مَعْنًى فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَعْنًى يُخَالِفُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَعْنًى يُخَالِفُ كَلَامَهُمْ، وَلَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ تُسَمَّى رُوحًا، وَلَا أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَخْلُقُ الْمَخْلُوقَاتِ.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لِكَلِمَةِ اللَّهِ]
قَالُوا: وَقَوْلُهُ: عَلَى لِسَانِ أَشْعِيَا النَّبِيِّ: (يَيْبَسُ الْقَتَادُ، وَيَجِفُّ الْعُشْبُ، وَكَلِمَتُهُ بَاقِيَةٌ إِلَى الْأَبَدِ) .
فَيُقَالُ: إِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ عِلْمَهُ، أَوْ كَلِمَةً مُعَيَّنَةً، أَوْ تَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ اسْمَ جِنْسٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ كَلِمَةُ اللَّهِ اسْمَ جِنْسٍ لِكُلِّ مَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ كَمَا قَالَ:
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: - «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
[ ٣ / ٢٥٣ ]
وَلِهَذَا جَمَعَهَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .
وَفِي قَوْلِهِ:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ اللَّهُ فَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ لَا يَبْطُلُ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] .
يَعْنِي بِتَمَامِهَا نَفَاذَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَإِهْلَاكِهِ، وَإِخْرَاجِهِمْ إِلَى الشَّامِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] .
[ ٣ / ٢٥٤ ]
وَقَوْلُهُ:
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْمَسِيحِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ يَزُولَانِ، وَكَلَامِي لَا يَزُولُ، فَإِنْ أَرَادَ عِلْمَ اللَّهِ، فَعِلْمُ اللَّهِ بَاقٍ سَوَاءٌ أَرَادَ بِهِ عِلْمَهُ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ أَوْ مَعْلُومَهُ الَّذِي أَخْبَرَ بِبَقَائِهِ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَرَادَ كَلِمَةً مُعَيَّنَةً فَإِنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَكُمْ لَيْسَ كَلِمَةً مُعَيَّنَةً مِنْ كَلَامِهِ، بَلْ هُوَ عِنْدَكُمْ هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيحَ وَالْمَسِيحُ عِنْدَكُمْ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يُوصَفُ بِالْبَقَاءِ دُونَ الْقِدَمِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيحَ فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يُسَمَّى بِالْكَلِمَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، وَيُرِيدُ
[ ٣ / ٢٥٥ ]
بِذَلِكَ إِمَّا بَقَاؤُهُ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بَقَاءَ ذِكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلِسَانِ صِدْقٍ لَهُ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَدَّعُونَهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَكَلِمَةُ اللَّهِ بَاقِيَةٌ إِلَى الْأَبَدِ فَوَصَفَهَا بِالْبَقَاءِ دُونَ الْقِدَمِ.
وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْمَوْلُودَةَ مِنَ الْأَبِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُوصَفَ بِالدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ، بِخِلَافِ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالرَّحْمَةِ وَالثَّوَابِ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] .
وَفِي الزَّبُورِ: اعْتَرِفُوا لِلرَّبِّ، فَإِنَّهُ صَالِحٌ، وَإِنَّهُ إِلَى الْأَبَدِ رَحْمَتُهُ.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّعْمِيدِ عَلَى الْأَقَانِيمِ]
قَالُوا: وَقَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ لِتَلَامِيذِهِ الْأَطْهَارِ: (اذْهَبُوا إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بَاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ) .
فَيُقَالُ لَهُم: هَذَا عُمْدَتُكُمْ عَلَى مَا تَدَّعُونَهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، فَإِنَّ لَفْظَ الِابْنِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ فِي مَعْنَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عِلْمَ اللَّهِ ابْنَهُ وَلَا سَمَّوْا كَلَامَهُ ابْنَهُ، وَلَكِنْ عِنْدَكُمْ أَنَّهُمْ سَمَّوْا عَبْدَهُ أَوْ عِبَادَهُ ابْنَهُ أَوْ بَنِيهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَدَعْوَاكُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ بِالْعِلْمِ ابْنَ اللَّهِ وَكَلَامَهُ - دَعْوَى فِي غَايَةِ الْكَذِبِ عَلَى الْمَسِيحِ، وَهُوَ حَمْلٌ لِلَفْظِهِ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فِيهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَأَيُّ كَذِبٍ وَتَحْرِيفٍ لِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا.
وَلَوْ كَانَ لَفْظُ الِابْنِ يُسْتَعْمَلُ فِي صِفَةِ اللَّهِ لَسُمِّيَتْ حَيَاتُهُ ابْنًا، وَقُدْرَتُهُ ابْنًا، فَتَخْصِيصُ الْعِلْمِ، بِلَفْظِ الِابْنِ دُونَ الْحَيَاةِ خَطَأٌ ثَانٍ لَوْ كَانَ
[ ٣ / ٢٥٧ ]
لَفْظُ الِابْنِ يُسْتَعْمَلُ فِي صِفَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ رُوحُ الْقُدُسِ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهَا فِي حَيَاةِ اللَّهِ، وَلَا أَرَادُوا بِهَذَا اللَّفْظِ حَيَاةَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ مَا يُنَزِّلُهُ عَلَى الصِّدِّيقِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُمْ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِ دَاوُدَ: (رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي)، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِي الْحَوَارِيِّينَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهِ الْمَلَكُ، وَيُرَادُ بِهِ مَا يَجْعَلُهُ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْهُدَى وَالْقُوَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ النُّبُوَّاتِ: (وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ) وَفِي زَبُورِ دَاوُدَ (رُوحُكَ الصَّالِحُ يَهْدِينِي فِي أَرْضٍ مُسْتَقِيمَةٍ.
يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّهُمْ قَالُوا فِي أَمَانَتِهِم: (الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا - نَحْنُ الْبَشَرَ - وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِن مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ) وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَالَّذِي فِي الْكُتُبِ
[ ٣ / ٢٥٨ ]
الْمُقَدَّسَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِيهَا مِثْلَ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَفِي الْقُرْآنِ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَوْحَهُ إِلَى مَرْيَمَ فَنَفَخَ فِيهَا فَحَمَلَت بِالْمَسِيحِ ﵇، قَالَ تَعَالَى:
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] (١٩) ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] (٢٠) ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] (٢١) ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] .
إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وَهَذَا الرُّوحُ هُوَ الرَّسُولُ كَمَا قَالَ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] .
وَنُفِخَ فِيهَا مِنْ هَذَا الرُّوحِ فَكَانَ الْمَسِيحُ مَخْلُوقًا مِنْ هَذَا الرُّوحِ، وَمِنْ أُمِّهِ مَرْيَمَ كَمَا قَالُوا فِي الْأَمَانَةِ: إِنَّهُ تَجَسَّدَ مِن مَرْيَمَ، وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، لَكِنِ اعْتَقَدُوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الَّتِي خُلِقَ الْمَسِيحُ مِنْهَا وَمِن مَرْيَمَ هِيَ حَيَاةُ اللَّهِ، وَهَذَا لَيْسَ فِي الْكُتُبِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلِ الْكُتُبُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي نَقِيضِ هَذَا، وَهُوَ أَيْضًا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ إِنَّ الْمُتَّحِدَ بِالْمَسِيحِ هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَهُوَ الْعِلْمُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَجَسَّدَ مِن مَرْيَمَ، وَأُقْنُومُ الْكَلِمَةِ لَمْ يَكُنْ مُتَجَسِّدًا مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَلِمَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمَا جَمِيعًا كَانَ الْمَسِيحُ أُقْنُومَيْنِ: أُقْنُومَ الْكَلِمَةِ وَأُقْنُومَ الرُّوحِ.
وَالنَّصَارَى بِفِرَقِهِمُ الثَّلَاثَةِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا الْمُتَّحِدُ بِهِ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ لَا أُقْنُومُ الْحَيَاةِ، فَتَبَيَّنَ تَنَاقُضُهُمْ فِي أَمَانَتِهِم، وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ فِيمَا فَسَّرُوا بِهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ حَقٌّ مُوَافِقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا يُنَاقِضُ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُنَاقِضُ
[ ٣ / ٢٦٠ ]
شَيْئًا مِنْ كَلَامِهِمْ صَرِيحُ الْمَعْقُولِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ حَمَلُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ فِي لَفْظِ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدِ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ فِيهِ، وَتَرَكُوا حَمْلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَوْجُودِ فِي كَلَامِهِم، وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يَكُونُ مِنْ تَحْرِيفِ كَلَامِهِمْ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَبْدِيلِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ رُوحِ الْقُدُسِ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَلَا أَرَادُوهُ بِهِ، وَيُتْرَكُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُونَهُ فِيهِ دَائِمًا.
وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ فِعْلِ مَنْ يُحَرِّفُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَفْتَرِي الْكَذِبَ عَلَيْهِم؟ بَلْ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يُعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الْأَبِ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ - فِي لُغَتِهِمُ - الرَّبَّ، وَالِابْنِ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ - فِي لُغَتِهِمُ - الْمُرَبِّيَ، وَهُوَ هُنَا الْمَسِيحُ وَرُوحِ الْقُدُسِ وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الْمَسِيحَ مِنَ الْمَلَكِ وَالْوَحْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِهَذَا فَسَّرَ هَذَا الْكَلَامَ مَنْ فَسَّرَهُ مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَائِهِم.
[ ٣ / ٢٦١ ]
[فَصْلٌ: تَسْمِيَتُهُمْ لِعِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ ابْنًا وَتَسْمِيَتُهُمْ لِحَيَاتِهِ رُوحَ الْقُدُسِ]
فَهَذَا مَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِهِمْ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ قَائِلِينَ: إِنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ أَنَّهُ أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ الْقُدُسِ أَسْمَاءٌ لَمْ نُسَمِّهِ نَحْنُ النَّصَارَى بِهَا مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِنَا، بَلِ اللَّهُ سَمَّى لَاهُوتَهُ بِهَا.
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مَا يَدُلُّ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَمَّى اللَّهَ، وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا وَلَا رُوحَ قُدُسٍ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ لِعِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ ابْنًا، وَتَسْمِيَتَهُمْ لِحَيَاتِهِ رُوحَ الْقُدُسِ - أَسْمَاءٌ ابْتَدَعُوهَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ حُجَّةٌ أَصْلًا، لَا سَمْعِيَّةٌ، وَلَا عَقْلِيَّةٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ وَحَصْرِهِمْ لِصِفَاتِ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةٍ مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ.
كَمَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ عَقْلِيٌّ، وَأَنَّ الْقَوْمَ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِم:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] .
وَمِمَّنْ قِيلَ فِيهِم:
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .
[ ٣ / ٢٦٢ ]
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ احْتِجَاجِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْأَقَانِيمِ]
ثُمَّ أَخَذُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ - حُجَّةً لَهُمْ عَلَى الْأَقَانِيمِ الَّتِي ادَّعَوْهَا، وَهُمُ ابْتَدَعُوا الْقَوْلَ بِالْأَقَانِيمِ وَالتَّثْلِيثِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ مِنْ حِينِ ابْتَدَعُوا الْأَمَانَةَ الَّتِي لَهُمُ، الَّتِي وَضَعَهَا الثَّلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ بِحَضْرَةِ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ عَقْلِيٌّ، وَلَا سَمْعِيٌّ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بَعْدَ ابْتِدَاعِهِمُ الْأَمَانَةَ؟
لَا سِيَّمَا مَعَ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَفَّرَهُمْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَضَلَّلَهُم، وَجَاهَدَهُمْ بِنَفْسِهِ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
وَقَالَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] .
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَالُوا: وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الصَّالِحِينَ.
فَيُقَالُ لَهُم: حَرَّفْتُمْ لَفْظَ الْآيَةِ وَمَعْنَاهَا؛ فَإِنَّ لَفْظَهَا:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] (١٧٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] .
فَالْكَلِمَةُ الَّتِي سَبَقَتْ لِعِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ قَوْلُهُ:
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] .
أَخْبَرَ أَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُ كَلِمَةٌ لِعِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ لَيَنْصُرَنَّهُم، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]
[ ٣ / ٢٦٤ ]
وَقَوْلُهُ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠] .
وَقَوْلُهُ:
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦] .
وَقَوْلُهُ:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] .
وَقَوْلُهُ:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] .
وَالْكَلِمَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: هِيَ الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ سَوَاءً كَانَتْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً، وَهِيَ الْقَوْلُ التَّامُّ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ يَحْكُونَ بِالْقَوْلِ مَا كَانَ كَلَامًا وَلَا يَحْكُونَ بِهِ مَا كَانَ قَوْلًا، وَلَكِنَّ النُّحَاةَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسَمُّوا
[ ٣ / ٢٦٥ ]
مَا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ حَرْفًا يُسَمُّونَهُ كَلِمَةً مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَمِثْلَ: قَعَدَ وَذَهَبَ، وَكُلُّ حَرْفٍ جَاءَ لِمَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ، مِثْلُ: إِنْ وَثُمَّ، وَهَلْ وَلَعَلَّ.
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤] (٤) ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] .
فَسَمَّى هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَلِمَةً.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
وَهُوَ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]
[ ٣ / ٢٦٦ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦] .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»، وَقَالَ ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
»
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ
[ ٣ / ٢٦٧ ]
تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»، وَلَمَّا شَاعَ عِنْدَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالنَّحْوِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْكَلِمَةِ فِي الِاسْمِ أَوِ الْفِعْلِ، وَحُرِّفَ الْمَعْنَى - صَارُوا يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا هُوَ كَلَامُ الْعَرَبِ، ثُمَّ لَمَّا وَجَدَ بَعْضُهُمْ مَا سَمِعَهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّهُ يُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ صَارَ يَقُولُ: وَكَلِمَةٍ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُّ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مِنَ الْقَلِيلِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ مَجَازًا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هَذَا اصْطِلَاحُ هَؤُلَاءِ النُّحَاةِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُمْ أَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ الْكَلِمَةِ وَالْكَلَامِ إِلَّا فِي الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ، وَهَكَذَا نَقَلَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ النَّحْوِ كَسِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ.
فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا هُوَ الْمَجَازُ، وَإِنَّ هَذَا قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ.
كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْقَدِيمِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ
[ ٣ / ٢٦٨ ]
تَعَالَى:
﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٦] .
ثُمَّ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مَنْ خَصَّ لَفْظَ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ، أَوْ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ، وَصَارَ هَذَا عِنْدَهُمْ هُوَ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ، حَتَّى صَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقَدِيمِ فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى غَيْرِهِ مُطْلَقًا - مَجَازٌ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] .
مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: ١٢٩] .
فَسَبَقَ مِنْهُ كَلِمَتُهُ بِمَا سَيَكُونُ مِنْ نَصْرِ الْمُرْسَلِينَ، وَمَلْءِ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَحَرَّفَ هَؤُلَاءِ الضَّلَالُ لَفْظَ الْآيَةِ فَقَالُوا: لِعِبَادِنَا الصَّالِحِينَ، وَجَعَلُوا الْكَلِمَةَ هِيَ الْمَسِيحَ وَلَيْسَ فِي
[ ٣ / ٢٦٩ ]
اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا فِي كَوْنِ الْمَسِيحِ سَبَقَ لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - مَعْنًى صَحِيحٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] (١٧٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]
[ ٣ / ٢٧٠ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى تَأْيِيدِ الْمَسِيحِ بِرُوحِ الْقُدُسِ]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا:
﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] .
فَيُقَالُ: هَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلَا حَجَّةَ لَكُمْ فِيهِ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُم، فَإِنَّ اللَّهَ أَيَّدَ الْمَسِيحَ ﵇ بِرُوحِ الْقُدُسِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ تَعَالَى: فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وَهَذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمَسِيحِ، بَلْ قَدْ أُيِّدَ غَيْرُهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرُوا هُمْ أَنَّهُ قَالَ لِدَاوُدَ: رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي، وَقَدْ «قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ
[ ٣ / ٢٧١ ]
الْقُدُسِ»، وَفِي لَفْظٍ: «رُوحُ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ نَبِيِّهِ» وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ فِي الصَّحِيحِ.
وَعِنْدَ النَّصَارَى أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الْقُدُسِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ رُوحُ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِي جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] (٩٨) ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] (٩٩) ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] (١٠٠) ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] (١٠١) ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] .
وَقَالَ:
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] .
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُنَا جِبْرِيلُ، وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٣ / ٢٧٢ ]
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] .
وَقَالَ:
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] .
فَهَذِهِ الرُّوحُ الَّتِي أَوْحَاهَا وَالَّتِي تَنْزِلُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ - غَيْرُ الرُّوحِ الْأَمِينِ الَّتِي تَنْزِلُ بِالْكِتَابِ، وَكِلَاهُمَا يُسَمَّى رُوحًا، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ فَالرُّوحُ الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الْمَلَكُ مَعَ الرُّوحِ الْأَمِينِ الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا رُوحُ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهَا هَذَا وَهَذَا.
وَبِكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَسَّرَ الْمُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ فِي الْمَسِيحِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ حَيَاةُ اللَّهِ، وَلَا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
وَهُمْ إِمَّا أَنْ يُسَلِّمُوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا حَيَاةَ اللَّهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ الْحَيَاةِ، فَلَوِ اسْتُعْمِلَ فِي حَيَاةِ اللَّهِ أَيْضًا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يُرَادَ بِهَا ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ، فَكَيْفَ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي حَيَاةِ اللَّهِ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ.
وَإِمَّا أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا حَيَاةُ اللَّهِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ، فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ حَالًّا فِي جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الْمَسِيحِ.
وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسِيحِ لَاهُوتَانِ: لَاهُوتُ الْكَلِمَةِ، وَلَاهُوتُ الرُّوحِ، فَيَكُونُ قَدِ اتَّحَدَ بِهِ أُقْنُومَانِ.
ثُمَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، يَمْتَنِعُ أَنْ يُرَادَ بِهَا حَيَاةُ اللَّهِ، فَإِنَّ حَيَاةَ اللَّهِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لَا تَقُومُ بِغَيْرِهِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ غَيْرَهُ، وَأَمَّا عِنْدَهُم فَالْمَسِيحُ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ، فَكَيْفَ يُؤَيَّدُ بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا فَالْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ هُوَ الْكَلِمَةُ دُونَ الْحَيَاةِ، فَلَا يَصِحُّ تَأْيِيدُهُ بِهَا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّفُوا الْقُرْآنَ كَمَا حَرَّفُوا غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْمُتَشَابِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ - مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] .
فَيُقَالُ لَهُم: وَأَيُّ حُجَّةٍ لَكُمْ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُم، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَكَلَامُ اللَّهِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ مُوسَى ﵇، لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَعِنْدَهُمْ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَهُوَ عِلْمُ اللَّهِ، وَهُوَ اللَّهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ كَثِيرٌ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ الْمَسِيحُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ خَالِقٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا وَلَا مَعْبُودًا، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا كَلَامُ اللَّهِ هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ، بَلْ كَلَامُهُ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ مِثْلُ حَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: يَا عِلْمَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي، وَلَا يَا كَلَامَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي، وَإِنَّمَا يُعْبَدُ وَيُدْعَى الْإِلَهُ الْمَوْصُوفُ بِالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْكَلَامِ الَّذِي كَلَّمَ بِهِ مُوسَى تَكْلِيمًا.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] .
فَيُقَالُ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] .
وَقَوْلُهُ: فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] .
فَهَذَا قَدْ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] .
وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى: لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَأَنَّهُ تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا، وَأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ
[ ٣ / ٢٧٦ ]
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّ رُوحَهُ مَخْلُوقٌ مَمْلُوكٌ لَهُ، لَيْسَ الْمُرَادُ حَيَاتَهُ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ ﷾:
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] .
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي آدَمَ ﵇:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] .
وَقَدْ شُبِّهَ الْمَسِيحُ بِآدَمَ فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
وَالشُّبْهَةُ فِي هَذَا نَشَأَتْ عِنْدَ بَعْضِ الْجُهَّالِ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا قَالَ: رُوحِي، فَرُوحُهُ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ الرُّوحُ الَّتِي فِي الْبَدَنِ، وَهِيَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْنِي بِهَا الْحَيَاةَ، وَالْإِنْسَانُ مُؤَلَّفٌ مِنْ بَدَنٍ وَرُوحٍ، وَهِيَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا عِنْدَ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَجَمَاهِيرِ الْأُمَمِ.
وَالرَّبُّ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَكَّبًا مِنْ بَدَنٍ وَرُوحٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِرُوحِهِ مَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ بِقَوْلِهِ: رُوحِي، بَلْ تُضَافُ إِلَيْهِ مَلَائِكَتُهُ وَمَا يُنَزِّلُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْهُدَى وَالتَّأْيِيدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِم وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ]
قَالُوا: وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُ كَلَامٌ إِلَّا لِحَيٍّ نَاطِقٍ، وَهَذِهِ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْهَا غَيْرُ الْأُخْرَى، فَالْإِلَهُ وَاحِدٌ، خَالِقٌ وَاحِدٌ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ.
فَيُقَالُ لَهُم: أَمَّا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ الْكِتَابَ - أَيِ الْقُرْآنَ - كَلَامُ اللَّهِ، فَهَذَا حَقٌّ، وَالْكَلَامُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُتَكَلِّمٍ.
وَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ حَيٌّ مُتَكَلِّمٌ، وَإِنَّهُ تَكَلَّمَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ، وَالْقُرْآنُ قَدْ أَخْبَرَ بِكَلَامِ اللَّهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَهَلْ يُسَمَّى نَاطِقًا وَكَلَامُهُ نُطْقًا؟
فِيهِ نِزَاعٌ، فَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يُجِيزُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ تَسْمِيَةُ اللَّهِ نَاطِقًا، بِخِلَافِ لَفْظِ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ، وَقَدْ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ الْبِدَعِ فِيهِمْ كَمَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كَلَامِ اللَّهِ، هَلْ هُوَ قَائِمٌ بِهِ، أَوْ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ.
وَالَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَجُمْهُورُهَا، أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَائِمٌ بِهِ،
[ ٣ / ٢٧٨ ]
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُوصَفُ بِهِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَحْدَثَ قَوْمٌ مِنْهُمْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، وَشَارَكَهُمْ فِي هَذِهِ الْبِدْعَةِ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَظَهَرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، وَانْتَصَرَ لَهَا قَوْمٌ مِنَ الْوُلَاةِ، وَغَيْرِهِم، ثُمَّ أَطْفَأَهَا اللَّهُ بِمَنْ أَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ الَّذِينَ بَيَّنُوا فَسَادَهَا وَبَيَّنُوا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ مِنْهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، بَلْ مِنْهُ بَدَأَ، لَمْ يَبْتَدِئْ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ يَكُونُ إِلَهًا وَلَا رَبًّا.
وَكَذَلِكَ حَيَاتُهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُم: إِنَّ حَيَاتَهُ تَكُونُ إِلَهًا وَلَا رَبًّا، وَلَا أَنَّهُ مُسَاوٍ لِلرَّبِّ تَعَالَى فِي الْجَوْهَرِ.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
[فَصْلٌ: مُنَاقَشَتُهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْأَقَانِيمَ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُم: هَذِهِ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى أَسْمَاءٍ.
فَإِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِم: جَوْهَرِيَّةً أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ جَوْهَرٌ، فَهَذَا كَلَامٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَإِنَّ الصِّفَةَ الْقَائِمَةَ بِغَيْرِهَا لَا تَكُونُ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ حَرَارَةَ النَّارِ الْقَائِمَةَ بِهَا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ كَالنَّارِ، فَهُوَ إِمَّا مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ وَإِمَّا مُسَفْسِطٌ مُعَانِدٌ.
وَالْأَوَّلُ: يَسْتَحِقُّ عِلَاجَ الْمَجَانِينِ.
وَالثَّانِي: يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ عَنِ الْعِنَادِ.
ثُمَّ إِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ جَوْهَرًا كَانَتِ الْقُدْرَةُ أَيْضًا جَوْهَرًا.
وَإِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِم: جَوْهَرِيَّةً أَنَّهَا صِفَاتٌ ذَاتِيَّةٌ، وَغَيْرُهَا صِفَاتٌ فِعْلِيَّةٌ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةَ مِنْهَا الْقُدْرَةُ وَغَيْرُهَا فَلَمْ تَنْحَصِرْ فِي هَذِهِ.
وَأَيْضًا فَالْكَلَامُ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِذَاتِهِ، فَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْمُتَكَلِّمُ قِيلَ: هُوَ مَنْ فَعَلَ الْكَلَامَ وَلَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَقِيلَ: الْمُتَكَلِّمُ مَنْ قَامَ
[ ٣ / ٢٨٠ ]
بِهِ الْكَلَامُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَكْثَرِينَ، فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِالْجَوْهَرِيَّةِ أَنَّهَا ذَاتِيَّةٌ مُقَوِّمَةٌ، وَبَاقِي الصِّفَاتِ عَرَضِيَّةٌ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، كَانَ هَذَا فَاسِدًا مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ تَفْرِيقَ هَؤُلَاءِ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ، وَجَعْلَ بَعْضِهَا ذَاتِيًّا مُقَوَّمًا دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ، وَبَعْضِهَا عَرَضِيًّا لَاحِقًا خَارِجًا عَنِ الْمَاهِيَّةِ - كَلَامٌ بَاطِلٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ نُظَّارِ الْأُمَمِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَغَيْرِهِمْ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَبَيِّنٌ أَنَّ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ تَرْكِيبِ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْأَجْنَاسِ وَالْفُصُولِ إِنَّمَا هُوَ تَرْكِيبٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ، وَأَنَّ مَا يَقُومُ بِالْأَذْهَانِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ تَصَوُّرِ الْأَذْهَانِ.
فَتَارَةً يَتَصَوَّرُ الشَّيْءَ مُجْمَلًا، وَتَارَةً يَتَصَوَّرُهُ مُفَصَّلًا، وَمَا سَمَّوْهُ تَمَامَ الْمَاهِيَّةِ، وَالدَّاخِلَ فِي الْمَاهِيَّةِ، وَالْخَارِجَ عَنْهَا، اللَّازِمَ لَهَا - يَعُودُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِالْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ.
وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ هُوَ بِحَسَبِ مَا يَعْنِيهِ الْمُتَكَلِّمُ وَيَقْصِدُهُ وَيَتَصَوَّرُهُ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ إِرَادَاتِ النَّاسِ لَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى حَقِيقَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَلَا صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ لِلْمَوْجُودَاتِ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ كَلَامُهُمْ بَاطِلًا لَمْ يُمْكِنْهُمْ ذِكْرُ فَرْقٍ صَحِيحٍ بَيْنَ
[ ٣ / ٢٨١ ]
الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ اللَّازِمِ إِذَا كَانَ كِلَاهُمَا لَازِمًا لِلْمَوْصُوفِ، بَلْ ذَكَرُوا ثَلَاثَةَ فُرُوقٍ، وَالثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ، وَاعْتَرَفَ حُذَّاقُهُمْ بِبُطْلَانِهَا، كَقَوْلِهِم: إِنَّ الذَّاتِيَّ يَثْبُتُ لِلْمَوْصُوفِ، بِلَا وَسَطٍ، وَالْعَرَضِيَّ اللَّازِمَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِوَسَطٍ.
ثُمَّ حُذَّاقُهُمْ يُفَسِّرُونَ الْوَسَطَ بِالدَّلِيلِ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ سِينَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَسِّرُ الْوَسَطَ بِصِفَةٍ قَائِمَةٍ لِلْمَوْصُوفِ، كَمَا يُفَسِّرُهُ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَ أُولَئِكَ فَزَادَ غَلَطُهُم، وَأُولَئِكَ أَرَادُوا بِالْوَسَطِ الدَّلِيلَ، كَمَا يُرِيدُونَ بِالْحَدِّ الْأَوْسَطِ مَا يُقْرَنُ بِاللَّامِ فِي قَوْلِكَ: لِأَنَّهُ، فَصَارَ الْعَرَضِيُّ اللَّازِمُ عِنْدَهُمْ مَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ لِلْمَوْصُوفِ بِدَلِيلٍ، وَهَذَا لَا يَرْجِعُ إِلَى حَقِيقَةٍ ثَابِتَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ هَذَا أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْعَالِمِ بِالصِّفَاتِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ تَامَّ التَّصَوُّرِ فَيَعْلَمُ لُزُومَ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، بِلَا دَلِيلٍ.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ تَامَّ التَّصَوُّرِ فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ كُلُّ مَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَيْهِ، إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِهِ تَحَقُّقُ الْمَدْلُولِ، فَيَكُونُ الْوَسَطُ كُلَّ مَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْعَرَضِ، فَيَكُونُ الْعَرَضُ لَازِمَ اللَّازِمِ.
وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ مِنَ الْعَرَضِيَّاتِ مَا يَلْزَمُ، بِلَا وَسَطٍ، وَقَدْ مَثَّلُوا ذَلِكَ بِالزَّوْجِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ فِي الْعَدَدِ، كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ زَوْجٌ، وَالثَّلَاثَةَ فَرْدٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ خَمْسَمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ نِصْفُ أَلْفٍ وَسِتَّةٍ وَثَمَانِينَ، قَدْ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ، وَقَدْ يَفْتَقِرُ إِلَى تَأَمُّلٍ وَفِكْرٍ.
وَهُمْ يَقُولُونَ مَا يَقُولُ ابْنُ سِينَا أَفْضَلُ مُتَأَخِّرِيهِم، وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الْعَرَضَ الْمُنْقَسِمَ إِلَى الْكَيْفِ وَالْكَمِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ ذَاتِيٌّ لِمَوْصُوفَاتِهِ.
وَاللَّوْنُ الْمُنْقَسِمُ إِلَى السَّوْدَاءِ وَالْبَيَاضِ هُوَ ذَاتِيٌّ لِلْمُتَلَوِّنِ، وَالسَّوَادِيَّةُ وَالْبَيَاضِيَّةُ صِفَتَانِ ذَاتِيَّتَانِ، بِخِلَافِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ.
قَالُوا: لِأَنَّ كَوْنَ هَذَا أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ وَعَرَضًا قَائِمًا بِغَيْرِهِ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى اسْتِدْلَالٍ وَنَظَرٍ بِخِلَافِ كَوْنِ هَذَا الْعَدَدِ زَوْجًا أَوْ فَرْدًا، فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ لَا يَنْقَسِمُ.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فَرْقٌ يَعُودُ إِلَى عِلْمِ الْعَالِمِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، هَلْ هُوَ جَلِيٌّ أَوْ خَفِيٌّ، وَهَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ أَوْ لَا يَفْتَقِرُ، لَيْسَ هُوَ فَرْقًا يَعُودُ إِلَى الصِّفَةِ فِي نَفْسِهَا وَلَا إِلَى مَوْصُوفِهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ مَا جَعَلُوهُ ذَاتِيًّا مُقَوِّمًا دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ، وَمَا جَعَلُوهُ عَرَضِيًّا لَازِمًا خَارِجًا عَنِ الْمَاهِيَّةِ - فَرْقٌ يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ الَّتِي هِيَ الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ، وَلَا إِلَى صِفَاتِهَا، بَلْ جَمِيعُ صِفَاتِهَا اللَّازِمَةِ لَهَا - سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَتِ الْمَاهِيَّةُ مُرَكَّبَةً مِنْ هَذَا دُونَ هَذَا، وَلَا فِيهَا شَيْءٌ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الذَّاتِيَّ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ وَالذِّهْنِ.
وَلَا الصِّفَاتُ جَوَاهِرُ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ لَهَا أَجْزَاءٌ كَأَجْزَاءِ الْأَجْسَامِ الْمُرَكَّبَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى الْمَوْصُوفِ.
وَلَكِنْ إِذَا قِيلَ فِي الْإِنْسَانِ: هُوَ جِسْمٌ حَسَّاسٌ تَامٌّ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ - فَهُنَا قَدْ يَتَصَوَّرُ الذِّهْنُ هَذِهِ الْأُمُورَ، وَيُعَبِّرُ عَنْهَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِي ذِهْنِهِ وَلِسَانِهِ.
وَالْجُمْلَةُ الَّتِي فِي ذِهْنِهِ وَلِسَانِهِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ لَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ، وَأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهَا جَوَاهِرُ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّهُ بَاطِلٌ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةَ الْيُونَانَ وَمَنِ اتَّبَعَهُم - كَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مَا يَتَصَوَّرُونَهُ فِي الْأَذْهَانِ بِمَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، كَمَا أَثْبَتَ مَنْ أَثْبَتَ مِنْ قُدَمَائِهِمْ مِثْلُ
[ ٣ / ٢٨٤ ]
فِيثَاغُورْسَ وَأَتْبَاعِهِ - أَعْدَادًا مُجَرَّدَةً مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ.
وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ سَائِرُ الْعُقَلَاءِ، كَمَا رَدَّهُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْهُم.
وَقَالُوا: إِنَّ الْعَدَدَ الْمُجَرَّدَ، وَالْمِقْدَارَ الْمُجَرَّدَ إِنَّمَا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ الْمَعْدُودَاتُ وَالْمُقَدَّرَاتُ، مِثْلُ الْأَجْسَامِ الْمُتَفَرِّقَةِ الَّتِي تُعَدُّ كَالْكَوَاكِبِ، أَوِ الْمُتَّصِلَةِ الَّتِي تُقَدَّرُ كَالْأَفْلَاكِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِالْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ.
وَأَثْبَتَ أَصْحَابُ أَفْلَاطُونَ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّةَ فِي الْخَارِجِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ وَزَعَمُوا أَنَّهَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَأَثْبَتُوا بُعْدًا
[ ٣ / ٢٨٥ ]
مَوْجُودًا مُجَرَّدًا جَوْهَرًا: هُوَ الْخَلَاءُ، وَجَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، هُوَ الدَّهْرُ، وَجَوْهَرًا مُجَرَّدًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ: هُوَ الْمَادَّةُ وَالْهَيُولَى الْأَزَلِيَّةُ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا إِنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، بَلْ وَمَا أَثْبَتُوهُ مِنَ الْعُقُولِ الْمُجَرَّدَةِ الْعَشْرَةِ هِيَ أَيْضًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إِلَى مَا يُجَرِّدُهُ الذِّهْنُ، وَيُقَدِّرُهُ فِيهِ، لَا إِلَى مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ.
وَأَصْلُ قَوْلِهِمُ: الْمُجَرَّدَاتُ وَالْمُفَارِقَاتُ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مُفَارَقَةِ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ لِلْبَدَنِ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا حَقٌّ، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُم، وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الرُّوحَ تُفَارِقُ الْبَدَنَ، وَتَبْقَى بَعْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ، وَمَنْ قَالَ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ إِنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْبَدَنِ رُوحٌ تُفَارِقُهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ جُزْءٌ مِنَ الْبَدَنِ أَوْ عَرَضٌ مِنْ أَعْرَاضِ الْبَدَنِ، فَقَوْلُهُ - مَعَ أَنَّهُ خَطَأٌ فِي الْعَقْلِ الصَّرِيحِ - هُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَلِرُسُلِهِ، وَلِمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ تَفْرِيقَ هَؤُلَاءِ الْيُونَانِيِّينَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ بَيْنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ اللَّازِمَةِ، وَجَعْلَهُمُ اللَّازِمَةَ: مِنْهَا مَا هُوَ لَازِمٌ لِلْمَاهِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ لَازِمٌ لِوُجُودِهَا - هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ فَاسِدَيْنِ لَهُم، خَالَفَهُمْ فِيهَا جُمْهُورُ عُقَلَاءِ الْأُمَمِ مِنْ نُظَّارِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِم.
أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ: هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَعْلِهِمُ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةَ لِلْمَوْصُوفِ هِيَ فِي الْخَارِجِ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى ذَاتِيٍّ، جُزْءٌ مِنَ الْمَاهِيَّةِ دَاخِلٌ فِيهَا، وَإِلَى عَرَضِيٍّ خَارِجٍ عَنْهَا لَازِمٍ لَهَا.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
وَالثَّانِي: زَعْمُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُمْكِنٌ وَلَهُ فِي الْخَارِجِ مَاهِيَّةٌ هِيَ ذَاتُهُ وَحَقِيقَتُهُ - غَيْرُ الْمَوْجُودِ الْمَعْلُومِ الْمُعَيَّنِ الثَّابِتِ فِي الْخَارِجِ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَا فِي الذِّهْنِ بِمَا فِي الْخَارِجِ.
فَإِنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِالْمَاهِيَّةِ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ، وَهُوَ الْمَقُولُ فِي جَوَابِ مَا هُوَ، وَبِالْوُجُودِ مَا هُوَ ثَابِتٌ مُتَحَقِّقٌ فِي الْخَارِجِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا غَيْرُ هَذَا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّا نَتَصَوَّرُ الْمُثَلَّثَ قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْمُثَلَّثِ غَيْرُ الْمُثَلَّثِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ.
فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ مِنَ الْمُثَلَّثِ غَيْرُ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ فَهَذَا حَقٌّ، لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ عَنِ الذِّهْنِ شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَاهِيَّةُ الْمُثَلَّثِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَتُهُ وَذَاتُهُ.
الثَّانِي: الْمُثَلَّثُ الْمَوْجُودُ الَّذِي هُوَ زَاوِيَةُ الْحَائِطِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ فِي الْخَارِجِ شَيْئَيْنِ، فَهَذَا غَلَطٌ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النُّظَّارِ حَتَّى صَارَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ حَائِرًا مُتَوَقِّفًا.
وَبَعْضُهُمْ يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ وَيَتَنَاقَضُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ عَدَمُ تَمْيِيزِهِمْ بَيْنَ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ وَبَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، ثُمَّ هَذَا الْمَوْضُوعُ
[ ٣ / ٢٨٧ ]
نَقَلُوهُ إِلَى الْكَلَامِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ اللَّازِمَةِ لَهُ، كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، هَلْ هِيَ ذَاتِيَّةٌ أَوْ عَرَضِيَّةٌ؟
فَإِنْ قِيلَ: ذَاتِيَّةٌ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَجْزَاءٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ تَرَكَّبَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَرَضِيَّةً لَازِمَةً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا وَفَاعِلًا، فَإِنَّ كَوْنَهُ فَاعِلًا غَيْرُ كَوْنِهِ قَابِلًا، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جِهَتَانِ، وَهَذَا مِنَ التَّرْكِيبِ الَّذِي زَعَمُوهُ مُنْتَفِيًا، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ، وَهُوَ التَّرْكِيبُ مِنَ الذَّاتِيَّاتِ، وَقَدْ بُيِّنَ فَسَادُ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
مِنْهَا: أَنَّ التَّرْكِيبَ الْمَعْقُولَ هُوَ تَرْكِيبُ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ مِنْ أَبْعَاضِهِ وَأَخْلَاطِهِ، وَتَرْكِيبُ الْمَبْنِيَّاتِ وَالْمَلْبُوسَاتِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ مِنْ أَبْعَاضِهَا وَأَخْلَاطِهَا.
وَأَمَّا تَرْكِيبُ الْأَجْسَامِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ، وَكَذَلِكَ تَرْكِيبُ الشَّيْءِ مِنَ الْمَوْجُودِ، وَالْمَاهِيَّةُ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُمْكِنًا هُوَ مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ، وَكَذَلِكَ تَرَكُّبُهُ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُمَيَّزَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا: الْجِنْسَ، وَالْفَصْلَ.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
وَأَمَّا اتِّصَافُ الذَّاتِ بِصِفَاتٍ تَقُومُ بِهَا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ عَامَّةُ الْعُقَلَاءِ، وَلَكِنْ لَا يُسَمُّونَ هَذَا تَرْكِيبًا، فَمَنْ سَمَّاهُ تَرْكِيبًا لَمْ يَكُنْ نِزَاعُهُ اللَّفْظِيُّ قَادِحًا فِيمَا عُلِمَ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ.
ثُمَّ هُمْ يَقُولُونَ: الْمُرَكَّبُ يَفْتَقِرُ إِلَى أَجْزَائِهِ، وَأَجْزَاؤُهُ غَيْرُهُ، وَوَاجِبُ الْوُجُودِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ، فَإِنَّ لَفْظَ الِافْتِقَارِ هُنَا لَمْ يَعْنُوا بِهِ افْتِقَارَ الْمَفْعُولِ إِلَى فَاعِلِهِ، وَلَا الْمَعْلُولِ إِلَى عِلَّتِهِ الْفَاعِلِيَّةِ، فَإِنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ فَاعِلَهُ وَلَا عِلَّتَهُ الْمُوجِبَةَ لَهُ، بَلْ يُرِيدُونَ بِهِ التَّلَازُمَ وَالِاشْتِرَاطَ، فَإِنَّ وُجُودَ الْمَجْمُوعِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُودِ أَجْزَائِهِ، وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ لَفْظَ الْجُزْءِ لَيْسَ مُرَادُهُمْ جُزْءًا مُبَايِنًا لِلْجُمْلَةِ، فَإِنَّ جُزْءَ الْجُمْلَةِ لَيْسَ مُبَايِنًا لَهَا.
وَمِنْهَا لَفْظُ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ يُرَادُ بِالْغَيْرَيْنِ مَا يَجُوزُ مُبَايَنَةُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ، أَوْ مُفَارَقَتُهُ لَهُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ وُجُودٍ، وَيُرَادُ بِهِمَا مَا يَجُوزُ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَبَعْضُ الْمَجْمُوعِ وَصِفَةُ الْمَوْصُوفِ لَا يَجِبُ أَنْ تُفَارِقَهُ وَتُبَايِنَهُ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تُبَايِنَهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا تُبَايِنَهُ.
فَصِفَاتُ الرَّبِّ ﷿ اللَّازِمَةُ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُفَارِقَهُ وَتُبَايِنَهُ، وَحِينَئِذٍ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُسَمِّيهَا غَيْرًا لَهُ، وَمَنْ سَمَّاهَا غَيْرًا لَهُ فَذَاتُهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهَا، لَيْسَتِ الصِّفَاتُ فَاعِلَةً لِلَذَّاتِ، وَلَا عِلَّةً مُوجِبَةً لَهَا.
وَلَفْظُ وَاجِبِ الْوُجُودِ يُرَادُ بِهِ الْمَوْجُودُ بِنَفَسِهِ الَّذِي لَا فَاعِلَ لَهُ، وَلَا عِلَّةَ فَاعِلَةً لَهُ، وَذَاتُ الرَّبِّ ﷿ وَصِفَاتُهُ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَيُرَادُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ الْمُسْتَغْنِي عَنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، وَالذَّاتُ
[ ٣ / ٢٨٩ ]
بِهَذَا الْمَعْنَى وَاجِبَةٌ دُونَ الصِّفَاتِ، وَيُرَادُ بِهِ مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَخْلُوقَاتِهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ لِلْأَفْلَاكِ مُسْتَلْزِمٌ لَهَا، فَيَجْعَلُونَهُ مَلْزُومًا لِمَفْعُولَاتِهِ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ مَلْزُومَةً لِصِفَاتِهِ؟
وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْيُونَانِيُّونَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْمَشَّائِينَ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو صَاحِبِ التَّعَالِيمِ: الْمَنْطِقُ الطَّبِيعِيُّ، وَالرِّيَاضِيُّ، وَالْإِلَهِيُّ، يَقُولُونَ: إِنَّ مَوْضُوعَ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَادَّةِ فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ مِنَ الْجِسْمِ وَأَحْكَامِهِ.
وَالثَّانِي الرِّيَاضِيُّ: وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَادَّةِ فِي الْخَارِجِ لَا فِي الذِّهْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِدُ عَدَدًا وَلَا مِقْدَارًا فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي جِسْمٍ فِي الْخَارِجِ أَوْ عَرَضٍ مَعْدُودٍ، أَوْ مُقَدَّرٍ مُنْفَصِلٍ، بِخِلَافِ الذِّهْنِ، فَإِنَّهُ يُجَرِّدُ أَعْدَادًا وَمَقَادِيرَ مُجَرَّدَةً عَنِ الْمَعْدُودَاتِ وَالْمُقَدَّرَاتِ.
وَالثَّالِثُ: الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ بِاعْتِبَارِ السُّلُوكِ الْعِلْمِيِّ، وَهُوَ عِلْمُ مَا قَبْلَهَا بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ، وَيُسَمُّونَهُ أَيْضًا الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ، وَمَوْضُوعُهُ عِنْدَهُمُ: الْمُجَرَّدُ عَنِ الْمَادَّةِ فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودٌ، وَانْقِسَامُهُ إِلَى جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، وَانْقِسَامُ الْجَوْهَرِ إِلَى جِسْمٍ وَغَيْرِ جِسْمٍ، وَانْقِسَامُ الْجِسْمِ إِلَى الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَالْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
وَالْعِلَّةُ الْأُولَى يُسَمِّيهَا أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ جَوْهَرًا، وَلَا يُسَمِّيهَا وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَأَمَّا مُتَأَخِّرُوهُم كَابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ يُسَمُّونَهَا وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَلَا يُسَمُّونَهَا جَوْهَرًا، وَالْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي يَقُولُونَ هِيَ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ، وَهِيَ الْمُجَرَّدَةُ عِنْدَهُمْ عَنِ الْمَادَّةِ فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ، هِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ وُجُودُهَا فِي الْأَذْهَانِ، لَا فِي الْأَعْيَانِ.
فَإِنَّ الْوُجُودَ الْعَامَّ الْكُلِّيَّ لَا يُوجَدُ عَامًّا كُلِّيًّا إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْعَامَّ الْكُلِّيَّ، وَالْحَيَوَانَ الْعَامَّ الْكُلِّيَّ لَا يُوجَدُ عَامًّا كُلِّيًّا إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ، لَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيِّنٌ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْهُم.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَكِنْ نَبَّهْنَا عَلَيْهَا لِتَعَلُّقِهَا هُنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى: إِنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ الثَّلَاثَ هِيَ جَوْهَرِيَّةٌ دُونَ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُمْ إِنْ عَنُوا بِذَلِكَ مَا يَعْنِيهِ هَؤُلَاءِ بِالذَّاتِيَّةِ، فَقَوْلُهُمْ بَاطِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ بَاطِلٍ.
فَإِنَّ تَفْرِيقَ هَؤُلَاءِ الْيُونَانِ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ اللَّازِمِ لِلْمَوْجُودِ، وَالْعَرْضِيِّ اللَّازِمِ لِلْمَاهِيَّةِ، وَالْعَرْضِيِّ اللَّازِمِ
[ ٣ / ٢٩١ ]
لِلْمَوْصُوفِ - فَرْقٌ بَاطِلٌ، وَقَدْ ذَكَرُوا ثَلَاثَ فُرُوقٍ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ:
الْأَوَّلُ: الْوَسَطُ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: تَقَدُّمُ الذَّاتِيِّ ذِهْنًا وَوُجُودًا، بِخِلَافِ اللَّازِمِ الْعَرَضِيِّ.
وَالثَّالِثُ: تَوَقُّفُ الْحَقِيقَةِ عَلَى الذَّاتِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالنَّصَارَى لَيْسَ مُرَادُهُمْ بِالْجَوْهَرِيَّةِ مَا يُرِيدُهُ هَؤُلَاءِ بِالذَّاتِيَّةِ، فَلِهَذَا لَمْ نَبْسُطِ الْكَلَامَ عَلَيْهِ،، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ الثَّلَاثَةَ جَوَاهِرُ، وَهَؤُلَاءِ الْمَنْطِقِيُّونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللَّازِمِ لِلْمَاهِيَّةِ، وَاللَّازِمِ لِوُجُودِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِي الْخَارِجِ شَيْئَيْنِ: الْوُجُودُ، وَمَاهِيَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْوُجُودِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ صِفَاتِ الْمَوْصُوفَاتِ اللَّازِمَةَ لَهَا تَنْقَسِمُ إِلَى ذَاتِيٍّ مُقَوِّمٍ، وَعَرَضِيٍّ لَازِمٍ، وَأَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ ذَاتِيٌّ أَوْلَى مِنَ الْقُدْرَةِ، فَلَيْسَ ذِكْرُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ الْحَيِّ الْعَالِمِ بِأَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ الْحَيِّ الْقَادِرِ.
وَالنَّصَارَى لَمَّا كَانَتِ الْأَقَانِيمُ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةً، وَزَعَمُوا أَنَّ الشَّرْعَ الْمُنَزَّلَ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانُوا فِي ذَلِكَ مُخَالِفِينَ لِلشَّرْعِ الْمُنَزَّلِ إِلَيْهِم،
[ ٣ / ٢٩٢ ]
كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ - صَارَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: مَوْجُودٌ حَيٌّ عَالِمٌ، وَطَائِفَةٌ يَقُولُونَ: مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ، فَيَجْعَلُونَ الْقَادِرَ مَكَانَ الْحَيِّ، وَيَجْعَلُونَ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ الْقُدْرَةَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ أَحْسَنَ فِي الْمَعْنَى، لَكِنَّ تَفْسِيرَ رُوحِ الْقُدُسِ بِالْقُدْرَةِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ الَّذِي يَظْهَرُ فَسَادُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إِثْبَاتِ أُقْنُومِ الْكَلِمَةِ الَّذِي يَقُولُونَ تَارَةً: هِيَ الْعِلْمُ، وَتَارَةً: هِيَ الْحِكْمَةُ، وَيُسَمُّونَهَا تَارَةً: النُّطْقَ كَمَا سَمَّوْهَا فِي كِتَابِهِمْ هَذَا، لِأَنَّ الَّذِي اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ عِنْدَهُمْ هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، فَصَارُوا تَارَةً يَضُمُّونَ إِلَيْهَا الْحَيَاةَ، وَتَارَةً يَضُمُّونَ إِلَيْهَا الْقُدْرَةَ.
وَالْأَبُ تَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ الْوُجُودُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: الذَّاتُ، وَتُسَمَّى الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ: الْكِيَانَ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: الْجُودَ.
وَكُلُّ هَذَا مِنَ الْحَيْرَةِ وَالضَّلَالِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ ثَلَاثَ مَعَانٍ هِيَ الْمُسْتَحِقَّةَ لِأَنْ تَكُونَ جَوْهَرِيَّةً دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، سَوَاءٌ فُسِّرَتِ الْجَوْهَرِيَّةُ بِأَنَّهَا جَوَاهِرُ، أَوْ بِأَنَّهَا ذَاتِيَّةٌ مُقَوِّمَةٌ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُم: تَجْرِي مَجْرَى أَسْمَاءٍ، فَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ أَسْمَاءَ أَعْلَامٍ أَوْ جَامِدَةً، وَسَائِرُهَا صِفَاتٌ، فَاسْمُ الْحَيِّ وَالْعَالِمِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ، كَمَا يَدُلُّ الْقَدِيرُ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُسَمَّى بِهَا، فَلِلَّهِ تَعَالَى أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْقَدِيرُ، وَالْقُدْرَةُ تَسْتَلْزِمُ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، وَخَلْقُهُ لِلْمَخْلُوقَاتِ يَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِهِ أَبْلَغَ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى عِلْمِهِ، وَاخْتِصَاصُهُ بِالْقُدْرَةِ أَظْهَرُ مِنَ اخْتِصَاصِهِ بِالْعِلْمِ، حَتَّى إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النُّظَّارِ كَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ يَقُولُ: أَخَصُّ وَصْفِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، فَلَا يُوصَفُ بِذَلِكَ غَيْرُهُ.
وَالْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ قَبْلَهُ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْوُجُودِ قَادِرٌ غَيْرُهُ، وَلَا لِغَيْرِهِ قُدْرَةٌ، وَالْأَشْعَرِيُّ وَإِنْ أَثْبَتَ لِلْمَخْلُوقِ قُدْرَةً، لَكِنْ يُثْبِتُ قُدْرَةً لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمَقْدُورِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ: إِنَّ أَخَصَّ وَصْفِهِ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ، وَلَا إِنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا عَالِمٍ، فَكَانَ جَعْلُ الْقَدِيرِ اسْمًا وَغَيْرِهِ صِفَةً - إِنْ كَانَ الْفَرْقُ حَقًّا - أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْفَرْقُ بَاطِلًا فَإِنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى الَّتِي يَعْرِفُهَا النَّاسُ هِيَ أَسْمَاءٌ، وَهِيَ صِفَاتٌ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ، هِيَ صِفَاتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ.
فَالْحَيُّ يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ، وَالْعَلِيمُ يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ، وَالْقَدِيرُ يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ، هَذَا مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَجَمَاهِيرِ الْأُمَمِ، وَمِنَ النَّاسِ فِرْقَةٌ شَاذَّةٌ تَزْعُمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَا تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيمَا يُسَمَّى بِهِ سُبْحَانَهُ، وَيُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ كَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ.
فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَأَبِي الْعَبَّاسِ النَّاشِيِّ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الرَّبِّ ﷿ مَجَازٌ فِي الْمَخْلُوقِ،
[ ٣ / ٢٩٤ ]
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ عَكْسَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمَلَاحِدَةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ: إِنَّهَا مَجَازٌ فِي الرَّبِّ ﷿ حَقِيقَةٌ فِي الْمَخْلُوقِ، وَالْأَوَّلُونَ هِيَ عِنْدَهُمْ مُتَوَاطِئَةٌ، وَقَدْ يُسَمُّونَهَا مُشَكِّكَةً لِمَا فِيهَا مِنَ التَّفَاضُلِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هِيَ مُشْتَرِكَةٌ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ تَمْثِيلِهِمُ الصِّفَاتِ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُم: كُلُّ صِفَةٍ مِنْهَا غَيْرُ الْأُخْرَى:
فَهَذَا إِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ ﷾ قَدْ تُبَايِنُهُ وَتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وَهُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِم. وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِهِ، فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَتَمْثِيلُهُمْ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُم.
فَإِنَّ الشُّعَاعَ الْقَائِمَ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالْحِيطَانِ، لَيْسَ هُوَ قَائِمًا بِذَاتِ الشَّمْسِ.
وَالْقَائِمُ بِذَاتِ الشَّمْسِ، لَيْسَ هُوَ قَائِمًا بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ.
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ مَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ يَفِيضُ مِنْهُ عَلَى قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ عُلُومٌ، كَمَا يَفِيضُ الشُّعَاعُ مِنَ الشَّمْسِ.
قِيلَ لَهُم: لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهَذَا، بَلْ هَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا حُلُولُ ذَاتِ الرَّبِّ وَلَا صِفَتِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا أَنَّ الْعَبْدَ بِمَا حَلَّ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَصِيرُ إِلَهًا مَعْبُودًا.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِهِ، وَتُسَمَّى كُلُّ وَاحِدَةٍ غَيْرَ الْأُخْرَى، فَهُنَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، هَلْ تُسَمَّى غَيْرًا أَوْ لَا تُسَمَّى غَيْرًا؟
فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ صِفَةٍ لِلرَّبِّ ﷿ فَهِيَ غَيْرُ الْأُخْرَى، وَيَقُولُ: الْغَيْرَانِ مَا جَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْآخَرِ، أَوْ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ الْجَهْلِ بِالْآخَرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَيْسَتْ هِيَ الْأُخْرَى، وَلَا هِيَ هِيَ؛ لِأَنَّ الْغَيْرَيْنِ مَا جَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْآخَرِ، أَوْ مَا جَازَ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ وُجُودٍ.
وَالَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا إِذَا قِيلَ لَهُم: عِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ، هَلْ هُوَ غَيْرُ اللَّهِ أَمْ لَا؟ لَمْ يُطْلِقُوا النَّفْيَ وَلَا الْإِثْبَاتَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: غَيْرُهُ؛ أَوْهَمَ أَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهُ.
وَإِذَا قَالَ: لَيْسَ غَيْرَهُ؛ أَوْهَمَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ يَسْتَفْصِلُ السَّائِلَ، فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: غَيْرُهُ؛ أَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ - فَصِفَاتُ الْمَوْصُوفِ لَا تَكُونُ مُبَايِنَةً لَهُ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا، فَكَيْفَ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ؟
وَإِنْ أَرَادَ بِالْغَيْرِ أَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ هُوَ، فَلَيْسَتِ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَ، فَهِيَ غَيْرُهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاسْمُ الرَّبِّ تَعَالَى إِذَا أُطْلِقَ يَتَنَاوَلُ الذَّاتَ الْمُقَدَّسَةَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الذَّاتِ عَرِيَّةً عَنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
فَاسْمُ اللَّهِ يَتَنَاوَلُ الذَّاتَ الْمَوْصُوفَةَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى هَذَا الْمُسَمَّى،، بَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمُسَمَّى، وَلَكِنَّهَا
[ ٣ / ٢٩٧ ]
زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي تُثْبِتُهَا نُفَاةُ الصِّفَاتِ، فَأُولَئِكَ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّهُ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ قَالَ هَؤُلَاءِ: بَلِ الصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَى مَا أَثْبَتُّمُوهُ مِنَ الذَّاتِ.
وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ تَكُونُ الصِّفَاتُ زَائِدَةً عَلَيْهَا، بَلِ الرَّبُّ تَعَالَى هُوَ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَصِفَاتُهُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى أَسْمَائِهِ ﷾.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ تَنَاقُضِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي عَقِيدَةِ إِيمَانِهِم]
وَقَوْلُهُم: فَالْإِلَهُ وَاحِدٌ، خَالِقٌ وَاحِدٌ، رَبٌّ وَاحِدٌ.
هُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ، لَكِنْ قَدْ نَقَضُوهُ بِقَوْلِهِمْ فِي عَقِيدَةِ إِيمَانِهِم: (نُؤْمِنُ بِرَبٍّ وَاحِدٍ، يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ) فَأَثْبَتُوا هُنَا إِلَهَيْنِ، ثُمَّ أَثْبَتُوا رُوحَ الْقُدُسِ إِلَهًا ثَالِثًا، وَقَالُوا إِنَّهُ مَسْجُودٌ لَهُ، فَصَارُوا يُثْبِتُونَ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا نُثْبِتُ إِلَهًا وَاحِدًا، وَهُوَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، وَجَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ.
وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ: إِنَّ عَامَّةَ مَقَالَاتِ النَّاسِ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهَا إِلَّا مَقَالَةَ النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ وَضَعُوهَا لَمْ يَتَصَوَّرُوا مَا قَالُوا، بَلْ تَكَلَّمُوا بِجَهْلٍ، وَجَمَعُوا فِي كَلَامِهِمْ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُم: لَوِ اجْتَمَعَ عَشْرَةُ نَصَارَى لَتَفَرَّقُوا عَنْ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا، وَقَالَ آخَرُ: لَوْ سَأَلْتَ بَعْضَ النَّصَارَى وَامْرَأَتَهُ وَابْنَهُ عَنْ تَوْحِيدِهِمْ لَقَالَ الرَّجُلُ قَوْلًا، وَامْرَأَتُهُ قَوْلًا آخَرَ، وَابْنُهُ قَوْلًا ثَالِثًا.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
[فَصْلٌ: تَنَاقُضُ قَوْلِهِم لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَجَزَّأُ]
وَقَوْلُهُم: (لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَجَزَّأُ) مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي أَمَانَتِهِم، وَلِمَا يُمَثِّلُونَهُ بِهِ.
فَإِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَهُ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ، وَالشُّعَاعُ يَتَبَعَّضُ وَيَتَجَزَّأُ، فَإِنَّ مَا يَقُومُ مِنْهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ بَعْضٌ وَجُزْءٌ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ زَوَالُ بَعْضِهِ مَعَ بَقَاءِ بَعْضٍ، فَإِنَّهُ إِذَا وُضِعَ عَلَى مَطْرَحِ الشُّعَاعِ شَيْءٌ فُصِلَ مَا بَيْنَ جَانِبَيْهِ، وَصَارَ الشُّعَاعُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ الْفَوْقَانِيِّ فَاصِلًا بَيْنَ الشُّعَاعَيْنِ السَّافِلَيْنِ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الشُّعَاعَ قَائِمٌ بِالْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَجَزِّئٌ مُتَبَعِّضٌ، وَمَا قَامَ بِالْمُتَبَعِّضِ فَهُوَ مُتَبَعِّضٌ، فَإِنَّ الْحَالَّ يَتْبَعُ الْمَحَلَّ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّبَعُّضَ وَالتَّجْزِيءَ فِيمَا قَامَ بِهِ.
وَيَقُولُونَ أَيْضًا: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ وَأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّاهُوتَ مُنْذُ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ لَمْ يُفَارِقْهُ،، بَلْ لَمَّا صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ كَانَ الصَّاعِدُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ نَاسُوتٌ وَلَاهُوتٌ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، فَهُمْ لَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْجَالِسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ هُوَ النَّاسُوتُ فَقَط، بَلِ اللَّاهُوتُ الْمُتَّحِدُ
[ ٣ / ٣٠٠ ]
بِالنَّاسُوتِ جَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّاهُوتِ، فَأَيُّ تَبْعِيضٍ وَتَجْزِئَةٍ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا؟
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ لَهُ مَعْنًى لَا نَفْهَمُهُ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ أَكَابِرِهِمُ الَّذِي وَضَعُوهُ وَجَعَلُوهُ عَقِيدَةَ إِيمَانِهِم، فَإِنْ كَانُوا تَكَلَّمُوا بِمَا لَا يَعْقِلُونَهُ، فَهُمْ جُهَّالٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعُوا، وَإِنْ كَانُوا يَعْقِلُونَ مَا قَالُوهُ، فَلَا يَعْقِلُ أَحَدٌ مِنْ كَوْنِ اللَّاهُوتِ الْمُتَّحِدِ بِالنَّاسُوتِ جَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّاهُوتِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الِاتِّحَادِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا اللَّاهُوتَ الْمُجَرَّدَ مُنْفَصِلٌ مُبَايِنٌ لِلَّاهُوتِ الْمُتَّحِدِ، وَلَيْسَ هُوَ مُتَّصِلًا بِهِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُمَاسًّا لَهُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُمَاسُّ اللَّاهُوتَ الْمُجَرَّدَ هُوَ النَّاسُوتَ مَعَ اللَّاهُوتِ الْمُتَّحِدِ بِهِ، فَهَذَا حَقِيقَةُ التَّبْعِيضِ وَالتَّجْزِئَةِ مَعَ انْفِصَالِ أَحَدِ الْبَعْضَيْنِ عَنِ الْآخَرِ.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لَهُمُ: الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ أَهْوَ ذَاتُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ؟ فَإِنْ كَانَ هُوَ الذَّاتَ، فَهُوَ الْأَبُ نَفْسُهُ، وَيَكُونُ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَبَ نَفْسَهُ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ النَّصَارَى عَلَى بُطْلَانِهِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُم، وَلَا يَقُولُونَ هُوَ الْأَبُ وَالِابْنُ، وَالْأَبُ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّهُ، وَهَذَا مِنْ تَنَاقُضِهُم.
وَإِنْ قَالُوا: الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ صِفَةُ الرَّبِّ فَصِفَةُ الرَّبِّ لَا تُفَارِقُهُ، وَلَا يُمْكِنُ اتِّحَادُهَا وَلَا حُلُولُهَا فِي شَيْءٍ دُونَ الذَّاتِ.
وَأَيْضًا فَالصِّفَةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ هِيَ الْإِلَهَ الْخَالِقَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، بَلْ هِيَ صِفَتُهُ، وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ أَوْ عِلْمَ اللَّهِ أَوْ حَيَاةَ اللَّهِ، هِيَ
[ ٣ / ٣٠١ ]
رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ صِفَةُ اللَّهِ نَفْسُهَا لَمْ يَكُنْ هُوَ اللَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَلَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ رَبُّ الْعَالَمِينَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ خَالِقُ آدَمَ وَمَرْيَمَ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ آدَمَ وَمَرْيَمَ، فَإِنَّهُ خَالِقُ ذَلِكَ بِلَاهُوتِهِ، وَهُوَ ابْنُ آدَمَ وَمَرْيَمَ بِنَاسُوتِهِ.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ صِفَةُ الرَّبِّ لَمْ تَكُنِ الصِّفَةُ هِيَ الْخَالِقَ، فَكَيْفَ وَالْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ صِفَةَ اللَّهِ نَفْسَهَا، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ كَوَّنَهُ (بِكُن)؟
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] (٣٤) ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] .
وَسَمَّاهُ رُوحَهُ، لِأَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ نَفْخِ رُوحِ الْقُدُسِ فِي أُمِّهِ، لَمْ يَخْلُقْهُ كَمَا خَلَقَ غَيْرَهُ مِنْ أَبٍ آدَمِيٍّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] (٤٥) ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] (٤٦) ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧]
[ ٣ / ٣٠٢ ]
وَإِنْ قَالُوا: الْمُتَّحِدُ بِهِ بَعْضُ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، فَقَدْ قَالُوا بِالتَّبْعِيضِ وَالتَّجْزِئَةِ، فَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بُطْلَانُ مَذْهَبِهِم، وَإِمَّا اعْتِرَافُهُمْ بِالتَّبْعِيضِ وَالتَّجْزِئَةِ مَعَ بُطْلَانِهِ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُم: (إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، ابْنُ اللَّهِ الْوَحِيدُ، الْمَوْلُودُ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ) .
يُقَالُ لَهُم: هَذَا الِابْنُ الْمَوْلُودُ الْمُسَاوِي لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، الَّذِي هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، هَلْ هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِغَيْرِهَا؟ أَوْ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا؟
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَالصِّفَةُ لَيْسَتْ إِلَهًا وَلَا هِيَ خَالِقَةً، وَلَا يُقَالُ لَهَا: مَوْلُودَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَلَا إِنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِلَّهِ فِي الْجَوْهَرِ، وَلَمْ يُسَمِّ قَطُّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ صِفَاتِ اللَّهِ لَا ابْنًا لَهُ وَلَا وَلَدًا، وَلَا قَالَ: إِنَّ صِفَةَ اللَّهِ تَوَلَّدَتْ مِنْهُ، وَلَا قَالَ عَاقِلٌ: إِنَّ الصِّفَةَ الْقَدِيمَةَ تَوَلَّدَتْ مِنَ الذَّاتِ الْقَدِيمَةِ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لِاتِّحَادِ نَاسُوتِهِ بِهَذَا الِابْنِ الْمَوْلُودِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، الْمُسَاوِي الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ.
وَهَذَا كُلُّهُ نَعْتُ عَيْنٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا، كَالْجَوَاهِرِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا، لَا نَعْتُ صِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ التَّبْعِيضُ وَالتَّجْزِئَةُ
[ ٣ / ٣٠٣ ]
لَازِمَةً لِقَوْلِهِم، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْوِلَادَةِ الطَّبِيعِيَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِأَنْ يَكُونَ خَرَجَ مِنْهُ جُزْءٌ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥] (١٥) ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: ١٦] (١٦) ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧] (١٧) ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] (١٨) ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] .
وَأَمَّا هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يُثْبِتُهُ مَنْ يُثْبِتُهُ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى وَيُسَمُّونَهُ وِلَادَةً وَبُنُوَّةً فَيُسَمُّونَهُ الصِّفَةَ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ الْقَائِمَةَ بِالْمَوْصُوفِ ابْنًا، وَيُسَمُّونَهَا تَارَةً النُّطْقَ، وَتَارَةً الْكَلِمَةَ، وَتَارَةً الْعِلْمَ، وَتَارَةً الْحِكْمَةَ، وَيَقُولُونَ: هَذَا مَوْلُودٌ مِنَ اللَّهِ، وَابْنُ اللَّهِ.
فَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِم، وَلَا مِنْ سَائِرِ الْعُقَلَاءِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ النَّصَارَى، وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ مِنِ اسْمِ الْوِلَادَةِ وَالْبُنُوَّةِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ يُطْلِقُوا لَفْظَ الِابْنِ إِلَّا عَلَى مَخْلُوقٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ أَبٌ لِلْمَسِيحِ بِالطَّبْعِ، وَلِغَيْرِهِ بِالْوَضْعِ، فَلَا يَعْقِلُ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ
[ ٣ / ٣٠٤ ]
وَغَيْرُهُمْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا الْبُنُوَّةَ الْمَعْقُولَةَ بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنَ الْوَالِدِ، وَهَذَا يُنْكِرُهُ مَنْ يُنْكِرُهُ مِنْ عُلَمَائِهِم.
لَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَّبِعُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَلَمْ يَقُولُوا مَا تَعْقِلُهُ الْعُقَلَاءُ، فَضَلُّوا فِيمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَضَلُّوا أَتْبَاعَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ، وَعَوَامَّهُم، وَإِنْ كَانُوا لَا يَقُولُونَ: إِنَّ وِلَادَةَ اللَّهِ مِثْلُ وِلَادَةِ الْحَيَوَانِ بِانْفِصَالِ شَيْءٍ يُوجَدُ، فَيَقُولُونَ: وِلَادَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنَ اللَّاهُوتِ حَلَّ فِي النَّاسُوتِ، لَا يُعْقَلُ مِنَ الْوِلَادَةِ غَيْرُ هَذَا.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُم: (وَنُؤْمِنُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِ الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ الَّذِي هُوَ مَعَ الْأَبِ مَسْجُودٌ لَهُ، وَمُمَجَّدٌ نَاطِقٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ، فَقَوْلُهُمُ: الْمُنْبَثِقُ مِنَ الْأَبِ الَّذِي هُوَ مَعَ الْأَبِ مَسْجُودٌ لَهُ وَمُمَجَّدٌ، يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ هَذَا فِي حَيَاةِ الرَّبِّ الْقَائِمَةِ بِهِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُنْبَثِقَةً مِنْهُ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ، إِذْ لَوْ كَانَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ مُنْبَثِقًا لَكَانَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ، وَسَائِرُ صِفَاتِهِ مُنْبَثِقَةً مِنْهُ، بَلْ الِانْبِثَاقُ فِي الْكَلَامِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْحَيَاةِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ يَخْرُجُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَمَّا الْحَيَاةُ فَلَا تَخْرُجُ مِنَ الْحَيِّ، فَلَوْ كَانَ فِي
[ ٣ / ٣٠٥ ]
الصِّفَاتِ مَا هُوَ مُنْبَثِقٌ لَكَانَ الصِّفَةَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الِابْنَ، وَيَقُولُونَ: هِيَ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ أَوِ النُّطْقُ وَالْحِكْمَةُ - أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ مُنْبَثِقَةً مِنَ الْحَيَاةِ الَّتِي هِيَ أَبْعَدُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَقَدْ قَالُوا أَيْضًا: إِنَّهُ مَعَ الْأَبِ مَسْجُودٌ لَهُ وَمُمَجَّدٌ، وَالصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِالرَّبِّ لَيْسَتْ مَعَهُ مَسْجُودٌ لَهَا، وَقَالُوا: هُوَ نَاطِقٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَصِفَةُ الرَّبِّ الْقَائِمَةُ بِهِ لَا تُنْطَقُ فِي الْأَنْبِيَاءِ،، بَلْ هَذَا كُلُّهُ صِفَةُ رُوحِ الْقُدُسِ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ صِفَةُ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَجِبْرِيلَ، فَإِذَا كَانَ هَذَا مُنْبَثِقًا مِنَ الْأَبِ، وَالِانْبِثَاقُ الْخُرُوجُ، فَأَيُّ تَبْعِيضٍ وَتَجْزِئَةٍ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا.
وَإِذَا شَبَّهُوهُ بِانْبِثَاقِ الشُّعَاعِ مِنَ الشَّمْسِ كَانَ هَذَا بَاطِلًا مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَيْسَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ حَيٌّ مَسْجُودٌ لَهُ، وَهُوَ جَوْهَرٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ الشُّعَاعَ الْقَائِمَ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ لَيْسَ صِفَةً لِلشَّمْسِ، وَلَا قَائِمًا بِهَا، وَحَيَاةُ الرَّبِّ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الِانْبِثَاقَ خَصُّوا بِهِ رُوحَ الْقُدُسِ، وَلَمْ يَقُولُوا فِي الْكَلِمَةِ: إِنَّهَا مُنْبَثِقَةٌ.
وَالِانْبِثَاقُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ بِالْكَلِمَةِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْحَيَاةِ، وَكُلَّمَا تَدَبَّرَ الْعَاقِلُ كَلَامَهُمْ فِي الْأَمَانَةِ وَغَيْرِهَا وَجَدَ فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ
[ ٣ / ٣٠٦ ]
مَا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى أَجْهَلِ الْعِبَادِ، وَوَجَدَ فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَتِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَسَائِرَ كُتُبِ اللَّهِ - مَا لَا يَخْفَى مِنْ تَدَبُّرِ هَذَا وَهَذَا.
وَوَجَدَ فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ مَا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى مُعَانِدٍ أَوْ جَهُولٍ، فَقَوْلُهُمْ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ، مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ عَنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ أَجْمَعِينَ.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
[فَصْلٌ: نَقْضُ قَوْلِهِم إِنَّ اللَّطَائِفَ لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي الْكَثَائِفِ وَلِهَذَا تَجَسَّمَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ بِعِيسَى]
قَالُوا: وَأَمَّا تَجَسُّمُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ وَوِلَادَتُهُمَا مَعًا، أَيِ الْكَلِمَةِ مَعَ النَّاسُوتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخَاطِبِ الْبَارِي أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، حَسَبَ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] .
وَإِذَا كَانَتِ اللَّطَائِفُ لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي الْكَثَائِفِ - رُوحِ الْقُدُسِ - وَغَيْرِهَا، فَكَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ اللَّطَائِفُ وَالْكَثَائِفُ، تَظْهَرُ فِي غَيْرِ كَثِيفٍ كُلًّا.
وَلِذَلِكَ ظَهَرَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إِذِ الْإِنْسَانُ أَجَلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ، وَلِهَذَا خَاطَبَ الْخَلْقَ، وَشَاهَدُوا مِنْهُ مَا شَاهَدُوا.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وَالْجَوَابُ مِنْ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُقَالُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ تَجَسُّمُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ، وَوِلَادَتُهُمَا مَعًا، أَيِ الْكَلِمَةِ مَعَ النَّاسُوتِ، وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ - هُوَ أَمْرٌ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ رَسُولٌ، فَإِنَّ الرُّسُلَ إِنَّمَا تُخْبِرُ بِمَا لَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ، فَأَمَّا مَا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ، فَالرُّسُلُ مُنَزَّهُونَ عَنِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَخْبَارَ الْإِلَهِيَّةَ صَرِيحَةٌ بِأَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدَ اللَّهِ لَيْسَ بِخَالِقِ الْعَالَمِ، وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: هُوَ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: الْكَلَامُ فِيمَا ذَكَرُوهُ.
فَأَمَّا الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ فَمِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الذَّاتَ الْمُتَّصِفَةَ بِالْكَلَامِ أَوِ الْكَلَامَ فَقَط، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمُتَّحِدُ بِهِ، إِمَّا الْكَلَامُ مَعَ الذَّاتِ، وَإِمَّا الْكَلَامُ بِدُونِ الذَّاتِ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَّحِدُ بِهِ الْكَلَامَ مَعَ الذَّاتِ كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَبَ وَهُوَ الِابْنَ وَهُوَ رُوحَ الْقُدُسِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَقَانِيمَ الثَّلَاثَةَ.
وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ النَّصَارَى، وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَبِاتِّفَاقِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَبَاطِلٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُتَّحِدُ بِهِ هُوَ الْكَلِمَةَ فَقَطْ فَالْكَلِمَةُ صِفَةٌ، وَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ
[ ٣ / ٣٠٩ ]
بِغَيْرِ مَوْصُوفِهَا، وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ إِلَهًا خَالِقًا، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ خَالِقٌ، فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَإِنْ قَالُوا: الْمُتَّحِدُ بِهِ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَةِ فَالْمَوْصُوفُ هُوَ الْأَبُ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ هُوَ الْأَبَ، وَإِنْ قَالُوا: الصِّفَةُ فَقَط، فَالصِّفَةُ لَا تُفَارِقُ الْمَوْصُوفَ وَلَا تَقُومُ بِغَيْرِ الْمَوْصُوفِ، وَالصِّفَةُ لَا تَخْلُقُ وَلَا تَرْزُقُ، وَلَيْسَتِ الْإِلَهَ، وَالصِّفَةُ لَا تَقْعُدُ عَنْ يَمِينِ الْمَوْصُوفِ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ هُوَ الْأَبَ فَقَط، وَهُوَ الذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الصِّفَاتِ، فَهَذَا أَشَدُّ اسْتِحَالَةً، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الذَّاتَ الْمُتَّحِدَةَ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ مَعَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ إِنْ كَانَتَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ ذَاتَيْنِ، وَهُمَا جَوْهَرَانِ كَمَا كَانَا قَبْلَ الِاتِّحَادِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِاتِّحَادٍ.
وَإِنْ قِيلَ: صَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا، كَمَا يَقُولُ مَنْ يَقُولُ مِنْهُم: إِنَّهُمَا صَارَا كَالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدَةِ، أَوِ اللَّبَنِ مَعَ الْمَاءِ، فَهَذَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِحَالَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَانْقِلَابَ صِفَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، بَلْ حَقِيقَتُهُ كَمَا اسْتَحَالَ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ إِذَا اخْتَلَطَا، وَالنَّارُ مَعَ الْحَدِيدَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ اسْتَحَالَ وَتَبَدَّلَتْ صِفَتُهُ وَحَقِيقَتُهُ، وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِعَدَمِ شَيْءٍ وَوُجُودِ آخَرَ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْقَدِيمِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ.
[ ٣ / ٣١٠ ]
وَمَا وَجَبَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ، وَمَا وَجَبَ وُجُودُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ لَا يَكُونُ قَدِيمًا إِلَّا لِوُجُوبِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ لَازِمًا لِلْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ، بَلْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ لَهُ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا بِقِدَمِهِ، وَالْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ، وَلَازِمُهُ لَا يَعْدَمُ إِلَّا بِعَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثِ: أَنْ يُقَالَ: النَّاسُ لَهُمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ ﷿ عِدَّةُ أَقْوَالٍ، وَقَوْلُ النَّصَارَى بَاطِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا النَّاسُ فِي كَلَامِ اللَّهِ فَثَبَتَ بُطْلَانُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ قَائِمًا بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا لَهُ بَائِنًا عَنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، بَلْ هُوَ مَا يُوجَدُ فِي النُّفُوسِ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ أَبْعَدُ الْأَقْوَالِ عَنْ أَقْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالصَّابِئَةِ: إِنَّ الرَّبَّ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ وَلَيْسَ هُوَ خَالِقًا بِاخْتِيَارِهِ.
وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَيْسَ عَالِمًا بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَلَا قَادِرًا عَلَى تَغْيِيرِ الْأَفْلَاكِ، بَلْ كَلَامُهُ عِنْدَهُمْ مَا يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ، وَرُبَّمَا سَمَّوْهُ كَلَامًا، بِلِسَانِ الْحَالِ.
وَهَؤُلَاءِ يَنْفُونَ الْكَلَامَ عَنِ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ، وَقَدْ يَقُولُونَ: مُتَكَلِّمٌ مَجَازًا، لَكِنْ لَمَّا نَطَقَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَطْلَقَهُ مَنْ دَخَلَ فِي الْمِلَلِ مِنْهُم، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِمِثْلِ هَذَا، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْجَهْمِيَّةِ.
[ ٣ / ٣١١ ]
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً، لَكِنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ، خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِم، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِلْجَهْمِيَّةِ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ قَائِمٌ بِهِ حَتَّى يَتَّحِدَ بِالْمَسِيحِ، أَوْ يَحُلَّ بِهِ، وَالْمَخْلُوقُ عَرَضٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ لَيْسَ بِإِلَهٍ خَالِقٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، مَنْ يَقُولُ بِهَذَا وَهَذَا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَجُمْهُورِهَا، وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ سَلَفِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَجُمْهُورِهِم - فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ قَدِيمُ النَّوْعِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ، أَوْ قَدِيمُ الْعَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ بِقَدِيمٍ، بَلْ هُوَ حَادِثٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَيْنِ، فَهُمْ يَقُولُونَ: الْكَلَامُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ لَا تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ، وَمَا كَانَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَادِثًا.
وَلَهُمْ قَوْلَانِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقَدِيمُ مَعْنًى وَاحِدٌ، أَوْ خَمْسَةُ مَعَانٍ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى يَكُونُ أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا، وَهَذِهِ صِفَاتٌ لَهُ لَا أَقْسَامٌ لَهُ، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كَانَ تَوْرَاةً.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حُرُوفٌ، أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِهِ، قَالُوا: وَهُوَ حَادِثٌ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا، لِامْتِنَاعِ كَوْنِ الْمَقْدُورِ
[ ٣ / ٣١٢ ]
الْمُرَادِ قَدِيمًا، وَهَذِهِ الطَّوَائِفُ بَنَوْا أَقْوَالَهُمْ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَخْلُ عَنِ الْحَوَادِثِ، فَهُوَ حَادِثٌ لِامْتِنَاعِ وُجُودِ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ عِنْدَهُم، وَإِذَا امْتَنَعَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِنَوْعِ الْحَوَادِثِ ابْتِدَاءٌ، كَمَا لِلْحَادِثِ الْمُعْنَى ابْتِدَاءٌ، وَمَا لَمْ يَسْبِقِ الْحَوَادِثَ كَانَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ حَادِثًا، فَلِهَذَا مَنَعَ هَؤُلَاءِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَاتُ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي الْأَزَلِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ بِدَوَامِ وَجُودِهَا فِي الْأَبَدِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا مَعَ أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، فَهُوَ الْقَوْلُ الْمَأْثُورُ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَمِنْ الْفَلَاسِفَةِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ قَوْلَ النَّصَارَى بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ بُطْلَانِهِ عَلَى ذَيْنِكَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ - عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً - إِمَّا كَلِمَاتٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَلَمْ تَزَل، وَإِمَّا كَلِمَاتٌ لَهَا ابْتِدَاءٌ، وَإِذَا كَانَ لَهُ كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ فَالْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَلَيْسَ هُوَ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً، بَلْ إِنَّمَا خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ كَمَا فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ، إِنَّهُ يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ بِكَلِمَاتِهِ.
قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بِشَارَةِ مَرْيَمَ بِالْمَسِيحِ:
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] .
[ ٣ / ٣١٣ ]
وَقَالَ أَيْضًا:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٤ - ٣٥] .
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِخَلْقِهِ لِلْأَشْيَاءِ بِكَلِمَاتِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، بِقَوْلِهِ:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وَفِي التَّوْرَاةِ: لِيَكُنْ يَوْمُ الْأَحَدِ، لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا.
وَأَيْضًا فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ كَلَامَهُ إِمَّا مَعْنًى وَاحِدًا، وَإِمَّا خَمْسَةَ مَعَانٍ، وَإِمَّا حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ هِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا، وَلَا لِلْكَلَامِ مَشِيئَةٌ، وَلَا هُوَ جَوْهَرٌ آخَرُ غَيْرُ جَوْهَرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَا يَتَّحِدُ بِغَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ، بَلْ جُمْهُورُهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَحُلُّ أَيْضًا بِغَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَمَنْ قَالَ بِالْحُلُولِ مِنْهُمْ فَلَا يَقُولُ: إِنَّ الْحَالَّ جَوْهَرٌ، وَلَا إِلَهٌ خَالِقٌ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا قَالَهُ النَّصَارَى بَاطِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا النَّاسُ
[ ٣ / ٣١٤ ]
فِي كَلَامِ اللَّهِ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ خَطَأٌ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ النَّصَارَى فَسَادُهُ أَظْهَرُ لِلْعُقَلَاءِ كَانَ الْخَطَأُ الَّذِي فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَدْ خَفِيَ عَلَى الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ قَالُوهَا، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ فَسَادُ قَوْلِ النَّصَارَى.
وَأَيْضًا فَالَّذِينَ قَالُوا بِالْحُلُولِ مِنَ الْغُلَاةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُهُمُ الْمُسْلِمُونَ، كَالَّذِينِ يَقُولُونَ بِحُلُولِهِ فِي بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، هُمْ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا شَارَكُوا النَّصَارَى فِي الْحُلُولِ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُولُوا: إِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي حَلَّتْ هِيَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ، فَيَتَنَاقَضُونَ تَنَاقُضًا ظَاهِرًا، مِثْلَ مَا فِي قَوْلِ النَّصَارَى مِنَ التَّنَاقُضِ الْبَيِّنِ مَا لَيْسَ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانُوا فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ قَوْلُهُمْ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْمَسِيحُ نَفْسَ كَلِمَةِ اللَّهِ فَكَلِمَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ هِيَ الْإِلَهَ الْخَالِقَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَا هِيَ تَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَتَجْزِي النَّاسَ بِأَعْمَالِهِم، سَوَاءٌ كَانَتْ كَلِمَتُهُ صِفَةً لَهُ أَوْ مَخْلُوقَةً لَهُ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، فَإِنَّ عِلْمَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ وَحَيَاتَهُ لَمْ تَخْلُقِ الْعَالَمَ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: يَا عِلْمَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي، وَيَا قُدْرَةَ اللَّهِ تُوبِي عَلَيَّ، وَيَا كَلَامَ اللَّهِ ارْحَمْنِي، وَلَا يَقُولُ: يَا تَوْرَاةَ اللَّهِ
[ ٣ / ٣١٥ ]
أَوْ يَا إِنْجِيلَهُ أَوْ يَا قُرْآنَهُ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَإِنَّمَا يَدْعُو اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، فَكَيْفَ وَالْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْكَلَامِ؟
فَإِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَالْكَلَامُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ، وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ الرَّبِّ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِنَّ الرَّبَّ الْمُتَكَلِّمَ هُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْأَبَ، وَالْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ الْأَبَ عِنْدَهُم، بَلْ الِابْنُ، فَضَلُّوا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ جِهَاتٍ:
مِنْهَا: جَعْلُ الْأَقَانِيمِ ثَلَاثَةً، وَصِفَاتُ اللَّهِ لَا تَخْتَصُّ بِثَلَاثَةٍ.
وَمِنْهَا: جَعْلُ الصِّفَةِ خَالِقَةً، وَالصِّفَةُ لَا تَخْلُقُ.
وَمِنْهَا: جَعْلُهُمُ الْمَسِيحَ نَفْسَ الْكَلِمَةِ، وَالْمَسِيحُ خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ، فَقِيلَ لَهُ كُنْ فَكَانَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَفْسِيرُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْمَسِيحُ بِتَسْمِيَتِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ دُونَ سَائِرِ الْبَشَرِ، لِأَنَّ سَائِرَ الْبَشَرِ خُلِقُوا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، يُخْلَقُ الْوَاحِدُ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مُضْغَةٍ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، وَخُلِقُوا مِنْ مَاءِ الْأَبَوَيْنِ: الْأَبِ وَالْأُمِّ.
وَالْمَسِيحُ ﵇ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ مَاءِ رَجُلٍ، بَلْ لَمَّا نَفَخَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي أُمِّهِ حَبِلَتْ بِهِ، وَقَالَ اللَّهُ: كُنْ فَكَانَ، وَلِهَذَا شَبَّهَهُ اللَّهُ بِآدَمَ فِي قَوْلِهِ:
[ ٣ / ٣١٦ ]
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
فَإِنَّ آدَمَ ﵇ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ وَمَاءٍ، فَصَارَ طِينًا، ثُمَّ أَيْبَسَ الطِّينُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، وَهُوَ حِينَ نَفَخَ الرُّوحَ فِيهِ صَارَ بَشَرًا تَامًّا، لَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ أَوْلَادُهُ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، فَإِنَّ الْجَنِينَ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ يَكْمُلُ خَلْقُ جَسَدِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَيَبْقَى فِي بَطْنِهَا نَحْوَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ طِفْلًا يَرْتَضِعُ، ثُمَّ يَكْبَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَآدَمُ ﵇ حِينَ خُلِقَ جَسَدُهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكَانَ بَشَرًا تَامًّا بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُسَمَّ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّ جَسَدَهُ خُلِقَ مِنَ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَبَقِيَ مُدَّةً طَوِيلَةً يُقَالُ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَكُنْ خَلْقُ جَسَدِهِ إِبْدَاعِيًّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ،، بَلْ خُلِقَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَخَلْقُ الْحَيَوَانِ مِنَ الطِّينِ مُعْتَادٌ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا الْمَسِيحُ ﵇ فَخُلِقَ جَسَدُهُ خَلْقًا إِبْدَاعِيًّا بِنَفْسِ نَفْخِ رُوحِ الْقُدُسِ فِي أُمِّهِ، قِيلَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، فَكَانَ لَهُ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِكَوْنِهِ خُلِقَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ، وَمِنَ الْأَمْرِ الْمُعْتَادِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الِاسْمَ الْعَامَّ إِذَا كَانَ لَهُ نَوْعَانِ خَصَّتْ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِاسْمٍ، وَأَبْقَتْ الِاسْمَ الْعَامَّ مُخْتَصًّا بِالنَّوْعِ، كَلَفْظِ الدَّابَّةِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يَدِبُّ، وَكُلِّ حَيَوَانٍ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ لِلْآدَمِيِّ اسْمٌ يَخُصُّهُ
[ ٣ / ٣١٧ ]
بَقِيَ لَفْظُ الْحَيَوَانِ يَخْتَصُّ بِهِ الْبَهِيمُ، وَلَفْظُ الدَّابَّةِ يَخْتَصُّ بِهِ الْخَيْلُ أَوْ هِيَ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْجَائِزِ وَالْمُمْكِنِ، وَذَوِي الْأَرْحَامِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ لِغَيْرِ الْمَسِيحِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ أُبْقِيَ اسْمُ الْكَلِمَةِ الْعَامَّةِ مُخْتَصًّا بِالْمَسِيحِ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِم، فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فَالْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَجِبُ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ إِلَّا وَحْيًا، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولًا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] .
يَعُمُّ كُلَّ بَشَرٍ: الْمَسِيحَ وَغَيْرَهُ.
وَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فَامْتِنَاعُ أَنْ يَتَّحِدَ بِهِ أَوْ يَحُلَّ فِيهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
فَإِنَّ مَا اتَّحَدَ بِهِ وَحَلَّ فِيهِ كَلِمَةُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ بَيْنَ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، وَهُمْ قَدْ سَلَّمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّمُ بَشَرًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.
[ ٣ / ٣١٨ ]
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ.
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] .
يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْحِجَابُ حِجَابًا يَحْجُبُ الْبَشَرَ كَمَا حَجَبَ مُوسَى، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَلَّمَهُم، كَمَا أَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى وَلَمْ يَرَهُ مُوسَى، بَلْ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ فَقَالَ:
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
قِيلَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ أَنَّهُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا، وَعِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا فَيَعِيشَ،
[ ٣ / ٣١٩ ]
وَكَذَلِكَ قَالَ عِيسَى لَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَهُم، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحِجَابُ الْحَاجِبُ لِلْبَشَرِ لَيْسَ هُوَ مِنَ الْبَشَرِ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ النَّصَارَى فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّبَّ احْتَجَبَ بِحِجَابٍ بَشَرِيٍّ، وَهُوَ الْجَسَدُ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ، فَاتَّخَذَهُ حِجَابًا وَكَلَّمَ النَّاسَ مِنْ وَرَائِهِ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِجَابَ لَيْسَ مِنَ الْبَشَرِ.
يُبَيِّنُ هَذَا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْجَسَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ هُوَ مِنْ جِنْسِ أَجْسَامِ بَنِي آدَمَ، فَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ بِهِ، وَيَحُلَّ فِيهِ، وَيُطِيقَ الْجَسَدُ الْبَشَرِيُّ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بِمَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ، جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَجْسَامِ بِمَا يَجْعَلُهُ فِيهَا مِنَ الْقُوَّةِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ بِهَا جَازَ أَنْ يُكَلِّمَهَا بِغَيْرِ حِجَابٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرُوهُ وَخِلَافُ الْقُرْآنِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ نَفْيَ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنْ يَرَاهُ الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا هُوَ نَفْيٌ لِمُمَاسَّتِهِ بِبَشَرٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَالنَّاسُوتُ الْمَسِيحِيُّ هُوَ بَشَرٌ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَرَى اللَّهَ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّحِدَ بِهِ، وَيُمَاسَّهُ وَيَصِيرَ هُوَ وَإِيَّاهُ كَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ، أَوْ كَالرُّوحِ وَالْبَدَنِ؟
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ رُؤْيَةَ الْآدَمِيِّ لَهُ أَيْسَرُ مِنَ
[ ٣ / ٣٢٠ ]
اتِّحَادِهِ بِهِ، وَحُلُولِهِ فِيهِ، وَأَوْلَى بِالْإِمْكَانِ، فَإِذَا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا قَدْ نَفَاهَا اللَّهُ، وَمَنَعَهَا عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ: مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اتِّصَالُهُ بِالْبَشَرِ وَاتِّحَادُهُ بِهِ؟
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُلُولُهُ فِي الْبَشَرِ مِمَّا هُوَ مُمْكِنٌ وَوَاقِعٌ، لَمْ يَكُنْ لِاخْتِصَاصِ وَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ بِذَلِكَ دُونَ مَنْ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مَعْنًى، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ شَامِلَةٌ، وَالْمُقْتَضَى - وَهُوَ وُجُودُ اللَّهِ وَحَاجَةُ الْخَلْقِ - مَوْجُودَةٌ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتِ الرِّسَالَةُ مُمْكِنَةً أَرْسَلَ مِنَ الْبَشَرِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَلَمَّا كَانَ سَمَاعُ كَلَامِهِ لِلْبَشَرِ مُمْكِنًا سَمِعَ كَلَامَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَرُؤْيَتُهُ فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ لَمْ تَقَعْ لِأَحَدٍ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ لَهُمْ فِي النَّبِيِّ - ﷺ - قَوْلَانِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ وَجُمْهُورُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَالْخُلَّةُ لَمَّا كَانَتْ مُمْكِنَةً اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَاتَّخَذَ مُحَمَّدًا أَيْضًا خَلِيلًا كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» وَقَالَ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا
[ ٣ / ٣٢١ ]
لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ، يَعْنِي نَفْسَهُ» .
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُهُم: وَإِذَا كَانَتِ اللَّطَائِفُ لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي الْكَثَائِفِ مِثْلِ الرُّوحِ وَغَيْرِهَا - فَكَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ الْكَثَائِفُ تَظْهَرُ فِي غَيْرِ كَثِيفٍ كُلًّا.
فَيُقَالُ لَهُم: ظُهُورُ اللَّطَائِفِ فِي الْكَثَائِفِ كَلَامٌ مُجْمَلٌ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ رُوحَ الْإِنْسَانِ تَظْهَرُ فِي جَسَدِهِ، أَوِ الْجِنِّيَّ يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ وَنَحْوَ ذَلِكَ - فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفْسَهُ يَحُلُّ فِي الْبَشَرِ، فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ لَمْ تَذْكُرُوا إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ؟
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ، وَلَا نَطَقَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي بَشَرٍ، وَلَا ادَّعَى صَادِقٌ قَطُّ حُلُولَ الرَّبِّ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي ذَلِكَ الْكَذَّابُونَ، كَالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَيَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ، فَيُنْزِلُ اللَّهُ ﵎ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
[ ٣ / ٣٢٢ ]
مَسِيحَ الْهُدَى، فَيَقْتُلُ مَسِيحُ الْهُدَى الَّذِي ادُّعِيَتْ فِيهِ الْإِلَهِيَّةُ بِالْبَاطِلِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ الَّذِي ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ بِالْبَاطِلِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَحُلُّ فِيهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَنْذَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَقَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ حَتَّى نُوحٌ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِهِ» وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ ثَلَاثَ دَلَائِلَ ظَاهِرَةٍ تَظْهَرُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، تُبَيِّنُ كَذِبَهُ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، " ك ف ر " يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ: قَارِئٍ وَغَيْرِ قَارِئٍ
[ ٣ / ٣٢٣ ]
الثَّانِي: قَوْلُهُ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا بِعَيْنَيْهِ، وَكُلُّ بَشَرٍ فَإِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا بِالْعَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَّحِدُ بِبَشَرٍ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَدَلَائِلُ نَفْيِ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْهُ كَثِيرَةٌ.
لَكِنْ لَمَّا كَانَ حُلُولُ اللَّاهُوتِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّخَاذُهُ بِهِ مَذْهَبًا ضَلَّ بِهِ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ النَّصَارَى وَغَيْرُهُم، وَكَانَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ يَأْتِي بِخَوَارِقَ عَظِيمَةٍ، وَالنَّصَارَى احْتَجُّوا عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ بِمِثْلِ ذَلِكَ - ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عَلَامَاتِ كَذِبِهِ أُمُورًا ظَاهِرَةً لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى بَيَانِ مَوَارِدِ النِّزَاعِ الَّتِي ضَلَّ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، بَلْ أَكْثَرَهُم، تُدْهِشُهُمُ الْخَوَارِقُ حَتَّى يُصَدِّقُوا صَاحِبَهَا قَبْلَ النَّظَرِ فِي إِمْكَانِ دَعْوَاهُ، وَإِذَا صَدَّقُوهُ صَدَّقُوا النَّصَارَى فِي دَعْوَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ، وَصَدَّقُوا أَيْضًا مَنِ ادَّعَى الْحُلُولَ
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وَالِاتِّحَادَ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ، أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِمْ مَنْ أَهْلِ الْإِفْكِ وَالْفُجُورِ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَمَّا يُورِدُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالرَّازِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالُوا: دَلَائِلُ كَوْنِ الدَّجَّالِ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ - ظَاهِرَةٌ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»؟ وَهَذَا السُّؤَالُ يَدُلُّ عَلَى جَهْلِ قَائِلِهِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ بَنُو آدَمَ مِنَ الضَّلَالِ، وَبِالْأَدِلَّةِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ فَسَادَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي عَهْدِ مُوسَى ظَنُّوا أَنَّ الْعِجْلَ هُوَ إِلَهُ مُوسَى، فَقَالُوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى، وَظَنُّوا أَنَّ مُوسَى نَسِيَهُ.
وَالنَّصَارَى مَعَ كَثْرَتِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ. وَفِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْقِبْلَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَكَابِرِ شُيُوخِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّفِ يَجْعَلُونَ هَذَا نِهَايَةَ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَحِّدُ هُوَ الْمُوَحَّدَ، وَيُنْشِدُونَ:
مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِدٍ إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
تَوْحِيدُ مَنْ يُخْبِرُ عَنْ نَعْتِهِ عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ
تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدُ
فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مَعَ إِظْهَارِ الدَّجَّالِ هَذِهِ الْخَوَارِقَ الْعَظِيمَةَ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ، وَقَدِ اعْتُقِدَ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ مِثْلُ خَوَارِقِهِ مِنَ الْكَذَّابِينَ وَفِيمَنْ لَمْ يَقُل: أَنَا اللَّهُ، كَالْمَسِيحِ، وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُم: فَكَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ اللَّطَائِفُ تَظْهَرُ فِي غَيْرِ كَثِيفٍ كُلًّا، فَيُقَالُ لَهُم: كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي يَدَّعُونَ ظُهُورَهَا فِي الْمَسِيحِ، أَهِيَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ، أَوْ ذَاتُ اللَّهِ الْمُتَكَلِّمَةُ أَوْ مَجْمُوعُهَا؟ فَإِنْ قُلْتُمُ: الظَّاهِرُ فِيهِ نَفْسُ الْكَلَامِ فَهَذَا يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ:
إِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كَلَامَهُ عَلَى الْمَسِيحِ، كَمَا أَنْزَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَهَذَا حَقٌّ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ، وَنَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ فَارَقَ ذَاتَهُ وَحَلَّ فِي الْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ مَعَ أَنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ النَّصَارَى، فَإِنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ عِنْدَهُمُ ابْنُ آدَمَ وَخَالِقُ آدَمَ، وَابْنُ مَرْيَمَ وَخَالِقُ مَرْيَمَ، ابْنُهَا بِنَاسُوتِهِ وَخَالِقُهَا بِلَاهُوتِهِ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِظُهُورِ الْكَلِمَةِ ظُهُورَ ذَاتِ اللَّهِ أَوْ ظُهُورَ ذَاتِهِ وَكَلَامِهِ فِي الْكَثِيفِ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ، فَهَذَا أَيْضًا يُرَادُ بِهِ ظُهُورُ نُورِهِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] الْآيَةَ.
وَكَمَا ظَهَرَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ وَاسْتَعْلَنَ مِن
[ ٣ / ٣٢٦ ]
جِبَالِ فَارَانَ، وَكَمَا تَجَلَّى لِإِبْرَاهِيمَ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْمَسِيحِ، بَلْ هُوَ لِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ لَهُ.
وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ ذَاتَ الرَّبِّ حَلَّتْ فِي الْمَسِيحِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَأَيْنَ دَلِيلُهُمْ عَلَى إِمْكَانِ ذَلِكَ ثُمَّ وُقُوعِهِ؟ مَعَ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: هَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ، بَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: قَوْلُهُم: فَكَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ اللَّطَائِفُ تَظْهَرُ فِي غَيْرِ كَثِيفٍ كُلًّا - كَلَامٌ بَاطِلٌ.
فَإِنَّ ظُهُورَ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ إِذَا أَمْكَنَ ظُهُورُهُ فَظُهُورُهُ فِي اللَّطِيفِ أَوْلَى مِنْ ظُهُورِهِ فِي الْكَثِيفِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ بِالْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَتَتَلَقَّى كَلَامَ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ، وَتَنْزِلُ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَيَكُونُ وُصُولُ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى مَلَائِكَةٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْبَشَرِ وَهُمُ الْوَسَائِطُ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]
[ ٣ / ٣٢٧ ]
وَاللَّهُ تَعَالَى أَيَّدَ رُسُلَهُ مِنَ الْبَشَرِ حَتَّى أَطَاقُوا التَّلَقِّيَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَأْتِيهِمْ أَحْيَانًا فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَحْيَانًا فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَكَانَ ظُهُورُ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ بِاللَّطَائِفِ وَوُصُولُهَا إِلَيْهِمْ أَوْلَى مِنْهُ بِالْكَثَائِفِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ بِحَيٍّ مِنَ الْأَحْيَاءِ، وَيَحُلَّ فِيهِ، لَكَانَ حُلُولُهُ فِي مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاتِّحَادُهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ حُلُولِهِ وَاتِّحَادِهِ بِوَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ النَّاسُوتَ الْمَسِيحِيَّ عِنْدَهُمُ الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ هُوَ الْبَدَنُ وَالرُّوحُ مَعًا، فَإِنَّ الْمَسِيحَ كَانَ لَهُ بَدَنٌ وَرُوحٌ، كَمَا لِسَائِرِ الْبَشَرِ، وَاتَّحَدَ بِهِ عِنْدَهُمُ اللَّاهُوتُ، فَهُوَ عِنْدَهُمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى بَدَنٍ وَرُوحٍ آدَمِيَّيْنِ وَعَلَى اللَّاهُوتِ، وَحِينَئِذٍ فَاللَّاهُوتُ عَلَى رَأْيِهِمْ إِنَّمَا اتَّحَدَ فِي لَطِيفٍ وَهُوَ الرُّوحُ، وَكَثِيفٍ وَهُوَ الْبَدَنُ، لَمْ يَظْهَرْ فِي كَثِيفٍ فَقَط، وَلَوْلَا اللَّطِيفُ الَّذِي كَانَ مَعَ الْكَثِيفِ، وَهُوَ الرُّوحُ - لَمْ يَكُنْ لِلْكَثِيفِ فَضِيلَةٌ وَلَا شَرَفٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ بِاتِّحَادِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ، كَمَا شَبَّهُوا هُنَا ظُهُورَهُ فِيهِ بِظُهُورِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ، وَحِينَئِذٍ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا يُصِيبُ الْبَدَنَ مِنَ الْآلَامِ تَتَأَلَّمُ بِهِ الرُّوحُ، وَمَا تَتَأَلَّمُ بِهِ الرُّوحُ يَتَأَلَّمُ بِهِ الْبَدَنُ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ النَّاسُوتُ لَمَّا صُلِبَ وَتَأَلَّمَ وَتَوَجَّعَ الْوَجَعَ الشَّدِيدَ كَانَ اللَّاهُوتُ أَيْضًا مُتَأَلِّمًا مُتَوَجِّعًا، وَقَدْ خَاطَبْتُ بِهَذَا بَعْضَ النَّصَارَى فَقَالَ لِي: الرُّوحُ بَسِيطَةٌ، أَيْ لَا يَلْحَقُهَا أَلَمٌ، فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَمُنَعَّمَةٌ أَوْ مُعَذَّبَةٌ؟ فَقَالَ: هِيَ فِي الْعَذَابِ، فَقُلْتُ: فَعُلِمَ أَنَّ الرُّوحَ الْمُفَارِقَةَ تُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ، فَإِذَا
[ ٣ / ٣٢٨ ]
شَبَّهْتُمُ اللَّاهُوتَ فِي النَّاسُوتِ بِالرُّوحِ فِي الْبَدَنِ لَزِمَ أَنْ تَتَأَلَّمَ إِذَا تَأَلَّمَ النَّاسُوتُ كَمَا تَتَأَلَّمُ الرُّوحُ إِذَا تَأَلَّمَ الْبَدَنُ، فَاعْتَرَفَ هُوَ وَغَيْرُهُ بِلُزُومِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ قَوْلَهُم: وَإِذَا كَانَتِ اللَّطَائِفُ لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي الْكَثَائِفِ - فَكَلِمَةُ اللَّهِ لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي كَثِيفٍ كُلًّا.
تَرْكِيبٌ فَاسِدٌ لَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ إِذَا بَيَّنُوا أَنَّ كُلَّ لَطِيفٍ يَظْهَرُ فِي كَثِيفٍ، وَلَا يَظْهَرُ فِي غَيْرِهِ حَتَّى يُقَالَ: فَلِهَذَا ظَهَرَ اللَّهُ فِي كَثِيفٍ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي لَطِيفٍ، وَإِلَّا فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَحُلُّ لَا فِي لَطِيفٍ، وَلَا كَثِيفٍ، أَوْ قِيلَ إِنَّهُ يَحُلُّ فِيهِمَا - بَطَلَ قَوْلُهُمْ بِوُجُوبِ حُلُولِهِ فِي الْمَسِيحِ الْكَثِيفِ دُونَ اللَّطِيفِ، وَهُمْ لَمْ يُؤَلِّفُوا الْحُجَّةَ تَأْلِيفًا مُنْتِجًا، وَلَا دَلُّوا عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا بِدَلِيلٍ، فَلَا أَتَوْا بِصُورَةِ الدَّلِيلِ، وَلَا مَادَّتِهِ،، بَلْ مَغَالِيطَ لَا تَرُوجُ إِلَّا عَلَى جَاهِلٍ يُقَلِّدُهُم.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُلُولِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ أَنْ يَحُلَّ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَدَنِ، بَلْ هَذِهِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، فَأَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ تَظْهَرُ فِي أَبْدَانِهِم، وَلَا تَظْهَرُ فِي أَبْدَانِ الْبَهَائِمِ، بَلْ وَلَا فِي الْجِنِّ، وَالْمَلَائِكَةُ تَتَصَوَّرُ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ، وَكَذَلِكَ الْجِنُّ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَظْهَرُ فِي غَيْرِ صُورَةِ الْإِنْسَانِ، فَأَيُّ دَلِيلٍ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ يَحُلُّ فِي الْإِنْسَانِ الْكَثِيفِ، وَلَا يَحُلُّ فِي اللَّطِيفِ؟
وَالْقَوْمُ شَرَعُوا يَحْتَجُّونَ عَلَى تَجْسِيمِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ فَقَالُوا: وَأَمَّا تَجْسِيمُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ وَوِلَادَتُهُمَا مَعًا، أَيِ الْكَلِمَةِ مَعَ
[ ٣ / ٣٢٩ ]
النَّاسُوتِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ قَطُّ دَلَالَةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ وَلَا ظَنِّيَّةٌ عَلَى تَجْسِيمِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ وَوِلَادَتِهَا مَعَ النَّاسُوتِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: وَأَمَّا تَجْسِيمُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ، ثُمَّ قَالُوا: فَكَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ اللَّطَائِفُ، فَتَارَةً يَجْعَلُونَهَا خَالِقَةً، وَتَارَةً يَجْعَلُونَهَا مَخْلُوقًا بِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَالِقَ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ بِهِ، وَالْمَخْلُوقَ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقَ، فَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ خَالِقَةً، فَهِيَ خَلَقَتِ الْأَشْيَاءَ، وَلَمْ تُخْلَقِ الْأَشْيَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْأَشْيَاءُ خُلِقَتْ بِهَا، فَلَمْ تَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ، بَلْ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ بِهَا، وَلَوْ قَالُوا: إِنَّ الْأَشْيَاءَ خُلِقَتْ بِهَا بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، لَكَانَ هَذَا حَقًّا، لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا خَالِقَةً، مَعَ قَوْلِهِمْ بِمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ لَهُم: إِذَا كَانَ اللَّهُ لَمْ يُخَاطِبْ بَشَرًا إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ - فَتَكْلِيمُهُ لِلْبَشَرِ بِالْوَحْيِ وَمِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، كَمَا كَلَّمَ مُوسَى، وَبِإِرْسَالِ مَلَكٍ، كَمَا أَرْسَلَ الْمَلَائِكَةَ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَافِيًا فِي حُصُولِ مُرَادِ الرَّبِّ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى عِبَادِهِ، أَوْ لَيْسَ كَافِيًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُلُولِهِ نَفْسِهِ فِي بَشَرٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ مِثْلَ غَيْرِهِ فَيُوحِيَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ مَلَكًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا يَشَاءُ، أَوْ يُكَلِّمَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ
[ ٣ / ٣٣٠ ]
مُوسَى، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى اتِّحَادِهِ بِبَشَرٍ مَخْلُوقٍ، وَإِنْ كَانَ التَّكَلُّمُ لَيْسَ كَافِيًا وَجَبَ أَنْ يَتَّحِدَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ فَيَتَّحِدَ بِنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِم، يُبَيَّنُ هَذَا:
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: وَهُوَ أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ، وَأَفْضَلُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الْمَسِيحَ فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ قَدْ يُفَضَّلُ بِاتِّحَادِهِ فِي الْمَسِيحِ حَتَّى كَلَّمَ عِبَادَهُ بِنَفْسِهِ، فَيَتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ مُحْتَجِبًا بِبَدَنِهِ الْكَثِيفِ، وَكَلَّمَ بِنَفْسِهِ الْيَهُودَ الْمُكَذِّبِينَ لِلْمَسِيحِ وَعَوَامَّ النَّصَارَى، وَسَائِرَ مَنْ كَلَّمَهُ الْمَسِيحُ، فَكَانَ أَنْ يُكَلِّمَ مَنْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِنَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى، مِثْلَ أَنْ يَتَّحِدَ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَيُكَلِّمَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَلُوطًا مُحْتَجِبًا بِبَدَنِ الْخَلِيلِ، أَوْ يَتَّحِدَ بِيَعْقُوبَ فَيُكَلِّمَ أَوْلَادَهُ أَوْ غَيْرَهُمْ مُحْتَجِبًا بِبَدَنِ يَعْقُوبَ أَوْ يَتَّحِدَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَيُكَلِّمَ هَارُونَ وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَغَيْرَهُمَا مُحْتَجِبًا بِبَدَنِ مُوسَى، فَإِذَا كَانَ هُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، إِمَّا لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ، وَإِمَّا لِأَنَّ عِزَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَسِيحِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَّحِدَ بِبَشَرٍ فَاتِّحَادُهُ بِمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ كَانَ اتِّحَادُهُ بِجِبْرِيلَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَى مِنَ اتِّحَادِهِ بِبِشَرٍ يُخَاطِبُ الْيَهُودَ، وَعَوَامَّ النَّصَارَى.
[ ٣ / ٣٣١ ]
[فَصْلٌ: تَفْنِيدُ مُرَادِ النَّصَارَى بِظُهُورِ اللَّهِ فِي عِيسَى]
قَالُوا: وَلِذَلِكَ ظَهَرَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إِذِ الْإِنْسَانُ أَجَلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ، وَلِهَذَا خَاطَبَ الْخَلْقَ، وَشَاهَدُوا مِنْهُ مَا شَاهَدُوا.
فَيُقَالُ: إِنِ ادَّعَيْتُمْ ظُهُورَهُ فِي عِيسَى كَمَا ظَهَرَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، وَكَمَا يَظْهَرُ فِي بُيُوتِهِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَذَلِكَ بِظُهُورِ نُورِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَذِكْرِ أَسْمَائِهِ وَعِبَادَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ حُلُولِ ذَاتِهِ فِي الْبَشَرِ وَلَا اتِّحَادِهِ بِهِ، فَهَذَا أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهَذَا، وَهَذَا أَيْضًا قَدْ يُسَمَّى حُلُولًا، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي الصَّالِحِينَ، وَهَذَا مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا فِي كُتُبِهِمْ فِي الْمَزْمُورِ الرَّابِعِ مِنَ الزَّبُورِ، يَقُولُ دَاوُدُ ﵇ فِي مُنَاجَاتِهِ لِرَبِّهِ: وَلِيَفْرَحَ الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَيْكَ إِلَى الْأَبَدِ، وَيَبْتَهِجُونَ، وَتَحُلُّ فِيهِمْ وَيَفْتَخِرُونَ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَحُلُّ فِي الصَّالِحِينَ الْمَذْكُورِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا - بِاتِّفَاقِهِمْ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ - أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ نَفْسِهِ تَتَّحِدُ بِالْبَشَرِ، وَيَصِيرُ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ كَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ، وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ،
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُمَثِّلُونَ بِهِ الِاتِّحَادَ،، بَلْ هَذَا يُرَادُ بِهِ حُلُولُ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتُهُ، وَمَحَبَّتُهُ وَذِكْرُهُ وَعِبَادَتُهُ، وَنُورُهُ وَهُدَاهُ.
وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِحُلُولِ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] .
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] .
فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي قُلُوبِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ «مَا يَرْوِيهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ»، فَأَخْبَرَ أَنَّ شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكُ بِهِ أَيْ بِاسْمِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:
«عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟، فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» .
[ ٣ / ٣٣٣ ]
فَقَالَ: لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ وَلَمْ يَقُل: لَوَجَدْتَنِي إِيَّاهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ أَيْ فِي قَلْبِهِ، وَالَّذِي فِي قَلْبِهِ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ.
«وَقَالَ تَعَالَى: عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا جَاعَ، فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»، وَلَمْ يَقُلْ لَوَجَدْتَنِي قَدْ أَكَلْتُهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَن «عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» .
وَفِي رِوَايَةٍ: فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْحُلُولِ الْعَامِّ، أَوْ الِاتِّحَادِ الْعَامِّ أَوْ وَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِالْخَاصِّ مِنْ ذَلِكَ، كَأَشْبَاهِ النَّصَارَى.
وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، فَأَثْبَتَ ثَلَاثَةً: وَلِيًّا لَهُ، وَعَدُوًّا يُعَادِي وَلِيَّهُ، وَمَيَّزَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ وَلِيِّهِ، وَعَدُوِّ وَلَيِّهِ، فَقَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»، وَلَكِنْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَلِيَّهُ الَّذِي وَالَاهُ فَصَارَ يُحِبُّ مَا يُحِبُّ وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُ، وَيُوَالِي مَنْ يُوَالِي وَيُعَادِي مَنْ يُعَادِي، فَيَكُونُ الرَّبُّ مُؤْذِنًا بِالْحَرْبِ لِمَنْ عَادَاهُ، بِأَنَّهُ مُعَادٍ لِلَّهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
«وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْعَبْدِ الْمُتَقَرِّبِ، وَالرَّبِّ الْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُحِبُّهُ بَعْدَ تَقَرُّبِهِ بِالنَّوَافِلِ وَالْفَرَائِضِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَعِنْدَ أَهْلِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ أَوِ الْوَحْدَةِ: هُوَ صَدْرُهُ وَبَطْنُهُ وَظَهْرُهُ وَرَأْسُهُ وَشَعْرُهُ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ، أَوْ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ التَّقَرُّبِ وَبَعْدَهُ، وَعِنْدَ الْخَاصِّ وَأَهْلِ الْحُلُولِ صَارَ هُوَ، وَهُوَ كَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ، لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ آلَةَ الْإِدْرَاكِ وَالْفِعْلِ.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
«فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي»، وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ - الرَّبُّ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَبْطِشُ وَيَمْشِي، وَالرَّسُولُ إِنَّمَا قَالَ: فَبِي، ثُمَّ قَالَ: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»، فَجَعَلَ الْعَبْدَ سَائِلًا مُسْتَعِيذًا، وَالرَّبَّ مَسْئُولًا مُسْتَعَاذًا بِهِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ الِاتِّحَادَ، وَقَوْلُهُ: فَبِي يَسْمَعُ مِثْلُ قَوْلِهِ: مَا تَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ، يُرِيدُ بِهِ الْمِثَالَ الْعِلْمِيَّ.
وَقَوْلُ اللَّهِ: فَيَكُونُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ أَيْ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَهُدَاهُ وَمُوَالَاتُهُ، وَهُوَ الْمَثَلُ الْعِلْمِيُّ، فَبِذَاكَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَبْطِشُ وَيَمْشِي.
وَالْمَخْلُوقُ إِذَا أَحَبَّ الْمَخْلُوقَ أَوْ عَظَّمَهُ أَوْ أَطَاعَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذَا، فَيَقُولُ: أَنْتَ فِي قَلْبِي وَفِي فُؤَادِي، وَمَا زِلْتَ بَيْنَ عَيْنَيَّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ:
مِثَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي وَمَثْوَاكَ فِي قَلْبِي فَأَيْنَ تَغِيبُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
وَمِنْ عَجَبِي أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهِمُ وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ وَهُمْ مَعِي
وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي وَهُمْ فِي سَوَادِهَا وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ مَعَ عِلْمِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ نَفْسَ الْمَحْبُوبِ الْمُعَظَّمِ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَتْ ذَاتَهُ فِي عَيْنِ مُحِبِّهِ وَلَا فِي قَلْبِهِ، وَلَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ هَذَا بِهَذَا حَتَّى يَظُنَّ الْغَالِطُونَ أَنَّ نَفْسَ الْمَحْبُوبِ الْمَعْبُودِ فِي ذَاتِ الْمُحِبِّ الْعَابِدِ.
وَلِذَلِكَ غَلِطَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ ذَاتَ الْمَعْلُومِ الْمَعْقُولِ يَتَّحِدُ بِالْعَالِمِ الْعَاقِلِ، فَجَعَلُوا الْمَعْقُولَ وَالْعَقْلَ وَالْعَاقِلَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ حُلُولِ مِثَالِ الْمَعْلُومِ، وَبَيْنَ حُلُولِ ذَاتِهِ، وَهَذَا يَكُونُ لِضَعْفِ الْعَقْلِ وَقُوَّةِ سُلْطَانِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَيَغِيبُ الْإِنْسَانُ بِمَعْبُودِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَبِمَحْبُوبِهِ عَنْ مَحَبَّتِهِ، وَبِمَشْهُودِهِ عَنْ شَهَادَتِهِ، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، فَيَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ شُهُودِ الْعَبْدِ، لَا أَنَّهُ نَفْسَهُ يَعْدَمُ وَيَفْنَى فِي مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي شُهُودِهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ إِذَا غَلِطَ قَدْ يَقُولُ مِثْلَ مَا يُحْكَى عَن أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ: سُبْحَانِي، أَوْ مَا فِي الْجُبَّةِ
[ ٣ / ٣٣٧ ]
إِلَّا اللَّهُ، وَفِي هَذَا تُذْكَرُ حِكَايَةٌ، وَهُوَ أَنَّ شَخْصًا كَانَ يُحِبُّ آخَرَ فَأَلْقَى الْمَحْبُوبُ نَفْسَهُ فِي مَاءٍ، فَأَلْقَى الْمُحِبُّ نَفْسَهُ خَلْفَهُ، فَقَالَ: أَنَا وَقَعْتُ فَلِمَ وَقَعْتَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: غِبْتُ بِكَ عَنِّي، فَظَنَنْتُ أَنَّكَ أَنِّي، فَهَذَا الْعَبْدُ الْمُحِبُّ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى قَلْبِهِ سُلْطَانُ الْمَحَبَّةِ صَارَ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا فِي مَحْبُوبِهِ، لَا يَشْهَدُ قَلْبُهُ غَيْرَ مَا فِي قَلْبِهِ وَغَابَ عَنْ شُهُودِ نَفْسِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُ الْمَحْبُوبِ، وَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ذَاتَ الْمَحْبُوبِ نَفْسُهُ.
فَهَذَا الظَّنُّ لِاتِّحَادِ الذَّاتِ أَوْ لِحُلُولِهَا ظَنٌّ غَالِطٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْبَشَرِ هُوَ اللَّهُ، أَوْ إِنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِيهِ قَدْ يَكُونُ غَلَطُهُمْ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، لَمَّا سَمِعُوا كَلَامًا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ فِي ذَاتِ الشَّخْصِ، وَجَعَلُوا فِعْلَ هَذَا فِعْلَ هَذَا، ظَنُّوا ذَاكَ اتِّحَادَ الذَّاتِ وَحُلُولَهَا.
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فِيهِ، وَاتِّحَادَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْمُوَالِي وَالْمُعَادِي، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] .
وَقَوْلِهِ:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .
وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ اللَّهُ، وَلَا لِأَنَّ نَفْسَهُ حَالٌّ فِي
[ ٣ / ٣٣٨ ]
الرَّسُولِ،، بَلْ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْهَى عَمَّا يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَيُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ، وَيُوَالِي أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيُعَادِي أَعْدَاءَ اللَّهِ.
فَمَنْ بَايَعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّمَا بَايَعَ اللَّهَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَمَنْ أَطَاعَهُ فَإِنَّمَا أَطَاعَ اللَّهَ.
وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ وَسَائِرُ الرُّسُلِ؛ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَمَّا يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ وَيُوَالُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيُعَادُونَ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَمَنْ أَطَاعَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَبِلَ مِنْهُمْ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، فَقَدْ قَبِلَ عَنِ اللَّهِ، وَمَنْ وَالَاهُمْ فَقَدْ وَالَى اللَّهَ، وَمَنْ عَادَاهُمْ وَحَارَبَهُمْ فَقَدْ عَادَى اللَّهَ وَحَارَبَ اللَّهَ، وَمَنْ تَصَوَّرَ هَذِهِ الْأُمُورَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ لَفْظَ الْحُلُولِ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَعْنًى صَحِيحٍ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَعْنًى فَاسِدٍ.
وَكَذَلِكَ حُلُولُ كَلَامِهِ فِي الْقُلُوبِ، وَلِذَلِكَ كَرِهَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
[ ٣ / ٣٣٩ ]
الْكَلَامَ فِي لَفْظِ حُلُولِ الْقُرْآنِ فِي الْقُلُوبِ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الشَّيْءَ لَهُ وُجُودٌ فِي نَفْسِهِ هُوَ، وَلَهُ وُجُودٌ فِي الْمَعْلُومِ وَالْأَذْهَانِ، وَوُجُودٌ فِي اللَّفْظِ وَاللِّسَانِ، وَوُجُودٌ فِي الْخَطِّ وَالْبَيَانِ، وَوُجُودٌ عَيْنِيٌّ شَخْصِيٌّ، وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ، وَرَسْمِيٌّ، وَذَلِكَ كَالشَّمْسِ مَثَلًا فَلَهَا تَحَقُّقٌ فِي نَفْسِهَا، وَهِيَ الشَّمْسُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ يُتَصَوَّرُ بِالْقَلْبِ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَنْطِقُ اللِّسَانُ بِلَفْظِ الشَّمْسِ، وَيُكْتَبُ بِالْقَلَمِ الشَّمْسُ.
وَالْمَقْصُودُ بِالْكِتَابَةِ مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ، وَبِاللَّفْظِ مُطَابَقَةُ الْعِلْمِ، وَبِالْعِلْمِ مُطَابَقَةُ الْمَعْلُومِ، فَإِذَا رَأَى الْإِنْسَانُ فِي كِتَابٍ خَطَّ الشَّمْسِ، أَوْ سَمِعَ قَائِلًا يَذْكُرُ قَالَ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَهَذِهِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، فَهُوَ يُشِيرُ إِلَى مَا سَمِعَهُ مِنَ اللَّفْظِ وَرَآهُ مِنَ الْخَطِّ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ نَفْسَ اللَّفْظِ وَالْخَطِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الشَّمْسَ الَّتِي تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَا يُقْصَدُ بِالْخَطِّ وَاللَّفْظِ وَيُرَادُ بِهِمَا، وَهُوَ الْمَدْلُولُ الْمُطَابِقُ لَهُمَا، وَكَذَلِكَ قَدْ يُرَى اسْمُ اللَّهِ مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ، وَمَعَهُ اسْمُ صَنَمٍ، فَيَقُولُ: آمَنْتُ بِهَذَا، وَكَفَرْتُ بِهَذَا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ كَافِرٌ بِالصَّنَمِ، فَيُشِيرُ إِلَى اسْمِهِ الْمَكْتُوبِ وَمُرَادِهِ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَمِعَ مَنْ يَذْكُرُ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى قَالَ: هَذَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَمُرَادُهُ: الْمُسَمَّى بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، وَمِنْ هَذَا «قَوْلُ أَنَسِ بْنِ
[ ٣ / ٣٤٠ ]
مَالِكٍ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرٌ» .
وَمُرَادُهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْخَطُّ لِهَذَا وَهَذَا وَهَذَا، لَا اللَّفْظُ وَلَا الْمُسَمَّى.
وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مَا يُرَى فِي الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ، مِثْلُ أَنْ يُرَى الشَّمْسُ أَوْ غَيْرُهَا فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ، فَيُشَارُ إِلَى الْمَرْئِيِّ فَيُقَالُ: هَذَا الشَّمْسُ، وَهَذَا وَجْهِي أَوْ وَجْهُ فُلَانٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ نَفْسَ الشَّمْسِ أَوْ وَجْهَهُ أَوْ وَجْهَ فُلَانٍ حَلَّ فِي الْمَاءِ أَوِ الْمِرْآةِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ هُوَ الشَّمْسَ وَهُوَ الْوَجْهَ - ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَدْ يُقَالُ: رَآهُ رُؤْيَةً مُقَيَّدَةً فِي الْمَاءِ، أَوِ الْمِرْآةِ، وَقَدْ يُقَالُ: رَآهُ بِوَاسِطَةِ الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ، وَقَدْ يُقَالُ: رَأَى مِثَالَهُ وَخَيَالَهُ الْمُحَاكِيَ لَهُ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ نَفْسُهُ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْلُومِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ اللَّفْظِ، وَاللَّفْظُ أَقْرَبُ مِنَ الْخَطِّ، فَإِذَا كَانَ قَدْ يُشَارُ إِلَى اللَّفْظِ وَالْخَطِّ، وَالْمُرَادُ هُوَ نَفْسُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَطُّ وَاللَّفْظُ هُوَ ذَاتَهُ، بَلْ بِهِ ظَهَرَ وَعُرِفَ، فَلَأَنْ يُشَارَ إِلَى مَا فِي الْقَلْبِ، وَيُرَادَ بِهِ الْمَعْرُوفُ الَّذِي ظَهَرَ لِلْقَلْبِ وَتَجَلَّى لِلْقَلْبِ، وَصَارَ نُورُهُ فِي الْقَلْبِ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
[ ٣ / ٣٤١ ]
وَالْعُقَلَاءُ إِنَّمَا تَتَوَجَّهُ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْمَقْصُودِ الْمُرَادِ دُونَ الْوَسَائِلِ، وَيُعَبِّرُونَ بِعِبَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِظُهُورِ مُرَادِهِمْ بِهَا، كَمَا يَقُولُونَ لِمَنْ يَعْرِفُ عِلْمَ غَيْرِهِ، أَوْ لِمَنْ يَأْمُرُ بِأَمْرِهِ، وَيُخْبِرُ بِخَبَرِهِ، هَذَا فُلَانٌ، فَإِذَا كَانَ مَطْلُوبُهُمْ عِلْمَ عَالِمٍ أَوْ طَاعَةَ أَمِيرٍ، فَجَاءَ نَائِبُهُ الْقَائِمُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: هَذَا فُلَانٌ، أَيِ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ هُوَ مَعَ هَذَا، فَالِاتِّحَادُ الْمَقْصُودُ بِهِمَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِلَفْظِ الْآخَرِ.
كَمَا يُقَالُ: عِكْرِمَةُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو يُوسُفَ هُوَ
[ ٣ / ٣٤٢ ]
أَبُو حَنِيفَةَ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يُذْكَرُ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ، مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي.
«وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ رَسُولِهِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي»، وَيُشْبِهُهُ قَوْلُهُ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] .
فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ تَنْحَلُّ بِهِ إِشْكَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، فِي عَامَّةِ الطَّوَائِفِ مَعَ ظُهُورِ الْمَعْنَى وَمَعْرِفَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَاتَ أَحَدِهُمَا اتَّحَدَتْ بِذَاتِ الْآخَرِ.
، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ يُطْلَقُ لَفْظُ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحٌ، كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، إِذَا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ فِيمَا يُحِبَّانِ وَيُبْغِضَانِ، وَيُوَالِيَانِ وَيُعَادِيَانِ، فَلَمَّا اتَّحَدَ مُرَادُهُمَا وَمَقْصُودُهُمَا صَارَ يُقَالُ هُمَا مُتَّحِدَانِ، وَبَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، وَلَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ ذَاتَ هَذَا اتَّحَدَتْ بِذَاتِ الْآخَرِ، كَاتِّحَادِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ، وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ، أَوِ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْحُلُولِ، وَالسُّكْنَى، وَالتَّخَلُّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ:
[ ٣ / ٣٤٣ ]
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وَالْمُتَخَلِّلُ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنْهُ هُوَ مَحَبَّتُهُ لَهُ وَشُعُورُهُ بِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَا نَفْسُ ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:
سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ لَسْتُ أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ
وَالسَّاكِنُ فِي الْقَلْبِ هُوَ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ وَمَحَبَّتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، فَتَسْكُنُ فِي الْقَلْبِ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ لَا عَيْنُ ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:
إِذَا سَكَنَ الْغَدِيرُ عَلَى صَفَاءٍ وَجُنِّبَ أَنْ يُحَرِّكَهُ النَّسِيمُ
بَدَتْ فِيهِ السَّمَاءُ بِلَا امْتِرَاءٍ كَذَاكَ الشَّمْسُ تَبْدُو وَالنُّجُومُ
كَذَاكَ قُلُوبُ أَرْبَابِ التَّجَلِّي يُرَى فِي صَفْوِهَا اللَّهُ الْعَظِيمُ
وَقَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ مَا فِي قَلْبِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، يُرَادُ بِذَلِكَ: إِلَّا ذِكْرُهُ وَمَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَخَشْيَتُهُ وَطَاعَتُهُ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، أَيْ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ مَا فِي قَلْبِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، بَلْ مَا فِي قَلْبِهِ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ مَا عِنْدَهُ إِلَّا فُلَانٌ، إِذَا كَانَ يَلْهَجُ بِذِكْرِهِ، وَيُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، مَعَ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُسْتَمِعِ أَنَّ ذَاتَ فُلَانٍ لَمْ تَحُلَّ فِي هَذَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَّحِدَ بِهِ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ عَنِ الْمِرْآةِ إِذَا
[ ٣ / ٣٤٤ ]
لَمْ تُقَابِلْ إِلَّا الشَّمْسَ: مَا فِيهَا إِلَّا الشَّمْسُ، أَيْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا غَيْرُ الشَّمْسِ.
وَأَيْضًا فَلَفْظُ الْحُلُولِ يُرَادُ بِهِ حُلُولُ ذَاتِ الشَّيْءِ تَارَةً، وَحُلُولُ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمِثَالِهِ الْعِلْمِيِّ تَارَةً كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَعِنْدَهُمْ فِي النُّبُوَّاتِ أَنَّ اللَّهَ حَلَّ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ ذَاتَ الرَّبِّ حَلَّتْ فِيهِ، بَلْ يُقَالُ فُلَانٌ سَاكِنٌ فِي قَلْبِي وَحَالٌّ فِي قَلْبِي وَهُوَ فِي سِرِّي، وَسُوَيْدَاءِ قَلْبِي، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَلَّ فِيهِ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَكَانَ إِذَا خَلَا مِمَّنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذِكْرُ اللَّهِ وَلَا حَلَّتْ فِيهِ عِبَادَتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، فَإِذَا صَارَ فِي الْمَكَانِ مَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ وَيَذْكُرُهُ ظَهَرَ فِيهِ ذِكْرُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَحَلَّ فِيهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَعِبَادَتُهُ وَذِكْرُهُ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ ﷿ فَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ فِيهِ، وَهُوَ حَالٌّ فِيهِ.
كَمَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ، وَحَالٌّ فِيهِم، وَالْمُرَادُ بِهِ حُلُولُ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَوَاهِدُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ نُورُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، وَعُبِّرَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ حَالٌّ فِيهِمْ وَهُمْ حَالُّونَ فِي الْمَسْجِدِ - قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَالٌّ فِيهِ، بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا يُقَالُ: اللَّهُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، مَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» .
وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ فِي
[ ٣ / ٣٤٥ ]
مَنَامِهِ، فَيُخَاطِبُهُ وَيَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ وَيُخْبِرُهُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: رَأَيْتُ فُلَانًا فِي مَنَامِي فَقَالَ لِي: كَذَا، وَقُلْتُ لَهُ: كَذَا، وَفَعَلَ كَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا، وَيَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا عُلُومٌ وَحِكَمٌ وَآدَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا غَايَةَ الْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي رَأَى فِي الْمَنَامِ حَيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّ ذَاكَ رَآهُ فِي مَنَامِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا بِأَنَّهُ قَالَ أَوْ فَعَلَ، وَقَدْ يَقُصُّ الرَّائِي عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ، وَيَقُولُ لَهُ الرَّائِي: يَا سَيِّدِي رَأَيْتُكَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتَ لِي: كَذَا، وَأَمَرْتَنِي بِكَذَا، وَنَهَيْتَنِي عَنْ كَذَا، وَالْمَرْئِيُّ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِ، لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ الَّذِي حَلَّ فِي قَلْبِ الرَّائِي هُوَ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ الْمُطَابِقُ لِلْعَيْنِيِّ، كَمَا يَرَى الرَّائِي فِي الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ الشَّخْصَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَبَعْضُ الْمَرْئِيِّينَ فِي الْمَنَامِ قَدْ يَدْرِي بِأَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ وَيُكَاشِفُ بِذَلِكَ الرَّائِيَ كَمَا قَدْ يُكَاشِفُهُ بِأُمُورٍ أُخْرَى، لَا لِأَنَّهُ نَفْسَهُ حَلَّ فِيهِ.
وَالرُّؤْيَا إِذَا كَانَتْ صَادِقَةً كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ مُنَاسِبًا لِحَالِ الْمَرْئِيِّ، مِمَّا هُوَ عَادَتُهُ يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ، فَمَثَّلَ لِلرَّائِي مِثَالَهُ قَائِلًا لَهُ وَفَاعِلًا؛ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ نَفْسَهُ يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الرَّائِي، كَمَا يُحْكَى لِلْإِنْسَانِ قَوْلُ غَيْرِهِ وَعَمَلُهُ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ نَفْسَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ الْمَحْكِيِّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ، إِمَّا فِي الْيَقَظَةِ وَإِمَّا فِي الْمَنَامِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ عَيْنَ هَذَا لَيْسَ عَيْنَ هَذَا،
[ ٣ / ٣٤٦ ]
وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ إِذَا رَأَى شَخْصًا فِي مَنَامِهِ بِأَنَّ ذَاتَهُ نَفْسَهَا حَلَّتْ فِيهِ دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ؛ فَإِنَّ الْمَرْئِيَّ كَثِيرًا مَا يَكُونُ حَيًّا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِمَنْ رَآهُ، ذَلِكَ لَا رُوحُهُ تَشْعُرُ وَلَا جِسْمُهُ، فَلَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ ذَاتَ رُوحِهِ تَمَثَّلَتْ فِي صُورَتِهِ الْجِسْمِيَّةِ لِلنَّائِمِ، بَلِ الْمُمَثَّلُ فِي نَفْسِ الرَّائِي مِثْالٌ مُطَابِقٌ لَهُ وَجِسْمُهُ وَرُوحُهُ حَيْثُ هُمَا.
ثُمَّ الرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ حَقًّا، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، كَمَا ثَبَتَ تَقْسِيمُهَا إِلَى هَذَيْنِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَالشَّيْطَانُ كَمَا قَدْ يَتَمَثَّلُ فِي الْمَنَامِ بِصُورَةِ شَخْصٍ فَقَدْ يَتَمَثَّلُ أَيْضًا فِي الْيَقَظَةِ بِصُورَةِ شَخْصٍ يَرَاهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، يُضِلُّ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، كَمَا يَجْرِي لِكَثِيرٍ مِنْ مُشْرِكِي الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا مَاتَ مَيِّتُهُمْ يَرَوْنَهُ قَدْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَضَى دُيُونًا، وَرَدَّ وَدَائِعَ وَأَخْبَرَهُمْ بِأُمُورٍ عَنْ مَوْتَاهُم، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ، وَقَدْ يَأْتِيهِمْ فِي صُورَةِ مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَيَقُولُ: أَنَا فُلَانٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ.
وَقَدْ يَقُومُ شَيْخٌ مِنَ الشُّيُوخِ، وَيُخْلِفُ مَوْضِعَهُ شَخْصًا فِي صُورَتِهِ يُسَمُّونَهُ رُوحَانِيَّةَ الشَّيْخِ وَرَفِيقَهُ، وَهُوَ جِنِّيُّ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ، وَهَذَا
[ ٣ / ٣٤٧ ]
يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ الرُّهْبَانِ وَغَيْرِ الرُّهْبَانِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يَرَى أَحَدُهُمْ فِي الْيَقَظَةِ مَنْ يَقُولُ لَهُ: أَنَا الْخَلِيلُ، أَوْ أَنَا مُوسَى، أَوْ أَنَا الْمَسِيحُ، أَو مُحَمَّدٌ، أَوْ أَنَا فُلَانٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوِ الْحَوَارِيِّينَ، وَيَرَاهُ طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَلَا تَكُونُ تِلْكَ الصُّورَةُ مِثْلَ صُورَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي»، فَرُؤْيَتُهُ فِي الْمَنَامِ حَقٌّ، وَأَمَّا فِي الْيَقَظَةِ فَلَا يُرَى بِالْعَيْنِ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمَوْتَى، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ قَدْ يَرَى فِي الْيَقَظَةِ مَنْ يَظُنُّهُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، إِمَّا عِنْدَ قَبْرِهِ وَإِمَّا عِنْدَ غَيْرِ قَبْرِهِ.
وَقَدْ يَرَى الْقَبْرَ انْشَقَّ، وَخَرَجَ مِنْهُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، فَيَظُنُّ أَنَّ الْمَيِّتَ نَفْسَهُ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ، أَوْ أَنَّ رُوحَهُ تَجَسَّدَتْ وَخَرَجَتْ مِنَ الْقَبْرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ جِنِّيٌّ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ لِيُضِلَّ ذَلِكَ الرَّائِيَ، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ مِمَّا
[ ٣ / ٣٤٨ ]
تَكُونُ تَحْتَ التُّرَابِ وَيَنْشَقُّ عَنْهَا التُّرَابُ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ، فَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى شَقِّ التُّرَابِ، وَالْبَدَنُ لَمْ يَنْشَقَّ عَنْهُ التُّرَابُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَخْيِيلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ.
وَيَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا مِنْ كَرَامَاتِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَيَكُونُ مِنْ إِضْلَالِ الشَّيَاطِينِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، مِثْلِ الْفُرْقَانِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ، وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِم ظَهَرَ فِي عِيسَى حُلُولُ ذَاتِهِ وَاتِّحَادُهُ بِالْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ]
وَإِذَا أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُم: ظَهَرَ فِي عِيسَى حُلُولُ ذَاتِهِ وَاتِّحَادُهُ بِالْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ - فَهَذِهِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ أَجَلَّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ - لَوْ كَانَ مُنَاسِبًا لِحُلُولِهِ فِيهِ - أَمْرٌ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَسِيحُ، بَلْ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ عِيسَى ﵇ أَفْضَلُ مِنْهُ مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَهَذَانِ اتَّخَذَهُمَا اللَّهُ خَلِيلَيْنِ، وَلَيْسَ فَوْقَ الْخُلَّةِ مَرْتَبَةٌ، فَلَوْ كَانَ يَحُلُّ فِي أَجَلِّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِكَوْنِهِ أَجَلَّ مَخْلُوقَاتِهِ لَحَلَّ فِي أَجْلِ هَذَا النَّوْعِ، وَهُوَ الْخَلِيلُ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ قَطُّ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الْجَسَدَ الْمَأْخُوذَ مِن مَرْيَمَ إِذَا لَمْ يَتَّحِدْ بِاللَّاهُوتِ عَلَى أَصْلِهِم - أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْخَلِيلِ وَمُوسَى.
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً، فَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً، وَمَنْ عَمِلَ خَطِيئَةً وَتَابَ مِنْهَا فَقَدْ يَصِيرُ بِالتَّوْبَةِ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ، وَأَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يَعْمَلْ تِلْكَ الْخَطِيئَةَ، وَالْخَلِيلُ وَمُوسَى أَفْضَلُ مِن يَحْيَى الَّذِي يُسَمُّونَهُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِيَّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُم: وَلِهَذَا خَاطَبَ الْخَلْقَ، فَالَّذِي خَاطَبَ الْخَلْقَ هُوَ
[ ٣ / ٣٥٠ ]
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا سَمِعَ النَّاسُ صَوْتَهُ لَمْ يَسْمَعُوا غَيْرَ صَوْتِهِ، وَالْجِنِّيُّ إِذَا حَلَّ فِي الْإِنْسَانِ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ يَظْهَرُ لِلسَّامِعِينَ أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ لَيْسَ هُوَ صَوْتَ الْآدَمِيِّ، وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يَعْلَمُ الْحَاضِرُونَ أَنَّهُ لَيْسَ كَلَامَ الْآدَمِيِّ.
وَالْمَسِيحُ ﵇ لَمْ يَكُنْ يُسْمَعُ مِنْهُ إِلَّا مَا يُسْمَعُ مِنْ مِثْلِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى لِسَانِ النَّاسُوتِ هُوَ جِنِّيًّا أَوْ مَلَكًا لَظَهَرَ ذَلِكَ، وَعُرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْبَشَرَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ؟ فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ حَقًّا لَظَهَرَ ظُهُورًا أَعْظَمَ مِنْ ظُهُورِ كَلَامِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّيِّ عَلَى لِسَانِ الْبَشَرِ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ.
وَأَمَّا مَا شَاهَدُوهُ مِنْ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ ﵊، فَقَدْ شَاهَدُوا مِنْ غَيْرِهِ مَا هُوَ مِثْلُهَا وَأَعْظَمُ مِنْهَا، وَقَدْ أَحْيَا غَيْرُهُ الْمَيِّتَ وَأَخْبَرَهُ بِالْغُيُوبِ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَمُعْجِزَاتُ مُوسَى أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ أَوْ أَكْثَرُ، وَظُهُورُ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدَيْهِ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، كَمَا دَلَّتِ الْمُعْجِزَاتُ عَلَى نُبُوَّةِ غَيْرِهِ، وَرِسَالَتِهِم، لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِلَهِيَّةِ.
وَالدَّجَّالُ لَمَّا ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ لَمْ يَكُنْ مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَوَارِقِ دَلِيلًا عَلَيْهَا، لِأَنَّ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ مُمْتَنِعَةٌ، فَلَا يَكُونُ فِي ظُهُورِ الْعَجَائِبِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ الْمُمْتَنِعِ.
[ ٣ / ٣٥١ ]
[فَصْلٌ: مَا تَنَبَّأَتْ بِهِ الْكُتُبُ السَّابِقَةُ بِشَأْنِ الْمَسِيحِ]
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، الَّذِينَ تَنَبَّوْا عَلَى وِلَادَتِهِ مِنَ الْعَذْرَاءِ الطَّاهِرَةِ مَرْيَمَ، وَعَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ الَّتِي فَعَلَهَا فِي الْأَرْضِ، وَصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَذِهِ النُّبُوَّاتُ جَمِيعُهَا عِنْدَ الْيَهُودِ مُقِرِّينَ وَمُعْتَرِفِينَ بِهَا وَيَقْرَؤُنَهَا فِي كَنَائِسِهِم، وَلَمْ يُنْكِرُوا مِنْهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً.
فَيُقَالُ: هَذَا كُلُّهُ مِمَّا لَا يُنَازِعُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّهُ وُلِدَ مِن مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ قَطُّ، وَأَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ الْآيَاتِ، وَأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فِي النُّبُوَّاتِ الَّتِي عِنْدَ الْيَهُودِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْيَهُودُ يَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَسِيحِ، كَمَا فِي النُّبُوَّاتِ مِنَ الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُونَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
فصل: مناقشتهم فيما نقلوه عن الأنبياء حول مجيء المسيح ﵇ وبيان وجه الدلالة فيها
قول عزرا يأتي المسيح ويخلص الشعوب والأمم
[فَصْلٌ: مُنَاقَشَتُهُمْ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حَوْلَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ ﵇ وَبَيَانُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ فِيهَا] [قَوْلُ عِزْرَا يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ]
قَالُوا: وَسَبِيلُنَا أَنْ نَذْكُرَ مِنْ بَعْضِ قَوْلِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ تَنَبَّوْا عَلَى السَّيِّدِ الْمَسِيحِ، وَنُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ عِزْرَا الْكَاهِنُ حَيْثُ سَبَاهُم بُخْتَنَصَّرُ الْفَرِيدِيُّ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً: يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ، وَفِي كَمَالِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَتَى السَّيِّدُ الْمَسِيحُ. وَقَالَ أَرْمِيَا النَّبِيُّ عَنْ وِلَادَتِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ:
[ ٣ / ٣٥٣ ]
يَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ هُوَ ضَوْءُ النُّورِ يَمْلِكُ الْمُلْكَ وَيُعَلِّمُ وَيُفَهِّمُ وَيُقِيمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِم، وَيَبْقَى بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقَاتِلٍ وَيُسَمَّى الْإِلَهَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ابْنٌ لِدَاوُدَ لِأَنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ: يَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ.
فَيُقَالُ: أَمَّا قَوْلُ عِزْرَا الْكَاهِنِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ إِتْيَانِ الْمَسِيحِ ﵇، وَتَخْلِيصِ اللَّهِ بِهِ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الشُّعُوبِ وَالْأُمَمِ إِلَى أَنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ.
فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِالْمَسِيحِ، مُتَّبِعًا لِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَبْدِيلٍ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَّصَهُ بِالْمَسِيحِ مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا خَلَّصَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُوسَى مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
وَمَنْ حَرَّفَ وَبَدَّلَ فَلَمْ يَتَّبِعِ الْمَسِيحَ، وَمَنْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ فَهُوَ كَمَنْ كَذَّبَ الْمَسِيحَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُقِرًّا بِمُوسَى ﵇.
وَلَكِنَّ هَذَا النَّصَّ وَأَمْثَالَهُ حُجَّةٌ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ يَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسِيحٌ يُنْتَظَرُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يَتَّبِعُونَهُ وَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ («حَتَّى يَقُولَ الشَّجَرُ وَالْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ») وَهَكَذَا يُقَالُ فِي النُّبُوَّةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا عَن أَرْمِيَا النَّبِيِّ ﵇.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ أَرْمِيَا النَّبِيِّ عَنْ وِلَادَتِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ]
قَالُوا: وَقَالَ أَرْمِيَا النَّبِيُّ عَنْ وِلَادَتِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ: يَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ، وَهُوَ ضَوْءُ النُّورِ يَمْلِكُ الْمُلْكَ، وَيُعَلِّمُ وَيُفَهِّمُ وَيُقِيمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ وَيَبْقَى بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقَاتِلٍ، وَيُسَمَّى الْإِلَهَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ابْنٌ لِدَاوُدَ لِأَنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ: (وَيَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ) .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ قَالَ فِيهِ: وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، وَمِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَهُوَ كَمَا فَسَّرْنَا بِهِ التَّخْلِيصَ الَّذِي نَقَلَهُ عَن عِزْرَا الْكَاهِنِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاسْمُهُ الْإِلَهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا لَفْظُ الْإِلَهِ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ كَمَا سُمِّيَ مُوسَى إِلَهًا
[ ٣ / ٣٥٦ ]
لِفِرْعَوْنَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، إِذْ لَوْ كَانَ هُوَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَكَانَ أَجَلَّ مِنْ أَنْ يُقَالَ وَيُسَمَّى الْإِلَهَ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ لَا يُعْرَفُ بِمِثْلِ هَذَا، وَيُقَالُ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ يُسَمَّى الْإِلَهَ، وَلَقَالَ: يَأْتِي اللَّهُ بِنَفْسِهِ فَيَظْهَرُ. وَقَالَ: يَمْلِكُ الْمُلْكَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ مَا زَالَ وَلَا يَزَالُ مَالِكًا لِلْمُلْكِ سُبْحَانَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: يَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ هُوَ ضَوْءُ النُّورِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِابْنَ الَّذِي مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ الَّذِي اسْمُ أُمِّهِ مَرْيَمُ هُوَ النَّاسُوتُ فَقَط، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَيْسَ هُوَ مِنْ نَسْلِ الْبَشَرِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا النَّاسُوتَ الَّذِي هُوَ ابْنُ دَاوُدَ، يُسَمَّى الْإِلَهَ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا اسْمٌ لِلنَّاسُوتِ الْمَخْلُوقِ لَا لِلْإِلَهِ الْخَالِقِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَهُوَ ضَوْءُ النُّورِ لَمْ يَجْعَلْهُ النُّورَ نَفْسَهُ،، بَلْ جَعَلَهُ ضَوْءَ النُّورِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَوِّرُ كُلِّ نُورٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ هُوَ ضَوْءَ النُّورِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّى مُحَمَّدًا ﷺ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَالِقًا، فَكَيْفَ إِذَا سُمِّيَ ضَوْءَ النُّورِ؟
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْقَائِمَ إِلَّا ابْنَ دَاوُدَ، وَابْنُ دَاوُدَ مَخْلُوقٌ،
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى هَذَا الْمَخْلُوقِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَدِ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ الْبَشَرِيِّ لَبَيَّنَ أَرْمِيَا، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ذَلِكَ بَيَانًا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ، وَلَمْ يَكْتَفُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ إِمَّا صَرِيحَةٌ أَوْ ظَاهِرَةٌ فِي نَقِيضِ ذَلِكَ، أَوْ مُجْمَلَةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِخْبَارَهُمْ بِإِتْيَانِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَمْرٌ مُعْتَادٌ مُمْكِنٌ، وَمَعَ هَذَا يَذْكُرُونَ فِيهِ مِنَ الْبِشَارَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ مَا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ.
وَأَمَّا الْإِخْبَارُ بِمَجِيءِ الرَّبِّ نَفْسِهِ وَحُلُولِهِ أَوِ اتِّحَادِهِ بِنَاسُوتٍ بَشَرِيٍّ فَهُوَ: إِمَّا مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَيَقُولُونَ: يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ.
وَإِمَّا مُمْكِنٌ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَحِينَئِذٍ فَإِمْكَانُهُ خَفِيَ عَلَى أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَإِتْيَانُ الرَّبِّ بِنَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ إِتْيَانِ كُلِّ رَسُولٍ وَنَبِيٍّ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِتْيَانُهُ بِاتِّحَادِهِ بِبَشَرٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِالْإِلَهِيَّةِ، بَلْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى يَدَيْهِ إِلَّا مَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يُكَلِّمُ مُوسَى وَلَمْ يَكُن مُوسَى يَرَاهُ، وَلَا يَتَّحِدُ لَا بِمُوسَى وَلَا بِغَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ أَظْهَرَ مِنَ الْآيَاتِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى مَا لَمْ يَظْهَرْ مِثْلُهُ وَلَا قَرِيبٌ مِنْهُ عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ.
فَلَوْ كَانَ هُوَ بِذَاتِهِ مُتَّحِدًا بِنَاسُوتٍ بَشَرِيٍّ لَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ إِخْبَارًا صَرِيحًا بَيِّنًا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَاتِ، وَلَكَانَ الرَّبُّ يُظْهِرُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ مَا لَمْ يُظْهِرْ عَلَى يَدِ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ، فَكَيْفَ وَالْأَنْبِيَاءُ
[ ٣ / ٣٥٨ ]
لَمْ يَنْطِقُوا فِي ذَلِكَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ، بَلِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ مَخْلُوقٌ وَلَمْ تَأْتِ آيَةٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا تَدُلُّ الْآيَاتُ عَلَى نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا النَّبِيِّ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا النَّبِيُّ: قُلْ لِصِهْيُونَ هُنَا تَفْرَحُ وَتَتَهَلَّلُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِشَعْبِهِ وَيُخَلِّصُ مَدِينَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ فِيهَا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُبَدَّدِينَ وَيَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَيُبَصِّرُونَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ خَلَاصِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ يَدَيْهِم، وَيَجْمَعُهُمْ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ.
فَيُقَالُ: هَذَا مُحْتَاجٌ أَوَّلًا أَنْ يُعْلَمَ مِنْ هَذِهِ النُّبُوَّةِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ نُقِلَ بِلَا تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ، وَلَا غَلَطٍ فِي التَّرْجَمَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ،
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ هُوَ نَظِيرُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: (جَاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْنَا، وَأَشْرَفَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِن جِبَالِ فَارَانَ) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمُتَّحِدٌ بِهِ، وَلَا أَنَّهُ حَالٌّ فِي جَبَلِ فَارَانَ، وَلَا أَنَّهُ مُتَّحِدٌ بِشَيْءٍ مِنْ طُورِ سَيْنَا، وَلَا سَاعِيرَ.
وَكَذَلِكَ هَذَا اللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَالٌّ فِي الْمَسِيحِ وَمُتَّحِدٌ بِهِ، إِذْ كِلَاهُمَا سَوَاءٌ، وَإِذَا قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ قُرْبُهُ وَدُنُوُّهُ كَتَكْلِيمِ مُوسَى، وَظُهُورِ نُورِهِ وَهُدَاهُ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي وَقَعَت، قِيلَ: وَهَكَذَا فِي الْمَسِيحِ ﵇.
وَقَوْلُهُ: وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُبَدَّدِينَ، قَدْ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ مِثْلَ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى اتِّحَادِهِ بِمُوسَى ﵇.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنِ الْأُمَمِ الْمُبَدَّدِينَ: فَيَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، فَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمَسِيحَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ مُبَدَّدِينَ فَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُبَصِّرُونَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلَاصَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ يَدَيْهِم، وَيَجْمَعُهُمْ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ، فَمِثْلُ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى اتِّحَادِهِ بِمُوسَى وَلَا حُلُولِهِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ مِنَ التَّوْرَاةِ: يَقُولُ مُوسَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تَهَابُوهُم
[ ٣ / ٣٦١ ]
وَلَا تَخَافُوهُم، لِأَنَّ اللَّهَ رَبَّكُمُ السَّائِرَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ هُوَ يُحَارِبُ عَنْكُم.
وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ مُوسَى: إِنَّ الشَّعْبَ هُوَ شَعْبُكَ، فَقَالَ: أَنَا أَمْضِي أَمَامَكَ فَارْتَحِل، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَمْضِ أَنْتَ أَمَامَنَا وَإِلَّا فَلَا تُصْعِدْنَا مِنْ هَاهُنَا، وَكَيْفَ أَعْلَمُ أَنَا وَهَذَا الشَّعْبُ أَنِّي وَجَدْتُ أَمَامَكَ نِعْمَةَ كَذَا إِلَّا بِسَيْرِكَ مَعَنَا.
وَفِي السِّفْرِ الرَّابِعِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ: إِنْ أَصْعَدْتَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِهِمْ بِقُدْرَتِكَ، فَيَقُولُونَ لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا أَنَّكَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، يَرَوْنَهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَغَمَامُكَ يُقِيمُ عَلَيْهِم، وَبِعَمُودِ غَمَامٍ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ نَهَارًا، وَبِعَمُودِ نَارٍ لَيْلًا.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
وَفِي التَّوْرَاةِ أَيْضًا: يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسَى: (إِنِّي آتٍ إِلَيْكَ فِي غِلَظِ الْغَمَامِ لِكَيْ يَسْمَعَ الْقَوْمُ مُخَاطَبَتِي لَكَ) .
ثُمَّ قَوْلُهُ: اجْمَعْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخُذْهُمْ إِلَى خِبَاءِ الْعَرَبِ يَقِفُونَ مَعَكَ حَتَّى أُخَاطِبَهُم.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ زَكَرِيَّا وَيَحُلُّ هُوَ وَهُمْ فِيكِ وَتَعْرِفِينَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكِ]
قَالُوا: وَقَالَ زَكَرِيَّا النَّبِيُّ: (افْرَحِي يَا بَيْتَ صِهْيُونَ، لِأَنِّي آتِيكِ وَأَحُلُّ فِيكِ وَأَتَرَايَا، قَالَ اللَّهُ: وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْأُمَمُ الْكَثِيرَةُ، وَيَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا وَاحِدًا، وَيَحُلُّ هُوَ وَهُمْ فِيكِ، وَتَعْرِفِينَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكِ، وَيَأْخُذُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُلْكَ مِنْ يَهُوذَا، وَيُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ إِلَى الْأَبَدِ.
فَيُقَالُ: مِثْلُ هَذَا قَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُمْ عَن إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لَهُ، وَاسْتَعْلَنَ لَهُ، وَتَرَايَا لَهُ، وَنَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى حُلُولِهِ فِيهِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
وَكَذَلِكَ إِتْيَانُهُ، وَهُوَ لَمْ يَقُل: إِنِّي أَحُلُّ فِي الْمَسِيحِ وَأَتَّحِدُ بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ عَنْ بَيْتِ صِهْيُونَ: (آتِيكِ وَأَحُلُّ فِيكِ) كَمَا قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى حُلُولِهِ فِي بَشَرٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَتَعْرِفِينَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكِ) لَمْ يُرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ حُلُولَهُ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَسْكُن بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ قَوِيٌّ، بَلْ كَانَ يَدْخُلُهَا وَهُوَ مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ حَتَّى أُخِذَ وَصُلِبَ أَوْ شِبْهُهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا حَصَلَتْ مَعْرِفَتُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ فِي الْقُلُوبِ اطْمَأَنَّتْ وَسَكَنَت.
وَكَانَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لَمَّا ظَهَرَ فِيهِ دِينُ الْمَسِيحِ ﵇ بَعْدَ رَفْعِهِ حَصَلَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَجِمَاعُ هَذَا أَنَّ النُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَسَائِرِ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ تَخُصَّ الْمَسِيحَ بِشَيْءٍ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ وَحُلُولِهِ فِيهِ كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى، بَلْ لَمْ تَخُصَّهُ إِلَّا بِمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] .
فَكُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ مُوَافِقَةٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَسَائِرُ مَا تَسْتَدِلُّ بِهِ
[ ٣ / ٣٦٥ ]
النَّصَارَى عَلَى إِلَهِيَّتِهِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ يُوجَدُ مِثْلُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ، فَتَخْصِيصُ الْمَسِيحِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَدُونَ غَيْرِهِ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ اسْمِ الِابْنِ وَالْمَسِيحِ وَمِثْلُ حُلُولِ رُوحِ الْقُدُسِ فِيهِ، وَمِثْلُ تَسْمِيَتِهِ إِلَهًا، وَمِثْلُ ظُهُورِ الرَّبِّ أَوْ حُلُولِهِ فِيهِ أَوْ سُكُونِهِ فِيهِ أَوْ فِي مَكَانِهِ.
فَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ وَمَا أَشْبَهَهَا مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ عِنْدَهُم، وَلَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ آلِهَةً.
وَلَكِنِ الْقَائِلُونَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ عَقْلًا وَنَقْلًا، وَإِنْ كَانَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَقُولُ بِهِ، فَهَؤُلَاءِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا يَحُلُّ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِهِ، مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَنُورِهِ وَهُدَاهُ وَالرُّوحِ مِنْهُ، وَمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَثَلِ الْأَعْلَى، وَالْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ.
وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ ذَاتُ الرَّبِّ، كَمَنْ يَظُنُّ أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ بِالِاسْمِ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْقَلْبِ، أَوْ نَفْسَ الْخَطِّ هُوَ نَفْسُ اللَّفْظِ، وَمَنْ يَظُنُّ أَنَّ ذَاتَ الْمَحْبُوبِ حَلَّتْ فِي ذَاتِ الْمُحِبِّ وَاتَّحَدَتْ بِهِ، أَوْ نَفْسَ الْمَعْرُوفِ الْمَعْلُومِ حَلَّ فِي ذَاتِ الْعَالِمِ الْعَارِفِ بِهِ وَاتَّحَدَ بِهِ، مَعَ الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ أَنَّ نَفْسَ الْمَحْبُوبِ الْمَعْلُومِ بَايِنٌ عَنْ ذَاتِ الْمُحِبِّ رُوحِهِ وَبَدَنِهِ، لَمْ يَحُلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي ذَاتِ الْمُحِبِّ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
[ ٣ / ٣٦٦ ]
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] .
فَالْمُؤْمِنُونَ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَيُحِبُّونَهُ وَيَعْبُدُونَهُ وَيَذْكُرُونَهُ وَيُقَالُ هُوَ فِي قُلُوبِهِم، وَالْمُرَادُ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَعِبَادَتُهُ، وَهُوَ الْمَثَلُ الْعِلْمِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْسَ ذَاتِهِ، كَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ فِي قَلْبِي، وَمَا زِلْتَ فِي قَلْبِي وَبَيْنَ عَيْنَيَّ، وَيُقَالُ:
سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ لَسْتُ أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ
وَيُقَالُ:
إِنَّ بَيْتًا أَنْتَ سَاكِنُهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى السُّرُجِ
وَمِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ:
وَمِنْ عَجَبِي أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهِمُ وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ وَهُمْ مَعِي
[ ٣ / ٣٦٧ ]
وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي وَهُمْ فِي سَوَادِهَا
وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي
وَقَالَ:
مِثَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي وَمَثْوَاكَ فِي قَلْبِي فَأَيْنَ تَغِيبُ؟
وَالْمَسَاجِدُ: هِيَ بُيُوتُ اللَّهِ الَّتِي فِيهَا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] .
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] .
فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ نُورَهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِ، كَذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْأُولَى.
وَأَمَّا الْإِتْيَانُ وَالْمَجِيءُ وَالتَّجَلِّي فَعِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسَى: إِنِّي آتِي إِلَيْكَ فِي غِلَظِ الْغَمَامِ لِكَيْ يَسْمَعَ الْقَوْمُ مُخَاطَبَتِي لَكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: اجْمَعْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخُذْهُم
[ ٣ / ٣٦٨ ]
إِلَى خِبَاءِ الْعَرَبِ يَقِفُونَ مَعَكَ حَتَّى أُخَاطِبَهُم.
وَفِي السِّفْرِ الرَّابِعِ لَمَّا كَلَّمَ مَرْيَمَ وَهَارُونَ فِي مُوسَى: (حِينَئِذٍ تَجَلَّى اللَّهُ بِعَمُودِ الْغَمَامِ قَائِمًا عَلَى بَابِ الْخِبَاءِ وَنَادَى يَا هَارُونُ وَيَا مَرْيَمُ، فَخَرَجَا كِلَاهُمَا فَقَالَ: اسْمَعَا كَلَامِي إِنِّي أَنَا اللَّهُ فِيمَا بَيْنَكُم) .
وَفِي الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ: (إِنْ أَصْعَدْتَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِهِمْ بِقُدْرَتِكَ، فَيَقُولُونَ لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا أَنَّكَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ يَرَوْنَهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ وَغَمَامُكَ يُقِيمُ عَلَيْهِم، وَبِعَمُودِ غَمَامٍ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ نَهَارًا وَبِعَمُودِ نَارٍ لَيْلًا) .
وَفِي السِّفْرِ الْخَامِسِ قَوْلُ مُوسَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: (لَا تَهَابُوهُمْ وَلَا تَخَافُوهُم، لِأَنَّ اللَّهَ رَبَّكُمُ السَّائِرَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ هُوَ يُحَارَبُ عَنْكُم) .
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ مُوسَى: (إِنَّ الشَّعْبَ هُوَ شَعْبُكَ، فَقَالَ: يَا مُوسَى أَنَا أَمْضِي أَمَامَكَ فَارْتَحِل، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَمْضِ أَنْتَ مَعَنَا وَإِلَّا فَلَا تُصْعِدْنَا مِنْ هَاهُنَا، وَكَيْفَ أَعْلَمُ أَنَا وَهَذَا الشَّعْبُ أَنِّي وَجَدْتُ أَمَامَكَ نِعْمَةَ كَذَا بِعِلْمِكَ إِلَّا بِسَيْرِكَ مَعَنَا؟) .
[ ٣ / ٣٦٩ ]
وَفِي الْمَزْمُورِ الرَّابِعِ مِنَ الزَّبُورِ عِنْدَهُمْ يَقُولُ: (وَلِيُفْرِحَ الْمُتَّكِلُونَ عَلَيْكَ إِلَى الْأَبَدِ وَيَبْتَهِجُونَ وَيَحُلُّ فِيهِمْ وَيَفْتَخِرُونَ) فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَحُلُّ فِي جَمِيعِ الصِّدِّيقِينَ، أَيْ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ لَمْ تَحُلَّ فِي الصِّدِّيقِينَ، وَكَذَلِكَ فِي رَسَائِلِ يُوحَنَّا الْإِنْجِيلِيِّ: (إِذَا أَخْفَى بَعْضُنَا بَعْضًا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَلْبَثُ فِينَا) أَيْ مَحَبَّتَهُ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ عَامُوصَ سَتُشْرِقُ الشَّمْسُ وَيَهْتَدِي بِهَا الضَّالُّونَ وَيَضِلُّ عَنْهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ]
قَالُوا: وَقَالَ عَامُوصَ النَّبِيُّ: سَتُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَهْتَدِي بِهَا الضَّالُّونَ وَيَضِلُّ عَنْهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، قَالُوا: فَالشَّمْسُ هُوَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ، وَالضَّالُّونَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ هُمُ النَّصَارَى الْمُخْتَلِفَةُ أَلْسِنَتُهُم، الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِ عَابِدِينَ الْأَصْنَامَ وَضَالِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا أَتَوْهُمُ التَّلَامِيذُ وَأَنْذَرُوهُمْ بِمَا أَوْصَاهُمُ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فَتَرَكُوا عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَاهْتَدَوْا بِاتِّبَاعِهِمُ السَّيِّدَ الْمَسِيحَ.
فَيُقَالُ: هَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنَّمَا يُنَازِعُ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَمْثَالِهِ الْيَهُودُ الْمُكَذِّبُونَ لِلْمَسِيحِ ﵇، كَمَا يُنَازِعُ كُفَّارُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَيُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ
[ ٣ / ٣٧١ ]
﵊ أَشْرَقَ نُورُهُ عَلَى الْأَرْضِ! كَمَا أَشْرَقَ قَبْلَهُ نُورُ مُوسَى ﵊، وَأَشْرَقَ بَعْدَهُ نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] (٤٥) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] .
فَسَمَّاهُ اللَّهُ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَسَمَّى الشَّمْسَ سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ أَكْمَلُ مِنَ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، فَإِنَّ الْوَهَّاجَ لَهُ حَرَارَةٌ تُؤْذِي، وَالْمُنِيرَ يُهْتَدَى بِنُورِهِ مِنْ غَيْرِ أَذًى بِوَهَجِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ:
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (٥٢) ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]
[ ٣ / ٣٧٢ ]
وَالْمُسْلِمُونَ مُقِرُّونَ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِدِينِ الْمَسِيحِ ﵇ الَّذِي لَمْ يُغَيَّرْ وَلَمْ يُبَدَّل، فَإِنَّهُ اهْتَدَى بِالْمَسِيحِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّهُ ضَالٌّ، بَلْ كَافِرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] (٥٥) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] (٥٦) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .
وَقَوْلُهُ: سَتُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَهْتَدِي بِهَا الضَّالُّونَ وَيَضِلُّ عَنْهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ - يُنَاسِبُ قَوْلَهُ فِي التَّوْرَاةِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَإِنَّ إِشْرَاقَهُ مِنْ سَاعِيرَ هُوَ ظُهُورُ نُورِهِ بِالْمَسِيحِ، كَمَا أَنَّ مَجِيئَهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا: هُوَ ظُهُورُ نُورِهِ
[ ٣ / ٣٧٣ ]
بِمُوسَى، وَاسْتِعْلَانُهُ مِن جِبَالِ فَارَانَ هُوَ ظُهُورُ نُورِهِ بِمُحَمَّدٍ.
وَبِهَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ أَقْسَمَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١] .
فَبَلَدُ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ هِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي بُعِثَ مِنْهَا الْمَسِيحُ، وَكَانَ بِهَا أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأُسْرِيَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهَا وَظَهَرَتْ بِهَا نُبُوَّتُهُ. وَطُورُ سِينِينَ الْمَكَانُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، وَهَذَا الْبَلَدُ الْأَمِينُ هُوَ بَلَدُ مَكَّةَ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ مِنْهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُهُ إِنَّهُ سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْأَرْضِ]
قَالُوا: وَقَالَ فِي السِّفْرِ الثَّالِثِ مِنْ أَسْفَارِ الْمُلُوكِ: (وَالْآنَ يَا رَبِّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ لِتُحَقِّقْ كَلَامَكَ لِدَاوُدَ، لِأَنَّهُ حَقٌّ أَنْ يَكُونَ إِنَّهُ سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْأَرْضِ، اسْمَعُوا أَيَّتُهَا الشُّعُوبُ كُلُّكُم، وَلْتُنْصِتِ الْأَرْضُ، وَكُلُّ مَنْ فِيهَا، فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهَا شَاهِدًا مِنْ بَيْتِهِ الْقُدُّوسِ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَيَنْزِلُ وَيَطَأُ عَلَى مَشَارِيقِ الْأَرْضِ فِي شَأْنِ خَطِيئَةِ بَنِي يَعْقُوبَ هَذَا كُلِّهِ.
فَيُقَالُ هَذَا السِّفْرُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيٌّ، وَأَنَّ أَلْفَاظَهُ ضُبِطَتْ وَتُرْجِمَتْ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ تَرْجَمَةً مُطَابِقَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَالُ فِيهِ مَا يُقَالُ فِي أَمْثَالِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَهُم، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهِ بِالْمَسِيحِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّ اللَّهَ سَيَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ) لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَسِيحِ، إِذْ كَانَ الْمَسِيحُ لَمْ يَسْكُنْ مَعَ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ،، بَلْ لَمَّا أَظْهَرَ الدَّعْوَةَ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مُدَّةً قَلِيلَةً،
[ ٣ / ٣٧٥ ]
وَلَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ دَعْوَى النُّبُوَّةِ فَضْلًا عَنِ الْإِلَهِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمْ يَسْكُنْ مَعَ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ، وَأَيْضًا فَإِذَا قَالُوا: سُكُونُهُ هُوَ ظُهُورُهُ فِي الْمَسِيحِ ﵇، قِيلَ لَهُم: أَمَّا الظُّهُورُ الْمُمْكِنُ الْمَعْقُولُ، كَظُهُورِ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَنُورِهِ وَذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا السُّكُونَ كَانَ بِالْمَسِيحِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَسِيحِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ ﵇، وَلَيْسَ فِي ظُهُورِهِ فِيهِ أَوْ حُلُولِ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمِثَالِهِ الْعِلْمِيِّ مَا يُوجِبُ اتِّحَادَ ذَاتِهِ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهَا شَاهِدًا)، فَيُقَالُ أَوَّلًا شُهُودُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ حُلُولَهُ، أَوِ اتِّحَادَهُ بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى الْعِبَادِ بِأَعْمَالِهِمْ كَمَا قَالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] .
وَلَفْظُ النَّصِّ: (وَلْتُنْصِتِ الْأَرْضُ، وَكُلُّ مَنْ فِيهَا فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهَا شَاهِدًا)، وَهَذَا كَمَا فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ مُوسَى لَمَّا خَاطَبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشْهَدَ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِأُمَّتِهِ لَمَّا بَلَّغَ النَّاسَ بِقَوْلِ: " أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم، فَيَقُولُ:
[ ٣ / ٣٧٦ ]
اللَّهُمَّ اشْهَد.
وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِكَوْنِ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّهَ، وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الرَّبِّ هُنَا هُوَ اللَّهُ، وَلَفْظُ الرَّبِّ يُرَادُ بِهِ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ، وَقَدْ غَايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَقَالَ هُنَاكَ: إِنَّهُ سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النَّاسِ، فَقَالَ: فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهَا شَاهِدًا، وَالْأَنْبِيَاءُ يَشْهَدُونَ عَلَى أُمَمِهِم، كَمَا قَالَ الْمَسِيحُ ﵇:
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
[ ٣ / ٣٧٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩] .
وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الرَّبُّ الشَّهِيدُ هُوَ الْمَسِيحَ، الَّذِي هُوَ النَّاسُوتُ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ مِن بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَخَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَنَزَلَ وَوَطِئَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَجْلِ خَطِيئَةِ بَنِي يَعْقُوبَ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَخْطَأُوا وَبَدَّلُوا أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الْمَسِيحَ ﵇ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَطَاعَتِهِ، فَمَنْ آمَنَ بِهِ كَانَ سَعِيدًا مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ كَانَ شَقِيًّا مُسْتَحِقًّا لِلْعَذَابِ.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ مِيخَا وَأَنْتَ يَا بَيْتَ لَحْمٍ قَرْيَةُ يَهُودَا بَيْتُ أَفْرَاتَا يَخْرُجُ لِي رَئِيسٌ الَّذِي يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ]
قَالُوا: وَقَالَ مِيخَا النَّبِيُّ: (وَأَنْتَ يَا بَيْتَ لَحْمٍ قَرْيَةُ يَهُودَا بَيْتُ أَفْرَاتَا، يَخْرُجُ لِي رَئِيسٌ الَّذِي يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا، لَكِنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تَلِدُهُ فِيهَا الْوَالِدَةُ، وَسُلْطَانُهُ مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ إِلَى أَقَاصِيهَا) .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ عَامَّةَ مَا يَذْكُرُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ
[ ٣ / ٣٧٩ ]
وَالسَّلَامُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُم، كَمَا ذَكَرُوهُ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ فِي أَمْرِ التَّثْلِيثِ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُم، وَهَكَذَا تَأَمُّلُنَا عَامَّةَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُ إِذَا تُدُبِّرَ حَقَّ التَّدَبُّرِ وُجِدَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُم، فَإِنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُدًى وَبَيَانٌ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ لَا يَتَكَلَّمُونَ بِبَاطِلٍ.
فَمَنِ احْتَجَّ بِكَلَامِهِمْ عَلَى بَاطِلٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَبِينُ بِهِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْحَقَّ لَا الْبَاطِلَ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ النُّبُوَّةِ: (مِنْكَ يَخْرُجُ لِي رَئِيسٌ)، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذَا الَّذِي يَخْرُجُ هُوَ رَئِيسُ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ، بَلْ هُوَ رَئِيسٌ لَهُ كَسَائِرِ الرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ لِلَّهِ، وَهُمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ الْمُطَاعُونَ مِثْلُ: دَاوُدَ، وَمُوسَى، وَغَيْرِهِمَا.
وَلِهَذَا قَالَ: (الَّذِي يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ)، وَلَوْ كَانَ هُوَ، لَكَانَ هُوَ رَاعِيَ شَعْبِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَهُوَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا) فَهَذَا مِثْلُ «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: " وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ " وَفِي لَفْظٍ: مَتَى كُتِبْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: " وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» "، وَفِي
[ ٣ / ٣٨٠ ]
مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي، رَأَتْ حِينَ وَلَدَتْنِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» " فَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، وَكُتِبَ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ.
وَمُرَادُهُ ﷺ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ نُبُوَّتَهُ، وَأَظْهَرَهَا وَذَكَرَ اسْمَهُ، وَلِهَذَا جُعِلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِ آدَمَ وَقَبْلَ نَفْخِ
[ ٣ / ٣٨١ ]
الرُّوحِ فِيهِ، كَمَا يُكْتَبُ رِزْقُ الْمَوْلُودِ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ، وَشَقِيٌّ هُوَ أَوْ سَعِيدٌ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِهِ، وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ فِي الْمَسِيحِ ﵇ وَهُوَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ مَذْكُورٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا.
فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» ".
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
[ ٣ / ٣٨٢ ]
وَالْأَرْضَ» ".
وَهُوَ قَدْ قَالَ: قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَقُل: إِنَّهُ كَانَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا مَعَ اللَّهِ لَمْ يَزَل، كَمَا يَقُولُ النَّصَارَى: إِنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ الْأَزَلِيَّةُ، بَلْ وَقَّتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا "، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، وَلَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ فَلَا يُوَقَّتُ بِهَذَا الْمَبْدَأِ، لَا سِيَّمَا إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِ الدُّنْيَا عِمَارَتُهَا بِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ لَا تَدْخُلُ فِيهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، بَلْ يُجْعَلُ مِنَ الْآخِرَةِ، وَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ فِي السَّمَاوَاتِ، وَيُرَادُ بِالدُّنْيَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا أَوِ الدَّارُ الدُّنْيَا.
وَلِهَذَا قَالَ: لَكِنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تَلِدُهُ فِيهَا الْوَالِدَةُ كَمَا يَظْهَرُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ أَنْ تَلِدَهُ أُمُّهُ.
وَالْوَالِدَةُ إِنَّمَا وَلَدَتِ النَّاسُوتَ، وَأَمَّا اللَّاهُوتُ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَوْلُودٌ مِنَ اللَّهِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَإِذَا قَالُوا فَهِيَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ مَعَ النَّاسُوتِ كَانَ هَذَا مَعْلُومَ الْفَسَادِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَإِذَا قِيلَ: لِمَ خُصَّ عِيسَى الْمَسِيحُ ﵇ بِالذِّكْرِ؟ قِيلَ: كَمَا خُصَّ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّ أَمْرَ الْمَسِيحِ كَانَ أَظْهَرَ وَأَعْظَمَ مِمَّنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ مُوسَى.
وَكَذَلِكَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ أَظْهَرَ وَأَعْظَمَ مِن
[ ٣ / ٣٨٣ ]
أَمْرِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَإِذَا عَظُمَ الشَّيْءُ كَانَ ظُهُورُهُ فِي الْكِتَابِ أَعْظَمَ.
وَظَنُّ بَعْضِ النَّصَارَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ وُجُودُ ذَاتِ الْمَسِيحِ، يُضَاهِي ظَنَّ طَائِفَةٍ مِنْ غُلَاةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ ذَاتَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ
وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ خُلِقَ مِنْ نُورِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوُجِدَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ خُلِقَتْ مِنْهُ حَتَّى قَدْ يَقُولُونَ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، حَتَّى قَدْ يَجْعَلُونَ مَدَدَ الْعَالَمِ مِنْهُ، وَيَرْوُونَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ وَكُلُّهَا كَذِبٌ، مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَقُولُونَ إِنَّ الْمُتَقَدِّمَ هُوَ اللَّاهُوتُ، بَلْ يَدَّعُونَ تَقَدُّمَ حَقِيقَتِهِ وَذَاتِهِ، وَيُشِيرُونَ إِلَى شَيْءٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، كَمَا تُشِيرُ النَّصَارَى إِلَى تَقَدُّمِ لَاهُوتٍ اتَّحَدَ بِهِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ مَنْ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ قَالَ: إِنِّي كُلِّي بَشَرٌ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ لَسْتُ بِبَشَرٍ فَقَد
[ ٣ / ٣٨٤ ]
كَفَرَ» " وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
فَيَجْعَلُونَ فِيهِ شَيْئًا مِنَ اللَّاهُوتِ مُضَاهَاةً لِلنَّصَارَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ (فَقُولُوا عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ)» .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ:
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] .
وَهَذَا مِنْ جِنْسِ الْغُلَاةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّبَّ يَحُلُّ فِي الصَّالِحِينَ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَى أَلْسِنَتِهِم، وَإِنَّ النَّاطِقَ فِي أَحَدِهِمْ هُوَ اللَّهُ لَا نَفْسُهُ، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَيَقُولُ أَحَدُهُم: إِنَّ الْمُوَحِّدَ هُوَ الْمُوَحَّدُ، وَيُنْشِدُونَ:
[ ٣ / ٣٨٥ ]
مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِدٍ إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ
تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتَهُ لَاحِدُ
وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ رُوحَ الْإِنْسَانِ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً، وَيَقُولُونَ: هِيَ صِفَةُ اللَّهِ فَيَجْعَلُونَ نِصْفَ الْإِنْسَانِ لَاهُوتًا، وَنِصْفَهُ نَاسُوتًا، لَكِنَّ اللَّاهُوتَ عِنْدَهُمْ هُوَ رُوحُهُ، لَا لَاهُوتٌ وَاحِدٌ كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ مَعَ قَوْلِ النَّصَارَى يَكُونُ فِي الْمَسِيحِ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنِ ادُّعِيَ فِيهِ اتِّحَادُ اللَّاهُوتِ بِهِ لَاهُوتَانِ: رُوحُهُ لَاهُوتٌ وَالْكَلِمَةُ لَاهُوتٌ ثَانٍ، وَمِنْ جِنْسِ هَؤُلَاءِ مَنْ يُنْشِدُ مَا يُحْكَى عَنِ الْحَلَّاجِ أَنَّهُ أَنْشَدَ:
سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ نَاسُوتُهُ سِرَّ سَنَا لَاهُوتِهِ الثَّاقِبِ
ثُمَّ بَدَا فِي خَلْقِهِ ظَاهِرًا فِي صُورَةِ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ
حَتَّى لَقَدْ عَايَنَهُ خَلْقُهُ كَلَحْظَةِ الْحَاجِبِ لِلْحَاجِبِ
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ نَفْسَهُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا، فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اللَّهُ أَوْ صِفَةُ اللَّهِ، بَلْ إِذَا قَالَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ رُوحَهُ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَئِذٍ: الْمُرَادُ رُوحُهُ، كَانَ هَذَا أَقْرَبَ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى، وَفِي الْجُمْلَةِ مَا يُخْبِرُ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةٍ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، عَن سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: (كُنْتُ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا) ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ
[ ٣ / ٣٨٦ ]
بِاتِّفَاقِ الْخَلَائِقِ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنِ اللَّاهُوتُ مُتَّحِدًا بِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَا يُوجِبُ اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِهِ، بَلِ الْمُسْلِمُونَ يَعْدِلُونَ فِي الْقَوْلِ، وَيُفَسِّرُونَ كَلَامَ اللَّهِ فِي كُتُبِهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَيَجْعَلُونَ كَلَامَهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا لَا يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَأَمَّا أَهْلُ الضَّلَالِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ فَيُفَضِّلُونَ الْمَفْضُولَ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَيَبْخَسُونَ الْفَاضِلَ حَقَّهُ، وَيَغْلُونَ فِي الْمَفْضُولِ وَيَبْخَسُونَ الْأَنْبِيَاءَ حُقُوقَهُم، مِثْلَ تَنْقُصِهِمْ لِسُلَيْمَانَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَطْعَنُونَ فِيهِ.
مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَانَ سَاحِرًا، وَأَنَّهُ سَحَرَ الْجِنَّ بِسِحْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سَقَطَ عَنْ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، فَيَجْعَلُونَهُ حَكِيمًا لَا نَبِيًّا، وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ تَبْرِئَةَ سُلَيْمَانَ عَنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَسَخَّرَ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، فَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ، وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، وَلَمَّا طَلَبَ مِنَ الْمَلَأِ أَنْ يَأْتُوهُ بِعَرْشِ (بِلْقِيسَ) مَلِكَةِ الْيَمَنِ، وَكَانَ هُوَ بِالشَّامِ:
[ ٣ / ٣٨٧ ]
قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] (٣٨) ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] (٣٩) ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] .
فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ عَمَدَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الشِّرْكِ فَكَتَبُوهَا وَوَضَعُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، وَقَالُوا: كَانَ سُلَيْمَانُ يُسَخِّرُ الْجِنَّ بِهَذَا، فَصَارَ هَذَا فِتْنَةً لِمَنْ صَدَّقَ بِذَلِكَ وَصَارُوا طَائِفَتَيْنِ، طَائِفَةً عَلِمَتْ أَنَّ هَذَا مِنَ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَطَعَنَتْ فِي سُلَيْمَانَ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَطَائِفَةً قَالَت: سُلَيْمَانُ نَبِيٌّ، وَإِذَا كَانَ قَدْ سَخَّرَ الْجِنَّ بِهَذَا دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، فَصَارُوا يَقُولُونَ وَيَكْتُبُونَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي فِيهَا الشِّرْكُ وَالتَّعْزِيمُ وَالْإِقْسَامُ بِالشِّرْكِ وَالشَّيَاطِينِ - مَا تُحِبُّهُ الشَّيَاطِينُ وَتَخْتَارُهُ وَيُسَاعِدُونَهُمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ مَطَالِبِ الْإِنْسِ، إِمَّا إِخْبَارًا بِأُمُورٍ غَائِبَةٍ يَخْلِطُونَ فِيهَا كَذِبًا كَثِيرًا، وَإِمَّا تَصَرُّفًا فِي بَعْضِ النَّاسِ، كَمَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ أَوْ يَمْرَضُ بِالسِّحْرِ، أَوْ تَسْرِقُ الشَّيَاطِينُ لَهُ بَعْضَ الْأَمْوَالِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إِعَانَةُ الشَّيَاطِينِ لِلْإِنْسِ عَلَى أُمُورٍ تُرِيدُهَا الْإِنْسُ، لِأَجْلِ مُطَاوَعَةِ الْإِنْسِ وَمُوَافَقَتِهِمْ لِلشَّيَاطِينِ عَلَى مَا تُرِيدُهُ الشَّيَاطِينُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُضِيفُ ذَلِكَ إِلَى سُلَيْمَانَ وَإِلَى " آصَفَ بْنِ بَرْخِيَا " وَيُصَوِّرُونَ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ يَأْخُذُونَ الرَّجُلَ الَّذِي صَارَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ إِلَى مَوَاضِعَ فَيُرُونَهُ شَخْصًا، وَيَقُولُونَ: هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، كَمَا قَدْ جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ لِمَنْ نَعْرِفُهُ مِنَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ كَانَتْ تَقْتَرِنُ بِهِمُ الشَّيَاطِينُ، وَكَانَ لَهُمْ خَوَارِقُ شَيْطَانِيَّةٌ مِنْ جِنْسِ خَوَارِقِ السَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ.
فَنَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى سُلَيْمَانَ مِنْ كَذِبِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوهُ يُسَخِّرُ الشَّيَاطِينَ بِنَوْعٍ مِنَ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ، هَؤُلَاءِ جَرَّحُوهُ، وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَهُ فَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (١٠٢) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]
[ ٣ / ٣٨٩ ]
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، مِنْ أُمُورٍ لَيْسَتْ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ، فَيُصَدِّقُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَتَصِيرُ فِتْنَةً لِطَائِفَتَيْنِ مُصَدِّقَتَيْنِ بِهَا.
طَائِفَةٍ تَقْدَحُ فِي ذَلِكَ النَّبِيِّ أَوِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بِمَا هُوَ مِنْهُ بَرِيءٌ.
وَطَائِفَةٍ تَقُولُ: إِنَّهَا تَتْبَعُهُ فِيمَ يَقُولُ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَحْكِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ تَذْكُرُ عَنْهُمْ مَا يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِم.
وَالنَّصَارَى تَجْعَلُ ذَلِكَ قُدْوَةً لَهُمْ فِيمَا يَبْتَدِعُونَهُ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي وُصِفَ بِهِ الْمَسِيحُ إِمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، أَوْ أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ - مَوْجُودٌ مِثْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمْ بِذَلِكَ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، وَلَا اتَّحَدَ اللَّاهُوتُ بِالنَّاسُوتِ، وَلَا اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يُعْبَدَ وَيُصَلَّى لَهُ وَيُسْجَدَ وَيُدْعَى كَمَا يُدْعَى اللَّهُ، وَيُضَافَ إِلَيْهِ مَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَلَيْسَ لِلْمَسِيحِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ آيَةٌ خَارِقَةٌ إِلَّا وَلِغَيْرِهِ مِثْلُهَا وَأَعْظَمُ مِنْهَا، وَلَا قِيلَ فِيهِ كَلِمَةٌ، إِلَّا قِيلَ فِي غَيْرِهِ مِثْلُهَا وَأَعْظَمُ مِنْهَا، إِلَّا مَا خَصَّهُ فِيهِ الْقُرْآنُ.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ حَبْقُوقَ النَّبِيِّ إِنَّ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يَتَرَاءَى وَيَخْتَلِطُ مَعَ النَّاسِ وَيَمْشِي مَعَهُم]
قَالُوا: وَقَالَ: حَبْقُوقُ النَّبِيُّ: (إِنَّ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يَتَرَاءَى، وَيَخْتَلِطُ مَعَ النَّاسِ، وَيَمْشِي مَعَهُم) .
وَقَالَ أَرْمِيَا النَّبِيُّ: (اللَّهُ بَعْدَ هَذَا فِي الْأَرْضِ يَظْهَرُ، وَيَنْقَلِبُ مَعَ الْبَشَرِ، فَيَقُولُ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْأَرْبَابِ) .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَثْبِيتِ نُبُوَّةِ هَذَيْنِ، وَإِلَى ثُبُوتِ النَّقْلِ عَنْهُمَا، وَثُبُوتِ التَّرْجَمَةِ الصَّحِيحَةِ الْمُطَابِقَةِ، وَبَعْدَ هَذَا يَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْكَلَامِ حُكْمَ نَظَائِرِهِ، فَفِي التَّوْرَاةِ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى - عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَلَّ فِي مُوسَى، وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَلْ قَوْلُهُ: يَتَرَاءَى هُوَ - بِمَنْزِلَةِ يَتَجَلَّى وَيَظْهَرُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ تَجَلَّى، وَتَرَاءَى لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ
[ ٣ / ٣٩١ ]
﵈ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ حَلَّتْ بِأَحَدٍ مِنْهُم، وَمَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ وَبِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَذِكْرِهِ - يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ؛ لِعِلْمِ النَّاسِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ.
وَمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ وَمَحَبَّتِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ نَفْسَ الْمَعْرُوفِ الْمَحْبُوبِ، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: أَنْتَ وَاللَّهِ فِي قَلْبِي، أَوْ فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِي، أَوْ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا زِلْتَ فِي قَلْبِي، وَمَا زِلْتَ فِي عَيْنِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ - عَلِمَ جَمِيعُ النَّاسِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَاتَهُ، فَإِذَا رَأَوْا مَنْ يَذْكُرُ عَالِمًا مَشْهُورًا أَوْ شَيْخًا مَشْهُورًا، فَيَذْكُرُ عِلْمَهُ، وَعَمَلَهُ، وَيُحْيِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ - قَالُوا: قَدْ صَارَ فُلَانٌ، يَعْنِي الْمَعْرُوفَ الْمَذْكُورَ، عِنْدَنَا وَبَيْنَ أَظْهُرِنَا لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْمُرَادِ.
وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لِمَنْ مَاتَ وَالِدُهُ: أَنَا وَالِدُكَ؛ أَيْ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَيَقُولُونَ لِلْوَلَدِ الْقَائِمِ مَقَامَ أَبِيهِ: مَنْ خَلَّفَ مِثْلَكَ مَا مَاتَ، وَإِذَا رَأَوْا عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي مَعَهُ عِلْمُهُ يَقُولُونَ: جَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ مَوْلَاهُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَقَائِمٌ مَقَامَهُ، وَإِذَا بَعَثَ الْمَلِكُ نَائِبًا قَائِمًا مَقَامَهُ يَقُولُونَ جَاءَ الْمَلِكُ الْفُلَانِيُّ، لِأَنَّ هَذَا النَّائِبَ قَائِمٌ مَقَامَهُ مُظْهِرٌ لِأَمْرِهِ، وَنَهْيِهِ، وَأَحْوَالِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ: «عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ
[ ٣ / ٣٩٢ ]
فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟، فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا جَاعَ، فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، عَبْدِي، عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» .
فَجَعَلَ جُوعَ عَبْدِهِ جُوعَهُ، وَمَرَضَهُ مَرَضَهُ، لِأَنَّ الْعَبْدَ مُوَافِقٌ لِلَّهِ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنْهُ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ لَا يَجُوعُ، وَلَا يَمْرَضُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ وَصْفَهُ بِالْجُوعِ وَالْمَرَضِ أَبْعَدُ مِنْ وَصْفِهِ بِالْمَشْيِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالِاخْتِلَاطِ بِهِم، وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْخَاصَّةِ، وَالْعَامَّةِ، وَلَا يَفْهَمُ عَاقِلٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ ذَاتَ الْمَذْكُورِ اتَّحَدَتْ بِالْآخَرِ أَوْ حَلَّتْ فِيهِ إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ كَالنَّصَارَى.
وَالنَّاسُ يَرَوْنَ الشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ، وَالْكَوَاكِبَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ الصَّافِي، وَفِي الْمِرْآةِ الْمَجْلُوَّةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَيَقُولُ أَحَدُهُم: رَأَيْتُ وَجْهَ فُلَانٍ فِي هَذِهِ الْمِرْآةِ، وَرَأَيْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فِي الْمِرْآةِ أَوْ فِي الْمَاءِ، مَعَ عِلْمِ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ نَفْسَ
[ ٣ / ٣٩٣ ]
الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا لَمْ تَحُلَّا لَا فِي الْمِرْآةِ وَلَا فِي الْمَاءِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ رُؤْيَةٌ مُقَيَّدَةٌ رَآهَا بِوَاسِطَةِ الْمِثَالِ الَّذِي تَمَثَّلَ فِي الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ شُعَاعًا مُنْعَكِسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْقَائِلِ:
إِذَا ظَهَرَ الْغَدِيرُ عَلَى صَفَاءٍ
، وَجُنِّبَ أَنْ يُحَرِّكَهُ النَّسِيمُ تَرَى فِيهِ السَّمَاءَ، بِلَا امْتِرَاءٍ كَذَاكَ الشَّمْسُ تَبْدُو وَالنُّجُومُ كَذَاكَ قُلُوبُ أَرْبَابِ التَّجَلِّي يُرَى فِي صَفْوِهَا اللَّهُ الْعَظِيمُ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ، كَمَا تُرَى الشَّمْسُ وَالنُّجُومُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي، بَلْ يَتَصَوَّرُ أَحَدُهُمْ صُورَةَ مَنْ يَعْرِفُهُ بِحُمْرَةٍ أَوْ خُضْرَةٍ أَوْ سَوَادٍ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ هَذَا هُوَ فُلَانٌ بِعَيْنِهِ، مَعَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ مِثَالُهُ الْمُطَابِقُ لِصُورَتِهِ لَا عَيْنُهُ، وَذَلِكَ لِمُمَاثَلَةِ تِلْكَ الصُّورَةِ لِصُورَتِهِ، يُرِيدُ أَنَّ هَذَا تَمْثِيلٌ مُطَابِقٌ لَهُ لَا مُخَالِفٌ.
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: " «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» " لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ رَأَى جَسَدِيِ الَّذِي فِي الْقَبْرِ، وَرُوحِي الَّتِي فِي الْجَنَّةِ - حَالَّةً فِي ذَاتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَلِهَذَا قَالَ: " «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» ".
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وَلَمَّا دَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ النَّصَارَى بِمِصْرَ، وَاسْتَخْبَرَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَإِذَا عِنْدَهُ شِبْهُ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ مُذَهَّبَةٌ، وَإِذَا فِيهَا أَبْوَابٌ صِغَارٌ فَفَتَحَ مِنْهَا بَابًا فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا رَجُلٌ طُوَالٌ أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا، فَقَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: قُلْنَا لَا، فَقَالَ: هَذَا آدَمُ.
ثُمَّ أَعَادَ، وَفَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا رَجُلٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ عَظِيمٌ لَهُ شَعْرٌ كَشَعْرِ النَّبَطِ أَحْمَرُ الْعَيْنِ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَقُلْنَا: لَا، فَقَالَ: هَذَا نُوحٌ.
ثُمَّ أَعَادَ، وَفَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، كَأَنَّهُ يَبْتَسِمُ فَقَالَ أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَقُلْنَا: لَا. فَقَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ.
ثُمَّ أَعَادَ، وَفَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، قَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: النَّبِيُّ ﷺ،
[ ٣ / ٣٩٥ ]
قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ بِدِينِكُمْ إِنَّهُ نَبِيُّكُم؟ قُلْنَا: اللَّهُ بِدِينِنَا إِنَّهُ نَبِيُّنَا كَأَنَّمَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ
ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْأَبْوَابِ، وَلَكِنِّي عَجَّلْتُهُ لَكُمْ لِأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُم.
ثُمَّ أَعَادَ، وَفَتَحَ بَابًا بَابًا، وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا مُوسَى، هَذَا هَارُونُ، هَذَا دَاوُدُ، هَذَا سُلَيْمَانُ، هَذَا عِيسَى.
وَهَذَا كُلُّهُ لِظُهُورِ الْمُرَادِ بِهِ، وَمَعْرِفَةِ النَّاسِ بِمَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ كَتَبَ اسْمَهُ فِي كِتَابٍ: هَذَا فُلَانٌ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْكِتَابِ اسْمُهُ الْمَكْتُوبُ لَا ذَاتُهُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] .
وَإِنَّمَا فِي الزُّبُرِ ذِكْرُ أَعْمَالِهِم، وَكِتَابَةُ ذَلِكَ، وَيُقَالُ فِي كِتَابَةِ الْوَثَائِقِ: هَذَا مَا أَصْدَقَ فُلَانٌ، وَهَذَا مَا يُقَاضِي عَلَيْهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَيُقَالُ: هَذَا ذِكْرُ مَا أَصْدَقَ فُلَانٌ أَوْ يُقَاضِي عَلَيْهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَيُشَارُ إِلَى الْمَوْجُودِ تَارَةً، وَإِلَى ذِكْرِهِ تَارَةً.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْكِتَابِ ذِكْرُهُ لَا عَيْنُهُ، بَلْ ذَلِكَ وُجُودُ الْخَطِّ فِي الْأَذْهَانِ الْمُطَابِقِ لِذِكْرِهِ بِاللَّفْظِ.
وَالشَّيْءُ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ، وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ، وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ، وَوُجُودٌ فِي الْبَنَانِ، وَوُجُودٌ عَيْنِيٌّ، وَعِلْمِيٌّ، وَرَسْمِيٌّ، وَلَفْظِيٌّ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ يُذْكَرُ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ مَعَ الْقَرَائِنِ وَالضَّمَائِرِ الَّتِي تُبَيِّنُ تَارَةً أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الْخَطُّ الْمُطَابِقُ لِلَّفْظِ، وَتَارَةً تَكُونُ الْإِشَارَةُ إِلَى اللَّفْظِ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْنَى.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْقَلْبِ أَقْرَبُ إِلَى الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ مِنَ اللَّفْظِ وَالْخَطِّ، فَإِذَا أُشِيرَ إِلَى مَا فِي قَلْبِ الْعَارِفِ بِعَيْنِ الْمُحِبِّ لَهُ الذَّاكِرِ لَهُ، بِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ الْمَحْبُوبُ، كَانَ أَقْرَبَ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ يَغْلِبُ الذِّكْرُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْمَحَبَّةُ عَلَى الْقَلْبِ حَتَّى يَغِيبَ بِمَوْجُودِهِ عَنْ وُجُودِهِ، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى يَقُولَ أَحَدُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ: سُبْحَانِي، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الْجُبَّةِ إِلَّا اللَّهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنْ ذَاتَ اللَّهِ ﵎ لَيْسَتِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، بَلْ فِي قَلْبِهِ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ، وَمَعْرِفَتُهُ، وَمَحَبَّتُهُ، فَغَابَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، هَذَا وَإِنْ كَانَ يَقُولُهُ الْغَالِطُ، فَيَقُولُ مَنْ لَيْسَ بِغَالِطٍ: اللَّهُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ مَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ أَرَادَ اللَّهَ فَلْيَذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّ
[ ٣ / ٣٩٧ ]
ذَاتَ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ، بَلْ مِثَالَهُ الْعِلْمِيَّ وَمَعْرِفَتَهُ وَذِكْرَهُ وَمَحَبَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَخَافُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ فَيَفْنَى بِعِبَادَتِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، وَبِطَاعَتِهِ عَنْ طَاعَةِ مَا سِوَاهُ، وَبِمَحَبَّتِهِ عَنْ مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُ.
فَمَا قِيلَ فِي الْمَسِيحِ ﵇، وَأَمْثَالِهِ مِنْ هَذَا فَهُوَ حَقٌّ، لَكِنْ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهَذَا.
وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرًا مَوْجُودًا فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِم، بَلْ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِهِم، وَلَا يُوجَدُ قَطُّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ جَعَلَ ذَاتَ اللَّهِ فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ - عُلِمَ أَنَّ النَّصَارَى تَرَكُوا الْمُحْكَمَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَتَمَسَّكُوا بِالْمُتَشَابِهِ كَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الضُّلَّالِ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْمَعْلُومُ بِالْقُلُوبِ الْمَذْكُورُ بِالْأَلْسُنِ بِالْمَوْجُودِ فِي نَفْسِهِ، فَظَنُّوا أَنَّ نَفْسَ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ هُوَ الْمَوْجُودُ الْعَيْنِيُّ، كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْغَالِطِينَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ تَارَةً، وَبِالِاتِّحَادِ أُخْرَى، وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ حُلُولِ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ فِي الْقَلْبِ، وَبَيْنَ حُلُولِ الذَّاتِ الْمَعْلُومَةِ الْمَحْبُوبَةِ.
وَلِهَذَا يَعْتَقِدُ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يُكَلِّمُونَ اللَّهَ، وَيُكَلِّمُهُم، وَيَقُولُ أَحَدُهُم: أَوْقَفَنِي، وَقَالَ لِي، وَقُلْتُ لَهُ. وَتَكُونُ مُخَاطَبَتُهُ وَمُنَاجَاتُهُ مَعَ
[ ٣ / ٣٩٨ ]
هَذَا الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الِاعْتِقَادِ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَتَمَثَّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ وَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكَ، فَيُخَاطِبُهُ وَيَظُنُّهُ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ.
وَمِنْهُم: مَنْ يَرَى عَرْشًا عَلَيْهِ نُورٌ، أَوْ يَرَى مَا يَظُنُّهُ الْمَلَائِكَةَ وَهُمْ شَيَاطِينُ، وَذَلِكَ شَيْطَانٌ.
وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ إِلَى اللَّهِ بِلَا إِذْنٍ، خِلَافَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْإِلَهُ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ هُوَ الشَّيْطَانَ، وَالَّذِينَ لَا يَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ يُخَاطِبُ أَحَدُهُمْ مَنْ فِي قَلْبِهِ، فَتُخَاطِبُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ الْعِلْمِيَّةُ، وَيُقَدِّرُ أَنَّهَا تُخَاطِبُهُ، وَيَظُنُّ ذَلِكَ مُخَاطَبَةَ الْحَقِّ لَهُ.
وَهَذَا كَالرَّجُلِ يَذْكُرُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَيُمَثِّلُهُ فِي قَلْبِهِ وَيُخَاطِبُهُ مُخَاطَبَةَ مَنْ يُعَاتِبُهُ أَوْ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، وَيُقَدِّرُ خِطَابَ تِلْكَ الصُّورَةِ، وَيَقُولُ: قُلْتُ لَكَ كَذَا، وَقُلْتَ لِي كَذَا.
وَنَفْسُ الشَّخْصِ لَا يُكَلِّمُهُ وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْمِثَالُ، كَمَا قَدْ يُصَوِّرُ صُورَةَ الْإِنْسَانِ وَيُخَاطِبُهَا الْإِنْسَانُ، وَيُقَدِّرُ ذَلِكَ مُخَاطَبَةً لِصَاحِبِ الصُّورَةِ.
وَالنَّصَارَى أَدْخَلُ فِي هَذَا مِنْ غَيْرِهِم، فَإِنَّهُمْ يُخَاطِبُونَ الصُّوَرَ الْمُمَثَّلَةَ فِي الْكَنَائِسِ كَصُورَةِ مَرْيَمَ، وَالْمَسِيحِ وَالْقِدِّيسِينَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا
[ ٣ / ٣٩٩ ]
نَقْصِدُ خِطَابَ أَصْحَابِ تِلْكَ الصُّوَرِ نَسْتَشْفِعُ بِهِم.
وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى أَلْسُنِ جَمِيعِ النَّبِيِّينَ، وَلَمْ يَشْرَعْ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ الْمَلَائِكَةَ، وَلَا الْأَنْبِيَاءَ وَلَا الصَّالِحِينَ الْأَمْوَاتَ، فَكَيْفَ بِالصُّوَرِ الْمُمَثِّلَةِ لَهُم، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ النَّاسِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذِكْرِ ظُهُورِ اللَّهِ ﷿، وَالْمُرَادُ بِهِ ظُهُورُهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالذِّكْرِ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ يُقْصَدُ بِذِكْرِ اسْمِهِ ذِكْرُ الْمُسَمَّى صَارَ يَقُولُ - مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى -: إِنَّ الْمُرَادَ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْمِ هُوَ الْمُسَمَّى، لَا أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ هُوَ الْمُسَمَّى، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، وَتَنْزِيهُ الِاسْمِ وَتَسْبِيحُهُ تَنْزِيهٌ لِلْمُسَمَّى وَتَسْبِيحٌ لَهُ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وَقَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] .
[ ٣ / ٤٠٠ ]
وَقَالَ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] .
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " «لَا تَقُومُ الْقِيَامَةُ حَتَّى لَا يُعْبَدَ لِلَّهِ اسْمٌ» "، أَيْ لَا يُعْبَدَ اللَّهُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: دَعَوْتُ اللَّهَ وَعَبَدْتُهُ، فَإِنَّمَا فِي اللَّفْظِ الِاسْمُ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْمُسَمَّى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ ظُهُورِ اللَّاهُوتِ فِي الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ ظُهُورُ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَذِكْرِهِ وَنُورِهِ وَهُدَاهُ وَرُوحِهِ - هُوَ مِمَّا يُفَسِّرُ بِهِ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ بِظُهُورِ اللَّاهُوتِ فِيهِ كَظُهُورِ نَقْشِ الْخَاتَمِ فِي الشَّمْعِ وَالطِّينِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَالَّ فِي الشَّمْعِ وَالطِّينِ هُوَ مِثَالُ نَقْشِ الْخَاتَمِ لَا أَنَّ فِي الشَّمْعِ وَالطِّينِ شَيْئًا مِنَ الْخَاتَمِ، بَلْ ظَهَرَ فِيهِ نَقْشُ الْخَاتَمِ.
وَكَذَلِكَ يَظْهَرُ نُورُ اللَّهِ وَرُوحُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَسِيحُ ﵇، بَلْ يَشْتَرِكُ هُوَ فِيهِ وَسَائِرُ الرُّسُلِ، بَلْ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ مِنْ هَذَا نَصِيبٌ بِحَسَبِ إِيمَانِهِ.
[ ٣ / ٤٠١ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا النَّبِيِّ هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ عِمَّانُوِيلَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا النَّبِيُّ: (هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ عِمَّانُوِيلَ) .
وَعِمَّانُوِيلُ: كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ تَفْسِيرُهَا بِالْعَرَبِيِّ (إِلَهُنَا مَعَنَا) فَقَدْ شَهِدَ النَّبِيُّ أَنَّ مَرْيَمَ، وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ الْمُتَّحِدَ بِالنَّاسُوتِ كِلَاهُمَا.
(فَيُقَالُ: لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ الْمُتَّحِدَ بِالنَّاسُوتِ)، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ هَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ لَيْسَ هُوَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَإِنَّهُ قَالَ: تَلِدُ ابْنًا.
وَهَذَا نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ كَمَا يُقَالُ فِي سَائِرِ النِّسَاءِ: إِنَّ فُلَانَةً وَلَدَتِ ابْنًا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ابْنٌ مِنَ الْبَنِينَ، لَيْسَ هُوَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وَالْأَرَضِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَيُدْعَى اسْمُهُ (عِمَّانُوِيلَ) فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا اسْمٌ يُوضَعُ لَهُ، وَيُسَمَّى بِهِ كَمَا يُسَمِّي النَّاسُ أَبْنَاءَهُمْ بِأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، أَوِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهُمْ بِهَا.
وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ مَا يَكُونُ مُرْتَجَلًا ارْتَجَلُوهُ.
وَمِنْهَا مَا يَكُونُ جُمْلَةً يَحْكُونَهَا، وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُسَمِّي ابْنَهُ عِمَّانُوِيلَ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْعَذْرَاءُ الْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ مَرْيَمَ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ قِصَّةً جَرَت.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلِ الْمُرَادُ بِهَا مَرْيَمُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ:
إِمَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ إِلَهَنَا مَعَنَا بِالنَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا قَدْ خُذِلُوا بِسَبَبِ تَبْدِيلِهِم، فَلَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ ﵇ بِالْحَقِّ كَانَ اللَّهُ مَعَ مَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُم، بَلْ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَلَكِنَّ اللَّهَ كَانَ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ بِالنَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]
[ ٣ / ٤٠٣ ]
وَهَذَا أَظْهَرُ، وَإِمَّا أَن (يَكُونَ) يُسَمَّى الْمَسِيحُ إِلَهًا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُسَمَّى مُوسَى إِلَهَ فِرْعَوْنَ، أَيْ هُوَ الْآمِرُ النَّاهِي لَهُ الْمُسَلَّطُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ حَرَّفَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَقَالَ: مَعْنَاهَا: اللَّهُ مَعَنَا، فَقَالَ: مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يُقَالُ لَهُم: أَهَذَا هُوَ الْقَائِلُ: أَنَا الرَّبُّ لَا إِلَهَ غَيْرِي، أَنَا أُمِيتُ وَأَنَا أُحْيِي، أَمْ هُوَ الْقَائِلُ لِلَّهِ: إِنَّكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَحْدَكَ وَالَّذِي أَرْسَلْتَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ؟ وَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بَاطِلًا، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْإِنْجِيلُ، وَجَبَ تَصْدِيقُ الْإِنْجِيلِ، وَتَكْذِيبُ مَنْ كَتَبَ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ (عِمَّانُوِيلَ) وَتَأْوِيلَهُ - (اللَّهُ مَعَنَا)، بَلْ تَأْوِيلُ عِمَّانُوِيلَ (مَعَنَا إِلَهٌ)، وَلَيْسَ الْمَسِيحُ مَخْصُوصًا بِهَذَا الِاسْمِ، بَلْ عِمَّانُوِيلُ اسْمٌ يُسَمَّى بِهِ النَّصَارَى، وَالْيَهُودُ مِنْ قَبْلِ النَّصَارَى.
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَصْرِنَا هَذَا، فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ سَمَّاهُ أَبُوهُ عِمَّانُوِيلَ يَعْنِي (شَرِيفَ الْقَدْرِ) وَكَذَلِكَ السُّرْيَانُ أَكْثَرُهُمْ يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ عِمَّانُوِيلَ.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
قُلْتُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ بِالْهِدَايَةِ، وَالنَّصْرِ، وَالْإِعَانَةِ، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُ مَعَكَ، فَإِذَا سُمِّيَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ: (اللَّهُ مَعَكَ) كَانَ هَذَا تَبَرُّكًا بِمَعْنَى هَذَا الِاسْمِ، وَإِذَا قِيلَ إِنَّ الْمَسِيحَ سُمِّيَ اللَّهَ مَعَنَا أَوْ إِلَهَنَا مَعَنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ - كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَعَ مَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ وَآمَنَ بِهِ، فَيَكُونُ اللَّهُ هَادِيَهُ وَنَاصِرَهُ وَمُعِينَهُ.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
[فَصْلٌ: فِي كَلَامِ أَشْعِيَا بِشَارَةٌ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: إِنَّ غُلَامًا وُلِدَ لَنَا، وَابْنًا أُعْطِيَنَاهُ، الَّذِي رِيَاسَتُهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، وَيُدْعَى: اسْمُهُ مَلِكًا، عَظِيمَ الْمِشْيَةِ مُسَيِّرًا عَجِيبًا، إِلَهًا قَوِيًّا مُسَلَّطًا رَئِيسَ السَّلَامَةِ فِي كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ.
فَيُقَالُ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسِيحُ ﵇، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَسِيحَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَطْلُوبِهِم، بَلْ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِهَا مُحَمَّدٌ ﷺ فَإِنَّهُ الَّذِي رِيَاسَتُهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ:
مِنْ جِهَةِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ عَلَى بَعْضِ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ عَلَامَةٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ الَّذِي أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَلَامَةُ خَتْمِهِم.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ الَّذِي يَتَقَلَّدُ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ وَيَرْفَعُهُ، إِذَا ضَرَبَ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (مُسَلَّطٌ رَئِيسٌ قَوِيُّ السَّلَامَةِ) .
وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمُؤَيَّدِ الْمَنْصُورِ الْمُسَلَّطِ رَئِيسِ السَّلَامَةِ، فَإِنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ سَلِمَ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، وَمِنَ اسْتِيلَاءِ عَدُوِّهُ عَلَيْهِ.
وَالْمَسِيحُ ﵇ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى أَعْدَائِهِ، كَمَا سُلِّطَ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ كَانَ أَعْدَاؤُهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُونَ عَلَى صَلْبِهِ، وَعِنْدَ النَّصَارَى قَدْ صَلَبُوهُ، وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَلْقَى اللَّهُ شَبَهَهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَصُلِبَ ذَاكَ الْمُشَبَّهُ، فَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ دَفَعَ اللَّهُ الصَّلْبَ عَنْهُ لَا بِقَهْرِ أَعْدَائِهِ، وَإِهْلَاكِهِمْ وَذُلِّهِمْ لَهُ، كَمَا نَصَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَعْدَائِهِ.
وَقَالَ: (فِي كُلِّ الدُّهُورِ سُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ)، وَهَذَا صِفَةُ خَاتَمِ الرُّسُلِ الَّذِي لَا يَأْتِي بَعْدَهُ نَبِيٌّ يَنْسَخُ شَرْعَهُ، وَسُلْطَانُهُ بِالْحُجَّةِ وَالْيَدِ، كَامِلٌ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِشَرْعٍ آخَرَ، وَشَرْعُهُ ثَابِتٌ بَاقٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا وَيَحُلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ رُوحُ اللَّهِ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ رَوْحُ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: يَخْرُجُ عَصَاهُ مِنْ بَيْتِ يَسِّي يَنْبُتُ نُورٌ مِنْهَا، وَيَحُلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رَوْحُ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ.
وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ يَكُونُ أَصْلُ يَسِّي آيَةً لِلْأُمَمِ، وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ، وَيَكُونُ لَهُمُ التَّاجُ وَالْكَرَامَةُ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ) .
[ ٣ / ٤٠٨ ]
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ، وَصِحَّةِ التَّرْجَمَةِ لَهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ - هُوَ حُجَّةٌ عَلَى النَّصَارَى لَا لَهُم، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ أُيِّدَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحُلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ، وَرُوحُ اللَّهِ، وَرُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، وَرُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رَوْحُ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ)، وَلَمْ يَقُلْ تَحُلُّ فِيهِ حَيَاةُ اللَّهِ - فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ حَلَّ فِيهِ اللَّهُ أَوِ اتَّحَدَ بِهِ، وَلَكِنْ جَعَلَ رُوحَ الْقُدُسِ هِيَ رُوحَ اللَّهِ، وَهِيَ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْعِلْمِ، وَهِيَ رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ.
كَمَا أَنَّ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ (أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي قُبَّةِ الزَّمَانِ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الْحِكْمَةِ رُوحُ الْفَهْمِ، رُوحُ الْعِلْمِ) .
[ ٣ / ٤٠٩ ]
فَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْهُدَى وَالنَّصْرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] .
فَقَالَ: هِيَ رُوحُ اللَّهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] .
فَمَا أَنْزَلَهُ يُسَمَّى هُدَى اللَّهِ، وَرُوحَ اللَّهِ، وَوَحْيَ اللَّهِ، وَنُورَ اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَنْبِيَاءَهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤] (٨٤) ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] (٨٥) ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] (٨٦) ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] (٨٧) ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
[ ٣ / ٤١٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] .
وَسَمَّاهُ نُورَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] .
فَهَذَا هُدَى اللَّهِ، وَنُورُ اللَّهِ هُوَ رُوحُ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
[ ٣ / ٤١١ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: " مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ ".
فَيُقَالُ: مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ كَلَامٌ وَبَعْدَهُ كَلَامٌ، وَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ فَقَط، فَإِنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ قَدْ يُرِيدُ أَنَّهُ يُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ مَنْ سَيَكُونُ سَيِّدَ الْمَلَائِكَةِ تَخْدُمُهُ وَتُكْرِمُهُ، كَمَا سَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِأَبِي الْبَشَرِ آدَمَ.
وَالنَّصَارَى يُسَلِّمُونَ أَنَّ اللَّاهُوتَ مَا هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَإِنَّمَا الْمُتَوَلِّدُ مِنَ الْبَشَرِ هُوَ النَّاسُوتُ، وَلَيْسَ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِالِاتِّفَاقِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ إِنْ قُدِّرَ سَلَامَتُهُ مِنَ التَّغْيِيرِ.
وَنَظِيرُ هَذَا مَا عِنْدَهُمْ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: (أَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ يُرْسِلُ مَلَائِكَتَهُ، وَيَجْمَعُونَ كُلَّ الْمُلُوكِ رُبًا عَلَى الْأُمَمِ فَيُلْقُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ) قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ: لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ رَبُّ
[ ٣ / ٤١٢ ]
الْأَرْبَابِ، وَلَا أَنَّهُ خَالِقُ الْمَلَائِكَةِ، بَلْ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ أَوْصَى الْمَلَائِكَةَ بِحِفْظِ الْمَسِيحِ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: (إِنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِيَحْفَظُوكَ) .
ثُمَّ شَهَادَةِ (لُوقَا) أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ لَهُ مَلَكًا مِنَ السَّمَاءِ لِيُقَوِّيَهُ، قَالَ: " وَإِذَا شَهِدَ الْإِنْجِيلُ بِاتِّفَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ بِأَنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِالْمَسِيحِ فَيَحْفَظُونَهُ، عُلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُطِيعُ لِلْمَسِيحِ بِالْأَمْرِ، وَهُوَ وَالْمَلَائِكَةُ فِي خِدْمَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ".
وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِيذِهِ: " مَنْ قَبِلَكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَقَدْ قَبِلَ مَنْ أَرْسَلَنِي ".
وَقَالَ الْمَسِيحُ: " مَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ أَنْكَرْتُهُ قُدَّامَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ ".
[ ٣ / ٤١٣ ]
وَقَالَ لِلَّذِي ضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ: " أَغْمِدْ سَيْفَكَ، وَلَا تَظُنَّ أَنْ لَا أَسْتَطِيعَ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ الْأَبَ فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جَوْقًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ".
[ ٣ / ٤١٤ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِم وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ شَيْءٌ كَثِيرٌ]
قَالُوا: وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ - شَيْءٌ كَثِيرٌ عِنْدَ النَّصَارَى جَمِيعِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ أَلْسِنَتُهُمُ الْمُفَرَّقِينَ فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ - قَوْلٌ وَاحِدٌ وَنَصٌّ وَاحِدٌ، عَلَى مَا تَسَلَّمُوهُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ حِينَ أَنْذَرُوهُمْ وَرَدُّوهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، سَلَّمُوهَا إِلَيْهِم، كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا، وَهِيَ عَلَى هَيْئَتِهَا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَوْلَ فِي سَائِرِ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنَ النُّصُوصِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، وَبَيَّنُوا مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ لِمَعَانِي الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَهُم، وَذَكَرُوا مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ - مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلَانُ قَوْلِهِم، وَأَنَّهُمْ مِمَّنْ تَرَكُوا الْمُحْكَمَ مِنَ الْآيَاتِ وَاتَّبَعُوا الْمُتَشَابِهَ، وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِم:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
[ ٣ / ٤١٥ ]
وَهَذَا كَقَوْلِ الْمَسِيحِ - ﵇ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ عِلْمِ السَّاعَةِ فَقَالَ: (لَا يَعْلَمُهَا إِنْسَانٌ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلَا الِابْنُ إِلَّا الْأَبُ فَقَط) فَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ السَّاعَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى أَنَّ اسْمَ الِابْنِ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِابْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ بِالِاتِّحَادِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الِاتِّحَادُ حَقًّا كَمَا يَزْعُمُونَ لَكَانَ الِابْنُ يَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَيَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ هُوَ اللَّهُ عِنْدَهُم، وَالنَّاسُوتُ لَا يَتَمَيَّزُ عِنْدَهُمْ عَنِ اللَّاهُوتِ فِيمَا يُوصَفُ بِهِ الْمَسِيحُ مِنْ كَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا يُحْيِي وَيُمِيتُ.
وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِيذِهِ: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَآمِنُوا بِي) وَقَالَ أَيْضًا: (مَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلَيْسَ يُؤْمِنُ بِي فَقَطْ بَلْ وَبِالَّذِي أَرْسَلَنِي)، وَهُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - اسْتَصْرَخَ اللَّهَ قَائِلًا: (إِلَهِي إِلَهِي
[ ٣ / ٤١٦ ]
انْظُرْ لِمَاذَا تَرَكْتَنِي وَتَبَاعَدْتَ عَنْ خَلَاصِي) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُم: إِنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ؛ تَسَلَّمُوهَا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا، وَهِيَ عَلَى هَيْئَتِهَا - قَوْلٌ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى صِحَّتِهِ دَلِيلًا، بَلِ ادَّعَوْا ذَلِكَ دَعْوَى مُجَرَّدَةً.
وَمِثْلُ هَذَا النَّقْلِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ، لَا سِيَّمَا إِذْ قِيلَ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: إِنَّ هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَلْسِنَةِ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِهِ إِنْجِيلًا قَدِيمًا، وَمِنْ ذَلِكَ لِسَانُ الْعَرَبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ النَّصَارَى كَثِيرُونَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَلَا تَعْرِفُ تَوْرَاةً وَلَا إِنْجِيلًا وَلَا نُبُوَّاتٍ عَرَبِيَّةً، إِلَّا مَا عُرِّبَ مِنَ النُّسَخِ الْعِبْرِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ، وَنَحْنُ نُطَالِبُهُمْ بِهَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي هِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ الَّتِي فِي زَمَنِ الْحَوَارِيِّينَ أَيْنَ هِيَ؟ وَمَنْ رَآهَا؟ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهَا كَانَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ،
[ ٣ / ٤١٧ ]
فَهَذِهِ النُّسَخُ الْيَوْمَ الْعَرَبِيَّةُ الْمَوْجُودَةُ بِأَيْدِي النَّاسِ هِيَ مِمَّا عُرِّبَ مِمَّا بِأَيْدِيهِم، وَحِينَئِذٍ فَلَا تُعْرَفُ صِحَّتُهَا إِنْ لَمْ تُعْرَفْ صِحَّةُ التَّرْجَمَةِ، وَيَثْبُتْ نَقْلُ تِلْكَ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْأَلْسُنِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالنُّبُوَّاتِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ نُسَخِ الْيَهُودِ وَالْأَنَاجِيلِ هِيَ أَرْبَعَةُ كُتُبٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇، اثْنَانِ مِمَّنْ كَتَبَهَا لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ، وَهُمَا لُوقَا، وَمُرْقُسُ، وَاثْنَانِ رَأَيَاهُ، وَهُمَا يُوحَنَّا، وَمَتَّى.
وَالنُّسَخُ إِنَّمَا كَثُرَتْ عَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَا يَنْقُلُهُ الْأَرْبَعَةُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا مَعْلُومًا، وَإِذَا كَثُرَتِ الْأَلْسُنُ بِهَا فَمِنْ بَعْدِ الْأَرْبَعَةِ، لَا أَنَّ الَّذِينَ سَمِعُوهَا مِنَ الْمَسِيحِ ﵇ تَكَلَّمُوا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، إِذِ الْحَوَارِيُّونَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ لَمْ يَكُونُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ نَقَلَهَا اثْنَانِ
[ ٣ / ٤١٨ ]
وَسَبْعُونَ، فَهُمْ نَقَلُوهَا عَمَّنْ نَقَلَهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَهُمْ إِنَّمَا يُسْنِدُونَ نَقْلَهَا إِلَى أَرْبَعَةٍ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ، بَلْ يَجُوزُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْغَلَطُ فِي بَعْضِ مَا يَنْقُلُهُ، وَمَا يُنْقَلُ مِنْ خَوَارِقِهِمْ لِلْعَادَاتِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُكَذِّبُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَدِّقُهُ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى عِصْمَتِهِم، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُمُ ادَّعَوُا النُّبُوَّةَ، وَأَقَامُوا الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى نُبُوَّتِهِم، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالصَّالِحُونَ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ كَرَامَاتٌ لَمْ تَدُلَّ كَرَامَاتُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ كَالْأَنْبِيَاءِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْغَلَطُ مَعَ ثُبُوتِ كَرَامَاتِهِم.
وَالْحَوَارِيُّونَ عِنْدَهُمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَإِنْ سَمَّوْهُمْ رُسُلًا، فَهُمْ رُسُلُ الْمَسِيحِ لَا رُسُلُ اللَّهِ ﵎.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ مِنَ الْأَقْوَالِ الصَّرِيحَةِ الْكَثِيرَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ وَأَصْرَحُ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى قَوْلِهِم.
وَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ التَّمَسُّكُ بِالصَّرِيحِ الْمُحْكَمِ، وَرَدُّ الْمُتَشَابِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَرَدُّ الْمُحْكَمِ إِلَيْهِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ هَذِهِ الْكُتُبُ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا سَوَاءٌ كَانَتْ كُلُّهَا مَنْقُولَةً عَنِ الْحَوَارِيِّينَ نَقْلًا صَحِيحًا،
[ ٣ / ٤١٩ ]
أَوْ كَانَ نُقِلَ أَكْثَرُهَا أَوْ أَكَثْرُ مِنْهَا مُتَرْجَمَةً مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ.
فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بِكُلِّ لِسَانٍ عِدَّةُ نُسَخٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا إِلَّا لِسَانٌ وَاحِدٌ مَعَ كَثْرَةِ النُّسَخِ بِهَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا أَنْ يَقْطَعَ بِأَنَّ جَمِيعَ النُّسَخِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَنَصٍّ وَاحِدٍ، كَمَا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ فِي الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، حَيْثُ قَالُوا:
(وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ كَثِيرٌ، عِنْدَ النَّصَارَى جَمِيعِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ أَلْسِنَتُهُمُ الْمُتَفَرِّقِينَ فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ، الْمُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ - قَوْلٌ وَاحِدٌ وَنَصٌّ وَاحِدٌ عَلَى مَا تَسَلَّمُوهُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَرَدُّوهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَسَلَّمُوهَا إِلَيْهِمْ كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا، وَهِيَ عَلَى هَيْئَتِهَا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا) .
فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَتَضَمَّنُ عِدَّةَ دَعَاوَى لَيْسَ فِيهَا مَا يُمَكِّنُ قَائِلَهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ تَكَلَّمُوا بِهَذَا الْكَلَامِ بِلَا عِلْمٍ، بَلْ بِالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، كَمَا هُوَ عَادَتُهُم، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُم: مَنِ الَّذِي جَمَعَ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ مِنْ جَمِيعِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ كَالْعَرَبِيِّ مَثَلًا، وَهَلْ مَيَّزَ جَمِيعَ النُّسَخِ
[ ٣ / ٤٢٠ ]
فَلَمْ يَجِدْ نُسْخَةً تَزِيدُ عَلَى نُسْخَةٍ وَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا؟
وَمَعْلُومٌ إِنْ كَانَ هَذَا مُمْكِنًا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: جَمَعَهَا جَامِعٌ وَغَيَّرَ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا، فَلَا يُمْكِنُهُمْ دَعْوَى بَقَائِهَا بِلَا تَغْيِيرٍ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَعْلَمُ مُوَافَقَةَ كُلِّ نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ هَذِهِ الْكُتُبِ لِكُلِّ نُسْخَةٍ تُوجَدُ فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ بِذَلِكَ اللِّسَانِ، فَضْلًا عَنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْسُنَ كُلَّهَا تَكَلَّمَتْ بِهَا الْحَوَارِيُّونَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى لَفْظِهِمْ إِلَى الْيَوْمِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَمْكَنَهُ جَمْعُ نُسَخِ كِتَابِ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ الْفُنُونِ مِنْ كُتُبِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ وَالنَّحْوِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، كَانَ إِمْكَانُ تَغْيِيرِ بَعْضِ أَلْفَاظِ تِلْكَ النُّسَخِ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ مُقَابَلَةِ أَلْفَاظِ كُلِّ نُسْخَةٍ بِأَلْفَاظِ تِلْكَ النُّسَخِ مِثْلَهَا.
فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ، بَلْ هُوَ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَلَا سِيَّمَا وَالْمُقَابَلَةُ إِنْ كَانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْقُلُ لِلْآخَرِ لَفْظَ
[ ٣ / ٤٢١ ]
نُسْخَتِهِ فَيَكُونُ مَدَارُ الْمُقَابِلَةِ عَلَى خَبَرٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَقْتَرِنْ بِخَبَرِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُهُ، فَقَدْ يَغْلَطَانِ أَوْ يَكْذِبَانِ جَمِيعًا.
وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِمُ الْعِلْمَ احْتَاجَتْ كُلُّ نُسْخَةٍ بِكُلِّ لِسَانٍ إِلَى أَنْ يَشْهَدَ بِلَفْظِهَا جَمْعٌ يَحْصُلُ بِهِمُ الْعِلْمُ، وَأُولَئِكَ بِأَعْيَانِهِمْ يَشْهَدُونَ بِلَفْظِ كُلِّ نُسْخَةٍ بِكُلِّ لِسَانٍ، وَيَشْهَدُونَ بِلَفْظِ كُلِّ نُسْخَةٍ، وَيَشْهَدُ لَهُمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ بِلَفْظِ النُّسْخَةِ الْأُخْرَى (وَمُوَافَقَتِهَا لَهَا، وَهَؤُلَاءِ أَوْ مِثْلُهُمْ بِمُوَافَقَةِ النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، بَلْ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ مُلُوكِ النَّصَارَى عَلَى ذَلِكَ (وَعُلَمَاءُ بِلَادِهِمْ عَلَى ذَلِكَ) لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ مِنَ النُّسَخِ مَا هُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي بِلَادٍ لَا حُكْمَ لَهُمْ عَلَيْهَا، وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ فِي بِلَادِهِمْ مِنَ النُّسَخِ مَا لَمْ يُظْهِرْهَا أَصْحَابُهَا.
فَكُلُّ مَنْ شَهِدَ مِنَ النَّصَارَى، وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِهَذِهِ الْكُتُبِ تُوَافِقُ جَمِيعَ النُّسَخِ فَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ شَهِدَ بِمَا لَا يَعْلَمُ، بَلْ شَهِدَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ بِمِثْلِ هَذَا لِنُسَخِ أَيِّ كِتَابٍ كَانَ، فَإِنَّ الْعَادَةَ الْمَعْرُوفَةَ أَنَّ نُسَخَ الْكُتُبِ تَخْتَلِفُ وَيَزِيدُ بَعْضُهَا وَيَنْقُصُ بَعْضُهَا، وَالْقُرْآنُ الْمَنْقُولُ بِالتَّوَاتُرِ لَمْ يَكُنْ الِاعْتِمَادُ فِي نَقْلِهِ عَلَى نُسَخِ الْمَصَاحِفِ، بَلْ الِاعْتِمَادُ عَلَى حِفْظِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ لَهُ فِي صُدُورِهِم.
وَلِهَذَا إِذَا وُجِدَ مُصْحَفٌ يُخَالِفُ حِفْظَ النَّاسِ أَصْلَحُوهُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَاحِفِ غَلَطٌ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْمَصَاحِفَ الَّتِي كَتَبَهَا الصَّحَابَةُ قَدْ قَيَّدَ النَّاسُ صُورَةَ الْخَطِّ وَرَسْمَهُ، وَصَارَ ذَلِكَ أَيْضًا مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ فَنَقَلُوا بِالتَّوَاتُرِ لَفْظَ الْقُرْآنِ حِفْظًا، وَنَقَلُوا رَسْمَ الْمَصَاحِفِ أَيْضًا بِالتَّوَاتُرِ.
وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي اتِّفَاقَ جَمِيعِ نُسَخِ الْمَصَاحِفِ كَمَا لَا نَدَّعِي أَنَّ كُلَّ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ لَا يَغْلَطُ، بَلْ أَلْفَاظُهُ مَنْقُولَةٌ بِالتَّوَاتُرِ حِفْظًا وَرَسْمًا فَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ غَلِطَ لِمُخَالَفَتِهِ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ، بِخِلَافِ هَذِهِ الْكُتُبِ، فَإِنَّ النَّصَارَى لَمْ يَحْفَظُوهَا كُلَّهَا فِي قُلُوبِهِمْ تَلَقِيًّا لَهَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ حِفْظًا مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ، بَلْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَحْفَظُهَا كُلَّهَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحْفَظَهَا كُلَّهَا أَهْلُ التَّوَاتُرِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ لِسَانٍ مِنْهَا مَنْ تَوَاتَرَ بِهِمْ ذَلِكَ اللِّسَانُ.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْهَا كُلَّهَا بِكُلِّ لِسَانٍ مِنْ زَمَنِ الْحَوَارِيِّينَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، بَلْ وَلَا فِي زَمَنٍ مِنَ الْأَزْمَانِ، بَلْ بَعْدَ انْتِشَارِ النَّصَارَى، وَكَثْرَتِهِم، وَتَفَرُّقِهِمْ فِي الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُهَا كُلَّهَا عَنْ قَلْبِهِ، كَمَا يَحْفَظُ صِبْيَانُ مَكَاتِبِ الْمُسْلِمِينَ الْقُرْآنَ، فَكَيْفَ يَحْفَظُهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ أَهْلُ التَّوَاتُرِ؟ فَكَيْفَ يَحْفَظُ كُلَّ لِسَانٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ أَهْلُ التَّوَاتُرِ؟
وَإِذَا كَانَ اعْتِمَادُهُمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكُتُبِ، وَهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ مَعْرِفَةُ اتِّفَاقِ جَمِيعِ النُّسَخِ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ، عُلِمَ أَنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُتَّفِقَةً عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ وَلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ جَمِيعَ نُسَخِهَا مُتَّفِقَةٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَفِيمَا قَبْلَهُ - كَلَامُ مُجَازِفٍ يَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا لَوْ قُدِّرَ إِمْكَانُهُ، فَإِنَّمَا يَكُونُ مَنْقُولًا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ فَكَيْفَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَذِبٌ؟ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي هَذَا الزَّمَانِ نُسَخُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالنُّبُوَّاتِ مُخْتَلِفَةً مُتَنَاقِضَةً.
وَالنُّسَخُ الَّتِي عِنْدَ النَّصَارَى مُخْتَلِفَةٌ، وَهِيَ أَيْضًا تُخَالِفُ نُسَخَ الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ فِي مَوَاضِعَ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قَالَتِ النَّصَارَى: نُسَخُنَا هِيَ الصَّحِيحَةُ - لَمْ يَكُنْ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ: نُسَخُنَا هِيَ الصَّحِيحَةُ.
بَلْ مَعْلُومٌ أَنَّ اعْتِنَاءَ الْيَهُودِ بِالتَّوْرَاةِ أَعْظَمُ مِنَ اعْتِنَاءِ النَّصَارَى، (ثُمَّ بَعْدَ هَذَا، مَا ذَكَرُوهُ لَا يَكْفِي إِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ نُسَخَهُمْ تُوَافِقُ النُّسَخَ الَّتِي عِنْدَ الْيَهُودِ حَتَّى السَّامِرَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ) .
وَإِنْ قَالُوا: إِذَا خَالَفَ نَقْلُ الْيَهُودِ لِنَقْلِ الْحَوَارِيِّينَ - لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ
[ ٣ / ٤٢٤ ]
لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ. كُلُّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى عِصْمَتِهِم، وَقَدْ عُرِفَ فَسَادُهُ، وَإِذَا قَالَتِ النَّصَارَى: نَحْنُ نَنْقُلُهَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ الْمَعْصُومِينَ، قَالَتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ نَنْقُلُهَا عَن مُوسَى الْمَعْصُومِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ، أَوْ عَنِ الْعَارِفِ الْمَعْصُومِ بِاتِّفَاقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالتَّوْرَاةُ بِاتِّفَاقِ الْخَلْقِ مَأْخُوذَةٌ عَن مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَهُوَ مَعْصُومٌ، وَإِنَّمَا يَطْعَنُ مَنْ يَطْعَنُ فِي نَقْلِ بَعْضِهَا لِانْقِطَاعِ التَّوَاتُرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ سَاكِنٌ، أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا غُيِّرَ حِينَئِذٍ، وَيَقُولُ بَعْضُهُم: لَمْ تُغَيَّرْ أَلْفَاظُ جَمِيعِ النُّسَخِ، وَإِنَّمَا غُيِّرَ أَلْفَاظُ بَعْضِ النُّسَخِ، وَانْتَشَرَتِ النُّسَخُ الْمُغَيَّرَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَعْرِفُوا غَيْرَهَا.
ثُمَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ نَبِيٌّ بَعْدَ نَبِيٍّ حَتَّى جَاءَ الْمَسِيحُ، وَبَعْدَ الْمَسِيحِ فَلَمْ يَزَالُوا خَلْقًا كَثِيرًا لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا عَلَى تَغْيِيرِ نُسَخِ التَّوْرَاةِ، بِخِلَافِ الْإِنْجِيلِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا نَقَلَهُ أَرْبَعَةٌ، وَمَنْ كَتَبَ التَّوْرَاةَ وَالزَّبُورَ وَالنُّبُوَّاتِ مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّمَا كَتَبُوهَا مِنَ النُّسَخِ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِي الْيَهُودِ.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وَإِذَا قَالُوا: كَانُوا مَعْصُومِينَ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَالْيَهُودُ يَنْقُلُونَهَا أَيْضًا عَنِ الْمَعْصُومِ قَبْلَ هَؤُلَاءِ، فَلَا يُمْكِنُ مَعَ هَذَا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ النُّبُوَّاتِ الَّتِي عِنْدَ النَّصَارَى تَوَاتَرَتْ عَنِ الْمَعْصُومِ أَعْظَمَ مِنْ تَوَاتُرِ مَا عِنْدَ الْيَهُودِ، بَلْ لَا يَشُكُّ الْعُقَلَاءُ الْعَادِلُونَ أَنَّ نَقْلَ حُرُوفِ التَّوْرَاةِ أَصَحُّ مِنْ نَقْلِ حُرُوفِ الْإِنْجِيلِ.
وَهَذَا أَمْرٌ يُعْرَفُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ أُخِذَتْ عَنِ الْمَعْصُومِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَكَانَتْ مَنْقُولَةً قَبْلَ الْمَسِيحِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَعْظَمَ مِنْ نَقْلِ الْإِنْجِيلِ، وَبَعْدَ الْمَسِيحِ نَقَلَهَا الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِذَا وُجِدَ مَا عِنْدَ الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ مِنْ نُسَخِ النُّبُوَّاتِ يُخَالِفُ مَا عِنْدَ النَّصَارَى فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ - كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ لَيْسَتْ أَلْفَاظُهَا مَنْقُولَةً عَنْ نَصٍّ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا مُتَوَاتِرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَلْبَتَّةَ نَصًّا، بَلْ غَايَةُ مَا يَدَّعُونَ فِيهَا الظُّهُورُ، وَهُمْ مُنَازَعُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ: بَلِ الظَّاهِرُ فِيمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ خِلَافُ قَوْلِهِم.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أُصُولَ الْإِيمَانِ الَّتِي يُؤْمِنُ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِهَا، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهَا - لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْعِلْمُ لَا يَحْصُلُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ أَصْرَحَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّثْلِيثِ، هُوَ قَوْلُهُ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بَاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ)، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَنَوْا قَوْلَهُمْ بِالتَّثْلِيثِ، وَأَثْبَتُوا لِلَّهِ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ.
وَلَفْظُ الْأَقَانِيمِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بِاتِّفَاقِهِم، بَلْ هُوَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ، قِيلَ: إِنَّهُ لَفْظٌ رُومِيٌّ مَعْنَاهُ: الْأَصْلُ، ثُمَّ أُقْنُومُ الِابْنِ تَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ عِلْمُ اللَّهِ "، وَتَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ حِكْمَةُ اللَّهِ "، وَتَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ "، وَتَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ نُطْقُ اللَّهِ "،
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وَرُوحُ الْقُدُسِ تَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ حَيَاةُ اللَّهِ " وَتَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ قُدْرَةُ اللَّهِ ".
وَالْكُتُبُ الْمَنْقُولَةُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ فِيهَا تَسْمِيَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ لَا بَاسْمِ ابْنٍ وَلَا بَاسْمِ رُوحِ الْقُدُسِ، فَلَا يُوجَدُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَمَّى عِلْمَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ وَكَلَامَهُ - ابْنًا، وَلَا سَمَّى حَيَاةَ اللَّهِ أَوْ قُدْرَتَهُ رُوحَ الْقُدُسِ، بَلْ رُوحُ الْقُدُسِ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ يُرَادُ بِهَا مَعْنًى لَيْسَ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ، كَمَا يُرَادُ بِهَا مَلَكُ اللَّهِ أَوْ مَا يُنَزِّلُهُ فِي قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ هُدَاهُ وَنُورِهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّ مَا فَسَّرُوا بِهِ قَوْلَ الْمَسِيحِ ﵇: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) - كَذِبٌ صَرِيحٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا فَسَّرُوا بِهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ كَذِبٌ صَرِيحٌ عَلَيْهِم، كَقَوْلِهِمْ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ، أَرَادُوا بِهِ إِثْبَاتَ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ ضَلَالُهُمْ فِيهِ وَافْتِرَاؤُهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَيُعْلَمُ أَنَّ إِلَهَ الثَّلَاثَةِ هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَيْسَ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ إِلَهًا آخَرَ غَيْرَ إِلَهِ إِسْحَاقَ حَتَّى لَوْ قِيلَ بِالْأَقَانِيمِ، فَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ أَحَدَ الْأَقَانِيمِ إِلَهُ هَذَا، وَالْأُقْنُومَ الْآخَرَ إِلَهُ الْآخَرِ، فَإِنَّ هَذَا
[ ٣ / ٤٢٨ ]
لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ لَا النَّصَارَى، وَلَا غَيْرِهِم، لَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَبَ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ مَثَلًا، وَالِابْنَ إِلَهُ إِسْحَاقَ، وَرُوحَ الْقُدُسِ إِلَهُ يَعْقُوبَ، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ أَنَّ الْجَمِيعَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ، لَيْسَ إِلَهُ هَذَا أُقْنُومًا وَإِلَهُ الْآخَرِ أُقْنُومًا آخَرَ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا يُفَسِّرُونَ بِهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ كَذِبٌ، لَا يَصِحُّ لَا عَلَى تَثْلِيثِهِمُ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ، وَلَا قَوْلِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ الْمُتَّبِعِينَ لِرُسُلِ اللَّهِ تَعَالَى.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
[فَصْلٌ: رَأْيُ النَّصَارَى فِي عَدَمِ إِيمَانِ الْيَهُودِ بِالْمَسِيحِ بِالرَّغْمِ مِمَّا ذُكِرَ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّبُوَّاتِ عَنْ ظُهُورِهِ]
قَالَ الْحَاكِي عَنْهُم: فَقُلْتُ لَهُم: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ النُّبُوَّاتُ عِنْدَ الْيَهُودِ، وَهُمْ مُقِرُّونَ مُعْتَرِفُونَ بِهَا أَنَّهَا حَقٌّ، وَأَنَّهَا عَتِيدَةٌ أَنْ تَكْمُلَ عِنْدَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ فَأَيُّ حُجَّةٍ لَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ؟
أَجَابُوا قَائِلِينَ: إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاصْطَفَاهُمْ عَلَى النَّاسِ لَهُ شَعْبًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَحَيْثُ كَانُوا فِي أَرْضِ مِصْرَ فِي عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ أَرْسَلَ إِلَيْهِم مُوسَى النَّبِيَّ دَلَّهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يُخَلِّصُهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ، وَيُخْرِجُهُمْ مِن مِصْرَ، وَيُرِيهِمْ أَرْضَ الْمِيعَادِ الَّتِي هِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَطَلَبَ مُوسَى مِنَ اللَّهِ، وَعَمِلَ الْعَجَائِبَ قُدَّامَ عُيُونِهِم
وَضُرِبَ أَهْلُ مِصْرَ عَشْرَ الضَّرَبَاتِ، وَهُمْ يَرَوْنَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَصْنَعُهُ لِأَجْلِهِم، وَأَخْرَجَهُمْ مِن مِصْرَ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ، وَشَقَّ لَهُمُ الْبَحْرَ، وَأَدْخَلَهُمْ فِيهِ، وَصَارَ لَهُمُ الْمَاءُ حَائِطًا عَنْ يَمِينِهِم، وَحَائِطًا عَنْ شِمَالِهِم، وَدَخَلَ فِرْعَوْنُ، وَجَمِيعُ جُنُودِهِ فِي الْبَحْرِ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْظُرُونَ ذَلِكَ فَلَمَّا بَرَزَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْبَحْرِ، وَخَلْفَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فِيهِ - أَمَرَ اللَّهُ لِمُوسَى أَنْ يَرُدَّ عَصَاهُ إِلَى الْمَاءِ فَعَادَ الْمَاءُ كَمَا كَانَ، وَغَرِقَ فِرْعَوْنُ وَجَمِيعُ جُنُودِهِ فِي الْبَحْرِ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَشْهَدُونَ ذَلِكَ
[ ٣ / ٤٣٠ ]
فَلَمَّا غَابَ عَنْهُم مُوسَى إِلَى الْجَبَلِ لِيُنَاجِيَ رَبَّهُ، وَأَخَذَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ مِنْ يَدِ اللَّهِ تَرَكُوا عِبَادَةَ اللَّهِ، وَنَسُوا جَمِيعَ أَفْعَالِهِ، وَكَفَرُوا بِهِ وَعَبَدُوا رَأْسَ الْعِجْلِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، ثُمَّ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ مِرَارًا كَثِيرَةً لَيْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَذَبَحُوا لَهَا الذَّبَائِحَ لَيْسَتْ حَيَوَانَاتٍ بَلْ بَنِيهِمْ مَعَ الْبَنَاتِ حَسْبَمَا ذُكِرَ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَجَمِيعُ أَفْعَالِهِمْ مَكْتُوبَةٌ فِي أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ قَسَاوَةَ قُلُوبِهِم، وَغِلَظَ رِقَابِهِمْ وَكُفْرَهُمْ بِهِ، وَرَأَى أَفْعَالَهُمُ النَّجِسَةَ الْخَبِيثَةَ، غَضِبَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ مَرْذُولِينَ، وَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلَهُمْ مُهَانِينَ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَلِكٌ وَلَا بِلَادٌ وَلَا نَبِيٌّ وَلَا كَاهِنٌ إِلَى الْأَبَدِ حَسْبَمَا تَنَبَّئَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَتَشْهَدُ بِهِ كُتُبُهُمُ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
وَكَذَا قَالَ اللَّهُ لِأَشْعِيَا: (اذْهَبْ إِلَى هَذَا الشَّعْبِ، فَقُلْ لَهُمْ تَسْمَعُونَ سَمَاعًا وَلَا تَفْهَمُونَ، وَيَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلَا تُبْصِرُونَ، لِأَنَّ قَلْبَ هَذَا الشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ وَقَدْ سَمِعُوا بِأَفْهَامِهِمْ سَمْعًا ثَقِيلًا، وَقَدْ غَمَّضُوا أَعْيُنَهُمْ لِئَلَّا يُبْصِرُوا بِهَا، وَسَمِعُوا بِآذَانِهِمْ وَلَا يَفْهَمُونَ بِقُلُوبِهِم، وَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَأَرْحَمُهُم) .
[ ٣ / ٤٣١ ]
وَقَالَ أَشْعِيَا: (قَالَ اللَّهُ: هَكَذَا مَقَتَتْ نَفْسِي سُبُوتَكُمْ وَرُءُوسَ شُهُورِكُمْ صَارَتْ عِنْدِي مَرْذُولَةً، وَقَالَ: (وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ اللَّهُ: سَأُبْطِلُ السُّبُوتَ وَالْأَعْيَادَ كُلَّهَا وَأُعْطِيكُمْ سُنَّةً جَدِيدَةً مُخْتَارَةً لَا كَالسُّنَّةِ الَّتِي أَعْطَيْتُهَا لِمُوسَى عَبْدِي (يَوْمَ حُورِيبَ) يَوْمَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ، بَلْ سُنَّةً جَدِيدَةً مُخْتَارَةً أَمَرَ بِهَا وَأَخْرَجَهَا مِن صِهْيُونَ) فَصِهْيُونُ هِيَ أُورْشَلِيمُ، وَالسُّنَّةُ الْجَدِيدَةُ الْمُخْتَارَةُ: هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي تَسَلَّمْنَاهَا نَحْنُ مَعْشَرَ النَّصَارَى مِنْ يَدَيِ الرُّسُلِ الْحَوَارِيِّينَ الْأَطْهَارِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن أُورْشَلِيمَ، وَدَارُوا فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ وَأَنْذَرُوا بِهَذِهِ السُّنَّةِ الْجَدِيدَةِ. فَأَيُّ بَيَانٍ يَكُونُ أَوْضَحَ وَأَصَحَّ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ، إِذْ قَدْ أَوْرَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، وَلَا سِيَّمَا وَأَعْدَاؤُنَا الْيَهُودُ الْمُخَالِفُونَ لِدِينِنَا شَهِدُوا لَنَا بِصِحَّةِ ذَلِكَ جَمِيعِهِ.
وَأَمَّا حُجَّةُ الْيَهُودِ فِي هَذِهِ النُّبُوَّاتِ يَقُولُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا حَقٌّ، وَأَنَّهَا قَوْلُ اللَّهِ لَكِنْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا عَتِيدَةٌ (فَهَذِهِ النُّبُوَّاتُ مِثْلَمَا هِيَ عِنْدَ الْيَهُودِ كَذَلِكَ هِيَ عِنْدَنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، فَيَرَاهُمْ جَمِيعُ
[ ٣ / ٤٣٢ ]
الْأُمَمِ قَوْلًا وَاحِدًا وَأَنَّهَا قَوْلُ اللَّهِ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مُصَدِّقُونَ بِهَا) أَنْ تَكْمُلَ وَتَتِمَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ، لَكِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ، وَأَنَّ الَّذِي جَاءَ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ. هَذَا قَوْلُهُم، وَكَفَاهُمْ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ وَيَفْجُرُونَ مَعَ الْكُفْرِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ كَانَ ضَالًّا مُضِلًّا، وَأَمَّا الْمَسِيحُ الْحَقُّ فَعَتِيدٌ أَنَّهُ يَأْتِي وَيُكْمِلُ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا جَاءَ، وَإِذَا جَاءَ اتَّبَعْنَاهُ وَكُنَّا أَنْصَارَهُ، وَهَذَا رَأْيُهُمْ وَاعْتِقَادُهُمْ فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ، فَمَاذَا يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا الْكُفْرِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ؟
وَلِأَجْلِ (ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ سَمَّاهُمُ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ) خِلَافِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ نُطْقَهُ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمَّا كُنَّا نَحْنُ النَّصَارَى مُتَمَسِّكِينَ بِمَا أَمَرَتْنَا بِهِ الرُّسُلُ الْأَطْهَارُ سَمَّانَا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِم، وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي اللَّهِ: ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ نَطَقَ بِهِ وَأَوْضَحَهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ يَقُولُ: (حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ
[ ٣ / ٤٣٣ ]
آدَمَ قَالَ: لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا وَمِثَالِنَا، فَمَنْ هُوَ شِبْهُهُ وَمِثَالُهُ سِوَى كَلِمَتِهِ وَرُوحِ قُدُسِهِ، وَحِينَ خَالَفَ آدَمُ وَعَصَى رَبَّهُ (هَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا) .
(وَهَذَا وَاضِحٌ أَنَّ اللَّهَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِابْنِهِ، أَيْ كَلِمَتِهِ وَرُوحِ قُدُسِهِ، وَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ يَسْتَهْزِئُ بِآدَمَ، أَيْ طَلَبَ أَنْ يَصِيرَ كَوَاحِدٍ مِنَّا) صَارَ عُرْيَانًا مُفْتَضَحًا.
وَقَالَ اللَّهُ عِنْدَمَا أَخْسَفَ بِسَدُومَ وَعَامُورَةَ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: (وَأَمْطَرَ الرَّبُّ عِنْدَ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى سَدُومَ وَعَامُورَةَ نَارًا وَكِبْرِيتًا)،
[ ٣ / ٤٣٤ ]
أَوْضَحَ بِهَذَا رُبُوبِيَّةَ الْأَبِ وَالِابْنِ بِذِكْرٍ ثَالِثٍ.
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ أَمَّا كُفْرُ الْيَهُودِ كُلِّهِمْ لَمَّا أُرْسِلَ الْمَسِيحُ ﵇ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، إِمَّا بِقَتْلِ النَّبِيِّينَ، وَإِمَّا بِتَكْذِيبِهِم، إِمَّا بِالشِّرْكِ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَفَرُوا فِيهِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ - فَهَذَا حَقٌّ.
وَهَذَا هُوَ نَظِيرُ كُفْرِ النَّصَارَى كُلِّهِمُ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَقَامَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِمَّا بِتَكْذِيبِ بَعْضِ مَا أَنْزَلَهُ، وَإِمَّا بِتَبْدِيلِهِ بِغَيْرِهِ، وَإِمَّا بِجَعْلِ مَا لَمْ يُنْزِلْهُ اللَّهُ مُنَزَّلًا مِنْهُ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ كُفْرٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿.
وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَقَامَ سُنَّةً جَدِيدَةً، وَعَهْدًا جَدِيدًا، وَهُوَ مَا بَعَثَ بِهِ الْمَسِيحَ ﵇ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا، وَفِيهَا تَحْلِيلُ بَعْضِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، كَمَا قَالَ فِي الْقُرْآنِ عَنِ الْمَسِيحِ:
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] .
فَهَذَا أَيْضًا حَقٌّ.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمُ السُّنَّةُ الْجَدِيدَةُ الْمُخْتَارَةُ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي تَسَلَّمْنَاهَا مِنْ يَدَيِ الرُّسُلِ الْأَطْهَارِ]
وَأَمَّا قَوْلُكُمُ: السُّنَّةُ الْجَدِيدَةُ الْمُخْتَارَةُ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي تَسَلَّمْنَاهَا مِنْ يَدَيِ الرُّسُلِ الْأَطْهَارِ، عَلَى مَا تَسَلَّمُوهَا هُمْ مِنَ الْمَسِيحِ ﵇.
فَيُقَالُ: لَوْ كُنْتُمْ عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ لَمْ تُغَيِّرُوهَا، لَمْ يَنْفَعْكُمُ الْمُقَامُ عَلَيْهَا إِذَا كَذَّبْتُمُ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْكُمْ وَإِلَى سَائِرِ الْخَلْقِ بِسُنَّةٍ أُخْرَى أَكْمَلَ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، كَمَا لَمْ يَنْفَعِ الْيَهُودَ، وَلَوْ تَمَسَّكُوا بِسُنَّةِ التَّوْرَاةِ، وَلَمْ يَتَّبِعُوا سُنَّةَ الْمَسِيحِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِم، بَلْ مَنْ كَذَّبَ بِرَسُولٍ وَاحِدٍ فَهُوَ كَافِرٌ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥٠] .
[ ٣ / ٤٣٦ ]
فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَتِ السُّنَّةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْمَسِيحُ ﵇ حَقًّا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لَهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .
فَمَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ كَانَ مُؤْمِنًا، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ كَانَ كَافِرًا.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] (٥٥) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] (٥٦) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] .
[ ٣ / ٤٣٧ ]
لَكِنْ غَيَّرْتُمُوهَا وَبَدَّلْتُمُوهَا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، (فَصِرْتُمْ كُفَّارًا بِتَبْدِيلِ شَرِيعَةِ الْمَسِيحِ، وَتَكْذِيبِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ)، كَمَا كَفَرَتِ الْيَهُودُ بِتَبْدِيلِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، وَتَكْذِيبِ شَرِيعَةِ الْإِنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِتَكْذِيبِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى سَائِرِ رُسُلِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ.
فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَسُنَّ لَكُمُ التَّثْلِيثَ وَالْقَوْلَ بِالْأَقَانِيمِ، وَلَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَلَا سَنَّ لَكُمُ اسْتِحْلَالَ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا تَرْكَ الْخِتَانِ، وَلَا الصَّلَاةَ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَلَا اتِّخَاذَ أَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَا الشَّرَكَ وَاتِّخَاذَ التَّمَاثِيلِ وَالصَّلِيبِ، وَدُعَاءَ الْمَوْتَى وَالْغَائِبِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِم، وَسُؤَالَهُمُ الْحَوَائِجَ، وَلَا الرَّهْبَانِيَّةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي أَحْدَثْتُمُوهَا، وَلَمْ يَسُنَّهَا لَكُمُ الْمَسِيحُ، وَلَا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا مِنْ رُسُلِ الْمَسِيحِ.
بَلْ عَامَّةُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ أُمُورٌ مُحْدَثَةٌ مُبْتَدَعَةٌ بَعْدَ الْحَوَارِيِّينَ، كَصَوْمِكُمْ خَمْسِينَ يَوْمًا زَمَنَ الرَّبِيعِ، وَاتِّخَاذِكُمْ عِيدًا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَسُنَّهُ الْمَسِيحُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَكَذَلِكَ عِيدُ الْمِيلَادِ وَالْغِطَاسِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَعْيَادِكُم.
بَلْ عِيدُ الصَّلِيبِ إِنَّمَا ابْتَدَعَتْهُ (هِيلَانَةُ) الْحَرَّانِيَّةُ الْقُنْدَقَانِيَّةُ
[ ٣ / ٤٣٨ ]
أُمُّ قُسْطَنْطِينَ، فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّهَا هِيَ الَّتِي أَظْهَرَتِ الصَّلِيبَ وَصَنَعَتْ لِوَقْتِ ظُهُورِهِ عِيدًا، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ زَمَنَ الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ.
وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَحْدَثْتُمُ الْأَمَانَةَ لِنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَأَظْهَرْتُمُ اسْتِحْلَالَ الْخِنْزِيرِ وَعُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ، وَابْتَدَعْتُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ تَعْظِيمَ الصَّلِيبِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ بِدَعِكُم، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْقَوَانِينِ الَّتِي عِنْدَكُمْ جَعَلْتُمُوهَا سُنَّةً وَشَرِيعَةً فِيهَا شَيْءٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ، وَكَثِيرٌ مِمَّا فِيهَا ابْتَدَعَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ لَا يَنْقُلُونَهُ لَا عَنِ الْمَسِيحِ وَلَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَلَى السُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْمَسِيحُ ﵇ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ وَالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ كَذِبٌ بَيِّنٌ.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
فصل: رد استدلالهم بما ورد في التوراة عن خلق آدم على رأيهم في المسيح
قوله في التوراة لنخلق خلقا على شبهنا ومثالنا
[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ عَنْ خَلْقِ آدَمَ عَلَى رَأْيِهِمْ فِي الْمَسِيحِ] [قَوْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا وَمِثَالِنَا]
قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي اللَّهِ: ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ نَطَقَ بِهِ وَأَوْضَحَهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ يَقُولُ - حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ - قَالَ اللَّهُ: (لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا وَمِثَالِنَا)، فَمَنْ هُوَ شِبْهُهُ وَمِثَالُهُ سِوَى كَلِمَتِهِ وَرُوحِهِ؟
وَحِينَ خَالَفَ آدَمُ وَعَصَى رَبَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (هَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا)، وَهُوَ قَوْلٌ وَاضِحٌ أَنَّ اللَّهَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِابْنِهِ وَرُوحِ قُدُسِهِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِهَذَا عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ هُوَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالضَّلَالِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّوْرَاةِ: (نَصْنَعُ آدَمَ كَصُورَتِنَا وَشِبْهِنَا)، وَبَعْضُهُمْ يُتَرْجِمُهُ (نَخْلُقُ بَشَرًا عَلَى صُورَتِنَا وَشِبْهِنَا) .
وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَهَذَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (عَلَى صُورَةِ
[ ٣ / ٤٤٠ ]
الرَّحْمَنِ) فَقَوْلُهُم: مَنْ هُوَ شِبْهُهُ وَمِثَالُهُ سِوَى كَلِمَتِهِ وَرُوحِهِ - مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ لَفْظُ النَّصِّ: عَلَى مِثَالِنَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِمَا ذُكِرَ عَلَى تَقْدِيرِ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، فَإِنَّهُ بِأَيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَ قَوْلُهُ: (سَنَخْلُقُ بَشَرًا عَلَى صُورَتِنَا شِبْهَنَا) لَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ الْمَسِيحَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا بِالْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ شِبْهُهُ وَمِثَالُهُ صِفَتَهُ الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ الْقَائِمُ بِهِ، وَالْحَيَاةُ الْقَائِمَةُ بِهِ مَثَلًا، فَالصِّفَةُ لَا تَكُونُ مِثْلًا لِلْمَوْصُوفِ، إِذِ الْمَوْصُوفُ هُوَ الذَّاتُ الْقَائِمَةُ بِنَفْسِهَا، وَالصِّفَةُ قَائِمَةٌ بِهَا، وَالْقَائِمُ بِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ شَيْئًا غَيْرَ صِفَاتِهِ، مِثْلَ بَدَنِ الْمَسِيحِ وَرُوحِهِ،
[ ٣ / ٤٤١ ]
فَذَلِكَ مَخْلُوقٌ لَهُ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْخَالِقِ، وَكَذَلِكَ رُوحُ الْقُدُسِ - سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ مَلَكٌ أَوْ هُدًى وَتَأْيِيدٌ - لَيْسَ مِثْلًا لِلَّهِ ﷿.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ (لِنَخْلُقْ خَلْقًا) أَوْ قَالَ: (نَخْلُقُ آدَمَ أَوْ نَخْلُقُ بَشَرًا عَلَى صُورَتِنَا وَشِبْهِنَا) وَعَلَى مَا قَالُوهُ: (نَخْلُقُ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا وَمِثَالِنَا)، وَبِكُلِّ حَالٍ، فَهَذَا وَكَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ كَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ.
وَإِنْ قَالُوا: أَرَادَ بِذَلِكَ النَّاسُوتَ الْمَسِيحِيَّ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ النَّاسُوتِ وَسَائِرِ النَّوَاسِيتِ، مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ النَّصِّ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ، وَالنَّاسُوتُ نَفْسُهُ لَيْسَ هُوَ كَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ يُشْبِهُ ذَاتَهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، مِثْلَ كَوْنِهِ قَدِيمًا بِقِدَمِهِ - لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ.
وَكَذَلِكَ اللَّفْظُ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (سَنَخْلُقُ بَشَرًا عَلَى صُورَتِنَا شِبْهَنَا) فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى التَّثْلِيثِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَشِبْهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ لِمُشَابَهَتِهِ لَهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّمَاثُلَ الَّذِي يُوجِبُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ، وَإِذَا قِيلَ هَذَا حَيٌّ
[ ٣ / ٤٤٢ ]
عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَهَذَا حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، فَتَشَابَهَا فِي مُسَمَّى الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ - لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُسَمَّى مُمَاثِلًا لِهَذَا الْمُسَمَّى فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ.
، بَلْ هُنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، الَّذِي تَشَابَهَا فِيهِ، وَهُوَ مَعْنًى كُلِّيٌّ لَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَلَا يُوجَدُ كُلِّيًّا عَامًّا مُشْتَرَكًا إِلَّا فِي عِلْمِ الْعَالِمِ.
وَالثَّانِي: مَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا، كَمَا يَخْتَصُّ الرَّبُّ بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ.
وَالثَّالِثُ: مَا يَخْتَصُّ بِهِ (ذَاكَ، كَمَا يَخْتَصُّ بِهِ) الْعَبْدُ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْمَقْدِرَةِ، فَمَا اخْتَصَّ بِهِ الرَّبُّ ﷿ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الْعَبْدُ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النَّقَائِصِ الَّتِي تَجُوزُ عَلَى صِفَاتِ الْعَبْدِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ الْعَبْدُ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الرَّبُّ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا الرَّبُّ ﷿.
وَأَمَّا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ كَالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الثَّابِتِ فِي ذِهْنِ الْإِنْسَانِ فَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ خَصَائِصَ الْخَالِقِ وَلَا خَصَائِصَ الْمَخْلُوقِ، فَالِاشْتِرَاكُ فِيهِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وَلَفْظُ التَّوْرَاةِ فِيهِ: (سَنَخْلُقُ بَشَرًا عَلَى صُورَتِنَا يُشْبِهُنَا)، لَمْ يَقُل: عَلَى مِثَالِنَا وَهُوَ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) فَلَمْ يَذْكُرِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِم كَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ ﷺ - إِلَّا لَفْظَةَ شِبْهٍ دُونَ لَفْظِ مِثْلٍ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ: هَلْ لَفْظُ الشِّبْهِ وَالْمِثْلِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ مَعْنَيَيْنِ، عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الشِّبْهِ، وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ النُّظَّارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهَا مُخْتَلِفٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لُغَةً وَشَرْعًا وَعَقْلًا، وَإِنْ كَانَ مَعَ التَّقَيُّدِ وَالْقَرِينَةِ يُرَادُ بِأَحَدِهِمَا مَا يُرَادُ بِالْآخَرِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ عَقْلِيَّةٍ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشْبِهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَلِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: فَمَنْ مَنَعَ أَنْ يُشْبِهَهُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ قَالَ: الْمِثْلُ وَالشِّبْهُ وَاحِدٌ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ يُشْبِهُ الشَّيْءُ الشَّيْءَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ،
[ ٣ / ٤٤٤ ]
وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَعْرَاضَ مِثْلَ الْأَلْوَانِ تَشْتَبِهُ فِي كَوْنِهَا أَلْوَانًا، مَعَ أَنَّ السَّوَادَ لَيْسَ مِثْلَ الْبَيَاضِ، وَكَذَلِكَ الْأَجْسَامُ وَالْجَوَاهِرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ تَشْتَبِهُ فِي مُسَمَّى الْجِسْمِ وَالْجَوْهَرِ، وَإِنْ كَانَتْ حَقَائِقُهَا لَيْسَتْ مُتَمَاثِلَةً، فَلَيْسَتْ حَقِيقَةُ الْمَاءِ مُمَاثِلَةً لِحَقِيقَةِ التُّرَابِ، وَلَا حَقِيقَةُ النَّبَاتِ مُمَاثِلَةً لِحَقِيقَةِ الْحَيَوَانِ، وَلَا حَقِيقَةُ النَّارِ مُمَاثِلَةً لِحَقِيقَةِ الْمَاءِ وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَوْهَرٌ وَجِسْمٌ وَقَائِمٌ بِنَفْسِهِ.
وَأَيْضًا فَمَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ: هَذَا يُشْبِهُ هَذَا، وَفِيهِ شِبْهٌ مِنْ هَذَا، إِذَا أَشْبَهَهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] .
وَقَالَ:
﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] .
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] .
[ ٣ / ٤٤٥ ]
فَوَصَفَ الْقَوْلَيْنِ بِالتَّمَاثُلِ، وَالْقُلُوبَ بِالتَّشَابُهِ لَا بِالتَّمَاثُلِ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ وَإِنِ اشْتَرَكَتْ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ لَا مُتَمَاثِلَةٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ») .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَهِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَيْسَتْ مُتَمَاثِلَةً، بَلْ بَعْضُهَا حَرَامٌ وَبَعْضُهَا حَلَالٌ.
وَالْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (سَنَخْلُقُ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا) لَا يَتَنَاوَلُ صِفَتَهُ، مِثْلَ كَلَامِهِ وَحَيَاتِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَحِينَئِذٍ فَهَذَا لَا يَتَنَاوَلُ اللَّاهُوتَ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ تَدَرَّعَ بِالنَّاسُوتِ، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا النَّاسُوتُ فَهُوَ كَسَائِرِ نَوَاسِيتِ النَّاسِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ، بِأَنْ يَكُونَ شَبِيهًا لِلَّهِ دُونَ سَائِرِ النَّوَاسِيتِ، فَقَوْلُهُ: فَمَنْ هُوَ الشِّبْهُ الْمَخْلُوقُ سِوَى كَلِمَتِهِ وَرُوحِهِ؟ - بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (هَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا)، وَقَوْلُهُم: إِنَّ هَذَا قَوْلٌ
[ ٣ / ٤٤٦ ]
وَاضِحٌ أَنَّ اللَّهَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِابْنِهِ رُوحِ قَدُسِهِ، فَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُجْعَلَ الَّذِي صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا لِابْنِهِ، كَانَ هَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْكَلَامِ؛ فَإِنَّ هَذَا الِابْنَ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ لِلَّهِ، فَتِلْكَ لَمْ يُخْلَقْ لَهَا أَمْرٌ يَصِيرُ كَوَاحِدٍ مِنْهُم، وَتِلْكَ لَا تُسَمَّى آدَمَ وَلَا سَمَّاهَا اللَّهُ ابْنًا.
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَاسُوتُ الْمَسِيحِ فَذَاكَ مَخْلُوقٌ مُبْتَدَعٌ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَن آدَمَ، وَآدَمُ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: آدَمُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَسِيحُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: عَصَى آدَمُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَسِيحُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: (هَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا) هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَمْرٍ قَدْ كَانَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، لَيْسَ هُوَ إِشَارَةً إِلَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِابْنِهِ الَّذِي هُوَ كَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُهُم، كَقَوْلِهِم: إِنَّهُ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ يَسْتَهْزِئُ بِآدَمَ، أَيْ أَنَّهُ طَلَبَ أَنْ يَصِيرَ كَوَاحِدٍ مِنَّا، صَارَ هَكَذَا عُرْيَانًا مُفْتَضَحًا، وَيَكُونُ شُبْهَتَهُمْ قَوْلُهُ: (مِنَّا) لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، (وَكَذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا هَذَا بِقَوْلِهِ (نَخْلُقُ بَشَرًا عَلَى صُورَتِنَا وَشِبْهِنَا) فَاحْتَجُّوا عَلَى التَّثْلِيثِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّا)، (نَحْنُ) قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ثَلَاثَةٌ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَتَرَكُوا الْمُحْكَمَ الْمُبِينَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَاحِدًا، فَإِنَّ اللَّهَ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ الْإِلَهِيَّةِ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مِثْلَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: (إِنَّا)، (نَحْنُ) لَفْظٌ يَقَعُ فِي جَمِيعِ اللُّغَاتِ عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ شُرَكَاءُ وَأَمْثَالٌ، وَعَلَى الْوَاحِدِ الْمُطَاعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَهُ أَعْوَانٌ يُطِيعُونَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ وَلَا نُظَرَاءَ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ مَا سِوَاهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ مِثْلٌ، وَالْمَلَائِكَةُ وَسَائِرُ الْعَالَمِينَ جُنُودُهُ تَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٧] .
فَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنَ الْمُلُوكِ يَقُولُ: إِنَّا، وَنَحْنُ، وَلَا يُرِيدُونَ أَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ مُلُوكٍ فَمَالِكُ الْمُلْكِ رَبُّ الْعَالَمِينَ، رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ هُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَقُولَ: إِنَّا، وَنَحْنُ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، وَلَا مَثِيلٌ، بَلْ لَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
وَأَيْضًا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَطْلُبْ أَنْ يَصِيرَ مِثْلَ اللَّهِ وَلَا مِثْلَ صِفَاتِهِ كَعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ صِفَاتِهُ بِتِلْكَ.
وَأَيْضًا فَالصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِالْمَوْصُوفِ لَا تُخَاطِبُ وَلَا تُخَاطَبُ، وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ الْمَوْصُوفُ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ خَلَقَ آدَمَ نَاسُوتَ الْمَسِيحِ، وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْبَشَرِ حَتَّى يُخَاطِبَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ صِفَتَهُ الَّتِي سَمَّوْهَا ابْنًا وَرُوحَ قُدُسٍ - كَلَامٌ بَاطِلٌ، بَلْ قَدْ يُخَاطِبُ مَلَائِكَتَهُ.
وَآدَمُ ﵇ أَرَادَ مَا أَطْمَعَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْخُلْدِ وَالْمُلْكِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] .
[ ٣ / ٤٤٩ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْأَمْرِ بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَى رُبُوبِيَّةِ الِابْنِ]
قَالُوا: وَقَالَ اللَّهُ عِنْدَمَا أَخْسَفَ بِسَدُومَ وَعَامُورَةَ، قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: (وَأَمْطَرَ الرَّبُّ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى سَدُومَ وَعَامُورَةَ - نَارًا وَكِبْرِيتًا) أَوْضَحَ بِهَذَا رُبُوبِيَّةَ الْأَبِ وَالِابْنِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ عِلْمَهُ وَحَيَاتَهُ ابْنًا وَرَبًّا تَسْمِيَةٌ بَاطِلَةٌ، لَمْ يُسَمِّ مُوسَى فِي التَّوْرَاةِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ بِاسْمِ الِابْنِ وَلَا بَاسْمِ الْأَبِ، فَدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّ مُوسَى ﵇ أَرَادَ بِالرَّبِّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، أَوْ أَنَّ لَهُ صِفَةً تُسَمَّى ابْنَهُ - كَلَامٌ بَاطِلٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ تُسَمَّى بِذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي أَمْطَرَ هُوَ الَّذِي كَانَ الْمَطَرُ عِنْدَهُ، لَمْ يَكُنِ الْمَطَرُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا (وَالْآخَرُ هُوَ الْمُمْطِرَ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ خُلِقَ أَحَدُهُمَا) مِنْ شَيْءٍ عِنْدَ الْآخَرِ، وَلَا أَنْزَلَ أَحَدُهُمَا الْمَطَرَ مِنْ سَحَابِ الْآخَرِ.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
الثَّالِثُ: أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَفْعَلُ شَيْئًا، وَلَا عِنْدَهَا شَيْءٌ، بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ، وَالذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِالصِّفَةِ هِيَ الَّتِي تَفْعَلُ، وَعِنْدَهَا يَكُونُ مَا يَكُونُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: (أَمْطَرَ الرَّبُّ مِنْ عِنْدِهِ) لَكِنْ جَعَلَ الِاسْمَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ إِظْهَارًا، لِأَنَّ الْأَمْرَ لَهُ وَحْدَهُ فِي هَذَا وَهَذَا.
وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ:
﴿الْحَاقَّةُ - مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢] .
﴿الْقَارِعَةُ - مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ - ٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] .
﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] .
وَاللَّهُ هُوَ الْمُنْزِلُ، وَلَمْ يَقُلْ مِنِّي.
[ ٣ / ٤٥١ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا وَرَدَ عَنْ دَاوُدَ عَلَى رُبُوبِيَّةِ الْمَسِيحِ]
قَالُوا: نَذْكُرُ ثَالِثًا، وَقَالَ دَاوُدُ فِي الزَّبُورِ فِي الْمَزْمُورِ الْمِائَةِ وَالتِّسْعَةِ قَائِلًا: (قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ تَحْتَ مَوْطَأِ قَدَمَيْكَ) .
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِـ (رَبِّي) شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَمِّ دَاوُدُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ رَبًّا وَلَا ابْنًا، وَلَا قَالَ أَحَدٌ لِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ: يَا رَبِّ ارْحَمْنِي، وَلَا قَالَ لِعِلْمِ اللَّهِ أَوْ كَلَامِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ: يَا رَبِّ، وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَ صِفَاتِ اللَّهِ رَبًّا، وَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الرَّبِّ، فَكَيْفَ وَنَاسُوتُهُ أَبْعَدُ عَنِ اللَّاهُوتِ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ؟
فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ لَا اللَّاهُوتَ وَلَا النَّاسُوتَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي، فَأَضَافَ إِلَيْهِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ
[ ٣ / ٤٥٢ ]
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَعَامَّةُ مَا عِنْدَ النَّصَارَى مِنَ الْغُلُوِّ أَنْ يَقُولُوا: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَيَجْعَلُونَهُ خَالِقًا، أَمَّا أَنْ يَجْعَلُوهُ أَحَقَّ مِنَ الْأَبِ بِكَوْنِهِ رَبَّ دَاوُدَ، فَهَذَا لَمْ يَقُولُوهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا ذِكْرُ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ، غَايَتُهُ لَوْ كَانَ كَمَا تَأَوَّلُوهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ذِكْرُ الِابْنِ، وَأَمَّا الْأَقَانِيمُ الثَّلَاثَةُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي بِأَيْدِيهِم، فَضْلًا عَنِ الْقُرْآنِ لَا بِلَفْظِهَا وَلَا مَعْنَاهَا، بَلِ ابْتَدَعُوا لَفْظَ الْأُقْنُومِ، وَعَبَّرُوا بِهِ عَمَّا جَعَلُوهُ مَدْلُولَ كُتُبِ اللَّهِ، وَهِيَ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَكَانُوا فِي ذَلِكَ مُتَرْجِمِينَ لِكَلَامِ اللَّهِ، وَهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهُ، وَلَا عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: لِرَبِّي، وَهَذَا يُرَادُ بِهِ السَّيِّدُ، كَمَا قَالَ يُوسُفُ:
﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] .
وَقَالَ لِغُلَامِ الْمَلِكِ:
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] .
وَلِهَذَا ذُكِرَ الْأَوَّلُ مُطْلَقًا وَالثَّانِي مُقَيَّدًا، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَقَالَ اللَّهُ لِسَيِّدِي: قَالَ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِسَيِّدِي، وَسَمَّاهُ سَيِّدًا تَوَاضُعًا مِن دَاوُدَ وَتَعْظِيمًا لَهُ، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
[فَصْلٌ: قَوْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ الَّذِي قَالَ لِي أَنْتَ ابْنِي وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ]
قَالُوا: نَذْكُرُ رَابِعًا، وَقَالَ فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: (الَّذِي قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ) .
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَةُ صِفَاتِ اللَّهِ - عِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ - ابْنًا، وَلَا فِيهِ ذِكْرُ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِشَيْءٍ مِمَّا تَدَّعُونَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ هُوَ سَمَّى دَاوُدَ ابْنَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ اسْمَ الِابْنِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمَسِيحِ ﵇، بَلْ سَمَّى غَيْرَهُ مِنْ عِبَادِهِ ابْنًا، فَعُلِمَ أَنَّ اسْمَ الِابْنِ لَيْسَ اسْمًا لِصِفَاتِهِ، بَلْ هُوَ اسْمٌ لِمَنْ رَبَّاهُ مِنْ عَبِيدِهِ.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكُونُ تَسْمِيَةُ الْمَسِيحِ ابْنًا لِكَوْنِ الرَّبِّ أَوْ صِفَتِهِ اتَّحَدَتْ بِهِ، بَلْ كَمَا سَمَّى دَاوُدَ ابْنًا، وَكَمَا سَمَّى إِسْرَائِيلَ ابْنًا فَقَالَ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) .
وَهَذَا فِي كُتُبِهِم، كَمَا ذُكِرَ، (فَإِنْ كَانَ مَا فِي كُتُبِهِمْ قَوْلَ اللَّهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُرَبَّى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ قَوْلَ غَيْرِ الْمَعْصُومِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ) يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ هَذَا الْفِعْلِ، وَعِنْدَهُمْ تَوَلُّدُ الْكَلِمَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الِابْنَ مِنَ الْأَبِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، كَمَا قَالُوا فِي أَمَانَتِهِم (وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ، الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ نُورٍ مِنْ نُورِ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مَوْلُودٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ) .
فَهَذَا الِابْنُ عِنْدَهُمْ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، وَذَاكَ وُلِدَ
[ ٣ / ٤٥٥ ]
فِي يَوْمٍ خَاطَبَهُ بَعْدَ خَلْقِ دَاوُدَ فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْمُحْدَثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْقَدِيمِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَبُ فِي لُغَتِهِمْ هُوَ الرَّبَّ الَّذِي يُرَبِّي عَبْدَهُ، أَعْظَمَ مِمَّا يُرَبِّي الْأَبُ ابْنَهُ، كَانَ مَعْنَى لَفْظِ الْوِلَادَةِ مِمَّا يُنَاسِبُ مَعْنَى هَذِهِ الْأُبُوَّةِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: الْيَوْمَ جَعَلْتُكَ مَرْحُومًا مُصْطَفًى مُخْتَارًا.
وَالنَّصَارَى قَدْ يَجْعَلُونَ الْخِطَابَ الَّذِي هُوَ ضَمِيرٌ لِغَيْرِ الْمَسِيحِ، يُرَادُ بِهِ الْمَسِيحُ، فَقَدْ يَقُولُونَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْمَسِيحُ، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ النَّاسُوتُ الْمَخْلُوقُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالِابْنِ، لِقَوْلِهِ (وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ) .
وَاللَّاهُوتُ عِنْدَهُمْ مَوْلُودٌ مِنْ قَبْلِ الدُّهُورِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ يَوْمَ وِلَادَتِهِ، فَالْمَعْنَى خَلَقْتُكَ، وَإِنْ كَانَ يَوْمَ اصْطَفَاهُ، فَالْمُرَادُ الْيَوْمَ اصْطَفَيْتُكَ وَأَحْبَبْتُكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: الْيَوْمَ جَعَلْتُكَ وَلَدًا وَابْنًا، عَلَى لُغَتِهِم.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لِمُوسَى وَمَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ مِنْ تَعَدُّدِ أُلُوهِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ]
قَالُوا: نَذْكُرُ خَامِسًا، وَفِي السِّفْرِ الثَّانِي مِنَ التَّوْرَاةِ: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الْعُلَيْقَةِ قَائِلًا: (أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ)، وَلَمْ يَقُلْ أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، بَلْ كَرَّرَ اسْمَ الْإِلَهِ ثَلَاثَ دُفُوعٍ قَائِلًا: أَنَا إِلَهٌ وَإِلَهٌ؛ لِتَحَقُّقِ مَسْأَلَةِ الثَّلَاثِ أَقَانِيمَ فِي لَاهُوتِهِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهَذَا عَلَى الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَفْسَدِ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِلَفْظِ الْإِلَهِ أُقْنُومُ الْوُجُودِ، وَبِلَفْظِ الْإِلَهِ مَرَّةً ثَانِيَةً أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَبِالثَّالِثِ أُقْنُومُ الْحَيَاةِ، لَكَانَ الْأُقْنُومُ الْوَاحِدُ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأُقْنُومُ الثَّانِي إِلَهَ إِسْحَاقَ، وَالْأُقْنُومُ الثَّالِثُ إِلَهَ يَعْقُوبَ، فَيَكُونُ
[ ٣ / ٤٥٧ ]
كُلٌّ مِنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ إِلَهَ أَحَدِ الْأَنْبِيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَالْأُقْنُومَيْنِ لَيْسَا بِإِلَهَيْنِ لَهُ.
وَهَذَا كُفْرٌ عِنْدَهُم، وَعِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَأَيْضًا فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْآلِهَةُ ثَلَاثَةً، وَهُمْ يَقُولُونَ: إِلَهٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ هُمْ إِذَا قَالُوا: كُلٌّ مِنَ الْأَقَانِيمِ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَيَجْعَلُونَ الْجَمِيعَ إِلَهَ كُلِّ نَبِيٍّ، فَإِذَا احْتَجُّوا بِهَذَا النَّصِّ عَلَى قَوْلِهِمْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ إِلَهُ كُلِّ نَبِيٍّ، لَيْسَ هُوَ إِلَهَ النَّبِيِّ الْآخَرِ، مَعَ كَوْنِ الْآلِهَةِ ثَلَاثَةً.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَرَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، أَفَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ لَيْسَ هُوَ رَبَّ الْأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ: إِلَهُ مُوسَى وَإِلَهُ مُحَمَّدٍ، مَعَ قَوْلِنَا: إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، (أَفَتَكُونُ الْآلِهَةُ خَمْسَةً، وَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي)، قَالُوا: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
أَفَتَرَاهُ أَثْبَتَ إِلَهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِلَهُهُ، وَالْآخَرُ إِلَهُ الثَّلَاثَةِ؟ !
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَطْفَ يَكُونُ تَارَةً لِتَغَايُرِ الذَّوَاتِ، وَتَارَةً لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] (١) ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] (٢) ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] (٣) ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ٤] (٤) ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥] .
وَالَّذِي خَلَقَ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ وَأَخْرَجَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
وَهُوَ هُوَ سُبْحَانَهُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لِقَوْمِهِ:
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٧٥] (٧٥) ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٦] (٧٦) ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] (٧٧) ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] (٧٨) ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] (٧٩) ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] (٨٠) ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] (٨١) ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]
وَالَّذِي خَلَقَهُ هُوَ الَّذِي يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
فَقَوْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ: إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ، وَإِلَهُ يَعْقُوبَ، هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِثَلَاثَةٍ، بَلْ يُقَالُ فِي الِاثْنَيْنِ وَالْأَرْبَعَةِ وَالْخَمْسَةِ بِحَسَبِ مَا يَقْصِدُ الْمُتَكَلِّمُ ذِكْرَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَفِي هَذَا مِنَ الْفَائِدَةِ مَا لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَمْ يُفِدْ إِلَّا أَنَّهُ مَعْبُودُ الثَّلَاثَةِ، لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ مُسْتَقِلِّينَ، كُلٌّ مِنْهُمْ عَبَدَهُ عِبَادَةً اخْتَصَّ بِهَا، لَمْ تَكُنْ هِيَ نَفْسَ عِبَادَةِ الْأَوَّلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ دَلَّ عَلَى عِبَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ بِاللُّزُومِ، وَإِذَا قَالَ: وَإِلَهٌ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَعْبُودُ كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَأَعَادَهُ بِاسْمِ الْإِلَهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْعِبَادَةِ دَلَالَةً بِاللَّفْظِ الْمُتَضَمِّنِ لَهَا، وَفِي ذَلِكَ مِنْ ظُهُورِ الْمَعْنَى لِلسَّامِعِ وَتَفَرُّعِهِ بِصُورَةٍ لَهُ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ - مَا لَيْسَ فِي دَلَالَةِ الْمَلْزُومِ.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِشَهَادَةِ أَشْعِيَا بِتَحْقِيقِ الثَّالُوثِ]
قَالُوا: وَكَذَلِكَ شَهِدَ (أَشْعِيَا) بِتَحَقُّقِ الثَّالُوثِ بِوَحْدَانِيَّةِ جَوْهَرِهِ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (رَبُّ الْقُوَّاتِ)، وَبُقُولِهِ: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْمَزَامِيرِ شَيْءٌ كَثِيرٌ حَتَّى الْيَهُودُ يُقِرُّونَ هَذِهِ النُّبُوَّاتِ، وَلَا يَعْرِفُونَ لَهَا تَأْوِيلًا، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، وَلَا يُنْكِرُونَ مِنْهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا قُلُوبُهُمْ مَغْلُوقَةٌ عَنْ فَهْمِهِ لِقَسَاوَتِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا فِي كَنِيسَتِهِمْ كُلَّ سَبْتٍ يَقِفُ
[ ٣ / ٤٦١ ]
الْحَرَّانُ أَمَامَهُم، وَيَقُولُ كَلَامًا عِبْرَانِيًّا هَذَا تَفْسِيرُهُ، وَلَا يَجْحَدُونَهُ، (نُقَدِّسُكَ، وَنُعَظِّمُكَ، وَنُثَلِّثُ لَكَ تَقْدِيسًا مُثَلَّثًا كَالْمَكْتُوبِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ) .
فَيَصْرُخُ الْجَمِيعُ مُجَاوِبِينَ: (قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْقُوَّاتِ، وَرَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
فَمَا أَوْضَحَ إِقْرَارَهُمْ بِالثَّالُوثِ، وَأَشَدَّ كُفْرَهُمْ بِمَعْنَاهُ، فَنَحْنُ لِأَجْلِ هَذَا الْبَيَانِ الْوَاضِحِ الَّذِي قَالَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ فَجَعَلُوهُ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، طَبِيعَةً وَاحِدَةً، إِلَهًا وَاحِدًا، رَبًّا وَاحِدًا، خَالِقًا وَاحِدًا، وَهُوَ الَّذِي نَقُولُهُ: أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ قُدُسٍ.
وَالْجَوَابُ: أَمَّا مَا فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مِنْ تَثْنِيَةِ اسْمِ الرَّبِّ عِنْدَ إِضَافَتِهِ إِلَى مَخْلُوقٍ آخَرَ فَهُوَ مِنْ نَمَطِ تَثْنِيَةِ اسْمِ الْإِلَهِ،
[ ٣ / ٤٦٢ ]
وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْأَرْبَابِ وَالْآلِهَةِ، وَلِهَذَا لَا يَقْتَضِي جَعْلَهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعَةً إِذَا ذُكِرَ اللَّفْظُ مَرَّتَيْنِ وَأَرْبَعَةً.
فَكَذَلِكَ إِذَا ذُكِرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَرْبَابَ ثَلَاثَةٌ، وَهُمْ أَيْضًا لَا يَقُولُونَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَابٍ وَثَلَاثَةِ آلِهَةٍ فَلَوْ كَانَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَابٍ وَثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، لَدَلَّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِم، بَلْ هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُثْبِتُونَ إِلَهًا وَاحِدًا، وَلَكِنَّهُمْ يُنَاقِضُونَ فَيُصَرِّحُونَ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَيَقُولُونَ هُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ.
وَالْكُتُبُ لَا تَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمُ الْمُتَنَاقِضِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ اعْتِرَافِ الْيَهُودِ بِأَلْفَاظِ هَذِهِ النُّبُوَّاتِ، وَدَعْوَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لَهَا تَأْوِيلًا، فَإِنْ أَرَادُوا بِالتَّأْوِيلِ تَفْسِيرَهَا وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا، فَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى عَلَى الصِّبْيَانِ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِم.
وَلَكِنَّ النَّصَارَى ادَّعَوْا مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَإِنْ أَرَادُوا بِالتَّأْوِيلِ مَعْنًى يُخَالِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ فَهَذَا إِنَّمَا
[ ٣ / ٤٦٣ ]
يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ ظَاهِرُهُ مَعْنًى بَاطِلًا، لَا يَجُوزُ إِرَادَتُهُ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرُوا هُنَا مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَلِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ يَكْثُرُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَفْهَمُ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَرْبَابٍ أَوْ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ قَوْلًا مُخْتَلِفًا يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ، وَمِثْلُ هَذَا مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الْكَلَامِ يُقَالُ: هَذَا أَمِيرُ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ، وَأَمِيرُ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ، وَأَمِيرُ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ، وَهُوَ أَمِيرٌ وَاحِدٌ.
وَيُقَالُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْأُمِّيِّينَ، وَرَسُولٌ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَرَسُولٌ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَهُوَ رَسُولٌ وَاحِدٌ.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَوْلِهِ نُقَدِّسُكَ وَنُعَظِّمُكَ وَنُثَلِّثُ لَكَ تَقْدِيسًا مُثَلَّثًا كَالْمَكْتُوبِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ أَشْعِيَا]
وَأَمَّا قَوْلُهُم: (نُقَدِّسُكَ، وَنُعَظِّمُكَ، وَنُثَلِّثُ لَكَ تَقْدِيسًا مُثَلَّثًا، كَالْمَكْتُوبِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ أَشْعِيَا) .
وَقَوْلُهُم: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ الْقُوَّاتِ، وَرَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فَيُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُثَلَّثَ هُوَ نَفْسُ التَّقْدِيسِ لَا نَفْسُ الْإِلَهِ الْمُقَدَّسِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُم: (قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ) . قَدَّسُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: (نُقَدِّسُكَ، وَنُثَلِّثُ لَكَ تَقْدِيسًا مُثَلَّثًا) . فَنَصَبَ التَّثْلِيثَ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي يُنْصَبُ بِفِعْلِ التَّقْدِيسِ، فَقَالَ: نُقَدِّسُكَ تَقْدِيسًا مُثَلَّثًا.
(فَنَصْبُ التَّقْدِيسِ عَلَى الْمَصْدَرِ)، كَمَا تَقُولُ: سَبَّحْتُكَ تَسْبِيحًا مُثَلَّثًا، أَيْ سَبَّحْتُكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: نُثَلِّثُ لَكَ أَيْ نُثَلِّثُ تَقْدِيسًا لَكَ، لَمْ يَقُل: أَنْتَ ثَلَاثَةٌ، بَلْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُقَدِّسُونَ التَّقْدِيسَ الْمُثَلَّثَ، وَهُمْ يُثَلِّثُونَ لَهُ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا يُسَبِّحُونَ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ، وَلَا ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
وَهَذَا كَمَا فِي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «(إِذَا قَالَ الْعَبْدُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، ثَلَاثًا، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا قَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، ثَلَاثًا، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ»)، وَالتَّسْبِيحُ هُوَ تَقْدِيسُ الرَّبِّ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يُقَدِّسَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَمَعْنَاهُ: قَدِّسُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَا تَقْتَصِرُوا عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلِهَذَا يَقُولُونَ مُجَاوِبِينَ: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، فَيُقَدِّسُونَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَثْلِيثُ التَّقْدِيسِ حَيْثُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ، وَمَا يَفْعَلُونَهُ مُمْتَثِلِينَ لِهَذَا الْأَمْرِ، وَمَا يُفْعَلُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ مِنْ تَثْلِيثِ تَقْدِيسِهِ، وَأَنْ يُقَدَّسَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّسُ ثَلَاثَ أَقَانِيمَ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَنْطِقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ لَا لَفْظًا
[ ٣ / ٤٦٦ ]
وَلَا مَعْنًى، بَلْ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أَثْبَتُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
وَأَسْمَاؤُهُ مُتَعَدِّدَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِفَاتِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ، وَلَا بِثَلَاثِ صِفَاتٍ، (وَلَيْسَتِ الصِّفَاتُ أُقْنُومًا هُوَ ذَاتٌ وَصْفَةٌ، بَلْ لَيْسَ إِلَّا ذَاتٌ وَاحِدَةٌ لَهَا صِفَاتٌ) مُتَعَدِّدَةٌ، فَالتَّعَدُّدُ فِي الصِّفَاتِ لَا فِي الذَّاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْجَوْهَرَ، وَلَا فِي الذَّاتِ وَالصِّفَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأُقْنُومَ.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ تَأْكِيدِهِمْ إِقْرَارَ الْيَهُودِ بِالثَّالُوثِ وَكُفْرِهِمْ بِمَعْنَاهُ]
قَالُوا: فَمَا أَعْظَمَ إِقْرَارَهُمْ فِي الثَّالُوثِ، وَأَشَدَّ كُفْرَهُمْ بِمَعْنَاهُ.
فَيُقَالُ: هَذَا مِنْ الِافْتِرَاءِ الظَّاهِرِ عَلَى الْيَهُودِ، وَإِنْ كَانَ الْيَهُودُ كُفَّارًا فَلَمْ يَكُنْ كُفْرُهُمْ لِأَجْلِ إِنْكَارِ الثَّالُوثِ، بَلْ لَوْ أَقَرُّوا بِهِ لَكَانَ زِيَادَةً فِي كُفْرِهِمْ يَزِيدُ بِهِ عَذَابُهُم.
كَمَا أَنَّ النَّصَارَى لَمَّا كَفَرُوا لَمْ يَكُنْ كُفْرُهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ بِهِ الَّذِي قَدْ ظَهَرَ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ الَّذِي تَنْتَظِرُهُ الْيَهُودُ، وَإِذَا خَرَجَ كَانُوا شِيعَتَهُ وَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ يَقُولُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ.
بَلْ لَوْ كَفَرُوا بِالْمَسِيحِ كَمَا كَفَرَتِ الْيَهُودُ لَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي كُفْرِهِم.
وَعِنْدَ الْيَهُودِ، وَعِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ الَّذِي
[ ٣ / ٤٦٨ ]
يُبْطِلُ تَثْلِيثَكُمْ مَا لَا يَخْفَى إِلَّا عَمَّنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ، وَهُدَاهُ الَّذِي هَدَى بِهِ عِبَادَهُ.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
[فَصْلٌ: رُجُوعُهُمْ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى التَّمَسُّكِ بِالتَّثْلِيثِ لِمَا سَبَقَ أَنْ نَقَلُوهُ وَأَشَارُوا إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ]
قَالُوا: فَمِنْ أَجْلِ هَذَا الْبَيَانِ الْوَاضِحِ الَّذِي قَالَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ نَجْعَلُ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ: جَوْهَرًا وَاحِدًا، إِلَهًا وَاحِدًا، خَالِقًا وَاحِدًا.
وَهُوَ الَّذِي نَقُولُهُ: أَبٌ، وَابْنٌ، وَرُوحُ قُدُسٍ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَنَفْيِ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ، وَنَفْيِ إِلَهِيَّةِ مَا سِوَاهُ - مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ النَّصَارَى وَنَحْوِهُم، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْأَقَانِيمِ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، حَيْثُ يَجْعَلُونَ الْأُقْنُومَ اسْمًا لِلذَّاتِ مَعَ الصِّفَةِ، وَالذَّاتُ وَاحِدَةٌ، وَالتَّعَدُّدُ فِي الصِّفَاتِ لَا فِي الذَّاتِ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَّحِدَ صِفَةٌ دُونَ الْأُخْرَى، وَلَا دُونَ الذَّاتِ، فَيَمْتَنِعُ اتِّحَادُ أُقْنُومٍ أَوْ حُلُولُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ دُونَ الْأُقْنُومِ الْآخَرِ، وَلَا إِثْبَاتُ ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ وَلَا إِثْبَاتُ ثَلَاثِ صِفَاتٍ دُونَ مَا سِوَاهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَا كَلَامِ الْحَوَارِيِّينَ، وَلَا إِثْبَاتُ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَلَا تَسْمِيَةُ صِفَاتِ اللَّهِ - مِثْلَ كَلَامِهِ وَحَيَاتِهِ - لَا ابْنًا، وَلَا إِلَهًا، وَلَا رَبًّا، وَلَا إِثْبَاتُ
[ ٣ / ٤٧٠ ]
اتِّحَادِ الرَّبِّ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، وَلَا حُلُولُ ذَاتٍ وَصِفَةٍ دُونَ ذَاتٍ مَعَ الصِّفَاتِ الْأُخْرَى، بَلْ وَلَا حُلُولُ نَفْسِ الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ فِي غَيْرِهِ، لَا عِلْمِهِ وَلَا كَلَامِهِ وَلَا حَيَاتِهِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
، بَلْ جَمِيعُ مَا أَثْبَتُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ لَيْسَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ صَرِيحَةٌ بِنَقِيضِ ذَلِكَ مَعَ الْقُرْآنِ وَالْعَقْلِ، فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْمَعْقُولِ وَكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا نُثْبِتُ إِلَهًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقُولُونَ فِي أَمَانَتِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا هُوَ صَرِيحٌ بِإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، فَيَنْقُضُونَ كَلَامَهُمْ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَقُولُونَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَاقِضَةِ مَا يَعْلَمُ بُطْلَانَهُ كُلُّ عَاقِلٍ تَصَوَّرَهُ.
وَهَذَا لَا يَنْضَبِطُ لَهُمْ قَوْلٌ مُطَّرِدٌ، كَمَا يَقُولُ مَنْ يَقُولُ مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ: إِنَّ النَّصَارَى لَيْسَ لَهُمْ قَوْلٌ يَعْقِلُهُ عَاقِلٌ، وَلَيْسَ أَقْوَالُهُمْ مَنْصُوصَةً
[ ٣ / ٤٧١ ]
عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَيْسَ مَعَهُمْ لَا سَمْعٌ وَلَا عَقْلٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ النَّارِ:
﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] .
وَهُمْ أَيْضًا يُبْطِنُونَ خِلَافَ مَا يُظْهِرُونَ، وَيَفْهَمُ جُمْهُورُ النَّاسِ مِنْ مَقَالَاتِهِمْ خِلَافَ مَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُرَادُهُم، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا مِنَ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّوْرَاةِ، وَقَوْلِهِ: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الْعُلَيْقَةِ قَائِلًا: أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِلَهُ إِسْحَاقَ، وَإِلَهُ يَعْقُوبَ) قَالُوا: وَلَمْ يَقُل: أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، بَلْ كَرَّرَ اسْمَ إِلَهٍ ثَلَاثَ دُفُوعٍ قَائِلًا: أَنَا إِلَهُ ٠٠ وَإِلَهُ ٠٠ وَإِلَهُ ٠٠ لِتَحَقُّقِ مَسْأَلَةِ الثَّلَاثِ أَقَانِيمَ فِي لَاهُوتِهِ، فَيُقَالُ لَهُم: وَإِنْ كَانَ هَذَا التَّكْرِيرُ لَا يَقْتَضِي إِلَّا إِثْبَاتَ إِلَهٍ وَاحِدٍ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ: فَقَدْ أَثْبَتُّمْ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَا نُثْبِتُ إِلَّا إِلَهًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى: إِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مَعْبُودُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَعْبُودُ إِسْحَاقَ، وَمَعْبُودُ يَعْقُوبَ، فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ عَلَى التَّثْلِيثِ وَالْأَقَانِيمِ، (بِحَيْثُ تَجْعَلُونَ الْأُقْنُومَ اسْمًا لِلذَّاتِ مَعَ صِفَةٍ وَالذَّاتُ وَاحِدَةٌ، فَالتَّعَدُّدُ فِي
[ ٣ / ٤٧٢ ]
الصِّفَاتِ لَا فِي الذَّاتِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَّحِدَ صِفَةٌ دُونَ أُخْرَى، وَلَا دُونَ الذَّاتِ فَيَمْتَنِعُ اتِّحَادُ أُقْنُومٍ وَحُلُولُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ دُونَ الْأُقْنُومِ الْآخَرِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُم: وَهُوَ الَّذِي نَقُولُهُ: أَبٌ، وَابْنٌ، وَرُوحُ الْقُدُسِ، قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوهُ ابْتِدَاءً، وَلَا عَلِمُوا بِالْعَقْلِ التَّثْلِيثَ الَّذِي قَالُوهُ فِي أَمَانَتِهِم، ثُمَّ عَبَّرُوا عَنْهُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، بَلْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مَنْقُولَةٌ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ الْأَنَاجِيلِ: أَنَّ الْمَسِيحَ ﵊ أَمَرَ أَنْ يُعَمِّدُوا النَّاسَ بِهَا، وَحِينَئِذٍ، فَالْوَاجِبُ إِذَا كَانَ الْمَسِيحُ قَالَهَا أَنْ يُنْظَرَ مَا أَرَادَ بِهَا، وَيُنْظَرَ سَائِرُ أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهَا فَيُفَسَّرَ كَلَامُهُ، بِلُغَتِهِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا تَفْسِيرًا يُنَاسِبُ سَائِرَ كَلَامِهِ.
وَهَؤُلَاءِ حَمَلُوا كَلَامَ الْمَسِيحِ وَالْأَنْبِيَاءِ ﵈ عَلَى شَيْءٍ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُم، بَلْ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ فَسَمَّوْا كَلَامَ اللَّهِ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ أَوْ نُطْقَهُ - ابْنًا، وَهَذِهِ تَسْمِيَةٌ ابْتَدَعُوهَا لَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ بِاسْمِ الِابْنِ، وَلَا بَاسْمِ الرَّبِّ، وَلَا بَاسْمِ الْإِلَهِ، ثُمَّ لَمَّا أَحْدَثُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ قَالُوا: مُرَادُ الْمَسِيحِ بِالِابْنِ هُوَ الْكَلِمَةُ، وَهَذَا افْتِرَاءٌ عَلَى الْمَسِيحِ ﵇، وَحَمْلٌ لِكَلَامِهِ عَلَى مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
وَلَفْظُ الِابْنِ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ يُرَادُ بِهِ مَنْ رَبَّاهُ اللَّهُ ﵎، فَلَا يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ لَفْظُ الِابْنِ قَطُّ، إِلَّا عَلَى مَخْلُوقٍ مُحْدَثٍ، وَلَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، فَيُسَمَّى عِنْدَهُم إِسْرَائِيلُ ابْنًا وَدَاوُدُ ابْنًا لِلَّهِ، وَالْحَوَارِيُّونَ كَذَلِكَ، بَلْ عِنْدَهُمْ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا فِي ذِكْرِ الْمَسِيحِ إِلَى خَاصَّتِهِ، أَيْ وَخَاصَّتُهُ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وَالَّذِينَ قَبِلُوهُ أَعْطَاهُمْ لِيَكُونُوا أَبْنَاءَ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ دَمٍ وَلَا مِنْ مُشَبَّهِ لَحْمٍ، وَلَا مِنْ مُشَبَّهِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللَّهِ وُلِدَ.
فَهَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ جَمِيعًا أَبْنَاءَ اللَّهِ، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ لَاهُوتٌ يَتَّحِدُ بِنَاسُوتٍ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمْ نَاسُوتٌ مَحْضٌ، فَعُلِمَ أَنَّ الْكُتُبَ نَاطِقَةٌ بِأَنَّ لَفْظَ ابْنِ اللَّهِ يَتَنَاوَلُ النَّاسُوتَ فَقَط، وَلَيْسَ مَعَهُمْ لَفْظُ ابْنِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ.
فَقَوْلُهُم: إِنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ بِلَفْظِ الِابْنِ اللَّاهُوتَ كَذِبٌ بَيِّنٌ عَلَيْهِ، وَالْمَسِيحُ لَا يُسَمَّى ابْنًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَرُوحُ الْقُدُسِ لَمْ يُعَبِّر
[ ٣ / ٤٧٤ ]
بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ حَيَاةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ، بَلْ رُوحُ الْقُدُسِ فِي كُتُبِ اللَّهِ يُرَادُ بِهَا الْمَلَكُ، وَيُرَادُ بِهَا الْهُدَى وَالْوَحْيُ وَالتَّأْيِيدُ، فَيُقَالُ: رُوحُ اللَّهِ، كَمَا يُقَالُ: نُورُ اللَّهِ، وَهُدَى اللَّهِ، وَوَحْيُ اللَّهِ، وَمُلْكُ اللَّهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بِقَوْلِهِ: رُوحُ اللَّهِ، وَرُوحُ الْقُدُسِ - مَا يُرِيدُهُ الْإِنْسَانُ بِقَوْلِهِ: (رُوحِي) .
فَالْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ رُوحٍ وَبَدَنٍ، وَفِي بَدَنِهِ بُخَارٌ يَخْرُجُ مِنَ الْقَلْبِ، وَيَسْرِي فِي بَدَنِهِ، وَلَهُ جَوْفٌ يَخْرُجُ مِنْهُ هَوَاءٌ وَيَدْخُلُ فِيهِ، فَإِذَا قِيلَ: رُوحُ الْإِنْسَانِ فَقَدْ يُرَادُ بِهَا الرُّوحُ الَّتِي بِهَا الْبُخَارُ اللَّطِيفُ الَّذِي فِي الْبَدَنِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الرِّيحُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الْبَدَنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ.
وَاللَّهُ ﵎ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسَ هُوَ رُوحًا وَبَدَنًا كَالْإِنْسَانِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَا جَوْفَ لَهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ، لَا بُخَارٌ وَلَا هَوَاءٌ مُتَرَدِّدٌ.
وَقَدْ يُعَبِّرُ بَعْضُ النَّاسِ بِلَفْظِ الرَّوْحِ عَنِ الْحَيَاةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى حَيٌّ لَهُ حَيَاةٌ، لَكِنْ لَمْ تُرِدِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ بِقَوْلِهِم: رُوحُ الْقُدُسِ - حَيَاةَ اللَّهِ، بَلْ أَرَادُوا بِهِ مَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ
[ ٣ / ٤٧٥ ]
وَيُؤَيِّدُهُمْ بِهِ، كَمَا يُرَادُ بِنُورِ اللَّهِ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] .
فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي جَعَلَ صَدْرَهُ كَالْمِشْكَاةِ، وَقَلْبُهُ كَالزُّجَاجَةِ فِي الْمِشْكَاةِ، وَنُورُ الْإِيمَانِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ - وَهُوَ نُورُ اللَّهِ - كَالْمِصْبَاحِ الَّذِي فِي الزُّجَاجَةِ، وَذَلِكَ النُّورُ الَّذِي فِي قَلْبِهِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ صِفَةِ اللَّهِ الْقَائِمَةِ بِهِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعَارِفَ كُلَّمَا تَدَبَّرَ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ، وَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِم، لَمْ يَجِدْ لَهُمْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ ضَلَالِهِمْ لَا مَا يَدُلُّ عَلَى ضَلَالِهِم.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
[فَصْلٌ: رَدُّ زَعْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ عِبَادَةُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ وَأَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّثْلِيثِ لِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ شَهَادَاتِ الْأَنْبِيَاءِ]
قَالُوا: وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا إِذَا قُلْنَا هَذَا عِبَادَةُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، بَلْ إِلَهٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَا يَلْزَمُنَا إِذَا قُلْنَا: الْإِنْسَانُ وَنُطْقُهُ وَرُوحُهُ ثَلَاثَةُ أَنَاسِيٍّ، بَلْ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، وَلَا إِذَا قُلْنَا: لَهِيبُ النَّارِ وَضَوْءُ النَّارِ وَحَرَارَةُ النَّارِ ثَلَاثَةُ نِيرَانٍ، وَلَا إِذَا قُلْنَا: قُرْصُ الشَّمْسِ، وَضَوْءُ الشَّمْسِ وَشُعَاعُ الشَّمْسِ ثَلَاثَةُ شُمُوسٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا رَأْيُنَا فِي اللَّهِ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَجَلَّتْ آلَاؤُهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْنَا، وَلَا ذَنْبَ لَنَا إِذْ لَمْ نُهْمِلْ مَا تَسَلَّمْنَاهُ وَلَا نَرْفُضُ مَا تَقَلَّدْنَاهُ وَنَتَّبِعُ مَا سِوَاهُ، (وَلَا سِيَّمَا أَنَّ لَنَا هَذِهِ الشَّهَادَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلَ الْوَاضِحَاتِ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي أَتَى بِهِ هَذَا الرَّجُلُ) .
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا أَنَّكُمْ صَرَّحْتُمْ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ وَالْأَرْبَابِ فِي عَقِيدَةِ إِيمَانِكُمْ وَفِي اسْتِدْلَالِكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِكُم، فَلَيْسَ ذَلِكَ شَيْئًا
[ ٣ / ٤٧٧ ]
أَلْزَمَكُمُ النَّاسُ بِهِ، بَلْ أَنْتُمْ تُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِكُم: نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، أَبٍ، ضَابِطِ الْكُلِّ، خَالِقِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٍ مِنْ نُورِ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ يُوَلَدُ، غَيْرِ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ، وَبِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِي الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ الَّذِي مَعَ الْأَبِ، مَسْجُودٍ لَهُ وَمُمَجَّدٍ.
فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالثَّلَاثَةِ أَرْبَابٍ، وَأَنَّ الِابْنَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَمَعَ تَصْرِيحِكُمْ بِثَلَاثَةِ أَرْبَابٍ وَتَصْرِيحِكُمْ بِأَنَّ هَذَا إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، تَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ مَعَ الْقَوْلِ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ.
وَلَوْ لَمْ تَذْكُرُوا مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ جَوْهَرٌ آخَرُ، لَأَمْكَنَ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُكُمْ عَلَى عَطْفِ الصِّفَةِ، لَكِنْ يَكُونُ كَلَامُكُمْ أَعْظَمَ كُفْرًا، فَتَكُونُونَ قَدْ جَعَلْتُمُ الْمَسِيحَ هُوَ نَفْسَ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ الْأَبِ، خَالِقِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِكُمْ مَعَ أَنَّ هَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِكُم، فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ، وَتَقُولُونَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ (كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ الْقَوْلَيْنِ عَنْكُمْ فِي كَلَامِهِ، وَكَفَّرَكُمْ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ طَائِفَةٍ وَهَذَا قَوْلُ
[ ٣ / ٤٧٨ ]
طَائِفَةٍ) كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، بَلِ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا يَقُولُهُمَا فِرَقُ النَّصَارَى كَالنُّسْطُورِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ وَنَحْوِهِم، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ تَنَاقُضِكُمْ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ هُوَ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ هُوَ ابْنَ اللَّهِ، سَوَاءً عُبِّرَ بِالِابْنِ عَنِ الصِّفَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّ الْأَبَ هُوَ الذَّاتُ، وَالذَّاتُ لَيْسَتْ هِيَ الصِّفَةَ، وَإِنْ عَنَى بِالِابْنِ الذَّاتَ مَعَ صِفَةِ الْكَلَامِ، كَمَا تُفَسِّرُونَ الْأُقْنُومَ بِذَلِكَ - فَهَذِهِ الذَّاتُ مُتَّصِفَةٌ مَعَ ذَلِكَ بِالْحَيَاةِ، وَالْكَلَامُ - سَوَاءً عَنَوْا بِهِ الْعِلْمَ أَوِ الْبَيَانَ مَعَ الْعِلْمِ - هُوَ مَعَ الْحَيَاةِ قَائِمٌ بِالْأَبِ، وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ عَيْنَ الْمَوْصُوفِ، بَلْ وَلَا يُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَنَّهَا ابْنُ الْمَوْصُوفِ، وَلَا عَبَّرَ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِم: وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ - عَطْفَ الصِّفَةِ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْأَبُ كَمَا قَالَ: إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِلَهُ إِسْحَاقَ، وَإِلَهُ يَعْقُوبَ فَهَذَا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَالْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَةِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِابْنِ نَفْسَ الْأَبِ لَكَانَ هَذَا خِلَافَ مَذْهَبِهِم، وَيَكُونُونَ قَدْ جَعَلُوهُ إِلَهًا مِنْ نَفْسِهِ فَقَالُوا: إِلَهَانِ، بَلْ ثَلَاثَةٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
فَهَذَا لَوْ أَرَادُوهُ لَكَانَ أَعْظَمَ فِي الْكُفْرِ، بَلْ قَالُوا: وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٍ مِنْ نُورٍ، إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مَوْلُودٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ. فَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ رَبٌّ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَصَرَّحُوا بِإِلَهٍ ثَانٍ مَعَ الْإِلَهِ الْأَوَّلِ.
وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، وَإِنَّهُ مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَامْتَنَعَ أَنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ النَّاسُوتَ، فَإِنَّ النَّاسُوتَ مَخْلُوقٌ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنَ الْأَبِ. وَالْكَلِمَةُ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ وَقَائِمَةٌ بِهِ، وَالْكَلَامُ لَيْسَ بِرَبٍّ وَلَا بِإِلَهٍ، بَلْ هُوَ كَلَامُ الرَّبِّ الْإِلَهِ، كَمَا أَنَّ سَائِرَ كَلَامِ اللَّهِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ لَيْسَ هُوَ الرَّبَّ وَالْإِلَهَ، ثُمَّ قُلْتُم: مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ فَاقْتَضَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ جَوْهَرًا، وَأَنَّهُ مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ، وَالْمُسَاوَى لَيْسَ هُوَ الْمُسَاوِي.
وَهَذَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ جَوْهَرٍ ثَانٍ مُسَاوٍ الْجَوْهَرَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ
[ ٣ / ٤٨٠ ]
صَرِيحٌ بِإِثْبَاتِ إِلَهَيْنِ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَلَا يُقَالُ الْجَوْهَرُ مَعَ الْعِلْمِ الَّذِي يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالْأُقْنُومِ مُسَاوٍ الْجَوْهَرَ الَّذِي هُوَ الذَّاتُ؛ فَإِنَّ الْجَوْهَرَ هُوَ الذَّاتُ، وَلَيْسَ هُنَا جَوْهَرَانِ، أَحَدُهُمَا مُجَرَّدٌ عَنِ الْعِلْمِ، وَالْآخَرُ مُتَّصِفٌ بِهِ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ أَحَدَهُمَا مُسَاوٍ لِلْآخَرِ، بَلِ الرَّبُّ تَعَالَى هُوَ الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِالْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ هُوَ الذَّاتَ الْمُجَرَّدَةَ، فَالِابْنُ أَكْمَلُ مِنَ الْأَبِ، وَهُوَ الذَّاتُ مَعَ الْعِلْمِ، وَالْأَبُ بَعْضُ الِابْنِ.
وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ هُوَ بَعْضَ رُوحِ الْقُدُسِ؛ فَإِنَّهُمْ فِي أَمَانَتِهِمْ جَعَلُوا رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ الرَّبُّ الْمُحْيِي، وَالرَّبُّ الْمُحْيِي هُوَ الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِالْحَيَاةِ، وَالذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ بَعْضُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ هُوَ الذَّاتَ الْمُجَرَّدَةَ فَالِابْنُ بَعْضُ رُوحِ الْقُدُسِ.
ثُمَّ قُلْتُمْ فِي أُقْنُومِ رُوحِ الْقُدُسِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ الرَّبَّ الْمُحْيِيَ -: إِنَّهُ مُنْبَثِقٌ مِنَ الْأَبِ مَسْجُودٌ لَهُ مُمَجَّدٌ، نَاطِقٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنْ كَانَ الْمُنْبَثِقُ رَبًّا حَيًّا، فَهَذَا إِثْبَاتُ إِلَهٍ ثَالِثٍ، وَقَدْ جَعَلْتُمُ الذَّاتَ الْحَيَّةَ مُنْبَثِقَةً مِنَ الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّنَاقُضِ مَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ جَعَلْتُمْ هَذَا الثَّالِثَ مَسْجُودًا لَهُ، وَالْمَسْجُودُ لَهُ هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالسُّجُودِ لِإِلَهٍ ثَالِثٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ، ثُمَّ جَعَلْتُمُوهُ نَاطِقًا بِالْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِحُلُولِ هَذَا الْأُقْنُومِ الثَّالِثِ
[ ٣ / ٤٨١ ]
بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا كُلَّ نَبِيٍّ مُرَكَّبًا مِنْ لَاهُوتٍ وَنَاسُوتٍ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، كَمَا قُلْتُمْ فِي الْمَسِيحِ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ حُلُولِ الْكَلِمَةِ وَحُلُولِ رُوحِ الْقُدُسِ، كِلَاهُمَا أُقْنُومٌ.
وَأَيْضًا فَيَمْتَنِعُ حُلُولُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَحُلُولُ الصِّفَةِ دُونَ الذَّاتِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ الْحَيُّ النَّاطِقُ بِأَقَانِيمِهِ الثَّلَاثَةِ حَالًّا فِي كُلِّ نَبِيٍّ، وَيَكُونَ كُلُّ نَبِيٍّ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيُقَالُ مَعَ ذَلِكَ: هُوَ ابْنُهُ، وَفِي هَذَا مِنَ الْكُفْرِ الْكَبِيرِ وَالتَّنَاقُضِ الْعَظِيمِ مَا لَا يَخْفَى، وَهَذَا لَازِمٌ لِلنَّصَارَى لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ، فَإِنَّ مَا ثَبَتَ لِلشَّيْءِ ثَبَتَ لِنَظِيرِهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: الْحُلُولَ أَوْ الِاتِّحَادَ فِي الْمَسِيحِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، وَلَا نَصَّ فِي غَيْرِهِ، لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النُّصُوصَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ تَبَيَّنَ.
الثَّانِي: أَنَّ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِ مِنَ النُّصُوصِ مَا شَابَهَ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِيهِ، كَلَفْظِ الِابْنِ، وَلَفْظِ حُلُولِ رُوحِ الْقُدُسِ فِيهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَنْعَكِسُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ أَعْلَمَ بِهِ الْخَلْقَ بِنَصٍّ صَرِيحٍ، بَلْ مِنْ جُمْلَةِ الدَّلَالَاتِ دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْحُلُولُ وَالِاتِّحَادُ فِي أَحَدِ النَّبِيِّينَ بِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ الْآخَرِ - وَجَبَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، كَمَا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ
[ ٣ / ٤٨٢ ]
يَجِبُ تَصْدِيقُهُ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ.
وَيَكْفُرُ مَنْ كَذَّبَهُ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ تَصْدِيقُ كُلِّ نَبِيٍّ وَتَكْفِيرُ مَنْ كَذَّبَهُ.
الرَّابِعُ: هَبْ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْغَيْرِ، فَيَلْزَمُ تَجْوِيزُ ذَلِكَ فِي الْغَيْرِ؛ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى انْتِفَائِهِ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ ثَابِتًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ إِظْهَارِهِ الْآيَاتِ عَلَى قَوْلِهِم، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُجَوِّزُوا فِي كُلِّ نَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَهُ إِلَهًا تَامًّا وَإِنْسَانًا تَامًّا كَالْمَسِيحِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُم، إِذْ لَا فَرْقَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ بَيْنَ اتِّحَادِهِ بِالْمَسِيحِ وَاتِّحَادِهِ بِسَائِرِ الْآدَمِيِّينَ، فَيَلْزَمُهُمْ تَجْوِيزُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ كُلَّ إِنْسَانٍ إِلَهًا تَامًّا وَإِنْسَانًا تَامًّا، وَيَكُونَ كُلُّ إِنْسَانٍ مُرَكَّبًا مِنْ لَاهُوتٍ وَنَاسُوتٍ، وَقَدْ تَقَرَّبَ إِلَى هَذَا اللَّازِمِ الْبَاطِلِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا لَاهُوتٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، فَيَجْعَلُونَ نِصْفَ كُلِّ آدَمِيٍّ لَاهُوتًا، وَنِصْفَهُ نَاسُوتًا، وَهَؤُلَاءِ يَلْزَمُهُمْ مِنَ الْمُحَالَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ النَّصَارَى مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالْمُحَالَاتُ الَّتِي تَلْزَمُ النَّصَارَى أَكْثَرُ، مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُم: وَلَا يَلْزَمُنَا إِذَا قُلْنَا هَذَا عِبَادَةُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ بَل
[ ٣ / ٤٨٣ ]
إِلَهٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَا يَلْزَمُنَا إِذَا قُلْنَا: الْإِنْسَانُ وَرُوحُهُ وَنُطْقُهُ ثَلَاثَةُ أَنَاسِيٍّ، وَلَا إِذَا قُلْنَا: النَّارُ وَحَرُّهَا وَضَوْءُهَا ثَلَاثُ نِيرَانٍ، وَلَا إِذَا قُلْنَا: الشَّمْسُ وَضَوْءُهَا وَشُعَاعُهَا ثَلَاثُ شُمُوسٍ.
فَيُقَالُ: هَذَا تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ حَرَّ النَّارِ وَضَوْءَهَا الْقَائِمَ بِهَا لَيْسَ نَارًا مِنْ نَارٍ، وَلَا جَوْهَرًا مِنْ جَوْهَرٍ، وَلَا هُوَ مُسَاوِي النَّارِ وَالشَّمْسِ فِي الْجَوْهَرِ، وَكَذَلِكَ نُطْقُ الْإِنْسَانِ، لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِنْ إِنْسَانٍ، وَلَا هُوَ مُسَاوٍ الْإِنْسَانَ فِي الْجَوْهَرِ، وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ وَضَوْءُهَا الْقَائِمُ بِهَا وَشُعَاعُهَا الْقَائِمُ بِهَا - لَيْسَ شَمْسًا وَلَا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَأَنْتُمْ قُلْتُم: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، فَقُلْتُمْ فِي الْأَمَانَةِ: (نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ أَبٍ ضَابِطِ الْكُلِّ، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٍ مِنْ نُورٍ، إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مُسَاوِي الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ)، وَقُلْتُمْ فِي رُوحِ الْقُدُسِ: (إِنَّهُ رَبٌّ مُمَجَّدٌ مَسْجُودٌ لَهُ) فَأَثْبَتُّمْ ثَلَاثَةَ أَرْبَابٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّوْءَ فِي الشَّمْسِ وَالنَّارِ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الضَّوْءِ الْقَائِمِ بِهَا، وَيُرَادُ بِهِ الشُّعَاعُ الْقَائِمُ بِالْأَرْضِ وَالْجُدْرَانِ، وَهَذَا مُبَايِنٌ لَهَا لَيْسَ قَائِمًا بِهَا، وَلَفْظُ النُّورِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ هَذَا وَهَذَا، وَكِلَاهُمَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِغَيْرِهَا وَعَرَضٌ، وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ النُّورِ نَفْسُ النَّارِ وَنَفْسُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ،
[ ٣ / ٤٨٤ ]
فَيَكُونُ النُّورُ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُمْ جَعَلُوا الْأَبَ رَبًّا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَالِابْنَ أَيْضًا رَبًّا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَرُوحَ الْقُدُسِ رَبًّا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ضَوْءَ النَّارِ وَالشَّمْسِ وَحَرَارَتَهَا لَيْسَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَمْسًا وَنَارًا قَائِمًا بِنَفْسِهَا، وَلَا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، فَلَوْ أَثْبَتُوا حَيَاةَ اللَّهِ وَعِلْمَهُ أَوْ كَلَامَهُ صِفَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ بِهِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا هَذَا رَبًّا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَهَذَا رَبًّا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ - لَكَانَ قَوْلُهُمْ حَقًّا وَتَمْثِيلُهُمْ مُطَابِقًا، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى مُجَرَّدِ جَعْلِهِمَا صِفَتَيْنِ لِلَّهِ حَتَّى جَعَلُوا كُلًّا مِنْهُمَا رَبًّا وَجَوْهَرًا وَخَالِقًا، بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّحَادَ أَحَدِهِمَا بِهِ إِلَهًا وَاحِدًا وَخَالِقًا، فَلَوْ كَانَ نَفْسَ كَلِمَةِ اللَّهِ وَعِلْمَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَهًا خَالِقًا، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَعِلْمَهُ لَيْسَ إِلَهًا خَالِقًا، فَكَيْفَ وَالْمَسِيحُ مَخْلُوقٌ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، لَيْسَ هُوَ نَفْسَ كَلِمَةِ اللَّهِ؟
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُمُ: الشَّمْسُ وَشُعَاعُهَا وَضَوْءُهَا، إِنْ أَرَادُوا بِالضَّوْءِ مَا يَقُومُ بِهَا، وَبِالشُّعَاعِ مَا يَنْفَصِلُ عَنْهَا - فَلَيْسَ هَذَا مِثَالَ النَّارِ وَحَرِّهَا وَلَهَبِهَا؛ إِذْ كِلَاهُمَا يَقُومُ بِهَا، وَعَلَى هَذَا فَالشَّمْسُ لَمْ تَقُمْ بِهَا إِلَّا صِفَةٌ وَاحِدَةٌ لَا صِفَتَيْنِ، فَلَا يَكُونُ التَّمْثِيلُ بِهَا مُطَابِقًا، وَإِنْ أَرَادُوا بِالضَّوْءِ وَالشُّعَاعِ كِلَاهُمَا؛ مَا يَقُومُ بِهَا، أَوْ كِلَاهُمَا؛ مَا يَنْفَصِلُ عَنْهَا - فَكِلَاهُمَا صِفَةٌ
[ ٣ / ٤٨٥ ]
وَاحِدَةٌ لَيْسَ هُمَا صِفَتَانِ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ، فَعُلِمَ أَنَّ تَمْثِيلَهُمْ بِالشَّمْسِ خَطَأٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الشَّمْسُ وَحَرُّهَا وَضَوْءُهَا، كَمَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّارِ.
وَهَذَا التَّمْثِيلُ أَصَحُّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ فِي جِرْمِ الشَّمْسِ حَرَارَةً تَقُومُ بِهَا، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ يُنْكِرُهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ لَا تُوصَفُ بِحَرَارَةٍ وَلَا بُرُودَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ.
وَأَمَّا تَمْثِيلُهُمْ بِرُوحِ الْإِنْسَانِ وَنُطْقِهِ، فَإِنْ أَرَادُوا بِالرُّوحِ حَيَاتَهُ، فَلَيْسَ هَذَا هُوَ مَفْهُومَ الرُّوحِ، وَإِنْ أَرَادُوا بِالرُّوحِ الَّتِي تُفَارِقُ بَدَنَهُ بِالْمَوْتِ وَتُسَمَّى النَّفْسَ النَّاطِقَةَ - فَهَذِهِ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ رُوحُ اللَّهِ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ مَعَ جَوْهَرٍ آخَرَ نَظِيرَ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَيَكُونَ الرَّبُّ ﷾ مُرَكَّبًا مِنْ بَدَنٍ وَرُوحٍ كَالْإِنْسَانِ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَهْلِ الْمِلَلِ، لَا الْمُسْلِمِينَ وَلَا الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى، بَلْ هُوَ كُفْرٌ عِنْدَهُم، فَتَبَيَّنَ أَنَّ تَمْثِيلَهُمْ بِالثَّلَاثَةِ بَاطِلٌ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّمْثِيلَ إِمَّا أَنْ يَقَعَ بِصِفَاتِ الشَّمْسِ وَالنَّارِ وَالْإِنْسَانِ، أَوِ النَّفْسِ الْقَائِمَةِ بِهَذِهِ الْجَوَاهِرِ، أَوْ بِمَا هُوَ مُبَايِنٌ لِذَلِكَ، كَالضَّوْءِ
[ ٣ / ٤٨٦ ]
الَّذِي يَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْحِيطَانِ وَالْهَوَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْسَامِ إِذَا قَابَلَتِ الشَّمْسَ أَوِ النَّارَ أَوِ الْإِنْسَانَ أَوِ النَّفْسَ الْقَائِمَةَ بِهَذِهِ الْجَوَاهِرِ، فَإِنْ أُرِيدَ هَذَا فَهَذَا شُعَاعٌ مُنْعَكِسٌ، وَضَوْءٌ مُنْقَلِبٌ، وَلَيْسَ صِفَةً قَائِمَةً بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ.
وَإِذَا أُرِيدَ بِمَا حَلَّ فِي الْمَسِيحِ هَذَا، وَهَذَا يُسَمَّى نُورًا وَرُوحًا وَيُسَمَّى نُورَ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ جَعَلَ الرُّوحَ الَّذِي أَوْحَاهُ نُورًا يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
، فَإِذَا أُرِيدَ مَا حَلَّ فِي الْمَسِيحِ مِنَ الرُّوحِ وَالْكَلِمَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا يَحُلُّ فِي جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِم، وَلَيْسَ هَذَا الْحَالُّ فِيهِمْ نَفْسَ صِفَةِ اللَّهِ الْقَائِمَةِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَاصِلًا عَنْهَا وَمُسَبَّبًا عَنْهَا، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ صِفَةِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: بَلْ صِفَةُ اللَّهِ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا حَلَّتْ فِي الْعَبْدِ، فَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ، فَإِنَّ صِفَةَ الْمَوْصُوفِ الْقَائِمَةَ بِهِ يَمْتَنِعُ قِيَامُهَا بِعَيْنِهَا بِغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَعَلَّمَ عِلْمَ
[ ٣ / ٤٨٨ ]
غَيْرِهِ، وَبَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ يُقَالُ: هَذَا عِلْمُ فُلَانٍ وَكَلَامُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الثَّانِيَ بَلَّغَهُ عَنْهُ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ عِلْمُ الْأَوَّلِ وَكَلَامُهُ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ نَفْسَ مَا قَامَ بِذَاتِ الْأَوَّلِ لَيْسَ هُوَ عَيْنَ مَا قَامَ بِذَاتِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مِثْلَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالثَّانِي، مِثْلَ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ، فَكَلَامُ الْمُبَلِّغِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّبْلِيغِ.
وَصِفَاتُ الْمُبَلِّغِ - كَحَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ - الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ التَّبْلِيغُ؛ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْمَقْصُودِ، وَإِذَا قِيلَ هَذَا كَلَامُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ، فَالْإِشَارَةُ إِلَى حَقِيقَةِ الْكَلَامِ الْمَقْصُودِ بِالتَّبْلِيغِ، لَا إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُبَلِّغُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلِهَذَا شَبَّهَ النَّاسُ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ صِفَةِ الرَّبِّ فِي عَبْدِهِ بِالنَّصَارَى الْقَائِلِينَ بِالْحُلُولِ وَهُوَ شَبِيهٌ بِهِمْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ.
لَكِنَّ النَّصَارَى لَا يَقُولُونَ بِحُلُولِ صِفَةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ بِحُلُولِ الْأُقْنُومِ الَّذِي هُوَ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِالصِّفَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ خَالِقٌ وَرَازِقٌ، وَهُوَ خَالِقُ آدَمَ وَمَرْيَمَ، وَهُوَ وَلَدُ آدَمَ وَمَرْيَمَ، وَهُوَ خَالِقٌ لَهُمَا بِلَاهُوتِهِ ابْنٌ لَهُمَا بِنَاسُوتِهِ.
وَيَقُولُونَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَهُوَ اللَّهُ بِلَاهُوتِهِ، وَيَقُولُونَ أَيْضًا بِاللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ لِأَجْلِ الِاتِّحَادِ، وَاللَّهُ كَفَّرَهُمْ بِقَوْلِهِم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِتَمْثِيلِهِمْ بِصِفَاتِ الشَّمْسِ وَالنَّارِ وَالنَّفْسِ التَّمْثِيلَ بِنَفْسِ مَا يَقُومُ بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ وَالنَّفْسِ مِنَ الضَّوْءِ وَالْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ، وَجَعَلُوا مَا يُثْبِتُونَهُ مِنَ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ - صِفَاتِ اللَّهِ، كَمَا أَنَّ هَذِهِ
[ ٣ / ٤٨٩ ]
صِفَاتٌ لِهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ.
قِيلَ لَهُمْ أَوَّلًا: لَمْ يُعَبِّرْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، فَلَيْسَ لَكُمْ إِذَا وَجَدْتُمْ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ ﵇، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ذِكْرَ الْإِيمَانِ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ - أَنْ تَقُولُوا: مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ صِفَةُ اللَّهِ الَّتِي هِيَ الْكَلِمَةُ وَالْعِلْمُ، وَلَا حَيَاةُ اللَّهِ، إِذْ كَانُوا لَمْ يُرِيدُوا هَذَا الْمَعْنَى بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِاسْمِ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ مَا هُوَ بَائِنٌ عَنِ اللَّهِ ﷿.
وَالْبَائِنُ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ صِفَةً لِلَّهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَالِقَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْبَشَرُ الْمُتَّحِدُ بِهِ خَالِقًا، فَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعْدَ ضَلَالٍ، ضَلَالًا حَيْثُ جَعَلْتُمْ مُرَادَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ بِالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ - صِفَةَ الرَّبِّ، ثُمَّ ضَلَالًا ثَانِيًا حَيْثُ جَعَلْتُمُ الصِّفَةَ خَالِقًا وَرَبًّا، ثُمَّ ضَلَالًا ثَالِثًا حَيْثُ جَعَلْتُمُ الصِّفَةَ تَتَّحِدُ بِبَشَرٍ هُوَ عِيسَى، وَيُسَمَّى الْمَسِيحَ وَيَكُونُ هُوَ الْخَالِقَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَضَلَلْتُمْ فِي الْحُلُولِ ضَلَالًا مُثَلَّثًا بَعْدَ ضَلَالِكُمْ فِي التَّثْلِيثِ أَيْضًا ضَلَالَاتٍ أُخَرَ، حَيْثُ أَثْبَتُّمْ ثَلَاثَ صِفَاتٍ دُونَ غَيْرِهَا، وَجَعَلْتُمُوهَا جَوَاهِرَ أَرْبَابًا، ثُمَّ قُلْتُم: إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَضَلَلْتُمْ ضَلَالًا مُثَلَّثًا فِي التَّثْلِيثِ، وَضَلَالًا مُثَلَّثًا فِي الِاتِّحَادِ.
وَقِيلَ لَكُمْ ثَانِيًا: إِذَا جَعَلْتُمْ ذَلِكَ صِفَاتٍ لِلَّهِ، كَمَا أَنَّ الضَّوْءَ وَالنُّطْقَ وَالْحَرَارَةَ صِفَاتٌ لِمَا تَقُومُ بِهَا - امْتَنَعَ أَنْ تَحُلَّ بِغَيْرِهَا، وَامْتَنَعَ مَعَ
[ ٣ / ٤٩٠ ]
الْحُلُولِ أَنْ تَكُونَ فَاعِلَةً فِعْلَ النَّارِ وَالشَّمْسِ وَالنَّفْسِ، وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُ الْكَلِمَةَ وَالْحَيَاةَ حَالَّةً بِغَيْرِ اللَّهِ، وَجَعَلْتُمْ مَا يَحُلُّ بِهِ إِلَهًا خَالِقًا، بَلْ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعُقَلَاءِ لَا يَجْعَلُ مَا يَحْصُلُ فِيهِ ضَوْءُ النَّارِ - نَارًا، وَلَا مَا يَحْصُلُ فِيهِ شُعَاعُ الشَّمْسِ - شَمْسًا، وَلَا مَا يَحْصُلُ فِيهِ نُطْقُ زَيْدٍ وَعِلْمُهُ - هُوَ نَفْسَ زَيْدٍ، فَكَانَ جَعْلُكُمُ الْمَسِيحَ هُوَ الْخَالِقَ لِلْعَالَمِ - مُخَالِفًا لِتَمْثِيلِكُم.
وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَا يُطَابِقُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، إِذْ كَانَ كَامِلًا بَاطِلًا مُتَنَاقِضًا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُهُ، فَلَا تَمْثِيلَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ الثَّابِتَةِ الْمَعْلُومَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ تَمْثِيلًا غَيْرَ مُطَابِقٍ.
وَلِهَذَا يُشَبِّهُونَ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ تَارَةً بِحُلُولِ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ، وَتَارَةً بِحُلُولِ النَّارِ فِي الْحَدِيدِ، وَتَارَةً بِالنَّفْسِ وَالْبَدَنِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ بِأَنَّهُمَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ اخْتَلَطَا كَاخْتِلَاطِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبُوهَا لِلَّهِ أَمْثَالٌ بَاطِلَةٌ، فَإِنَّ الْمَاءَ فِي الظَّرْفِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْعِيَةِ مُحْتَاجٌ إِلَى وِعَائِهِ، لَوِ انْخَرَقَ وِعَاؤُهُ لَتَبَدَّدَ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِهِ، وَلَا يَتَّصِفُ الظَّرْفُ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَاءِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَا إِلَى الْعَرْشِ، وَلَا إِلَى غَيْرِهِ، أَوْ يُحِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ؛ إِذْ هُوَ الظَّاهِرُ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ.
كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: («أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ،
[ ٣ / ٤٩١ ]
وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»، فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ مُمَاثِلًا لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، كَمَا لَمْ تَكُنْ ذَاتُهُ كَذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، كَمَا أَخْبَرَنَا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ غِنَاهُ عَنِ الْعَرْشِ.
وَالْمَخْلُوقُ الْمُسْتَوِي عَلَى السَّرِيرِ أَوِ الْفُلْكِ أَوِ الدَّابَّةِ لَوْ ذَهَبَ مَا تَحْتَهُ لَسَقَطَ؛ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَهُوَ الْحَامِلُ بِقُدْرَتِهِ لِلْعَرْشِ وَلِحَمَلَةِ الْعَرْشِ.
وَفِرَقُ النَّصَارَى الثَّلَاثَةُ يَقُولُونَ بِالِاتِّحَادِ، فَلَا يَنْفَعُهُمُ التَّمْثِيلُ بِحُلُولِ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِالْحُلُولِ الْمُجَرَّدِ مَعَ أَنَّ الرَّبَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى النَّاسُوتِ لَا يَحْوِيهِ وَلَا يَمَسُّهُ، بَلْ كَمَا خَاطَبَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، فَهَذَا يُوجِبُ أَنَّ النَّاسُوتَ لَا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ كَالشَّجَرَةِ،
[ ٣ / ٤٩٢ ]
ثُمَّ إِنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّوْتَ الَّذِي كَانَ يُسْمَعُ هُوَ صَوْتُ النَّاسُوتِ، فَالتَّمْثِيلُ بِالشَّجَرَةِ أَيْضًا بَاطِلٌ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا الْحَدِيدُ وَالْخَشَبُ وَغَيْرُهُمَا إِذَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ نَارًا لِاتِّصَالِهِ بِالنَّارِ، لَا أَنَّ النَّارَ الَّذِي اسْتَحَالَ إِلَيْهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَحَلَّتْ بِهِ، فَهَذَا اسْتِحَالَةٌ بِلَا حُلُولٍ، وَالنَّارُ الَّذِي صَارَتْ فِي الْحَدِيدِ حَادِثَةٌ عَنْ تِلْكَ النَّارِ لَيْسَتْ إِيَّاهَا، ثُمَّ تِلْكَ الْحَدِيدَةُ إِذَا طُرِقَتْ وَقَعَ التَّطْرِيقُ عَلَى النَّارِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أُلْقِيَتْ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا تَمْثِيلًا مُطَابِقًا لَكَانَ الضَّرْبُ وَالصَّلْبُ وَالْإِهَانَةُ وَقَعَ عَلَى اللَّاهُوتِ، وَكَانَ اللَّاهُوتُ هُوَ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِالْمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ.
وَيُحْكَى عَنْ بَعْضِ طَائِفَةٍ مِنْهُم كَالْيَعْقُوبِيَّةِ أَنَّهُ يَقُولُ بِهَذَا الْكُفْرِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَالْمَلَكِيَّةِ وَالنُّسْطُورِيَّةِ يُنْكِرُهُ، فَهُوَ لَازِمٌ لَهُم، وَكَذَلِكَ إِذَا شَبَّهُوهُ بِالنَّفْسِ وَالْبَدَنِ، فَإِنَّ النَّفْسَ تَتَأَلَّمُ تَأَلُّمَ الْبَدَنِ، وَتَسْتَحِيلُ صِفَاتُهَا بِكَوْنِهَا فِي الْبَدَنِ، وَتَكْتَسِبُ عَنِ الْبَدَنِ أَخْلَاقًا وَصِفَاتٍ، فَلَوْ كَانَ هَذَا تَمْثِيلًا مُطَابِقًا لَزِمَ تَأَلُّمُ اللَّاهُوتِ بِآلَامِ الْبَدَنِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَأَلِّمًا بِجُوعِ الْبَدَنِ وَعَطَشِهِ وَضَرْبِهِ وَصَلْبِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَحِيلًا لِمَا
[ ٣ / ٤٩٣ ]
اكْتَسَبَهُ مِنْ صِفَاتِ النَّاسُوتِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ لِلنَّفْسِ، وَأَمَّا قَوْلُهُم: إِذْ لَمْ نُهْمِلْ مَا تَسَلَّمْنَاهُ، وَلَمْ نَرْفُضْ مَا تَقَلَّدْنَاهُ، فَقَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْيَهُودِ لِلْمَسِيحِ: إِنَّا لَا نُهْمِلُ مَا تَسَلَّمْنَاهُ، وَلَا نَرْفُضُ مَا تَقَلَّدْنَاهُ مِن مُوسَى ﵇.
وَجَوَابُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّكُمْ بَدَّلْتُمْ وَحَرَّفْتُمُ الْكِتَابَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكُم، وَالشَّرْعَ الَّذِي شُرِعَ لَكُم، وَتَبْدِيلُ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ جَمِيعِ عُقَلَاءِ الْأَنَامِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْيَهُودُ بَعْدَ التَّبْدِيلِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الشَّرْعَ الَّذِي شَرَعَهُ مُوسَى ﵇، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّصَارَى بَعْدَ التَّبْدِيلِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الشَّرْعَ الَّذِي شَرَعَهُ الْمَسِيحُ ﵇.
وَالثَّانِي: أَنَّكُمْ كَذَّبْتُمْ بِالْكِتَابِ الْآخِرِ، وَالرَّسُولِ الْآخِرِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُم، وَمَنْ كَذَّبَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَالرَّسُولَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِ - كَانَ كَافِرًا مُسْتَحِقًّا لِعَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُتَّبِعًا لِشَرْعِ رَسُولٍ، وَكِتَابٍ غَيْرِ مُبَدَّلٍ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ قَدْ بُدِّلَ مَا بُدِّلَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَمَعَانِيهِ؟
[ ٣ / ٤٩٤ ]
[فَصْلٌ: إِسْقَاطُ احْتِجَاجِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى بَاطِلِهِمْ وَأَنَّ الْقُرْآنَ يُؤْخَذُ كُلُّهُ]
وَأَمَّا قَوْلُهُم: وَلَنَا هَذِهِ الشَّهَادَاتُ وَالدَّلَائِلُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي فِي أَيْدِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ.
فَيُقَالُ: لَا يَصِحُّ اسْتِشْهَادُهُمْ بِهَذَا الْكِتَابِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ الَّذِي قَدْ جَاءَ بِهِ، قَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْهِم، وَأَنَّهُمْ كُفَّارٌ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، مُسْتَحِقُّونَ لِلْجِهَادِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ جِهَادَهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِكُفْرِهِم، فَإِنْ كَانَ هَذَا رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِكُفْرِهِمْ؛ ثَبَتَ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ.
فَإِنَّ الرَّسُولَ لَا يَقُولُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا حَقًّا، لَا يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ مِنَ الْكَذَّابِينَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، مُسْتَحِقٌّ لِعُقُوبَةِ الْكَذَّابِينَ، كَمَا قَالَ
[ ٣ / ٤٩٥ ]
تَعَالَى:
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] (٤٤) ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] (٤٥) ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] (٤٦) ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] .
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] (١٠١) ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] (١٥) ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]
فَمَتَى كَانَتْ كَلِمَةٌ مِنْ كَلِمَاتِ هَذَا الْكِتَابِ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ كِتَابَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنَّ الْكَاذِبَ قَدْ يَصْدُقُ فِي أَكْثَرِ
[ ٣ / ٤٩٦ ]
مَا يَقُولُهُ، لَكِنْ إِذَا كَذَبَ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُهُ كَانَ كَاذِبًا، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُرْسِلُ مَنْ يَكْذِبُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَرْضَى أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ أَوْ عَجْزِهِ، فَكَيْفَ يُرْسِلُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهِ.
وَحِينَئِذٍ فَمَتَى كَذَّبُوا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا فِي الْكِتَابِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِشْهَادُهُمْ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ صَدَّقُوا بِالْكِتَابِ كُلِّهِ لَزِمَهُمُ الْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَاتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ، وَالِاعْتِرَافُ بِكُفْرِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ، وَكُفْرِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ آمَنَ بِالرَّسُولِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ بَعْضُ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي أَصْلِ إِيمَانِهِ بِالرَّسُولِ.
فَالْمُسْلِمُونَ إِذَا كَذَّبُوا بِبَعْضِ مَا نُقِلَ عَن مُوسَى وَالْمَسِيحِ فَهُوَ لِطَعْنِهِمْ فِي النَّاقِلِ، لَا فِي النَّبِيِّ الْمَنْقُولِ عَنْهُ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَيَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ جَاءَ بِالْقُرْآنِ، فَطَعْنُهُمْ فِي بَعْضِهِ طَعْنٌ فِي الرَّسُولِ نَفْسِهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا مَثَّلُوا بِهِ مِنَ الْوَثِيقَةِ الَّتِي كُتِبَ وَفَاؤُهَا فِي ظَهْرِهَا، فَإِنَّ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَقَرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ الْمُسْقِطِ لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ هُنَاكَ حَقٌّ لَهُ يَدَّعِيهِ، بِخِلَافِ مَا يُخْبِرُ بِهِ الَّذِي
[ ٣ / ٤٩٧ ]
يَقُولُ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيَّ هَذَا الْكِتَابَ كُلَّهُ، وَأَرْسَلَنِي بِكَذَا وَكَذَا إِلَى كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَذَبَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَرْسَلَهُ، فَإِنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ يُبَلِّغُ عَنْهُ مَا يَقُولُهُ، بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَإِرْسَالُ اللَّهِ لِلرَّسُولِ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:
إِنْشَاءَ اللَّهِ لِلرِّسَالَةِ، وَاللَّهُ حَكِيمٌ، وَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ، لَا يَجْعَلُهَا إِلَّا فِيمَنْ هُوَ مِنْ أَكْمَلِ الْخَلْقِ وَأَصْدَقِهِم.
وَيَتَضَمَّنُ إِخْبَارَ اللَّهِ عَنْهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ عَلَيْهِ، فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ مِمَّا يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ بِهِ، فَكَمَا صَدَّقَهُ بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ أَرْسَلَنِي، فَقَدْ صَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ: إِنَّهُ أَرْسَلَنِي بِهِ، إِذِ التَّصْدِيقُ بِكَوْنِهِ أَرْسَلَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِصِدْقِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ - لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْإِرْسَالِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ لِمَنْ أَرْسَلَهُ بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ الَّذِي يَبْعَثُ مَنْ يَظُنُّهُ يَصْدُقُ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، فَيَظْهَرُ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ، وَالرِّسَالَةُ صَادِرَةٌ مِنْ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَمَنْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ لَمْ يُبَلِّغْ عَنْهُ مَا يَقُولُهُ، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يَكُونُ رَسُولَهُ.
وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْمِلَلِ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ، لَا يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ عَمْدًا وَلَا خَطَأً، فَإِنَّ هَذَا مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ، فَكَانَ تَمْثِيلُ هَذَا بِالْوَثِيقَةِ تَمْثِيلًا بَاطِلًا، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ لِلْإِسْقَاطِ لَمْ يَدَّعِ كَلَامًا
[ ٣ / ٤٩٨ ]
مُتَنَاقِضًا، بَلْ قَالَ: أَقْرَرْتُ بِهَذَا الدَّيْنِ، ثُمَّ وَفَّيْتُكَ إِيَّاهُ، وَأَنْتَ تُقِرُّ بِوَفَائِهِ، وَإِقْرَارُكَ مَكْتُوبٌ فِي ظَهْرِهَا، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَحْتَجَّ بِإِقْرَارِي بِالدَّيْنِ دُونَ إِقْرَارِكَ بِالْوَفَاءِ، بَلْ إِمَّا أَنْ تَعْتَبِرَ مَا فِي الْوَثِيقَةِ مِنْ إِقْرَارِي وَإِقْرَارِكَ وَإِمَّا أَنْ تُبْطِلَ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ.
وَهَذَا كَلَامٌ عَدْلٌ كَالشَّرِيكَيْنِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، مِثْلَ شَرِيكَيِ الْعِنَانِ، إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: إِنْ حَصَلَ رِبْحٌ فَهُوَ لِي وَلَكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ رِبْحٌ فَلَا لِي وَلَا لَكَ.
وَكَذَلِكَ الْبَائِعُ وَالْمُؤَاجِرُ الَّذِي يَقُولُ: إِنْ كَانَ بَيْنَنَا مُعَاوَضَةٌ فَعَلَيْكَ تَسْلِيمُ مَا بَذَلْتُهُ، وَعَلَيَّ تَسْلِيمُ مَا بَذَلْتَهُ، لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا إِلَّا بِهَذَا، فَهَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ عَادِلٌ وَإِنْصَافٌ، بِخِلَافِ الشَّخْصِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي يُقَالُ: إِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ، فَإِنَّ هَذَا إِنْ كَانَ رَسُولًا صَادِقًا فَجَمِيعُ مَا بَلَّغَهُ مِنَ اللَّهِ حَقٌّ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَرْسَلَهُ، فَجَمِيعُ مَا بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ، فَلَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ خَبَرِهِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اللَّهِ شَيْءٌ وَلَا يُحْتَجُّ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ عَلَى شَيْءٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ وَعُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ كَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ
[ ٣ / ٤٩٩ ]
وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ، وَالْحَارِثِ الدِّمَشْقِيِّ، وَبَابَا الرُّومِيِّ، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ - لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوا أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِكَذِبِهِمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْهُم، فَأَيُّ شَيْءٍ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِم - كَانُوا كَاذِبِينَ فِيهِ، وَمَتَى عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْتَجَّ بِجِنْسِ الَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ كَذَبَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ عِنَدِيٌّ: إِنَّ مُوسَى أَو دَاوُدَ أَوِ الْمَسِيحَ (كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ فِي بَعْضِ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، كَانُوا بِمَنْزِلَةِ) مَنْ لَمْ يُرْسِلْهُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ، لَكِنْ كَذَبُوا فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُم، فَإِذَا أَرَادَ مَعَ هَذَا أَنْ يَحْتَجَّ بِمَا يَنْقُلُ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ عَنِ اللَّهِ كَانَ مُتَنَاقِضًا، وَكَانَ احْتِجَاجُهُ بَاطِلًا غَيْرَ مَقْبُولٍ، بَلْ لَوْ قَالَ: أَنَا أَشُكُّ فِي بَعْضِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ، هَلْ كَذَبُوا فِيهِ أَمْ لَا؟ كَانَ كَذَلِكَ شَكًّا فِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُم، فَإِنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ لَا يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ لَا خَطَأً وَلَا عَمْدًا، وَمَعَ شَكِّهِ فِي
[ ٣ / ٥٠٠ ]
ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ عَنِ اللَّهِ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ فِي نَفْسِ ذَلِكَ الَّذِي نَقَلُوهُ عَنِ اللَّهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ رَسُولِ الْوَاحِدِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَرْسَلَهُ، ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ صَدَقَ فِي بَعْضِ مَا بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ، وَكَذَبَ فِي الْبَعْضِ.
وَيَجُوزُ عَلَى الْآدَمِيِّ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يَكْذِبُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ، أَوْ عَدَمِ حِكْمَتِهِ فِي إِرْسَالِهِ.
وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالَى: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ نَبِيًّا يَكْذِبُ عَلَيْهِ لَا عَمْدًا، وَلَا خَطَأً، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ وَالْمُخْبِرُ الَّذِي قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ تَارَةً يَصْدُقُ وَتَارَةً يَكْذِبُ - يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِبَعْضِ أَخْبَارِهِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهَا صِدْقُهُ لِدَلَالَاتٍ تَقْتَرِنُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الرَّسُولِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَذَبَ كِذْبَةً وَاحِدَةً امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْسَلَهُ، فَصَارَ جَمِيعُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ هُوَ كَاذِبٌ فِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ بِهِ، فَكَذِبُهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُوجِبُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي جَمِيعِ مَا بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا حَكَاهُ وَرَوَاهُ عَنِ اللَّهِ قَدْ كَذَبَ فِيهِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ، لَكِنَّ تَبْلِيغَهُ عَنِ اللَّهِ وَنَقْلَهُ وَرِوَايَتَهُ وَحِكَايَتَهُ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ.
[ ٣ / ٥٠١ ]
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يَنْسَخُ مَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ، مِمَّا يُنَاقِضُ مَقْصُودَ التَّبْلِيغِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] (٥٢) ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣] (٥٣) ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤] (٥٤) ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥]
وَإِنْ قَالُوا: خَبَرُهُ يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَانَ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا أَيْضًا إِنْ كَانَ حَقًّا، فَإِنَّهُ يَقْدَحُ فِي رِسَالَتِهِ، فَإِنَّ الرَّسُولَ لَا يُنَاقِضُ بَعْضُ خَبَرِهِ بَعْضًا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ لَكُمْ أَنْ تَحْتَجُّوا بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ.
فَعُلِمَ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمُ الَّذِي خَالَفُوا بِهِ هَذَا الْكِتَابَ - فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَاسْتِدْلَالٌ بِمَا فِي الْكِتَابِ عَلَى مَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الِاسْتِدْلَالِ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْكِتَابِ.
وَإِذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ تَسْتَلْزِمُ فَسَادَ بَعْضِ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ بَطَلَ
[ ٣ / ٥٠٢ ]
الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ، الَّذِي لَا يَصِحُّ إِلَّا بِصِحَّةِ مُقَدِّمَاتِهِ، فَإِذَا كَانَتْ مُقَدِّمَتُهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَعَ فَسَادِ نَتِيجَتِهِ، وَنَتِيجَتُهُ مُسْتَلْزِمَةً لِفَسَادِ مُقَدِّمَتِهِ - كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ صِحَّةِ الْمُقَدِّمَةِ، وَالنَّتِيجَةِ جَمْعًا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ عَلَى مَا يُنَاقِضُ مَا فِي الْكِتَابِ، كَاسْتِدْلَالِ النَّصَارَى بِآيَاتٍ فِيهِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِم، كَانَ تَنَاقُضًا، فَإِنَّهُ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ الدَّلِيلُ، بِأَنْ مَدَحَ دِينَهُمْ مَعَ ذَمِّهِ كَانَ مُتَنَاقِضًا، وَالْكِتَابُ الْمُتَنَاقِضُ لَا يَكُونُ كِتَابَ اللَّهِ.
وَإِنْ فَسَدَ أَحَدُهُمَا، إِمَّا فَسَادُ دِينِهِم، وَإِمَّا فَسَادُ مَدْحِهِ، فَالْكِتَابُ الَّذِي فِيهِ فَسَادٌ لَا يَكُونُ كِتَابَ اللَّهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ كِتَابَ اللَّهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَرَ اللَّهِ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ رَجُلًا عَالِمًا حَكِيمًا، وَهَذَا لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، إِذْ لَيْسَ مَعْصُومًا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ ﵈.
وَالنَّصَارَى يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ، فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِم، وَإِنْ قَالُوا: هُوَ رَجُلٌ عَالِمٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ مِنَ اللَّهِ قِيلَ لَهُمْ فَهَذَا قَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِجَوَازِ أَنْ يُخْطِئَ، وَلَكِنْ يُعْتَضَدُ بِقَوْلِهِ، وَأَمَّا إِذَا ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، وَهُوَ لَمْ يُرْسِلْهُ بِهَذَا الْكِتَابِ كُلِّهِ - فَهَذَا كَذَّابٌ لَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَلَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا عَدْلًا
[ ٣ / ٥٠٣ ]
فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَكِيمًا، بَلْ هُوَ مِنَ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] .
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَا يُنَاقِضُ شَيْئًا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْكِتَابِ تَنَاقُضٌ يَحْتَجُّونَ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُم: وَأَعْظَمُ حُجَّتِنَا مَا وَجَدْنَاهُ فِيهِ مِنَ الشَّهَادَةِ لَنَا بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَنَا فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَيُقَالُ: بَلْ مَا ذَكَرُوهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُم، فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ الْمَسِيحَ أَنَّهُ جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَخَبَرُ اللَّهِ حَقٌّ، وَوَعْدُ اللَّهِ صِدْقٌ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَلَمَّا اتَّبَعَ الْمَسِيحَ مَنْ آمَنَ بِهِ جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِم.
ثُمَّ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالدِّينِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْمَسِيحَ، وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ، مُصَدِّقًا لِمَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَكَانَ الْمَسِيحُ مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ اسْمُهُ (أَحْمَدُ) صَارَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَتْبَعَ لِلْمَسِيحِ ﵇ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ غَيَّرُوا شَرِيعَتَهُ، وَكَذَّبُوهُ فِيمَا بَشَّرَ بِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوْقَ النَّصَارَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
كَمَا جَعَلَهُمْ أَيْضًا فَوْقَ الْيَهُودِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالنَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَيْسُوا مُتَّبِعِينَ الْمَسِيحَ، لَكِنَّهُمْ أَتْبَعُ لَهُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ بَالَغُوا فِي تَكْذِيبِهِ وَسَبِّهِ، فَإِنَّهُمْ كَذَّبُوهُ أَوَّلًا، وَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ ثَانِيًا، فَصَارُوا أَبْعَدَ عَنْ مُتَابَعَةِ الْمَسِيحِ مِنَ النَّصَارَى فَكَانُوا مَجْعُولِينَ فَوْقَ الْيَهُودِ.
وَالْمُؤْمِنُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، هُمُ الْمُتَّبِعُونَ لِلْمَسِيحِ ﵇، وَمَنْ سِوَاهُمْ كَافِرٌ بِهِ فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوْقَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا جَاءَ الْمُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَ النَّصَارَى غَلَبُوهُم، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ خِيَارَ الْأَرْضِ: الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةِ، وَمَا حَوْلَهَا مِن مِصْرَ وَالْجَزِيرَةِ، وَأَرْضَ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ مُنْتَصِرِينَ عَلَى النَّصَارَى، وَلَا يَزَالُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ تَنْتَصِرِ النَّصَارَى قَطُّ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ،
[ ٣ / ٥٠٥ ]
وَإِنَّمَا تَنْتَصِرُ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِم، ثُمَّ يُؤَيِّدُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِم.
وَلَوْ كَانَ النَّصَارَى هُمُ الْمُتَّبِعِينَ لِلْمَسِيحِ ﵇، وَالْمُسْلِمُونَ كُفَّارًا بِهِ - لَوَجَبَ أَنْ يَنْتَصِرُوا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ يُنْكِرُونَ إِلَهِيَّةَ الْمَسِيحِ وَيُكَفِّرُونَ النَّصَارَى، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُتَّبِعِينَ لِلْمَسِيحِ هُمُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ النَّصَارَى
[
[ ٣ / ٥٠٦ ]
[فَصْلٌ: تَفْسِيرُهُمْ لِتَجَسُّمِ كَلِمَةِ اللَّهِ بِالْمَسِيحِ وَأَنَّهُ اتِّحَادٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَنَحْوِهِ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ]
قَالُوا: وَأَمَّا تَجَسُّمُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ الَّتِي بِهَا خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَتَجَسُّدُهَا بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ الَّذِي أُخِذَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْمُصْطَفَاةِ، الَّتِي فُضِّلَتْ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَاتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ بِهِ اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنَ اخْتِلَاطٍ أَوْ تَغَيُّرٍ أَوِ اسْتِحَالَةٍ، وَخَاطَبَ النَّاسَ كَمَا خَاطَبَ اللَّهُ مُوسَى النَّبِيَّ مِنَ الْعَوْسَجَةِ، فَفَعَلَ الْمُعْجِزَ بِلَاهُوتِهِ، وَأَظْهَرَ الْعَجْزَ بِنَاسُوتِهِ، وَالْفِعْلَانِ هُمَا مِنَ الْمَسِيحِ الْوَاحِدِ
وَالْجَوَابُ: إِنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ وَالْكُفْرِ وَالتَّنَاقُضِ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ: كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ الَّتِي بِهَا خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ، فَإِنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ، وَهُوَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِكَلَامِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كُنْ، فَالْخَالِقُ لَمْ يَخْلُقْ بِهِ الْأَشْيَاءَ، بَلْ هُوَ خَلَقَهَا، وَالْكَلَامُ الَّذِي بِهِ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقَ لَهَا، بَلْ خَلَقَ الْخَالِقُ الْأَشْيَاءَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَبَيْنَ مَا بِهِ خَلْقُ الْخَالِقِ مَعْقُولٌ.
وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْخَالِقَ هُوَ الَّذِيْ بِهِ خُلِقَتِ الْمَخْلُوقَاتُ، فَجَعَلُوا الْكَلِمَةَ هِيَ الْخَالِقَ، وَجَعَلُوا الْمَخْلُوقَاتِ خُلِقَتْ بِهَا.
[ ٤ / ٥ ]
وَإِيضَاحُ هَذَا أَنَّ الْكَلِمَةَ إِنْ كَانَتْ مُجَرَّدَ الصِّفَةِ، فَإِنَّ الصِّفَةَ لَيْسَتْ خَالِقَةً، وَإِنْ كَانَتِ الصِّفَةُ مَعَ الْمَوْصُوفِ فَهَذَا هُوَ الْخَالِقُ، لَيْسَ هَذَا هُوَ الْمَخْلُوقَ بِهِ
وَالثَّانِيْ: قَوْلُهُمْ: تَجَسُّدُهَا بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ وَقَوْلُهُمْ: تَجَسُّمُ كَلِمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ تَجَسَّمَتْ وَتَجَسَّدَتْ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلِمَةَ صَارَتْ جَسَدًا وَجِسْمًا بِالْإِنْسَانِ الْمَخْلُوقِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْقِلَابَهَا جَسَدًا وَجِسْمًا، وَهَذَا يَقْتَضِي اسْتِحَالَتَهَا وَتَغَيُّرَهَا، وَهُمْ قَالُوا: اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنْ تَغَيُّرٍ وَاسْتِحَالَةٍ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: اتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ بِهِ اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنِ اخْتِلَاطٍ أَوْ تَغَيُّرٍ أَوِ اسْتِحَالَةٍ، كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ أَيْضًا، فَإِنَّ الِاتِّحَادَ يُصَيِّرُ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا، فَيُقَالُ قَبْلَ الِاتِّحَادِ: كَانَ اللَّاهُوتُ جَوْهَرًا وَالنَّاسُوتُ جَوْهَرًا آخَرَ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: كَانَ هَذَا شَيْئًا وَهَذَا شَيْئًا، أَوْ هَذَا عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، وَهَذَا عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، فَبَعْدَ الِاتِّحَادِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ كَمَا كَانَا أَوْ صَارَ الِاثْنَانِ وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ كَمَا كَانَا فَلَا اتِّحَادَ، بَلْ هُمَا مُتَعَدِّدَانِ كَمَا كَانَا مُتَعَدِّدَيْنِ، وَإِنْ كَانَا قَدْ صَارَا شَيْئًا وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَاحِدُ هُوَ أَحَدَهُمَا، فَالْآخَرُ قَدْ عُدِمَ وَهَذَا عَدَمٌ لِأَحَدِهِمَا لَا اتِّحَادُهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي صَارَ وَاحِدًا لَيْسَ هُوَ أَحَدَهُمَا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِهِمَا وَاسْتِحَالَتِهِمَا، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ اثْنَيْنِ بَاقِيَيْنِ بِصِفَاتِهِمَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اتِّحَادٌ.
فَإِذَا قِيلَ: اتَّحَدَ اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنِ اخْتِلَاطٍ أَوْ تَغَيُّرٍ أَوِ اسْتِحَالَةٍ، كَانَ
[ ٤ / ٦ ]
هَذَا كَلَامًا مُتَنَاقِضًا، يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ التَّمَدُّدِ وَالْمُبَايَنَةِ، لَا مَعَ الِاتِّحَادِ، يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اتَّحَدَ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ، أَوِ الْمَاءُ وَالْخَمْرُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَ الْحَاصِلُ مِنِ اتِّحَادِهِمَا شَيْئًا ثَالِثًا لَيْسَ مَاءً مَحْضًا وَلَا لَبَنًا مَحْضًا، بَلْ هُوَ نَوْعٌ ثَالِثٌ، وَكُلٌّ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ قَدِ اسْتَحَالَ وَتَغَيَّرَ وَاخْتَلَطَ، وَأَمَّا اتِّحَادٌ بِدُونِ ذَلِكَ فَغَيْرُ مَعْقُولٍ.
وَلِهَذَا عَظُمَ اضْطِرَابُ النَّصَارَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَثُرَ اخْتِلَافُهُمْ، وَصَارَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرُدُّ عَلَى الْآخَرِ مَا يَقُولُهُ وَيَقُولُ هُوَ قَوْلًا يَكُونُ مَرْدُودًا، فَكَانَتْ أَقْوَالُهُمْ كُلُّهَا بَاطِلَةً مَرْدُودَةً، إِذْ كَانُوا قَدِ اشْتَرَكُوا فِي أَصْلٍ فَاسِدٍ يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أُمُورٍ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْ تِلْكَ اللَّوَازِمِ كَانَ بَاطِلًا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَيَأْخُذُ هَذَا بَعْضَ اللَّوَازِمِ فَيَرُدُّهُ الْآخَرُ، وَيَأْخُذُ الْآخَرُ لَازِمًا آخَرَ فَيَرُدُّهُ الْآخَرُ.
وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الْمَقَالَاتِ الْبَاطِلَةِ، إِذَا اشْتَرَكَ فِيهَا طَائِفَةٌ لَزِمَهَا لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ، وَفَسَادُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَلْزُومِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الْمَلْزُومُ تَحَقَّقَ اللَّازِمُ، وَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ.
وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْوَجْهِ الرَّابِعِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُ: إِنَّهُمَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُضَافُ إِلَى الْيَعْقُوبِيَّةِ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ اخْتَلَطَا وَامْتَزَجَا، كَمَا يَخْتَلِطُ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ، وَالْمَاءُ وَالْخَمْرُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّحَادِ، لَا يُعْقَلُ
[ ٤ / ٧ ]
الِاتِّحَادُ إِلَّا هَكَذَا، لَكِنَّ فَسَادَهُ ظَاهِرٌ لِعُقُولِ النَّاسِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَازِمًا لِقَوْلٍ النَّصَارَى وَفَسَادُهُ ظَاهِرًا، كَانَ فَسَادُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَلْزُومِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ، وَالَّذِي ضُرِبَ وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَنَفْسُ تَصَوُّرِ هَذَا الْقَوْلِ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِبُطْلَانِهِ وَتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَائِلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] (٨٨) ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] (٨٩) ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] (٩٠) ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩١] (٩١) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] (٩٢) ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] (٩٣) ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] (٩٤) ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُمْ: وَخَاطَبَ النَّاسَ كَمَا خَاطَبَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الْعَوْسَجَةِ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَلَّمَهُمْ الْمَسِيحُ مِمَنْ آمَنَ بِهِ وَكَفَرَ بِهِ، بِمَنْزِلَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَكْلِيمَ اللَّهِ لِمُوسَى ﵊، مِمَّا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ، فَإِنْ كَانَ آحَادُ النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ آحَادِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ.
[ ٤ / ٨ ]
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنْ خِطَابَ اللَّهِ لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ أَفْضَلُ مِنْ خِطَابِهِ لِمَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ، وَالْمَسِيحُ ﵇ لَمْ يُكَلِّمْ عَامَّةَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، بَلْ لَمْ يُكَلِّمْ إِلَّا نَاسًا مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ اللَّهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَمْ يُكَلِّمْ إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَسُولًا، وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَهُ رُسُلًا كَثِيرِينَ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيْثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ عِدَّتَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْمُسْنَدِ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ﷿» وَهَذِهِ
[ ٤ / ٩ ]
السَبْعُونَ سَوَاءً كَانَتْ هِيَ الَّتِي هَدَاهَا أَوْ هِيَ الْجَمِيعَ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الرُّسُلِ، وَلَمْ يُكَلِّمِ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ بَشَرٍ حَلَّ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُكَلِّمُ لِلنَّاسِ فِي عِيسَى هُوَ اللَّهَ، لَكَانَ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِلَّذِينِ كَلَّمَهُمْ عِيسَى مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلَ مِنْ تَكْلِيمِهِ رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ النَّاسُوتَ نَاسُوتَ الْمَسِيحِ هُوَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ النَّوَاسِيتِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ ﷺ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرَاهُ كَانَ أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ الِاتِّصَالَ بِهِ وَمَمَاسَّتَهُ، فَضْلًا عَنِ الِاتِّحَادِ بِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى ﵇ مِنَ الشَّجَرَةِ، كَانَ الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ مُخَالِفًا لِمَا يُسْمَعُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَلِهَذَا لَمْ تُطِقْ بَنُو إِسْرَائِيْلَ سَمَاعَ ذَلِكَ الصَّوْتِ، بَلْ قَالُوا لِمُوسَى: صِفْ لَنَا ذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ.
[ ٤ / ١٠ ]
كَمَا رَوَى الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فِيمَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: " لَمَّا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي أَسْمَعُ هُوَ كَلَامُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا مُوسَى، هُوَ كَلَامِي، وَإِنَّمَا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلَافِ لِسَانٍ، وَلِي قُوَّةُ الْأَلْسُنِ كُلِّهَا، وَأَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَلَّمْتُكَ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُ بَدَنُكَ، وَلَوْ كَلَّمْتُكَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا لَمِتَّ، فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ قَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا كَلَامَ رَبِّكَ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَهَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ؟ قَالُوا: فَشَبِّهْهُ لَنَا. قَالَ: هَلْ سَمِعْتُمْ أَصْوَاتَ الصَّوَاعِقِ الَّتِي تُقْبِلُ فِي أَحْلَى حَلَاوَةٍ سَمِعْتُمُوهَا، فَكَأَنَّهُ مِثْلُهُ ".
وَأَمَّا الْمَسِيحُ ﵇ فَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَسْمَعُ صَوْتَهُ
[ ٤ / ١١ ]
كَصَوْتِ سَائِرِ النَّاسِ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْهُمْ بِمَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ الْجِنِّيَّ إِذَا حَلَّ فِي الْإِنْسِيِّ كَمَا يَحِلُّ فِي الْمَصْرُوعِ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ، فَإِنَّهُ يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ، وَيَعْرِفُ الْحَاضِرُونَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ الْإِنْسِيِّ مَعَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الْإِنْسِيِّ، وَحَرَكَةِ أَعْضَائِهِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ الصَّوْتَ حَصَلَ بِحَرَكَةِ بَدَنِ الْإِنْسِيِّ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا خَالَفَ بِهِ الْمَعْهُودَ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِيِّ، وَالْإِنْسَانُ الَّذِي حَلَّ فِيهِ الْجِنِّيُّ يَغِيبُ عَنْهُ عَقْلُهُ وَلَا يَشْعُرُ بِمَا تَكَلَّمَ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِهِ، فَرَبُّ الْعَالَمِينَ ﷾ لَوْ حَلَّ فِي بَشَرٍ وَاتَّحَدَ بِهِ وَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِ، وَكَانَ الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ كَلَامَ اللَّهِ الْمَسْمُوعَ مِنْهُ، لَكَانَ يَظْهَرُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَعْهُودِ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِيِّ مَا هُوَ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَكَانَ يَتَغَيَّرُ حَالُ الْإِنْسِيِّ غَايَةَ التَّغَيُّرِ، فَإِنَّ الرَّبَّ ﷿ لَمَّا تَجَلَّى لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، فَإِذَا كَانَ الْبَدَنُ الْإِنْسِيُّ لَا يَثْبُتُ لِتَجَلِّيهِ لِلْجَبَلِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لِحُلُولِهِ فِيهِ وَتَكَلُّمِهِ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ فِي الْبَدَنِ؟
وَقَدْ كَانَ الْوَحْيُ وَالْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِي بَاطِنِهِمْ يَظْهَرُ التَّغَيُّرُ فِي أَبْدَانِهِمْ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ثَقُلَ حَتَّى يَبْرُكَ بِهِ الْبَعِيرُ، وَإِنْ كَانَ فَخِذُهُ عَلَى أَحَدٍ ثَقُلَ حَتَّى كَادَ يَرُضُّهُ.
[ ٤ / ١٢ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ " أَنْ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ قَالَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» ".
وَمُوسَى ﵇ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ مَقَتَ الْآدَمِيِّينَ، لِمَا وَقَرَ فِي سَمْعِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَكَانَ النُّورُ يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى كَانَ
[ ٤ / ١٣ ]
يَتَبَرْقَعُ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَ النَّصَارَى قَدِ اتَّحَدَ بِهِ اللَّاهُوتُ مِنْ حِينِ عَلِقَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وَلَمْ يَزَلْ مُتَّحِدًا بِهِ وَهُوَ حَمْلٌ فِي بَطْنِهَا، يَعْظُمُ اتِّحَادُهُ بِهِ كُلَّمَا كَبِرَ، ثُمَّ كَذَلِكَ كَانَ مُتَّحِدًا بِهِ وَهُوَ صَبِيٌّ إِلَى أَنْ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ وَهُوَ مُتَّحِدٌ بِهِ عِنْدَهُمْ، وَاللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ جَمِيعًا، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بَدَنُ الْمَسِيْحِ تَغَيُّرًا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَلَا ظَهَرَ مِنَ الْأَنْوَارِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَسِيْحَ قَبْلَ أَنْ يُعَمِّدَهُ (يُوحَنَّا) وَيَرَى شِبْهَ الْحَمَامَةِ نَازِلًا عَلَيْهِ، لَمْ يُظْهِرِ الْآيَاتِ، بَلْ كَانَ كَآحَادِ النَّاسِ، وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ قَلْبُ الْمَاءِ خَمْرًا.
وَمُوسَى ﵇ بِمُجَرَّدِ مَا سَمِعَ الْكَلَامَ ظَهَرَ عَلَيْهِ النُّورُ، وَأَيْنَ سَمْعُ الْكَلَامِ مِنَ الِاتِّحَادِ بِهِ؟
وَمُوسَى لَمَّا سَمِعَ الْكَلَامَ وَكَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّجَرَةِ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ وَظَهَرَ لَهُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ مَا يُنَاسِبُ تَكْلِيمَ اللَّهِ ﷿.
وَالرَّبُّ دَائِمًا عِنْدَ النَّصَارَى مُتَّحِدٌ بِبَدَنِ الْمَسِيحِ، وَلَمْ يُظْهِرْ مِنْ آيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعَظْمَةِ إِلَّا مَا يُظْهِرُ أَكْثَرَ مِنْهُ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ الْمُخَاطِبَ لِلنَّاسِ إِنْ كَانَ هُوَ مَجْمُوعَ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ فَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ يَدْعُو وَيَسْأَلُ، وَالْمَجْمُوعُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ يَسْأَلُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ اللَّاهُوتَ وَحْدَهُ
[ ٤ / ١٤ ]
كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ هَذَا، فَهُوَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ النَّاسُوتَ وَحْدَهُ فَلَمْ يَكُنِ اللَّاهُوتُ مُخَاطِبًا لِلنَّاسِ وَلَمْ يُكَلِّمِ اللَّهُ النَّاسَ مِنَ النَّاسُوتِ كَمَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ.
وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ حَقِيقَةِ كَلَامِ النَّاسُوتِ وَكَلَامِ اللَّاهُوتِ.
وَكَلَامُ الْمَسِيحِ الصَّرِيحُ فِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ كَثِيرٌ وَهُمْ يُقِرُّونَ بِهِ، لَكِنْ يَقُولُونَ ذَلِكَ كَلَامُ النَّاسُوتِ. فَيُقَالُ لَهُمْ حِينَئِذٍ: فَالْمُخَاطِبُ لِلنَّاسِ هُوَ النَّاسُوتُ دُونَ اللَّاهُوتِ، وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ: إِنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْخَلْقَ مِنْ بَدَنِ الْمَسِيحِ كَمَا خَاطَبَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ.
وَالْخِطَابُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ هُوَ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّاهُوتِ، وَالْكَلَامُ الَّذِي كَانَ يُسْمَعُ مِنَ الْمَسِيحِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَخْتَصُّ بِاللَّاهُوتِ، بَلْ عَامَّتُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَلَامُ النَّاسُوتِ.
الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، كَانَ
[ ٤ / ١٥ ]
الْكَلَامُ كَلَامَ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّجَرَةِ كَلَامٌ أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَثَلُ مُطَابِقًا، كَانَ الَّذِي يُكَلِّمُ النَّاسَ مِنْ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّاهُوتَ وَحْدَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي الْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاسُوتَ كَانَ هُوَ الْمُتَكَلِّمَ، مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ الْوَاضِحَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ الَّذِي نَادَى مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِكَلَامِ الرُّبُوبِيَّةِ فَقَالَ:
﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي - إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى - فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٤ - ١٦] .
وَسَائِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُ عَلَى لِسَان الْمَسِيحِ فَلَمْ يَقُلْ كَلِمَةً مِنْ هَذَا أَصْلًا، بَلْ كَانَ فِي كَلَامِهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ رَسُولٌ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُحْتَاجٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُنَاقِضُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَلَامَ الْمُنَادِي لِمُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، فَمَنْ سَوَّى بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، كَانَ قَدْ سَوَّى بَيْنَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَبَيْنَ إِنْسَانٍ مِنَ
[ ٤ / ١٦ ]
الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ أَضَلُّ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:
﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] .
فَإِنَّ أُولَئِكَ جَعَلُوهُمْ أَنْدَادًا لِلَّهِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ، وَهَؤُلَاءِ الضُّلَّالُ جَعَلُوا هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الَّذِي كَلَّمَ الْعِبَادَ هُوَ ذَاكَ الَّذِي نَادَى مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِنْ رُسُلِهِ بِمَا لَا يُقَدِّرُ الْمَخْلُوقُ قَدْرَهُ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْخَلْقَ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ، وَكَانَ الْحَوَارِيُّونَ رُسُلَهُ الَّذِينَ سَمِعُوا كَلَامَهُ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، لَكَانَ الْحَوَارِيُّونَ إِمَّا مِثْلُ مُوسَى وَإِمَّا أَعْظَمُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ آيَاتٌ مِثْلَ آيَاتِ مُوسَى، فَضْلًا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، فَإِنَّ أَعْظَمَ آيَاتِ الْمَسِيحِ ﵇ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ شَارَكَهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَإِلْيَاسَ وَغَيْرِهِ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ غَيْرَ الْمَسِيحِ أَحْيَا اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الْمَوْتَى، وَمُوسَى بْنُ عِمْرَانَ مِنْ جُمْلَةِ آيَاتِهِ الْعَصَا الَّتِي انْقَلَبَتْ فَصَارَتْ ثُعْبَانًا مُبِينًا حَتَّى بَلَعَتِ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وَكَانَ غَيْرَ مَرَّةٍ يُلْقِيهَا فَتَصِيرُ ثُعْبَانًا ثُمَّ يُمْسِكُهَا فَتَعُودُ عَصًا.
[ ٤ / ١٧ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ آيَةٌ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَانَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ، فَإِذَا عَاشَ فَقَدْ عَادَ إِلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِقَامَتِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَقَدْ أَحْيَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْتَى فِي الدُّنْيَا
وَأَمَّا انْقِلَابُ خَشَبَةٍ تَصِيرُ حَيَوَانًا ثُمَّ تَعُودُ خَشَبَةً مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَتَبْتَلِعُ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ، فَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ حَيَاةِ الْمَيِّتِ
وَأَيْضًا فَاللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَحْيَا مِنَ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَعْظَمَ مِمَنْ أَحْيَاهُمْ عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ - ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦]
. وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] .
[ ٤ / ١٨ ]
وَأَيْضًا فَمُوسَى ﵊ كَانَ يُخْرِجُ يَدَهُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ إِبْرَاءِ أَثَرِ الْبَرَصِ الَّذِي فَعَلَهُ الْمَسِيحُ ﵇ فَإِنَّ الْبَرَصَ مَرَضٌ مُعْتَادٌ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ، وَأَمَّا بَيَاضُ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ ثُمَّ عَوْدُهَا إِلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ، فَفِيهِ أَمْرَانِ عَجِيبَانِ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا نَظِيرٌ.
وَأَيْضًا فَمُوسَى فَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْبَحْرَ حَتَّى عَبَرَ فِيهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، وَهَذَا أَمْرٌ بَاهِرٌ فِيهِ مِنْ عَظَمَةِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَمِنْ إِهْلَاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّ مُوسَى مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ لِلْمَسِيحِ.
وَأَيْضًا فَمُوسَى كَانَ اللَّهُ يُطْعِمُهُمْ عَلَى يَدِهِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مَعَ كَثْرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيُفَجِّرُ لَهُمْ بِضَرْبِهِ لِلْحَجَرِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا يَكْفِيهِمْ.
وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ إِنْزَالِ الْمَسِيحِ ﵇ لِلْمَائِدَةِ، وَمِنْ قَلْبِ الْمَاءِ خَمْرًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُحْكَى عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَكَانَ لِمُوسَى فِي عَدُوِّهِ مِنَ الْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ وَالدَّمِ وَسَائِرِ الْآيَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ لِلْمَسِيحِ، فَلَوْ كَانَ الْحَوَارِيُّونَ رُسُلًا قَدْ كَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِثْلَ مَا كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ كَانُوا مِثْلَ مُوسَى، فَكَيْفَ وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ آيَاتٌ مِثْلَ آيَاتِ مُوسَى، وَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّاهُوتُ
[ ٤ / ١٩ ]
الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى لَكَانَ يُظْهِرُ مِنْ قُدْرَتِهِ أَعْظَمُ مِمَّا أَظْهَرَهُ عَلَى يَدِ مُوسَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَحُلَّ فِي بَدَنِ مُوسَى، وَلَا كَانَ اللَّاهُوتُ يُكَلِّمُ الْخَلْقَ مِنْ مُوسَى، كَمَا يَزْعُمُهُ هَؤُلَاءِ فِي الْمَسِيحِ، وَمَعَ هَذِهِ فَالْآيَاتُ الَّتِي أَيَّدَ بِهَا عَبْدَهُ مُوسَى، تِلْكَ الْآيَاتُ الْعَظِيمَةُ، فَكَيْفَ تَكُونُ آيَاتُهُ إِذَا كَانَ هُوَ نَفْسَهُ الَّذِي قَدْ حَلَّ فِي بَدَنِ الْمَسِيحِ، وَهُوَ الَّذِي يُخَاطِبُ النَّاسَ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ؟
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ خَاطَبَ النَّاسَ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا خَاطَبَ مُوسَى النَّبِيَّ مِنَ الْعَوْسَجَةِ مَنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ اللَّهَ بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ كُلِّهَا لَمْ يَحُلَّ فِي الشَّجَرَةِ، وَلَمْ يَتَّحِدْ بِهَا، كَمَا يَزْعُمُونَ هُمْ أَنَّهُ حَلَّ بِالْمَسِيحِ وَاتَّحَدَ بِهِ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ حَلَّ بِبَاطِنِ الْمَسِيحِ، بَلْ وَبِظَاهِرِهِ، وَاتَّحَدَ بِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَالرَّبُّ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ فِي بَاطِنِ الشَّجَرَةِ، وَلَا حَلَّ فِيهَا، وَلَا اتَّحَدَ بِهَا، وَقَوْلُ اللَّهِ إِنَّهُ كَلَّمَهُ مِنْهَا وَنَادَاهُ مِنْهَا كَقَوْلِهِ أَنَّهُ: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى - إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٥ - ١٦] .
وَفِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ
[ ٤ / ٢٠ ]
الرَّبَّ تَعَالَى حَلَّ فِي بَاطِنِ الْوَادِي الْمُقَدَّسِ، أَوِ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ، أَوِ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَلَا أَنَّهُ اتَّحَدَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا صَارَ هُوَ وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَلَا شَخْصًا وَاحِدًا، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّصَارَى: إِنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ صَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: صَارَا شَخْصًا وَاحِدًا، بَلْ وَلَا قَالَ أَحَدٌ: أَنَّهُ حَلَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَحُلُولِ الْمَاءِ فِي اللَّبَنِ، أَوِ النَّارِ فِي الْحَدِيدِ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّاهُوتَ حَلَّ فِي النَّاسُوتِ. كَذَلِكَ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ قَالَ شَيْئًا مِنَ الْمَقَالَاتِ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَيْهَا الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ، وَلَا تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً، إِذْ لَا يُحْتَجُّ إِلَّا بِنَقْلٍ ثَابِتٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ بِمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى وَنَادَاهُ هُوَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَتَكْلِيمُهُ لَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ مِنْ جِنْسِ مَا أَخْبَرَ بِنُزُولِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَنُزُولِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِحِسَابِ الْخَلْقِ، وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا حُلُولُهُ فِي الْبَشَرِ أَوِ اتِّحَادُهُ بِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ عَقْلًا وَسَمْعًا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ نَبِيٌّ.
وَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ
[ ٤ / ٢١ ]
هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ الْخَالِقُ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ وَالذَّاتَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ هُوَ الْكَلِمَةُ دُونَ الذَّاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأَبَ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَمْ يَتَبَعَّضْ وَلَمْ يَتَجَزَّأْ.
وَمَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ الصِّفَةُ لَا يُمْكِنُ مُفَارَقَتُهَا لِلْمَوْصُوفِ، فَلَا تَتَّحِدُ وَتَحُلُّ دُونَ الْمَوْصُوفِ، لَا سِيَّمَا وَالْمُتَّحِدُ الْحَالُّ عِنْدَهُمْ هُوَ الْخَالِقُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَبُ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ: الْمُتَّحِدُ الْحَالُّ هُوَ الْأَبُ، بَلْ هُوَ الِابْنُ، وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الِابْنَ هُوَ الْمُتَّحِدُ الْحَالُّ دُونَ الْأَبِ، فَالْمُتَّحِدُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي مَا اتَّحَدَ، وَالِابْنُ اتَّحَدَ وَالْأَبُ مَا اتَّحَدَ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمُتَّحِدَ اتَّخَذَ عِيسَى حِجَابًا احْتَجَبَ بِهِ، وَمَسْكَنًا يَسْكُنُ فِيهِ، خَاطَبَ النَّاسَ فِيهِ، وَيَقُولُونَ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ الْأَبُ لَمْ يَحْتَجِبْ بِهِ وَلَمْ يُسْكُنْ فِيهِ وَلَمْ يَتَّحِدْ بِهِ، فَلَزِمَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ شَيْءٌ اتَّحَدَ وَمِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَتَّحِدْ، فَالْأَبُ لَمْ يَتَّحِدْ، وَالِابْنُ اتَّحَدَ، وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ لَمْ يَتَبَعَّضْ، وَيُبْطِلُ تَمْثِيلَهُمْ بِالْمُخَاطَبِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَإِنَّ ذَاكَ هُوَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَيْسَ هُوَ الِابْنُ دُونَ الْأَبِ، مَعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْفُرُوقِ الْكَثِيرَةِ الْمُبَيِّنَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ بُطْلَانَ تَمْثِيلِ هَذَا بِهَذَا.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ الرَّبَّ ﷿ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ
[ ٤ / ٢٢ ]
بِكَلَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ فِي الْمَسِيحِ اللَّاهُوتُ الَّذِي أَرْسَلَ مُوسَى وَغَيْرَهَ، لَمْ يَخْضَعْ لِمُوسَى وَلِتَوْرَاتِهِ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيُكْمِلَهَا لَا لِيَنْقُضَهَا، وَلَا كَانَ يَقُومُ بِشَرَائِعِهَا، فَإِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ لَوْ كَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟
وَإِذَا قَالَتِ النَّصَارَى: فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ خَوْفًا أَنْ يُكَذِّبُوهُ، كَانَ عُذْرُهُمْ أَقْبَحُ مِنْ ذَنْبِهِمْ، فَرَبُّ الْعَالَمِينَ مِمَنْ يَخَافُ ﷾؟ ! .
وَمُوسَى لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ يُكَذِّبُهُ كَانَ يُظْهِرُ مِنَ الْآيَاتِ يُذِلُّ بِهَا فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مَعَ عُتُوِّهِ وَعُتُوِّ قَوْمِهِ، وَلَمْ تَكُنْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَعْتَى مَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَلَوْ كَانَ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، كَانَ مَا يُؤَيِّدُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْآيَاتِ أَعْظَمَ مِمَّا يُؤَيِّدُ بِهِ عَبْدَهُ مُوسَى.
وَمِنْ عَجَائِبِ النَّصَارَى أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ مَعَ ادِّعَائِهِمْ فِيهِ غَايَةَ الْعَجْزِ حَتَّى صُلِبَ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَيَقُولُونَ: هُوَ رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ، لَمْ يُصْلَبْ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي رُسُلِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، كَمَا نَصَرَ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ فَإِذَا
[ ٤ / ٢٣ ]
كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا مَغْلُوبًا، فَكَيْفَ يَكُونُ رَبًّا مَغْلُوبًا مَصْلُوبًا؟ ! .
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُمْ فَعَلَ الْمُعْجِزَاتِ بِلَاهُوتِهِ، وَأَظْهَرَ الْعَجْزَ بِنَاسُوتِهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ فَعَلَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ ﵇ وَلَمْ يَكُنْ مُتَّحِدًا بِشَيْءٍ مِنَ الْبَشَرِ، فَأَيُّ ضَرُورَةٍ لَهُ إِلَى أَنْ يَتَّحِدَ بِالْبَشَرِ إِذَا فَعَلَ مُعْجِزَاتٍ دُونَ ذَلِكَ؟ !
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ الْمَسِيحَ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ مُعْجِزَاتٌ كَمَا ظَهَرَ لِسَائِرِ الْمُرْسَلِينَ، وَمُعْجِزَاتُ بَعْضِهِمْ أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ تَكُنِ الْمُعْجِزَاتُ دَلِيلًا عَلَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِالنَّبِيِّ الَّذِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدَيْهِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ اللَّاهُوتَ إِنْ كَانَ مُتَّحِدًا بِالنَّاسُوتِ لَمْ يَتَمَيَّزْ فِعْلُهُ عَنْ فِعْلِ النَّاسُوتِ، فَإِنَّهُمَا إِذَا صَارَا شَيْئًا وَاحِدًا كَانَ كُلُّ مَا فَعَلَهُ مِنْ عَجْزٍ وَمُعْجِزٍ هُوَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ، كَالْأَمْثَالِ الَّتِي يَضْرِبُونَهَا لِلَّهِ ﷾ فَإِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ ذَلِكَ بِالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدِ، وَالْمَاءِ مَعَ اللَّبَنِ وَالْخَمْرِ.
[ ٤ / ٢٤ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَةَ إِذَا أُدْخِلَتِ النَّارَ حَتَّى صَارَتْ بَيْضَاءَ كَالنَّارِ الْبَيْضَاءِ فَفِعْلُهَا فِعْلٌ وَاحِدٌ، لَيْسَ لَهَا فِعْلَانِ مُتَمَيِّزَانِ: أَحَدُهُمَا بِالْحَدِيدِ، وَالْآخَرُ بِالنَّارِ، بَلْ فِيهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ وَقُوَّةُ النَّارِ، بَلْ فِيهَا قُوَّةٌ ثَالِثَةٌ لَيْسَتْ قُوَّةَ الْحَدِيدِ وَلَا قُوَّةَ النَّارِ، إِذْ لَيْسَتْ حَدِيدًا مَحْضًا وَلَا نَارًا مَحْضًا.
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ إِذَا اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ، فَالْمُتَّحِدُ مِنْهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فِعْلُهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ، مِنْهُ مَا لَيْسَ مَاءً مَحْضًا وَلَا لَبَنًا مَحْضًا، لَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ لَهُ فِعْلَيْنِ يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فِعْلٌ بِكَوْنِهِ لَبَنًا مَحْضًا، وَفِعْلٌ بِكَوْنِهِ مَاءً مَحْضًا، فَقَوْلُهُمْ بِالِاتِّحَادِ يُوجِبُ اسْتِحَالَةَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ، وَأَنْ يَصِيرَ فِعْلُ الْمُتَّحِدِ شَيْئًا وَاحِدًا.
وَإِنْ كَانَ اللَّاهُوتُ لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ فَهُمَا اثْنَانِ شَخْصَانِ وَجَوْهَرَانِ وَطَبِيعَتَانِ وَمَشِيئَتَانِ، وَلَيْسَ هَذَا دِينُ النَّصَارَى مَعَ أَنَّ حُلُولَ الرَّبِّ ﷿ فِي الْبَشَرِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ.
وَكَذَلِكَ إِذَا مَثَّلُوهُ بِالنَّفْسِ مَعَ الْبَدَنِ، فَإِنَّ النَّفْسَ تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهَا بِمُفَارَقَةِ الْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ الْبَدَنُ تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ بِمُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَهُ.
وَالْإِنْسَانُ الَّذِي نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ فَصَارَتْ بَدَنًا فِيهِ الرُّوحُ هُوَ
[ ٤ / ٢٥ ]
نَوْعٌ ثَالِثٌ لَيْسَ فِيهِ بَدَنٌ مَحْضٌ، وَرُوحٌ مَحْضٌ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا بِبَدَنِهِ، وَكَذَا بِنَفْسِهِ، بَلْ أَفْعَالُهُ تَشْتَرِكُ فِيهَا الرُّوحُ، فَهُوَ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ، فَالرُّوحُ تَتَلَذَّذُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَبِهَا صَارَ آكِلًا شَارِبًا، وَإِلَّا فَالْبَدَنُ الْمَيِّتُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَإِذَا نَظَرَ وَاسْتَدَلَّ وَسَمِعَ وَرَأَى وَتَعَلَّمَ، فَالنَّفْسُ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِالْبَدَنِ، وَالْبَدَنُ يَظْهَرُ فِيهِ ذَلِكَ، وَالرُّوحُ وَحْدَهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ فِعْلَ اللَّاهُوتِ بَعْدَ الِاتِّحَادِ كَفِعْلِهِ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ فِعْلُ النَّاسُوتِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ الِاتِّحَادَ.
وَالْقَوْلُ بِهَذَا مَعَ الِاتِّحَادِ فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ، وَلَا يُعْقَلُ نَظِيرُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَنَفْسُ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا مَنِ النَّصَارَى لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُمَثِّلَهُ بِشَيْءٍ مَعْقُولٍ.
[ ٤ / ٢٦ ]
[فَصْلٌ: نَقْضُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ أَثْبَتَ فِي الْمَسِيحِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ]
قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ هَذَا الْإِنْسَانُ يَقُولُ:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]
. وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَنَا: إِذْ قَدْ شَهِدَ أَنَّهُ إِنْسَانٌ مِثْلُنَا، أَيْ بِالنَّاسُوتِ الَّذِي أُخِذَ مِنْ مَرْيَمَ، وَكَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ الْمُتَّحِدَةِ فِيهِ، وَحَاشَا أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ الْخَالِقَةَ مِثْلَنَا نَحْنُ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَيْضًا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]
. فَأَشَارَ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلَى اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ
[ ٤ / ٢٧ ]
عَلَيْهَا أَلَمٌ وَلَا عَرَضٌ، وَقَالَ أَيْضًا:
﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]
. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَ:
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] .
فَأَعْنَى بِمَوْتِهِ عَنْ مَوْتِ النَّاسُوتِ الَّذِي أُخِذَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧] .
فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ نَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ وَتَأَلَّمَ بِنَاسُوتِهِ، وَلَمْ يُصْلَبْ وَلَا تَأَلَّمَ بِلَاهُوتِهِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: دَعْوَاهُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ أَثْبَتَ فِي الْمَسِيحِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، كَمَا يَزْعُمُهُ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى فِيهِ، هُوَ مِنَ الْكَذِبِ الْوَاضِحِ الْمَعْلُومِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٢٨ ]
وَسَلَّمَ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْ دِينِهِ بِالِاضْطِرَارِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ دِينِهِ تَصْدِيقُ الْمَسِيحِ ﵇ وَإِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ، فَلَوِ ادَّعَى الْيَهُودُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُكَذِّبُ الْمَسِيحَ وَيَجْحَدُ رِسَالَتَهُ، كَانَ كَدَعْوَى النَّصَارَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ فِيمَا بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ ﷿ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَبِمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧] .
وقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
[ ٤ / ٢٩ ]
وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٧]
. وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٤] .
[ ٤ / ٣٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ - وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ - إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ - وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٦٥]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧]
فَأَخْبَرَ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، بِقَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دَامَ فِيهِمْ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ كَانَ اللَّهُ هُوَ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ غَلِطَ فِي النَّقْلِ عَنْهُ
[ ٤ / ٣١ ]
أَوْ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِهِ، أَوْ تَعَمَّدَ تَغْيِيرَ دِينِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَسِيحِ ﵇ مِنْ ذَلِكَ دَرَكٌ، وَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ عَلَيْهِ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ أَنَّ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمَسِيحُ أَنَّهُ قَالَ:
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا - وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا - وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٢] .
ثُمَّ طَلَبَ لِنَفْسِهِ السَّلَامَ فَقَالَ:
﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] .
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: (عَلَيْنَا مِنْهُ السَّلَامُ) كَمَا تَقُولُهُ الْغَالِيَةُ فِيمَنْ يَدَّعُونَ فِيهِ الْإِلَآهِيَةَ كَالنُّصَيْرِيَّةِ فِي عَلِيٍّ، وَالْحَاكِمِيَّةِ فِي الْحَاكِمِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ وَلَا قُتِلَ
[ ٤ / ٣٢ ]
إِنَّمَا قَالَ:
﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]
وَقَالَ الْمَسِيحُ:
﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا - وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا - وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا - وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا - فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا - وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٥٥ - ١٦١] .
فَذَمَّ اللَّهُ الْيَهُودَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا: قَوْلُهُمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ; حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّهَا بَغِيٌّ، وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] .
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] .
[ ٤ / ٣٣ ]
وَأَضَافَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَيْهِمْ وَذَمَّهُمْ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ النَّصَارَى ; لِأَنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا صَلْبَ الْمَصْلُوبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ هُمُ الْيَهُودُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى شَاهِدًا هَذَا مَعَهُمْ، بَلْ كَانَ الْحَوَارِيُّونَ خَائِفِينَ غَائِبِينَ، فَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الصَّلْبَ، وَإِنَّمَا شَهِدَهُ الْيَهُودُ وَهُمُ الَّذِينَ أَخْبَرُوا النَّاسَ أَنَّهُمْ صَلَبُوا الْمَسِيحَ، وَالَّذِينَ نَقَلُوا أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، إِنَّمَا نَقَلُوهُ عَنْ أُولَئِكَ الْيَهُودِ وَهُمْ شُرَطٌ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ، لَمْ يَكُونُوا خَلْقًا كَثِيرًا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] . فَنَفَى عَنْهُ الْقَتْلَ، ثُمَّ قَالَ:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] .
وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ، وَقَدْ قِيلَ قَبْلَ مَوْتِ الْيَهُودِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، كَمَا قِيلَ: أَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ أَضْعَفُ، فَإِنَّهُ لَوْ آمَنَ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَنَفَعَهُ إِيمَانُهُ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
وَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْغَرْغَرَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي
[ ٤ / ٣٤ ]
هَذَا فَائِدَةٌ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ يُؤْمِنُ بِالْغَيْبِ الَّذِي كَانَ يَجْحَدُهُ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِيمَانِهِ بِالْمَسِيحِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ وَالْيَهُودِيُّ الَّذِي يَمُوتُ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ يَمُوتُ كَافِرًا بِمُحَمَّدٍ وَالْمَسِيحِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلِأَنَّهُ قَالَ:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]
فِعْلٌ مُقَسَمٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ بَعْدَ إِخْبَارِ اللَّهِ بِهَذَا، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ لَقَالَ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، لَمْ يَقِلْ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " وَهَذَا يَعُمُّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤْمِنُونَ بِالْمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ وَذَلِكَ إِذَا نَزَلَ آمَنَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَيْسَ كَاذِبًا كَمَا تَقُولُ الْيَهُودُ وَلَا هُوَ اللَّهُ كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى.
وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذَا الْعُمُومِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ كُلَّ كِتَابِيٍّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْكِتَابِيُّ، فَإِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ إِيمَانَ كُلِّ يَهُودِيٍّ
[ ٤ / ٣٥ ]
وَنَصْرَانِيٍّ، وَهَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ، وَهُوَ لَمَّا قَالَ:
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِيمَانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ هُوَ، عُلِمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْعُمُومِ عُمُومَ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ نُزُولِهِ ; أَيْ لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، لَا إِيمَانَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا.
وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَبْقَى بَلَدٌ إِلَّا دَخْلَهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، أَيْ مِنَ الْمَدَائِنِ الْمَوْجُودَةِ حِينَئِذٍ، وَسَبَبُ إِيمَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهِ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ لَيْسَ بِكَذَّابٍ وَلَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ إِيمَانَهُمْ بِهِ إِذَا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ رَفْعَهُ إِلَى اللَّهِ بِقَوْلِهِ:
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]
وَهُوَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَمُوتُ حِينَئِذٍ أَخْبَرَ بِإِيمَانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ - وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ
[ ٤ / ٣٦ ]
مُسْتَقِيمٌ - فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف: ٥٩ - ٦٥] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ» . " وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨] .
[ ٤ / ٣٧ ]
بَيَانٌ أَنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ حَيًّا وَسَلَّمَهُ مِنَ الْقَتْلِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَلَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَفْظُ التَّوَفِّي فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ: الِاسْتِيفَاءُ وَالْقَبْضُ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحُدُهَا: تَوَفِّي النَّوْمِ، وَالثَّانِي: تَوَفِّي الْمَوْتِ، وَالثَّالِثُ: تَوَفِّي الرُّوحِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ حَالِ أَهْلِ الْأَرْضِ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّوْمِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ، وَالْمَسِيحُ ﵇ تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَيْسَتْ حَالُهُ كَحَالَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّوْمِ، وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ عَنَي بِمَوْتِهِ عَنْ مَوْتِ النَّاسُوتِ، كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا عَلَى أَصْلِهِمْ: عَنَي بِتَوَفَّيْتُهُ عَنْ تَوَفِّي النَّاسُوتِ، وَسَوَاءٌ قِيلَ مَوْتُهُ أَوْ تَوَفَّيْتُهُ فَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا غَيْرَ النَّاسُوتِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ غَيْرَهُ لَمْ يُتَوَفَّ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَالَ:
[ ٤ / ٣٨ ]
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]
فَالْمُتَوَفَّى هُوَ الْمَرْفُوعُ إِلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمَرْفُوعَ هُوَ اللَّاهُوتُ، مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ، لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَوْتٌ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَرْفُوعَ غَيْرَ الْمُتَوَفَّى، وَالْقُرْآنُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَرْفُوعَ هُوَ الْمُتَوَفَّى. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧] .
هُوَ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ فِي قَوْلِهِمْ:
﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] .
وَالْيَهُودُ لَمْ يَدَّعُوا قَتْلَ لَاهُوتٍ، وَلَا أَثْبَتُوا لِلَّهِ لَاهُوتًا فِي الْمَسِيحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ دَعْوَى قَتْلِهِ عَنِ النَّصَارَى حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ مَقْصُودَهُمْ قَتْلُ النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، بَلْ عَنِ الْيَهُودِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ إِلَّا النَّاسُوتَ.
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧] .
فَأَثْبَتَ رَفْعَ الَّذِي قَالُوا إِنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ النَّاسُوتُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ الْقَتْلُ. وَهُوَ الَّذِي رُفِعَ، وَالنَّصَارَى مُعْتَرِفُونَ بِرَفْعِ النَّاسُوتِ، لَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ صُلِبَ، وَأَقَامَ فِي الْقَبْرِ إِمَّا يَوْمًا وَإِمَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ الرَّبِّ النَّاسُوتُ مَعَ اللَّاهُوتِ.
[ ٤ / ٣٩ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]
مَعْنَاهُ: أَنَّ نَفْيَ قَتْلِهِ هُوَ يَقِينٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، بِخِلَافِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فَإِنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْهُ مِنْ قَتْلِهِ وَغَيْرِ قَتْلِهِ فَلَيْسُوا مُسْتَيْقِنِينَ أَنَّهُ قُتِلَ ; إِذْ لَا حُجَّةَ مَعَهُمْ بِذَلِكَ.
وَلِذَلِكَ كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ: لَمْ يُصْلَبْ، فَإِنَّ الَّذِينَ صَلَبُوا الْمَصْلُوبَ هُمْ الْيَهُودُ، وَكَانَ قَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْمَسِيحُ بِغَيْرِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ اشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا مَنْ هُوَ الْمَسِيحُ مِنْ أُولَئِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ: أَنَا أَعْرِفُهُ فَعَرَفُوهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْكَلَامِ مَا قَتَلُوهُ عِلْمًا بَلْ ظَنًّا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ - تَعَالَى:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] .
فَلَوْ كَانَ الْمَرْفُوعُ هُوَ اللَّاهُوتَ، لَكَانَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِكَلِمَتِهِ: " إِنِّي أَرْفَعُكَ إِلَيَّ "، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّهُ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ رَفْعُ نَفْسِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا قَالُوا: هُوَ الْكَلِمَةُ فَهُمْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّهُ الْإِلَهُ الْخَالِقُ، لَا يَجْعَلُونَهُ بِمَنْزِلَةِ التَّوْرَاةِ
[ ٤ / ٤٠ ]
وَالْقُرْآنِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي قَالَ فِيهِ:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]
بَلْ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَرَفْعُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ مُمْتَنِعٌ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ تَوْفِيَتِهِ لَمْ يَكُنِ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ إِلَّا اللَّهَ دُونَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ كُنْتَ أَنْتَ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَ تَوْفِيُتِهِ لَيْسَ رَقِيبًا عَلَى أَتْبَاعِهِ، بَلِ اللَّهُ هُوَ الرَّقِيبُ الْمُطَّلِعُ عَلَيْهِمُ الْمُحْصِي أَعْمَالَهُمُ الْمُجَازِي عَلَيْهَا، وَالْمَسِيحُ لَيْسَ بِرَقِيبٍ فَلَا يَطَّلِعُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَلَا يُحْصِيهَا وَلَا يُجَازِيهِمْ بِهَا.
[ ٤ / ٤١ ]
[فَصْلٌ: نَقْضُ دَعْوَاهُمْ بِوُرُودِ تَسْمِيَةِ الْمَسِيحِ خَالِقًا فِي الْقُرْآنِ]
قَالُوا: وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ أَيْضًا فِي هَذَا الْكِتَابِ خَالِقًا حَيْثُ قَالَ:
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]
فَأَشَارَ بِالْخَالِقِ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةِ بِالنَّاسُوتِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَرْيَمَ لِأَنَّهُ كَذَا قَالَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ: " بِكَلِمَةِ اللَّهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، لَيْسَ خَالِقٌ إِلَّا اللَّهَ وَكَلِمَتَهُ وَرُوُحَهُ.
وَهَذَا مِمَّا يُوَافِقُ رَأْيَنَا وَاعْتِقَادَنَا فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ لِذِكْرِهِ، لِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ:
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]
أَيْ بِإِذْنِ لَاهُوتِ الْكَلِمَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي النَّاسُوتِ.
[ ٤ / ٤٢ ]
وَالْجَوَابُ: أَنَّ جَمِيعَ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَغَيْرِهَا، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، وَهَكَذَا شَأْنُ جَمِيعِ أَهْلِ الضَّلَالِ إِذَا احْتَجُّوا بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَكَلَامِ أَنْبِيَائِهِ كَانَ فِي نَفْسِ مَا احْتَجُّوا بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ، وَذَلِكَ لِعَظَمَةِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَمَا أَنْطِقَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ، فَإِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ هَدًى وَبَيَانًا لِلْخَلْقِ وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ أَجْمَعِينَ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ مَا يُفَرِّقُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، لَكِنَّ النَّاسَ يُؤْتَوْنَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ لَا مِنْ قِبَلِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى.
إِمَّا مِنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقَوْلَ الَّذِي قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ حَقَّ التَّدَبُّرِ حَتَّى يَفْقَهُوهُ وَيَفْهَمُوهُ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَخْذِهِمْ بِبَعْضِ الْحَقِّ دُونَ بَعْضٍ، مِثْلَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ دُونَ بَعْضٍ، فَيَضِلُّونَ مِنْ جِهَةِ مَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ النَّصَارَى:
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]
وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ نِسْبَتِهِمْ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ مِنْ أَقْوَالٍ كُذِبَتْ عَلَيْهِمْ وَمِنْ جِهَةِ تَرْجَمَةِ أَقْوَالِهِمْ بِغَيْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّرْجَمَةِ، وَتَفْسِيرِهَا بِغَيْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّفْسِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ
[ ٤ / ٤٣ ]
وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفَسَّرَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيُؤْخَذَ كَلَامُهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَتُعْرَفَ مَا عَادَتُهُ يَعْنِيهِ وَيُرِيدُهُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ إِذَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَتُعْرَفَ الْمَعَانِي الَّتِي عُرِفَ أَنَّهُ أَرَادَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِذَا عُرِفَ عُرْفُهُ وَعَادَتُهُ فِي مَعَانِيهِ وَأَلْفَاظِهِ، كَانَ هَذَا مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِهِ.
وَأَمَّا إِذَا اسْتُعْمِلَ لَفْظُهُ فِي مَعْنًى لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَتُرِكَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَحُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى خِلَافِ الْمَعْنَى الَّذِي قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ يُرِيدُهُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ بِجَعْلِ كَلَامِهِ مُتَنَاقِضًا، وَتَرْكِ حَمْلِهِ عَلَى مَا يُنَاسِبُ سَائِرَ كَلَامِهِ، كَانَ ذَلِكَ تَحْرِيفًا لِكَلَامِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَتَبْدِيلًا لِمَقَاصِدِهِ وَكَذِبًا عَلَيْهِ.
فَهَذَا أَصْلُ مَنْ ضَلَّ فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِمْ، فَإِذَا عُرِفَ هَذَا، فَنَقُولُ:
الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ هُنَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحُدُهَا: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ عَنِ الْمَسِيحِ خَلْقًا مُطْلَقًا، وَلَا خَلْقًا عَامًّا، كَمَا ذَكَرَ عَنْ نَفْسِهِ ﵎ فَأَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]
[ ٤ / ٤٤ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ - هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]
. فَذَكَرَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، وَلَمْ يَصِفْ قَطُّ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذَا لَا مَلَكًا وَلَا نَبِيًّا، وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ - لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]
. وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١]
. وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَبِأَنَّهُ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَأَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَمْ يَصِفْ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَا مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا بِشَيْءٍ مِنَ
[ ٤ / ٤٥ ]
الْخَصَائِصِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا، الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ ﷾
وَأَمَّا الْمَسِيحُ ﵇ فَقَالَ فِيهِ:
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]
وَقَالَ الْمَسِيحُ عَنْ نَفْسِهِ:
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] فَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا خَلْقَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ خَاصٍّ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْخَالِقُ هُوَ ذَاكَ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ تَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الطَّيْرِ، وَهَذَا الْخَلْقُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَامَّةُ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَحَدُهُمْ أَنْ يُصَوِّرَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وَغَيْرِ الطَّيْرِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّصْوِيرَ مُحَرَّمٌ، بِخِلَافِ تَصْوِيرِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُ فِيهِ.
وَالْمُعْجِزَةُ أَنَّهُ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ فَيَصِيرُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ﷿ لَيْسَ الْمُعْجِزَةُ مُجَرَّدَ خَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّ هَذَا مُشْتَرَكٌ، وَقَدْ لَعَنَ
[ ٤ / ٤٦ ]
النَّبِيُّ ﷺ الْمُصَوِّرِينَ، وَقَالَ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ»
. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ الْمَسِيحَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ التَّصْوِيرَ وَالنَّفْخَ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَأَخْبَرَ الْمَسِيحُ ﵇ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى الْمَسِيحِ ﵇ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
. وَقَالَ تَعَالَى:
﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ١١٠] .
[ ٤ / ٤٧ ]
وَهَذَا كُلُّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ، كَمَا فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَصَرِيحٌ بِأَنَّ الْآذِنَ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَالْمُعَلِّمَ لَيْسَ هُوَ الْمُعَلَّمَ، وَالْمُنْعِمُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَتِهِ لَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ، كَمَا لَيْسَ هُوَ وَالِدَتُهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: أَشَارَ بِالْخَالِقِ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةِ فِي النَّاسُوتِ، ثُمَّ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ بِإِذْنِ الْكَلِمَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي النَّاسُوتِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ تُنَاقُضَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الْمَسِيحَ خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْآذِنُ لِلْمَسِيحِ، وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّاهُوتَ الْمُتَّحِدَ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحُ هُوَ الْخَالِقُ وَهُوَ الْآذِنُ فَجَعَلُوا الْخَالِقَ هُوَ الْآذِنُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْقُرْآنِ بِمَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْقُرْآنِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّاهُوتَ إِذَا كَانَ هُوَ الْخَالِقَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يَأْذَنَ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْخَالِقُ فَكَيْفَ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْذَنَ لِنَفْسِهِ وَيُنْعِمَ عَلَى نَفْسِهِ؟
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الْخَالِقَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الذَّاتَ الْمَوْصُوفَةَ بِالْكَلَامِ أَوِ الْكَلَامَ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلذَّاتِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْكَلَامَ، فَالْكَلَامُ
[ ٤ / ٤٨ ]
صِفَةٌ لَا تَكُونُ ذَاتًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا خَالِقَةً، وَلَوْ لَمْ تَتَّحِدْ بِالنَّاسُوتِ، وَاتِّحَادُهَا بِالنَّاسُوتِ دُونَ الْمَوْصُوفِ مُمْتَنِعٌ لَوْ كَانَ الِاتِّحَادُ مُمْكِنًا، فَكَيْفَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؟
فَقَدْ تَبَيَّنَ امْتِنَاعُ كَوْنِ الْكَلِمَةِ تَكُونُ خَالِقَةً مِنْ وُجُوهٍ.
وَإِنْ كَانَ الْخَالِقُ هُوَ الذَّاتَ الْمُتَّصِفَةَ بِالْكَلَامِ، فَذَاكَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَعِنْدَهُمْ هُوَ الْأَبُ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ هُوَ الْأَبَ، فَلَا يَكُونُ هُوَ الْخَالِقَ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْقُرْآنُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَذِنَ لِلْمَسِيحِ حَتَّى خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ وَلَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَلَيْسَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ وَلَا ابْنُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لِلَّهِ وَلَكِنْ عَبْدُهُ فَعَلَ بِإِذْنِهِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: فَأَشَارَ بِالْخَالِقِ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةِ فِي النَّاسُوتِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ كَذَا قَالَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ: " بِكَلِمَةِ اللَّهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ". يُقَالُ لَهُمْ: هَذَا النَّصُّ عَنْ دَاوُدَ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، كَمَا أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ وَسَائِرُ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: " بِكَلِمَةِ اللَّهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ " وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْخَالِقَةُ، كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُمْ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْخَالِقِ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَالِقِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَبَيْنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَمْرٌ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ، كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَادِرِ
[ ٤ / ٤٩ ]
وَالْقُدْرَةِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ هُوَ الْخَالِقُ وَقَدْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ، وَلَيْسَتِ الْقُدْرَةُ هِيَ الْخَالِقَةُ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُرِيدِ وَالْإِرَادَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَيْسَتْ مَشِيئَتُهُ هِيَ الْخَالِقَةُ.
وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالْعِبَادَةُ هُوَ لِلْإِلَهِ الْخَالِقِ لَا لِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: يَا اللَّهُ يَا رَبَّنَا يَا خَالِقَنَا، ارْحَمْنَا وَاغْفِرْ لَنَا، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: يَا كَلَامَ اللَّهِ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَلَا يَا قُدْرَةَ اللَّهِ وَيَا مَشِيئَةَ اللَّهِ وَيَا عَلَمَ اللَّهِ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَكَلَامِهِ، وَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ هِيَ الْخَالِقَةُ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ قَوْلَ دَاوُدَ ﵇: " بِكَلِمَةِ اللَّهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ " يُوَافِقُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ: أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ، وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَفِي التَّوْرَاةِ قَالَ اللَّهُ: " لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا "
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُمْ: لِأَنَّهُ لَيْسَ خَالِقٌ إِلَّا اللَّهَ وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ، إِنْ أَرَادُوا بِكَلِمَتِهِ كَلَامَهُ، وَبِرُوحِهِ حَيَاتَهُ، فَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَلَمْ يُعَبِّرْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ حَيَاةِ اللَّهِ بِأَنَّهَا رُوحُ اللَّهِ، فَمَنْ حَمَلَ كَلَامَ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ الرَّوْحِ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ حَيَاةُ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ. ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا كَلَامُهُ وَحَيَاتُهُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْخَالِقُ هُوَ اللَّهُ وَحْدُهُ، وَصِفَاتُهُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ لَا يُحْتَاجُ أَنْ تُجْعَلَ
[ ٤ / ٥٠ ]
مَعْطُوفَةً عَلَى اسْمِهِ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ الَّتِي تُؤْذِنُ أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي خَلْقِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ " دَخَلَ كُلُّ مَا سِوَاهُ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَمْ تَدْخُلْ صِفَاتُهُ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَكَلَامِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ لَيْسَتْ أَشْيَاءً مُبَايِنَةً لَهُ، بَلْ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى مُتَنَاوِلَةٌ لِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُتَّصِفَةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِأَسْمَائِهِ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَإِنَّ تِلْكَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ صِفَةٍ فَضْلًا عَنْ وُجُودِ ذَاتِهِ تَعَالَى مُجَرَّدَةً عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ الَّتِي هِيَ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ، فَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ ذَاتِهِ دُونَهَا، وَلِهَذَا لَا يُقَالُ: اللَّهُ وَعِلْمُهُ خَلَقَ، وَاللَّهُ وَقُدْرَتُهُ خَلَقَ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِكَلِمَتِهِ وَرُوحِهِ الْمَسِيحَ أَوْ شَيْئًا اتَّحَدَ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ، فَالْمَسِيحُ ﵇ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ كَسَائِرِ الرُّسُلِ، وَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الْخَالِقُ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنْ أُرِيدَ بِالرُّوحِ وَالْكَلِمَةِ مَا هُوَ صِفَةُ اللَّهِ، فَتِلْكَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا لَيْسَ بِصِفَةٍ فَذَلِكَ مَخْلُوقٌ لَهُ كَالنَّاسُوتِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ دَاوُدَ ﵇ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ الْمَسِيحَ ; لِأَنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ هُوَ اسْمٌ لِلنَّاسُوتِ،
[ ٤ / ٥١ ]
وَهُوَ عِنْدَهُمُ اسْمٌ لِلَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ لَمَّا اتَّحَدَا، وَالِاتِّحَادُ فِعْلٌ حَادِثٌ عِنْدَهُمْ، فَقَبْلَ الِاتِّحَادِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَاسُوتٌ وَلَا مَا يُسَمَّى مَسِيحًا، فَعُلِمَ أَنَّ دَاوُدَ لَمْ يُرِدْ بِكَلِمَةِ اللَّهِ الْمَسِيحَ، وَلَكِنْ غَايَتُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: أَرَادَ الْكَلِمَةَ الَّتِي اتَّحَدَتْ فِيمَا بَعْدُ بِالْمَسِيحِ، لَكِنَّ الَّذِي خَلَقَ بِإِذْنِ اللَّهِ هُوَ الْمَسِيحُ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ:
﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]
فَالْكَلِمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي خَلَقَتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيْسَتْ هِيَ الْمَسِيحَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَاحْتِجَاجُهُمْ بِهَذَا عَلَى هَذَا احْتِجَاجٌ بَاطِلٌ، بَلْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَاسُوتٌ حِينَ خُلِقَتْ بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ، وَالْمَسِيحُ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّاسُوتُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيحَ.
[ ٤ / ٥٢ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لِتَشْبِيهِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِيسَى بِآدَمَ وَرَدُّ تَفْسِيرِهِمْ لِذَلِكَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]
فَأَعْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلَ عِيسَى﴾ [آل عمران: ٥٩] إِشَارَةً إِلَى الْبَشَرِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ مَرْيَمَ الطَّاهِرَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَاهُنَا اسْمَ الْمَسِيحِ، إِنَّمَا ذَكَرَ عِيسَى فَقَطْ.
كَمَا أَنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَلَا مُبَاضَعَةٍ، فَكَذَلِكَ جَسَدُ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَلَا مُبَاضَعَةٍ، وَكَمَا أَنَّ جَسَدَ آدَمَ ذَاقَ الْمَوْتَ، فَكَذَلِكَ جَسَدُ الْمَسِيحِ ذَاقَ الْمَوْتَ، وَقَدْ يُبَرْهَنُ بِقَوْلِهِ أَيْضًا قَائِلًا: إِنَّ اللَّهَ أَلْقَى كَلِمَتَهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَذَلِكَ حَسْبَ قَوْلِنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْأَزَلِيَّةَ الْخَالِقَةَ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ وَتَجَسَّدَتْ بِإِنْسَانٍ كَامِلٍ، وَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ نَقُولُ: فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ طَبِيعَتَانِ: طَبِيعَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ:
[ ٤ / ٥٣ ]
الَّتِي هِيَ طَبِيعَةُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحُهُ، وَطَبِيعَةٌ نَاسُوتِيَّةٌ: الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ وَاتَّحَدَتْ بِهِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ بِهِ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ مُوسَى النَّبِيِّ، إِذْ يَقُولُ: (أَلَيْسَ هَذَا الْأَبُ الَّذِي خَلَقَكَ وَبَرَاكَ وَاقْتَنَاكَ) قِيلَ: وَعَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ (رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي) وَأَيْضًا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ: (بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِرُوحِ فَاهِ جَمِيعُ قُوَاهُنَّ) وَلَيْسَ يَدُلُّ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ خَالِقِينَ، بَلْ خَالِقٍ وَاحِدٍ: الْأَبُ وَنُطْقُهُ: أَيْ كَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ: أَيْ حَيَاتُهُ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]
كَلَامٌ حَقٌّ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ هَذَا النَّوْعَ الْبَشَرِيَّ عَلَى الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ ; لِيُبَيِّنَ عُمُومَ قُدْرَتِهِ، فَخَلَقَ آدَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى، وَخَلَقَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]
وَخَلَقَ الْمَسِيحَ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْخَلْقِ مِنْ ذَكَرٍ
[ ٤ / ٥٤ ]
وَأُنْثَى، وَكَانَ خَلْقُ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَعْجَبَ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ، وَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَخَلْقُ آدَمَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، وَهُوَ أَصْلُ خَلْقِ حَوَّاءَ.
فَلِهَذَا شَبَّهَهُ اللَّهُ بِخَلْقِ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ، فَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ قَادِرًا أَنْ يَخْلُقَهُ مِنْ تُرَابِ، وَالتُّرَابُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، أَفَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَهُ مِنَ امْرَأَةٍ هِيَ مِنْ جِنْسِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ؟ وَهُوَ سُبْحَانُهُ خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، لَمَّا نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَقَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، وَلَمْ يَكُنْ آدَمُ بِمَا نُفِخَ مِنْ رُوحِهِ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، بَلْ كُلُّهُ نَاسُوتٌ، فَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ كُلُّهُ نَاسُوتٌ، وَاللَّهُ ﵎ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي ضِمْنِ الْآيَاتِ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي شَأْنِ النَّصَارَى، لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَصَارَى نَجْرَانَ وَنَاظَرُوهُ فِي الْمَسِيحِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا أَنْزَلَ، فَبَيَّنَ فِيهِ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَكَذَّبَ اللَّهُ الطَّائِفَتَيْنِ: هَؤُلَاءِ فِي غُلُوِّهِمْ فِيهِ، وَهَؤُلَاءِ فِي ذَمِّهِمْ لَهُ.
وَقَالَ عَقِبَ هَذِهِ الْآيَةِ:
[ ٤ / ٥٥ ]
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ - قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦١ - ٦٤]
. وَقَدِ امْتَثَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَ اللَّهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فَعَرَفُوا أَنَّهُمْ إِنْ بَاهَلُوهُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَعْنَتَهُ، فَأَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ وَهُمْ صَاغِرُونَ، ثُمَّ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] إِلَى آخِرِهَا.
وَكَانَ أَحْيَانًا يَقْرَأُ بِهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى: بِقَوْلِهِ:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]
[ ٤ / ٥٦ ]
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّ الْمَسِيحَ عَبَدٌ لَيْسَ بِإِلَهٍ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ كَمَا خُلِقَ آدَمَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يُبَاهِلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِلَهٌ، فَيَدْعُو كُلٌّ مِنَ الْمُتَبَاهِلَيْنِ أَبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ وَقَرِيبَهُ الْمُخْتَصَّ بِهِ، ثُمَّ يَبْتَهِلُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَيَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَعْنَتَهُ عَلَى الْكَاذِبِينَ، فَإِنْ كَانَ النَّصَارَى كَاذِبِينَ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ، حَقَّتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَنْ قَالَ: لَيْسَ هُوَ اللَّهَ بَلْ عَبْدُ اللَّهِ، كَاذِبًا، حَقَّتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ، وَهَذَا إِنْصَافٌ مِنْ صَاحِبِ يَقِينٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ.
وَالنَّصَارَى لَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ، نَكَلُوا عَنِ الْمُبَاهَلَةِ، وَقَدْ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ:
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢]
تَكْذِيبًا لِلنَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْمَسِيحَ فِيهِ لَاهُوتٌ وَنَاسُوتٌ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ النَّاسُوتُ فَقَطْ دُونَ اللَّاهُوتِ؟ وَبِهَذَا ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ، قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]
فَأَعْنَى بِقَوْلِهِ: عِيسَى، إِشَارَةً إِلَى الْبَشَرِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ مَرْيَمَ الطَّاهِرَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَاهُنَا اسْمَ الْمَسِيحِ
[ ٤ / ٥٧ ]
إِنَّمَا ذَكَرَ عِيسَى فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: عِيسَى هُوَ الْمَسِيحُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَسِيحُ إِلَّا رَسُولًا لَيْسَ هُوَ بِإِلَهٍ وَأَنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَالَّذِي هُوَ ابْنٌ مِنْ مَرْيَمَ هُوَ النَّاسُوتُ وَقَالَ:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٢]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] .
[ ٤ / ٥٨ ]
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ مَوْتِهِ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ صُلِبَ نَاسُوتُهُ دُونَ لَاهُوتِهِ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
فَإِنَّ نَاسُوتَهُ لَمْ يُصْلَبْ، وَلَيْسَ فِيهِ لَاهُوتٌ، وَهُمْ ذَكَرُوا ذَلِكَ دَعْوًى مُجَرَّدَةً فَيُكْتَفَى فِي مُقَابَلَتِهَا بِالْمَنْعِ.
لَكِنْ نَقُولُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: إِنَّهُمْ فِي اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ يُشَبِّهُونَهُ تَارَةً بِاتِّحَادِ الْمَاءِ بِاللَّبَنِ، وَهَذَا تَشْبِيهُ الْيَعْقُوبِيَّةِ، وَتَارَةً بِاتِّحَادِ النَّارِ بِالْحَدِيدِ أَوِ النَّفْسِ بِالْجِسْمِ، وَهَذَا تَشْبِيهُ الْمَلِكَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْمَاءِ شَيْءٌ إِلَّا وَصَلَ إِلَى اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ النَّارُ الَّتِي فِي الْحَدِيدِ مَتَى طُرِقَ الْحَدِيدُ أَوْ بُصِقَ عَلَيْهِ لَحِقَ ذَلِكَ بِالنَّارِ الَّتِي فِيهِ، وَالْبَدَنُ إِذَا ضُرِبَ وَعُذِّبَ لَحِقَ أَلَمُ الضَّرْبِ وَالْعَذَابِ بِالنَّفْسِ، فَكَأَنَّ حَقِيقَةَ تَمْثِيلِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّاهُوتَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ النَّاسُوتَ مِنْ إِهَانَةِ الْيَهُودِ وَتَعْذِيبِهِمْ لَهُ وَإِيلَامِهِمْ لَهُ وَالصَّلْبِ الَّذِي ادَّعَوْهُ
وَهَذَا لَازَمٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ، فَإِنَّ الِاتِّحَادَ لَوْ كَانَ مَا يُصِيبُ أَحَدَهُمَا لَا يُشْرِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ هُنَا اتِّحَادٌ بَلْ تَعَدُّدٌ.
[ ٤ / ٥٩ ]
الرَّابِعُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنْ جَعَلُوا إِلَهَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُتَّحِدًا بِبَشَرٍ فِي جَوْفِ امْرَأَةٍ، وَجَعَلُوهُ لَهُ مَسْكَنًا، ثُمَّ جَعَلُوا أَخَابِثَ خَلْقِ اللَّهِ أَمْسَكُوهُ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ وَصَلَبُوهُ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَسْتَغِيثُ بِاللَّهِ وَيَقُولُ: " إِلَهِي إِلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي " وَهُمْ يَقُولُونَ: الَّذِي كَانَ يَسْمَعُ النَّاسُ كَلَامَهُ هُوَ اللَّاهُوتُ، كَمَا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَيَقُولُونَ: هُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَالْكَلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَشِيئَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ الدَّاعِي الْمُسْتَغِيثُ الْمَصْلُوبُ هُوَ اللَّاهُوتُ وَهُوَ الْمُسْتَغِيثُ الْمُتَضَرِّعُ وَهُوَ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ، وَأَيْضًا فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، فَمَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغِيثًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغَاثًا بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدْعُوًّا، فَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الدَّاعِيَ هُوَ غَيْرُ الْمَدْعُوِّ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ لَا وَاحِدًا، وَإِذَا قَالُوا: هَمَا وَاحِدٌ فَالدَّاعِي هُوَ الْمَدْعُوُّ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ اللَّاهُوتَ كَانَ قَادِرًا عَلَى دَفْعِهِمْ عَنْ نَاسُوتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا: لَمْ يَكُنْ قَادِرًا، فَإِنْ قَالُوا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ أَقْدَرَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
[ ٤ / ٦٠ ]
وَأَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَقْهُورًا مَأْسُورًا مَعَ قَوْمٍ مِنْ شِرَارِ الْيَهُودِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالتَّنَقُّصِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، وَأَنَّهُ بَخِيلٌ، وَأَنَّهُ فَقِيرٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَسُبُّ بِهِ الْكُفَّارُ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَإِنْ قَالُوا: كَانَ قَادِرًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُدْوَانِ الْكُفَّارِ عَلَى نَاسُوتِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لِذَلِكَ، فَسُنَّةُ اللَّهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ نَصْرُ رُسُلِهِ الْمُسْتَغِيثِينَ بِهِ، فَكَيْفَ لَمْ يُغِثْ نَاسُوتَهُ الْمُسْتَصْرِخَ بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قُتِلَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَهُوَ صَابِرٌ، فَإِنَّ أُولَئِكَ صَبَرُوا حَتَّى قُتِلُوا شُهَدَاءَ، وَالنَّاسُوتُ عِنْدَهُمُ اسْتَغَاثَ وَقَالَ: " إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي "، وَإِنْ كَانَ هُوَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَكْرًا، كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَكَرَ بِالشَّيْطَانِ وَأَخْفَى نَفْسَهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ بِوَجْهِ حَقٍّ، فَنَاسُوتُهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَجْزَعَ وَلَا يَهْرُبَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَهُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ جَزَعِ النَّاسُوتِ وَهَرَبِهِ وَدُعَائِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: مَشِيئَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، فَكَيْفَ شَاءَ ذَلِكَ وَهَرَبَ مِمَّا يَكْرَهُهُ النَّاسُوتُ؟ بَلْ لَوْ يَشَاءُ اللَّاهُوتُ مَا يَكْرَهُهُ كَانَا مُتَبَايِنَيْنِ، وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الْمَكْرِ بِالْعَدُوِّ وَلَمْ يَجْزَعِ النَّاسُوتُ، كَمَا جَرَى لِيُوسُفَ مَعَ
[ ٤ / ٦١ ]
أَخِيهِ لَمَّا وَافَقَهُ عَلَى أَنَّهُ يَحْمِلُ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِهِ، وَيُظْهِرُ أَنَّهُ سَارِقٌ لَمْ يَجْزَعْ أَخُوهُ لَمَّا ظَهَرَ الصُّوَاعُ فِي رَحْلِهِ، كَمَا جَزِعَ إِخْوَتُهُ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا، وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّطَّارِ الْعَيَّارِينَ يُمْسَكُونَ وَيُصْلَبُونَ وَهُمْ ثَابِتُونَ صَابِرُونَ، فَمَا بَالُ هَذَا يَجْزَعُ الْجَزَعَ الْعَظِيمَ الَّذِي يَصِفُونَ بِهِ الْمَسِيحَ، وَهُوَ يَقْتَضِي غَايَةَ النَّقْصِ الْعَظِيمِ مَعَ دَعْوَاهُمْ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُمْ إِنَّهُ كَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ فَقَطْ لَا أُقْنُومَ الْحَيَاةِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: وَقَدْ بَرْهَنَ بِقَوْلِهِ رَأْيَنَا أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَائِلًا: إِنَّ اللَّهَ أَلْقَى كَلِمَتَهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَذَلِكَ حَسْبَ قَوْلِنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْخَالِقَةَ الْأَزَلِيَّةَ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ وَاتَّحَدَتْ بِإِنْسَانٍ كَامِلٍ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنْ ضَلَلْتُمْ فِي تَأْوِيلِهِ كَمَا ضَلَلْتُمْ فِي تَأْوِيلِ غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا بَلَّغُوهُ عَنِ اللَّهِ،
[ ٤ / ٦٢ ]
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ - قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٧]
فَفِي هَذَا الْكَلَامِ وُجُوهٌ تُبَيِّنُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَلَيْسَ هُوَ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى:
مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ: (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) وَقَوْلُهُ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ تَقْتَضِي أَنَّهُ كَلِمَةٌ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ، لَيْسَ هُوَ كَلَامَهُ كُلَّهُ كَمَا يَقُولُ النَّصَارَى.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ حَيْثُ قَالَ:
﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧]
كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ كهيعص:
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٤ - ٣٥]
[ ٤ / ٦٣ ]
فَهَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ فِي الْقُرْآنِ تُبَيِّنُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ) وَهَذَا تَفْسِيرُ كَوْنِهِ كَلِمَةً مِنْهُ.
وَقَالَ " اسْمَهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " أَخْبَرَ أَنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَجِيهٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرِّبِينَ، وَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَةُ مَخْلُوقٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى وَكَلَامُهُ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ لَا يُقَالُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ مَرْيَمُ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ
فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ هُوَ وَلَدُ مَرْيَمَ، لَا وَلَدَ اللَّهِ ﷾
وَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ:
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٣] .
فَقَدْ نَهَى النَّصَارَى عَنِ الْغُلُوِّ فِي دِينِهِمْ، وَأَنْ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى
[ ٤ / ٦٤ ]
مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ رَسُولُهُ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَقُولُوا ثَلَاثَةً، وَقَالَ: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ أَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، فَنَزَّهَ نَفْسَهُ وَعَظَّمَهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧١] فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] أَيْ: لَنْ يَسْتَنْكِفُوا أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ ﵎ فَمَعَ هَذَا الْبَيَانِ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ، هَلْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ (وَكَلِمَتُهُ) أَنَّهُ إِلَهٌ خَالِقٌ؟ أَوْ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ قَائِمَةٌ بِهِ؟ وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حَيَاتُهُ، أَوْ رُوحُهُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ ذَاتِهِ؟
ثُمَّ نَقُولُ أَيْضًا: أَمَّا قَوْلُهُ (وَكَلِمَتُهُ) فَقَدْ بَيَّنَ مُرَادَهُ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِـ (كُنْ) وَفِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ أَنْ يُسَمَّى الْمَفْعُولُ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، فَيُسَمَّى الْمَخْلُوقُ خَلْقًا لِقَوْلِهِ: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ: مَضْرُوبُ الْأَمِيرِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْرًا، وَالْمَقْدُورُ قُدْرَةً وَقَدَرًا، وَالْمَعْلُومُ عِلْمًا، وَالْمَرْحُومُ بِهِ رَحْمَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]
[ ٤ / ٦٥ ]
وَقَوْلُهُ
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «يَقُولُ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَيَقُولُ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي.» وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً فَبِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ وَيَتَعَاطَفُونَ، وَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ هَذِهِ إِلَى تِلْكَ، فَرَحِمَ بِهَا الْخَلْقَ» وَيُقَالُ لِلْمَطَرِ: هَذِهِ قُدْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَيُقَالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ عِلْمَهُ فِيكَ، أَيْ مَعْلُومَهُ، فَتَسْمِيَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْكَلِمَةِ كَلِمَةً مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ (الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ) وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّ النَّصَارَى الْحُلُولِيَّةَ وَالْجَهْمِيَّةَ الْمُعَطِّلَةَ اعْتَرَضُوا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَالَتِ النَّصَارَى: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالْمَسِيحُ كَلِمَةُ اللَّهِ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: الْمَسِيحُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا.
[ ٤ / ٦٦ ]
وَأَجَابَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: بِأَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ لَيْسَ هُوَ كَلَامًا، فَإِنَّ الْمَسِيحَ إِنْسَانٌ وَبَشَرٌ مَوْلُودٌ مِنِ امْرَأَةٍ، وَكَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ وَلَا بَشَرٍ وَلَا مَوْلُودٍ مِنِ امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّ الْمَسِيحَ خُلِقَ بِالْكَلَامِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ نَفْسُهُ كَلَامُ اللَّهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟
وَقَدْ قِيلَ: أَكْثَرُ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ، وَمَا مِنْ عَاقِلٍ إِذَا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْمَسِيحِ ﵇ أَنَّهُ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، إِلَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا أَنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ وَلَا خَالِقٌ.
ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسُ الْكَلَامِ، فَالْكَلَامُ لَيْسَ بِخَالِقٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِخَالِقٍ، وَالتَّوْرَاةُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَتْ بِخَالِقَةٍ، وَكَلِمَاتُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ خَالِقٌ، فَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ نَفْسَ الْكَلَامِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا، فَكَيْفَ وَلَيْسَ هُوَ الْكَلَامَ، وَإِنَّمَا خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ، وَخُصَّ بِاسْمِ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ الَّذِي خُلِقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلْ خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ فَخُلِقَ بِالْكَلِمَةِ مِنْ غَيْرِ السُّنَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْبَشَرِ.
وَقَوْلُهُ: (بِرُوحٍ مِنْهُ) لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]
[ ٤ / ٦٧ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]
. ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ - رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً - فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ١ - ٣]
فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ رُوحُ اللَّهِ الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ.
فَالْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ رُوحٌ مِنْ تِلْكَ الرُّوحِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا، قَالَ تَعَالَى:
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ١٩]
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] .
[ ٤ / ٦٨ ]
وَقَالَ:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَفَخَ فِي مَرْيَمَ مِنْ رُوحِهِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ نَفَخَ فِي آدَمَ مِنْ رُوحِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رُوحَهُ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا - قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا - قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ٢١] فَحَمَلَتْهُ
فَهَذَا الرُّوحُ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهَا لِيَهَبَ لَهَا غُلَامًا زَكِيًّا، مَخْلُوقٌ وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي خُلِقَ الْمَسِيحُ مِنْهُ وَمِنْ مَرْيَمَ، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ مَخْلُوقًا فَكَيْفَ الْفَرْعُ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ؟ وَقَوْلُهُ عَنِ الْمَسِيحِ: (وَرُوحٌ مِنْهُ) خُصَّ الْمَسِيحُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفَخَ فِي أُمِّهِ مِنَ الرُّوحِ، فَحَبِلَتْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّفْخِ، وَذَلِكَ غَيْرُ رُوحِهِ الَّتِي يُشَارِكُهُ فِيهَا سَائِرُ الْبَشَرِ فَامْتَازَ بِأَنْ حَبِلَتْ بِهِ مِنْ نَفْخِ الرُّوحِ، فَلِهَذَا سُمِّيَ رُوحًا مِنْهُ
وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: رُوحٌ مِنْهُ، أَيْ رَسُولٌ مِنْهُ سَمَّاهُ بِاسْمِ الرُّوحِ الرَّسُولِ الَّذِي نَفَخَ فِيهَا، فَكَمَا يُسَمَّى " كَلِمَةً " يُسَمَّى
[ ٤ / ٦٩ ]
" رُوحًا " لِأَنَّهُ كُوِّنَ بِالْكَلِمَةِ، لَا كَمَا يُخْلَقُ الْآدَمِيُّونَ غَيْرَهُ، وَيُسَمَّى " رُوحًا "، لِأَنَّهُ حَبِلَتْ بِهِ أُمُّهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ الَّذِي نُفِخَ فِيهَا، لَمْ تَحْبَلْ بِهِ مِنْ ذَكَرٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: لَمَّا خُلِقَ مِنْ نَفْخِ الرُّوحِ وَمِنْ مَرْيَمَ سُمَّيَ " رُوحًا " بِخِلَافِ سَائِرِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّهُ يُخْلَقُ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي أَمَانَتِهِمْ: (تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ) وَلَوِ اقْتَصَرُوا عَلَى هَذَا، وَفَسَّرُوا رُوحَ الْقُدُسِ بِالْمَلَكِ الَّذِي نَفَخَ فِيهَا وَهُوَ رُوحُ اللَّهِ، لَكَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا رُوحَ الْقُدُسِ حَيَاةَ اللَّهِ وَجَعَلُوهُ رَبًّا وَتَنَاقَضُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي فِيهِ أُقْنُومَانِ: أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَأُقْنُومُ الرُّوحِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَكَمَا يُسَمَّى الْمَسِيحُ كَلِمَةً لِأَنَّهُ خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ، يُسَمَّى " رُوحًا " لِأَنَّهُ حَلَّ بِهِ مِنَ الرُّوحِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ:
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤]
وَقَالَ:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] .
[ ٤ / ٧٠ ]
وَقَدْ قَالَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ: " الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ " وَقَالَ فِي الْمَسِيحِ: " ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] " قِيلَ: هَذَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمُضَافِ إِلَى اللَّهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا أَوْ صِفَةً فِيهَا كَانَ مَخْلُوقًا، وَإِنْ كَانَ صِفَةً مُضَافًا إِلَى اللَّهِ كَعِلْمِهِ وَكَلَامِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَ إِضَافَةَ صِفَةٍ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ إِنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً أَوْ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا كَمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالنِّعَمِ، وَالرُّوحِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَقَالَ: " ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] " كَانَ مَخْلُوقًا، وَإِنْ كَانَ صِفَةً لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا الْمَخْلُوقُ كَالْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا، فَإِنَّ ذَلِكَ قَائِمٌ بِاللَّهِ، وَمَا يَقُومُ بِاللَّهِ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا، وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ بُطْلَانِ احْتِجَاجِ النَّصَارَى وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلَا بَاطِنِهِ حُجَّةٌ فِي سَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا تَمَسَّكُوا بِآيَاتٍ مُتَشَابِهَاتٍ وَتَرَكُوا الْمُحْكَمَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]
وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي النَّصَارَى، فَهُمْ مُرَادُونَ مِنَ الْآيَةِ قَطْعًا، ثُمَّ قَالَ:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] .
[ ٤ / ٧١ ]
وَفِيهَا قَوْلَانِ وَقِرَاءَتَانِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (إِلَّا اللَّهُ)، وَيَقُولُ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقِفُ، بَلْ يَصِلُ بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] وَيَقُولُ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَأْثُورٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: قَدْ يَكُونُ الْحَالُ مِنَ الْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا " أَيْ قَائِلِينَ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ بِاعْتِبَارِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ يُرَادُ بِهِ التَّفْسِيرُ وَمَعْرِفَةُ مَعَانِيهِ.
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ آيَةً إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ فِي مَاذَا نَزَلَتْ، وَمَاذَا عَنَى بِهَا.
وَقَدْ يُعْنَى بِالتَّأْوِيلِ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنْ كَيْفِيَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخَرِ، وَوَقْتِ السَّاعَةِ وَنُزُولِ عِيسَى، وَنَحْوَ ذَلِكَ،
[ ٤ / ٧٢ ]
فَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَأَمَّا لَفْظُ التَّأْوِيلِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ، فَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يُرِيدُونَ بِلَفْظِ التَّأْوِيلِ هَذَا وَلَا هُوَ مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿
وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ خَصُّوا لَفْظَ التَّأْوِيلِ بِهَذَا، بَلْ لَفْظُ التَّأْوِيلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ يُرَادُ بِهِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ الْكَلَامُ، وَإِنْ وَافَقَ ظَاهِرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] .
وَمِنْهُ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَا، كَقَوْلِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ:
﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]
وَكَقَوْلِهِ:
﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] .
وَقَوْلِهِ:
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّصَارَى حُجَّةٌ لَا فِي ظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَلَا فِي بَاطِنِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
[ ٤ / ٧٣ ]
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]
وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ جَوْهَرٌ، وَهِيَ رَبٌّ لَا يَخْلُقُ بِهَا الْخَالِقُ، بَلْ هِيَ الْخَالِقَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، كَمَا قَالُوا فِي كِتَابِهِمْ: (إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْخَالِقَةَ الْأَزَلِيَّةَ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ)، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ، وَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا لَيْسَتْ خَالِقَةً، إِذِ الْخَالِقُ لَا يُلْقِيهِ شَيْءٌ بَلْ هُوَ يُلْقِي غَيْرَهُ، وَكَلِمَاتُ اللَّهِ نَوْعَانِ: كَوْنِيَّةٌ، وَدِينِيَّةٌ.
فَالْكَوْنِيَّةُ: كَقَوْلِهِ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ.
وَالدِّينِيَّةُ: أَمْرُهُ وَشَرْعُهُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ وَإِرَادَتُهُ وَإِذْنُهُ وَإِرْسَالُهُ وَبَعْثُهُ يَنْقَسِمُ إِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلْقَاءَ الْقَوْلِ فِي غَيْرِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا
[ ٤ / ٧٤ ]
الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ - وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٦ - ٨٧]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]
وَأَمَّا لَقَّنْتُهُ الْقَوْلَ وَلَقَّيْتُهُ فَتَلَقَّاهُ، فَذَلِكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحَفَظَهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَلْقَيْتَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا يَقُولُهُ فِيمَا يُخَاطِبُهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ، كَمَنْ أَلْقَيْتَ إِلَيْهِ الْقَوْلَ بِخِلَافِ الْقَوْلِ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ، وَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ السَّلَامَ، وَلَيْسَ هُنَا إِلَّا خِطَابٌ سَمِعُوهُ لَمْ يَحْصُلْ نَفْسُ صِفَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْمُخَاطَبِ، فَكَذَلِكَ مَرْيَمُ إِذَا أَلْقَى اللَّهُ كَلِمَتَهُ إِلَيْهَا وَهِيَ قَوْلُ: " كُنْ " لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ نَفْسُ صِفَتِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ صِفَتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ حَلَّتْ فِي سَائِرِ مَنْ أَلْقَى إِلَيْهِ كَلَامَهُ، كَمَا لَا تَحْصُلُ صِفَةُ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ فِيمَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَلَامُهُ.
[ ٤ / ٧٥ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ اضْطِرَابِ كَلَامِ النَّصَارَى وَتَفَرُّقِهِمْ فِي بَابِ طَبِيعَةِ الْمَسِيحِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ نَقُولُ: فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ طَبِيعَتَانِ:
طَبِيعَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ: الَّتِي هِيَ طَبِيعَةُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ.
وَطَبِيعَةٌ نَاسُوتِيَّةٌ: الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ وَاتَّحَدَتْ بِهِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: كَلَامُ النَّصَارَى فِي هَذَا الْبَابِ مُضْطَرِبٌ مُخْتَلِفٌ مُتَنَاقِضٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَلَا قَوْلٌ مَعْقُولٌ، وَلَا قَوْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابٌ، بَلْ هُمْ فِيهِ فِرَقٌ وَطَوَائِفُ كُلُّ فِرْقَةٍ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، كَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلِكَانِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ، وَنَقْلُ الْأَقْوَالِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ، كَثِيرَةُ الِاخْتِلَافِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ: لَوِ اجْتَمَعَ عَشْرَةُ نَصَارَى لَتَفَرَّقُوا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ اعْتِقَادِهِمْ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أَمَانَتِهِمْ، لَمْ يَنْطِقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يُوجَدُ لَا فِي كَلَامِ
[ ٤ / ٧٦ ]
الْمَسِيحِ وَلَا الْحَوَارِيِّينَ وَلَا أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَكِنَّ عِنْدَهُمْ فِي الْكُتُبِ أَلْفَاظًا مُتَشَابِهَةً وَأَلْفَاظًا مُحْكَمَةً يَتَنَازَعُونَ فِي فَهْمِهَا، ثُمَّ الْقَائِلُونَ مِنْهُمْ بِالْأَمَانَةِ وَهُمْ عَامَّةُ النَّصَارَى الْيَوْمَ مِنَ الْمَلِكَانِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ مُخْتَلِفُونَ فِي تَفْسِيرِهَا، وَنَفْسُ قَوْلِهِمْ مُتَنَاقِضٌ يَمْتَنِعُ تَصَوُّرَهُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ.
فَلِهَذَا صَارَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعِي لَفْظَ أَمَانَتِهِمْ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَظْهَرُ فَسَادُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتُرُ بَعْضَ ذَلِكَ كَالنَّسْطُورِيَّةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ وَهُمُ الْمَلِكَانِيَّةُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَلَمَّا ابْتَدَعُوا مَا ابْتَدَعُوا مِنَ التَّثْلِيثِ وَالْحُلُولِ، كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ يُوجَدُ نَقْلُ النَّاسِ لِمَقَالَاتِهِمْ مُخْتَلِفًا، وَذَلِكَ بِحَسَبِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الَّتِي يَنْقُلُ ذَلِكَ النَّاقِلُ قَوْلَهَا، وَالْقَوْلُ الَّذِي يَحْكِيهِ كَثِيرٌ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى خِلَافِهِ، كَمَا نَقَلُوا عَنْهُمْ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُهُ أَبُو الْقَاسِمِ
[ ٤ / ٧٧ ]
الْأَنْصَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْقَدِيمَ وَاحِدٌ بِالْجَوْهَرِ، ثَلَاثَةٌ بِالْأُقْنُومِ، وَأَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِالْأُقْنُومِ: الْوُجُودَ وَالْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ.
وَنَقَلُوا عَنْهُمْ: أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ لَيْسَا بِوَصْفَيْنِ زَائِدَيْنِ عَلَى الذَّاتِ مَوْجُودَيْنِ، بَلْ هُمَا صِفَتَانِ نَفْسِيَّتَانِ لِلْجَوْهَرِ، قَالُوا: وَلَوْ مُثِّلَ مَذْهَبِهِمْ بِمِثَالٍ لَقِيلَ: إِنَّ الْأَقَانِيمَ عِنْدَهُمْ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ عِنْدَ مُثْبِتِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ سَوَادِيَّةَ اللَّوْنِ وَلَوْنِيَّتَهُ صِفَتَانِ نَفْسِيَّتَانِ لِلْعَرَضِ، قَالَ: وَرُبَّمَا يُعَبِّرُونَ عَنِ الْأَقَانِيمِ بِالْأَبِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، فَيَعْنُونَ بِالْأَبِ الْوُجُودَ، وَبِالِابْنِ الْمَسِيحَ وَالْكَلِمَةَ، وَرُبَّمَا سَمَّوُا الْعِلْمَ
[ ٤ / ٧٨ ]
كَلِمَةً، وَالْكَلِمَةَ عِلْمًا، وَيُعَبِّرُونَ عَنِ الْحَيَاةِ بِالرُّوحِ، قَالَ: وَلَا يُرِيدُونَ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَامَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَلَا يُسَمُّونَ الْعِلْمَ قَبْلَ تَدَرُّعِهِ بِالْمَسِيحِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ ابْنًا، بَلِ الْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ مَعَ مَا تَدَرَّعَ بِهِ ابْنٌ، قَالُوا: وَمِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِالْمَسِيحِ وَتَدَرَّعَتْ بِالنَّاسُوتِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الِاتِّحَادِ فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالِاخْتِلَاطِ وَالِامْتِزَاجِ، وَهَذَا مَذْهَبُ طَوَائِفَ مِنَ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ وَالْمَلِكَانِيَّةِ، قَالُوا: إِنَّ الْكَلِمَةَ خَالَطَتْ جَسَدَ الْمَسِيحِ وَمَازَجَتْهُ كَمَا مَازَجَ الْخَمْرُ الْمَاءَ أَوِ اللَّبَنَ، قَالُوا: وَهَذَا مَذْهَبُ الرُّومِ وَمُعْظَمُهُمُ الْمَلِكَانِيَّةُ، قَالُوا: فَمَازَجَتِ الْكَلِمَةُ جَسَدَ الْمَسِيحِ فَصَارَتْ شَيْئًا وَاحِدًا وَصَارَتِ الْكَثْرَةُ قِلَّةً.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَعَاقِبَةِ إِلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ انْقَلَبَتْ لَحْمًا وَدَمًا، وَقَالُوا: وَصَارَتْ شِرْذِمَةٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّحَادِ ظُهُورُ اللَّاهُوتِ عَلَى النَّاسُوتِ كَظُهُورِ الصُّورَةِ فِي الْمِرْآةِ، وَالنَّقْشِ فِي الْخَاتَمِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ظُهُورُ اللَّاهُوتِ عَلَى النَّاسُوتِ كَاسْتِوَاءِ الْإِلَهِ عَلَى الْعَرْشِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّحَادِ الْحُلُولُ. قَالُوا: وَقَدِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْجَوْهَرِ وَالْأَقَانِيمِ
[ ٤ / ٧٩ ]
فَذَهَبَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجَوْهَرَ لَيْسَ بِغَيْرِ الْأَقَانِيمِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ هِيَ، وَصَرَّحَتِ الْمَلَكَانِيَّةُ بِأَنَّهُ غَيْرُ الْأَقَانِيمِ، وَآخَرُونَ قَالُوا: هُوَ الْأَقَانِيمُ.
قَالُوا: وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَذَهَبَتِ الرُّومُ إِلَى التَّصْرِيحِ بِإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَامْتَنَعَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ فِي وَجْهٍ وَالْتَزَمُوهُ مِنْ وَجْهٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْكَلِمَةُ إِلَهٌ وَالرُّوحُ إِلَهٌ وَالْأَبُ إِلَهٌ، وَالثَّلَاثَةُ الْأَقَانِيمُ الَّتِي كُلُّ أُقْنُومٍ إِلَهٌ، إِلَهٌ وَاحِدٌ.
قَالُوا: وَذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ مِنَ النَّصَارَى إِلَى أَنَّ عِيسَى كَانَ ابْنًا لِلَّهِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَامَةِ، فَكَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، كَذَلِكَ اتَّخَذَ عِيسَى ابْنًا.
قَالُوا: وَهَؤُلَاءِ يُقَالُ لَهُمُ: الْأَرِيُوسِيَّةُ. فَهَذَا نَقْلُ طَائِفَةٍ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا قَوْلٌ لِمَنْ قَالَهُ مِنَ النَّصَارَى، وَفِيهِ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ أَمَانَتِهِمْ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُهُمْ، مِثْلَ قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ الْعِلْمَ قَبْلَ تَدَرُّعِهِ بِالْمَسِيحِ ابْنًا، بَلِ الْمَسِيحُ مَعَ مَا تَدَرَّعَ بِهِ ابْنٌ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ مَا عَلَيْهِ فِرَقُ النَّصَارَى مِنَ الْمَلِكَانِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ، وَخِلَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ أَمَانَتُهُمْ، إِذْ صَرَّحُوا فِيهَا بِأَنَّ الْكَلِمَةَ ابْنٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ مَوْلُودٌ قَبْلَ الدُّهُورِ، وَهَذَا صِفَةُ اللَّاهُوتِ عِنْدَهُمْ، وَفِيهَا أَشْيَاءُ يَقُولُهَا بَعْضُ النَّصَارَى لَا كُلُّهُمْ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُمْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَامَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ صِفَةُ فِعْلٍ، وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَمِنَ
[ ٤ / ٨٠ ]
الْيَهُودِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ.
وَنَقَلَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْهُمْ مَا يُوَافِقُ هَذَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَقَالُوا: اتَّفَقَتْ طَوَائِفُ النَّصَارَى عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، وَأَنْ كُلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْأَقَانِيمِ جَوْهَرٌ خَاصٌّ يَجْمَعُهَا الْجَوْهَرُ الْعَامُّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْأَقَانِيمَ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْأُقْنُومِيَّةِ، مُتَّفِقَةٌ فِي الْجَوْهَرِيَّةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ مُخْتَلِفَةً فِي الْأُقْنُومِيَّةِ، بَلْ مُتَغَايِرَةً، وَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا هُوَ الْآخَرُ، وَلَا هُوَ غَيْرُهُ، وَلَيْسَتْ مُتَغَايِرَةً وَلَا مُخْتَلِفَةً، وَزَعَمُوا أَنَّ الْجَوْهَرَ لَيْسَ هُوَ غَيْرَهَا إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَلِكَانِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْأَقَانِيمَ هِيَ الْجَوْهَرُ غَيْرُ الْأَقَانِيمِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْجَوْهَرَ هُوَ الْأَبُ، وَالْأَقَانِيمُ الْحَيَاةُ، وَهِيَ رُوحُ الْقُدُسِ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْعِلْمُ، وَأَنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِأَحَدِ الْأَقَانِيمِ الَّذِي هُوَ الِابْنُ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَكَانَ مَسِيحًا عِنْدَ الِاتِّحَادِ، لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، حُمِلَ، وَوُلِدَ، وَنَشَأَ، وَقُتِلَ، وَصُلِبَ، وَدُفِنَ.
[ ٤ / ٨١ ]
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فَقَالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ قَدِيمٌ وَمُحَدَثٌ، وَأَنَّ اتِّحَادَهُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَشِيئَةِ، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُمَا وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَا جَوْهَرَيْنِ.
وَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: لَمَّا اتَّحَدَا صَارَ الْجَوْهَرَانِ الْجَوْهَرُ الْقَدِيمُ وَالْجَوْهَرُ الْمُحْدَثُ جَوْهَرًا وَاحِدًا.
وَاخْتَلَفُوا هَاهُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْجَوْهَرُ الْمُحْدَثُ صَارَ قَدِيمًا، وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُمَا لَمَّا اتَّحَدَا صَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا قَدِيمًا مِنْ وَجْهٍ مُحْدَثًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
وَقَالَتِ الْمَلِكَانِيَّةُ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أُقْنُومَانِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَقَالَتِ الْأَرِيُوسِيَّةُ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا أَقَانِيمَ لَهُ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُصْلَبْ وَلَمْ يَقْتُلْ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: الْمَسِيحُ لَيْسَ بِابْنِ اللَّهِ، وَحَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَالتَّقْرِيبِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلِمَةِ الْمُلْقَاةِ إِلَى مَرْيَمَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّ الْكَلِمَةَ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ حُلُولَ الْمُمَازَجَةِ، كَمَا يَحُلُّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ فَيُمَازِجُهُ وَيُخَالِطُهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّهَا حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ مِنْ غَيْرِ مُمَازَجَةٍ، كَمَا أَنَّ شَخْصَ الْإِنْسَانِ يَحُلُّ فِي الْمِرْآةِ وَفِي الْأَجْسَامِ الصَّقِيلَةِ مِنْ غَيْرِ مُمَازَجَةٍ.
[ ٤ / ٨٢ ]
وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى أَنَّ النَّاسُوتَ مَعَ اللَّاهُوتِ كَمَثَلِ الْخَاتَمِ مَعَ الشَّمْعِ، يُؤَثِّرُ فِيهِ بِالنَّقْشِ، ثُمَّ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا أَثَرُهُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ وَمَنْ مَعَهُ: وَاخْتَلَفَتِ النَّصَارَى فِي الْأَقَانِيمِ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: هِيَ جَوَاهِرٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خَوَاصٌّ، وَقَالَ قَوْمٌ هِيَ صِفَاتٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ أَشْخَاصٌ، وَالْأَبُ عِنْدَهُمُ الْجَوْهَرُ الْجَامِعُ لِلْأَقَانِيمِ، وَالِابْنُ هُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي اتَّحَدَتْ عِنْدَ مَبْدَأِ الْمَسِيحِ، وَالرُّوحُ هِيَ الْحَيَاةُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاتِّحَادَ صِفَةُ فِعْلٍ وَلَيْسَ بِصِفَةِ ذَاتٍ.
قَالُوا: وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الِاتِّحَادِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا، فَزَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَنَّ الِاتِّحَادَ هُوَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ الِابْنُ حَلَّتْ جَسَدَ الْمَسِيحِ وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ.
وَزَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَنَّ الِاتِّحَادَ: هُوَ الِاخْتِلَاطُ وَالِامْتِزَاجُ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْيَعْقُوبِيَّةِ: هُوَ أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ قَدِ انْقَلَبَتْ لَحْمًا وَدَمًا بِالِاخْتِلَاطِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ: الِاتِّحَادُ هُوَ أَنَّ الْكَلِمَةَ وَالنَّاسُوتَ اخْتَلَطَا وَامْتَزَجَا كَاخْتِلَاطِ الْمَاءِ بِالْخَمْرِ وَامْتِزَاجِهِمَا، وَكَذَلِكَ الْخَمْرِ بِاللَّبَنِ.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: الِاتِّحَادُ هُوَ أَنَّ الْكَلِمَةَ وَالنَّاسُوتَ اتَّحَدَا فَصَارَا هَيْكَلًا وَاحِدًا.
[ ٤ / ٨٣ ]
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ: الِاتِّحَادُ مِثْلَ ظُهُورِ صُورَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْمِرْآةِ، وَكَظُهُورِ الطَّابَعِ فِي الْمَطْبُوعِ، مِثْلَ الْخَاتَمِ فِي الشَّمْعِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: الْكَلِمَةُ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا حَلَّتْهُ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ، كَمَا نَقُولُ: اللَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ، وَكَمَا نَقُولُ: إِنَّ الْعَقْلَ جَوْهَرٌ حَالٌّ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ لِلنَّفْسِ وَلَا مُمَاسَّةٍ لَهَا. وَقَالَتِ الْمَلِكَانِيَّةُ: الِاتِّحَادُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ صَارَا وَاحِدًا وَصَارَتِ الْكَثْرَةُ قِلَّةً.
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الزَّاغُونِيُّ هُوَ نَحْوُ مَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقَاضِيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ: النَّصَارَى فِرَقٌ مِنْهُمْ أَصْحَابُ أَرِيُوسَ، وَكَانَ قِسِّيسًا بِالْأَسْكَنْدَرِيَّةِ، وَمِنْ قَوْلِهِ: التَّوْحِيدُ الْمُجَرَّدُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ
[ ٤ / ٨٤ ]
مَخْلُوقٌ، وَأَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ " قُسْطَنْطِينَ " الْأَوَّلِ بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَأَوَّلُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ مَلُوكِ الرُّومِ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَرِيُوسَ هَذَا.
قَالَ: وَمِنْهُمْ أَصْحَابُ بُولُسَ الشِمْشَاطِيِّ، وَكَانَ بَطْرِيَارِكًا بِأَنْطَاكِيَةَ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرَانِيَّةِ وَكَانَ قَوْلُهُ بِالتَّوْحِيدِ الْمُجَرَّدِ الصَّحِيحِ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ كَأَحَدِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مَرْيَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ، وَأَنَّهُ إِنْسَانٌ لَا إِلَهِيَّةَ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا الْكَلِمَةُ وَلَا الرُّوحُ الْقُدُسِ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمْ أَصْحَابُ مَقْدِنْيُوسَ، كَانَ بَطْرِيَارِكًا بَالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بَعْدَ ظُهُورِ النَّصْرَانِيَّةِ أَيَّامَ قُسْطَنْطِينَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الْمَلِكُ أَرِيُوسِيًّا كَأَبِيهِ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِ مَقْدُونِيُوسَ هَذَا التَّوْحِيدُ الْمُجَرَّدُ وَأَنَّ عِيسَى ﵇ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ إِنْسَانٌ نَبِيٌّ رَسُولٌ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَأَنَّ عِيسَى هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ، وَأَنَّ رُوحَ
[ ٤ / ٨٥ ]
الْقُدُسِ وَالْكَلِمَةَ مَخْلُوقَانِ، خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمُ الْبَرْبَرَانِيَّةُ، وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ عِيسَى وَأُمَّهُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: وَهَذِهِ الْفِرَقُ قَدْ بَادَتْ، وَعُمْدَتُهُمُ الْيَوْمَ ثَلَاثُ فِرَقٍ، وَأَعْظَمُهَا فِرَقُ الْمَلِكَانِيَّةِ، وَهِيَ مَذْهَبُ جَمِيعِ مُلُوكِ النَّصَارَى حَيْثُ كَانُوا حَاشَا الْحَبَشَةَ وَالنُّوبَةَ وَمَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ كُلِّ مَمْلَكَةِ النَّصَارَى حَاشَا النُّوبَةَ وَالْحَبَشَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمِيعِ نَصَارَى أَفْرِيقِيَّةَ وَصِقِلِّيَّةَ
[ ٤ / ٨٦ ]
وَالْأَنْدَلُسِ وَجُمْهُورِ الشَّامِ، وَقَوْلُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَبٌ، وَابْنٌ، وَرُوحُ الْقُدُسِ، كُلُّهَا لَمْ تَزَلْ، وَأَنَّ عِيسَى إِلَهٌ تَامٌّ كُلُّهُ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ لَيْسَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي صُلِبَ وَقُتِلَ، وَأَنَّ الْإِلَهَ مِنْهُ لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْإِلَهَ وَالْإِنْسَانَ، وَأَنَّهُمَا مَعًا شَيْءٌ وَاحِدٌ ابْنُ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ.
وَقَالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَلِدِ الْإِلَهَ، وَإِنَّمَا وَلَدَتِ الْإِنْسَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَلِدِ الْإِنْسَانَ، وَإِنَّمَا وَلَدَ الْإِلَهَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ، وَهَذِهِ الْفِرْقَةُ غَالِبَةٌ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى نَسْطُورَ، وَكَانَ بَطْرِيَارِكًا بَالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
وَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ نَفْسُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ عَظِيمِ كُفْرِهِمْ مَاتَ وَصُلِبَ وَقُتِلَ، وَأَنَّ الْعَالَمَ بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا
[ ٤ / ٨٧ ]
مُدَبِّرٍ، وَالْفَلَكَ بِلَا مُدَبِّرٍ، ثُمَّ قَامَ وَرَجَعَ كَمَا كَانَ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَادَ مُحْدَثًا، وَالْمُحْدَثُ عَادَ قَدِيمًا، وَاللَّهُ تَعَالَى كَانَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ مَحْمُولًا بِهِ، وَهُمْ فِي أَعْمَالِ مِصْرَ وَجَمِيعِ النُّوبَةِ وَجَمِيعِ الْحَبَشَةِ، وَمُلُوكُ الْأُمَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
قُلْتُ: وَمِنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِمَقَالَاتِهِمْ مَنْ كَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَأَسْلَمَ عَلَى بَصِيرَةٍ بَعْدَ الْخِبْرَةِ بِكُتُبِهِمْ وَمَقَالَاتِهِمْ، كَالْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ الَّذِي كَتَبَ رِسَالَةً إِلَى أَخِيهِ عَلِيٍّ بْنِ أَيُّوبَ يَذْكُرُ فِيهَا سَبَبَ إِسْلَامِهِ وَيَذْكُرُ الْأَدِلَّةَ عَلَى بُطْلَانِ دِينِ النَّصَارَى وَصِحَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ، قَالَ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَخِيهِ لَمَّا كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ إِسْلَامِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ: " ثُمَّ أُعْلِمُكَ أَرْشَدَكَ اللَّهُ أَنَّ ابْتِدَاءَ أَمْرِي فِي الشَّكِّ الَّذِي دَخَلَنِي فِيمَا كُنْتُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِبْشَاعِ بِالْقَوْلِ بِهِ مِنْ أَكْثَرَ
[ ٤ / ٨٨ ]
مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً لِمَا كُنْت أَقِفُ عَلَيْهِ فِي الْمَقَالَةِ مِنْ فَسَاد التَّوْحِيد لِلَّهِ ﷿ بِمَا أُدْخِلَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ بِالثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ شَرِيعَةُ النَّصَارَى، وَوَضْعِ الِاحْتِجَاجَاتِ الَّتِي لَا تَزْكُو وَلَا تَثْبُتُ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، وَكُنْتُ إِذَا تَبَحَّرْتُهُ وَأَجَلْتُ الْفِكْرَ فِيهِ، بَانَ لِي عَوَارُهُ، وَنَفَرَتْ نَفْسِي مِنْ قَبُولِهِ، وَإِذَا فَكَّرْتُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي مَنَّ اللَّهِ عَلَيَّ بِهِ، وَجَدْتُ أُصُولَهُ ثَابِتَةً وَفُرُوعَهُ مُسْتَقِيمَةً وَشَرَائِعَهُ جَمِيلَةً.
وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحَدٌ مِمَنْ عَرَفَ اللَّهَ ﷿ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ الْوَاحِدِ الْفَرْدِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْجَوَادِ الْعَدْلِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَإِلَهِ مُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الَّذِي لَا ابْتِدَاءَ لَهُ وَلَا انْتِهَاءَ، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ، وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا مِنْ شَيْءٍ وَلَا عَلَى مِثَالٍ، بَلْ كَيْفَ شَاءَ وَبِأَنْ قَالَ لَهَا: " كَوْنِي " فَكَانَتْ عَلَى مَا قَدَّرَ وَأَرَادَ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْغَالِبُ فَلَا يُغْلَبُ، وَالْجَوَادُ فَلَا يَبْخَلُ، لَا يَفُوتُهُ مَطْلُوبٌ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، وَمَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَكُلُّ مَذْكُورٍ أَوْ مَوْهُومٍ هُوَ مِنْهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِهِ، وَكُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، ثُمَّ نُؤْمِنُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ; لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
[ ٤ / ٨٩ ]
الْمُشْرِكُونَ، وَنُؤْمِنُ بِمُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُؤْمِنُ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَأَنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ، ذَلِكَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
قَالَ: وَكَانَ يَحْمِلُنِي إِلْفُ دِينِي وَطُولُ الْمُدَّةِ وَالْعَهْدِ عَلَيْهِ وَالِاجْتِمَاعُ مَعَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالْإِخْوَانِ وَالْجِيرَانِ وَأَهْلِ الْمَوَدَّاتِ عَلَى التَّسْوِيفِ بِالْعَزْمِ، وَالتَّلَبُّثِ عَلَى إِبْرَامِ الْأَمْرِ، وَيَعْرِضُ مَعَ ذَلِكَ الْفِكْرُ فِي إِمْعَانِ النَّظَرِ وَالِازْدِيَادِ فِي الْبَصِيرَةِ، فَلَمْ أَدَعْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ أَنْبِيَاءِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْقُرْآنِ إِلَّا نَظَرْتُ فِيهِ وَتَصَفَّحْتُهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْ مَقَالَاتِ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَّا تَأَمَّلْتُهُ، فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ لِلْحَقِّ مَدْفَعًا، وَلَا لِلشَّكِّ فِيهِ مَوْضِعًا، وَلَا لِلْأَنَاةِ وَالتَّلَبُّثِ وَجْهًا، خَرَجْتُ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ ﷿ بِنَفْسِي هَارِبًا بِدِينِي عَنْ نِعْمَةٍ وَأَهْلِ مُسْتَقَرٍّ وَمَحَلٍّ وَعِزٍّ وَمُتَصَرِّفٍ فِي عَمَلٍ، فَأَظْهَرْتُ مَا أَظْهَرْتُهُ عَنْ نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَسَرِيرَةٍ صَادِقَةٍ، وَيَقِينٍ ثَابِتٍ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ،
[ ٤ / ٩٠ ]
وَإِيَّاهُ تَعَالَى نَسْأَلُ أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْهُ رَحْمَةً، إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ.
قَالَ: وَلَمَّا نَظَرْتُ فِي مَقَالَاتِ النَّصَارَى وَجَدْتُ صِنْفًا مِنْهُمْ يُعْرَفُونَ بِالْأَرِيُوسِيَّةِ يُجَرِّدُونَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَيَعْتَرِفُونَ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ ﵇ وَلَا يَقُولُونَ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُهُ النَّصَارَى مِنْ رُبُوبِيَّةٍ وَلَا بُنُوَّةٍ خَاصَّةٍ وَلَا غَيْرِهِمَا، وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ مُقِرُّونَ بِمَا جَاءَ بِهِ تَلَامِيذُهُ وَالْحَامِلُونَ عَنْهُ، فَكَانَتْ هَذِهِ الطَّبَقَةُ قَرِيبَةً مِنَ الْحَقِّ مُخَالِفَةً لِبَعْضِهِ فِي جُحُودِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَدَفْعِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ: ثُمَّ وَجَدْتُ مِنْهُمْ صِنْفًا يُعْرَفُونَ بِالْيَعْقُوبِيَّةِ، يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا طَبِيعَةُ النَّاسُوتِ وَالْأُخْرَى طَبِيعَةُ اللَّاهُوتِ، وَأَنَّ هَاتَيْنِ الطَّبِيعَتَيْنِ تَرَكَّبَتَا كَمَا تَرَكَّبَتِ النَّفْسُ مَعَ الْبَدَنِ فَصَارَتَا إِنْسَانًا وَاحِدًا وَجَوْهَرًا وَاحِدًا وَشَخْصًا وَاحِدًا، وَأَنَّ هَذِهِ الطَّبِيعَةَ الْوَاحِدَةَ وَالشَّخْصَ الْوَاحِدَ هُوَ الْمَسِيحُ، وَهُوَ إِلَهٌ كُلُّهُ وَإِنْسَانٌ كُلُّهُ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ، وَإِنَّ اللَّهَ مَاتَ وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ مُتَجَسِّدًا، وَدُفِنَ وَقَامَ مِنْ بَيْنِ الْأَمْوَاتِ وَصَعِدَ إِلَى
[ ٤ / ٩١ ]
السَّمَاءِ، فَجَاءُوا مِنَ الْقَوْلِ بِمَا لَوْ عُرِضَ عَلَى السَّمَاءِ لَانْفَطَرَتْ، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ لَانْشَقَّتْ، أَوْ عَلَى الْجِبَالِ لَانْهَدَّتْ، فَلَمْ يَكُنْ لِمُحَاجَّةِ هَؤُلَاءِ وَجْهٌ، إِذْ كَانَ كُفْرُهُمْ بِمَا صَرَّحُوا بِهِ أَوْضَحَ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ، وَكَانَ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّصَارَى كَالْمَالِكَانِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ فِي قَوْلِ الْمَلِكَانِيَّةِ وَهُمُ الرُّومُ وَهُمْ أَكْثَرُ النَّصَارَى فَوَجَدْتُهُمْ قَالُوا: إِنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ الَّذِي هُوَ اللَّهُ الْكَلِمَةُ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ تَجَسُّدًا كَامِلًا كَسَائِرِ أَجْسَادِ النَّاسِ، وَرَكَّبَ فِي ذَلِكَ الْجَسَدِ نَفْسًا كَامِلَةً بِالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ كَسَائِرِ أَنْفُسِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ صَارَ إِنْسَانًا بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ جَوْهَرِ النَّاسِ، وَإِلَهًا بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ كَمِثْلِ أَبِيهِ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ وَثَبَتَ لَهُ جَوْهَرُ اللَّاهُوتِ كَمَا لَمْ يَزَلْ يَصِحُّ لَهُ جَوْهَرُ النَّاسُوتِ الَّذِي لَبِسَهُ مِنْ مَرْيَمَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ وَطَبِيعَتَانِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَهُ بِلَاهُوتِهِ مَشِيئَةٌ مِثْلَ الْأَبِ وَالرُّوحِ، وَلَهُ بِنَاسُوتِهِ مَشِيئَةٌ مِثْلَ مَشِيئَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا، وَأَنْ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ يَجْمَعُ
[ ٤ / ٩٢ ]
اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، مَاتَ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَمُتْ، وَالَّذِي وَلَدَتْ مَرْيَمُ قَدْ مَاتَ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ (فَهُوَ إِلَهٌ تَامٌّ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَهُ مَشِيئَةُ اللَّاهُوتِ وَمَشِيئَةُ النَّاسُوتِ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَا نَقُولُ شَخْصَانِ لِئَلَّا يَلْزَمَنَا الْقَوْلُ بِأَرْبَعَةِ أَقَانِيمَ.
قَالَ: فَهَؤُلَاءِ أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا أَتَتْ بِهِ الْيَعْقُوبِيَّةُ فِي وِلَادَةِ مَرْيَمَ اللَّهَ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ لَا تَشُكُّ جَمَاعَةُ النَّصَارَى أَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ مَاتَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَمُتْ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَيِّتًا لَمْ يَمُتْ، وَقَائِمًا قَاعِدًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ؟ وَهَلْ بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ فَرْقٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الطَّبَائِعِ؟
قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ فِي قَوْلِ النَّسْطُورِيَّةِ فَوَجَدْتُهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ شَخْصَانِ وَطَبِيعَتَانِ لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ اللَّاهُوتِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ غَيْرُ طَبِيعَةِ نَاسُوتِهِ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ اللَّاهُوتِ لَمَّا تَوَحَّدَتْ بِالنَّاسُوتِ بِشَخْصِهَا
[ ٤ / ٩٣ ]
الْكَلِمَةُ الَّتِي صَارَتِ الطَّبِيعَتَانِ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاللَّاهُوتُ لَا يَقْبَلُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانَ، وَلَا يَمْتَزِجُ بِشَيْءٍ، وَالنَّاسُوتُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَكَانَ الْمَسِيحُ بِتِلْكَ إِلَهًا وَإِنْسَانًا، فَهُوَ إِلَهٌ بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الَّذِي لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الْقَابِلِ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ بِنَاسُوتِهِ، وَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ مُنْذُ تَوَحَّدَتْ بِنَاسُوتِهِ.
وَقَالَ: فَوَجَدْنَا الْيَعْقُوبِيَّةَ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، تَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ الْمُبْطِلُونَ وَيَقُولُهُ الْعَادِلُونَ، وَأَنَّهُ تَأَلَّمَ وَصُلِبَ وَمَاتَ، وَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ بَيْنِ الْمَوْتَى، وَهَذَا الْكُفْرُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِمْ سَائِرُ مِلَلِ النَّصَارَى وَغَيْرُهِمْ، وَوَجَدْنَا الْمَلِكَانِيَّةَ قَدْ حَادُوا عَنْ هَذَا التَّصْرِيحِ إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الظَّاهِرِ، فَقَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَطَبِيعَتَانِ، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ، فَلَهُ بِلَاهُوتِهِ مَشِيئَةٌ مِثْلُ الْأَبِ وَالرُّوحِ، وَلَهُ بِنَاسُوتِهِ مَشِيئَةٌ كَمَشِيئَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ. وَأَوْهَمُوا الْوَاقِفَ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ بِمَا اخْتَرَعُوهُ مِنْ هَذَا الِاخْتِيَارِ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى قَوْلِ الْيَعْقُوبِيَّةِ، فَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا وَأَنَّ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ يَجْمَعُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ عِنْدَ جَمَاعَتِهِمْ لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ، مَاتَ بِالْجَسَدِ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَمُتْ، وَالَّذِي قَدْ وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ قَدْ مَاتَ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَيِّتٌ لَمْ يَمُتْ؟ وَهَلْ بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الطَّبَائِعِ فَرْقٌ؟
[ ٤ / ٩٤ ]
وَإِذَا كَانُوا قَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، وَأَنَّ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ وَهُوَ الْمَسِيحُ الِاسْمُ الْجَامِعُ لِلْجَوْهَرَيْنِ، لِلَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ قَدْ مَاتَ، فَهَلْ وَقَعَتِ الْوِلَادَةُ وَالْمَوْتُ وَسَائِرُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَحْكِي النَّصَارَى أَنَّهَا فُعِلَتْ بِالْمَسِيحِ إِلَّا عَلَيْهِمَا؟
فَكَيْفَ يَصِحُّ لِذِي عَقْلٍ عِبَادَةُ مَوْلُودٍ مِنِ امْرَأَةٍ بَشَرِيَّةٍ قَدْ مَاتَ وَنَالَتْهُ الْعِلَلُ وَالْآفَاتُ؟
قُلْتُ: وَمِمَّا يُوَضِّحُ تَنَاقُضَهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحِ وَهُوَ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ مَعَ قَوْلِهِمْ أَنَّهُمَا جَوْهَرَانِ بِطَبِيعَتَيْنِ وَمَشِيئَتَيْنِ فَيُثْبِتُونَ لِلْجَوْهَرَيْنِ أُقْنُومًا وَاحِدًا، وَيَقُولُونَ: هُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَجَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، فَيَثْبُتُونَ لِلْجَوْهَرِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ، وَلِلْجَوْهَرَيْنِ الْمُتَّحِدَيْنِ أُقْنُومًا وَاحِدًا، مَعَ أَنَّ مَشِيئَةَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَهُمْ وَاحِدَةٌ، وَالنَّاسُوتُ وَاللَّاهُوتُ يُثْبِتُونَ لَهُمَا مَشِيئَتَيْنِ وَطَبِيعَتَيْنِ، وَمَعَ هَذَا هُمَا عِنْدَهُمْ شَخْصٌ وَاحِدٌ، أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا يَقْتَضِي غَايَةَ التَّنَاقُضِ سَوَاءٌ فَسَّرُوا الْأُقْنُومَ بِالصِّفَةِ، أَوِ الشَّخْصِ، أَوِ الذَّاتِ مَعَ الصِّفَةِ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ قَالُوهُ.
وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهَذَا الْكَلَامِ مَا تَصَوَّرُوا مَا قَالُوهُ،
[ ٤ / ٩٥ ]
بَلْ كَانُوا ضُلَّالًا جُهَّالًا، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُ حَقٌّ، فَلِهَذَا لَا يُوجَدُ عَنِ الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ فِي التَّثْلِيثِ وَالْأَقَانِيمِ وَالِاتِّحَادِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ بِغَيْرِ سَمْعٍ وَعَقْلٍ، بَلْ أَلْقَوْا أَقْوَالًا مُخَالِفَةً لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: ثُمَّ وَجَدْنَا النَّصَارَى الْمَعْرُوفِينَ بِالنَّسْطُورِيَّةِ قَدْ خَالَفُوا الْيَعْقُوبِيَّةَ وَالْمَلِكَانِيَّةَ فِي قَوْلِهِمْ بِشَخْصَيْنِ لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ الطَّبِيعَتَيْنِ اتَّحَدَتَا فَصَارَتَا بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى شَبِيهِ قَوْلِهِمْ فِي أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، فَإِذَا كَانَتْ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ فَقَدْ لَزِمَهُمْ وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِقْرَارُ بِأَنَّهَا وَلَدَتْ هَذَا اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ الْمُتَّحِدَيْنِ.
وَقَدْ رَجَعَ الْمَعْنَى إِلَى قَوْلِ الْيَعْقُوبِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَارُوا لِذَلِكَ أَلْفَاظًا زَوَّقُوهَا وَقَدَرُوا بِهَا التَّمْوِيِهَ عَلَى السَّامِعِ، وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِالْقَوْلِ كَتَصْرِيحِ الْيَعْقُوبِيَّةِ ; لِأَنَّ الْمُتَّحِدَ بِالشَّيْءِ هُوَ الْمُمَازِجُ لَهُ وَالْمُجْتَمِعُ مَعَهُ حَتَّى صَارَ مَازِجُهُ وَهُوَ شَيْئًا وَاحِدًا، ثُمَّ أَكَّدُوا الْقَوْلَ بِإِقْرَارِهِمْ أَنَّ النَّاسُوتَ مُنْذُ اتَّحَدَ بِاللَّاهُوتِ لَمْ يُفَارِقْهُ، فَمَا لَمْ يُفَارِقِ الشَّيْءَ هَلْ هُوَ إِلَّا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي سَائِرِ مُتَفَرَّقَاتِهِ مِنْ ضُرٍّ وَنَفْعٍ، وَخَيْرٍ وَشَرٍّ، وَحَاجَةٍ وَغِنًى؟
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ بِنَاسُوُتِهِ فَهَذِهِ أُغْلُوطَةٌ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُولَدُ وَلَدٌ مُتَحِدٍّ بِشَيْءٍ آخَرَ مُجَامِعٌ لَهُ دُونَ ذَلِكَ الشَّيْءِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَاكَ وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ؟ وَهَلْ يَصِحُّ
[ ٤ / ٩٦ ]
هَذَا عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ؟ أَوَلَيْسَ الْحُكْمُ عِنْدَ كُلِّ نَاظِرٍ وَمِنْ كُلِّ ذِي عَقْلٍ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ مَعًا؟ بِمَعْنَى الِاتِّحَادِ وَبِمَعْنَى الِاسْمِ الْجَامِعِ لِلَاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ وَهُوَ الْمَسِيحُ، وَكَذَلِكَ الْحَمْلُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَأَنْ يَكُونَ الْبَطْنُ قَدْ حَوَاهُمَا؟
قَالَ: فَإِنْ لَجُّوا فِي الْبَاطِلِ وَدَافَعُوا عَنْ قَبِيحِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَمَالُوا إِلَى تَحْسِينِهَا بِالتَّمْوِيهَاتِ الْمُشَكِّكَةِ لِمَنْ قَصَرَتْ مَعْرِفَتُهُ، فَنَحْنُ نُقِيمُ عَلَيْهِمْ شَاهِدًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لَا يُمْكِنُهُمْ دَفْعُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ شَرِيعَةَ إِيمَانِهِمُ الَّتِي أَلَّفَهَا لَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ مِنَ الْبَطَارِكَةِ وَالْمَطَارِنَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالْأَحْبَارِ فِي دِينِهِمْ وَذَوِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ مِنْ آفَاقِ الْأَرْضِ بِمَدِينَةِ " قُسْطَنْطِينِيَّةَ " وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، يَصِفُونَ أَنَّهُمْ نَطَقُوا بِهَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ جَمَاعَتُهُمْ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَقَالَاتِ فِيهَا، وَلَا يَتِمُّ لَهُمْ قُرْبَانٌ إِلَّا بِهَا عَلَى هَذَا النَّسَقِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْأَبِ، مَالِكِ كُلِّ شَيْءٍ، صَانِعِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِالرَّبِّ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَاحِدِ، بِكْرِ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا، وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ، وَخُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا مَعْشَرَ الْبَشَرِ، وَمِنْ
[ ٤ / ٩٧ ]
أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَصَارَ إِنْسَانًا، وَحُبِلَ بِهِ وَوُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ، وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ أَيَّامَ قِيطُوسَ بْنِ بِيلَاطُوسَ، وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، وَنُؤْمِنُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْوَاحِدِ رُوحِ الْحَقِّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَبِيهِ رُوحٌ، وَمَجِيئُهُ، وَبِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، وَبِجَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قِدِّيسِيَّةٍ سَلِيخِيَّةٍ جَاثِلِيقِيَّةٍ، وَبِقِيَامَةِ أَبْدَانِنَا، وَبِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ.
قَالَ: فَهَذِهِ الشَّرِيعَةُ يَجْتَمِعُ عَلَى الْإِيمَانِ بِهَا، وَبَذْلِ الْمُهَجِ فِيهَا، وَإِخْرَاجِ الْأَنْفُسِ دُونَهَا جَمَاهِيرُهُمْ مِنَ الْمَلِكَانِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ.
وَقَدِ اعْتَرَفُوا فِيهَا جَمِيعًا بِأَنَّ الرَّبَّ الْمَسِيحَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ عَلَى مَا اقْتَصَصْنَاهُ مِنْهَا الْإِلَهُ الْحَقُّ مِنَ الْإِلَهِ الْحَقِّ، نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَصَارَ إِنْسَانًا وَحُبِلَ بِهِ وَوُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ.
[ ٤ / ٩٨ ]
قَالَ: فَهَلْ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ شُبْهَةٌ أَوْ عَلَقَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْعَنِتُ الْمُدَافِعُ عَنِ الْحُجَّةِ؟ فَتَدَبَّرُوا هَذَا الْقَوْلَ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ، وَلَا أَنْ يَدْفَعَ مَا صَرَّحَ بِهِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ الْمَصْلُوبَ هُوَ اللَّهُ، فَمَرْيَمُ عَلَى قَوْلِكُمْ وَلَدَتِ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ، وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ إِنْسَانٌ فَمَرْيَمُ وَلَدَتْ إِنْسَانًا، وَفِي ذَلِكَ أَجْمَعَ بُطْلَانُ شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ، فَاخْتَارُوا أَيَّ الْقَوْلَيْنِ شِئْتُمْ، فَإِنَّ فِيهِ نَقْضَ الدِّينِ.
قَالَ: وَقَدْ يَجِبُ عَلَى ذَوِي الْعُقُولِ أَنْ تَزْجُرَهُمْ عُقُولُهُمْ عَنْ عِبَادَةِ إِلَهٍ وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ آدَمِيَّةٌ، ثُمَّ مَكَثَ عَلَى الْأَرْضِ ثَلَاثِينَ سَنَةً تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْآدَمِيِّينَ مِنْ غِذَاءٍ وَتَرْبِيَةٍ، وَصِحَّةٍ وَسَقَمٍ، وَخَوْفٍ وَأَمْنٍ، وَتَعَلُّمٍ وَتَعْلِيمٍ، لَا يَتَهَيَّأُ لَكُمْ أَنْ تَدَّعُوا أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مِنْ أَسْبَابِ اللَّاهُوتِيَّةِ شَيْءٌ، وَلَا لَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْآدَمِيِّينَ كُلِّهَا مِنْ حَاجَتِهِمْ وَضَرُورَاتِهِمْ وَهُمُومِهِمْ وَمِحَنِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ مَخْرَجٌ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ مَا أَحْدَثَهُ مِنْ إِظْهَارِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنُّبُوَّاتِ وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ الْمُعْجِزَةِ بِقُوَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهَا وَمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا، فَكَانَتْ مُدَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، ثُمَّ انْقَضَى أَمْرُهُ بِمَا يَصِفُونَ أَنَّهُ انْقَضَى بِهِ وَيَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْسٍ وَضَرْبٍ وَقَذْفٍ، وَصَلْبٍ وَقَتْلٍ، فَهَلْ تَقْبَلُ الْعُقُولَ مَا يَقُولُونَ مِنْ
[ ٤ / ٩٩ ]
أَنَّ إِلَهًا نَالَ عِبَادُهُ مِنْهُ، مِثْلَ مَا تَذْكُرُونَ أَنَّهُ نِيلَ مِنْهُ؟
فَإِنْ تَأَوَّلْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ حَلَّ بِالْجِسْمِ، وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِمَا شَرَحْنَاهُ مِنْ مَعْنَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ، أَفَلَيْسَ قَدْ وَقَعَ بِجِسْمٍ تَوَحَّدَتِ اللَّاهُوتِيَّةُ بِهِ، وَحَلَّتِ الرُّوحُ فِيهِ، وَقَدْ أَنْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى مَا تَزْعُمُونَ وَتَصِفُونَ لِخَلَاصِ الْخَلْقِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْعِبَادِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ لِلْحِسَابِ، وَقَدْ وَجَدْنَاكُمْ تُؤْثِرُونَ أَخْبَارًا فِي قَوْمٍ عَرَضُوا التَّوَابِيتَ فِيهَا شُهَدَاءُ لَكُمْ بِأَنَّ الْأَيْدِيَ الَّتِي بُسِطَتْ إِلَيْهَا جَفَّتْ، أَوْ هَلْ نَالَ أَحَدًا مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَالْغَمِّ وَالْقَلَقِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ فِي إِزَالَةِ مَا حَلَّ بِهِ، مِثْلَ مَا يُحْكَى فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّهُ نَالَهُ، وَوَجَدْنَا الْكُتُبَ تُنْبِئُ بِأَنَّهُ نِيلَ مِنْ جُورْجِيسَ أَحَدِ مِنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ ﷺ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ بِالْقَتْلِ وَالْحَرْقِ وَالنَّشْرِ بِالْمَنَاشِيرِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَنَالَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ تَلَامِذَتِهِ أَيْضًا عَذَابٌ شَدِيدٌ.
وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ الْمُلُوكُ الْمُحَارِبُونَ لَهُمْ يَسُومُونَهُمْ إِيَّاهُ مِنَ الرُّجُوعِ عَنْ أَدْيَانِهِمْ إِلَى الْكُفْرِ الَّذِي كَانَ أُولَئِكَ الْمُلُوكُ عَلَيْهِ فَصَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَاحْتَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ، فَلَمْ يَهْرُبُوا مِنَ الْمَوْتِ، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُمُ الْهَرَبُ مِنْ
[ ٤ / ١٠٠ ]
بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَالِاسْتِتَارُ وَإِخْفَاءُ أَشْخَاصِهِمْ، وَمَا أَظْهَرُوا فِي حَالٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ جَزَعًا وَلَا هَلَعًا، وَهُمْ بَعْضُ الْآدَمِيِّينَ التَّابِعِينَ لَهُ، لِأَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَنَالُونَ بِهِ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ ﷿ إِيَّاهُمْ.
قَالَ: ثُمَّ نَقُولُ قَوْلًا آخَرَ: قَدْ نَسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ سُقْمِهَا بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، لَا يَقَعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا شَكٌّ وَلَا طَعْنٌ، وَلَا زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانُ، وَهِيَ أَصْلُ أَمْرِ الْمَسِيحِ عِنْدَكُمْ:
فَأَوَّلُهَا الْبُشْرَى الَّتِي أَتَى بِهَا جِبْرِيلُ ﵇
وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الَّذِي شَهِدَ لَهُ الْمَسِيحُ بِأَنَّهُ لَمْ تَقُمِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ.
وَالثَّالِثَةُ: النِّدَاءُ الْمَسْمُوعُ مِنَ السَّمَاءِ.
وَالرَّابِعَةُ: قَوْلُ الْمَسِيحِ عَنْ نَفْسِهِ حِينَ سَأَلَهُ يَحْيَى عَنْ شَأْنِهِ.
وَالَّذِي قَالَ جِبْرِيلُ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي إِنْجِيلِكُمْ لِمَرْيَمَ حِينَ بَشَّرَهَا: (السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْمُمْتَلِئَةُ نِعَمًا، رَبُّنَا مَعَكِ أَيَّتُهَا الْمُبَارَكَةُ فِي النِّسَاءِ. فَلَمَّا رَأَتْهُ مَرْيَمُ ذُعِرَتْ مِنْهُ، فَقَالَ: لَا تَرْهَبِي يَا مَرْيَمُ فَقَدْ فُزْتِ بِنِعْمَةٍ مِنْ رَبِّكِ، فَهَا أَنْتَ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يَسُوعَ وَيَكُونُ كَبِيرًا، وَيُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ الْعَلِيِّ، وَيُعْطِيهِ اللَّهُ الرَّبُّ كُرْسِيَّ أَبِيهِ
[ ٤ / ١٠١ ]
دَاوُدَ، وَيَكُونُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ إِلَى الْأَبَدِ. فَقَالَتْ مَرْيَمُ: أَنَّى يَكُونُ لِي ذَلِكَ وَلَمْ يَمْسَسْنِي رَجُلٌ؟ قَالَ لَهَا الْمَلَكُ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يَأْتِيكِ، أَوْ قَالَ: يَحِلُّ فِيكِ، وَقُوَّةَ الْعَلِيِّ تُحْبِلُكِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَكُونُ الَّذِي يُولَدُ مِنْكِ قِدِّيسًا، وَيُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ الْعَلِيِّ) .
قَالَ: فَلَمْ نَرَ الْمَلَكَ قَالَ لَهَا: إِنَّ الَّذِي تَلِدِينَ هُوَ خَالِقُكِ، وَهُوَ الرَّبُّ كَمَا سَمَّيْتُمُوهُ، بَلْ أَزَالَ الشَّكَّ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ الرَّبَّ يُعْطِيِهِ كُرْسِيَّ أَبِيهِ دَاوُدَ، وَيَصْطَفِيِهِ وَيُكْرِمُهُ، وَأَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ أَبُوهُ، وَأَنَّهُ يُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ، وَمَا قَالَ أَيْضًا: (أَنَّهُ يَكُونُ مَلِكًا عَلَى الْأَرْضِ) وَإِنَّمَا جُعِلَ لَهُ الْمُلْكُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَطْ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَنْ يُسَمَّى بِابْنِ اللَّهِ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ، فَمِنْ ذَلِكَ إِقْرَارُكُمْ بِأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللَّهِ
[ ٤ / ١٠٢ ]
بِالْمَحَبَّةِ، وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: (أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ)، فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، ثُمَّ تَسْمِيَةُ اللَّهِ يَعْقُوبَ وَغَيْرَهُ بَنِيهِ خُصُوصًا، فَالسَّبِيلُ فِي الْمَسِيحِ إِذَا لَمْ تُلْحِقُوهُ فِي هَذَا الِاسْمِ بِالْجُمْهُورِ أَنْ يَجْرِيَ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ مَجْرَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ اخْتُصُّوا بِهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَبْرَارِ، وَنِسْبَةُ الْمَلَكِ إِيَّاهُ إِلَى أَبِيهِ دَاوُدَ تُحَقِّقُ أَنَّ أَبَاهُ دَاوُدَ، وَأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى عَلَى جِهَةِ الِاصْطِفَاءِ وَالْمَحَبَّةِ، وَأَنَّ حُلُولَ الرُّوحِ عَلَيْهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي قَالَهَا " مَتَّى " التِّلْمِيذُ لِلشَّعْبِ عَنِ الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ: (لَسْتُمْ أَنْتُمْ مُتَكَلِّمِينَ، بَلْ رُوحُ اللَّهِ تَأْتِيكُمْ تَتَكَلَّمُ فِيكُمْ) .
فَأَخْبَرَ أَنَّ الرُّوحَ تَحِلُّ فِي الْقَوْمِ أَجْمَعِينَ وَتَتَكَلَّمُ فِيهِمْ، وَقَالَ الْمَلَكُ فِي بِشَارَتِهِ لِمَرْيَمَ بِالْمَسِيحِ ﵇: إِنَّهُ يَكُونُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ. فَخَصَّ آلَ يَعْقُوبَ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يَكُونُ إِلَهًا لِلْخَلَائِقِ، وَمَعْنَى قَوْلِ جِبْرِيلَ ﵇
[ ٤ / ١٠٣ ]
لِمَرْيَمَ ٧٤: (رَبُّنَا مَعَكِ) مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ لِمُوسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: (إِنِّي مَعَكُمْ) فَقَدْ قَالَ لِيُوشَعَ بْنِ نُونَ: (إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى عَبْدِي) فَقَوْلُ النَّصَارَى كُلِّهُمْ فِي مَجَارِي لُغَتِهِمْ وَمَعَانِي أَلْفَاظِهِمْ أَنَّ اللَّهَ ﷿ وَرُوحَ الْقُدُسِ مَعَ كُلِّ خَطِيبٍ وَرَاهِبٍ وَفَاضِلٍ فِي دِينِهِ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ.
قَالَ: وَأَمَّا النِّدَاءُ الَّذِي سَمِعَهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا مِنَ السَّمَاءِ فِي الْمَسِيحِ، وَشَهَادَةُ يَحْيَى لَهُ، فَإِنَّ " مَتَّى " قَالَ فِي إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ الْمَسِيحَ ﵇ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْأُرْدُنِّ تَفَتَّحَتْ لَهُ السَّمَاءُ، فَنَظَرَ يَحْيَى إِلَى رُوحِ الْقُدُسِ قَدْ نَزَلَتْ عَلَى الْمَسِيحِ كَهَيْئَةِ حَمَامَةٍ، وَسَمِعَ نِدَاءً مِنَ السَّمَاءِ: إِنَّ هَذَا ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ) .
[ ٤ / ١٠٤ ]
فَقَدْ عَلِمْنَا وَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْمُصْطَفَى مَفْعُولٌ، وَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ، وَلَيْسَ يَسْتَنْكِفُ الْمَسِيحُ ﵇ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ فِي كُلِّ كَلَامِهِ، وَمَا زَالَ يَقُولُ: (إِلَهِي وَإِلَهِكُمْ وَأَبِي وَأَبِيكُمْ) وَكُلَّمَا يُصَحِّحُ بِهِ أَنَّهُ عَبْدٌ مُرْسَلٌ مَرْبُوبٌ مَبْعُوثٌ مَأْمُورٌ يُؤَدِّي مَا سَمِعَ، وَيَفْعَلُ مَا حُدَّ لَهُ، وَنَحْنُ نَشْرَحُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وَجَدْنَا الْمَسِيحَ ﵇ احْتَاجَ إِلَى تَكْمِيلِ أَمْرِهِ بِمَعْمُودِيَّةِ يَحْيَى لَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ لِذَلِكَ وَسَأَلَهُ إِيَّاهُ، فَلَيْسَ مَرْتَبَةُ الْمَقْصُودِ بِدُونِ مَرْتَبَةِ الْقَاصِدِ الرَّاغِبِ، وَقَالَ " لُوقَا " التِّلْمِيذُ فِي إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ يَحْيَى الْمَعْمِدَانِيَّ أَرْسَلَ إِلَى الْمَسِيحِ بَعْدَ أَنْ عَمَّدَهُ وَسَأَلَهُ: أَنْتَ ذَلِكَ الَّذِي تَجِيءُ، أَوْ نَتَوَقَّعُ غَيْرَكَ؟) فَكَانَ جَوَابَ الْمَسِيحِ
[ ٤ / ١٠٥ ]
لِرُسُلِهِ: (أَنِ ارْجِعُوا فَأَخْبِرُوهُ بِمَا تَرَوْنَ مِنْ عُمْيَانٍ يُبْصِرُونَ، وَزُمْنٍ يَنْهَضُونَ، وَصُمٍّ يَسْمَعُونَ، فَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَغْتَرَّ بِي، أَوْ يَذِلَّ فِي أَمْرِي) .
قَالَ: فَوَجَدْنَا يَحْيَى مَعَ مَحَلِّهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ ﷿ ثُمَّ مَا شَهِدَ بِهِ لِلْمَسِيحِ لَهُ مِنْ أَنَّهُ مَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ، قَدْ شَكَّ فِيهِ، فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مِنْ جَوَابِ الْمَسِيحِ لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَصِفُونَ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا قَالَ: إِنِّي خَالِقُكَ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، كَمَا فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ، بَلْ حَذَّرَ الْغَلَطَ فِي أَمْرِهِ وَالِاغْتِرَارَ، وَلَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَظْهَرَ بِنُبُوَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي سَبَقَ إِلَى مِثْلِهَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: وَلَا رَأَيْنَا يَحْيَى زَادَ فِي وَضْعِهِ إِيَّاهُ لَمَّا قَرَّظَهُ وَأَعْلَا ذِكْرَهُ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِي أَمْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى مَسْأَلَتِهِ عَنْ حَالِهِ عَلَى أَنْ قَالَ: (هُوَ أَقْوَى مِنِّي، وَأَنِّي لَا أَسْتَحِقُّ أَنْ أَحُلَّ مَعْقِدَ خُفِّهِ) وَلَمْ يَقِلْ إِنَّهُ
[ ٤ / ١٠٦ ]
خَالِقِي، وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ الْخَيِّرُ فِيمَنْ هُوَ دُونَهُ مِثْلَ الَّذِي قَالَ يَحْيَى فِيهِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَخُشُوعًا، كَمَا قَالَ الْمَسِيحُ فِي يَحْيَى: (إِنَّهُ مَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ) .
قَالَ: فَتَرَكْتُمْ مَا أَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالنُّبُوَّاتُ فِي الْمَسِيحِ وَهُوَ أَصْلُكُمُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ بِنَاؤُكُمْ، وَجَعَلْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ شَرِيعَةً غَيْرَهَا، وَمَثَلُ الَّذِينَ عَقَدُوا هَذِهِ الشَّرِيعَةَ لَكُمْ مَثَلُ مَنْ آمَنَ بِنُبُوَّةِ رَجُلٍ يَنْتَفِي مِنَ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ يَقُولُ: إِنَّهُ مَرْبُوبٌ مَبْعُوثٌ، وَيَقُولُ جِبْرِيلُ: إِنَّهُ مَكْرَمٌ مُصْطَفًى، وَأَنَّ أَبَاهُ دَاوُدَ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ، وَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَيَشْهَدُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا عَلَى مِثْلِهِ، وَتَقُولُونَ: بَلْ هُوَ خَالِقٌ أَزَلِيٌّ إِلَّا أَنَّهُ يَسْتُرُ نَفْسَهُ، وَيَقُولُ: الْمَسِيحُ وَغَيْرُهُ مِمَنْ سَمَّيْنَا أَنَّهُ مُعْطًى وَأَنَّ اللَّهَ مُعْطِيِهِ، وَتَقُولُونَ: بَلْ رَازِقُ النِّعَمِ وَوَاهِبُهَا، وَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، وَتَقُولُونَ: بَلْ هُوَ الَّذِي نَزَلَ لِخَلَاصِنَا، وَتَعْتَقِدُونَ سَبَبَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَكُمْ، وَيَحْتَمِلَ الْخَطِيئَةَ، وَيَرْبِطَ الشَّيْطَانَ! فَقَدْ وَجَدْنَا الْخَلَاصَ
[ ٤ / ١٠٧ ]
لَمْ يَقَعْ، وَالْخَطِيئَةَ قَائِمَةً لَمْ تَزَلْ، وَالشَّيْطَانَ أَعْتَى مَا كَانَ لَمْ يُرْبَطْ، بَلْ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَحَصَرَهُ فِي الْجَبَلِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَمْتَحِنُهُ، وَقَالَ لَهُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ مَعَهُ: (إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ لِهَذِهِ الصُّخُورِ تَصِيرُ خُبْزًا، فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ مُجِيبًا لَهُ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ لَا تَكُونُ بِالْخُبْزِ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ سَاقَهُ الشَّيْطَانُ إِلَى مَدِينَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَقَامَهُ عَلَى قَرْنَةِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَارْمِ بِنَفْسِكَ مِنْ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُوَكَّلُ بِكَ، لِئَلَّا تَعْثَرَ رِجْلُكَ بِالْحَجَرِ. قَالَ يَسُوعُ: وَمَكْتُوبٌ أَيْضًا: لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ. ثُمَّ سَاقَهُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمْلَكَاتِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا، وَقَالَ لَهُ: إِنْ خَرَرْتَ عَلَى وَجْهِكَ سَاجِدًا لِي جَعَلْتُ هَذَا الَّذِي تَرَى كُلَّهُ لَكَ. قَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: اغْرُبْ أَيُّهَا الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ: اسْجُدْ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ، وَلَا تَعْبُدْ شَيْئًا سِوَاهُ. ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ ﷿ مَلَكًا اقْتَلَعَ الْعَدُوَّ مِنْ مَكَانِهِ وَرَمَى بِهِ فِي الْبَحْرِ، وَأَطْلَقَ السَّبِيلَ لِلْمَسِيحِ.
[ ٤ / ١٠٨ ]
وَقَالَ: أَفَلَا يَعْلَمُ مَنْ كَانَ فِي عَقْلِهِ أَدْنَى مُسْكَةٍ، أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَكُونُ مِنْ شَيْطَانٍ إِلَى إِلَهٍ، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا لَأَزَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمَلَكُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَلَمَا قَالَ: (أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجَرِّبَ اللَّهَ، وَأَنْ نَسْجُدَ لِلرَّبِّ، وَلَا نَعْبُدَ شَيْئًا سِوَاهُ) . وَكَيْفَ لَمْ يَرْبُطِ الشَّيْطَانَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْبُطَ عَنْ أُمَّتِهِ؟ قَالَ: فَهَذِهِ أُمُورٌ إِذَا تَأَمَّلَهَا الْمُتَأَمِّلُ قُبِّحَتْ جِدًّا، وَكَثُرَ اخْتِلَافُهَا، وَاشْتَدَّ تَنَاقُضُهَا وَاضْطِرَابُهَا.
قَالَ: وَمِمَّا يُعْجَبُ مِنْهُ أَنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ فَصَارَا بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ مُنْذُ اتَّحَدَ بِهِ، وَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَقَامَ مَوْلُودًا وَتَغَذَّى بِاللَّبَنِ، وَمَرْبُوبًا صَبِيًّا مُغَذًّى بِالْأَغْذِيَةِ إِلَى أَنْ بَلَغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَظْهَرُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا أَمْرٌ يُوجِبُ هَذَا الْمَحَلَّ، وَلَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُظَرَائِهِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ فَرْقٌ، وَلَا سَطَعَ مِنْهُ نُورٌ، وَلَا ظَهَرَتْ لَهُ سَكِينَةٌ، وَلَا حَفَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّهْلِيلِ، وَلَا أَلَمَّ بِهِ الشَّعَثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَوْقَ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، فَقَدْ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الْعَوْسَجَةِ كَيْفَ شَاءَ فَأَشْرَقَ مَا حَوْلَهَا نُورًا، وَكَلَّمَهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ فَاضْطَرَبَتْ فِي الْجَبَلِ النِّيرَانُ، وَالْتَبَسَ وَجْهَهُ النُّورُ السَّاطِعُ حَتَّى كَانَ يَتَبَرْقَعُ إِذَا جَلَسَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ ﷿ لَمَّا قَرُبَ
[ ٤ / ١٠٩ ]
مِنْهُ فَقَالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. قَالَ: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أَفَاقَ) مِنْ صَعْقَتِهِ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ، وَتَجَلَّى مَجْدُ اللَّهِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَرَأَوْا حَوْلَ مَجْدِهِ رَبْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ دَاوُدَ: (يَا رَبِّ إِنَّكَ حَيْثُ عَبَرْتَ بِبِلَادِ سِنِينَ تَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ مِنْكَ وَانْفَطَرَتْ مِنْ هَيْبَتِكَ) . وَقَالَ أَيْضًا كَالْمُخَاطِبِ لِلْبَحْرِ وَالْجِبَالِ وَالْمُتَعَجِّبِ مِنْهَا: (مَا لَكَ أَيُّهَا الْبَحْرُ هَارِبًا، وَأَنْتَ يَا نَهْرُ الْأُرْدُنِّ لِمَ وَلَّيْتَ رَاجِعًا، وَمَا لَكِ أَيَّتُهَا الْجِبَالُ تَنْفِرِينَ كَالْأَبَابِيلِ، وَمَالَكُنَّ أَيَّتُهَا الشَّوَامِخُ وَالْهَضَبَاتُ تَنْزُو نَزْوَ الشِّيَاءِ) . ثُمَّ قَالَ كَالْمُجِيبِ عَنْهُمْ: (مِنْ قُدَّامِ الرَّبِّ تَزَلْزَلَتِ الْبِقَاعُ) .
قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَزَلِيُّ الْخَالِقُ أَوْ كَانَ مُتَّحِدًا بِهِ، فَكَيْفَ لَمْ تَرْجُفْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْجِبَالُ وَلَمْ تَتَصَرَّفْ عَنْ مَشِيئَتِهِ الْأَنْهَارُ وَالْبِحَارُ؟ أَوْ كَيْفَ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ آيَاتٌ بَاهِرَاتٌ أَجَلُّ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ مِثْلَ الْمَشْيِ عَلَى مُتُونِ الْهَوَاءِ، وَالِاضْطِجَاعِ عَلَى أَكْتَافِ الرِّيَاحِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ
[ ٤ / ١١٠ ]
الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَإِحْرَاقِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ، كَمَا أَحْرَقَ إِيلِيَا مَنْ قَرُبَ مِنْهُ مِنْ جُنْدِ أُحَابَ الْمَلِكِ، وَيَمْنَعُ الْآدَمِيِّينَ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَا فَعَلُوا عَلَى زَعْمِكُمْ بِجِسْمِهِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ خَالِقُهُمْ أَوْ أَنَّهُ هَيْكَلُ الْخَالِقِ؟
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ الِابْنَ إِنَّمَا يُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ، لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنَ الْأَبِ وَظَهَرَ مِنْهُ، فَلَمْ نَقِفْ عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ إِيمَانِكُمْ تَقُولُ: إِنَّ الرُّوحَ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنَ الْأَبِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ فَالرُّوحُ أَيْضًا ابْنٌ، لِأَنَّهَا تَخْرُجُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: وَلَمْ نَفْهَمْ أَيْضًا قَوْلَكُمْ: إِنَّ الِابْنَ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَأَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ سَاقَهُ إِلَى الْبَرِّ لِيَمْتَحِنَهُ الشَّيْطَانُ، فَمَا كَانَتْ حَاجَةُ الِابْنِ إِلَى أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ وَهِيَ فِي قَوْلِكُمْ مِثْلُهُ تُدَبِّرُهُ وَتُغَيِّرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَوَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْغَيْرَ السَّابِقَ الْمُدَبِّرَ فَاعِلٌ، وَالْمَسْبُوقَ
[ ٤ / ١١١ ]
الْمُدَبَّرَ مَفْعُولٌ بِهِ، فَالِابْنُ إِذَنْ دُونَ الرُّوحِ وَلَيْسَ مِثْلَهُ، لِأَنَّ الْأَزَلِيَّ لَا يَنْفَكُّ مِنَ الْأَزَلِيِّ وَهُوَ مِثْلُهُ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ الْمَلَكُ لِأُمِّهِ مَرْيَمَ، فَلِمَ سَمَّيْتُمُوهُ كَلِمَةَ اللَّهِ وَابْنَهُ، وَلَمْ تُسَمُّوهُ رُوحَهُ، فَإِنَّمَا قَالَ لَهَا الْمَلَكُ: إِنَّ الَّذِي تَلِدِينَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ. وَالرُّوحُ غَيْرُ الِابْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا لَمَا قَالَتِ الشَّرِيعَةُ إِنَّهُ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ سَاقَهُ إِلَى الْبَرِّ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَ عَلَيْهِ، وَلِمَ تُثَلِّثُونَ بِهِ فِي إِيمَانِكُمْ فَتَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ؟
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ أَيَّتُهَا النَّسْطُورِيَّةُ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَحِكْمَةً هُمَا الِابْنُ، وَحَيَاةً هِيَ الرُّوحُ قَدِيمَيْنِ، وَلِعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ ذَاتٌ كَذَاتِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَهُ عِلْمٌ وَحَيَاةٌ، وَلِحَيَاتِهِ الَّتِي هِيَ رُوحُهُ عِلْمٌ وَحَيَاةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ الْأَبَ لَمَّا رَأَى اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ عَلَى خَلْقِهِ وَنُكُولِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ مُنَاوَأَتِهِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنَهُ الْفَرْدَ وَحَبِيبَهُ وَجَعَلَهُ فِدَاءً وَوَفَاءً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّ ابْنَهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَصَارَ إِنْسَانًا، ثُمَّ وُلِدَ وَنَشَأَ وَعَاشَ ثَلَاثِينَ سَنَةً يَتَقَلَّبُ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، يُصَلِّي
[ ٤ / ١١٢ ]
فِي كَنَائِسِهِمْ، وَيَسْتَنُّ بِسُنَنِهِمْ، لَا يَدَّعِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِمْ، وَلَا يَنْتَحِلُ رِسَالَةً وَلَا نُبُوَّةً وَلَا بُنُوَّةً حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ السُّنُونَ. أَظْهَرَ الدَّعْوَةَ وَجَاءَ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْمَشْهُورَةِ، فَأَنْكَرَتْهُ الْيَهُودُ وَقَتَلَتْهُ وَصَلَبَتْهُ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ.
وَصَدَّقْتُمْ بِشَرِيعَةِ الْإِيمَانِ وَكَفَّرْتُمْ مَنْ خَالَفَهَا، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ خَلَعْتُمُوهَا وَانْسَلَخْتُمْ مِنْهَا وَقُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ وَأُقْنُومَانِ، جَوْهَرٌ قَدِيمٌ وَجَوْهَرٌ حَدِيثٌ، وَلِكُلِّ جَوْهَرٍ أُقْنُومٌ عَلَى حِيَالِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ قَدِيمٌ يَقُومُ بِمَعْنَيَيْنِ، فَهُوَ وَاحِدٌ يَقُومُ بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ، وَثَلَاثَةٌ لَهَا مَعْنًى وَاحِدٌ، كَالشَّمْسِ الَّتِي هِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: الْقُرْصُ وَالْحَرُّ وَالنُّورُ. فَالْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ يُعْبَدُ.
فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِكُمْ هَذَا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَوْلُودٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ مُرْسَلٌ لَكِنَّكُمْ تَسْتَحْيُونَ أَنْ تُسَمُّوهُ رَسُولًا، إِذْ كُنْتُمْ لَا تُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَأَقْبَلْتُمْ عَلَى الْمَلِكَانِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ بِالتَّكْفِيرِ وَاللَّعْنِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ وَالْمَسِيحَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ قَدَّمْتُمُ الْمَسِيحَ عَلَى اللَّهِ ﵎ وَبَدَأْتُمْ بِهِ فِي التَّمْجِيدِ، وَرَفَعْتُمْ إِلَيْهِ تَهَالِيلَكُمْ وَرَغَائِبَكُمْ فِي أَوْقَاتِ الْقَرَابِينِ خَاصَّةً، وَهِيَ أَجَلُّ صَلَوَاتِكُمْ وَأَفْضَلُ مَحَافِلِكُمْ عِنْدَكُمْ، فَإِنَّهُ يَقُومُ الْإِمَامُ مِنْكُمْ عَلَى الْمَذْبَحِ مِنْ مَذَابِحِكُمْ
[ ٤ / ١١٣ ]
وَأَهْلُهُ مَرْعُوبُونَ فَتَتَوَقَّعُونَ نُزُولَ رُوحِ الْقُدُسِ، بِزَعْمِكُمْ مِنَ السَّمَاءِ بِدُعَائِهِ.
فَيَفْتَحُ دُعَاءَهُ وَيَقُولُ: (لِيَتِمَّ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ نِعْمَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَحَبَّةُ اللَّهِ الْأَبِ، وَمُشَارَكَةُ رُوحُ الْقُدُسِ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ) . ثُمَّ يَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالشِّرْكِ، وَتَصْغِيرٌ لِعَظَمَةِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ أَنْ جَعَلْتُمُ النِّعَمَ وَالْمَوَاهِبَ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ، وَهُوَ مُعْطًى وَمُخَوَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى قَوْلِكُمْ، وَجَعَلْتُمْ لِلَّهِ بَعْدَ الْمَسِيحِ مَحَبَّةً وَلِرُوحِهِ مُشَارَكَةً.
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ قَدْ عِبْتُمْ عَلَى الْيَعْقُوبِيَّةِ قَوْلَهُمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، عَزَّ اللَّهُ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي شَرِيعَةِ الْإِيمَانِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ حَقٌّ، وَأَنَّهُ وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ، فَمَا مَعْنَى الْمُنَافَرَةِ، وَمَا الْفَرْقُ، وَمَا تُنْكِرُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ الْمَصْلُوبَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ اللَّهُ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ؟
وَشَرِيعَةُ إِيمَانِكُمْ تَقُولُ: نُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الْمَسِيحِ الَّذِي مِنْ خَبَرِهِ وَحَالِهِ الَّذِي وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ عَلَى عَهْدِ الْمَلِكِ " بِيلَاطِيسَ "
[ ٤ / ١١٤ ]
النَّبَطِيِّ، وَدُفِنَ وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، أَلَيْسَ هَذَا إِقْرَارًا بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ؟ فَتَدَبَّرُوا هَذَا الْقَوْلَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ الْمَصْلُوبَ هُوَ اللَّهُ، فَإِنَّ مَرْيَمَ عِنْدَكُمْ وَلَدَتِ اللَّهَ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ إِنْسَانٌ فَإِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِنْسَانًا، وَبَطَلَتِ الشَّرِيعَةُ، فَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ اخْتَرْتُمُوهُ فَفِيهِ نَقْضُ دِينِكُمْ، ثُمَّ عِبْتُمْ عَلَى الْمَلِكَانِيَّةِ قَوْلَهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسِيحِ إِلَّا أُقْنُومًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ صَارَ مَعَ الْأَزَلِيِّ الْخَالِقِ شَيْئًا وَاحِدًا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَقُلْتُمْ بِأَنَّ لَهُ أُقْنُومَيْنِ، لِكُلِّ جَوْهَرٍ أُقْنُومٌ عَلَى حِيَالِهِ، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ رَجَعْتُمْ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِمْ فَقُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا مِنْ مَرْيَمَ مَبْعُوثًا، فَإِنَّهُ هَيْكَلٌ لِابْنِ اللَّهِ الْأَزَلِيِّ، وَنَحْنُ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عِنْدَكُمْ عَلَى هَذَا فَمَا تَنْقِمُونَ عَلَى الْمَلَكِيَّةِ، وَمَا مَعْنَى الِافْتِرَاقِ؟ وَقَدْ رَجَعْتُمْ فِي الِاتِّحَادِ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِمْ؟ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ تَحَارُ فِيهِ الْأَفْهَامُ.
فَإِنْ كَانَتِ الشَّرِيعَةُ بِمَعْنَى الْأَمَانَةِ عِنْدَكُمْ حَقًّا، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ يَعْقُوبُ، وَذَلِكَ أَنَّا إِذَا ابْتَدَأْنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ فِي ذِكْرِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ نَسَّقْنَا الْمَعَانِيَ نَسَقًا وَاحِدًا وَانْحَدَرْنَا فِيهَا إِلَى آخِرِهَا، وَجَدْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ أَلْقَوْهَا لَكُمْ قَدْ صَحَّحُوا أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ بِكْرُ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا، وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، وَهُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ
[ ٤ / ١١٥ ]
مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَهُوَ الَّذِي أَتْقَنَ الْعَوَالِمَ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ لِخَلَاصِكُمْ، فَتَجَسَّدَ وَحَمَلَتْهُ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ، وَقُتِلَ وَصُلِبَ، فَمَنْ أَنْكَرَ قَوْلَ الْيَعْقُوبِيَّةِ لَزِمَهُ أَنْ يُنْكِرَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِمْ وَيَلْعَنُ مَنْ أَلَّفَهَا.
قَالَ: وَإِنَّمَا أَخَذَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ يَعْنِي الَّذِينَ وَضَعُوا الْأَمَانَةَ بِكَلِمَاتٍ وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا فِي الْإِنْجِيلِ مُشْكَلَاتٍ تَأَوَّلَتْ فِيهَا مَا وَقَعَ بِهَوَاهَا، وَتَرَكَتْ مَا فِي الْإِنْجِيلِ مِنَ الْكَلَامِ الْبَيِّنِ الْوَاضِحِ الَّذِي يَشْهَدُ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ وَشَهَادَتُهُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَشَهَادَةُ تَلَامِيذِهِ بِهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِالْمُشْكَلِ الْيَسِيرِ، وَجَعَلَتْ لَهُ مَا أَحَبَّتْ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَأَلْغَتِ الْوَاضِحَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ.
قَالَ: فَأَمَّا احْتِجَاجُكُمْ بِالشَّمْسِ، وَأَنَّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ، وَتَشْبِيهُكُمْ مَا يَقُولُونَهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ تَمْوِيهٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ نُورَ الشَّمْسِ لَا يُحَدُّ بِحَدِّ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ حَرُّهَا لَا يُحَدُّ بِحَدِّ الشَّمْسِ، إِذْ كَانَ حَدُّ الشَّمْسِ جِسْمًا مُسْتَدِيرًا مُضِيئًا مُسَخَّنًا دَائِرًا فِي وَسَطِ الْأَفْلَاكِ دَوَرَانًا دَائِمًا، وَيَتَهَيَّأُ أَنْ يُحَدَّ نُورُهَا وَحَرُّهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ نُورَهَا أَوْ حَرَّهَا جِسْمٌ مُسْتَدِيرٌ مُضِيءٌ مُسَخَّنٌ دَائِمُ الدَّوَرَانِ، وَلَوْ كَانَ نُورُهَا وَحَرُّهَا شَمْسًا حَقًّا مِنْ شَمْسٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الْمَسِيحِ: إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ
[ ٤ / ١١٦ ]
جَوْهَرِ أَبِيهِ، لَكَانَ مَا قُلْتُمْ لَهُ مَثَلًا تَامًّا، وَالْأَمْرُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ فَلَا يُشْبِهُهُ وَلَا يَقَعُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مِنْكُمْ فِيهِ بَاطِلَةٌ.
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَذْكُرُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَأَبْطَلَ بِنُزُولِهِ الْمَوْتَ وَالْآثَامَ، فَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَطُولُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَنْ قَبِلَهُ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهِ، وَمِمَّنْ لَمْ يَسْتَقْبِحْ أَنْ يَعْتَقِدَ دِيَانَةً لِلَّهِ ﵎ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُحَالِ الْبَائِنِ عَمَّا تَشْهَدُ بِهِ الْعُقُولُ وَتُنْبِئُ بِهِ الْمُشَاهَدَةُ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهَا، فَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ مِنْ عَقْدِ مَا هُوَ أَمْحَلُ وَأَبْطَلُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْخَطِيئَةُ بَطَلَتْ بِمَجِيئِهِ، فَالَّذِينَ قَتَلُوهُ إِذًا لَيْسُوا خَاطِئِينَ وَلَا مَأْثُومِينَ، لِأَنَّ لَا خَاطِئَ بَعْدَ مَجِيئِهِ وَلَا خَطِيئَةَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا الَّذِينَ قَتَلُوا حَوَارِيَّهُ وَأَحْرَقُوا أَسْفَارَهُ غَيْرُ خَاطِئِينَ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَرَاهُ مِنْ جَمَاعَتِكُمْ مُنْذُ ذَلِكَ الدَّهْرِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ يَقْتُلُ وَيَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَلُوطُ، وَيَسْكَرُ وَيَكْذِبُ، وَيَرْكَبُ كُلَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَغَيْرِهَا غَيْرُ خَاطِئِينَ، وَلَا مَأْثُومِينَ.
فَمَنْ جَحَدَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى التَّسْبِيحَةِ الَّتِي تُقْرَأُ بِعَقِبِ كُلِّ قُرْبَانٍ، وَهُوَ أَنْ (يَا رَبَّنَا الَّذِي غَلَبَ بِوَجَعِهِ الْمَوْتَ الطَّاغِي) .
[ ٤ / ١١٧ ]
وَفِي الْأُخْرَى الَّتِي تُقَالُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْفِصْحِ: (إِنَّ فَخْرَنَا بِالصَّلِيبِ الَّذِي بَطَلَ بِهِ سُلْطَانُ الْمَوْتِ وَصِرْنَا إِلَى الْأَمْنِ وَالنَّجَاةِ بِسَبَبِهِ) . وَفِي بَعْضِ التَّسَابِيحِ (بِصَلَوَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ بَطَلَ الْمَوْتُ، وَانْطَفَأَتْ فِتَنُ الشَّيْطَانِ، وَدَرَسَتْ آثَارُهَا) . فَأَيُّ خَطِيئَةٍ بَطَلَتْ؟ وَأَيُّ فِتْنَةٍ لِلشَّيْطَانِ انْطَفَأَتْ؟ أَوْ أَيُّ أَمْرٍ كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْآثَامِ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ؟
قَالَ: فَإِذَا كَانَ التَّمْوِيهُ يَقَعُ فِيمَا يُلْحِقُهُ كُلُّ أَحَدٍ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْبَيَانِ، فَهُوَ فِيمَا أُشْكِلَ مِنَ الْأُمُورِ وَفُعِلَ بِالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي تَأَوَّلَهَا أُولَئِكَ الْمُتَأَوِّلُونَ أَوْقَعُ.
وَإِذَا كُنْتُمْ قَدْ قَبِلْتُمْ هَذَا الْمُحَالَ الظَّاهِرَ الَّذِي لَا خَفَاءَ بِهِ عَنِ الصِّبْيَانِ، فَأَنْتُمْ لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مِنَ الْمُحَالِ أَقْبَلُ، وَهَذَا إِنْجِيلُكُمْ يُكَذِّبُ هَذَا الْقَوْلَ، حَيْثُ يَقُولُ الْمَسِيحُ فِيهِ: (مَا أَكْثَرَ مَنْ يَقُولُ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا سَيِّدَنَا أَلَيْسَ بِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا الشَّيْطَانَ، فَأَقُولُ: اغْرُبُوا عَنِّي أَيُّهَا الْفَجَرَةُ الْغَاوُونَ، فَمَا عَرَفْتُكُمْ قَطُّ) فَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ
[ ٤ / ١١٨ ]
عُلَمَائِكُمْ مَا قَالُوا، وَوَضَعِهِمْ لَكُمْ مَا وَضَعُوا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: (إِنِّي جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ مَيْمَنَتِي وَمَيْسَرَتِي وَقَائِلٌ لِأَهْلِ الْمَيْسَرَةِ: إِنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي، وَعَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي، وَكُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي، وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي، وَمَرِيضًا فَلَمْ تَعُودُونِي، فَاذْهَبُوا إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ مِنْ قَبْلِ تَأْسِيسِ الدُّنْيَا.
وَأَقُولُ لِأَهْلِ الْمَيْمَنَةِ: فَعَلْتُمْ بِي هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَاذْهَبُوا إِلَى النَّعِيمِ الْمُعَدِّ لَكُمْ مِنْ قَبْلِ تَأْسِيسِ الدُّنْيَا) . فَهَلْ أَدْخَلَ أُولَئِكَ النَّارَ إِلَّا خَطَايَاهُمُ الَّتِي رَكِبُوهَا؟ وَهَلْ صَارَ هَؤُلَاءِ إِلَى النَّعِيمِ إِلَّا بِأَعْمَالِهِمُ الْجَمِيلَةِ الَّتِي قَدَّمُوهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْخَطِيئَةَ قَدْ بَطَلَتْ، فَقَدْ بَهَتَ، وَقَدْ خَالَفَ قَوْلَ الْمَسِيحِ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
وَقَالَ: وَيَا أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ وَالْمَعْرِفَةِ، حَيْثُ يَنْسُبُونَهُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ، وَيَنْحِلُونَهُ اللَّاهُوتِيَّةَ، وَيَجْعَلُونَهُ خَالِقَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَإِلَهَهُمْ، بِمَاذَا سَاغَ ذَلِكَ لَكُمْ، وَمَا الْحُجَّةُ فِيهِ عِنْدَكُمْ؟
هَلْ قَالَتْ كُتُبُ النُّبُوَّاتِ فِيهِ ذَلِكَ؟ أَوْ هَلْ قَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ؟ أَوْ قَالَهُ أَحَدٌ عَنْ تَلَامِذَتِهِ وَالنَّاقِلِينَ عَنْهُ الَّذِينَ هُمْ عِمَادُ دِينِكُمْ وَأَسَاسُهُ وَمَنْ أَخَذْتُمُ الشَّرَائِعَ وَالسُّنَنَ عَنْهُ؟ وَمَنْ كَتَبَ الْإِنْجِيلَ وَبَيَّنَهُ، قَدْ أَفْصَحَ فِي كُلِّ الْإِنْجِيلِ مِنْ كَلَامِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ وَوَصَايَاهُ بِمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً بِأَنَّهُ عَبْدٌ
[ ٤ / ١١٩ ]
مِثْلُكُمْ وَمَرْبُوبٌ مَعَكُمْ، وَمُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَرَبِّكُمْ، وَمُبْدِي مَا أَمَرَ بِهِ فِيكُمْ، وَحَكَى مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ حَوَارِيُّوهُ وَتَلَامِذَتُهُ وَوَصَفُوهُ لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ.
وَفِي كَلَامِهِمْ بِأَنَّهُ رَجُلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿ وَنَبِيٌّ لَهُ قُوَّةٌ وَفَضْلٌ، فَتَأَوَّلْتُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ كَلَامَهُ عَلَى مَعْنَى النَّاسُوتِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ، لَأَفْصَحَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ إِلَهٌ، كَمَا أَفْصَحَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ وَلَكِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ وَلَا ادَّعَاهُ، وَلَا دَعَا إِلَيْهِ وَلَا ادَّعَتْهُ لَهُ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَلَا كُتُبُ تَلَامِذَتِهِ وَلَا حُكِيَ عَنْهُمْ، وَلَا أَوْجَبَهُ كَلَامُ جِبْرِيلَ الَّذِي أَدَّاهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَلَا قَوْلُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّكُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِأَنَّهُ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَصَيَّرَ الْمَاءَ خَمْرًا، وَكَثَّرَ الْقَلِيلَ، فَيَجِبُ الْآنَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى كُلِّ مَنْ فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِعْلًا فَنَجْعَلَهُ رَبًّا وَإِلَهًا، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ أَنَّ إِلْيَاسَ أَحْيَا ابْنَ الْأَرْمَلَةِ، وَأَنَّ الْيَسَعَ
[ ٤ / ١٢٠ ]
أَحْيَا ابْنَ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ، وَأَنَّ " حِزْقِيَالَ " أَحْيَا بَشَرًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِمَنْ ذَكَرْنَا بِإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى إِلَهًا.
وَأَمَا إِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُخْبِرُ أَنَّ يُوسُفَ أَبْرَأَ عَيْنَ أَبِيهِ يَعْقُوبَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ، وَهَذَا مُوسَى طَرَحَ الْعَصَا فَصَارَتْ حَيَّةً لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَضَرَبَ بِهَا الرَّمْلَ فَصَارَ قُمَّلًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ إِلَهًا.
[ ٤ / ١٢١ ]
وَأَمَّا إِبْرَاءُ الْأَبْرَصِ، فَإِنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ بِأَنَّ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءَ الرُّومِ بَرِصَ فَرَحَلَ مِنْ بَلَدِهِ قَاصِدًا الْيَسَعَ ﵇ لِيُبْرِأَهُ مِنْ بَرَصِهِ، فَأَخْبَرَ الْكِتَابُ بِأَنَّ الرَّجُلَ وَقَفَ بِبَابِ الْيَسَعَ أَيَّامًا لَا يُؤْذَنُ لَهُ، فَقِيلَ لِلْيَسَعِ: إِنَّ بِبَابِكَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ " نَعْمَانُ " وَهُوَ أَجَلُّ عُظَمَاءِ الرُّومِ، بِهِ بَرَصٌ وَقَدْ قَصَدَكَ لِتُبْرِأَهِ مِنْ مَرَضِهِ، فَإِنْ أَذِنْتَ لَهُ دَخَلَ إِلَيْكَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: اخْرُجْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَقُلْ لَهُ: يَنْغَمِسُ فِي الْأُرْدُنِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَأَبْلَغَ الرَّسُولُ لِنَعْمَانَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْيَسَعُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَرَجَعَ قَافِلًا إِلَى بَلَدِهِ، فَأَتْبَعَهُ خَادِمُ الْيَسَعَ فَأَوْهَمَهُ أَنَّ الْيَسَعَ وَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ يُطْلَبُ مِنْهُ مَالَا، فَسُرَّ الرَّجُلُ بِذَلِكَ وَدَفَعَ إِلَى الْخَادِمِ مَالًا وَجَوْهَرًا، وَرَجَعَ فَأَخْفَى ذَلِكَ وَسَتَرَهُ.
ثُمَّ دَخَلَ إِلَى الْيَسَعَ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ: تَبِعْتَ نَعْمَانَ وَأَوْهَمْتَهُ عَنِّي كَذَا وَكَذَا، وَأَخَذْتَ مِنْهُ كَذَا وَأَخْفَيْتَهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا، إِذْ فَعَلْتَ الَّذِي فَعَلْتَ بِهِ، فَلْيَصِرْ بَرَصُهُ عَلَيْكَ وَعَلَى نَسْلِكَ، فَبِرَصَ ذَلِكَ الْخَادِمُ عَلَى الْمَكَانِ.
قَالَ: فَهَذَا الْيَسَعُ قَدْ أَبْرَأَ أَبْرَصًا، وَأَبْرَصَ صَحِيحًا، وَهُوَ أَعْظَمُ
[ ٤ / ١٢٢ ]
مِمَّا فَعَلَ الْمَسِيحُ ﵇ فَلَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ إِلَهًا.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّ كِتَابَ سِفْرَ الْمُلُوكِ يُخْبِرُ بِأَنَّ إِلْيَاسَ ﵇ سَارَ إِلَى الْأُرْدُنِّ وَمَعَهُ الْيَسَعُ تِلْمِيذُهُ، فَأَخَذَ عِمَامَتَهُ فَضَرْبَ بِهَا الْأُرْدُنَّ فَاسْتَيْبَسَ لَهُ الْمَاءَ حَتَّى مَشَى عَلَيْهِ هُوَ وَالْيَسَعُ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ عَلَى فَرَسٍ مِنْ نُورٍ وَالْيَسَعُ يَرَاهُ، وَدَفَعَ عِمَامَتَهُ إِلَى الْيَسَعَ، فَلَمَّا رَجَعَ الْيَسَعُ إِلَى الْأُرْدُنِّ ضَرَبَ بِهَا الْمَاءَ فَاسْتَيْبَسَ لَهُ حَتَّى مَشَى عَلَيْهِ رَاجِعًا وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمَشْيِهِ عَلَى الْمَاءِ إِلَهًا، وَلَا كَانَ إِلْيَاسُ بِصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَهًا.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ أَنَّهُ صَيَّرَ الْمَاءَ خَمْرًا، فَهَذَا كِتَابُ سِفْرَ الْمُلُوكَ يُخْبِرُ بِأَنَّ الْيَسَعَ نَزَلَ بِامْرَأَةٍ إِسْرَائِيلِيَّةٍ فَأَضَافَتْهُ وَأَحْسَنَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عَلَى زَوْجِي دَيْنًا قَدْ فَدَحَهُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ لَنَا بِقَضَاءِ دَيْنَنَا فَافْعَلْ.
فَقَالَ لَهَا الْيَسَعُ: اجْمَعِي كُلَّ مَا عِنْدَكِ مِنَ الْآنِيَةِ، وَاسْتَعِيرِي مِنْ جِيرَانِكِ جَمِيعَ مَا قَدَرْتِ عَلَيْهِ مِنْ آنِيَتِهِمْ. فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَمَلَأَتِ الْآنِيَةَ كُلَّهَا مَاءً فَقَالَ: اتْرُكِيهِ لَيْلَتَكِ هَذِهِ. وَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا فَأَصْبَحَتِ الْمَرْأَةُ وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ الْمَاءُ كُلُّهُ زَيْتًا، فَبَاعُوهُ فَقَضَوْا دَيْنَهُمْ
[ ٤ / ١٢٣ ]
وَتَحْوِيلُ الْمَاءِ زَيْتًا أَبْدَعُ مِنْ تَحْوِيلِهِ خَمْرًا، وَلَمْ يَكُنِ الْيَسَعُ بِذَلِكَ إِلَهًا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمُ: الْمَسِيحُ ﵇ كَثَّرَ الْقَلِيلَ حَتَّى أَكَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ، فَإِنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ بِأَنَّ إِلْيَاسَ نَزَلَ بِامْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ، وَكَانَ الْقَحْطُ قَدْ عَمَّ النَّاسَ وَأَجْدَبَتِ الْبِلَادُ، وَمَاتَ الْخَلْقُ ضُرًّا وَهَزْلًا، وَكَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ، فَقَالَ لِلْأَرْمَلَةِ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا كَفٌّ مِنْ دَقِيقٍ فِي قِلَّةٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَخْبِزَهُ لِطِفْلٍ لِي، وَقَدْ أَيْقَنَّا بِالْهَلَاكِ لِمَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْقَحْطِ.
فَقَالَ لَهَا: أَحْضِرِيهِ فَلَا عَلَيْكِ. فَأَتَتْهُ بِهِ، فَبَارَكَ عَلَيْهِ، فَمَكَثَ عِنْدَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ تَأْكُلُ هِيَ وَأَهْلُهَا وَجِيرَانُهَا مِنْهُ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنِ النَّاسِ، فَقَدْ فَعَلَ إِلْيَاسُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَ الْمَسِيحُ، لِأَنَّ إِلْيَاسَ كَثَّرَ الْقَلِيلَ وَأَدَامَهُ، وَالْمَسِيحَ كَثَّرَ الْقَلِيلَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ إِلْيَاسُ بِفِعْلِهِ هَذَا إِلَهًا.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ لَيْسَ لَهُمْ صُنْعٌ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّ الصُّنْعَ فِيهَا وَالْقُدْرَةَ لِلَّهِ ﷿ إِذْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَجْرَاهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَقَدْ صَدَقْتُمْ، وَنَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: كَذَلِكَ الْمَسِيحُ لَيْسَ لَهُ صُنْعٌ فِيمَا ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَعَاجِيبِ، إِذْ كَانَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَهَا عَلَى يَدَيْهِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسِيحَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؟ وَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ؟
قَالَ: وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانَتْ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ آيَةً تَضَرَّعَتْ إِلَى اللَّهِ وَدَعَتْهُ وَأَقَرَّتْ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَشَهِدَتْ عَلَى أَنْفُسِهَا بِالْعُبُودِيَّةِ.
[ ٤ / ١٢٤ ]
قِيلَ لَكُمْ: وَكَذَلِكَ سَبِيلُ الْمَسِيحِ، سَبِيلُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، قَدْ كَانَ يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ وَيَعْتَرِفُ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وَيُقِرُّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْإِنْجِيلَ يُخْبِرُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ الْعَازِرُ، فَقَالَ: (يَا أَبِي أَدْعُوكَ كَمَا كُنْتُ أَدْعُوكَ مِنْ قَبْلُ فَتُجِيبُنِي وَتَسْتَجِيبُ لِي، وَأَنَا أَدْعُوكَ مِنْ أَجْلِ هَؤُلَاءِ الْقِيَامِ لِيَعْلَمُوا) . وَقَالَ بِزَعْمِكُمْ وَهُوَ عَلَى الْخَشَبَةِ: (إِلَهِي إِلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي؟)، وَقَالَ: (يَا أَبِي اغْفِرْ لِلْيَهُودِ مَا يَعْمَلُونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ) .
وَقَالَ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: (يَا أَبِي أَحْمَدُكَ) . وَقَالَ: (يَا أَبِي إِنْ كَانَ بُدٌّ أَنْ يَتَعَدَّانِي هَذَا الْكَأْسُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ) . وَقَالَ أَيْضًا: (أَنَا أَذْهَبُ إِلَى إِلَهِي الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ
[ ٤ / ١٢٥ ]
مِنِّي) وَقَالَ: (لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ شَيْئًا وَلَا أَتَفَكَّرَ فِيهِ إِلَّا بِاسْمِ إِلَهِي) . وَقَالَ يَعْنِي نَفْسَهَ: (لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِمَنْ أَرْسَلَهُ) .
وَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يَنَمْ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ) .
وَالْمَسِيحُ قَدْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَوَلَدَ، وَرَآهُ النَّاسُ فَمَا مَاتُوا مِنْ رُؤْيَتِهِ وَلَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ لَبِثَ فِيهِمْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
قُلْتُ: وَعَامَّةُ مَا ذَكَرَهُ هَذَا عَنِ الْكُتُبِ تَعْتَرِفُ بِهِ النَّصَارَى، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ يُنَازِعُهُ فِي يَسِيرٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ، فَنَازَعَهُ هُنَا فِي قَوْلِهِ:
[ ٤ / ١٢٦ ]
(لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ) . وَقَالَ: هَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الْمَسِيحُ لِلْحِوَارِيِّينَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ لَفْظُ (لَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ) .
قَالَ: وَقَالَ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: ": (إِنَّكُمْ مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الْبَشَرِ فَحِينَئِذٍ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَشَيْءٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي لَا أَفْعَلُ، وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ كَالَّذِي عَلَّمَنِي أَبِي) . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أُرْسِلْتُ مُعَلِّمًا) . وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (اخْرُجُوا بِنَا مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لَا يُجَلُّ فِي مَدِينَتِهِ) وَأَخْبَرَ الْإِنْجِيلُ أَنَّ امْرَأَةً رَأَتِ الْمَسِيحَ فَقَالَتْ: إِنَّكَ لَذَلِكَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ مَجِيئَهُ؟ فَقَالَ لَهَا الْمَسِيحُ: (صَدَقْتِ، طُوبَى لَكِ) . وَقَالَ لِتَلَامِذَتِهِ: (كَمَا بَعَثَنِي أَبِي كَذَلِكَ أَبْعَثُ بِكُمْ) .
قَالَ: فَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَّهُ مَأْلُوهٌ وَمَرْبُوبٌ وَمَبْعُوثٌ، وَقَالَ
[ ٤ / ١٢٧ ]
لِتَلَامِذَتِهِ: (إِنَّ مَنْ قَبِلَكُمْ وَآوَاكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَإِنَّمَا يَقْبَلُ مَنْ أَرْسَلَنِي، وَمِنْ قَبِلَ نَبِيًّا بِاسْمِ نَبِيٍّ فَإِنَّمَا يَفُوزُ بِأَجْرِ مَنْ قَبِلَ النَّبِيِّ) .
فَبَيَّنَ هَاهُنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّ سَبِيلَهُ مَعَ اللَّهِ سَبِيلُهُمْ مَعَهُ، وَقَالَ مَتَّى التِّلْمِيذُ فِي إِنْجِيلِهِ، يَسْتَشْهِدُ عَلَى الْمَسِيحِ بِنُبُوَّةِ أَشْعِيَا عَنِ اللَّهِ ﷿: (هَذَا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ، وَحَبِيبِي الَّذِي ارْتَاحَتْ إِلَيْهِ نَفْسِي، أَنَا وَاضِعٌ رُوحِي عَلَيْهِ، وَيَدْعُو الْأُمَمَ إِلَى الْحَقِّ) . فَلَنْ يَحْتَاجَ إِلَى حُجَّةٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ حُجَّةً لَكُمْ، فَقَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدًا، وَأَعْلَمَ أَنَّهُ يَضَعُ عَلَيْهِ رُوحَهُ وَيُؤَيِّدُهُ بِهَا كَمَا أَيَّدَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ بِالرُّوحِ فَأَظْهَرُوا الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ عَنْهُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ مَا بَشَّرَ بِهِ جِبْرِيلُ الْمَلَكُ مَرْيَمَ حِينَ ظَهَرَ لَهَا، وَقَالَ الْقَوْلَ الَّذِي سُقْنَاهُ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا.
وَقَالَ يُوحَنَّا التِّلْمِيذُ فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇: (إِنَّ كَلَامِي الَّذِي تَسْمَعُونَ هُوَ كَلَامُ مَنْ أَرْسَلَنِي) . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ
[ ٤ / ١٢٨ ]
آخَرَ: (إِنَّ أَبِي أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنِّي) . وَقَالَ أَيْضًا: (كَمَا أَمَرَنِي أَبِي كَذَلِكَ أَفْعَلُ أَنَا، أَنَا الْكَرْمُ وَأَبِي هُوَ الْفَلَّاحُ) . وَقَالَ يُوحَنَّا: (كَمَا لِلْأَبِ حَيَاةٌ فِي جَوْهَرِهِ، فَكَذَلِكَ أَعْطَى الِابْنَ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي قَيْنُومِهِ) . قَالَ: فَالْمُعْطِي خِلَافَ الْمُعْطَى لَا مَحَالَةَ، وَالْفَاعِلُ خِلَافَ الْمَفْعُولِ.
قَالَ: وَقَالَ الْمَسِيحُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: (إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَنَا الشَّاهِدَ لِنَفْسِي عَلَى صِحَّةِ دَعْوَايَ، لَكَانَتْ شَهَادَتِي بَاطِلَةً، لَكِنْ غَيْرِي يَشْهَدُ لِي، فَأَنَا أَشْهَدُ لِنَفْسِي وَيَشْهَدُ لِي أَبِي الَّذِي أَرْسَلَنِي) . وَقَالَ الْمَسِيحُ لَبَنِي
[ ٤ / ١٢٩ ]
إِسْرَائِيلَ: (تُرِيدُونَ قَتْلِي، وَأَنَا رَجُلٌ قُلْتُ لَكُمُ الْحَقَّ الَّذِي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُهُ.!
قَالَ: وَقَالَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الْمَوْتَى: (يَا أَبِي أَشْكُرُكَ عَلَى اسْتِجَابَتِكَ دُعَائِي وَأَعْتَرِفُ لَكَ بِذَلِكَ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ كُلَّ وَقْتٍ تُجِيبُ دَعْوَتِي، لَكِنْ أَسْأَلُكَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ لِيُؤْمِنُوا بِأَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي) . قَالَ: فَأَيُّ تَضَرُّعٍ وَإِقْرَارٍ بِالرِّسَالَةِ وَالْمَسْأَلَةِ وَالطَّلَبِ لِلْإِجَابَةِ مِنَ اللَّهِ ﷿ أَشَدُّ مِنْ هَذَا أَوْ أَكْثَرُ؟
قَالَ: وَقَالَ فِي بَعْضِ مُخَاطَبَتِهِ لِلْيَهُودِ وَقَدْ نَسَبُوهُ إِلَى الْجُنُونِ: (أَنَا لَسْتُ بِمَجْنُونٍ، وَلَكِنْ أُكْرِمُ أَبِي وَلَا أُحِبُّ مَدْحَ نَفْسِي، بَلْ أَمْدَحُ أَبِي، لِأَنِّي أَعْرِفُهُ، وَلَوْ قُلْتُ: إِنِّي لَا أَعْرِفُهُ، لَكُنْتُ كَذَّابًا مِثْلَكُمْ، بَلْ أَعْرِفُهُ وَأَتَمَسَّكُ بِأَمْرِهِ) .
[ ٤ / ١٣٠ ]
قَالَ: وَقَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورِهِ الْمِائَةِ وَعَشْرَةٍ: (قَالَ الرَّبُّ اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِرِجْلَيْكَ، عَصَا الْعَظَمَةِ تَبْعَثُ الرَّبَّ مِنْ صِهْيُونَ، وَيُبْسَطُ عَلَى أَعْدَائِكَ شَعْبُكَ يَا مَسِيحُ يَوْمَ الرُّعْبِ فِي بَهَاءِ الْقُدْسِ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي وَلَدْتُكَ يَا صَبِيُّ، عَهْدُ الرَّبِّ وَلَا يَكْذِبُ أَنَّكَ أَنْتَ الْكَاهِنُ الْمُؤَيَّدُ يُشْبِهُ مَلَكْلِيزْ دَاقْ.)
قَالَ: فَهَذِهِ مُخَاطَبَةٌ يَنْسُبُونَهَا إِلَى اللَّاهُوتِ، وَقَدْ أَبَانَ دَاوُدَ فِي مُخَاطَبَتِهِ، أَنَّ لِرَبِّهِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبًّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَعْلَى أَعْطَاهُ مَا حَكَيْنَاهُ، وَمَنَحَهُ ذَلِكَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ، إِنَّ عَصَا الْعَظَمَةِ تَبْعَثُ رَبَّهُ هَذَا مِنْ صِهْيُونَ وَسَمَّاهُ صَبِيًّا مُحَقِّقًا لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ: الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ وَنَسَقًا عَلَى أَوَّلِ كَلَامِهِ وَهُوَ رَبُّهُ، وَوَصَفَ أَنَّهُ الْكَاهِنُ الْمُؤَيَّدُ الَّذِي يُشْبِهُ مَلَكْلِيزْ دَاقْ.
[ ٤ / ١٣١ ]
قُلْتُ: قَالُوا: وَهَذَا الْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْخَلِيلَ أَعْطَاهُ الْقُرْبَانَ، وَإِذَا كَانَ الْمَسِيحُ مُشَبَّهًا بِهِ مَعَ تَسْمِيَتِهِ كَاهِنًا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، قَالَ: فَأَمَّا قَوْلُهُ: (مِنَ الْبَدْءِ وَلَدْتُكَ)، فَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ دَاوُدَ: (تَبَنَّنِي عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْبَدْءِ. ذَكَرْتُكَ وَهَدَيْتُ كُلَّ أَعْمَالِكَ) . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَفْظُ النَّصِّ: (إِنَّ الرَّبَّ يَبْعَثُ عَصَاهُ مِنْ صِهْيُونَ) .
قَالَ: وَقَالَ شَمْعُونُ الصَّفَا رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ قَصَصِهِمْ: (يَا رِجَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْمَعُوا مَقَالَتِي، إِنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ رَجُلٌ ظَهِيرٌ لَكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْقُوَّةِ وَالْأَيْدِي وَالْعَجَائِبِ الَّتِي أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ، فَأَقَامَ اللَّهُ يَسُوعَ هَذَا مِنْ
[ ٤ / ١٣٢ ]
بَيْنِ الْأَمْوَاتِ) .
قَالَ: فَأَيُّ شَهَادَةٍ أَبْيَنُ وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ؟ وَهُوَ أَوْثَقُ التَّلَامِيذِ عِنْدَكُمْ يُخْبِرُ كَمَا تَرَوْنَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَجُلٌ وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْهُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّ الَّذِي بَعَثَهُ مِنْ بَيْنِ الْمَوْتَى هُوَ اللَّهُ ﷿.
قَالَ: وَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ يَسُوعَ الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ رَبًّا وَمَسِيحًا) . قَالَ: فَهَذَا الْقَوْلُ يُزِيلُ تَأْوِيلَ مَنْ لَعَلَّهُ يَتَأَوَّلُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ النَّاسُوتَ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَبًّا وَمَسِيحًا، وَالْمَجْعُولَ مَخْلُوقٌ مَفْعُولٌ، قَالَ أَبُو نَصْرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَاصِرِيٌّ ; لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: " نَاصِرَةُ "
[ ٤ / ١٣٣ ]
فِي الْأُرْدُنِّ وَبِهَا سُمِّيَتِ النَّصْرَانِيَّةُ.
قَالَ: وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُوسُفَ رَبًّا، قَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورِ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ: (وَلِلْعُبُودِيَّةِ بِيعَ يُوسُفُ وَشَدُّوا بِالْكُبُولِ رِجْلَيْهِ وَبِالْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ حَتَّى صَدَّقَتْ كَلِمَتُهُ قَوْلَ الرَّبِّ جربهُ، بَعَثَ الْمَلِكُ فَخَلَّاهُ وَصَيَّرَهُ مُسَلَّطًا عَلَى شَعْبِهِ، وَرَبًّا عَلَى بَنِيهِ، وَمُسَلَّطًا عَلَى فِتْيَانِهِ) .
وَقَالَ لُوقَا فِي آخِرِ إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ الْمَسِيحَ عَرَضَ لَهُ وَلِلُوقَا تِلْمِيذِهِ جِبْرِيلُ فِي الطَّرِيقِ وَهُمَا مَحْزُونَانِ، فَقَالَ لَهُمَا وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ: مَا بَالُكُمَا مَحْزُونَيْنِ؟ فَقَالَا: كَأَنَّكَ أَنْتَ وَحْدَكَ غَرِيبٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ مَا حَدَثَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ أَمْرِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأُمَّةِ، أَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ) عَلَى قَوْلِهِمْ فِيهِ.
[ ٤ / ١٣٤ ]
قَالَ: فَهَذَا قَوْلُهُ وَأَقْوَالُ تَلَامِيذِهِ قَدْ تَرَكْتُمُوهَا وَعَقَدْتُمْ عَلَى بِدَعٍ ابْتَدَعَهَا لَكُمْ أَوَّلُوكُمْ تُؤَدِّي إِلَى الضَّلَالَةِ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَقَالَ دَاوُدُ فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي فِي زَبُورِهِ مُخَاطِبًا لِلَّهِ وَمُثْنِيًا عَلَى الْمَسِيحِ: (مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ وَالْإِنْسَانُ الَّذِي أَمَرْتَهُ وَجَعَلْتَهُ دُونَ الْمَلَائِكَةِ قَلِيلًا، وَأَلْبَسْتَهُ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَاتِ؟)، وَقَالَ فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: (قَالَ لِيَ الرَّبُّ: أَنْتَ ابْنِي وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ، سَلْنِي فَأُعْطِيكَ)، فَقَوْلُهُ: " وَلَدْتُكَ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ غَيْرُ قَدِيمٍ، وَكُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " الْيَوْمَ " فَحَدَّ بِالْيَوْمِ حَدًّا لِوِلَادَتِهِ أَزَالَ بِهِ الشَّكَّ فِي أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَدَلَّ بِقَوْلِهِ: " سَلْنِي فَأُعْطِيكَ " عَلَى أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَطِيَّةِ، قَالَ: فَهَذَا مَا حَضَرَنَا مِنَ الْآيَاتِ فِي تَصْحِيحِ خَلْقِ الْمَسِيحِ وَعُبُودِيَّتِهِ، وَبُطْلَانِ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْإِنْجِيلِ لَا يُحْصَى، فَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَاتُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ، وَمِنْ تَلَامِيذِهِ بِمِثْلِ مَا قَدْ بَيَّنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى الِاحْتِجَاجِ عَلَيْكُمْ مِنْ كُتُبِكُمْ، فَمَا الْحُجَّةُ فِيمَا تَدَّعُونَهُ لَهُ وَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ أَخَذْتُمْ ذَلِكَ وَاخْتَرْتُمُ الْكَلَامَ الشَّنِيعَ الَّذِي يَخْرُجُ عَنِ
[ ٤ / ١٣٥ ]
الْمَعْقُولِ، وَتُنْكِرُهُ النُّفُوسُ، وَتَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، الَّذِي لَا يَصِحُّ بِحُجَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا تَأْوِيلٍ عَلَى الْقَوْلِ الْجَمِيلِ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ الْعُقُولُ وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَيُشَاكِلُ عَظَمَةَ اللَّهِ وَجَلَالَهُ.
قَالَ: وَإِذَا تَأَمَّلْتُمْ كُلَّ مَا بَيَّنَاهُ تَأَمُّلَ إِنْصَافٍ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَإِشْفَاقٍ عَلَيْهَا، عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَأَوَّلَ فِيهِ لِلنَّاسُوتِ شَيْئًا دُونَ اللَّاهُوتِ.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَسِيحِ الْبُنُوَّةَ بِقَوْلِهِ: (أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَيَا أَبِي، وَبَعَثَنِي أَبِي) . قُلْنَا: فَإِنْ كَانَ الْإِنْجِيلُ أُنْزِلَ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَمْ تُبَدَّلْ وَلَمْ تُغَيَّرْ، فَإِنَّ اللُّغَةَ قَدْ أَجَازَتْ أَنْ يُسَمَّى الْوَلِيُّ ابْنًا، وَقَدْ سَمَّاكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا بَنِيهِ، وَأَنْتُمْ لَسْتُمْ فِي مِثْلِ حَالِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ لِإِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) . وَقَالَ لِدَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: (أَنْتَ ابْنِي وَحَبِيبِي) . وَقَالَ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ لِلْحِوَارِيِّينَ: (أُرِيدُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ) . فَسَمَّى الْحَوَارِيِّينَ أَبْنَاءَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِأَنَّ لَهُ إِلَهًا هُوَ اللَّهُ
[ ٤ / ١٣٦ ]
وَمَنْ كَانَ لَهُ إِلَهٌ فَلَيْسَ بِإِلَهٍ كَمَا تَقُولُونَ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْإِلَهِيَّةَ بِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ ابْنًا، فَنَلْتَزِمُ ذَلِكَ وَنَشْهَدُ بِالْإِلَهِيَّةِ لِكُلِّ مَنْ سَمَّاهُ ابْنًا، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ إِسْرَائِيلَ وَدَاوُدَ وَنُظَرَاءَهُمْ إِنَّمَا سُمُّوا أَبْنَاءَ اللَّهِ عَلَى جِهَةِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
قُلْنَا: يَجُوزُ لِمُعَارِضٍ أَنْ يُعَارِضَكُمْ، فَيَقُولَ لَكُمْ: مَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِسْرَائِيلُ وَدَاوُدُ ابْنَيِ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَسِيحُ ابْنَ رَحْمَةٍ، وَمَا الْفَرْقُ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلُ، أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ إِلَى مُقْعَدٍ فَقَالَ: (قُمْ قُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، فَقَامَ الرَّجُلُ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) .
قُلْنَا لَكُمْ: هَذَا إِلْيَاسُ أَمَرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَأَمْطَرَتْ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْيَسَعُ أَمَرَ نَعْمَانَ الرُّومِيَّ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي
[ ٤ / ١٣٧ ]
الْأُرْدُنِّ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ وَلَا تَضَرُّعٍ، عَلَى أنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُ فِي الْإِنْجِيلِ قَدْ تَضَرَّعَ، وَسَأَلَ مَسَائِلَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
وَقَالَ فِي بَعْضِ الْإِنْجِيلِ: (يَا أَبِي أَشْكُرُكَ عَلَى اسْتِجَابَتِكَ دُعَائِي، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ تُجِيبُ دَعْوَتِي، لَكِنْ أَسْأَلُكَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ لِيُؤْمِنُوا بِأَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي) .
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْغُفْرَانَ مِنَ اللَّهِ ﷿ وَأَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِبَعْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: (قُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ) وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ.
قُلْنَا: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ مِنَ التَّوْرَاةِ لِمُوسَى: (اخْرُجْ أَنْتَ وَشَعْبُكَ الَّذِي أَخْرَجْتَ مِنْ مِصْرَ، وَأَنَا أَجْعَلُ مَعَكُمْ مَلَكًا يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ) .
فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ لِأَنَّهُ غَفَرَ ذُنُوبَ الْمُقْعَدِ، فَالْمَلَكُ إِذًا إِلَهٌ، لِأَنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
[ ٤ / ١٣٨ ]
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلُ، أَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ رَبًّا فَقَالَ: (ابْنُ الْبَشَرِ رَبُّ السَّبْتِ) .
قُلْنَا: فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُخْبِرُ بِأَنَّ لُوطًا ﵇ لَمَّا رَأَى الْمَلَكَيْنِ قَدْ أَقْبَلَا مِنَ الْبَرِّيَّةِ لِهَلَاكِ قَوْمِهِ قَالَ لَهُمَا: (يَا رَبِّي مِيلَا إِلَى مَنْزِلِ عَبْدِكُمَا) . وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا احْتِجَاجٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِذِكْرِ مَنْ سُمِّيَ فِي الْكُتُبِ رَبًّا مِنْ يُوسُفَ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ إِلَهًا لِأَنَّهُ سُمِّيَ رَبًّا، فَهَؤُلَاءِ إِذًا آلِهَةٌ، لِأَنَّهُمْ سُمُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ تَنَبَّأَتْ بِإِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ أَشْعِيَا: (الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ " عَمَانْوِيلَ ")، وَتَفْسِيرُهُ: " مَعَنَا إِلَهُنَا ".
قُلْنَا: إِنَّ هَذَا اسْمٌ يَعَارُهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ
[ ٤ / ١٣٩ ]
اللَّهُ ﷿ الْمُنْفَرِدَ بِمَعْنَى الْإِلَهِيَّةِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ لِمُوسَى ﵇: (قَدْ جَعَلْتُكَ لِهَارُونَ إِلَهًا، وَجَعَلْتُهُ لَكَ نَبِيًّا) .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (قَدْ جَعَلْتُكَ يَا مُوسَى إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ) . وَقَالَ دَاوُدُ فِي الزَّبُورِ لِمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ حِكْمَةٌ: (كُلُّكُمْ آلِهَةٌ وَمِنَ الْعَلِيَّةِ تُدْعَوْنَ) .
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ جَعَلَ مُوسَى إِلَهًا لِهَارُونَ عَلَى مَعْنَى الرِّيَاسَةِ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْعِيَا فِي الْمَسِيحِ إِنَّهُ إِلَهٌ لِأُمَّتِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَالَ فِي الْإِنْجِيلِ: (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي، وَأَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ) .
قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ: (أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ) إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ قَبُولَكُمْ لِأَمْرِي هُوَ قَبُولُكُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ، كَمَا يَقُولُ رَسُولُ الرَّجُلِ: أَنَا وَمَنْ أَرْسَلَنِي وَاحِدٌ،
[ ٤ / ١٤٠ ]
وَيَقُولُ الْوَكِيلُ: أَنَا وَمَنْ وَكَّلَنِي وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ يَقُومُ فِيمَا يُؤَدِّيِهِ مَقَامَهُ، وَيُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ وَيُطَالِبُ لَهُ بِحُقُوقِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي)، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَأَى هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي أُظْهِرُهَا فَقَدْ رَأَى أَفْعَالَ أَبِي.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَالَ فِي الْإِنْجِيلِ: (أَنَا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ)، فَكَيْفَ يَكُونُ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ وَلَدِهِ؟ وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ (قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ) عَلِمْنَا مَا أَرَادَ أَنَّهُ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
قُلْنَا: هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ يَقُولُ فِي حِكْمَتِهِ: (أَنَا قَبْلَ الدُّنْيَا وَكُنْتُ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ بَدَأَ الْأَرْضَ)، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ ابْنُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: أَنَا قَبْلَ الدُّنْيَا بِالْإِلَهِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ دَاوُدُ أَيْضًا فِي الزَّبُورِ: (ذَكَرْتُكَ يَا رَبِّ مِنَ الْبَدْءِ، وَهُدِيتُ بِكُلِّ أَعْمَالِكَ) .
[ ٤ / ١٤١ ]
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ كَلَامَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ مُتَأَوَّلٌ، لِأَنَّهُمَا مِنْ وَلَدِ إِسْرَائِيلَ، وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا قَبْلَ الدُّنْيَا.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَسِيحِ أَنَا قَبْلَ الدُّنْيَا مُتَأَوَّلٌ، لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ تَأَوَّلْتُمْ تَأَوَّلْنَا، وَإِنْ تَعَلَّقْتُمْ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ فِي الْمَسِيحِ تَعَلَّقْنَا بِظَاهِرِ الْخَبَرِ فِي سُلَيْمَانَ وَدَاوُدَ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الِاحْتِجَاجَ عَلَى تَأْوِيلِكُمْ لِتَعْلَمُوا بُطْلَانَ مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ تَأْوِيلٌ غَيْرُ وَاقِعٍ بِحَقِّهِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاسْمُ يَعْنِي " عَمَانْوِيلَ " لَمَّا وَقَعَ عَلَى الْمَسِيحِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّ " إِلَهَنَا مَعَنَا " يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ وَمَعَ شَعْبِهِ مُعِينًا وَنَاصِرًا.
وَمِمَّا يُصَحِّحُ ذَلِكَ أَنَّكُمْ تَتَّسِمُونَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَسَمَّى بِهِ، كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَسَمَّى بِالْمَسِيحِ ; لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَعْنَاهُ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ تَلَامِيذَ الْمَسِيحِ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْآيَاتِ بِاسْمِ الْمَسِيحِ.
قُلْنَا لَكُمْ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا: (قَدْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَبِقُوَّةِ إِلْيَاسَ، وَهِيَ قُوَّةٌ تَفْعَلُ الْآيَاتِ)، فَأَضَافَ الْقُوَّةَ إِلَى إِلْيَاسَ.
[ ٤ / ١٤٢ ]
فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ لِأَنَّهُ فُعِلَتِ الْآيَاتُ بِاسْمِهِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: إِنَّ إِلْيَاسَ إِلَهٌ فَإِنَّهُ فُعِلَتْ بِقُوَّتِهِ الْآيَاتُ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْخَشَبَةَ الَّتِي صُلِبَ عَلَيْهَا الْمَسِيحُ عَلَى زَعْمِكُمْ أُلْصِقَتْ بِمَيِّتٍ فَعَاشَ، فَإِنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ. قُلْنَا لَكُمْ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْيَسَعَ إِلَهٌ؟ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ (بِأَنَّ كِتَابَ سَفْرِ الْمُلُوكِ يُخْبِرُ بِأَنَّ رَجُلًا مَاتَ فَحَمَلَهُ أَهْلُهُ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، فَلَمَّا كَانُوا بَيْنَ الْقُبُورِ رَأَوْا عَدُوًّا لَهُمْ يُرِيدُ أَنْفُسَهُمْ فَطَرَحُوا الْمَيِّتَ عَنْ رِقَابِهِمْ وَبَادَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَلْقَوْا عَلَيْهِ الْمَيِّتَ قَبْرَ الْيَسَعَ، فَلَمَّا أَصَابَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ تُرَابُ قَبْرِ الْيَسَعَ عَاشَ وَأَقْبَلَ يَمْشِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ لِأَنَّ الْخَشَبَةَ الَّتِي ذَكَرُوا أَنَّهُ صُلِبَ عَلَيْهَا أُلْصِقَتْ بِمَيِّتٍ فَعَاشَ، فَالْيَسَعُ إِلَهٌ، لِأَنَّ تُرَابَ قَبْرِهِ لَصِقَ بِمَيِّتٍ فَعَاشَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ. قُلْنَا لَكُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ أُعْجُوبَةُ الْوِلَادَةِ تُوجِبُ الْإِلَهِيَّةَ وَلَا الرُّبُوبِيَّةَ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ فِي
[ ٤ / ١٤٣ ]
ذَلِكَ لِلْخَالِقِ ﵎ لَا لِلْمَخْلُوقِ، وَعَلَى أَنَّهُ يُوجِدُكُمْ لِأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ فَحْلٍ بِلَا أُنْثَى، وَخَلْقُ أُنْثَى مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، أَعْجَبُ مِنْ ذَكَرٍ مِنْ أُنْثَى بِغَيْرِ ذَكَرٍ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ آدَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ تُرَابٍ، وَخَلْقُ بَشَرٍ مِنْ تُرَابٍ أَعْجَبُ وَأَبْدَعُ مِنْ خَلْقِ ذَكَرٍ مِنْ أُنْثَى بِلَا فَحْلٍ، فَمَا الْفَرْقُ؟
قَالَ: وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كُلُّهَا هِيَ الْأَسْبَابُ الَّتِي تَتَعَلَّقُونَ بِهَا فِي نِحْلَتِكُمُ الْمَسِيحَ الرُّبُوبِيَّةَ، وَإِضَافَتِكُمْ إِلَيْهِ الْإِلَهِيَّةَ، وَقَدْ وَصَفْنَاهَا عَلَى حَقَائِقِهَا عِنْدَكُمْ، وَقَبِلْنَا فِيهَا قَوْلَكُمْ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ حَرَّفُوا بَعْضَ مَا فِيهَا مِنَ الْكَلَامِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَأَوْجَدْنَاكُمْ بِطُولِ مَا تَنْتَحِلُونَهُ وَفَسَادِ مَا تَتَأَوَّلُونَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي فِي أَيْدِيِكُمُ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْإِنْجِيلِ، فَمَا الَّذِي يُثْبِتُ الْحُجَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكُمْ؟
قَالَ: وَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ لِتَلَامِيذِهِ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ وَالْقِيَامَةِ: (إِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَتِلْكَ السَّاعَةَ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا الِابْنُ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ
[ ٤ / ١٤٤ ]
يَعْرِفُهُ) . قَالَ: فَهَذَا إِقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مَنْقُوصُ الْعِلْمِ، وَأَنَّ اللَّهَ ﵎ أَعَزُّ وَأَعْلَمُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ خِلَافُهُ وَأَعْلَا مِنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ (أَحَدٌ) عُمُومَهُ بِذَلِكَ الْخَلْقِ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ) وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: (وَلَا الِابْنُ) وَلَهُ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَشَهِدَ قَوْلُهُ هَذَا شَهَادَةً وَاضِحَةً عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كُلَّ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، بَلْ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ وَأَطْلَعَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَجَعَلَهُ لَهُ، وَأَنَّهُ لِقُصُورِ مَعْرِفَتِهِ بِكُلِّ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِحَيْثُ يَصِفُونَهُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَمِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، تَعَالَى اللَّهُ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا كَمَا يَقُولُونَ، لَعَلِمَ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ وَسَرَائِرِ الْأُمُورِ وَعَلَانِيَتِهَا، إِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي إِذَا سُئِلْتُمْ عَنْهُ تَعَلَّقْتُمْ بِأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ.
قُلْتُ: مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ، ثُمَّ خَصَّ
[ ٤ / ١٤٥ ]
الْمَلَائِكَةَ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَعْلَمُهُ، فَقَالَ: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ)، ثُمَّ قَالَ: (وَلَا الِابْنُ يَعْرِفُهُ، وَأَنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ يَعْرِفُهُ)، فَنَفَى مَعْرِفَةَ الِابْنِ، وَأَثْبَتَ أَنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ يَعْرِفُهُ، وَمُرَادُهُ بِالِابْنِ الْمَسِيحِ، فَعُرِفَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَعْرِفُهُ، وَأَثْبَتَ أَنَّ الرَّبَّ يَعْرِفُهُ دُونَ الِابْنِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ عِنْدَ الْمَسِيحِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا النَّاسُوتُ وَحْدَهُ، إِذْ كَانَ لَا يَجُوزُ نَفْيُ الْعِلْمِ عَنِ اللَّاهُوتِ، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ)، الْمُرَادُ بِهِ النَّاسُوتُ وَحْدَهُ، كَمَا أُرِيدَ بِلَفْظِ الِابْنِ فِي سَائِرِ كَلَامِهِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ لَمْ يُرِدْ قَطُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِلَفْظِ الِابْنِ اللَّاهُوتَ، بَلْ إِطْلَاقُ الِابْنِ عَلَى اللَّاهُوتِ مِمَّا ابْتَدَعَتْهُ النَّصَارَى وَحَمَلُوا عَلَيْهَا كَلَامَ الْمَسِيحِ، فَابْتَدَعُوا لِصِفَاتِ اللَّهِ أَسْمَاءً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَحَمَلُوا عَلَيْهَا كَلَامَ الْمَسِيحَ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَعْنَى لُغَتِهِمُ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالتَّكْلِيمِ بِهَا، لَا عَلَى لُغَةٍ يُحْدِثُهَا مَنْ بَعْدَهَمْ وَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: فَإِنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ النَّصَارَى وَأَشْبَاهُهُمْ يَفْتَحُ بَابَ الْإِلْحَادِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
" ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] ".
[ ٤ / ١٤٦ ]
وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَقَدَ مَعَانِيَ بِرَأْيِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهَا بِأَلْفَاظٍ تُنَاسِبُهَا بِنَوْعِ مُنَاسَبَةٍ، وَتِلْكَ الْأَلْفَاظُ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لَهَا مَعَانٍ أُخَرَ، وَيَجْعَلَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ دَالَّةً عَلَى مَعَانِيهِ الَّتِي رَآهَا، ثُمَّ يَجْعَلَ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تَكَلَّمَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ وَجَاءَتْ بِهَا الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ أَرَادُوا بِهَا مَعَانِيهِ هُوَ، وَهَكَذَا فَعَلَ سَائِرُ أَهْلِ الْإِلْحَادِ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا فَعَلَتْهُ النَّصَارَى مِثْلَ مَا عَمَدَتِ الْمَلَاحِدَةُ الْمُتَّبِعُونَ لِفَلَاسِفَةِ الْيُونَانَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْلَاكَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالتَّوْرَاةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَا هُوَ عَالِمٌ بِالْجُزْئِيَّاتِ لَا بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَا هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَ بِمَشِيئَةٍ، وَلَا يُقِيمُ النَّاسَ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَقَالُوا: خَلَقَ وَأَحْدَثَ وَفَعَلَ وَصَنَعَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يُقَالُ عَلَى الْإِحْدَاثِ الذَّاتِيِّ، وَالْإِحْدَاثِ الزَّمَانِيِّ.
فَالْأَوَّلُ: هُوَ إِيجَابُ الْعِلَّةِ لِمَعْلُولِهَا الْمُقَارِنِ لَهَا فِي الزَّمَانِ.
وَالثَّانِي: إِيجَادُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قَالُوا: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَأَحْدَثَ ذَلِكَ وَأَبْدَعَهَ وَصَنَعَهُ، كَمَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، لَكِنْ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ الْإِحْدَاثُ الذَّاتِيُّ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ مَعْلُولٌ لَهُ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَمْ يَسْتَعْمِلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ
[ ٤ / ١٤٧ ]
وَالسَّلَامُ بَلْ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ لَفْظَ الْخَلْقِ وَالْإِحْدَاثِ إِلَّا فِيمَا كَانَ بَعْدَ عَدَمِهِ، وَهُوَ مَا كَانَ مَسْبُوقًا بِعَدَمِهِ وَوُجُودِ غَيْرِهِ، وَمَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ فِي جَمِيعِ لُغَاتِ الْأُمَمِ، وَأَيْضًا فَاللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي لُغَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا بَعْضُ النَّاسِ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يَدَّعُونَهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يَتَصَوَّرْهُ إِلَّا بَعْضُ النَّاسِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْعَامُّ الَّذِي تَدَاوَلَهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ مَوْضُوعًا لَهُ إِذَا كَانَ هَذَا يُبْطِلُ مَقْصُودَ اللُّغَاتِ، وَيُبْطِلُ تَعْرِيفَ الْأَنْبِيَاءِ لِلنَّاسِ، فَكَيْفَ وَهُوَ بَاطِلٌ فِي صَرِيحِ الْمَعْقُولِ؟ كَمَا هُوَ بَاطِلٌ فِي صَحِيحِ الْمَنْقُولِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ أَحَدًا قَطُّ عَبَّرَ عَنِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا وَلَا يَزَالُ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ أَوْ مَخْلُوقٌ أَوْ مَصْنُوعٌ أَوْ مَفْعُولٌ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ كَذِبٌ صَرِيحٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لِتُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّكُمْ مُوَافِقُونَ لَهُمْ، وَالْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ قَدْ أَخْبَرَتْ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لِمُوسَى وَبِنِدَائِهِ إِيَّاهُ مِنَ الطُّورِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّهَا شَجَرَةُ الْعُلَّيْقِ.
وَأَخْبَرَتْ بِأَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ يُلْقِي عَصَاهُ فَتَصِيرُ حَيَّةً
[ ٤ / ١٤٨ ]
تَسْعَى، وَيُخْبِرُ بِأَنَّ اللَّهَ فَلَقَ الْبَحْرَ، فَقَالَتِ الْمَلَاحِدَةُ: إِنَّ الشَّيْءَ الثَّابِتَ يُسَمَّى طُورًا، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ كَالْجَبَلِ، وَالْقُلُوبَ تُسَمَّى أَوْدِيَةً، وَإِظْهَارَ الْعُلُومِ بِتَفْجِيرِ يَنَابِيعِ الْعِلْمِ، وَالْحُجَّةَ الْمُبْتَلِعَةَ كَلَامَ أَهْلِ الْبَاطِلِ هِيَ عَصًا مَعْنَوِيَّةٌ، فَمُرَادُ الْكُتُبِ بِالطُّورِ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ الَّذِي فَاضَ مِنْهُ الْعِلْمُ عَلَى قَلْبِ مُوسَى ﵇، وَالْوَادِي قَلْبُ مُوسَى، وَالْكَلَامُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى سَمِعَهُ مِنْ سَمَاءِ عَقْلِهِ، وَتِلْكَ الْأَصْوَاتُ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَالْمَلَائِكَةُ الَّتِي رَآهَا كَانَتْ أَشْخَاصًا نُورَانِيَّةً تَمَثَّلَتْ فِي نَفْسِهِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَالْبَحْرُ الَّذِي فَلَقَهُ هُوَ بَحْرُ الْعِلْمِ، وَالْعَصَا كَانَتْ حُجَّتَهُ، غَلَبَ عَلَى السَّحَرَةِ بِحُجَّتِهِ الْعِلْمِيَّةِ فَابْتَلَعَتْ حُجَّتُهُ شُبَهَهُمُ الَّتِي جَعَلُوهَا حِبَالًا يَتَوَسَّلُونَ بِهَا إِلَى نَيْلِ أَغْرَاضِهِمْ، وَعِصِيًّا يَقْهَرُونَ بِهَا مَنْ يُجَادِلُونَهُ.
أَفَلَيْسَ مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَى الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِقِصَّةِ مُوسَى كَالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الرُّسُلِ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى هَذَا، بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مُوسَى سَمِعَ نِدَاءَ اللَّهِ لَهُ، وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ مِنَ الطُّورِ طُورِ سَيْنَا الَّذِي هُوَ الْجَبَلُ، وَقَلَبَ عَصَاهُ الَّتِي كَانَ يَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِهِ ثُعْبَانًا عَظِيمًا، وَفَلَقَ لَهُ الْبَحْرَ وَأَغْرَقَ فِيهِ آلَ فِرْعَوْنَ فَغَرِقُوا وَمَاتُوا فِيهِ وَهَلَكُوا، وَأَمْثَالُ هَذَا مِنْ تَحْرِيفَاتِ الْمَلَاحِدَةِ كَثِيرٌ.
فَهَكَذَا النَّصَارَى حَرَّفُوا كُتُبَ اللَّهِ وَسَمَّوْا صِفَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ
[ ٤ / ١٤٩ ]
الَّتِي هِيَ عِلْمُهُ أَوْ حِكْمَتُهُ ابْنًا، وَسَمَّوْهَا أَيْضًا كَلِمَةً، وَسَمَّوْا صِفَتَهُ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ، الَّتِي هِيَ حَيَاتُهُ رُوحَ الْقُدُسِ، وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَا تُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَطُّ لَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ سَمَّى عِلْمَ اللَّهِ الْقَائِمَ بِهِ ابْنَهُ، بَلْ وَسَمَّى عِلْمَ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ الْقَائِمَ بِهِ ابْنَهُ، وَلَكِنْ لَفْظُ الِابْنِ يُعَبَّرُ بِهِ عَمَّنْ وُلِدَ الْوِلَادَةَ الْمَعْرُوفَةَ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَمَّنْ كَانَ هُوَ سَبَبًا فِي وُجُودِهِ، كَمَا يُقَالُ: ابْنُ السَّبِيلِ، لِمَنْ وَلَدَتْهُ الطَّرِيقُ، فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الطَّرِيقِ جُعِلَ كَأَنَّهُ وَلَدُهُ.
وَيُقَالُ لِبَعْضِ الطَّيْرِ: ابْنُ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْ جِهَةِ الْمَاءِ، وَيُقَالُ: كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الِابْنَ يَنْتَسِبُ إِلَى أَبِيهِ وَيُحِبُّهُ وَيُضَافُ إِلَيْهِ، أَيْ كُونُوا مِمَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْآخِرَةِ وَيُحِبُّهَا وَيُضَافُ إِلَيْهَا، وَهَذَا اللَّفْظُ مَوْجُودٌ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ فِي حَقِّ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُرَبِّيِهِمْ، كَمَا ذَكَرُوا أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: (أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ) . وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِيَعْقُوبَ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) .
وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُرَادُ بِهِ إِذَا كَانَ صَحِيحًا لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَحَبَّةُ لَهُ وَالِاصْطِفَاءُ لَهُ، وَالرَّحْمَةُ لَهُ، وَكَانَ الْمَعْنَى مَفْهُومًا عِنْدَ
[ ٤ / ١٥٠ ]
الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَمَنْ يُخَاطِبُونَهُ، وَهُوَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَشَابِهَةِ، فَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ يُرِيدُونَ بِهِ الْمَعْنَى الْبَاطِلَ.
وَزَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُفَّارِ أَنَّ لِلَّهِ ﷾ بَنِينَ وَبَنَاتٍ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُهُ، وَبَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ يَقُولُونَ: الْعُقُولُ الْعَشَرَةُ هِيَ بَنُوهُ، وَالنُّفُوسُ الْفَلَكِيَّةُ هِيَ بَنَاتُهُ وَهِيَ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ، فَجَاءَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْكُتُبِ وَأَكْمَلُهَا بِإِبْطَالِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَمَنْعِ اسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَنَزَّهَ اللَّهَ عَنْ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، كَمَا نَزَّهَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْ بَابِ تَنْزِيهِهِ عَنِ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ وَيُقَدِّسُونَهُ عَنِ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ، بَلْ تُنَافِي مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ فِي أَفْعَالِهِ، كَمَا وَجَبَ لَهُ الْكَمَالُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ لَا يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَّا مَا كَانَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، فَأَمَّا الْمُمْكِنُ الْمَقْدُورُ فَيَقُولُ: لَا يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ إِلَّا بِالْخَبَرِ أَوْ بِالْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ الَّتِي يُمْكِنُ انْتِقَاضُهَا، فَهَذَا لَا يَبْقَى مَعَهُ مَا يَنْفِي بِهِ عَنِ اللَّهِ الْأَفْعَالَ الْمَذْمُومَةَ الْقَبِيحَةَ، وَالْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ قَدْ نَزَّهَتِ الرَّبَّ ﷿ عَنِ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ، كَمَا نَزَّهَتْهُ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
[ ٤ / ١٥١ ]
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] .
كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ:
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ
[ ٤ / ١٥٢ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]
فَكَمَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الْوِلَادَةِ، نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١]
[ ٤ / ١٥٣ ]
﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا - لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا - وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٢ - ٩٥] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: أَنَّى يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: أَنِّي اتَّخَذْتُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» .
[ ٤ / ١٥٤ ]
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَشَرِيكًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ» .
وَلِهَذَا كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ: لَا تَرْحَمُوا النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ. فَجَاءَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْحَنِيفِيَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ وَحَرَّمَتْ أَنْ يُتَكَلَّمَ فِي حَقِّ اللَّهِ بِاسْمِ ابْنٍ أَوْ وَلَدٍ، سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، كَمَا مَنَعَتْ أَنْ يَسْجُدَ أَحَدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ، كَمَا مَنَعَتْ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، لِئَلَّا يُشْبِهَ عُبَّادَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَكَانَتْ بِسَدِّهَا لِلْأَبْوَابِ الَّتِي يُجْعَلُ لِلَّهِ فِيهَا
[ ٤ / ١٥٥ ]
الشَّرِيكُ وَالْوَلَدُ أَكْمَلَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، كَمَا سَدَّتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الذَّرَائِعِ، مِثْلَ تَحْرِيمِهَا قَلِيلَ الْمُسْكِرِ ; لِأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَى كَثِيرِهِ، فَإِنَّ أُصُولَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ شَرَائِعُ الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ عُقُوبَةً، فَإِنَّ هَذَا جَاءَ فِي شَرْعِ التَّوْرَاةِ دُونَ شَرْعِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لِأَمَةِ مُحَمَّدٍ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، وَكَذَلِكَ تَكْمِيلُ التَّوْحِيدِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ وَسَدُّ أَبْوَابِ الشِّرْكِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، جَاءَتْ بِهِ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ مَعَ اتِّفَاقِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى إِيجَابِ التَّوْحِيدِ وَتَحْرِيمِ أَنْ يُجْعَلَ لِلَّهِ شَرِيكٌ أَوْ وَلَدٌ.
فَإِذَا كَانَ مُرَادُ الْمَسِيحِ ﵇ بِالِابْنِ هُوَ النَّاسُوتُ، وَهُوَ لَمْ يُسَمِّ اللَّاهُوتَ ابْنًا، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الِابْنَ لَا يَعْلَمُ السَّاعَةَ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ النَّاسُوتُ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ السَّاعَةَ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَإِنْ قَالُوا: مُرَادُهُ بِالِابْنِ اللَّاهُوتُ أَوِ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّاهُوتَ أَوِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ لَا يَعْلَمُ السَّاعَةَ وَهَذَا بَاطِلٌ،
[ ٤ / ١٥٦ ]
وَكَذِبٌ، وَهُوَ أَيْضًا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ.
فَدَلَّ هَذَا النَّصُّ مِنَ الْمَسِيحِ مَعَ سَائِرِ نُصُوصِهِ وَنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الِابْنِ هُوَ النَّاسُوتُ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِطَابًا لِلنَّاسُوتِ الْمُتَّحِدِ بِاللَّاهُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، كَمَا يَتَأَوَّلُهُ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّصَارَى، لِأَنَّ كُلَّ مَا عَلِمَهُ اللَّاهُوتُ الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ عَلِمَهُ النَّاسُوتُ، وَلِأَنَّ النَّاسُوتَ لَيْسَ هُوَ الِابْنُ عِنْدَهُمْ دُونَ اللَّاهُوتِ الْمُتَّحِدِ بِهِ، بَلِ اسْمُ الِابْنِ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّاهُوتُ، وَلِأَجْلِ الِاتِّحَادِ دَخَلَ فِيهِ النَّاسُوتُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ إِلَّا عِلْمَ الْأَبِ وَحْدَهُ لَمْ يَسْتَثْنِ عِلْمَ الِابْنِ الْأَزَلِيَّ عِنْدَهُمْ، بَلْ نَفَى عِلْمَ مَا سِوَى الْأَبِ بِهِ، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
[ ٤ / ١٥٧ ]
[فَصْلٌ: مُوَاصَلَةُ الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى بِمَا قَالَهُ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ ثُمَّ بِكَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ]
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: وَمِثْلُ هَذَا أَنَّهُ لَمَّا خَاطَبَهُ الرَّجُلُ عَلَى مَا كُتِبَ فِي الْإِنْجِيلِ فَقَالَ لَهُ: (أَيُّهَا الْخَيِّرُ، فَقَالَ: لَيْسَ الْخَيِّرُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ، قُلْتُ: وَبَعْضُهُمْ يُتَرْجِمُهُ أَيُّهَا الصَّالِحُ، فَقَالَ: لَيْسَ الصَّالِحُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ) . قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ: (إِنِّي لَمْ آتِ لِأَعْمَلَ بِمَشِيئَتِي، لَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَنْ أَرْسَلَنِي) . قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لَهُ مَشِيئَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ، كَمَا يَقُولُونَ، لَمَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَقَدْ أَبْطَلَ بِهِ مَا تَدَّعُونَهُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: ثُمَّ أَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَدَّعُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَمِنْ قُوَّةِ اللَّهِ غَيْرُ بَائِنَةٍ مِنْهُ وَلَا مُنْفَصِلَةٍ عَنْهُ، وَتَشْهَدُونَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْجِيلِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَجْلِسُ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَيَدِينُ النَّاسَ
[ ٤ / ١٥٨ ]
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَيَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ ﷿ مَنَحَهُ ذَلِكَ إِذْ كَانَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجَالِسُ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ الْعَالِمِينَ يَوْمَ الدِّينِ، وَالْقَاعِدُ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ وَهُوَ شَخْصٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ لَا يُشَكُّ فِيهِ هُوَ الْجَسَدُ الَّذِي كَانَ فِي الْأَرْضِ الْمُتَوَحِّدُ بِهِ الرُّبُوبِيَّةُ، فَقَدَ فَصَلْتُمْ بَيْنَ اللَّهِ ﵎ وَبَيْنَهُ، وَبَعَّضْتُمُوهُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي السَّمَاءِ شَخْصَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ، وَهَذَا كُفْرٌ وَشِرْكٌ بِاللَّهِ ﷿ وَإِنْ كَانَ جَسَدًا خَالِيًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ، وَقَدْ عَادَتْ إِلَى اللَّهِ كَمَا بَدَتْ مِنْهُ، فَقَدْ زَالَ عَنْهُ حُكْمُ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي تَنْتَحِلُونَهُ إِيَّاهَا.
قَالَ: وَنَسْأَلُكُمْ عَنْ وَاحِدَةٍ نُحِبُّ أَنْ تُخْبِرُونَا بِهَا، هِيَ أَصْلُ مَا وَضَعْتُمُوهُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ الَّتِي تَرْجِعُ بِزَعْمِكُمْ إِلَى جَوْهَرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ اللَّاهُوتُ، مَا هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذْتُمُوهُ؟ وَمَنْ أَمَرَكُمْ بِهِ؟ وَفِي أَيِّ كِتَابٍ نَزَلَ؟ وَأَيُّ نَبِيٍّ تَنَبَّأَ بِهِ؟ أَوْ أَيُّ قَوْلٍ لِلْمَسِيحِ تَدَّعُونَهُ فِيهِ؟ وَهَلْ بَنَيْتُمْ أَمْرَكُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا عَلَى قَوْلِ " مَتَّى " التِّلْمِيذِ عَلَى الْمَسِيحِ
[ ٤ / ١٥٩ ]
﵇ أَنَّهُ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُمْ: (اذْهَبُوا فَعَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) .
قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ فِيهِ بِأَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إِلَى أَنْ تَجْتَمِعَ لَهُمْ بَرَكَاتُ اللَّهِ وَبَرَكَةُ نَبِيِّهِ الْمَسِيحِ وَرُوحِ الْقُدُسِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِهَا الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، وَقَدْ نَرَاكُمْ إِذَا أَرَدْتُمُ الدُّعَاءَ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ قُلْتُمْ: صَلَاةُ فُلَانٍ الْقِدِّيسَ تَكُونُ مَعَكَ. وَمَعْنَى الصَّلَاةُ: الدُّعَاءُ. وَاسْمُ فُلَانٍ النَّبِيِّ يُعِينُكَ عَلَى أُمُورِكَ.
وَكَمَا قَالَ اللَّهُ ﵎:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
يَقْرِنُ طَاعَتَهُ نَبِيَّهُ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَفَنَقُولُ لِذَلِكَ إِنَّهُمْ جَمِيعًا آلِهَةٌ؟
قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى يَدُقُّ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ التَّأْوِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَاهُ، أَوْ يَكُونَ الْمَسِيحُ ﵇ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى مَا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، فَلِمَ حَكَمْتُمْ بِأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ
[ ٤ / ١٦٠ ]
الْأَسْمَاءَ لَمَّا أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ ﷿ صَارَتْ آلِهَةً، وَجَعَلْتُمْ لَهَا أَقَانِيمَ لِكُلِّ اسْمٍ أُقْنُومٌ يَخُصُّهُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَكَيْفَ اسْتَجَزْتُمْ مَا أَشْرَكْتُمُوهُ مَعَ اللَّهِ ﷿ بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَصِحُّ؟
وَإِذَا قُلْتُمْ بِثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ كُلُّ أُقْنُومٍ بِذَاتِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَعْتَرِفُوا ضَرُورَةً بِأَنَّ كُلَّ أُقْنُومٍ مِنْهَا حَيٌّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ حَكِيمٌ مُنْفَرِدٌ بِذَاتِهِ، كَمَا يَقُولُونَ فِي الْمَسِيحِ إِنَّهُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، فَنَرَاكُمْ أَخَذْتُمُ الْأُقْنُومَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحْدَثْتُمُوهَا مَعَ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ حَيٌّ، فَحِكْمَتُهُ الْكَلِمَةُ وَهِيَ الْمَسِيحُ، وَرُوحُهُ رُوحُ الْقُدُسِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ مِثْلُهَا كَثِيرٌ، لِأَنَّهُ يُقَالُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ حَيٌّ قَدِيرٌ.
وَكَذَلِكَ رَبُّنَا ﵎ وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُنَا إِيَّاهُ لَا تَلْحَقُ صِفَاتَهُ وَلَا تَبْلُغُ كُنْهَ مَجْدِهِ إِلَّا بِالتَّمْثِيلِ لِعَظَمَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ وَعُلُوِّهُ، فَنَحَلْتُمْ صِفَاتِهِ الَّتِي هِيَ مَعْنَاهُ وَلَيْسَتْ سِوَاهُ غَيْرَهُ وَجَعَلْتُمُوهُ
[ ٤ / ١٦١ ]
أَقَانِيمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْحِكْمَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ مِثْلُ الَّذِي لَهُ، وَمَا مِنْهَا أُقْنُومٌ لَهُ صِفَةٌ إِلَّا وَيُحْتَمَلُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِكُمْ أَنْ تَكُونَ صِفَتُهُ مِثْلُهُ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَقَانِيمُ آلِهَةٌ وَكُلُّ صِفَةٍ إِلَهٌ، وَهِيَ مِنْ جَوْهَرِهِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ صِفَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ إِلَهًا مِثْلَهُ إِذْ كَانَ مِنْ جَوْهَرِهِ فَيَتَّسِعُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ غَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ.
قَالَ: وَإِذَا قُلْتُمْ بِثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ هِيَ فِي السَّمَاءِ مِنْ جَوْهَرٍ قَدِيمٍ، أَفَلَيْسَ يَلْزَمُكُمُ الْإِقْرَارُ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، لِأَنَّ الْأَقَانِيمَ أَشْخَاصٌ يُومَأُ إِلَيْهَا وَيَقَعُ الْحَدُّ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَمَا الْحُجَّةُ وَأَنْتُمْ تَذْكُرُونَ فِي بَعْضِ احْتِجَاجِكُمْ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ تَرْجِعُ إِلَى وَاحِدٍ غَيْرُ مُتَبَعِّضَةٍ وَلَا مُنْفَصِلَةٍ، وَتُشَبِّهُونَهَا فِي اجْتِمَاعِهَا وَظُهُورِ مَا يَظْهَرُ مِنْهَا بِالشَّمْسِ، وَقَدْ نَرَاكُمْ عَقَدْتُمْ شَرِيعَةَ إِيمَانِكُمْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ وَإِنْسَانٌ مُتَّحِدَيْنِ، وَأَنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَجْلِسُ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَالْجَالِسُ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ أَلَيْسَ هُوَ مُنْفَصِلًا
[ ٤ / ١٦٢ ]
عَنْهُ مَفْرُوزًا عَنْهُ؟ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قِيَاسٌ، أَوْ يَصِحُّ بِهِ عَقْدُ دِينٍ؟ تَقُولُونَ مَرَّةً مُجْتَمِعٌ، وَمَرَّةً مُنْفَصِلٌ، وَمَا شَبَّهْتُمُوهُ بِهِ مِنَ الشَّمْسِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُنَا لِبُطْلَانِ الْحُجَّةِ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ قِيَاسُهُ الْقِيَاسَ الَّذِي تَعَلَّقْتُمْ بِهِ.
عَلَى أَنَّا وَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ فِي مَعْنَى التَّثْلِيثِ: إِنَّ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مَا ذَكَرْتُمْ أَنَّ " مَتَّى " التِّلْمِيذَ حَكَاهُ فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ إِذْ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: (سِيرُوا فِي الْبِلَادِ، وَعَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ) . وَأَنَّكُمْ فَكَّرْتُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ بِعُقُولِكُمْ فَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْ ثَبَتَ حُدُوثُ الْعَالَمِ عَلِمْتُمْ أَنَّ لَهُ مُحْدِثًا فَتَوَهَّمْتُمُوهُ شَيْئًا مَوْجُودًا، ثُمَّ تَوَهَّمْتُمُوهُ حَيًّا ثُمَّ نَاطِقًا، لِأَنَّ الشَّيْءَ يَنْقَسِمُ لِحَيٍّ وَلَا حَيٍّ، وَالْحَيُّ يَنْقَسِمُ لِنَاطِقٍ وَلَا نَاطِقٍ.
وَأَنَّكُمْ عَلِمْتُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ، فَأَثْبَتُّمْ لَهُ حَيَاةً وَنُطْقًا غَيْرَهُ فِي الشَّخْصِ وَهُمَا هُوَ فِي الْجَوْهَرِيَّةِ.
فَنَقُولُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ: إِذَا كَانَ الْحَيُّ لَهُ حَيَاةٌ وَنُطْقٌ، فَأَخْبِرُونَا عَنْهُ: أَتَقُولُونَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَزِيزٌ، أَمْ عَاجِزٌ ذَلِيلٌ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَزِيزٌ، قُلْنَا: فَأَثْبِتُوا لَهُ قُدْرَةً وَعِزَّةً، كَمَا أَثْبَتُّمْ لَهُ حَيَاةً وَحِكْمَةً.
[ ٤ / ١٦٣ ]
فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يَلْزَمُنَا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ عَزِيزٌ بِنَفْسِهِ، قُلْنَا لَكُمْ: وَكَذَلِكَ فَقُولُوا: إِنَّهُ حَيٌّ بِنَفْسِهِ وَنَاطِقٌ بِنَفْسِهِ، وَلَا بُدَّ لَكُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ إِبْطَالِ التَّثْلِيثِ، أَوْ إِثْبَاتِ التَّخْمِيسِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟ وَهَيْهَاتَ مِنْ فَرْقٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ أَيْضًا: إِنَّا كُلَّمَا تَأَمَّلْنَا مَعَكُمْ فِي نِسْبَةِ الْمَسِيحِ ﵇ إِلَى الْإِلَهِيَّةِ وَعِبَادَتِكُمْ لَهُ مَعَ اللَّهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهَا، وَطَلَبْنَا لَكُمُ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ كُتُبِكُمْ، ازْدَدْنَا بَصِيرَةً فِي اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ وَوَضْعِكُمْ لَهُ مِنَ الْقَوْلِ مَا يَثْبُتُ لَكُمْ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَا يَشْهَدُ بِهِ لَكُمْ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِكُمْ، وَوَجَدْنَا أَبْيَنَ مَا جَاءَ فِي الْمَسِيحِ وَصِحَّةِ أَمْرِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ مَا قَالَ " مَتَّى " التِّلْمِيذُ: (إِنَّهُ لَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى أَرْضِ قَيْسَارِيَّةَ سَأَلَ تَلَامِيذَهُ فَقَالَ: مَاذَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَنِّي ابْنُ الْبَشَرِ؟ فَقَالُوا: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّكَ يُوحَنَّا الْمَعْمِدَانِيُّ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: إِنَّكَ أَرْمِيَا، أَوْ أَحَدُ الْأَنْبِيَاءِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: فَأَنْتُمْ مَاذَا تَقُولُونَ؟ فَأَجَابَهُ سَمْعَانُ الصَّفَا، وَهُوَ رَئِيسُهُمْ، فَقَالَ: أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَقِّ. فَأَجَابَهُ الْمَسِيحُ وَقَالَ: طُوبَى لَكَ يَا سَمْعَانُ ابْنَ يُونَانَ، إِنَّهُ لَمْ يُطْلِعْكَ عَلَى
[ ٤ / ١٦٤ ]
هَذَا لَحْمٌ وَلَا دَمٌ، وَلَكِنْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ) .
وَحَكَى لُوقَا فِي إِنْجِيلِهِ هَذَا الْخَبَرَ فَقَالَ: (إِنَّ سَمْعَانَ أَجَابَهُ فَقَالَ: أَنْتَ مَسِيحُ اللَّهِ)، وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ اللَّهِ، فَهَذَا كَلَامُ تِلْمِيذِهِ الرَّئِيسِ فِيهِ وَأَرْضَاهُ مَا قَالَ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ إِلَّا مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ وَلَمْ نَدْفَعْكُمْ قَطُّ عَنْ أَنَّهُ مَسِيحُ اللَّهِ، وَلَا عَنْ أَنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ فِي لُغَتِكُمْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ وَالصَّفْوَةِ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِي ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلَيْنِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيكُمْ جَمِيعًا: (إِنَّ اللَّهَ إِلَهِي وَإِلَهُكُمْ وَأَبِي وَأَبِيكُمْ)، فَنَعْمَلُ عَلَى احْتِجَاجِكُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكُمْ فِي مَعْنَى
[ ٤ / ١٦٥ ]
النُّبُوَّةِ وَنَجْعَلُهُ مِثْلَ مَنْ سُمِّيَ فِي الْكُتُبِ ابْنًا عَلَى جِهَةِ الِاصْطِفَاءِ وَالْمَحَبَّةِ مِثْلَ إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِ، بَلْ قَدْ خَصَّ إِسْرَائِيلَ بِأَنْ قَالَ ﷿: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) . وَهَذَا كَلَامٌ لَهُ مَذْهَبٌ فِي اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْكُتُبُ، وَلَيْسَتْ بِمُوجِبَةِ الْإِلَهِيَّةِ إِذْ كَانَ قَدْ شَارَكَهُ فِي هَذَا الِاسْمِ غَيْرُهُ، فَلِمَ لَا جَعَلْتُمُوهُ كَمَا جَعَلَ نَفْسَهُ؟
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَيُزِيلُ تَأْوِيلَ مَنْ يَتَأَوَّلُهُ لَهُ مَا لَمْ يَدَّعِهِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، قَوْلُهُ فِي عِلْمِ السَّاعَةِ: (أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، وَلَا الِابْنُ يَعْنِي نَفْسَهُ إِلَّا الْأَبُ وَحْدَهُ)، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: (أَيُّهَا الْعَالِمُ الصَّالِحُ، أَيُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ لِي، الَّذِي تَكُونُ لِي حَيَاةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؟ فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَقُولُ لِي صَالِحًا؟ لَيْسَ الصَّالِحُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ)، فَاعْتَرَفَ لِلَّهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجْعَلْهَا وَلَا أَحَدَ مِنَ الْخَلْقِ أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي جَاءَتْهُ فَقَالَتْ: (أَنْتَ ذَلِكَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ مَجِيئَهُ؟
[ ٤ / ١٦٦ ]
فَقَالَ لَهَا الْمَسِيحُ: صَدَقْتِ طُوبَى لَكِ)، ثُمَّ قَالَ لِلشَّيْطَانِ حِينَ اخْتَبَرَهُ فَسَامَهُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْ رَأَسِ الْهَيْكَلِ، فَقَالَ: (أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجَرِّبَ الرَّبَّ)، ثُمَّ سَامَهُ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ فَقَالَ: (أُمِرْنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا نَعْبُدَ سِوَاهُ)، ثُمَّ صَلَاتُهُ فِي غَيْرِ وَقْتٍ لِلَّهِ، وَآخِرُهَا اللَّيْلَةَ الَّتِي أَخَذَتْهُ الْيَهُودُ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ إِلَهًا كَمَا زَعَمْتُمْ فَلِمَنْ كَانَ يُصَلِّي وَيَسْجُدُ؟
ثُمَّ قَوْلُ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ حِينَ دَخَلَ أُورْشَلِيمَ، وَهِيَ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى الْأَتَانِ، لِمَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْرِهِ لَمَّا رَاجَتِ الْمَدِينَةُ بِهِ: (هَذَا هُوَ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ النَّبِيُّ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ)؟ ثُمَّ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْإِنْجِيلِ: (اخْرُجُوا بِنَا مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لَا يُبَجَّلُ فِي مَدِينَتِهِ) . وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يُهَانُ نَبِيٌّ إِلَّا فِي مَدِينَتِهِ وَفِي بَيْتِهِ وَأَقَارِبِهِ) .
وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ خُطْبِهِ: (إِنَّ هَذَا الْجِيلَ السُّوءَ يُرِيدُ آيَةً وَأَنَّهُ
[ ٤ / ١٦٧ ]
لَا يُعْطَى إِلَّا آيَةَ يُونُسَ، كَمَا كَانَ يُونُسُ لِأَهْلِ " نِينَوَى ": كَذَلِكَ يَكُونُ ابْنُ الْبَشَرِ لِهَذَا الْجِيلِ، رِجَالُ نِينَوَى يَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ فَيَخْصِمُونَهُمْ، لِأَنَّهُمْ تَابُوا عَلَى قَوْلِ يُونُسَ النَّبِيِّ، وَإِنَّ هَاهُنَا أَفْضَلَ مِنْ يُونُسَ) .
ثُمَّ قَوْلُ دَاوُدَ فِي نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ: (مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ وَجَعَلْتَهُ
[ ٤ / ١٦٨ ]
دُونَ الْمَلَائِكَةِ قَلِيلًا) . ثُمَّ قَوْلُ تَلَامِيذِهِ فِيهِ مَا شَرَحْنَاهُ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا مَا تَقَدَّمَ وَوَصْفُهُمْ أَنَّهُ رَجُلٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْأَيْدِي وَالْقُوَّةِ.
وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ تَلَامِذَتَهُ فَرَكِبُوا السَّفِينَةَ وَقَالَ لَهُمْ: (امْضُوا فَإِنِّي أَلْحَقُ بِكُمْ، فَأَتَاهُمْ يَمْشِي عَلَى الْبَحْرِ فَلَمَّا رَأَوْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ قَالُوا: مَا هَذَا الْحَالُ وَيْحٌ، وَمِنَ الْغَرَقِ صَاحُوا. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: اطْمَئِنُّوا وَلَا تَخَافُوا أَنَا هُوَ، فَأَجَابَهُ شَمْعُونَ الصَّفَا وَقَالَ لَهُ: يَا رَبِّ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ فَأْذَنْ لِي آتِيكَ عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ لَهُ: تَعَالَ، فَنَزَلَ سَمْعَانُ إِلَى الْمَاءِ لِيَمْشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ وَجَعَلَ يَغْرَقُ، فَصَاحَ وَقَالَ: يَا رَبِّ أَغِثْنِي، فَبَسَطَ يَدَهُ يَسُوعُ فَأَخَذَهُ وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَشَكَّكْتَ يَا قَلِيلَ الْأَمَانَةِ؟) . قَالَ: فَبَانَ بِذَلِكَ عَجْزُ الْمَسِيحِ عَنْ إِتْمَامِ مَا سَأَلَهُ شَمْعُونُ الصَّفَا، وَمِثْلُهُ أَمْرُ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِيَسُوعَ خَبَرَ ابْنَتِهِ وَمَا يَنَالُهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّهُ قَدْ قَدَّمَهَا إِلَى تَلَامِيذِهِ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُخْرِجُوهُ، وَقَدْ كَانَ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ فَأَخْرَجَهُ هُوَ مِنْهَا.
وَقَالَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الْأَمْثَالَ الَّتِي ضَرَبَهَا لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ، أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوهَا مِنْهُ عَلِمُوا أَنَّهَا فِي شَأْنِهِمْ، فَهَمُّوا أَنْ يَأْخُذُوهُ ثُمَّ فَرِقُوا
[ ٤ / ١٦٩ ]
مِنَ الْجُمُوعِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنْزِلُونَهُ مِثْلَ النَّبِيِّ.
وَقَالَ فِي الْإِنْجِيلِ لَمَّا جَاءَتْهُ أُمُّ ابْنَيْ زِنْدَا، وَكَانَتْ مِنْ تَلَامِذَتِهِ مَعَ ابْنَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: (مَا تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ تُجْلِسَ ابْنَايَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِكَ فِي مَلَكُوتِكَ. فَقَالَ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ، وَلَكِنْ مَنْ وُعِدَ لَهُ مِنْ أَبِي) .
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: فَمَا يَكُونُ يَا هَؤُلَاءِ أَفْصَحُ وَأَبْيَنُ وَأَوْضَحُ مِنَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ لَكُمْ فِي كُتُبِكُمْ، مَا رَضِيتُمْ بِقَوْلِهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا بِقَوْلِ تَلَامِذَتِهِ فِيهِ، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ تَنَبَّأَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا قَوْلِ جُمُوعِهِ الَّذِينَ تَوَلَّوْهُ لِمَنْ سَأَلَهُمْ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ عَنْهُ وَتَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ،
[ ٤ / ١٧٠ ]
وَأَخَذْتُمْ بِآرَاءِ قَوْمٍ تَأَوَّلُوا لَكُمْ عَلَى عِلْمِكُمْ بِأَنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الرَّأْيِ، فَقَالَ كُلُّ قَوْمٍ فِي الْمَسِيحِ مَا اخْتَارُوا، وَاتَّبَعَ كُلًّا مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَالُوا بِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ سَلَكَ مَنْ بَعْدَهُمْ سَبِيلَ الْآبَاءِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ.
فَبَيِّنُوا لَنَا حُجَّتَكُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَيْهَاتَ مِنْ حُجَّةٍ وَنَحْنُ نَسْتَوْهِبُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ مِنْهُ.
قَالَ: وَمِمَّا يُشْبِهُ مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ لِتَلَامِيذِهِ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا ٥٥: (فَأَمَّا أَنْتُمُ الَّذِينَ صَبَرْتُمْ مَعِي فِي بَلَائِي وَتَجَارِبِي فَإِنِّي أَعِدُكُمْ كَمَا وَعَدَنِي أَبِي الْمَلَكُوتَ لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا مَعِي عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي) فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ - ﷿ ثَنَاؤُهُ وَعَدَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ تَلَامِيذِهِ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَهَذَا مَا لَا شَكَّ لَكُمْ فِيهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِكُمْ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ
[ ٤ / ١٧١ ]
وَالنَّعِيمِ هُنَاكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ لِشَمْعُونَ حِينَ أَتَتْهُ الْجُمُوعُ فَأَخَذُوهُ: (أَمْ تَظُنُّ أَنِّي لَسْتُ قَادِرًا أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقِيمَ لِيَ اثْنَيْ عَشَرَ جُنْدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَكِنْ: كَيْفَ تَتِمُّ الْكُتُبُ أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ)، وَلَمْ يَقُلْ: إِنِّي قَادِرٌ أَنْ أَدْفَعَهُمْ عَنْ نَفْسِي، وَلَا أَنِّي آمُرُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَمْنَعُوا عَنِّي، كَمَا يَقُولُ مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْأَمْرُ.
قَالَ: وَنَجِدُكُمْ تَقُولُونَ فِي الْمَسِيحِ ﵇: إِنَّهُ مَوْلُودٌ مِنْ أَبِيهِ أَزَلِيٌّ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُدَّعِي الْقَوْلَ أَنْ يُثْبِتَ الْحُجَّةَ فِيهِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِإِيضَاحِهَا، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْخَطْبِ الْجَلِيلِ الَّذِي لَا يَقَعُ التَّلَاعُبَ بِهِ، وَلَا تَجْتَرِئُ النُّفُوسُ عَلَى رُكُوبِ الشُّبَهَاتِ فِيهِ، وَالْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِمَنْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ يُهْلِكُ نَفْسَهُ وَمَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَعَهُ مِمَنْ يَتَّبِعُ قَوْلَهُ، إِنْ كَانَ هَذَا الِابْنُ أَزَلِيًّا عَلَى مَا فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ فَلَيْسَ هَذَا بِمَوْلُودٍ، وَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا فَلَيْسَ بِأَزَلِيٍّ ; لِأَنَّ اسْمَ الْأَزَلِيَّةِ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَا آخِرَ.
وَمَعْنَى الْمَوْلُودِ: أَنَّهُ حَادِثٌ مَفْعُولٌ، وَكُلُّ مَفْعُولٍ فَلَهُ أَوَّلٌ، فَكَيْفَ
[ ٤ / ١٧٢ ]
مَا أَرَدْتُمُ الْقَوْلَ فِيهِ كَانَ بُطْلَانَ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ: وَنَسْأَلُكُمْ أَيْضًا عَنْ وَاحِدَةٍ، لِمَ سَمَّيْتُمُ الْأَبَ أَبًا وَالِابْنَ ابْنًا؟ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ وَجَبَ لِلْأَبِ اسْمُ الْأُبُوَّةِ لِقِدَمِهِ، فَالِابْنُ أَيْضًا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ بِعَيْنِهِ، إِذْ كَانَ قَدِيمًا مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَالِمًا عَزِيزًا فَهُوَ أَيْضًا عَالِمٌ عَزِيزٌ تَشْهَدُ شَرِيعَةُ الْإِيمَانِ لَهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهَا: إِنَّهُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ كُلَّهَا وَأُتْقِنَتْ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّهُ نَزَلَ لِخَلَاصِكُمْ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عَالِمًا عَزِيزًا، فَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تُبْطِلُ اسْمَ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَفِي إِبْطَالِهَا بُطْلَانُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَقُولُ: وُلِدَ مِنْ أَبِيهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْأَبُ وَالِابْنُ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْقِدَمِ وَالْقُدْرَةِ، فَبِأَيِّ فَضْلٍ وَسُلْطَانٍ لِلْأَبِ عَلَيْهِ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَصَارَ الْأَبُ بَاعِثًا وَالِابْنُ مَبْعُوثًا، وَالْأَبُ مَتْبُوعًا مُطَاعًا وَالِابْنُ تَابِعًا مُطِيعًا؟ .
وَمِمَّا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِنَا وَبُطْلَانِ مَا تَأَوَّلَهُ أَوَّلُوكُمْ فِي عُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ، أَنَّ " مَتَّى " التِّلْمِيذَ حِينَ بَنَى كِتَابَهُ الْإِنْجِيلَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ أَنْ قَالَ: كِتَابُ مَوْلِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَنَسَبَهُ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْهُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَلَمْ يَقِلْ: إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَلَا إِنَّهُ إِلَهٌ مِنْ إِلَهٍ كَمَا يَقُولُونَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ تَسْمِيَةَ يَسُوعَ لِلنَّاسُوتِ الَّذِي قَدْ جَعَلْتُمُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ
[ ٤ / ١٧٣ ]
كُلِّ مَنِ الْتَمَسَ الْحُجَّةَ مِنْكُمْ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ فِيمَا يَعْتَرِفُ بِهِ لِلْمَسِيحِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، فَقَدْ نَسَّقَ " مَتَّى " عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الَّذِي هُوَ عِنْدَكُمُ اسْمٌ لِلنَّاسُوتِ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ جَامِعُ النَّاسُوتِ وَاللَّاهُوتِ، فَأَيُّ حُجَّةٍ فِي إِبْطَالِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا؟ .
وَمِمَّا يُصَحِّحُ قَوْلَنَا وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ الْمَلَكِ لِمَرْيَمَ عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهَا: إِنَّهُ ابْنُ دَاوُدَ عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ.
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ قَدْ ذَكَرْتُمْ فِي شَرِيعَةِ الْإِيمَانِ: أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ بِكْرُ الْخَلَائِقِ، فَإِنْ كُنْتُمْ ذَهَبْتُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ عَلَى نَحْوِ مَا يُسَمَّى أَوَّلُ وَلَدِ الرَّجُلِ وَكَبِيرُهُمْ فَجَائِزٌ، وَهُوَ مُحَقِّقٌ لِقَوْلِنَا فِي عُبُودِيَّتِهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ أَرَدْتُمْ بِذِكْرِ الْبِكْرِ أَنَّهُ أَوَّلُ قَدِيمٍ، فَلَسْنَا نَعْرِفُ لِلْبِكْرِ مَعْنًى فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ إِلَّا لِلْأَكْبَرِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَوَّلِ مِنَ الْوَلَدِ، وَبِكْرُ الْخَلَائِقِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْخَلَائِقِ.
كَمَا أَنَّ بِكْرَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ جِنْسِهِمَا، وَبَاكُورَةُ الثِّمَارِ لَا تَكُونُ إِلَّا ثَمَرَةٌ، وَلِأَنَّ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: بِكْرُ وَلَدِ آدَمَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ بِكْرُ الْمَصْنُوعَاتِ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، وَبِكْرُ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ:
[ ٤ / ١٧٤ ]
(يَا ابْنِي بِكْرِي) أَيْ إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (إِنَّهُ نَظَرَ بَنُو اللَّهِ إِلَى بَنَاتِ النَّاسِ فَشَغَفُوا بِهِنَّ) . فَهَلْ يُوجِبُ لِآلِ إِسْرَائِيلَ إِلَهِيَّةً بِهَذَا الْقَوْلِ؟
قَالَ: وَقُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ وُلِدَ مِنْ أَبِيهِ قَبْلَ الْعَوَالِمِ وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، فَلَيْسَ يَخْلُو الْأَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَوْلَدَ شَيْئًا مَوْجُودًا أَوْ غَيْرَ مَوْجُودٍ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا فَإِنَّ الْأَبَ لَمْ يَلِدْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ حَادِثٌ، لَمْ يَكُنْ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ كَمَا قُلْنَا.
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ قَوْلَنَا فِي خَلْقِ الْمَسِيحِ: أَنَّ هَذَا الِاسْمَ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ، لِأَنَّهُ مُسِحَ لِلنُّبُوَّةِ وَالْخَيْرِ وَمَاسَحَهُ اللَّهُ ﵎، وَقَدْ قَالَ دَاوُدُ فِي زَبُورِهِ قَوْلًا يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ: (مِنْ أَجْلِ هَذَا الْبَرِّ مَسَحَكَ اللَّهُ إِلَهَكَ أَكْثَرَ مِمَّا مَسَحَ بِهِ نُظَرَاءَكَ) فَأَبَانَ دَاوُدُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَعْنَى الْمَسْحِ بِإِنْجِيلِهِ، وَأَنَّ مَاسِحَهُ اللَّهُ إِلَهُهُ، وَأَنَّهُ مُصْطَفًى مُكَرَّمٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى نُظَرَائِهِ، وَقَالَ دَاوُدُ أَيْضًا فِي مَزْمُورِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ يُخَاطِبُ اللَّهَ: (مِنْ
[ ٤ / ١٧٥ ]
أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لَا يَغْلِبُ وَجْهُ مَسِيحِكَ. عَهِدَ الرَّبِّ لِدَاوُدَ بِالْحَقِّ، وَلَا يَرْجِعُ عَنْهُ) يَعْنِي بِمَسِيحِهِ نَفْسَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ مَسَحَهُ لِلنُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ زَبُورِهِ، فَسَمَّى نَفْسَهُ مَسِيحَ اللَّهِ.
قَالَ: وَإِذَا نَظَرَ فِي الْإِنْجِيلِ وَكُتُبِ بُولُسَ وَغَيْرِهِ مِمَنْ يَحْتَجُّ بِهِ النَّصَارَى، وَجَدَ نَحَوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ آيَةٍ مِمَّا فِيهِ اسْمُ الْمَسِيحِ وَكُلُّهَا تَنْطِقُ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ مَرْبُوبٌ وَأَنَّ اللَّهَ اخْتَصَّهُ بِالْكَرَامَاتِ، مَا خَلَا آيَاتٍ يَسِيرَةٍ مُشْكَلَاتٍ قَدْ تَأَوَّلَهَا كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ وَضَعُوا الشَّرِيعَةَ بِاخْتِيَارِهِمْ عَلَى هَوَاهُمْ، فَأَخَذُوا بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ، وَتَرَكُوا الْمُعْظَمَ الَّذِي يَنْطِقُ بِعُبُودِيَّتِهِ، فَلَوْ كَانُوا قَصَدُوا الْحَقَّ لَرَدُّوا تِلْكَ الْمُشْكَلَاتِ الشَّاذَّةَ الْيَسِيرَةَ الَّتِي يُوجَدُ لَهَا مِنَ التَّأْوِيلِ خِلَافُ مَا يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى الْوَاضِحَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي قَدْ بَانَتْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقَاسَ الْجُزْءُ عَلَى الْكُلِّ، وَيُسْتَدَلَّ عَلَى مَا غَابَ بِمَا حَضَرَ، وَعَلَى مَا أُشْكِلَ بِمَا ظَهَرَ، فَمِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ الْمُشْكَلَاتِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي
[ ٤ / ١٧٦ ]
كِتَابِنَا هَذَا وَبَيَّنَّا مَعْنَاهُ وَالْحُجَّةَ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا تَأَوَّلُوهُ.
وَمِنْهَا مَا يَحْكُونَ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ: (أَنَا بِأَبِي)، وَقَدْ فَسَّرَ الْمَسِيحُ ﵇ ذَلِكَ وَكَشَفَهُ. قَالَ " يُوحَنَّا " فِي إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ الْمَسِيحَ تَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ فِي تَلَامِيذِهِ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرَّبُّ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ بِاسْمِكَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا شَيْئًا وَاحِدًا، كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَكَمَا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ، وَكَذَلِكَ أُرْسِلُهُمْ أَنَا أَيْضًا. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا أَيْضًا: إِنِّي قَدْ مَنَحْتُهُمْ مِنَ الْمَجْدِ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي وَمَنَحْتَنِي لِيَكُونُوا أَيْضًا شَيْئًا وَاحِدًا، كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَأَنَا بِهِمْ وَأَنْتَ بِي)
قَالَ: هُوَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ مَعِي وَأَنْتَ لِي، كَمَا أَنَا مَعَ تَلَامِيذِي وَلَهُمْ.
قُلْتُ: أَوْ أَرَادَ أَنَّكَ بِي هَدَيْتَ الْخَلْقَ وَعَلَّمْتَهُمْ وَأَنَا أَهْدِيهِمْ
[ ٤ / ١٧٧ ]
وَأُعَلِّمُهُمْ. وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ بِرُسُلِهِ هَدَى عِبَادَهُ وَعَلَّمَهُمْ، وَالرُّسُلَ عَلَّمُوا الْغَائِبِينَ عَنْهُمْ بِالْحَاضِرِينَ الَّذِينَ بَلَّغُوا عَنْهُمْ، وَقَوْلُهُ: لِيَكُونُوا شَيْئًا وَاحِدًا: أَرَادَ بِهِ اتِّفَاقَ صِدْقِهِمْ وَأَمْرِهِمْ وَمُرَادِهِمْ، وَهَذَا مُفَسَّرٌ، وَقَدْ قَالَ: لِيَكُونُوا هُمْ شَيْئًا وَاحِدًا، كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَقَدْ طَلَبَ لَهُمْ مِثْلَ مَا حَصَلَ لَهُ وَلِرَبِّهِ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ: كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، أَيْ أَنَا مُوَافِقُكَ فِي أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ وَمَحَبَّتِكَ وَرِضَاكَ، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اتِّحَادَ ذَاتِهِ بِهِ، كَمَا لَمْ يُرِدْ أَنْ تَتَّحِدَ ذَوَاتُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَإِنَّهُ طَلَبَ لَهُمْ مِثْلَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمُوَافَقَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ.
قَالَ: أَوْ يَكُونُ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى مَعْنًى دَقِيقٍ لَا يَعْرِفْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ بَطُلَ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِهَذَا الْقَوْلِ تَأْوِيلُكُمْ مُمَازَجَتَهُ ﷿ فِي اللَّاهُوتِ بِقَوْلِهِ فِي تَلَامِيذِهِ أَنَّهُ بِهِمْ، كَمَا أَنَّ أَبَاهُ بِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ ذَهَبَ فِي وَصْفِهِ أَنَّهُ أَبِيهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ بِهِ إِلَى مُشَارَكَتِهِ فِي
[ ٤ / ١٧٨ ]
اللَّاهُوتِ فَقَدْ قَالَ فِي تَلَامِذَتِهِ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ شُرَكَاءَ فِي الْمَحَلِّ، وَهَذَا مَا لَا يَكُونُ وَلَا يَجْتَرِئُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَحَدٌ.
قَالَ: وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ كِتَابُهَا وَدَعْوَتُهَا وَمَعْبُودُهَا وَاحِدٌ يَتَمَسَّكُونَ بِأَمْرِ الْمَسِيحِ ﵇، وَتَلَامِذَتِهِ وَإِنْجِيِلِهِ وَسُنَّتِهِ وَشَرَائِعِهِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ عَبْدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ إِلَهٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ وَلَدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ أُقْنُومٌ وَطَبِيعَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ أُقْنُومَانِ وَطَبِيعَتَانِ.
وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ صَاحِبَهُ وَيَقُولُ: إِنَّ الْحَقَّ فِي يَدِهِ، وَكُلُّهُمْ لَا يَأْتِي مِنَ الْكِتَابِ بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ يُثْبِتُ بِهَا دَعْوَاهُ، وَلَا مِنْ قِيَاسِهِ لِنَفْسِهِ وَتَأَوُّلِهُ بِمَا يَصِحُّ لَهُ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي دِينِهِ وَاعْتِقَادِهِ إِلَى مَا تَأَوَّلَهُ لَهُ الْمُتَأَوِّلُونَ، بِمَا يُخَالِفُ إِنْجِيلَهُمْ وَكُتُبَهُمْ بِالْهَوَى وَالْعِنَادِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَهُمْ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ عَلَى التَّأْوِيلِ وَلَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَدَّعُونَ لَهُ وَلَدًا مِنْ جِهَةِ مَا أَحْدَثُوا لِأَنْفُسِهِمْ، سُبْحَانَهُ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُجَجَ فِي بُطْلَانِ كُلِّ قَوْلٍ لَكُمْ
[ ٤ / ١٧٩ ]
مِمَّا عَقَدْتُمْ بِهِ شَرِيعَةَ إِيمَانِكُمْ، وَوَجَدْنَا قَوْمًا مِنْكُمْ إِذَا نُوظِرُوا فِي ذَلِكَ قَالُوا: قَدْ وَجَدْنَا أَكْثَرَ الْأَدْيَانِ يَخْتَلِفُ أَهْلُهَا فِيهَا، وَيَتَفَرَّقُونَ عَلَى مَقَالَاتٍ شَتَّى هُمْ عَلَيْهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّ الصَّوَابَ فِي يَدِهِ.
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ سُوءِ الِاخْتِيَارِ، وَذَهَابِ الْقُلُوبِ عَنْ رُشْدِهَا وَانْصِرَافِهَا عَنْ سَبِيلِ حَقِّهَا.
فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ فِي عَقْدِ مَعْبُودِهِمْ، وَلَا شَكُّوا فِيهِ وَلَا تَفَرَّقُوا الْقَوْلَ فِيمَا اخْتَارُوهُ، إِلَّا أَهْلُ مِلَلِ النَّصْرَانِيَّةِ فَقَطْ.
وَسَائِرُ مَنْ سِوَاهُمْ إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ وَشَرَائِعِهِ، مِثْلَ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ فِي أَعْيَادِهِمْ وَسُنَنٍ لَهُمْ، وَمِثْلَ اخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَدَرِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ دَفَعَهُ.
وَفِي تَفْضِيلِ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى نُظَرَائِهِمْ بَعْدَ اتِّفَاقِ جَمَاعَتِهِمْ عَلَى إِلَهِهِمْ وَمَعْبُودِهِمْ وَخَالِقِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ إِلَهَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا وَلَدَ.
ثُمَّ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَشُكُّونَ فِيهِ، وَعَلَى الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمُرْسَلِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
فَإِذَا صَحَّ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ، كَانَ مَا سِوَاهَا خَلَلًا لَا يَقَعُ مَعَهُ كُفْرٌ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ دِينٌ.
[ ٤ / ١٨٠ ]
وَالْبَلَاءُ الْعَظِيمُ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَعْبُودِ.
فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا لَمْ يَعْرِفُوا لَهُمْ إِلَهًا وَلَا دِينًا، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِمْ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ، لَوَجَبَ أَنْ يَتَوَقَّفُوا عَنْهُ، إِذْ كَانَ أَهْلُهُ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى شَيْءٍ فِيهِ.
وَدَلَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَقَالَاتِهِمْ وَمُبَايَنَتِهَا مَا فِي كُتُبِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِ.
فَأَمَّا قَوْلُنَا فِي بَابِ التَّوْحِيدِ، وَاعْتِرَافُنَا بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيُنَا عَنْهُ الشُّرَكَاءَ وَالْأَنْدَادَ وَالْأَمْثَالَ وَالْأَوْلَادَ، فَهُوَ قَوْلٌ لَا يَشُكُّونَ فِي صِحَّتِهِ وَلَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ وَسَائِرِ الْمِلَلِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقَوْلِ بِالدَّهْرِ وَسَائِرِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُقِرُّ بِهِ وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ.
إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُتَابِعُنَا عَلَى تَحْدِيدِ التَّوْحِيدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُ الْعِلَلَ فِيهِ، بِأَنْ يَقُولَ: ثَلَاثَةٌ تَرْجِعُ إِلَى وَاحِدٍ، وَصَنَمًا نَعْبُدُهُ إِجْلَالًا لِلَّهِ لِيُقَرِّبَنَا إِلَى رَبِّنَا وَرَبِّهِ، وَمُدَبِّرٌ لِلْأُمُورِ قَدِيمٌ لَا بُدَّ أَنْ نَعْتَرِفَ بِهِ خَالِقَهَا وَبَارِيِهَا.
وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُقِرٌّ بِقَوْلِنَا، وَذَاهِبٌ إِلَى مَذْهَبِنَا عَلَى الِاعْتِرَافِ بِاللَّهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي يَذْهَبُ إِلَيْهَا، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ.
فَقَدْ صَحَّ عَقْدُنَا بِلَا شَكٍّ مِنْكُمْ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ فِيهِ،
[ ٤ / ١٨١ ]
وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ تَقُودُكُمُ الضَّرُورَةُ إِلَى الْإِقْرَارِ بِهِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَنَا عَلَيْهِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى تَوْفِيقِهِ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ أَنْ يُتِمَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ وَيُدِيمَ لَنَا تَسْدِيدَهُ بِقُدْرَتِهِ، وَأَنْ يُحْيِيَنَا وَيُمِيتَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ وَلَا جَاحِدِينَ وَلَا مُبَدِّلِينَ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكُلُّ مُسْتَصْعَبٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، وَهُوَ بِمَنْ خَافَهُ وَاتَّقَاهُ وَطَلَبَ مَا عِنْدَهُ وَلَمْ يُلْحِدْ فِي دِينِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. اهـ.
قُلْتُ: هَذَا آخِرُ مَا كَتَبْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ، وَهُوَ مِمَنْ كَانَ مِنْ أَجِلَّاءِ عُلَمَاءِ النَّصَارَى وَأَخْبَرِ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِمْ، فَنَقْلُهُ لِقَوْلِهِمْ أَصَحُّ مِنْ نَقْلِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مِنَ الرَّدِّ عَلَى مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنَ الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ، وَمَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ مِنَ الْحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ كَلَامَ مَنْ نَقَلَ مَذَاهِبَهِمْ مِنْ أَئِمَّتِهِمُ الْمُنْتَصِرِينَ لِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَنَذْكُرُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ حُجَجِهِمْ، مِثْلَ ابْنِ الْبِطْرِيقِ،
[ ٤ / ١٨٢ ]
بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابَهُ الَّذِي سَمَّاهُ " نَظْمُ الْجَوْهَرِ " وَذَكَرَ فِيهِ أَخْبَارَ النَّصَارَى وَمَجَامِعَهُمْ وَاخْتِلَافَهُمْ، وَسَبَبَ إِحْدَاثِهِمْ مَا أَحْدَثُوهُ مَعَ انْتِصَارِهِ لِقَوْلِ الْمَلِكِيَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ بَطْرِيَرْكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي تَارِيخِهِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النَّصَارَى الَّذِي سَمَّاهُ " نَظْمُ الْجَوْهَرِ "، وَذَكَرَ فِيهِ مَبْدَأَ الْخَلْقِ وَتَوَارِيخَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْأُمَمِ وَأَخْبَارَ مُلُوكِ الرُّومِ وَأَصْحَابِ الْكَرَاسِيِّ بِرُومِيَّةَ وَقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَغَيْرِهِمَا، وَوَصَفَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَفِرَقَ أَهْلِهَا، وَهُوَ مَلِكِيٌّ، رَدَّ عَلَى سَائِرِ طَوَائِفِ النَّصَارَى لَمَّا ذَكَرَ مَوْلِدَ الْمَسِيحِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ مَلِكِ الرُّومِ قَيْصَرَ الْمُسَمَّى أُغُسْطُسَ لِثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، قَالَ: وَمَلَكَ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
[ ٤ / ١٨٣ ]
قَالَ: وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنَهُ " طِيبَارْيُوسُ " قَيْصَرُ بِرُومِيَّةَ، وَلِلْمَسِيحِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَكَانَ لِقَيْصَرَ هَذَا صَدِيقٌ يُقَالُ لَهُ " بِلَاطِسُ " مِنْ قَرْيَةٍ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ الَّذِي تَحْتَ " قُسْطَنْطِينِيَّةَ " وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْبَحْرُ " السُّطْسُ " وَلِذَلِكَ يُسَمَّى " بِلَاطِسُ النَّبَطِيُّ " فَوَلَّاهُ عَلَى أَرْضِ " يَهُوذَا ".
قَالَ: وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " طِيبَارْيُوسَ " قَيْصَرَ هَذَا ظَهَرَ " يَحْيَى " ابْنُ زَكَرِيَّا الْمَعْمِدَانِيُّ، فَعَمَّدَ الْيَهُودَ فِي الْأُرْدُنِّ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا.
فَجَاءَ الْمَسِيحُ إِلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا فَعَمَّدَهُ يَحْيَى فِي الْأُرْدُنِّ،
[ ٤ / ١٨٤ ]
وَلِسَيِّدِنَا الْمَسِيحِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِ يَحْيَى، وَقِصَّةَ الصَّلْبِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ النَّصَارَى.
إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَتَبَ بِلَاطِسُ " إِلَى " طِيبَارْيُوسَ " الْمَلِكِ بِخَبَرِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ وَمَا تَفْعَلُ تَلَامِيذُهُ مِنَ الْعَجَائِبِ الْكَثِيرَةِ مِنْ إِبْرَاءِ الْمَرْضَى وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى.
فَأَرَادَ أَنْ يُؤْمِنَ بِسَيِّدِنَا الْمَسِيحِ وَيُظْهِرَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَلَكَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.
وَذَكَرَ أَنَّ فِي عَصْرِهِ بُنِيَتْ مَدِينَةُ " طَبَرِيَّةَ " مُشْتَقَّةٌ مِنَ اسْمِهِ.
قَالَ: وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. قَتَلَ " بِلَاطِسَ " وَوَلَّى شَخْصًا كَانَ شَدِيدًا عَلَى تَلَامِيذِ الْمَسِيحِ، وَقَتَلَ رَئِيسَ الشُّهَدَاءِ وَالشَّمَامِسَةِ، فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتَ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ التَّلَامِيذُ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنَ الرُّومِ شِدَّةً شَدِيدَةً، وَقُتِلَ
[ ٤ / ١٨٥ ]
مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرَةٌ، وَأَنَّهُ مَاتَ هَذَا وَوَلِيَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ، وَفِي زَمَنِهِ وَقَعَ جُوعٌ وَوَبَاءٌ وَفِي زَمَنِهِ كَتَبَ " مَتَّى " وَبَيَّنَ إِنْجِيلَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفَسَّرَهُ مِنَ الْعِبْرَانِيَّةِ إِلَى الرُّومِيَّةِ " يُوحَنَّا " صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ.
قَالَ: وَفِي تِسْعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ كَانَ " مُرْقُسُ " صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ بِمَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ شَخْصٍ جُعِلَ بَطْرِيَرْكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَنَّهُ صَيَّرَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسِّيسًا وَأَمَرَهُمْ إِذَا مَاتَ الْبَطْرِيَرْكُ أَنْ يَخْتَارُوا وَاحِدًا مِنْ الِاثْنَيْ
[ ٤ / ١٨٦ ]
عَشَرَ قِسِّيسًا، وَيَضَعَ الِاثْنَا عَشَرَ قِسِّيسًا أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِهِ وَيُبَارِكُونَهُ وَيُصْلِحُونَهُ بَطْرِيَرْكًا، ثُمَّ يَخْتَارُونَ رَجُلًا فَاضِلًا قِسِّيسًا وَيُصَيِّرُونَهُ مَعَهُمْ بَدَلَ الْقِسِّيسِ الَّذِي أَصْلَحُوهُ بَتْرَكًا، لِيَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَبَدًا.
فَلَمْ يَزَلْ رَسْمُهُمْ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَلَى هَذَا إِلَى زَمَنِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
فَأَمَرَهُمْ بَطْرِيَرْكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الَّذِي كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَنْ لَا يُفْعَلَ هَذَا فِيمَا بَعْدُ، وَمَنَعَ أَنْ يُصْلِحَ الْأَقِسَّاءُ الْبَتْرَكَ، بَلْ يَخْتَارُوا مِنْ أَيِّ بَلَدٍ كَانَ رَجُلًا فَاضِلًا، وَإِذَا مَاتَ الْبَتْرَكُ اجْتَمَعَ الْأَسَاقِفَةُ فَأَصْلَحُوا الْبَتْرَكَ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ كَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْأَقِسَّةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
فَانْقَطَعَ الرَّسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ إِصْلَاحِ الْأَقِسَّاءِ الْبَتْرَكَ، وَجَعَلَ التَّيْسِيرَ لَهُمْ فِي إِصْلَاحِ الْبَتْرَكِ بَابَا، ثُمَّ سَمَّى بَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَابَا، وَمَعْنَاهُ الْجَدُّ.
[ ٤ / ١٨٧ ]
وَمِنْ حَنَانْيَا الَّذِي أَصْلَحَهُ " مُرْقُسُ الْبَشِيرُ " إِلَى حَادِي عَشَرَ بَطْرَكًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ فِي عَمَلِ مِصْرَ أُسْقُفٌّ وَلَمْ يَكُنِ الْبَطَارِكَةُ قَبْلَهُ أَصْلَحُوا أَسْقُفًّا، وَأَنَّ الْعَامَّةَ لَمَّا سَمِعَتِ الْأَسَاقِفَةَ يُسَمُّونَ الْبَطْرِيَرْكَ أَبًا قَالُوا: إِذَا كُنَّا نَحْنُ نُسَمِّي الْأَسْقُفَّ أَبًا، وَالْأَسْقُفُّ يُسَمِّي الْبَطْرِيكَ أَبًا، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُسَمِّيَ الْبَطْرِيَرْكَ بَابَا ; أَيِ الْجَدُّ، إِذْ كَانَ أَبًا لِأَبِيِنَا، فَسُمِّيَ بَطْرِيَرْكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنْ وَقْتِ " هِرَقْلَ " بَابَا، أَيِ الْجَدُّ.
قَالَ: وَخَرَجَ " مُرْقُسُ " إِلَى " بَرْقَةَ " يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ وَمَاتَ " قُلُودْيُوسُ " قَيْصَرُ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ " نَارُونُ " ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَهَاجَ عَلَى النَّصَارَى الشَّرَّ وَالْبَلَاءَ وَالْعَذَابَ.
قَالَ: وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ " بُطْرُسُ " رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ الْإِنْجِيلَ
[ ٤ / ١٨٨ ]
(إِنْجِيلَ مُرْقُسَ) عَنْ مُرْقُسَ بِمَدِينَةِ رُومِيَّةَ، وَنَسَبَهُ إِلَى مُرْقُسَ.
قَالَ: وَفِي عَصْرِ هَذَا الْمَلِكِ كَتَبَ " لُوقَا " إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ إِلَى رَجُلٍ شَرِيفٍ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ " فُوفِيلَّا " فَكَتَبَ لَهُ أَيْضًا الْأَبْرِكْسِسَ الَّذِي فِيهِ أَخْبَارُ التَّلَامِيذِ.
وَقَدْ كَانَ " لُوقَا الْبَشِيرُ " صَاحِبُ " بُوُلُسَ الرَّسُولِ " يَقُولُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ أَنَّ " لُوقَا " الطَّبِيبَ يَقُولُ: " عَلَيْكُمُ السَّلَامُ ".
وَقَالَ: وَأَخَذَ ثَارُونُ قَيْصَرُ لِبُطْرُسَ فَصَلَبَهُ مُنَكَّسًا، ثُمَّ قَتَلَهُ، لِأَنَّ بُطْرُسَ قَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَصْلُبَنِي فَاصْلُبْنِي مُنَكَّسًا، لِئَلَّا أَكُونَ مِثْلَ سَيِّدِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ صُلِبَ قَائِمًا، وَضُرِبَ عُنُقُ بُوُلُسَ الرَّسُولِ بِالسَّيْفِ.
وَأَقَامَ بُطْرُسُ بَعْدَ صُعُودِ الْمَسِيحِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
[ ٤ / ١٨٩ ]
قَالَ: وَكَانَ مُرْقُسُ صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَرْقَةَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ فَأَقَامَ سَبْعَ سِنِينَ.
وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِ نَارُونَ قَيْصَرَ قُتِلَ مُرْقُسُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَأُحْرِقَ جَسَدُهُ بِالنَّارِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ عِدَّةَ قَيَاصِرَةٍ، وَذَكَرَ أَنَّ " طِيطَسَ " خَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهَا وَأَصَابَ أَهْلَهَا جُوعٌ عَظِيمٌ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حَتَّى كَانُوا يَشُقُّونَ بُطُونَ الْحَبَالَى وَيَضْرِبُونَ بِأَطْفَالِهِمُ الصُّخُورَ.
وَخَرَّبَ الْمَدِينَةَ وَالْهَيْكَلَ، وَأَضْرَمَ بِهَا النَّارَ، وَأَحْصَى الْقَتْلَى عَلَى يَدَيْهِ فَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ.
وَذَكَرَ عِدَّةَ قَيَاصِرَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ وَلِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، يُقَالُ لَهُ: " ذُومَا طِيَانُوسُ " وَكَانَ شَدِيدًا جِدًّا عَلَى الْيَهُودِ، وَأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ مَلِكُهُمْ، وَأَنَّ مُلْكَهُ إِلَى الدَّهْرِ.
فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَأَمَرَ بِقَتْلِ النَّصَارَى، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي مُلْكِهِ نَصْرَانِيٌّ.
[ ٤ / ١٩٠ ]
وَكَانَ " يُوحَنَّا " صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ هُنَاكَ فَسَمِعَ بِهَذَا، فَخَافَ وَهَرَبَ إِلَى أَفْسِسَ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِإِكْرَامِهِمْ وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ تَوَلَّى بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى، ثُمَّ مَلَكَ آخَرُ بَعْدَهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، يُسَمَّى " طِرَايَانُوسُ ".
قَالَ: وَهَذَا الْمَلِكُ أَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَحُزْنًا طَوِيلًا، وَقَتَلَ شُهَدَاءَ كَثِيرَةً، وَقَتَلَ بَطْرِيَرْكَ إِنْطَاكِيَةَ بِرُومِيَّةَ وَقَتَلَ أَسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصَلَبَهُ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَعْبَدَ النَّصَارَى إِذْ لَيْسَ لَهُمْ دِينٌ وَلَا شَرِيعَةٌ.
[ ٤ / ١٩١ ]
فَلِشِدَّةِ مَا اسْتُعْبِدَ النَّصَارَى وَغِلَظِ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ، رَحِمَتْهُمُ الرُّومُ وَشَهِدَ وُزَرَاءُ الْمَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ شَرِيعَةٌ وَدِينٌ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُسْتَعْبَدُوا، فَكَفَّ عَنْهُمُ الْأَذِيَّةَ.
قَالَ: وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ " يُوحَنَّا " إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ فِي جَزِيرَةٍ يُقَالُ لَهَا: " تِيمْرَا " مِنْ أَرْضِ الرُّومِ مِنْ أَرْضِ " أَثِينَةَ " فِي عَصْرِ رَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَيْلَسُوفٍ يُقَالُ لَهُ: " مُومُودِسُ ".
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ رَجَعَ الْيَهُودُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَلَمَّا كَثُرُوا وَامْتَلَأَتْ مِنْهُمُ الْمَدِينَةُ، عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوا مِنْهُمْ مَلِكًا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ " طِيبَارْيُوسَ قَيْصَرَ " فَوَجَّهَ بِقَائِدٍ مِنْ قُوَّادِهِ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَتَلَ مِنَ الْيَهُودِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً.
[ ٤ / ١٩٢ ]
قَالَ: وَخَرَجَ عَلَى قَيْصَرَ هَذَا خَارِجِيٌّ مُقَاتِلٌ بِبَابِلَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَقُتِلَ قَيْصَرُ فِي الْحَرْبِ.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ " أَنْدِرْيَانُوسُ قَيْصَرَ " عِشْرِينَ سَنَةً، فَخَرَجَ إِلَى ذَلِكَ الْخَارِجِيِّ بِبَابِلَ فَهَزَمَهُ، وَصَارَ إِلَى مِصْرَ فَلَقِيَ مِنْهُ أَهْلُ مِصْرَ شِدَّةً شَدِيدَةً، وَأَخَذَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَقَتَلَ مِنَ النَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَصَابَ " إِيلِيَا " ابْنَهُ عِلَّةٌ فِي بَدَنِهِ، فَكَانَ يَنْفُذُ إِلَى الْبُلْدَانِ يَطْلُبُ شِفَاءً لِعِلَّتِهِ، فَوَصَفُوا لَهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
فَلَمَّا وَافَاهَا رَآهَا خَرَابًا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا كَنِيسَةً لِلنَّصَارَى، فَأَمَرَ أَنْ تُبْنَى الْمَدِينَةُ وَتُحَصَّنَ بِحِصْنٍ قَوِيٍّ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودُ أَقْبَلُوا مِنْ كُلِّ بَلَدِ وَكُلِّ مَدِينَةٍ، فَمَا كَانَ إِلَّا زَمَانٌ قَلِيلٌ حَتَّى امْتَلَأَتْ مِنْهُمُ الْمَدِينَةُ، فَلَمَّا كَثُرُوا
[ ٤ / ١٩٣ ]
مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا.
فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِإِيلِيَا بْنِ قَيْصَرَ إِنْدِرْيَانُوسَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ بِقَائِدٍ مِنْ قُوَّادِهِ مَعَ خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَحَاصَرَ الْمَدِينَةَ، فَمَاتَ كُلُّ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، ثُمَّ فَتَحَهَا فَقَتَلَ مِنَ الْيَهُودِ مَا لَا يُحْصَى، وَهَدَمَ الْحِصْنَ وَخَرَّبَ الْمَدِينَةَ حَتَّى صَيَّرَهَا صَحْرَاءَ.
قَالَ: وَهَذَا آخِرُ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهَرَبَ مِنَ الْيَهُودِ مَنْ هَرَبَ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْجِبَالِ وَإِلَى الْغَوْرِ.
وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ لَا يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ يَهُودِيٌّ، وَأَنْ يُقْتَلَ الْيَهُودُ وَيُسْتَأْصَلُوا، وَأَنْ يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ الْيُونَانِيُّونَ وَيَبْنُوا عَلَى بَابِ الْهَيْكَلِ بُرْجًا، وَيُجْعَلَ فَوْقَهُ أَلْوَاحًا وَيَكْتُبُوا عَلَيْهِ اسْمَ " إِيلِيَا الْمَلِكِ " وَذَلِكَ مِنْ ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ.
قَالَ: وَالْبُرْجُ الْيَوْمَ عَلَى بَابِ مَدِينَةِ الْقُدْسِ، وَسُمِّيَ مِحْرَابُ دَاوُدَ.
قَالَ: فَسُمِّيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ " إِيلِيَا ".
فَمِنَ الْخَرَابِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَخْرَبَهُ " طِيطَسُ " إِلَى هَذَا الْخَرَابِ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً.
وَامْتَلَأَتْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ، فَنَظَرُوا إِلَى النَّصَارَى يَأْتُونَ
[ ٤ / ١٩٤ ]
إِلَى تِلْكَ الْمَزْبَلَةِ الَّتِي فِيهَا الْقَبْرُ وَالْأَقْرَانِيُّونَ، فَيُصَلُّونَ، فَمَنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَبَنَى الْيُونَانِيُّونَ عَلَى تِلْكَ الْمَزْبَلَةِ هَيْكَلًا عَلَى اسْمِ الزُّهْرَةِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقْرَبَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ.
قَالَ: ثُمَّ مَاتَ " إِيلِيَا الْمَلِكُ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ " أَنْطُونْيُوسُ قَيْصَرُ " بِرُومِيَّةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
قَالَ: وَفِي إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ صَيَّرَ " يَهُودَا " أُسْقُفًّا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَقَامَ سَنَتَيْنِ وَمَاتَ.
قَالَ: فَمِنْ يَعْقُوبَ أُسْقُفِّ الْمَقْدِسِ الْأَوَّلِ إِلَى يَهُودَا أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ هَذَا، كَانَتِ الْأَسَاقِفَةُ الَّذِينَ صُيِّرُوا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَخْتُونِينَ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ وَلِيَ بَعْدَ هَذَا قَيْصَرُ آخَرُ اسْمُهُ " مُرْقُسُ " تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَنَّهُ أَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَحُزْنًا شَدِيدًا، وَاسْتُشْهِدَ فِي زَمَانِهِ شُهَدَاءُ كَثِيرُونَ.
[ ٤ / ١٩٥ ]
قَالَ: وَكَانَ فِي أَيَّامِهِ جُوعٌ شَدِيدٌ وَوَبَاءٌ عَظِيمٌ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ سِنِينَ، وَكَادَ الْمَلِكُ وَجَمِيعُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ أَنْ يَهْلِكُوا مِنَ الْجُوعِ.
فَسَأَلُوا النَّصَارَى أَنْ يَبْتَهِلُوا إِلَى إِلَهِهِمْ، فَدَعَوْا فَأَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا عَظِيمًا وَارْتَفَعَ الْوَبَاءُ وَالْقَحْطُ.
قَالَ: وَكَانَ بِأَيَّامِهِ بِأَرْضِ الْيُونَانِيِّينَ " مَغْنُوسُ " الْحَكِيمُ.
قَالَ: وَفِي خَمْسِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ، صَيَّرَ " لُولْيَاثُوسَ " بَطْرِيَرْكًا، وَهُوَ أَوَّلُ بَطْرِيَرْكٍ أَصْلَحَ الْأَسَاقِفَةَ فِي عَمَلِ مِصْرَ، أَقَامَ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَمَاتَ.
[ ٤ / ١٩٦ ]
[فَصْلٌ: مُتَابَعَةُ حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ عَنِ النَّصَارَى وَمُنَاقَشَتُهُ فِي ذَلِكَ]
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ كَتَبَ بَطْرِيَرْكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَطَرَكِ إِنْطَاكِيَةَ وَبَطْرَكِ رُومِيَّةَ فِي كِتَابَ فِصْحِ النَّصَارَى وَصَوْمِهِمْ، وَكَيْفَ يُسْتَخْرَجُ مِنْ فِصْحِ الْيَهُودِ، فَوَضَعُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا كَثِيرَةً عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا بَعْدَ صُعُودِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ إِلَى
[ ٤ / ١٩٧ ]
السَّمَاءِ إِذَا عَيَّدُوا عِيدَ الْغِطَاسِ مِنَ الْغَدِ يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيُفْطِرُونَ كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ، لِأَنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ لَمَّا اعْتَمَدَ بِالْأُرْدُنِّ خَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَأَقَامَ بِهَا صَائِمًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ النَّصَارَى إِذَا أَفْصَحَ الْيَهُودُ عَيَّدُوا هُمُ الْفِصْحَ.
فَوَضَعَ هَؤُلَاءِ الْبَطَارِكَةُ حِسَابًا لِلْفِصْحِ لِيَصُومَ النَّصَارَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَكُونَ فِطْرُهُمْ يَوْمَ الْفِصْحِ لِيَتِمَّ فَرَحُهُمْ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: فَقَدْ أَخْبَرَ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمَّا صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَقِبَ الْمَعْمُودِيَّةِ، وَكَانَ يُعَيِّدُ مَعَ الْيَهُودِ فِي عِيدِهِمْ لَا يُعَيِّدُ عَقِبَ صَوْمِهِ، شَارَكَهُ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ مُدَّةً، فَصَارُوا يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ عَقِبَ الْغَطَاسِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ الْمَعْمُودِيَّةِ، وَيُعَيِّدُونَ مَعَ الْيَهُودِ الْعِيدَ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ هَذَا ابْتَدَعُوا تَغْيِيرَ الصَّوْمِ، فَلَمْ يَصُومُوا عَقِبَ الْغَطَاسِ، بَلْ نَقَلُوا الصَّوْمَ إِلَى وَقْتٍ يَكُونُ عِيدُهُمْ مَعَ عِيدِ الْيَهُودِ، فَيَكُونُ عِيدُهُمْ مَعَ عِيدِ الْيَهُودِ، وَهُوَ فِصْحُ الْمَسِيحِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ وَقْتَ قِيَامَتِهِ مِنْ قَبْرِهِ.
قَالَ: وَمَاتَ " مُرْقُصُ الْمَلِكُ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ " قُمُودُوسُ قَيْصَرُ " بِرُومِيَّةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ فِي أَرْضِ الْيُونَانِيِّينَ فِي مَدِينَةِ " أَفْرِغَامِسَ "، " جَالِينُوسُ " الْحَكِيمُ صَاحِبُ صِنَاعَةِ الطِّبِّ.
وَذَكَرَ " جَالِينُوسُ " فِي فِهْرِسْتِ كُتُبِهِ أَنَّهُ رَبَّى " قَمُودُوسَ الْمَلِكَ ".
[ ٤ / ١٩٨ ]
وَذَكَرَ " جَالِينُوسُ " فِي الْمَقَالَةِ الْأُولَى مِنَ الْكِتَابِ الْمَعْرُوفِ بِـ (كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّفْسِ): أَنَّهُ كَانَ فِي عَصْرِ " قُمُودُوسَ الْمَلِكِ " رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ " بُولُسُ " طَلَبَهُ " قُمُوُدُوسُ الْمَلِكُ " لِيَقْتُلَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَكَانَ لَهُ غُلَامَانِ، فَقَبَضَهُمَا الْمَلِكُ، فَضَرَبَهُمَا الْمَلِكُ، وَطَلَبَ مِنْهُمَا أَنْ يَدُلَّاهُ عَلَى مَوْلَاهُمَا، فَلَمْ يَفْعَلَا لِكَرَمِ أَنْفُسِهِمَا وَنَخْوَتِهِمَا وَشَدَّةِ مُحَامَاتِهِمَا عَلَى مَوْلَاهُمَا، فَقَتَلَهُمَا. وَأَنَّ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَى بُولُسَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ مُلْكِ " قُمُودُوسَ قَيْصَرَ " فَهَذَا مَا ذَكَرَ جَالِينُوسُ.
قَالَ: وَكَانَ أَيْضًا فِي أَيَّامِ " دِيمُقْرَاطِيسَ " الْحَكِيمِ.
قُلْتُ: هَذِهِ الْمُدَّةُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ " سَعِيدٌ " هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ الْمَسِيحِ إِلَى هُنَا مِائَتَا سَنَةٍ، بَلْ ذَكَرَ إِلَى الْخَرَابِ مِائَةً وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ " لِدِيمُقْرَاطِيسَ " قَبْلَ هَذَا.
[ ٤ / ١٩٩ ]
قَالَ: وَفِي عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ ظَهَرَتِ الْفُرْسُ فَغَلَبَتْ عَلَى " بَابِلَ "، وَأَمَدُّوا فَارِسَ، وَتَمَلَّكَ " أَزْدَشِيرُ بْنُ سَاسَانَ " بَابِلَ مِنْ أَهْلِ أَصْطَخَرَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَلِكٍ مُلِّكَ عَلَى فَارِسَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ: وَمَاتَ " قُمُودُوسُ قَيْصَرُ " مِلْكُ الرُّومِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ آخَرَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ بِرُومِيَّةَ " سَوِيرِسُ قَيْصَرُ " سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَذَلِكَ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " أَزْدَشِيرَ ".
وَكَانَ هَذَا الْمَلِكُ شَدِيدًا، قَدْ أَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَعَذَابًا كَبِيرًا، وَقَتَلَ كُلَّ عَالِمٍ مِنْهُمْ وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَاسْتُشْهِدَ فِي أَيَّامِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، ثُمَّ قَتَلَ كُلَّ مَنْ كَانَ بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، وَهَدَمَ الْكَنَائِسَ وَبَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلًا،
[ ٤ / ٢٠٠ ]
وَسَمَّاهُ هَيْكَلَ الْآلِهَةِ.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ، وَهُوَ " أَنْطُونْيُوسُ " الْأَصْلَعُ سِتَّ سِنِينَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، كَانَتِ النَّصَارَى فِي أَيَّامِهِ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُحِبُّ النَّصَارَى، وَفِي أَيَّامِهِ سُمِّيَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ " بَابَا " أَيِ الْجَدُّ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَهَذَا أَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً طَوِيلًا وَحُزْنًا عَظِيمًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَأَخَذَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ خَلْقًا كَثِيرًا وَقَتَلَ بَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ أُسْقُفُّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَتْلِهِ هَرَبَ وَتَرَكَ الْكُرْسِيَّ.
قَالَ: وَمَاتَ قَيْصَرُ هَذَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مُلْكِ " بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ أَرْبَعَ سِنِينَ،
[ ٤ / ٢٠١ ]
وَاسْمُهُ " غِرْدِيَانُوسُ " وَفِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ مَاتَ " بَهْرَامُ بْنُ هُرْمُزَ " وَمُلِّكَ بَعْدَهُ " بَهْرَامُ بْنُ بَهْرَامَ " عَلَى الْفُرْسِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ رَجُلٌ فَارِسِيٌّ يُقَالُ لَهُ: " مَانِي " فَأَظْهَرَ دِينَ الْمَانِيَّةِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَخَذَهُ " بَهْرَامُ بْنُ بَهْرَامَ " مَلِكُ الْفُرْسِ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَأَخَذَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمِمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِ مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَغَرَسَ رُءُوسَهُمْ فِي الطِّينِ مُنَكَّسِينَ حَتَّى مَاتُوا مُنَكَّسِينَ.
وَمَلَكَ بَعْدَ قَيْصَرَ هَذَا " فِيلِبْسُ " قَيْصَرُ بِرُومِيَّةَ سَبْعَ سِنِينَ، وَآمَنَ بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِهِ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ اسْمَهُ " دَاقْنُوسُ " وَهُوَ " دِقْيَانُوسُ " وَذَلِكَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ " فَلَقِيَ النَّصَارَى مِنْهُ حُزْنًا طَوِيلًا وَعَذَابًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُحْصَى وَاسْتُشْهِدَ فِي أَيَّامِهِ مِنَ الشُّهَدَاءِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَتَلَ بَطْرَقَ رُومِيَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَدِينَةِ " أَفْسِسَ " فَبَنَى
[ ٤ / ٢٠٢ ]
فِي وَسَطِهَا هَيْكَلًا عَظِيمًا وَصَيَّرَ فِيهِ الْأَصْنَامَ، وَأَمَرَ أَنْ يُسْجَدَ لِلْأَصْنَامِ وَيُذْبَحَ لَهَا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ قُتِلَ، فَقَتَلَ مِنَ النَّصَارَى بِأَفْسِسَ خَلْقًا عَظِيمًا، وَصَلَبَهُمْ عَلَى الْحِصْنِ وَاتَّخَذَ مِنْ أَوْلَادِ عُظَمَاءِ " أَفْسِسَ " سَبْعَةَ غِلْمَانٍ مِنْ خَوَاصِّهِ وَعَلَى كِسْوَتِهِ، وَقَدَّمَهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ عِنْدِهِ، وَذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ، أَسْمَاءَ أَصْحَابِ أَهْلِ الْكَهْفِ.
قَالَ: وَهَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ الْغِلْمَانُ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْأَصْنَامِ، فَأَعْلَمُوا الْمَلِكَ بِخَبَرِهِمْ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَأَطْلَقَ سَبِيلَهُمْ إِلَى حِينِ رُجُوعِهِ.
فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذَ الْغِلْمَانُ كُلَّ مَا لَهُمْ فَتَصَدَّقُوا بِهِ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى جَبَلٍ عَظِيمٍ يُقَالُ لَهُ: " جَاوِسُ " شَرْقِيَّ أَفْسِسَ " فِيهِ كَهْفٌ كَبِيرٌ فَاخْتَفَوْا فِي الْكَهْفِ، فَكَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَتَنَكَّرُ وَيَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، فَيَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي شَأْنِهِمْ وَيَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا وَيَرْجِعُ فَيُعْلِمُهُمْ.
فَقَدِمَ " دِقْيَانُوسُ " الْمَلِكُ فَسَأَلَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ فِي جَبَلِ " جَاوِسَ " فِي الْكَهْفِ مُخْتَفِينَ.
فَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يُبْنَى بَابُ الْكَهْفِ عَلَيْهِمْ لِيَمُوتُوا، وَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعَاسَ، فَنَامُوا كَالْأَمْوَاتِ.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
وَأَخَذَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ، وَكَتَبَ فِيهَا خَبَرَهُمْ وَقِصَّتَهُمْ مَعَ " دِقْيَانُوسَ " الْمَلِكِ، وَصَيَّرَ الصَّفِيحَةَ فِي صُنْدُوقِ نُحَاسٍ وَدَفَنَهُ دَاخِلَ الْكَهْفِ، وَبَنَى الْكَهْفَ.
وَمَاتَ الْمَلِكُ " دِقْيَانُوسُ قَيْصَرُ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرَانِ بِرُومِيَّةَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ قَيْصَرُ آخَرُ اسْمُهُ " غِنْيُونُوسُ " خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ سَنَةً وَاحِدَةً وَمَاتَ، وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " هُرْمُزَ ".
وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِ هَذَا، صَيَّرَ " بُولُسَ " بَطْرَكًا عَلَى أَنْطَاكِيَّةَ وَيُسَمَّى: " بُولُوسُ الشِّمْشَاطِيُّ " قَالَ: وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ دِينَ " الْبُولْيَانِيَّةِ "، فَسُمِّيَ التَّابِعُونَ لِدِينِهِ وَالْقَائِلُونَ بِمَقَالَتِهِ بُولْيَانِيِّينَ.
قَالَ: وَكَانَتْ مَقَالَتُهُ: أَنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ خُلِقَ مِنَ اللَّاهُوتِ إِنْسَانًا كَوَاحِدٍ مِنَّا فِي جَوْهَرِهِ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الِابْنِ مِنْ مَرْيَمَ وَأَنَّهُ اصْطُفِيَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْجَوْهَرِ الْإِنْسِيِّ، صَحِبَتْهُ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ، فَحَلَّتْ فِيهِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمَشِيئَةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ: (ابْنُ اللَّهِ) .
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ وَلَا نُؤْمِنُ بِالْكَلِمَةِ، وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ.
قَالَ: وَبَعْدَ مَوْتِهِ اجْتَمَعَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا فِي مَدِينَةِ " أَنْطَاكِيَةَ " وَنَظَرُوا فِي مَقَالَةِ " بُولُسَ "، فَأَوْجَبُوا عَلَى هَذَا الشِّمْشَاطِيِّ اللَّعْنَ فَلَعَنُوهُ، وَلَعَنُوا مَنْ يَقُولُ مَقَالَتَهُ وَانْصَرَفُوا.
قَالَ: وَبَعْدَهُ مَلَكَ قَيْصَرُ آخَرُ سِتَّ سِنِينَ، اسْمُهُ " أُورَاغُوسُ قَيْصَرَ ".
قَالَ: وَكَانَ النَّصَارَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي أَيَّامِهِ يُصَّلُّونَ فِي الْمَطَامِيرِ وَالْبُيُوتِ فَزَعًا مِنَ الرُّومِ، وَلَمْ يَكُنْ يَظْهَرُ بَتْرَكٌ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ; لِئَلَّا يَقْتُلُوهُمْ.
فَلَمَّا صَارَ " نَارُونَ " بَطْرَكًا، ظَهَرَ وَلَمْ يَزَلْ يُدَارِي الرُّومَ حَتَّى بَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ كَنِيسَةَ " حَنَّا " وَ" مَارِ مَرْيَمَ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ
[ ٤ / ٢٠٥ ]
قَيْصَرَانِ، ثُمَّ قَيْصَرُ اسْمُهُ " فَارُوسُ " وَذَلِكَ فِي تِسْعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ ". وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّصَارَى، قَتَلَ الْأَخَوَيْنِ " قَزْمَانَ " وَ" دِمْيَانَ " الشَّهِيدَيْنِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ " دِقْيِطْيَانُوسُ ".
قَالَ: فَمِنْ خَرَابِ " طِيطَسَ " لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى مُلْكِ " دِقْيِطْيَانُوسَ " مِائَتَانِ وَسِتِّ سِنِينَ، وَمِنْ مَوْلِدِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ إِلَى " دِقْيِطْيَانُوسَ " مِائَتَانِ وَسِتٌّ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنَ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَى " دِقْيِطْيَانُوسَ " خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى " دِقْيِطْيَانُوسَ " أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى " دِقْيِطْيَانُوسَ " أَلْفٌ وَتِسْعُمِائَةٍ وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
قَالَ: وَمَلَكَ " دِقْيِطْيَانُوسْ " فِي إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ
[ ٤ / ٢٠٦ ]
" سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " مَلِكِ الْفُرْسِ، وَمَلَكَ مَعَهُ اثْنَانِ تَمَلَّكَا عَلَى الرُّومِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهَؤُلَاءِ أَثَارُوا عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَحُزْنًا طَوِيلًا وَعَذَابًا أَلِيمًا وَشِدَّةً شَدِيدَةً تَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْعَذَابِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأَمْوَالِ، وَاسْتَشْهَدُوا أُلُوفًا مِنَ الشُّهَدَاءِ وَعَذَّبُوا " مَارِي جِرْجِسَ " أَصْنَافَ الْعَذَابِ وَقَتَلُوهُ بِفِلَسْطِينَ، وَقَتَلُوا " مَارِي مِينَا " وَ" مَارِي بَقْطَرَ " وَ" أَيِتْمَاخُوسَ " وَ" مِرْكُورُسَ " وَغَيْرَهُمَا.
قَالَ: وَفِي عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِمَا صُيِّرَ " بُطْرُسُ " بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَقَامَ عَشْرَ سِنِينَ وَقُتِلَ.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وَفِي عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِمَا، ضُرِبَ عُنُقُ بُطْرُسَ هَذَا الْبَطْرَكِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
قَالَ: وَكَانَ لِبُطْرُسَ تِلْمِيذَانِ، اسْمُ أَحَدِهِمَا " أَشْلَا " وَالْآخُرِ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: " أُورْيُوسُ " يَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ اللَّهُ الْفَرْدُ، وَالِابْنُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وَقَدْ كَانَ (الْأَبُ) إِذْ لَمْ يَكُنِ الِابْنُ.
فَقَالَ " بُطْرُسُ " الْبَطْرَكُ لِتِلْمِيذَيْهِ: إِنَّ الْمَسِيحَ لَعَنَ " أَرِيُوسَ " فَاحْذَرَا أَنْ تَقْبَلَا قَوْلَهُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَسِيحَ فِي النَّوْمِ مَشْقُوقَ الثَّوْبِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَنْ شَقِّ ثَوْبَكَ؟ فَقَالَ لِي: " أَرِيُوسُ "، فَاحْذَرُوا أَنْ تَقْبَلُوهُ وَيَدْخُلَ مَعَكُمُ الْكَنِيسَةَ، كَنِيسَةَ اللَّهِ.
قَالَ: وَبَعْدَ قَتْلِ " بُطْرُسَ " بِخَمْسِ سِنِينَ صُيِّرَ " أَشِيلَا " بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَأَقَامَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَمَاتَ.
وَكَانَ " أَرِيُوسُ " قَدِ اسْتَعَانَ عَلَى " أَشْلَا " بِأَصْدِقَائِهِ، فَأَوْرَى أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، فَقَبِلَهُ " أَشْلَا " وَأَدْخَلَهُ الْكَنِيسَةَ وَجَعَلَهُ قِسِّيسًا.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
قَالَ: وَأَمَّا " دِقِيطْيَانُوسُ " الْمَلِكُ فَكَانَ يَطْلُبُ النَّصَارَى فَيَقْتُلُهُمْ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ فِي طَلَبِهِمْ إِذْ بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: " مَلْطِيَّةَ " فَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِ نِقْمَتَهُ، فَوَقَعَ فِي عِلَلٍ عَظِيمَةٍ وَأَمْرَاضٍ عَظِيمَةٍ حَتَّى ذَابَ جِسْمُهُ، وَكَانَ الدُّودُ يَتَسَاقَطُ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَقَطَ لِسَانُهُ مِنْ حَنَكِهِ وَمَاتَ.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرَانِ، أَحَدُهُمَا الْمَشْرِقَ وَالشَّامَ وَأَرْضَ الرُّومِ، وَالْآخَرُ رُومِيَّةَ وَنَحْوَهَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ " عَلَانْيُوسُ " وَالْآخَرُ " مَقْصُطْيُوسُ " فَكَانَا كَالسِّبَاعِ الضَّارِيَةِ عَلَى النَّصَارَى، وَأَثَارَا عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ وَالْجَلَاءَ وَمَا لَا يَصِفُهُ وَاصِفٌ، وَفَعَلَا بِهِمْ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ قَبْلَهُمْ.
وَمَلَكَ مَعَهُمَا عَلَى بِزَنْطِيَّةَ، وَمَا وَالَاهَا " قُسْطُسُ " أَبُو " قُسْطَنْطِينَ "،
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وَكَانَ رَجُلًا دَيِّنًا مُبْغِضًا لِلْأَصْنَامِ مُحِبًّا لِلنَّصَارَى.
فَخَرَجَ " قُسْطُسُ " إِلَى نَاحِيَةِ الْجَزِيرَةِ وَ" الرَّهَا "، فَنَزَلَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى " الرَّهَا " يُقَالُ لَهَا: " كُفَرْجَاثُ " فَنَظَرَ فِيهَا امْرَأَةً حَسَنَةً جَمِيلَةً يُقَالُ لَهَا: " هِيلَانَةُ " وَكَانَتْ قَدْ تَنَصَّرَتْ عَلَى يَدَيْ أُسْقُفِّ " الرَّهَا " وَتَعَلَّمَتْ قِرَاءَةَ الْكُتُبِ.
وَوَلَدَتْ " هِيلَانَةُ " " قُسْطَنْطِينَ " " فَتَرَبَّى بِـ " الرَّهَا " وَتَعَلَّمَ حِكَمَ الْيُونَانِيِّينَ، وَكَانَ غُلَامًا حَسَنَ الْوَجْهِ قَلِيلَ الشَّرِّ، وَدِيعًا مُحِبًّا لِلْحِكْمَةِ.
وَأَمَّا " عَلَانْيُوسُ " فَكَانَ رَجُلًا وَحْشِيًّا شَدِيدَ الْبَأْسِ، مُبْغِضًا لِلنَّصَارَى جِدًّا كَثِيرَ الْقَتْلِ لَهُمْ، مُحِبًّا لِلنِّسَاءِ، وَلَمْ يَتْرُكْ لِلنَّصَارَى بِنْتًا بِكْرًا إِلَّا أَخَذَهَا وَأَفْسَدَهَا وَقَتَلَهَا، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَهَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالنَّصَارَى، وَكَانَ النَّصَارَى فِي شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ جِدًّا مَعَهُمْ.
وَبَلَغَهُ خَبَرُ " قُسْطَنْطِينَ " وَأَنَّهُ غُلَامٌ هَادٍ قَلِيلُ الشَّرِّ كَثِيرُ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ.
وَأَخْبَرَهُ الْحُكَمَاءُ الَّذِينَ لَهُ وَالْمُنَجِّمُونَ أَنَّ " " قُسْطَنْطِينَ " " سَيَمْلِكُ مُلْكًا عَظِيمًا، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ.
[ ٤ / ٢١٠ ]
وَعَلِمَ " " قُسْطَنْطِينُ " " بِذَلِكَ فَهَرَبَ مِنَ " الرَّهَا " وَذَهَبَ إِلَى مَدِينَةِ " بِزَنْطِيَّةَ " وَوَصَلَ إِلَى أَبِيهِ " قُسْطُسَ " فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمُلْكَ.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ مَاتَ " قُسْطُسُ " وَصَبَّ اللَّهُ عَلَى " عَلَانْيُوسَ " الْمَلِكِ عِلَلًا عَظِيمَةً، حَتَّى تَقَطَّعَ لَحْمُهُ وَتَهَرَّأَ، وَبَقِيَ مَطْرُوحًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ.
فَعَجِبَ النَّاسُ مِمَّا نَالَهُ، وَرَحِمَهُ أَعْدَاؤُهُ مِمَّا حَلَّ بِهِ.
فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا الَّذِي بِي مِمَّا أَقْتُلُ النَّصَارَى.
فَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ أَنْ يُطْلِقُوا النَّصَارَى مِنَ الْحُبُوسِ، وَأَنْ يُكْرِمُوهُمْ وَلَا يُؤْذُوهُمْ، وَيَسْأَلُونَهُمْ أَنْ يَدْعُوا لَهُ فِي صَلَاتِهِمْ.
فَصَلَّى النَّصَارَى عَلَى الْمَلِكِ وَدَعَوْا لَهُ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ الْعَافِيَةَ وَرَجَعَ إِلَى أَفْضَلِ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ.
فَلَمَّا صَحَّ وَقَوِيَ، رَجَعَ إِلَى أَشَرَّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّدَى.
وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ أَنْ يَقْتُلُوا النَّصَارَى، وَلَا يَعِيشَ فِي مَمْلَكَتِهِ نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَسْكُنُوا مَدِينَةً وَلَا قَرْيَةً لَهُ.
فَمِنْ كَثْرَةِ الْقَتْلَى كَانُوا يُحْمَلُونَ عَلَى الْعَجَلِ وَيَرْمُونَ بِهِمْ فِي الْبِحَارِ وَالصَّحَارِي، وَقُتِلَ " مَارِ جِرْجِسُ " وَأَخَاهُ بِمَدِينَةِ " قَبَاذُوقِيَّةَ "
[ ٤ / ٢١١ ]
وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا، وَقَتَلَ " بَرْبَارَةَ "، وَذَكَرَ حَرْبًا جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ " سَابُورَ " لَمَّا تَنَكَّرَ " سَابُورُ " وَجَاءَ إِلَيْهِ مُتَنَكِّرًا وَعَرَفَهُ.
قَالَ: وَأَمَّا " مَقْسِطْيُوسُ " فَكَانَ شِرِّيرًا عَلَى أَهْلِ رُومِيَّةَ، وَاسْتَعْبَدَ كُلَّ مَنْ كَانَ بِرُومِيَّةَ وَخَاصَّةً النَّصَارَى، فَكَانَ يَنْهَبُ أَمْوَالَهُمْ وَيَقْتُلُ رِجَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ رُومِيَّةَ بِمُلْكِ " " قُسْطَنْطِينَ " " وَأَنَّهُ مُبْغِضٌ لِلشَّرِّ مُحِبٌّ لِلْخَيْرِ، وَأَنَّ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ مَعَهُ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، كَتَبَ رُؤَسَاءُ رُومِيَّةَ إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " يَسْأَلُونَهُ وَيَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ " مَقْسِطْيُوسَ " عَدُوِّ اللَّهِ.
فَلَمَّا قَرَأَ كُتُبَهُمْ، اغْتَمَّ غَمًّا شَدِيدًا وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ.
فَبَيْنَمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ، إِذْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فِي السَّمَاءِ صَلِيبٌ مِنْ كَوَاكِبَ تُضِيءُ، مَكْتُوبًا حَوْلَهُ بِهَذَا تَغَلِبُ.
فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
فَآمَنَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَذَلِكَ لَسِتِّ سِنِينَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ أَبِيهِ.
[ ٤ / ٢١٢ ]
فَتَجَهَّزَ " " قُسْطَنْطِينُ " " وَاسْتَعَدَّ لِمُحَارَبَةِ " مَقْسِطْيُوسَ " مَلِكِ رُومِيَّةَ، وَعَمِلَ صَلِيبًا كَبِيرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَصَيَّرَهُ عَلَى رَأْسِ الْبَنْدِ وَخَرَجَ يُرِيدُ " مَقْسِطْيُوسَ ".
فَلَمَّا سَمِعَ " مَقْسِطْيُوسُ " أَنَّ " " قُسْطَنْطِينَ " " قَدْ وَافَاهُ لِمُحَارَبَتِهِ، اسْتَعَدَّ لِحَرْبِهِ وَعَقَدَ جِسْرًا عَلَى النَّهْرِ الَّذِي قُدَّامَ رُومِيَّةَ، وَخَرَجَ مَعَ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ يُحَارِبُ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
فَأُعْطِيَ " " قُسْطَنْطِينُ " " النُّصْرَةَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِ " مَقْسِطْيُوسَ " مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبَ " مَقْسِطْيُوسُ " وَغَرِقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى امْتَلَأَ الْبَحْرُ وَهُوَ النَّهْرُ الَّذِي عِنْدَ رُومِيَّةَ غَرْقَى وَقَتْلَى.
وَخَرَجَ أَهْلُ رُومِيَّةَ إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " بِالْإِكْلِيلِ الذَّهَبِ وَكُلِّ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، فَلَقُوا " " قُسْطَنْطِينَ " " وَفَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا.
فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ أَنْ تُدْفَنَ أَجْسَادُ النَّصَارَى الشُّهَدَاءِ الْمَصَالِيبِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنَ النَّصَارَى هَرَبَ أَوْ نَفَاهُ " مَقْسِطْيُوسُ " يَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ وَمَوْضِعِهِ، وَمَنْ أُخِذَ لَهُ شَيْءٌ رُدَّ إِلَيْهِ.
وَأَقَامَ أَهْلُ رُومِيَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يُعَيِّدُونَ لِلْمَلِكِ وَلِلصَّلِيبِ وَيَفْرَحُونَ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْخَبَرَ " عَلَانْيُوسُ " جَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَتَجَهَّزَ لِقِتَالِ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
[ ٤ / ٢١٣ ]
فَلَمَّا عَايَنَهُ انْهَزَمُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَأَخَذَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ أُسِرَ وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَأْمَنَ.
وَأَفْلَتَ " عَلَانْيُوسُ " عُرْيَانًا، فَلَمْ يَزَلْ يَتَقَوَّى مَوْضِعًا مَوْضِعًا حَتَّى وَافَى مَدِينَتَهُ، فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالسَّحَرَةَ وَالْعَرَّافِينَ الَّذِينَ كَانَ يُحِبُّهُمْ وَيَقْبَلُ مِنْهُمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، لِئَلَّا يَقَعُوا فِي يَدِ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
وَصَبَّ اللَّهُ عَلَى " عَلَانْيُوسَ " نَارًا فِي جَوْفِهِ حَتَّى كَانَتْ أَحْشَاؤُهُ تَتَقَطَّعُ مِنَ الْحَرِّ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ فِي جَوْفِهِ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ وَتَهَرَّأَ لَحْمُهُ عَلَى عَظْمِهِ وَمَاتَ.
وَمَلَكَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الدُّنْيَا فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، وَذَلِكَ فِي إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " مَلِكِ الْفُرْسِ.
قَالَ: وَتَنَصَّرَ " " قُسْطَنْطِينُ " " فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: " نِيقُومِيدْيَا "، وَذَلِكَ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْكَنَائِسِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخَرَاجُ مِمَّا يُعْمَلُ بِهِ أَبْنِيَةُ الْكَنَائِسِ.
[ ٤ / ٢١٤ ]
قَالَ: وَفِي خَمْسِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ صَيَّرَ " الْأَكْصَنْدُرُوسَ " بَطْرِيَرْكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ بَطْرَكِهَا " بُطْرُسَ " الَّذِي قُتِلَ وَهُوَ رَفِيقُ " أَشْلَا "، فَأَقَامَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ رِيَاسَتِهِ، كَانَ الْمَجْمَعُ بِمَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ " الَّذِي رُتِّبَتْ فِيهِ الْأَمَانَةُ الْأَرْثُذُكْسِيَّةُ.
فَمَنَعَ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ " أَرِيُوسَ " مِنْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ وَلَعَنَهُ، وَقَالَ: إِنَّ " أَرِيُوسَ " مَلْعُونٌ، لِأَنَّ " بُطْرُسَ " الْبَتْرَكَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ قَالَ لَنَا: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ " أَرِيُوسَ " فَلَا تَقْبَلُوهُ وَلَا تُدْخِلُوهُ الْكَنِيسَةَ.
وَكَانَ عَلَى مَدِينَةِ " أَسْيُوطَ " مِنْ عَمَلِ مِصْرَ أُسْقُفٌّ يَرَى رَأْيَ " أَرِيُوسَ " فَلَعَنَهُ أَيْضًا.
وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ كَانَتْ " كِلَاوْبَطْرَةُ " الْمَلِكَةُ بَنَتْهُ
[ ٤ / ٢١٥ ]
عَلَى اسْمِ زُحَلَ، وَكَانَ فِيهِ صَنَمٌ مِنْ نُحَاسٍ عَظِيمٍ يُسَمَّى: " مِيكَائِيلُ "، وَكَانَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَمِصْرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا فِي شَهْرِ " هَتُورَ " وَهُوَ " تِشْرِينُ الثَّانِي " يُعَيِّدُونَ لِذَلِكَ الصَّنَمِ عِيدًا عَظِيمًا، وَيَذْبَحُونَ الذَّبَائِحَ الْكَثِيرَةَ.
فَلَمَّا صَارَ هَذَا بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَظَهَرَتِ النَّصْرَانِيَّةُ، أَرَادَ أَنْ يَكْسِرَ الصَّنَمَ وَيُبْطِلَ الذَّبَائِحَ.
فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهِلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَاحْتَالَ لَهُمْ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا صَنَمٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا مَضَرَّةَ، فَلَوْ صَيَّرْتُمُ الْعِيدَ لِمِيكَائِيلَ الْمَلَاكِ، وَجَعَلْتُمْ هَذِهِ الذَّبَائِحَ لَهُ كَانَ أَنْفَعَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ خَيْرًا لَكُمْ مِنْ هَذَا الصَّنَمِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.
فَكَسَرَ الصَّنَمَ، وَأَصْلَحَ مِنْهُ صَلِيبًا وَسَمَّى الْهَيْكَلَ " كَنِيسَةَ مِيكَائِيلَ " وَهِيَ الْكَنِيسَةُ الَّتِي تُسَمَّى " قَيْسَارِيَّةَ "، احْتَرَقَتْ بِالنَّارِ وَقْتَ مُوَافَاةِ الْجُيُوشِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ الْقَرَامِطَةِ مَعَ الْمُسَمَّى
[ ٤ / ٢١٦ ]
أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مَعَهُ أَمِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُسَمَّى " حُبَاسَةُ " وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ " الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ ".
وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مِصْرَ يَوْمَئِذٍ مَوْلَاهُ الْمَعْرُوفُ " بِتَكِينَ الْحَاجِبِ " رَجُلٌ تُرْكِيٌّ، فَنَفَرَ إِلَى الْمَغَارِبَةِ وَجَاءَهُ مَدَدٌ مِنَ الشَّرْقِ مَعَ الْخَادِمِ الْمُلَقَّبِ " مُونِسٌ " الْأُسْتَاذُ.
[ ٤ / ٢١٧ ]
فَهَرَبَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ وَحُبَاسَةُ وَجُنُودُهُمَا، وَصَيَّرَ الْعِيدَ لِمِيكَائِيلَ الْمَلَكِ وَالذَّبَائِحَ.
وَإِلَى الْيَوْمِ الْقِبْطُ بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُعَيِّدُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَ مِيكَائِيلَ الْمَلَاكِ وَيَذْبَحُونَ فِيهِ الذَّبَائِحَ الْكَثِيرَةَ، وَكَذَلِكَ الْمَلِكِيَّةُ يُعَيِّدُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَ مِيكَائِيلَ الْمَلَاكُ وَصَارَ رَسْمًا إِلَى الْيَوْمِ.
قَالَ: فَلَمَّا مَنَعَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ " أَرِيُوسَ " مِنْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ وَلَعَنَهُ، خَرَجَ " أَرِيُوسُ " مُسْتَعْدِيًا عَلَيْهِ وَمَعَهُ أُسْقُفَّانِ، فَاسْتَغَاثُوا إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " الْمَلِكِ.
وَقَالَ " أَرِيُوسُ ": إِنَّهُ تَعَدَّى عَلَيَّ وَأَخْرَجَنِي مِنَ الْكَنِيسَةِ ظُلْمًا.
وَسَأَلَ الْمَلِكَ أَنْ يَشْخَصَ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِيُنَاظِرَهُ قُدَّامَ الْمَلِكِ.
فَوَجَّهَ " " قُسْطَنْطِينُ " " بِرَسُولٍ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَشْخَصَ الْبَطْرَكَ، وَجَمْع بَيْنَهَ وَبَيْنَ " أَرِيُوسَ " لِيُنَاظِرَهُ فَقَالَ " " قُسْطَنْطِينُ " " " لِأَرِيُوسَ ": اشْرَحْ مَقَالَتَكَ.
[ ٤ / ٢١٨ ]
قَالَ " أَرِيُوسُ ": أَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ كَانَ إِذْ لَمْ يَكُنِ الِابْنُ، ثُمَّ اللَّهُ أَحْدَثَ الِابْنَ، فَكَانَ كَلِمَةً لَهُ إِلَّا أَنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، ثُمَّ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى ذَلِكَ الِابْنِ الْمُسَمَّى كَلِمَةً، فَكَانَ هُوَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ فِي إِنْجِيلِهِ، إِذْ يَقُولُ: (وَهَبْ لِي سُلْطَانًا عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) فَكَانَ هُوَ الْخَالِقَ لَهُمَا بِمَا أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ الْكَلِمَةَ تَجَسَّدَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ فَصَارَ ذَلِكَ مَسِيحًا وَاحِدًا.
فَالْمَسِيحُ الْآنَ مَعْنَيَانِ: كَلِمَةٌ وَجَسَدٌ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَخْلُوقَانِ.
قَالَ: فَأَجَابَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَالَ: تُخْبِرُنَا الْآنَ أَيُّمَا أَوْجَبُ عَلَيْنَا عِنْدَكَ، عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَنَا أَوْ عِبَادَةُ مَنْ لَمْ يَخْلُقْنَا.
قَالَ " أَرِيُوسُ ": بَلْ عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَنَا.
قَالَ لَهُ الْبَطْرَكُ: فَإِنْ كَانَ خَالِقُنَا الِابْنَ كَمَا وَصَفْتَ، وَكَانَ الِابْنُ مَخْلُوقًا، فَعِبَادَةُ الِابْنِ الْمَخْلُوقِ أَوْجَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَبِ الَّذِي لَيْسَ بِخَالِقٍ، بَلْ تَصِيرُ عِبَادَةُ الْأَبِ الْخَالِقِ لِلِابْنِ كُفْرًا، وَعِبَادَةُ الِابْنِ الْمَخْلُوقِ إِيمَانًا، وَذَلِكَ مِنْ أَقْبَحِ الْأَقَاوِيلِ.
فَاسْتَحْسَنَ الْمَلِكُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ مَقَالَةَ الْبَطْرَكِ، وَشَنَّعَ عِنْدَهُمْ
[ ٤ / ٢١٩ ]
مَقَالَةَ " أَرِيوسَ "، وَدَارَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
فَأَمَرَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْبَطْرَكَ " الْأَكْصَنْدَرُوسَ " أَنْ يَلْعَنَ " أَرِيُوسَ " وَكُلَّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ.
فَقَالَ لَهُ: بَلْ يُوَجِّهُ الْمَلِكُ فَيَشْخَصُ الْبَطَارِكَةُ وَالْأَسَاقِفَةُ حَتَّى يَكُونَ لَنَا مَجْمَعٌ، وَنَضَعَ فِيهِ قَضِيَّةً وَنَلْعَنَ " أَرِيُوسَ " وَنَشْرَحَ الدِّينَ وَنُوَضِّحَهُ لِلنَّاسِ.
فَبَعَثَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْمَلِكُ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ فَجَمَعَ الْبَطَارِكَةَ وَالْأَسَاقِفَةَ فَاجْتَمَعَ فِي مَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ " بَعْدَ سَنَةٍ وَشَهْرَيْنِ، أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أُسْقُفًّا، وَكَانُوا مُخْتَلِفِي الْآرَاءِ مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ وَمَرْيَمُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُمُ " الْمَرْيَمَانِيَّةُ "، وَيُسَمَّوْنَ " الْمَرْيَمِيِّينَ ".
[ ٤ / ٢٢٠ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ شُعْلَةِ نَارٍ تَعَلَّقَتْ مِنْ شُعْلَةِ نَارٍ، فَلَمْ تَنْقُصِ الْأُولَى لِإِيقَادِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " سِبَارِينُونَ " وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: لَمْ تَحْبَلْ مَرْيَمُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنَّمَا مَرَّ نُورٌ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ فِي الْمِيزَابِ، لِأَنَّ " كَلِمَةَ اللَّهِ " دَخَلَتْ مِنْ أُذُنِهَا وَخَرَجَتْ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الْوَلَدُ مِنْ سَاعَتِهَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " أُلْبَانَ " وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِنْسَانٌ خُلِقَ مِنَ اللَّاهُوتِ كَوَاحِدٍ مِنَّا فِي جَوْهَرِهِ، وَأَنَّ ابْتِدَاءَ الِابْنِ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ اصْطُفِيَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْجَوْهَرِ الْإِنْسِيِّ، صَحِبَتْهُ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ فَحَلَّتْ فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَالْمَشِيئَةُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ " ابْنُ اللَّهِ " وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، يُسَمُّونَهُ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْكَلِمَةِ وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهِيَ مَقَالَةُ " بُولُصَ الشِّمْشَاطِيِّ " بَطْرَكِ أَنْطَاكِيَةَ وَأَشْيَاعِهِ، وَهُمُ " الْبُولْيَانِيُّونَ ".
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، لَمْ يَزَلْ صَالِحٌ وَطَالِحٌ وَعَدْلٌ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " مَرْقِيُونَ " وَأَشْيَاعِهِ.
[ ٤ / ٢٢١ ]
وَزَعَمُوا أَنَّ " مَرْقِيُونَ " رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ، وَأَنْكَرُوا " بُطْرُسَ " السَّلِيحَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: رَبُّنَا هُوَ الْمَسِيحُ، وَهِيَ مَقَالَةُ " بُولُسَ " الرَّسُولِ، وَمَقَالَةُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا.
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْمَلِكُ مَقَالَاتِهِمْ، عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَأَخْلَى لَهُمْ دَارَا وَتَقَدَّمَ لَهُمْ بِالْإِكْرَامِ وَالضِّيَافَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَنَاظَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لِيَنْظُرَ مَنْ مَعَهُ الْحَقُّ فَيَتَّبِعَهُ.
فَاتَّفَقَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ، فَنَاظَرُوا بَقِيَّةَ الْأَسَاقِفَةِ الْمُخْتَلِفِينَ فَأَفْلَجُوا عَلَيْهِمْ حُجَجَهُمْ وَأَظْهَرُوا الدِّينَ الْمُسْتَقِيمَ، وَكَانَ أَيْضًا بَاقِي الْأَسَاقِفَةِ مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ وَالْآرَاءِ.
وَصَنَعَ الْمَلِكُ لِلثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا مَجْلِسًا خَاصًّا عَظِيمًا، وَجَلَسَ فِي وَسَطِهِ، وَأَخَذَ خَاتَمَهُ وَسَيْفَهُ وَقَضِيبَهُ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ سَلَّطْتُكُمُ الْيَوْمَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ لِتَصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ، لِتَصْنَعُوا مَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَصْنَعُوا مِمَّا فِيهِ قِوَامُ الدِّينِ وَصَلَاحُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَبَارَكُوا عَلَى الْمَلِكِ وَقَلَّدُوهُ سَيْفَهُ، وَقَالُوا لَهُ: أَظْهِرْ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَذُبَّ عَنْهُ.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
وَوَضَعُوا لَهُ أَرْبَعِينَ كِتَابًا، فِيهَا السُّنَنُ وَالشَّرَائِعُ، وَفِيهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ الْأَسَاقِفَةُ وَمَا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهَا.
وَكَانَ رَئِيسُ الْمَجْمَعِ وَالْمُقَدَّمُ فِيهِ " الْأَكْصَنْدَرُوسَ " بَطْرِيَرْكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَطْرَكَ الْإِنْطَاكِيَةِ، وَأُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَوَجَّهَ بَطْرَكُ رُومِيَّةَ مِنْ عِنْدِهِ رَجُلَيْنِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى نَفْيِ " أَرِيُوسَ " وَأَصْحَابِهِ وَلَعَنُوهُمْ وَكُلَّ مَنْ قَالَ مَقَالَتَهُ، وَوَضَعُوا تِلْكَ الْأَمَانَةَ، وَثَبَّتُوا أَنَّ الِابْنَ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ الِابْنَ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَبِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِصْحُ النَّصَارَى فِي يَوْمِ الْأَحَدِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ فِصْحِ الْيَهُودِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِصْحُ الْيَهُودِ مَعَ فِصْحِ النَّصَارَى فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَثَبَّتُوا مَا وَضَعَهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ حِسَابِ الصَّوْمِ وَالْفِصْحِ،
[ ٤ / ٢٢٣ ]
وَأَنْ يَكُونَ فِطْرُ النَّصَارَى يَوْمَ فِصْحِهِمْ، يَوْمَ الْأَحَدِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ فِصْحِ الْيَهُودِ.
لِأَنَّ النَّصَارَى كَمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلُ كَانُوا إِذَا عَيَّدُوا عِيدَ الْحَمِيمِ وَهُوَ عِيدُ الْغِطَاسِ صَامُوا مِنَ الْغَدِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَيُفْطِرُونَ.
فَإِذَا كَانَ عِيدُ الْيَهُودِ عَيَّدُوا مَعَهُمُ الْفِصْحَ، فَصَيَّرُوا يَوْمَ الْفِصْحِ لِلْفِطْرِ، وَمَنَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلْأُسْقُفِّ زَوْجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسَاقِفَةَ مُنْذُ وَقْتِ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى مَجْمَعِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ كَانَ لَهُمْ نِسَاءٌ، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا اخْتِيرَ وَاحِدٌ أُسْقُفًّا وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ، تَبِيتُ مَعَهُ وَلَمْ تَتَنَحَّ عَنْهُ، مَا خَلَا الْبَطَارِكَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نِسَاءٌ وَلَا كَانُوا أَيْضًا يُصَيِّرُونَ أَحَدًا بَطْرَكًا لَهُ زَوْجَةٌ.
قَالَ: وَانْصَرَفُوا مُكْرَمِينَ مَحْظُوظِينَ، وَذَلِكَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلِكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: وَسَنَّ " قُسْطَنْطِينُ " الْمَلِكُ ثَلَاثَ سُنَنٍ:
أَحَدُهَا: كَسْرُ الْأَصْنَامِ وَقَتْلُ كُلِّ مَنْ يَعْبُدُهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُثْبَتَ فِي الدِّيوَانِ إِلَّا أَوْلَادُ النَّصَارَى، وَيَكُونُونَ أُمَرَاءَ وَقُوَّادًا.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يُقِيمَ النَّاسُ جُمُعَةَ الْفِصْحِ وَالْجُمُعَةَ الَّتِي بَعْدَهَا لَا يَعْمَلُونَ فِيهَا عَمَلًا، وَلَا يَكُونُ فِيهَا حَرْبٌ.
قَالَ: وَتَقَدَّمَ " قُسْطَنْطِينُ " إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَطْلُبَ مَوْضِعَ الْمَقْبَرَةِ وَالصَّلِيبِ، وَيَبْنِيَ الْكَنَائِسَ وَيَبْدَأَ بِبِنَاءِ الْقِيَامَةِ الْمُقَدَّسَةِ.
فَقَالَتْ " هِيلَانَةُ " أُمُّ " قُسْطَنْطِينَ " لِلْمَلِكِ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَصِيرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَطْلُبَ الْمَوَاضِعَ الْمُقَدَّسَةَ فَأَبْنِيَهَا، فَدَفَعَ الْمَلِكُ إِلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً جَزِيلَةً.
وَسَارَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا وَصَلَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حِرْصٌ وَلَا هِمَّةٌ إِلَّا طَلَبَ الصَّلِيبِ.
فَجَمَعَتِ الْيَهُودَ وَالسُّكَّانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاخْتَارَتْ مِنْهُمْ عَشْرَةً، وَمِنَ الْعَشْرَةِ ثَلَاثَةً كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: " يَهُوذَا " فَسَأَلَتْهُمْ أَنْ يَدُلُّوهَا عَلَى مَوْضِعِ الصَّلِيبِ فَامْتَنَعُوا، وَقَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا عِلْمٌ مِنْهُ وَلَا خِبْرَةٌ بِالْمَوْضِعِ.
فَأَمَرَتْ بِهِمْ فَطَرَحَتْهُمْ فِي جُبٍّ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، فَأَقَامُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُطْعَمُوا وَلَمْ يُسْقَوْا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ الَّذِي اسْمُهُ يَهُوذَا لِصَاحِبَيْهِ: إِنَّ أَبَاهُ عَرَّفَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَطْلُبُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَإِنَّ جَدَّهُ عَرَّفَ أَبَاهُ.
فَصَاحَ الِاثْنَانِ مِنَ الْجُبِّ: أَخْرِجُونَا حَتَّى نُعْلِمَ الْمَلِكَةَ بِحَالِ هَذَا الرَّجُلِ.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
فَأَخْرَجُوهُمْ، فَأَخْبَرُوا الْمَلِكَةَ بِمَا قَالَ لَهُمَا " يَهُوذَا " فَأَمَرَتْ بِضَرْبِهِ بِالسِّيَاطِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ، فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْمَقْبَرَةُ وَالْأَقْرَانِيُّونَ، وَكَانَتْ مَزْبَلَةٌ عَظِيمَةٌ هُنَاكَ، فَصَلَّى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَقْبَرَةُ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُزَلْزِلَ الْمَكَانَ وَتُخْرِجَ مِنْهُ دُخَانًا حَتَّى نُؤْمِنَ، فَزُلْزِلَ الْمَوْضِعُ وَخَرَجَ مِنْهُ دُخَانٌ كَمَا سَأَلَ فَآمَنَ.
فَأَمَرَتْ " هِيلَانَةُ " بِكَنْسِ الْمَوْضِعِ مِنَ التُّرَابِ، فَظَهَرَتِ الْمَقْبَرَةُ وَالْأَقْرَانِيُّونَ وَوُجِدَ ثَلَاثَةُ صُلْبَانٍ، قَالَتْ " هَيْلَانَةُ " كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ بِصَلِيبِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ؟ وَكَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ عَلِيلٌ شَدِيدُ الْعِلَّةِ قَدْ يُئِسَ مِنْهُ، فَوُضِعَ الصَّلِيبُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَقَامَ الْمَرِيضُ وَلَيْسَ بِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُ.
فَعَلِمَتْ " هِيلَانَةُ " أَنَّهُ الصَّلِيبُ الَّذِي لِسَيِّدِنَا الْمَسِيحِ، فَجَعَلَتْهُ فِي غِلَافٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَحَمْلَتْهُ مَعَهَا وَجَمَّلَتْهُ بِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَتْ كُلَّ مَا كَانَ مَدْفُونًا مِنْ آثَارِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ وَحَمَلَتْهُ إِلَى ابْنِهَا " قُسْطَنْطِينَ " وَبَنَتْ كَنِيسَةَ الْقِيَامَةِ فِي مَوْضِعِ الصَّلِيبِ وَالْأَقْرَانِيُّونَ وَكَنِيسَةَ " قُسْطَنْطِينَ "، وَانْصَرَفَتْ وَأَمَرَتْ أُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَبْنِيَ بَاقِيَ الْكَنَائِسَ، وَذَلِكَ فِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: فَمِنْ مِيلَادِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ إِلَى أَنْ وُجِدَ الصَّلِيبُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَذَكَرَ أَنَّهُ بَعْدَ هَذَا اجْتَمَعُوا بِمَجْمَعٍ عَظِيمٍ بِبَيْتِ
[ ٤ / ٢٢٦ ]
الْمَقْدِسِ.
وَكَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ قَدْ دَسَّهُ بَطْرَكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ لِيَسْأَلُوا بَطْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ أَظْهَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَرِيُوسَ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَهُ وَيَقُولُ بِمَقَالَتِهِ، فَقَامَ هَذَا الرَّجُلُ وَاسْمُهُ " مَانْيُوسُ " فَقَالَ: إِنَّ " أَرِيوُسَ " لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْمَسِيحَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ، وَلَكِنْ قَالَ بِهِ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ، لِأَنَّهُ " كَلِمَةُ اللَّهِ " الَّتِي بِهَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِكَلِمَتِهِ، وَلَمْ تَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ كَلِمَتُهُ، كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ: " كُلٌّ بِيَدِهِ كَانَ، وَمِنْ دُونِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ ". فَقَالَ: بِهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ نُورُ الْبَشَرِ. وَقَالَ: فِي هَذَا الْعَالَمِ وَالْعَالَمُ بِهِ تَكَوَّنَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ بِهِ تَكَوَّنَتْ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهَا كُوِّنَتْ لَهُ، قَالَ: فَهَذِهِ كَانَتْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " وَلَكِنَّ الثَّلَاثَمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا تَعَدَّوْا عَلَيْهِ وَظَلَمُوهُ وَحَرَّمُوهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
فَرَدَّ عَلَيْهِ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَقَالَ: أَمَّا " أَرِيُوسُ " فَلَمْ يَكْذِبْ عَلَيْهِ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا وَلَا ظَلَمُوهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: " إِنَّ الِابْنَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْأَبِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ إِنَّمَا خُلِقَتْ بِالِابْنِ دُونَ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ لَهَا خَالِقًا، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا خُلِقَ مِنْهَا شَيْئًا، وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْمَسِيحِ، قَوْلَهُ: " الْأَبُ يَخْلُقُ وَأَنَا أَخْلُقُ " وَقَالَ: " إِنْ أَنَا لَمْ أَعْمَلْ عَمَلَ أَبِي
[ ٤ / ٢٢٧ ]
فَلَا تُصَدِّقُونِي ". وَقَالَ: " كَمَا أَنَّ الْأَبَ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُهُ، كَذَلِكَ الِابْنُ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُهُ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُحْيِي وَيَخْلُقُ، وَفِي هَذَا تَكْذِيبٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَإِنَّمَا خُلِقَتْ بِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ كُوِّنَتْ بِهِ، فَإِنَّمَا كُنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ حَيٌّ فَعَالٌ، وَكَانَ قَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ: " إِثْمًا أَفْعَلُ الْخَلْقَ وَالْحَيَاةَ " كَانَ قَوْلُكَ: (بِهِ كُوِّنَتِ الْأَشْيَاءُ) إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُ كَوَّنَهَا فَكَانَتْ بِهِ مُكَوَّنَةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَتَنَاقَضَ الْقَوْلَانِ.
قَالَ: وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فَقَالَ: (أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ ": إِنَّ الْأَبَ يُرِيدُ الشَّيْءَ فَيُكَوِّنُهُ الِابْنُ، وَالْإِرَادَةُ لِلْأَبِ وَالتَّكْوِينُ لِلِابْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَفْسُدُ أَيْضًا إِذْ كَانَ الِابْنُ عِنْدَهُ مَخْلُوقًا فَقَدْ صَارَ حَظُّ الْمَخْلُوقِ فِي الْخَلْقِ أَوْفَى مِنْ حَظِّ الْخَالِقِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَرَادَ وَفَعَلَ، وَذَاكَ أَرَادَ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَهَذَا أَوْفَرُ حَظًّا فِي فِعْلِهِ مِنْ ذَاكَ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلِهِ لِمَا يُرِيدُ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مِنَ الْخَلْقِ لِمَا يُرِيدُ الْخَالِقُ مِنْهُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِي الْجَبْرِ وَالِاخْتِيَارِ، فَإِنْ كَانَ
[ ٤ / ٢٢٨ ]
مَجْهُولًا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا فَجَائِزٌ أَنْ يُطَاعَ، وَجَائِزٌ أَنْ يُعْصَى وَجَائِزٌ أَنْ يُثَابَ، وَجَائِزٌ أَنْ يُعَاقَبَ، وَهَذَا أَشْنَعُ فِي الْقَوْلِ.
قَالَ: وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْخَالِقُ إِنَّمَا خَلَقَ خَلْقَهُ بِمَخْلُوقٍ، فَالْمَخْلُوقُ غَيْرُ الْخَالِقِ بِلَا شَكٍّ، فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْخَالِقَ يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ، وَالْفَاعِلُ بِغَيْرِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى مُتَمِّمٍ لِيَفْعَلَ بِهِ إِذْ كَانَ لَا يَتِمُّ لَهُ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ مَنْقُوصٌ، وَالْخَالِقُ يَتَعَالَى عَنْ هَذَا كُلِّهِ.
قَالَ: فَلَمَّا دَحَضَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ حُجَجَ أُولَئِكَ الْمُخَالِفِينَ وَظَهَرَ لِمَنْ حَضَرَ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ، تَحَيَّرُوا وَخَجِلُوا فَوَثَبُوا عَلَى بَطْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُقْتَلَ، فَخَلَّصَهُ مِنْ أَيْدِيهِمُ ابْنُ أُخْتِ " قُسْطَنْطِينَ "، وَهَرَبَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الْمُحْتَجُّ عَلَى أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ " وَصَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ أَحَدٍ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ، ثُمَّ أَصْلَحَ دُهْنَ الْمَيْرُونِ وَقَدَّسَ الْكَنَائِسَ وَمَسَحَهَا بِدُهْنِ الْمَيْرُونِ، وَسَارَ إِلَى الْمَلِكِ فَأَعْلَمَهُ بِالْخَبَرِ فَصَرَفَهُ الْمَلِكُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
[فَصْلٌ: مُتَابَعَةُ حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ عَنِ النَّصَارَى وَمُنَاقَشَتُهُ فِي ذَلِكَ]
قَالَ: وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ لَا يَسْكُنَ يَهُودِيٌّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَلَا يَجُوزَ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَنَصَّرْ يُقْتَلْ. فَتَنَصَّرَ مِنَ الْيَهُودِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَظَهَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَقِيلَ لِـ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ: إِنَّ الْيَهُودَ يَتَنَصَّرُونَ مَنْ فَزِعِ الْقَتْلِ وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ. قَالَ الْمَلِكُ: كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؟
قَالَ بُولُسُ الْبَتْرَكُ: إِنَّ الْخِنْزِيرَ فِي التَّوْرَاةِ حَرَامٌ وَالْيَهُودُ لَا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، فَأْمُرْ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا وَتُطْعِمَهُمْ مِنْهَا، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ.
فَقَالَ الْمَلِكُ: إِذَا كَانَ الْخِنْزِيرُ فِي التَّوْرَاةِ حَرَامًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَنُطْعِمَهُ لِلنَّاسِ؟
فَقَالَ لَهُ " بُولُسُ " الْبَتْرَكُ: إِنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ قَدْ أَبْطَلَ كُلَّ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَجَاءَ بِنَامُوسٍ آخَرَ وَبِتَوْرَاةٍ جَدِيدَةٍ وَهُوَ الْإِنْجِيلُ، وَفِي إِنْجِيلِهِ الْمُقَدَّسِ: (أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يُنْجِسُ، وَإِنَّمَا يُنْجِسُ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ) .
[ ٤ / ٢٣٠ ]
وَقَالَ بُولُسُ الرَّسُولُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ مَدِينَةِ " فُورِينْيُوسَ " الْأُولَى: (الطَّعَامُ لِلْبَطْنِ آلَتُهُ لَهَا، وَالْبَطْنُ لِلطَّعَامِ، وَلَهُ يُلْعَنُ) . وَمَكْتُوبٌ فِي " الْإِبْرِكْسِسِ " يَعْنِي أَخْبَارَ الْحَوَارِيِّينَ: أَنَّ بُطْرُسَ رَئِيسَ الْحَوَارِيِّينَ كَانَ فِي مَدِينَةِ " يَافَا " فِي مَنْزِلِ رَجُلٍ دَبَّاغٍ يُقَالُ لَهُ: " سِيمُونُ "، وَأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى الْمَنْزِلِ لِيُصَلِّيَ وَقْتَ سِتِّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ سُبَاتٌ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ قَدْ تَفَتَّحَتْ وَإِذَا إِزَارٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى بَلَغَ الْأَرْضَ.
وَفِيهِ: كُلُّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَيْرِ السَّمَاءِ. وَسَمِعَ صَوْتًا يَقُولُ لَهُ: يَا بُطْرُسُ، قُمْ فَاذْبَحْ وَكُلْ، فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا رَبِّ مَا أَكَلْتُ شَيْئًا نَجِسًا قَطُّ وَلَا وَسِخًا قَطُّ فَجَاءَ
[ ٤ / ٢٣١ ]
صَوْتٌ ثَانٍ: كُلُّ مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ بِنَجِسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَا تُنَجِّسْهُ أَنْتَ.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ بِهَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ إِنَّ الْإِزَارَ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، فَعَجِبَ بُطْرُسُ وَتَحَيَّرَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ.
فَبِهَذَا الْمَنْظَرِ وَبِمَا قَالَ سَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فِي إِنْجِيلِهِ الْمُقَدَّسِ، أَمَرَ بُطْرُسُ وَبُولُسُ أَنْ نَأْكُلَ كُلَّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ مِنَ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ حَلَالًا لَنَا.
فَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا وَتُقَطَّعَ صِغَارًا صِغَارًا وَتَصِيرَ عَلَى أَبْوَابِ الْكَنَائِسِ فِي كُلِّ مَمْلَكَتِهِ يَوْمَ أَحَدِ الْفِصْحِ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْكَنِيسَةِ يَلْقُمُ لُقْمَةً مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ يُقْتَلْ، فَقُتِلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ لِـ " قُسْطَنْطِينَ " ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ أَكْبَرُهُمْ " قُسْطَنْطِينُ " بْنُ " قُسْطَنْطِينَ " وَذَلِكَ حِينَ مَلَكَ " أَزْدَشِيُرُ بْنُ سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " عَلَى الْفُرْسِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ " سَابُورُ بْنُ سَابُورَ " لِخَمْسِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ اجْتَمَعَ أَصْحَابُ " أَرِيُوسَ " وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ إِلَى الْمَلِكِ " قُسْطَنْطِينَ "، فَحَمَلُوا لَهُ دِينَهُمْ وَمَقَالَتَهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّ الثَّلَاثَمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا الَّذِينَ كَانُوا اجْتَمَعُوا بِنِيقِيَّةَ قَدْ أَخْطَأُوا وَحَادُوا عَنِ الْحَقِّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الِابْنَ مُتَّفِقٌ مَعَ الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، فَتَأْمُرُ أَنْ لَا يُقَالَ هَذَا، فَإِنَّهُ خَطَأٌ. فَأَرَادَ الْمَلِكُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ ظَهَرَ عَلَى " الْأَقْرَانِيُّونَ " وَهُوَ الْجَلْجَلَةُ نِصْفَ النَّهَارِ صَلِيبٌ مِنْ نُورٍ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ يَفُوقُ ضَوْءُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَكَانَ يَبْلُغُ إِلَى طُورِ زَيْتَا فَرَأَى ذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
فَكَتَبَ أُسْقُفُّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى " قُسْطَنْطِينَ " بْنِ " قُسْطَنْطِينَ " بِالْخَبَرِ وَقَالَ: فِي أَيَّامِ أَبِيكَ السَّعِيدِ ظَهَرَ صَلِيبٌ كَوَاكِبُ مِنَ السَّمَاءِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ، وَفِي أَيَّامِكَ ظَهَرَ أَيُّهَا الْمَلِكُ عَلَى " الْأَقُرَانِيُّونَ " صَلِيبٌ مِنْ نُورٍ يَفُوقُ نُورُهُ نُورَ الشَّمْسِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ قَوْلَ أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ " فَإِنَّهُمْ حَائِدُونَ عَنِ الْحَقِّ كُفَّارٌ، قَدْ لَعَنَهُمُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا، وَلَعَنُوا كُلَّ مَنْ يَقُولُ بِمَقَالَتِهِمْ. فَقِيلَ قَوْلُهُ.
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَلَبَتْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَبَابِلَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
فَسُمِّيَ التَّابِعُونَ لِأَرِيُوسَ وَالْقَائِلُونَ بِمَقَالَتِهِ " أَرِيُوسِيِّيِنَ " مُشْتَقًّا مِنَ اسْمِهِ.
قَالَ: وَفِي ثَانِي سَنَةٍ مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ " صُيِّرَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ بَطْرَكٌ أَرِيُوسِيٌّ، ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ أَرِيُوسِيٌّ، ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ مَنَانِيٌّ، وَصُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ بَتْرَكٌ مَنَانِيٌّ.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
قَالَ فَفِي عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ صُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ بَطْرَكٌ، وَكَانَ يَقُولُ: رُوحَ الْقُدُسِ مَخْلُوقَةٌ، وَأَقَامَ عَشْرَ سِنِينَ وَمَاتَ.
وَنُقِلَ بَعْدَ ذَلِكَ بَطْرَكُ أَنْطَاكِيَةَ فَصُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَكَانَ مَنَانِيًّا.
قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ " أَرِيُوسِيِّينَ " وَ" مَنَانِيِّينَ " فَغَلَبُوا عَلَى كَنَائِسِ مِصْرَ فَأَخَذُوهَا وَوَثَبُوا عَلَى بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَاسْتَخْفَى، وَصَيَّرُوا عَلَى إِسْكَنْدَرِيَّةَ بَتْرَكًا مَنَانِيًّا.
وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَدِمَ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَائِدٌ، وَكَانَ أَرِيُوسِيًّا، فَنَفَى الْمَلِكِيَّ وَأَقَامَ بَطْرَكًا أَرِيُوسِيًّا.
فَلَمَّا خَرَجَ الْقَائِدُ قَتَلَ الْمَلِكِيُّونَ ذَلِكَ الْبَتْرَكَ الْأَرِيُوسِيَّ وَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
وَمَاتَ الْمَلِكُ " قُسْطَنْطِينُ " بْنُ " قُسْطَنْطِينَ " وَلَهُ فِي الْمُلْكِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ " يُولْيَانُوسُ " الْمَلِكُ الْكَافِرُ عَلَى الرُّومِ سِنِينَ، وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ الشُّهَدَاءِ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ وَثَبَ الْأَرِيُوسِيُّونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى أُسْقُفِّهَا الْمَلِكِيِّ الَّذِي كَتَبَ بِظُهُورِ الصَّلِيبِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَصَيَّرُوا أُسْقُفًّا أَرِيُوسِيًّا.
قَالَ: وَفِي ثَانِي سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ، صَيَّرَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ بَطْرَكًا عَلَى الْأَمَانَةِ، أَقَامَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ رِيَاسَتِهِ، كَانَ الْمَجْمَعُ الثَّانِي بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: وَكَانَ فِي عَصْرِهِ أَهْلُ مَدِينَةِ " نَيِرْيَارَ " كُلُّهُمْ صَابِئُونَ، فَوَضَعَ
[ ٤ / ٢٣٦ ]
أُسْقُفُّ " نِيِرْيَارَ مِيمْرَا " فِي مِيلَادِ الْمَسِيحِ وَيَقُولُ فِي ابْتِدَائِهِ الْمَيْمَرَ: السَّيِّدُ وُلِدَ مَخْتُونًا، فَخُذُوا الْمَسِيحَ مِنَ السَّمَاءِ وَاسْتَقْبِلُوهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِمُ اسْتَهْزَأُوا بِهِ، وَأَقْبَلُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ عِيدُ الْحَمِيمِ، وَضَعَ " مَيْمَرَا " فِي عِيدِ الْحَمِيمِ، هَتَكَ فِيهِ دِينَ الصَّابِئِينَ وَفَضَحَهُمْ فِيهِ، وَمَكَّنَ فِيهِ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ.
قَالَ: وَكَانَ فِي عَصْرِ " يُولْيَانُوسَ " الْمَلِكِ الْكَافِرِ أَوَّلُ رَاهِبٍ سَكَنَ بَرِّيَّةَ مِصْرَ وَبَنَى الدِّيَارَاتِ وَجَمَعَ الرُّهْبَانَ.
وَكَانَ آخَرُ بِالشَّامِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ بَرِّيَّةَ " الْأُرْدُنِّ " وَجَمَعَ الرُّهْبَانَ وَبَنَى الدِّيَارَاتِ.
قَالَ: وَخَرَجَ هَذَا الْمَلِكُ الْكَافِرُ لِقِتَالِ " سَابُورَ " مَلِكِ الْفُرْسِ، فَلِسُوءِ مَذْهَبِهِ وَرَدَاءَةِ دِينِهِ وَمَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، ظَفَرَ بِهِ مَلِكُ
[ ٤ / ٢٣٧ ]
الْفُرْسِ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.
وَذَكَرَ أُسْقُفُّ " قَيْسَارِيَّةَ " أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي مِحْرَابِهِ وَحِذَاؤُهُ لَوْحٌ فِيهِ صُورَةُ " مَارِي مَرْكُورُسَ " الشَّاهِدِ، فَنَظَرَ إِلَى اللَّوْحِ فَلَمْ يَرَ فِيهِ صُورَةَ الشَّاهِدِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ إِذْ غَابَتْ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى عَادَتْ صُورَةُ الشَّاهِدِ إِلَى اللَّوْحِ، وَفِي طَرَفِ الْحَرْبَةِ الْمُصَوَّرَةِ الَّتِي فِي يَدِ الشَّاهِدِ شَبِيهٌ بِالدَّمِ، فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ الْمَلِكَ الْكَافِرَ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ.
فَعَلِمَ أَنَّ " مَارِي مَرْكُوسَ " الشَّاهِدَ قَتَلَهُ ; لِشِدَّةِ بُغْضِهِ الَّذِي كَانَ لِلنَّصَارَى، وَمَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.
وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا جَمَاعَةً مِنَ الْبَتَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ، كَانَ بَعْضُهُمْ أَرِيُوسِيًّا وَبَعْضُهُمْ مَنَانِيًّا وَبَعْضُهُمْ مَلَكِيًّا، وَذَكَرَ فِتَنًا بَيْنَهُمْ وَتَعَصُّبَ كُلِّ طَائِفَةٍ لِبَتْرَكِهَا حَتَّى يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَنْفِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ النَّصَارَى وَكَثُرَتْ مَقَالَاتُهُمْ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ "، وَأَنَّهُمْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا اسْمُهُ " تِذُوسُ "، وَأَنَّ
[ ٤ / ٢٣٨ ]
الْوُزَرَاءَ وَالْقُوَّادَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ذَاكِرِينَ أَنَّ مَقَالَاتِ النَّاسِ اخْتَلَفَتْ وَفَسَدَتْ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " وَ" مَقْدِينُوسَ " فَيَنْظُرُ الْمَلِكُ فِي هَذَا وَيَذُبُّ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ وَيُوَضِّحُ الْأَمَانَةَ الْمُسْتَقِيمَةَ.
وَكَتَبَ إِلَى بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَرُومِيَّةَ وَأَسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَحَضَرُوا مَعَ أَسَاقِفَتِهِمْ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ، إِلَّا بَطْرَكَ رُومِيَّةَ، فَإِنَّهُ كَتَبَ وَأَنْفَذَ بِالْأَمَانَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ.
فَاجْتَمَعَ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أُسْقُفًّا، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ الْبَطَارِكَةُ الثَّلَاثَةُ، فَدَفَعَ الْمَلِكُ إِلَيْهِمْ كِتَابَ بَطْرَكِ رُومِيَّةَ، فَكَانَ صَحِيحًا مُوَافِقًا، وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ إِلَهٌ، وَلَكِنْ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ.
فَقَالَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ: لَيْسَ رُوحُ الْقُدُسِ عِنْدِي مَعْنًى غَيْرَ
[ ٤ / ٢٣٩ ]
حَيَاتِهِ، فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ حَيَاتَهُ مَخْلُوقَةٌ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ حَيَاتَهُ مَخْلُوقَةٌ، فَقَدْ زَعَمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ، وَإِذَا زَعَمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ، فَقَدْ كَفَرْنَا، وَمَنْ كَفَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ اللَّعْنُ.
فَاتَّفَقُوا عَلَى لَعْنِ " مَقْدُونْيُوسَ " فَلَعَنُوهُ وَأَشْيَاعَهُ، وَلَعَنُوا الْبَطَارِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ، وَلَعَنُوا أُسْقُفَّ لُونِيَّةَ وَأَشْيَاعَهُ، وَلَعَنُوا " بُولِينَارْيُوسَ " وَأَشْيَاعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ وَجْهٌ وَاحِدٌ.
وَلَعَنُوا " بُولِينَارْيُوسَ " وَأَشْيَاعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ جَسَدَ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ بِغَيْرِ فِعْلٍ.
وَثَبَّتُوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ خَالِقَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ إِلَهٌ حَقٌّ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ الْأَبِ وَالِابْنِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَزَادَ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي مَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ ": (وَبِرُوحِ الْقُدُسِ الْمُحْيِي الْمُمِيتِ الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ) .
[ ٤ / ٢٤٠ ]
وَثَبَّتُوا أَنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ وَثَلَاثَةُ وُجُوهٍ وَثَلَاثَةُ خَوَاصٍّ فِي وَحْدَانِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكِيَانٍ وَاحِدٍ، وَثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ إِلَهٌ وَاحِدٌ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَثَبَتُوا أَنَّ جَسَدَ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ بِنَفْسٍ نَاطِقَةٍ عَقْلِيَّةٍ.
قَالَ: فَمِنَ الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ إِلَى هَذَا الْمَجْمَعِ الثَّانِي ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً.
قَالَ: وَأَطْلَقَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِلْبَطَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالرُّهْبَانِ أَكْلَ اللَّحْمِ مِنْ أَجْلِ الْمَنَانِيَّةِ لِيُعْرَفَ الْمَنَانِيُّ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْمَنَانِيَّةَ لَا يَرَوْنَ أَكْلَ اللَّحْمِ وَلَا شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَتَّةَ.
وَكَانَ أَكْثَرُ أَسَاقِفَةِ مِصْرَ مَنَانِيَّةً، فَأَكَلَ بَطَارِكَةُ مِصْرَ وَأُسْقُفُّهُمُ اللَّحْمَ.
وَأَمَّا بَطَارِكَةُ رُومِيَّةَ وَقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَأَسَاقِفَتُهَا وَرُهْبَانُهَا، فَلَمْ يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَأَكَلُوا بَدَلَ اللَّحْمِ السَّمَكَ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ اللَّحْمِ إِذْ كَانَ حَيَوَانًا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: لَمْ يُطْلَقْ أَكْلُ اللَّحْمِ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَاضُونَ مِنْهُ بِالسَّمَكِ، إِذْ لَيْسَ بِذَبِيحَةٍ، وَيَمْنَعُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ إِذْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ الَّذِينَ أَقَامُوا السَّمَكَ مَقَامَ اللَّحْمِ، وَسَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فَقَدْ أَكَلَ
[ ٤ / ٢٤١ ]
اللَّحْمَ، فَوَجَبَ ضَرُورَةُ أَكْلِ اللَّحْمِ اقْتِدَاءً بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ، وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا فِي السَّنَةِ، لِيُزِيلُوا الشَّكَّ مِنْ مَذْهَبِ الْمَنَانِيَّةِ.
قَالَ: وَفِي " الْأَبْرِكْسِسِ " مَكْتُوبًا، مَا نَظَرَهُ " بُطْرُسُ " السَّلِيحُ بِـ " يَافَا " مِنْ تَنَزُّلِ السَّبْنِيَّةِ، وَفِيهَا كُلُّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ، وَلِهَذَا الْحُكْمِ كُلُّ مَنْ لَمْ يَأْكُلِ اللَّحْمَ مُخَالِفٌ لِشَرِيعَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَمُضَاهَاةٌ لِمَذْهَبِ الصَّابِئَةِ الرُّومِ، وَهُمْ لَا يَغْتَسِلُونَ إِلَى الْيَوْمِ، لِأَنَّ الْمَنَانِيَّةَ لَا يَرَوْنَ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ، فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الزَّمَانُ أَقَامُوهُ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا تَرَكُوا الْغُسْلَ بِالْمَاءِ، لِشِدَّةِ بَرْدِ بِلَادِهِمْ وَبَرَدِ الْمَاءِ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُمْ بِالْجُمْلَةِ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَاءَ فِي الشِّتَاءِ ; لِثَلْجِهِ وَبَرْدِهِ، فَصَارَ سُنَّةً جَارِيَةً شِتَاءً وَصَيْفًا.
وَالْمَنَانِيَّةُ صِنْفَانِ: السَّمَّاعُونَ، وَالصِّدِّيقُونَ.
فَالسَّمَّاعُونَ: يَصُومُونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَيَّامًا مَعْلُومَةً.
وَالصِّدِّيقُونَ: يَصُومُونَ الدَّهْرَ كُلَّهُ وَلَا يَأْكُلُونَ إِلَّا مَا نَبَتَ مِنَ الْأَرْضِ.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
فَلَمَّا تَنَصَّرُوا خَافُوا أَنْ يَتْرُكُوا أَكْلَ اللَّحْمِ فَيُعْلَمَ بِهِمْ، فَجَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ صِيَامًا، فَصَامُوا الْمِيلَادَ وَالْحَوَارِيِّينَ.
فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الزَّمَانُ وَتَرَبَّوْا فِي هَذَا الصَّوْمِ أَكَلُوا اللَّحْمَ، فَتَبِعَتْهُمْ فِي ذَلِكَ النَّسَاطِرَةُ وَالْيَعَاقِبَةُ وَالْمَارُونِيَّةُ، وَصَارَتْ سُنَّةً اسْتَحْسَنَتْهَا الْمَلِكِيَّةُ، فَتَبِعُوهُمْ وَخَاصَّةً الْمُقِيمُونَ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الرُّومُ: فَمَا تَرَكُوا أَكْلَ اللَّحْمِ فِي أَيَّامِ صَوْمِ الْمِيلَادِ وَصَوْمِ الْحَوَارِيِّينَ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّوْمِ الْكَبِيرِ.
فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ الْمِيلَادَ وَالْحَوَارِيِّينَ وَالسَّيِّدَةَ وَلَا يَأْكُلَ لَحْمًا، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَيْسَ لِأَحَدِ قَطْعُ اللَّحْمِ طُولَ السَّنَةِ إِلَّا فِي صَوْمِ الْأَرْبَعِينَ الْمُقَدَّسَةِ فَقَطْ، وَمَنْ فَعَلَ بِضِدِّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ رَاجِعٌ إِلَى أَصْحَابِ الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ.
قَالَ: وَفِي ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " ثِذُوسَ " ظَهَرَتِ الْفِتْيَةُ الَّذِينَ كَانُوا هَرَبُوا مِنْ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ وَاخْتَفَوْا فِي الْكَهْفِ.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وَذَلِكَ أَنَّ الرُّعَاةَ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ كَانُوا إِذَا جَازُوا بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ الْكَهْفُ، قَلَعُوا الطُّوبَ الْمَبْنِيَّ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ حَتَّى عَادَ مَفْتُوحًا كَالْبَابِ.
فَلَمَّا انْتَبَهَتِ الْفِتْيَةُ تَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَقَالُوا لِصَاحِبِهِمُ الَّذِي كَانَ يَذْهَبُ يَبْتَاعُ لَهُمُ الطَّعَامَ: امْضِ وَاشْتَرِ لَنَا طَعَامًا وَاسْتَعْلِمْ خَبَرَ ذَاقْنُوسَ.
فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى بَابِ الْكَهْفِ، نَظَرَ إِلَى الْبُنْيَانِ وَالْهَدْمِ ثُمَّ مَضَى حَتَّى بَلَغَ بَابَ الْمَدِينَةِ وَهِيَ " أَفْسِسَ " فَرَأَى بَابَ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ صَلِيبٌ كَبِيرٌ مَنْصُوبٌ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ: أَحْسَبُ أَنِّي نَائِمٌ، فَأَقْبَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا هَلْ يَرَى مَنْ يَعْرِفُهُ، فَلَمْ يَرَ، فَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا وَقَالَ: لَعَلِّي أَخْطَأْتُ الطَّرِيقَ، وَلَعَلَّ هَذِهِ مَدِينَةٌ أُخْرَى.
ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَدَفَعَ دَرَاهِمَ مِمَّا كَانَ مَعَهُ عَلَيْهَا صُورَةُ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: لَعَلَّهُ أَصَابَ كَنْزًا، ثُمَّ قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ.
وَصَاحَ النَّاسُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَكَلَّمُوهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، فَصَارُوا بِهِ إِلَى بَطْرِيقِ الْمَدِينَةِ وَكَلَّمَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَهَدَّدَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَجَاءَ إِلَى أُسْقُفِّ الْمَدِينَةِ فَكَلَّمَهُ وَخَوَّفَهُ وَقَالَ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُكَلِّمْنِي وَتَقُلْ لِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وَإِنَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ مِنَ الْكَلَامِ خَوْفًا مِنْ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ جَمَاعَةُ مُلُوكٍ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى آلَمَهُ الضَّرْبُ فَخَبِّرَهُمْ بِحَالِهِ عَلَى جَلِيَّتِهَا.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ " دِقْيَانُوسَ " قَدْ مَاتَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ مُلُوكٌ كَثِيرَةٌ، وَالْمَلِكُ الْيَوْمَ " ثِذُوسُ " الْكَبِيرُ، وَقَدْ ظَهَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ.
ثُمَّ سَارَ مَعَهُمْ إِلَى الْكَهْفِ فَنَظَرُوا إِلَى أَصْحَابِهِ وَالصُّنْدُوقِ النُّحَاسِ الَّذِي فِي الصَّحِيفَةِ الرَّصَاصِ مَكْتُوبٌ فِيهَا قِصَّتُهُمْ وَخَبَرُهُمْ.
فَكَثُرَ تَعَجُّبُهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى الْمَلِكِ يُعْلِمُونَهُ بَخَبَرِهِمْ، فَرَكِبَ وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ " أَفْسِسَ " فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَكَلَّمَهُمْ.
وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ دَخَلَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَهُمْ أَمْوَاتًا، فَأَمَرَ أَنْ يُتْرَكُوا فِي الْكَهْفِ وَلَا يُخْرَجُوا، وَلَكِنْ يُدْفَنُوا فِيهِ وَتُبْنَى عَلَيْهِمْ كَنِيسَةٌ، وَتُسَمَّى بِأَسْمَائِهِمْ، وَيُعَيَّدُ لَهَا عِيدٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَانْصَرَفَ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: فَمِنْ وَقْتِ هَرَبِ الْفِتْيَةِ مِنْ " ذَاقْيُوسَ " إِلَى الْكَهْفِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي ظَهَرُوا فِيهِ وَمَاتُوا، مِائَةٌ وَسَبْعٌ أَوْ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
قُلْتُ: هَذَا مِمَّا أَخْطَأَ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
لَكِنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ ذَكَرَهُ كَلَامًا مِنْهُ تَعَالَى.
قَالَ سَعِيدٌ: وَفِي زَمَنِهِ كَانَتْ قِصَّةُ بَتْرَكِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ " يُوحَنَّا " الْمُلَقَّبِ بِـ " فَمِ الذَّهَبِ " وَتَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنُهُ " ثِذُوسُ " الصَّغِيرُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ ".
وَفِي زَمَنِهِ جُعِلَ " نَسْطُورِسُ " الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ مَقَالَةُ النَّسْطُورِيَّةِ بَطْرَكًا عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: وَكَانَ " نَسْطُورِسُ " يَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ لَيْسَتْ بِوَالِدَةٍ إِلَهًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ اثْنَانِ.
أَحَدُهُمَا: الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ، وَالْآخَرُ: الَّذِي هُوَ إِنْسَانٌ مَوْلُودٌ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ مَسِيحٌ بِالْمَحَبَّةِ مُتَوَحِّدٌ مَعَ ابْنِ إِلَهٍ، وَيُقَالُ لَهُ: إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ، لَيْسَ بِالْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ مَوْهِبَةٌ، وَاتِّفَاقُ الِاسْمَيْنِ وَالْكَرَامَةِ شَبِيهًا بِأَحَدِ الْأَنْبِيَاءِ.
فَبَلَغَ قَوْلُهُ بَطْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُقَبِّحُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٢٤٦ ]
فِعْلَهُ وَمَقَالَتَهُ وَيُعَرِّفُهُ فَسَادَ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُهُ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا رَسَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يَرْجِعْ " نَسْطُورِسُ " عَنْ مَقَالَتِهِ.
فَكَتَبَ إِلَى بَطْرَكِ أَنْطَاكِيَةَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى " نَسْطُورِسَ " وَيُعَرِفَهُ قُبْحَ فِعْلِهِ وَرَأْيِهِ وَفَسَادَ مَقَالَتِهِ وَيَسْأَلُهُ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ.
فَكَتَبَ إِلَى " نَسْطُورِسَ " إِنْ هُوَ لَمْ يَرْجِعِ اجْتَمِعُوا وَالْعَنُوهُ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا رَسَائِلُ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَرْجِعْ.
فَكَتَبُوا إِلَى بَطْرَكِ رُومِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَبَطْرَكِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي مَدِينَةِ " أَفْسِسَ " لِيَنْظُرُوا فِي مَقَالَةِ " نَسْطُورِسَ ".
فَاجْتَمَعَ بِالْمَدِينَةِ مِائَتَا أُسْقُفٍّ مُقَدَّمُهُمْ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَتَأَخَّرَ بَطْرَكُ أَنْطَاكِيَةَ فَلَمْ يَنْتَظِرُوهُ وَبَعَثُوا إِلَى " نَسْطُورِسَ " فَلَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمْ، فَنَظَرُوا فِي مَقَالَتِهِ وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ اللَّعْنَ، فَلَعَنُوهُ وَنَفَوْهُ وَثَبَّتُوا أَنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ وَالِدَةُ الْإِلَهِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ حَقٌّ وَإِنْسَانٌ مَعْرُوفٌ بِطَبِيعَتَيْنِ مُتَوَحِّدَةٌ فِي الْأُقْنُومِ.
وَهَذَا هُوَ خِلَافُ الْمَحَبَّةِ، لِأَنَّ " نَسْطُورِسَ " كَانَ يَقُولُ: إِنَّ التَّحَيُّدَ (أَيِ الِاتِّحَادُ): اتِّفَاقُ الْوَجْهَيْنِ، وَأَمَّا التَّحَيُّدُ (أَيِ الِاتِّحَادُ الْمُسْتَقِيمُ): فَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ أُقْنُومًا وَاحِدًا مِنْ طَبِيعَتَيْنِ.
فَلَمَّا لَعَنُوا " نَسْطُورِسَ " قَدِمَ " يُوحَنَّا " بَطْرَكُ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمَّا وَجَدَهُمْ قَدْ لَعَنُوهُ قَبْلَ حُضُورِهِ، غَضِبَ وَقَالَ: ظَلَمْتُمْ " نَسْطُورِسَ " وَلَعَنْتُمُوهُ بَاطِلًا،
[ ٤ / ٢٤٧ ]
وَتَعَصَّبَ مَعَ " نُسْطُورِسَ " فَجَمَعَ الْأَسَاقِفَةَ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ، فَقَطَعَ بَطْرَكَ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَقَطَعَ أُسْقُفَ " أُفْسُسَ ".
فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ قُبْحَ فِعَالِهِ وَقَعَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ عَظِيمٌ، وَخَرَجُوا مِنْ " أُفْسُسَ " وَصَارَ أَصْحَابُ بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَالْمَشْرِقِيُّونَ حِزْبَيْنِ، فَلَمْ يَزَلْ " ثُذُوسُ " الْمَلِكُ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ.
وَكَتَبَ الْمَشْرِقِيُّونَ صَحِيفَةً وَثَبَّتُوا فِيهَا الْأَمَانَةَ الصَّحِيحَةَ، وَقَالُوا فِيهَا: إِنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ الْقِدِّيسَةَ وَلَدَتْ إِلَهًا رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ، الَّذِي هُوَ مَعَ أَبِيهِ فِي الطَّبِيعَةِ، وَمَعَ النَّاسِ فِي النَّاسُوتِ، وَأَقَرُّوا بِطَبِيعَتَيْنِ وَوَجْهٍ وَاحِدٍ وَأُقْنُومٍ وَاحِدٍ، وَلَعَنُوا " نُسْطُورِسَ " وَوَجَّهُوا بِالصَّحِيفَةِ إِلَى بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَقَبِلَ الصَّحِيفَةَ وَأَجَابَهُمْ عَنْهَا بِمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَمَّا قَبِلَ صَحِيفَةَ الْمَشْرِقِيِّينَ بَدَا لَهُ، وَلَمْ يَقْبَلْ طَبِيعَتَيْنِ وَوَجْهًا وَاحِدًا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: وَهُمْ فِي ذَلِكَ كَاذِبُونَ ; لِأَنَّ كُتُبَهُ تَنْطِقُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أَرْسَلَ نُسْخَةَ صَحِيفَةِ الْمَشْرِقِيِّينَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ يُعْلِمُهُمْ أَنَّ الْمَشْرِقِيِّينَ رَجَعُوا إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُوَافِقِينَ لِنُسْطُورِسَ.
قَالَ: فَمِنَ الْمَجْمَعِ الثَّانِي إِلَى الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ أُسْقُفًا الْمُجْتَمِعِينَ بِمَدِينَةِ قُسْطَنْطِينَ، وَلَعَنُوا " مَقْدُونْيُوسَ " إِلَى هَذَا الْمَجْمَعِ الْمِائَتَيْنِ أُسْقُفًا الْمُجْتَمِعِينَ بِأُفْسُسَ عَلَى " نُسْطُورِسَ " - إِحْدَى وَخَمْسُونَ سَنَةً.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
قَالَ: وَلَمَّا نُفِيَ " نُسْطُورِسُ " صَارَ إِلَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِضَيْعَةٍ فِي صَعِيدِ مِصْرَ يُقَالُ لَهَا: " إِخْمِيمُ " وَمَاتَ وَدُفِنَ بِهَا.
وَكَانَتْ مَقَالَتُهُ قَدِ انْدَرَسَتْ، فَأَحْيَاهَا مِنْ بَعْدِهِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ " مَطْرَانُ نَصِيبِينَ " فِي عَصْرِ بُوسِيطَيَانُوسَ مَلِكِ الرُّومِ وَقِبَادِ بْنِ فَيْرُوزَ مَلِكِ الْفُرْسِ، فَبَثَّهَا بِالْمَشْرِقِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ النُّسْطُورِيَّةُ بِالْمَشْرِقِ وَخَاصَّةً أَرْضَ فَارِسَ بِالْعِرَاقِ وَالْمُوصِلِ وَنَصِيبِينَ وَالْفُرَاتِ وَالْجَزِيرَةِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى النُّسْطُورِيَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأُبَيِّنَ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ وَفَسَادَهُ ; لِأَنَّ النُّسْطُورِيَّةَ فِي عَصْرِنَا هَذَا خَالَفُوا قَوْلَ " نُسْطُورَ " الْقَدِيمَ، وَزَعَمُوا أَنَّ " نُسْطُورَ " كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ وَأُقْنُومَانِ، إِلَهٌ تَامٌّ بِأُقْنُومِهِ وَجَوْهَرِهِ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ بِأُقْنُومِهِ وَجَوْهَرِهِ.
وَإِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ لَاهُوتِهِ ; لِأَنَّ الْأَبَ عِنْدَهُمْ وَلَدَ إِلَهًا وَلَمْ يَلِدْ إِنْسَانًا، وَمَرْيَمُ وَلَدَتْ إِنْسَانًا وَلَمْ تَلِدْ إِلَهًا.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَالْمَسِيحُ مَسِيحَانِ وَابْنَانِ، فَمَسِيحٌ إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ، وَمَسِيحٌ إِنْسَانٌ وَابْنُ إِنْسَانٍ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِمَرْيَمَ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ أَوْ لَمْ تَلِدْهُ.
فَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وِلَادًا رُوحَانِيًّا أَوْ جُسْمَانِيًّا.
فَإِنْ كَانَ جُسْمَانِيًّا، فَهُوَ غَيْرُ الَّذِي وَلَدَهُ الْأَبُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسِيحَانِ.
وَإِنْ كَانَ رُوحَانِيًّا، فَالْمَسِيحُ ابْنٌ وَاحِدٌ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ مَسِيحٌ وَاحِدٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ صَفِيحَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تَتَّحِدُ بِهَا النَّارُ فَإِنَّهَا سَيْفٌ وَاحِدٌ تَحْرِقُ وَتَمْنَعُ وَتَقْطَعُ وَتُضِيءُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجِهَةِ الْحَدِيدِيَّةِ هِيَ الْمُحْرِقَةُ الْمُضِيئَةُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ النَّارِ، إِذْ كَانَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَارٌ مِنَ الْحَدِيدِ غَيْرَ مُحْرِقٍ.
وَلَا الْجِهَةُ النَّارِيَّةُ هِيَ الْقَاطِعَةُ الْمَانِعَةُ، إِذْ كَانَ شَأْنُ النَّارِ الْإِضَاءَةَ وَالْإِحْرَاقَ لَا الْقَطْعَ.
فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَا وَصَحَّ مَا تَعْتَقِدُهُ الْمَلَكِيَّةُ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَبَانَ زَيْفُ قَوْلِ النُّسْطُورِيَّةِ: إِنَّ الْمَسِيحَ أُقْنُومَانِ.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
قُلْتُ: يُقَالُ لِهَذَا: إِنَّ قَوْلَ النُّسْطُورِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ، وَإِنْ كَانَا بَاطِلَيْنِ فَقَوْلُ الْمَلَكِيَّةِ أَشَدُّ بُطْلَانًا وَأَعْظَمُ كُفْرًا وَتَنَاقُضًا، وَمَا ذَكَرَهُ هَذَا بَاطِلٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَالْمَسِيحُ مَسِيحَانِ.
فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ اللَّاهُوتُ بِمُجَرَّدِهِ يُسَمَّى مَسِيحًا، فَإِنَّ النُّسْطُورِيَّةَ وَافَقُوهُمْ عَلَى بَاطِلٍ، وَهُوَ أَنَّ الرَّبَّ وَلَدَ إِلَهًا، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا غَيْرِهِ: إِنَّ صِفَةَ اللَّهِ الْقَائِمَةَ بِهِ مَوْلُودَةٌ، وَلَا أَنَّ الرَّبَّ لَهُ مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ.
وَلَكِنْ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، فَصِفَةُ اللَّهِ لَمْ يُسَمِّهَا أَحَدٌ مَسِيحًا.
فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ لَا اتِّحَادَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ مَسِيحًا، وَلَا هُنَاكَ مَسِيحٌ هُوَ إِلَهٌ، وَلَا مَسِيحٌ هُوَ ابْنُ إِلَهٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ " نُسْطُورَ " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي نَقُولُ: إِنَّهُ مَسِيحٌ مُتَوَحِّدٌ بِالْمَحَبَّةِ مَعَ ابْنِ إِلَهٍ، وَيُقَالُ لَهُ إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ، لَيْسَ بِالْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ مُوهِبَهُ.
فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْإِنْسَانُ فَقَطْ دُونَ اللَّاهُوتِ، وَأَنَّ
[ ٤ / ٢٥١ ]
الْمَسِيحَ لَيْسَ بِإِلَهٍ وَلَا ابْنِ إِلَهٍ فِي الْحَقِيقَةِ.
فَبَطَلَ مَا أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ، مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُنَا مَسِيحَانِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا بُدَّ لِمَرْيَمَ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ أَوْ لَمْ تَلِدْهُ.
فَيُقَالُ: بَلْ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ وَهُوَ غَيْرُ اللَّاهُوتِ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَبَ وَلَدَهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَسِيحَانِ، بَلْ مَسِيحٌ وَاحِدٌ إِنْسَانٌ مَخْلُوقٌ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ وَلَدَتْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وِلَادًا رُوحَانِيًّا أَوْ جُسْمَانِيًّا، فَإِنْ كَانَ رُوحَانِيًّا، فَالْمَسِيحُ ابْنٌ وَاحِدٌ، أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، مَسِيحٌ وَاحِدٌ - تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ وَحُجَّةٌ فَاسِدَةٌ دَاحِضَةٌ.
فَإِنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَلِدْ وِلَادَةً رُوحَانِيَّةً، بَلْ خَرَجَ الْوَلَدُ مِنْ فَرْجِهَا كَمَا تَخْرُجُ أَوْلَادُ النِّسَاءِ مِنْ فُرُوجِهِنَّ، سَوَاءٌ كَانَتْ عُذْرَتُهَا بَاقِيَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِصَفِيحَةِ الْحَدِيدِ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مَثَلٌ مُطَابِقٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِهِ.
فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ؟ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْمَلَكِيَّةِ وَفَسَادِ قَوْلِ خُصُومِهِمْ، فَكَيْفَ وَهُوَ تَمْثِيلٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ؟
فَإِنَّ الْحَدِيدَ إِذَا اتَّحَدَتْ بِهِ النَّارُ كَانَ الْحَدِيدُ قَدِ اسْتَحَالَ عَنْ صِفَتِهِ فَلَمْ يَبْقَ حَدِيدًا مَحْضًا، وَلَيْسَتْ نَارًا مَحْضًا، وَالْخَشَبُ
[ ٤ / ٢٥٢ ]
وَغَيْرُهُ إِذَا أُحْرِقَ وَصَارَ نَارًا، فَلَيْسَ هُوَ خَشَبًا مَحْضًا وَلَيْسَ هُوَ نَارًا مَحْضَةً بَسِيطَةً.
فَمِنْ شَأْنِ الشَّيْئَيْنِ إِذَا اتَّحَدَا، أَنْ يَسْتَحِيلَ كُلٌّ مِنْهَا إِلَى جَوْهَرٍ ثَالِثٍ وَطَبِيعَةٍ ثَالِثَةٍ لَيْسَتْ هَذَا وَلَا هَذَا، كَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ إِذَا اتَّحَدَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ جَوْهَرًا ثَالِثًا وَطَبِيعَةً ثَالِثَةً لَا لَبَنًا مَحْضًا وَلَا مَاءً مَحْضًا، وَكَذَلِكَ النَّارُ مَعَ الْحَدِيدِ أَوِ الْخَشَبِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ جَوْهَرًا ثَالِثًا لَيْسَ حَدِيدًا مَحْضًا وَلَا خَشَبًا مَحْضًا وَلَا نَارًا مَحْضَةً، لَكِنَّ الْحَدِيدَ إِذَا بَرُدَ هُوَ حَدِيدٌ، لَكِنَّهُ تَغَيَّرَتْ حَقِيقَتُهُ، فَالنَّارُ تُلِينُهُ وَتُذْهِبُ خَبَثَهُ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ اتِّحَادِهِ بِالنَّارِ كَمَا كَانَ قَبْلُ، وَالْخَشَبُ يَصِيرُ فَحْمًا وَهُوَ جَوْهَرٌ ثَالِثٌ، إِذْ كَانَ مِنْ طَبْعِ النَّارِ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي كُلِّ جَسَدٍ بِحَسَبِهِ، فَتُؤَثِّرُ فِي الْحَدِيدِ بِحَسَبِهِ، وَفِي الْخَشَبِ بِحَسَبِهِ.
وَكُلُّ شَيْئَيْنِ اتَّحَدَا فَإِنَّهُمَا يَصِيرَانِ جَوْهَرًا ثَالِثًا وَأُقْنُومًا ثَالِثًا وَطَبِيعَةً ثَالِثَةً.
فَإِنْ كَانَ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ قَدِ اتَّحَدَا - كَمَا زَعَمُوا - فَقَدِ اسْتَحَالَتْ صِفَةُ اللَّاهُوتِ وَاسْتَحَالَتْ صِفَةُ النَّاسُوتِ، فَلَمْ يَبْقَ اللَّاهُوتُ لَاهُوتًا وَلَا النَّاسُوتُ نَاسُوتًا، بَلْ صَارَا جَوْهَرًا ثَالِثًا لَا لَاهُوتًا وَلَا نَاسُوتًا، وَهُمْ يُنْكِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
فَإِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يَتَبَدَّلُ وَلَا تَسْتَحِيلُ صِفَاتُهُ بِصِفَاتِ
[ ٤ / ٢٥٣ ]
الْمُحْدَثَاتِ، وَلَا يَنْقَلِبُ الْقَدِيمُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مُحْدَثًا، وَلَا يَسْتَحِيلُ الْقَدِيمُ الرَّبُّ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ الْمُحْدَثُ إِلَى شَيْءٍ ثَالِثٍ.
بَلْ صِفَاتُ الرَّبِّ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَنْقَلِبُ وَلَا تَسْتَحِيلُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَسْتَحِيلَ إِلَى أَمْرٍ ثَالِثٍ.
ثُمَّ هَذَا الثَّالِثُ، إِنْ كَانَ قَدِيمًا خَالِقًا، صَارَ هُنَا خَالِقَيْنِ قَدِيمَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا، كَانَ الْخَالِقُ قَدْ صَارَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْخَالِقِ إِلَى خَالِقٍ آخَرَ أَوْ إِلَى مَخْلُوقٍ، مُمْتَنِعٌ ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا، أَنَّ مَا مَثَّلُوا بِهِ مِنَ الْحَدِيدَةِ الْمُحَمَّاةِ بِالنَّارِ، هِيَ جَوْهَرٌ ثَالِثٌ يَجْرِي عَلَى نَارِهَا مَا يَجْرِي عَلَى حَدِيدِهَا، فَإِذَا طُرِقَتْ، فَالتَّطْرِيقُ وَاقِعٌ عَلَى نَارِهَا كَمَا هُوَ وَاقِعٌ عَلَى حَدِيدِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا مُدَّتْ، وَكَذَلِكَ إِذَا بُصِقَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا أُلْقِيَتْ فِي الْمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا التَّمْثِيلُ مُطَابِقًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَا حَلَّ بِالنَّاسُوتِ قَدْ حَلَّ بِاللَّاهُوتِ.
فَيَكُونُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ، وَهُوَ الَّذِي صُفِعَ عِنْدَهُمْ، وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، وَجُعِلَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ، وَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ، وَصُلِبَ وَمَاتَ وَتَأَلَّمَ، كَمَا يُحْكَى مِثْلُ هَذَا عَنِ الْيَعْقُوبِيَّةِ.
وَهَذَا لَازِمٌ لِكُلِّ مَنْ قَالَ بِالِاتِّحَادِ، حَتَّى النُّسْطُورِيَّةِ إِنْ قَالُوا: إِنَّهُمَا
[ ٤ / ٢٥٤ ]
مُتَّحِدَانِ بِالْمَشِيئَةِ بِمَعْنَى أَنَّ مَشِيئَةَ هَذَا عَيْنُ مَشِيئَةِ هَذَا.
بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالُوا: إِنَّ مَشِيئَتَهُ مُوَافِقَةٌ لِمَشِيئَتِهِ، لَيْسَتْ إِيَّاهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٥] . فَذَكَرَ ﷾: أَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُمَا مَخْلُوقَانِ مَرْبُوبَانِ، إِذِ الْخَالِقُ أَحَدٌ صَمَدٌ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ.
وَذَكَرَ مَرْيَمَ مَعَ الْمَسِيحِ ; لِأَنَّ مِنَ النَّصَارَى مَنِ اتَّخَذَهَا إِلَهًا آخَرَ فَعَبَدَهَا كَمَا عَبَدَ الْمَسِيحَ.
وَالَّذِينَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَطْلُبُ مِنْهَا كُلَّ مَا يُطْلَبُ
[ ٤ / ٢٥٥ ]
مِنَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولَ لَهَا: اغْفِرِي لِي وَارْحَمِينِي، وَغَيْرَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَشْفَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى ابْنِهَا.
فَتَارَةً يَقُولُونَ: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، اشْفَعِي لَنَا إِلَى الْإِلَهِ، وَتَارَةً يَسْأَلُونَهَا الْحَوَائِجَ الَّتِي تُطْلَبُ مِنَ اللَّهِ وَلَا يَذْكُرُونَ شَفَاعَةً، وَآخَرُونَ يَعْبُدُونَهَا كَمَا يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ.
وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ هَذَا عَنْهُمْ، لَمَّا ذَكَرَ اجْتِمَاعَهُمْ عِنْدَ " قُسْطَنْطِينَ " بِـ " نِيقِيَةَ ".
قَالَ: وَكَانُوا مُخْتَلِفِي الْآرَاءِ مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ وَأُمُّهُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُمُ الْمَرْيَمَانِيُّونَ وَيُسَمَّوْنَ الْمَرْيَمَانِيَّةَ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧] . وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَحْكِ هَذَا عَنْ جَمِيعِ النَّصَارَى، بَلْ سَأَلَ
[ ٤ / ٢٥٦ ]
الْمَسِيحَ سُؤَالًا يُقَرِّعُ بِهِ مَنِ اتَّخَذَهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَيُقَالُ لِلنُّسْطُورِيَّةِ أَيْضًا: أَخْبِرُونَا عَنِ النَّاسُوتِ الَّتِي اتَّحَدَتْ بِهَا اللَّاهُوتُ وَسُمِّيَ مَسِيحًا، هَلْ لَمْ يَزَلْ مَسِيحًا مُنْذُ كَانَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ إِلَى حِينِ وَضَعَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ وَشَبَّ وَصُلِبَ وَقُتِلَ؟ أَمْ كَانَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ اتَّحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّاهُوتُ بِالنَّاسُوتِ فَكَانَ مَسِيحًا؟
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ مَسِيحًا وَهُوَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا وَلَدَتْ مَرْيَمُ إِنْسَانًا كَانَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ اتَّحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّاهُوتُ بِالنَّاسُوتِ فَكَانَ مَسِيحًا، تَرَكُوا قَوْلَهُمْ وَكَذَّبُوا الْإِنْجِيلَ وَبَوْلُصَ وَجَمِيعَ كُتُبِ الْكَنِيسَةِ، وَخَرَجُوا عَنْ مَقَالَةِ النَّصْرَانِيَّةِ.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ فِي النَّاسُوتِ عِنْدَ الْحَمْلِ، وَإِنَّهُ كَانَ مَسِيحًا وَهُوَ مَحْمُولٌ وَمَوْلُودٌ وَمُرْضَعٌ إِلَى أَنْ صُلِبَ وَقُتِلَ - قَدْ أَقَرُّوا أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا مَسِيحًا وَاحِدًا، أُقْنُومًا وَاحِدًا.
فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا التَّقْسِيمُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ النَّصَارَى الَّذِي ابْتَدَعَهُ طَوَائِفُهُمُ الثَّلَاثَةُ وَغَيْرُهُمْ، فَإِنَّ الِاتِّحَادَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ حِينِ حَمَلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَنْمُو قَلِيلًا قَلِيلًا كَنُمُوِّ جَسَدِ الْمَسِيحِ،
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وَالِاتِّحَادُ بَاطِلٌ، كَمَا قَدْ قُرِّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مُمْكِنٌ لَظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ.
فَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعَظَمَةِ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ كَانَ إِذَا كَلَّمَ مُوسَى يَظْهَرُ آيَاتُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُصَاحَبَتِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ مِمَّا ظَهَرَ أَثَرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّحِدًا وَلَا حَالًّا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَمَّا تَجَلَّى مِنْ طُورِ سَيْنَا وَأَشْرَقَ مِنْ " سَاعِيرَ " وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ " فَارَانَ " بِمَا أَنْزَلَهُ مِنْ كُتُبِهِ، ظَهَرَ آثَارُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتُهُ مُتَّحِدَةً وَلَا حَالَّةً بِفَارَانَ وَلَا طُورِ سَيْنَا، بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ.
فَكَيْفَ تَكُونُ ذَاتُهُ مُتَّحِدَةً بِمَا فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، أَوْ حَالَّةً فِيهِ، وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ؟
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ يَقُولُ النُّسْطُورِيَّةُ لَهُ: النَّاسُوتُ كَانَ مَسِيحًا مِنْ حِينِ الْحَمْلِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا مُقَدَّسًا، لَا بِمَعْنَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ.
وَإِنْ قَالُوا: الْمَسِيحُ اسْمُ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ جَمِيعًا. فَيُقَالُ: لَيْسَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مَا يَقْتَضِي هَذَا، وَالنُّسْطُورِيَّةُ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ، لَكِنْ قَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ اسْمٌ لَهُمَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ اسْمٌ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ.
ثُمَّ قَدْ يُقَالُ لِجَسَدِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ: هَذَا الْإِنْسَانُ، فَيُقَالُ وَهُوَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ أُمِّهِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ: هَذَا الْجَنِينُ وَهَذَا الْحَمْلُ. فَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَسِيحٌ بِدُونِ اللَّاهُوتِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ تَقُولُ النَّسَاطِرَةُ بِاقْتِرَانِ اللَّاهُوتِ مِنْ حِينِ الْحَمْلِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَلَدَتْ إِلَهًا، إِذْ لَمْ يَقُولُوا بِالِاتِّحَادِ، بَلْ قَالُوا: هُمَا
[ ٤ / ٢٥٨ ]
جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ، وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا وَلَمْ تَلِدِ الْآخَرَ، كَمَا تَقُولُ الْمَلَكِيَّةُ مَعَهُمْ: إِنَّهُ صُلِبَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُصْلَبِ الْآخَرُ، وَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَمُتِ الْآخَرُ، وَتَأَلَّمَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَتَأَلَّمِ الْآخَرُ.
فَكَيْفَ جَوَّزَ الْمَلَكِيَّةُ حِينَ الْمَوْتِ أَنْ يَحُلَّ الْمَوْتُ وَالصَّلْبُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَسَائِرُ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ بِأَحَدِ الْجَوْهَرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَمْ يُجَوِّزُوا - حِينَ الْوِلَادَةِ - أَنْ تَلِدَ مَرْيَمُ أَحَدَ الْجَوْهَرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ تَنَاقُضِهِمْ؟ كَقَوْلِهِمْ جَمِيعًا: إِنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّاهُوتَ مَعَ النَّاسُوتِ قَعَدَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ.
وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ الْقَاعِدَ عَنْ يَمِينِ الْآخَرِ هُوَ ذَلِكَ الْآخَرُ، وَهُمَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَإِلَهٌ وَاحِدٌ، مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، فَمُنَاقَضَتُهُمْ كَثِيرَةٌ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ النُّسْطُورِيَّةِ أَيْضًا مُتَنَاقِضٌ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ نُصَحِّحَ قَوْلَ الْمَلَكِيَّةِ دُونَ قَوْلِهِمْ، بَلْ قَوْلُ الْمَلَكِيَّةِ أَعْظَمُ فَسَادًا وَتَنَاقُضًا.
فَالنُّسْطُورِيَّةُ يَقُولُونَ: الْإِلَهُ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يُصْلَبْ.
وَالْيَعْقُوبِيَّةُ يَقُولُونَ: وُلِدَ وَصُلِبَ.
وَالْمَلَكِيَّةُ يَقُولُونَ: وُلِدَ وَلَمْ يُصْلَبْ.
وَمَتَى جَازَ أَنْ يُولَدَ، جَازَ أَنْ يَمُوتَ وَيُصْلَبَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصْلَبَ وَيَمُوتَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُولَدَ.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
فَتَجْوِيزُ أَحَدِهِمَا وَمَنْعُ الْآخَرِ تَنَاقُضٌ.
وَيُقَالُ لِلْمَلَكِيَّةِ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ عِنْدَ الْحَمْلِ، وَكَانَ مَسِيحًا وَهُوَ مَصْفُوعٌ وَمَصْلُوبٌ وَمَيِّتٌ وَمُتَأَلِّمٌ. وَتَقُولُونَ: هَذَا كَانَ بِالنَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، فَهَذَا التَّنَاقُضُ مِنْ جِنْسِ تَنَاقُضِ النَّسَاطِرَةِ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَيُقَالُ لِلنَّسَاطِرَةِ أَيْضًا: مَتَى اتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ بِالْإِنْسَانِ؟ أَقَبْلَ الْوِلَادَةِ، أَمْ فِي حَالِ الْوِلَادَةِ؟
فَإِنْ قَالُوا: قَبْلَ الْوِلَادَةِ، قُلْنَا لَهُمْ: قَبْلَ الْوِلَادَةِ، قَبْلَ الْحَمْلِ؟ أَوْ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَهُوَ حَمْلٌ؟
فَإِنْ قَالُوا: قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَقَبْلَ الْحَمْلِ، فَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُ اتَّحَدَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا وَقَبْلَ أَنْ يُصَوَّرَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَسَدَ قَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ: إِنَّ الْقَدِيمَ اتَّحَدَ بِإِنْسَانٍ جُزْئِيٍّ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الْجُزْئِيَّ إِنَّمَا كَانَ إِنْسَانًا جُزْئِيًّا، لَمَّا صَارَ مُصَوَّرًا بَشَرِيًّا.
فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا السُّؤَالُ لَازِمٌ لِلطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالِاتِّحَادِ أَعْظَمَ مِنَ النَّسَاطِرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِإِنْسَانٍ كُلِّيٍّ، كَانَ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْأَقَاوِيلِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ مُعَيَّنٌ جُزْئِيٌّ، يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ إِنْسَانًا كُلِّيًّا.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
ثُمَّ قَالَ: وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَزْعُمُوا أَنَّ اللَّاهُوتَ قَدْ كَانَ حَلَّ مَعَ النَّاسُوتِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَنَحْوَهَا مِنْ بَدْءِ الْحَمْلِ مُقِيمًا مَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الْجَنِينُ، ثُمَّ وُلِدَا مَعًا، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ لَاهُوتِهِ.
فَيُقَالُ: قَدْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ وُلِدَ النَّاسُوتُ دُونَ اللَّاهُوتِ، كَمَا يَقُولُ الْمَلَكِيَّةُ: إِنَّهُ صُلِبَ النَّاسُوتُ دُونَ اللَّاهُوتِ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا مُتَنَاقِضًا، فَالنَّسَاطِرَةُ أَقَلُّ تَنَاقُضًا ; لِأَنَّ الْمَلَكِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ، أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، فَقَدِ اتَّحَدَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
فَإِذَا جَازَ مَعَ هَذَا أَنْ يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالصَّلْبِ وَالْمَوْتِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ، هُوَ أَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ قَالُوا: اتَّحَدَ بِهِ وَهُوَ حَمْلٌ صُورَةٌ تَامَّةٌ.
قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ كَانَ الْإِلَهُ حَمْلًا قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُحْمَلَ، جَازَ أَنْ يُولَدَ.
فَيُقَالُ: هُمْ لَا يَقُولُونَ بِأَنَّهُمَا صَارَا شَخْصًا وَاحِدًا، أُقْنُومًا وَاحِدًا، بَلْ يَقُولُونَ: جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقُولُونَ: حَمَلَتْ بِإِلَهٍ،
[ ٤ / ٢٦١ ]
وَلَا وَلَدَتْ إِلَهًا، كَمَا لَا يَقُولُ الْمَلَكِيَّةُ: صُلِبَ اللَّاهُوتُ وَمَاتَ اللَّاهُوتُ، مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ اتَّحَدَا.
قَالَ: فَإِنْ قَالُوا: كَانَ الِاتِّحَادُ فِي حَالِ الْوِلَادَةِ.
قُلْنَا: فَقَدْ وَلَدَتْ مَرْيَمُ الْكَلِمَةَ إِذًا مَعَ الْإِنْسَانِ، وَالْكَلِمَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ إِلَهٌ، فَقَدْ وَلَدَتْ مَرْيَمُ إِلَهًا.
فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ. قُلْنَا: فَإِذَا جَازَ أَنْ يُولَدَ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَمْلًا؟ فَإِذَا أَجَازُوا ذَلِكَ، تَرَكُوا قَوْلَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ، قُلْنَا: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ الْإِلَهُ مَوْلُودًا، وَلَمْ يَكُنِ الِاتِّحَادُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا، وَلَا فِي حَالِ كَوْنِهِ وَلَدًا فِي حَالِ الْوِلَادَةِ.
قُلْنَا: فَهَذَا نَقْضُ قَوْلِكُمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ ; لِأَنَّ الْمَسِيحَ - عِنْدَكُمْ - لَيْسَ هُوَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ، وَمَرْيَمُ - عِنْدَكُمْ - إِنَّمَا وَلَدَتِ الْإِنْسَانَ وَحْدَهُ.
وَإِذَا كَانَ الْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ، وَعِنْدَكُمْ إِنَّمَا وَلَدَتِ الْإِنْسَانَ وَحْدَهُ قَبْلَ الِاتِّحَادِ، فَإِنَّمَا وَلَدَتْ إِذًا مَا لَيْسَ بِمَسِيحٍ، إِذْ كَانَ إِنَّمَا كَانَ مَسِيحًا بِالِاتِّحَادِ، وَكَانَ الِاتِّحَادُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَإِنَّمَا كَانَ مَسِيحًا بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا - عِنْدَكُمْ - فَاسِدًا، وَكَانَتْ مَرْيَمُ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، فَمَرْيَمُ لَمْ تَلِدِ الْإِنْسَانَ وَحْدَهُ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنَّهَا قَدْ وَلَدَتِ الْإِلَهَ مَعَ الْإِنْسَانِ، وَيُوجِبُ أَنَّ الِاتِّحَادَ كَانَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
قَالَ: فَقَدْ تَبَيَّنَ زَائِفُ مَا تَعْتَقِدُهُ النُّسْطُورِيَّةُ مِنْ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ لَاهُوتِهِ، وَصَحَّ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا مَسِيحًا وَاحِدًا.
قَالَ: وَيُقَالُ لَهُمْ: إِذَا زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ، جَوْهَرٌ قَدِيمٌ وَجَوْهَرٌ مُحْدَثٌ، ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ هَذَيْنِ الْجَوْهَرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْمَسِيحُ، وَإِذَا وَلَدَتْهُمَا وَأَحَدُهُمَا إِلَهٌ، فَقَدْ وَلَدَتْ إِلَهًا قَدِيمًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَلِدَ إِلَّا مَا كَانَ مَحْمُولًا، فَهَذَا يُوجِبُ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ حَامِلَةً لِذَلِكَ الْإِلَهِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ زَائِفُ مَا تَعْتَقِدُهُ النُّسْطُورِيَّةُ، أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَحْمِلْ إِلَهًا وَلَمْ تَلِدْهُ، وَصَحَّ مَا تَعْتَقِدُهُ الْمَلَكِيَّةُ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا مَسِيحًا وَاحِدًا وَابْنًا وَاحِدًا، أُقْنُومًا وَاحِدًا.
فَيُقَالُ لَهُ: لَيْسَ هَذَا التَّنَاقُضُ مِنَ النُّسْطُورِيَّةِ بِأَعْظَمَ مِنْ تَنَاقُضِ الْمَلَكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ - مَعَ قَوْلِهِمْ بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، وَأَنَّهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ - يَقُولُونَ: إِنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَرَّفُ، وَأَنَّهُ أُخِذِ وَصُفِعَ وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ وَصُلِبَ وَتَأَلَّمَ وَمَاتَ دُونَ الْآخَرِ.
فَإِذَا كَانَ قَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ مُتَنَاقِضًا، فَقَوْلُ الْمَلَكِيَّةِ أَعْظَمُ تَنَاقُضًا، فَإِذَا مَنَعُوا أَنْ تَحْمِلَ الْمَرْأَةُ وَتَلِدَ النَّاسُوتَ دُونَ اللَّاهُوتِ لِأَجْلِ الِاتِّحَادِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَجَبَ أَنْ يَمْنَعُوا أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيُصْلَبَ وَيُقْتَلَ أَحَدُهُمَا
[ ٤ / ٢٦٣ ]
دُونَ الْآخَرِ لِأَجْلِ الِاتِّحَادِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَكَوْنُ الصَّلْبِ وَالْقَتْلِ أَعْظَمَ مُنَافَاةً لِلرُّبُوبِيَّةِ مِنْ حَمْلِ مَرْيَمَ بِهِ وَوِلَادَتِهِ إِيَّاهُ، لَا يَمْنَعُ كَوْنَ كُلِّ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا عَلَى اللَّهِ.
وَمَنْ جَوَّزَ عَقْلُهُ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ خَرَجَ مِنْ فَرْجِ مَرْيَمَ وَهِيَ بِكْرٌ، فَقَدْ جَعَلَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَخْرُجُ مِنْ ثُقْبٍ صَغِيرٍ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنَ الِامْتِنَاعِ.
وَمَنْ جَوَّزَ عَلَيْهِ هَذَا، جَوَّزَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كُلِّ ثُقْبٍ مِثْلِ ذَلِكَ الثُّقْبِ وَأَكْبَرِ مِنْهُ، وَجَوَّزَ أَنْ يَخْرُجَ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ فَمِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَفَرْجِهِ، وَمِنْ شُقُوقِ الْأَبْوَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثُّقُوبِ.
وَإِنْ قَالُوا: ذَاكَ مَكَانٌ طَاهِرٌ. قِيلَ: أَفْوَاهُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَطْهَرُ مِنْ كُلِّ فَرْجٍ فِي الْعَالَمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ فَمِ كُلِّ نَبِيٍّ وَوَلِيٍّ لِلَّهِ، وَمِنْ أُذُنِهِ وَمِنْ أَنْفِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْخُرُوقَ وَالثُّقُوبَ أَفْضَلُ مِنْ فُرُوجِ النِّسَاءِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ كَوْنَ اللَّهِ مَوْلُودًا مِنْ فَرْجِ مَرْيَمَ، غَيْرُ كَوْنِهِ مَوْلُودًا فِي الْأَزَلِ مِنَ الْأَبِ، بَلْ هُمَا وِلَادَتَانِ رُوحَانِيَّةٌ وَجُسْمَانِيَّةٌ.
وَهُمْ إِذَا طُولِبُوا بِتَفْهِيمِ مَا يَقُولُونَهُ، وَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ؛ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَخْرُجُ مِنْ ثُقْبٍ ضَيِّقٍ، لَا فَرْجٍ وَلَا فَمٍ وَلَا أُذُنٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَثْقَابِ. قَالُوا: هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ، وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا الْكَلَامُ لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَلَدَتْهُ، بَلْ وَلَا نَطَقَ
[ ٤ / ٢٦٤ ]
نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلُودٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مَوْلُودٌ، لَا عِلْمُهُ وَلَا حَيَاتُهُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ.
وَلَا نَطَقَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا الْمَسِيحُ وَلَا غَيْرُهُ بِأَنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَلَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ غَايَةُ مَا فِيهَا كَلِمَاتٌ مُجْمَلَةٌ مُتَشَابِهَةٌ، كَقَوْلِهِ: (أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ) كَمَا قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فَإِذَا قَالَ بَعْضُ مَلَاحِدَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشِّيعَةِ أَوِ الْمُتَصَوِّفَةِ
[ ٤ / ٢٦٥ ]
أَوْ غَيْرِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِمُحَمَّدٍ ; لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] كَانَ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى.
وَالْآيَةُ لَمْ تَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ مُبَايَعَةُ الرَّسُولِ مُبَايَعَةٌ لِلَّهِ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ أَمَرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ، وَنَهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ مَوْلُودٌ الْوِلَادَةَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا وِلَادَةً عَقْلِيَّةً وَرُوحَانِيَّةً، وَلَا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تُسَمَّى ابْنًا لِلَّهِ، وَلَا أَنَّ اللَّاهُوتَ ابْنُ اللَّهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْطِقُوا بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلُودٌ مِنِ امْرَأَةٍ وِلَادَةً، وَخَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا، فَيَكُونُ مَوْلُودًا وِلَادَةً جُسْمَانِيَّةً.
وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَتِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِمَنِ ادَّعَاهُ عَلَى مَنْ نَفَاهُ حُجَّةٌ مِنْ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، غَايَةُ مَا عِنْدَهُمُ التَّمَسُّكُ بِأَلْفَاظٍ مُتَشَابِهَةٍ وَتَغْيِيرُ أَلْفَاظٍ صَرِيحَةٍ مُحْكَمَةٍ، تُبَيِّنُ أَنَّ الْمَوْلُودَ إِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ.
فَإِذَا قَالُوا فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَشَابِهَةِ: لَا نَعْلَمُ مُرَادَ الرَّسُولِ بِهَا، كَانَ هَذَا مِمَّا قَدْ يُعْذَرُونَ بِهِ، فَإِنَّ الْمُتَشَابِهَ مِنَ النُّصُوصِ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
فَإِذَا قَالُوا: لَسْنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ
[ ٤ / ٢٦٦ ]
- كَانُوا شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولَةٌ.
بِخِلَافِ الْقَوْلِ الَّذِي تَكَلَّمُوا بِهِ هُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَاهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ، فَإِنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا مَعْنَاهُ الَّذِي عَنَوْهُ بِهِ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا أَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ شَرْعٌ أَوْ عَقْلٌ.
فَإِذَا قَالُوا: نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي قُلْنَاهُ لَا نَتَصَوَّرُ مَعْنَاهُ، كَانُوا مُعْتَرِفِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، كَانَ غَايَةَ مَا عِنْدَهُمُ التَّمَسُّكُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيُطَالَبُونَ بِتَفْسِيرِ الْمُتَشَابِهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْكَمِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ مَعْلُومٍ، وَإِلَّا فَإِذَا قَالُوا: هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ لَا نَفْهَمُهُ، قِيلَ لَهُمْ: فَدَعُوا الْمُتَشَابِهَ لَا تَحْتَجُّوا بِهِ، وَلَا تَذْكُرُوا لَهُ مَعْنًى تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ لَا تَعْقِلُونَهُ.
فَمَتَى ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَوْلٌ وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّا لَا نَفْهَمُهُ - فَإِنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
وَأَمَّا إِذَا فَسَّرُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِقَوْلٍ عَبَّرُوا بِهِ عَلَى مُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَالُوا: هَذَا مُرَادُهُمْ مَعَ تَعْبِيرِهِمْ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ أُخْرَى - طُولِبُوا بِأَنْ يُبَيِّنُوا ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنْ فَهِمْتُمْ مَا قُلْتُمُوهُ فَبَيِّنُوهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْهَمُوهُ فَلَا تَتَكَلَّمُوا بِلَا عِلْمٍ.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: إِنَّ أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ - أَعْنِي " نُسْطُورِيُوسَ " وَ" أَرْطِيُوسَ " وَ" دِيسُقُورُسَ " وَ" سُورَسَ " وَ" يَعْقُوبَ الْبَرَادِعِيَّ " وَأَشْيَاعَهُمْ - الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا الزَّيْفَ وَالْمُحَالَ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَى خَشْيَةِ اللَّهِ، وَزَاغُوا عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ لِسُوءِ رَأْيِهِمْ، فَقَدْ تَوَرَّطُوا فِي بَحْرِ الضَّلَالَةِ.
وَهُمْ - جَمِيعًا - فِيمَا ارْتَطَمُوا فِيهِ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ يُضْمِرُونَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاتِّحَادِ لَاهُوتِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ بِنَاسُوتِهِ، وَيَتَوَرَّطُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْخُلْطَةِ، وَيَتَمَسَّكُ بِهِ.
فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُوَضِّحَ وَجْهَ الْخُلْطَةِ، وَأُبَيِّنَ ذَلِكَ ; لِتَقِفَ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مِنْ عَظِيمِ تَدْبِيرِ اللَّهِ وَكَمَالِ عَدْلِهِ وَجَلِيلِ رَحْمَتِهِ، أَنْ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهِيَ الَّتِي مِنْ جَوْهَرِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، وَلَكِنْ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِلَا كَلِمَتِهِ وَلَا رُوحِهِ قَطُّ، وَلَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ بَرِيَّةً مِنْهُ قَطُّ، وَلَا مِنْ رُوحِهِ الْخَالِقَةِ، وَلَا مِنْ جَوْهَرِهِ، فَهَبَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ بِقِوَامِهَا الْقَائِمِ الدَّائِمِ الثَّابِتِ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، فَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَهِيَ جَارِيَةٌ طَاهِرَةٌ
[ ٤ / ٢٦٨ ]
مُخْتَارَةٌ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، اصْطَفَاهَا اللَّهُ لِهَذَا التَّدْبِيرِ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَطَهَّرَهَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، رُوحِهِ الْجَوْهَرِيَّةِ، حَتَّى جَعَلَهَا أَهْلًا لِحُلُولِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيَّةِ بِهَا، فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا، بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ الْقُدُسِ، خَلْقًا جَدِيدًا مِنْ غَيْرِ نُطْفَةٍ آدَمِيَّةٍ جَرَتْ عَلَيْهَا الْخَطِيئَةُ، وَمِنْ غَيْرِ مُجَامَعَةٍ بَشَرِيَّةٍ وَلَا انْفِكَاكِ عُذْرَةِ تِلْكَ الْجَارِيَةِ الْمُقَدَّسَةِ، فَهُوَ إِنْسَانٌ تَامٌّ بِجَسَدِهِ وَنَفْسِهِ الدَّمَوِيَّةِ وَرُوحِهِ الْكَلِمَانِيَّةِ الَّتِي مِنْ صُورَةِ اللَّهِ فِي الْإِنْسَانِ وَشِبْهِهِ، فَكَانَتْ مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ لِلُطْفِهَا عَنْ جَمِيعِ مَا لَطُفَ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ إِلَّا فِي غَلِيظِ الْخَلْقِ، وَلَا يُرَى مَا هُوَ لَطِيفٌ مِنَ اللَّطِيفِ إِلَّا مَعَ مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَهْلِ الْأَثْقَالِ مِنْ غَلِيظِ الْخَلْقِ.
وَإِنَّا وَجَدْنَا رُوحَ الْإِنْسَانِ الْعَاقِلَةَ الْكَلِمَانِيَّةَ أَلْطَفُ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ أَوْلَى خَلْقِ اللَّهِ بِحِجَابِ اللَّهِ، فَكَانَتْ لَهَا حِجَابًا وَلِمَنْ هُوَ أَلْطَفُ مِنْهَا، وَكَانَتِ النَّفْسُ الدَّمَوِيَّةُ لَهَا حِجَابًا وَالْجَسَدُ الْغَلِيظُ حِجَابًا.
فَعَلَى هَذَا خَالَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ لِنَفْسِ الْإِنْسَانِ الْكَامِلَةُ بِجَسَدِهَا وَدَمِهَا وَرُوحِهَا الْعَاقِلَةِ الْكَلِمَانِيَّةِ، وَصَارَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِقِوَامِهَا قِوَامًا لِتَثْلِيثِ النَّاسُوتِ الَّتِي كَمُلَ جَوْهَرُهَا بِتَقْوِيمِ قِوَامِ كَلِمَةِ اللَّهِ إِيَّاهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا إِلَّا بِقِوَامٍ مِنْ كَلِمَةِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَهَا وَكَوَّنَهَا
[ ٤ / ٢٦٩ ]
لَا مِنْ شَيْءٍ، لَا سَبَقَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهَا مِنْ نُطْفَةٍ، وَلَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، غَيْرَ قِوَامِ الْكَلِمَةِ الْخَالِقَةِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ التَّثْلِيثِ الْإِلَهِيِّ، فَذَلِكَ الْقِوَامُ مَعْدُودٌ مَعْرُوفٌ مَعَ النَّاسِ، لَمَّا ضُمَّ إِلَيْهِ وَخَلَقَهُ لَهُ؛ الْتَحَمَ بِهِ مِنْ جَوْهَرِ الْإِنْسَانِ، فَهُوَ - بِتَوْحِيدِ ذَلِكَ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ - قِوَامٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ، وَاحِدٌ فِي التَّثْلِيثِ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَاحِدٌ فِي النَّاسِ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَيْسَ بِاثْنَيْنِ، وَلَكِنْ وَاحِدٌ مَعَ الْأَبِ وَالرُّوحِ وَهُوَ إِيَّاهُ وَاحِدٌ مَعَ النَّاسِ جَمِيعًا بِجَوْهَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ جَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الْخَالِقِ، وَجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الْمَخْلُوقِ، بِتَوْحِيدِ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ قِوَامِ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الِابْنُ الْمَوْلُودُ مِنَ اللَّهِ قَبْلَ الْأَدْهَارِ كُلِّهَا، وَهُوَ إِيَّاهُ الْمَوْلُودُ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةٍ مِنَ الْأَبِ وَلَا مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ.
قُلْتُ: فَهَذَا كَلَامُ سَعِيدِ بْنِ الْبِطْرِيقِ الَّذِي قَرَّرَ بِهِ دِينَ النَّصَارَى، وَفِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوهًا.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: إِنَّ مِنْ عَظِيمِ تَدْبِيرِ اللَّهِ أَنْ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ، الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ جَوْهَرِهِ، لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، وَلَكِنْ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، فَهَبَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ بِقِوَامِهَا الْقَائِمِ الدَّائِمِ، فَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ.
فَيُقَالُ: قَدْ جَعَلْتَ الْكَلِمَةَ الْخَالِقَةَ، وَقُلْتَ - بَعْدَ هَذَا -: وَلَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ بَرِيَّةً مِنْهُ، وَلَا مِنْ رُوحِهِ الْخَالِقَةِ، وَقُلْتَ - بَعْدَهَا -:
[ ٤ / ٢٧٠ ]
فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ، خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ الْقُدُسِ جَمِيعًا، خَلْقًا جَدِيدًا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخَالِقُ الْعَالَمِ - عِنْدَكُمْ - خَالِقٌ وَاحِدٌ وَهُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، أَمْ لِلْعَالَمِ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ خَالِقُونَ؟ .
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ خَالِقُونَ، كَمَا أَنَّهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ يُصَرِّحُونَ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَثَلَاثَةِ خَالِقِينَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَخَالِقٌ وَاحِدٌ.
فَيُقَالُ: هَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، فَإِمَّا هَذَا، وَإِمَّا هَذَا.
وَإِذَا قُلْتُمُ: الْخَالِقُ وَاحِدٌ، لَهُ ثَلَاثُ صِفَاتٍ، لَمْ نُنَازِعْكُمْ فِي أَنَّ الْخَالِقَ لَهُ صِفَاتٌ، لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ بِثَلَاثَةٍ.
فَإِنْ قَالُوا بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ خَالِقِينَ، كَمَا قَدْ كَثُرَ مِنْهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ، بَانَ كُفْرُهُمْ وَعَظُمَ شِرْكُهُمْ، وَبَانَ أَنَّ شِرْكَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شِرْكٍ فِي الْعَالَمِ، فَغَايَةُ الْمَجُوسِ الثَّنَوِيَّةِ - إِثْبَاتُ اثْنَيْنِ، نُورٍ وَظُلْمَةٍ، وَهَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ ثَلَاثَةً.
ثُمَّ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِكَوْنِ الْخَالِقِ وَاحِدًا، كَثِيرَةٌ جِدًّا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا هُنَا.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ، لَهُ صِفَاتٌ، قِيلَ لَهُمْ: فَهَذَا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِكُمْ: إِنَّهُ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ، وَقَوْلِكِمْ: (وَلَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ بَرِيَّةً مِنْهُ
[ ٤ / ٢٧١ ]
وَلَا مِنْ رُوحِهِ الْخَالِقَةِ) وَقَوْلِكِمْ: (فَهَبَطَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ)، وَقَوْلِكِمْ: (فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ، خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ الرُّوحِ) . فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلِمَةَ خَالِقَةٌ وَأَنَّ الرُّوحَ خَالِقَةٌ، وَأَنَّهَا خَلَقَتْ بِمَسَرَّةِ الْأَبِ الْخَالِقِ وَمُؤَازَرَةِ الرُّوحِ الْخَالِقَةِ، وَهَذَا الْخَالِقُ هَبَطَ وَالْأَبُ لَمْ يَهْبِطْ.
فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ وَاحِدًا لَهُ صِفَاتٌ، لَمْ يَكُنْ هُنَا إِلَّا خَالِقٌ وَاحِدٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُكُمْ: (بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ)، وَقَدْ نَطَقَتِ الْكُتُبُ بِأَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ بِكَلَامِهِ، فَيَقُولُ لَهَا: (كُنْ فَيَكُونُ)، هَكَذَا فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهِمَا.
لَكِنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ بِكَلَامِهِ، لَيْسَ كَلَامُةُ خَالِقًا.
وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ قَطُّ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
وَالتَّوْرَاةُ كَلَامُ اللَّهِ، وَالْإِنْجِيلُ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: يَا كَلَامَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي.
فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ كَلِمَتَهُ هِيَ الْخَالِقَةُ وَإِنَّهُ خَلَقَ بِهَا - كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ.
فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ هِيَ الْخَالِقَةُ، لَمْ تَكُنْ هِيَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَالْمَخْلُوقُ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُكُمْ: (كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ) أَهِيَ
[ ٤ / ٢٧٢ ]
كَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ، أَمْ هِيَ بَعْضُ كَلَامِ اللَّهِ، أَمْ هِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، الَّذِي يُثْبِتُهُ ابْنُ كِلَابٍ، أَمْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، أَمْ هِيَ الذَّاتُ الْمُتَكَلِّمَةُ؟ .
فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الذَّاتُ الْمُتَكَلِّمَةُ، فَهِيَ الْأَبُ وَالرَّبُّ، وَتَكُونُ هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ كَلَامٌ مَوْلُودٌ، وَلَا كَلِمَةٌ أُرْسِلَتْ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ كُلِّهِمْ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْمُتَّحِدَةَ بِالْمَسِيحِ لَيْسَتْ هِيَ الْأَبُ عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هِيَ كَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ.
قِيلَ لَهُمْ: فَيَكُونُ الْمَسِيحُ هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ وَسَائِرُ كَلَامِ اللَّهِ، وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّهَا هِيَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ، أَوِ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ.
قِيلَ لَهُمْ: هَذَانِ الْقَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَا بَاطِلَيْنِ، فَإِنْ قُلْتُمْ بِهِمَا لَزِمَكُمْ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ، فَإِنَّ هَذَيْنِ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِمَا - هُمَا جَمِيعُ كَلَامِ اللَّهِ.
وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ كَلَامِ اللَّهِ، عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ، وَهُوَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ الْقَدِيمَةُ الْقَائِمَةُ بِالذَّاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَذَيْنِ.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ بَعْضُ كَلِمَاتِ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ لِلَّهِ كَلِمَاتٌ أُخَرُ غَيْرُ الْمَسِيحِ، فَاجْعَلُوا كُلَّ كَلِمَةٍ خَلْقًا كَمَا جَعَلْتُمُ الْكَلِمَةَ الْمُتَّحِدَةَ بِالْمَسِيحِ خَالِقًا، إِذْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: (الْكَلِمَةُ هِيَ الْخَالِقَةُ وَهِيَ الْمَخْلُوقُ بِهَا)، فَقُولُوا عَنْ سَائِرِ كَلِمَاتِ اللَّهِ إِنَّهَا خَالِقَةٌ مَخْلُوقٌ بِهَا، وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَدَّدُ الْخَالِقُ بِتَعَدُّدِ كَلِمَاتِ اللَّهِ.
وَإِذَا كَانَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا، كَانَ الْخَلْقُ خَالِقِينَ لَا نِهَايَةَ لَهُمْ، وَهَذَا غَايَةُ الْبَاطِلِ وَالْكَفْرِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، أَيُّ شَيْءٍ فَسَّرُوا بِهِ الْكَلِمَةَ تَبَيَّنَ بِهِ فَسَادُ قَوْلِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا لَا يَفْهَمُونَهُ، وَيَقُولُونَ الْكَذِبَ وَالْكُفْرَ الْمُتَنَاقِضَ، وَإِنَّمَا عِنْدَهُمْ تَقْلِيدُ مَنْ أَضَلَّهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: مَا لَمْ يُعْلَمْ بِالْمَعْقُولِ، فَلَيْسَ فِي الْمَنْقُولِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَنْتُمْ لَا تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَرَفْتُمُوهُ بِالْعَقْلِ، لَكِنْ بِمَا نُقِلَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ قَدْ فَسَّرْتُمْ كَلِمَتَهُ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَرُوحَ الْقُدُسِ بِحَيَاتِهِ، فَمِنْ أَيِّ نَبِيٍّ تَنْقُلُونَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يُسَمَّى ابْنًا، وَأَنَّ عِلْمَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّ حَيَاتَهُ خَلَقَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّ عِلْمَهُ خَالِقٌ وَإِلَهٌ وَرَبٌّ، وَحَيَاتَهُ خَالِقَةٌ وَإِلَهٌ وَرَبٌّ، وَلَيْسَ
[ ٤ / ٢٧٤ ]
فِي الْأَنْبِيَاءِ مَنْ سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ وَلَدًا لَهُ وَلَا ابْنًا، وَلَا ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ وَلَدَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ. فَدَعْوَاكُمْ أَنَّ صِفَتَهُ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ وُلِدَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً وِلَادَةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً، وَوِلَادَةً حَادِثَةً مِنْ فَرْجِ مَرْيَمَ - كَذِبٌ مَعْلُومٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ اللَّهَ وَلَدَ، وَلَا إِنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ وَلَدَهُ، لَا وِلَادَةً رُوحَانِيَّةً، وَلَا وِلَادَةً جُسْمَانِيَّةً.
وَهَذَا وَإِنْ أَبْطَلَ قَوْلَ الْمَلَكِيَّةِ، فَهُوَ لِقَوْلِ الْيَعْقُوبِيَّةِ أَشَدُّ إِبْطَالًا، وَهُوَ مُبْطِلٌ أَيْضًا لِقَوْلِ النُّسْطُورِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْأَمَانَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، فَإِنَّ طَوَائِفَهُمُ الثَّلَاثَةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْأَمَانَةِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا فِي زَمَنِ " قُسْطَنْطِينَ " بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الْمَسِيحِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُكُمْ: بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ فَهَبَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، وَلَكِنْ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِلَا كَلِمَتِهِ وَلَا رُوحِهِ قَطُّ.
مَنْ قَالَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِلَا رُوحِهِ قَطُّ، أَوْ إِنَّ رُوحَهُ صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ، أَوْ إِنَّهَا حَيَاتُهُ؟
وَكَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ كُلُّهُ يَنْطِقُ بِأَنَّ رُوحَ اللَّهِ وَرُوحَ الْقُدُسِ وَنَحْوَ ذَلِكَ هُوَ مَا يُنْزِلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، كَالْوَحْيِ وَالتَّأْيِيدِ، أَوِ الْمَلَائِكَةُ، فَلَيْسَتْ رُوحُ اللَّهِ صِفَةً قَائِمَةً بِهِ وَلَا غَيْرَهَا، وَلَكِنَّهَا أَمْرٌ بَائِنٌ عَنْهُ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ وَهَبَطَتْ وَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ، فَهُوَ نَفْسُهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَبَطَ وَالْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ، أَمْ
[ ٤ / ٢٧٥ ]
رَبُّ الْعَالَمِينَ نَفْسُهُ لَمْ يَهْبِطْ وَلَمْ يَلْتَحِمْ مِنْ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا هَبَطَ وَالْتَحَمَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَرْسَلَهَا؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ نَفْسُهُ هَبَطَ وَالْتَحَمَ، كَانَ الْأَبُ الْوَالِدُ لِلْكَلِمَةِ، هُوَ الَّذِي هَبَطَ وَالْتَحَمَ، وَكَانَ الْأَبُ هُوَ الْكَلِمَةُ، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِأَقْوَالِكُمْ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَبْعُوثَ الْهَابِطَ الْمُلْتَحِمَ لَيْسَ هُوَ الْأَبُ، بَلْ هُوَ كَلِمَةُ الرَّبِّ، فَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ الْخَالِقَ، فَيَكُونُ هُنَاكَ خَالِقَانِ، خَالِقٌ أُرْسِلَ فَهَبَطَ وَالْتَحَمَ، وَخَالِقٌ أَرْسَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَهْبِطْ وَلَمْ يَلْتَحِمْ، وَقَدْ أَثْبَتُّمْ خَالِقًا ثَالِثًا، وَهُوَ الرُّوحُ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ خَالِقِينَ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ فَمَعَ كَوْنِهِ جَعَلَهَا خَالِقَةً، جَعَلَ أَنَّهُ بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، وَالَّذِي خَلَقَ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ هُوَ خَالِقٌ، فَجَعَلَهَا خَالِقَةً، وَجَعَلَ خَالِقًا آخَرَ، وَجَعَلَ أَحَدَ الْخَالِقَيْنِ قَدْ خَلَقَ الْآخَرُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ هَذَا الْخَالِقَ قَدْ بَعَثَ ذَاكَ الْخَالِقَ الَّذِي بِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ الْكَلِمَةَ الْخَالِقَةَ احْتَجَبَتْ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ الْقُدُسِ خَلْقًا جَدِيدًا.
وَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْخَالِقَةُ بِمَسَرَّةِ الْأَبِ الْخَالِقِ عَلَى الْخَلْقِ، فَالْأَبُ لَمْ يَخْلُقْهُ، بَلْ سُرَّ بِذَلِكَ، وَرُوحُ الْقُدُسِ وَازَرَتْ ذَلِكَ، وَالْخَالِقُ خَلَقَ الْخَلْقَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلْخَالِقِ مَنْ يُوَازِرُهُ عَلَى الْخَلْقِ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالْخَلْقِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ.
فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ، تَارَةً يَقُولُونَ: هِيَ الْخَالِقَةُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: خَلَقَ بِهَا
[ ٤ / ٢٧٦ ]
الْخَالِقُ فَخَلَقَتْ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ وَازَرَهَا فِي الْخَلْقِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
فَإِنْ كَانَ اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ فَالْخَالِقُ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ هُنَاكَ خَالِقٌ آخَرُ وَلَا شَرِيكٌ لَهُ فِي الْخَلْقِ.
وَالْخَالِقُ إِذَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقَوْلِهِ: (كُنْ) لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ خَالِقًا، وَلَوْ كَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ إِلَهًا خَالِقًا، لَكَانَ الْآلِهَةُ الْخَالِقُونَ كَثِيرِينَ لَا نِهَايَةَ لَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: لَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ وَلَكِنْ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ مِنْ قَبْلِ كُلِّ الدُّهُورِ.
فَيُقَالُ: مَنْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ مَوْلُودًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْلُودًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا؟ وَهَلْ يُعْقَلُ مَوْلُودٌ إِلَّا مُحْدَثًا؟ .
وَأَيْضًا فَإِذَا جَازَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يُفَسِّرُونَهَا بِالْعِلْمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مَوْلُودَةً مِنْهُ، فَكَذَلِكَ حَيَاتُهُ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ مُنْبَثِقَةٌ مِنْهُ، فَكَلِمَتُهُ مُنْبَثِقَةٌ مِنْهُ.
فَجَعْلُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ الْأَزَلِيَّتَيْنِ مَوْلُودَةً مِنَ الْأَزَلِ غَيْرَ مُنْبَثِقَةٍ، وَالْأُخْرَى لَيْسَتْ مَوْلُودَةً مِنَ الْأَزَلِ، بَلْ مُنْبَثِقَةٌ - مَعَ كَوْنِهِ بَاطِلًا فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَتَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.
فَإِنَّهُ إِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ لِلصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ: إِنَّهَا مَوْلُودَةٌ مِنْهُ فَالْحَيَاةُ مَوْلُودَةٌ.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا مُنْبَثِقَةٌ، فَالْكَلِمَةُ مُنْبَثِقَةٌ.
وَأَيْضًا فَكَوْنُ الصِّفَةِ إِلَهًا خَالِقًا، وَإِثْبَاتُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ خَالِقِينَ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ - تَنَاقُضٌ آخَرُ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِلَا كَلِمَتِهِ وَلَا رُوحِهِ قَطُّ) إِنْ أَرَادَ بِرُوحِهِ حَيَاتَهُ، فَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنْ مَنْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَمَّى حَيَاةَ اللَّهِ رُوحَهُ؟ وَمَنِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهَ رُوحًا قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا افْتِرَاءٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟
وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، فَهُمُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِرُوحِ اللَّهِ وَرُوحِ الْقُدُسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُرِدْ أَحَدٌ بِذَلِكَ حَيَاةَ اللَّهِ قَطُّ.
فَتَسْمِيَةُ حَيَاةِ اللَّهِ رُوحًا، وَتَفْسِيرُ مُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ بِذَلِكَ - افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَرُسُلِهِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ (فَهَبَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ بِقِوَامِهَا الْقَائِمِ الدَّائِمِ الثَّابِتِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزُولُ، فَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَهِيَ جَارِيَةٌ طَاهِرَةٌ، مُخْتَارَةٌ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، اصْطَفَاهَا اللَّهُ لِهَذَا التَّدْبِيرِ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَطَهَّرَهَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، رُوحِهِ الْجَوْهَرِيَّةِ، الَّتِي جَعَلَهَا أَهْلًا لِحُلُولِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيَّةِ بِهَا، فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ الْقُدُسِ خَلْقًا جَدِيدًا) .
فَيُقَالُ: إِنَّ الْكُتُبَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَهَكَذَا هُوَ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي لَهُمْ، وَبِهَذَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ حَيْثُ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، أَنَّهُ نَفَخَ فِي مَرْيَمَ مِنْ رُوحِهِ مَعَ إِخْبَارِهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رُوحَهُ.
قَالَ تَعَالَى:
[ ٤ / ٢٧٨ ]
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا - فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا - قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا - قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا - فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا - فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ١٦ - ٢٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]
فَالْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
لَكِنَّ دَعْوَاكُمْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ، رُوحُ اللَّهِ الْجَوْهَرِيَّةُ ; (أَيْ حَيَاتُهُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ) - أَمْرٌ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ.
فَلَمْ يُفَسِّرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ رُوحَ الْقُدُسِ بِصِفَةِ اللَّهِ، لَا جَوْهَرِيَّةً وَلَا غَيْرَ
[ ٤ / ٢٧٩ ]
جَوْهَرِيَّةٍ، وَلَا قَدِيمَةً وَلَا غَيْرَ قَدِيمَةٍ، وَلَا أَرَادُوا بِذَلِكَ حَيَاةَ اللَّهِ.
فَقَوْلُكُمْ هَذَا، تَبْدِيلٌ لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، كَمَا أَنَّكُمْ فِي قَوْلِكُمْ: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ حَيَاتَهُ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، وَإِنَّ صِفَتَهُ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ هِيَ ابْنُهُ - مِمَّا حَرَّفْتُمْ فِيهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَمْ يُرِدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا الْمَعْنَى بِهَذَا اللَّفْظِ قَطُّ، وَلَمْ يُطْلَقْ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَكُمْ لَفْظُ الِابْنِ الْمَوْلُودِ إِلَّا عَلَى مُحْدَثٍ مَخْلُوقٍ لَا عَلَى شَيْءٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ، لَا مَوْصُوفٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا عِلْمٍ، وَلَا كَلَامٍ وَلَا حِكْمَةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكُلُّ وِلَادَةٍ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغَيْرِهَا، فَهِيَ وِلَادَةٌ حَادِثَةٌ زَمَانِيَّةٌ، وَكُلُّ مَوْلُودٍ، فَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ زَمَانِيٌّ، لَيْسِ فِي الْكُتُبِ وِلَادَةٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَلَا مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، كَمَا أَنَّكُمْ ذَكَرْتُمْ ذَلِكَ فِي أَمَانَتِكُمْ وَغَيْرِهَا.
فَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُمْكِنًا فِي الْعُقُولِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجْعَلُوهُ مَوْجُودًا وَاقِعًا، وَتَقُولُوا: الْأَنْبِيَاءُ أَرَادُوا ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا بَيَّنُوا أَنَّ ذَلِكَ مُرَادُهُمْ.
فَإِذَا كَانَ كَلَامُهُمْ صَرِيحًا فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا ذَلِكَ، وَالْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، كَانَ مَا قُلْتُمُوهُ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَمَسِيحِهِ، وَكَانَ بَاطِلًا فِي الْمَعْقُولِ، وَكُنْتُمْ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]
[ ٤ / ٢٨٠ ]
ثُمَّ يُقَالُ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ: (إِنَّ الْكَلِمَةَ الْخَالِقَةَ هَبَطَتْ فَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ، وَاحْتَجَبَتْ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا)، وَقُلْتُمْ: (إِنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ بِالْإِلَهِ الْخَالِقِ وَوَلَدَتْهُ الَّذِي هُوَ الِابْنُ) .
فَإِذَا جَوَّزْتُمْ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ هِيَ أُمًّا لِلْخَالِقِ الَّذِي هُوَ الِابْنُ حَمَلَتْهُ وَوَلَدَتْهُ - فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِلْخَالِقِ الَّذِي هُوَ الْأَبُ مَعَ أَنَّ الْخَالِقَ الْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ؟ وَقَدْ قُلْتُمْ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِلَا كَلِمَتِهِ وَلَا رُوحِهِ قَطُّ، وَلَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ بَرِيَّةً مِنْهُ قَطُّ، وَلَا مِنْ رُوحِهِ الْخَالِقَةِ وَلَا مِنْ جَوْهَرِهِ.
فَجَعَلْتُمُ الرُّوحَ خَالِقَةً، وَاللَّهَ الَّذِي هُوَ الْأَبُ خَالِقًا، وَالْمَسِيحُ قَدْ تَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ الْخَالِقَةِ وَمِنْ مَرْيَمَ، فَكَمَا أَنَّ مَرْيَمَ أُمُّهُ، فَالرُّوحُ الْخَالِقَةُ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ.
وَأَيْضًا فَمَرْيَمُ لَهَا اتِّصَالٌ بِالْأَبِ وَبِرُوحِ الْقُدُسِ، وَكِلَاهُمَا أَبٌ لِلْمَسِيحِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ.
فَإِذَا كَانَتْ مَرْيَمُ مُتَّصِلَةً بِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ جَعَلْتُمُوهُ أَبًا لِلْمَسِيحِ، وَقُلْتُمْ: إِنَّ الْخَالِقَ الْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ، فَهَذَا أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ جَعْلِ الْخَالِقِ زَوْجَ مَرْيَمَ.
وَمَهْمَا فَسَّرْتُمْ بِهِ اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ الْمَخْلُوقِ مِنْهَا، كَانَ تَفْسِيرُ الْتِحَامِ اللَّاهُوتِ بِنَاسُوتِ مَرْيَمَ حَتَّى يَصِيرَ زَوْجًا لِمَرْيَمَ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ إِلَّا وَفِي كَوْنِ اللَّاهُوتِ ابْنَ مَرْيَمَ، مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي النَّقْصِ وَالْعَيْبِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أُمَّ الْإِنْسَانِ أَعْلَى قَدْرًا عِنْدَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَأَنَّ تَسَلُّطَهُ
[ ٤ / ٢٨١ ]
عَلَى زَوْجَتِهِ أَعْظَمُ مِنْهُ عَلَى أُمِّهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مَالِكٌ لِلزَّوْجَةِ، قَوَّامٌ عَلَيْهَا، وَالْمَرْأَةَ أَسِيرَةٌ عِنْدَ زَوْجِهَا، بِخِلَافِ أُمِّهِ.
فَإِذَا جَعَلْتُمُ اللَّاهُوتَ الْخَالِقَ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ ابْنًا لِنَاسُوتِ مَرْيَمَ بِحُكْمِ الِاتِّحَادِ مَعَ كَوْنِهِ خَالِقًا لَهَا بِلَاهُوتِهِ وَابْنًا لَهَا بِنَاسُوتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مُمْتَنِعًا عِنْدَكُمْ وَلَا قَبِيحًا، فَأَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ صَاحِبَةً لَهُ وَزَوْجَةً وَامْرَأَةً بِحُكْمِ الِالْتِحَامِ بِالنَّاسُوتِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَإِنْ كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا وَقَبِيحًا، فَذَاكَ أَشَدُّ امْتِنَاعًا وَقُبْحًا.
وَلِهَذَا ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ النَّصَارَى إِلَى أَنَّ مَرْيَمَ امْرَأَةُ اللَّهِ وَزَوْجَتُهُ، وَقَالُوا أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى ذَكَرُوا شَهْوَتَهُ لِلنِّكَاحِ.
وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ عُقَلَاءِ الْمُلُوكِ مِمَّنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَبَّهُوا عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، لَمْ يُفْهَمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحْبَلَ أُمَّهُ وَوَلَدَتْ لَهُ الْمَسِيحَ ابْنَهُ، كَمَا يُحْبِلُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَتَلِدُ لَهُ الْوَلَدَ، فَيَكُونُ قَدِ انْفَصَلَ مِنَ اللَّهِ جُزْءٌ فِي مَرْيَمَ بَعْدَ أَنْ نَكَحَهَا، وَذَلِكَ الْجُزْءُ الَّذِي مِنَ اللَّهِ وَمِنْ مَرْيَمَ وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ كَمَا تَلِدُ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ الَّذِي مِنْهَا وَمِنْ زَوْجِهَا، وَقَدْ قَالَتِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣]
[ ٤ / ٢٨٢ ]
فَنَزَّهُوهُ عَنْ هَذَا وَهَذَا، وَهَؤُلَاءِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ أَكْمَلُ عَقْلًا وَدِينًا مِنْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]
فَقَوْلُهُ: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ)، تَقْدِيرُهُ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟ فَـ (أَنَّى) فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى: مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ؟ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ مَعَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ، وَأَنَّ هَذَا الِامْتِنَاعَ مُسْتَقِرٌّ فِي صَرِيحِ الْمَعْقُولِ.
ثُمَّ إِذَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ الْخَالِقُ الْمَخْلُوقُ بِهِ قَدْ حَلَّتْ فِي جَوْفِ مَرْيَمَ وَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ، وَخَلَقَتْ مِنْهَا إِنْسَانًا هُوَ الْمَسِيحُ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا وَاحْتَجَبَتْ بِهِ وَاتَّحَدَتْ بِهِ، فَهَلْ كَانَ خَلْقُهَا لِهَذَا الْإِنْسَانِ قَبْلَ الِاتِّحَادِ وَالِاحْتِجَابِ، أَمْ حِينَ ذَلِكَ؟
فَإِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ، مُحَالٌ أَنَّهَا بَعْدَ الِاحْتِجَابِ بِهِ وَالِاتِّحَادِ خَلَقَتْهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَلَقَتْهُ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُ، لَزِمَ كَوْنُ الْمَخْلُوقِ مُتَّحِدًا بِالْخَالِقِ دَائِمًا، لَمْ تَمُرَّ
[ ٤ / ٢٨٣ ]
عَلَيْهِ لَحْظَةٌ إِلَّا وَهُوَ مُتَّحِدٌ بِهِ.
فَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَارِنَ الْمَخْلُوقُ خَالِقَهُ - وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ أَقَامَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ حَمْلًا كَعَامَّةِ النَّاسِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ هَذَا - فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ الرَّبُّ مُتَّحِدًا بِالْمُضْغَةِ وَالْجَمَادِ الَّذِي لَا رُوحَ فِيهِ.
وَإِذَا جَازَ عَلَيْهِ هَذَا، جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ بِسَائِرِ الْجَمَادَاتِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الرُّوحَ إِنَّمَا نُفِخَتْ فِيهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا نُفِخَتْ فِيهِ مِنْ حِينِ أَخَذَ الْجَسَدَ مِنْ مَرْيَمَ، وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ جُمْهُورِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ وَصُلِبَ وَفَارَقَتْهُ الرُّوحُ النَّاطِقَةُ الْمَنْفُوخَةُ فِيهِ، وَالْإِلَهُ الْمُتَّحِدُ بِهِ لَمْ يُفَارِقْهُ أَبَدًا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مِنْ حِينِ اتَّحَدَ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ لَمْ يُفَارِقْهُ، بَلْ هُوَ الْآنَ مُتَّحِدٌ بِهِ، وَهُوَ فِي السَّمَاءِ قَاعِدٌ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَذَلِكَ الْقَاعِدُ هُوَ الْخَالِقُ الْقَدِيمُ، وَالْأَبُ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ، وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ إِلَهٌ وَاحِدٌ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ قَبْلَ النَّفْخِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى أَنْ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ، فَعَادَتِ الرُّوحُ إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ
[ ٤ / ٢٨٤ ]
لَمْ يَظْهَرْ مِنْ تِلْكَ الْمُضْغَةِ شَيْءٌ مِنَ الْعَجَائِبِ.
وَهُمْ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ بِالْعَجَائِبِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْإِلَهُ مُتَّحِدًا بِهِ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ الْعَجَائِبَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ظُهُورِ الْعَجَائِبِ مِنْ شَيْءٍ الْجَزْمُ بِأَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ مَعَ إِمْكَانِ الِاتِّحَادِ.
وَيَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ جَامِدٍ وَحَيٍّ ظَهَرَتْ مِنْهُ الْعَجَائِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الرَّبَّ اتَّحَدَ بِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَعُبَّادُ الْعِجْلِ أَعْذَرُ مِنَ النَّصَارَى، وَإِنْ كَانَ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الصَّنَمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ أَعْذَرُ مِنَ النَّصَارَى ; لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَجَائِبِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْأَعْجَمِ وَالْجَمَادِ أَعْظَمُ مِنْ ظُهُورِهَا مِنَ الْإِنْسَانِ النَّاطِقِ، لَا سِيَّمَا الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ مَعْرُوفُونَ بِظُهُورِ الْعَجَائِبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَإِذَا ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ مَنْ يَقُولُ: إِنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، كَانَتْ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ لَا عَلَى إِلَهِيَّتِهِ.
وَالْمَسِيحُ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَأَمَّا الْحَيَوَانُ الْأَعْجَمُ وَالْجَمَادُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
فَإِنْ جَازَ الِاتِّحَادُ بِالْمُضْغَةِ وَالْجِسْمِ الْمَقْبُورِ الَّذِي لَا رُوحَ فِيهِ، فَاتِّحَادُهُ بِالْعِجْلِ وَبِالصَّنَمِ أَوْلَى، وَحِينَئِذٍ فَخُوَارُ الْعِجْلِ عَجِيبٌ مِنْهُ.
فَاسْتِدْلَالُ عُبَّادِ الْعِجْلِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ، خَيْرٌ مِنِ اسْتِدْلَالِ النَّصَارَى عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمُضْغَةِ إِنْ قُدِّرَ ظُهُورُ شَيْءٍ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي قَدْ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى نُبُوَّتِهِ - ﷺ تَسْلِيمًا -
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُ: (فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا)، وَقَوْلُهُ: (فَكَانَتْ مَسْكَنًا فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ لِلُطْفِهَا عَنْ جَمِيعِ مَا لَطُفَ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ) .
يُقَالُ لَهُمْ - أَوَّلًا -: مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ رُوحَ الْإِنْسَانِ أَلْطَفُ مِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهَا أَلْطَفُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وَأَنَّهَا أَلْطَفُ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي نَفَخَ فِي آدَمَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَلْطَفَ، فَأَنْتَ لَا تَقُولُ: إِنَّ الِاحْتِجَابَ وَالِاتِّحَادَ كَانَ بِرُوحِ الْإِنْسَانِ مُجَرَّدَةً، بَلْ بِالْجَسَدِ النَّاسُوتِيِّ الدَّمَوِيِّ الْغَلِيظِ، وَتَقُولُ: (إِنَّ الْخَالِقَ الْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ) فَتَجْعَلُ الْخَالِقَ قَدِ الْتَحَمَ مِنْ لَحْمِ مَرْيَمَ، وَمِنْ رَحِمَهَا الَّذِي هُوَ لَحْمٌ وَدَمٌ
[ ٤ / ٢٨٦ ]
وَهَذِهِ أَجْسَادٌ كَثِيفَةٌ، بَلْ جُمْهُورُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ قَبْلَ النَّفْخِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ قَبْرِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُكُ: (فَكَانَتْ مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ لِلُطْفِهَا عَنْ جَمِيعِ مَا لَطُفَ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ) - وَصْفٌ مَمْنُوعٌ، وَالتَّعْلِيلُ بِهِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَسْكَنًا لِلُطْفِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْكُنَ إِلَّا فِي الرُّوحِ اللَّطِيفَةِ، فَلَمَّا أَثْبَتَ اتِّحَادًا بِالْجَسَدِ الْكَثِيفِ، بَطَلَ قَوْلُكَ: (إِنَّهُ اتَّحَدَ بِالْإِنْسَانِ لِلُطْفِهِ) .
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: قَوْلُكُمْ: (وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُرَى شَيْئٌ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ إِلَّا فِي غَلِيظِ الْخَلْقِ، وَلَا يُرَى مَا هُوَ لَطِيفٌ مِنَ اللَّطِيفِ إِلَّا مَعَ مَا هُوَ أَغْلَطُ مِنْهُ) .
يُقَالُ لَهُمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَمَّا اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ عِنْدَكُمْ قَدْ رَآهُ النَّاسُ وَعَايَنُوهُ، أَوْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: قَدْ رَآهُ النَّاسُ وَعَايَنُوهُ، فَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
أَمَّا الْحِسُّ، فَإِنَّ أَحَدًا مِمَّنْ رَأَى الْمَسِيحَ لَمْ يَرَ شَيْئًا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَسِيحُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ غَيْرَ الْعَجَائِبِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى غَيْرِهِ، مِنْهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرَ إِلَّا بَدَنَ الْمَسِيحِ الظَّاهِرَ، لَمْ يَرَ بَاطِنَهُ، لَا قَلْبَهُ وَلَا كَبِدَهُ وَلَا طِحَالَهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرَى رُوحَهُ، فَضْلًا عَنْ
[ ٤ / ٢٨٧ ]
أَنْ يَرَى الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يُوحُونَ إِلَيْهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرَى اللَّهَ، إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ مُتَّحِدًا بِهِ أَوْ حَالًّا فِيهِ.
فَدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّ مَنْ رَأَى الْمَسِيحَ فَقَدْ رَأَى اللَّهَ عِيَانًا بِبَصَرِهِ - فِي غَايَةِ الْمُبَاهَتَةِ وَالْمُكَابَرَةِ وَالْكَذِبِ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِيهِ، أَوْ مُتَّحِدٌ بِهِ.
فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ عَلَى الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ وَتَتَّصِلُ بِأَرْوَاحِهِمْ، وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ، بَلِ الْجِنُّ تَدْخُلُ فِي بَنِي آدَمَ وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يَرَوْنَ جَسَدَ الْمَصْرُوعِ.
وَكُلُّ إِنْسَانٍ مَعَهُ قَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَهُوَ نَفْسُهُ لَا يَرَى ذَلِكَ، وَلَا يَرَاهُ مَنْ حَوْلَهُ.
وَتَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ وَقْتَ الْمَوْتِ وَلَا يَرَاهُمْ مَنْ حَوْلَهُ مَعَ أَنَّهُ هُوَ يَرَاهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ - فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ - تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧] . فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ الَّتِي اتَّفَقَ أَهْلُ الْمِلَلِ عَلَى اقْتِرَانِهَا بِالْإِنْسَانِ وَاتِّصَالِهَا بِهِمْ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهَا مُمْكِنَةٌ - لَا يَرَاهَا النَّاسُ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي لَمْ يَرَ النَّاسُ مِنْهُ إِلَّا مَا رَأَوْهُ مِنْ أَمْثَالِهِ مِنَ الرُّسُلِ كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَطُّ شَيْءٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ جِنْسِ الرُّسُلِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الَّذِينَ رَأَوْهُ، رَأَوُا اللَّهَ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ؟
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَمُوسَى وَالْمَسِيحُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَخْبَرُوا أَنَّ أَحَدًا لَا يَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا.
وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَإِنَّ رُؤْيَةَ بَعْضِ مَلَائِكَةِ اللَّهِ، أَوْ بَعْضِ الْجِنِّ - يَظْهَرُ لِرَائِيهَا مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْأَحْوَالِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ رَأَى اللَّهَ؟
وَالَّذِينَ رَأَوُا الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ حَالُهُمْ إِلَّا كَحَالِ سَائِرِ مَنْ رَأَى الرُّسُلَ، مِنْهُمُ الْكَافِرُ بِهِ الْمُكَذِّبُ لَهُ، وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بِهِ الْمُصَدِّقُ لَهُ، بَلْ هُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ إِهَانَةِ نَاسُوتِهِ مَا لَا يُعْرَفُ عَنْ نُظَرَائِهِ مِنَ الرُّسُلِ، مِثْلَ ضَرْبِهِ، وَالْبُصَاقِ فِي وَجْهِهِ، وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَصَلْبِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ رَأَى اللَّهَ إِمَّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ اللَّهُ، أَوْ لَا يَعْرِفَ.
فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ رَأَى اللَّهَ، كَانَ الَّذِينَ رَأَوُا الْمَسِيحَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ اللَّهُ، وَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَحَصَلَ لَهُمْ مِنَ الِاضْطِرَابِ مَا يُقَصِّرُ عَنْهُ الْخُطَّابُ.
وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَعْرِفُوهُ، فَهَذَا فِي غَايَةِ الِامْتِنَاعِ، حَيْثُ صَارَ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يُمَيَّزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ يَكُونُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيُمَيَّزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَلَا يَعْرِفُ الرَّائِي أَنَّ هَذَا هُوَ اللَّهُ.
وَلَوَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ الْفَاسِدَةُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرَ لَمَّا اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، وَإِنَّمَا رُئِيَ جَسَدُ الْمَسِيحِ الَّذِي احْتَجَبَ بِهِ اللَّهُ. فَقَوْلُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: (وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ إِلَّا فِي غَلِيظِ الْخَلْقِ، وَلَا يُرَى مَا هُوَ لَطِيفٌ مِنَ
[ ٤ / ٢٨٩ ]
اللَّطِيفِ إِلَّا مَعَ مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهُ) - كَلَامٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. إِذْ كَانَ هَذَا مَثَلًا ضَرَبُوهُ لِلَّهِ لِيُبَيِّنُوا أَنَّهُ يُرَى.
فَإِذَا سَلَّمُوا أَنَّهُ لَمْ يُرَ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْمَثَلِ فَائِدَةٌ، بَلْ كَانَ هَذَا اسْتِدْلَالًا عَلَى شَيْءٍ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَأَيْضًا فَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ اللَّطِيفَ لَا يُرَى إِلَّا فِي الْغَلِيظِ - بَاطِلٌ، فَإِنَّ اللَّطِيفَ كَرُوحِ الْإِنْسَانِ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ عُلِمَ وُجُودُهَا وَأَحَسَّ الْإِنْسَانُ بِرُوحِهِ وَصِفَاتِهَا، فَرُؤْيَتُهَا بِالْبَصَرِ غَيْرُ هَذَا. يُبَيِّنُ ذَلِكَ:
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُمْ: (وَإِنَّا وَجَدْنَا رُوحَ الْإِنْسَانِ الْعَاقِلَةَ الْكَلِمَانِيَّةَ - يَعْنُونَ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ - أَلْطَفَ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ)، فَلِذَلِكَ كَانَتْ أَوْلَى خَلْقِ اللَّهِ بِحِجَابِ اللَّهِ، فَكَانَتْ لَهُ حِجَابًا، وَكَانَتِ النَّفْسُ الدَّمَوِيَّةُ لَهَا حِجَابًا وَالْجَسَدُ الْغَلِيظُ حِجَابًا.
فَعَلَى هَذَا خَالَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ نَفْسَ الْإِنْسَانِ الْكَامِلَةَ لِجَسَدِهَا وَدَمِهَا وَرُوحِهَا الْعَاقِلَةِ الْكَلِمَانِيَّةِ، وَصَارَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِقِوَامِهَا قِوَامًا لِتَثْلِيثِ النَّاسُوتِ الَّتِي كَمَلَ جَوْهَرُهَا بِتَقْوِيمِ قِوَامِ كَلِمَةِ اللَّهِ إِيَّاهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ، وَلَمْ تَكُ شَيْئًا إِلَّا بِقَوْلٍ مِنْ كَلِمَةِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَهَا وَقَوَّمَهَا، لَا مِنْ شَيْءٍ سَبَقَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَلَا مِنْ سَبَبٍ كَانَ لَهَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ غَيْرَ قِوَامِ الْكَلِمَةِ الْخَالِقَةِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ التَّثْلِيثِ الْإِلَهِيِّ.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَالِقَ احْتَجَبَ بِالنَّفْسِ النَّاطِقَةِ، وَالنَّفْسَ النَّاطِقَةَ احْتَجَبَتْ بِالْبَدَنِ.
وَأَنْتُمْ تُصَرِّحُونَ بِأَنَّ نَفْسَ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الْخَالِقُ، وَهِيَ اللَّهُ عِنْدَكُمْ، الَّتِي خَلَقَتْ لِنَفْسِهَا إِنْسَانًا احْتَجَبَتْ بِهِ، وَقُلْتُمْ: هُوَ إِنْسَانٌ تَامٌّ بِجَسَدِهِ وَنَفْسِهِ الدَّمَوِيَّةِ، وَرُوحِهِ الْكَلِمَانِيَّةِ، أَيْ نَفْسِهِ النَّاطِقَةِ الَّتِي هِيَ صُورَةُ اللَّهِ فِي الْإِنْسَانِ وَشِبْهُهُ، فَكَانَتْ مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ.
فَصَرَّحْتُمْ بِأَنَّ الْبَدَنَ مَعَ الرُّوحِ مَسْكَنٌ لِلَّهِ فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ الْبَدَنَ وَالرُّوحَ، وَقُلْتُمْ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْخَالِقَةَ الْمُحْتَجِبَةَ الَّتِي قُلْتُمْ: إِنَّهَا اللَّهُ، الْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ.
فَإِذَا كَانَ اللَّهُ الْخَالِقُ قَدِ الْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ نَفْخِ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ الَّتِي سَمَّيْتُمُوهَا الرُّوحَ الْكَلِمَانِيَّةَ فِي الْمَسِيحِ.
وَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ - تَعَالَى - قَدِ الْتَحَمَ بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ، وَالْتِحَامُهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ حُلُولِهِ فِيهِ، ثُمَّ اتَّخَذَ الْجَسَدَ حِجَابًا قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ الْكَلِمَانِيَّةِ فِيهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّمَا حَلَّ فِي الرُّوحِ لَا فِي الْبَدَنِ، وَهُوَ قَدِ الْتَحَمَ بِالْبَدَنِ وَاتَّخَذَ مِنْهُ جُزْءًا مَسْكَنًا لَهُ وَحِجَابًا قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ الْكَلِمَانِيَّةَ؟
وَقُلْتُمْ أَيْضًا: فَعَلَى هَذَا خَالَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ لِنَفْسِ الْإِنْسَانِ الْكَامِلَةِ بِجَسَدِهَا وَدَمِهَا وَرُوحِهَا الْعَاقِلَةِ الْكَلِمَانِيَّةِ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْخَالِقَ خَالَطَ الْإِنْسَانَ بِجَسَدِهِ وَدَمِهِ وَرُوحِهِ.
[ ٤ / ٢٩١ ]
فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إِنَّمَا احْتَجَبَتْ بِالرُّوحِ اللَّطِيفَةِ، مَعَ تَصْرِيحِكُمْ بِأَنَّ الْخَالِقَ اخْتَلَطَ بِالْجَسَدِ وَالدَّمِ.
وَهَذَا أَيْضًا يُنَاقِضُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنَ الِاخْتِلَاطِ.
فَقَدْ صَرَّحْتُمْ هُنَا أَنَّهُ اخْتَلَطَ بِهِ، وَسَيَأْتِي نَظَائِرُ هَذَا فِي كَلَامِهِمْ يُصَرِّحُونَ فِيهِ بِاخْتِلَاطِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ.
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُكُمْ: (غَيْرَ قِوَامِ الْكَلِمَةِ الْخَالِقَةِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ التَّثْلِيثِ الْإِلَهِيِّ، فَذَلِكَ الْقِوَامُ مَعْدُودٌ مَعْرُوفٌ مَعَ النَّاسِ، لَمَّا ضُمَّ إِلَيْهِ وَخَلَقَهُ لَهُ الْتَحَمَ بِهِ مِنْ جَوْهَرِ الْإِنْسَانِ، فَهُوَ بِتَوْحِيدِ ذَلِكَ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ قِوَامٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ وَاحِدٌ فِي التَّثْلِيثِ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَيْسَ بِاثْنَيْنِ، وَلَكِنْ وَاحِدٌ مَعَ الْأَبِ وَالرُّوحِ، وَهُوَ إِيَّاهُ وَاحِدٌ مَعَ النَّاسِ جَمِيعًا بِجَوْهَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، مِنْ جَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الْخَالِقِ، وَجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الْمَخْلُوقِ، بِتَوْحِيدِ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ قِوَامِ الْكَلِمَةِ، الَّتِي هِيَ الِابْنُ الْمَوْلُودُ مِنَ اللَّهِ مِنْ قَبْلِ كُلِّ الدُّهُورِ، وَهُوَ إِيَّاهُ الْمَوْلُودُ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةٍ مِنَ الْأَبِ، وَلَا مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ.
فَيُقَالُ: فِي هَذَا الْكَلَامِ، بَلْ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، مَا يَطُولُ تَعْدَادُهُ وَوَصْفُهُ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ، وَالْكَلَامِ الْبَاطِلِ، وَالْكَلَامِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ قَائِلُهُ، وَهُوَ لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ مَعَ سُوءِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: (وَهُوَ إِيَّاهُ)،
[ ٤ / ٢٩٢ ]
فَيَضَعُ الضَّمِيرَ الْمُنْفَصِلَ مَوْضِعَ الْمُتَّصِلِ، وَيَعْطِفُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِلَا وَاوِ عَطْفٍ، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُ مَعَانِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَهُمْ لَمْ يَتَصَوَّرُوا مَعْنًى مَعْقُولًا ثُمَّ عَبَّرُوا عَنْهُ حَتَّى يُقَالَ: قَصَّرُوا فِي التَّعْبِيرِ، بَلْ هُمْ فِي ضَلَالٍ وَجَهْلٍ لَا يَتَصَوَّرُونَ مَعْقُولًا، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا يَقُولُونَ، بَلْ وَلَا لَهُمُ اعْتِقَادٌ يَثْبُتُونَ عَلَيْهِ فِي الْمَسِيحِ، بَلْ مَهْمَا قَالُوهُ مِنْ بِدَعِهِمْ كَانَ بَاطِلًا، وَكَانُوا هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَفْقَهُونَ مَا يَقُولُونَ.
لِهَذَا يَقُولُونَ: (هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ) . وَيَقُولُونَ: (قَدِ اتَّحَدَ بِهِ بَشَرٌ لَا يُدْرَكُ)، فَمَا لَا يُدْرَكُ وَمَا هُوَ فَوْقَ الْعَقْلِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَلَا يَقُولَهُ بِرَأْيِهِ.
لَكِنْ إِذَا أَخْبَرَتِ الرُّسُلُ الصَّادِقُونَ بِمَا يَعْجِزُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ عَنْهُ، عُلِمَ صِدْقُهُمْ، وَإِنْ نَقَلَ عَنْهُمْ نَاقِلٌ مَا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بُطْلَانُهُ، عُلِمَ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهِمْ، إِمَّا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَإِمَّا فِي أَحَدِهِمَا.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ يَقُولُ الْقَوْلَ الَّذِي يَذْكُرُ أَنَّهُ عَلِمَ صِحَّتَهُ، أَوْ أَنَّهُ فَسَّرَ بِهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُهُ، وَلَا يَفْقَهُهُ، فَهَذَا قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رُسُلِهِ مَا لَا يَعْلَمُ، وَهَذَا قَدِ ارْتَكَبَ أَعْظَمَ الْمُحَرَّمَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
[ ٤ / ٢٩٣ ]
وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الشَّيْطَانِ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٣] .
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْمِلَلِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ - نَهَاهُمْ أَنْ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، فَكَانَ هَذَا نَهْيًا أَنْ يَقُولُوا الْبَاطِلَ، سَوَاءٌ عَلِمُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا.
فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ حَقٌّ أَيْضًا، إِذِ الْبَاطِلُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ حَقٌّ، وَإِنِ اعْتَقَدَ مُعْتَقِدٌ اعْتِقَادًا فَاسِدًا أَنَّهُ حَقٌّ، فَذَلِكَ
[ ٤ / ٢٩٤ ]
لَيْسَ بِعِلْمٍ، فَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَقُولُوهُ.
وَعَامَّةُ النَّصَارَى ضُلَّالٌ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا يَقُولُونَهُ حَقٌّ، بَلْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْبَاطِلَ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِمْ: (فَهُوَ بِتَوْحِيدِ ذَلِكَ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ - قِوَامٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ) .
وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمُ اسْمٌ لِلَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ جَمِيعًا، اسْمٌ لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَأَحَدُهُمَا مُتَّحِدٌ بِالْآخَرِ، فَهُوَ بِتَوْحِيدِ ذَلِكَ الْقِوَامِ، قِوَامٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ.
وَسَوَاءٌ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّاسُوتَ وَاللَّاهُوتَ قِوَامٌ لِلَّاهُوتِ، أَوْ أَنَّ النَّاسُوتَ قِوَامٌ لِلَّاهُوتِ، وَهُمْ يُمَثِّلُونَ ذَلِكَ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ، فَيَكُونُ كَمَا لَوْ قِيلَ: إِنَّ الْجَسَدَ وَالرُّوحَ، أَوِ الْجَسَدَ - قِوَامٌ لِلرُّوحِ، أَوِ النَّارَ وَالْحَدِيدَ، أَوِ الْحَدِيدَ - قِوَامٌ لِلنَّارِ.
فَيُقَالُ: الْخَالِقُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، هَلْ يَكُونُ الْمُحْدَثُ الْمَخْلُوقُ قِوَامًا لَهُ؟ فَيَكُونَ الْمَخْلُوقُ الْمَصْنُوعُ الْمُحْدَثُ الْمُفْتَقِرُ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ - قِوَامًا لِلْخَالِقِ الْغَنِيِّ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَظْهَرِ الدَّوْرِ الْمُمْتَنِعِ؟
فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، أَنَّ الْمَخْلُوقَ
[ ٤ / ٢٩٥ ]
لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِالْخَالِقِ، فَإِنْ كَانَ الْخَالِقُ قِوَامُهُ بِالْمَخْلُوقِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ قِوَامُهُ بِالْآخَرِ، فَيَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَاجًا إِلَى الْآخَرِ، إِذْ مَا كَانَ قِوَامُ الشَّيْءِ بِهِ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ.
وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَالِقَ يَحْتَاجُ إِلَى مَخْلُوقِهِ وَهُوَ مِنَ الْكُفْرِ الْوَاضِحِ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ امْتِنَاعُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَهَذَا لَازِمٌ لِلنَّصَارَى، سَوَاءٌ قَالُوا بِالِاتِّحَادِ، أَوْ بِالْحُلُولِ بِلَا اتِّحَادٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِرَقُهُمْ الثَّلَاثُ يَقُولُونَ بِنَوْعٍ مِنَ الِاتِّحَادِ، فَإِنَّهُ مَعَ الِاتِّحَادِ كُلٌّ مِنَ الْمُتَّحِدَيْنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْآخَرِ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ كَمَا يُمَثِّلُونَ بِهِ فِي الرُّوحِ مَعَ الْبَدَنِ، وَالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدِ.
فَإِنَّ الرُّوحَ الَّتِيَ فِي الْبَدَنِ مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْبَدَنِ، كَمَا أَنَّ النَّارَ فِي الْحَدِيدِ مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْحَدِيدِ.
وَكَذَلِكَ الْحُلُولُ، فَإِنَّ كُلَّ حَالٍّ مُحْتَاجٌ إِلَى مَحْلُولٍ فِيهِ، وَهُوَ مِنَ الْكُفْرِ الْوَاضِحِ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ امْتِنَاعُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، فَلَيْسَ هُوَ مَخْلُوقًا، وَمَعَ هَذَا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْقَدِيمَيْنِ الْأَزَلِيَّيْنِ مُحْتَاجًا إِلَى الْآخَرِ، سَوَاءٌ قُدِّرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ لَهُ، أَوْ تَمَامُ الْفَاعِلِ لَهُ، أَوْ كَانَ
[ ٤ / ٢٩٦ ]
مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إِلَّا بِهِ.
فَإِنَّ الْمَوْجُودَ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا إِلَّا بِوُجُودِ لَوَازِمِهِ، وَلَا يَتِمُّ وُجُودُهُ إِلَّا بِهِ، فَكُلُّ مَا قُدِّرَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إِلَّا بِهِ.
فَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْقَدِيمَيْنِ مُحْتَاجًا إِلَى الْآخَرِ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا مَوْجُودًا إِلَّا بِخَلْقِ ذَلِكَ مَا بِهِ تَتِمُّ حَاجَةُ الْآخَرِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ هَذَا مَوْجُودًا إِلَّا بِخَلْقِ ذَلِكَ مَا بِهِ تَتِمُّ حَاجَةُ الْآخَرِ.
وَالْخَالِقُ لَا يَكُونُ خَالِقًا حَتَّى يَكُونَ مَوْجُودًا، وَلَا يَكُونُ مَوْجُودًا إِلَّا بِلَوَازِمِ وُجُودِهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا مَوْجُودًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ مَوْجُودًا، وَلَا يَكُونَ ذَاكَ مَوْجُودًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ مَوْجُودًا، إِذْ كَانَ جَعْلُهُ لِمَا لَمْ يَتِمَّ بِهِ وَجُودُهُ يَتَوَقَّفُ وَجُودُهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مَوْجُودًا إِلَّا بِهِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاجَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فِي وُجُودِهِ، أَوْ فِيمَا لَا يَتِمُّ وُجُودُهُ إِلَّا بِهِ، وَهَذَا هُوَ الدَّوْرُ الْقَبْلِيُّ الْمُمْتَنِعُ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ.
وَأَمَّا الدَّوْرُ الْمَعِيُّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ هَذَا إِلَّا مَعَ هَذَا، وَلَا هَذَا إِلَّا مَعَ هَذَا، كَالْأُبُوَّةِ مَعَ الْبُنُوَّةِ، وَكَصِفَاتِ الرَّبِّ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ، وَصِفَاتِهِ مَعَ ذَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَالِمًا إِلَّا مَعَ كَوْنِهِ قَادِرًا، وَلَا يَكُونُ عَالِمًا قَادِرًا إِلَّا مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا، وَلَا يَكُونُ حَيًّا إِلَّا مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا، وَلَا تَكُونُ صِفَاتُهُ مَوْجُودَةً إِلَّا بِذَاتِهِ، وَلَا ذَاتُهُ مَوْجُودَةً إِلَّا بِصِفَاتِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ فِي الْمَخْلُوقَيْنِ اللَّذَيْنِ يَفْتَقِرَانِ إِلَى الْخَالِقِ الَّذِي يُحْدِثُهُمَا جَمِيعًا، كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، وَجَائِزٌ فِي الرَّبِّ الْمُلَازِمِ لِصِفَاتِهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا إِذَا قُدِّرَ قَدِيمَانِ أَزَلِيَّانِ رَبَّانِ فَاعِلَانِ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُحْتَاجًا إِلَى الْآخَرِ، إِذْ كَانَ وُجُودُهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَا يَحْتَاجُ وَجُودُهُ إِلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ فَاعِلًا لِشَيْءٍ إِنْ لَمْ يَتِمَّ وُجُودُهُ، فَيَمْتَنِعُ مَعَ نَقْصِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ
[ ٤ / ٢٩٧ ]
تَمَامِ وَجُودِهِ، أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِغَيْرِهِ تَمَامَ وُجُودِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ.
وَلَكِنِ الَّذِي قَالَهُ النَّصَارَى، إِنَّهُمْ جَعَلُوا قِوَامَ الْخَالِقِ - تَعَالَى - بِالْمَخْلُوقِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا أَيْضًا مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ أَعْظَمَ مِنِ امْتِنَاعِ قِيَامِ كُلٍّ مِنَ الْخَالِقَيْنِ بِالْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا أَيْضًا مُمْتَنِعًا، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ مُفْتَقِرٌ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ إِلَى الْخَالِقِ، فَيَمْتَنِعُ مَعَ فَقْرِهِ فِي وُجُودِهِ وَتَمَامِ وَجُودِهِ إِلَى الْخَالِقِ أَنْ يَكُونَ قِوَامُ الْخَالِقِ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ تَمَامُ وَجُودِهِ بِهِ، فَيَكُونَ الْمَخْلُوقُ لَا وُجُودَ لِشَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا بِالْخَالِقِ.
فَالْقَدْرُ الَّذِي يُقَالُ: إِنَّهُ يُقِيمُ بِهِ الْخَالِقَ - هُوَ مِنَ الْخَالِقِ، وَالْخَالِقُ خَالِقُهُ وَخَالِقُ كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَلَا وُجُودَ لَهُ وَلَا قِيَامَ إِلَّا بِالْخَالِقِ، فَكَيْفَ يَكُونُ بِهِ قِيَامُ الْخَالِقِ؟
وَلَيْسَ هَذَا كَالْجَوْهَرِ وَأَعْرَاضِهِ اللَّازِمَةِ، أَوْ كَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ عِنْدَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الصُّورَةَ جَوْهَرٌ إِذَا كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الدَّوْرِ الْمَعِيِّ، كَالنُّبُوَّةِ مَعَ الْأُبُوَّةِ، وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ، إِذْ كَانَ الْخَالِقُ لَهُمَا جَمِيعًا هُوَ اللَّهُ.
وَأَمَّا مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا هُوَ الْخَالِقُ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَمَعَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا خَالِقًا وَالْآخِرِ مَخْلُوقًا، فَهُوَ أَشَدُّ امْتِنَاعًا.
وَالرَّبُّ - تَعَالَى - غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذَا مَعْنَى اسْمِهِ " الصَّمَدِ "، فَإِنَّ الصَّمَدَ الَّذِي يَصْمُدُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ ; لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، لَا يَصْمُدُ
[ ٤ / ٢٩٨ ]
إِلَى شَيْءٍ، وَلَا يَسْأَلُهُ شَيْئًا - ﷾ - فَكَيْفَ يَكُونُ قِوَامُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ؟
وَهَذَا الِاتِّحَادُ الْخَاصُّ مِنَ النَّصَارَى يُشْبِهُ - مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ - قَوْلَ أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ، الَّذِينَ يَقُولُونَ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ " الْفُصُوصِ " وَ" الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ ": إِنَّ أَعْيَانَ الْمَخْلُوقَاتِ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ، وَوُجُودُ الْحَقِّ فَاضَ عَلَيْهَا، فَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ الْمُشْتَرَكُ الْعَامُّ، وَهُوَ وُجُودُهُ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْأَعْيَانُ الثَّابِتَةُ فِي الْعَدَمِ، وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ عَيْنٍ عَيْنٌ، فَيُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ.
وَيَقُولُونَ: الْوُجُودُ وَاحِدٌ، ثُمَّ يُثْبِتُونَ تَعَدُّدَ الْأَعْيَانِ، وَيَقُولُونَ: هِيَ مَظَاهِرٌ وَمَجَالٍ.
فَإِنْ كَانَ الْمَظْهَرُ وَالْمَجْلَى غَيْرُ الظَّاهِرِ، فَقَدْ ثَبَتَ التَّعَدُّدُ، وَإِنْ كَانَ
[ ٤ / ٢٩٩ ]
هُوَ إِيَّاهُ، فَلَا تَعَدُّدَ، فَلِهَذَا يُضْطَرُّونَ إِلَى التَّنَاقُضِ كَمَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ النَّصَارَى، حَيْثُ يُثْبِتُونَ الْوَحْدَةَ مَعَ الْكَثْرَةِ، وَيُنْشِدُونَ: (فَيَعْبُدُنِي وَأَعْبُدُهُ وَيَحْمَدُنِي وَأَحْمَدُهُ) . وَهَؤُلَاءِ بَنَوْا قَوْلَهُمْ عَلَى أَصْلَيْنِ فَاسِدَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَعْيَانَ الْمُمْكِنَاتِ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ، كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: إِنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْعَدَمِ، وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ.
وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ، أَنَّ الْمَعْدُومَ يُرَادُ إِيجَادُهُ وَيُتَصَوَّرُ، وَيُخْبَرُ بِهِ، وَيُكْتَبُ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَلَهُ وُجُودٌ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ وَالْخَطِّ، وَأَمَّا فِي الْخَارِجِ فَلَا وُجُودَ لَهُ.
وَالْوُجُودُ هُوَ الثُّبُوتُ، فَلَا ثُبُوتَ لَهُ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ الْخَارِجِيِّ، وَإِنَّمَا ثُبُوتُهُ فِي الْعِلْمِ ; أَيْ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ قَبْلَ وُجُودِهِ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ جَعَلُوا نَفْسَ وُجُودِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْخَالِقِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ، هُوَ نَفْسُ وُجُودِ الْمَرْبُوبِ الْمَصْنُوعِ الْمُمْكِنِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ: وَمَنْ عَرَفَ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْأَعْدَادِ، وَأَنَّ نَفْيَهَا عَيْنُ إِثْبَاتِهَا، عَلِمَ أَنَّ الْحَقَّ الْمُنَزَّهَ هُوَ الْخَلْقُ الْمُشَبَّهُ. فَالْأَمْرُ
[ ٤ / ٣٠٠ ]
لِلْخَالِقِ هُوَ الْمَخْلُوقُ، وَالْأَمْرُ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَا بَلْ هُوَ الْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ، وَهُوَ الْعُيُونُ الْكَثِيرَةُ، وَهُوَ: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) . إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا ذَبَحَ سِوَى نَفْسَهُ: وَمَا نَكَحَ سِوَى نَفْسَهُ.
وَقَالَ: وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْعَلِيُّ، عَلَى مَنْ يَكُونُ عَلِيًّا، وَمَا هُوَ إِلَّا هُوَ؟ أَوْ عَنْ مَاذَا يَكُونُ عَلِيًّا، وَمَا ثَمَّ إِلَّا هُوَ؟ فَعُلُوُّهُ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ عَيْنُ الْمَوْجُودَاتِ، فَالْمُسَمَّى مُحْدَثَاتٍ هِيَ الْعَلِيَّةُ لِذَاتِهَا وَلَيْسَتْ إِلَّا هُوَ.
وَقَدْ نُقِلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: بِمَاذَا عَرَفْتَ رَبَّكَ؟
قَالَ: بِجَمْعِهِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] .
أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُجْتَمِعٌ فِي حَقِّهِ - سُبْحَانَهُ - مَا يَتَضَادُّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ أَوَّلًا آخِرًا بَاطِنًا ظَاهِرًا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: («أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ
[ ٤ / ٣٠١ ]
شَيْءٌ»)، فَجَاءَ هَذَا الْمُلْحِدُ وَفَسَّرَ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنَّ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْخَالِقُ، فَقَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ، وَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْحَقِّ، وَلِسَانٌ مِنْ أَلْسِنَتِهِ، يَنْطِقُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِجَمْعِهِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهَا، فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، فَهُوَ عَيْنُ مَا ظَهَرَ وَهُوَ عَيْنُ مَا بَطَنَ فِي حَالِ ظُهُورِهِ، وَمَا ثَمَّ مَنْ يَرَاهُ غَيْرُهُ، وَمَا ثَمَّ مَنْ بَاطِنٌ عَنْهُ سِوَاهُ، فَهُوَ ظَاهِرٌ لِنَفْسِهِ بَاطِنٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمُحْدَثَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ النَّصَارَى لِمَنْ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا وَيَحْكِيهِ عَنْ شُيُوخِهِ وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُسْلِمٌ (أَنْتُمْ كَفَّرْتُمُونَا لِأَجْلِ أَنْ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ، وَشُيُوخُكُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ، وَالْمَسِيحُ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) .
وَهَؤُلَاءِ يُجِيبُونَ النَّصَارَى بِجَوَابٍ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُمْ أَعْظَمُ إِلْحَادًا مِنَ النَّصَارَى.
فَيَقُولُونَ لِلنَّصَارَى: (أَنْتُمْ خَصَّصْتُمُوهُ بِالْمَسِيحِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: هُوَ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ، لَا نَخُصُّ الْمَسِيحَ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَحْذَقِ هَؤُلَاءِ " التِّلْمِسَانِيِّ " الْمُلَقَّبِ بِالْعَفِيفِ: أَنْتَ نُصَيْرِيٌّ.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
فَقَالَ: نُصَيْرٌ جُزْءٌ مِنِّي. فَإِنَّ النُّصَيْرِيَّةَ أَتْبَاعُ أَبِي شُعَيْبٍ " مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ " يَقُولُونَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَظِيرَ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، كَذَلِكَ سَائِرُ الْغُلَاةِ فِي عَلِيٍّ، أَوْ فِي أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، أَوْ فِي الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بَنِي عُبَيْدٍ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، كَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ،
[ ٤ / ٣٠٣ ]
أَوْ فِي الْحَلَّاجِ، أَوْ فِي بَعْضٍ مِنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ أَوْ حُلُولِهِ فِيهِ، نَظِيرَ مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ مُحْدَثٌ، وَأَنَّ الْقَدِيمَ حَلَّ أَوِ اتَّحَدَ بِالْمُحْدَثِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونَا مُتَّحِدَيْنِ.
وَأَمَّا أُولَئِكَ فَيَقُولُونَ بِالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَمُحَقِّقُوهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ، لَا يَقُولُونَ بِاتِّحَادِ وُجُودَيْنِ، وَلَا بِحُلُولِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
بَلْ قَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْوُجُودَ هُوَ ثُبُوتُ وُجُودِ الْحَقِّ وَثُبُوتُ الْأَشْيَاءِ، اتَّحَدَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ.
فَالْحَقُّ إِذَا ظَهَرَ كَانَ عَبْدًا، وَالْعَبْدُ إِذَا بَطَنَ كَانَ رَبًّا.
وَيَقُولُونَ: إِذَا حَصَلَ لَكَ التَّجَلِّي الذَّاتِيُّ، وَهُوَ هَذَا، لَمْ تَضُرَّكَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَلَا غَيْرُهَا، بَلْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ عَيْنُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، وَأَنَّ
[ ٤ / ٣٠٤ ]
أَحَدًا لَمْ يَعْبُدْ غَيْرَهُ، كَمَا يَقُولُ ابْنُ عَرَبِيٍّ مُصَوِّبًا لِقَوْمِ نُوحٍ الْكُفَّارِ: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا، قَالَ: لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِالْمَدْعُوِّ، فَإِنَّهُ مَا عُدِمَ مِنَ الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إِلَى الْغَايَةِ (ادْعُوا إِلَى اللَّهِ) فَهَذَا عَيْنُ الْمَكْرِ، فَأَجَابُوهُ (مَكْرًا) كَمَا دَعَاهُمْ (مَكْرًا) فَقَالُوا فِي مَكْرِهِمْ: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] إِذَا تَرَكُوهُمْ جَهِلُوا عَنِ الْحَقِّ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْ هَؤُلَاءِ.
فَإِنَّ لِلْحَقِّ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ وَجْهًا، يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَهُ، وَيَجْهَلُهُ مَنْ جَهِلَهُ، كَمَا قَالَ فِي الْمُحَمَّدِيِّينَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] . ; أَيْ حَكَمَ فَمَا حَكَمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَعَ. فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ مَنْ عَبَدَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ ظَهَرَ حَتَّى عَبَدَ، وَأَنَّ التَّفْرِيقَ وَالْكَثْرَةَ كَالْأَعْضَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَحْسُوسَةِ، وَكَالْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةِ فِي الصُّوَرِ الرُّوحَانِيَّةِ، فَمَا عُبِدَ غَيْرُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ.
وَصَوَّبَ هَذَا الْمُلْحِدُ فِرْعَوْنَ فِي قَوْلِهِ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
قَالَ: وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي مَنْصِبِ التَّحَكُّمِ صَاحِبَ الْوَقْتِ، وَأَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بِالسَّيْفِ وَإِنْ جَارَ فِي الْعُرْفِ النَّامُوسِيِّ، لِذَلِكَ قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى. ; أَيْ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ أَرْبَابًا بِنِسْبَةٍ مَا، فَأَنَا الْأَعْلَى مِنْهُمْ بِمَا أُعْطِيتُهُ فِي الظَّاهِرِ مِنَ الْحُكْمِ فِيكُمْ.
قَالَ: وَلَمَّا عَلِمَتِ السَّحَرَةُ صِدْقَ فِرْعَوْنَ فِيمَا قَالَهُ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَأَقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ. فَالدَّوْلَةُ لَكَ.
قَالَ: فَصَحَّ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى. وَإِنْ كَانَ فِرْعَوْنُ عَيْنَ الْحَقِّ.
وَصَوَّبَ أَيْضًا أَهْلَ الْعِجْلِ فِي عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَزَعَمَ أَنَّ مُوسَى رَضِيَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: وَلَمَّا كَانَ مُوسَى أَعْلَمَ بِالْأَمْرِ مِنْ هَارُونَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ قَضَى أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَمَا حَكَمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَعَ، كَانَ عَتْبُهُ عَلَى هَارُونَ لِإِنْكَارِهِ وَعَدَمِ اتِّسَاعِهِ، فَإِنَّ الْعَارِفَ مَنْ يَرَى الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ مَنْ يَرَاهُ عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ لَا يَقُولُونَ بِثُبُوتِ الْأَعْيَانِ فِي الْعَدَمِ، بَلْ يَقُولُونَ: مَا ثَمَّ وُجُودٌ إِلَّا وُجُودُ الْحَقِّ.
لَكِنْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ، فَيَقُولُونَ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ السَّارِي فِي الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، كَالْحَيَوَانِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ، وَالْإِنْسَانِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وَيُسَمُّونَ هَذَا الْوُجُودَ: الْإِحَاطَةَ، فَيَقُولُونَ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ، إِمَّا بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ، وَهَذَا يُسَمَّى الْكُلِّيَّ الْعَقْلِيَّ.
وَهَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَلَكِنْ يُحْكَى عَنْ شِيعَةِ " أَفْلَاطُونَ " أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْأَعْيَانِ فِي الْخَارِجِ، وَقَالُوا: إِنَّهَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَحَيَوَانِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَيُسَمُّونَهَا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ، وَالْمُثُلَ الْمُعَلَّقَةَ.
وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إِخْوَانُهُمْ " أَرِسْطُو " وَشِيعَتُهُ وَجَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ، وَبَيَّنُوا أَنَّ هَذِهِ إِنَّمَا هِيَ مُتَصَوَّرَةٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا مَوْجُودَةٌ فِي الْأَعْيَانِ، كَمَا يَتَصَوَّرُ الذِّهْنُ عَدَدًا مُطْلَقًا وَمَقَادِيرَ مُطْلَقَةً، كَالنُّقْطَةِ وَالْخَطِّ وَالسَّطْحِ وَالْجِسْمِ التَّعْلِيمِيِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَصَوَّرُهُ الذِّهْنُ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فِي الْمَوْجُودَاتِ الثَّابِتَةِ فِي الْخَارِجِ.
وَهَذَا الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، يَظُنُّ هَؤُلَاءِ ثُبُوتَهُ فِي الْخَارِجِ، وَقَدْ يُسَمُّونَهُ الْإِحَاطَةَ، وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُجَرَّدُ عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطٍ، وَهُوَ الْعَامُّ الْمُنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ،
[ ٤ / ٣٠٧ ]
إِلَى قَدِيمٍ وَحَادِثٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَانْقِسَامِ الْحَيَوَانِ إِلَى نَاطِقٍ وَأَعْجَمَ.
وَهَذَا الْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطٍ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ: هَذَا حَيَوَانٌ، هَذَا إِنْسَانٌ، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ الْعَامُّ شَامِلًا لِأَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ، لَكِنْ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُقَيَّدًا مُعَيَّنًا.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ كُلِّيًّا، فَقَدْ غَلِطَ، فَإِنَّ الْكُلِّيَّ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا قَطُّ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إِلَّا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، إِذَا تَصَوَّرَ مَنَعَ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْعَقْلَ يَأْخُذُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ الْكُلِّيَّ بَيْنَ الْمُعَيَّنَاتِ، فَيَكُونُ كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا فِي الْأَذْهَانِ.
وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ هَذَا، وَقَدْ يَجْعَلُونَهُ بَعْدَ هَذَا، فَيَقُولُونَ: هَذَا فَرْقُ الْوَاجِبِ.
وَهَذَا الْوُجُودُ الْكُلِّيُّ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُعَيَّنًا فَلَا مَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ سِوَى الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ الْمُشَخَّصَةِ بِمَا فِيهَا مِنَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا.
وَإِنْ قُدِّرَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ إِمَّا جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ، وَإِمَّا صِفَةٌ لَهَا.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ مَوْجُودٌ هُوَ رَبُّ الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَعَلَى الثَّانِي، يَكُونُ رَبُّ الْمَوْجُودَاتِ جُزْءَهَا أَوْ صِفَةً لَهَا.
وَمَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ صِفَةَ الشَّيْءِ الْقَائِمَةَ بِهِ لَا تَخْلُقُ
[ ٤ / ٣٠٨ ]
الْمَوْصُوفَ وَأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَخْلُقُ الشَّيْءَ، بَلْ جُزْءُ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِنَ الشَّيْءِ.
فَإِذَا كَانَ هُوَ الْخَالِقُ لِلْجُمْلَةِ، كَانَ خَالِقًا لِنَفْسِهِ، وَكَانَ بَعْضُ الشَّيْءِ خَالِقًا لِكُلِّهِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ فِي الْعَالَمِ كَالزُّبْدِ فِي اللَّبَنِ، وَالدُّهْنِ فِي السِّمْسِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَجْعَلُونَهُ جُزْءًا مِنَ الْعَالَمِ الْمَخْلُوقِ. وَنَفْسُ تَصَوُّرِ هَذَا يَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لِمَنْ تَبِعَهُمْ: إِنْ لَمْ تَتْرُكِ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ، لَمْ يَحْصُلْ لَكَ التَّحْقِيقُ وَالتَّجَلِّي الَّذِي حَصَلَ لَنَا. وَيَقُولُونَ: ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ.
فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - أَكْمَلُ النَّاسِ كَشْفًا، وَهُمْ يُخْبِرُونَ بِمَا يَعْجِزُ عُقُولُ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، لَا بِمَا يُعْرَفُ فِي عُقُولِهِمْ أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَيُخْبِرُونَ بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ.
فَمَنْ دُونَهُمْ إِذَا أَخْبَرَ عَنْ شُهُودٍ وَكَشْفٍ، يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بُطْلَانُهُ - عُلِمَ أَنَّ كَشْفَهُ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلَانَهُ، فَهَذَا قَدْ يُمْكِنُ فِيهِ إِصَابَتُهُ، وَقَدْ
[ ٤ / ٣٠٩ ]
يُمْكِنُ خَطَؤُهُ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
وَهَؤُلَاءِ سَمِعُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَقَصَدُوا عِبَادَتَهُ وَمَعْرِفَتَهُ، فَوَقَفُوا عَلَى أَثَرِهِ فِي مَصْنُوعَاتِهِ، فَظَنُّوا أَنَّهُ هُوَ كَمَنْ سَمِعَ بِالشَّمْسِ، فَلَمَّا أَنْ رَأَى الشُّعَاعَ الْمُنْبَسِطَ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الشَّمْسُ، وَلَمْ يُصْعِدْ بَصَرَهُ وَبَصِيرَتَهُ إِلَى الشَّمْسِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ.
وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ لَمْ تَصْمُدْ بَصَائِرُ قُلُوبِهِمْ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ الْمُبَايِنِ لِمَخْلُوقَاتِهِ.
وَسِرُّ ذَلِكَ، أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِقُلُوبِهِمْ وُجُودًا مُطْلَقًا بَسِيطًا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ، كَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ. وَلَا لَهُ صِفَةٌ، وَلَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهَذَا هُوَ الْوُجُودُ الْمُشْتَرَكُ.
لَكِنَّ هَذَا الشُّهُودَ هُوَ فِي نُفُوسِهِمْ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يُخَاطِبُهُمْ لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَشْهَدُونَهُ، فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَا شَهِدُوهُ.
وَقَدْ خَاطَبْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَبَيَّنْتُ لَهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَشْهَدُونَهُ هُوَ فِي الذِّهْنِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ صِفَةٌ لِلْمَوْجُودَاتِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا، وَيَظُنُّونَ مَعَ ظَنِّهِمْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْخَارِجِ غَيْرُ مَا شَهِدُوهُ، فَإِنَّهُمْ يَغِيبُونَ عَنِ الْحِسِّ الَّذِي يُدْرِكُ الْمُعَيَّنَاتِ، وَيُغَيِّبُونَ عُقُولَهُمْ عَنْ تَصَوُّرِهَا، حَتَّى لَا يُمَيِّزُوا بَيْنَ مَوْجُودٍ وَمَوْجُودٍ، وَيَقُولُونَ: الْحِسُّ فِيهِ تَفْرِقَةٌ، ثُمَّ يَشْهَدُونَ هَذَا الْوُجُودَ
[ ٤ / ٣١٠ ]
الْمُطْلَقَ مَعَ عَزْلِهِمُ الْحِسَّ، فَيَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا الْمُطْلَقَ هُوَ نَفْسُ الْمُعَيَّنَاتِ، وَأَنَّهُ مَا بَقِيَ مَوْجُودًا أَصْلًا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْوُجُودَ الْكُلِّيَّ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ كُلِّيًّا، وَأَنَّكُمْ شَهِدْتُمْ ذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ وُجُودَ الْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ لَا يُنَاقِضُ وُجُودَ الْمُعَيَّنِ الْمُخْتَصِّ.
فَالْحَيَوَانِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ الْمُطْلَقَةُ، لَا تُنَاقِضُ أَعْيَانَ الْحَيَوَانِ وَأَعْيَانَ الْإِنْسَانِ، وَحِينَئِذٍ فَثُبُوتُ أَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ حَاصِلٌ فِي الْخَارِجِ.
وَهَبْ أَنَّكُمْ غِبْتُمْ عَنْ هَذَا وَلَمْ تَشْهَدُوهُ، فَالْغَيْبَةُ عَنْ شُهُودِ الشَّيْءِ لَا يُوجِبُ عَدَمَهُ فِي نَفْسِهِ.
فَإِذَا لَمْ يَشْهَدِ الْعَبْدُ الشَّيْءَ، أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، أَوْ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِهِ، أَوْ فَنِيَ عَنْ شُهُودِهِ، أَوِ اصْطُلِمَ، أَوْ غَابَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ صَارَ فِي نَفْسِهِ مَعْدُومًا فَانِيًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلِ الْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ أَنْ يُعْدَمَ الشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ وَيَفْنَى وَيَتَلَاشَى، وَبَيْنَ أَنْ يُعْدَمَ شُهُودُ الْإِنْسَانِ لَهُ وَذِكْرُهُ وَمَعْرِفَتُهُ.
وَهَؤُلَاءِ - مِنْ ضَلَالِهِمْ - يَظُنُّونَ أَنَّهُ إِذَا فَنِيَ شُهُودُهُمْ لِلْمَوْجُودَاتِ، كَانَتْ فَانِيَةً فِي أَنْفُسِهَا، فَلَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إِلَّا
[ ٤ / ٣١١ ]
مَا تَخَيَّلُوهُ مِنَ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ.
وَيَقُولُونَ: الْكَثْرَةُ وَالتَّفْرِقَةُ فِي الْحِسِّ، فَإِذَا فَنِيَ شُهُودُ الْقَلْبِ عَنِ الْحِسِّ، لَمْ يَبْقَ تَفْرِقَةٌ وَلَا كَثْرَةٌ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ شُهُودَ الْحِسِّ حِينَئِذٍ خَطَأٌ، وَالْعَقْلُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ الْكُلِّيَّاتِ وَالْمُطْلَقَاتِ دُونَ الْحِسِّ، فَإِذَا أَبْطَلُوا مَا شَهِدَهُ الْحِسُّ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ إِلَّا الْوُجُودُ الْكُلِّيُّ.
ثُمَّ يَظُنُّونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، فَيَبْقَى الرَّبُّ عِنْدَهُمْ وَهْمًا وَخَيَالًا فِي نُفُوسِهِمْ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ حُذَّاقِهِمْ وَهُوَ التُّسْتَرِيُّ صَاحِبُ ابْنِ سَبْعِينَ: (وَهْمُكَ هُوَ بِتَشْخِيصِ مَا تَحْتَهُ
[ ٤ / ٣١٢ ]
شَيْءٌ) وَقَالَ:
تَرَى الْوُجُودَ وَاحِدًا وَأَنْتَ ذَاكَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ زَائِدٌ مَا ثَمَّ سِوَاكَ
وَقُلْتُ لِبَعْضِ حُذَّاقِهِمْ: هَبْ أَنَّ هَذَا الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ، وَأَنَّهُ عَيْنُ الْمَوْجُودَاتِ الْمَشْهُودَةِ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ هَذَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكُلَّ شَيْءٍ؟
فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ: هَذَا مَا فِيهِ حِيلَةٌ.
وَالْحِسُّ الْبَاطِنُ أَوِ الظَّاهِرُ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الْعَقْلُ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَحْسُوسِ وَغَيْرِهِ، وَإِلَّا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الْغَلَطِ مِنْ جِنْسِ مَا يَدْخُلُ عَلَى النَّائِمِ وَالْمَمْرُورِ وَالْمُبَرْسَمِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَحْكُمُ بِمُجَرَّدِ الْحِسِّ الَّذِي لَا عَقْلَ مَعَهُ.
وَالْبَهَائِمُ قَدْ تَكُونُ أَهْدَى مِنْ هَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
[ ٤ / ٣١٣ ]
وَهَؤُلَاءِ يُصَرِّحُونَ بِرَفْضِ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ فَدَخَلُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] . وَيُلْزِمُونَ أَنْفُسَهُمْ الْغَيْبَةَ عَنِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ الظَّاهِرِ وَالشَّرْعِ، فَلِهَذَا يَقُولُ أَحْذَقُهُمُ التِّلْمِسَانِيُّ:
فَقُلْ لِحِسِّكَ غِبْ وَجْدًا وَذُبْ طَرَبًا فِيهَا وَقُلْ لِزَوَالِ الْعَقْلِ لَا تَزُلِ
وَاصْمُتْ إِلَى أَنْ تَرَاهَا فِيكَ نَاطِقَةً فَإِنْ وَجَدْتَ لِسَانًا قَائِلًا فَقُلِ
وَهَؤُلَاءِ لِبَسْطِ الْكَلَامِ عَلَيْهِمْ مَوْضِعٌ آخَرُ
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النَّصَارَى زَعَمُوا أَنَّ اللَّاهُوتَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا اتَّحَدَ بِهِ مِنَ النَّاسُوتِ، وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ مُحْتَاجٌ إِلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ.
فَإِنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِغَيْرِهِ فَكُلٌّ مِنَ الْمُتَّحِدَيْنِ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ، مَعَ اسْتِحَالَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَتَغَيُّرِ حَقِيقَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْحُلُولُ الْمَعْقُولُ، فَإِنَّ الْحُلُولَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْحَالُّ قَائِمًا بِالْمَحَلِّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ أُرِيدَ بِذَلِكَ حُلُولُ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ فِي الْمَوْصُوفَاتِ وَالْجَوَاهِرِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ حُلُولُ الْأَعْيَانِ.
[ ٤ / ٣١٤ ]
فَإِنَّ كَوْنَ أَحَدِ الْجِسْمَيْنِ مَحَلًّا لِلْآخَرِ، كَحُلُولِ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ، هُوَ يُوجِبُ افْتِقَارَهُ إِلَيْهِ.
وَمَا يَحِلُّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَالْإِيمَانِ بِهِ، هُوَ قَائِمٌ بِقُلُوبِهِمْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ مَا يُثْبِتُهُ الْفَلَاسِفَةُ مِنَ الْهَيُولَى وَالصُّورَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْهَيُولَى مَحَلٌّ لِلصُّورَةِ، وَيَعْتَرِفُونَ - مَعَ ذَلِكَ - بِأَنَّ الصُّورَةَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْهَيُولَى.
وَالْقَائِلُونَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، قَدْ يَجْعَلُونَ الْخَالِقَ مَعَ الْمَخْلُوقَاتِ كَالصُّورَةِ مَعَ الْهَيُولَى، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ ابْنُ سَبْعِينَ وَيَقُولُ: هُوَ فِي الْمَاءِ مَاءٌ، وَفِي النَّارِ نَارٌ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ بِصُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي مَوَاضِعِ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ حَلَّ فِي الْمَسِيحِ كَمَا حَلَّ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الْحُلُولُ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ دَاوُدَ عِنْدَهُمْ، حَيْثُ قَالُوا: أَنْتَ تَحُلُّ فِي قُلُوبِ الْقِدِّيسِينَ، فَقَدْ عُرِفَ أَنَّ هَذَا حُلُولُ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتُهُ وَهُدَاهُ
[ ٤ / ٣١٥ ]
وَنُورُهُ وَالْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلِهَذَا يُسَمَّى ظُهُورًا وَالشُّعَاعُ الْحَالُّ عَلَى الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ عَرَضٌ قَائِمٌ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ.
وَالرُّسُلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَخْبَرُوا بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَالَمِ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، تَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ الْعَلِيُّ وَهُوَ الْأَعْلَى، وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ فِي السَّمَاءِ، كَقَوْلِهِ: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا.
وَلَيْسَ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ فِي جَوْفِ السَّمَاوَاتِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَحْصُرُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، بَلْ كَلَامُ الرُّسُلِ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: («أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ
[ ٤ / ٣١٦ ]
الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»)، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ فَوْقَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ: إِنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَلَا يَخْلُو الْعَرْشُ مِنْهُ، فَلَا يَصِيرُ تَحْتَ الْمَخْلُوقَاتِ وَفِي جَوْفِهَا قَطُّ، بَلِ الْعُلُوُّ عَلَيْهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ حَيْثُ وُجِدَ مَخْلُوقٌ، فَلَا يَكُونُ الرَّبُّ إِلَّا عَالِيًا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُ الرُّسُلِ: (فِي السَّمَاءِ) أَيْ فِي الْعُلُوِّ، لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ فِي جَوْفِ الْأَفْلَاكِ، بَلْ السَّمَاءُ الْعُلُوُّ، وَهُوَ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ، فَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى وَلَيْسَ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يَكُونَ الرَّبُّ مَحْصُورًا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا هُوَ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ، بَلْ لَيْسَ مَوْجُودًا إِلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، وَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ، عَالٍ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ هُوَ فِي مَخْلُوقٍ أَصْلًا، سَوَاءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ جِهَةً، أَوْ لَمْ يُسَمَّ جِهَةً.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ تَعْلُو عَلَيْهِ أَوْ تُحِيطُ بِهِ أَوْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ.
كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ: لَيْسَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ رَبٌّ، وَلَا عَلَى الْعَرْشِ إِلَهٌ، وَمُحَمَّدٌ لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَلَا تَصْعَدُ الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهِ، وَلَا تَنْزِلُ الْكُتُبُ مِنْهُ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَدْنُو إِلَى شَيْءٍ - فَهُوَ أَيْضًا مُخْطِئٌ.
وَمَنْ سَمَّى مَا فَوْقَ الْعَالَمِ جِهَةً، وَجَعَلَ الْعَدَمَ الْمَحْضَ جِهَةً، وَقَالَ
[ ٤ / ٣١٧ ]
هُوَ فِي جِهَةٍ - بِهَذَا الْمَعْنَى - أَيْ هُوَ نَفْسُهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ.
وَمَنْ نَفَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: لَيْسَ فِي جِهَةٍ فَقَدْ أَخْطَأَ.
بَلْ طَرِيقُ الِاعْتِصَامِ أَنَّ مَا أَثْبَتَهُ الرُّسُلُ لِلَّهِ، أُثْبِتَ لَهُ، وَمَا نَفَتْهُ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ، نُفِيَ عَنْهُ.
وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي لَمْ تَنْطِقِ الرُّسُلُ فِيهَا بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، كَلَفْظِ الْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَا يُطْلِقُ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ الْمُرَادِ.
فَمَنْ أَرَادَ بِمَا أَثْبَتَ مَعْنًى صَحِيحًا، فَقَدْ أَصَابَ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ خَطَأً.
وَمَنْ أَرَادَ بِمَا نَفَاهُ مَعْنًى صَحِيحًا، فَقَدْ أَصَابَ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِهِ خَطَأً.
وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ بِلَفْظِهِ حَقًّا وَبَاطِلًا، أَوْ نَفَى بِلَفْظِهِ حَقًّا وَبَاطِلًا، فَكِلَاهُمَا مُصِيبٌ فِيمَا عَنَاهُ مِنَ الْحَقِّ، مُخْطِئٌ فِيمَا عَنَاهُ مِنَ الْبَاطِلِ، قَدْ لَبَّسَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَجَمَعَ فِي كَلَامِهِ حَقًّا وَبَاطِلًا.
وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ مُتَطَابِقُونَ عَلَى أَنَّهُ فِي الْعُلُوِّ.
وَفِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يُقَارِبُ أَلْفَ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا لَا يُحْصَى.
[ ٤ / ٣١٨ ]
[فَصْلٌ: مُتَابَعَةُ حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ عَنِ النَّصَارَى وَمُنَاقَشَتِهِ فِي ذَلِكَ]
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: وَذَلِكَ مِثْلُ مَا أَنَّ الشُّعَاعَ الْمَوْلُودَ مِنْ عَيْنِ الشَّمْسِ الَّذِي يَمْلَأُ ضَوْءُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ نُورًا، وَفِي بَيْتٍ مِنَ الْبُيُوتِ يَكُونُ فِيهِ ضِيَاءً بِنُورِهِ مِنْ غَيْرِ مُقَارِنَةٍ لِعَيْنِ الشَّمْسِ الَّتِي تَوَلَّدَ مِنْهَا حَقًّا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنَ الْعَيْنِ وَلَا مِنَ الضَّوْءِ، فَكَذَلِكَ سَكَنَ اللَّهُ فِي النَّاسُوتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَارِقَهُ الْأَبُ، فَهُوَ مَعَ النَّاسُوتِ، وَهُوَ مَعَ الْأَبِ وَرُوحِ الْقُدُسِ حَقًّا.
فَيُقَالُ: هَذَا التَّمْثِيلُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّمَا يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، كَشُعَاعِ الشَّمْسِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَإِنَّهُمْ يَخُصُّونَهُ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ دُونَ سَائِرِ النَّوَاسِيتِ، وَلَوْ مَثَّلَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ - لَكَانَ بَاطِلًا، فَكَيْفَ النَّصَارَى؟ فَإِنَّ الضَّوْءَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْهَوَاءِ وَسُطُوحِ الْأَرْضِ، لَا يَكُونُ تَحْتَ السُّقُوفِ وَالْغِيرَانِ وَبَاطِنِ الْأَرْضِ.
[ ٤ / ٣١٩ ]
ثُمَّ هَذَا التَّمْثِيلُ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ لَيْسَ مُتَوَلِّدًا مِنْ جِرْمِ الشَّمْسِ، وَلَا شُعَاعُ النَّارِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ جِرْمِ النَّارِ، بَلْ هُوَ حَادِثٌ بَائِنٌ عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّهَا سَبَبٌ فِي حُصُولِهِ.
وَلِهَذَا يُشَبَّهُ بِهِ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ فِي قَلْبِ الْمُتَعَلِّمِ بِسَبَبِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَاتِ عِلْمِ الْعَالِمِ.
وَلِهَذَا يُشَبَّهُ عِلْمُ الْعَالِمِ بِالسِّرَاجِ الَّذِي يَقْتَبِسُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ نُورِهِ، وَهُوَ لَمْ يَنْقُصْ.
بِخِلَافِ تَوَلُّدِ الْمَوْلُودِ عَنْ وَالِدِهِ، فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ عَنْ عَيْنِهِ.
وَالشُّعَاعُ الْقَائِمُ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، لَيْسَ هُوَ قَائِمًا بِذَاتِ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، بَلْ هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِمَحَلٍّ آخَرَ، وَالْعَرَضُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ فِي مَحَلَّيْنِ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ عِلْمُ اللَّهِ أَوْ حِكْمَتُهُ، مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَالصِّفَةُ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ، فَالصِّفَةُ مِثْلُ مَا يَقُومُ بِذَاتِ الشَّمْسِ مِنِ اسْتِدَارَةٍ وَضَوْءٍ، فَذَاكَ صِفَةٌ لَهَا، وَهُوَ غَيْرُ الشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْهَوَاءِ، فَإِنَّ ذَاكَ بَائِنٌ عَنْهَا، فَكَيْفَ يُجْعَلُ هَذَا هُوَ هَذَا.
فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ مَقْصُودُنَا أَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وَعِلْمَهُ وَنُورَهُ أَنْزَلَهُ إِلَى الْمَسِيحِ وَأَفَاضَهُ عَلَى الْمَسِيحِ، كَمَا يَفِيضُ الشُّعَاعُ عَنِ الشَّمْسِ.
قِيلَ لَهُمْ: فَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِذَلِكَ.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُمُ: الَّذِي يَمْلَأُ ضَوْءُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ نُورًا، وَفِي بَيْتٍ مِنَ الْبُيُوتِ يَكُونُ فِيهِ حَقًّا مِنْ غَيْرِ مُقَارَنَةٍ لِعَيْنِ الشَّمْسِ الَّتِي تَوَلَّدَ مِنْهَا حَقًّا.
فَيُقَالُ لَهُمُ: الشُّعَاعُ الَّذِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ هُوَ الضَّوْءُ وَهُوَ النُّورُ.
فَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الشُّعَاعَ يَمْلَأُ ضَوْءُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ نُورًا، يَقْتَضِي أَنَّهُ شُعَاعٌ وَضَوْءُ شُعَاعٍ، وَنُورٌ حَدَثَ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا غَلَطٌ، بَلْ لَيْسَ هُنَا إِلَّا جِرْمُ الشَّمْسِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ وَشُعَاعُهَا، وَهُوَ الضَّوْءُ وَالنُّورُ الَّذِي مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُكُمْ: (مِنْ غَيْرِ مُفَارِقَةِ عَيْنِ الشَّمْسِ) يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الشُّعَاعَ هُوَ نَفْسُ مَا قَامَ بِالشَّمْسِ، وَهَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ، بَلِ الشُّعَاعُ الَّذِي قَامَ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ عَرَضٌ لَمْ يَقُمْ بِالشَّمْسِ فَقَطْ.
وَكُلُّ شُعَاعِ بُقْعَةٍ، فَلَيْسَ هُوَ عَيْنُ الشُّعَاعِ الَّذِي فِي الْبُقْعَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ هُوَ نَظِيرُهُ وَمِثْلُهُ، وَجِنْسُ الشُّعَاعِ يَجْمَعُهُمَا، كَمَا أَنَّ شُعَاعَ هَذَا السِّرَاجِ، لَيْسَ هُوَ شُعَاعُ هَذَا السِّرَاجِ، وَإِنْ قُدِّرَ اخْتِلَاطُهُمَا حَتَّى يَقْوَى الضَّوْءُ، وَلَا حَرَكَةُ هَذَا الْهَوَاءِ هِيَ حَرَكَةُ هَذَا الْهَوَاءِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ.
الرَّابِعُ: قَوْلُكُمْ: (كَذَلِكَ اللَّهُ سَكَنَ فِي النَّاسُوتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَارِقَهُ الْأَبُ) تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ.
[ ٤ / ٣٢١ ]
فَإِنَّ الشَّمْسَ نَفْسَهَا لَمْ تَكُنْ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّمَا سَكَنَ شُعَاعُهَا.
فَوِزَانُهُ أَنْ يُقَالَ: فَكَذَلِكَ سَكَنَ نُورُ اللَّهِ وَبُرْهَانُهُ، وَهُدَاهُ وَرُوحُهُ.
وَهَذَا إِذَا قُلْتَهُ، فَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، تَنْطِقُ كُتُبُهُمْ بِأَنَّ نُورَ اللَّهِ وَرَوْحَهُ وَهُدَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، لَكِنْ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] .
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: («اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ:
[ ٤ / ٣٢٢ ]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]» .
الْخَامِسُ: إِنَّكُمْ إِذَا جَعَلْتُمُ اللَّهَ نَفْسَهُ سَاكِنًا فِي الْمَسِيحِ، فَوِزَانُهُ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ نَفْسُهَا سَاكِنَةً فِي مَوْضِعٍ صَغِيرٍ مِنَ الْأَرْضِ.
وَهَذَا التَّمْثِيلُ يُبْطِلُ قَوْلَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ أَعْلَى وَأَعْظَمُ وَأَجَلُ وَأَكْبَرُ. وَاللَّهُ أَجَلُّ وَأَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالشَّمْسُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِهِ وَمَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الشَّمْسَ سَكَنَتْ فِي جَوْفِ امْرَأَةٍ وَخَرَجَتْ مِنْ فَرْجِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، لَكَانَ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ فَسَادَ قَوْلِهِ، وَيَنْسُبُهُ إِلَى الْجَهْلِ الْعَظِيمِ أَوِ الْجُنُونِ، وَسَوَاءٌ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ نَفْسَهَا نَزَلَتْ أَوْ لَمْ تَنْزِلْ.
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ سَكَنَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَيَقُولُ أَكْثَرُكُمْ - كَالْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ -: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَرْجِ مَرْيَمَ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ عَمَّا هُوَ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، كَوْكَبٌ مِنَ الْكَوَاكِبِ أَوْ جَبَلٌ مِنَ الْجِبَالِ أَوْ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ وَخَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا - لَضَحِكَ النَّاسُ مِنْ قَوْلِهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَدَّعِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ !
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، أَوْ نَزَلَ إِلَى الطُّورِ وَكَلَّمَ مُوسَى مِنَ الْعُلَيْقَةِ أَوْ فِي عَمُودِ الْغَمَامِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ - فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ
[ ٤ / ٣٢٣ ]
ذَلِكَ أَنَّهُ اتَّحَدَ بِمَخْلُوقٍ، لَا سَمَاءٍ وَلَا طُورٍ وَلَا شَجَرَةٍ، وَلَا كَانَ كَلَامُهُ قَائِمًا بِشَيْءٍ مَخْلُوقٍ، لَا شَجَرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، وَكَانَ صَوْتُ الْمَسِيحِ الْقَائِمُ بِهِ، هُوَ صَوْتُ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِلَا وَاسِطَةٍ.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى تَشْبِيهِ النَّصَارَى حُلُولَ كَلِمَةِ اللَّهِ فِي النَّاسُوتِ بِالْكِتَابَةِ فِي الْقِرْطَاسِ]
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: وَمِثْلَمَا أَنَّ كَلِمَةَ الْإِنْسَانِ الْمَوْلُودَةَ مِنْ عَقْلِهِ تُكْتَبُ فِي قِرْطَاسٍ، فَهِيَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلُّهَا حَقًّا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفَارِقَ الْعَقْلَ الَّذِي مِنْهُ وُلِدَتْ، وَلَا يُفَارِقَهَا الْعَقْلُ الَّذِي وَلَدَهَا ; لِأَنَّ الْعَقْلَ بِالْكَلِمَةِ يُعْرَفُ ; لِأَنَّهَا فِيهِ، وَالْكَلِمَةُ كُلُّهَا فِي الْعَقْلِ الَّذِي وَلَدَهَا، وَكُلُّهَا فِي نَفْسِهَا، وَكُلُّهَا فِي الْقِرْطَاسِ الَّذِي الْتَحَمَتْ بِهِ فَكَذَلِكَ كَلِمَةُ اللَّهِ كُلُّهَا فِي الْأَبِ الَّذِي وُلِدَتْ مِنْهُ، وَكُلُّهَا فِي نَفْسِهَا وَفِي الرُّوحِ، وَكُلُّهَا فِي النَّاسُوتِ الَّتِي حَلَّتْ فِيهَا وَالْتَحَمَتْ بِهِ فَيُقَالُ: هَذَا التَّمْثِيلُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِكُمْ، لَا حُجَّةَ لَكُمْ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ حُلُولُ كَلِمَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ الْمَسِيحُ فِي النَّاسُوتِ، مِثْلَ كِتَابَةِ الْكَلَامِ فِي الْقِرْطَاسِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَسِيحُ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ كَلَامِ اللَّهِ، كَالتَّوْرَاةِ وَزَبُورِ دَاوُدَ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْقَرَاطِيسِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ
[ ٤ / ٣٢٥ ]
الْمِلَلِ، بَلِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كَلَامَ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ يُكْتَبُ فِي الْقَرَاطِيسِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ - فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] . وَقَالَ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢] وَقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: ١]
وَإِذَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ الْمَسِيحُ عِنْدَكُمْ هَكَذَا، فَمَعْلُومٌ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْمَكْتُوبَ فِي الْقَرَاطِيسِ لَيْسَ هُوَ إِلَهًا خَالِقًا، وَهُوَ كَلَامٌ كَثِيرٌ لَا يَنْحَصِرُ فِي كَلِمَةٍ وَلَا كَلِمَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَا كَلَامَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، أَوْ يَا تَوْرَاةُ،
[ ٤ / ٣٢٦ ]
أَوْ يَا إِنْجِيلُ، أَوْ يَا قُرْآنُ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِبَاطِلٍ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْعُقَلَاءِ.
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: الْمَسِيحُ إِلَهٌ خَالِقٌ، وَهُوَ يُدْعَى وَيُعْبَدُ، فَكَيْفَ تُشَبِّهُونَهُ بِكَلَامِ اللَّهِ الْمَكْتُوبِ فِي الْقَرَاطِيسِ؟
الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ الْمَكْتُوبَ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، يَقُومُ بِهِ وَيُكْتَبُ فِي الْقَرَاطِيسِ عِنْدَ سَلَفِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَجَمَاهِيرِهِمْ.
وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ، هُوَ عَرَضٌ مَخْلُوقٌ، يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ.
فَالْجَمِيعُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ تَقُومُ بِغَيْرِهَا، لَيْسَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
وَالْمَسِيحُ - عِنْدَكُمْ - لَاهُوتُهُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ وَهُوَ - عِنْدَكُمْ - إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ.
فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ الْإِلَهَ الَّذِي هُوَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا كَالصِّفَةِ الَّتِي لَا تَقُومُ إِلَّا بِغَيْرِهَا؟
الثَّالِثُ: قَوْلُكُمْ: (إِنَّ كَلِمَةَ الْإِنْسَانِ مَوْلُودَةٌ مِنْ عَقْلِهِ)، لَوْ كَانَ صَحِيحًا فَالتَّوَلُّدُ لَا يَكُونُ إِلَّا حَادِثًا.
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ قَبْلَ
[ ٤ / ٣٢٧ ]
الدُّهُورِ وَتَقُولُونَ - مَعَ هَذَا -: هِيَ إِلَهٌ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ بُطْلَانَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، فَهِيَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ فِي الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا لَهُ، وَلَا قَالَ: إِنَّ صِفَتَهُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ. وَلَفْظُ الِابْنِ لَا يُوجَدُ عِنْدَكُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا اسْمًا لِنَاسُوتٍ مَخْلُوقٍ، لَا لِصِفَةِ اللَّهِ الْقَدِيمَةِ، فَقَدْ بَدَّلْتُمْ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِهَذَا الِافْتِرَاءِ.
الرَّابِعُ: قَوْلُكُمْ: (مَوْلُودَةٌ مِنْ عَقْلِهِ)، إِنْ أَرَدْتُمْ (بِعَقْلِهِ) الْعَيْنَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهَا الَّتِي يُسَمِّيهَا قَلْبًا وَرُوحًا وَنَفْسًا، أَوْ نَفْسًا نَاطِقَةً، فَتِلْكَ إِنَّمَا تَقُومُ بِهَا الْمَعَانِي، وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ فَإِنَّمَا تَقُومُ بِفَمِهِ وَلِسَانِهِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ (بِعَقْلِهِ) مَصْدَرَ عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا، فَالْمَصْدَرُ عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْعَقْلِ، وَهُوَ عَرَضٌ مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ وَالْكَلِمَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْعَقْلِ الْغَرِيزَةَ الَّتِي فِي الْإِنْسَانِ، فَهُوَ أَيْضًا عَرَضٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ تَسْمِيَتَكُمْ تَكَلُّمَ الْإِنْسَانِ بِالْمَعْنَى أَوِ اللَّفْظِ تَوَلُّدًا، أَمْرٌ اخْتَرَعْتُمُوهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَلَا فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ.
وَإِنَّمَا ابْتَدَعْتُمْ هَذَا لِتَقُولُوا: إِذَا كَانَ كَلَامُ الْإِنْسَانِ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ، فَكَلَامُ اللَّهِ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ.
وَلَمْ يَنْطِقْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَلَا أَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَا أَنَّ عِلْمَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَلَا أَنَّهُ ابْنُهُ.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
السَّادِسُ: قَوْلُكُمْ: (إِنَّ كَلِمَةَ الْإِنْسَانِ الْمَوْلُودَةَ مِنْ عَقْلِهِ تُكْتَبُ فِي الْقِرْطَاسِ، فَهِيَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلُّهَا حَقًّا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفَارِقَ الْعَقْلَ الَّذِي مِنْهُ وُلِدَتْ)، إِلَى قَوْلِكُمْ: (الْكَلِمَةُ كُلُّهَا فِي الْعَقْلِ الَّذِي وَلَدَهَا، وَكُلُّهَا فِي الْقِرْطَاسِ الَّذِي الْتَحَمَتْ بِهِ) - مُكَابَرَةٌ ظَاهِرَةٌ، مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْكَلَامِ فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، لَيْسَ هُوَ عَيْنُ وُجُودِهِ مَكْتُوبًا فِي الْقِرْطَاسِ، بَلِ الْقَائِمُ بِقَلْبِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَانٍ: طَلَبٌ وَخَبَرٌ وَعِلْمٌ وَإِرَادَةٌ، وَالْقَائِمُ بِنَفْسِهِ حُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ هِيَ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ، أَوْ هِيَ حُدُودُ أَصْوَاتٍ مُقَطَّعَةٍ، وَلَيْسَ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَلَا فَمِهِ مِدَادٌ كَالْمِدَادِ الَّذِي فِي الْقِرْطَاسِ.
وَالْكَلَامُ مَكْتُوبٌ فِي الْقِرْطَاسِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِرْطَاسِ عِلْمٌ وَطَلَبٌ وَخَبَرٌ قَائِمٌ بِهِ، كَمَا تَقُومُ بِقُلُوبِ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَا قَامَ بِهِ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ مُؤَلَّفَةٌ، وَلَا حُرُوفٌ كَالْأَصْوَاتِ الْقَائِمَةِ بِفَمِ الْمُتَكَلِّمِ، بَلْ لَفْظُ الْحَرْفِ يُقَالُ عَلَى الْحَرْفِ الْمَكْتُوبِ: إِمَّا الْمِدَادِ الْمُصَوَّرِ، وَإِمَّا صُورَةِ الْمِدَادِ وَشَكْلِهِ. وَيُقَالُ عَلَى الْحَرْفِ الْمَنْطُوقِ: إِمَّا الصَّوْتُ الْمُقَطَّعُ، وَإِمَّا حَدُّ الصَّوْتِ وَمَقْطَعُهُ وَصُورَتُهُ.
وَكُلُّ عَاقِلٍ يُمَيِّزُ بِحِسِّهِ وَعَقْلِهِ بَيْنَ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَيْنَ الْمِدَادِ الْمَرْئِيِّ بِالْبَصَرِ، وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ هَذَا هُوَ هَذَا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا وَهَذَا هُوَ نَفْسُ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِقَلْبِ الْمُتَكَلِّمِ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلَّهَا، وَكُلَّهَا فِي الْعَقْلِ الَّذِي وَلَدَهَا، وَكُلَّهَا فِي نَفْسِهَا؟
[ ٤ / ٣٢٩ ]
السَّابِعُ: أَنَّ حَرْفَ (فِي) الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّحَاةُ ظَرْفًا، يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِالْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ وَالرِّيحَ حَالٌّ فِي الْفَاكِهَةِ، أَوِ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ وَالْكَلَامَ حَالٌّ فِي الْمُتَكَلِّمِ، فَهَذَا مَعْنًى مَعْقُولٌ.
وَإِذَا قِيلَ: إِنَّ هَذَا حَالٌّ فِي دَارِهِ، أَوْ إِنَّ الْمَاءَ حَالٌّ فِي الظَّرْفِ، فَهَذَا مَعْنًى آخَرُ.
فَإِنَّ ذَاكَ حُلُولُ صِفَةٍ فِي مَوْصُوفِهَا، وَهَذَا حُلُولُ عَيْنٍ قَائِمَةٍ تُسَمَّى جِسْمًا وَجَوْهَرًا فِي مَحَلِّهَا. وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَكَانِ الْقَوْمِ: الْمَحَلَّةُ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ حَلَّ بِالْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ.
وَإِذَا قِيلَ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي الْمَاءِ، أَوْ فِي الْمِرْآةِ، أَوْ وَجْهُ فُلَانٍ فِي الْمِرْآةِ، أَوْ كَلَامُ فُلَانٍ فِي هَذَا الْقِرْطَاسِ، فَهَذَا لَهُ مَعْنًى يَفْهَمُهُ النَّاسُ، يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْوَجْهُ فِي الْمِرْآةِ وَرُؤِيَتْ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَحُلَّ بِهَا ذَاتُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَلَّ فِيهَا مِثَالٌ شُعَاعِيٌّ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ إِذَا كُتِبَ فِي الْقِرْطَاسِ، فَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ وَمَقْرُوءٌ فِيهِ وَمَنْظُورٌ فِيهِ، وَيَقُولُونَ: نَظَرْتُ فِي كَلَامِ فُلَانٍ وَقَرَأْتُهُ، وَتَدَبَّرْتُهُ وَفَهِمْتُهُ وَرَأَيْتُهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُونَ: رَأَيْتُ وَجْهَهُ فِي الْمِرْآةِ وَتَأَمَّلْتُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَادِقُونَ يَعْلَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ نَفْسَ جِرْمِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْوَجْهِ لَمْ يَحُلَّ فِي الْمِرْآةِ، وَأَنَّ نَفْسَ مَا قَامَ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَصْوَاتِ لَمْ تَقُمْ بِالْقِرْطَاسِ، بَلْ كَانَتِ الْمِرْآةُ وَاسِطَةً
[ ٤ / ٣٣٠ ]
فِي رُؤْيَةِ الْوَجْهِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالرُّؤْيَةِ، وَكَانَ الْقِرْطَاسُ وَاسِطَةً فِي مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالرُّؤْيَةِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ حَاسَّةَ الْبَصَرِ بَاشَرَتْ مَا فِي الْمِرْآةِ مِنَ الشُّعَاعِ الْمُنْعَكِسِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ الشَّمْسُ، وَحَاسَّةُ الْبَصَرِ بَاشَرَتْ مَا فِي الْقِرْطَاسِ مِنَ الْمِدَادِ الْمَكْتُوبِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ الْكَلَامُ الْمَكْتُوبُ.
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ نَفْسَ الْمِثَالِ الَّذِي فِي الْمِرْآةِ لَيْسَ هُوَ الْوَجْهُ، وَأَنَّ نَفْسَ الْمِدَادِ الْمَكْتُوبِ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَكْتُوبُ، بَلْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]
فَفَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ وَبَيْنَ الْمِدَادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْكَلِمَاتُ.
فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا هُوَ هَذَا، وَإِنَّ الْكَلِمَةَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلَّهَا، وَهِيَ فِي الْمُتَكَلِّمِ كُلُّهَا؟
الثَّامِنُ: أَنَّ الْكَلَامَ لَهُ مَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِهِ، وَاللَّفْظَ يُكْتَبُ فِي الْقِرْطَاسِ، فَالْمَكْتُوبُ فِي الْقِرْطَاسِ هُوَ اللَّفْظُ الْمُطَابِقُ لِلْمَعْنَى، لَا يُكْتَبُ الْمَعْنَى بِدُونِ كِتَابَةِ اللَّفْظِ الَّذِي كُتِبَ بِالْخَطِّ ; لِيُعْرَفَ مَا كُتِبَ.
فَدَعْوَى هَؤُلَاءِ أَنَّ نَفْسَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْقَلْبِ كُلَّهُ، هُوَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلُّهُ - جَعْلٌ لِنَفْسِ الْمَعْنَى هُوَ الْخَطُّ، وَهَذَا بَاطِلٌ.
[ ٤ / ٣٣١ ]
التَّاسِعُ: أَنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِ يُقَالُ: إِنَّهُ قَائِمٌ بِهِ.
وَيُقَالُ - مَعَ ذَلِكَ -: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْقِرْطَاسِ، وَيُقَالُ: هَذَا هُوَ كَلَامُ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا هُوَ ذَاكَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ فِي الْقِرْطَاسِ هُوَ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ، لَمْ يُكْتَبْ كَلَامٌ غَيْرُهُ.
وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الْخَطِّ نَفْسُ الصَّوْتِ، أَوْ نَفْسُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ، أَوْ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، هُوَ حَالٌّ فِي الصُّدُورِ وَالْمَصَاحِفِ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةٍ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يُسْمَعُ مِنَ الْإِنْسَانِ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ، أَوِ الصَّوْتُ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْحَرْفَ الْقَدِيمَ أَوِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، هُوَ فِي الْقِرْطَاسِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمِدَادِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقَدِيمَ حَلَّ فِي الْمُصْحَفِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَتَقُولُ النَّصَارَى: نَحْنُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ.
قِيلَ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ
[ ٤ / ٣٣٢ ]
بِهِ كُتُبَهُ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ طَوَائِفًا مِنْهُمْ مُنَافِقُونَ مُلْحِدُونَ وَزَنَادِقَةٌ، وَمِنْهُمْ جُهَّالٌ وَمُبْتَدِعَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ النَّصَارَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ شَرًّا مِنْهُ، فَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، وَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ. فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا، وَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَفِيهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا فِي الْقُرْآنِ مَا قَالُوهُ، لَيْسَ قَوْلُهُمْ مِثْلَ قَوْلِ النَّصَارَى.
فَإِنَّ النَّصَارَى جَعَلُوا لِلَّهِ وَلَدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا سَمَّوْهُ كَلِمَةً، وَقَالُوا: إِنَّهُ إِلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَإِنَّهُ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، فَجَعَلُوا الْمَسِيحَ - الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ - إِلَهًا يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ.
وَلَيْسَ فِي طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ إِلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ.
وَلَكِنْ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ - ﵈ - بَلَّغُوا إِلَى الْخَلْقِ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ.
فَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ مَلَائِكَتَهُ، لَيْسَ هُوَ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْهُ خَلْقُهُ فِي غَيْرِهِ.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي بَلَّغَهُ رَسُولُهُ، وَالْمُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَهُ، وَيُسْمَعُ مِنَ الْقَارِئِ كِلَامُ اللَّهِ، لَكِنْ يَقْرَءُونَهُ بِأَفْعَالِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ، وَيَسْمَعُونَهُ مِنَ الْقَارِئِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ، فَالْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِئِ، وَالصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِئِ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ وَكَلَّمَ بِهِ مُوسَى، وَإِنَّ مُوسَى سَمِعَ نِدَاءَ اللَّهِ بِأُذُنِهِ، فَكَلَّمَهُ اللَّهُ بِالصَّوْتِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْقُرْآنِ وَالْإِنْجِيلِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَحَدَثَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ طَائِفَةٌ مُعَطِّلَةٌ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَلَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، فَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مُقَدَّمَهُمْ " الْجَعْدَ " وَصَارَ لَهُمْ مُقَدَّمٌ يُقَالُ لَهُ " الْجَهْمُ " فَنُسِبَتْ إِلَيْهِمُ الْجَهْمِيَّةُ، نُفَاةُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
تَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ مَجَازًا.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
وَتَارَةً يَقُولُونَ: تَكَلَّمَ وَيَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ، سَمِعَهُ مُوسَى، لَا أَنَّهُ نَفْسَهُ قَامَ بِهِ كَلَامٌ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَزَيَّنَ هَذَا الْقَوْلَ بَعْضُ ذَوِي الْإِمَارَةِ، فَدَعَوْا إِلَيْهِ مُدَّةً وَأَظْهَرُوهُ، وَعَاقَبُوا مَنْ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أُطْفِئَ ذَلِكَ، وَأُظْهِرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، أَنَّ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَلَامُ اللَّهِ، تَكَلَّمَ هُوَ بِهِ. مِنْهُ بَدَا، لَيْسَ بِبَائِنٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ.
وَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ هَذَا، وَالنَّاسُ يَتْلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] صَارَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَقُولُ: إِنَّمَا سَمِعَ صَوْتَ الْقَارِئِ، وَصَوْتُهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ، فَكَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ.
وَلَمْ يُمَيِّزْ هَذَا بَيْنَ أَنْ يُسْمَعَ الْكَلَامُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ، كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى مِنَ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُسْمَعَ مِنَ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ سُمِعَ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَبَلِّغِينَ، لَمْ يَكُنْ صَوْتُ الْمُبَلِّغِ هُوَ صَوْتُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ كَلَامَ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ لَا كَلَامَ الْمُبَلِّغِ.
فَكَلَامُ اللَّهِ إِذَا سُمِعَ مِنَ الْمُبَلِّغِينَ عَنْهُ، أَوْلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ
[ ٤ / ٣٣٥ ]
لَا كَلَامُ الْمُبَلِّغِينَ، وَإِنْ بَلَّغُوهُ بِأَصْوَاتِهِمْ.
فَجَاءَتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ فَقَالُوا: هَذَا الْمَسْمُوعُ أَلْفَاظُنَا وَأَصْوَاتُنَا، وَكَلَامُنَا لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ ; لِأَنَّ هَذَا مَخْلُوقٌ، وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَكَانَ مَقْصُودُ هَؤُلَاءِ، تَحْقِيقَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَوَقَعُوا فِي إِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامَ اللَّهِ، وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى أَنَّهُ - وَإِنْ كَانَ كَلَامَ اللَّهِ، فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ مُبَلَّغًا عَنْهُ - لَيْسَ هُوَ كَلَامُهُ مَسْمُوعًا مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ - إِذَا كَانَتْ أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتُهُمْ مَخْلُوقَةً لَيْسَتْ هِيَ كَلَامُ اللَّهِ - أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الَّذِي يَقْرَءُونَهُ بِأَفْعَالِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ كَلَامَهُمْ، وَيَكُونَ مَخْلُوقًا لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: لَيْسَ هَذَا كَلَامَ اللَّهِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حِكَايَةٌ لِكَلَامِ اللَّهِ، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ مَا بَلَّغَهُ حِكَايَةً لِكَلَامِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ لَا كَلَامَهُ.
وَأَهْلُ الْحِكَايَةِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ حُرُوفًا مُؤَلَّفَةً، إِمَّا قَائِمًا بِذَاتِهِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، أَوْ مَخْلُوقَةً فِي غَيْرِهِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالْقَائِمُ بِذَاتِهِ مَعْنًى وَاحِدٌ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: الْحِكَايَةُ تُمَاثِلُ الْمَحْكِيَّ عَنْهُ، فَلَا نَقُولُ: هُوَ حِكَايَةٌ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمْ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ عِبَارَتِهِ أَوْ حِكَايَتِهِ.
فَجَاءَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ فَقَالَتْ: بَلْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْمَسْمُوعَ
[ ٤ / ٣٣٦ ]
كَلَامُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَهَذَا الْمَسْمُوعُ هُوَ الصَّوْتُ، فَالصَّوْتُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَدِيمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْمَعُ صَوْتُ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُسْمَعُ صَوْتُ الرَّبِّ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَدِيمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْعَبْدِ.
وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ صَوَّتَ الرَّبِّ حَلَّ فِي الْعِبَادِ، فَضَاهَوُا النَّصَارَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ نَقُولُ: ظَهَرَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يُطْلَقُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُحْدَثَةٌ مُبْتَدَعَةٌ، لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ،
[ ٤ / ٣٣٧ ]
وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ،
[ ٤ / ٣٣٨ ]
وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمْ.
بَلْ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ بِهِ جِبْرِيلَ، فَنَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ إِلَى النَّاسِ فَقَرَأَهُ النَّاسُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتِهِمْ قَدِيمًا وَلَا غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ قَدِيمٌ.
وَلَمَّا أَحْدَثَ الْجَهْمِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بَائِنٌ مِنَ اللَّهِ، قَالَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ: إِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ اللَّهَ تَكَلِّمُ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَا أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ، وَلَا أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ أَوِ التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ فِي الْأَزَلِ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ قَدِيمٍ، فَحَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدِيمٌ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقَدِيمُ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ، هُوَ مَعْنَى جَمِيعِ كَلَامِ اللَّهِ.
وَذَلِكَ الْمَعْنَى إِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كِانَ تَوْرَاةً، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ كَانَ إِنْجِيلًا، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ صِفَاتٌ لَهُ لَا أَنْوَاعٌ لَهُ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ قَدِيمٌ، وَهُوَ حُرُوفٌ، أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَأَنَّهَا هِيَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ.
فَقَالَ النَّاسُ لِهَؤُلَاءِ: خَالَفْتُمُ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ فِي قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ قَدِيمٌ، وَابْتَدَعْتُمْ بِدْعَةً لَمْ يَسْبِقْكُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفَرَرْتُمْ مِنْ مَحْذُورٍ إِلَى مَحْذُورٍ، كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ.
ثُمَّ قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ - وَهُوَ مَدْلُولُ جَمِيعِ الْعِبَارَاتِ - مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ؛ فَإِنَّا نَعْلَمُ - بِالِاضْطِرَارِ - أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى آيَةِ
[ ٤ / ٣٤٠ ]
الْكُرْسِيِّ، هُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ، وَلَا مَعْنَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] هُوَ مَعْنَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
وَالتَّوْرَاةُ إِذَا عَرَّبْنَاهَا لَمْ تَصِرْ هِيَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَرْجَمْنَا الْقُرْآنَ بِالْعِبْرِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ هُوَ تَوْرَاةُ مُوسَى.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْكُمْ: إِنَّهُ حُرُوفٌ، أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ أَزَلِيَّةٌ، ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَإِنَّ الْحُرُوفَ مُتَعَاقِبَةٌ، فَيَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْمَسْبُوقُ بِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ قَدِيمًا لَمْ يَزَلْ، وَالصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا؟
وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِقَوْلِكُمْ، لَكِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ نَادَى مُوسَى بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسَى بِأُذُنِهِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ.
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ النِّدَاءَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، وَلَكِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ، لَا صِفَةُ نَقْصٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ صِفَةُ كَمَالٍ إِذَا قَامَ بِهِ، لَا إِذَا كَانَ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْهُ، فَإِنَّ الْمَوْصُوفَ - إِلَّا بِمَا قَامَ بِهِ - لَا يَتَّصِفُ بِمَا هُوَ بَائِنٌ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ الْمَوْصُوفُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا مُتَكَلِّمًا رَحِيمًا مُرِيدًا بِحَيَاةٍ قَامَتْ بِغَيْرِهِ، وَلَا بِعِلْمٍ وَقُدْرَةٍ قَامَتْ بِغَيْرِهِ، وَلَا بِكَلَامٍ وَرَحْمَةٍ وَإِرَادَةٍ قَامَتْ بِغَيْرِهِ.
وَالْكَلَامُ بِمَشِيئَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَأَمَّا كَلَامٌ يَقُومُ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ بِلَا مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَإِمَّا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ
[ ٤ / ٣٤١ ]
أَوْ هُوَ صِفَةُ نَقْصٍ، كَمَا يُدَّعَى مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَصْرُوعِ.
وَإِذَا كَانَ كَمَالًا، فَدَوَامُ الْكَمَالِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِنْ كَوْنِهِ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟
وَكَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كُلَّمَا ابْتُدِعَ فِي الدِّينِ بِدْعَةٌ، أَنْكَرُوهَا وَلَمْ يُقِرُّوهَا، وَلِهَذَا حَفِظَ اللَّهُ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَزَالُ فِي أَمَةِ مُحَمَّدٍ طَائِفَةٌ هَادِيَةٌ مَهْدِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ مَنْصُورَةٌ.
بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ النَّصَارَى ابْتَدَعُوا بِدَعًا خَالَفُوا بِهَا الْمَسِيحَ، وَقَهَرُوا مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِشَرْعِ الْمَسِيحِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا مَنْ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بَدِينِ الْمَسِيحِ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: («إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ») .
فَلَمَّا أَظْهَرَ قَوْمٌ مِنَ الْوُلَاةِ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، ثَبَّتَ اللَّهُ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ وَجُمْهُورَ الْأُمَّةِ، فَلَمْ يُوَافِقُوهُمْ، وَكَانَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِذْ ذَاكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
ثُمَّ بَقِيَ ذَلِكَ الْقَوْلُ الْمُحْدَثُ ظَاهِرًا نَحْوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَئِمَّةُ الْأُمَّةِ وَجُمْهُورُهَا يُنْكِرُونَهُ، حَتَّى جَاءَ مِنَ الْوُلَاةِ مَنْ مَنَعَ مِنْ إِظْهَارِهِ
[ ٤ / ٣٤٢ ]
وَالْقَوْلِ بِهِ، فَصَارَ مَخْفِيًّا كَغَيْرِهِ مِنَ الْبِدَعِ، وَشَاعَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَأَرَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ شُبْهَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَقُومُ بِنَا مَخْلُوقٌ. فَقَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَكِنْ أَلْفَاظُنَا بِهِ مَخْلُوقَةٌ، وَتِلَاوَتُنَا لَهُ مَخْلُوقَةٌ.
وَرُبَّمَا قَالُوا: هَذَا الَّذِي نَقْرَؤُهُ مَخْلُوقٌ، أَوْ هَذَا لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ فَقَصَدُوا مَعْنًى صَحِيحًا، وَهُوَ كَوْنُ صِفَاتِ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ مَخْلُوقَةً.
لَكِنْ غَلِطُوا حَيْثُ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ، أَوْ أَفْهَمُوا النَّاسَ بِأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ مَخْلُوقٌ، وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى أَنَّا إِذَا أَشَرْنَا إِلَى كَلَامِ مُتَكَلِّمٍ قَدْ بُلِّغَ عَنْهُ، فَقُلْنَا مَثَلًا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَقَوْلِهِ: («إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»): هَذَا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَوْ لِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[ ٤ / ٣٤٣ ]
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
-: هَذَا كَلَامُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَإِنَّا نُشِيرُ إِلَى نَفْسِ الْكَلَامِ مَعَانِيهِ وَنَظْمِهِ وَحُرُوفِهِ، لَا إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْمُبَلِّغِ مِنْ حَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ، بَلْ وَلَا صَوْتِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ وَفِعْلِهِ.
فَإِنَّ كَوْنَ الْحَيِّ مُتَحَرِّكًا أَوْ مُصَوِّتًا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاطِقِ وَالْأَعْجَمِ، وَلَيْسَ هَذَا صِفَةٌ لَهُ.
وَالْكَلَامُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ النَّاطِقُ عَنِ الْأَعْجَمِ، إِنَّمَا يَتَمَيَّزُ بِالْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِهِ، وَبِاللَّفْظِ الْمُطَابِقِ لَهَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمَنْظُومَةِ بِالْأَصْوَاتِ الْمُقَطَّعَةِ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلَامِ، لَا الْمُبَلَّغُ عَنْهُ، فَلَيْسَ لِلْمُبَلِّغِ إِلَّا تَأْدِيَةُ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَشِعْرِ لَبِيَدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
فَقَالَ: هَذَا شِعْرِي أَوْ كَلَامِي لِكَوْنِهِ أَنْشَدَهُ بِصَوْتِهِ، لَكَذَّبَهُ النَّاسُ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَقُولُهُ مِثْلُ شِعْرِ لَبِيَدٍ، لَكَذَّبَهُ النَّاسُ وَقَالُوا: بَلْ هُوَ شِعْرُهُ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ أَدَّيْتَهُ بِصَوْتِكَ.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ قَائِلٌ قَوْلًا نَظْمًا أَوْ نَثْرًا، وَقَالَ آخَرُ مِثْلَهُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ فُلَانٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨] وَقَالَ عَنِ الْقُرْآنِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وَلِهَذَا لَوْ قَالَ قَارِئٌ: أَنَا آتِي بِقُرْآنٍ مِثْلَ قُرْآنِ مُحَمَّدٍ، وَتَلَاهُ نَفْسَهُ وَقَالَ: هَذَا مِثْلُهُ، لَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ وَضَحِكُوا مِنْهُ وَقَالُوا: هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي جَاءَ بِهِ هُوَ، لَيْسَ هُوَ كَلَامٌ آخَرُ مُمَاثِلٌ لَهُ.
فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي بَلَّغَهُ الرَّسُولُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ هُوَ بِكَلَامِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مِثْلٌ لَهُ، أَوْ حِكَايَةٌ عَنْهُ، أَوْ عِبَارَةٌ.
وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا إِنَّمَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَخْلُقْهُ بَائِنًا عَنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لِمَا هُوَ كَلَامُهُ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ.
فَإِذَا قِيلَ عَمَّا يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَالْمَخْلُوقُ بَائِنٌ
[ ٤ / ٣٤٥ ]
عَنِ اللَّهِ، لَيْسَ هُوَ كَلَامُهُ، فَقَدْ جُعِلَ مَخْلُوقًا، لَيْسَ هُوَ بِكَلَامِ اللَّهِ، فَصَارَ الْأَئِمَّةُ يَقُولُونَ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَهَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَا يُشِيرُونَ بِذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ، بَلْ إِلَى كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنْهُ رَسُولُهُ.
وَالْمُبَلِّغُ إِنَّمَا بَلَّغَهُ بِصِفَاتِ نَفْسِهِ، وَالْإِشَارَةُ فِي مِثْلِ هَذَا يُرَادُ بِهَا الْكَلَامُ الْمُبَلَّغُ، لَا يُرَادُ بِهَا مَا بِهِ وَقَعَ التَّبْلِيغُ.
وَقَدْ يُرَادُ بِهَذَا، الثَّانِي، مَعَ التَّقْيِيدِ كَمَا فِي مِثْلِ الِاسْمِ إِذَا قِيلَ: عَبَدْتُ اللَّهَ وَدَعَوْتُ اللَّهَ، فَلَيْسَ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَعْبُودَ الْمَدْعُوَّ، هُوَ الِاسْمُ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ، بَلِ الْمَعْبُودُ الْمَدْعُوُّ هُوَ الْمُسَمَّى بِاللَّفْظِ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: الِاسْمُ هُوَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، حَتَّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أَقُولُ: دَعَوْتُ اللَّهَ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ هَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: دَعَوْتُ الْمُسَمَّى بِاللَّهِ، وَظَنَّ هَذَا الْغَالِطُ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ، فَالْمُرَادُ دَعَوْتُ هَذَا اللَّفْظَ، وَمِثْلُ هَذَا يُرَدُّ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ الثَّانِي.
فَمَا مِنْ شَيْءٍ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمٍ، إِلَّا وَالْمُرَادُ بِالِاسْمِ هُوَ الْمُسَمَّى، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ لَمْ تُذْكَرْ إِلَّا لِبَيَانِ الْمُسَمَّيَاتِ، لَا أَنَّ الِاسْمَ نَفْسَهُ هُوَ ذَاتُ الْمُسَمَّى.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالْقَلْبِ هُوَ عَيْنُ الْمُسَمَّى، فَغَلَطُهُ وَاضِحٌ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْمِ فِي مِثْلِ قَوْلِكَ: دَعَوْتُ اللَّهَ، وَعَبَدْتُهُ،
[ ٤ / ٣٤٦ ]
هُوَ نَفْسُ اللَّفْظِ، فَغَلَطُهُ وَاضِحٌ، وَلَكِنِ اشْتَبَهَ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَا يُرَادُ بِالِاسْمِ وَنَفْسِ اللَّفْظِ.
كَذَلِكَ أُولَئِكَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ نَفْسُ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ بِلَفْظِ الْمُبَلِّغِ وَكِتَابَتِهِ بِنَفْسِ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ وَمِدَادِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا وَاضِحٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ.
وَإِذَا كَتَبَ كَاتِبٌ اسْمَ اللَّهِ فِي وَرَقَةٍ، وَنَطَقَ بِاسْمِ اللَّهِ فِي خِطَابِهِ، وَقَالَ قَائِلٌ: أَنَا كَافِرٌ بِهَذَا وَمُؤْمِنٌ بِهَذَا، كَانَ مَفْهُومَ كَلَامِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ بِالْمُسَمَّى الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ وَالْخَطِّ، لَا أَنَّهُ يُؤْمِنُ وَيَكْفُرُ بِصَوْتٍ أَوْ مِدَادٍ.
فَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِمَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْقُرَّاءِ وَلِمَا يُكْتَبُ فِي الْمَصَاحِفِ: إِنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ.
أَوْ قَالَ لِمَا يَسْمَعُ مِنْ جَمِيعِ الْمُبَلِّغِينَ لِكَلَامِ غَيْرِهِمْ، وَلِمَا يُوجَدُ فِي الْكُتُبِ: هَذَا كَلَامُ زَيْدٍ، فَلَيْسَ مُرَادُهُمْ ذَلِكَ الصَّوْتَ وَالْمِدَادَ، إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى وَاللَّفْظُ الَّذِي بَلَّغَهُ زَيْدٌ بِصَوْتِهِ وَكُتِبَ فِي الْقِرْطَاسِ بِالْمِدَادِ.
فَإِذَا قِيلَ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ.
وَمَنْ قَصَدَ نَفْسَ الصَّوْتِ أَوِ الْمِدَادِ وَقَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ أَصَابَ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَصَدَ نَفْسَ الصَّوْتِ أَوِ الْخَطِّ وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ أَصَابَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ مُرَادَهُ بِلَفْظٍ لَا لَبْسَ فِيهِ.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
فَلِهَذَا كَانَ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ، يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّفْظَ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَيَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ هُنَا، فَقَدْ يَقُولُونَ: لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمُتَوَاتِرِ عَنِ الرَّسُولِ، وَخِلَافُ مَا يُعْلَمُ بِمِثْلِ ذَلِكَ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ.
فَإِنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ - بِعُقُولِهِمْ - أَنَّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ فَالْكَلَامُ كَلَامُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ الَّذِي قَالَهُ مُبْتَدِيًا آمِرًا بِأَمْرِهِ مُخْبِرًا بِخَبَرِهِ، لَا كَلَامُ مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا عَنْهُ مُؤَدِّيًا.
وَلِهَذَا «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ فِي الْمَوَاسِمِ: (أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، عَنْ جَابِرٍ.
وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١]
[ ٤ / ٣٤٨ ]
قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ لِأَبِي بِكْرٍ الصِّدِّيقِ: هَذَا كَلَامُكَ أَمْ كَلَامُ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: لَيْسَ بِكَلَامِي وَلَا كَلَامِ صَاحِبِي، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
فَلِهَذَا اشْتَدَّ بِهِ إِنْكَارُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَبَالَغَ قَوْمٌ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَطْلَقُوا عِبَارَاتٍ تَتَضَمَّنُ وَتُشْعِرُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ الْعِبَادِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، كَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، وَبَيَّنُوا أَنَّ الْوَرَقَ وَالْمِدَادَ وَأَصْوَاتَ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمْ مَخْلُوقَةٌ، وَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي يَحْفَظُهُ الْعِبَادُ وَيَقْرَءُونَهُ وَيَكْتُبُونَهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَكَلَامُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَثِيرٌ فِي هَذَا الْبَابِ، مُتَّفِقٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وَكُلُّهُ صَوَابٌ.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
وَلَكِنْ قَدْ يُبَيِّنُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَا لَا يُبَيِّنُهُ غَيْرُهُ لِحَاجَتِهِ فِي ذَلِكَ.
فَمَنِ ابْتُلِيَ بِمَنْ يَقُولُ: لَيْسَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، كَانَ كَلَامُهُ فِي ذَمِّ مَنْ يَقُولُ: هَذَا مَخْلُوقٌ، أَكْثَرَ مِنْ ذَمِّهِ لِمَنْ يَقُولُ: لَفْظِيٌّ مَخْلُوقٌ.
وَمَنِ ابْتُلِيَ بِمَنْ يَجْعَلُ بَعْضَ صِفَاتِ الْعِبَادِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، كَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، كَانَ كَلَامُهُ فِي ذَمِّ مَنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، أَكْثَرَ، مَعَ نَصِّ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا، عَلَى خَطَأِ الطَّائِفَتَيْنِ.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
[فَصْلٌ: مُتَابَعَةٌ لِكَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ]
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: وَلَيْسَ حُلُولُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ وَالْتِحَامُهَا بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ - عَنِ انْتِقَالٍ وَلَا تَغَيُّرٍ وَلَا احْتِيَالٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنَ الَجْوَهَرَيْنِ عَنْ كَثَافَةٍ، فَلَا الْإِلَهِيُّ احْتَالَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا خَالِقًا، وَلَا النَّاسِيُّ احْتَالَ عَنْ أَنْ يَكُونَ نَاسِيًّا مَخْلُوقًا.
وَالِاحْتِيَالُ وَالتَّغَيُّرُ، إِنَّمَا يَلْزَمُ الْخُلْطَةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ خَلْقَيْنِ ثَقِيلَيْنِ غَلِيظَيْنِ، مِثْلَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ، أَوِ الْمَاءِ وَالْعَسَلِ، أَوِ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلَّهُ ثَقِيلٌ غَلِيظٌ، وَكُلُّ ثِقَلٍ تُخَالِطُهُ ثِقْلَةٌ - لَا مَحَالَةَ - يَلْزَمُهُ التَّغَيُّرُ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأَثْقَالُ، فَلَا الْخَمْرُ خَمْرًا، وَلَا الْمَاءُ مَاءً بَعْدَ اخْتِلَاطِهِمَا، وَلَكِنَّهُمَا احْتَالَا جَمِيعًا عَنْ جَوْهَرِهِمَا، فَصَارَ إِلَى أَمْرٍ مُتَغَيِّرٍ لَيْسَ هُوَ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ، وَلَا أَحَدُهُمَا خَالِصٌ مِنَ الْفَسَادِ وَالِاحْتِيَالِ عَنْ حَالِهِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْخُلْطَةُ مِنْ خَلْقٍ لَطِيفٍ وَخَلْقٍ غَلِيظٍ، لَمْ يُخَالِطْ تِلْكَ الْخُلْطَةَ تَغَيُّرٌ وَلَا احْتِيَالٌ، مِثْلَ خُلْطَةِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِنْسَانًا وَاحِدًا،
[ ٤ / ٣٥١ ]
أَحَدُهُمَا يَلْتَحِمُ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ تَغَيَّرَتْ وَاحْتَالَتْ ; أَيِ اسْتَحَالَتْ عَنْ جَوْهَرِهَا أَنْ تَكُونَ نَفْسًا تَعْرِفُهَا بِفِعَالِهَا، وَلَا الْجَسَدُ تَغَيَّرَ وَلَا احْتَالَ عَنْ حَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمِثْلَ مَا كَانَ تَخَالُطُ النَّارِ وَالْحَدِيدِ فَيَلْتَحِمَانِ جَمِيعًا فَيَكُونَانِ جَمْرَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّارُ قَدْ تَغَيَّرَتْ إِلَى أَنْ تَكُونَ حَدِيدَةً ثَقِيلَةً تَشُجُّ وَتَقْطَعُ، وَلَا الْحَدِيدَةُ تَغَيَّرَتْ وَاحْتَالَتْ إِلَى أَنْ تَكُونَ نَارًا تَحْرِقُ، فَكَذَلِكَ تَفْعَلُ كُلُّ خُلْطَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَحَدُهُمَا رُوحَانِيٌّ لَطِيفٌ، وَالْآخَرُ ثِقَلِيٌّ غَلِيظٌ، مِثْلَ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ وَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ، وَمِثْلَ الشَّمْسِ الْمُخَالِطَةِ لِلْمَاءِ وَالطِّينِ وَكُلِّ رُطُوبَةٍ وَحَمْأَةٍ، فَهِيَ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَحْتَالُ عَنْ نُورِهَا وَنَقَائِهَا وَضَوْئِهَا، مَعَ مُخَالَطَتِهَا كُلَّ سَوَادٍ وَسِخٍ، وَنَتَنٍ وَنَجَسٍ.
قَالَ: وَالْخُلْطَةُ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: خُلْطَةٌ بِاخْتِلَاطٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ الثَّقِيلَتَيْنِ وَاحْتِيَالِهِمَا وَفَسَادِهِمَا، مِثْلَ خُلْطَةِ الْخَمْرِ وَالْمَاءِ، وَالْخَلِّ وَالْعَسَلِ، وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَا أَشْبَهَهُ، احْتِيَالًا وَفَسَادًا ; لِأَنَّ مِزَاجَ الْخَمْرِ وَالْمَاءِ، لَيْسَ بِخَمْرٍ وَلَا مَاءٍ ; لِاحْتِيَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ طَبْعِهِ وَاخْتِلَاطِهِمَا بِفَسَادِهِمَا وَتَغَيُّرِهِمَا عَنْ حَالِهِمَا.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
وَكَذَلِكَ خُلْطَةُ الْخَلِّ وَالْعَسَلِ، قَدْ صَارَتْ لَا خَلًّا وَلَا عَسَلًا ; لِاحْتِيَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَخُلْطَةُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ صَارَتْ عَلَى غَيْرِ صِحَّةٍ لَا مِنَ الذَّهَبِ وَلَا مِنَ الْوَرِقِ، وَخُلْطَةُ الْوَرِقِ وَالنُّحَاسِ عَلَى غَيْرِ صِحَّةٍ، لَا مِنَ الْوَرِقِ وَلَا مِنَ النُّحَاسِ، فَهَذَا وَجْهٌ مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: خُلْطَةُ افْتِرَاقٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ الثَّقِيلَتَيْنِ، وَقَدْ تُعْرَفُ مِنْ تِلْكَ الْخُلْطَةِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ ثَابِتَةً فِي الْأُخْرَى بِقِوَامِهَا وَوَجْهِهَا، مِثْلَ الزَّيْتِ وَالْمَاءِ فِي قِنْدِيلٍ وَاحِدٍ، وَمِثْلَ الْكَتَّانِ وَالْقَزِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مَنْسُوجٍ بِكَتَّانٍ مُضَلَّعٍ بِقَزٍّ، وَمِثْلَ صَنَمٍ نُحَاسٍ رَأْسُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى خُلْطَةً مَعَ افْتِرَاقِ الطَّبِيعَتَيْنِ وَالْقِوَامَيْنِ، مِثْلَ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْقُلَّةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا خُلْطَةٌ ; لِأَنَّ طَبِيعَةَ الْقُلَّةِ فَخَّارٌ، قِوَامُهَا قُلَّةٌ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَاءِ خُلْطَةٌ، بَلْ أَشَدُّ الْفُرْقَةِ.
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ وَالزَّيْتُ، لَوْلَا أَنَّ وِعَاءَ الْقِنْدِيلِ الَّذِي هُمَا فِيهِ ضَمَّهُمَا مَا اجْتَمَعَا.
وَكَذَلِكَ الْكَتَّانُ وَالْقَزُّ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ، وَإِنْ كَانَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا بَيْنَ الذَّهَبِ وَالنُّحَاسِ وَلَمْ يُسْبَكَا خُلْطَةٌ، وَإِنْ جَمَعَهَا صَنَمٌ وَاحِدٌ.
فَهَاتَانِ الْخُلْطَتَانِ لَا تَكُونَا أَبَدًا إِلَّا فِي أَثْقَالِ جُسْمَانِيَّاتٍ غَلِيظَةٍ.
فَإِنِ الْتَحَمَ بَعْضُهُمَا بِبَعْضٍ مِثْلَمَا يُذَابُ الذَّهَبُ وَالنُّحَاسُ وَيُفْرَغَانِ جَمِيعًا، وَقَعَتْ فِي وَجْهِ خُلْطَةِ الِاحْتِيَالِ وَالْفَسَادِ ; لِأَنَّ تِلْكَ النُّقْرَةَ لَيْسَتْ بِذَهَبٍ صَحِيحٍ، وَلَا بِنُحَاسٍ صَحِيحٍ.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
فَإِنْ لَمْ تُلْحَمْ وَأَلْزَمَ بَعْضُهَا بَعْضًا، مِثْلَ طَوْقٍ يَكُونُ مِنْ نُحَاسٍ وَذَهَبٍ، وَقَعَتْ مِنْ وَجْهِ خُلْطَةِ الِافْتِرَاقِ الَّتِي لَا يَحِقُّ لَهَا أَنْ تُسَمَّى خُلْطَةً.
وَفِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَقَعَ " نُسْطُورَسُ " وَأَشْيَاعُهُ فَلَزِمُوا خُلْطَةَ الِاحْتِيَالِ وَالْفَسَادِ، فَزَعَمُوا أَنَّ الطَّبِيعَةَ الْإِلَهِيَّةَ وَالطَّبِيعَةَ النَّاسِيَّةَ اخْتَلَطَا فِي الْمَسِيحِ الْوَاحِدِ، فَهُوَ ذُو قِوَامٍ وَاحِدٍ بِطَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ مُخْتَلِطَةٍ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إِلَهِيَّةٍ وَنَاسِيَّةٍ، فَأَقَرُّوا أَنَّهُمَا قَدِ احْتَالَا، وَالِاحْتِيَالُ فَسَادٌ.
وَأَلْزَمُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْكَافِرِ طَبِيعَةَ اللَّهِ الْمَصَائِبَ وَالْمَوْتَ، وَصَيَّرُوا الْمَسِيحَ لَا إِلَهًا صَحِيحًا وَلَا إِنْسَانًا، مِثْلَ الذَّهَبِ وَالنُّحَاسِ.
فَنُسْطُورَسُ وَأَشْيَاعُهُ لَزِمُوا خُلْطَةَ الْفُرْقَةِ وَالِانْقِطَاعِ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْمَسِيحَ الْوَاحِدَ ذُو طَبِيعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، الْإِلَهِيَّةِ وَنَاسِيَّةٍ، وَذُو قِوَامَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، إِلَهِيٍّ وَنَاسِيٍّ، فَصَيَّرُوا الْفُرْقَةَ خُلْطَةً، كَالطَّوْقِ الْمُلَوَّنِ نِصْفَيْنِ أَحَدُهُمَا ذَهَبٌ وَالْآخَرُ نُحَاسٌ، وَالثَّوْبُ الْمُبَطَّنُ ظَاهِرُهُ خَزٌّ وَبَاطِنُهُ قُطْنٌ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فِي طَبِيعَةٍ وَلَا قِوَامٍ.
وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَسِيحٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الطَّوْقَ الْمُلَوَّنَ طَوْقَانِ، وَالثَّوْبَ الْمُبَطَّنَ ثَوْبَانِ.
فَالْمَسِيحُ - مِثْلَ ذَلِكَ - مَسِيحَانِ، وَاحِدٌ إِلَهِيٌّ بِطَبِيعَتِهِ وَقِوَامِهِ، مِثْلَ قَضِيبِ الذَّهَبِ فِي الطَّوْقِ الْمُلَوَّنِ، وَمِثْلَ ظِهَارَةِ الْخَزِّ فِي الثَّوْبِ الْمُبَطَّنِ.
وَالْآخَرُ نَاسِيٌّ، مِثْلَ قَضِيبِ النُّحَاسِ فِي الطَّوْقِ، وَبِطَانَةِ الْقُطْنِ فِي الثَّوْبِ.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، كَيْفَ لَمْ يَفْصِلْ أَهْلُ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ كِلَيْهِمَا؟ وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ هَاتَيْنِ الْخِلْقَتَيْنِ أَنَّهُمَا خِلْقَتَانِ ذَوَاتَا أَثْقَالٍ جُسْمَانِيَّةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنَ الْخَلْقِ الرُّوحَانِيِّ اللَّطِيفِ الْخَفِيفِ، وَلِذَلِكَ لَا تَقْدِرُ الْأَثْقَالُ الْغَلِيظَةُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ وُجُوهِ الْخُلْطَةِ ; لِأَنَّهُمَا إِنِ اخْتَلَطَا خُلْطَةً مُلْتَحِمَةً مُمْتَزِجَةً، صَارَتْ إِلَى احْتِيَالٍ وَفَسَادٍ، وَإِنْ قَامَتْ عَلَى حَالِهَا، لَا تَلْتَحِمُ وَلَا يَمْتَزِجُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَهِيَ عَلَى وَجْهِ خُلْطَةِ الِافْتِرَاقِ، وَمُنْقَطِعَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَإِنْ جَمَعَهَا صَنَمٌ وَاحِدٌ أَوْ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ يُوجَدُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَثْقَالِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَجْهُ خُلْطَةٍ سِوَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَبَدًا، إِمَّا فَسَادٌ وَإِمَّا انْقِطَاعٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْخُلْطَةُ فِي اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا ثَقِيلٌ جُسْمَانِيٌّ، وَالْآخَرُ لَطِيفٌ رُوحَانِيٌّ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْخُلْطَةِ: وَهِيَ خُلْطَةُ الْحُلُولِ بِلَا اخْتِلَاطٍ وَلَا احْتِيَالٍ، وَلَا فَسَادٍ وَلَا فُرْقَةٍ وَلَا انْقِطَاعٍ، لَكِنَّهَا نَفَاذُ الطَّبِيعَةِ الرُّوحَانِيَّةِ فِي الطَّبِيعَةِ الثَّقِيلَةِ السُّفْلِيَّةِ، حَتَّى تَنْتَشِرَ فِي جَمِيعِهَا وَتَحُلَّ بِكُلِّهَا، فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ الثَّقِيلَةِ السُّفْلِيَّةِ خِلْوًا مِنَ الطَّبِيعَةِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَلَا احْتِيَالٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ عَنْ طَبِيعَتِهَا الْغَلِيظَةِ الثَّقِيلَةِ، وَلَا تَغْيِيرٌ وَلَا فَسَادٌ لِإِحْدَاهُمَا، مِثْلَ خُلْطَةِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ، وَمِثْلَ خُلْطَةِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ فِي قِوَامِ جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهِيَ جَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْقِوَامِ مِنْ طَبِيعَةِ نَارٍ مُلْتَحِمَةٍ مُخَالِطَةٍ لِطَبِيعَةِ الْحَدِيدَةِ بِلَا فُرْقَةٍ مِنِ انْقِطَاعٍ، وَلَا تَخْلِيطِ احْتِيَالٍ وَفَسَادٍ،
[ ٤ / ٣٥٥ ]
وَقَدِ انْتَشَرَتِ النَّارُ فِي جَمِيعِ الْحَدِيدَةِ، وَلَبِسَتْهَا، وَأَنَالَتِ النَّارُ الْحَدِيدَةَ مِنْ قِوَامِهَا وَقُوَّتِهَا حَتَّى أَنَارَتِ الْحَدِيدَةُ وَأُحْرِقَتْ، وَلَمْ تَنَلِ النَّارُ مِنْ ضَعْفِ الْحَدِيدَةِ شَيْئًا مِنَ السَّوَادِ وَلَا الْبُرُودَةِ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْخُلْطَةِ دَبَّرَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ خُلْطَتَهَا لِلطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ.
فَهُوَ مَسِيحٌ وَاحِدٌ ابْنُ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ الْأَدْهَارِ كُلِّهَا، نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مَوْلُودٌ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ مِنْ سُوسِ أَبِيهِ وَجَوْهَرِهِ وَطَبِيعَتِهِ، وَهُوَ إِيَّاهُ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْمَوْلُودِ مِنْهَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِقِوَامٍ وَاحِدٍ، قِوَامِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْجَامِعِ لِلطَّبِيعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ فِي الْبَدْءِ قَبْلَ كُلِّ بَدْءٍ، وَالنَّاسِيَّةِ الَّتِي كُوِّنَتْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الْمُقَوَّمِ بِالْقِوَامِ الْأَزَلِيِّ.
فَهُوَ مَسِيحٌ وَاحِدٌ بِقِوَامٍ وَاحِدٍ أَزَلِيٍّ، ذُو طَبِيعَتَيْنِ إِلَهِيَّةٍ لَمْ تَزَلْ، وَنَاسِيَّةٍ خَلَقَهَا لَهُ وَالْتَحَمَ بِهَا مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، فَقِوَامُهُ ذَلِكَ قِوَامُ الطَّبِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالطَّبِيعَةِ النَّاسِيَّةِ، جَامِعًا لَهُمَا بِلَا اخْتِلَاطٍ وَلَا فَسَادٍ، وَلَا فُرْقَةِ انْقِطَاعٍ، لَمْ يَزَلْ قِوَامَ الطَّبِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ، ثُمَّ هُوَ قِوَامُ الطَّبِيعَةِ النَّاسِيَةِ، قَدْ خَلَقَهَا وَكَوَّنَهَا وَقَوَّمَهَا بِقِوَامِهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُقِيمُ إِلَّا بِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ إِلَّا لَهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ - بَعْدَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَنَاقَضَ،
[ ٤ / ٣٥٦ ]
فَجَعَلَ هَذَا تَارَةً اخْتِلَاطًا، وَتَارَةً يَقُولُ: لَيْسَ هُوَ اخْتِلَاطًا - أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ - أَوَّلًا - قَدْ يَجْعَلُ هَذَا الْحُلُولَ وَالِالْتِحَامَ اخْتِلَاطًا، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ اسْتِحَالَةٌ وَلَا تَغَيُّرٌ، وَيَقُولُ: الِاسْتِحَالَةُ وَالتَّغْيِيرُ إِنَّمَا يَلْزَمُ الْخُلْطَةَ، إِذَا كَانَتْ مِنْ خَلْقَيْنِ غَلِيظَيْنِ، كَالْمَاءِ وَالْخَمْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ لَطِيفٍ وَكَثِيفٍ، لَمْ يُخَالِطْ تِلْكَ الْخُلْطَةَ تَغَيُّرٌ وَلَا احْتِيَالٌ - أَيِ اسْتِحَالَةٌ - وَيَقُولُ: وَالْخُلْطَةُ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: ثُمَّ يَقُولُ: أَحَدُهُمَا كَالْخَمْرِ وَالْمَاءِ، وَالثَّانِي كَالزَّيْتِ وَالْمَاءِ، وَالْكَتَّانِ وَالْقَزِّ، ثُمَّ يَقُولُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى خُلْطَةً مَعَ افْتِرَاقِ الطَّبِيعَتَيْنِ، فَيَجْعَلُهُ مِنْ أَقْسَامِ الْخُلْطَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى خُلْطَةً.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْمُنَازَعَاتِ اللَّفْظِيَّةَ، بَلْ يَقُولُ: دَعْوَاهُ أَنَّ أَحَدَ نَوْعَيِ الِاخْتِلَاطِ يَكُونُ عَنْ تَغَيُّرٍ وَاسْتِحَالَةٍ، بِخِلَافِ النَّوْعِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ اخْتِلَاطٌ لَطِيفٌ وَغَلِيظٌ - دَعْوَى مَمْنُوعَةٌ، وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهَا دَلِيلًا، بَلْ يَقُولُ: هِيَ بَاطِلَةٌ، بَلْ لَا يَكُونُ الِاخْتِلَاطُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إِلَّا مَعَ تَغَيُّرٍ وَاسْتِحَالَةٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْأَمْثَالِ وَالشَّوَاهِدِ، فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِهِ: (فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْخُلْطَةُ مِنْ خَلْقٍ لَطِيفٍ وَخَلْقٍ غَلِيظٍ، لَمْ يُخَالِطْ تِلْكَ الْخُلْطَةَ تَغَيُّرٌ
[ ٤ / ٣٥٧ ]
وَلَا احْتِيَالٌ، مِثْلَ خُلْطَةِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِنْسَانًا وَاحِدًا، أَحَدُهُمَا مُلْتَحِمٌ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ تَغَيَّرَتْ وَاحْتَالَتْ عَنْ جَوْهَرِهَا، أَنْ تَكُونَ نَفْسًا تَعْرِفُهَا بِفِعَالِهَا، وَلَا الْجَسَدُ تَغَيَّرَ وَاسْتَحَالَ عَنْ حَالِهِ وَفِعَالِهِ.
فَيُقَالُ: هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لِكُلِّ مَنْ تَصَوَّرَهُ، فَإِنَّ الْجَسَدَ إِذَا خَلَا عَنِ النَّفْسِ، مِثْلَ مَا يَكُونُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَمَا يَكُونُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَهُ بِالْمَوْتِ، بَلْ آدَمُ - ﵇ - أَبُو الْبَشَرِ، خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ وَمَاءٍ، وَصَارَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ، ثُمَّ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ، فَصَارَ جَسَدًا هُوَ لَحْمٌ وَعَظْمٌ وَعَصَبٌ وَدَمٌ.
فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ جَسَدَ آدَمَ قَبْلَ النَّفْسِ وَبَعْدَهَا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ تَسْتَحِلْ، وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ يُخْلَقُ أَحَدُهُمْ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مُضْغَةٍ، فَيَكُونُ جَسَدًا مَيِّتًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَيَصِيرُ الْجَسَدُ حَيًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَيِّتًا؟
وَأَيُّ تَغْيِيرٍ أَعْظَمُ مِنِ انْتِقَالِ الْجَسَدِ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ؟
وَمَعْلُومٌ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢] وَالْجَسَدُ إِذَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، فَهُوَ مَوَاتٌ لَيْسَ لَهُ حِسٌّ وَلَا حَرَكَةٌ إِرَادِيَّةٌ، وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَنْطِقُ وَلَا يَعْقِلُ، وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَأْكُلُ
[ ٤ / ٣٥٨ ]
وَلَا يَشْرَبُ، وَلَا يُمْنِي وَلَا يَنْكِحُ، وَلَا يَتَفَكَّرُ وَلَا يُحِبُّ وَلَا يُبْغِضُ، وَلَا يَشْتَهِي وَلَا يَغْضَبُ.
فَإِذَا اتَّصَلَتْ بِهِ النَّفْسُ، تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُ وَاسْتَحَالَتْ صِفَاتُهُ، وَصَارَ حَسَّاسًا مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ مِثْلُ خُلْطَةِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِنْسَانًا وَاحِدًا، أَحَدُهُمَا يَلْتَحِمُ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ تَغَيَّرَتْ وَاسْتَحَالَتْ عَنْ جَوْهَرِهَا، أَنْ تَكُونَ نَفْسًا يَعْرِفُهَا بِفِعَالِهَا، وَلَا الْجَسَدُ تَغَيَّرَ وَلَا اسْتَحَالَ عَنْ حَالِهِ وَأَفْعَالِهِ؟
فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ: إِنَّ الْجَسَدَ كَانَ حَالُهُ وَفِعَالُهُ مَعَ مُفَارَقَةِ النَّفْسِ لَهُ، كَحَالِهِ وَفِعَالِهِ مَعَ مُخَالَطَتِهَا لَهُ؟
وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الْجَسَدَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَمُفَارَقَةِ النَّفْسِ لَهُ، حَالُهُ وَفِعَالُهُ كَحَالِهِ وَفِعَالِهِ إِذَا كَانَتِ النَّفْسُ مُخْتَلِطَةٌ بِهِ، وَهُوَ إِذَا مَاتَ كَالْجَمَادِ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَنْطِقُ وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَمْشِي، قَدْ جَمُدَ دَمُهُ وَاسْوَدَّ، وَلَمْ يَبْقَ سَائِلًا، وَتَغَيُّرُ سَحْنَتِهِ وَلَوْنِهِ، وَتَغَيُّرُ الْجَسَدِ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالْمَوْتِ بَعْدَ الْحَيَاةِ - مِنْ أَعْظَمِ التَّغَيُّرَاتِ وَالِاسْتِحَالَاتِ؟
وَكَذَلِكَ النَّفْسُ، فَإِنَّ النَّفْسَ - عِنْدَ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ - تَلْتَذُّ بِلَذَّتِهِ، وَتَتَأَلَّمُ بِأَلَمِهِ.
فَإِذَا أَكَلَ الْبَدَنُ وَشَرِبَ، وَنَكَحَ وَاشْتَمَّ، الْتَذَّتِ النَّفْسُ، وَإِذَا ضُرِبَ الْبَدَنُ وَصُفِعَ، وَأُهِينَ وَحُطَّ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ، وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، تَأَلَّمَتِ النَّفْسُ بِذَلِكَ.
فَإِذَا شَبَّهُوا اتِّحَادَ الرَّبِّ بِالْمَسِيحِ بِاتِّحَادِ النَّفْسِ بِالْبَدَنِ، وَهُمْ
[ ٤ / ٣٥٩ ]
يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ وَكُلَّ أَحَدٍ إِذَا ضُرِبَ وَصُفِعَ وَصُلِبَ فَتَأَلَّمَ بَدَنُهُ، تَأَلَّمَتْ نَفْسُهُ أَيْضًا.
فَإِنْ كَانَ الْأَلَمُ مَعَ نَفْسِ الْمَسِيحِ وَجَسَدِهِ، كَالنَّفْسِ مَعَ الْجَسَدِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ يَتَأَلَّمُ بِتَأَلُّمِ النَّاسُوتِ، وَيَجُوعُ بِجُوعِهِ وَيَشْبَعُ بِشِبَعِهِ، فَإِنَّ أَلَمَ الْجُوعِ وَلَذَّةَ الشِّبَعِ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ إِذَا جَاعَ الْبَدَنُ وَشَبِعَ.
وَأَيْضًا فَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، وَالْإِلَهُ إِلَهٌ قَبْلَ الِاتِّحَادِ، وَالْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ قَبْلَ الِاتِّحَادِ.
فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ إِلَهٌ تَامٌّ كَمَا كَانَ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ كَمَا كَانَ.
فَنَظِيرُ هَذَا، أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ الْمُرَكَّبُ مِنْ بَدَنٍ وَنَفْسٍ، نَفْسًا تَامَّةً وَبَدَنًا تَامًّا، وَأَنْ تَكُونَ الْحَدِيدَةُ الْمُحَمَّاةُ، حَدِيدًا تَامًّا وَنَارًا تَامَّةً، وَهُوَ بَاطِلٌ، بَلِ الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ نَفْسٍ وَبَدَنٍ، وَالْإِنْسَانُ اسْمٌ لِمَجْمُوعٍ، لَيْسَ الْإِنْسَانُ رُوحًا وَالْإِنْسَانُ بَدَنًا.
فَلَوْ كَانَ الِاتِّحَادُ حَقًّا، لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَسِيحَ نِصْفُهُ لَاهُوتٌ، وَنِصْفُهُ نَاسُوتٌ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذَا وَهَذَا.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ إِنْسَانٌ تَامٌّ، وَالْمَسِيحَ نَفْسَهُ إِلَهٌ تَامٌّ، فَإِنَّ تَصَوُّرَ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الْوَجْهِ التَّامِّ يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، حَيْثُ جَعَلُوا
[ ٤ / ٣٦٠ ]
الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ، الْمَوْضُوعُ الْمُخْبَرُ عَنْهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، هُوَ إِنْسَانٌ تَامٌّ وَإِلَهٌ تَامٌّ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ هُوَ نَفْسُ الْإِلَهِ.
وَلَوْ قِيلَ هَذَا فِي مَخْلُوقِينَ، فَقِيلَ: نَفْسُ الْمَلِكِ نَفْسُ الْبَشَرِ، لَكَانَ ظَاهِرَ الْبُطْلَانِ، فَكَيْفَ إِذَا قِيلَ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ لَا سِيَّمَا وَكَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى لَا يَقُولُونَ: إِنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ مَخْلُوقٌ، بَلْ يَصِفُونَ الْجَمِيعَ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَئِمَّتِهِمُ الْقَائِلِينَ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ تَامٌّ، لَكِنَّهُمْ تَنَاقَضُوا فَقَالُوا - مَعَ ذَلِكَ -: وَهُوَ إِنْسَانٌ تَامٌّ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ الْخَالِقُ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقُ، هُوَ مَخْلُوقٌ لَيْسَ هُوَ مَخْلُوقٌ، فَجَمَعُوا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ النَّصَارَى، لَا سِيَّمَا وَاتِّحَادُ اللَّاهُوتِ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ - عِنْدَهُمْ - اتِّحَادٌ لَازِمٌ، لَمْ يُفَارِقْهُ الْبَتَّةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْلَغُ مِنَ الِاتِّحَادِ الْعَارِضِ، وَمِنْ أَنَّ الرَّبَّ كَانَ مُتَّحِدًا بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ بِالْجَسَدِ مَعَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، ثُمَّ بِالْجَسَدِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَهُ، وَحَيْثُ دُفِنَ فِي الْقَبْرِ وَوُضِعَ التُّرَابُ عَلَيْهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَتْ فِيهِ النَّفْسُ وَجُعِلَتْ فِي التُّرَابِ مَعَهُ، تَأَلَّمَتِ النَّفْسُ أَلَمًا شَدِيدًا، ثُمَّ تُفَارِقُ الْبَدَنَ.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ وَمَاتَ، فَفَارَقَتْهُ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ، وَصَارَ الْجَسَدُ لَا رُوحَ فِيهِ، وَاللَّاهُوتُ - مَعَ هَذَا - مُتَّحِدٌ لَمْ يُفَارِقْهُ وَهُوَ فِي الْقَبْرِ، وَاللَّاهُوتُ مُتَّحِدٌ بِهِ، فَيَجْعَلُونَ اتِّحَادَهُ بِهِ أَبْلَغَ مِنِ اتِّحَادِ النَّفْسِ بِالْبَدَنِ.
[ ٤ / ٣٦١ ]
وَالنَّفْسُ - عِنْدَ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ - تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلُ صِفَاتُهَا وَأَحْوَالُهَا، وَيَصِيرُ لَهَا مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ مَا لَمْ يَكُنْ بِدُونِ الْبَدَنِ، وَعِنْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ، تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهَا وَأَفْعَالُهَا.
فَإِنْ كَانَ تَمْثِيلُهُمْ مُطَابِقًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ قَدْ تَغَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ وَأَفْعَالُهُ، لَمَّا اخْتَلَطَ بِالْمَسِيحِ، كَمَا تَتَغَيَّرُ صِفَاتُ النَّفْسِ وَأَفْعَالُهَا، وَيَكُونَ الرَّبُّ قَبْلَ هَذَا الِاخْتِلَاطِ كَالنَّفْسِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِبَدَنٍ.
وَأَيْضًا فَالنَّفْسُ وَالْبَدَنُ شَرِيكَانِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، لَهُمَا الثَّوَابُ وَعَلَيْهِمَا الْعِقَابُ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى النَّفْسِ أَكْمَلُ مِنْهُ عَلَى الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَ الرَّبُّ كَذَلِكَ، كَانَ جَمِيعُ مَا يَفْعَلُهُ الْمَسِيحُ بِاخْتِيَارِهِ فِعْلَ الرَّبِّ، كَمَا أَنَّ جَمِيعَ مَا يَفْعَلُهُ الْبَدَنُ بِاخْتِيَارِ فِعْلِ النَّفْسِ عَنِ الَّتِي تُخَاطَبُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيُقَالُ لَهَا: كُلِي وَاشْرَبِي وَانْكِحِي، وَلَا تَأْكُلِي وَلَا تَشْرَبِي وَلَا تَنْكِحِي.
فَإِنْ كَانَ الرَّبُّ مَعَ النَّاسُوتِ كَذَلِكَ، كَانَ الرَّبُّ هُوَ الْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ الْمَسِيحُ، وَكَانَ الرَّبُّ هُوَ الْمُصَلِّي الصَّائِمُ الْعَابِدُ الدَّاعِي، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ: يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ بِلَاهُوتِهِ، وَيَأْكُلُ وَيَعْبُدُ بِنَاسُوتِهِ.
فَإِنَّ النَّفْسَ وَالْبَدَنَ لَمَّا اتَّحَدَا، كَانَتْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِلنَّفْسِ وَالْبَدَنِ، فَإِذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ وَصَامَ وَدَعَا، فَالنَّفْسُ وَالْبَدَنُ يُوصَفَانِ بِذَلِكَ جَمِيعًا، بَلِ النَّفْسُ أَخَصُّ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَمَرَ أَوْ نَهَى، فَكِلَاهُمَا مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا ضُرِبَ، فَأَلَمُ الضَّرْبِ يَصِلُ
[ ٤ / ٣٦٢ ]
إِلَيْهِمَا كَمَا تَصِلُ إِلَيْهِمَا لَذَّةُ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ.
بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ الْجِنِّيَّ إِذَا دَخَلَ فِي الْإِنْسِيِّ وَصَرَعَهُ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسِيَّ يَتَغَيَّرُ، حَتَّى يَبْقَى الصَّوْتُ وَالْكَلَامُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ، لَيْسَ هُوَ صَوْتُهُ وَكَلَامُهُ الْمَعْرُوفُ.
وَإِذَا ضُرِبَ بَدَنُ الْإِنْسِيِّ، فَإِنَّ الْجِنِّيَّ يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ وَيَصِيحُ وَيَصْرُخُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ أَلَمُ الضَّرْبِ، كَمَا قَدْ جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى، وَنَحْنُ قَدْ فَعَلْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ.
فَإِذَا كَانَ الْجِنِّيُّ تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ وَأَحْوَالُهُ لِحُلُولِهِ فِي الْإِنْسِيِّ، فَكَيْفَ بِنَفْسِ الْإِنْسَانِ؟
وَعِنْدَهُمُ اتِّحَادُ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ مِنَ اتِّحَادِ النَّفْسِ بِالْجَسَدِ.
فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ - مَعَ هَذَا الِاتِّحَادِ -: إِنَّهُمَا جَوْهَرَانِ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَفْعَالٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، لَا يَشْرَكُهُ الْآخَرُ فِيهَا.
وَيَقُولُونَ - مَعَ قَوْلِهِمْ بِالِاتِّحَادِ -: إِنَّ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي وَيَصُومُ، وَيَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ، وَيَتَكَلَّمُ وَيَتَأَلَّمُ، وَيُضْرَبُ وَيُصْلَبُ، هُوَ نَظِيرُ الْبَدَنِ، وَالَّذِي كَانَ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، هُوَ نَظِيرُ النَّفْسِ.
هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ مَعَ النَّاسُوتِ، وَأَنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا وَقَبْلَ حَيَاتِهِ وَعِنْدَ مَمَاتِهِ، وَالْجَسَدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَسَائِرِ أَجْسَادِ الْآدَمِيِّينَ، لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِ الرَّبِّ أَصْلًا، بَلْ وَلَا بَعْدَ إِتْيَانِهِ بِالْآيَاتِ، فَإِنَّ تِلْكَ كَانَ يَجْرِي مِثْلُهَا وَأَعْظَمُ مِنْهَا عَلَى يَدِ
[ ٤ / ٣٦٣ ]
الْأَنْبِيَاءِ، فَهَذَا أَقْرَبُ أَمْثَالِهِمْ وَقَدْ ظَهَرَ فَسَادُهُ.
وَأَبْعَدُ مِنْهُ وَأَشَدُّ فَسَادًا، تَمْثِيلُهُمْ ذَلِكَ بِالنَّارِ وَالْحَدِيدِ.
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ، أَنَّ النَّارَ إِذَا اتَّصَلَتْ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْسَامِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّبَاتِيَّةِ وَالْمَعْدِنِيَّةِ، مِثْلَ جَسَدِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَمِثْلَ الْخَشَبِ وَالْقَصَبِ وَالْقُطْنِ وَغَيْرِهِ، وَمِثْلَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّهَا تُغَيِّرُ ذَلِكَ الْجَسَدَ وَتُبَدِّلُ صِفَاتِهِ عَمَّا كَانَتْ، فَتَحْرِقُهُ، أَوْ تُذِيبُهُ، أَوْ تُلِينُهُ، وَالنَّارُ الْمُخْتَلِطَةُ بِهِ لَا تَبْقَى نَارًا مَحْضَةً، بَلْ تَسْتَحِيلُ وَتَتَغَيَّرُ أَيْضًا.
فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ: وَمِثْلَ مَا تَخْتَلِطُ النَّارُ وَالْحَدِيدُ، فَيَلْتَحِمَانِ جَمِيعًا، فَيَكُونَانِ جَمْرَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّارُ تَغَيَّرَتْ، إِلَى أَنْ تَكُونَ حَدِيدَةً ثَقِيلَةً تَشُجُّ وَتَقْطَعُ، وَلَا الْحَدِيدَةُ تَغَيَّرَتْ وَاسْتَحَالَتْ إِلَى أَنْ تَكُونَ نَارًا تَحْرِقُ)، كَلَامٌ بَاطِلٌ مُلْبِسٌ، فَإِنَّ الْجَمْرَةَ لَيْسَتْ حَدِيدَةً مَحْضَةً، وَلَا نَارًا مَحْضَةً، بَلْ نَوْعًا ثَالِثًا.
وَقَوْلُهُ: (لَمْ تَتَغَيَّرِ النَّارُ إِلَى أَنْ تَصِيرَ حَدِيدَةً، وَلَا الْحَدِيدَةُ إِلَى أَنْ تَصِيرَ نَارًا) - تَلْبِيسٌ.
فَإِنَّ الِاخْتِلَاطَ لَا يَتَضَمَّنُ الِاسْتِحَالَةَ وَالتَّغَيُّرَ، كَاخْتِلَاطِ الْكَثِيفَيْنِ الَّذِي سَلَّمَهُ مِثْلَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ، وَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ، وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، قَدْ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ لَا الْخَمْرُ خَمْرٌ، وَلَا الْمَاءُ مَاءٌ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِمَا، وَلَكِنَّهُمَا اسْتَحَالَا جَمِيعًا عَنْ جَوْهَرِهِمَا، فَصَارَا إِلَى أَمْرٍ مُتَغَيِّرٍ لَيْسَ هُوَ أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ، وَلَا أَحَدُهُمَا خَالِصًا مِنَ الْفَسَادِ وَالِاسْتِحَالَةِ عَنْ حَالِهِ.
فَيُقَالُ لَهُ: فَهَذَا الَّذِي سَلَّمْتَ فِيهِ الْفَسَادَ وَالِاسْتِحَالَةَ، لَمْ يَصِرِ
[ ٤ / ٣٦٤ ]
الْخَمْرُ فِيهِ مَاءً، وَلَا الْمَاءُ فِيهِ خَمْرًا، فَكَذَلِكَ مَوْرِدُ النِّزَاعِ إِذَا لَمْ تَصِرِ النَّارُ حَدِيدَةً، وَلَا الْحَدِيدَةُ نَارًا، لَمْ يَنْفَعْكَ هِذَا النَّفْيُ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا مِنَ الِاسْتِحَالَةِ إِلَى نَوْعٍ ثَالِثٍ، وَمِنَ الِاسْتِحَالَةِ وَالْفَسَادِ كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي اخْتِلَاطِ الْكَثِيفَيْنِ، فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَا خَالَطَتْهُ النَّارُ وَاتَّحَدَتْ بِهِ، غَيَّرَتْهُ وَأَحَالَتْهُ وَأَفْسَدَتْ صُورَتَهُ الْأَوْلَى، وَالنَّارُ الْمُلْتَحِمَةُ بِهِ لَيْسَتْ نَارًا مَحْضَةً.
وَمَعْلُومٌ أَيْضًا أَنَّ الْجَمْرَةَ الَّتِي ضَرَبْتَهَا مَثَلًا لِلْمَسِيحِ فَقُلْتَ: إِنَّ اللَّهَ وَعِيسَى اتَّحَدَا كَاتِّحَادِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ، حَتَّى صَارَا جَمْرَةً، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمْرَةَ إِذَا ضُرِبَتْ بِالْمِطْرَقَةِ، أَوْ وُضِعَتْ فِي الْمَاءِ، أَوْ مُدَّتْ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تَقَعُ بِالْمَجْمُوعِ، لَا تَقَعُ عَلَى حَدِيدَةٍ بِلَا نَارٍ، وَلَا نَارٍ بِلَا حَدِيدَةٍ.
فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا حَلَّ بِالْمَسِيحِ مِنْ ضَرْبٍ وَبُصَاقٍ فِي الْوَجْهِ، وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى الرَّأْسِ، وَمِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَعِبَادَةٍ، وَمِنْ مَشْيٍ وَرُكُوبٍ، وَمِنْ حَمْلٍ وَوِلَادَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حَلَّ بِالْمَسِيحِ، وَمِنْ مَوْتٍ، إِمَّا مُتَقَدِّمٍ وَإِمَّا مُتَأَخِّرٍ إِذَا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، وَمِنْ صَلْبٍ - عَلَى قَوْلِهِمْ - أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ حَلَّ بِالْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ لَاهُوتِهِ وَلَا نَاسُوتِهِ، كَمَا يَكُونُ مَا يَحُلُّ بِجَمْرَةِ النَّارِ، مِنْ حَمْلٍ وَوَضْعٍ وَطَرْقٍ بِالْمِطْرَقَةِ وَمَدٍّ، وَتَصْوِيرٍ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ وَإِلْقَاءٍ فِي الْمَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ حَالٌّ بِمَجْمُوعِ الْجَمْرَةِ، لَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ ذَلِكَ يَحُلُّ بِالْحَدِيدِ دُونَ النَّارِ، بَلْ هُوَ حَالٌّ بِالْجَمْرَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ مِنْ حَدِيدَةٍ وَنَارٍ، وَمِنْ خَشَبَةٍ وَنَارٍ، وَلَيْسَتْ حَدِيدَةً مَحْضَةً،
[ ٤ / ٣٦٥ ]
وَلَا نَارًا مَحْضَةً، وَلَا مَجْمُوعَ حَدِيدٍ مَحْضٍ، وَنَارٍ مَحْضَةٍ، بَلْ جَوْهَرٌ ثَالِثٌ مُسْتَحِيلٌ مِنْ حَدِيدٍ وَنَارٍ، كَسَائِرِ مَا يَسْتَحِيلُ بِالِاتِّحَادِ وَالِاخْتِلَاطِ إِلَى حَقِيقَةٍ ثَالِثَةٍ.
فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا اتَّحَدَا وَاخْتَلَطَا وَصَارَا شَيْئًا وَاحِدًا مِنْ أَنْ يَكُونَا كَثِيفَيْنِ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَثِيفًا وَالْآخَرُ لَطِيفًا، لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَحْصُلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ التَّغَيُّرِ وَالِاسْتِحَالَةِ مَا يُوجِبُ الِاتِّحَادَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُتَّحِدُ الْمُخْتَلِطُ الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا شَيْئًا ثَالِثًا، لَيْسَ هُوَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، وَلَا هُوَ مَجْمُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ.
فَقَوْلُهُمْ: (إِنَّهُ مَعَ الِاتِّحَادِ إِنْسَانٌ تَامٌّ وَإِلَهٌ تَامٌّ)، كَلَامٌ فَاسِدٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
وَكُلَّمَا ضَرَبُوا لَهُ مَثَلًا، كَانَ الْمَثَلُ حُجَّةً عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ، بَلْ مَعَ الِاتِّحَادِ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ تَامٍّ وَلَا إِلَهٍ تَامٍّ، لَكِنَّهُ شَيْءٌ ثَالِثُ مُرَكَّبٌ مِنْ إِنْسَانٍ اسْتَحَالَ وَتَغَيَّرَ، وَإِلَهٍ اسْتَحَالَ وَتَغَيَّرَ.
وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ بَاطِلًا - بَلْ إِنْسَانِيَّةُ الْمَسِيحِ بَاقِيَةٌ تَامَّةٌ، كَمَا كَانَتْ لَمْ تَسْتَحِلْ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ بَاقٍ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ، لَمْ يَسْتَحِلْ وَلَمْ يَتَّصِفْ بِشَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا اسْتَحَالَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ - كَانَ قَوْلُهُمْ ظَاهِرَ الْفَسَادِ.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
فَهَذَا مَثَلُهُمْ الثَّانِي الَّذِي ضَرَبُوهُ لِلَّهِ، حَيْثُ شَبَّهُوا الْمَسِيحَ أَوِ اللَّهَ مَعَ الْإِنْسَانِ بِالنَّفْسِ مَعَ الْجَسَدِ، وَشَبَّهُوهُ بِالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدِ، وَهَذَا الْمَثَلُ أَشَدُّ فَسَادًا وَأَظْهَرُ.
وَأَمَّا الْمَثَلُ الثَّالِثُ - وَهُوَ تَمْثِيلُ ذَلِكَ بِالشَّمْسِ مَعَ الْمَاءِ وَالطِّينِ -: فَهُوَ أَشَدُّ فَسَادًا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا كَمَا تَقَدَّمَ: (وَمَثَلُ الشَّمْسِ الْمُخَالِطَةِ لِلْمَاءِ وَالطِّينِ وَكُلِّ رُطُوبَةٍ وَحَمْأَةٍ، فَهِيَ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَسْتَحِيلُ عَنْ نُورِهَا وَبَقَائِهَا وَضَوْئِهَا، مَعَ مُخَالَطَتِهَا كُلَّ سَوَادٍ وَوَسَخٍ وَنَتَنٍ وَنَجَسٍ) .
فَيُقَالُ: أَمَّا جِرْمُ الشَّمْسِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ فَلَمْ يُخَالِطْ شَيْئًا مِنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، وَلَا اتَّحَدَ بِهِ وَلَا حَلَّ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبُعْدِ مَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَبْعَدُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ الشَّمْسِ لِلْمَاءِ وَالطِّينِ.
فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ نَفْسُهَا لَمْ تَتَّحِدْ، وَلَمْ تَخْتَلِطْ وَلَا حَلَّتْ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، بَلْ وَلَا بِغَيْرِهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَرَبُّ الْعَالَمِينَ أَوْلَى أَنْ يُنَزَّهَ عَنِ الِاتِّحَادِ وَالِاخْتِلَاطِ وَالْحُلُولِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَلَكِنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ حَلَّ بِالْمَاءِ وَالطِّينِ وَالْهَوَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُومُ بِهِ الشُّعَاعُ، كَمَا يَحُلُّ شُعَاعُ النَّارِ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيطَانِ، وَإِنْ كَانَ نَفْسُ جِرْمِ النَّارِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ الَّذِي فِي ذُبَالَةِ الْمِصْبَاحِ هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، لَمْ تَحُلَّ ذَاتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
وَلَفْظُ الضِّيَاءِ وَالنُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، يُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ بِنَفَسِهِ الْمُسْتَنِيرُ، كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَكَالنَّارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] وَسَمَّى سُبْحَانَهُ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَضِيَاءً ; لِأَنَّ فِيهَا مَعَ الْإِنَارَةِ وَالْإِشْرَاقِ تَسْخِينًا وَإِحْرَاقًا، فَهِيَ بِالنَّارِ أَشْبَهُ بِخِلَافِ الْقَمَرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعَ الْإِنَارَةِ تَسْخِينًا، فَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّ لَفْظَ الضِّيَاءِ وَالنُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ الْمُسْتَنِيرُ الْمُضِيءُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّارِ، وَيُرَادُ بِهِ الشُّعَاعُ الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، وَهَذَا الثَّانِي عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ لَيْسَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَوَّلِ، وَلَكِنَّهُ حَادِثٌ بِسَبَبِهِ.
فَالشُّعَاعُ الَّذِي هُوَ الضَّوْءُ وَالنُّورُ الْحَاصِلُ عَلَى الْمَاءِ وَالطِّينِ وَالْهَوَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مُتَّحِدًا بِهِ الْبَتَّةَ.
فَهَذَا الْمَثَلُ لَوْ ضَرَبَتْهُ النُّسْطُورِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (إِنَّ النَّاسُوتَ وَاللَّاهُوتَ جَوْهَرَانِ بِطَبِيعَتَيْنِ، حَلَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ)، لَكَانَ تَمْثِيلًا بَاطِلًا، فَإِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَحُلَّ بِغَيْرِهَا، وَلَا صَارَتْ مَشِيئَتُهَا وَمَشِيئَةُ غَيْرِهَا
[ ٤ / ٣٦٨ ]
وَاحِدَةً كَمَا تَقُولُهُ النُّسْطُورِيَّةُ، بَلْ شُعَاعُهَا حَلَّ بِغَيْرِهِ، وَالشُّعَاعُ حَادِثٌ وَكَائِنٌ عَنْهَا.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ مَا يَكُونُ عَنِ الرَّبِّ مِنْ نُورِهِ وَرُوحِ قُدُسِهِ وَهُدَاهُ وَكَلَامِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، يَحُلُّ بِقُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَمُثِّلَ ذَلِكَ بِحُلُولِ الشُّعَاعِ بِالْأَرْضِ - كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْعُقُولِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥] قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا.
وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: نُورُهُ أَوْ هُدَاهُ أَوْ كَلَامُهُ، وَسَمَّى ذَلِكَ رُوحًا، يَحُلُّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاللَّهُ قَدْ سَمَّى ذَلِكَ رُوحًا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]
[ ٤ / ٣٦٩ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]
وَمَا جَاءَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ أَنَّ رُوحَ اللَّهِ أَوْ رُوحَ الْقُدُسِ يَحُلُّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ حَقٌّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَإِذَا قِيلَ: كَلَامُ اللَّهِ يَحُلُّ فِي قُلُوبِ الْقَارِئِينَ، فَهُوَ حَقٌّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَأَمَّا نَفْسُ مَا يَقُومُ بِالرَّبِّ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُومَ هُوَ نَفْسُهُ بِغَيْرِ الرَّبِّ، بَلْ مَا يَقُومُ بِالْمَخْلُوقِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ هُوَ نَفْسُهُ بِغَيْرِهِ.
فَيَمْتَنِعُ فِي صِفَاتِ الشَّمْسِ الْقَائِمَةِ بِهَا مِنْ شَكْلِهَا وَاسْتِدَارَتِهَا، وَمَا قَامَ بِهَا مِنْ نُورٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَقُومَ بِغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ مَا قَامَ بِجِرْمِ النَّارِ مِنْ حَرَارَةٍ وَضَوْءٍ، فَلَا يَقُومُ بِغَيْرِهَا، بَلْ إِذَا جَاوَرَتِ النَّارُ هَوَاءً أَوْ غَيْرَ هَوَاءٍ، حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ سُخُونَةٌ أُخْرَى غَيْرُ السُّخُونَةِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِ النَّارِ تُسَخِّنُ الْهَوَاءَ الَّذِي يُجَاوِرُهَا، كَمَا تُسَخَّنُ الْقِدْرُ الَّذِي يُوقَدُ تَحْتَهَا النَّارُ فَيَسْخُنُ، ثُمَّ يَسْخُنُ الْمَاءُ الَّذِي فِيهَا مَعَ أَنَّ سُخُونَةَ النَّارِ بَاقِيَةٌ فِيهَا، وَسُخُونَةَ الْقِدْرِ بَاقِيَةٌ فِيهَا، وَسُخُونَةُ الْمَاءِ سُخُونَةٌ أُخْرَى حَصَلَتْ فِي الْمَاءِ لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْ تَيْنِكَ، وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً عَنْهَا، وَجِنْسُ السُّخُونَةِ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
وَلِهَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ فِي حُلُولِ كَلَامِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، فَإِنَّ لَفْظَ " الْحُلُولِ " لَفْظٌ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ مَعْنًى بَاطِلٌ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى حَقٌّ.
وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ لَفْظُ " الْحُلُولِ " بِالْمَعْنَى الصَّحِيحِ، فَتَأَوَّلَهُ مَنْ فِي قَلْبِهِ زَيْغٌ، كَالنَّصَارَى وَأَشْبَاهِهِمْ عَلَى الْمَعْنَى الْبَاطِلِ، وَقَابَلَهُمْ آخَرُونَ أَنْكَرُوا هَذَا الِاسْمَ بِجَمِيعِ مَعَانِيهِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ بَاطِلٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَنْتَ فِي قَلْبِي، أَوْ سَاكِنٌ فِي قَلْبِي، وَأَنْتَ حَالٌّ فِي قَلْبِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنَّ ذَاتَهُ حَلَّتْ فِيهِ، وَلَكِنْ يُرِيدُونَ أَنَّ تَصَوُّرَهُ وَتَمَثُّلَهُ وَحُبَّهُ وَذِكْرَهُ حَلَّ فِي قَلْبِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظَائِرُ ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّ النُّسْطُورِيَّةَ لَوْ شَبَّهُوا مَا يَدَّعُونَهُ مِنِ اتِّحَادٍ وَحُلُولٍ بِالشُّعَاعِ مَعَ الطِّينِ، كَانَ تَمْثِيلُهُمْ بَاطِلًا، فَكَيْفَ بِالْمَلَكِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ بَاطِلًا وَضَلَالًا؟ فَقَوْلُهُمْ: (وَمَثَلُ الشَّمْسِ الْمُخَالِطَةِ لِلطِّينِ وَالْمَاءِ وَكُلِّ رُطُوبَةٍ وَحَمْأَةٍ)، تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ الشَّمْسَ نَفْسَهَا لَمْ تَتَّحِدْ وَلَمْ تَحُلَّ بِغَيْرِهَا، بَلْ ذَلِكَ شُعَاعُهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ نَفْسَهُ لَمْ يَتَّحِدْ بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، وَلَكِنْ حَلَّ بِهِ وَقَامَ بِهِ.
[ ٤ / ٣٧١ ]
وَمِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ وَجْهٍ، وَبِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَجْهٍ لَا يَخْتَصُّ الْمَسِيحُ بِهِ، فَالْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا قِوَامَ لَهَا إِلَّا بِهِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَهِيَ كُلُّهَا مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ مَعَ غِنَاهُ عَنْهَا، وَلِهَذَا كَانَتْ مِنْ آيَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ وَشَوَاهِدِ إِلَهِيَّتِهِ.
وَمَنْ سَمَّاهَا مَظَاهِرَ وَمَجَالِيَ، بِمَعْنَى أَنَّ ذَاتَهُ نَفْسَهَا تَظْهَرُ فِيهَا، فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَظْهَرَ بِهَا مَشِيئَتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ وَحِكْمَتَهُ، فَأَرَادَ بِالْمَظَاهِرِ وَالْمَجَالِي مَا يُرَادُ بِالدَّلَائِلِ وَالشَّوَاهِدِ، فَقَدْ أَصَابَ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: هِيَ آثَارُهُ وَمُقْتَضَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَنُورَهُ وَهُدَاهُ يَحُلُّ فِي قُلُوبِهِمْ، وَهُوَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَالْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ، فَلَا اخْتِصَاصٌ لِلْمَسِيحِ بِهَذَا، وَكَذَلِكَ كَلَامُهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ لَمْ يُخَالِطِ الْمَاءَ وَالطِّينَ، وَلَا يُخَالِطُ شَيْئًا مِنَ الْأَعْيَانِ وَلَا يَنْفُذُ فِيهِ وَلَا يَتَّحِدُ بِهِ، بَلْ يَكُونُ عَلَى سَطْحِهِ الظَّاهِرِ فَقَطْ، لَكِنَّ الشُّعَاعَ يُسَخِّنُ مَا يَحُلُّ فِيهِ، فَإِذَا سَخَنَ ذَلِكَ، سَخَنَ جَوْفُهُ
[ ٤ / ٣٧٢ ]
بِالْمُجَاوَرَةِ، كَمَا يَسْخُنُ الْمَاءُ بِسُخُونَةِ الْقِدْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّارُ خَالَطَتِ الْقِدْرَ وَلَا الْمَاءَ.
فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ: (إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِابْنِ امْرَأَةٍ، فَصَارَ إِلَهًا تَامًّا وَإِنْسَانًا تَامًّا)؟
وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الْمَاءَ وَالطِّينَ صَارَ شُعَاعًا تَامًّا، وَطِينًا تَامًّا؟ بَلِ الطِّينُ طِينٌ، لَكِنْ أَثَّرَ الشُّعَاعُ فِيهِ بِتَجْفِيفِهِ، لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ الشُّعَاعُ، وَلَا نَفَذَ فِيهِ، وَلَا حَلَّ فِي بَاطِنِهِ.
فَهَذَا الْمَثَلُ أَبْعَدُ عَنْ مَذْهَبِهِمْ مِنْ تَمْثِيلِهِمْ بِالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدِ، وَمِنْ تَمْثِيلِهِمْ بِالنَّفْسِ مَعَ الْجَسَدِ، فَإِنَّ هُنَاكَ اتِّصَالًا بِبَاطِنِ الْحَدِيدِ وَالْبَدَنِ، وَهُنَا لَمْ يَتَّصِلِ الشُّعَاعُ إِلَّا بِظَاهِرِ الطِّينِ وَغَيْرِهِ.
وَأَيْضًا فَالنَّفْسُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَالشُّعَاعُ عَرَضٌ، وَكَذَلِكَ النَّارُ جَوْهَرٌ، فَالشَّمْسُ هُنَا لَمْ تَتَّحِدْ وَلَمْ تَحُلَّ بِالطِّينِ، بَلْ شُعَاعُهَا، بَلْ وَلَا يُوصَفُ الطِّينُ بِاتِّحَادِهِ بِالشُّعَاعِ، وَلَا بِاخْتِلَاطِ الشُّعَاعِ بِبَاطِنِهِ، وَلَا بِحُلُولِ الشَّمْسِ نَفْسِهَا فِيهِ.
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْقَائِلِ: (إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَلَمْ تَسْتَحِلْ عَنْ نُورِهَا وَنَقَائِهَا وَضَوْئِهَا مَعَ مُخَالَطَتِهَا كُلَّ وَسَخٍ وَنَتَنٍ وَنَجَسٍ)، إِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الشَّمْسِ أَوْ صِفَاتُهَا الْقَائِمَةُ بِهَا، فَتِلْكَ لَمْ تَتَّحِدْ بِغَيْرِهَا وَلَا حَلَّتْ فِيهِ وَلَا قَامَتْ بِغَيْرِهَا.
فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ كَذَلِكَ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - فَهُوَ أَوْلَى أَنْ لَا يَتَّحِدَ بِغَيْرِهِ وَلَا يَحُلَّ فِيهِ وَلَا يَقُومَ بِهِ.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
وَإِنْ أُرِيدَ شُعَاعُهَا، فَشُعَاهُا لَيْسَ هُوَ الشَّمْسُ، فَلَا يَنْفَعُهُمُ التَّمْثِيلُ بِهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ - عِنْدَهُمْ - هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَعَ أَنَّهُ إِنْسَانٌ تَامٌّ، فَهُوَ - عِنْدَهُمْ - إِلَهٌ تَامٌّ، إِنْسَانٌ تَامٌّ، وَالطِّينُ لَيْسَ بِشُعَاعٍ تَامٍّ، وَلَا طِينٍ تَامٍّ، وَالشُّعَاعُ نَفْسُهُ لَا يُخَالِطُ شَيْئًا، وَلَكِنْ يَقُومُ بِهِ، وَقِيَامُ الْعَرَضِ بِالْمَحَلِّ غَيْرُ مُخَالَطَتِهِ لَهُ، فَإِنَّ الْمُخَالَطَةَ تَكُونُ بِاخْتِلَاطِ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ، كَاخْتِلَاطِ الْمَاءِ بِالطِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا يَقُومُ بِالسَّطْحِ الظَّاهِرِ فَيُقَالُ: إِنَّهُ مُخَالِطٌ بِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ، فَلَا يُقَالُ لِلشُّعَاعِ الَّذِي عَلَى الْجِبَالِ وَالْبَحْرِ: إِنَّهُ مُخَالِطٌ لِجَمِيعِ الْجِبَالِ وَالْبَحْرِ، وَلَا لِشُعَاعِ النَّارِ: إِنَّهُ مُخَالِطٌ لِلْحِيطَانِ وَدَاخِلٌ لِلْأَرْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا هَذَا الْبَابَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: اخْتِلَاطُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالْآخَرِ، كَالْمَاءِ وَالْخَمْرِ.
وَالثَّانِي: اتِّصَالٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاطٍ، كَالْمَاءِ وَالزَّيْتِ، وَالْإِنَاءِ الَّذِي بَعْضُهُ فِضَّةٌ وَبَعْضُهُ ذَهَبٌ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى اخْتِلَاطًا مَعَ افْتِرَاقِ الطَّبِيعَتَيْنِ وَالْقِوَامَيْنِ، مِثْلَ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْقُلَّةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا خُلْطَةٌ ; لِأَنَّ طَبِيعَةَ الْفَخَّارِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَاءِ خُلْطَةٌ.
وَهَذَا الْفَرْقُ مَوْجُودٌ فِي الشُّعَاعِ وَالطِّينِ، بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ
[ ٤ / ٣٧٤ ]
أَشَدُّ مِمَّا بَيْنَ الْمَاءِ وَالْقُلَّةِ، فَإِنَّ الْمَاءَ جِرْمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَالْجِسْمُ بِالْجِسْمِ أَشْبَهُ مِنَ الْجِسْمِ بِالْعَرَضِ.
وَالْإِلَهُ عِنْدَهُمْ مَخَالِطٌ لِجَمِيعِ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ، لَمْ يَخْلُ جُزْءٌ مِنْهُ مِنِ اتِّحَادِ الْإِلَهِ بِهِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟
وَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الشُّعَاعَ لَمْ يَسْتَحِلْ عَنْ نُورِهِ وَنَقَائِهِ وَضَوْئِهِ مَعَ مُخَالَطَتِهِ كُلَّ سَوَادٍ وَوَسَخٍ وَنَتَنٍ وَنَجَسٍ، لَمْ يَكُنْ مَثَلًا يُطَابِقُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِطِ الشُّعَاعُ غَيْرَهُ.
ثُمَّ يُقَالُ: إِنْ أَرَادَ بِمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ نَفْسَ الشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْمَحَلِّ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الشُّعَاعَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ مَحَلِّهِ، فَيُرَى فِي الْأَحْمَرِ أَحْمَرَ، وَفِي الْأَسْوَدِ أَسْوَدَ، وَفِي الْأَزْرَقِ أَزْرَقَ، حَتَّى إِنَّ الزُّجَاجَ الْمُخْتَلِفَ الْأَلْوَانِ إِذَا صَارَ مَطْرَحًا لِلشُّعَاعِ، ظَهَرَ الشُّعَاعُ مُتَلَوِّنًا بِتَلَوُّنِ الزُّجَاجِ، فَيُرَى أَحْمَرَ وَأَزْرَقَ وَأَصْفَرَ.
وَقَدْ ضَرَبَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ الْقَائِلُونَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَأَنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ - لِلَّهِ أَمْثَالًا بَاطِلَةً شَرًّا مِنْ أَمْثَالِ النَّصَارَى، وَلَهُمْ مَثَلُ السَّوْءِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَكَانَ مِمَّا ضَرَبُوهُ لِلَّهِ مِنَ الْأَمْثَالِ أَنْ شَبَّهُوهُ بِالشُّعَاعِ فِي الزُّجَاجِ.
فَالْأَعْيَانُ الثَّابِتَةُ فِي الْعَدَمِ - عِنْدَهُمْ - هِيَ الْمُمْكِنَاتُ، وَوُجُودُ الْحَقِّ قَاضٍ عَلَيْهَا، فَشَبَّهُوا وُجُودَهُ بِالشُّعَاعِ، وَأَعْيَانَهُمْ بِالزُّجَاجِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَعْيَانَ الْمُمْكِنَاتِ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ - قَوْلٌ بَاطِلٌ.
[ ٤ / ٣٧٥ ]
وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ: إِنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ، هُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ حُلُولَ الشُّعَاعِ بِالزُّجَاجِ يَقْتَضِي حُلُولَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ الْحُلُولَ، وَيَقُولُونَ: الْوُجُودُ وَاحِدٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ الَّذِي عَلَى نَفْسِ الزُّجَاجِ، لَيْسَ وُجُودُهُ وُجُودَ الزُّجَاجِ، وَعِنْدَهُمْ وُجُودُ الرَّبِّ وُجُودُ الْمُمْكِنَاتِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ الْحَالَّ بِهَذَا الزُّجَاجِ، لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ ذَلِكَ الشُّعَاعَ الْحَالَّ بِالزُّجَاجِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ نَظِيرَهُ، وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ لَا يَتَعَدَّدُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ عَرَضٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى الزُّجَاجِ، فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ افْتِقَارَ الْعَرَضِ إِلَى مَحَلِّهِ، فَيَلْزَمُ إِذَا مَثَّلُوا بِهِ الرَّبَّ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مُفْتَقِرًا إِلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ مَعَ غِنَى كُلِّ مَا سِوَاهُ عَنْهُ، وَهَذَا قَلْبُ كُلِّ حَقِيقَةٍ، وَأَعْظَمُ كُفْرٍ بِالْخَالِقِ - تَعَالَى - فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ.
وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى مَا حَلَّ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلْحُلُولِ إِلَّا هَذَا.
وَلِهَذَا كَانَ مَا حَلَّ بِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى وَالنُّورِ وَالْمَعْرِفَةِ مُفْتَقِرًا إِلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَقُومُ إِلَّا بِهَا.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
وَجَمِيعُ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالْأَذْهَانِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى الْأَذْهَانِ، لَا تَقُومُ إِلَّا بِهَا، وَالشُّعَاعُ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَحَلِّهِ، لَا يَقُومُ إِلَّا بِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ النَّظَائِرِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَابَهُوا النَّصَارَى وَزَادُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ وُجُودُ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَإِنَّهُ قَائِمٌ بِأَعْيَانِ الْمُمْكِنَاتِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْأَعْيَانِ فِي وُجُودِهِ، وَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ فِي ثَبَاتِهَا، فَيَجْعَلُونَ الْخَالِقَ مُحْتَاجًا إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَالْمَخْلُوقَ مُحْتَاجًا إِلَى الْخَالِقِ، وَيُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ، كَمَا يُصَرِّحُ بَعْضُ النَّصَارَى، بِأَنَّ اللَّاهُوتَ مُحْتَاجٌ إِلَى النَّاسُوتِ، وَالنَّاسُوتَ مُحْتَاجٌ إِلَى اللَّاهُوتِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلَّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهُوَ الصَّمَدُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَخْلُوقٍ بِوَجْهٍ مَا، فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ كَافِرٌ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ؟
وَالْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبُوهُ لَهُ، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى غَيْرِهِ، وَغَيْرُهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، كَالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ النَّصَارَى لَهُ، لَمَّا مَثَّلُوهُ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ مَعَ مَحَلِّهِ، فَإِنَّ مَحَلَّ الشُّعَاعِ مُسْتَغْنٍ عَنِ الشُّعَاعِ، وَالشُّعَاعَ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَحَلِّهِ.
فَمُقْتَضَى هَذَا التَّمْثِيلِ، أَنَّ الْإِلَهَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَالْإِنْسَانَ
[ ٤ / ٣٧٧ ]
مُسْتَغْنٍ عَنِ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]
[ ٤ / ٣٧٨ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ أَنَّ عَامَّةَ دِينِ النَّصَارَى لَيْسَ مَأْخُوذًا عَنِ الْمَسِيحِ]
وَهَذَا الَّذِي قَدْ ذَكَرَهُ هَذَا الْبَتْرَكُ " سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ " الْمُعَظَّمُ عِنْدَ النَّصَارَى، الْمُحِبُّ لَهُمْ، الْمُتَعَصِّبُ لَهُمْ فِي أَخْبَارِهِمُ الَّتِي بَيَّنَ بِهَا أَحْوَالَهُمْ فِي دِينِهِمْ، مُعَظِّمًا لِدِينِهِمْ، مَعَ مَا فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مِنْ زِيَادَةٍ فِيهَا تَحْسِينٌ لِمَا فَعَلُوهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ، مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ ظُهُورِ الصَّلِيبِ، وَمِنْ مُنَاظَرَةِ " أَرْيُوسَ " وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُخَالِفُهُ فِيمَا ذَكَرَ. وَيَذْكُرُ أَنَّ أَمْرَ ظُهُورِ الصَّلِيبِ كَانَ بِتَدْلِيسٍ وَتَلْبِيسٍ وَحِيلَةٍ وَمَكْرٍ. وَيَذْكُرُ أَنَّ " أَرْيُوسَ " لَمْ يَقُلْ قَطُّ: إِنَّ الْمَسِيحَ خَالِقٌ.
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ إِذَا صَدَقَ هَذَا فِيمَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ عَامَّةَ الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّصَارَى، لَيْسَ مَأْخُوذًا عَنِ الْمَسِيحِ، بَلْ هُوَ مِمَّا ابْتَدَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، وَأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي إِيمَانِهِمْ وَشَرَائِعِهِمْ مَا يُصَدِّقُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]
[ ٤ / ٣٧٩ ]
وَالنَّصَارَى يُقِرُّونَ بِمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْبَتْرَكُ، أَنَّ أَوَّلَ مَلِكٍ أَظْهَرَ دِينَ النَّصَارَى هُوَ " قُسْطَنْطِينُ "، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَهُوَ نِصْفُ الْفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهَا كَانَتْ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ أَوْ سِتَّمِائَةٍ وَعِشْرِينَ.
وَإِذَا كَانَ النَّصَارَى مُقِرِّينَ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ صَنَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَ مُخَالَفَةِ آخَرِينَ لَهُمْ فِيهِ لَيْسَ مَنْقُولًا عَنِ الْمَسِيحِ، وَكَذَلِكَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَكَذَلِكَ قِتَالُ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ وَقَتْلُ مَنْ حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، مَعَ أَنَّ شَرِيعَةَ الْإِنْجِيلِ تُخَالِفُ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْخِتَانُ، وَكَذَلِكَ تَعْظِيمُ الصَّلِيبِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا مُسْتَنَدَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ " قُسْطَنْطِينَ " رَأَى صُورَةَ صَلِيبٍ كَوَاكِبَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَيْهِ شَرِيعَةٌ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا يَحْصُلُ لِلْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَالْكَوَاكِبِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَبِمِثْلِ هَذَا بُدِّلَ دِينُ الرُّسُلِ وَأَشْرَكَ النَّاسُ بِرَبِّهِمْ، وَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُخَيِّلُ هَذَا وَأَعْظَمَ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ الْإِزَارُ الَّذِي رَآهُ مَنْ رَآهُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي سَمِعَهُ، هَلْ يَجُوزُ لِعَاقِلٍ أَنْ يُغَيِّرَ شَرْعَ اللَّهِ الَّذِي بُعِثَتْ بِهِ رُسُلُهُ، بِمِثْلِ هَذَا الصَّوْتِ وَالْخَيَالِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ؟ مَعَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ عَنْ " بُطْرُسَ " رَئِيسِ الْحَوَارِيِّينَ، لَيْسَ فِيهِ
[ ٤ / ٣٨٠ ]
تَحْلِيلُ كُلِّ مَا حُرِّمَ، بَلْ قَالَ: (مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَا تُنَجِّسْهُ) وَمَا نَجَّسَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَدْ نَجَّسَهُ وَلَمْ يُطَهِّرْهُ، إِلَّا أَنْ يَنْسَخَهُ الْمَسِيحُ. وَالْحَوَارِيُّ لَمْ يُبِحْ لَهُمُ الْخِنْزِيرَ وَسَائِرَ الْمُحَرَّمَاتِ إِنْ كَانَ قَوْلُهُ مَعْصُومًا، كَمَا يَظُنُّونَ.
وَالْمَسِيحُ لَمْ يُحِلَّ كُلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا أَحَلَّ بَعْضَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا كَانَ هَذَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي قِتَالِ النَّصَارَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]
وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ لَعْنِ بَعْضِ طَوَائِفِ النَّصَارَى لِبَعْضٍ فِي مَجَامِعِهِمُ السَّبْعَةِ وَغَيْرِ مَجَامِعِهِمْ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَيُصَدِّقُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ: (مَنْ خَالَفَنَا لَعَنَّاهُ) كَلَامٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ لَاعِنَةٌ مَلْعُونَةٌ.
فَلَيْسَ فِي لَعْنَتِهِمْ لِمَنْ خَالَفَهُمْ إِحْقَاقُ حَقٍّ وَلَا إِبْطَالُ بَاطِلٍ، وَإِنَّمَا يَحِقُّ الْحَقُّ بِالْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ
[ ٤ / ٣٨١ ]
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرَهُ " سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ " مِنْ أَخْبَارِهِمْ، أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْبَتْرَكُ الْعَظِيمُ مِنْهُمْ إِلَى كَنِيسَةٍ مَبْنِيَّةٍ لِصَنَمٍ مِنَ الْأَصْنَامِ يَعْبُدُهُ الْمُشْرِكُونَ، فَيَحْتَالُ حَتَّى يَجْعَلَهُمْ يَعْبُدُونَ مَكَانَ الصَّنَمِ مَخْلُوقًا أَعْظَمَ مِنْهُ، كَمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا كَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ كَنِيسَةٌ فِيهَا صَنَمٌ اسْمُهُ " مِيكَائِيلُ " فَجَعَلَهَا النَّصَارَى كَنِيسَةً بِاسْمِ " مِيكَائِيلَ الْمَلَكِ " وَصَارُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَكَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ وَيَذْبَحُونَ لَهُ.
وَهَذَا نَقْلٌ لَهُمْ مِنَ الشِّرْكِ بِمَخْلُوقٍ إِلَى الشِّرْكِ بِمَخْلُوقٍ أَعْلَى مِنْهُ، أُولَئِكَ كَانُوا يَبْنُونَ الْهَيَاكِلَ وَيَجْعَلُونَ فِيهَا الْأَصْنَامَ بِأَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ، كَالشَّمْسِ وَالزُّهَرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَنَقَلَهُمْ الْمُبْتَدِعُونَ مِنَ النَّصَارَى إِلَى عِبَادَةِ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] .
[ ٤ / ٣٨٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] .
[ ٤ / ٣٨٣ ]
[فَصْلٌ: بَيَانُ أَنَّ كُلَّ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ وَابْنِ الْبِطْرِيقِ إِنَّمَا هُوَ رَدٌّ عَلَى أَنَّ فِي الْمَسِيحِ طَبِيعَتَيْنِ]
وَقَدْ حَصَلَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: (وَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ نَقُولُ: فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ طَبِيعَتَانِ: طَبِيعَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ الَّتِي هِيَ طَبِيعَةُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، وَطَبِيعَةٌ نَاسُوتِيَّةٌ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَاتَّحَدَتْ بِهِ) .
وَعُرِفَ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مِنْ أَقْوَالِ النَّصَارَى، وَأَنَّ لَهُمْ أَقْوَالًا أُخَرَ تُنَاقِضُ هَذَا.
وَكُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ الْآخَرَ، إِذْ كَانُوا لَيْسُوا عَلَى مَقَالَةٍ تَلَقَّوْهَا عَنِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ، بَلْ هِيَ مَقَالَاتٌ ابْتَدَعَهَا مَنِ ابْتَدَعَهَا مِنْهُمْ، فَضَلُّوا بِهَا وَأَضَلُّوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]
فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ أَضَلُّوا مِنْ قَبْلِ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
وَالنَّصَارَى أُمَّةٌ يَلْزَمُهُمُ الضَّلَالُ الَّذِي أَصْلُهُ الْجَهْلُ.
وَلَا يُوجَدُ قَطُّ مَنْ هُوَ نَصْرَانِيٌّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، إِلَّا وَهُوَ ضَالٌّ جَاهِلٌ بِمَعْبُودِهِ وَبِأَصْلِ دِينِهِ، لَا يَعْرِفُ مَنْ يَعْبُدُ وَلَا بِمَاذَا يَعْبُدُ، مَعَ اجْتِهَادِ مَنْ يَجْتَهِدُ مِنْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
ثُمَّ يُقَالُ عَلَى هَؤُلَاءِ: قَوْلُهُمْ: (طَبِيعَتَانِ) وَيَقُولُونَ أَيْضًا: (لَهُ مَشِيئَتَانِ) وَيَقُولُونَ أَيْضًا: (إِنَّهُ شَخْصٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ) فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: (إِنَّهُمَا اتَّحَدَا) كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِهِمْ هَذَا، لَا يَقُولُونَ بِشَخْصَيْنِ ; لِئَلَّا يَلْزَمَهُمُ الْقَوْلُ بِأَرْبَعَةِ أَقَانِيمَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: (هُمَا جَوْهَرَانِ)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: (جَوْهَرٌ وَاحِدٌ) .
فَإِنْ قَالُوا: (هُوَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ)، صَارَ قَوْلُهُمْ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْيَعْقُوبِيَّةِ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَقُولُونَ: (إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، وَإِنَّ الْمَسِيحَ اسْمٌ يَجْمَعُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، وَهُوَ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ) .
فَإِذَا كَانَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ قَدِ اسْتَحَالَ وَتَغَيَّرَ، وَكَذَلِكَ النَّاسُوتُ، فَإِنَّ الِاثْنَيْنِ إِذَا صَارَا شَيْئًا وَاحِدًا، فَذَلِكَ الشَّيْءُ الثَّالِثُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مَحْضًا، وَلَا إِلَهًا مَحْضًا، بَلِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْإِنْسَانِيَّةُ وَالْإِلَهِيَّةُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ الْإِنْسَانُ وَالْإِلَهُ اثْنَيْنِ
[ ٤ / ٣٨٥ ]
مُتَبَايِنَيْنِ، وَهُمَا فِي اصْطِلَاحِهِمْ جَوْهَرَانِ، فَإِذَا صَارَ الْجَوْهَرَانِ جَوْهَرًا وَاحِدًا لَا جَوْهَرَيْنِ، فَقَدْ لَزِمَ ضَرُورَةً أَنْ يَكُونَ هَذَا الثَّالِثُ لَيْسَ هُوَ إِلَهًا مَحْضًا، وَلَا إِنْسَانًا مَحْضًا، وَلَا جَوْهَرَانِ إِنْسَانًا وَإِلَهًا، فَإِنَّ هَذَيْنِ جَوْهَرَانِ لَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، بَلْ هُوَ شَيْءٌ ثَالِثٌ اخْتَلَطَ وَامْتَزَجَ وَاسْتَحَالَ مِنْ هَذَا وَهَذَا، فَتَبَدَّلَتْ حَقِيقَةُ اللَّاهُوتِ وَحَقِيقَةُ النَّاسُوتِ، حَتَّى صَارَ هَذَا الْجَوْهَرُ الثَّالِثُ الَّذِي لَيْسَ لَاهُوتًا مَحْضًا، وَلَا نَاسُوتًا مَحْضًا - كَسَائِرِ مَا يُعْرَفُ مِنَ الِاتِّحَادِ.
فَإِنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ اتَّحَدَا فَصَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا، فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ، كَمَا فِي اتِّحَادِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَسَائِرِ مَا يَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ، بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالزَّيْتِ، فَإِنَّهُمَا جَوْهَرَانِ كَمَا كَانَا، لَكِنَّ الزَّيْتَ لَاصِقٌ بِالْمَاءِ وَطَفَا عَلَيْهِ لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ، وَمِثْلُ اخْتِلَاطِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ، فَإِنَّ الْحَدِيدَ اسْتَحَالَ عَمَّا كَانَ، وَلِهَذَا إِذَا بَرُدَ عَادَ إِلَى مَا كَانَ، وَهَكَذَا اتِّحَادُ الْهَوَاءِ مَعَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، حَتَّى يَصِيرَ بُخَارًا أَوْ غُبَارًا وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ، فَجَمِيعُ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ مِنَ الِاتِّحَادِ إِذَا صَارَ الِاثْنَانِ وَاحِدًا وَارْتَفَعَتِ الثَّنَوِيَّةُ، فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِحَالَةِ الِاثْنَيْنِ.
وَإِذَا قِيلَ: فِيهِ طَبِيعَةُ الِاثْنَيْنِ وَمَشِيئَةُ الِاثْنَيْنِ، كَمَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ قُوَّةُ الْمَاءِ وَقُوَّةُ اللَّبَنِ.
قِيلَ: لَا بُدَّ - مَعَ ذَلِكَ - أَنْ تَتَغَيَّرَ كُلُّ قُوَّةٍ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٣٨٦ ]
فَتَنْكَسِرُ الْأُخْرَى، كَمَا يُعْرَفُ فِي سَائِرِ صُوَرِ الِاتِّحَادِ؛ إِذَا اتَّحَدَ هَذَا مَعَ هَذَا كَسَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا قُوَّةَ الْآخَرِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ.
كَمَا إِذَا اتَّحَدَ الْمَاءُ الْبَارِدُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ، انْكَسَرَتْ قُوَّةُ الْحَرِّ وَقُوَّةُ الْبَرْدِ عَمَّا كَانَتْ، فَيَبْقَى الْمُتَّحِدُ مَرْتَبَةً مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْبَرْدِ الْمَحْضِ وَالْحَرِّ الْمَحْضِ.
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ وَسَائِرُ صُوَرِ الِاتِّحَادِ.
وَعَلَى هَذَا، فَيَجِبُ إِذَا اتَّحَدَ أَنْ تَتَغَيَّرَ قُوَّةُ اللَّاهُوتِ وَطَبِيعَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ عَمَّا كَانَتْ، وَتَنْكَسِرُ قُوَّةُ النَّاسُوتِ وَطَبِيعَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى هَذَا الْمُتَّحِدُ مُمْتَزِجًا مِنْ لَاهُوتٍ وَنَاسُوتٍ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ اللَّاهُوتِ عَمَّا كَانَ، وَبُطْلَانَ كَمَالِهِ، كَمَا أَنَّهُ يُوجِبُ مِنْ كَمَالِ النَّاسُوتِ مَا لَمْ يَكُنْ.
فَكُلُّ مَا يَصِفُونَ بِهِ النَّاسُوتَ مِنِ اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ، فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ مِنْ نَقْصِ اللَّاهُوتِ وَسَلْبِ كَمَالِهِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ وَبُطْلَانِ صِفَاتِهِ التَّامَّةِ - بِحَسَبِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّاسُوتِ بِحُكْمِ الِاتِّحَادِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ اللَّاهُوتُ كَمَا كَانَ، فَلَا اتِّحَادَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلِ النَّاسُوتُ كَمَا كَانَ.
ثُمَّ هُمَا اثْنَانِ لَمْ يَتَّحِدْ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَلَا صَارَا شَيْئًا وَاحِدًا.
وَأَيْضًا فَمَعَ كَوْنِ الْجَوْهَرِ وَاحِدًا، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَشِيئَتُهُ وَاحِدَةً وَطَبِيعَتُهُ وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَشِيئَتَيْنِ، لَكَانَ مَحَلَّ إِحْدَى الْمَشِيئَتَيْنِ، إِنْ كَانَ هُوَ مَحَلُّ الْأُخْرَى مَعَ تَضَادِّ مُوجَبِ الْمَشِيئَتَيْنِ، لَزِمَ اجْتِمَاعُ
[ ٤ / ٣٨٧ ]
الضِّدَّيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
فَإِنَّ الْإِرَادَةَ النَّاسُوتِيَّةَ تَطْلُبُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَأَنْ تَعْبُدَ وَتَصُومَ وَتُصَلِّي.
وَاللَّاهُوتِيَّةُ، تُوجِبُ امْتِنَاعَهُ مِنْ إِرَادَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَإِرَادَتُهُ أَنْ يَخْلُقَ وَيَرْزُقَ وَيُدَبِّرَ الْعَالَمَ. وَالنَّاسُوتِيَّةُ تَمْتَنِعُ مِنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ.
فَإِذَا قَامَتِ الْإِرَادَتَانِ وَالْكَرَاهَتَانِ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجَوْهَرُ الْمَوْصُوفُ بِهَذَا وَهَذَا مُرِيدًا لِلشَّيْءِ مُمْتَنِعًا مِنْ إِرَادَتِهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ كَارِهًا لِلشَّيْءِ غَيْرَ كَارِهٍ لَهُ، وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِالْمَوْصُوفِ الْوَاحِدِ إِرَادَتَانِ جَازِمَتَانِ بِالشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ، أَوْ كَرَاهَتَانِ جَازِمَتَانِ لِلشَّيْءِ أَوْ نَقِيضِهِ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ إِلَّا بِإِرَادَةٍ جَازِمَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَاللَّاهُوتُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمَتَى شَاءَ شَيْئًا مَشِيئَةً جَازِمَةً، فَإِنَّهُ عَلَى مَا شَاءَ قَادِرٌ.
وَالنَّاسُوتُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ خَصَائِصِ الْبَشَرِيَّةِ حَتَّى يُرِيدَ ذَلِكَ إِرَادَةً جَازِمَةً.
وَالنَّاسُوتُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَ إِرَادَةَ اللَّاهُوتِ وَيَكْرَهَ ذَلِكَ، فَيَصِيرَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مُرِيدًا لِلشَّيْءِ إِرَادَةً جَازِمَةً، قَادِرًا عَلَيْهِ لَيْسَ مُرِيدًا لَهُ إِرَادَةً جَازِمَةً، بَلْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
وَيَلْزَمُ أَيْضًا إِذَا كَانَا جَوْهَرًا وَاحِدًا وَقَدْ وُلِدَ، وَصُفِعَ وَضُرِبَ وَصُلِبَ وَمَاتَ وَتَأَلَّمَ، أَنْ يَكُونَ نَفْسُ اللَّاهُوتِ ضُرِبَ وَصُلِبَ وَمَاتَ وَتَأَلَّمَ، كَمَا تَقُولُهُ الْيَعْقُوبِيَّةُ، وَهَذَا لَازِمٌ لِجَمِيعِ النَّصَارَى وَهُوَ مُوجَبُ عَقِيدَةِ إِيمَانِهِمْ.
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُمَا جَوْهَرَانِ مَعَ كَوْنِهِمَا عِنْدَهُمْ شَخْصًا وَاحِدًا لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمَلَكِيَّةِ، كَانَ هَذَا كَلَامًا مُتَنَاقِضًا، فَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَا تَعَدُّدَ فِيهِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا حُدَّ بِأَنَّهُ جِسْمٌ.
وَإِنْ شَبَّهُوا ذَلِكَ بِالنَّفْسِ مَعَ الْجَسَدِ لَزِمَهُمُ الْمَحْدُودُ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ شَخْصٌ وَاحِدٌ، يُقَالُ: إِنَّهُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الِاتِّحَادِ، وَلِهَذَا يُحَدُّ بِأَنَّهُ جِسْمٌ حَسَّاسٌ تَامٌّ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ، هَذَا يَتَنَاوَلُ جَسَدَهُ وَرُوحَهُ، وَلِلنَّفْسِ وَالْبَدَنِ مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَمَتَى شَاءَ الْإِنْسَانُ الْفِعْلَ مَشِيئَةً جَازِمَةً مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَعَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ جَوْهَرٌ آخَرُ لَهُ مَشِيئَةٌ غَيْرَ مَشِيئَتِهِ.
فَإِذَا شَبَّهُوا اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ بِهَذَا، لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَا جَوْهَرًا وَاحِدًا وَمَشِيئَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ.
وَلِهَذَا تَأْلَمُ النَّفْسُ بِمَا يَحْدُثُ فِي الْجَسَدِ مِنَ الْآلَامِ، وَيَتَأَلَّمُ
[ ٤ / ٣٨٩ ]
الْجِسْمُ الَّذِي هُوَ الْقَلْبُ الصَّنَوْبَرِيُّ، بِمَا يَحْدُثُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْآلَامِ.
فَإِذَا تَأَلَّمَتِ النَّفْسُ، تَأَلَّمَ قَلْبُ الْجَسَدِ وَغَيْرُ قَلْبِ الْجَسَدِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَأَلَّمَ الْجَسَدُ وَإِذَا صُفِعَ الْجَسَدُ، وَصُلِبَ وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَيْهِ، وَتَأَلَّمَ وَمَاتَ، كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ حَالًّا بِالنَّفْسِ وَنَالَهَا مِنْهُ إِهَانَةُ الصَّفْعِ وَأَلَمُ النَّزْعِ مَا يَنَالُهَا، كَمَا يُسَلِّمُونَ لِلَّهِ أَنَّهُ حَلَّ بِنَفْسِ الْمَسِيحِ وَبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ أَنَّ الْإِلَهَ حَلَّ بِبَدَنِ الْمَسِيحِ وَنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَنَازَعُونَ فِي اللَّاهُوتِ، مَعَ أَنَّ النَّفْسَ مُفَارِقَةٌ لِلْبَدَنِ بِالْمَوْتِ.
وَاللَّاهُوتُ عِنْدَهُمْ لَمْ يُفَارِقِ النَّاسُوتَ بِالْمَوْتِ، بَلْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ.
وَالْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ يَقْعُدُ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَكَذَلِكَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَأَيْضًا فَالْبَدَنُ إِذَا كَانَتْ فِيهِ النَّفْسُ، تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ وَأَحْكَامُهُ، وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُ بِاجْتِمَاعِهَا وَافْتِرَاقِهَا، وَالنَّفْسُ إِذَا كَانَتْ فِي الْبَدَنِ تَخْتَلِفُ صِفَاتُهَا وَأَحْكَامُهَا.
فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَاسُوتُ الْمَسِيحِ مُخَالِفًا فِي الصِّفَاتِ وَالْأَحْكَامِ لِسَائِرِ النَّوَاسِيتِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ لَمَّا اتَّحَدَ بِهِ تَغَيَّرَتْ صِفَاتُهُ وَأَحْكَامُهُ، وَهَذَا هُوَ الِاسْتِحَالَةُ وَالتَّغَيُّرُ وَالتَّبَدُّلُ لِلصِّفَاتِ، مَعَ أَنَّ نَاسُوتَ
[ ٤ / ٣٩٠ ]
الْمَسِيحِ كَانَ مِنْ جِنْسِ نَوَاسِيتِ الْبَشَرِ، لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ ظَهَرَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَأَيُّ مَثَلٍ ضَرَبُوهُ لِلِاتِّحَادِ، كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَظَهَرَ بِهِ فَسَادُ قَوْلِهِمْ.
وَإِنْ قَالُوا: هَذَا أَمْرٌ لَا يُعْقَلُ، بَلْ هُوَ فَوْقَ الْعُقُولِ، كَانَ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَعْلَمُ الْعَقْلُ بُطْلَانَهُ وَامْتِنَاعَهُ، وَبَيْنَ مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ تَصَوُّرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.
فَالْأَوَّلُ: مِنْ مُحَالَاتِ الْعُقُولِ، وَالثَّانِي مِنْ مُحَارَاتِ الْعُقُولِ، وَالرُّسُلُ يُخْبِرُونَ بِالثَّانِي.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا يَقُولُهُ إِلَّا كَاذِبٌ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَقُولَ هَذَا، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ يَكُونُ أَبْيَضَ أَسْوَدَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّهُ بِعَيْنِهِ يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ، وَإِنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُ الْعَقْلُ امْتِنَاعَهُ.
وَقَوْلُ النَّصَارَى مِمَّا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّهُ بَاطِلٌ، لَيْسَ هُوَ مِمَّا يَعْجِزُ عَنْ تَصَوُّرِهِ.
يُوَضِّحُ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي مَرْيَمَ أُمِّ الْمَسِيحِ: (امْرَأَةُ اللَّهِ وَزَوْجَتُهُ)، وَأَنَّهُ نَكَحَهَا نِكَاحًا عَقْلِيًّا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ وَلَدُهُ وِلَادَةً عَقْلِيَّةً، لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ أَفْسَدَ فِي الْعَقْلِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا
[ ٤ / ٣٩١ ]
قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُمْ يُكَفِّرُونَ مِنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَحْتَجُّونَ بِالْعَقْلِ عَلَى فَسَادِهِ.
وَإِذَا قَالَ: (هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ) لَمْ يَقْبَلُوهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِهِمُ احْتَجَّتْ عَلَى الْأُخْرَى بِالْعَقْلِ، وَإِذَا قَالُوا: (قَوْلُنَا فَوْقَ الْعَقْلِ) لَمْ يَقْبَلُوا هَذَا الْجَوَابَ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا جَوَابًا صَحِيحًا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُبْحَثَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْإِلَهِيَّاتِ بِالْعَقْلِ، بَلْ يَقُولُ كُلُّ مُبْطِلٍ مَا شَاءَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَيَقُولُ: كَلَامِي فَوْقَ الْعَقْلِ، كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَالْوَحْدَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ، وَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِالذَّوْقِ لَا بِالسَّمْعِ وَلَا بِالْعَقْلِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ تَصَوُّرِهِ إِذَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ - ﵈ - قُبِلَ مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا يَعْجِزُ غَيْرُهُمْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَمْ يَقُلِ الْأَنْبِيَاءُ شَيْئًا مِنْهَا، بَلْ نَفْسُ فِرَقِ النَّصَارَى قَالُوهَا بِآرَائِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمُ اسْتَنْبَطُوهَا مِنْ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ.
فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَهَا مِنْهُمْ: أَنْتَ تَتَصَوَّرُ مَا تَقُولُ، أَمْ لَا تَتَصَوَّرُهُ وَتَفْهَمُهُ وَتَعْقِلُهُ؟
[ ٤ / ٣٩٢ ]
فَإِنْ قَالَ: لَا أَتَصَوَّرُ مَا أَقُولُ وَلَا أَفْقَهُهُ وَلَا أَعْقِلُهُ، قِيلَ لَهُ: فَقَدْ قُلْتَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُ، وَقَفَوْتَ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْقَبَائِحِ الْمُحَرَّمَةِ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ بِرَأْيِهِ عَلَى اللَّهِ قَوْلًا لَا يَتَصَوَّرُهُ وَلَا يَفْهَمُهُ.
وَجَمِيعُ الْعُقَلَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ قَالَ قَوْلًا وَهُوَ لَا يَتَصَوَّرُهُ وَلَا يَفْقَهُهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ، وَإِنَّ قَوْلَهُ مِنَ الْبَاطِلِ الْمَذْمُومِ.
وَإِنْ قَالَ قَائِلُهُمْ: إِنِّي أَفْقَهُ مَا أَقُولُ وَأَتَصَوَّرُهُ وَأَعْقِلُهُ، قِيلَ لَهُ: بَيِّنْهُ لِغَيْرِكَ حَتَّى يَفْقَهَهُ وَيَعْقِلَهُ وَيَتَصَوَّرَهُ، وَلَا تَقُلْ هُوَ فَوْقَ الْعَقْلِ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ قَدْ عَقِلْتَهُ وَفَقِهْتَهُ، وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ.
فَإِنَّهُمْ إِنْ كَانُوا يَفْقَهُونَ مَا يَقُولُونَ وَيَعْقِلُونَهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَعْقُولًا.
وَإِنْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ، لَزِمَ أَنَّهُمْ قَالُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَفْقَهُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ قَوْلًا بِرَأْيِهِمْ وَعَقْلِهِمْ، لَا نَقْلًا لِأَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ مَنْ نَقَلَ أَلْفَاظَ الْأَنْبِيَاءِ الثَّابِتَةَ عَنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْقَهَ وَيَعْقِلَ مَا يَقُولُ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «(نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ)» . فَقَدْ يَحْفَظُ الرَّجُلُ كَلَامًا فَيُبَلِّغُهُ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَفْقَهُ مَعْنَاهُ وَلَا يَعْقِلَهُ.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
فَمَنْ نَقَلَ لَفْظَ التَّوْرَاةِ أَوِ الْإِنْجِيلِ أَوِ الْقُرْآنِ أَوْ أَلْفَاظَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، لَمْ نُطَالِبْهُ بِبَيَانِ مَعْنَاهُ.
بِخِلَافِ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ فَهِمَ مَا قَالَهُ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ فَهِمْتَ مَا قَالُوهُ، فَهُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَةٍ وَعَبَّرْتَ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى كَالتُّرْجُمَانِ، فَهَذَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَيَفْقَهُهُ.
وَإِنْ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَفْهَمْ كَلَامَهُمْ، أَوْ لَمْ أَفْهَمْ مَا قُلْتُهُ، فَقَدِ اعْتَرَفَ بِجَهْلِهِ وَضَلَالِهِ، وَأَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَفْهَمُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - وَلَمْ يَفْقَهُوا مَا قَالُوهُ هُمْ.
فَلَوْ قَالُوا: لَمْ نَفْهَمْ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَسَكَتُوا، لَكَانُوا أُسْوَةَ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْجُهَّالِ بِمَعَانِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَأَمَّا إِذَا وَضَعُوا عِبَارَةً وَكَلَامًا ابْتَدَعُوهُ، وَأَمَرُوا النَّاسَ بِاعْتِقَادِهِ، وَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ وَالتَّوْحِيدُ، وَقَالُوا: إِنَّا مَعَ هَذَا لَا نَتَصَوَّرُ مَا قُلْنَاهُ وَلَا نَفْقَهُهُ وَلَا نَعْقِلُهُ، فَهَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَيَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كُتُبِ اللَّهِ وَأَنْبِيَاءِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ يَقُولُونَ الْكَذِبَ الْمُفْتَرَى وَالْكُفْرَ الْوَاضِحَ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّا لَا نَعْقِلُهُ، وَهَذَا حَالُ النَّصَارَى بِلَا رَيْبٍ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ غَلِطَ فِيهِ طَائِفَتَانِ مِنَ النَّاسِ: غَالِيَةٌ غَلَتْ فِي
[ ٤ / ٣٩٤ ]
الْمَعْقُولَاتِ حَتَّى جَعَلَتْ مَا لَيْسَ مَعْقُولًا مِنَ الْمَعْقُولِ، وَقَدَّمَتْهُ عَلَى الْحِسِّ وَنُصُوصِ الرَّسُولِ.
وَطَائِفَةٌ جَفَتْ عَنْهُ، فَرَدَّتِ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةَ وَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا مَا ظَنَّتْهُ مِنَ السَّمْعِيَّاتِ وَالْحِسِّيَّاتِ.
وَهَكَذَا النَّاسُ فِي السَّمْعِيَّاتِ نَوْعَانِ، وَكَذَلِكَ هُمْ فِي الْحِسِّيَّاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ نَوْعَانِ.
فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
بِخِلَافِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّهُ مُخْتَلِفٌ مُتَنَاقِضٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٧]
وَإِنَّ مَا عُلِمَ بِمَعْقُولٍ صَرِيحٍ، لَا يُخَالِفُهُ قَطُّ، لَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلَا حِسٌّ صَحِيحٌ.
وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ بِالسَّمْعِ الصَّحِيحِ، لَا يُعَارِضُهُ عَقْلٌ وَلَا حِسٌّ.
وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ بِالْحِسِّ الصَّحِيحِ، لَا يُنَاقِضُهُ خَبَرٌ وَلَا مَعْقُولٌ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، الْكَلَامُ مَعَ مَنْ يُعَارِضُ الْمَعْقُولَاتِ بِسَمْعٍ أَوْ حِسٍّ.
فَنَقُولُ: لَفْظُ (الْمَعْقُولِ) يُرَادُ بِهِ الْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ بِفِطَرِهِمُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَقَّاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ،
[ ٤ / ٣٩٥ ]
كَمَا يَعْلَمُونَ تَمَاثُلَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفَيْنِ - أَعْنِي اخْتِلَافَ التَّنَوُّعِ، لَا اخْتِلَافَ التَّضَادِّ وَالتَّبَايُنِ - فَإِنَّ لَفْظَ (الِاخْتِلَافِ) يُرَادُ بِهِ هَذَا وَهَذَا.
وَهَذِهِ الْمَعْقُولَاتُ فِي الْعِلْمِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، هِيَ الَّتِي ذَمَّ اللَّهُ مَنْ خَالَفَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]
وَأَمَّا مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ (مَعْقُولَاتٍ) وَيُخَالِفُهُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ، مِثْلَ الْقَوْلِ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ، وَأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَأَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَاقِبَةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ إِمَّا فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، أَوْ فِي الْمَاضِي فَقَطْ، أَوْ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ جَوَاهِرَ قَائِمَةً بِأَنْفُسِهَا، أَوْ أَنَّ لَنَا دَهْرًا أَوْ مَادَّةً هِيَ جَوْهَرٌ عَقْلِيٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُ جَوْهَرٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَعُدُّهُ مَنْ يَعُدُّهُ مِنَ النُّظَّارِ أَنَّهُ عَقْلِيَّاتٌ
[ ٤ / ٣٩٦ ]
وَيُنَازِعُهُمْ فِيهِ آخَرُونَ.
فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْعَقْلِيَّاتُ الَّتِي لَا يَجِبُ لِأَجْلِهَا رَدُّ الْحِسِّ وَالسَّمْعِ، وَتُبْنَى عَلَيْهَا عُلُومُ بَنِي آدَمَ، بَلْ الْمَعْقُولَاتُ الصَّحِيحَةُ الدَّقِيقَةُ الْخَفِيَّةُ، تُرَدُّ إِلَى مَعْقُولَاتٍ بَدِيهِيَّةٍ أَوَّلِيَّةٍ، بِخِلَافِ الْعَقْلِيَّاتِ الصَّرِيحَةِ، مِثْلَ كَوْنِ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعًا، فَإِنَّ هَذَا مَعْلُومٌ بِفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.
فَإِذَا جَاءَ فِي الْحِسِّ أَوِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ يُرَى الشَّخْصُ الْوَاحِدُ فِي عَرَفَاتَ وَهُوَ فِي بَلَدِهِ لَمْ يَبْرَحْ، أَوْ يُرَى قَاعِدًا فِي مَكَانِهِ وَهُوَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، أَوْ يُرَى أَنَّهُ أَغَاثَ مَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ، أَوْ جَاءَ طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ، فَهَذَا إِنَّمَا هُوَ جِنِّيٌّ تَصَوَّرَ بِصُورَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، لَيْسَ هُوَ نَفْسُهُ، فَهَذَا يُشْبِهُهُ لَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ.
وَالْحِسِّيَّاتُ إِنْ لَمْ يُمَيَّزْ بَيْنَهَا بِالْعَقْلِ، وَإِلَّا فَالْحِسُّ يَغْلَطُ كَثِيرًا، فَكَذَلِكَ مَنِ ادَّعَى فِيمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمُكَاشَفَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ أَمْرًا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ يُعْلَمُ أَنَّهُ غَالِطٌ فِيهِ، كَمَنْ قَالَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ: (إِنِّي أَشْهَدُ بِبَاطِنِي وُجُودًا مُطْلَقًا مُجَرَّدًا عَنِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ،
[ ٤ / ٣٩٧ ]
لَا اخْتِصَاصَ فِيهِ وَلَا قَيْدَ الْبَتَّةَ) فَلَا يُتَنَازَعُ فِي هَذَا، كَمَا قَدْ يُنَازِعَهُ بَعْضُ النَّاسِ.
لَكِنْ يُقَالُ لَهُ: مَنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ هَذَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّ كَوْنَ مَا شَهِدْتَهُ بِقَلْبِكَ هُوَ اللَّهُ، أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ بِحِسِّ الْقَلْبِ، وَإِذَا ادَّعَيْتَ أَنَّهُ حَصَلَ لَكَ فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، عُلِمَ أَنَّكَ غَالِطٌ، كَمَا قَالَ شَيْخُ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ التِّلْمِسَانِيُّ:
يَا صَاحِبِي أَنْتَ تَنْهَانِي وَتَأْمُرُنِي وَالْوَجْدُ أَصْدَقُ نَهَّاءٍ وَأَمَّارِ
فَإِنْ أُطِعْكَ وَأَعْصِ الْوَجْدَ عُدْتُ عَمًى عَنِ الْعِيَانِ إِلَى أَوْهَامِ أَخْبَارِ
وَعَيْنُ مَا أَنْتَ تَدْعُونِي إِلَيْهِ إِذَا حَقَّقْتَ فِيهِ تَرَاهُ النَّهْيَ يَا جَارِ
فَيُقَالُ لَهُ: وَجْدُكَ وَذَوْقُكَ لَمْ يُفِدْكَ إِلَّا شُهُودَ وُجُودٍ مُطْلَقٍ بَسِيطٍ، لَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ هَذَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ بَلْ مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ هَذَا ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ نَفْسِكَ كُلِّيًّا مُطْلَقًا مُجَرَّدًا؟ بَلْ إِنَّمَا تَشْهَدُهُ كُلِّيًّا مُطْلَقًا مُجَرَّدًا فِي نَفْسِكَ.
وَلَسْتَ تَعْلَمُ بِحِسٍّ وَلَا عَقْلٍ وَلَا خَبَرٍ أَنَّ هَذَا هُوَ فِي الْخَارِجِ.
كَمَا أَنَّ النَّائِمَ إِذَا شَهِدَ حِسُّهُ الْبَاطِنُ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَقِينٌ أَنَّ هَذَا فِي الْخَارِجِ.
فَإِذَا عَادَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ عَلِمَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي خَيَالِهِ فِي الْمَنَامِ.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَضْعُفُ عَقْلُهُ، فَهَذَا يَشْهَدُ بِحِسِّهِ الْبَاطِنِ أَوِ الظَّاهِرِ أَشْيَاءَ، وَقَدْ ضَعُفَ عَقْلُهُ عَنْ كُنْهِ ذَلِكَ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَهُ كَانَ فِي نَفْسِهِ وَخَيَالِهِ، لَا فِي الْخَارِجِ عَنْ ذَلِكَ.
فَكُلُّ مَنْ أَخْبَرَ بِمَا يُخَالِفُ صَحِيحَ الْمَنْقُولِ أَوْ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ يُعْلَمُ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ غَلَطٌ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا يَشْهَدُهُ فِي الْحِسِّ الْبَاطِنِ أَوِ الظَّاهِرِ، لَكِنَّ الْغَلَطَ وَقَعَ فِي ظَنِّهِ الْفَاسِدِ الْمُخَالِفِ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ لَا فِي مُجَرَّدِ الْحِسِّ، فَإِنَّ الْحِسَّ لَيْسَ فِيهِ عِلْمٌ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ.
فَمَنْ رَأَى شَخْصًا، فَلَيْسَ فِي الْحِسِّ إِلَّا رُؤْيَتُهُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، فَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَقْلٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَلِهَذَا كَانَ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْبَهِيمُ وَالسَّكْرَانُ وَالنَّائِمُ وَنَحْوُهُمْ - لَهُمْ حِسٌّ، وَلَكِنْ لِعَدَمِ الْعَقْلِ لَا يُمَيِّزُونَ أَنَّ هَذَا الْمَشْهُودَ هُوَ كَذَا أَمْ كَذَا، بَلْ قَدْ يَظُنُّونَ ظُنُونًا غَيْرَ مُطَابِقَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ
[ ٤ / ٣٩٩ ]
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] .
فَالظَّمْآنُ يَرَى أَنَّ مَا ظَنَّهُ مَاءً، وَلَمْ يَكُنْ مَاءً لِاشْتِبَاهِهِ بِالْمَاءِ، وَالْحِسُّ لَمْ يَغْلَطْ، لَكِنْ غَلِطَ عَقْلُهُ.
وَالْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - مَعْصُومُونَ، لَا يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَلَا يَنْقُلُونَ عَنْهُ إِلَّا الصِّدْقَ.
فَمَنِ ادَّعَى فِي أَخْبَارِهِمْ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ، كَانَ كَاذِبًا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْقُولُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، أَوْ ذَلِكَ الْمَنْقُولُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
فَمَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَقْلِ مَا يُنَاقِضُهُ.
وَمَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ الْعَقْلَ حَكَمَ بِهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي أَخْبَارِهِمْ مَا يُنَاقِضُهُ.
وَقَوْلُ أَهْلِ الِاتِّحَادِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ - سَوَاءٌ ادَّعَوْا الِاتِّحَادَ الْعَامَّ أَوِ الْخَاصَّ - قَدْ عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بُطْلَانُهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلِ الْأَنْبِيَاءُ - ﵈ - قَدْ يُخْبِرُونَ بِمَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، لَا بِمَا يَعْلَمُ الْعَقْلُ بُطْلَانَهُ، فَيُخْبِرُونَ بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ.
وَمَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مَعْصُومًا، فَقَدْ يَغْلَطُ وَيَحْصُلُ لَهُ فِي كَشْفِهِ وَحِسِّهِ وَذَوْقِهِ وَشُهُودِهِ أُمُورٌ يَظُنُّ فِيهَا ظُنُونًا كَاذِبَةً.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
فَإِذَا أَخْبَرَ مِثْلُ هَذَا بِشَيْءِ - عُلِمَ بُطْلَانُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ - عُلِمَ أَنَّهُ غَالِطٌ.
وَإِذَا أَخْبَرَ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا يَعْجِزُ عَقْلُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا، بَلْ لَا نَحْكُمُ بِصِدْقِهِ وَلَا كَذِبِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَالِطًا وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مَا يَعْجِزُ غَيْرُهُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ.
وَإِذَا قَالَ الْقَوْلَ الْمَعْلُومَ فَسَادُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ، أَوْ هَذَا وَرَاءَ طَوْرِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، أَوْ هَذَا لَا نَعْرِفُهُ إِنْ لَمْ نَتْرُكِ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ، أَوْ قَالَ:
هُمُ مَعْشَرٌ حَلُّوا النِّظَامَ وَأَحْرَقُوا ال سِّيَاجَ فَلَا فَرْضٌ لَدَيْهِمْ وَلَا نَفْلُ
مَجَانِينُ إِلَّا أَنَّ سِرَّ جُنُونِهِمْ عَزِيزٌ عَلَى أَبْوَابِهِ يَسْجُدُ الْعَقْلُ
قِيلَ: وَهَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَهُ نَبِيٌّ، أَوْ يَنْقُلَهُ صَادِقٌ عَنْ نَبِيٍّ، فَإِنَّ أَقْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُنَاقِضُ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ؟
وَإِنْ قَالَ كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى أَوْ غَيْرُهُمْ: إِنَّ هَذَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ فَهِمْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ.
قِيلَ لَهُمْ: الْكَلَامُ فِي مَعَانِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَطَقَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ شَيْءٌ، وَالْكَلَامُ الَّذِي فَهِمْتُمُوهُ عَنْهُمْ شَيْءٌ آخَرُ.
[ ٤ / ٤٠١ ]
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ أَنْتُمْ أَوْ غَيْرُكُمْ، فَهِمْتُمُوهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، لَمْ نَجْزِمْ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ يَتَصَوَّرُ مَا قَالَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا لَمْ يُرِيدُوهُ.
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ هُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَا قَالَ؟ بَلْ هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَهُ، وَهُوَ لَا يَفْهَمُهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الَّذِي قَالَهُ مَعْلُومَ الْفَسَادِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ؟
فَهَذِهِ ثَلَاثُ مُقَدِّمَاتٍ لَوْ فَهِمَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي فَهِمْتُ كَلَامَهُ، لَمْ يَكُنْ فَهْمُهُ حُجَّةً.
فَكَيْفَ إِذَا قَالَ: إِنِّي لَمْ أَفْهَمْهُ، وَإِنَّ هَذَا فَوْقَ طَوْرِ الْعَقْلِ؟
وَلَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً، وَلَمْ يَجِبْ تَصْدِيقُهُ مِنْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَنَوْا بِكَلَامِهِمُ الْمَعْنَى الَّذِي اعْتَرَفَ أَنَّهُ فَوْقَ طَوْرِ الْعَقْلِ، فَكَيْفَ إِذَا عُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَاطِلٌ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَهُ عَاقِلٌ لَا نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُ نَبِيٍّ؟
[ ٤ / ٤٠٢ ]
[فَصْلٌ: الْجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ النَّصَارَى فِي إِقْرَارِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصِّفَاتِ وَأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ]
قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَنَا: إِذَا كَانَ اعْتِقَادُكُمْ فِي الْبَارِي - تَعَالَى - أَنَّهُ وَاحِدٌ، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ تَقُولُوا: أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ قُدُسٍ، فَتُوهِمُونَ السَّامِعِينَ أَنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ فِي اللَّهِ ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَنَّ لَهُ ابْنًا، وَيَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ اعْتِقَادَكُمْ أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ بِذَلِكَ ابْنَ الْمُبَاضَعَةِ وَالتَّنَاسُلِ، فَتُطْرِقُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تُهْمَةً أَنْتُمْ مِنْهَا بَرِيئُونَ؟
قَالُوا: وَهُمْ أَيْضًا، لَمَّا كَانَ اعْتِقَادُهُمْ فِي الْبَارِي جَلَّتْ عَظَمَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذِي جِسْمٍ، وَغَيْرُ ذِي جَوَارِحَ وَأَعْضَاءٍ، وَغَيْرُ مَحْصُورٍ فِي مَكَانٍ، فَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَيَدَيْنِ يَبْسُطُهُمَا، وَسَاقًا، وَوَجْهًا يُوَلِّيهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، وَجَنْبًا، وَأَنَّهُ يَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَيُوهِمُونَ السَّامِعِينَ أَنَّ اللَّهَ ذُو جِسْمٍ وَذُو أَعْضَاءٍ وَجَوَارِحَ، وَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَيَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّهُمْ يُجَسِّمُونَ الْبَارِيَ، حَتَّى إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ وَاتَّخَذُوهُ مَذْهَبًا، وَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ اعْتِقَادَهُمْ يَتَّهِمُهُمْ بِمَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعِلَّةَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا، أَنَّ اللَّهَ لَهُ عَيْنَانِ وَيَدَانِ وَوَجْهٌ وَسَاقٌ وَجَنْبٌ، وَأَنَّهُ يَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَطَقَ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَكُلُّ مَنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ لَهُ عَيْنَانِ وَيَدَانِ وَوَجْهٌ وَجَنْبٌ وَجَوَارِحُ وَأَعْضَاءٌ، وَأَنَّ ذَاتَهُ تَنْتَقِلُ، فَهُمْ يَلْعَنُونَهُ وَيُكَفِّرُونَهُ، فَإِذَا كَفَّرُوا مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا، فَلَيْسَ لِمُخَالِفِيهِمْ أَنْ يُلْزِمُوهُمْ هَذَا بَعْدَ أَنْ لَا يَعْتَقِدُوهُ.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا النَّصَارَى، الْعِلَّةُ فِي قَوْلِنَا: إِنَّ اللَّهَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ: أَبٌ، وَابْنٌ، وَرُوحُ قُدُسٍ، أَنَّ الْإِنْجِيلَ نَطَقَ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَقَانِيمِ: غَيْرُ الْأَشْخَاصِ الْمُرَكَّبَةِ وَالْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي الشِّرْكَ وَالتَّكْثِيرَ، وَبِالْأَبِ وَالِابْنِ غَيْرُ أُبُوَّةِ وَبُنُوَّةِ نِكَاحٍ أَوْ تَنَاسُلٍ، أَوْ جِمَاعٍ أَوْ مُبَاضَعَةٍ.
وَكُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَانِيمَ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ مُتَّفِقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَجْسَامٍ مُؤَلَّفَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ، أَوْ أَعْرَاضٌ، أَوْ قُوًى، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ وَالتَّكْثِيرَ وَالتَّبْعِيضَ وَالتَّشْبِيهَ، أَوْ بُنُوَّةُ نِكَاحٍ، أَوْ تَنَاسُلٍ، أَوْ مُبَاضَعَةٍ، أَوْ جِمَاعٍ، أَوْ وِلَادَةُ زَوْجَةٍ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْأَجْسَامِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ، فَنَحْنُ نَلْعَنُهُ وَنُكَفِّرُهُ وَنُجَرِّمُهُ.
وَإِذَا لَعَنَّا أَوْ كَفَّرْنَا مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ لِمُخَالِفِينَا أَنْ يُلْزِمُونَا بَعْدَ أَنْ لَا نَعْتَقِدَهُ، وَإِنْ أَلْزَمُونَا الشِّرْكَ وَالتَّشْبِيهَ لِأَجْلِ قَوْلِنَا: أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ
[ ٤ / ٤٠٤ ]
قُدُسٍ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّكْثِيرَ وَالتَّشْبِيهَ، أَلْزَمْنَاهُمْ أَيْضًا - نَحْنُ - التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ لَهُ عَيْنَانِ وَيَدَانِ وَوَجْهٌ وَسَاقٌ وَجَنْبٌ، وَأَنَّ ذَاتَهُ تَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مِنْ بَعْدِ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَنْ آمَنَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَقَالَ مَا قَالُوهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ وَلَا مَعْنَاهُ، فَهَذَا لَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنِ ابْتَدَعَ أَقْوَالًا لَمْ تَقُلْهَا الرُّسُلُ، بَلْ هِيَ تُخَالِفُ مَا قَالُوهُ، وَحَرَّفَ مَا قَالُوهُ، إِمَّا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِمَّا مَعْنًى فَقَطْ، فَهَذَا يَسْتَحِقُّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الطَّوَائِفِ.
وَأَصْلُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كُتُبِهِ، وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، بَلْ يُثْبِتُونَ لَهُ - تَعَالَى - مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَيَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالَ رُسُلِهِ، وَيَجْتَنِبُونَ مَا خَالَفَ أَقْوَالَ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] أَيْ عَمَّا يَصِفُهُ الْكُفَّارُ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ. ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١]
[ ٤ / ٤٠٥ ]
لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
فَالرُّسُلُ وَصَفُوا اللَّهَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَنَزَّهُوهُ عَنِ النَّقَائِصِ الْمُنَاقِضَةِ لِلْكَمَالِ، وَنَزَّهُوهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَأَثْبَتُوا لَهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَنَفَوْا عَنْهُ التَّمْثِيلَ، فَأَتَوْا بِإِثْبَاتٍ مُفَصَّلٍ وَنَفْيٍ مُجْمَلٍ.
فَمَنْ نَفَى عَنْهُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، كَانَ مُعَطِّلًا، وَمَنْ جَعَلَهَا مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، كَانَ مُمَثِّلًا، وَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا، وَالْمُمَثِّلِ يَعْبُدُ صَنَمًا.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْمُمَثِّلَةِ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ.
[ ٤ / ٤٠٦ ]
فَوَصَفَتْهُ الرُّسُلُ بِأَنَّهُ حَيٌّ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَوْتِ، عَلِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنْ الْجَهْلِ، قَدِيرٌ قَوِيٌّ عَزِيزٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَالذُّلِّ وَاللُّغُوبِ، سُمَيْعٌ بَصِيرٌ مُنَزَّهٌ عَنْ الصَّمِّ وَالْعَمَى، غَنِيٌّ مُنَزَّهٌ عَنِ الْفَقْرِ، جَوَادٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْبُخْلِ، حَكِيمٌ حَلِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّفَهِ، صَادِقٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْكَذِبِ، إِلَى سَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، مِثْلَ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ وَدُودٌ رَحِيمٌ لَطِيفٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] .
فَالصَّمَدُ، اسْمٌ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنَفْيَ النَّقَائِصِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْكَامِلُ فِي عِلْمِهِ، الْقَدِيرُ الْكَامِلُ فِي قُدْرَتِهِ، الْحَكِيمُ الْكَامِلُ فِي حِكْمَتِهِ.
وَلَنَا مُصَنَّفٌ مَبْسُوطٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَآخَرُ فِي بَيَانِ أَنَّهَا تُعَادِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَذَكَرْنَا كَلَامَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي مَعْنَى " الصَّمَدِ " وَأَنَّ عَامَّةَ مَا قَالُوهُ حَقٌّ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ
[ ٤ / ٤٠٧ ]
مِنْهُمْ: (إِنَّ الصَّمَدَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ) وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: (إِنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) كَمَا قِيلَ: (إِنَّهُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ) وَكَمَا قِيلَ: (إِنَّهُ الْعَلِيمُ الْكَامِلُ فِي عِلْمِهِ، وَالْقَدِيرُ الْكَامِلُ فِي قُدْرَتِهِ) إِلَى سَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ، أَنَّهُ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَنَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَهُ كُفُوًا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَحَدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] وَقَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَقَالَ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] وَقَالَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]
وَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتِبَ اللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ.
فَهُوَ أَمْرٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُمْ فِي أَمَانَتِهِمْ لَمْ يَقُولُوا مَا قَالَهُ الْمَسِيحُ وَالْأَنْبِيَاءُ، بَلِ ابْتَدَعُوا اعْتِقَادًا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ لَا الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ ذِكْرُ أَقَانِيمَ لِلَّهِ، لَا ثَلَاثَةٍ وَلَا أَكْثَرَ، وَلَا إِثْبَاتُ ثَلَاثِ صِفَاتٍ، وَلَا تَسْمِيَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا لِلَّهِ وَلَا رَبًّا، وَلَا تَسْمِيَةُ حَيَاتِهِ رُوحًا، وَلَا أَنَّ لِلَّهِ ابْنًا هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ خَالِقٌ كَمَا أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْكُفْرِ، لَمْ تُنْقَلْ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
فَقَالُوا فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِهِمْ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْأَبِ، مَالِكِ كُلِّ شَيْءٍ، صَانِعِ مَا يُرَى وَمَا لَايُرَى، وَهَذَا حَقٌّ.
ثُمَّ قَالُوا: وَبِالرَّبِّ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَاحِدِ، بِكْرِ الْخَلَايِقِ كُلِّهَا، مَوْلُودٌ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، نُورٌ مِنْ نُورٍ، مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ وَخُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا - مَعْشَرَ النَّاسِ - وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَصَارَ إِنْسَانًا، وَحُبِلَ بِهِ وَوُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ، وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَصَعِدَ إِلَى
[ ٤ / ٤٠٩ ]
السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ.
وَنُؤْمِنُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْمُحْيِي، وَرُوحِ الْحَقِّ الْمُنْبَثِقِ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ الَّذِي خَرَجَ مِنْ أَبِيهِ رُوحِ مُحْيِيهِ.
فَأَيْنَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ أُقْنُومٌ، وَإِنَّهُ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَإِنَّهُ مُسَاوٍ لِلَّهِ فِي الْجَوْهَرِ، وَإِنَّهُ خَالِقٌ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنَّهُ قَعَدَ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَإِنَّهُ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
وَأَيْنَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا؟
وَمَنِ الَّذِي سَمَّى كَلَامَ اللَّهِ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ - مَوْلُودًا لَهُ أَوِ ابْنًا لَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ مَوْلُودًا لَهُ أَوِ ابْنًا لَهُ؟
وَمَنِ الَّذِي قَالَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ مَوْلُودٌ، وَهُوَ - مَعَ ذَلِكَ - قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ؟
وَأَيْنَ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّ لِلَّهِ أُقْنُومًا ثَالِثًا هُوَ حَيَاتُهُ، وَيُسَمَّى بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَأَنَّهُ أَيْضًا رَبٌّ حَيٌّ مُحْيٍ.
فَلَوْ كَانَ النَّصَارَى آمَنُوا بِنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا آمَنَ الْمُؤْمِنُونَ،
[ ٤ / ٤١٠ ]
لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَلَامٌ.
وَمَنِ اعْتَرَضَ عَلَى نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، كَانَ لِفَسَادِ فَهْمِهِ وَنَقَصِ مَعْرِفَتِهِ.
وَلَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا أَقْوَالًا وَعَقَائِدَ لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - وَفِيهَا كُفْرٌ ظَاهِرٌ وَتَنَاقُضٌ بَيِّنٌ.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَا مَعْنًى صَحِيحًا، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِعَ كَلَامًا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ يَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ الْمُتَنَاقِضِ الَّذِي يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ، وَيَقُولُ: إِنِّي أَرَدْتُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَالْمُرَادُ الَّذِي يُفَسِّرُونَ بِهِ كَلَامَهُمْ فَاسِدٌ مُتَنَاقِضٌ كَمَا تَقَدَّمَ؟
فَهُمُ ابْتَدَعُوا أَقْوَالًا مُنْكَرَةً وَفَسَّرُوهَا بِتَفْسِيرٍ مُنْكَرٍ، فَكَانَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَهُمْ - فِي ذَلِكَ - نَظِيرُ بَعْضِ مَلَاحِدَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ إِلَهِيَّةَ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَوْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَيَصِفُونَ اللَّهَ بِصِفَاتٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا كِتَابٌ، وَهَؤُلَاءِ مُلْحِدُونَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، الَّذِينَ آمَنُوا بِمَا قَالَتِ الْأَنْبِيَاءُ، وَلَمْ يَبْتَدِعُوا أَقْوَالًا لَمْ يَأْتِ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، وَجَعَلُوهَا أَصْلَ دِينِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ.
فَهَذَا النَّظْمُ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ هُوَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي الْحَدِيثِ،
[ ٤ / ٤١١ ]
وَلَا يُعْرَفُ عَالِمٌ مَشْهُورٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا طَائِفَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ طَوَائِفِهِمْ، يُطْلِقُونَ الْعِبَارَةَ الَّتِي حَكَوْهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ قَالُوا عَنْهُمْ: (إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لِلَّهِ عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَيَدَيْنِ يَبْسُطُهُمَا، وَسَاقًا وَوَجْهًا يُوَلِّيهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، وَجَنْبًا) .
وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ رَكَّبُوا مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ بِسُوءِ تَصَرُّفِهِمْ وَفَهْمِهِمْ، تَرْكِيبًا زَعَمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُطْلِقُونَهُ.
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]
وَالْيَهُودُ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) أَنَّهُ بَخِيلٌ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ جَوَّادٌ لَا يَبْخَلُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَانِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]
فَبَسْطُ الْيَدَيْنِ الْمُرَادُ بِهِ الْجَوَادُ وَالْعَطَاءُ، لَيْسَ الْمُرَادُ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنْ بَسْطٍ مُجَرَّدٍ.
وَلَمَّا كَانَ الْعَطَاءُ بِالْيَدِ يَكُونُ بِبَسْطِهَا، صَارَ مِنَ الْمَعْرُوفِ فِي اللُّغَةِ التَّعْبِيرُ بِبَسْطِ الْيَدِ عَنِ الْعَطَاءِ.
[ ٤ / ٤١٢ ]
فَلَمَّا قَالَتِ الْيَهُودُ: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) وَأَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ بَخِيلٌ، كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ جَوَّادٌ مَاجِدٌ.
وَإِثْبَاتُ الْيَدَيْنِ لَهُ مَوْجُودٌ فِي التَّوْرَاةِ وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ.
فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا شَيْءٌ يُخَالِفُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا مَا يُنَاقِضُ الْعَقْلَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ، وَجَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُوَافِقُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا لَفْظُ (الْعَيْنَيْنِ)، فَلَيْسَ هُوَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ.
وَذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لِلَّهِ عَيْنَيْنِ.
وَلَكِنَّ الَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي - وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٩ - ٣٧]،
[ ٤ / ٤١٣ ]
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٣] .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: (لَهُ وَجْهٌ يُوَلِّيهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ) فَلَيْسَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَلَكِنْ فِي الْقُرْآنِ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦] وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]
وَهَذَا قَدْ قَالَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ ; أَيْ فَثَمَّ جِهَةُ اللَّهِ، وَالْجِهَةُ كَالْوَعْدِ وَالْعِدَةِ، وَالْوَزْنِ وَالزِّنَةِ.
وَالْمُرَادُ بِوَجْهِ اللَّهِ وَجِهَةِ اللَّهِ - الْوَجْهُ، وَالْجِهَةُ وَالْوِجْهَةُ الَّذِي لِلَّهِ يُسْتَقْبَلُ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]
[ ٤ / ٤١٤ ]
فَإِذَا كَانَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] وَقَوْلُهُ: (مُوَلِّيهَا) ; أَيْ مُتَوَلِّيهَا أَوْ مُسْتَقْبِلُهَا، فَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أَيْ فَأَيْنَمَا تَسْتَقْبِلُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ اللَّهِ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمَّ وَجْهٌ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْعِبَادَ أَيْنَمَا يُوَلُّونَ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُوَلُّونَ وَيَسْتَقْبِلُونَ، لَا أَنَّهُ هُوَ يُوَلِّي وَجْهَهُ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، فَهَذَا تَحْرِيفٌ مِنْهُمْ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَنْ مَعْنَاهُ وَكَذِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ كُلِّهِ، كَمَا قَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْأُمُورَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ فِي دِينِهِمْ فِيمَا ابْتَدَعُوا مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، دُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ - ﵎ -.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: (وَجَنْبٌ) فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَالِمٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا طَائِفَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ، أَثْبَتُوا لِلَّهِ جَنْبًا نَظِيرَ جَنْبِ الْإِنْسَانِ، وَهَذَا اللَّفْظُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]
فَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْإِضَافَةِ مَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ
[ ٤ / ٤١٥ ]
صِفَةً لَهُ، بَلْ قَدْ يُضَافُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمَخْلُوقَةِ وَصِفَاتِهَا الْقَائِمَةِ بِهَا مَا لَيْسَ بِصِفَةٍ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْخَلْقِ، كَقَوْلِهِ: (بَيْتُ اللَّهِ) وَ(نَاقَةَ اللَّهِ) وَ(عِبَادَ اللَّهِ) بَلْ وَكَذَلِكَ (رُوحُ اللَّهِ) عِنْدَ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَجُمْهُورِهِمْ.
وَلَكِنْ إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مَا هُوَ صِفَةٌ لَهُ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ لِغَيْرِهِ، مِثْلَ كَلَامِ اللَّهِ وَعِلْمِ اللَّهِ، وَيَدِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَانَ صِفَةً لَهُ.
وَفِي الْقُرْآنِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَنْبِ مَا هُوَ نَظِيرُ جَنْبِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]
وَالتَّفْرِيطُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - ﷿ -.
وَالْإِنْسَانُ إِذَا قَالَ: فُلَانٌ قَدْ فَرَّطَ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَوْ جَانِبِهِ، لَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ التَّفْرِيطَ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ نَفْسِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، بَلْ يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ فَرَّطَ فِي جِهَتِهِ وَفِي حَقِّهِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا اللَّفْظُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمَخْلُوقِ لَا يَكُونُ ظَاهِرَهُ أَنَّ التَّفْرِيطَ فِي نَفْسِ جَنْبِ الْإِنْسَانِ الْمُتَّصِلِ بِأَضْلَاعِهِ، بَلْ ذَلِكَ التَّفْرِيطُ لَمْ يُلَاصِقْهُ، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ ظَاهِرَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ - أَنَّ التَّفْرِيطَ كَانَ فِي ذَاتِهِ؟
وَجَنْبُ الشَّيْءِ وَجَانِبُهُ، قَدْ يُرَادُ بِهِ مُنْتَهَاهُ وَحَدُّهُ، وَيُسَمَّى جَنْبُ الْإِنْسَانِ جَنْبًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، قَالَ تَعَالَى:
[ ٤ / ٤١٦ ]
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «(صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ)»
وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا تَتَضَمَّنُ صِفَةَ اللَّهِ، كَانَ الْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِي سَائِرِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ، وَفِي التَّوْرَاةِ مِنْ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا فِي الْقُرْآنِ.
وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ مَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ وَصْفِ اللَّهِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمِّيهَا بَعْضُ النَّاسِ تَجْسِيمًا، هُوَ مِثْلُ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مِمَّا أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ.
[ ٤ / ٤١٧ ]
وَلَوْ كَانُوا هُمُ ابْتَدَعُوا ذَلِكَ، وَوَصَفُوا الْخَالِقَ بِمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنَ التَّجْسِيمِ، لَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى مَا وَصَفُوهُ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]
فَنَفَى عَنْهُ اللُّغُوبَ الَّذِي يُظَنُّ فِي لَفْظِ الِاسْتِرَاحَةِ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَالَمَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَرَاحَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ تَعِبَ فَاسْتَرَاحَ.
ثُمَّ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ حَرَّفُوا مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ، وَهَذَا لَفْظُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ
[ ٤ / ٤١٨ ]
وَغَيْرُهُ وَقَالُوا مَعْنَاهُ: ثُمَّ تَرَكَ الْخَلْقَ، فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظِ اسْتَرَاحَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ حَرَّفُوا لَفْظَهُ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا لَفْظُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ، وَأَمَّا مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ - ﷺ - شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ إِذَا ذَكَرُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ وَيُصَدِّقُهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: (يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ - ﷿ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ،
[ ٤ / ٤١٩ ]
وَالْأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ) . قَالَ: فَضَحَكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] الْآيَةَ» .
وَفِي التَّوْرَاةِ: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِإِصْبَعِهِ ".
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبِمَا يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ وَتَرْكِ إِنْكَارِهِ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَتَصْدِيقِهِ عَلَى مَا كَانُوا يَذْكُرُونَهُ مِنْ ذَلِكَ - لَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ مُخْتَصِّينَ بِذِكْرِ مَا سَمَّوْهُ تَجْسِيمًا، بَلْ يَلْزَمُ أَهْلَ الْكِتَابِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
وَقَدِ افْتَرَقَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ كَمَا افْتَرَقَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، مِنْهُمُ الْغَالِي فِي النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، وَمِنْهُمُ الْغَالِي فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ.
وَالْمُسْلِمُونَ أَئِمَّتُهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ مُقْتَصِدُونَ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ، وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ قَدْ جَاءَتْ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا، كَمَا جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ.
وَلَمْ يَجُزْ لِلنَّصَارَى أَنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ نَظِيرَ مَا اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ.
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ قَدْ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ الْمِلَلِ الثَّلَاثِ ; لِأَنَّ التَّثْلِيثَ وَالِاتِّحَادَ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْصُوصَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَشْبِيهُ هَذَا بِهَذَا؟
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: (فَيُوهِمُونَ السَّامِعِينَ أَنَّ اللَّهَ ذُو جِسْمٍ وَأَعْضَاءٍ وَجَوَارِحَ) - كَلَامٌ بَاطِلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ وَصِفَاتَهُ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ وَصِفَاتِ عِبَادِهِ بِأَسْمَاءٍ هِيَ فِي حَقِّهِمْ نَظِيرُ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ فِي حَقِّهِ ﷾.
فَسَمَّى نَفْسَهُ حَيًّا، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الْآيَةَ.
[ ٤ / ٤٢١ ]
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ حَيًّا، كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥]
مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْحَيُّ كَالْحَيِّ، وَسَمَّى نَفْسَهُ عَلِيمًا، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] .
وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ عَلِيمًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]
مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَلِيمُ كَالْعَلِيمِ.
وَسَمَّى نَفْسَهُ حَلِيمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ حَلِيمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]
[ ٤ / ٤٢٢ ]
وَسَمَّى نَفْسَهُ رَءُوفًا رَحِيمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ رَءُوفًا رَحِيمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
وَلَيْسَ الرَّءُوفُ كَالرَّءُوفِ، وَلَا الرَّحِيمُ كَالرَّحِيمِ.
وَكَذَلِكَ سَمَّى نَفْسَهُ مَلِكًا جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا عَزِيزًا، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ مَلِكًا، وَبَعْضَهُمْ عَزِيزًا، وَبَعْضَهُمْ جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا، وَلَيْسَ هُوَ فِي ذَلِكَ مُمَاثِلًا لِخَلْقِهِ.
وَكَذَلِكَ سَمَّى بَعْضَ صِفَاتِهِ عِلْمًا وَقُوَّةً وَأَيْدًا، وَقُدْرَةً وَرَحْمَةً وَغَضَبًا، وَرِضًى وَيَدًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَسَمَّى بَعْضَ صِفَاتِ عِبَادِهِ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ عِلْمُهُ كَعِلْمِهِمْ، وَلَا قُدْرَتُهُ كَقُدْرَتِهِمْ، وَلَا رَحْمَتُهُ وَغَضَبُهُ كَرَحْمَتِهِمْ وَغَضَبِهِمْ، وَلَا يَدُهُ كَأَيْدِيهِمْ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنِ اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ، وَمَجِيئِهِ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، لَيْسَ اسْتِوَاؤُهُ كَاسْتِوَائِهِمْ، وَلَا مَجِيئُهُ كَمَجِيئِهِمْ.
وَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي تُضَافُ إِلَى الْخَالِقِ تَارَةً وَإِلَى الْمَخْلُوقِ أُخْرَى، تُذْكَرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
تَارَةً تُقَيَّدُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخَالِقِ أَوْ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ
[ ٤ / ٤٢٣ ]
- تَعَالَى -: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الْآيَةَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨]
وَتَارَةً تَتَقَيَّدُ بِالْمَخْلُوقِ كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] .
وَتَارَةً تُطْلَقُ مُجَرَّدَةً.
فَإِذَا قُيِّدَتْ بِالْخَالِقِ، لَمْ تَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ.
فَإِذَا قِيلَ: عِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَمَجِيئُهُ وَيَدُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَانَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ تُوجِبُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ الْخَالِقُ، وَتَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] كَانَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ تُوجِبُ مَا يَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ وَتَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ - ﷿ -.
وَإِذَا جُرِّدَ اللَّفْظُ عَنِ الْقُيُودِ فَذُكِرَ بِوَصْفِ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ، تَنَاوَلَ الْأَمْرَيْنِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَى الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.
وَهَذِهِ لِلنَّاسِ فِيهَا أَقْوَالٌ.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
قِيلَ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْخَالِقِ، مَجَازٌ فِي الْمَخْلُوقِ، كَقَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ النَّاشِئِ.
وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ كَقَوْلِ غُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ.
وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
ثُمَّ قِيلَ: هِيَ مُشْتَرَكَةٌ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَقِيلَ: مُتَوَاطِئَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
ثُمَّ مَنْ جَعَلَ الْمُشَكِّكَةَ نَوْعًا مِنَ الْمُتَوَاطِئَةِ لَمْ يَمْتَنِعْ - عِنْدَهُ - إِذَا قِيلَ: مُشَكِّكَةٌ، أَنْ تَكُونَ مُتَوَاطِئَةً، وَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ جَعَلَهَا مُشَكِّكَةً لَا مُتَوَاطِئَةً.
وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ الْمُتَوَاطِئَةَ التَّوَاطُؤَ الْعَامَّ، يَدْخُلُ فِيهَا الْمُشَكِّكَةُ.
إِذِ الْمُرَادُ بِالْمُشَكِّكَةِ، مَا يَتَفَاضَلُ مَعَانِيهَا فِي مَوَارِدِهَا، كَلَفْظِ الْأَبْيَضِ الَّذِي يُقَالُ عَلَى الْبَيَاضِ الشَّدِيدِ، كَبَيَاضِ الثَّلْجِ، وَالْخَفِيفِ كَبَيَاضِ الْعَاجِ، وَالشَّدِيدُ أَوْلَى بِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُسَمَّى الْبَيَاضِ فِي اللُّغَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالشَّدِيدِ دُونَ الْخَفِيفِ، فَكَانَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْعَامُّ الْكُلِّيُّ، وَهُوَ مُتَوَاطِئٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ التَّفَاضُلِ يُسَمَّى مُشَكِّكًا.
وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِالتَّوَاطُؤِ، مَا تَسْتَوِي مَعَانِيهِ، كَانَتِ الْمُشَكِّكَةُ نَوْعًا آخَرَ.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
لَكِنَّ تَخْصِيصَ لَفْظِ الْمُتَوَاطِئَةِ بِهَذَا عُرْفٌ حَادِثٌ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا.
فَإِنَّ عَامَّةَ الْمَعَانِي الْعَامَّةِ تَتَفَاضَلُ، وَالتَّمَاثُلُ فِيهَا فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهَا، بِحَيْثُ لَا تَتَفَاضَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَارِدِهَا، إِمَّا قَلِيلٍ وَإِمَّا مَعْدُومٍ.
فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مُتَوَاطِئَةً بَلْ مُشَكِّكَةً، كَانَ عَامَّةُ الْأَسْمَاءِ الْكُلِّيَّةِ غَيْرَ مُتَوَاطِئَةٍ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ - ﷾ - إِذَا أَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ مَا أَضَافَهُ إِضَافَةً يَخْتَصُّ بِهَا، وَتَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقَدْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وَإِنَّهُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَمِيٌّ، كَانَ مَنْ فَهِمَ مِنْ هَذِهِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ - قَدْ أُتِيَ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَنَقْصِ عَقْلِهِ، لَا مِنْ قُصُورٍ فِي بَيَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ.
فَمَنْ فَهِمَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ أَنَّهُ عَرَضٌ مُحْدَثٌ بِاضْطِرَارٍ أَوِ اكْتِسَابٍ، فَمِنْ نَفْسِهِ أُتِيَ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِنَا: عِلْمُ اللَّهِ - مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] الْآيَةَ. ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]
مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ جَوَارِحِهِ وَأَعْضَائِهِ، فَمِنْ نَفْسِهِ أُتِيَ،
[ ٤ / ٤٢٦ ]
فَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ كَمَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . مَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]
فَمِنْ نَفْسِهِ أُتِيَ، فَإِنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِوَاءٍ يُضَافُ إِلَى اللَّهِ - ﷿ - كَمَا يَدُلُّ فِي تِلْكَ الْآيَةِ عَلَى اسْتِوَاءٍ يُضَافُ إِلَى الْعَبْدِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَوِي لَيْسَ مُمَاثِلًا لِلْمُسْتَوِي، لَمْ يَكُنِ الِاسْتِوَاءُ مُمَاثِلًا لِلِاسْتِوَاءِ.
فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ فَقِيرًا إِلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ، يَحْتَاجُ إِلَى حَمْلِهِ.
وَكَانَ الرَّبُّ - ﷿ - غَنِيًّا عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَالْعَرْشُ وَمَا سِوَاهُ فَقِيرًا إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ، لَمْ يَلْزَمْ إِذَا كَانَ الْفَقِيرُ مُحْتَاجًا إِلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ شَيْءٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ - مُحْتَاجًا إِلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ اللَّهِ - ﷿ - مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ حَاجَةٍ إِلَى حَامِلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ تَوَهُّمُ هَذَا مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ، لَا مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ.
[ ٤ / ٤٢٧ ]
لَكِنْ إِذَا تَخَيَّلَ الْمُتَخَيِّلُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ اللَّهَ مِثْلُهُ، تَخَيَّلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِوَاؤُهُ كَاسْتِوَائِهِ، وَإِذَا عَرَفَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، عَلِمَ أَنَّ اسْتِوَاءَهُ لَيْسَ كَاسْتِوَائِهِ، وَمَجِيئَهُ كَمَجِيئِهِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَرِضَاهُ وَغَضَبَهُ، لَيْسَ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ.
وَمَا بَيْنَ الْأَسْمَاءِ مِنَ الْمَعْنَى الْعَامِّ الْكُلِّيِّ كَمَا بَيْنَ قَوْلِنَا: حَيٌّ وَحَيٌّ، وَعَالِمٌ وَعَالِمٌ. وَهَذَا الْمَعْنَى الْعَامُّ الْكُلِّيُّ الْمُشْتَرَكُ لَا يُوجَدُ عَامًّا كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا إِلَّا فِي الْعِلْمِ وَالذِّهْنِ، وَإِلَّا فَالَّذِي فِي الْخَارِجِ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِالْمَوْصُوفِ.
فَصِفَاتُ الرَّبِّ - ﷿ - مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَصِفَاتُ الْمَخْلُوقِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ وَلَا بَيْنَ مَخْلُوقٍ وَمَخْلُوقٍ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُمْ: (لَمَّا كَانَ اعْتِقَادُهُمْ فِي الْبَارِي جَلَّتْ قُدْرَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذِي جِسْمٍ) اسْتِعْمَالٌ مِنْهُمْ لِلَفْظِ الْجِسْمِ فِي الْقَدْرِ وَالْغِلَظِ، لَا فِي ذِي الْقَدْرِ وَالْغِلَظِ، وَهَذَا أَحَدُ مَوْرِدَيِ اسْتِعْمَالِهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي لُغَةِ الْعَامَّةِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا الثَّوْبُ لَهُ جِسْمٌ، وَهَذَا لَيْسَ لَهُ جِسْمٌ ; أَيْ هَذَا لَهُ غِلَظٌ وَكَثَافَةٌ دُونَ هَذَا.
وَلَكِنَّ النُّظَّارَ أَكْثَرُ مَا يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْجِسْمِ فِي نَفْسِ ذِي الْقَدْرِ، فَيَقُولُونَ لِلْقَائِمِ بِنَفْسِهِ ذِي الْقَدْرِ: إِنَّهُ جِسْمٌ.
وَهَذَا اللَّفْظُ لَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي كَلَامِ النُّظَّارِ، تَفَرَّقُوا فِي مَعَانِيهِ لُغَةً وَعَقْلًا وَشَرْعًا، تَفَرُّقًا ضَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْجَسَدُ.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، كَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا: الْجِسْمُ هُوَ الْجَسَدُ.
وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِيمَا كَانَ غَلِيظًا كَثِيفًا، فَلَا يُسَمُّونَ الْهَوَاءَ جِسْمًا وَلَا جَسَدًا، وَيُسَمُّونَ بَدَنَ الْإِنْسَانِ جَسَدًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِسْمَ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْجَسَدِ، وَيُرَادُ بِهِ قَدْرُ الْجَسَدِ وَغِلَظُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ هَذَا وَهَذَا.
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ النَّظَرِ اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ " الْجَسَدِ " فِي أَعَمَّ مِنْ مَعْنَاهُ فِي
[ ٤ / ٤٢٩ ]
اللُّغَةِ، كَمَا فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي لَفْظِ " الْجَوْهَرِ " وَلَفْظِ " الْعَرَضِ " وَلَفْظِ " الْوُجُودِ " وَلَفْظِ " الذَّاتِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَاسْتَعْمَلُوا لَفْظَ " الْجِسْمِ " فِيمَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَتُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ الْحِسِّيَّةُ الْمُخْتَلِفَةُ.
ثُمَّ تَنَازَعُوا نِزَاعًا عَقْلِيًّا فِيمَا يُشَارُ إِلَيْهِ، كَالْهَوَاءِ وَالنَّارِ وَالتُّرَابِ وَالْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، أَوْ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَمَنِ اعْتَرَفَ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَذَا أَوْ هَذَا، يَلْزَمُهُ - إِذَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ - أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُرَكَّبًا مِنْ هَذَا أَوْ هَذَا.
وَلِهَذَا قَالُوا: إِنَّ هَذَا بَاطِلٌ وَأَوْجَبُوا - عَلَى أَصْلِهِمْ - نَفْيَ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ.
وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، قَالَ: يَلْزَمُنِي إِذَا قُلْتُ: هُوَ جِسْمٌ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا.
فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفَظَ " الْجِسْمِ "، وَأَرَادَ بِهِ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ أَوِ الْمَوْجُودَ، كَمَا أَطْلَقَ هَؤُلَاءِ لَفْظَ الْجَوْهَرِ، وَقَالُوا: أَرَدْنَا بِالْجَوْهَرِ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ. وَكَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ: لَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا جَوْهَرٌ أَوْ عَرَضٌ.
فَإِنَّ الْوُجُودَ إِمَّا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْجَوْهَرُ، أَوْ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْعَرَضُ، وَالْجَوْهَرُ أَشْرَفُ الْقِسْمَيْنِ.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْجِسْمُ أَوْ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْعَرَضُ، وَالْجِسْمُ أَشْرَفُ الْقِسْمَيْنِ. وَقَالَ: فَمَا سَمَّاهُ أُولَئِكَ جَوْهَرًا، سَمَّاهُ أُولَئِكَ جِسْمًا، وَكِلَاهُمَا لَيْسَتْ تَسْمِيَتُهُ لُغَوِيَّةً وَلَا شَرْعِيَّةً.
وَإِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: هُوَ جَوْهَرٌ لَا كَالْجَوَاهِرِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ.
قَالَ أُولَئِكَ: هُوَ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ.
وَإِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: الْجَوْهَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى كَثِيفٍ وَلَطِيفٍ، قَالَ أُولَئِكَ: وَالْجِسْمُ يَنْقَسِمُ إِلَى لَطِيفٍ وَكَثِيفٍ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَزَّهُوهُ عَمَّا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَسَمَّوْهُ جِسْمًا - نِزَاعُهُمْ مَعَ النُّفَاةِ قَدْ يَكُونُ لَفْظِيًّا، كَنِزَاعِ النَّصَارَى فِي لَفْظِ " الْجَوْهَرِ "، وَقَدْ يَكُونُ عَقْلِيًّا، كَنِزَاعِهِمْ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ، هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا.
وَمَنْ قَالَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ جِسْمٌ، فَيَقُولُ: إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، فَهَؤُلَاءِ مَذْمُومُونَ لَفْظًا وَمَعْنًى عِنْدَ
[ ٤ / ٤٣١ ]
جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ النَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ يَعْجِزُونَ عَنِ الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ، إِذْ كَانَ مَا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ خَصَائِصِ الْأَجْسَامِ طُرُقًا ضَعِيفَةً لَا تَثْبُتُ عَلَى الْمِعْيَارِ الْعَقْلِيِّ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
بِخِلَافِ مَنْ كَانَ نِزَاعُهُ لَفْظِيًّا، فَهَذَا يُذَمُّ إِمَّا لُغَةً وَإِمَّا لُغَةً وَشَرْعًا ; لِكَوْنِهِ أَطْلَقَ لَفْظًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّرْعُ، أَوِ اسْتَعْمَلَهُ فِي خِلَافِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، كَمَا قَدْ يُذَمُّ النَّافِي لِمِثْلِ ذَلِكَ لُغَةً وَشَرْعًا، إِذَا كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ النُّفَاةِ أَوِ الْمُثْبِتَةِ نَفَى حَقًّا أَوْ أَثْبَتَ بَاطِلًا، فَهَذَا مَذْمُومٌ ذَمًّا مَعْنَوِيًّا شَرْعًا وَعَقْلًا.
وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَالرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ الَّذِينَ مِنْ أُمَّةِ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ - ﷺ -، لَمْ يَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وَلَا إِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَا إِنَّهُ جَوْهَرٌ، وَلَا إِنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ.
لَكِنَّ النِّزَاعَ اللُّغَوِيَّ وَالْعَقْلِيَّ وَالشَّرْعِيَّ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، هُوَ مِمَّا أُحْدِثَ فِي الْمِلَلِ الثَّلَاثِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.
وَالَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ، مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَلَا تُمَثَّلُ صِفَاتُهُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، مَعَ إِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي صِفَاتِهِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، وَيَخْرُجُ مِنْهَا مَا هُوَ دَاخِلٌ فِيهَا.
[ ٤ / ٤٣٢ ]
إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا، فَالْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَانَ اعْتِقَادُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَكَانَ مَا أَثْبَتُوهُ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَلَامٌ ; لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتَهُ الرُّسُلُ، وَنَفَوْا مَا نَفَتْهُ الرُّسُلُ، فَكَانَ فِي هَذَا النَّفْيِ مَا يَنْفِي الْوَهْمَ الْبَاطِلَ.
بِخِلَافِ مَنْ أَثْبَتَ أُمُورًا لَمْ تَأْتِ بِهَا الرُّسُلُ، وَضَمَّ إِلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُ الْمَعْنَى الْبَاطِلَ لَا مَا يَنْفِيهِ، وَكَانَ مِمَّا نَفَوْا عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ مُرَكِّبٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، وَلَا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
أَمَّا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ النُّظَّارِ بَلْ أَظْهَرِهِمَا، فَإِنَّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ الْقَائِمَةِ بِأَنْفُسِهَا، لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا.
فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا، إِذْ كُلُّ نَقْصٍ نُفِيَ عَنِ الْمَخْلُوقِ، فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ مِنْهُ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَتَارَةً يَقُولُونَ: لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ يُمْكِنُ افْتِرَاقُ أَجْزَائِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَتَارَةً يَقُولُونَ: لِأَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى أَجْزَائِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ
[ ٤ / ٤٣٣ ]
- تَعَالَى -، إِذْ جُزْؤُهُ غَيْرُهُ، وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُطْلِقُ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إِلَّا الْأَلْفَاظَ الشَّرْعِيَّةَ، فَكَمَا لَا يَقُولُ: هُوَ جِسْمٌ وَجَوْهَرٌ، لَا يَقُولُ: لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ، وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يَنْفِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهَا.
وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ يُدْخِلُ فِي ذَلِكَ مَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ، وَقَدْ يُدْخِلُ فِي ذَلِكَ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ.
وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ يَدَّعِي النَّظَرَ الْعَقْلِيَّ أَوِ اللُّغَوِيَّ، وَرُبَّمَا اعْتَصَمَ بَعْضُهُمْ بِمَا يَظُنُّهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا.
وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْتَصِمُونَ فِي ذَلِكَ بِشَرْعٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ، وَإِنَّمَا يَتَكَلَّفُونَ تَغْيِيرَ اللُّغَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا الرَّسُولُ، ثُمَّ يَحْمِلُونَ أَلْفَاظَهُ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ اللُّغَةِ، كَمَا فَعَلَتْهُ النَّصَارَى فِي حَمْلِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ اللُّغَةِ.
فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُسَمُّوا عِلْمَ اللَّهِ وَحَيَاتَهُ ابْنًا، وَرُوحَ قُدْسٍ، وَلَا رَبًّا، فَسَمَّى النَّصَارَى عِلْمَهُ وَحَيَاتَهُ ابْنًا، وَرُوحَ قُدُسٍ، وَرَبًّا، ثُمَّ حَمَلُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى ذَلِكَ.
كَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُمُ الْجَهْمِيَّةَ، أَحْدَثُوا تَسْمِيَةَ الْوَاحِدِ وَالْأَحَدِ وَنَحْوِهُمَا لِمَا لَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَيُمَيِّزُ الْحِسُّ مِنْهُ
[ ٤ / ٤٣٤ ]
شَيْئًا عَنْ شَيْءٍ، وَهَذَا خِلَافُ اللُّغَةِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ بِالْوَاحِدِ وَالْوَحِيدِ وَالْأَحَدِ فِي النَّفْيِ لِمَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَيُمَيِّزُ الْحِسُّ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] فَسَمَّى الْإِنْسَانَ وَحِيدًا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] فَسَمَّى الْمَرْأَةَ وَاحِدَةً، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠] وَقَالَ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فَسَمَّى الْمُسْتَجِيرَ وَهُوَ الْإِنْسَانُ أَحَدًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] فَنَفَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ كُفُوًا لَهُ.
[ ٤ / ٤٣٥ ]
فَلَوْ كَانَ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ لَا يُسَمَّى أَحَدًا، لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَّهَهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ لَهُ، فَإِنَّ الْمَشْهُودَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا يُشَارُ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي أَحَدٍ، لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مُمَاثَلَتِهَا.
فَهَؤُلَاءِ لَمَّا أَحْدَثُوا أَنَّ مُسَمَّى الْأَحَدِ وَالْوَاحِدِ لَا يَكُونُ مُشَارًا إِلَيْهِ، قَالُوا: وَالرَّبُّ قَدْ سَمَّى نَفْسَهُ أَحَدًا وَوَاحِدًا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُشَارًا إِلَيْهِ.
وَلُغَةُ الرَّسُولِ الَّتِي خَاطَبَ بِهَا النَّاسَ لَمْ تَكُنْ مُوَافِقَةً لِمَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ اللُّغَةِ.
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالُوا: " هُوَ جِسْمٌ " غَيَّرُوا اللُّغَةَ، وَجَعَلُوا الْجِسْمَ اسْمًا لِمَا يُشَارُ إِلَيْهِ، أَوْ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، وَلِكُلِّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ.
ثُمَّ قَالُوا: هُوَ مَوْجُودٌ، أَوْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ مُشَارٌ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ جِسْمًا
وَلَا يُوجَدُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ الْجِسْمِ، لَا لِهَذَا، وَلَا لِهَذَا، وَلَا لِهَذَا.
وَقَالُوا: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُشَارًا إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، وَلَا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
وَقَالَ أُولَئِكَ: بَلْ يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ، يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ جِسْمًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يُسَمَّى جِسْمًا، إِذَا قُلْنَا: هُوَ مُشَارٌ إِلَيْهِ، أَوْ يُرَى بِالْأَبْصَارِ، أَوْ مُتَّصِفًا بِصِفَاتٍ تَقُومُ بِهِ.
وَلَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ عَنِ اللُّغَةِ بِمُسْتَقِيمٍ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَعْنُونَ بِالْجِسْمِ الْمُرَكَّبَ، بَلِ الْجِسْمُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْجَسَدُ، وَلَا يُسَمُّونَ الْهَوَاءَ جِسْمًا.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا، فَتَمْثِيلُ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى بَاطِلٌ، عَلَى قَوْلِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجِسْمُ - فِي اللُّغَةِ - هُوَ الْمُرَكَّبُ، وَاللَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، فَلَيْسَ بِجِسْمٍ. لَا يَقُولُونَ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ وَجْهٌ يُوَلِّيهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، وَجَنْبٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وَسَمَّاهُ جِسْمًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ جِسْمًا، لَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَمَنْ حَكَى عَنْهُ يُثْبِتْ لَهُ خَصَائِصَ الْأَجْسَامِ الْمُرَكَّبَةِ، فَهَؤُلَاءِ إِنْ أَطْلَقُوا مَا نَفَاهُ، فَلَا حُجَّةَ لِلنَّصَارَى عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُطْلِقُوهُ، فَحُجَّتُهُمْ أَبْعَدُ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى أَفْسَدِ النَّاسِ قَوْلًا فِي التَّجْسِيمِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ لِهَؤُلَاءِ النَّصَارَى: إِمَّا أَن تَعْنُوا بِلَفْظِ الْجِسْمِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الْجَسَدُ، وَإِمَّا أَنْ تَعْنُوا بِهِ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ، كَالْمُشَارِ إِلَيْهِ مَثَلًا.
فَإِنْ عَنَيْتُمُ الْأَوَّلَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِ ذَلِكَ نَفْيُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الصِّفَاتِ لَا سِيَّمَا وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّهُ جَوْهَرٌ، وَقَسَّمْتُمُ الْجَوْهَرَ إِلَى لَطِيفٍ وَكَثِيفٍ.
فَإِذَا كَانَ الْكَثِيفُ هُوَ الْجِسْمُ، وَاللَّطِيفُ جَوْهَرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ، لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى مِثْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الصِّفَاتِ كَالْمَلَائِكَةِ،
[ ٤ / ٤٣٧ ]
فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَمْتَنِعُ وَصْفُهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَجْسَامًا عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ، بَلْ هِيَ جَوَاهِرُ رُوحَانِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ رُوحُ الْإِنْسَانِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ، لَا يَمْتَنِعُ وَصْفُهَا بِمَا يُنَاسِبُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ نَفْيَ مُسَمَّى الْجِسْمِ اللُّغَوِيِّ عَنِ الشَّيْءِ، لَا يَمْتَنِعُ اتِّصَافُهُ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَاتِ وَأَمْثَالِهَا.
وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالْجِسْمِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ أَوِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ - عِنْدَكُمْ - أَنْ يَكُونَ جِسْمًا، فَإِنَّكُمْ سَمَّيْتُمُوهُ جَوْهَرًا، وَعَنَيْتُمُ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ.
فَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ يُشَارُ إِلَيْهِ، كَانَ أَيْضًا مُشَارًا إِلَيْهِ.
وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، كَانَ جَوْهَرًا وَجِسْمًا عِنْدَ مَنْ يُفَسِّرُ الْجِسْمَ بِالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ لَمْ يُسَمَّ عِنْدَهُ جِسْمًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى - أَصْلِكُمْ - لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُسَمَّى جِسْمًا مَعَ تَسْمِيَتِكُمْ لَهُ جَوْهَرًا، إِلَّا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ مَا هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَهَذَا لَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَقَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَافَقُوهُمْ.
ثُمَّ يُقَالُ لَكُمْ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ حَيٌّ نَاطِقٌ، وَلَهُ حَيَاةٌ وَنُطْقٌ، بَلْ زِدْتُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَعَلْتُمُوهُ أَقَانِيمَ ثَلَاثَةً.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَيَاةَ وَالنُّطْقَ لَا تُعْقَلُ إِلَّا صِفَةً قَائِمَةً بِمَوْصُوفٍ، وَلَا يُعْلَمُ مَوْصُوفٌ بِالْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ إِلَّا مَا هُوَ مُشَارٌ إِلَيْهِ، بَلْ مَا هُوَ جِسْمٌ كَالْإِنْسَانِ.
فَإِنْ جَازَ لَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا هَذِهِ الْأَعْرَاضَ فِي غَيْرِ جِسْمٍ، جَازَ لِغَيْرِكُمْ أَنْ يُثْبِتَ الْمَجِيءَ وَالْيَدَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْجِسْمِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا لَا يُعْقَلُ إِلَّا لِجِسْمٍ، قِيلَ لَكُمْ: وَذَلِكَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا لِجِسْمٍ، فَإِنْ رَجَعْتُمْ إِلَى الشَّاهِدِ، كَانَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، وَإِنْ جَازَ لَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا فِي الْغَائِبِ حُكْمًا عَلَى خِلَافِ الشَّاهِدِ، جَازَ لِغَيْرِكُمْ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ مَا نَفَاهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَثْبَتُّمُوهُ، لَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنْهُمْ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ حَقًّا عَلَى وَجْهِهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ وَقَعَ التَّحْرِيفُ فِي الطَّرَفَيْنِ؟
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: غَايَةُ مَقْصُودِكُمْ أَنْ تَقُولُوا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَطْلَقُوا أَلْفَاظًا ظَاهِرُهَا كُفْرٌ عِنْدَهُمْ، لِمَجِيءِ النَّصِّ بِهَا، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ظَاهِرَ مَدْلُولِهَا، كَذَلِكَ نَحْنُ أَطْلَقْنَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي ظَاهِرُهَا كُفْرٌ، لِمَجِيءِ النَّصِّ بِهَا، وَنَحْنُ لَا نَعْتَقِدُ مَدْلُولَهَا.
فَيُقَالُ لَكُمْ: أَوَّلًا: إِنَّ مَا أَطْلَقَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ أَطْلَقْتُمُوهُ أَنْتُمْ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ، فَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَمَا اخْتَصَصْتُمْ بِهِ مِنَ التَّثْلِيثِ، وَالِاتِّحَادِ لَمْ يَشْرَكُوكُمْ فِيهِ.
ثُمَّ يُقَالُ ثَانِيًا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَطْلَقُوا أَلْفَاظَ النُّصُوصِ، وَأَنْتُمْ أَطْلَقْتُمْ أَلْفَاظًا لَمْ يَرِدْ بِهَا نَصٌّ.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
وَالْمُسْلِمُونَ قَرَنُوا تِلْكَ الْأَلْفَاظَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ مِنْ نَفْيِ التَّمْثِيلِ.
وَأَنْتُمْ لَمْ تَقْرِنُوا بِأَلْفَاظِكُمْ مَا يَنْفِي مَا أَثْبَتُّمُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ.
وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَعْتَقِدُوا مَعْنًى بَاطِلًا.
وَأَنْتُمُ اعْتَقَدْتُمْ مِنَ التَّثْلِيثِ فِي الْأَقَانِيمِ وَالِاتِّحَادِ مَا هُوَ مَعْنًى بَاطِلٌ.
وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يُسَمُّوا صِفَاتِ اللَّهِ بِأَسْمَاءٍ أَحْدَثُوا تَسْمِيَةَ الصِّفَاتِ بِهَا وَحَمَلُوا كَلَامَ الرُّسُلِ عَلَيْهَا.
وَأَنْتُمْ أَحْدَثْتُمْ لِصِفَاتِ اللَّهِ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهُ أَنْتُمْ بِهَا لَمْ تَسْمَعْهُ الرُّسُلُ، وَحَمَلْتُمْ كَلَامَ الرُّسُلِ عَلَيْهَا.
وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَعْدِلُوا عَنِ النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ الْمُحْكَمَةِ الْبَيِّنَةِ الْوَاضِحَةِ إِلَى أَلْفَاظٍ قَلِيلَةٍ مُتَشَابِهَةٍ.
وَأَنْتُمْ عَدَلْتُمْ عَنْ هَذَا إِلَى هَذَا.
وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَضَعُوا لَهُمْ شَرِيعَةَ اعْتِقَادٍ غَيْرِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وَأَنْتُمْ وَضَعْتُمْ شَرِيعَةَ اعْتِقَادٍ غَيْرِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَقُولُوا قَوْلًا لَا يُعْقَلُ.
وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ قَوْلًا لَا يُعْقَلُ.
وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَتَنَاقَضُوا، فَيَجْعَلُوا الْإِلَهَ وَاحِدًا وَيَجْعَلُونَهُ
[ ٤ / ٤٤٠ ]
اثْنَيْنِ، بَلْ ثَلَاثَةً، وَأَنْتُمْ تَنَاقَضْتُمْ.
فَهَذِهِ الْفُرُوقُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ تَشْبِيهِكُمْ أَنْفُسَكُمْ بِالْمُسْلِمِينَ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: قَوْلُكُمْ: وَكَذَلِكَ - نَحْنُ النَّصَارَى - الْعِلَّةُ فِي قَوْلِنَا: (إِنَّ اللَّهَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، أَبٍ، وَابْنٍ، وَرُوحِ قُدُسٍ، أَنَّ الْإِنْجِيلَ نَطَقَ بِهِ.
فَيُقَالُ لَكُمْ: هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ لَا الْإِنْجِيلُ وَلَا شَيْءٌ مِنَ النُّبُوَّاتِ بِأَنَّ اللَّهَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، وَلَا خَصَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الرَّبَّ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا قَالَ الْمَسِيحُ وَلَا غَيْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْأَبُ وَالِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ، وَلَا إِنَّ لَهُ أُقْنُومًا هُوَ الِابْنُ، وَأُقْنُومًا هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، وَلَا قَالَ: إِنَّ الِابْنَ كَلِمَتُهُ أَوْ عِلْمُهُ أَوْ حِكْمَتُهُ أَوْ نُطْقُهُ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَيَاتُهُ، وَلَا سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا وَلَا وَلَدًا، وَلَا قَالَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ إِنَّهُ مَوْلُودٌ، وَلَا جَعَلَ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ مَوْلُودًا، وَلَا قَالَ لَا عَنْ قَدِيمٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَلَا قَالَ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ إِنَّهَا آلِهَةٌ، وَإِنَّ الْكَلِمَةَ إِلَهٌ وَالرُّوحَ إِلَهٌ، وَلَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ لَا بِذَاتِهِ وَلَا بِصِفَاتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَشَرِ، بَلْ هَذَا كُلُّهُ مِمَّا ابْتَدَعْتُمُوهُ وَخَرَجْتُمْ بِهِ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، فَخَالَفْتُمُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ وَالْعُقُولَ الصَّرِيحَةَ، وَكُنْتُمْ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]
[ ٤ / ٤٤١ ]
فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ الَّذِينَ سَمَّيْتُمْ نُطْقَ اللَّهِ ابْنًا، وَقُلْتُمْ: سَمَّيْنَاهُ ابْنًا ; لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ كَمَا يَتَوَلَّدُ الْكَلَامُ مِنَ الْعَقْلِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ تُسَمُّوا حَيَاتَهُ ابْنًا ; لِأَنَّهَا مُنْبَثِقَةٌ مِنْهُ وَمُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ أَيْضًا، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ عِلْمِ الرَّبِّ وَحَيَاتِهِ.
فَعِلْمُهُ لَازِمٌ لَهُ وَحَيَاتُهُ لَازِمَةٌ لَهُ، فَلِمَاذَا جَعَلْتُمْ هَذَا ابْنًا دُونَ هَذَا.
وَقُلْتُمْ: إِنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، وَأَنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُسَمِّ عِلْمَ اللَّهِ وَلَا كَلَامَهُ وَلَا حِكْمَتَهُ مَوْلُودًا مِنْهُ.
وَالَّذِي يَعْقِلُهُ الْخَلْقُ فِي الْمَوْلُودِ الَّذِي يُولَدُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا يَتَوَلَّدُ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، أَنَّهُ حَادِثٌ فِيهِ أَوْ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، لَا يُعْقَلُ أَنَّهُ قَائِمٌ بِهِ، وَأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ.
ثُمَّ قُلْتُمْ فِي أَمَانَتِكُمْ، إِنَّهُ تَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، أَوْ مِنْهُ وَمِنْ مَرْيَمَ.
وَهُوَ إِنَّمَا تَجَسَّمَ عِنْدَكُمْ مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمَّيْتُمُوهَا الِابْنَ دُونَ رُوحِ الْقُدُسِ.
وَإِنْ كَانَ تَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، فَيَكُونُ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ لَا يَكُونُ هُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ الِابْنُ.
ثُمَّ تَقُولُونَ: هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أُقْنُومَيْنِ، أُقْنُومَ الْكَلِمَةِ وَأُقْنُومَ الرُّوحِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكُمْ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
فَهَذَا تَنَاقُضٌ وَحَيْرَةٌ، تَجْعَلُونَهُ الِابْنَ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ، وَهُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ فَقَطْ
وَتَقُولُونَ: تَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَلَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ تَجَسَّمَ مِنَ الْكَلِمَةِ.
وَتَقُولُونَ: هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، وَالْكَلِمَةُ وَالرُّوحُ أُقْنُومَانِ.
وَلَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ أُقْنُومَانِ، بَلْ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ.
وَتَقُولُونَ: إِنَّهُ خَالِقُ الْعَالَمِ، وَالْخَالِقُ هُوَ الْأَبُ وَتَقُولُونَ: لَيْسَ هُوَ الْأَبُ، وَتَقُولُونَ: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَتَقُولُونَ: إِلَهٌ وَاحِدٌ سَاوَى الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ.
وَتَقُولُونَ: لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ تُشَبِّهُونَ أَنْفُسَكُمْ بِمَنِ اتَّبَعَ نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يُحَرِّفْهَا؟
وَغَايَةُ مَا عِنْدَكُمْ مَا وُجِدَ فِي إِنْجِيلِ " مَتَّى " دُونَ سَائِرِ الْأَنَاجِيلِ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - قَالَ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ) .
وَأَنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالِابْنِ صِفَةَ اللَّهِ، لَا كَلَامَهُ وَلَا عِلْمَهُ وَلَا حِكْمَتَهُ.
وَلَا يُرِيدُونَ بِالِابْنِ: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَلَا مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ،
[ ٤ / ٤٤٣ ]
بَلْ يُرِيدُونَ بِهِ وَلِيَّهُ، وَهُوَ نَاسُوتٌ لَا لَاهُوتٌ، كَيَعْقُوبَ وَالْحَوَارِيِّينَ.
وَلَا يُرِيدُونَ بِرُوحِ الْقُدُسِ نَفْسَ حَيَاةِ اللَّهِ، وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ رَبٌّ حَيٌّ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهَا الْمَلَكَ أَوْ مَا يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ مِنَ الْهُدَى وَالتَّأْيِيدِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَرُوحُ الْقُدُسِ يَكُونُ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا كَانَتْ فِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَكَانَتْ فِي الْحَوَارِيِّينَ.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ وُجِدَ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ مُسْتَعْمَلًا تَارَةً فِي كَلِمَةِ اللَّهِ، وَتَارَةً فِي وَلِيِّهِ النَّاسُوتِ، وَرُوحَ الْقُدُسِ مُسْتَعْمَلًا تَارَةً فِي حَيَاتِهِ، وَتَارَةً فِيمَا يُنْزِلُهُ عَلَى قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ - كَانَ جَزْمُكُمْ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ هُنَا صِفَاتِ اللَّهِ جَزْمًا بَاطِلًا.
فَمَا وُصِفَ بِهِ الْمَسِيحُ مِنْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَمِنْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ فِيهِ - قَدْ وُصِفَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
فَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَسِيحِ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا كَالْمَسِيحِ، إِذِ الَّذِي حَلَّ فِي الْمَسِيحِ حَلَّ فِي غَيْرِهِ.
ثُمَّ جَزْمُكُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَقَانِيمُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ صِفَاتٌ ذَاتِيَّةٌ أَوْ جَوْهَرِيَّةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ إِلَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ، ثُمَّ تَفَرَّقْتُمْ فِي الثَّلَاثَةِ، هَلِ الْمُرَادُ بِالْأَقَانِيمِ الْوُجُودُ وَالْعِلْمُ وَالْحَيَاةُ، أَوِ الْحِكْمَةُ وَالْكَلَامُ، أَوِ النُّطْقُ
[ ٤ / ٤٤٤ ]
بَدَلَ لَفْظِ الْعِلْمِ، أَوِ الْمُرَادُ الْوُجُودُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ، بَدَلَ الْحَيَاةِ، أَوِ الْمُرَادُ الْوُجُودُ وَالْحَيَاةُ وَالْقُدْرَةُ، أَوِ الْمُرَادُ الْوُجُودُ مَعَ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ؟ إِلَى أَقْوَالٍ أُخْرَى يَطُولُ أَمْرُهَا.
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي، مَا الَّذِي أَرَادَ الْمَسِيحُ بِلَفْظِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي اخْتَلَفْتُمْ فِيهَا، لَوْ كَانَ مُرَادُهُ مَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ؟
وَالْأَقَانِيمُ - لَفْظًا وَمَعْنًى - لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ قِيلَ فِيهَا: إِنَّهَا لَفْظَةٌ رُومِيَّةٌ، يُفَسِّرُونَهَا تَارَةً بِالْأَصْلِ، وَتَارَةً بِالشَّخْصِ، وَتَارَةً بِالذَّاتِ مَعَ الصِّفَةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا تَارَةً بِالْخَاصَّةِ، وَتَارَةً بِالصِّفَةِ.
فَهَلَّا تَرَكْتُمْ كَلَامَ الْمَسِيحِ عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ تُحَرِّفُوهُ هَذِهِ التَّحْرِيفَاتِ.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إِذْ قَالَ: لَوْ سَأَلْتَ نَصْرَانِيًّا وَابْنَهُ وَابْنَ ابْنِهِ عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ، لِأَخْبَرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ بِعَقِيدَةٍ تُخَالِفُ عَقِيدَةَ الْآخَرِ، إِذْ كَانَ أَصْلُ اعْتِقَادِهِمْ جَهْلًا وَضَلَالًا، لَيْسَ مَعَهُمْ عِلْمٌ لَا نَقْلٌ وَلَا عَقْلٌ، فَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]
وَلَيْسَ مَعَهُمْ بِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ عِلْمٌ، بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَضْلًا عَمَّا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ عِلْمٌ يَهْتَدُونَ بِهِ، فَلَيْسُوا
[ ٤ / ٤٤٥ ]
بِمُهْتَدِينَ فَضْلًا عَمَّا هُوَ أَخَصُّ مِنَ الْهُدَى وَهُوَ " كِتَابٌ مُنِيرٌ " فَلَيْسَ مَعَهُمْ بِهِ كِتَابٌ مُنِيرٌ.
وَلَوْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ، وَقُلْتُمْ: لَا نَفْهَمُ مَعْنَاهُ أَوْ ظَاهِرُهُ بَاطِلٌ، وَلَهُ تَأْوِيلٌ مَقْبُولٌ، كَمَا حَكَيْتُمُوهُ عَمَّنْ تَشَبَّهْتُمْ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي الصِّفَاتِ - لَكَانَ هَذَا أَقْرَبَ إِلَى الْقِيَاسِ.
فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ بِعَكْسِ مَا ذَكَرْتُمْ؟
وَذَلِكَ يَتَبَيَّنُ بِالْوَجْهِ التَّاسِعِ: وَهُوَ أَنَّكُمْ إِنَّمَا ضَلَلْتُمْ بِعُدُولِكُمْ عَنْ صَرِيحِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَظَاهِرِهِ، إِلَى مَا تَأَوَّلْتُمُوهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا لَفْظُهُ، لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، فَعَدَلْتُمْ عَنِ الْمُحْكَمِ وَاتَّبَعْتُمُ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ.
فَلَوْ تَمَسَّكْتُمْ بِظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ، لَمْ تَضِلُّوا، فَإِنَّ الِابْنَ ظَاهِرُهُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، لَا يُرَادُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، بَلْ يُرَادُ بِهِ وَلِيُّهُ وَحَبِيبُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَرُوحُ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهِ صِفَتُهُ، بَلْ يُرَادُ بِهِ وَحْيُهُ وَمَلَكُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَعَدَلْتُمْ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَمَفْهُومِهِ إِلَى مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْبَتَّةَ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمُ اتَّبَعْتُمْ نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ؟
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّكُمْ بَالَغْتُمْ فِي ذَمِّ الْمَسِيحِ وَإِنْجِيلِهِ، كَمَا بَالَغْتُمْ فِي سَبِّ اللَّهِ وَشَتْمِهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ ذَمٌّ، فَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَجْعَلُوا ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَسِيحِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ حَتَّى جَعَلْتُمْ ظَاهِرَهُ كُفْرًا لَا تَرْضَوْنَهُ، مِثْلَ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ مُتَّفِقَةٍ أَوْ مُتَفَرِّقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَجْسَامٍ مُؤَلَّفَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مُفَرَّقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ.
فَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الَّذِي ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَسِيحِ - ﵇ -.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهَذَا الظَّاهِرِ، بَلْ تُكَفِّرُونَ قَائِلَهُ، كَمَا يُكَفِّرُ الْمُسْلِمُونَ مَنْ يَقُولُ بِالظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ التَّجْسِيمُ وَالتَّمْثِيلُ.
وَهَذَا مَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ كَلَامَ الْمَسِيحِ ظَاهِرٌ فِي إِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ مُؤَلَّفَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ.
كَمَا زَعَمْتُمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ التَّجْسِيمُ، وَأَنَّكُمْ عَدَلْتُمْ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ إِلَى إِثْبَاتِ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي جَعَلْتُمْ فِيهَا كَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ ابْنُهُ، وَهُوَ جَوْهَرٌ خَالِقٌ يُسَاوِيهِ فِي الْجَوْهَرِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ هَذَا الِابْنُ الْمُسَاوِي لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ خَالِقُ الْعَالَمِينَ، وَدَيَّانُ يَوْمِ الدِّينِ وَالْجَالِسُ فَوْقَ الْعَرْشِ عَنْ يَمِينِ الرَّبِّ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَالرُّوحُ أَيْضًا إِلَهٌ ثَالِثٌ، وَالْآلِهَةُ الثَّلَاثَةُ إِلَهٌ وَاحِدٌ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فِيهِ مِنْ عَيْبِ الْمَسِيحِ وَذَمِّهِ مَا يَنْتَصِرُ اللَّهُ بِهِ لِلْمَسِيحِ، وَمِمَّنِ افْتَرَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ.
فَإِنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - عَلَى قَوْلِكُمْ - لَمْ يُفْصِحْ لَكُمْ بِأَمَانَةٍ تَعْتَقِدُونَهَا، وَلَا بِتَوْحِيدٍ تَعْرِفُونَ بِهِ رَبَّكُمْ - ﷿ -، بَلْ تَكَلَّمَ بِمَا ظَاهِرُهُ إِثْبَاتُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَجْسَامٍ مُرَكَّبَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَصْلَحْتُمْ ذَلِكَ حَتَّى جَعَلْتُمُوهُ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ، وَوَضَعْتُمْ تِلْكَ الْأَمَانَةَ الْمُخَالِفَةَ لِعُقُولِ ذَوِي الْعُقُولِ، وَلِكُلِّ كِتَابٍ جَاءَ بِهِ رَسُولٌ، مَعَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَنْطِقْ بِتَثْلِيثٍ قَطُّ، وَلَا بِاتِّحَادٍ، وَلَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَعَمَّدْتُمْ عَلَى مَا نَقَلَهُ " مَتَّى " عَنْهُ دُونَ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قَالَ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) .
[ ٤ / ٤٤٧ ]
وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ، بَلْ نَصُّهُ حُجَّةٌ عَلَى خِلَافِ قَوْلِكُمْ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالِابْنِ نَفْسَهُ، وَهُوَ النَّاسُوتُ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ صِفَةَ اللَّهِ، وَأَرَادَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، أَوْ رُوحَ الْقُدُسِ الَّذِي نَفَخَ فِي أُمِّهِ حَتَّى حَبِلَتْ بِهِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ صِفَةَ اللَّهِ - تَعَالَى -.
فَتَأَوَّلْتُمْ كَلَامَهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ، تَأْوِيلًا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحَ الْمَنْقُولِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ تَمَسَّكْتُمْ بِظَاهِرِ كَلَامِهِ؟
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ النَّصَارَى فِي التَّثْلِيثِ مُتَنَاقِضًا فِي نَفْسِهِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، صَارَ مُجَرَّدُ تَصَوُّرِهِ التَّامِّ كَافِيًا فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَدِلَّةُ تَظْهَرُ بِفَسَادِهِ.
وَلِهَذَا سَلَكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَلَامِ مَعَهُمْ هَذَا الْمَسْلَكَ، وَهُوَ أَنَّ مُجَرَّدَ تَصَوُّرِ مَذْهَبِهِمْ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ.
وَقَالُوا: إِنَّ النَّصَارَى نَاقَضَتْ فِي اللَّفْظِ وَأَحَالَتْ فِي الْمَعْنَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ مَا يَدَّعُونَ انْتِحَالَهُ لِتَنَاقُضِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاحِدٌ، وَالْوَاحِدَ ثَلَاثَةٌ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُعْتَقِدُ فِي شَيْءٍ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ، مَعَ اعْتِقَادِهِ فِيهِ أَنَّهُ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَضَادٌّ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَنَّهُ وَاحِدٌ.
وَلَيْسَ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْرَفَ بِدَلِيلٍ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الْوَاحِدَ ثَلَاثَةٌ، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْقَلُ.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
وَهُوَ كَمَنِ ادَّعَى فِي الشَّيْءِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ مَعْدُومٌ، أَوْ قَدِيمٌ مُحْدَثٌ، أَوْ فِي الْجِسْمِ أَنَّهُ قَائِمٌ قَاعِدٌ، مُتَحَرِّكٌ سَاكِنٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَتَنَاقُضُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى دَلَالَةٍ.
وَإِذَا قَالَ النَّصَارَى: إِنَّهُ أَحَدِيُّ الذَّاتِ ثُلَاثِيُّ الصِّفَاتِ.
قِيلَ: لَوِ اقْتَصَرْتُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ وَاحِدٌ لَهُ صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يُنْكِرُونَ تَخْصِيصَ الصِّفَاتِ بِثَلَاثٍ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
مِنْهَا: أَنَّ الْأَبَ عِنْدَكُمْ هُوَ الْجَوْهَرُ لَيْسَ هُوَ صِفَةٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ صِفَةٌ إِلَّا الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ، فَيَكُونُ جَوْهَرًا وَاحِدًا لَهُ أُقْنُومَانِ، وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمْ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّكُمْ تَارَةً تُفَسِّرُونِ رُوحَ الْقُدُسِ بِالْحَيَاةِ، وَتَارَةً بِالْقُدْرَةِ، وَتَارَةً بِالْوُجُودِ.
وَتُفَسِّرُونَ الْكَلِمَةَ تَارَةً بِالْعِلْمِ، وَتَارَةً بِالْحِكْمَةِ، وَتَارَةً بِالْكَلَامِ.
فَبُطْلَانُ قَوْلِكُمْ فِي إِثْبَاتِ ثَلَاثِ صِفَاتٍ، كَثِيرٌ وَأَنْتُمْ مَعَ هَذَا تَجْعَلُونَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَهًا. فَتَجْعَلُونَ الْحَيَاةَ إِلَهًا، وَالْعِلْمَ إِلَهًا، وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتِ الصِّفَاتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْكُمْ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِذَا قِيلَ: أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ الْأَبْعَاضَ
[ ٤ / ٤٤٩ ]
الْكَثِيرَةَ تَكُونُ إِنْسَانًا وَاحِدًا، وَالْآحَادَ الْكَثِيرَةَ عَشَرَةً وَاحِدَةً، وَالْأَجْسَامَ الْكَثِيرَةَ دَارًا وَاحِدَةً وَمَدِينَةً وَاحِدَةً، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى.
فَكَيْفَ عِبْتُمْ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى؟ وَلِمَ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ جَوْهَرًا وَاحِدًا؟
قِيلَ: إِنَّ قَوْلَنَا: إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، وَدَارٌ وَاحِدَةٌ، وَعَشَرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، أَسْمَاءٌ تُنْبِئُ عَنِ الْجُمَلِ لَا عَنْ آحَادٍ.
وَإِذَا قُلْنَا: إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، فَكَأَنَّا قُلْنَا: جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: عَشَرَةٌ وَاحِدَةٌ، لَا أَنَّا نُثْبِتُهُ وَاحِدًا فِي الْحَقِيقَةِ.
كَيْفَ وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ أَبْعَاضَ الْإِنْسَانِ مُتَغَايِرَةٌ، فَكُلُّ بَعْضٍ مِنْهَا غَيْرُ سَائِرِهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ غَيْرُ سَائِرِهَا؟
فَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا: إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، فَلَسْنَا نُثْبِتُهُ شَيْئًا وَاحِدًا فِي نَفْسِهِ، وَلَوْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ، لَتَنَاقَضْنَا مُنَاقَضَةَ النَّصَارَى، وَإِنَّمَا قُلْنَا: هِيَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، لَمْ تَتَنَاقَضْ، حَتَّى يَزْعُمُوا أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
فَيَكُونُ مُرَادُهُمْ فِي ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الْأَقَانِيمَ الثَّلَاثَةَ، بِأَنَّهَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ مِمَّا نُرِيدُ بِقَوْلِنَا: الْأَبْعَاضُ الْكَثِيرَةُ - أَنَّهُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ.
فَيَكُونُ وَصْفُهُمْ لَهَا بِأَنَّهَا جَوْهَرٌ، إِنَّمَا يُنْبِئُ أَنَّهَا جُمْلَةً، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يَعْتَقِدُونَهُ وَلَا يَجْعَلُونَ لَهُ مَعْنًى ; لِأَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَ
[ ٤ / ٤٥٠ ]
حَقِيقَةَ التَّثْلِيثِ، فَيُثْبِتُونَ الْأَقَانِيمَ الثَّلَاثَةَ مُتَغَايِرَةً، وَلَا حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ، فَيُثْبِتُونَ الْقَدِيمَ وَاحِدًا لَيْسَ بِاثْنَيْنِ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَا قَالُوهُ هُوَ شَيْءٌ لَا يُعْقَلُ، وَلَا يَصْلُحُ اعْتِقَادُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضُوا عَلَى قَوْلِهِمْ بِكُلِّ حَالٍ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: إِذَا جَازَ عِنْدَكُمْ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَثَلَاثَةُ فَاعِلِينَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَثَلَاثَةُ أَغْيَارٍ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَثَلَاثَةُ قَادِرِينَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَكُلُّ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَكُلُّ مَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مِنَ الْمُعَارَضَةِ؟ فَلَا يَجِدُونَ فَصْلًا.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ غُلَاةَ الْمُجَسِّمَةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْكُمْ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَهُمْ أَقَلُّ مُخَالَفَةً لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْكُمْ.
فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا مِنْكُمْ، فَكَيْفَ تُشَبِّهُونَ أَنْفُسَكُمْ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ لَا بِتَمْثِيلٍ وَلَا بِتَعْطِيلٍ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَسَائِرَ كُتُبِ اللَّهِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَأْثُورٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ صَرِيحَةٌ ظَاهِرَةٌ وَاضِحَةٌ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَهُوَ مُسَمًّى فِيهَا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ الْعُلَى، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ، لَيْسَ فِيهِ
[ ٤ / ٤٥١ ]
تَثْلِيثٌ وَلَا اتِّحَادُ الْخَالِقِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، لَا الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ.
وَفِيهَا أَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ مُشْكِلَةٌ مُتَشَابِهَةٌ، وَهِيَ - مَعَ ذَلِكَ - لَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَلَكِنَّ بَعْضَهَا يَحْتَمِلُ بَعْضَ مَا قُلْتُمْ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ مَا قُلْتُمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِيهِ أَوْ نَصًّا، بَلْ بَعْضُهَا يَحْتَمِلُ بَعْضَ قَوْلِكُمْ.
فَأَخَذْتُمْ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ وَضَمَمْتُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ وَالتَّنَاقُضِ الْقَبِيحِ مَا صَيَّرْتُمُوهُ أَمَانَةً لَكُمْ ; (أَيْ عَقِيدَةَ إِيمَانٍ لَكُمْ) .
وَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَحْتَمِلُ جَمِيعَ مَا قُلْتُمْ، لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنِ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ إِلَى الْمُحْتَمَلِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا ظَاهِرًا فِيمَا قُلْتُمْ، لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ إِلَى الظَّاهِرِ الْمُحْتَمَلِ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِيهَا نُصُوصًا صَرِيحَةً قَدْ عَارَضَتْهَا نُصُوصٌ أُخْرَىَ صَرِيحَةٌ، لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَنْظُرُوا بِنُورِ اللَّهِ الَّذِي أَيَّدَ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُوَافِقُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَسَائِرَ كُتُبِ اللَّهِ، وَذَلِكَ النَّصُّ الْآخَرُ إِنْ فَهِمُوا تَفْسِيرَهُ، وَإِلَّا فَوَّضُوا مَعْنَاهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَهَؤُلَاءِ عَدَلُوا عَمَّا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَعَمَّا يُعْلَمُ بِنُصُوصِ
[ ٤ / ٤٥٢ ]
الْأَنْبِيَاءِ الْكَثِيرَةِ، إِلَى مَا يَحْتَمِلُهُ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ لِمُوَافَقَتِهِ لِهَوَاهُمْ، فَلَمْ يَتَّبِعُوا: ﴿إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]
وَأَمَّا كُفَّارُ الْمُجَسِّمَةِ، فَهَؤُلَاءِ أَعْذَرُ وَأَقَلُّ كُفْرًا مِنَ النَّصَارَى، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ كَمَا يَقُولُهُ مَعَهُمُ النُّفَاةُ: إِنَّ ظَوَاهِرَ جَمِيعِ الْكُتُبِ هُوَ التَّجْسِيمُ.
فَفِي التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّجْسِيمُ مَا لَا يُحْصَى.
وَلَيْسَ فِيهَا نَصٌّ بِمَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ، وَلَا مُتَّصِلٌ بِهِ وَلَا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَلَا هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَلَا يَصَعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَدْنُو مِنْ شَيْءٍ، وَلَا يَدْنُو إِلَيْهِ شَيْءٌ، إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ النَّفْيِ الَّذِي يَقُولُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ.
فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لَا التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّاتِ - مِنْ هَذَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَكُلُّهَا مَمْلُوءَةٌ مِمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ تَجْسِيمٌ.
فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ اتَّبَعْنَا نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ نَعْدِلْ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَلَمْ نَجِدْ فِي نُصُوصِهِمْ نَصًّا مُحْكَمًا صَرِيحًا بِالنَّفْيِ الَّذِي يَقُولُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
وَوَجَدْنَا نُصُوصَهُمْ كُلَّهَا بِالْإِثْبَاتِ الَّذِي يَقُولُونَ: إِنَّهُ تَجْسِيمٌ.
فَكَانَ عَلَى قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ نُصُوصُ الْأَنْبِيَاءِ ظَاهِرَةً فِي التَّجْسِيمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ نَصٌّ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، فَاتَّبَعْنَا نُصُوصَهُمْ، وَكُلُّ مَنْ عَارَضَ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ، لَمْ يُعَارِضْهَا بِنُصُوصٍ صَرِيحَةٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، لَكِنْ بِحُجَجٍ عَقْلِيَّةٍ.
فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ النَّصَارَى خَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ، وَصَرِيحَ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاتَّبَعُوا قَلِيلًا مِنْ مُتَشَابِهِ كَلَامِهِمْ، وَنَحْنُ اتَّبَعْنَا نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ نُخَالِفْ شَيْئًا مِنْ صَرِيحِ نُصُوصِهِمْ، وَلَكِنْ مُخَالِفُنَا يَقُولُ: إِنَّا خَالَفْنَا الْعَقْلَ.
وَنَحْنُ نُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ، وَنَدَّعِي أَنَّ الْعَقْلَ مَعَنَا لَا عَلَيْنَا، وَأَنَّ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ الَّتِي تُعَارِضُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ.
أَوْ يَقُولُونَ: نَحْنُ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّا لَا نُعَارِضُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِالشُّبَهِ الْعَقْلِيَّةِ، لَكِنْ نَحْنُ اتَّبَعْنَا كَلَامَهُمْ الْمُحْكَمَ الظَّاهِرَ الْكَثِيرَ، الَّذِينَ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
وَهُمْ خَالَفُوا كَلَامَهُمُ الْكَثِيرَ الْمُحْكَمَ، وَاتَّبَعُوا قَلِيلًا مِنَ الْمُتَشَابِهِ.
وَيَقُولُ الْغُلَاةُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُكَفِّرُهُمْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ الَّذِي يَحْكِي عَنْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَيُعَانِقُ الْمُشَاةَ وَيُصَافِحُ الرُّكْبَانَ، وَأَنَّهُ يَتَمَشَّى فِي الْأَرْضِ، يَكُونُ مَوْطِئُ أَقْدَامِهِ مُرُوجًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
لَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَعْجَبَ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ اتَّحَدَا.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
فَنَحْنُ نَقُولُ أَيْضًا: إِنَّهُ حَلَّ فِي بَعْضِ الْأَجْسَادِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى.
أَوْ نَقُولُ: إِنَّهُ تَجَسَّدَ كَمَا تَتَجَسَّدُ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِجِسْمِ الْمَسِيحِ.
فَإِنَّا قَدْ عَهِدْنَا اللَّطَائِفَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ تَتَصَوَّرُ فِي صُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ، وَلَمْ نَعْهَدْ مَلَكًا صَارَ هُوَ وَالْبَشَرُ شَيْئًا وَاحِدًا.
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَّحِدَ الْمَلَكُ بِالْبَشَرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَّحِدَ رَبُّ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ بِالْبَشَرِ؟
قَالُوا: وَقَدْ يَحُلُّ الْجِنِّيُّ فِي بَدَنِ الْإِنْسِيِّ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَوْهَرَانِ وَمَشِيئَتَانِ وَطَبِيعَتَانِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، لَكِنَّهُ دَخَلَ فِيهِ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِالْبَشَرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: شَخْصٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَابُدَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ نَوْعِ اتِّحَادٍ، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ حُلُولِ الْجِنِّيِّ فِي الْإِنْسِيِّ، فَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُونَهُ مُمْتَنِعًا فِي الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟
[ ٤ / ٤٥٥ ]
وَمِنْ غُلَاةِ الْمُجَسِّمَةِ الْيَهُودِ، مَنْ يُحْكَىعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمِدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَنَّهُ نَدِمَ حَتَّى عَضَّ يَدَهُ وَجَرَى مِنْهُ الدَّمُ)، وَهَذَا كُفْرٌ وَاضِحٌ صَرِيحٌ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: قَوْلُنَا خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى، فَإِنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ: (إِنَّهُ أُخِذَ وَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ كَالتَّاجِ، وَصُلِبَ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَفُعِلَ بِهِ مِنْ أَقْبَحِ مَا يُفْعَلُ بِاللُّصُوصِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ.
وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ بِاللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ جَمِيعًا.
وَشَرِيعَةُ إِيمَانِهِمْ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ لَازِمٌ لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ مَعَ الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ الَّذِي لَا بُدَّ لِطَوَائِفِهِمُ الثَّلَاثَةِ مِنْهُ، يَمْتَنِعُ أَنْ تَحُلَّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتُ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُلَّ فِي النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا كَانَ اثْنَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِالِاتِّحَادِ، امْتَنَعَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اثْنَانِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ، فَالنَّصَارَى الْمُثَلِّثَةُ، إِمَّا أَنْ يُصَرِّحُوا بِالِاتِّحَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَهَؤُلَاءِ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْآلَآمَ حَلَّتْ بِاللَّاهُوتِ.
وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا بِالِاتِّحَادِ مِنْ وَجْهٍ كَقَوْلِ الْمَلَكِيَّةِ: إِنَّهُمَا شَخْصٌ
[ ٤ / ٤٥٦ ]
وَاحِدٌ، وَقَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ: هُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَحِينَئِذٍ فَمَا قَالُوهُ مِنَ التَّعَدُّدِ الَّذِي يُوجِبُ الْمُبَايَنَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ أَحَدُهُمَا بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الْآخَرُ، وَلَا يَحُلُّ بِهِ مَا حَلَّ بِهِ، فَيَكُونُ مُتَنَاقِضًا لِهَذَا.
فَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يَتَنَاقَضُوا فِي الِاتِّحَادِ، كَمَا تَنَاقَضُوا فِي التَّثْلِيثِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ خِيَارِ هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ بِالْكُفْرِ وَبِمَا يُنَاقِضُهُ، وَبِالتَّوْحِيدِ وَبِمَا يُنَاقِضُهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ مِنْ نَدَمٍ وَبُكَاءٍ وَحُزْنٍ، هُوَ دُونَ مَا يَفْعَلُهُ أَعْدَاؤُهُ بِهِ مِنْ ضَرْبٍ وَصَفْعٍ وَجَعْلِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَصَلْبِهِ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَأَنَّ اسْتِغَاثَتَهُ بِمَنْ يُخَلِّصُهُ مِنْ ذَلِكَ أَشَدُّ نَقْصًا مِنْ نَدَمِهِ وَحُزْنِهِ.
وَإِنْ قَالُوا: فَعَلَ هَذَا حَتَّى يُعَلِّمَ عِبَادَهُ التَّشَبُّهَ بِهِ - أَمْكَنَ أُولَئِكَ الْمُجَسِّمَةَ الْكَفَرَةَ أَنْ يَقُولُوا: بَكَى وَنَدِمَ وَعَضَّ يَدَهُ نَدَمًا حَتَّى جَرَى الدَّمُ، حَتَّى يُعَلِّمَ عِبَادَهُ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ، مَا قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ قَوْلًا فِي اللَّهِ، إِلَّا وَقَوْلُ النَّصَارَى أَقْبَحُ مِنْهُ.
وَلِهَذَا، كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - ﵁ - يَقُولُ: لَا تَرْحَمُوهُمْ، فَلَقَدْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَلِهَذَا يُعَظِّمُ اللَّهُ فِرْيَتَهُمْ
[ ٤ / ٤٥٧ ]
عَلَى اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ أَشَدَّ مِنْ تَعْظِيمِ افْتِرَاءِ غَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا - وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا - لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا - وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («يَقُولُ اللَّهُ - ﷿ - كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ») .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («قَالَ اللَّهُ - ﷿ -: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا») .
[ ٤ / ٤٥٨ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ - ﷿ - إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ وَيُجْعَلُ لَهُ نِدٌّ وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ» .)
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْتَقِدُ فِي التَّجْسِيمِ مَا يَعْتَقِدُ، يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى، فَإِنَّ النَّصَارَى عَمَدُوا إِلَى مَا هُوَ جَسَدٌ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ أَجْسَادِ بَنِي آدَمَ، قَالُوا: إِنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ شَيْءٌ، فَمَا بَقِيَ مَعَ هَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي نَظَائِرِهِ مَا يُعْتَقَدُ فِيهِ.
فَلَوْ قَالَ الْقَائِلُ: إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَانَ هُوَ اللَّهُ، لَمْ يَكُنْ هَذَا أَبْعَدَ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى، فَإِنَّ مُعْجِزَاتِ مُوسَى كَانَتْ أَعْظَمَ وَانْتِصَارَهُ عَلَى عَدْوِهِ أَظْهَرَ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ إِلَهًا لِهَارُونَ وَلِفِرْعَوْنَ.
فَإِذَا قِيلَ فِيهِ مَا قَالُوهُ فِي الْمَسِيحِ: إِنَّهُ أَظْهَرَ الْمُعْجِزَ بِلَاهُوتِهِ، وَأَظْهَرَ الْعُبُودِيَّةَ بِنَاسُوتِهِ، لَمْ يَكُنْ بُطْلَانُ هَذَا أَظْهَرَ مِنْ بُطْلَانِ قَوْلِ النَّصَارَى، بَلْ مَتَى جَوَّزُوا اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ، لَمْ يُمْكِنْهُمْ دَفْعُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُدَّعَى فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ، بَلْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ حَلَّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْقَدَادِيسِ، لَمْ يُمْكِنْهُمْ نَفْيُ ذَلِكَ.
وَإِذَا قَالُوا: لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَلَمْ يُبَشِّرْ بِهِ نَبِيٌّ، أَوْ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
قِيلَ لَهُمْ: غَايَةُ هَذَا كُلِّهِ، أَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُمْ عِنْدَكُمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ، فَعَدَمُ عِلْمِكُمْ وَعَدَمُ عِلْمِ غَيْرِكُمْ بِالشَّيْءِ، لَيْسَ عِلْمًا بِعَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَكَذَلِكَ عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا عُدِمَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ الْخَالِقِ، فَلَا يَجُوزُ نَفْيُ الشَّيْءِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الدَّلِيلِ مُسْتَلْزِمًا لِعَدَمِهِ، كَالْأُمُورِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ عَلَى نَقْلِهَا، إِذَا لَمْ يُنْقَلْ عُلِمَ انْتِفَاؤُهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّكُمْ - مَعَ الْعَدَمِ - يُمْكِنُكُمُ النَّفْيُ الْعَامُّ عَنْ غَيْرِ الْمَسِيحِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ كَانَ مُتَّحِدًا بِالْمَسِيحِ عِنْدَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يُخْفِي نَفْسَهُ وَلَا يُظْهِرُ إِلَّا الْعُبُودِيَّةَ.
فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: هَكَذَا كَانَ مُتَّحِدًا بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَكِنْ أَخْفَى نَفْسَهُ لِحِكْمَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَظْهَرَ عَلَى نَفْسِهِ بَعْضَ خَوَاصِّ عِبَادِهِ، أَوْ أَظْهَرَ لِطَائِفَةٍ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا خَبَرُهُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يُمْكِنْ مَعَ تَصْدِيقِ النَّصَارَى فِيمَا يَدَّعُونَهُ الْجَزْمُ بِكَذِبِ هَؤُلَاءِ، بَلْ مَنْ جَوَّزَ قَوْلَ النَّصَارَى، جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْسَامِ، فَيَجْعَلُ كَثِيرًا مِنَ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ هِيَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، إِذْ كَانَتْ لَيْسَ هُوَ مُتَّحِدًا بِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
فَإِذَا اعْتَقَدُوا الِاتِّحَادَ فِيهَا، كَمَا اعْتَقَدَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا ذَلِكَ الْجِسْمَ النَّاسُوتِيَّ الْمَخْلُوقَ.
لَكِنْ ظَنَّ الضَّالُّ أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، كَمَا ظَنَّ عُبَّادُ الْعِجْلِ أَنَّ الْعِجْلَ إِلَهُ مُوسَى. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ الرَّبُّ - ﷿ - بِبَعْضِ الْأَجْسَامِ، لَمْ يُنْكَرْ عَلَى أَصْحَابِ الْعِجْلِ إِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِالْعِجْلِ، وَقَدْ رَأَوْا مِنْهُ نَوْعَ خَرْقِ عَادَةٍ. فَلَيْسَ لِلنَّصَارَى أَنْ يُنْكِرُوا عَلَى عُبَّادِ الْعِجْلِ وَلَا عُبَّادِ شَيْءٍ مِنَ الْأَصْنَامِ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ - ﷿ - حَلَّ فِيهَا عِنْدَهُمْ إِنْ لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَحُلَّ فِي ذَلِكَ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ مُوسَى - ﵇ - أَنْكَرَ عَلَى عُبَّادِ الْعِجْلِ.
قِيلَ: نَعَمْ. وَمُوسَى يُنْكِرُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، حَتَّى لَوْ عَبَدَ أَحَدٌ الشَّجَرَةَ الَّتِي كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْهَا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْكَارُهُ عَلَى النَّصَارَى أَعْظَمُ.
وَمُوسَى - ﵇ - لَمْ يَقُلْ قَطُّ: إِنَّ اللَّهَ يَتَّحِدُ بِشَيْءٍ مَعَ الْمَخْلُوقَاتِ وَيَحُلُّ فِيهِ، بَلْ أَخْبَرَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ - ﷿ - بِمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ.
فَفِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ وَمِنْ تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَعُقُوبَةِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ، وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - ﷿ - مَا يُنَاقِضُ قَوْلَ النَّصَارَى.
[ ٤ / ٤٦١ ]
وَلِهَذَا كَانَ مَنْ تَدَبَّرَ التَّوْرَاةَ وَغَيْرَهَا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - مِنَ النَّصَارَى، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ دِينَهُمْ يُنَاقِضُ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَالشِّرْكِ، لَمْ يُبْعَثْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -.
وَمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ دُعَاءِ الْمَخْلُوقِينَ كَالْمَلَائِكَةِ، أَوْ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ مَاتُوا، مِثْلَ دُعَائِهِمْ مَرْيَمَ وَغَيْرِهَا، وَطَلَبِهِمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ الشَّفَاعَةَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ - لَمْ يُبْعَثْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ وَقَدْ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ لِيَكُونَ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِأَصْحَابِهَا، وَيَدْعُونَ تِلْكَ الصُّوَرَ؟
وَإِنْ قَصَدُوا دُعَاءَ أَصْحَابِهَا، فَهُمْ إِذَا صَرَّحُوا بِدُعَاءِ أَصْحَابِهَا وَطَلَبُوا مِنْهُمُ الشَّفَاعَةَ وَهُمْ مَوْتَى وَغَائِبُونَ، كَانُوا مُشْرِكِينَ.
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الدُّعَاءُ فِي الظَّاهِرِ لِتَمَاثِيلِهِمُ الْمُصَوَّرَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَعْتَرِفُ حُذَّاقُ عُلَمَائِهِمْ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِدِينِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ.
وَلِهَذَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ تَنَازُعٌ فِي اتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِي الْكَنَائِسِ لَمَّا ابْتَدَعَهُ بَعْضُهُمْ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ مَنِ ابْتَدَعَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وَالْمُجَسِّمَةُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، وَأَنَّهُ عَظِيمٌ جِدًّا، لَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُتَّحِدٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ، وَلَا يَحُلُّ فِيهَا. فَمَنْ
[ ٤ / ٤٦٢ ]
قَالَ بِاتِّحَادِهِ وَحُلُولِهِ فِيهَا، كَانَ قَوْلُهُ شَرًّا مِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْمُجَسِّمَةِ.
كَمَا أَنَّ الْمُتَفَلْسِفَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْأَفْلَاكَ أَجْسَامٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِهَا أَوَّلُهَا عِلَّةٌ تَتَشَبَّهُ بِهَا كَمَا يَقُولُهُ " أَرِسْطُو " وَذَوُوهُ، أَوْ يُثْبِتُونَ لَهَا عِلَّةً فَاعِلَةً، لَمْ تَزَلْ مُقَارِنَةً لَهَا، كَمَا يَقُولُهُ " ابْنُ سِينَا " وَأَمْثَالُهُ.
وَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَالِقًا خَلَقَهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ جِسْمٌ فَغَايَتُهُ أَنْ يُثْبِتَ جِسْمًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ
فَمَنْ أَثْبَتَ جِسْمًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَيْسَ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، كَانَ قَوْلُهُ شَرًّا مِنْ قَوْلِ هَذَا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُجَسِّمَةَ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ جِسْمًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ عَالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ وَتَقُومُ بِهِ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ - خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَفْلَاكَ أَجْسَامٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهَا، كَمَا يَقُولُهُ " أَرِسْطُو " وَذَوُوهُ، وَخَيْرٌ مِنَ النَّصَارَى أَيْضًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُمْ: مَنْ قَالَ: ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ مُتَّفِقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ وَالتَّكْثِيرَ وَالتَّبْعِيضَ وَالتَّشْبِيهَ - فَنَحْنُ نَلْعَنُهُ وَنُكَفِّرُهُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ أَيْضًا تَلْعَنُونَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَلَا هُوَ مُسَاوِي الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ
[ ٤ / ٤٦٣ ]
لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِجَالِسٍ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَمَنْ قَالَ أَيْضًا: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَيْسَ بِرَبٍّ حَقٍّ مُحْيٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ.
وَتَلْعَنُونَ أَيْضًا مَعَ قَوْلِكُمْ إِنَّهُ الْخَالِقُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْأَبُ، وَالْأَبُ هُوَ الْخَالِقُ، فَتَلْعَنُونَ مَنْ قَالَ: هُوَ الْأَبُ الْخَالِقُ، وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ هُوَ الْخَالِقُ، فَتَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
فَتَلْعَنُونَ مَنْ جَرَّدَ التَّوْحِيدَ بِلَا شِرْكٍ وَلَا تَثْلِيثٍ، وَمَنْ أَثْبَتَ التَّثْلِيثَ مَعَ انْفِصَالِ كُلِّ وَاحِدٍ عَنِ الْآخَرِ، وَتَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
فَمَنْ أَثْبَتَ أَحَدَهُمَا مُنْفَكًّا عَنِ الْآخَرِ لَعَنْتُمُوهُ، كَمَنْ قَالَ: عِنْدِي وَاحِدٌ ثَلَاثَةٌ.
فَمَنْ قَالَ: هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ بِثَلَاثَةٍ - كَذَّبَهُ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ ثَلَاثَةٌ لَيْسَ وَاحِدًا - كَذَّبَهُ.
وَمَنْ قَالَ: عِنْدِي شَيْءٌ مَوْجُودٌ مَعْدُومٌ، فَمَنْ قَالَ: هُوَ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ - كَذَّبَهُ، وَمَنْ قَالَ: مَعْدُومٌ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ - كَذَّبَهُ.
وَمَنْ قَالَ: عِنْدِي شَيْءٌ هُوَ حَيٌّ مَيِّتٌ، هُوَ عَالِمٌ جَاهِلٌ، هُوَ قَادِرٌ عَاجِزٌ، فَمَنْ قَالَ: هُوَ حَيٌّ لَيْسَ بِمَيِّتٍ - كَذَّبَهُ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ مَيِّتٌ لَيْسَ بِحَيٍّ - كَذَّبَهُ.
فَهَكَذَا أَنْتُمْ تَجْمَعُونَ بَيْنَ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، أَحَدُهُمَا حَقٌّ وَالْآخَرُ بَاطِلٌ.
فَمَنْ قَالَ الْحَقَّ وَنَفَى الْبَاطِلَ لَعَنْتُمُوهُ، وَمَنْ قَالَ الْبَاطِلَ وَنَفَى
[ ٤ / ٤٦٤ ]
الْحَقَّ لَعَنْتُمُوهُ.
وَأَنْتُمْ تُشْبِهُونَ الْمَلَاحِدَةَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ يَسْلُبُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ، أَوْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ إِثْبَاتِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ، فَيَقُولُونَ: لَا نَقُولُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيٍّ، وَلَا هُوَ عَالِمٌ وَلَا لَيْسَ بِعَالِمٍ، وَلَا قَادِرٌ وَلَا لَيْسَ بِقَادِرٍ.
بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا نَقُولُ: هُوَ مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ، وَلَا نَقُولُ هُوَ شَيْءٌ وَلَا نَقُولُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ، وَلَا عَالِمٍ وَلَا جَاهِلٍ، وَلَا قَادِرٍ وَلَا عَاجِزٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا نُطْلِقُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ كَجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ إِثْبَاتِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ، كَالِامْتِنَاعِ عَنْ نَفْيِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِصِفَاتٍ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
وَكُلُّ قَوْلٍ يَتَضَمَّنُ جَمْعَ النَّقِيضَيْنِ وَإِثْبَاتَ الشَّيْءِ وَنَفْيَهُ، أَوْ رَفْعَ النَّقِيضَيْنِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ - فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَبْلَغِ النَّاسِ تَنَاقُضًا يَقُولُونَ الشَّيْءَ وَيَقُولُونَ بِمَا يُنَاقِضُهُ، وَيَلْعَنُونَ مَنْ قَالَ هَذَا وَمَنْ قَالَ هَذَا.
وَأَيْضًا فَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ تَلْعَنُ الْأُخْرَى، فَإِنَّ أَهْلَ الْأَمَانَةِ تَلْعَنُ الْأَرْيُوسِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ طَوَائِفَ النَّصَارَى، وَهُمْ يَلْعَنُونَكُمْ وَكُلٌّ مِنْ فِرَقِكُمْ
[ ٤ / ٤٦٥ ]
الثَّلَاثَةِ، النُّسْطُورِيَّةِ، وَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَالْمَلَكِيَّةِ، تَلْعَنُ الطَّائِفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ.
فَأَنْتُمْ وَالْيَعْقُوبِيَّةُ تَلْعَنُونَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَلِدْ إِلَهًا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِنْسَانًا تَامًّا إِلَهًا تَامًّا.
وَأَنْتُمُ والنُّسْطُورِيَّةُ تَلْعَنُونَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ بِمَشِيئَةٍ وَاحِدَةٍ وَطَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ تَأَلَّمَ مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّ اللَّاهُوتَ مَوْلُودٌ مِنْ مَرْيَمَ، وَمَعَ قَوْلِكُمُ: الْمَسِيحُ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ مَاتَ وَصُلِبَ، وَفِي أَقْوَالِكُمْ مِنَ الْعَجَائِبِ الْمُتَنَاقِضَةِ الَّتِي تُوجِبُ أَنَّكُمْ مَلْعُونُونَ، مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ لَاعِنٌ مَلْعُونٌ، فَلَعْنُكُمْ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَقَالَاتِ، لَا يُوجِبُ أَنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ، بَلْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلْعُونِينَ عِنْدَكُمْ كَطَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِكُمْ. وَالنَّصَارَى طَوَائِفُ كَثِيرُونَ مُخْتَلِفُونَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
وَالطَّوَائِفُ الثَّلَاثَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنْهُمْ - بَعْضُ طَوَائِفِهِمْ، وَإِلَّا فَهُمْ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ مُخْتَلِفُونَ فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ.
وَتَجِدُ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُمْ أَوْ غَيْرِهِمْ فِي مَقَالَاتِهِمْ يَحْكِي أَقْوَالًا غَيْرَ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَاهَا الْآخَرُونَ.
وَمِنْ أَجَلِّ مَنْ جَمَعَ أَخْبَارَهُمْ عِنْدَهُمْ، سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَحَثَ لَهُمْ بَحْثًا اسْتَقْصَى فِيهِ - بِزَعْمِهِ - نَصْرَ مَذْهَبِهِمْ، وَهُوَ مَلَكِيٌّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ
[ ٤ / ٤٦٦ ]
كَلَامَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَفِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ زَوْجَةُ اللَّهِ، وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُهَا إِلَهًا آخَرَ كَالْمَسِيحِ.
وَفِيهِمْ مَنْ يُثْبِتُ أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، الْوِلَادَةَ الْمَعْقُولَةَ الْمَعْرُوفَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ.
وَالْأَمَانَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا عَقِيدَتَهُمْ وَأَصْلَ إِيمَانِهِمْ فِي زَمَنِ " قُسْطَنْطِينَ " بَعْدَ الْمَسِيحِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ الظَّاهِرَةِ تَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ الْقَبِيحَةِ دَلَالَةً بَيِّنَةً.
لَكِنْ عُلَمَاؤُهُمْ يَتَأَوَّلُونَهَا بِتَأْوِيلَاتٍ تُنَاقِضُ مَدْلُولَهَا، مَعَ فَسَادِ تِلْكَ الْمَعَانِي الَّتِي يَحْمِلُونَهَا عَلَيْهَا عَقْلًا وَشَرْعًا.
وَلَيْسَتْ تِلْكَ أَلْفَاظَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يُقَالَ: حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ الطَّوَائِفِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا يَرَوْنَهُ مُتَشَابِهًا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَكَلَّمُوا بِمَا لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَعْنَاهُ، أَوْ إِنَّهُمْ خَاطَبُوا الْجُمْهُورَ بِمَا أَرَادُوا بِهِ تَفْهِيمَهُمْ أُمُورًا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذِبًا بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مِنَ الضَّلَالِ وَالْجَهْلِ مَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي أَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي لَهَا حُرْمَةُ النُّبُوَّةِ.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
بِخِلَافِ النَّصَارَى فَإِنَّهُمْ وَضَعُوا عَقِيدَةً وَشَرِيعَةً، لَيْسَتْ أَلْفَاظُهَا مَنْقُولَةً عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُمْ: وَيُرَادُ بِالْأَبِ وَالِابْنِ غَيْرُ أُبُوَّةِ وَبُنُوَّةِ نِكَاحٍ، وَمَنْ أَرَادَ وِلَادَةَ زَوْجَةٍ لَعَنَّاهُ.
فَيُقَالُ: لَفَظُ الْوِلَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ، إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَصْلَيْنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِحُدُوثِ الْمَوْلُودِ سَوَاءٌ أُرِيدَ وِلَادَةُ الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرُهَا، كَمَا تَتَوَلَّدُ النَّارُ مِنْ بَيْنِ الزِّنَادَيْنِ، فَإِذَا قُدِحَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، خَرَجَ مِنْهُمَا جُزْءٌ لَطِيفٌ، فَاسْتَحَالَ نَارًا، ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الْحِرَاقِ.
وَقَدْ تَوَسَّعَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْوِلَادَةِ حَتَّى عَبَّرَ بِهِ عَمَّا يَحْدُثُ عَنِ الشَّيْءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنْهُ، كَتَوَلُّدِ الشُّعَاعِ عَنِ النَّارِ وَالشَّمْسِ وَغَيْرِهَا ; لِأَنَّ هَذَا يَحْدُثُ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، وَالثَّانِي الْمَحَلُّ الْقَابِلُ لَهُ الَّذِي يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْجِرْمُ الْمُقَابِلُ لَهُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الشُّعَاعُ.
فَأَمَّا مَا يَحْدُثُ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ يُسَمَّى وِلَادَةً إِنْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ مَا يَلْزَمُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ أَنَّهُ يُسَمَّى وَلَدًا.
فَأَمَّا مَا يَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ مِنْ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ، فَهَذَا أَبْعَدُ
[ ٤ / ٤٦٨ ]
شَيْءٍ عَنْ أَنْ يُسَمَّى هَذَا الْمَلْزُومُ وِلَادَةً، بَلْ لَا تَكُونُ الْوِلَادَةُ إِلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ.
وَكُلُّ مَنْ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ بِأَيِّ وَجْهٍ فَسَّرَ الْوِلَادَةَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ حَادِثٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١] . فَاسْتَفْهَمَ تَعَالَى اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ، لِيُبَيِّنَ امْتِنَاعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، إِذْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ، فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَصْلَيْنِ، وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لَهُ، فَإِنَّ جَعْلَ مَا يَلْزَمُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ لَا يُعْرَفُ، لَا سِيَّمَا صِفَاتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ اللَّازِمَةُ لَهُ، كَعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ، لَا سِيَّمَا الصِّفَاتُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ اللَّازِمَةُ لِذَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا، فَإِنَّ صِفَاتَ الْعَبْدِ اللَّازِمَةَ لَهُ، كَحَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَيْسَتْ مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ.
وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ يَعْقِلُ مَا يَقُولُ: إِنَّ لَوْنَ السَّمَاءِ وَقَدْرَهَا مُتَوَلِّدٌ عَنْهَا، وَلَا إِنَّ قَدْرَ الشَّمْسِ وَضَوْءَهَا الْقَائِمَ بِهَا اللَّازِمَ لَهَا مُتَوَلِّدٌ عَنْهَا، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ حَرَارَةَ النَّارِ وَضَوْءَهَا الْقَائِمَ بِهَا مُتَوَلِّدٌ عَنْهَا.
[ ٤ / ٤٦٩ ]
وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنْ قِيلَ فِيمَا لَيْسَ بِقَائِمٍ بِهَا، بَلْ قَائِمٌ بِغَيْرِهَا، أَوْ فِيمَا هُوَ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، كَالشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْأَرْضِ وَالْحِيطَانِ، وَهَذَا لَيْسَ بِقَائِمٍ بِهَا، بَلْ قَائِمٌ بِغَيْرِهَا، هُوَ حَادِثٌ مُتَوَلِّدٌ عَنْ أَصْلَيْنِ لَا عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ.
فَأَمَّا صِفَاتُ الْمَخْلُوقِ الْقَائِمَةُ بِهِ اللَّازِمَةُ لَهُ، فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ: إِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ.
وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الَّتِي يُفَسِّرُونَهَا بِعِلْمِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ، وَرُوحَ الْقُدُسِ الَّتِي يُفَسِّرُونَهَا بِحَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ - هِيَ صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا.
وَيَقُولُونَ - مَعَ ذَلِكَ -: إِنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، فَيَجْعَلُونَ عِلْمَهُ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ، وَلَا يَجْعَلُونَ حَيَاتَهُ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ.
وَقَدْ أَصَابُوا فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا حَيَاتَهُ مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ، لَكِنْ ظَهَرَ بِذَلِكَ بَعْضُ مُنَاقَضَاتِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، فَإِنَّهُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ صِفَةُ الْمَوْصُوفِ الْقَدِيمَةُ اللَّازِمَةُ لِذَاتِهِ يُقَالُ: إِنَّهَا ابْنُهُ وَوَلَدُهُ وَمُتَوَلِّدٌ عَنْهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَتَكُونُ حَيَاتُهُ أَيْضًا ابْنَهُ وَوَلَدَهُ وَمُتَوَلِّدًا عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ ابْنَهُ وَلَا وَلَدَهُ وَلَا مُتَوَلِّدًا عَنْهُ.
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الْمُنْفَصِلَةَ عَنْهُ الْقَائِمَةَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّدِيقَيْنِ، يَقُولُونَ إِنَّهَا وَلَدُهُ وَلَا إِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ، بَلْ يَخُصُّونَ
[ ٤ / ٤٧٠ ]
ذَلِكَ بِالْكَلِمَةِ، فَلَا يَنْقُلُونَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا وَلَا وَلَدًا، وَلَا قَالَ: إِنَّ عِلْمَ اللَّهِ أَوْ كَلَامَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ وَلَدُهُ أَوِ ابْنُهُ، أَوْ هُوَ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْمَ فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ فِي الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ، وَأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا، وَلِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا نَوَامِيسَ عَقْلِيَّةً، وَمُخَالِفُونَ لِجَمِيعِ لُغَاتِ الْآدَمِيِّينَ، وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ فَسَادُ تَمْثِيلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تَوَلَّدَتِ الْكَلِمَةُ عَنْهُ، كَمَا تُوَلَّدُ الْكَلِمَةُ وَالْحِكْمَةُ فِينَا عَنِ الْعَقْلِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّوْا ذَلِكَ تَوَلُّدًا، فَمَا يَتَوَلَّدُ فِينَا حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَحُدُوثُهُ يَتَسَبَّبُ مِنْ فِعْلِنَا وَقُدْرَتِنَا وَمَشِيئَتِنَا.
فَأَمَّا صِفَاتُنَا اللَّازِمَةُ لَنَا، الَّتِي لَا اخْتِيَارَ لَنَا فِي اتِّصَافِنَا بِهَا، وَلَمْ نَزَلْ مُتَّصِفِينَ بِهَا، فَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ فِينَا وَعَنَّا.
وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ صِفَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ اللَّازِمَةَ لَهُ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفًا بِهَا، مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّوَلُّدِ الْعَقْلِيِّ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا عِلْمَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ الَّتِي فَسَّرْتُمْ بِهَا كَلِمَتَهُ ابْنًا لَهُ وَمَوْلُودًا مِنْهُ، لَمْ يَزَلْ مَوْلُودًا مِنْهُ ; لِأَنَّ هَذَا بَاطِلٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَلُغَةً.
أَمَّا الْعَقْلُ، فَإِنَّ صِفَةَ الْمَوْصُوفِ اللَّازِمَةَ لَهُ - وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا -
[ ٤ / ٤٧١ ]
لَيْسَتْ مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ، فَكَيْفَ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ لِلْمَوْصُوفِ الْقَدِيمِ؟
وَلَوْ جَازَ هَذَا، جَازَ أَنْ يُجْعَلَ مَا كَانَ لَازِمًا لِغَيْرِهِ وَلَدًا لَهُ وَمَوْلُودًا مِنْهُ، فَيُجْعَلُ كَيْفِيَّاتُ الْأَشْيَاءِ وَكِمِّيَّاتُهَا مُتَوَلِّدَةً عَنْهَا وَأَمْثَالِهَا.
وَيُقَالُ: إِنَّ طُولَ الْجِسْمِ وَعَرْضَهُ وَعُمْقَهُ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُ، وَإِنَّ حَيَاةَ الْحَيِّ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ، وَإِنَّ الْقُوَى وَالطَّبَايِعَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهَا.
وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مُتَوَلِّدًا وَهُوَ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ يُسَمَّى وَلَدًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي لُغَتِهِمْ يُسَمَّى وَلَدًا.
وَكُلُّ مَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، لَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُسَمِّي عِلْمَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ وَحَيَاتَهُ وَلَدًا لَهُ، وَلَا ابْنًا لَهُ، وَلَا قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ.
فَقَوْلُهُمْ عَنِ الْمَسِيحِ: عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ: إِنَّهُ أَرَادَ بِالِابْنِ كَلِمَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ، وَإِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ، وَإِنَّهُ أَرَادَ بِرُوحِ الْقُدُسِ حَيَاةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ - كَذِبٌ مَحْضٌ عَلَى الْمَسِيحِ - ﵇ - لَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِهِ وَلَا كَلَامِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ سَمَّوْا عِلْمَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ ابْنًا، وَلَا سَمَّوْا حَيَاتَهُ رُوحَ الْقُدُسِ.
وَأَمَّا اللُّغَةُ، فَإِنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ الَّذِي ذَكَرُوا - وَهُوَ تَسْمِيَةُ صِفَاتِ
[ ٤ / ٤٧٢ ]
الْمَوْصُوفِ اللَّازِمَةِ لَهُ وَلَدًا وَابْنًا وَمُتَوَلِّدًا - لَا يُعْرَفُ فِي لُغَاتِ بَنِي آدَمَ الْمَعْرُوفَةِ.
وَقَدْ يَتَبَنَّى الرَّجُلُ وَلَدَ غَيْرِهِ فَيَتَّخِذُهُ وَلَدًا وَيَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا نَزَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - نَفْسَهُ عَنِ الْوِلَادَةِ وَعَنِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣]
وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْوَلَدِ، فَفِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
[ ٤ / ٤٧٣ ]
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤]
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَذْكُرُونَ أَنَّ فِي كُتُبِهِمْ تَسْمِيَةَ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ابْنًا، وَتَسْمِيَةَ اللَّهِ أَبًا، وَتَسْمِيَةَ الْمُصْطَفَيْنَ أَبْنَاءً، وَهَذَا إِذَا كَانَ ثَابِتًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْنُونَ بِهِ إِلَّا مَعْنًى صَحِيحًا
وَاللَّفْظُ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِي لُغَةٍ مَعْنًى، وَلَهُ فِي لُغَةٍ أُخْرَى مَعْنًى غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْوَلَدِ وَالِابْنِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مَخْلُوقًا مَرْبُوبًا عَبْدًا لِلَّهِ - ﷿ -.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا أَوْ وَلَدًا، فَهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا الْأُمَمِ أَهْلِ اللُّغَاتِ سِوَى مُبْتَدَعَةِ النَّصَارَى. وَلَمْ يَبْقَ لِلتَّوَلُّدِ إِلَّا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ، وَالثَّانِي: أَنْ يَحْدُثَ عَنْهُ شَيْءٌ، إِمَّا بِاخْتِيَارِهِ، وَإِمَّا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ، كَحُدُوثِ الشُّعَاعِ عَنِ النَّارِ وَالشَّمْسِ.
وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، لَا يَكُونَ مِنْ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَوَلَّدَ عَنْهُ شَيْءٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَصْلٌ آخَرُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُمَا.
وَالتَّوَلُّدُ عَنْهُ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، مُمْتَنِعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَلِ، الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْأُمَمِ، سِوَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ مُسْتَلْزِمًا لِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ، فَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ يُنَاسِبُ هَذَا التَّوَلُّدَ.
وَالنَّصَارَى تُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ، لَكِنْ قَدْ ضَاهَوْهُمْ فِي الْقَوْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وَهَذَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ شَخْصٍ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَا وَأَتْبَاعِهِ.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَالصَّدُوقِيَّةُ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نُسِبُوا إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ صَدُوقٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ - مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْيَهُودِ -: إِنَّ الْعُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ، وَكَانُوا بِجِهَةِ الْيَمَنِ.
وَلَكِنِ الْمُتَفَلْسِفَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِصُدُورِ الْعُقُولِ وَالْأَفْلَاكِ عَنْهُ، وَإِنْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَوَلُّدًا، فَهُمْ يَجْعَلُونَ وَلَدَهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، لَكِنْ يُثْبِتُونَ وَلَدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا صَدَرَ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَيَجْعَلُونَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ.
وَسَائِرُ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا لِلَّهِ وَلَدًا، جَعَلُوهُ حَادِثًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ.
فَأَمَّا جَعْلُ صِفَتِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ وَلَدًا لَهُ وَمَوْلُودًا، فَهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِ النَّصَارَى، فَإِذَا أَثْبَتُوا لَهُ وَلَدًا وَابْنًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَالصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِهِ اللَّازِمَةُ لَهُ، لَمْ تَتَوَلَّدْ عَنْهُ وَلَا تُسَمَّى ابْنًا وَلَا وَلَدًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ - تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ إِمَّا جُزْءًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَإِمَّا مَعْلُولًا لَهُ صَادِرًا عَنْهُ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَيَّ الْقَوْلَيْنِ قَالُوهُ فَهُمْ فِيهِ كُفَّارٌ مُضَاهِئُونَ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.
[ ٤ / ٤٧٦ ]
وَبَعْضُ عُلَمَائِهِمْ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَيُشَبِّهُونَهُ بِالشُّعَاعِ مِنَ الشَّمْسِ، وَيَقُولُونَ عَنِ الرُّوحِ: هُوَ مُنْبَثِقٌ مِنَ اللَّهِ خَارِجٌ مِنْهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُنَاسِبُ الْوِلَادَةَ الَّتِي هِيَ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ حُدُوثُ شَيْءٍ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ - مَعَ ذَلِكَ - مِنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، فَإِنَّ الشُّعَاعَ لَا يَقُومُ إِلَّا بِالْأَرْضِ.
وَالْأَمْرُ الْمُنْبَثِقُ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، أَوْ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا.
فَإِنْ كَانَ جَوْهَرًا، فَقَدِ انْفَصَلَ مِنَ الرَّبِّ جُزْءٌ.
وَإِنْ كَانَ عَرَضًا، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ، فَيَكُونَ مُتَوَلِّدًا عَنْ أَصْلَيْنِ.
وَتَشْبِيهُهُمْ بِتَوَلُّدِ الْكَلَامِ عَنِ الْعَقْلِ تَشْبِيهٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِقُدْرَةِ الْإِنْسَانِ وَمَشِيئَتِهِ، وَهُوَ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
هَذَا إِذَا عُرِفَ أَنَّ مَا يَقُومُ بِقَلْبِ الْإِنْسَانِ مِنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ، يُقَالُ: إِنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ ابْنُهُ، مَعَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَاتِ، وَلَوْ كَانَ مَعْرُوفًا فِي لُغَةِ بَعْضِ الْأُمَمِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي لُغَتِهِمْ.
وَأَمَّا مَا يَدَّعُونَهُ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ لَازِمَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَهِيَ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَصْنُوعَةٍ، فَهَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
فَإِنَّ الْمُتَوَلِّدَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَتَوَلَّدُ إِلَّا عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فَلَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا تَوَلَّدَ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا، وَأَمَّا الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ اللَّازِمَةُ لِذَاتِ الرَّبِّ فَلَيْسَتْ مَوْلُودَةً لَهُ، وَلَا مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ، بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ بِهِ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمَوْلُودَ اسْمُ مَفْعُولٍ، يُقَالُ: وَلَدَهُ يَلِدُهُ فَهُوَ مَوْلُودٌ، وَهَذَا لَا يُقَالُ إِلَّا فِي الْحَادِثِ الْمُتَجَدِّدِ، فَإِنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلِ الْوَالِدِ.
وَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ لَا يَكُونُ مَفْعُولًا مَوْلُودًا.
وَأَيْضًا فَتَسْمِيَةُ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ مَوْلُودًا وَابْنًا، لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -.
فَهَبْ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَسُوغُ لَنَا فِي اللُّغَةِ أَنْ نَقُولَهُ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنَّ نُحْدِثَ لُغَةً غَيْرَ لُغَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَحْمِلَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ.
وَهَكَذَا تَفْعَلُ النَّصَارَى وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحْرِيفِ بِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، يُحْدِثُونَ لَهُمْ لُغَةً مُخَالِفَةً لِلُغَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَحْمِلُونَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَخْبَرُوا بِأَنَّ اللَّهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَكَفَّرُوا مَنْ أَثْبَتَ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، وَأَمَرُوا بِالتَّوْحِيدِ وَدَعَوْا إِلَيْهِ، وَحَرَّمُوا الشِّرْكَ وَكَفَّرُوا أَهْلَهُ، وَأَخْبَرُوا أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ، وَكَانَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ تَوْحِيدُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ
[ ٤ / ٤٧٨ ]
يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هُوَ، لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ نَفْيَ صِفَاتِهِ.
فَلَمْ يَقْصِدُوا بِلَفْظِ " الْأَحَدِ وَالْوَاحِدِ " أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنَ الصِّفَاتِ.
فَجَاءَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَفَسَّرُوا لَفْظَ اسْمِ " الْوَاحِدِ وَالْأَحَدِ " بِمَا جَعَلُوهُ اصْطِلَاحًا لَهُمْ، فَقَالُوا: الْوَاحِدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَرْكِيبٌ وَلَا يَنْقَسِمُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ صِفَاتٌ لَكَانَ مُرَكَّبًا، وَلَوْ قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ لَكَانَ جِسْمًا، وَالْجِسْمُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، فَلَا يَكُونُ أَحَدًا وَلَا وَاحِدًا.
فَيُقَالُ: هَذَا الَّذِي قَالُوهُ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي الْعَقْلِ وَاللُّغَةِ، فَلَيْسَ هُوَ لُغَةَ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي خَاطَبُوا بِهَا الْخَلْقَ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَاحِدُ مِنْ لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ؟
بَلْ جَمِيعُ الْأُمَمِ تُسَمِّي مَا قَامَ بِهِ الصِّفَاتُ وَاحِدًا، بَلْ يُسَمُّونَهُ وَحِيدًا، وَقَدْ يُسَمُّونَهُ فِي غَيْرِ الْإِثْبَاتِ أَحَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
[ ٤ / ٤٧٩ ]
وَأَمَّا الْبَحْثُ الْعَقْلِيُّ فِي هَذَا، فَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مَا يُسَمِّيهِ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ تَرْكِيبًا، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ الشَّيْءَ مُرَكَّبٌ مِنْ وُجُودٍ وَمَاهِيَّةٍ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْأَنْوَاعَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْأَجْنَاسِ وَالْفُصُولِ، هُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ جَمِيعِ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ.
وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إِلَّا ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتٍ، لَيْسَ فِي الْخَارِجِ وُجُودُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، وَمَاهِيَّةٌ أُخْرَى غَيْرَ هَذَا الشَّيْءِ الْمَوْجُودِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وَلَكِنْ قَدْ يُعْنَى بِلَفْظِ " مَاهِيَّةٍ " مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ، وَبِالْوُجُودِ مَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْمَاهِيَّةُ غَيْرُ هَذَا الْمَوْجُودِ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: هَذِهِ الْمَاهِيَّةُ غَيْرُ هَذَا الْوُجُودِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْإِنْسَانَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الْمَوْجُودَ هُوَ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتٍ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ.
وَلَكِنْ يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ، كَمَا يُتَصَوَّرُ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالضَّاحِكِ، وَهَذَا تَرْكِيبٌ ذِهْنِيٌّ لَا تَرْكِيبٌ فِي الْخَارِجِ، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا جَعَلُوهُ مِنَ الصِّفَاتِ دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ، وَمَا جَعَلُوهُ خَارِجًا عَنْهَا لَازِمًا لَهَا، وَمَا هُوَ مَجْمُوعُ أَجْزَاءِ الْمَاهِيَّةِ، يَرْجِعُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى مَا هُوَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ وَالْمُطَابَقَةِ.
[ ٤ / ٤٨٠ ]
وَمِنْ ذَلِكَ تَرْكِيبُ الْجِسْمِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، أَوْ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ يُنْكِرُونَ تَرْكِيبَ الْجِسْمِ مِنْ هَذَا وَهَذَا، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ إِلَّا عَلَى لُغَتِهِمْ الَّتِي مِنْ عَادَتِهِمْ أَنْ يُخَاطِبُوا بِهَا النَّاسَ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدَثَ لُغَةٌ غَيْرُ لُغَتِهِمْ، وَيُحْمَلَ كَلَامُهُمْ عَلَيْهَا.
بَلْ إِذَا كَانَ لِبَعْضِ النَّاسِ - عَادَةٌ وَلُغَةٌ - يُخَاطِبُ بِهَا أَصْحَابَهُ، وَقُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَمِّلَ ذَلِكَ، لُغَةَ النَّبِيِّ، وَيَحْمِلَ كَلَامَ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ هَذَا إِخْبَارُ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَيَتَكَلَّمُ وَيُنَادِي وَيُنَاجِي، وَأَنَّهُ قَالَ كَذَا وَتَكَلَّمَ بِكَذَا، وَنَادَى مُوسَى وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْمَعْرُوفُ فِي لُغَتِهِمْ وَلُغَةِ سَائِرِ الْأُمَمِ، أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ، وَإِنْ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَا يُعْرَفُ فِي لُغَتِهِمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ أَحْدَثَ كَلَامًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَلَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ - إِذَا جَعَلَ اسْمَ الْمُتَكَلِّمِ لِمَنْ يُحْدِثُ كَلَامًا بَائِنًا عَنْهُ، أَوْ مَنْ قَامَ بِهِ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ - أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى هَذَا.
بَلِ الْمُتَكَلِّمُ - عِنْدَ الْإِطْلَاقِ - مَنْ تَكَلَّمَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، مَعَ قِيَامِ الْكَلَامِ بِهِ.
[ ٤ / ٤٨١ ]
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي لُغَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ.
فَمَنْ فَسَّرَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ لُغَتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ، فَهُمْ مِمَّنْ بَدَّلَ كَلَامَهُمْ وَحَرَّفَهُ، وَالنَّصَارَى مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَكَذَلِكَ اسْمُ الْعَادِلِ وَالظَّالِمِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْعَادِلَ مَنْ قَامَ بِهِ الْعَدْلُ وَفَعَلَ الْعَدْلَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَالظَّالِمُ مَنْ قَامَ بِهِ الظُّلْمُ، وَفَعَلَهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَا يُسَمُّونَ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الظُّلْمُ، وَلَكِنْ قَامَ بِغَيْرِهِ، لِكَوْنِ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ فَاعِلًا لَهُ، وَلَا يُسَمُّونَ مَنْ لَمْ يَفْعَلِ الظُّلْمَ - وَلَكِنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ فِيهِ - ظَالِمًا.
فَمَنْ جَعَلَ الظَّالِمَ وَالْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ فِيهِ، أَوْ جَعَلَ الظَّالِمَ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ ظُلْمٌ فَعَلَهُ، وَلَكِنْ جَعَلَ غَيْرَهُ مُتَّصِفًا بِهِ ظَالِمًا - فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْدَثَ وَالْحَادِثَ فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْأُمَمِ، لَا يُسَمَّى بِهِ إِلَّا مَا كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَالْمَخْلُوقُ أَبْلَغُ مِنَ الْمُحْدَثِ وَالْحَادِثِ
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ - إِذَا أَحْدَثَ اصْطِلَاحًا سَمَّى بِهِ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، وَلَكِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مَعْلُولٌ لِغَيْرِهِ، فَسَمَّاهُ مُحْدَثًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ - أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَحْمِلُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي أَخْبَرُوا بِهِ، أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
[ ٤ / ٤٨٢ ]
وَمَا بَيْنَهُمَا مَخْلُوقٌ أَوْ مَصْنُوعٌ أَوْ مَعْقُولٌ أَوْ مُحْدَثٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ - عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَعْلُولٌ، مَعَ كَوْنِهِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَمْ يَزَلْ.
وَأَمَّا لَفْظُ " الْقَدِيمِ " فَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي خَاطَبَنَا بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، يُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى غَيْرِهِ تَقَدُّمًا زَمَانِيًّا، سَوَاءٌ سَبَقَهُ عَدَمٌ أَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] وَقَالَ " الْخَلِيلُ ": ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥]
فَلِهَذَا كَانَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، وَلَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ - أَحَقَّ بِاسْمِ الْقَدِيمِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ الْقَدِيمَ وَالْمُتَقَدِّمَ اسْمًا لِمَا قَارَنَ غَيْرَهُ فِي الزَّمَانِ لِزَعْمِهِ أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ بِالْعِلَّةِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى غَيْرِهِ وَسَابِقٌ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنَّ ذَلِكَ الْمَعْلُولَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ يَحْمِلُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَعُمُومِ الْخَلْق عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ لَوْ كَانَ حَقًّا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَاطِلًا.
[ ٤ / ٤٨٣ ]
وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالسَّبْقِ وَالتَّأَخُّرِ بِغَيْرِ الزَّمَانِ، أَمْرٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مَعْقُولٍ وَلَا يُعْرَفُ فِي الْوُجُودِ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا، وَكَانَ عِلَّةً فَاعِلَةً لَهُ إِلَّا وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ سَابِقٌ لَهُ، لَيْسَ مُقَارِنًا لَهُ فِي الزَّمَانِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ تَقَدُّمًا زَمَانِيًّا.
وَكُلُّ مَنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ سَبَبٌ أَوْ عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ، فَإِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مُسَبِّبِهِ وَمَعْلُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ آخَرُ.
فَيُقَالُ: لَيْسَ هَذَا مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذَا ; أَيْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ.
وَيُقَالُ: لَيْسَ ذَلِكَ مُتَقَدِّمًا عَلَى هَذَا ; أَيْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ، بَلْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ، إِذْ قَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ التَّقَدُّمِ هَذَا، كَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: («الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، لَيْسَ مِنْهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا») ; أَيْ مَنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهَا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْهَا، لَمْ يَكُنْ تَابِعًا لَهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: («الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي أَمَامَهَا وَوَرَاءَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا، قَرِيبًا مِنْهَا») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَبْيَنُ حَدِيثٍ
[ ٤ / ٤٨٤ ]
رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] أَيْ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا انْفِصَالٌ، بَلْ كُلٌ مِنْهُمَا مُتَّصِلٌ بِالْآخَرِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَعْرِفَةَ اللُّغَةِ الَّتِي خَاطَبَنَا بِهَا الْأَنْبِيَاءُ وَحُمِلَ كَلَامُهُمْ عَلَيْهَا - أَمْرٌ وَاجِبٌ مُتَعَيِّنٌ، وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ هَذَا الْمَسْلَكِ، فَقَدْ حَرَّفَ كَلَامَهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَكَذَبَ عَلَيْهِمْ وَافْتَرَى.
وَمِثْلُ هَذَا التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ قَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ حُرِّفَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ حَرَّفَهُ أَهْلُ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
فَأَهْلُ الْكِتَابِ نَقَلُوا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِلَفْظِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَمُرَادُهُمْ - عِنْدَهُمْ - بِالْأَبِ: الرَّبُّ، وَبِالِابْنِ: الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ الْمَحْبُوبُ.
وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ سَمَّوْا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا، وَلَا قَالُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ: إِنَّهُ تَوَلَّدَ عَنْهُ، وَلَا إِنَّهُ مَوْلُودٌ لَهُ.
فَإِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) ثُمَّ فَسَّرُوا الِابْنَ بِصِفَةِ اللَّهِ
[ ٤ / ٤٨٥ ]
الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ، كَانَ هَذَا كَذِبًا بَيِّنًا عَلَى الْمَسِيحِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَتِهِ أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ يُرَادُ بِهِ صِفَةُ اللَّهِ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ.
وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ تُسَمَّى رُوحَ الْقُدُسِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا يُنْزِلُهُ اللَّهُ - ﵎ - عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيُؤَيِّدُهُمْ، كَانَ تَفْسِيرُ قَوْلِ الْمَسِيحِ: " رُوحُ الْقُدُسِ ": إِنَّهُ أَرَادَ حَيَاةَ اللَّهِ - كَذِبًا عَلَى الْمَسِيحِ.
وَهَذَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ أَفْسَدُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَفَلْسِفَةِ: إِنَّ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ وَالْأَفْلَاكَ مَعْلُولَةٌ لَهُ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ، لَازِمَةٌ لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا أَيْضًا بَاطِلًا فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، كَمَا هُوَ كُفْرٌ بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُرُ شَيْءٌ عَنْ فَاعِلِ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ شَيْءٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مُقَارِنًا لِلْفَاعِلِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ التَّوَلُّدُ إِلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ.
وَالْوَاحِدُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ الَّذِي لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، لَا وُجُودَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ، أَنَّ خَوَاصَّ النَّصَارَى وَعُلَمَاءَهُمْ - مَعَ تَجْوِيزِهِمْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ - يَلْزَمُهُمْ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ صَاحِبَةَ اللَّهِ وَامْرَأَتَهُ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ يَغْلُو مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ مَرْيَمَ إِلَهًا مَعَ اللَّهِ، كَمَا جَعَلَ الْمَسِيحَ إِلَهًا.
فَإِنْ قَالُوا بِذَلِكَ، جَعَلُوا لِلَّهِ صَاحِبَةً وَوَلَدًا، وَجَعَلُوا الْمَسِيحَ ابْنَ
[ ٤ / ٤٨٦ ]
مَرْيَمَ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ.
فَإِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ مَرْيَمَ وَيَدْعُونَهَا بِمَا يَدْعُونَ بِهِ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - وَالْمَسِيحَ، وَيَجْعَلُونَهَا إِلَهًا كَمَا يَجْعَلُونَ الْمَسِيحَ إِلَهًا، فَيَقُولُونَ: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، اغْفِرِي لَنَا وَارْحَمِينَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيَطْلُبُونَ مِنْهَا مَا يَطْلُبُونَهُ مِنَ اللَّهِ - ﷿ -.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَنْ مَرْيَمَ: إِنَّهَا صَاحِبَةُ اللَّهِ - ﷾ -.
وَبَيَانُ لُزُومِ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ - عِنْدَهُمْ - إِنْسَانٌ تَامٌّ وَإِلَهٌ تَامٌّ، نَاسُوتٌ وَلَاهُوتٌ، فَنَاسُوتُهُ مِنْ مَرْيَمَ، وَلَاهُوتُهُ الْكَلِمَةُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ، وَهِيَ الْخَالِقُ عِنْدَهُمْ.
فَالْمَسِيحُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، نَاسُوتٍ وَلَاهُوتٍ، فَإِذَا كَانَ الْأَبُ هُوَ اللَّهُ - عِنْدَهُمْ - وَالْكَلِمَةُ الْمَوْلُودَةُ عَنِ الْأَبِ ابْنَ اللَّهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّاهُوتَ لَمَّا الْتَحَمَ بِالنَّاسُوتِ لِيَصِيرَ مِنْهُمَا الْمَسِيحُ ازْدَوَجَ بِهِ وَقَارَنَهُ، وَهَذَا مَعْنَى الزَّوْجِيَّةِ.
فَكَمَا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْوِلَادَةَ عَقْلِيَّةٌ لَا حِسِّيَّةٌ، فَكَذَلِكَ الِازْدِوَاجُ وَالنِّكَاحُ عَقْلِيٌّ لَا حِسِّيٌّ، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ - عَلَى قَوْلِهِمُ - ازْدَوَجَ بِنَاسُوتِ مَرْيَمَ وَنَكَحَهَا نِكَاحًا عَقْلِيًّا، وَخُلِقَ الْمَسِيحُ مِنْ هَذَا وَهَذَا.
وَهُمْ يَقُولُونَ فِي الْأَمَانَةِ: إِنَّ الْمَسِيحَ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ.
فَإِنْ فَسَّرُوا رُوحَ الْقُدُسِ بِجِبْرِيلَ - كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ - فَهُوَ
[ ٤ / ٤٨٧ ]
الْحَقُّ، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ الْأُقْنُومُ الثَّالِثُ، كَمَا يَقُولُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَهُوَ اللَّاهُوتُ عِنْدَهُمْ.
فَهُمْ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ تَجَسَّدَ مِنَ النَّاسُوتِ وَاللَّاهُوتِ، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ الِابْنُ، وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، فَيَكُونَ أُقْنُومَيْنِ، لَا أُقْنُومًا وَاحِدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَنَاقُضُهُمْ فِي هَذَا.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ أَوْ بَعْضَ صِفَاتِهِ اتَّحَدَ بِمَا خَلَقَ مِنْ مَرْيَمَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ اتِّصَالٌ بِمَرْيَمَ قَبْلَ اتِّصَالِهِ بِمَا خَلَقَ مِنْهَا، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى النِّكَاحِ وَالِازْدِوَاجِ.
وَعِنْدَ جُمْهُورِ النَّصَارَى أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ كَمَا وَلَدَتِ النَّاسُوتَ، وَهِيَ أُمُّ اللَّاهُوتِ، وَيَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ.
وَاللَّاهُوتُ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ هُوَ - عِنْدَهُمْ - رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَاللَّاهُوتُ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ عِنْدَهُمْ، مِنْ حِينِ خَلْقِ النَّاسُوتِ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ عِنْدَهُمْ أُمٌّ وَلَدَتْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِمْكَانُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ وَزَوْجَةٌ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ إِلَّا وَهُوَ لِكَوْنِهَا أُمًّا لِلَّاهُوتِ أَشَدَّ إِحَالَةً.
فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلَّاهُوتِ أُمٌّ وَالْأُمُّ أَصْلٌ، فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ هِيَ زَوْجَةٌ وَنَظِيرٌ - أَقْرَبُ وَأَوْلَى، فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ وَلَدَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهُوَ الْمُتَفَرِّعُ الْمُتَوَلِّدُ عَنْهُ، أَنْقَصُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِنْ نَظِيرِهِ.
فَإِذَا قَالُوا: إِنَّ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَدًا اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ هُوَ نَظِيرُهُ الْمُسَاوِي لَهُ فِي الْجَوْهَرِ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّاسُوتَ أُمُّ هَذَا الْمَسِيحِ الَّذِي
[ ٤ / ٤٨٨ ]
هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّاسُوتَ مَرْيَمَ، وَلَدَ اللَّاهُوتَ، كَمَا وُلِدَ النَّاسُوتُ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا عَيْبًا يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ، فَلَأَنْ يَجْعَلُوا لَهُ أُمَّ هَذَا الْوَلَدِ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ وَاتَّحَدَ بِهِ اللَّاهُوتُ وَهُوَ مِنْهَا، وَوَلَدَتِ اللَّاهُوتَ - صَاحِبَةً وَزَوْجَةً لِلْأَبِ، أَوْلَى وَأَحْرَى، وَإِلَّا فَكَيْفَ تَلِدُ ابْنَهُ الَّذِي هُوَ اللَّاهُوتُ وَلَا تَكُونُ صَاحِبَتَهُ وَامْرَأَتَهُ؟
وَهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ سَمَّيْنَا عِلْمَهُ مَوْلُودًا عَنْهُ ; لِكَوْنِهِ تَوَلَّدَ عَنْهُ تَوَلُّدَ الْكَلِمَةِ عَنِ الْعَقْلِ، وَهَذَا الْوَلَدُ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ فَسَمَّيْنَا الْمَجْمُوعَ وَلَدًا.
وَبِهَذَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَسِيحِ ابْنًا وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُسَمَّى ابْنًا.
فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَبْنَاءٌ بِالْوَضْعِ، وَالْمَسِيحُ ابْنٌ بِالطَّبْعِ ; أَيْ أُولَئِكَ سُمُّوا أَبْنَاءً بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ اصْطَفَاهُمْ، وَالْكَلِمَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا مُتَّحِدَةً بِالْمَسِيحِ، هِيَ عِنْدَهُمْ مُتَوَلِّدَةٌ عَنِ اللَّهِ تَوَلُّدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا، لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلِهَذَا قَالُوا: مَوْلُودٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ - مَعَ كَوْنِهِ قَائِمًا بِذَاتِهِ - لَا يَكُونُ مَصْنُوعًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
فَإِذَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ اتَّحَدَتْ بِالْمَسِيحِ الْمَخْلُوقِ مِنْ مَرْيَمَ وَالْتَحَمَتْ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ - مَعَ ذَلِكَ -: إِنَّ الْقَدِيمَ مَسَّ الْمُحْدَثِ أَوْ لَاصَقَهُ أَوْ بَاشَرَهُ، كَانَ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
وَالْمَسِيحُ وُلِدَ وِلَادَةً حَادِثَةً عِنْدَهُمْ، غَيْرَ الْوِلَادَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي لِلْكَلِمَةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ قَدْ صَارَتْ زَوْجَةً وَامْرَأَةً، بَلْ نُكِحَتْ نِكَاحًا
[ ٤ / ٤٨٩ ]
حَادِثًا يُنَاسِبُ تِلْكَ الْوِلَادَةِ الْمُحْدَثَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وَلِهَذَا كَانَ الْحُلُولُ أَسْهَلَ مِنَ الِاتِّحَادِ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَلَّ فِي جَسَدِ الْمَسِيحِ وَمَاسَّهُ وَبَاشَرَهُ، كَمَا يَحُلُّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ، كَانَ أَهْوَنَ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ وَالْتَحَمَ بِهِ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ مَرْيَمَ امْرَأَةُ الْقَدِيمِ وَصَاحِبَتُهُ وَزَوْجَتُهُ، كَانَ مَا فِي هَذَا مِنْ إِثْبَاتِ مُبَاشَرَتِهِ لَهَا وَمُمَاسَّتِهِ لَهَا وَاتِّصَالِهِ بِهَا.
وَمَهْمَا قُدِّرَ مِنَ اتِّصَالِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ، أَهْوَنُ مِمَّا قَالُوهُ مِنَ اتِّحَادِ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ، وَمَصِيرِهِ إِيَّاهُ، إِمَّا جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَإِمَّا شَخْصًا وَاحِدًا، وَإِمَّا مَشِيئَةً وَاحِدَةً.
وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ النِّكَاحَ الْحِسِّيَّ أَسْهَلُ مِنَ الْوِلَادَةِ الْحِسِّيَّةِ.
فَالذَّكَرُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِذَا نَكَحَ الْأُنْثَى، فَإِنَّمَا مَسُّ الذَّكَرِ لِلْأُنْثَى، لَمْ تَصِرِ الْأُنْثَى مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ. فَإِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ لِلرَّبِّ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ وَيَتَّحِدُ بِهِ، وَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يَمَسُّهُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا كَانَ ابْنًا ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي هِيَ ابْنٌ، اتَّحَدَتْ بِهِ قَبْلُ، فَقَدْ يُسَمَّى النَّاسُوتُ الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ الْقَدِيمُ ابْنًا عِنْدَكُمْ، بِاسْمِ الْقَدِيمِ وَجَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا خَالِقًا، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ أُمِّ ذَلِكَ النَّاسُوتِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ ابْنَ اللَّهِ، صَاحِبَةً لِلَّهِ وَزَوْجَةً، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ حَصَلَ مِنْهُ وَمِنْهَا مَا هُوَ ابْنُ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ؟
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، قَدْ جَاءَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ - عِنْدَكُمْ - حَتَّى الْحَوَارِيِّينَ عِنْدَكُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: (إِنَّ اللَّهَ أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ)، وَيَقُولُونَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ تَحُلُّ فِيهِمْ.
وَفِيمَا عِنْدَكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لِمُوسَى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي بِكْرِي، أَرْسِلْهُ يَعْبُدْنِي، فَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ ابْنِي بِكْرِي، قَتَلْتُ ابْنَكَ بِكْرَكَ. فَلَمَّا لَمْ يُرْسِلْ فِرْعَوْنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا قَالَ اللَّهُ، قَتَلَ اللَّهُ أَبْكَارَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى السَّرِيرِ، إِلَى الْأَوَّلِ مِنْ أَوْلَادِ الْآدَمِيِّينَ، إِلَى وَلَدِ الْحَيَوَانِ إِلَيْهِمْ.)
فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُسَمِّي بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ وَأَبْكَارَهُ، وَتُسَمِّي
[ ٤ / ٤٩١ ]
أَبْنَاءَ أَهْلِ مِصْرَ أَبْنَاءَ فِرْعَوْنَ، فَتُوُسِّعَ بِتَسْمِيَةِ سِخَالِ الْحَيَوَانِ أَوْلَادَ الْمَالِكِ لِلْحَيَوَانِ.
وَفِي مَزَامِيرِ دَاوُدَ يَقُولُ: (أَنْتَ ابْنِي، سَلْنِي أُعْطِكَ) . وَفِي الْإِنْجِيلِ يَقُولُ عَنِ الْمَسِيحِ: (أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ)، وَقَالَ: (إِذَا صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: يَا أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قُدُّوسٌ اسْمُكَ، افْعَلْ بِنَا كَذَا وَكَذَا) .
وَيَقُولُونَ عَنِ الْقِدِّيسِينَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يَحُلُّ فِيهِمْ، وَكَذَلِكَ حَلَّتْ فِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ عِنْدَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي الصَّدِيقَيْنِ كُلِّهِمْ.
[ ٤ / ٤٩٢ ]
فَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ، يَقْتَضِي اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، فَيَكُونَ النَّبِيُّ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا ; لِأَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ عِنْدَكُمُ ابْنَ اللَّهِ، وَنَطَقَتْ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ، لَا سِيَّمَا وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ فِي الْأَمَانَةِ: إِنَّهُ رُوحٌ مُمَجَّدٌ مَسْجُودٌ لَهُ، نَاطِقٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا يُوجِبُ حُلُولَ اللَّاهُوتِ فِي النَّاسُوتِ أَوِ اتِّحَادَهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَسِيحِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ وَالْحَوَارِيِّينَ، بَلْ وَأَبْنَاءِ إِسْرَائِيلَ - لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، إِذْ كَانَ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ اللَّاهُوتَ حَلَّ بِغَيْرِ الْمَسِيحِ وَاتَّحَدَ بِهِ، أَوْ سَكَنَ فِيهِ، أَوِ احْتَجَبَ بِهِ، أَوْ مَا قُلْتُمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا عَلَى أَنَّ اللَّاهُوتَ حَلَّ فِي الْمَسِيحِ، كَلَفْظِ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ - مَوْجُودٌ عِنْدَكُمْ فِي غَيْرِ حَقِّ الْمَسِيحِ.
وَالْمُعْجِزَاتُ الَّتِي احْتَجَجْتُمْ بِهَا لِلْمَسِيحِ، قَدْ وُجِدَتْ لِغَيْرِ الْمَسِيحِ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَسِيحَ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ أُولَئِكَ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - أَفْضَلُ مِنْ جُمْهُورِ الْأَنْبِيَاءِ، أَفْضَلُ مِنْ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِ النُّبُوَّاتِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَكُمْ، وَأَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ.
لَكِنَّ مَزِيدَ الْفَضْلِ يَقْتَضِي الْفَضِيلَةَ فِي النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةَ، كَفَضِيلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ -، وَذَلِكَ
[ ٤ / ٤٩٣ ]
لَا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْ جِنْسِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٥] .
وَجِمَاعُ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّ مَا يُوصَفُ بِهِ الْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ مِنْ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ، وَكَوْنِ اللَّهِ حَلَّ فِيهِ، أَوْ ظَهَرَ أَوْ سَكَنَ، وَكَوْنِ رُوحِ الْقُدُسِ أَوْ رُوحِ اللَّهِ حَلَّتْ فِيهِ، وَكَوْنِهِ مَسِيحًا - كُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ عِنْدَهُمْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ.
فَلَيْسَ لِلْمَسِيحِ اخْتِصَاصٌ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ اخْتِصَاصُهُ بِلَفْظِ الْكَلِمَةِ، وَكَوْنُهُ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ:
[ ٤ / ٤٩٤ ]
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «(مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوْحٌ مِنْهُ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ)» فَهَذَا الَّذِي خَصَّهُ بِهِ الْقُرْآنُ، هُوَ الَّذِي خَصَّتْهُ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ، إِذْ كَانَ الْقُرْآنُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا سَائِرُ مَا يُوصَفُ بِهِ وَيَدَّعُونَ اخْتِصَاصَهُ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ ابْنًا لِلَّهِ وَكَوْنِهِ مَسِيحًا، فَغَيْرُهُ أَيْضًا فِي كُتُبِ اللَّهِ يُسَمَّى ابْنًا لِلَّهِ وَمَسِيحًا، وَلِذَلِكَ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى الْحُلُولِ، مِثْلَ كَوْنِ الرَّبِّ ظَهَرَ فِيهِ أَوْ حَلَّ أَوْ سَكَنَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَوْجُودَةٌ عِنْدَهُمْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ بِخِلَافِ لَفْظِ الِاتِّحَادِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ لَا فِي حَقِّ الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ، كَمَا لَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ لَفْظُ
[ ٤ / ٤٩٥ ]
" الْأَقَانِيمِ " وَلَا لَفْظُ " التَّثْلِيثِ " وَلَا " اللَّاهُوتُ " وَ" النَّاسُوتُ " وَلَا تَسْمِيَةُ اللَّهِ جَوْهَرًا، بَلْ هَذَا كُلُّهُ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ، كَمَا ابْتَدَعُوا أَيْضًا تَسْمِيَةَ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا وَرُوحَ الْقُدُسِ، فَهُمُ ابْتَدَعُوا أَلْفَاظًا لَمْ يَنْطِقْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، أَثْبَتُوا لَهَا مَعَانِيَ وَابْتَدَعُوا اسْتِعْمَالَ أَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ فِي غَيْرِ مُرَادِهِمْ، وَحَمَلُوا مُرَادَهُمْ عَلَيْهَا.
وَالْأَلْفَاظُ الْمُتَشَابِهَةُ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ مَوْجُودَةٌ - عِنْدَهُمْ - فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ.
فَلَيْسَ لِلْمَسِيحِ خَاصَّةٌ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ، وَتِلْكَ الْأَلْفَاظُ قَدْ عُرِفَ - بِاتِّفَاقِهِمْ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ -، أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا حُلُولُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتُهُ وَهُدَاهُ وَنُورُهُ وَمِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ ضُلَّالِ الْمُسْلِمِينَ: (إِنَّ الرَّبَّ يَتَّحِدُ أَوْ يَحُلُّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَإِنَّ هَذَا مِنَ السِّرِّ الَّذِي لَا يُبَاحُ بِهِ، فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَالْمُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ، فَيَجْعَلُونَ تَوْحِيدَ الْعَارِفِينَ أَنْ يَصِيرَ الْمُوَحِّدُ هُوَ الْمُوَحَّدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي قَلْبِ الْعَارِفِ وَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ، كَمَا يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ، وَيَقُولُ الْأَوَّلُ:
مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِدٍ إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
[ ٤ / ٤٩٦ ]
تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ
عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ
وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدُ
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي بَاحَ بِهِ الْحَلَّاجُ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي يَكْتُمُهَا الْعَارِفُونَ، فَلَا يَبُوحُونَ بِهَا إِلَّا لِخَوَاصِّهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا قُتِلَ الْحَلَّاجُ ; لِأَنَّهُ بَاحَ بِهَذَا السِّرِّ وَيُنْشِدُونَ:
مَنْ بَاحَ بِالسِّرِّ كَانَ الْقَتْلُ شِيمَتَهُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَلَمْ يُؤْخَذْ لَهُ ثَارُ
وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ فِي دَعْوَاهُمُ الِاتِّحَادَ وَالْحُلُولَ بِغَيْرِ الْمَسِيحِ، شَرٌّ مِنَ النَّصَارَى.
فَإِنَّ الْمَسِيحَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ جَمَاهِيرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
فَإِذَا كَانَ مَنِ ادَّعَى أَنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ بِهِ كَافِرًا، فَكَيْفَ بِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فِيمَنْ هُوَ دُونَهُ؟
وَهَذَا الِاتِّحَادُ الْخَاصُّ غَيْرُ الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ الْعَامِّ لِقَوْلِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ حَالٌّ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، أَوْ مُتَّحِدٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.
[ ٤ / ٤٩٧ ]
وَغُلَاةُ هَؤُلَاءِ وَمُحَقِّقُوهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ عَيْنُ الْوُجُودِ، وَالْوُجُودُ وَاحِدٌ.
فَيَجْعَلُونَ الْوُجُودَ الْخَالِقَ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ، هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ الْمُحْدَثِ الْمُمْكِنِ.
وَهَؤُلَاءِ مِثْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ، وَصَاحِبِهِ الصَّدْرِ الْقُونَوِيِّ، وَصَاحِبِهِ الْعَفِيفِ التِّلْمِسَانِيِّ، وَابْنِ سَبْعِينَ، وَصَاحِبِهِ الشُّشْتَرِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ الْبِلْيَانِيِّ وَعَامِرٍ الْبَصْرِيِّ وَطَوَائِفَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّصَارَى إِنَّمَا كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ خَصُّوا ذَلِكَ بِالْمَسِيحِ.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
وَحَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ هُوَ جَحْدُ الْخَالِقَ وَتَعْطِيلُهُ، كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] وَقَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]
فَإِنَّ فِرْعَوْنَ مَا كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْوُجُودَ الْمَشْهُودَ، لَكِنْ يُنْكِرُ أَنَّ لَهُ صَانِعًا مُبَايِنًا لَهُ خَلَقَهُ، وَهَؤُلَاءِ مُوَافِقُونَ لِفِرْعَوْنَ فِي ذَلِكَ.
لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أَظْهَرَ الْجُحُودَ وَالْإِنْكَارَ، فَلَمْ يَقُلِ " الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ ".
وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْخَالِقِ، وَأَنَّ الْوُجُودَ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْخَالِقُ، وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ شِعْرٌ نَظَمُوا قَصَائِدَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، كَابْنِ الْفَارِضِ فِي قَصِيدَتِهِ الْمُسَمَّاةِ " بِنَظْمِ السُّلُوكِ " حَيْثُ يَقُولُ:
لَهَا صَلَوَاتِي بِالْمَقَامِ أُقِيمُهَا وَأَشْهَدُ فِيهَا أَنَّهَا لِي صَلَّتِ
كِلَانَا مُصَلٍّ وَاحِدٌ سَاجِدٌ إِلَى حَقِيقَتِهِ بِالْجَمْعِ فِي كُلِّ سَجْدَةِ
[ ٤ / ٤٩٩ ]
وَمَا كَانَ لِي صَلَّى سِوَايَ وَلَمْ تَكُنْ
صَلَاتِي لِغَيْرِي فِي أَدَا كُلِّ رَكْعَةِ
إِلَى أَنْ قَالَ:
وَمَا زِلْتُ إِيَّاهَا وَإِيَّايَ لَمْ تَزَلْ وَلَا فَرْقَ بَلْ ذَاتِي لِذَاتِي أَحَبَّتِ
وَقَوْلُهُ:
إِلَيَّ رَسُولًا كُنْتُ مِنِّيَ مُرْسَلًا وَذَاتِي بِآيَاتِي عَلَيَّ اسْتَدَلَّتِ
فَإِنْ دُعِيَتْ كُنْتُ الْمُجِيبَ وَإِنْ أَكُنْ مُنَادًى أَجَابَتْ مَنْ دَعَانِي وَلَبَّتِ
وَقَدْ رُفِعَتْ يَاءُ الْمُخَاطَبِ بَيْنَنَا وَفِي رَفْعِهَا عَنْ فُرْقَةِ الْفَرْقِ رِفْعَتِي
إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ إِسْرَائِيلَ فِي شِعْرِهِ قِطْعَةٌ مِنْ هَذَا كَقَوْلِهِ:
وَمَا أَنْتَ غَيْرَ الْكَوْنِ بَلْ أَنْتَ عَيْنُهُ وَيَفْهَمُ هَذَا السِّرَّ مَنْ هُوَ ذَائِقُ
وَالتِّلْمِسَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالْعَفِيفِ، كَانَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَذَقَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ.
وَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ كِتَابُ " فُصُوصُ الْحِكَمِ " لِابْنِ عَرَبِيٍّ قِيلَ لَهُ: هَذَا الْكَلَامُ يُخَالِفُ الْقُرْآنَ، قَالَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ شِرْكٌ، وَإِنَّمَا التَّوْحِيدُ فِي كَلَامِنَا.
[ ٤ / ٥٠٠ ]
فَقِيلَ لَهُ: إِذَا كَانَ الْوُجُودُ وَاحِدًا، فَلِمَاذَا تَحْرُمُ عَلَيَّ أُمِّي وَتُبَاحُ لِي امْرَأَتِي؟
فَقَالَ: الْجَمِيعُ عِنْدَنَا حَلَالٌ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ قَالُوا: حَرَامٌ، فَقُلْنَا: حَرَامٌ عَلَيْكُمْ.
وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُ مُتَنَاقِضٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
فَإِنَّ قَوْلَهُ: (هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ) وَقَوْلَهُ: (قُلْنَا حَرَامٌ عَلَيْكُمْ)، يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْجُوبِينَ، وَبَيْنَ الْمُخَاطَبِ وَالْمُخَاطِبِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ وَحْدَةَ الْوُجُودِ.
وَإِذَا قَالُوا: (هَذِهِ مَظَاهِرُ لِلْحَقِّ وَمَجَالٍ) فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ غَيْرَ الْمُظْهَرِ، وَالْمُجَلَّى غَيْرَ الْمُتَجَلِّي، فَقَدْ ثَبَتَ التَّعَدُّدُ، وَأَنَّ فِي الْوُجُودِ اثْنَيْنِ ظَاهِرًا وَمَظْهَرًا، وَإِنْ جَعَلُوهُمَا وَاحِدًا، فَقَدْ بَطَلَ جَوَابُهُمْ.
[ ٤ / ٥٠١ ]
[فَصْلٌ: مُنَاقَشَةُ النَّصَارَى فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْجَوْهَرِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى]
فَصْلٌ
قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا قَوْلَنَا: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَوْهَرٌ قَالُوا إِنَّنَا نَسْمَعُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ ذَوُو فَضْلٍ وَأَدَبٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَمَنْ هَذَا صُورَتُهُ، وَقَدْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَنْطِقِ فَمَا حَقُّهُمْ يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَيْنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ
[ ٥ / ٥ ]
فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ؛ لِأَنَّ أَيَّ أَمْرٍ نَظَرْنَاهُ وَجَدْنَاهُ إِمَّا قَائِمًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْجَوْهَرُ، وَإِمَّا مُفْتَقِرٌ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ لَا قِوَامَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْعَرَضُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ قِسْمٌ ثَالِثٌ. فَأَشْرَفُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْغَيْرُ مُفْتَقِرٍ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَهُوَ الْجَوْهَرُ.
وَلَمَّا كَانَ الْبَارِي - تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ - أَشْرَفَ الْمَوْجُودَاتِ؛ إِذْ هُوَ سَبَبُ سَائِرِهَا، أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ الْأُمُورِ وَأَعْلَاهَا الْجَوْهَرُ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّهُ جَوْهَرٌ لَا كَالْجَوَاهِرِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا نَقُولُ إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قِوَامُهُ بِغَيْرِهِ وَمُفْتَقِرٌ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا مِنَ الْقَبِيحِ أَنْ يُقَالَ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَقُلْتُ
[ ٥ / ٦ ]
لَهُمْ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّا إِنَّمَا نَمْتَنِعُ مِنْ تَسَمِّيهِ جَوْهَرًا؛ لِأَنَّ الْجَوْهَرَ مَا قَبِلَ عَرَضًا وَمَا شَغَلَ الْحَيِّزَ وَلِهَذَا مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - جَوْهَرٌ. قَالُوا: إِنَّ الَّذِي يَقْبَلُ عَرَضًا وَيَشْغَلُ حَيِّزًا هُوَ الْجَوْهَرُ الْكَثِيفُ، فَأَمَّا الْجَوْهَرُ اللَّطِيفُ فَمَا يَقْبَلُ عَرَضًا وَلَا يَشْغَلُ حَيِّزًا؛ مِثْلَ جَوْهَرِ النَّفْسِ، وَجَوْهَرِ الْعَقْلِ، وَجَوْهَرِ الضَّوْءِ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مِنَ الْجَوَاهِرِ اللَّطِيفَةِ الْمَخْلُوقَةِ.
فَإِذَا كَانَتِ الْجَوَاهِرُ اللَّطِيفَةُ الْمَخْلُوقَةُ لَا تَقْبَلُ عَرَضًا، وَلَا تَشْغَلُ حَيِّزًا فَيَكُونُ خَالِقُ الْجَوَاهِرِ اللَّطَائِفِ وَالْكَثَائِفِ، وَمُرَكِّبُ اللَّطَائِفِ بِالْكَثَائِفِ يَقْبَلُ عَرَضًا وَيَشْغَلُ حَيِّزًا؟ كَلَّا.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدهَا: أَنْ يُقَالَ: أَمَّا تَسْمِيَةُ الْبَارِي جَوْهَرًا. فَهُوَ مِنْ أَهْوَنِ مَا يُنْكَرُ عَلَى النَّصَارَى؛ وَلِهَذَا كَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْكِرُهُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ - فَقَطْ - أَوِ اللُّغَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ نِزَاعًا لَفْظِيًّا. وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُسَمُّونَهُ جَوْهَرًا وَجِسْمًا أَيْضًا. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى طَرِيقَتَيْنِ، فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّ أَسْمَاءَهُ سَمْعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَلَا يُسَمَّى إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ، فَإِنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ وَالِاتِّبَاعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا صَحَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، وَكَانَ مَعْنَاهُ ثَابِتًا لَهُ،
[ ٥ / ٧ ]
لَمْ يَحْرُمْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا ذَلِكَ، فَيَكُونُ عَفْوًا. وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ؛ وَهُوَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يُدْعَى بِالْأَسْمَاءِ أَوْ يُخْبَرَ بِهَا عَنْهُ. فَإِذَا دُعِيَ لَمْ يُدْعَ إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
وَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْهُ فَهُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ؛ فَإِذَا احْتِيجَ فِي تَفْهِيمِ الْغَيْرِ الْمُرَادَ إِلَى أَنْ يُتَرْجَمَ أَسْمَاؤُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمٍ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا.
وَأَمَّا الَّذِينَ مَنَعُوهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَكَثِيرٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْجَوْهَرَ مَا شَغَلَ الْحَيِّزَ، وَحَمَلَ الْأَعْرَاضَ وَاللَّهُ - ﷾ - لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ نَفَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجَوْهَرُ مَا إِذَا وُجِدَ كَانَ وُجُودُهُ لَا فِي مَوْضُوعٍ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا وُجُودُهُ زَائِدٌ عَلَى ذَاتِهِ، وَوَاجِبُ الْوُجُودِ وُجُودُهُ عَيْنُ ذَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ
[ ٥ / ٨ ]
جَوْهَرًا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُتَفَلْسِفَةِ.
وَأَمَّا قُدَمَاءُ الْفَلَاسِفَةِ؛ كَأَرِسْطُو وَأَمْثَالِهِ؛ فَكَانُوا يُسَمُّونَهُ جَوْهَرًا؛ وَعَنْهُمْ أَخَذَتِ النَّصَارَى هَذِهِ التَّسْمِيَةَ؛ فَإِنَّ أَرِسْطُو كَانَ قَبْلَ الْمَسِيحِ
[ ٥ / ٩ ]
بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَلِهَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ فِي كِتَابِهِمْ نَعْجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَهُوَ قَدْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَنْطِقِ.
وَأَمَّا اللُّغَةُ: فَإِنَّ لَفْظَ الْجَوْهَرِ لَيْسَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ الْعَرْبَاءِ؛ وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَحْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَرَّبٌ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْجَوْهَرُ مُعَرَّبٌ، الْوَاحِدَةُ
[ ٥ / ١٠ ]
جَوْهَرَةٌ، فَهُوَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ الْمُعَرَّبَةِ، لَا مِنَ الْعَرَبِيَّةِ الْعَرْبَاءِ، كَلَفْظِ سِجِّيلٍ، وَإِسْتَبْرَقٍ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُعَرَّبَةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ. وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا عُرِّبَ كَانَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْجَوْهَرَ الْمَعْرُوفَ. وَتَسْمِيَةُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ أَوِ الشَّاغِلِ لِلْحَيِّزِ جَوْهَرًا، فَهُوَ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ، لَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ وَلَا الْعُرْفِيَّةِ الْعَامَّةِ، وَلَا الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْأَوَائِلِ، كَالْيُونَانِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ
[ ٥ / ١١ ]
يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ تَسْمِيَةُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ جَوْهَرًا. وَقَدْ قِيلَ: سَمَّوْهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَوْهَرَ الشَّيْءِ أَصْلُهُ وَالْقَائِمُ بِنَفْسِهِ هُوَ الْأَصْلُ. وَقَدْ يُسَمُّونَ الْعَرَضَ الْقَائِمَ بِغَيْرِهِ جَوْهَرًا. وَقِيلَ: لِأَنَّ لَفْظَ الْجَوْهَرِ، فَوَعْلٌ، مِنَ الْجَهْرِ؛ وَهُوَ الظُّهُورُ وَالْوُضُوحُ، وَالْقَائِمُ بِنَفْسِهِ يَظْهَرُ وَيُعْرَفُ قَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ مَا قَامَ بِهِ مِنَ الْأَعْرَاضِ.
وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا الَّتِي تُسَمَّى جَوَاهِرَ أَوْ أَجْسَامًا، وَتَنَازَعُوا فِي ثُبُوتِ الْأَعْرَاضِ الْقَائِمَةِ بِهَا، وَالنِّزَاعُ عِنْدَ مُحَقَّقِيهِمْ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ عَاقِلًا لَا يُنَازِعُ أَنَّ الْجِسْمَ يَتَحَرَّكُ بَعْدَ سُكُونِهِ. لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: حَرَكَتُهُ لَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى ذَاتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى ذَاتِهِ. وَهُوَ نَظِيرُ نِزَاعِهِمْ فِي الصِّفَاتِ: هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَوْ لَيْسَتْ زَائِدَةً؟ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مُسَمَّى الْإِنْسَانِ إِذَا أُطْلِقَ دَخَلَ فِيهِ صِفَاتُهُ، وَإِذَا مُيِّزَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا قِيلَ: الذَّاتُ وَالصِّفَاتُ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَخُصُّ بِلَفْظِ الْعَرَضِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الصِّفَاتِ لَازِمًا لِلْمَوْصُوفِ، وَالصِّفَاتُ اللَّازِمَةُ يُسَمِّيهَا صِفَاتٍ ذَاتِيَّةً جَوْهَرِيَّةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصُّ بِالْعَرَضِ
[ ٥ / ١٢ ]
مَا لَا يَبْقَى عِنْدَهُ زَمَانَيْنِ، وَيَقُولُ: صِفَاتُ الْمَخْلُوقِ تُسَمَّى أَعْرَاضًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ زَمَانَيْنِ بِخِلَافِ صِفَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا عِنْدَهُ بَاقِيَةٌ فَلَا تُسَمَّى أَعْرَاضًا.
وَمِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُسَمِّي صِفَاتِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَعْرَاضًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي أُصُولِ الْإِيمَانِ الَّتِي يَجِبُ اعْتِقَادُهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ مَا هُوَ اصْطِلَاحُ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ، مَعَ أَنَّهُ يُوهِمُ مَعْنًى بَاطِلًا. وَهَذَا الْوَضْعُ مِمَّا اضْطَرَبَ فِيهِ - مَعَ النَّصَارَى - كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الصِّفَاتِ أَعْيَانًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا وَجَوَاهِرَ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْأَعْيَانَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهَا صِفَاتٍ، وَالصِّفَاتُ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا بَلْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَوْصُوفٍ تَقُومُ بِهِ.
وَالْأَوَّلُونَ نَوْعَانِ:
مِنْهُمْ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ، وَقَالَ: لَوْ أَثْبَتْنَا لَهُ حَيَاةً وَعِلْمًا وَقُدْرَةً
[ ٥ / ١٣ ]
لَزِمَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ آلِهَةً فَإِنَّ الْقِدَمَ أَخَصُّ وَصْفِهِ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا قَدِيمًا لَيْسَتْ هِيَ الذَّاتَ، لَزِمَ أَنْ يُشَارِكَ الذَّاتَ فِي أَخَصِّ وَصْفِهَا، فَتَكُونُ ذَاتًا أُخْرَى قَائِمَةً بِنَفْسِهَا. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى احْتَجُّوا عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ بِأَنَّا لَوْ أَثْبَتْنَاهَا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ آلِهَةً.
وَقَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ: أَنَّا لَوْ أَثْبَتْنَا الصِّفَاتِ لَقُلْنَا بِقَوْلِ النَّصَارَى، حَيْثُ أَثْبَتُوا لِلَّهِ الْأَقَانِيمَ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ قَائِمَةٌ عَلَى النَّصَارَى، وَهُمُ النَّوْعُ الثَّالِثُ، فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا لِلَّهِ صِفَاتٍ جَعَلُوهَا جَوْهَرًا
[ ٥ / ١٤ ]
قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَيٌّ نَاطِقٌ، ثُمَّ قَالُوا حَيَاتُهُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَنُطْقُهُ - وَهُوَ الْكَلِمَةُ - جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَقَالُوا فِي هَذَا: إِنَّهُ إِلَهٌ مِنْ إِلَهٍ، وَهَذَا إِلَهٌ مِنْ إِلَهٍ، فَأَثْبَتُوا صِفَاتٍ لِلَّهِ وَجَعَلُوهَا جَوَاهِرَ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، ثُمَّ قَالُوا: الْجَمِيعُ جَوْهَرٌ، فَكَانَ فِي كَلَامِهِمْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْبَاطِلِ الْمُتَنَاقِضِ. مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الصِّفَاتِ جَوْهَرًا. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْجَوَاهِرَ الْمُتَعَدِّدَةَ جَوْهَرًا وَاحِدًا.
وَالَّذِينَ قَالُوا مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ: إِنَّ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ النَّصَارَى، هُوَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى مَنْ جَعَلَ الصِّفَاتِ جَوَاهِرَ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الصِّفَاتِ جَوَاهِرُ آلِهَةٍ، ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَا صِفَةَ لَهُ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: بَلِ الْأَبُ جَوْهَرُ إِلَهٍ، وَالِابْنُ جَوْهَرُ إِلَهٍ، وَرُوحُ الْقُدُسِ جَوْهَرُ إِلَهٍ، ثُمَّ قَالُوا: وَالْجَمِيعُ إِلَهٌ وَاحِدٌ. وَنَفْسُ تَصَوُّرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ - التَّصَوُّرَ التَّامَّ - يُوجِبُ الْعِلْمَ بِفَسَادِهَا. وَأَمَّا الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ فَنَطَقُوا أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ، وَثَبَتُوا أَنَّ الْإِلَهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: عَبَدْتُ اللَّهَ وَدَعَوْتُ اللَّهَ؛ فَإِنَّمَا دَعَا وَعَبَدَ إِلَهًا وَاحِدًا؛ وَهُوَ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، لَمْ يَعْبُدْ ذَاتًا لَا حَيَاةَ لَهَا وَلَا عِلْمَ وَلَا قُدْرَةَ، وَلَا عَبَدَ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ وَلَا ثَلَاثَةَ جَوَاهِرَ، بَلْ نَفْسُ اسْمِ اللَّهِ يَتَضَمَّنُ ذَاتَهُ الْمُقَدَّسَةَ الْمُتَّصِفَةَ
[ ٥ / ١٥ ]
بِصِفَاتِهِ - سُبْحَانَهُ - وَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ خَارِجَةً عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ، وَلَا زَائِدَةً عَلَى مُسَمَّى اسْمِهِ، بَلْ إِذَا قُدِّرَ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ، فَالصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَى هَذِهِ الذَّاتِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الذِّهْنِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الصِّفَاتِ لَيْسَتِ الصِّفَاتُ زَائِدَةً عَنِ الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِالصِّفَاتِ، فَإِنَّ تِلْكَ لَا تَحَقَّقُ إِلَّا بِصِفَاتِهَا فَتَقْدِيرُهَا - مُجَرَّدَةً عَنْ صِفَاتِهَا - تَقْدِيرٌ مُمْتَنِعٌ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْمُثْبِتَةُ: هَلْ يُقَالُ الصِّفَاتُ عَيْنُ الذَّاتِ، أَمْ يُقَالُ لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ؟ أَمْ يُقَالُ: لَا يُقَالُ هُنَّ غَيْرُ الذَّاتِ، وَلَا يُقَالُ لَيْسَتْ غَيْرَ الذَّاتِ؟ وَتَنَازَعُوا فِي مُسَمَّى الْغَيْرَيْنِ: هَلْ هُمَا مَا جَازَ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ مُطْلَقًا، أَوْ مَا جَازَ مُفَارَقَتُهُ بِوُجُودٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، أَوْ هُمَا مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْآخَرِ؟ وَغَايَةُ ذَلِكَ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّةٌ.
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَرَّقَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ؛ فَجَعَلَ بَعْضَهَا زَائِدًا عَلَى الذَّاتِ وَبَعْضَهَا لَيْسَ بِزَائِدٍ عَلَى الذَّاتِ، وَكَانَ الْفَرْقُ بِحَسَبِ مَا يَتَصَوَّرُهُ، لَا بِحَسَبِ مَا الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ. فَإِذَا
[ ٥ / ١٦ ]
أَمْكَنَهُمْ تَصَوُّرُ الذَّاتِ بِدُونِ صِفَةٍ قَالُوا: هَذِهِ زَائِدَةٌ، وَإِلَّا قَالُوا لَيْسَتْ زَائِدَةً. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا تَصَوَّرُوهُ هُمْ مِنَ الذَّاتِ، لَا أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَصِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا، بَلْ لَيْسَ إِلَّا الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ.
وَلَكِنْ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الصِّفَاتِ غَيْرُ الذَّاتِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اسْمَ (اللَّهِ) مُتَنَاوِلٌ لِذَاتِهِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهِ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: دَعَوْتُ اللَّهَ وَعَبَدْتُ اللَّهَ؛ فَلَمْ يَدْعُ ذَاتًا مُجَرَّدَةً وَلَا صِفَاتٍ مُجَرَّدَةً، بَلْ دَعَا الذَّاتَ الْمُتَّصِفَةَ بِصِفَاتِهَا فَاسْمُهُ - تَعَالَى - يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ. فَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ خَارِجَةً عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ وَلَا زَائِدَةً عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهَا الَّتِي تَدْخُلُ صِفَاتُهَا فِي مُسَمَّاهَا، فَقَدْ غَلِطَ وَلَكِنْ فِي الْأَذْهَانِ وَالْأَلْسِنَةِ زَلَقٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَثِيرًا.
فَإِذَا قِيلَ: الصِّفَاتُ مُغَايِرَةٌ لِلذَّاتِ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مِنَ الْمَحْذُورِ مَا فِي قَوْلِنَا: إِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ يَتَنَاوَلُ صِفَاتِهِ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهَا غَيْرُهُ؛ فُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مُبَايِنَةٌ لَهُ وَهَذَا بَاطِلٌ. وَلِهَذَا كَانَ النُّفَاةُ إِذَا نَاظَرُوا أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا نَاظَرُوا الْإِمَامَ
[ ٥ / ١٧ ]
أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي مِحْنَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فَقَالُوا لَهُ: " مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ اللَّهِ، أَهْوَ اللَّهُ أَمْ غَيْرُ اللَّهِ؟ " عَارَضَهُمْ بِالْعِلْمِ؛ وَقَالَ لَهُمْ: " مَا تَقُولُونَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، أَهْوَ اللَّهُ أَمْ غَيْرُ اللَّهِ؟ ". وَأَجَابَ - أَيْضًا -
[ ٥ / ١٨ ]
بِأَنَّ الرُّسُلَ لَمْ تَنْطِقْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ لِكَلَامِهِ: هُوَ أَنَا، وَلَا قَالَ: إِنَّهُ غَيْرِي! حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: إِذَا كَانَ قَدْ جَعَلَ كَلَامَهُ غَيْرَهُ وَسِوَاهُ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَالِقٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ! .
فَإِنْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالسَّمْعِ؛ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَقْلِ؛ فَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَعَانِي لَا إِلَى الْعِبَارَاتِ. فَإِنْ أَرَادَ الْمُرِيدُ بِقَوْلِهِ: هَلْ كَلَامُهُ وَعِلْمُهُ غَيْرُهُ، أَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهُ. فَلَيْسَ هُوَ غَيْرًا لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ لَيْسَ هُوَ الْعَالِمَ الْمُتَكَلِّمَ؛ فَهُوَ غَيْرٌ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا لَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُفْهِمُ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ. وَأَمَّا الَّذِينَ جَعَلُوا الْأَعْيَانَ الْقَائِمَةَ بِأَنْفُسِهَا صِفَاتٍ، فَهُمْ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ النُّفَاةُ لِلصِّفَاتِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ عَقْلٌ وَعَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ.
وَلَفْظُ (الْعَقْلِ) عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ: هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ - نَفْسَهُ - عِلْمُهُ، حَتَّى صَرَّحُوا بِأَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ عِلْمٌ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلُوهُ عَنْ أَرِسْطُو،
[ ٥ / ١٩ ]
وَأَنَّ الْعُقُولَ الْعَشَرَةَ كُلٌّ مِنْهَا عِلْمٌ، فَهُوَ عِلْمٌ وَعَالِمٌ وَمَعْلُومٌ، بَلْ قَالُوا: عَقْلٌ وَعَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ، وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ وَعِشْقٌ، وَلَذِيذٌ وَمُلْتَذٌّ وَلَذَّةٌ، فَجَعَلُوهُ - نَفْسَهُ - لَذَّةً وَعَقْلًا وَعِشْقًا، وَجَعَلُوا ذَلِكَ هُوَ الْعَالِمَ الْعَاشِقَ الْمُلْتَذَّ، وَجَعَلُوا نَفْسَ الْعِلْمِ نَفْسَ الْعِشْقِ وَنَفْسَ اللَّذَّةِ؛ فَجَعَلُوهُ - نَفْسَهُ - صِفَاتٍ، وَجَعَلُوهُ ذَاتًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، وَجَعَلُوا كُلَّ صِفَةٍ هِيَ الْأُخْرَى، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ - بِصَرِيحِ الْعَقْلِ - بُطْلَانُهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ - نَفْسَهُ - عِلْمٌ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: هُوَ عَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَعَقْلٌ؛ يَقُولُ: إِنَّهُ يَعْلَمُ - نَفْسَهُ - بِلَا عِلْمٍ عَلِمَهُ، بَلْ هُوَ الْعَالِمُ، وَهُوَ الْمَعْلُومُ وَهُوَ الْعِلْمُ. وَحَقِيقَةُ كَلَامِهِمْ تَعُودُ إِلَى قَوْلِ أُولَئِكَ؛ فَإِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: إِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَعْلَمُ بِهِ ذَاتَهُ هُوَ الْعَالِمُ وَهُوَ الْمَعْلُومُ؛ فَقَدْ جَعَلُوا نَفْسَ الْعِلْمِ نَفْسَ الْعَالِمِ وَنَفْسَ الْعِلْمِ نَفْسَ الْمَعْلُومِ وَهِيَ حَقِيقَةُ قَوْلِ أُولَئِكَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[ ٥ / ٢٠ ]
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّكُمْ مُتَّبِعُونَ لِلْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْبَغِ لَكُمْ فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ مِنَ الْأَسْمَاءِ إِلَّا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈.
وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ أَحَدٌ مِنْهُمْ جَوْهَرًا، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِذَلِكَ أَرِسْطُو وَأَمْثَالُهُ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ الْمَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَلَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ الْعُلْوِيَّةَ، وَالْأَصْنَامَ السُّفْلِيَّةَ وَيَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ وَيُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَإِنَّمَا صَارُوا مُؤْمِنِينَ لَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِمْ دِينُ الْمَسِيحِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ الْمَقْدُونِيِّ
[ ٥ / ٢٠ ]
- صَاحِبِ أَرِسْطُو - بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ آخِرُ مُلُوكِهِمْ كَانَ (بَطْلَيْمُوسَ) وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمَلِكَ مِنْ مُلُوكِهِمْ (بَطْلَيْمُوسَ) كَمَا يُسَمُّونَ الْقِبْطُ مَلِكَهَا (فِرْعَوْنَ) وَالْحَبَشَةُ مَلِكَهَا (النَّجَاشِيَّ) وَالْفُرْسُ (كِسْرَى) وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَعُدُولُكُمْ عَنْ طَرِيقَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. إِلَى طَرِيقَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ الْمُعَطِّلِينَ مِنَ الضَّلَالِ الْمُبِينِ.
وَفِي كُتُبِهِمْ: أَنْ بُولِصَ لَمَّا صَارَ إِلَى (أَيْثِينِيَّةَ) دَارِ الْفَلَاسِفَةِ، وَفِيهَا دَارُ الْأَصْنَامِ، وَجَدَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ دَارِ الْعُلَمَاءِ: الْإِلَهُ الْخَفِيُّ
[ ٥ / ٢٢ ]
الَّذِي لَا يُعْرَفُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ.
فَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَكَيْفَ يُعْدَلُ عَنْ طَرِيقَةِ رُسُلِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ كَمُوسَى، وَدَاوُدَ، وَالْمَسِيحِ، إِلَى طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ الْمُعَطِّلِينَ؟ ! .
وَلَكِنَّ النَّصَارَى رَكَّبُوا دِينًا مِنْ دِينَيْنِ: مِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُوَحِّدِينَ وَدِينِ الْمُشْرِكِينَ، فَصَارَ فِي دِينِهِمْ قِسْطٌ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَقِسْطٌ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، كَمَا أَحْدَثُوا أَلْفَاظَ الْأَقَانِيمِ، وَهِيَ أَلْفَاظٌ لَا تُوجَدُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَمَا أَحْدَثُوا الْأَصْنَامَ الْمَرْقُومَةَ بَدَلَ الْأَصْنَامِ الْمُجَسَّدَةِ، وَالصَّلَاةَ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ، بَدَلَ الصَّلَاةِ لَهَا، وَالصِّيَامَ فِي وَقْتِ الرَّبِيعِ، لِيَجْمَعُوا بَيْنَ الدِّينِ الشَّرْعِيِّ وَالْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: إِنَّ الَّذِي يَشْغَلُ حَيِّزًا وَيَقْبَلُ عَرَضًا هُوَ الْجَوْهَرُ الْكَثِيفُ، فَأَمَّا الْجَوْهَرُ اللَّطِيفُ فَمَا يَقْبَلُ عَرَضًا وَلَا يَشْغَلُ حَيِّزًا، مِثْلَ جَوْهَرِ النَّفْسِ وَجَوْهَرِ الْعَقْلِ وَجَوْهَرِ الضَّوْءِ. فَيُقَالُ: الْكَلَامُ فِي
[ ٥ / ٢٣ ]
الْجَوَاهِرِ. هَلْ هِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مُتَحَيِّزٍ وَغَيْرِ مُتَحَيِّزٍ أَوْ كُلُّهَا مُتَحَيِّزَةٌ؟ مُتَّصِلٌ بِالْكَلَامِ عَلَى نَفْسِ الْإِنْسَانِ النَّاطِقَةِ.
فَنَقُولُ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مَعْرِفَةً بِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا يَعْرِفُونَ وُجُودَ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ رُوحُ الْإِنْسَانِ الَّتِي تُفَارِقُ بَدَنَهُ حِينَ الْمَوْتِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَزْعُمُ أَنَّهَا عَرَضٌ مِنْ
[ ٥ / ٢٤ ]
أَعْرَاضِ الْبَدَنِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فَهَذَا قَوْلٌ مُحْدَثٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَحْكِيًّا عَنْ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَلَيْسَ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّتِهَا، بَلْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ الْمَذْمُومِ عِنْدَ السَّلَفِ. وَأَئِمَّةُ الْأُمَّةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الدَّاخِلِينَ فِي أَهْلِ الْمِلَلِ يَقُولُونَ: إِنَّ الذَّوَاتِ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْأَنْبِيَاءُ الْمَلَائِكَةَ هِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْمُتَفَلْسِفَةُ الْمَشَّاءُونَ عُقُولًا، أَوْ عُقُولًا وَنُفُوسًا، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
فَإِنَّ الْعُقُولَ الَّتِي يُثْبِتُهَا هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا عِنْدَ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ، بَلْ وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي الْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ، بَلْ حَقِيقَةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ - نَفْسَهُ - هُوَ عِلْمٌ، وَجَعَلُوا نَفْسَ الْعِلْمِ هُوَ نَفْسَ الْعَالِمِ، وَنَفْسُ تَصَوُّرِ هَذَا الْقَوْلِ يَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ، كَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةَ
[ ٥ / ٢٥ ]
- أَتْبَاعَ أَرِسْطُو - لَا يَعْرِفُونَ الْمَلَائِكَةَ، بَلْ وَلَا الْجِنَّ، وَإِنَّمَا عِلْمُهُمْ مَعْرِفَةُ الْأَجْسَامِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَتَكَلَّمُوا فِي الْإِلَهِيَّاتِ بِكَلَامٍ قَلِيلٍ نَزْرٍ؛ بَاطِلُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَقِّهِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَهَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَقْلَ الْأَوَّلَ أَبْدَعَ مَا دُونَهُ مِنَ الْعُقُولِ وَالْأَفْلَاكِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى الْعَقْلِ الْعَاشِرِ، فَهُوَ مُبْدِعٌ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ عِنْدَ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ أَهْلِ الْمِلَلِ. فَإِنَّ مَضْمُونَ هَذَا أَنَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَلَقَ كُلَّ مَا تَحْتَ السَّمَاءِ، وَمَلَكًا فَوْقَهُ خَلَقَ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ فِي دِينِ الْمُرْسَلِينَ وَأَهْلِ الْمِلَلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَسْبِقُهُ بِالْقَوْلِ، وَلَا تَعْمَلُ إِلَّا بِأَمْرِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَلَكٌ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
[ ٥ / ٢٦ ]
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْوَحْيَ وَالْكَلَامَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، إِنَّمَا هُوَ فَيْضٌ مِنْ هَذَا الْعَقْلِ الْفَعَّالِ عَلَى قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ. وَاللَّهُ - تَعَالَى - عِنْدَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مُوسَى وَلَا عِيسَى وَلَا إِبْرَاهِيمَ وَلَا مُحَمَّدًا وَلَا غَيْرَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا يَعْرِفُ الْجُزْئِيَّاتِ، بَلْ عِنْدَ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ، بَلْ وَلَا خَلَقَ عِنْدَهُمْ شَيْئًا، بَلْ وَلَا يَقْدِرُ عِنْدَهُمْ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنْ يَكُونَ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وَأَرِسْطُو وَقَوْمُهُ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ بِمَقْدُونِيَّةَ وَأَثِينِيَّةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَدَائِنِ فَلَاسِفَةِ الْيُونَانِ، وَكَانَ وَزِيرًا لِلْإِسْكَنْدَرِ بْنِ فِيلِبْسَ الْمَقْدُونِيِّ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ الْمَسِيحِ - ﵇ - بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ وَزِيرًا لِذِي الْقَرْنَيْنِ الَّذِي بَنَى سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ،
[ ٥ / ٢٧ ]
وَعَامَّةُ عِلْمِ الْقَوْمِ عِلْمُ الطَّبِيعِيَّاتِ وَالْحِسَابِيَّاتِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ - وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ، وَهُوَ مُنْتَهَى فَلْسَفَتِهِمْ - فَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيهِ عَلَى أُمُورٍ كُلِّيَّةٍ، قَسَّمُوا الْوُجُودَ إِلَى جَوْهَرٍ وَتِسْعَةِ أَعْرَاضٍ يَجْمَعُهَا بَيْتَانِ
زَيْدُ الطَّوِيلُ الْأَسْوَدُ بْنُ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالْأَمْسِ كَانَ مُتَّكَى
فِي يَدِهِ سَيْفٌ نَضَاهُ فَانْتَضَى فَهَذِهِ عَشْرُ مَقُولَاتٍ سِوَا
وَهِيَ: الْجَوْهَرُ، وَالْكَمُّ، وَالْكَيْفُ، وَالْأَيْنُ، وَمَتَى، وَالْإِضَافَةُ، وَالْمِلْكُ، وَالْوَضْعُ، وَأَنْ يَفْعَلَ، وَأَنْ يَنْفَعِلَ.
وَقَدْ نَازَعَهُ أَتْبَاعُهُ وَغَيْرُهُمْ فِي هَذَا الْحَصْرِ وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا دَلِيلَ
[ ٥ / ٢٨ ]
عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا ثَلَاثَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَثْبَتَ الْعِلَّةَ الْأُولَى بِنَاءً عَلَى حَرَكَةِ الْفَلَكِ، وَأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَوْقِيَّةً، فَلَابُدَّ لَهُ مِمَّا يَتَشَبَّهُ بِهِ. فَالْعِلَّةُ الْأُولَى هِيَ غَايَةٌ لِحَاجَةِ الْفَلَكِ إِلَيْهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ لِيَتَشَبَّهَ بِهَا كَحَرَكَةِ الْمُؤْتَمِّ بِإِمَامِهِ، وَالْمُقْتَدِي بِقُدْوَتِهِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: كَتَحْرِيكِ الْمَعْشُوقِ لِعَاشِقِهِ.
وَكَلَامُ أَرِسْطُو فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ، وَقَدْ نَقَلْتُهُ بِأَلْفَاظِهِ وَتَكَلَّمْتُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَقَالَةِ اللَّامِ وَهِيَ آخِرُ فَلْسَفَتِهِ وَمُنْتَهَى حِكْمَتِهِ.
وَفِي كِتَابِ أَثُولُوجْيَا " وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الرَّبَّ مُبْدِعٌ لِفَلَكٍ
[ ٥ / ٢٩ ]
وَعِلَّةٌ فَاعِلَةٌ، وَلَا يُسَمَّى وَاجِبَ الْوُجُودِ.
وَلَا قَسَّمَ الْمَوْجُودَاتِ إِلَى وَاجِبٍ قَدِيمٍ وَمُمْكِنٍ قَدِيمٍ، بَلْ ذَلِكَ فِعْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ سَمِعُوا كَلَامَ أَهْلِ الْمِلَلِ أَرَادُوا إِصْلَاحَ كَلَامِهِ وَتَقْرِيبَهُ إِلَى الْعُقُولِ، لَعَلَّهُ يُوَافِقُ مَا عُلِمَ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ. فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ثَابِتُ بْنُ قُرَّةَ وَبَيَّنَ أَنَّ الْفَلَكَ لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِطَبِيعَتِهِ وَلَا قِوَامَ لِطَبِيعَتِهِ إِلَّا بِحَرَكَتِهِ، وَلَا قِوَامَ لِحَرَكَتِهِ الْإِرَادِيَّةِ إِلَّا بِمُحَرِّكٍ لَهَا.
وَزَعَمُوا أَنَّ الْمُحَرِّكَ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَحَرِّكًا، وَقَرَّرُوا ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ
[ ٥ / ٣٠ ]
فَاسِدَةٍ، قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَقَالُوا: إِنَّهُ إِنَّمَا تَحَرَّكَ الْفَلَكُ مِنْ جِهَةِ نِسْبَةِ الْفَلَكِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْقَادِرَ عَلَى تَحْرِيكِ الْفَلَكِ، بَلْ وَلَا شُعُورَ مِنْهُ بِالْفَلَكِ. وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ الْفَيْلَسُوفُ وَأَمْثَالُهُ؛ فَقَالُوا: إِنَّهُ يَأْمُرُ الْفَلَكَ بِالْحَرَكَةِ وَقِوَامُ الْفَلَكِ بِطَاعَتِهِ لِأَمْرِ اللَّهِ. مَعَ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَا إِرَادَةَ لَهُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ، بَلْ كَوْنُهُ آمِرًا وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِ الْفَلَكِ يَتَشَبَّهُ بِهِ، كَمَا يَأْمُرُ الْمَعْشُوقُ عَاشِقَهُ أَنْ يُحِبَّهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْشُوقُ لَا شُعُورَ لَهُ وَلَا إِرَادَةَ فِي أَنْ يُحِبَّهُ ذَلِكَ.
ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ هُوَ الْآمِرُ؛ فَإِنَّمَا يَصْدُرُ بِسَبَبِ أَمْرِهِ، مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الْفَلَكِ؛ وَلِهَذَا شَبَّهُوا ذَلِكَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ لِعَسْكَرِهِ بِأَمْرٍ يُطِيعُونَهُ فِيهِ، فَجَعَلُوا الْحَرَكَاتِ مَعْلُولَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، لَمْ يُثْبِتُوا أَنَّهُ أَبْدَعَ شَيْئًا مِنَ الْأَفْلَاكِ وَالْعَنَاصِرِ وَالْمُوَلَّدَاتِ وَلَا الْعُقُولَ وَلَا النُّفُوسَ، لَا أَبْدَعَ أَعْيَانَهَا وَلَا صِفَاتِهَا، وَلَا أَفْعَالَهَا، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ آمِرًا لَهَا بِالْحَرَكَةِ؛ كَأَمْرِ الْمَلِكِ لِعَسْكَرِهِ، مَعَ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ آمِرًا بِالْحَقِيقَةِ، بَلْ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، بَلْ غَايَةُ مَا يَزْعُمُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ أَنَّ لِلْفَلَكِ حَاجَةً إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ تَشَبُّهِهِ بِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ هُوَ عِلِّيَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْفَلَكِ، فَإِنَّمَا يَقُولُ هَذَا مَنْ يَقُولُهُ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَابْنِ سِينَا.
وَأَمَّا الْفَارَابِيُّ؛ فَهُوَ الَّذِي وَسَّعَ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْبَابِ،
[ ٥ / ٣١ ]
وَقَسَّمَ الْوُجُودَ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَجَعَلَ الْأَفْلَاكَ مُمْكِنَةً وَاجِبَةً بِهِ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ وَالِاضْطِرَابِ مَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَبَنَى ابْنُ سِينَا الْكَلَامَ فِي نَفْيِ صِفَاتِهِ عَلَى كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ.
وَأَمَّا الْفَارَابِيُّ فِي كِتَابِ " آرَاءِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ فَاعْتَمَدَ عَلَى كَوْنِهِ أَوَّلَ، وَكَذَا أَرِسْطُو فِي كِتَابِ " أَثُولُوجْيَا " اعْتَمَدَ عَلَى كَوْنِهِ هُوَ الْأَوَّلَ، وَشَبَّهَهُ بِالْأَوَّلِ فِي الْعَدَدِ، وَعَلَى ذَلِكَ بَنَوْا نَفْيَ
[ ٥ / ٣٢ ]
الصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا لَوْ أَثْبَتْنَاهَا لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ أَوَّلَ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا حُجَّةً عَلَى كَوْنِهِ أَوَّلَ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي زَعَمُوهُ، كَمَا لَمْ يُقِيمُوا حُجَّةً عَلَى كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَوْهُ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ مُتَشَابِهَةٍ، تَحْتَمِلُ حَقًّا وَبَاطِلًا؛ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِذَاتِهِ مَوْجُودٌ بِنَفَسِهِ، وَأَنَّهُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا وُجُوبَ الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ صِفَةً. وَكَوْنُهُ أَوَّلَ بِمَعْنَى أَوَّلِ الْأَعْدَادِ الَّذِي لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاحِدَ وَالْأَوَّلَ الْمُجَرَّدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
فَالذِّهْنُ يُقَدِّرُ وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً، إِلَى سَائِرِ الْأَعْدَادِ الْمُجَرَّدَةِ، وَالْعَدَدُ الْمُجَرَّدُ عَنِ الْمَعْدُودِ إِنَّمَا يُوجَدُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَأَمَّا الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّمَا هِيَ أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَصِفَاتِهَا الْقَائِمَةِ بِهَا وَالْأَوَّلُ مِنْهَا هُوَ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتِهَا لَا تُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، لَيْسَ بِذَاتٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا، وَلَا صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهَا، بَلْ
[ ٥ / ٣٣ ]
لَا تُوجَدُ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ صِفَاتِهَا وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَكِنْ نَبَّهْنَا هُنَا عَلَيْهَا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَالُوا إِنَّا نَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ ذُو فَضْلٍ وَأَدَبٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَمَنْ هَذَا صُورَتُهُ وَقَدْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَنْطِقِ، فَمَا حَقُّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا هَذَا.
فَكُلُّ كَلَامِ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ الْفَلَاسِفَةِ وَأَهْلِ الْمَنْطِقِ، وَأَنَّ مَنْ قَرَأَ كُتُبَهُمْ عَرَفَ بِهَا مِنَ الْحَقِّ فِي الْإِلَهِيَّاتِ مَا لَا يَعْرِفُهُ سَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَبِمَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ الْمَحْضِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْمَسِيحَ وَأَتْبَاعَهُ كَالْحِوَارِيِّينَ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ لَيْسَ
[ ٥ / ٣٤ ]
فِيهِمْ مَنْ عَظَّمَ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةَ، وَلَا اسْتَعَانَ بِهِمْ، وَلَا الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ، بَلْ وَهُمْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ وَرُءُوسِ الضَّلَالِ، وَكَذَلِكَ مُوسَى وَأَتْبَاعُهُ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَأَتْبَاعُهُ، فَلَيْسَ فِي رُسُلِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَلَا فِي أَتْبَاعِهِمْ مَنْ يُعَظِّمُهُمْ وَلَا يَسْتَعِينُ بِكَلَامِهِمْ، بَلِ الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَضْلِيلِهِمْ وَتَجْهِيلِهِمْ.
وَأَمَّا الْعَقْلِيَّاتُ: فَإِنَّمَا يُعَظِّمُ كَلَامَ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ فِي الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ؛ إِذْ كَانَ كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ، فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ مَا لَا يُحِيطُ بِهِ إِلَّا ذُو الْجَلَالِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْمُ يَعْرِفُونَ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنَ الطَّبِيعِيَّاتِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ كَالْهَنْدَسَةِ وَبَعْضِ الْهَيْئَةِ وَشَيْئًا مِنْ عُلُومِ الْأَخْلَاقِ وَالسِّيَاسَاتِ الْمَدَنِيَّةِ وَالْمَنْزِلِيَّةِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَعْلَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالسِّيَاسَاتِ، فَضْلًا عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ.
فَاعْتِضَادُ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةَ يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ جَهْلِهِمْ بِالشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ، وَهَذَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ؛ إِذْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ لَا يُخْتَصُّ بِهِ النَّصَارَى، بَلِ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مَعَهُمْ وَمَعَ مَنْ يُعَظِّمُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ عُمُومًا.
[ ٥ / ٣٥ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَتْبَاعِ الْفَلَاسِفَةِ؛ كَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا وَالسُّهْرَوَرْدِيِّ الْمَقْتُولِ، وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ إِمَامِهِمْ، أَحَذَقُ بِهِمْ وَأَعْلَمُ مِنَ النَّصَارَى.
وَكُتُبُ الْفَلَاسِفَةِ الَّتِي صَارَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ، مِنَ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْمَنْطِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَذَّبَهَا الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَجَاءَ كَلَامُهُمْ فِيهَا خَيْرًا مِنْ كَلَامِ أُولَئِكَ الْيُونَانِ.
وَالنَّصَارَى وَالْيَهُودُ إِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ عَلَى مَا وَصَفَهُ هَؤُلَاءِ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ، مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ جُهَّالٌ
[ ٥ / ٣٦ ]
ضُلَّالٌ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَلَفُهُمْ وَمَنْ يُعَظِّمُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ .
وَلَمَّا صَارَ أُولَئِكَ الْيُونَانُ عَارِفِينَ بِاللَّهِ، مُوَحِّدِينَ لَهُ، عَابِدِينَ لَهُ، مُؤْمِنِينَ بِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِمْ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْمَسِيحَ. وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ - غَيْرَ مُبَدِّلٍ لِشَيْءٍ مِنْ دِينِهِ قَبْلَ النَّسْخِ - فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْتَدِينَ، وَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ كَلَامَ الرُّسُلِ يُوَافِقُ هَؤُلَاءِ الْيُونَانَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَبِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ. وَإِنَّمَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فِي كَلَامِ الْمَلَاحِدَةِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ؛ مَلَاحِدَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ؛ كَأَصْحَابِ رَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَا، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى
[ ٥ / ٣٧ ]
تَشَيُّعٍ أَوْ إِلَى تَصَوُّفٍ كَابْنِ عَرَبِيٍّ
[ ٥ / ٣٨ ]
وَابْنِ سَبْعِينَ وَأَمْثَالِهِمَا. وَفِي الْكُتُبِ الْمَضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الْمَنْسُوبِ إِلَى أَبِي حَامِدٍ قِطْعَةٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ يَحْتَجُّونَ بِالْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ «أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ. فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِي مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ، فَبِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ الثَّوَابُ وَعَلَيْكَ الْعِقَابُ» .
[ ٥ / ٣٩ ]
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ؛ كَأَبِي جَعْفَرٍ الْعَقِيلِيِّ،
[ ٥ / ٤٠ ]
وَأَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ الْبُسْتِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ لَفْظُهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا حُجَّةٌ عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِهِمْ، فَإِنَّهُ قَالَ: " أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ " بِنَصْبِ " أَوَّلَ "، وَفِي لَفْظٍ " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ ".
فَلَفْظُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَاطَبَهُ فِي أَوَّلِ مَا خَلَقَهُ، فَحَرَّفُوا لَفْظَهُ وَقَالُوا: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ بِالضَّمِّ، وَلَيْسَ هَذَا لَفْظَهُ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَاطَبَهُ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ خَلْقِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: " «مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ» "، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ خَلَقَ قَبْلَهُ غَيْرَهُ.
وَعِنْدَهُمْ هُوَ أَوَّلُ الْمُبْدَعَاتِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَيْءٌ، مَعَ أَنَّهُ وَسَائِرَ الْعُقُولِ وَالْأَفْلَاكَ - عِنْدَهُمْ - قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ.
[ ٥ / ٤١ ]
ثُمَّ قَالَ: " «فَبِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي وَبِكَ الثَّوَابُ وَعَلَيْكَ الْعِقَابُ» " فَجَعَلَ بِهِ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الْأَرْبَعَةَ.
وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَقْلَ صَدَرَ عَنْهُ جَمِيعُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ (الْعَقْلِ) فِي الْحَدِيثِ سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ ضَعِيفًا، هُوَ الْعَقْلُ فِي لُغَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، هُوَ عَقْلُ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِهِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْإِنْسَانِ، لَيْسَ هُوَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
وَالْعَقْلُ فِي لُغَةِ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ. وَأَمَّا النَّفْسُ الْفَلَكِيَّةُ، فَلَهُمْ فِيهَا قَوْلَانِ: قِيلَ: إِنَّهَا عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْفَلَكِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ. وَقِيلَ: بَلْ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا يَمِيلُ ابْنُ سِينَاءَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى أَنَّ ثَمَّ جَوْهَرًا لَطِيفًا، غَيْرَ الْجَوْهَرِ الْكَثِيفِ، وَمَثَّلُوا ذَلِكَ بِالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالضَّوْءِ، ثُمَّ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى ثُبُوتِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلًا، وَلَا دَلِيلَ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ، فَإِنَّ النَّفْسَ الْفَلَكِيَّةَ وَالْعُقُولَ الْعَشَرَةَ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا كِتَابٌ
[ ٥ / ٤٢ ]
وَلَا رَسُولٌ، بَلْ وَلَا دَلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ، وَأَدِلَّةُ الْمُتَفَلْسِفَةِ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ. وَإِنَّمَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَمَلُوا كَلَامَ الرُّسُلِ عَلَى مَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْمُتَفَلْسِفَةِ يَجْعَلُونَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، هُوَ النَّفْسَ الْفَلَكِيَّةَ، كَمَا يَجْعَلُونَ الْعَقْلَ وَالْقَلَمَ هُوَ الْعَقْلَ الْأَوَّلَ وَالْعَرْشَ هُوَ الْفَلَكَ التَّاسِعَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَإِذْ لَمْ يُقِيمُوا حُجَّةً شَرْعِيَّةً وَلَا عَقْلِيَّةً عَلَى مَا مَثَّلُوا بِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ اللَّطِيفَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْجَوْهَرَ مَا يَشْغَلُ حَيِّزًا وَيَقْبَلُ عَرَضًا. وَلَمَّا قَرَنُوا النَّفْسَ بِالْعَقْلِ، كَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا النَّفْسَ الْفَلَكِيَّةَ.
فَأَمَّا إِنْ أَرَادُوا النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ فَهَذِهِ ثَابِتَةٌ، أَخْبَرَتْ بِهَا الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. لَكِنَّ هَذِهِ لَا تُقْرَنُ بِالْعَقْلِ الَّذِي هُوَ جَوْهَرٌ. وَالْعَقْلُ صِفَةُ هَذِهِ وَهُوَ مَصْدَرُ عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا. وَقَدْ يُرَادُ بِالْعَقْلِ غَرِيزَةٌ قَائِمَةٌ بِهَا، وَيُرَادُ بِالْعَقْلِ الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: " وَجَوْهَرُ الضَّوْءِ " فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمْ بِالضَّوْءِ نَفْسَ الشَّمْسِ وَالنَّارِ فَهَذَا جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ؛ يَشْغَلُ حَيِّزًا، وَيَقْبَلُ عَرَضًا، لَيْسَ هُوَ مِنَ الْجَوَاهِرِ اللَّطِيفَةِ الَّذِي مَثَّلْتُمْ بِهَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ
[ ٥ / ٤٣ ]
بِالضَّوْءِ الشُّعَاعَ الْقَائِمَ بِالْهَوَاءِ وَالْجُدْرَانِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ هَذَا بِجَوْهَرٍ، لَا لَطِيفٍ وَلَا كَثِيفٍ، بَلْ هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُكُمْ: " إِنَّ الْجَوْهَرَ اللَّطِيفَ لَا يَقْبَلُ عَرَضًا " كَلَامٌ مَمْنُوعٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا. فَإِنَّ نَفْسَ الْإِنْسَانِ تَقْبَلُ الْأَعْرَاضَ الْقَائِمَةَ بِهَا، وَكَذَلِكَ النَّفْسُ الْفَلَكِيَّةُ - عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا - تَقُومُ بِهَا إِرَادَاتٌ وَتَصَوُّرَاتٌ مُتَجَدِّدَةٌ. وَلَفْظُ " الْعَرَضِ " فِي اصْطِلَاحِ النُّظَّارِ يُرَادُ بِهِ مَا قَامَ بِغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ صِفَةً لَازِمَةً أَوْ عَارِضَةً، وَهَذَا مُوجَبُ تَقْسِيمِ النَّصَارَى، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ.
فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ؛ لِأَنَّهُ أَيُّ أَمْرٍ نَظَرْنَاهُ وَجَدْنَاهُ إِمَّا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُفْتَقِرٍ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْجَوْهَرُ، وَإِمَّا مُفْتَقِرٌ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ، لَا قِوَامَ لَهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ " الْعَرَضُ " قَالُوا: " وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَيْنَ قِسْمٌ ثَالِثٌ ".
وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ تَقْسِيمُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَهُوَ يُسَمِّي الْمَبْدَأَ الْأَوَّلَ جَوْهَرًا وَهَذَا تَقْسِيمُ سَائِرِ النُّظَّارِ. لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُدْخِلُونَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي مُسَمَّى الْجَوْهَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُهُ فِيهِ، وَبَعْضُ النِّزَاعِ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ؛ فَالضَّوْءُ الْقَائِمُ بِالْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ عَرَضٌ لَيْسَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَهُمْ قَدْ جَعَلُوهُ جَوْهَرًا، وَهَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ. وَأَيْضًا فَالْجَوَاهِرُ اللَّطِيفَةُ تَقُومُ بِهَا الْأَعْرَاضُ؛ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ، بَلْ وَالرَّبُّ - عَلَى قَوْلِهِمْ - تَقُومُ بِهِ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ.
[ ٥ / ٤٤ ]
فَإِذَا سَمَّوْهُ جَوْهَرًا، لَزِمَهُمْ أَنْ يُسَمُّوا صِفَاتِهِ أَعْرَاضًا، إِذَا قَالُوا: لَا مَوْجُودَ إِلَّا جَوْهَرٌ أَوْ عَرَضٌ.
فَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ: " الْمَوْجُودُ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ، فَلَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ إِلَّا هَذَا أَوْ هَذَا " بَلْ مُوجَبُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِذَاتِ غَيْرِهِ؟ .
وَإِذَا قَالُوا: " وَيُعْنَى بِالْأَعْرَاضِ، الصِّفَاتُ الْعَارِضَةُ أَوِ الْقَائِمَةُ بِالْأَجْسَامِ " كَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِمْ: " الْمَوْجُودُ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ " مَعَ قَوْلِهِمْ: " إِنَّ الرَّبَّ جَوْهَرُ ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ، وَالْأُقْنُومُ ذَاتٌ وَصِفَةٌ " وَمَعَ قَوْلِهِمْ: " إِنَّ الرَّبَّ جَوْهَرٌ " فَقَوْلُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّبَّ جَوْهَرٌ تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، فَكَيْفَ غَيْرُهُ.
ثُمَّ يُقَالُ: إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ ثُبُوتَ جَوْهَرٍ لَا يَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، فَهَذَا اصْطِلَاحٌ لَهُمْ وَافَقُوا فِيهِ نُفَاةَ الصِّفَاتِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ كَأَرِسْطُو وَذَوِيهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّبَّ جَوْهَرٌ لَا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِنَ
[ ٥ / ٤٥ ]
الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا قَوْلَ النَّصَارَى، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: " إِنَّ الرَّبَّ جَوْهَرٌ " وَفِي قَوْلِهِمْ: " إِنَّ مِنَ الْجَوَاهِرِ مَا لَا يَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ " مُوَافِقُونَ لِلْمُشْرِكِينَ الْفَلَاسِفَةِ، أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، لَا مُوَافِقِينَ لِلْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ، وَأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ لِلَّهِ مُوَافَقَةً لِلْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ ثُمَّ جَعَلُوهُ جَوْهَرًا، ثُمَّ قَالُوا: " إِنَّ الْجَوْهَرَ اللَّطِيفَ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ " وَهَذَا قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ الْمُشْرِكِينَ الْمُعَطِّلِينَ، وَهَذَا تَحْقِيقُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ رَكَّبُوا دِينًا مِنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ وَمِنْ دِينِ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ.
فَهَؤُلَاءِ إِنْ عَنَوْا بِالْعَرَضِ هَذَا فَكُلُّ جَوْهَرٍ يَقْبَلُ الصِّفَاتِ، وَإِنْ أَرَادُوا بِالْعَرَضِ مَا تَعْنِيهِ الْمُتَفَلْسِفَةُ بِالصِّفَاتِ الْعَرَضِيَّةِ الَّتِي يُفَرِّقُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الذَّاتِيَّةِ - مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ - فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ تَقْسِيمَ هَؤُلَاءِ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةَ لِلْمَوْصُوفِ إِلَى ذَاتِيَّةٍ وَعَرَضِيَّةٍ تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ، وَتَقْدِيرُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا، فَالنَّفْسُ - أَيْضًا - تَقْبَلُ الصِّفَاتِ الْعَرَضِيَّةَ، بَلْ وَكَذَلِكَ كُلُّ جَوْهَرٍ سَوَاءٌ كَانَ لَطِيفًا أَوْ كَثِيفًا. فَقَوْلُكُمْ: " إِنَّ الْجَوْهَرَ اللَّطِيفَ لَا يَقْبَلُ عَرَضًا؛ مِثْلَ جَوْهَرِ النَّفْسِ وَجَوْهَرِ الْعَقْلِ وَجَوْهَرِ الضَّوْءِ وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مِنَ الْجَوَاهِرِ اللَّطِيفَةِ، كَلَامٌ بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
[ ٥ / ٤٦ ]
وَإِنْ عَنَوْا بِلَفْظِ الْعَرَضِ شَيْئًا آخَرَ، لَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ قَالُوا: " الْجَوْهَرُ هُوَ مَا يَشْغَلُ حَيِّزًا وَيَقْبَلُ عَرَضًا " إِنَّمَا أَرَادُوا بِالْعَرَضِ مَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي، سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا لَهُ أَوْ عَارِضًا لَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ جَوْهَرٍ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِهِ الْمَعَانِي. وَالْخَالِقُ - تَعَالَى - عِنْدَهُمْ يَقُومُ بِهِ الْحَيَاءُ وَالْعِلْمُ، فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ - تَعَالَى - يَقُومُ بِهِ الْمَعَانِي - وَهُمْ يُسَمُّونَهُ جَوْهَرًا - فَكَيْفَ لَا تَقُومُ الْمَعَانِي بِغَيْرِهِ.
وَهَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ جَوْهَرًا لَطِيفًا لَا تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، مَعَ قَوْلِهِمْ: " إِنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْمَعَانِي " وَهَذَا اصْطِلَاحٌ لَهُمْ لَا يُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. ثُمَّ يَتَنَاقَضُونَ فَيَقُولُونَ: " الْمَوْجُودُ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ " وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
وَنُظَّارُ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ فِي تَسْمِيَةِ صِفَاتِ اللَّهِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَعْرَاضًا نِزَاعٌ: بَعْضُهُمْ يُسَمِّيهَا أَعْرَاضًا، وَبَعْضُهُمْ يُنْكِرُ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ، مَعَ اتِّفَاقِ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى قِيَامِ الصِّفَاتِ بِهِ. وَجُمْهُورُ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ
[ ٥ / ٤٧ ]
لَا يُسَمُّونَهُ جَوْهَرًا، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ جَوْهَرًا، وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ قِيَامَ الصِّفَاتِ بِهِ فَذَاكَ لَا يُسَمِّي اللَّهَ جَوْهَرًا وَلَا جِسْمًا.
وَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى مُتَنَاقِضُونَ تَنَاقُضًا بَيِّنًا، وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ طَرِيقَةٌ لَا يُوَافِقُهُمْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ طَوَائِفِ الْعُقَلَاءِ، ذَلِكَ يَظْهَرُ:.
بِالْوَجْهِ السَّادِسِ: وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ لَهُمْ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - قَوْلَانِ: فَسَلَفُ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتُهُمْ وَجُمْهُورُ الْخَلْقِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِ أَهْلِ الْمِلَلِ، يُثْبِتُونَ قِيَامَ الصِّفَاتِ بِاللَّهِ، ﵎. وَهَلْ تُسَمَّى أَعْرَاضًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ، مِثْلُ الْمَلَاحِدَةِ الْجَهْمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَبَعْضِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَهَؤُلَاءِ لَا تَقُومُ بِهِ الْمَعَانِي وَالصِّفَاتُ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَقُولُونَ: تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُسَمِّيهِ جَوْهَرًا كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُسَمِّيهِ جَوْهَرًا، كَمُتَأَخِّرِي الْفَلَاسِفَةِ: ابْنِ سِينَا
[ ٥ / ٤٨ ]
وَأَمْثَالِهِ، مَعَ جُمْهُورِ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، سَوَاءٌ سَمَّوْهُ جَوْهَرًا أَوْ لَمْ يُسَمُّوهُ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِقِيَامِ الْمَعَانِي بِهِ؛ فَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهَا أَعْرَاضًا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ جَوْهَرًا. وَقَدْ سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ جَوْهَرًا، وَبَعْضُهُمْ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ أَعْرَاضًا، وَبَعْضُهُمْ يَسْكُتُ عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَلَا يُسَمِّيهَا أَعْرَاضًا وَلَا يَنْفِي تَسْمِيَتَهَا بِذَلِكَ، أَوْ يَسْتَفْصِلُ الْقَائِلَ عَنْ كَوْنِهَا أَعْرَاضًا.
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ النَّصَارَى فَقَالُوا: " جَوْهَرُ ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ " وَوَصَفُوهُ بِالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ؛ وَهِيَ الْحَيَاةُ وَالنُّطْقُ، وَقَالُوا: " الْمَوْجُودُ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ " فَلَزِمَهُمْ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُ اللَّهِ أَعْرَاضًا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَالُوا: " الْجَوْهَرُ اللَّطِيفُ لَا يَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ " وَنَزَّهُوا الرَّبَّ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْأَعْرَاضُ، مَعَ قَوْلِهِمْ: " إِنَّهُ جَوْهَرٌ " تَنَاقَضُوا تَنَاقُضًا بَيِّنًا، حَيْثُ جَمَعُوا بَيْنَ كَلَامِ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ وَبَيْنَ كَلَامِ الْمُشْرِكِينَ
[ ٥ / ٤٩ ]
الْمُعَطِّلِينَ الْفَلَاسِفَةِ. فَمَا تَلَقَّوْهُ عَنِ الْمَسِيحِ فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ فَهُوَ بَاطِلٌ. فَجَمَعُوا فِي قَوْلِهِمْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَسَلَكُوا مَسْلَكًا لَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَإِيضَاحُ هَذَا أَنْ يُقَالَ فِي:
الْوَجْهِ السَّابِعِ: أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْمَوْجُودُ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ: " الْقَائِمُ بِذَاتِهِ هُوَ الْجَوْهَرُ، وَالْقَائِمُ بِغَيْرِهِ هُوَ الْعَرَضُ ".
ثُمَّ قَالُوا: " إِنَّهُ مَوْجُودٌ حَيٌّ نَاطِقٌ، لَهُ حَيَاةٌ وَنُطْقٌ ". فَيُقَالُ لَهُمْ: حَيَاتُهُ وَنُطْقُهُ؛ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ، وَلَيْسَ جَوْهَرًا؛ لِأَنَّ الْجَوْهَرَ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ، وَالْحَيَاةُ وَالنُّطْقُ لَا يَقُومَانِ بِنَفْسَيْهِمَا، بَلْ بِغَيْرِهِمَا، فَهُمَا مِنَ الْأَعْرَاضِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ جَوْهَرٌ يَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، مَعَ قَوْلِهِمْ: " إِنَّهُ جَوْهَرٌ لَا يَقْبَلُ عَرَضًا ".
[ ٥ / ٥٠ ]
فَإِنْ قِيلَ: أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ: " لَا يَقْبَلُ عَرَضًا " مَا كَانَ حَادِثًا؛ قِيلَ: فَهَذَا يَنْقُضُ تَقْسِيمَهُمُ الْمَوْجُودَ إِلَى جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْقَدِيمَ الَّذِي يَقُومُ بِهِ لَيْسَ جَوْهَرًا وَلَيْسَ حَادِثًا. فَإِنْ كَانَ عَرَضًا؛ فَقَدْ قَامَ بِهِ الْعَرَضُ وَقَبِلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَرَضًا؛ بَطَلَ التَّقْسِيمُ.
يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّهُ يُقَالُ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ: " إِنَّهُ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ " وَقُلْتُمْ: " هُوَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ " وَقُلْتُمْ: " الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ " وَقُلْتُمْ فِي الْأَمَانَةِ: " نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ أَبٍ ضَابِطِ الْكُلِّ، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ مَوْلُودٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ ".
ثُمَّ قُلْتُمْ: " إِنَّ الرَّبَّ جَوْهَرٌ " وَقُلْتُمْ: " إِنَّ الَّذِي يَشْغَلُ حَيِّزًا
[ ٥ / ٥١ ]
أَوْ يَقْبَلُ عَرَضًا هُوَ الْجَوْهَرُ الْكَثِيفُ؛ فَأَمَّا الْجَوْهَرُ اللَّطِيفُ فَلَا يَقْبَلُ عَرَضًا وَلَا يَشْغَلُ حَيِّزًا؛ مِثْلَ جَوْهَرِ النَّفْسِ وَجَوْهَرِ الْعَقْلِ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مِنَ الْجَوَاهِرِ اللَّطِيفَةِ. فَإِذَا كَانَتِ الْجَوَاهِرُ اللَّطِيفَةُ الْمَخْلُوقَةُ لَا تَقْبَلُ عَرَضًا وَلَا تَشْغَلُ حَيِّزًا؛ فَيَكُونُ خَالِقُ الْجَوَاهِرِ اللَّطَائِفِ وَالْكَثَائِفِ وَمُرَكِّبِ اللَّطَائِفِ بِالْكَثَائِفِ يَقْبَلُ عَرَضًا وَيَشْغَلُ حَيِّزًا كَلَّا " فَصَرَّحْتُمْ بِأَنَّهُ جَوْهَرٌ لَا يَقْبَلُ عَرَضًا، وَقُلْتُمْ: " لَيْسَ فِي الْمَوْجُودِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ؛ فَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَهُوَ الْجَوْهَرُ، وَإِنْ كَانَ مُفْتَقِرًا فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ لَا قِوَامَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْعَرَضُ ".
فَيُقَالُ لَكُمْ: الِابْنُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ الْمَوْلُودُ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ - الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، الَّذِي تَجَسَّدَ وَنَزَلَ - جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ أَمْ هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَالْمَوْجُودُ عِنْدَكُمْ: إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ. فَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ جَوْهَرٌ، فَقَدْ صَرَّحْتُمْ بِإِثْبَاتِ جَوْهَرَيْنِ: الْأَبُ جَوْهَرٌ، وَالِابْنُ جَوْهَرٌ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ أُقْنُومُ الْحَيَاةِ جَوْهَرًا ثَالِثًا، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ جَوَاهِرَ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا، وَحِينَئِذٍ فَيَبْطُلُ قَوْلُكُمْ: " إِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّهُ أَحَدِيُّ الذَّاتِ ثُلَاثِيُّ الصِّفَاتِ، وَإِنَّهُ وَاحِدٌ بِالْجَوْهَرِ ثَلَاثَةٌ بِالْأُقْنُومِ " إِذْ كُنْتُمْ قَدْ صَرَّحْتُمْ - عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ - بِإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ جَوَاهِرَ.
[ ٥ / ٥٢ ]
وَإِنْ قُلْتُمْ: بَلِ الِابْنُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ، الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ، الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ، عَرَضٌ قَائِمٌ بِجَوْهَرِ الْأَبِ، لَيْسَ هُوَ جَوْهَرًا ثَانِيًا؛ فَقَدْ صَرَّحْتُمْ بِأَنَّ الرَّبَّ جَوْهَرٌ تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، وَقَدْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا فِي كَلَامِكُمْ، وَقُلْتُمْ: " هُوَ جَوْهَرٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ " وَقُلْتُمْ: " إِنَّ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ جَوَاهِرَ لَا تَقُومُ بِهَا الْأَعْرَاضُ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى " وَهَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ لَا حِيلَةَ فِيهِ لِمَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَهُمْ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ.
فَإِنَّ كَلَامَهُمْ هَذَا يُوجِبُ أَنَّهُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، لَا يَقُومُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: " جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ " وَسَوَاءٌ سَمَّوْهَا صِفَاتٍ أَوْ خَوَاصَّ أَوْ أَعْرَاضًا، أَوْ قَالُوا: الْأُقْنُومُ هُوَ الذَّاتُ وَالصِّفَةُ. فَيُقَالُ لَهُمْ: الرَّبُّ مَعَ الْأَقَانِيمِ: ثَلَاثَةُ جَوَاهِرَ أَوْ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لَهُ ثَلَاثَةُ صِفَاتٍ، أَوْ جَوْهَرٌ لَا صِفَةَ لَهُ. فَإِنْ قَالُوا: ثَلَاثَةُ جَوَاهِرَ، أَثْبَتُوا ثَلَاثَةً وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ: " إِنَّ الرَّبَّ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَإِلَهٌ وَاحِدٌ " وَصَرَّحُوا بِإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ.
وَإِنْ قَالُوا: بَلْ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لَهُ ثَلَاثُ صِفَاتٍ، فَقَدْ صَرَّحُوا أَنَّ هَذَا الْجَوْهَرَ تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ، وَإِذَا قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ - وَقَدْ سَمَّوْهُ جَوْهَرًا - وَقَالُوا: " كُلُّ مَوْجُودٍ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ " لَزِمَهُمْ قَطْعًا أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ
[ ٥ / ٥٣ ]
أَعْرَاضًا فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ: " إِنَّهُ جَوْهَرٌ لَا يَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ " وَإِنْ قَالُوا: جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ. بَطَلَ قَوْلُهُمْ: " لَهُ حَيَاةٌ وَنُطْقٌ " وَإِذَا نَفَوُا الصِّفَاتِ؛ أَبْطَلُوا التَّثْلِيثَ وَالِاتِّحَادَ وَبَطَلَتِ الْأَمَانَةُ، مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، وَمَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ يَتَنَاقَضُونَ تَنَاقُضًا بَيِّنًا؛ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا جَوْهَرًا لَا تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ مَعَ قَوْلِهِمْ: " الْمَوْجُودُ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ " وَمَعَ قَوْلِهِمْ: " إِنَّهُ جَوْهَرُ ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ " فَإِذَا لَمْ تَقُمْ بِهِ الْأَعْرَاضُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ صِفَاتٌ، فَإِنَّ الصِّفَةَ قَائِمَةٌ بِغَيْرِهَا لَيْسَتْ جَوْهَرًا، بَلْ هِيَ - إِذَا كَانَ الْمَوْجُودُ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ - مِنْ قِسْمِ الْأَعْرَاضِ، لَا مِنْ قِسْمِ الْجَوَاهِرِ، فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ نَافِيًا لِقِيَامِ الصِّفَاتِ بِهِ مُطْلَقًا.
ثُمَّ قَالُوا بِالْأَقَانِيمِ الَّتِي تُوجِبُ إِمَّا إِثْبَاتَ صِفَاتٍ، وَإِمَّا إِثْبَاتَ جَوَاهِرَ ثَلَاثَةٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا، مَعَ أَنَّهَا إِذَا قَامَتْ بِنَفْسِهَا لَزِمَ اتِّصَافُهَا بِالصِّفَاتِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقَوْمَ يَجْمَعُونَ فِي قَوْلِهِمْ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، بَيْنَ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَنَفْيِهَا، وَبَيْنَ إِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ جَوَاهِرَ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِمُ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ رَكَّبُوا لَهُمُ اعْتِقَادًا، بَعْضُهُ مِنْ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُحْكَمَةِ، كَقَوْلِهِمْ: " إِلَهٌ وَاحِدٌ " وَبَعْضُهُ مِنْ مُتَشَابِهِ كَلَامِهِمْ، كَلَفْظِ
[ ٥ / ٥٤ ]
(الِابْنِ) وَ(رُوحِ الْقُدُسِ) وَبَعْضُهُ مِنْ كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُشْرِكِينَ الْمُعَطِّلِينَ، كَقَوْلِهِمْ: " جَوْهَرٌ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ ".
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّكَ تَجِدُ عَامَّةَ عُلَمَاءِ النَّصَارَى - فَضْلًا عَنْ عَامَّتِهِمْ - لَا يَعْرِفُونَ مَا نَسَخَهُ الْمَسِيحُ مِنْ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ مِمَّا أَقَرَّهُ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَنْسَخْهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُقِرَّهَا كُلَّهَا، بَلْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيُتِمَّهَا لَا لِيُبْطِلَهَا، وَقَدْ أَحَلَّ بَعْضَ مَا حُرِّمَ فِيهَا، كَالْعَمَلِ فِي السَّبْتِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّسُلِ تَصْدِيقُهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا، وَطَاعَتُهُمْ فِيمَا أَمَرُوا، فَإِذَا كَانَ عَامَّةُ النَّصَارَى لَا يُمَيِّزُونَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ، وَلَا مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِمَّا لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْهُ - مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهُ أَقَرَّ كَثِيرًا مِنْ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، بَلْ أَكْثَرَهَا وَأَحَلَّ بَعْضَهَا فَنَسَخَهُ وَرَفَعَهُ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ هَذَا مِنْ هَذَا، لَمْ يَكُونُوا عَارِفِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - فَإِنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمُ الْعَمَلُ بِكُلِّ مَا فِي التَّوْرَاةِ، بَلْ قَدْ نَسَخَ الْمَسِيحُ بَعْضَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمْ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَعْطِيلُ جَمِيعِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِمَا لَمْ يَنْسَخْهُ الْمَسِيحُ، وَعَامَّتُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَا نَسَخَهُ مِمَّا
[ ٥ / ٥٥ ]
لَمْ يَنْسَخْهُ، فَلَا يُمْكِنُهُمُ الْعَمَلُ بِالتَّوْرَاةِ وَالِانْتِفَاعُ بِهَا فِي الشَّرْعِ، حَتَّى يَعْرِفُوا الْمَنْسُوخَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ الْمَنْسُوخِ.
وَعَامَّتُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ عَلَى شَرِيعَةٍ مُنَزَّلَةٍ مِنَ اللَّهِ، لَا مِنْ جِهَةِ الْمَسِيحِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ مُوسَى فَلَمْ يَعْلَمُوهَا، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مَجْهُولًا عِنْدَ عَامَّتِهِمْ وَجُمْهُورِهِمْ أَوْ جَمِيعِهِمْ، فَكَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى أَنْ يَعْرِفُوا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِمَّا لَمْ يَشْرَعْهُ؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِشَرْعٍ أَمَرَ فِيهِ بِمَحَاسِنِ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ، وَعِوَضٍ عَمَّا نَسَخَهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
[ ٥ / ٥٦ ]
[فَصْلٌ: نَقْضُ دَعْوَاهُمُ الِاسْتِغْنَاءَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ]
فَصْلٌ
ثُمَّ قَالُوا: " إِنَّا نَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، الَّذِينَ مَعَ أَدَبِهِمْ وَمَا يَأْخُذُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ، كَيْفَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الشَّرَائِعَ شَرِيعَتَانِ: شَرِيعَةُ عَدْلٍ وَشَرِيعَةُ فَضْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْبَارِي عَدْلًا وَجَوَّادًا وَجَبَ أَنْ يُظْهِرَ عَدْلَهُ عَلَى خَلْقِهِ فَأَرْسَلَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَوَضَعَ شَرِيعَةَ الْعَدْلِ وَأَمَرَهُمْ بِفِعْلِهَا إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّتْ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ الْكَمَالُ الَّذِي هُوَ الْفَضْلُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَضَعَهُ إِلَّا أَكْمَلُ الْكُمَّالِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ - تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَجَلَّتْ آلَاؤُهُ - الَّذِي يَضَعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَكْمَلَ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ جَوَّادٌ؛ وَجَبَ أَنْ يَجُودَ بِأَجَلِّ الْمَوْجُودَاتِ وَلَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ أَكْمَلُ مِنْ كَلِمَتِهِ؛ لِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَجُودَ بِكَلِمَتِهِ، فَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ يَجُودَ بِكَلِمَتِهِ، فَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ يَتَّحِدَ بِذَاتٍ مَحْسُوسَةٍ يُظْهِرُ مِنْهَا قُدْرَتَهُ وَجُودَهُ. وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَخْلُوقَاتِ أَجَلُّ مِنَ الْإِنْسَانِ، اتَّحَدَ بِالطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ السَّيِّدَةِ الطَّاهِرَةِ، مِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ الْمُصْطَفَاةِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَبَعْدَ هَذَا الْكَمَالِ مَا تَبَقَّى شَيْءٌ يُوضَعُ؛ لِأَنَّ
[ ٥ / ٥٧ ]
جَمِيعَ مَا يَتَقَدَّمُهُ وَمَا يَأْتِي مُقْتَضِيهِ، وَمَا يَأْتِي بَعْدَ الْكَمَالِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَيْسَ شَيْءٌ يَأْتِي بَعْدَ الْكَمَالِ فَيَكُونُ فَاضِلًا، بَلْ دُونَ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ. فَهُوَ فَاضِلٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَفْعٌ. وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَهَذَا مِمَّا عَرَفْتُهُ مِنْ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ رَأَيْتُهُمْ وَخَاطَبْتُهُمْ فِي مُحَمَّدٍ - ﵇ - وَمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ يَكُنْ مَا ذَكَرُوهُ صَحِيحًا؛ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ فَمَوْلَانَا يَكْتُبُ ذَلِكَ، فَقَدْ جَعَلُونِي سَفِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ".
وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: بَلِ الشَّرَائِعُ ثَلَاثَةٌ: شَرِيعَةُ عَدْلٍ فَقَطْ، وَشَرِيعَةُ فَضْلٍ فَقَطْ، وَشَرِيعَةٌ تَجْمَعُ الْعَدْلَ وَالْفَضْلَ، فَتُوجِبُ الْعَدْلَ، وَتَنْدُبُ إِلَى الْفَضْلِ، وَهَذِهِ أَكْمَلُ الشَّرَائِعِ الثَّلَاثِ وَهِيَ شَرِيعَةُ الْقُرْآنِ الَّذِي
[ ٥ / ٥٨ ]
جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ. مَعَ أَنَّا لَا نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى - ﵇ - أَوْجَبَ الْعَدْلَ وَنَدَبَ إِلَى الْفَضْلِ، وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ - أَيْضًا - أَوْجَبَ الْعَدْلَ وَنَدَبَ إِلَى الْفَضْلِ.
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ أَوْجَبَ الْفَضْلَ وَحَرَّمَ عَلَى كُلِّ مَظْلُومٍ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ ظَالِمِهِ، أَوْ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَنْدُبْ إِلَى الْإِحْسَانِ، فَهَذَا فِيهِ غَضَاضَةٌ بِشَرِيعَةِ الْمُرْسَلِينَ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ ذِكْرَ الْعَدْلِ فِي التَّوْرَاةِ أَكْثَرُ، وَذِكْرَ الْفَضْلِ فِي الْإِنْجِيلِ أَكْثَرُ، وَالْقُرْآنُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى غَايَةِ الْكَمَالِ.
وَالْقُرْآنُ بَيَّنَ أَنَّ السُّعَدَاءَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ نَوْعَانِ: أَبْرَارٌ مُقْتَصِدُونَ، وَمُقَرَّبُونَ سَابِقُونَ؛ فَالدَّرَجَةُ الْأُولَى تَحْصُلُ بِالْعَدْلِ: وَهِيَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالثَّانِيَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْفَضْلِ: وَهُوَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ.
فَالشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ تَجْمَعُ الْعَدْلَ وَالْفَضْلَ؛ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
فَهَذَا عَدْلٌ وَاجِبٌ، مَنْ خَرَجَ عَنْهُ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
[ ٥ / ٥٩ ]
فَهَذَا فَضْلٌ مُسْتَحَبٌّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، مَنْ فَعَلَهُ أَثَابَهُ اللَّهُ وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ لَمْ يُعَاقِبْهُ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:.
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] .
فَهَذَا عَدْلٌ.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] .
فَهَذَا فَضْلٌ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] .
فَهَذَا عَدْلٌ.
ثُمَّ قَالَ:.
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] .
فَهَذَا فَضْلٌ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:.
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
[ ٥ / ٦٠ ]
فَهَذَا عَدْلٌ.
ثُمَّ قَالَ:.
﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
فَهَذَا فَضْلٌ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] .
فَهَذَا عَدْلٌ.
ثُمَّ قَالَ:.
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .
فَهَذَا فَضْلٌ.
وَقَالَ - تَعَالَى -.
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
فَهَذَا عَدْلٌ.
ثُمَّ قَالَ:.
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .
فَهَذَا فَضْلٌ.
[ ٥ / ٦١ ]
وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - دَائِمًا يُحَرِّمُ الظُّلْمَ وَيُوجِبُ الْعَدْلَ وَيَنْدُبُ إِلَى الْفَضْلِ، كَمَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْأَمْوَالِ. وَالنَّاسُ فِيهَا إِمَّا مُحْسِنٌ وَإِمَّا عَادِلٌ وَإِمَّا ظَالِمٌ؛ فَالْمُحْسِنُ الْمُتَصَدِّقُ، وَالْعَادِلُ الْمُعَاوِضُ كَالْبَايِعِ، وَالظَّالِمُ كَالْمُرَابِي.
فَبَدَأَ بِالْإِحْسَانِ وَالصَّدَقَةِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وَرَغَّبَ فِيهِ فَقَالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١ - ٢٦٣] الْآيَاتِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَحْرِيمَ الرِّبَا، فَقَالَ:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
ثُمَّ لَمَّا أَحَلَّ الْبَيْعَ ذَكَرَ الْمُدَايَنَاتِ، وَحُكْمَ الْبَيْعِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ، وَحِفْظَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ أَوِ الرَّهْنِ، وَخَتَمَ السُّورَةَ بِأُصُولِ
[ ٥ / ٦٢ ]
الْإِيمَانِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - بَعْدَ أَنِ افْتَتَحَهَا بِذِكْرِ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: إِمَّا مُؤْمِنٌ وَإِمَّا كَافِرٌ وَإِمَّا مُنَافِقٌ. فَذَكَرَ نَعْتَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَعْتَ الْكَافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَعْتَ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ مَهَّدَ أُصُولَ الْإِيمَانِ؛ فَأَمَرَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَذِكْرِ آيَاتِهِ وَآلَائِهِ. ثُمَّ قَرَّرَ نُبُوَّةَ رُسُلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَدْءَ الْعَالَمِ وَخَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ خَلْقَ آدَمَ وَإِسْجَادَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ وَخُرُوجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهُبُوطَهُ إِلَى الْأَرْضِ.
ثُمَّ بَعْدَ أَنْ عَمَّ بِالدَّعْوَةِ جَمِيعَ الْخَلْقِ، خَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ فَخَاطَبَهُمْ: خَاطَبَ الْيَهُودَ أَوَّلًا بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ النَّصَارَى، ثُمَّ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَرَّرَ لَهُمْ قَوَاعِدَ دِينِهِ؛ فَذَكَرَ أَصْلَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَبِنَاءَهُ لِلْبَيْتِ وَدُعَاءَهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَوَكَّدَ الْأَمْرَ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ مِنِ اتِّخَاذِهِ قِبْلَةً وَمِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ الَّتِي عِنْدَهُ كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ التَّوْحِيدَ وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَالْمَطَاعِمَ لِلنَّاسِ عُمُومًا، ثُمَّ لِلَّذِينِ آمَنُوا خُصُوصًا.
ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ مِنَ الْقِصَاصِ وَبِالْمَوْتِ مِنَ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ
[ ٥ / ٦٣ ]
ذَكَرَ شَرَائِعَ الدِّينِ، فَذَكَرَ صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الِاعْتِكَافِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَتَّصِلُ بِشَهْرِ الصِّيَامِ، وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ، فَذَكَرَ الْحَجَّ، وَذَكَرَ حُكْمَ الْقِتَالِ عُمُومًا، وَخُصُوصًا فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ. وَلَمَّا ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ فِي الْفُرُوجِ. فَذَكَرَ أَحْكَامَ وَطْءِ النِّسَاءِ وَالْحُيَّضِ وَالْإِيلَاءِ مِنْهُنَّ وَالطَّلَاقِ لَهُنَّ، وَاخْتِلَاعِهِنَّ. وَذَكَرَ حُكْمَ الْأَوْلَادِ وَإِرْضَاعِهِمْ، وَاعْتِدَادِ النِّسَاءِ وَخِطْبَتِهِنَّ فِي الْعِدَّةِ، وَطَلَاقِهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الصَّلَوَاتِ وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ قَرَّرَ الْمَعَادَ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي الدُّنْيَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْوَاحِدَةُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ وَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَافْتَتَحَهَا بِالْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَوَسَّطَهَا بِالْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَخَتَمَهَا بِالْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ. فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ هُوَ عَمُودُ الْإِيمَانِ وَقَاعِدَتُهُ وَجِمَاعُهُ.
وَأَمَرَ فِيهَا الْخَلْقَ عُمُومًا وَخُصُوصًا، وَذَكَرَ فِيهَا الْإِيمَانَ بِالْخَالِقِ وَآيَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَالْإِيمَانَ بِالْمَعَادِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا، وَأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
[ ٥ / ٦٤ ]
وَالصَّابِئِينَ قَائِمًا بِهَذِهِ الْأُصُولِ: وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فَهُوَ السَّعِيدُ فِي الْآخِرَةِ الَّذِي لَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
بِخِلَافِ مَنْ بَدَّلَ مِنْهُمُ الْكِتَابَ، أَوْ كَذَّبَ بِكِتَابٍ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ. فَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِشَرْعِ التَّوْرَاةِ قَبْلَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، غَيْرَ مُبَدِّلٍ لَهُ فَهُوَ مِنَ السُّعَدَاءِ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِشَرْعِ الْإِنْجِيلِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - غَيْرَ مُبَدِّلٍ لَهُ فَهُوَ مِنَ السُّعَدَاءِ. وَمَنْ بَدَّلَ شَرْعَ التَّوْرَاةِ أَوْ كَذَّبَ بِالْمَسِيحِ فَهُوَ كَافِرٌ، كَالْيَهُودِ بَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ - ﵇ - وَكَذَلِكَ مَنْ بَدَّلَ شَرْعَ الْإِنْجِيلِ أَوْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا - ﷺ - فَهُوَ كَافِرٌ كَالنَّصَارَى بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ، ﷺ.
فَقُدَمَاءُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اتَّبَعُوا الدِّينَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ سُعِدُوا، وَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِشَرْعٍ مُبْدَّلٍ مَنْسُوخٍ وَتَرَكُوا اتِّبَاعَ الْكُتُبِ وَالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ وَعَدَلُوا عَنِ الشَّرْعِ الْمُنَزَّلِ الْمُحْكَمِ، فَهُمْ كُفَّارٌ.
[ ٥ / ٦٥ ]
وَرَدَّ دَعَاوَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْكَاذِبَةَ، مِثْلَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ:
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] .
وَقَوْلِ هَؤُلَاءِ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصَارَى، فَقَالَ:.
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] .
وَبَيَّنَ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِمَّا عُرِفَ بِهِمْ حَالُهُمْ.
لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: الْيَهُودُ، كَمَا أَنَّ أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ النَّصَارَى، فَإِنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ أَوَّلَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ الْيَهُودُ جِيرَانَهُ. وَآلُ عِمْرَانَ تَأَخَّرَ نُزُولُهَا إِلَى آخِرِ الْأَمْرِ، لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَفِيهَا فُرِضَ الْحَجُّ، لَمَّا طَهَّرَ اللَّهُ مَكَّةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ جِيرَانُهُ
[ ٥ / ٦٦ ]
بِمَكَّةَ، ثُمَّ لِلْيَهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ جِيرَانُهُ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ لِلنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَبْعَدَ عَنْهُ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ، وَالْمَجُوسِ - أَيْضًا - لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَبْعَدَ عَنْهُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ.
وَهَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الْمُنَاسِبُ، يَدْعُو الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ فَالْأَقْرَبَ، ثُمَّ يُرْسِلُ رُسُلَهُ إِلَى الْأَبْعَدِ. وَهُوَ - ﷺ - كَانَ - أَوَّلًا - مَشْغُولًا بِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ. فَلَمَّا صَالَحَ الْمُشْرِكِينَ صُلْحَ
[ ٥ / ٦٧ ]
الْحُدَيْبِيَةِ، وَحَارَبَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ، فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَسَّمَهَا بَيْنَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ: الَّذِينَ شَهِدُوا صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، تَفَرَّغَ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ رُسُلَهُ إِلَى جَمِيعِ مَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الْأُمَمِ.
أَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ النَّصَارَى بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْحَبَشَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ
[ ٥ / ٦٨ ]
قَدْ مَاتَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ النَّجَاشِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ، وَأَخْبَرَ النَّاسَ بِمَوْتِهِ يَوْمَ مَاتَ، وَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ فَصَلَّى عَلَيْهِ بِهِمْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي عَلَى سَائِرِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ. وَتَوَلَّى بَعْدَ النَّجَاشِيِّ آخَرُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ الْيَمَنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ، وَإِلَى مُلُوكِ الْعَرَبِ. وَكَانَ فِي الْعَرَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَهُودُ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ نَصَارَى، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مَجُوسٌ فَدَعَا جَمِيعَ الْخَلْقِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ، عَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ.
[ ٥ / ٦٩ ]
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لَهُمُ: النَّاسُ لَهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ، لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَصْلَحَةً لِلْخَلْقِ، وَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ مَصْلَحَةً، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ كَوْنَهُ مَصْلَحَةً، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا يَفْعَلُ وَلَا يَحْكُمُ بِسَبَبٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ وَلَا لِغَرَضٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ - إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَرْسَلَ الرُّسُلَ لِيَأْمُرُوا النَّاسَ بِمَا يُصْلِحُهُمْ وَيَنْفَعُهُمْ إِذَا فَعَلُوهُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى - قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا - قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦] .
فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ: لَمْ يُسْأَلْ عَنْ حِكْمَةِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي: فَفِي إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنَ الْحَكَمِ
[ ٥ / ٧٠ ]
وَالْمَصَالِحِ أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ فِي إِرْسَالِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ، وَالَّذِي حَصَلَ بِهِ مِنْ صَلَاحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ أَضْعَافُ مَا حَصَلَ بِإِرْسَالِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ وَالْخَلْقِ. فَإِنَّ فِي شَرِيعَتِهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ أَكْمَلَ مِمَّا فِي الشَّرِيعَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ. وَتَيْسِيرُ اللَّهِ مِنِ اتِّبَاعِ الْخَلْقِ لَهُ وَاهْتِدَائِهِمْ بِهِ مَا لَمْ يَتَيَسَّرْ مِثْلُهُ لِمَنْ قَبْلَهُ، فَحَصَلَ فَضِيلَةُ شَرِيعَتِهِ مِنْ جِهَةِ فَضْلِهَا فِي نَفْسِهَا، وَمِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ مَنْ قَبِلَهَا وَكَمَالِ قَبُولِهِمْ لَهَا، بِخِلَافِ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ، فَإِنَّ مُوسَى - ﷺ - بُعِثَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنَ الرَّدِّ وَالْعِنَادِ فِي حَيَاةِ مُوسَى وَبَعْدَ مَوْتِهِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّصَارَى فِي كِتَابِهِمْ هَذَا مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ.
وَلَمْ تَكُنْ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ فِي الْكَمَالِ مِثْلَ شَرِيعَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ
[ ٥ / ٧١ ]
فِيهِ ذِكْرُ الْمَعَادِ وَإِقَامَةُ الْحُجَجِ عَلَيْهِ وَتَفْصِيلُهُ، وَوَصْفُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، مَا لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ. وَفِيهِ مِنْ ذِكْرِ قِصَّةِ هُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِيهِ مِنْ ذِكْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ وَوَصْفِ مَلَائِكَتِهِ وَأَصْنَافِهِمْ وَخَلْقِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مَا لَمْ يُفَصَّلْ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِيهِ مِنْ تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ بِأَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِيهِ مِنْ ذِكْرِ أَدْيَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِيهِ مِنْ مُنَاظَرَةِ الْمُخَالِفِينَ وَإِقَامَةِ الْبَرَاهِينِ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ أَهْدَى مِنَ الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ. وَفِي شَرِيعَةِ الْقُرْآنِ تَحْلِيلُ الطَّيِّبَاتِ وَتَحْرِيمُ الْخَبَائِثِ، وَشَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ فِيهَا تَحْرِيمُ كَثِيرٍ مِنَ الطَّيِّبَاتِ عَلَيْهِمْ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَفِي شَرِيعَةِ الْقُرْآنِ مِنْ قَبُولِ الدِّيَةِ فِي الدِّمَاءِ مَا لَمْ يُشْرَعْ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِيهَا مِنْ وَضْعِ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ مَا يَظْهَرُ بِهِ أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الْقُرْآنِ أَكْمَلُ.
وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ؛ فَلَيْسَ فِيهِ شَرِيعَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلَا فِيهِ الْكَلَامُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَخَلْقِ الْعَالَمِ وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، بَلْ أَحَالَهُمْ عَلَى التَّوْرَاةِ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ. وَلَكِنْ أَحَلَّ الْمَسِيحُ بَعْضَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ
[ ٥ / ٧٢ ]
بِالْإِحْسَانِ وَالْعَفْوِ عَنِ الظَّالِمِ وَاحْتِمَالِ الْأَذَى، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَضَرَبَ الْأَمْثَالَ لِذَلِكَ.
فَعَامَّةُ مَا امْتَازَ بِهِ الْإِنْجِيلُ عَنِ التَّوْرَاةِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، وَالزُّهْدِ الْمُسْتَحَبِّ، وَتَحْلِيلِ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ أَكْمَلُ، فَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالنُّبُوَّاتِ مَا هُوَ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ إِلَّا وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابَيْنِ. لَكِنَّ النَّصَارَى لَمْ يَتَّبِعُوا لَا التَّوْرَاةَ وَلَا الْإِنْجِيلَ، بَلْ أَحْدَثُوا شَرِيعَةً لَمْ يُبْعَثْ بِهَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا وَضَعُوا لِقُسْطَنْطِينَ (الْأَمَانَةَ) وَوَضَعُوا لَهُ أَرْبَعِينَ كِتَابًا فِيهَا الْقَوَانِينُ، فِيهَا بَعْضُ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَفِيهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ مُخَالِفٌ لِشَرْعِ الْأَنْبِيَاءِ وَصَارُوا إِلَى كَثِيرٍ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ فَصَارَ فِي دِينِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وَتَغْيِيرِ دِينِ الرُّسُلِ مَا غَيَّرُوا بِهِ شَرِيعَةَ الْإِنْجِيلِ؛ وَلِهَذَا الْتَبَسَتْ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ شَرِيعَةُ الْإِنْجِيلِ بِغَيْرِهَا، فَلَا يَعْرِفُونَ مَا نَسَخَهُ الْمَسِيحُ مِنْ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ مِمَّا أَقَرَّهُ وَلَا مَا شَرَعَهُ مِمَّا أُحْدِثَ بَعْدَهُ.
فَالْمَسِيحُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَصْوِيرِ الصُّوَرِ وَتَعْظِيمِهَا، وَلَا دُعَاءِ مَنْ صُوِّرَتْ تِلْكَ التَّمَاثِيلُ عَلَى صُورَتِهِ، وَلَا أَمَرَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
[ ٥ / ٧٣ ]
لَا يُوجَدُ قَطُّ عَنْ نَبِيٍّ أَنَّهُ أَمَرَ بِدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهِمْ، وَلَا بِدُعَاءِ الْمَوْتَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهِمْ، فَضْلًا عَنْ دُعَاءِ تَمَاثِيلِهِمْ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهَا، فَإِنَّ هَذَا مِنْ أُصُولِ الشِّرْكِ الَّذِي نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، وَهَذَا كَانَ أَصْلَ الشِّرْكِ فِي بَنِي آدَمَ مِنْ عَهْدِ نُوحٍ - ﵇ -.
قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْ قَوْمِ نُوحٍ:
﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: وَهَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا
[ ٥ / ٧٤ ]
صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، ثُمَّ عَبَدُوهُمْ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْمَسِيحُ وَعُلَمَاءُ النَّصَارَى.
وَالْمَسِيحُ - ﵇ - لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِعِبَادَتِهِ وَلَا قَالَ: إِنَّهُ اللَّهُ، وَلَا بِمَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ. وَالْمَسِيحُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِاسْتِحْلَالِ كُلِّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْخَبَائِثِ؛ كَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ، فَاسْتَحَلُّوا الْخَبَائِثَ الْمُحَرَّمَةَ وَغَيَّرُوا شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَالْمَسِيحُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِأَنْ يُصَلُّوا إِلَى الْمَشْرِقِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعَظِّمُوا الصَّلِيبَ، وَلَمْ
[ ٥ / ٧٥ ]
يَأْمُرْهُمْ بِتَرْكِ الْخِتَانِ وَلَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَلَا بِسَائِرِ مَا ابْتَدَعُوهُ بَعْدَهُ.
وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَ فَسَادُ دِينِ النَّصَارَى، صَارَ بَعْضُ النَّاسِ، كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ يَقُولُ: " لَمْ يَظْهَرِ الِانْتِفَاعُ بِدِينِ الْمَسِيحِ، إِلَّا فِي طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ كَانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّصَارَى، لَيْسَ هُوَ دِينَ الْمَسِيحِ.
وَتَبَيَّنَ هَذَا:
بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: هَبْ إِنَّ شَرِيعَةَ الْكِتَابِ كَانَتْ كَافِيَةً، فَإِنَّمَا ذَاكَ إِذَا كَانَتْ مَحْفُوظَةً مَعْمُولًا بِهَا، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَتْ قَدْ دُرِسَ كَثِيرٌ مِنْ مَعَالِمِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ اخْتِلَافًا عَظِيمًا كَمَا قَالَ تَعَالَى:
[ ٥ / ٧٦ ]
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] .
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] .
أَيْ فَاخْتَلَفُوا.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
وَالْوَقْتُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ فِيهِ مُحَمَّدًا - ﷺ - لَمْ يَكُنْ قَدْ بَقِيَ أَحَدٌ مُظْهِرًا لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرُّسُلَ قَبْلَهُ.
فَبَعَثَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُمُوسٍ مِنَ السُّبُلِ، أَحْوَجَ مَا كَانَ النَّاسُ إِلَى رَسُولٍ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» ".
[ ٥ / ٧٧ ]
وَكَانَ النَّاسُ حِينَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِمَّا أُمِّيِّينَ، لَا كِتَابَ لَهُمْ، يُشْرِكُونَ بِالرَّحْمَنِ، وَيَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَإِمَّا أَهْلُ كِتَابٍ قَدْ بَدَّلُوا مَعَانِيَهُ وَأَحْكَامَهُ وَحَرَّفُوا حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ وَلَبَّسُوا حَقَّهُ بِبَاطِلِهِ، كَمَا هُوَ الْمَوْجُودُ. فَلَوْ أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُمَيِّزَ لَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِمَّا أَحْدَثُوهُ بَعْدَهُمْ، لَمْ يَعْرِفْ جُمْهُورُهُمْ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ عِنْدَهُمْ دِينًا وَاحِدًا.
فَبَعَثَ اللَّهُ - ﵎ - مُحَمَّدًا بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا، فَمَيَّزَ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ وَالْغَيَّ مِنَ الرَّشَادِ. قَالَ - تَعَالَى -:
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٧] .
[ ٥ / ٧٨ ]
إِلَى قَوْلِهِ.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّ شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ تَغْلِبُ عَلَيْهَا الشِّدَّةُ، وَشَرِيعَةَ الْإِنْجِيلِ يَغْلِبُ عَلَيْهَا اللِّينُ، وَشَرِيعَةَ الْقُرْآنِ مُعْتَدِلَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وَقَالَ فِي وَصْفِ أُمَّتِهِ:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
وَقَالَ - أَيْضًا -:
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] .
[ ٥ / ٧٩ ]
فَوَصَفَهُمْ بِالرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالذِّلَّةِ لَهُمْ، وَالشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْعِزَّةِ عَلَيْهِمْ.
وَكَذَلِكَ كَانَ صِفَةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - نَبِيِّهِمْ، أَكْمَلِ النَّبِيِّينَ وَأَفْضَلِ الرُّسُلِ؛ بِحَيْثُ قَالَ: " «أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَأَنَا نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَأَنَا نَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَأَنَا الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ» ".
[ ٥ / ٨٠ ]
فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَأَنَّهُ نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَأَنَّهُ الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ، وَهَذَا أَكْمَلُ مِمَّنْ نُعِتَ بِالشِّدَّةِ وَالْبَأْسِ غَالِبًا، أَوْ بِاللِّينِ غَالِبًا، وَقَدْ قِيلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ نُفُوسُهُمْ قَدْ ذُلَّتْ لِقَهْرِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ وَاسْتِعْبَادِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، فَشُرِعَتْ لَهُمُ الشِّدَّةُ لِتَقْوَى أَنْفُسُهُمْ وَيَزُولَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الذُّلُّ.
وَلِهَذَا لَمَّا أُمِرُوا بِالْجِهَادِ نَكَلُوا عَنْهُ وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى:
﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ - قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ - قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢١ - ٢٤] .
[ ٥ / ٨١ ]
وَأَمَّا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَقَالَ لَهُ قَائِلُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ: «وَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى:
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] .
" لَكِنْ نُقَاتِلُ أَمَامَكَ وَوَرَاءَكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، وَلَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَسِرْنَا مَعَك» .
[ ٥ / ٨٢ ]
وَكَانَ الْكَلَامُ قَرِيبًا مِنْ (بَدْرٍ) وَالْبَحْرُ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ وَ(بِرْكُ الْغِمَادِ) مَكَانٌ مِنْ يَمَانِيِّ مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ عِدَّةُ لَيَالٍ، وَالْكُفَّارُ كَانُوا - إِذْ ذَاكَ - بِمَكَّةَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ شَامِيِّ مَكَّةَ، فَمَكَّةُ جَنُوبُهُمْ وَالْبَحْرُ غَرْبُهُمْ. تَقُولُ: لَوْ طَلَبْتَ أَنْ نَدْخُلَ بَلَدَ الْعَدُوِّ وَنَذْهَبَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ لَفَعَلْنَاهُ. قَالُوا: فَلَمَّا نَصَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَظْهَرَهُمْ، ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَجَبَّرُوا، وَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَصَارُوا شَبَهًا بِآلِ فِرْعَوْنَ، فَبَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ - ﵇ - بِاللِّينِ وَالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْمُسِيءِ وَاحْتِمَالِ أَذَاهُ؛ لِيُلَيِّنَ أَخْلَاقَهُمْ وَيُزِيلَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَسْوَةِ.
فَأَفْرَطَ هَؤُلَاءِ فِي اللِّينِ حَتَّى تَرَكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتَرَكُوا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَتَرَهَّبَ عُبَّادُهُمْ مُنْفَرِدِينَ، مَعَ أَنَّ فِي مُلُوكِ النَّصَارَى مِنَ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَسْوَةِ وَالْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِمَّا يَأْمُرُهُمْ بِهِ عُلَمَاؤُهُمْ وَعُبَّادُهُمْ وَمِمَّا لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِهِ مَا شَارَكُوا فِيهِ الْيَهُودَ.
فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِالشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ الْعَادِلَةِ، وَجَعَلَ أُمَّتَهُ عَدْلًا خِيَارًا لَا يَنْحَرِفُونَ إِلَى هَذَا الطَّرَفِ وَلَا إِلَى هَذَا الطَّرَفِ، بَلْ يَشْتَدُّونَ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَيَلِينُونَ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَيَسْتَعْمِلُونَ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ فِيمَا كَانَ لِنُفُوسِهِمْ، وَيَسْتَعْمِلُونَ الِانْتِصَارَ وَالْعُقُوبَةَ فِيمَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ.
[ ٥ / ٨٣ ]
وَهَذَا كَانَ خُلُقَ نَبِيِّهِمْ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَإِذَا انْتُهِكَتْ مَحَارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ» ".
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: " «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: لِمَ لَا فَعَلْتَهُ؟» «وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ
[ ٥ / ٨٤ ]
إِذَا عَتَبُونِي عَلَى شَيْءٍ يَقُولُ: " دَعُوهُ، فَلَوْ قُدِّرَ شَيْءٌ لَكَانَ»، هَذَا مَعَ قَوْلِهِ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ - «لَمَّا سَرَقَتِ امْرَأَةٌ كَانَتْ مِنْ أَشْرَفِ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؟ فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَهُ فِيهَا، فَقَالَ: " يَا أُسَامَةُ! أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ
[ ٥ / ٨٥ ]
بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .
فَفِي شَرِيعَتِهِ - ﷺ - مِنَ اللِّينِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي الْإِنْجِيلِ، وَفِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالْجِهَادِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ أَعْظَمُ مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ، وَهَذَا هُوَ غَايَةُ الْكَمَالِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: بُعِثَ مُوسَى بِالْجَلَالِ، وَبُعِثَ عِيسَى بِالْجَمَالِ، وَبُعِثَ مُحَمَّدٌ بِالْكَمَالِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: إِنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ تَتَضَمَّنُ نَفْعَهُمْ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدْفَعَ بِذَلِكَ مَضَرَّتَهُمْ وَيُزِيلَ حَاجَتَهُمْ وَفَاقَتَهُمْ؛ مِثْلَ رِزْقِهِمُ الَّذِي لَوْلَا هُوَ لَمَاتُوا جُوعًا، وَنَصْرِهِمُ الَّذِي لَوْلَا هُوَ لَأَهْلَكَهُمْ عَدُوُّهُمْ، وَمِثْلَ هُدَاهُمُ الَّذِي لَوْلَا هُوَ لَضَلُّوا ضَلَالًا يَضُرُّهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ النِّعْمَةِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ فَقَدُوهُ حَصَلَ لَهُمْ ضَرَرٌ، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا فِيهِمَا؛ وَلِهَذَا كَانَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، وَهِيَ
[ ٥ / ٨٦ ]
سُورَةُ النِّعَمِ، فِي أَوَّلِهَا أُصُولُ النِّعَمِ، وَفِي أَثْنَائِهَا كَمَالُ النِّعَمِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: النِّعَمُ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا مِنْ كَمَالِ النِّعَمِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ مَا لَا يَحْصُلُ بِدُونِهَا، كَمَا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ نَوْعَانِ: أَبْرَارٌ أَصْحَابُ يَمِينٍ، وَمُقَرَّبُونَ سَابِقُونَ. وَمَنْ خَرَجَ عَنْ هَذَيْنِ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.
وَإِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ نَوْعَيْنِ، فَالْخَلْقُ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَحَصَلَ بِإِرْسَالِهِ هَذَانِ النَّوْعَانِ مِنَ النِّعْمَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ بِدُونِهِ كَانُوا جُهَّالًا ضَالِّينَ أُمِّيِّينَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنْهُمْ.
وَلَمْ يَكُنْ قَدْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ - مَنْ هُوَ قَائِمٌ بِالدَّيْنِ الَّذِي يُوجِبُ السَّعَادَةَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ كَانُوا قَدْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا. وَأَيْضًا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَدِّلُوا شَيْئًا فَفِي إِرْسَالِهِ مِنْ كَمَالِ النِّعَمِ وَتَوَاصُلِهَا وَعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ فِي السَّعَادَةِ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ إِرْسَالُهُ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ نَوْعَيِ النَّعِيمِ.
[ ٥ / ٨٧ ]
وَمَنِ اسْتَقْرَأَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْعِمْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ نِعْمَةً أَعْظَمَ مِنْ إِنْعَامِهِ بِإِرْسَالِهِ - ﷺ - وَإِنَّ الَّذِينَ رَدُّوا رِسَالَتَهُ هُمْ مَنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] .
وَلِهَذَا وَصَفَ بِالشُّكْرِ مَنْ قَبِلَ هَذِهِ النِّعْمَةَ فَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُمْ: " إِنَّا نَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ. . . . " إِلَى آخِرِ الْفَصْلِ، قَوْلُ جَاهِلٍ ظَالِمٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: بَلِ
[ ٥ / ٨٨ ]
الْعَجَبُ مِنْ هَذَا الْعَجَبِ هُوَ الْوَاجِبُ، بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، وَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ لَيَعْجَبُ مِمَّنْ عَرَفَ دِينَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَقَصْدُهُ الْحَقَّ، ثُمَّ اتَّبَعَ غَيْرَهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ أَوْ مُفْرِطٌ فِي الظُّلْمِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى.
وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ نَوْعَانِ: أَهْلُ الْكِتَابِ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَغَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَالْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ، وَغَيْرِهِمْ كَالْمَجُوسِ مِنَ الْفُرْسِ، وَغَيْرِهِمْ كَالصَّابِئَةِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ لَنَا أَنَّ مَنْ سِوَى أَهْلِ الْكِتَابِ انْتَفَعَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مَنْفَعَةً ظَاهِرَةً، وَأَنَّهُ دَعَا جَمِيعَ طَوَائِفِ
[ ٥ / ٨٩ ]
الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، بَلْ كَانُوا أَحْوَجَ النَّاسِ إِلَى رِسَالَتِهِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ: فَالْيَهُودُ مُسَلِّمُونَ لَنَا حَاجَةَ النَّصَارَى إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَالنَّصَارَى تُسَلِّمُ لَنَا حَاجَةَ الْيَهُودِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ.
فَمَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا وَهُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - دَعَا سَائِرَ الطَّوَائِفِ - غَيْرَهُمْ - إِلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ؛ بِأَنَّهُ دَعَا أَهْلَ الْأَرْضِ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ. فَإِنَّ شَهَادَةَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مَقْبُولَةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ إِذْ كَانُوا غَيْرَ مُتَّهَمِينَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ مُعَادُونَ لِمُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، مُعَادُونَ لِسَائِرِ الطَّوَائِفِ، وَأَمَّا شَهَادَتُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ فَإِنَّهُمْ خُصُومُهُ وَشَهَادَةُ الْخَصْمِ عَلَى خَصْمِهِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
وَقَدِ اعْتَرَفَ الْفَلَاسِفَةُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَعِ الْعَالِمَ نَامُوسٌ بِأَفْضَلَ مِنْ نَامُوسِهِ، وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ نَامُوسِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ كَانَ لَهُمْ مِنَ الطَّعْنِ فِي نَوَامِيسِ غَيْرِهِ مَا لَيْسَ
[ ٥ / ٩٠ ]
هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ. بِخِلَافِ نَامُوسِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَإِنَّهُ لَمْ يَطْعَنْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، إِلَّا مَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ قَانُونِ الْفَلْسَفَةِ الَّتِي تُوجِبُ عِنْدَهُمُ الْعَدْلَ وَالْكَلَامَ بِعِلْمٍ. وَأَمَّا مَنِ الْتَزَمَ مِنْهُمُ الْكَلَامَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ نَامُوسَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَفْضَلُ نَامُوسٍ طَرَقَ الْعَالَمَ، فَكَيْفَ يُعْجَبُ مِنْ مِثْلِ هَذَا النَّامُوسِ؟ ! .
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ خُصُوصًا، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: أَنْتُمْ أَذَلُّ الْأُمَمِ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ فَهُوَ مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَهَلْ تَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، فَيَبْعَثُهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حَتَّى يَصِيرَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مَنْصُورًا ظَاهِرًا بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ.
وَيُقَالُ لِلنَّصَارَى: أَنْتُمْ لَمْ تُخَلِّصُوا دِينَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُعَطِّلِينَ، بَلْ أَخَذْتُمْ مِنْ أُصُولِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُعَطِّلِينَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مَا أَدْخَلْتُمُوهُ فِي دِينِكُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ عَلَى أَكْثَرِ الْكُفَّارِ حُجَّةٌ عِلْمِيَّةٌ وَلَا يَدٌ قَهْرِيَّةٌ، بَلْ لِلْكُفَّارِ فِي
[ ٥ / ٩١ ]
قُلُوبِكُمْ مِنَ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ وَالتَّعْظِيمِ مَا أَنْتُمْ بِهِ مِنْ أَضْعَفِ الْأُمَمِ حُجَّةً وَأَضْيَقِهَا مَحَجَّةً، وَأَبْعَدِهَا عَنِ الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ، وَأَعْجَزِهَا عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ؛ تَارَةً تَخَافُونَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُعَطِّلِينَ، فَإِمَّا أَنْ تُوَافِقُوهُمْ عَلَى أَقْوَالِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ تَخْضَعُوا لَهُمْ مُتَوَاضِعِينَ، وَتَارَةً تَخَافُونَ مِنْ سُيُوفِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوا بَعْضَ دِينِكُمْ لِأَجْلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ تَذِلُّوا لَهُمْ خَاضِعِينَ.
فَفِيكُمْ مِنْ ضَعْفِ سُلْطَانِ الْحُجَّةِ، وَضَعْفِ سُلْطَانِ النُّصْرَةِ مَا يَظْهَرُ بِهِ حَاجَتُكُمْ إِلَى قِيَامِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ فَالْعَجَبُ مِنْكُمْ كَيْفَ تَعْدِلُونَ عَمَّا فِيهِ سَعَادَتُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَى مَا فِيهِ شَقَاؤُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. هَذَا هُوَ الْعَجَبُ لَيْسَ الْعَجَبُ مِمَّنْ آمَنَ بِمَا فِيهِ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي خِلَافِهِ شَقَاوَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَرِدُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ فِيهِ طَائِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ظَاهِرَةٌ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَالْيَدِ وَالسِّنَانِ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَهُوَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» " وَفِي لَفْظٍ " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرَةً حَتْي يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ» ".
[ ٥ / ٩٢ ]
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ: لِلْيَهُودِ: أَنْتُمْ لَمَّا كُنْتُمْ مُتَّبِعِينَ لِمُوسَى - ﵇ - كُنْتُمْ عَلَى الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ مَنْصُورِينَ، ثُمَّ كَثُرَتْ فِيكُمُ الْأَحْدَاثُ الَّتِي تَعْرِفُونَهَا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ - قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٥٩ - ٦٠] .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] مَعْطُوفٌ عَلَى (لَعَنَهُ اللَّهُ) أَيْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَعَبَدَ هُوَ الطَّاغُوتَ، لَيْسَ هُوَ دَاخِلًا فِي خَبَرِ " جَعَلَ "، حَتَّى يَلْزَمَ إِشْكَالٌ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْيَهُودَ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ مَرَّاتٍ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ.
[ ٥ / ٩٣ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا - ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٤ - ٨] .
وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خُرِّبَ مَرَّتَيْنِ.
[ ٥ / ٩٤ ]
فَالْخَرَابُ الْأَوَّلُ لَمَّا جَاءَ " بُخَتُنَصَّرُ " وَسَبَاهُمْ إِلَى بَابِلَ وَبَقِيَ خَرَابًا سَبْعِينَ سَنَةً، وَالْخَرَابُ الثَّانِي بَعْدَ الْمَسِيحِ بِنَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ قِيلَ: هَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] .
فَبَعْدَ الْخَرَابِ الثَّانِي تَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُلْكٌ. وَبَيْنَ الْخَرَابَيْنِ كَانُوا تَحْتَ قَهْرِ الْمُلُوكِ الْكُفَّارِ، وَبُعِثَ الْمَسِيحُ - ﵊ - وَهُمْ كَذَلِكَ.
وَيُقَالُ لِلنَّصَارَى: أَنْتُمْ مَا زِلْتُمْ مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ مُبَدَّدِينَ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى ظَهَرَ قُسْطَنْطِينُ وَأَقَامَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ. لَكِنْ أَظْهَرَ دِينًا مُبَدَّلًا مُغَيَّرًا لَيْسَ هُوَ دِينَ الْمَسِيحِ - ﵇ - وَمَعَ هَذَا فَكَانَتْ أَرْضُ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ كُفَّارًا - الْمَجُوسُ وَغَيْرُهُمْ - مَجُوسًا وَمُشْرِكِينَ. وَكَانُوا فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ يَقْهَرُونَ النَّصَارَى عَلَى بِلَادِهِمْ، وَأَمَّا أَرْضُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَفِيهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُشْرِكِينَ أُمَمٌ، وَكَانَ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ ظَاهِرًا فِي أَرْضِ الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ٩٥ ]
وَسَلَّمَ - أَظْهَرَ بِهِ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَعِبَادَتَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ظُهُورًا لَمْ يُعْرَفْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهُ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَظْهَرَ بِهِ مِنْ تَصْدِيقِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا لَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ، فَأَهْلُ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانُوا خَيْرًا مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا قَائِمِينَ بِمَا يَجِبُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا شَرَائِعِ دِينِهِ، وَلَا كَانُوا قَاهِرِينَ لِأَكْثَرِ الْكُفَّارِ، وَلَا كَانُوا مَنْصُورِينَ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا قَالَ: - تَعَالَى -.:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩] . .
أَمَّا الْيَهُودُ فَفِيهِمْ مِنَ التَّنَقُّصِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سَبِّهِمْ، وَذِكْرِ عُيُوبٍ نَزَّهَهُمُ اللَّهُ عَنْهَا، مَا هُوَ مَعْرُوفٌ. حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ سَاحِرًا، وَدَاوُدَ كَانَ مُنَجِّمًا لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ.
[ ٥ / ٩٦ ]
مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ. فَفِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ بِالْأَنْبِيَاءِ، مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ فِي سَلَفِهِمُ الْخَبِيثِ. .
وَأَمَّا النَّصَارَى - فَمَعَ غُلُوِّهِمْ فِي الْمَسِيحِ وَأَتْبَاعِهِ - يَسْتَخِفُّونَ بِغَيْرِهِ فَتَارَةً يَجْعَلُونَ الْحَوَارِيِّينَ مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، وَتَارَةً يَقُولُونَ - كَمَا قَالَ الْيَهُودُ -: " إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا بَلْ سَقَطَ مِنَ النُّبُوَّةِ "، وَتَارَةً يَجْعَلُونَ مَا خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ دَاوُدَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَسِيحُ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَتَأَوَّلُونَ كُتُبَ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ هَوَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إِذَا أَطَاعَ اللَّهَ بِمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ طَاعَةٌ، صَارَ مِثْلَ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيُسَوِّغُونَ لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ أَنْ يُغَيِّرُوا شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَضَعُوا دِينًا ابْتَدَعُوهُ وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - وَأُمَّتُهُ أَقَامُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَسَائِرُ الرُّسُلِ وَآمَنُوا بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَكُلِّ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ، وَأَقَامُوا دِينَ الرَّحْمَنِ إِقَامَةً لَمْ يُقِمْهَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ. فَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -: إِمَّا مُؤْمِنٌ بِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا - وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ وَحِزْبُهُ الْمُفْلِحُونَ وَجُنْدُهُ الْغَالِبُونَ - وَإِمَّا مُسْلِمُونَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ تَقِيَّةً وَخَوْفًا مِنْ أُمَّتِهِ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ.
[ ٥ / ٩٧ ]
وَإِمَّا مُسَالِمُونَ لَهُ بِالْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ - وَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ - وَإِمَّا خَائِفُونَ مِنْ أُمَّتِهِ.
وَحَيْثُ كَانَ الْوَاحِدُ وَالطَّائِفَةُ مِنْ أُمَّتِهِ مُتَمَسِّكًا بِدِينِهِ، كَانَ نُورُهُ ظَاهِرًا وَبُرْهَانُهُ بَاهِرًا مُعَظَّمًا مَنْصُورًا، يُعْرَفُ فَضْلُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ سِوَاهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَعْرِفُهُ النَّاسُ فِي أَرْضِ الْكُفَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِمَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا - ﷺ - وَأُمَّتَهُ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ. وَقَدْ أَظْهَرُوا دِينَ الرَّبِّ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. فَهَلْ يَقُولُ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ وَعَدْلٌ: إِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ رِسَالَتِهِ؟ !
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنْ يُقَالَ: هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِانْتِفَاعِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ غَايَةَ الِانْتِفَاعِ، فَإِنَّهُ أَقَامَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَدِينَهُ فِيهِمْ، وَأَنَّهُ عَظَّمَ الْمَسِيحَ. وَرَدَّ عَلَى الْيَهُودِ قَوْلَهُمْ فِيهِ وَأَهَانَهُمْ وَحِينَئِذٍ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ وَأَجَلِّ الْمَقَاصِدِ وَأَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، ثُمَّ هُوَ - مَعَ ذَلِكَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ.
[ ٥ / ٩٨ ]
فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَالْكَذَّابُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ مِنْ شَرِّ الْكُفَّارِ، وَمَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ، الَّذِي مَا حَصَلَ مِثْلُهُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُ أَزَالَ دِينَ الْمُشْرِكِينَ، وَدِينَ الْمَجُوسِ، وَقَمَعَ الْيَهُودَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
وَإِنْ كَانَ صَادِقًا؛ فَهُوَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَأَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِكُفْرِ كُلِّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ. وَهَذَا الْوَجْهُ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ صِنْفٍ، فَيُقَالُ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْأُمَمِ: أَنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ مَنْ سِوَاكُمْ إِذَا اتَّبَعُوا دِينَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ؛ فَالْيَهُودُ مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّ النَّصَارَى إِذَا اتَّبَعُوهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ دِينِ النَّصَارَى، وَالنَّصَارَى مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْيَهُودَ إِذَا اتَّبَعُوهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ مَنْ سِوَاهُمْ إِذَا اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا كَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ.
فَالْمَجُوسُ وَالْمُشْرِكُونَ مِنَ الْعَرَبِ، وَالسُّودَانِ وَالتُّرْكِ وَأَصْنَافِ
[ ٥ / ٩٩ ]
الْخَزَرِ وَالصَّقَالِبَةِ، إِذَا اتَّبَعُوهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ أَتْبَاعَهُ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - عَامَّتُهُمْ - مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ دِينَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: مَنْ جَاءَ بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي يُفَضِّلُهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى غَيْرِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَكْفَرِ النَّاسِ وَأَحَقِّهِمْ بِغَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ. وَكُلُّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَإِنْ كَانَ صَادِقًا كَانَ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَحَقِّهِمْ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كَانَ مِنْ شَرِّ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَحَقِّهِمْ بِغَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ. وَمَنْ حَصَلَ مِنْهُ هَذَا الْخَيْرُ وَالْعِلْمُ وَالْهُدَى وَمَا فِيهِ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَعْظَمُ مِمَّا حَصَلَ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَكْفَرِ النَّاسِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِغَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، بَلْ هُوَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَحَقُّهُمْ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: إِنَّ اللَّهَ - ﷾ - كَانَتْ سُنَّتُهُ قَبْلَ إِنْزَالِ
[ ٥ / ١٠٠ ]
التَّوْرَاةِ، إِذَا كُذِّبَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ أَعْدَائِهِ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ بِالْغَرَقِ، وَقَوْمَ هُودٍ بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ، وَقَوْمَ صَالِحٍ بِالصَّيْحَةِ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ بِالظُّلَّةِ، وَقَوْمَ لُوطٍ بِالْحَاصِبِ، وَقَوْمَ فِرْعَوْنَ بِالْغَرَقِ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] .
فَلَمَّا أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، أَمَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالْجِهَادِ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَكَلَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ.
وَصَارَ الْمَقْصُودُ بِالرِّسَالَةِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
[ ٥ / ١٠١ ]
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] .
فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ: " إِنَّ التَّوْرَاةَ جَاءَتْ بِالْعَدْلِ، وَالْإِنْجِيلَ بِالْفَضْلِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى غَيْرِهِمَا، لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ حَقٌّ. إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ الْكِتَابَانِ لَمْ يُبَدَّلَا، بَلْ كَانَا مُتَّبَعَيْنِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَكَانَ أَهْلُهُمَا مَعَ ذَلِكَ مَنْصُورِينَ مُؤَيَّدِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، فَكَيْفَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ بُدِّلَ كَثِيرٌ مِمَّا فِيهِ، وَأَهْلُهُمَا غَيْرُ مَنْصُورِينَ عَلَى سَائِرِ الْكُفَّارِ، بَلِ الْكُفَّارُ ظَاهِرُونَ عَلَيْهِمْ فِي أَكْثَرِ الْأَرْضِ؛ كَأَرْضِ الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ وَسَائِرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ وَأَرْضِ الْهِنْدِ وَالسِّنْدِ وَالتُّرْكِ، وَكَانَ بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ الشَّامُ وَمِصْرُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَتِ الْفُرْسُ قَدْ غَلَبَتْهُمْ عَلَى ذَلِكَ،، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ النَّصَارَى عَلَيْهِمْ، فَكَانَ ظُهُورُهُمْ تَوْطِئَةً وَتَمْهِيدًا لِإِظْهَارِ دِينِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنَّ الْفُرْسَ الْمَجُوسَ لَمَّا غَلَبُوا الرُّومَ سَاءَ ذَلِكَ النَّبِيَّ
[ ٥ / ١٠٢ ]
- ﷺ - وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، وَفَرِحَ بِذَلِكَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ أَقْرَبُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمَجُوسِ، وَالْمَجُوسُ أَقْرَبُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَوَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَغْلِبَ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ.
فَأَضَافَ النُّصْرَةَ إِلَى اسْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ بِنَصْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ قَدْ ظَهَرُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ.
وَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذْ ذَاكَ يَدْعُو مُلُوكَ النَّصَارَى بِالشَّامِ وَمِصْرَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَعَرَفُوهُ وَعَرَفُوا أَنَّهُ النَّبِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ ظُهُورِ دِينِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ بِالْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ مَعَهُمْ عَامَ تَبُوكَ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ فَتَحَ هَذِهِ الْبِلَادَ أَصْحَابُهُ، فَكَانَ تَأْيِيدُ دِينِ اللَّهِ وَظُهُورُهُ وَإِذْلَالُ الْمُشْرِكِينَ
[ ٥ / ١٠٣ ]
وَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى يَدَيْهِ وَيَدَيْ أُمَّتِهِ، لَا عَلَى يَدِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَرْعَ أُولَئِكَ كَامِلٌ لَا تَبْدِيلَ فِيهِ، لَكَانَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلَ مَنْ يُؤَيِّدُ دِينَهُ وَيُظْهِرُهُ، فَكَيْفَ وَهُوَ مُبَدَّلٌ؟ وَلَوْ لَمْ يُبَدَّلْ فَدِينُ أَحْمَدَ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ مِنْهُ، فَذَاكَ مَفْضُولٌ مُبَدَّلٌ، وَهَذَا فَاضَلٌ لَمْ يُبَدَّلْ، وَذَلِكَ مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ، وَهَذَا مُؤَيَّدٌ مَنْصُورٌ. وَبِبَعْضِ هَذَا تَحْصُلُ الْفَائِدَةُ فِي إِرْسَالِهِ.
فَكَانَ مِنْ أَجَلِّ الْفَوَائِدِ إِرْسَالُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِرْسَالِهِ.
الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُمْ: " لَمَّا كَانَ الْبَارِي عَدْلًا جَوَّادًا أَوْجَبَ أَنْ يُظْهِرَ عَدْلَهُ وَجُودَهُ " فَيُقَالُ لَهُمْ: جُودُ الْجَوَّادِ غَيْرُ إِلْزَامِ النَّاسِ بِتَرْكِ حُقُوقِهِمْ، فَإِنَّ الْجَوَّادَ هُوَ الَّذِي يُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي يُلْزِمُ النَّاسَ بِتَرْكِ حُقُوقِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ شَرِيعَةَ الْإِنْجِيلِ أَلْزَمَتِ النَّاسَ بِتَرْكِ حُقُوقِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يُنْصَفُ مَظْلُومٌ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلِهَذَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ حُكْمٌ عَدْلٌ يَحْكُمُونَ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ، بَلِ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ حُكْمَانِ: حُكْمُ الْكَنِيسَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِنْصَافُ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ. وَالثَّانِي: حُكْمُ الْمُلُوكِ، وَلَيْسَ هُوَ شَرْعًا مُنَزَّلًا، بَلْ هُوَ بِحَسْبِ آرَاءِ الْمُلُوكِ.
وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ يَرُدُّونَ النَّاسَ إِلَى حُكْمِ شَرْعِ الْإِسْلَامِ فِي الدِّمَاءِ
[ ٥ / ١٠٤ ]
وَالْأَمْوَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، حَتَّى فِي بَعْضِ بِلَادِهِمْ يَكُونُ الْمَلِكُ وَالْعَسْكَرُ كُلُّهُمْ نَصَارَى، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مُسْلِمُونَ لَهُمْ حَاكِمٌ، فَيَرُدُّونَ النَّاسَ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ إِلَى حُكْمِ شَرْعِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَعْفُوَ فِيهَا عَنْ ظَالِمِهِ، فَالْحَاكِمُ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، مَتَى حَكَمَ عَلَى الْمَظْلُومِ بِتَرْكِ حَقِّهِ كَانَ حَاكِمًا بِالظُّلْمِ لَا بِالْعَدْلِ.
وَلَوْ أَمَرْنَا كُلَّ وَلِيِّ مَقْتُولٍ أَنْ لَا يَقْتَصَّ مِنَ الْقَاتِلِ، وَكُلَّ صَاحِبِ دَيْنٍ أَنْ لَا يُطَالِبَ غَرِيمَهُ، بَلْ يَدَعَهُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَكُلَّ مَشْتُومٍ وَمَضْرُوبٍ أَنْ لَا يَنْتَصِفَ مِنْ ظَالِمِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلظَّالِمِينَ زَاجِرٌ يَزْجُرُهُمْ، وَظَلَمَ الْأَقْوِيَاءُ الضُّعَفَاءَ، وَفَسَدَتِ الْأَرْضُ. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] .
فَلَا بُدَّ مِنْ شَرْعٍ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالْعَدْلِ وَلَا بُدَّ - مَعَ ذَلِكَ - مِنْ نَدْبِ النَّاسِ إِلَى الْعَفْوِ وَالْأَخْذِ بِالْفَضْلِ.
وَهَذِهِ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآيَاتِ مِثْلِ قَوْلِهِ:
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] .
[ ٥ / ١٠٥ ]
وَقَوْلِهِ:
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .:.
وَقَوْلِهِ:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .
وَقَوْلِهِ:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .
وَقَوْلِهِ:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وَقَوْلِهِ:
﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] ..
[ ٥ / ١٠٦ ]
وَقَوْلِهِ:
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] .
وَقَالَ أَنَسٌ: " «مَا رُفِعَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَمْرٌ فِيهِ الْقِصَاصُ، إِلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» " فَكَانَ يَأْمُرُ بِالْعَفْوِ، وَلَا يُلْزِمُ النَّاسَ بِهِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا عَتَقَتْ (بَرِيرَةُ)، وَكَانَ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ النِّكَاحَ، وَطَلَبَ زَوْجُهَا أَنْ لَا تُفَارِقَهُ، شَفَعَ إِلَيْهَا أَنْ لَا تُفَارِقَهُ، فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا قَبُولَ شَفَاعَتِهِ - ﷺ -.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: قَوْلُهُمْ: " وَلَمَّا كَانَ الْكَمَالُ الَّذِي هُوَ الْفَضْلُ
[ ٥ / ١٠٧ ]
لَا يُمْكِنُ أَنْ يَضَعَهُ إِلَّا أَكْمَلُ الْكُمَّالِ " فَيُقَالُ لَهُمْ: الْعَدْلُ وَالْفَضْلُ لَا يُشَرِّعُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَشَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ لَمْ يُشَرِّعْهَا إِلَّا اللَّهُ، وَشَرِيعَةُ الْإِنْجِيلِ لَمْ يُشَرِّعْهَا إِلَّا اللَّهُ - ﷿ -.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ تَكْلِيمًا، وَهُمْ غَايَةُ مَا قَرَّرُوا بِهِ إِلَهِيَّةَ الْمَسِيحِ أَنْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ النَّاسَ مِنْ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ، كَمَا كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، لَوْ كَانَ هَذَا حَقًّا، أَنَّ تَكْلِيمَهُ لِمُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ أَعْظَمُ تَكْلِيمٍ كَلَّمَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ شَرِيعَةَ الْعَدْلِ لَمْ يُشَرِّعْهَا اللَّهُ ﷿؟ .
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: بَلْ شَرِيعَةُ الْعَدْلِ أَحَقُّ بِأَنْ تُضَافَ إِلَى اللَّهِ مِنْ شَرِيعَةِ الْفَضْلِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِحْسَانِ وَالْعَفْوِ يُحَسِّنُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَدْلِ وَالْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا آحَادُ النَّاسِ؛ وَلِهَذَا يُوجَدُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْإِحْسَانِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَمَّا الَّذِي يُحْسِنُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ فَنَاسٌ قَلِيلٌ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الَّذِي يَأْمُرُ بِشَرْعِ الْفَضْلِ هُوَ اللَّهُ، دُونَ الَّذِي يَأْمُرُ بِشَرْعِ الْعَدْلِ؟ .
وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَرْسَلَ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ؛ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] .
[ ٥ / ١٠٨ ]
وَأَمْرُ الْمَسِيحِ - ﵇ - لِلْمَظْلُومِ بِالْعَفْوِ عَنِ الظَّالِمِ: لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْوَاجِبِ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ، بَلْ هُوَ مِنَ الْمُرَغَّبِ فِيهِ الَّذِي مَنْ فَعَلَهُ اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ. وَمُوسَى - ﵇ - أَوْجَبَ الْعَدْلَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ. وَحِينَئِذٍ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِيجَابِ الْعَدْلِ، وَبَيْنَ اسْتِحْبَابِ الْفَضْلِ.
لَكِنَّ إِيجَابَ الْعَدْلِ يَقْتَرِنُ بِهِ التَّرْهِيبُ وَالتَّخْوِيفُ فِي تَرْكِهِ، وَاسْتِحْبَابُ الْفَضْلِ يَقْتَرِنُ بِهِ التَّرْغِيبُ وَالتَّشْوِيقُ إِلَى فِعْلِهِ، فَذَاكَ فِيهِ رَهْبَةٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الرَّغْبَةِ. وَهَذَا فِيهِ رَغْبَةٌ بِلَا رَهْبَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيحُ - ﵇ -:.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] .
وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - بُعِثَ لِتَكْمِيلِ التَّوْرَاةِ، فَإِنَّ النَّوَافِلَ تَكُونُ بَعْدَ الْفَرَائِضِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: " مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ
[ ٥ / ١٠٩ ]
حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» .
وَإِلَّا فَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - أَوْجَبَ عَلَى الْمَظْلُومِ الْعَفْوَ عَنِ الظَّالِمِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ وَالذَّمَّ وَالْعِقَابَ إِنْ
[ ٥ / ١١٠ ]
لَمْ يَعْفُ عَنْهُ لَزِمَ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنِ انْتَصَفَ مِنَ الظَّالِمِ، ظَالِمًا مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ، وَهَذَا ظُلْمٌ ثَانٍ لِلْمَظْلُومِ الَّذِي انْتَصَفَ؛ فَإِنَّ الظَّالِمَ ظَلَمَهُ أَوَّلًا فَلَمَّا انْتَصَفَ مِنْهُ ظُلِمَ ظُلْمًا ثَانِيًا، فَهُوَ ظُلْمُ الْعَادِلِ انْتَصَفَ مِنْ ظَالِمِهِ.
وَمَا أَحْسَنَ كَلَامَ اللَّهِ حَيْثُ يَقُولُ:.
﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ - وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ - وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ - وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ - إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٤٣] .
وَقَالَ:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠] .
فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ وَأَعْدَلِهِ وَأَفْضَلِهِ حَيْثُ شَرَعَ الْعَدْلَ فَقَالَ:
[ ٥ / ١١١ ]
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
ثُمَّ نَدَبَ إِلَى الْفَضْلِ، فَقَالَ:
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] .
وَلَمَّا نَدَبَ إِلَى الْعَفْوِ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَى الْمُنْتَصِفِ، لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ الْعَفْوَ فَرْضٌ فَقَالَ:
﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] .
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ السَّبِيلَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الظَّالِمِينَ فَقَالَ:
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] .
ثُمَّ لَمَّا رَفَعَ عَنْهُمُ السَّبِيلَ نَدَبَهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِلَى الصَّبْرِ وَالْعَفْوِ فَقَالَ:.
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] .
فَهَذَا أَحْسَنُ شَرْعٍ وَأَحْكَمُهُ يُرَغِّبُ فِي الصَّبْرِ وَالْغَفْرِ وَالْعَفْوِ وَالْإِصْلَاحِ بِغَايَةِ التَّرْغِيبِ، وَيَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَحَاسِنِ وَحَمِيدِ
[ ٥ / ١١٢ ]
الْعَاقِبَةِ، وَيَرْفَعُ عَنِ الْمُنْتَصِفِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ الْمَلَامَ وَالْعَذْلَ، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا سَبِيلَ إِذَا انْتَصَرَ بَعْدَمَا ظُلِمَ.
فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَأْتِيَ شَرِيعَةٌ بِأَنْ تَجْعَلَ عَلَى الْمُنْتَصِفِ سَبِيلًا مَعَ عَدْلِهِ وَهِيَ لَا تَجْعَلُ عَلَى الظَّالِمِ سَبِيلًا مَعَ ظُلْمِهِ؟ .
فَعُلِمَ أَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ الْمَسِيحُ مِنَ الْعَفْوِ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ تَارِكَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ، بَلْ لِأَنَّهُ مَحْرُومٌ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْعَافِي الْمُحْسِنِ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَهَذَا حَقٌّ لَا يُنَاقِضُ شَرْعَ التَّوْرَاةِ، فَعُلِمَ أَنَّ شَرْعَ الْإِنْجِيلِ لَمْ يُنَاقِضْ شَرْعَ التَّوْرَاةِ؛ إِذْ كَانَ فَرْعًا عَلَيْهَا وَمُكَمِّلًا لَهَا، وَحِينَئِذٍ فَزَعْمُهُمْ أَنَّ شَرْعَ الْإِنْجِيلِ شَرَعَهُ اللَّهُ دُونَ شَرْعِ التَّوْرَاةِ كَلَامُ مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ وَلِهَذَا كَانَ فَرْعًا عَلَى قَوْلِهِمْ بِالِاتِّحَادِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ.
فَذَاكَ الضَّلَالُ مِمَّا أَوْجَبَ هَذَا الْقَوْلَ الْمُحَالَ.
[ ٥ / ١١٣ ]
[فَصْلٌ: بُطْلَانُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا يَدَّعُونَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ]
فَصْلٌ
وَجَمِيعُ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - إِنَّمَا يَكُونُ الْحُجَّةُ فِيهِ عِلْمِيَّةً بُرْهَانِيَّةً، إِذَا أَقَامُوا الدَّلِيلَ عَلَى نُبُوَّةِ مَنِ احْتَجُّوا بِكَلَامِهِ، بِأَنْ بَيَّنُوا إِمْكَانَ النُّبُوَّةِ ثُمَّ بَيَّنُوا وُقُوعَهَا فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ بِالطُّرُقِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ.
وَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلِ احْتَجُّوا بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ مُسَلَّمَةٌ يُسَلِّمُهَا الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ. وَهَذَا لَا يَنْفَعُهُمْ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ فِيمَنْ ذَكَرُوهُ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ نَبِيٌّ كَمِيخَا وَعَامُوصَ.
[ ٥ / ١١٤ ]
الثَّانِي: أَنَّ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ نُبُوَّتُهُ كَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْكَلَامِ وَأَنَّ تَرْجَمَتَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ هُوَ مَا ذَكَرُوهُ، وَأَنَّ مُرَادَهُمْ بِهِ مَا فَسَّرُوهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْلَمُونَ نُبُوَّةَ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ إِلَّا بِإِخْبَارِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِنُبُوَّتِهِمْ فَلَا يُمْكِنُهُمُ التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
فَإِذَا طَلَبَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا نُبُوَّةَ هَؤُلَاءِ، دُونَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ لَمْ يُمْكِنِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا ذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا يُشْرَعُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا عَقْلًا وَلَا نَقْلًا، وَحِينَئِذٍ إِذَا لَمْ يُقِيمُوا الْأَدِلَّةَ عَلَى نُبُوَّةِ أُولَئِكَ؛ لَمْ يَكُونُوا قَدْ ذَكَرُوا لَا حُجَّةً بُرْهَانِيَّةً وَلَا حُجَّةً جَدَلِيَّةً.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى، إِلَّا مَعَ إِخْبَارِهِمَا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ سَلَّمُوا أَنَّهُمَا أَخْبَرَا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ وَنُبُوَّتُهُمَا، وَإِنْ جَحَدُوا ذَلِكَ جَحَدَ الْمُسْلِمُونَ نُبُوَّةَ مَنْ يَدَّعُونَ أَنَّهُ مُوسَى.
[ ٥ / ١١٥ ]
وَعِيسَى اللَّذَيْنِ لَمْ يُخْبِرَا بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَكُلَّ عَاقِلٍ، يَمْنَعُ - بَعْدَ النَّظَرِ التَّامِّ - أَنْ يُقِرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى دُونَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، إِذْ كَانَتْ نُبُوَّتُهُ أَكْمَلَ، وَطُرُقُ مَعْرِفَتِهَا أَتَمَّ وَأَكْثَرَ وَمَا مِنْ دَلِيلٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نُبُوَّةِ غَيْرِهِ إِلَّا وَهُوَ عَلَى نُبُوَّتِهِ أَدَلُّ، فَإِنَّ جَحْدَ نُبُوَّتِهِ يَسْتَلْزِمُ جَحْدَ نُبُوَّةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَلَكِنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ هُوَ مُتَنَاقِضٌ كَمَا يَتَنَاقَضُ سَائِرُ أَهْلِ الْبَاطِلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْكُفَّارِ:
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨] .
[ ٥ / ١١٦ ]
[فَصْلٌ: إِثْبَاتُ الْفَضْلِ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِشَرِيعَتِهِ وَلِأُمَّتِهِ]
فَصْلٌ
قَدْ ذَكَرْنَا فِي جَوَابِ أَوَّلِ كِتَابِهِمْ بَيَانَ امْتِنَاعِ احْتِجَاجِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - عَلَى مَا يُخَالِفُ دِينَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِينِهِمْ. وَنَحْنُ نَبْسُطُ هَذَا هُنَا فَنَقُولُ: لَا رَيْبَ أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ لَا عَقْلِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ؛ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْخَبَرِيَّاتِ أَوِ الطَّلَبِيَّاتِ. فَإِنَّ الدَّلِيلَ الصَّحِيحَ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، فَلَوْ قَامَ عَلَى الْبَاطِلِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا مَعَ كَوْنِهِ بَاطِلًا، وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ مِثْلَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ مَعَهُمْ حَقٌّ فِي الْخَبَرِيَّاتِ وَالطَّلَبِيَّاتِ، وَمَعَهُمْ بَاطِلٌ، وَهُوَ مَا بَدَّلُوهُ فِي الْخَبَرِيَّاتِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُبَدَّلُ هُوَ اللَّفْظَ أَوْ مَعْنَاهُ وَمَا ابْتَدَعُوهُ أَوْ مَا نُسِخَ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ. وَالْمَنْسُوخُ الَّذِي تَنَوَّعَتْ فِيهِ الشَّرَائِعُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ وَالرُّسُلُ. فَإِنَّ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي لَا بُدَّ لِلْخَلْقِ مِنْهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] ..
[ ٥ / ١١٧ ]
وَعَامَّةُ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، كَالْأَنْعَامِ، وَالْأَعْرَافِ، وَآلِ حم، وَآلِ طس، وَآلِ الر، هِيَ مِنَ الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا شَرَائِعُ الْمُرْسَلِينَ، كَالْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَالْإِخْلَاصِ، وَتَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالشِّرْكِ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، وَعَامَّةُ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ النُّقُولِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَنُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ تُوَافِقُ الْمَنْقُولَ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - شَهِدَ هَذَا لِهَذَا وَهَذَا لِهَذَا. وَذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَلِهَذَا يَذْكُرُ اللَّهُ ذَلِكَ بَيَانًا لِإِنْعَامِهِ بِمُحَمَّدٍ وَدَلَالَةً لِنُبُوَّتِهِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ - يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ - ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٤] .
وَقَالَ: - تَعَالَى - لَمَّا قَصَّ قِصَّةَ نُوحٍ.:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]
[ ٥ / ١١٨ ]
فَذَكَرَ الْإِلَهُ نِعْمَتَهُ وَآيَتَهُ، بِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا هُوَ وَلَا قَوْمُهُ - أَيْضًا - كَانُوا يَعْلَمُونَهَا؛ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْمِهِ، فَإِنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَقَدْ عُلِمَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - وُلِدَ بِمَكَّةَ، وَبِهَا نَشَأَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَادِيَةِ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ قَرِيبًا مِنَ الطَّائِفِ شَرْقِيَّ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ ثُمَّ حَمَلَتْهُ مُرْضِعَتُهُ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ.
[ ٥ / ١١٩ ]
إِلَى أُمِّهِ بِمَكَّةَ، لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا هُنَاكَ مَنْ يُتَعَلَّمُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَأَهْلُ مَكَّةَ يَعْلَمُونَ حَالَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِالْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ.
فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ رِسَالَتِهِ، وَدَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ، عَلَيْهِمْ أَوَّلًا، وَعَلَى غَيْرِهِمْ آخِرًا. فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُشَاهِدِينَ لَهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ. وَغَيْرُهُمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ قَوْمَهُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى الطَّعْنِ فِيهِ، وَمَعَ عِلْمِهِمْ بِحَالِهِ، لَوْ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَقَالُوا: هَذَا قَدْ تَعَلَّمَهُ مِنْهُمْ. قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ نَفَى عِلْمَ قَوْمِهِ بِمَا أَخْبَرَهُ فِيهِ، بَيَانًا لِآلَاءِ اللَّهِ الَّتِي
[ ٥ / ١٢٠ ]
هِيَ آيَاتُهُ وَنِعَمُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ قَوْمِهِ وَفِيهِ إِنْعَامُ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ بِذَلِكَ.
وَقَالَ - تَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ يُوسُفَ:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ - وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ - وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٣ - ٤٦] .
فَنَفَى - سُبْحَانَهُ - شَهَادَتَهُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ وَحُضُورَهُ لَهَا؛ تَنْبِيهًا لِلنَّاسِ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ بِالْغَيْبِ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ جِهَةِ أَخْبَارِ النَّاسِ، فَإِنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَا عَاشَرَ غَيْرَ قَوْمِهِ. وَكُلُّ مَنْ عَرَفَ حَالَهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، لَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا مِمَّنْ نَقَلَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
فَإِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - أَخْبَرَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَتْ
[ ٥ / ١٢١ ]
بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، فِي بَابِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَتَوْحِيدِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنَ التَّفَاصِيلِ الْكَثِيرَةِ مَا يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ إِلَّا عَنْ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَهُمَا، وَمُحَمَّدٌ وَمُوسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ لَمْ يَتَوَاطَآ، بَلْ لَمْ يُوَاطِئْ مُحَمَّدٌ - ﷺ - أَحَدًا مِنَ الرُّسُلِ قَبْلَهُ وَلَا وَاطَأُوهُ.
وَالْخَبَرُ الْكَذِبُ إِمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الْكَذِبَ، وَإِمَّا أَنْ يَغْلَطَ. فَالْكَاذِبَانِ الْمُتَعَمِّدَانِ لِلْكَذِبِ لَا يَتَّفِقَانِ فِي الْقَصَصِ الطَّوِيلَةِ وَالتَّفَاصِيلِ الْعَظِيمَةِ.
وَكَذَلِكَ الْغَالِطَانِ لَا يَتَّفِقُ غَلَطُهُمَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ، بَلِ الِاثْنَانِ مِنْ آحَادِ النَّاسِ إِذَا أَخْبَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ حَالِ بَلْدَةٍ وَأَخْبَرَ الْآخَرُ بِمِثْلِ خَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ عُرِفَ صِدْقُهُمَا، فَكَيْفَ بِالْأُمُورِ الْغَائِبَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ -.
وَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي يُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - مِمَّا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا وَقَعَ فِيهِ النَّسْخُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ لَكِنَّ
[ ٥ / ١٢٢ ]
الْمَنْسُوخَ مِثْلَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الْكِتَابِ نَظِيرُ الْمَنْسُوخِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، فَإِنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَمْ يُنْسَخْ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى وَدَاوُدُ وَالْمَسِيحُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، إِذَا اعْتُبِرَ بِمَا أَمَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وُجِدَ عَامَّةُ ذَلِكَ مُتَّفِقًا لَمْ يُنْسَخْ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَالثَّانِي: الْخَبَرِيَّاتُ؛ وَهَذِهِ قَدِ ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ مُحَمَّدًا خَالَفَ بَعْضَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَنَاقَضَ؛ إِذْ هُمْ - كُلُّهُمْ - صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ رَسُولُ اللَّهِ، عَلِمَ أَنَّ أَخْبَارَهُمْ لَا تَتَنَاقَضُ لَكِنْ قَدْ يُخْبِرُ هَذَا بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ هَذَا؛ فَيَكُونُ فِي أَخْبَارِ أَحَدِهِمْ زِيَادَاتٌ عَلَى أَخْبَارِ غَيْرِهِ لَا مَا يُنَاقِضُ خَبَرَ غَيْرِهِ.
وَمَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِمَّا يُنَاقِضُ خَبَرَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَهُوَ - عَامَّتُهُ - مِمَّا حَرَّفُوا مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلَهُ وَقَلِيلٌ مِنْهُ حُرِّفَ لَفْظُهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ - الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى - مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَقَعَ التَّحْرِيفُ بِهَا، إِمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً فِي تَرْجَمَتِهَا وَفِي تَفْسِيرِهَا وَشَرْحِهَا وَتَأْوِيلِهَا. وَإِنَّمَا تَنَازَعَ النَّاسُ: هَلْ وَقَعَ التَّحْرِيفُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا؟ وَكُلُّ مَا يَدَّعِي فِيهِ مُدَّعٍ أَنَّ مُحَمَّدًا
[ ٥ / ١٢٣ ]
- ﷺ - نَاقَضَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ مُقَدَّمَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: ثُبُوتُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ.
وَالثَّانِي: ثُبُوتُ مَعْنَاهُ.
وَكُلُّ مَنِ احْتَجَّ بِنَقْلٍ عَنْ نَبِيٍّ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ: الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ثُبُوتِ اللَّفْظِ، وَلَابُدَّ لَهُ مِنْ ثُبُوتِ مَعْنَى اللَّفْظِ. وَإِذَا كَانَ النَّقْلُ لَيْسَ بِلُغَةِ النَّبِيِّ، بَلْ بِلُغَةٍ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنَ التَّرْجَمَةِ الصَّحِيحَةِ، وَعَامَّةُ النَّصَارَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ بِلُغَةِ الْأَنْبِيَاءِ.
فَإِنَّ مُوسَى وَالْمَسِيحَ وَمَنْ بَيْنَهُمَا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّمَا كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ.
وَالْمَسِيحُ كَانَ عِبْرَانِيًّا، لَمْ يَتَكَلَّمْ بِغَيْرِ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِغَيْرِهَا، كَالسُّرْيَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ بَعْضُ مَنِ اتَّبَعَهُ. وَجُمْهُورُ
[ ٥ / ١٢٤ ]
النَّصَارَى لَا يُعْرَفُونَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، فَلَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَقْرَءُوا بِالْعِبْرَانِيَّةِ لَا تَوْرَاةَ وَلَا إِنْجِيلًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِذَلِكَ: الرُّومِيَّةَ أَوِ السُّرْيَانِيَّةَ أَوْ غَيْرَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ قَلِيلٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، بِخِلَافِ الْيَهُودِ، فَإِنَّ الْعِبْرَانِيَّةَ فَاشِيَّةٌ فِيهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَمَنِ احْتَجَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ الْمَنْقُولِ بِالرُّومِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ أَوْ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ مَعَ إِثْبَاتِ النَّقْلِ إِلَى إِثْبَاتِ التَّرْجَمَةِ وَصِحَّتِهَا؛ فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَضْطَرِبُونَ فِي التَّرْجَمَةِ وَصِحَّتِهَا وَيَخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَاهَا.
فَهَذِهِ مُقَدَّمَاتٌ ثَلَاثٌ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا فِي كُلِّ مَا يَحْتَجُّونَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّهُ مُعَارِضٌ لَمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَكَيْفَ إِذَا ادَّعَوْا بِهِ تَنَاقُضَهُ لِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ نَبِيًّا أَخْبَرَ بِشَيْءٍ امْتَنَعَ قَطْعًا أَنْ يُخْبِرَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - بِنَقِيضِهِ. فَإِنَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ
[ ٥ / ١٢٥ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ لَفْظُهُ؛ مِثْلَ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ، وَفِيمَا ثَبَتَ لَفْظُهُ مَا لَيْسَ مَعْنَاهُ صَرِيحًا فِي الْمُنَاقَضَةِ، بَلْ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
فَكَمْ مِمَّنْ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْقُرْآنِ، بَلْ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ وَلَا التَّابِعِينَ.
كَمَنْ يَقُولُ: إِنَّ شُعَيْبًا النَّبِيَّ هُوَ كَانَ حَمُو مُوسَى. وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ. وَكَمَنَ يَقُولُ: إِنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَى الْقَرْيَةِ كَانُوا مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ. وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَالْمَنْقُولِ عَنِ الصَّحَابَةِ إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا عُلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَخْبَرَ بِهِ فَقَدْ قَامَتِ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ الْيَقِينِيَّةُ عَلَى صِدْقِهِ وَصِدْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ، أَعْظَمَ مِمَّا قَامَتْ عَلَى صِدْقِ غَيْرِهِ وَصِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ، فَمَهْمَا عَارَضَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ. وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلَى
[ ٥ / ١٢٦ ]
صِحَّةِ ذَلِكَ النَّقْلِ، بَلْ غَايَتُهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا طَرِيقًا ظَنِّيًّا لَا يُفِيدُهُمْ إِلَّا الظَّنَّ، وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ.
فَمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - يُمْكِنُ صَاحِبَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ أَنْ يَعْلَمَهُ عِلْمًا يَقِينًا لَا يَرْتَابُ فِيهِ.
وَمَا يُنَاقِضُهُ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُومَ بِقَلْبِهِ مِنْهُ إِلَّا الظَّنُّ وَالتَّقْلِيدُ، وَكِلَاهُمَا لَا يُنَاقِضُ الْعِلْمَ، فَهَذَا أَصْلٌ جَامِعٌ. ثُمَّ الْعَارِفُ يُعَبِّرُ عَنْهُ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ بِحَسَبِ مَا يُوَصِّلُ مَعْنَاهُ إِلَى ذَلِكَ الْمُخَاطَبِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا ثَبَتَ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ لَهُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَا شَرْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ، وَهَذَا نَعْلَمُهُ مُجْمَلًا.
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَنَقُولُ: مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَقْلِيَّةً وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَمْعِيَّةً؛ أَمَّا الْعَقْلِيَّاتُ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُجَجَ الْعَقْلِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى فَسَادِ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى، أَظْهَرُ مِمَّا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ وَمَنِ احْتَجَّ مِنْهُمْ أَوْ مِنَ الْيَهُودِ بِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ عَلَى مُخَالَفَةِ شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ فَلَهَا أَجْوِبَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ جَاءُوا بِذَلِكَ أَوْ بِأَعْظَمَ مِنْهُ..
[ ٥ / ١٢٧ ]
فَلَا يَقْدَحُ أَحَدٌ بِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ فِي مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِلَّا كَانَ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا بَيَّنَّا فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ، أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ أَحَدٌ فِي الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، إِلَّا أَمْكَنَ أَنْ يَقْدَحَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَبِأَعْظَمَ مِنْهُ فِي عَلِيٍّ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ سَلِيمًا مِنَ الْقَوَادِحِ فِي إِمَامَتِهِ إِلَّا وَالثَّلَاثَةُ أَسْلَمُ مِنْهُ مِمَّا يَقْدَحُ فِي إِمَامَتِهِمْ.
وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدُ بَرَآءً مِمَّا يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ إِلَّا وَمُحَمَّدٌ أَبْرَأُ مِمَّا يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِ. وَهَذَا كَمَا لَوِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، فَيُقَالُ لَهُ: فِي التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ، وَإِذَا احْتَجَّ بِإِنْزَالِ الْمُتَشَابِهَاتِ فَيُقَالُ لَهُ: فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ التَّشَابُهِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ. وَهَلْ ضَلَّتِ
[ ٥ / ١٢٨ ]
النَّصَارَى إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَرْكِ الْمُحْكَمِ؟ .
وَالثَّانِي: أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ الْحُجَّةَ لَا تَصْلُحُ أَنْ يُعَارَضَ بِهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ. كَمَا إِذَا أَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ يَطْعَنُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرَائِعِ بِالرَّأْيِ، بُيِّنَ لَهُ أَنَّ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُعَارَضُ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيَّنَ فَسَادُ تِلْكَ الْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ. إِنْ كَانَتْ مِنْ بَابِ الْخَبَرِيَّاتِ: بُيِّنَ فَسَادُهَا كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ " وَذَكَرْنَا أَنَّ جَمِيعَ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى خِلَافِ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ، فَإِنَّهُ بَاطِلٌ. وَذَكَرْنَا مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ النُّفَاةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَابِ الطَّلَبِيَّاتِ فَهِيَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. فَمَنْ
[ ٥ / ١٢٩ ]
كَانَ فِي مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُعَلِّلُ أَحْكَامَ اللَّهِ وَلَا يَقُولُ: إِنَّ حُسْنَ الْأَفْعَالِ وَقُبْحَهَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، وَلَا يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ فِعْلٍ وَلَا عَنْ حُكْمٍ، بَلْ يُجَوِّزُ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَنْفِي ذَلِكَ بِالْخَبَرِ السَّمْعِيِّ أَوِ الْعَادَةِ، فَهَذَا يُجَابُ بِهَذَا الْجَوَابِ لَكِنَّ عَامَّةَ الْقُلُوبِ وَالْعُقُولِ لَا تَقْبَلُ هَذَا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ: فَنُبَيِّنُ مَا فِي مَأْمُورَاتِهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ، وَمَا فِي مَنْهِيَّاتِهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ وَالضَّرَرِ، وَنُبَيِّنُ رُجْحَانَ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى مَا يُعَارَضُ بِهِ، بَلْ وَنُبَيِّنُ رُجْحَانَ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى سِيَاسَاتِ سَائِرِ الْأُمَمِ، بَلْ وَنُبَيِّنُ رُجْحَانَ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - عَلَى سَائِرِ الشَّرَائِعِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ.
وَأَمَّا إِذَا احْتَجَّ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى مُنَاقَضَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِحُجَّةٍ سَمْعِيَّةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ كَلَامِهِ، أَوْ كَلَامِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، كَانَ الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: لَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تُصَدِّقُوا بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَالطَّرِيقُ
[ ٥ / ١٣٠ ]
الَّذِي بِهَا تُثْبَتُ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِمِثْلِهَا وَبِأَعْظَمَ مِنْهَا. بَلْ نَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّ التَّصْدِيقَ بِنُبُوَّتِهِ أَوْلَى مِنَ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيٍّ فَمُحَمَّدٌ أَحَقُّ بِجِنْسِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَا يُعَارَضُ بِهِ نُبُوَّةُ نَبِيٍّ، فَالْجَوَابُ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَوْلَى مِنَ الْجَوَابِ عَنْ غَيْرِهِ.
فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَفِيمَا يُجَابُ بِهِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، وَهَذِهِ أَكْمَلُ فِي ذَلِكَ. فَيَمْتَنِعُ مَعَ الْعِلْمِ أَوِ الْعَدْلِ أَنْ يُصَدَّقَ بِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ مَعَ التَّكْذِيبِ بِنُبُوَّتِهِ، كَمَا يَمْتَنِعُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ فِي كُلِّ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْمَلُ مِنَ الْآخَرِ فِي فَنٍّ أَنْ يُقَرَّ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْفَنِّ لِلْمَفْضُولِ دُونَ الْفَاضِلِ. وَقَوْلُنَا: مَعَ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ؛ لِأَنَّ الظَّالِمَ يُفَضِّلُ الْمَفْضُولَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مَفْضُولٌ، وَالْجَاهِلَ قَدْ يَعْرِفُ الْمَفْضُولَ، وَلَا يَعْرِفُ الْفَاضِلَ.
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ فَضِيلَةَ مَتْبُوعِهِمْ: إِمَّا فِي الْعِلْمِ أَوِ الْعِبَادَةِ وَلَا يَعْرِفُونَ أَخْبَارَ غَيْرِهِ حَتَّى يُوجَدَ أَقْوَامٌ يُعَظِّمُونَ بَعْضَ
[ ٥ / ١٣١ ]
الْأَتْبَاعِ دُونَ مَتْبُوعِهِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَ التَّابِعِ، وَغَيْرُهُ لَا يَعْرِفُونَهُ. فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ؛ وَلِهَذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ يُرَجِّحُ الْمَفْضُولَ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَخْبَارِ الْفَاضِلِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ، حَتَّى فِي الْمَدَائِنِ، يُفَضِّلُ الْإِنْسَانَ مَدِينَةً يَعْرِفُهَا عَلَى مَدِينَةٍ هِيَ أَكْمَلُ مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَا يَعْرِفُهَا.
وَالْحُكْمُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِالتَّمَاثُلِ أَوِ التَّفَاضُلِ، يَسْتَدْعِي مَعْرِفَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَمَعْرِفَةَ مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّمَاثُلُ وَالتَّفَاضُلُ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَعْلَمُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَكِتَابَهُ أَصَحُّ، أَوْ أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَعْلَمُ مِنَ الْأَخْفَشِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] ..
[ ٥ / ١٣٢ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
وَتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَالْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ.:
أَحَدُهُمَا: فِي كَوْنِ الْمَفْضُولِ يَسْتَحِقُّ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ دُونَ الْفَاضِلِ، وَهَذَا غَايَةُ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ. كَقَوْلِ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ عَلِيًّا كَانَ إِمَامًا عَالِمًا عَادِلًا، وَالثَّلَاثَةَ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُوسَى كَانَ رَسُولًا، وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ. بِخِلَافِ مَنِ اعْتَرَفَ بِاسْتِحْقَاقِ الِاثْنَيْنِ لِلْمَنْزِلَةِ، وَلَكِنْ فَضَّلَ الْمَفْضُولَ، فَهَذَا أَقَلُّ جَهْلًا وَظُلْمًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرْسَلِينَ يَتَفَاضَلُونَ، تَارَةً فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ وَتَارَةً فِي الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَتَارَةً فِي الشَّرَائِعِ وَمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَتَارَةً فِي أُمَمِهِمْ.
فَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ وَعَدْلٌ؛ فَيَنْظُرُ فِي الْقُرْآنِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، أَوْ فِي مُعْجِزَاتِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمُعْجِزَاتِ غَيْرِهِ، أَوْ فِي شَرِيعَتِهِ وَشَرِيعَةِ غَيْرِهِ، أَوْ فِي أُمَّتِهِ وَأُمَّةِ غَيْرِهِ وَجَدَ لَهُ مِنَ التَّفْضِيلِ عَلَى غَيْرِهِ مَا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى مُفْرِطٍ فِي الْجَهْلِ أَوِ الظُّلْمِ.
فَكَيْفَ يُمْكِنُ مَعَ هَذَا أَنْ يُقَالَ: هُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، وَغَيْرُهُ هُوَ النَّبِيُّ الصَّادِقُ؟ ! ..
[ ٥ / ١٣٣ ]
نَعَمْ، كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَعْرِفُوا مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُبَيِّنُ لَهُمْ ذَلِكَ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرَّافِضَةِ لَمْ يَعْرِفُوا مِنْ أَخْبَارِ الثَّلَاثَةِ مَا يُبَيِّنُ لَهُمْ فَضِيلَتَهُمْ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، فَهَؤُلَاءِ فِي الْجَهْلِ، وَطَلَبُ الْعِلْمِ عَلَيْهِمْ فَرْضٌ، خُصُوصًا أَمْرُ النُّبُوَّةِ. فَإِنَّ النَّظَرَ فِي أَمْرِ مَنْ قَالَ:
﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ إِذْ كَانَ التَّصْدِيقُ بِهَذَا مُسْتَلْزِمًا لِغَايَةِ السَّعَادَةِ، وَالتَّكْذِيبُ بِهِ مُقْتَضِيًا لِغَايَةِ الشَّقَاوَةِ، فَبِالرَّسُولِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ وَبَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِهِ.
وَكَمَا يَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَ الْعَقْلِيَّةَ فِي الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ، بِأَنْ يَعْتَبِرَ حَالَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَكِتَابَهُ وَشَرْعَهُ وَأُمَّتَهُ بِحَالِ غَيْرِهِ وَكِتَابِهِ وَشَرْعِهِ، وَيُنْظَرُ هَلْ هُمَا مُتَمَاثِلَانِ أَوْ مُتَفَاضِلَانِ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ، وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ حَالَهُ أَفْضَلُ كَانَ تَصْدِيقُهُ أَوْلَى، وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ صَادِقًا وَهُوَ كَاذِبٌ.
بَلْ لَوْ كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ وَجَبَ كَوْنُهُ صَادِقًا، بَلْ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا مُتَقَارِبَيْنِ وَغَيْرُهُ أَفْضَلُ فَإِنَّ الْمُتَنَبِّيَ الْكَذَّابَ لَا يُقَارِبُ الصَّادِقَ، بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّبَايُنِ مَا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى أَعْمَى النَّاسِ.
وَكَذَلِكَ نَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَ فِي جِنْسِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ
[ ٥ / ١٣٤ ]
السَّلَامُ - مُطْلَقًا وَأُمَمِهِمْ، بِأَنْ تُعْرَفَ أَخْبَارُ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ. وَتُرَى آثَارُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ - حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩ - ١١١] .
وَقَالَ - تَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَ آلَ فِرْعَوْنَ.:.
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] .
وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى - عَنْ عَادٍ:
[ ٥ / ١٣٥ ]
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى - عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ:
﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] .
وَإِذَا ذُكِرَ الْأَنْبِيَاءُ - ﵈ - قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] .
﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] .
﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ..
[ ٥ / ١٣٦ ]
﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] .
وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، فَيَذْكُرُ مِنْ حَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمَا حَصَلَ لِلْكَفَّارِ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْعَذَابِ، مَا بَيَّنَ حُسْنَ حَالِ هَؤُلَاءِ وَقُبْحَ حَالِ هَؤُلَاءِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ مَنِ اعْتَبَرَ حَالَ أَهْلِ الْمِلَلِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَحَالَ غَيْرِهِمْ فِي الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ حَالَ أَهْلِ الْمِلَلِ أَكْمَلُ بِمَا لَا يُحْصَى. وَإِذَا نَظَرَ مَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، كَحِكْمَةِ الْهِنْدِ وَالْيُونَانِ وَالْعَرَبِ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْفُرْسِ.
[ ٥ / ١٣٧ ]
وَغَيْرِهِمْ، وَجَدَ مَا عِنْدَهُمْ بَعْضَ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَلِ، مِنَ الْحِكْمَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عُلَمَاءُ الْيُونَانِ وَالْهِنْدِ وَنَحْوِهِمْ عَلَى حَقٍّ وَهُدًى، وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى بَاطِلٍ وَضَلَالٍ. وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ لَهَا عِلْمٌ نَافِعٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ وَأَهْلُ الْمِلَلِ لَيْسُوا كَذَلِكَ.
فَفِي الْجُمْلَةِ: لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ: مِنْ حِكْمَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَعَمَلِيَّةٍ، إِلَّا وَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْمِلَلِ أَكْمَلُ، وَلَا يُوجَدُ فِي أَهْلِ الْمِلَلِ شَرٌّ إِلَّا وَهُوَ فِي غَيْرِهِمْ أَكْثَرُ.
وَهَؤُلَاءِ فَلَاسِفَةُ الْيُونَانِ، الَّذِينَ قَدْ شُهِرُوا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِاسْمِ الْحِكْمَةِ، وَحِكْمَتُهُمْ كَحِكْمَةِ سَائِرِ الْأُمَمِ، نَوْعَانِ: فِطْرِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ؛ وَالْعَمَلِيَّةُ فِي الْأَخْلَاقِ وَسِيَاسَةِ الْمَنْزِلِ وَسِيَاسَةِ الْمَدَائِنِ، وَكُلُّ مَنْ تَأَمَّلَ مَا عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ مِنْ سِيَاسَةِ الْأَخْلَاقِ وَالْمَنْزِلِ وَالْمَدَائِنِ وَجَدَهُ خَيْرًا مِمَّا عِنْدَ أُولَئِكَ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ.
فَإِنَّ أُولَئِكَ عُمْدَةُ أَمْرِهِمْ: الْكَلَامُ عَلَى قُوَى النَّفْسِ الشَّهَوِيَّةِ.
[ ٥ / ١٣٨ ]
وَالْغَضَبِيَّةِ، وَقُوَّةِ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، كَأُمُورٍ مِنْ جِنْسِ آدَابِ الْعُقَلَاءِ، لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَمِنْ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ وَالَّذِي عِنْدَهُمْ مِنَ الْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْحِسَابِيَّةِ، لَيْسَ مِمَّا يَنْفَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَّا أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى مَا يَنْفَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالَّذِي عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ قَلِيلٌ جِدًّا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ الْكَثِيرِ.
وَكُلُّ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ، فَهُوَ جُزْءٌ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ - ﵈ - فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْمُسَمَّوْنَ بِالْحُكَمَاءِ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى حَقٍّ فِي الِاعْتِقَادِ، وَصِدْقٍ فِي الْأَقْوَالِ وَخَيْرٍ فِي الْأَعْمَالِ كَمَا هُوَ غَايَةُ مَطْلُوبِهِمْ. وَالْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ لَيْسُوا كَذَلِكَ.
وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَنْ يُعْرَفُ مِنْ خَاصَّةِ هَؤُلَاءِ وَعَامَّتِهِمْ، وَخَاصَّةِ هَؤُلَاءِ وَعَامَّتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ مَا بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، فَالِاعْتِبَارُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ.
قَالَ - تَعَالَى -:
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ بِالِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ وَالْمُوَازَنَةِ يُوزَنُ الشَّيْءُ
[ ٥ / ١٣٩ ]
بِمَا يُنَاظِرُهُ، وَيُعْتَبَرُ بِهِ قِيَاسُ الطَّرْدِ وَقِيَاسُ الْعَكْسِ.
فَيَظْهَرُ لِكُلِّ مَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمِلَلِ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لِأُولَئِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا يُنَاسِبُ أَحْوَالَهُمْ. وَحُكَمَاؤُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّهِمْ، وَهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْكُفَّارِ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ خَيْرٌ أَصْلًا وَهَذَا مِمَّا اسْتَفَادُوهُ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِمْ وَأَعْلَامِ رِسَالَتِهِمُ اسْتِدْلَالًا بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ وَبِالْمَعْلُولِ عَلَى عِلَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ تَدَبَّرَ حَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، تَبَيَّنَ لَهُ رُجْحَانُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَعْلَامِ رِسَالَتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ النُّبُوَّةَ تُعْلَمُ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَذَكَرَنَا طُرُقًا مُتَعَدِّدَةً فِي مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ وَالْمُتَنَبِّي الْكَذَّابِ، غَيْرَ طَرِيقِ
[ ٥ / ١٤٠ ]
الْمُعْجِزَاتِ. فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّمَا قَوِيَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ يَسَّرَ اللَّهُ أَسْبَابَهُ كَمَا يَتَيَسَّرُ مَا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَيْهِ فِي أَبْدَانِهِمْ أَشَدَّ.، فَلَمَّا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى النَّفَسِ وَالْهَوَاءِ أَعْظَمَ مِنْهَا إِلَى الْمَاءِ، كَانَ مَبْذُولًا لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَمَّا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى الْمَاءِ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْقُوتِ، كَانَ وُجُودُ الْمَاءِ أَكْثَرَ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ أَعْظَمَ، كَانَتْ آيَاتُهُ وَدَلَائِلُ رُبُوبِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَمَّا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرُّسُلِ بَعْدَ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَقَامَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِهِمْ وَشَوَاهِدِ نُبُوَّتِهِمْ وَحُسْنِ حَالِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ وَسَعَادَتِهِ وَنَجَاتِهِ، وَبَيَانِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقُبْحِ حَالِ مَنْ خَالَفَهُمْ وَشَقَاوَتِهِ وَجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ - مَا يَظْهَرُ لِمَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنِ اعْتِبَارِ الشَّيْءِ بِنُظَرَائِهِ وَمُوَافَقِيهِ وَأَشْبَاهِهِ، وَاعْتِبَارِهِ بِأَضْدَادِهِ وَمُخَالِفِيهِ، حَتَّى يُعْرَفَ فِي الْمُتَشَابِهِينَ أَيُّهُمْ أَكْمَلُ
[ ٥ / ١٤١ ]
وَأَفْضَلُ، وَفِي الْمُخْتَلِفِينَ أَيُّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَالْهُدَى، وَالْعَدْلُ مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ عِلْمِهَا وَعَمَلِهَا، كَعِلْمِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَمْتَنِعُ - مَعَ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ - أَنْ يُقَالَ: جَالِينُوسُ كَانَ طَبِيبًا، وَأَبُقْرَاطُ لَمْ يَكُنْ طَبِيبًا، أَوْ أَنْ يُقَالَ: تَامِيطُمْيُوسُ كَانَ فَيْلَسُوفًا، وَأَرِسْطُو لَمْ يَكُنْ فَيْلَسُوفًا، أَوْ أَنْ يُقَالَ: الْأَخْفَشُ كَانَ نَحْوِيًّا وَسِيبَوَيْهِ لَمْ يَكُنْ نَحْوِيًّا، أَوْ أَنْ يُقَالَ: زُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ كَانُوا فُقَهَاءَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا، أَوْ أَنَّ أَشْهَبَ
[ ٥ / ١٤٢ ]
وَابْنَ الْقَاسِمِ، وَابْنَ وَهْبٍ كَانُوا فُقَهَاءَ، وَمَالِكٌ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا، أَوْ أَنَّ الْمُزَنِيَّ وَالْبُوَيْطِيَّ وَحَرْمَلَةَ كَانُوا فُقَهَاءَ، وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا، وَأَنَّ أَبَا دَاوُدَ وَإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ.
[ ٥ / ١٤٣ ]
وَأَبَا بَكْرٍ الْأَثْرَمَ كَانُوا فُقَهَاءَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا، أَوْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِمَامَ عَدْلٍ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَكُونُوا يَكُونَا إِمَامَيْ عَدْلٍ، أَوْ أَنَّ نُورَ الدِّينِ الشَّهِيدَ كَانَ عَادِلًا، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَكُنْ عَادِلًا، أَوْ أَنَّ كُوشْيَارَ كَانَ يَعْلَمُ الْهَيْئَةَ، وَبَطْلَيْمُوسَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ
[ ٥ / ١٤٤ ]
الْهَيْئَةَ، أَوْ أَنَّ النَّابِغَةَ الْجَعْدِيَّ كَانَ شَاعِرًا، وَالنَّابِغَةَ الذُّبْيَانِيَّ لَمْ يَكُنْ شَاعِرًا، أَوْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْقَمَرَ مُسْتَنِيرٌ، وَالشَّمْسَ لَيْسَتْ مُسْتَنِيرَةً، أَوْ أَنَّ عُطَارِدَ نَجْمٌ ثَاقِبٌ، وَزُحَلُ لَيْسَ بِنَجْمٍ ثَاقِبٍ، أَوْ أَنَّ مُسْلِمًا كَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ، وَالْبُخَارِيَّ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، أَوْ أَنَّ كِتَابَهُ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ. وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهُ.
[ ٥ / ١٤٥ ]
[فَصْلٌ: اشْتِرَاطُهُمْ لِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ تَبْشِيرُ الْأَنْبِيَاءِ بِهَا وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ]
فَصْلٌ
وَالنَّصَارَى لَهُمْ سُؤَالٌ مَشْهُورٌ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: مُحَمَّدٌ - ﷺ - لَمْ تُبَشِّرْ بِهِ النُّبُوَّاتُ بِخِلَافِ الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ بَشَّرَتْ بِهِ النُّبُوَّات " وَزَعَمُوا أَنْ مَنْ لَمْ تُبَشِّرْ بِهِ، فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ وَهَذَا السُّؤَالُ يُورَدُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَبِيًّا حَتَّى تُبَشِّرَ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ بَشَّرَتْ بِهِ أَفْضَلُ أَوْ أَكْمَلُ، مِمَّنْ لَمْ تُبَشِّرْ بِهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا طَرِيقٌ يُعَرَفُ بِهِ نُبُوَّةُ الْمَسِيحِ، اخْتُصَّ بِهِ.
وَأَنْتُمْ قَدْ قُلْتُمْ: " مَا مِنْ طَرِيقٍ تَثْبُتُ بِهِ نُبُوَّةُ نَبِيٍّ إِلَّا وَمُحَمَّدٌ تَثْبُتُ نُبُوَّتُهُ بِمِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقِ وَأَفْضَلَ " فَأَمَّا هَذَا الثَّانِي، فَيَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ نُجِيبُهُمْ عَنْهُ أَيْضًا. لَكِنْ هَلْ تَجِبُ الْإِجَابَةُ عَنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّهُ: هَلْ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ الْإِشْعَارُ بِالْمَنْسُوخِ؟ وَلِنُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ قَوْلَانِ:.
[ ٥ / ١٤٦ ]
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ إِذَا شَرَعَ حُكْمًا يُرِيدُ أَنْ يَنْسَخَهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُشْعِرَ الْمُخَاطَبِينَ بِأَنَّهُ سَيَنْسَخُهُ؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا دَوَامَهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا لَهُمْ.
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا، فَمَنْ بُعِثَ بَعْدَ مُوسَى، هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبَشَّرًا بِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَبِكُلِّ حَالٍ، فَلَا رَيْبَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ - ﵇ - بَشَّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ - كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] .
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
[ ٥ / ١٤٧ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] .
فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ أَحَدُهُمَا فِي التَّوْحِيدِ وَالْقُرْآنِ، وَالْآخَرُ فِي الْقِبْلَةِ، وَالْقُرْآنِ وَمُحَمَّدٍ.
فَقَالَ فِي الْأَوَّلِ:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ - الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٩ - ٢٠] ..
[ ٥ / ١٤٨ ]
وَهَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ - وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ -:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ - وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ - الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٤ - ١٤٧] ..
[ ٥ / ١٤٩ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] .
[ ٥ / ١٥٠ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا - وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ - أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ..
[ ٥ / ١٥١ ]
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُقَالُ: مَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ نُبُوَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ أَنْ يُبَشِّرَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ؛ إِذِ النُّبُوَّةُ ثَابِتَةٌ بِدُونِ ذَلِكَ، لَاسِيَّمَا وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَغَيْرُهُمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ بَشَّرَ بِهِمَا مَنْ قَبْلَهُمَا، وَكَذَا عَامَّةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ قَامُوا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ تَتَقَدَّمْ بِهِمْ بِشَارَاتٌ؛ إِذْ كَانُوا لَمْ يُبْعَثُوا بِشَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ، كداودَ وَأَشْعَيَا وَغَيْرِهِمَا.
وَإِنَّمَا قَدْ يُدَّعَى هَذَا فِيمَنْ جَاءَ بِنَسْخِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، كَمَا جَاءَ الْمَسِيحُ بِنَسْخِ بَعْضِ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ. فَفِي مِثْلِ هَذَا يَتَنَازَعُ الْمُتَنَازِعُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ: هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَحِينَئِذٍ فَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَمْ تَشْرَعْ شَرْعًا مُطْلَقًا، بَلْ مُقَيَّدًا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَهَذَا مِثْلُ الْحُكْمِ الْمُؤَقَّتِ بِغَايَةٍ لَا يُعْلَمُ مَتَى تَكُونُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] .
[ ٥ / ١٥٢ ]
وَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ.
وَهَلْ يُسَمَّى هَذَا نَسْخًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: لَا يُسَمَّى نَسْخًا، كَالْغَايَةِ الْمَعْلُومَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
فَإِنَّ ارْتِفَاعَ وُجُوبِ الصِّيَامِ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ.
فَقِيلَ: إِنَّ الْغَايَةَ الْمَجْهُولَةَ كَالْمَعْلُومَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا يُسَمَّى نَسْخًا. وَلَكِنَّ هَذَا النَّسْخَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَثُبُوتُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا - لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحُكْمِ الْمُطْلَقِ. وَالشَّرَائِعُ الْمُتَقَدِّمَةُ لَمْ تُشْرَعْ مُطْلَقًا.
وَسَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّ الْإِشْعَارَ بِالنَّاسِخِ وَاجِبٌ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ قَدْ أَشْعَرَ أَهْلَ الشَّرْعِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ سَيُنْسَخُ. فَإِنَّ مُوسَى بَشَّرَ بِالْمَسِيحِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَمُوسَى وَالْمَسِيحُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَشَّرُوا بِمُحَمَّدٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْوَاقِعَ فَنُبُوَّةُ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسْخِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ.
وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ الْعِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى
[ ٥ / ١٥٣ ]
الْعِلْمِ بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُمَا بَشَّرَ بِهِمَا، بَلْ طُرُقُ الْعِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ مُتَعَدِّدَةٌ. فَإِذَا عُرِفَتْ نُبُوَّتُهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ عِنْدَ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ بَشَّرَ بِهِ. لَكِنْ يُقَالُ: إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ أَوِ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِخْبَارِ مَنْ قَبْلَهُ بِمَجِيئِهِ وَأَنَّ الْإِشْعَارَ بِنَسْخِ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ وَاجِبٌ أَوْ وَاقِعٌ صَارَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي النُّبُوَّةِ، وَمَنْ عَلِمَ نُبُوَّتَهُ عَلِمَ أَنَّ هَذَا قَدْ وَقَعَ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْهِ.
فَإِذَا قَالَ الْمُعَارِضُ: عَدَمُ إِخْبَارِ مَنْ قَبْلَهُ بِهِ يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ، وَالْإِخْبَارُ شَرْطٌ فِي النُّبُوَّةِ، كَانَ ذَلِكَ قَدْحًا - قِيلَ: الْجَوَابُ هُنَا مِنْ طَرِيقَيْنِ:.
أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ: إِذَا عُلِمَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَا قَامَ عَلَيْهَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَبْشِيرُ مَنْ قَبْلَهُ لَازِمًا لِنُبُوَّتِهِ وَاجِبًا أَوْ أَوْ وَاقِعًا، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَازِمًا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلِمْنَاهُ وَوَصَلَ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَسِيحُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَصَلَ إِلَيْنَا، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ لَمْ يَلْزَمْ أَنَّ الْمَسِيحَ وَمَنْ قَبْلَهُ لَمْ يَذْكُرُوهُ، بَلْ يُمْكِنُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ وَمَا نُقِلَ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ كَانَ فِي كُتُبٍ غَيْرِ هَذِهِ، وَيُمَكِنُ أَنَّهُ كَانَ فِي نُسَخٍ غَيْرِ هَذِهِ النُّسَخِ فَأُزِيلَ مِنْ
[ ٥ / ١٥٤ ]
بَعْضِهَا، وَنُسِخَتْ هَذِهِ مِمَّا أُزِيلَ مِنْهُ، وَتَكُونُ تِلْكَ النُّسَخُ الَّتِي هُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا غَيْرَ هَذِهِ، فَكُلُّ هَذَا مُمْكِنٌ فِي الْعَادَةِ لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِنَفْيِهِ.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ الْيَوْمَ بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يُقْطَعْ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُبَشِّرُوا بِهِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنُ لِلْيَهُودِ أَنْ يَقْطَعُوا بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَلَا يُمْكِنُ أَهْلَ الْكِتَابِ أَنْ يَقْطَعُوا بِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ عِلْمٌ بِعَدَمِ ذَلِكَ، بَلْ غَايَةُ مَا يَكُونُ عِنْدَ أَحَدِهِمْ ظَنٌّ لِكَوْنِهِ طَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْهُ.
وَدَلَائِلُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ قَطْعِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ، لَا يُمْكِنُ الْقَدْحُ فِيهَا بِظَنٍّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ لَا يَدْفَعُ الْيَقِينَ، لَاسِيَّمَا مَعَ الْآثَارِ الْكَثِيرَةِ الْمُخْبِرَةِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ مَكْتُوبًا بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ فِيمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: " أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ "، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَسْتَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا تَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ تَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ وَتَعْفُو وَتَغْفِرُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ.
[ ٥ / ١٥٥ ]
الْمَوْجَاءَ، فَأَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا، بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَلَفْظُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَالزَّبُورِ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْكُتُبُ الْمُعَيَّنَةُ، وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَيُعَبَّرُ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَنِ الزَّبُورِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: " «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ فَكَانَ مَا بَيْنَ أَنْ تُسْرَجَ دَابَّتُهُ إِلَى أَنْ يَرْكَبَهَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ» " وَالْمُرَادُ بِهِ قُرْآنُهُ وَهُوَ الزَّبُورُ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنَ الَّذِي لَمْ يُنَزَّلْ إِلَّا عَلَى مُحَمَّدٍ.
وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ: " أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ " فَسَمَّى الْكُتُبَ الَّتِي يَقْرَءُونَهَا - وَهِيَ الْقُرْآنُ - أَنَاجِيلَ.
[ ٥ / ١٥٦ ]
وَكَذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ: " إِنِّي سَأُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِمْ أُنَزِّلُ عَلَيْهِ تَوْرَاةً مِثْلَ تَوْرَاةِ مُوسَى " فَسَمَّى الْكِتَابَ الثَّانِيَ تَوْرَاةً.
فَقَوْلُهُ: " أَخْبِرْنِي بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ " قَدْ يُرَادُ بِهَا نَفْسُ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كُلِّهَا، وَكُلُّهَا تُسَمَّى تَوْرَاةَ، وَيَكُونُ هَذَا فِي بَعْضِهَا.
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ التَّوْرَاةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ هَذَا فِي نُسْخَةٍ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا هَذِهِ النُّسَخُ، فَإِنَّ النُّسَخَ الْمَوْجُودَةَ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا لَيْسَ فِيهَا هَذَا.
لَكِنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ فِي نُبُوَّةِ أَشْعَيَا، قَالَ فِيهَا: " عَبْدَيِ الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي، أُنَزِّلُ عَلَيْهِ وَحْيِي، فَيُظْهِرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي وَيُوصِيهِمْ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ فِي الْأَسْوَاقِ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُورَ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِي الْقُلُوبَ الْغُلْفَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا، يَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا جَدِيدًا يَأْتِي مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ، وَتَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَسُكَّانُهَا يُهَلِّلُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ رَابِيَةٍ، لَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ وَلَا يَمِيلُ إِلَى الْهَوَى، مُشْقِحٌ وَلَا يَذِلُّ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ كَالْقَصَبَةِ
[ ٥ / ١٥٧ ]
الضَّعِيفَةِ، بَلْ يُقَوِّي الصِّدِّيقِينَ، وَهُوَ رُكْنُ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَى. أَثَرُ سُلْطَانِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ ".
وَهَذِهِ صِفَاتٌ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأُمَّتِهِ، وَهِيَ مِنْ أَجَلِّ بِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِهِ.
وَلَفْظُ التَّوْرَاةِ قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْكُتُبِ الَّتِي يُقِرُّ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الزَّبُورُ، وَنُبُوَّةُ أَشْعَيَا، وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ غَيْرَ الْإِنْجِيلِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِلَفْظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي الْقُرْآنِ هَذَا الْمَعْنَى؛ فَلَا رَيْبَ أَنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّ فِي التَّوْرَاةِ كَثِيرٌ مُتَعَدِّدٌ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي مِنَ الْجَوَابِ: أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ بَشَّرُوا بِهِ. وَهَذَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَعَلَمٌ عَظِيمٌ مِنْ أَعْلَامِ رِسَالَتِهِ، وَهَذَا - أَيْضًا - يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ إِذْ أَخْبَرَ بِأَنْبَاءٍ مِنَ الْغَيْبِ مَعَ دَعْوَى
[ ٥ / ١٥٨ ]
النُّبُوَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لِإِخْبَارِ مَنْ تَثْبُتُ نُبُوَّتُهُ بِنُبُوَّتِهِ. هَذَا إِذَا وُجِدَ الْخَبَرُ مِمَّنْ لَا نَعْلَمُ نَحْنُ نُبُوَّتَهُ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابِنَا.
وَأَمَّا مَنْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ بِطُرُقٍ أُخْرَى كَمُوسَى وَالْمَسِيحِ، فَهَذَا مِمَّا تَظَاهَرَ فِيهِ الْأَدِلَّةُ عَلَى الْمَدْلُولِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ - أَيْضًا - يَتَضَمَّنُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَتْ بِهِ نُبُوَّةُ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ تَثْبُتُ بِهِ نُبُوَّتُهُ، وَهُوَ جَوَابٌ ثَانٍ لِمَنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ شَرْطًا لَازِمًا لِنُبُوَّتِهِ.
[ ٥ / ١٥٩ ]
[فَصْلٌ: طُرُقُ الْعِلْمِ بِبِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِمُحَمَّدٍ ﵊]
فَصْلٌ
ثُمَّ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ بَشَّرُوا بِهِ يُعْلَمُ مِنْ وُجُوهٍ.:.
أَحَدُهَا: مَا فِي الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ الْيَوْمَ بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ.
الثَّانِي: إِخْبَارُ مَنْ وَقَفَ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ - مِمَّنْ أَسْلَمَ وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ - بِمَا وَجَدُوهُ مِنْ ذِكْرِهِ فِيهَا.
وَهَذَا مِثْلُ مَا تَوَاتَرَ عَنِ الْأَنْصَارِ أَنَّ جِيرَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا يُخْبِرُونَ بِمَبْعَثِهِ، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ عِنْدَهُمْ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا دَعَا الْأَنْصَارَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى آمَنَ الْأَنْصَارُ بِهِ وَبَايَعُوهُ مِنْ غَيْرِ رَهْبَةٍ وَلَا رَغْبَةٍ.
وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْمَدِينَةَ فُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ، لَمْ تَفْتَحْ بِالسَّيْفِ كَمَا فُتِحَ غَيْرُهَا.
[ ٥ / ١٦٠ ]
وَمِثْلُ مَا تَوَاتَرَ عَنْ إِخْبَارِ النَّصَارَى بِوُجُودِهِ فِي كُتُبِهِمْ مِثْلَ إِخْبَارِ هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ وَالْمُقَوْقَسِ مَلِكِ مِصْرَ صَاحِبِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَالنَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَالَّذِينَ جَاءُوهُ بِمَكَّةَ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ عَنِ الْيَهُودِ.:.
﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وَقَالَ عَنِ النَّصَارَى:
[ ٥ / ١٦١ ]
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] .
وَقَوْلُهُ:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص: ٥٢] .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا
[ ٥ / ١٦٢ ]
مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ "، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَدَاوُدُ بْنُ سَلَمَةَ: " يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ وَتُخْبِرُونَا بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ "، فَقَالَ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، أَخُو بَنِي النَّضِيرِ، " مَا جَاءَنَا شَيْءٌ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ بِالَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ "..
[ ٥ / ١٦٣ ]
فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُ: " كَانُوا - يَعْنِي الْيَهُودَ - إِذَا اسْتَنْصَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا، حَتَّى نُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَنَقْتُلَهُمْ " فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا
[ ٥ / ١٦٤ ]
لِلْعَرَبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الظَّفَرِيِّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: " وَمِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ - مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُدَاهُ - أَنَّا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا: قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَتْبَعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ - ﷺ - رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَجَبْنَا حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَنَا بِهِ فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ، فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ
[ ٥ / ١٦٥ ]
الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ.:.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .
قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: " وَحَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ، أَعْقِلُ كُلَّ مَا سَمِعْتُ، إِذْ سَمِعْتُ يَهُودِيًّا يَقُولُ عَلَى أُطُمِ
[ ٥ / ١٦٦ ]
يَثْرِبَ، يَصْرُخُ: " يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ " فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ قَالُوا: " مَا لَكَ وَيْلَكَ " قَالَ: " طَلَعَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي يُبْعَثُ اللَّيْلَةَ ".
وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ: " «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ مُرْدِفِي ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي يَوْمٍ حَارٍّ مِنْ أَيَّامِ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى الْوَادِي لَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: " يَا ابْنَ عَمْرٍو، مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنَفُوكَ؟ ".
[ ٥ / ١٦٧ ]
قَالَ: " أَمَا وَاللَّهِ، إِنَّ ذَلِكَ لِغَيْرِ ثَائِرَةٍ كَانَتْ مِنِّي فِيهِمْ لَكِنْ أَرَاهُمْ عَلَى ضَلَالٍ " فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ، فَأَتَيْتُ إِلَى أَحْبَارِ يَثْرِبَ، فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي. فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ أَحْبَارَ خَيْبَرَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَقَالَ لِي حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ: " إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلَّا شَيْخٌ بِالْجَزِيرَةِ ". فَخَرَجْتُ فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي خَرَجْتُ لَهُ، فَقَالَ: " إِنَّ كُلَّ مَنْ رَأَيْتَ فِي ضَلَالَةٍ فَمَنْ أَنْتَ "، قُلْتُ: " أَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللَّهِ، وَمِنْ أَهْلِ الشَّوْكِ وَالْقَرْظِ ".
فَقَالَ: " إِنَّهُ قَدْ خَرَجَ فِي بَلَدِكَ نَبِيٌّ - أَوْ: خَارِجٌ - قَدْ خَرَجَ نَجْمُهُ، فَارْجِعْ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ وَآمِنْ بِهِ، فَرَجَعْتُ فَلَمْ أُحِسَّ شَيْئًا بَعْدُ، قَالَ:
[ ٥ / ١٦٨ ]
" فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَعِيرَهُ، فَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ السُّفْرَةَ " قَالَ زَيْدٌ: " مَا آكُلُ شَيْئًا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ " فَتَفَرَّقَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَطَافَ بِالْبَيْتِ. قَالَ زَيْدٌ: وَأَنَا مَعَهُ، وَكَانَ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا: (إِسَافٌ) وَ(نَائِلَةُ) مُسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةِ، يَتَمَسَّحُ بِهِمَا النَّاسُ إِذَا طَافُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " لَا تَمَسُّهُمَا وَلَا تَمَسَّحْ بِهِمَا ".
قَالَ زَيْدٌ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي - وَقَدْ طُفْنَا - لَأَمَسَّنَّهُمَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ، فَمَسَسْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " أَلَمْ تُنْهَهْ؟ " فَلَا وَالَّذِي أَكْرَمَهُ، مَا مَسَسْتُهُمَا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ» .
«وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ» .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ خُرُوجِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو قَرِيبًا مِنْ هَذَا
[ ٥ / ١٦٩ ]
اللَّفْظِ.
وَقَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، قَالَ:
[ ٥ / ١٧٠ ]
كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا يَهُودِيٌّ، فَخَرَجَ عَلَى نَادِي قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَذَكَرَ الْبَعْثَ وَالْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ وَثَنٍ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ مَوْتٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالُوا: " وَيْحَكَ يَا فُلَانُ - أَوْ: وَيْلَكَ - وَهَذَا كَائِنٌ، أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ يُجْزَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ "، قَالَ: " نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَنْ تُوقِدُوا أَعْظَمَ تَنُّورٍ فِي دَارِكُمْ فَتَحْمُونَهُ ثُمَّ تَقْذِفُونِي فِيهِ ثُمَّ تُطَيِّنُونَ عَلَيَّ وَأَنِّي أَنْجُو مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا. فَقِيلَ: يَا فُلَانُ، فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِنْ نَاحِيَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ " وَأَشَارَ إِلَى مَكَّةَ وَالْيَمَنِ بِيَدِهِ، قَالُوا: " فَمَتَى تَرَاهُ؟ " فَرَمَى بِطَرَفِهِ فَرَآنِي وَأَنَا
[ ٥ / ١٧١ ]
مُضْطَجِعٌ بِفَنَاءِ بَابِ أَهْلِي وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: " إِنْ يَسْتَنْفِذْ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ " فَمَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ، وَإِنَّهُ لَحَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَآمَنَّا بِهِ وَصَدَّقْنَاهُ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا فُلَانُ أَلَسْتَ الَّذِي قُلْتَ مَا قُلْتَ وَأَخْبَرْتَنَا؟ قَالَ: لَيْسَ بِهِ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - «أَنَّ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ أَبَاهُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ يَا يَهُودِيُّ أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ صِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ الْفَتَى: " بَلَى وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتُكَ وَمَخْرَجَكَ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - أَقِيمُوا هَذَا مِنْ عِنْدِ
[ ٥ / ١٧٢ ]
رَأْسِهِ، وَلُوا أَخَاكُمْ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَقَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي عَمَّا كَانَ إِسْلَامُ أُسَيْدٍ وَثَعْلَبَةَ ابْنَيْ
[ ٥ / ١٧٣ ]
سَعْيَةَ، وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ، نَفَرٍ مِنْ هَدْلٍ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي النَّضِيرِ، كَانُوا فَوْقَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ مِنْ يَهُودَ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْهَيَّبَانِ، فَأَقَامَ عِنْدَنَا، وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ خَيْرًا مِنْهُ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِسِنِينَ، وَكُنَّا إِذَا أَقْحَطْنَا وَقَلَّ عَلَيْنَا الْمَطَرُ، نَقُولُ: يَا ابْنَ الْهَيَّبَانِ اخْرُجْ فَاسْتَسْقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا أَمَامَ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً، فَنَقُولُ كَمْ؟ فَيَقُولُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، فَنُخْرِجُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ
[ ٥ / ١٧٤ ]
فَنَسْتَقِي، فَوَاللَّهِ مَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى تَمُرَّ الشِّعَابُ. قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةٍ، فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: " فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَنِي أَتَوَقَّعُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، هَذِهِ الْبِلَادُ مُهَاجَرُهُ، فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تُسْتَبَقُنَّ إِلَيْهِ إِذَا خَرَجَ، يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَبِسَبْيِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ، وَلَا يَمْنَعَنَّكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ " ثُمَّ مَاتَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الَّتِي فُتِحَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ، قَالَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ الْفِتْيَةُ - وَكَانُوا شُبَّانًا أَحْدَاثًا -: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ وَاللَّهِ إِنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الْهَيَّبَانِ، فَقَالُوا: مَا هُوَ بِهِ، قَالُوا: " بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لِصِفَتُهُ " ثُمَّ نَزَلُوا فَأَسْلَمُوا وَخَلَّوْا أَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ
[ ٥ / ١٧٥ ]
وَأَهَالِيَهُمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فُتِحَ الْحِصْنُ رُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، لَمَّا حَدَّثَهُ عَنْ هِرَقْلَ - وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ - وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ هِرَقْلَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ حَقًّا، إِنَّهُ نَبِيٌّ، قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ.
وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِهِ، وَقَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ.
[ ٥ / ١٧٦ ]
حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَنَظَرَ فَقَالَ: إِنَّ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: تَخْتَتِنُ الْيَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَابْعَثْ إِلَى مَنْ فِي مَمْلَكَتِكَ مِنَ الْيَهُودِ فَيَقْتُلُوهُمْ. ثُمَّ وَجَدَ إِنْسَانًا مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ: انْظُرُوا أَمُخْتَتَنٌ هُوَ؟ فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ مُخْتَتَنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: يَخْتَتِنُونَ. وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ بِرُومِيَّةَ صَاحِبٌ لَهُ كَانَ هِرَقْلُ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَصَارَ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ مِنْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَهُ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَنَّهُ نَبِيٌّ.
وَكَذَلِكَ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، لَمَّا هَاجَرَ الصَّحَابَةُ إِلَيْهِ، لَمَّا آذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَخَافُوا أَنْ يَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَقَرَءُوا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَأَخَذَ عُودًا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، فَقَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ. اذْهَبُوا
[ ٥ / ١٧٧ ]
فَأَنْتُمْ سِيُومٌ بِأَرْضِي. يَعْنِي أَنْتُمْ آمِنُونَ. وَقَالَ هَذَا لِأَنَّ قُرَيْشًا أَرْسَلُوا هَدَايَا إِلَيْهِ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: " هَؤُلَاءِ فَارَقُوا دِينَنَا وَخَالَفُوا دِينَكَ ".
وَفِي الصَّحِيحِ، حَدِيثُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الَّذِي تَرْوِيهِ عَائِشَةُ - ﵂ - فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنَ النَّوْمِ، وَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتَ الْعَدَدِ - إِلَى أَنْ قَالَتْ - فَأَتَتْ بِهِ خَدِيجَةُ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، فَقَالَتِ: اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، لَيْتَنِي
[ ٥ / ١٧٨ ]
كُنْتُ جَذَعًا أَنْصُرُكَ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِي، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا " ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ» .
[ ٥ / ١٧٩ ]
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عِشْرُونَ رَجُلًا - أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ - وَهُوَ بِمَكَّةَ مِنَ النَّصَارَى حِينَ ظَهَرَ خَبَرُهُ بِالْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَجْلِسِ فَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَمَّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى اللَّهِ - ﷿ - وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوا فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ ثُمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا مِنْ عِنْدِهِ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ، بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينكُمْ لِتَرْتَادُوا لَهُمْ فَتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ لَكُمْ؟ ! مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ - أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُمْ - فَقَالُوا: " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ". وَيُقَالُ: فِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٢]» .
[ ٥ / ١٨٠ ]
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهَا سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي جُبَيْرًا يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَظَهَرَ أَمْرُهُ بِمَكَّةَ خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا
[ ٥ / ١٨١ ]
كُنْتُ بِبُصْرَى، أَتَتْنِي جَمَاعَةٌ مِنَ النَّصَارَى فَقَالُوا لِي: أَمِنَ الْحَرَمِ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: فَتَعْرِفُ هَذَا الَّذِي تَنَبَّأَ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا بِيَدِي فَأَدْخَلُونِي دَيْرًا لَهُمْ فِيهِ تَمَاثِيلُ وَصُوَرٌ، فَقَالُوا لِي: انْظُرْ هَلْ تَرَى صُورَةَ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ صُورَتَهُ، قُلْتُ: لَا أَرَى صُورَتَهُ.
فَأَدْخَلُونِي دَيْرًا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْرِ فِيهِ صُوَرٌ أَكْثَرُ مِمَّا فِي ذَلِكَ الدَّيْرِ، فَقَالُوا لِي: انْظُرْ، هَلْ تَرَى صُورَتَهُ؟ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَصُورَتِهِ، وَإِذَا أَنَا بِصِفَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصُورَتِهِ، وَهُوَ آخِذٌ بِعَقِبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالُوا لِي: انْظُرْ هَلْ تَرَى صِفَتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: هُوَ هَذَا؟ وَأَشَارُوا إِلَى
[ ٥ / ١٨٢ ]
صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قُلْتُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. أَشْهَدُ أَنَّهُ هُوَ. قَالُوا: أَتَعْرِفُ هَذَا الَّذِي أَخَذَ بِعَقِبِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا صَاحِبُكُمْ، وَأَنَّ هَذَا الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ الَّذِي أَرَاهُ الصُّوَرَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا كَانَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ، إِلَّا هَذَا النَّبِيُّ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ هِشَامَ بْنَ الْعَاصِ، وَنُعَيْمَ بْنَ
[ ٥ / ١٨٣ ]
عَبْدِ اللَّهِ، وَرَجُلًا آخَرَ، قَدْ سَمَّاهُ، بُعِثُوا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ وَهُوَ بِالْغُوطَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[ ٥ / ١٨٤ ]
وَأَنَّهُ انْطُلِقَ بِهِمْ إِلَى الْمَلِكِ وَأَنَّهُمْ وَجَدُوا عِنْدَهُ شِبْهَ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ مُذَهَّبَةً، وَإِذَا فِيهَا أَبْوَابٌ صِغَارٌ فَفَتَحَ فِيهَا بَابًا، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ، فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَذَكَرَ صِفَةَ آدَمَ ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً، وَفِيهَا صُورَةُ نُوحٍ ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ أَرَاهُمْ حَرِيرَةً فِيهَا صُورَةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَقَالَ: هَذَا آخِرُ الْأَبْوَابِ لَكِنِّي عَجَّلْتُهُ؛ لِأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُمْ ثُمَّ فَتَحَ أَبْوَابًا أُخَرَ، وَأَرَاهُمْ صُورَةَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ؛ مُوسَى، وَهَارُونَ، وَدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - ﵈ - وَصِفَةَ لُوطٍ، وَصِفَةَ إِسْحَاقَ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ قَدِيمًا مِنْ عَهْدِ آدَمَ، وَأَنَّ دَانْيَالَ صَوَّرَهَا بِأَعْيَانِهَا.
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَلِكِ النَّصَارَى، أَخْرَجَ لَهُ صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَخْرَجَ لَهُ صُورَةَ نَبِيِّنَا - ﷺ - فَعَرَفَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: نَفْسُ إِخْبَارِهِ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَاسْتِشْهَادُهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ، مِمَّا يَدُلُّ الْعَاقِلَ
[ ٥ / ١٨٥ ]
عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي كُتُبِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ مَنْ عَرَفَ حَالَ مُحَمَّدٍ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْقَلِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ لَا يَشُكُّونَ فِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ، مَا أَوْجَبَ أَنْ يُقِيمَ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَعُلِمَ ضَرُورَةً أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ وَلَا يُخْبِرُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَأَخْبَرِهِمْ بِالطُّرُقِ الَّتِي يُصَدَّقُ بِهَا، وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُكَذَّبُ بِهِ.
فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ - بَلْ عَلِمَ انْتِفَاءَ ذَلِكَ - لَامْتَنَعَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَيَسْتَشْهِدَ بِهِ وَيُظْهِرَ ذَلِكَ لِمُوَافَقِيهِ وَمُخَالِفِيهِ، وَأَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ أَقَلُّ النَّاسِ عَقْلًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ كَذِبِهِ عِنْدَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْهُمْ، عِنْدَ مَنْ يُخْبَرُونَهُ وَهُوَ ضِدُّ مَقْصُودِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرِيدُ إِقَامَةَ شُهُودٍ عَلَى حَقِّهِ فَيَأْتِي إِلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدٍ وَلَا حَضَرَ قَضِيَّتَهُ، وَيَقُولُ: هَذَا يَشْهَدُ لِي، وَهَذَا يَشْهَدُ لِي فَإِنَّهُمْ كَانُوا حَاضِرِينَ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ، فَيَقُولُ أُولَئِكَ: لَسْنَا نَشْهَدُ لَهُ وَلَا حَضَرْنَا هَذِهِ الْقَضِيَّةَ، فَهَذَا لَا يَفْعَلُهُ عَاقِلٌ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا حَاضِرِينَ، وَأَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُ، وَلَا يَشْهَدُونَ لَهُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: لَمَّا قَامَتِ الْأَعْلَامُ عَلَى صِدْقِهِ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَشَّرُوا بِهِ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ. لَكِنَّ هَذَا لَا يُذْكَرُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُقَامَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ.
[ ٥ / ١٨٦ ]
وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ، هُوَ مَنْ أَظْهَرَ الْحُجَجَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَظْهَرُ الْأَعْلَامِ عَلَى نُبُوَّتِهِ.
وَقَدِ اسْتَخْرَجَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْبِشَارَاتِ بِنُبُوَّتِهِ مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةً، وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ، وَهَذِهِ الْبِشَارَاتُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ مِنْ جِنْسِ الْبِشَارَاتِ بِالْمَسِيحِ - ﷺ -.
وَالْيَهُودُ يُقِرُّونَ بِاللَّفْظِ، لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمُبَشَّرَ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ آخَرُ يُنْتَظَرُ، وَهُمْ - فِي الْحَقِيقَةِ - لَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَيَنْتَظِرُونَ - أَيْضًا - مَجِيءَ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُحَرِّفُونَ دَلَالَةَ اللَّفْظِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى نَبِيٍّ مُنْتَظَرٍ، كَمَا
[ ٥ / ١٨٧ ]
قَالُوا فِي قَوْلِهِ: " سَأُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ يَا مُوسَى، أُنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلَ تَوْرَاةِ مُوسَى، أَجْعَلُ كَلَامِي عَلَى فِيهِ ".
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ هَذَا إِخْبَارًا، بَلْ هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَقَدَّرُوا أَلِفَ اسْتِفْهَامٍ، وَلَيْسَ فِي النَّصِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَالْيَهُودُ يُحَرِّفُونَ الدَّلَالَاتِ الْمُبَشِّرَةَ بِالْمَسِيحِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى لَا يَقْدَحُ فِي الْبِشَارَةِ بِالْمَسِيحِ، بَلْ تَبَيَّنَ دَلَالَةُ النُّصُوصِ عَلَيْهِ، وَبُطْلَانُ تَحْرِيفِ الْيَهُودِ.
وَكَذَلِكَ الْبِشَارَاتُ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لَا يَقْدَحُ فِيهَا تَحْرِيفُ أَهْلِ الْكِتَابِ، الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، بَلْ تَبَيَّنَ دَلَالَةُ تِلْكَ النُّصُوصِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَبُطْلَانِ تَحْرِيفِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: مَعْلُومٌ أَنَّ ظُهُورَ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ
[ ٥ / ١٨٨ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبهَا، أَعْظَمُ حَادِثٍ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ؛ فَلَمْ يُعْرَفْ قَطُّ دِينٌ انْتَشَرَ وَدَامَ كَانْتِشَارِهِ وَدَوَامِهِ. فَإِنَّ شَرْعَ مُوسَى، وَإِنْ دَامَ فَلَمْ يَنْتَشِرِ انْتِشَارَهُ وَدَوَامَهُ، بَلْ كَانَ غَايَةُ ظُهُورِهِ بِبَعْضِ الشَّامِ، وَأَمَّا شَرْعُ الْمَسِيحِ فَقَبْلَ، قُسْطَنْطِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُلْكٌ، بَلْ كَانُوا يَكُونُونَ بِبَعْضِ بِلَادِ الرُّومِ وَغَيْرِهَا، وَكَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ تُقْتَلُ أَعْيَانُهُمْ أَوْ عَامَّتُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَلَمَّا انْتَشَرَ تَفَرَّقَ أَهْلُهُ فِرَقًا مُتَبَايِنَةً يُكَفِّرُ فِيهَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
ثُمَّ إِنَّ شَرْعَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - ظَهَرَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَفِي وَسَطِ الْأَرْضِ الْمَعْمُورَةِ؛ الْإِقْلِيمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ، وَظَهَرَتْ أُمَّتُهُ عَلَى النَّصَارَى فِي أَفْضَلِ الْأَرْضِ وَأَجَلِّهَا عِنْدَهُمْ؛ كَأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْجَزِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَدَامَ شَرْعُهُ، فَلَهُ الْيَوْمَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْمُدَّعِيَ لِلنُّبُوَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا لَا بُدَّ
[ ٥ / ١٨٩ ]
أَنْ يُخْبِرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِظُهُورِ الدَّجَّالِ الْكَذَّابِ، تَحْذِيرًا لِلنَّاسِ، مَعَ أَنَّ الدَّجَّالَ مُدَّتُهُ قَلِيلَةٌ، فَلَوْ كَانَ مَا يَقُولُهُ الْمُكَذِّبُ لِمُحَمَّدٍ حَقًّا، وَأَنَّهُ كَاذِبٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ، لَكَانَتْ فِتْنَتُهُ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَنْ يَتْبَعُ الدَّجَّالَ. فَلَوْ كَانَ كَاذِبًا لَكَانَ الَّذِينَ افْتُتِنُوا بِهِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَنْ يُفْتَتَنُ بِالدَّجَّالِ، فَكَانَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ أَوْلَى مِنَ التَّحْذِيرِ مِنَ الدَّجَّالِ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ مِنْ زَمَانِ آدَمَ إِلَى الْيَوْمِ كَذَّابٌ ظَهَرَ وَدَامَ هَذَا الظُّهُورَ وَالدَّوَامَ، فَكَيْفَ تُغْفِلُ الْأَنْبِيَاءُ التَّحْذِيرَ عَنْ مِثْلِ هَذَا لَوْ كَانَ كَاذِبًا؟ .
وَإِذَا كَانَ صَادِقًا: فَالْبِشَارَةُ لِلْإِيمَانِ بِهِ أَوْلَى مَا يُبَشِّرُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلَاتِ وَتُخْبِرُ بِهِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْكُتُبِ ذِكْرُهُ ثُمَّ قَدْ وُجِدَ مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ فِي الْكُتُبِ تَزِيدُ عَلَى مِائَةِ مَوْضِعٍ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى أَنَّهُ مَذْكُورٌ، وَتَوَاتَرَ عَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَتَوَاتَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ أَنَّهُ كَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِمْ - أَوْ مِنْ أَعْظَمِ سَبَبِ إِسْلَامِهِمْ - عِلْمَهُمْ بِذَكْرِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، إِمَّا بِأَنَّهُ وَجَدَ ذِكْرَهُ فِي الْكُتُبِ كَحَالِ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَإِمَّا بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ
[ ٥ / ١٩٠ ]
إِسْلَامِهِمْ مَا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنْ جِيرَانِهِمْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَنَعْتِهِ، وَانْتِظَارِهِمْ إِيَّاهُ، وَأَنَّ مِنْ خِيَارِهِمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ أَرْضَ يَثْرِبَ مَعَ شِدَّتِهَا وَيَدَعَ أَرْضَ الشَّامِ مَعَ رَخَائِهَا إِلَّا انْتِظَارُهُ لِهَذَا النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ.
وَلَمْ يُمْكِنْ أَحَدٌ قَطُّ أَنْ يَنْقِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا ذِكْرَهُ بِالذَّمِّ وَالتَّكْذِيبِ وَالتَّحْذِيرِ، كَمَا يُوجَدُ ذِكْرُ الدَّجَّالِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِ أَصْحَابِهِ؛ كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَعَدْلِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ، عَنِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ، مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ. فَإِذَا كَانَ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوا ذِكْرَهُ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالَّذِينَ سَمِعُوا خَبَرَهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنَّمَا يَذْكُرُونَ نَعْتَهُ فِيهَا بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ ذَكَرُوهُ بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ بِذَمٍّ وَلَا عَيْبٍ.
وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَمَدَحَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَادِقًا فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، إِذْ يَمْتَنِعُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُثْنُونَ عَلَى مَنْ يَكْذِبُ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] .
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَنْبِيَاءُ ذَكَرُوهُ وَأَخْبَرُوا بِهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ إِلَّا بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ لَا بِالذَّمِّ وَالْعَيْبِ وَذَلِكَ - مَعَ دَعْوَى
[ ٥ / ١٩١ ]
النُّبُوَّةِ - لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ بَشَّرُوا بِنُبُوَّتِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَخْبَرُوا أَهْلَ الْكِتَابِ بِمَا سَيَكُونُ مِنْهُمْ مِنَ الْأَحْدَاثِ، وَمَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ وَيُخَرِّبُونَ بِلَادَهُمْ وَيَسْبُونَهُمْ كَ - (بُخَتُنَصَّرَ) وَ(سَنْجَارِيبَ) وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ، وَلَمْ يَدْعُوا إِلَى دِينٍ، فَلَمْ تَحْتَجِ الْأَنْبِيَاءُ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنِ اتِّبَاعِهِمْ، وَقَدْ حَذَّرُوا مِنِ اتِّبَاعِ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَهُوَ كَاذِبٌ.
وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - قَدْ قَهَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ وَسَبَى مَنْ سَبَى، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرُوهُ وَيَذْكُرُوا الْأَحْدَاثَ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي أَيَّامِهِ. وَإِذَا كَانَ كَاذِبًا مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَذِّرَهُمْ مِنِ اتِّبَاعِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ
[ ٥ / ١٩٢ ]
وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ إِمَّا أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ مَوْجُودًا فِي كُتُبِنَا، أَوْ يَقُولَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقِلَ عَنِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهَا بِالذَّمِّ وَالتَّحْذِيرِ. وَلَوْ كَانَ مَذْكُورًا عِنْدَهُمْ بِالذَّمِّ وَالتَّحْذِيرِ، لَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، وَعَلَى أُمَّتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ.
فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْبُغْضِ لَهُ وَالْعَدَاوَةِ وَتَكْذِيبِهِ، وَالْحِرْصِ عَلَى إِبْطَالِ أَمْرِهِ، مَا أَوْجَبَ أَنْ يَفْتَرُوا أَشْيَاءَ لَمْ تُوجَدْ، وَيَنْسُبُوا إِلَيْهِ أَشْيَاءَ يَعْرِفُ كَذِبَهَا كُلُّ مَنْ عَرَفَ أَمْرَهُ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بِبَعْضِهِمْ إِلَى أَنْ فَسَّرُوا قَوْلَ الْمُسْلِمِينَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " بِأَنَّ " أَكْبَرَ " صَنَمٌ، وَأَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُمْ بِتَعْظِيمِ هَذَا الصَّنَمِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ: إِنَّهُ أَوْجَبَ الزِّنَا عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا. عُقُوبَةً لِزَوْجِهَا بِأَنَّهُ لَا يَنْكِحُهَا حَتَّى يَزْنِيَ بِهَا غَيْرُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْ " بُحَيْرَى الرَّاهِبِ " مَعَ عِلْمِ كُلِّ مَنْ عَرَفَ سِيرَتَهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِ - (بُحَيْرَى) وَحْدَهُ، وَلَمْ يَرَهُ إِلَّا بَعْضَ نَهَارٍ مَعَ أَصْحَابِهِ، لَمَّا مَرُّوا بِهِ لَمَّا قَدِمُوا الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ، وَأَنَّ (بُحَيْرَى) سَأَلَهُمْ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ إِلَّا كَلِمَاتٍ يَسْتَخْبِرُهُ فِيهَا عَنْ حَالِهِ.
[ ٥ / ١٩٣ ]
لَمْ يُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ.
وَمَعَ طَعْنِ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ بِأَنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ، حَتَّى قَدْ يَقُولُوا: إِنَّمَا قَامَ دِينُهُ بِالسَّيْفِ، وَحَتَّى يُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ إِنَّمَا اتَّبَعُوهُ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ، وَحَتَّى يَقُولُوا: إِنَّ الْخَطِيبَ إِنَّمَا يَتَوَكَّأُ عَلَى سَيْفٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَقُومُ الدِّينُ بِالسَّيْفِ، إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ - الَّتِي هِيَ مِنْ أَظْهَرِ الْأُمُورِ كَذِبًا عَلَيْهِ - يَعْرِفُ أَدْنَى النَّاسِ مَعْرِفَةً بِحَالِهِ أَنَّهَا كَذِبٌ، وَهُمْ - مَعَ هَذَا - يَتَشَبَّثُونَ بِهَا.
فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ أَخْبَارٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ تُوجِبُ ذَمَّهُ وَالتَّحْذِيرَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ، لَكَانَ إِظْهَارُهُمْ لِذَلِكَ وَاحْتِجَاجُهُمْ بِهِ أَقْوَى وَأَبْلَغَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ فِي الْعَادَةِ اشْتِهَارُهُ بَيْنَ خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكَانَ ظُهُورُ ذَلِكَ فِيهِمْ أَوْلَى مِنْ ظُهُورِ خَبَرِ الدَّجَّالِ فِيهِمْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَاشْتِهَارِهِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مَا يُوجِبُ تَكْذِيبَهُ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَذْكُرَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَتُخْبِرَ بِحَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يُخْبِرُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ عُلِمَ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ، كَمَا
[ ٥ / ١٩٤ ]
شَاعَ ذَلِكَ وَظَهَرَ وَاسْتَفَاضَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
فَالْكِتَابُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مَمْلُوءٌ بِشَهَادَةِ الْكُتُبِ لَهُ، وَالْكُتُبُ الْمَوْجُودَةُ فِيهَا مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ شَاهِدَةٌ لَهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْأَخْبَارُ مُتَوَاتِرَةٌ عَمَّنْ أَسْلَمَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِيهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُخْبِرُ بِكَذِبِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَفِي الْجُمْلَةِ أَمْرُهُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ وَأَعْجَبُ وَأَبْهَرُ، وَأَخْرُقُ لِلْعَادَةِ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ظَهَرَ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْبَشَرِ. وَمِثْلُ هَذَا إِذَا كَانَ كَاذِبًا، فَلِكَذِبِهِ لَوَازِمُ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَفُوقُ الْحَصْرَ مُتَقَدِّمَةٌ وَمُقَارِنَةٌ وَمُتَأَخِّرَةٌ. فَإِنَّ مَنْ هُوَ أَدْنَى دَعْوَةً مِنْهُ إِذَا كَانَ كَاذِبًا لَزِمَ كَذِبَهُ مِنَ اللَّوَازِمِ مَا يُبَيِّنُ كَذِبَهُ، فَكَيْفَ مِثْلُ هَذَا؟ ! فَإِذَا انْتَفَتْ لَوَازِمُ الْمَكْذُوبِ انْتَفَى الْمَلْزُومُ.
وَصِدْقُهُ لَازِمٌ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ كُلِّهَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَثُبُوتُ الْمَلْزُومِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ اللَّازِمِ مَاضِيهِ وَمُقَارِنِهِ وَمُتَأَخَّرِهِ. وَمُدَّعِي النُّبُوَّةِ لَا يَخْلُو مِنَ الصِّدْقِ أَوِ الْكَذِبِ، وَكُلٌّ مِنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَهُ لَوَازِمُ وَمَلْزُومَاتٌ، فَأَدِلَّةُ الصِّدْقِ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ وَأَدِلَّةُ الْكَذِبِ مُسْتَلْزَمَةٌ لَهُ، وَالصِّدْقُ لَهُ لَوَازِمُ وَالْكَذِبُ لَهُ لَوَازِمُ، فَصِدْقُهُ يُعْرَفُ بِنَوْعَيْنِ: بِثُبُوتِ دَلَائِلِ الصِّدْقِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِصِدْقِهِ، وَبِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ الْكَذِبِ الْمُوجِبِ انْتِفَاؤُهَا انْتِفَاءَ كَذِبِهِ، كَمَا أَنَّ كَذِبَ الْكَذَّابِ يُعْرَفُ بِأَدِلَّةِ كَذِبِهِ
[ ٥ / ١٩٥ ]
الْمُسْتَلْزِمَةِ لِكَذِبِهِ، وَبِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ الصِّدْقِ الْمُسْتَلْزِمِ انْتِفَاؤُهَا لِانْتِفَاءِ صِدْقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالشَّيْءُ يُعْرَفُ تَارَةً بِمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَتَارَةً بِمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ نَقِيضِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى قِيَاسَ الْخُلْفِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذَا انْحَصَرَ فِي شَيْئَيْنِ، لَزِمَ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا انْتِفَاءُ الْآخَرِ، وَمِنِ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ. وَمُدَّعِي النُّبُوَّةِ إِمَّا صَادِقٌ وَإِمَّا كَاذِبٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ لَوَازِمُ يَدُلُّ انْتِفَاؤُهَا عَلَى انْتِفَائِهِ، وَلَهُ مَلْزُومَاتٌ يَدُلُّ ثُبُوتُهَا عَلَى ثُبُوتِهِ.
فَدَلِيلُ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ كَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَدَلَائِلِهَا، وَآيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَانْتِفَاءُ الشَّيْءِ يُعْلَمُ بِمَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ كَانْتِفَاءِ لَوَازِمِهِ؛ مِثْلَ صِدْقِ الْكَاذِبِ، يُقَالُ: لَوْ كَانَ صَادِقًا لَكَانَ مُتَّصِفًا بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الصَّادِقُونَ.
وَكَذَلِكَ كَذِبُ الصَّادِقِ، يُقَالُ: لَوْ كَانَ كَذَّابًا لَكَانَ مُتَّصِفًا بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الْكَذَّابُ، فَإِنَّهُ قَدْ عُرِفَ حَالُ الْأَنْبِيَاءِ الصَّادِقِينَ، وَالْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ، فَانْتِفَاءُ لَوَازِمِ الْكَذِبِ دَلِيلُ صِدْقِهِ، كَمَا أَنَّ ثُبُوتَ مَا يَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ دَلِيلُ صِدْقِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَذَّابُ يُسْتَدَلُّ عَلَى كَذِبِهِ بِمَا يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُ وَبِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ صِدْقِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأُمُورِ.
[ ٥ / ١٩٦ ]
[فَصْلٌ: شَهَادَاتُ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِمُحَمَّدٍ ﵊ وَأَمْثِلَةٌ مِنْهَا]
فَصْلٌ
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ مَا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، أَنَّ شَهَادَةَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - إِمَّا شَهَادَتُهَا بِنُبُوَّتِهِ، وَإِمَّا شَهَادَتُهَا بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ هُوَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَنُبُوَّةِ مَنْ قَبْلَهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أَصْنَافِ الْمُشْرِكِينَ الْمُلْحِدِينَ، كَمَا قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْآيَاتِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ..
[ ٥ / ١٩٧ ]
وَقَوْلِهِ:
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .
وَقَوْلِهِ:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] .
وَقَوْلِهِ:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] .
وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] .
[ ٥ / ١٩٨ ]
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ مَا قَدْ تُرْجِمَ بِالْعَرَبِيَّةِ: " جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا " وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: " تَجَلَّى اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ ".
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ - لَيْسَ بِهَذَا خَفَاءٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَلَا غُمُوضٌ؛ لِأَنَّ مَجِيءَ اللَّهِ مِنْ طُورِ سَيْنَا: إِنْزَالُهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مِنْ طُورِ سَيْنَا، كَالَّذِي هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَنَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ إِنْزَالُهُ الْإِنْجِيلَ عَلَى
[ ٥ / ١٩٩ ]
الْمَسِيحِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ مِنْ سَاعِيرَ - أَرْضِ الْخَلِيلِ بِقَرْيَةٍ تُدْعَى (نَاصِرَةَ) - وَبِاسْمِهَا يُسَمَّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصَارَى.
وَكَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ بِالْمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْلَانُهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ: إِنْزَالُهُ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ. قَالَ: وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ خِلَافٌ فِي أَنَّ فَارَانَ هِيَ مَكَّةُ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهَا غَيْرُ مَكَّةَ، فَلَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَإِفْكِهِمْ.
قُلْنَا: أَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَسْكَنَ (هَاجَرَ) وَ(إِسْمَاعِيلَ) فَارَانَ؟ .
وَقُلْنَا: دُلُّونَا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنْهُ وَاسْمُهُ فَارَانَ، وَالنَّبِيِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا بَعْدَ الْمَسِيحِ أَوَلَيْسَ (اسْتَعْلَنَ) وَ(عَلَنَ)
[ ٥ / ٢٠٠ ]
وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ؟ وَهُوَ مَا ظَهَرَ وَانْكَشَفَ.
فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَفَشَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فُشُوَّهُ؟ .
وَقَالَ ابْنُ ظُفَرَ: (سَاعُيرُ) جَبَلٌ بِالشَّامِ، مِنْهُ ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ الْمَسِيحِ. قُلْتُ: وَبِجَانِبِ بَيْتِ لَحْمٍ، الْقَرْيَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الْمَسِيحُ قَرْيَةٌ تُسَمَّى إِلَى الْيَوْمِ سَاعِيرَ وَلَهَا جَبَلٌ يُسَمَّى سَاعِيرَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ نَسْلَ الْعِيصِ كَانُوا سُكَّانًا بِسَاعِيرَ، وَأَمَرَ اللَّهُ
[ ٥ / ٢٠١ ]
مُوسَى أَنْ لَا يُؤْذِيَهُمْ.
وَعَلَى هَذَا، فَيَكُونُ ذِكْرُ الْجِبَالِ الثَّلَاثَةِ حَقًّا، جَبَلِ حِرَاءَ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ جَبَلٌ أَعْلَى مِنْهُ، وَمِنْهُ كَانَ نُزُولُ أَوَّلِ الْوَحْيِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَحَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ جِبَالٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى قَدْ قِيلَ: إِنَّ بِمَكَّةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ جَبَلٍ. وَذَلِكَ الْمَكَانُ يُسَمَّى فَارَانَ، إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، وَفِيهِ كَانَ ابْتِدَاءُ نُزُولِ الْقُرْآنِ.
وَالْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَطُورِ سَيْنَا تُسَمَّى بَرِّيَّةَ فَارَانَ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ - بَعْدَ الْمَسِيحِ - نَزَلَ كِتَابٌ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ وَلَا بُعِثَ نَبِيٌّ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاسْتِعْلَانِهِ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ إِلَّا إِرْسَالَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - ذَكَرَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ. فَذَكَرَ إِنْزَالَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ الْإِنْجِيلِ ثُمَّ الْقُرْآنِ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ.
وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: جَاءَ، أَوْ: ظَهَرَ، وَفِي الثَّانِي: أَشْرَقَ، وَفِي الثَّالِثِ: اسْتَعْلَنَ. وَكَانَ مَجِيءُ التَّوْرَاةِ مِثْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَنُزُولُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، زَادَ بِهِ النُّورُ وَالْهُدَى.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
وَأَمَّا نُزُولُ الْقُرْآنِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ظَهَرَ بِهِ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ وَمَغْرِبِهَا، أَعْظَمَ مِمَّا ظَهَرَ بِالْكِتَابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، كَمَا يَظْهَرُ نُورُ الشَّمْسِ إِذَا اسْتَعْلَتْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا؛ وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَسَمَّى الشَّمْسَ سِرَاجًا وَهَّاجًا.
وَالْخَلْقُ يَحْتَاجُونَ إِلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ، أَعْظَمَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ؛ فَإِنَّ الْوَهَّاجَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَكَمَا قِيلَ: قَدْ يَنْضَرُّونَ بِهِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا السِّرَاجُ الْمُنِيرُ فَيَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَشَارِقُهَا وَمَغَارِبُهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» .
[ ٥ / ٢٠٣ ]
وَهَذِهِ الْأَمَاكِنُ الثَّلَاثَةُ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ١] .
فَأَقْسَمَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَهُوَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ، وَمِنْهَا بَعَثَ الْمَسِيحَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيهَا الْإِنْجِيلَ، وَأَقْسَمَ بِطُورِ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَنَادَاهُ مِنْ وَادِيهِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَقْسَمَ بِالْبَلَدِ الْأَمِينِ، وَهِيَ مَكَّةُ وَهُوَ الْبَلَدُ الَّذِي أَسْكَنَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وَأَمَّهُ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ خَلْقًا وَأَمْرًا قَدَرًا وَشَرْعًا، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَهُ وَدَعَا لِأَهْلِهِ فَقَالَ:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
[ ٥ / ٢٠٤ ]
وَقَالَ تَعَالَى -:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٥] .
فَأَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ إِبْرَاهِيمَ دَعَا اللَّهَ بِأَنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ إِبْرَاهِيمَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبِهَا بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] .
[ ٥ / ٢٠٥ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
[ ٥ / ٢٠٦ ]
فَقَوْلُهُ - تَعَالَى:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١] .
إِقْسَامٌ مِنْهُ بِالْأَمْكِنَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُعَظَّمَةِ الثَّلَاثَةِ، الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا نُورُهُ وَهُدَاهُ، وَأَنْزَلَ فِيهَا الثَّلَاثَةَ: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ. كَمَا ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ فِي التَّوْرَاةِ بِقَوْلِهِ: " جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ ".
وَلَمَّا كَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ خَبَرًا عَنْهَا، أَخْبَرَ بِهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا الزَّمَانِيِّ، فَقَدَّمَ الْأَسْبَقَ فَالْأَسْبَقَ. وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِهَا تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِقُدْرَتِهِ - سُبْحَانَهُ - وَآيَاتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ. فَأَقْسَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَخَتَمَهَا بِأَعْلَى الدَّرَجَاتِ. فَأَقْسَمَ أَوَّلًا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ثُمَّ بِطُورِ سَيْنَا ثُمَّ بِمَكَّةَ لِأَنَّ أَشْرَفَ الْكُتُبِ
[ ٥ / ٢٠٧ ]
الثَّلَاثَةِ: الْقُرْآنُ ثُمَّ التَّوْرَاةُ ثُمَّ الْإِنْجِيلُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، فَأَقْسَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّدْرِيجِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ.:.
﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ١] .
فَأَقْسَمَ بِطَبَقَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ، طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، فَأَقْسَمَ بِالرِّيَاحِ الذَّارِيَاتِ ثُمَّ بِالسَّحَابِ الْحَامِلَاتِ لِلْمَطَرِ فَإِنَّهَا فَوْقَ الرِّيَاحِ ثُمَّ بِالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا السُّفُنُ. وَلَكِنَّ الْأَنْسَبَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْكَوَاكِبَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ - الْجِوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦] .
فَسَمَّاهَا جَوَارِيَ، كَمَا سَمَّى الْفُلْكَ جَوَارِيَ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢] .
وَالْكَوَاكِبُ فَوْقَ السَّحَابِ.
[ ٥ / ٢٠٨ ]
ثُمَّ قَالَ:
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] .
وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي هِيَ أَعَلَى دَرَجَةً مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
وَمَا ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ تَرْبِيَةِ إِسْمَاعِيلَ فِي بَرِّيَّةِ " فَارَانَ " فَهَكَذَا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ فِيهَا: (وَغَدَا إِبْرَاهِيمُ، فَأَخَذَ الْغُلَامَ وَأَخَذَ خُبْزًا وَسِقَاءً مِنْ مَاءٍ وَدَفَعَهُ إِلَى هَاجَرَ وَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي، فَانْطَلَقَتْ هَاجَرُ، فَضَلَّتْ فِي بَرِيَّةِ سَبْعٍ، وَنَفَدَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ مَعَهَا، فَطَرَحَتِ الْغُلَامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَجَلَسَتْ فِي مُقَابَلَتِهِ عَلَى مِقْدَارِ رَمْيَةٍ بِسَهْمٍ؛ لِئَلَّا تُبْصِرَ الْغُلَامَ حِينَ يَمُوتُ، وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ، وَسَمِعَ اللَّهُ صَوْتَ الْغُلَامِ فَدَعَا مَلَكُ اللَّهِ هَاجَرَ، وَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ يَا هَاجَرُ لَا تَخْشِي؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ الْغُلَامِ حَيْثُ هُوَ، فَقُومِي فَاحْمِلِي الْغُلَامَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، فَإِنِّي جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَيْنَيْهَا فَبَصُرَتْ بِئْرَ مَاءٍ فَسَقَتِ الْغُلَامَ وَمَلَأَتْ سِقَاءَهَا، وَكَانَ اللَّهُ مَعَ الْغُلَامِ، فَرَبَى وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ " فَارَانَ ") .
[ ٥ / ٢٠٩ ]
فَهَذَا خَبَرُ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ رَبَى وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ بَعْدَ أَنْ كَادَ يَمُوتُ مِنَ الْعَطَشِ، وَأَنَّ اللَّهَ سَقَاهُ مِنْ بِئْرِ مَاءٍ. وَقَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ، وَاتِّفَاقِ الْأُمَمِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ إِنَّمَا رَبَى بِمَكَّةَ، وَهُوَ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بَنَيَا الْبَيْتَ، فَعُلِمَ أَنَّ أَرْضَ مَكَّةَ، فَارَانُ.
[ ٥ / ٢١٠ ]
وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ فِي التَّوْرَاةِ لِهَاجَرَ بِإِسْمَاعِيلَ، وَقَوْلُ اللَّهِ: " إِنِّي جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ وَمُعَظَّمَةٍ جِدًّا جِدًّا، وَإِنَّ هَاجَرَ فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَرَأَتْ بِئْرَ مَاءٍ فَدَنَتْ مِنْهَا " إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ: " إِنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ فَوْقَ يَدَيِ الْجَمِيعِ ".
وَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ، وَالنَّقْلِ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ تَرَبَّى بِأَرْضِ مَكَّةَ.،
[ ٥ / ٢١١ ]
فَعُلِمَ أَنَّهَا " فَارَانُ "، وَأَنَّهُ هُوَ وَإِبْرَاهِيمُ بَنَيَا الْبَيْتَ الَّذِي مَا زَالَ مَحْجُوجًا مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ، تَحُجُّهُ الْعَرَبُ وَغَيْرُ الْعَرَبِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا حَجَّ إِلَيْهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَيُونُسُ بْنُ مَتَّى، كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى - ﷺ - هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ - ﷿ - بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي. قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَرْشَى، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفُ خُلْبَةٍ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا» .
[ ٥ / ٢١٢ ]
وَفِي رِوَايَةٍ «أَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ، جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ» .
وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَوْجَبَ حَجَّهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَحَجَّتْ إِلَيْهِ الْأُمَمُ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. وَالْبِئْرُ
[ ٥ / ٢١٣ ]
الَّذِي شَرِبَ مِنْهَا إِسْمَاعِيلُ وَأُمُّهُ، هِيَ بِئْرُ زَمْزَمَ، وَحَدِيثُهَا مَذْكُورٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِيُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَّةَ.
ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ، فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ.
[ ٥ / ٢١٤ ]
يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، وَوَضَعَ عِنْدَهَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّا إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي لَيْسَ فِيهِ أُنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا،. ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ فَقَالَ:.
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] حَتَّى بَلَغَ " يَشْكُرُونَ ".
وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ وَعَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، انْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا
[ ٥ / ٢١٥ ]
ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ، حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا أَشْرَفَتِ الْمَرْوَةَ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ صَهْ - تُرِيدُ نَفْسَهَا - فَسَمِعَتْ - أَيْضًا - فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تَحُوطُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَمَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ
[ ٥ / ٢١٦ ]
إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَ عَيْنًا مَعِينًا.
قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ؛ فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
[ ٥ / ٢١٧ ]
وَكَانَتْ بِئْرُ زَمْزَمَ قَدْ عَمِيَتْ ثُمَّ أَحْيَاهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، جَدُّ النَّبِيِّ - ﷺ - وَصَارَتِ السِّقَايَةُ فِي وَلَدِهِ: فِي
[ ٥ / ٢١٨ ]
الْعَبَّاسِ، وَأَوْلَادِهِ يَسْقُونَ مِنْهَا، وَيَسْقُونَ - أَيْضًا - الشَّرَابَ الْحُلْوَ، وَالشُّرْبُ مِنْ ذَلِكَ سُنَّةٌ.
وَاللَّهُ - تَعَالَى - قَالَ فِي إِسْمَاعِيلَ: " إِنِّي جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ وَمُعَظَّمَةٍ جِدًّا جِدًّا ". وَهَذَا التَّعْظِيمُ الْمُؤَكَّدُ بِ - (جِدًّا جِدًّا) يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا مُبَالَغًا فِيهِ. فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْبَيْتَ الَّذِي بَنَاهُ لَا يَحُجُّ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَأَنَّ ذُرِّيَّتَهُ لَيْسَ مِنْهُمْ نَبِيٌّ، كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَعْظِيمٌ مُبَالَغًا فِيهِ جِدًّا جِدًّا؛ إِذْ أَكْثَرُ مَا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ. وَمُجَرَّدُ كَوْنِ الرَّجُلِ لَهُ نَسْلٌ وَعَقِبٌ، لَا يُعَظَّمُ بِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي الذُّرِّيَّةِ مُؤْمِنُونَ مُطِيعُونَ لِلَّهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " أَجْعَلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ " إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأُمَّةُ كَافِرَةً، لَمْ تَكُنْ عَظِيمَةً، بَلْ كَانَ يَكُونُ أَبًا لِأُمَّةٍ كَافِرَةٍ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ
[ ٥ / ٢١٩ ]
الْعَظِيمَةَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَهَؤُلَاءِ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ، فَعُلِمَ أَنَّ حَجَّ الْبَيْتِ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَأْمُرُ بِهِ. وَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَحُجُّ إِلَيْهِ إِلَّا الْمُسْلِمُونَ، فَعُلِمَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَأَنَّهُمْ وَسَلَفَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ أُمَّةٌ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهَا وَشَرَّفَهَا، وَأَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَظَّمَهُ اللَّهُ جِدًّا جِدًّا، بِمَا جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ، وَهَذَا هُوَ كَمَا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] .
وَقَالَ فِي الْخَلِيلِ:
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] .
فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وَذُرِّيَّتَهُ مُعَظَّمُونَ عِنْدَ اللَّهِ مَمْدُوحُونَ، وَأَنَّ إِسْمَاعِيلَ مُعَظَّمٌ جِدًّا جِدًّا، كَمَا عَظَّمَ اللَّهُ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِنْ إِسْمَاعِيلَ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ هَذَا التَّعْظِيمَ لَهُ وَلِذَرِّيَّتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلَى دِينِ حَقٍّ، وَهَؤُلَاءِ يَحُجُّونَ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ، وَلَا يَحُجُّ إِلَيْهِ بَعْدَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ غَيْرُهُمْ.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
فَقَالُوا: لَا نَحُجُّ، فَقَالَ:
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وَ- أَيْضًا - فَهَذَا التَّعْظِيمُ الْمُبَالَغُ فِيهِ، الَّذِي صَارَ بِهِ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ النَّاسِ، لَمْ يَظْهَرْ إِلَّا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا حَقٌّ وَمُبَشَّرٌ بِهِ.
فَهَذَا نَعْتُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا نَعْتَ الْمَسِيحِ، فَهُوَ الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَقَّ مُلُوكَ الْأَرْضِ وَأُمَمَهَا، حَتَّى امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَسُلْطَانُهُ دَائِمٌ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ، كَمَا زَالَ مُلْكُ الْيَهُودِ وَزَالَ مُلْكُ النَّصَارَى عَنْ خِيَارِ الْأَرْضِ وَأَوْسَطِهَا.
وَمِثْلُ هَذَا بِشَارَةٌ أُخْرَى بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنْ كَلَامِ " شَمْعُونَ " بِمَا رَضُوهُ مِنْ تَرْجَمَتِهِمْ، وَهُوَ: " جَاءَ اللَّهُ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَامْتَلَأَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ ".
[ ٥ / ٢٢١ ]
فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّذِي جَاءَ بِالنُّبُوَّةِ مِنْ جِبَالِ " فَارَانَ " وَامْتَلَأَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ.
وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ قَطُّ، وَامْتَلَأَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ، مِمَّا يُسَمَّى " فَارَانَ " سِوَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَالْمَسِيحُ لَمْ يَكُنْ فِي أَرْضِ فَارَانَ أَلْبَتَّةَ. وَمُوسَى إِنَّمَا كُلِّمَ مِنَ الطُّورِ، وَالطُّورُ لَيْسَ مِنْ أَرْضِ فَارَانَ، وَإِنْ كَانَتِ الْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الطُّورِ وَأَرْضِ الْحِجَازِ مِنْ فَارَانَ، فَلَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ فِيهَا التَّوْرَاةَ، وَبِشَارَاتُ التَّوْرَاةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِجَبَلِ الطُّورِ، وَبِشَارَةُ الْإِنْجِيلِ بِجَبَلِ (سَاعِيرَ) .
وَمِثْلُ هَذَا كَمَا نُقِلَ فِي نُبُوَّةِ (حَبْقُوقَ) أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ اللَّهُ مِنَ التَّيَمُّنِ، وَظَهَرَ الْقُدُسُ عَلَى جِبَالِ (فَارَانَ) وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ
[ ٥ / ٢٢٢ ]
تَحْمِيدِ (أَحْمَدَ) وَمَلَكَ بِيَمِينِهِ رِقَابَ الْأُمَمِ، وَأَنَارَتِ الْأَرْضُ لِنُورِهِ وَحَمَلَتْ خَيْلُهُ فِي الْبَحْرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَهِيَ خَمْسَةُ أَسْفَارٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ فِي قِصَّةِ هَاجَرَ، لَمَّا فَارَقَتْ سَارَّةَ وَخَاطَبَهَا الْمَلَكُ فَقَالَ: " يَا هَاجَرُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ " فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكْثِرُ ذُرِّيَّتَكِ وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا نُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وَخُضُوعَكِ، وَوَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، وَيَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ، وَيَكُونُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ.
[ ٥ / ٢٢٣ ]
قَالَ: الْمُسْتَخْرِجُونَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ: مَعْلُومٌ أَنَّ يَدَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَمْ تَكُنْ فَوْقَ أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ، بَلْ كَانَ فِي بَنِي إِسْحَاقَ النُّبُوَّةُ وَالْكِتَابُ، وَقَدْ دَخَلُوا مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ مَعَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَهُمْ يَدٌ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا لَمَّا بُعِثَ مُوسَى، وَكَانُوا مَعَ مُوسَى أَعَزَّ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ ثُمَّ مَعَ (يُوشَعَ) بَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَهُ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ (بُخَتُنَصَّرَ) فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ يَدٌ ثُمَّ بُعِثَ الْمَسِيحُ وَخُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الْخَرَابَ الثَّانِيَ، حَيْثُ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ، وَمِنْ حِينِئِذٍ زَالَ مُلْكُهُمْ وَقَطَّعَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، وَكَانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عَلَيْهِمْ حُكْمٌ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ إِسْمَاعِيلَ سُلْطَانٌ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ - لَا أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا الْأُمِّيِّينَ - فَلَمْ يَكُنْ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا؛ الَّذِي دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ حَيْثُ قَالَا:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
[ ٥ / ٢٢٤ ]
فَلَمَّا بُعِثَ، صَارَ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، وَقَهَرُوا فَارِسَ وَالرُّومَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَقَهَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ. فَظَهَرَ بِذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ " وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ " وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ بِشَارَةٌ بِمُلْكِهِ وَظُهُورِهِ؟ قِيلَ: الْمُلْكُ مُلْكَانِ؛ مُلْكٌ لَيْسَ فِيهِ دَعْوَى نُبُوَّةٍ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَمُلْكٌ صَدَرَ عَنْ دَعْوَى نُبُوَّةٍ، فَإِنْ كَانَ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ كَاذِبًا:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] .
وَهَذَا مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَأَكْذَبِهِمْ وَأَظْلَمِهِمْ وَأَفْجَرِهِمْ، وَمُلْكُهُ شَرٌّ مِنْ مُلْكِ الظَّالِمِ الَّذِي لَمْ يَدَّعِ نُبُوَّةً كَ - (بُخَتُنَصَّرَ) وَ(سَنْجَارِيبَ) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِهَذِهِ لَا يَكُونُ بِشَارَةً، وَلَا تَفْرَحُ سَارَّةُ وَإِبْرَاهِيمُ بِهَذَا، كَمَا لَوْ قِيلَ: يَكُونُ جَبَّارًا طَاغِيًا يَقْهَرُ النَّاسَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَيَقْتُلُهُمْ وَيَسْبِي حَرِيمَهُمْ، وَيَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، " فَإِنَّ الْإِخْبَارَ بِهَذَا لَا يَكُونُ بِشَارَةً وَلَا يُسَرُّ الْمُخْبَرُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِشَارَةً تَسُرُّهُ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَعْدِلُ، وَكَانَ عُلُوُّهُ مَحْمُودًا لَا إِثْمَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي مُدَّعِي النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَهُوَ صَادِقٌ لَا كَاذِبٌ ".
[ ٥ / ٢٢٥ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ مِنَ الزَّبُورِ وَتَفْسِيرُهَا]
فَصْلٌ
وَقَالَ: دَاوُدُ فِي الزَّبُورِ فِي قَوْلِهِ: " سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا، وَلْيَفْرَحْ بِالْخَالِقِ مَنِ اصْطَفَى اللَّهُ لَهُ أُمَّتَهُ وَأَعْطَاهُ النَّصْرَ، وَسَدَّدَ الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ بِالْكَرَامَةِ، يُسَبِّحُونَهُ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ؛ لِيَنْتَقِمَ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَهُ ".
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ إِنَّمَا تَنْطَبِقُ عَلَى صِفَاتِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأُمَّتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي أَذَانِهِمْ
[ ٥ / ٢٢٦ ]
لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَعَلَى الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ، كَمَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: («كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا، فَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ أَوِ السَّرَايَا أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» .
[ ٥ / ٢٢٧ ]
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: («صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ، الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ») وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي. قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الْبُعْدَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٥ / ٢٢٨ ]
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ» وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَجُيُوشُهُ إِذَا عَلَوْا شَرَفًا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا» .
وَهُمْ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي أَعْيَادِهِمْ: عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ النَّحْرِ، فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، وَفِي ذَهَابِهِمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَفِي
[ ٥ / ٢٢٩ ]
أَيَّامِ (مِنًى) الْحُجَّاجُ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ يُكَبِّرُونَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ فَإِمَامُ الصَّلَاةِ يُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَيُكَبِّرُونَ عَلَى قَرَابِينِهِمْ وَهَدْيِهِمْ وَضَحَايَاهُمْ، كَمَا كَانَ «نَبِيُّهُمْ يَقُولُ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ
[ ٥ / ٢٣٠ ]
أَكْبَرُ» وَيُكَبِّرُونَ إِذَا رَمَوُا الْجِمَارَ، وَيُكَبِّرُونَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيُكَبِّرُونَ فِي الطَّوَافِ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الرُّكْنِ، وَكُلُّ هَذَا يَجْهَرُونَ فِيهِ بِالتَّكْبِيرِ غَيْرَ مَا يُسِرُّونَهُ.
قَالَ - تَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَ صَوْمَ رَمَضَانَ الَّذِي يُقِيمُونَ لَهُ عِيدَ الْفِطْرِ، قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَلَمَّا ذَكَرَ الْهَدْيَ الَّذِي يُقَرَّبُ فِي عِيدِ النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قَالَ:
[ ٥ / ٢٣١ ]
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٦] .
وَالنَّصَارَى يُسَمُّونَ عِيدَ الْمُسْلِمِينَ عِيدَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " لِظُهُورِ التَّكْبِيرِ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا غَيْرِهِمْ - غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنَّمَا كَانَ مُوسَى يَجْمَعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْبُوقِ، وَالنَّصَارَى لَهُمُ النَّاقُوسُ.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
وَأَمَّا تَكْبِيرُ اللَّهِ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ شَعَائِرُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْأَذَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ تَقْصِيرُ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِتَلْبِيَةِ الْحُجَّاجِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: " «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْإِغَارَةَ إِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَوْ رَأَى مَسْجِدًا وَإِلَّا أَغَارَ» ".
وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: " «كَانَ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ ".
فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْفِطْرَةِ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ» .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ " وَهِيَ السُّيُوفُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي بِهَا فَتَحَ الصَّحَابَةُ وَأَتْبَاعُهُمُ الْبِلَادَ، وَقَوْلُهُ: " يُسَبِّحُونَهُ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ. بَيَانٌ لِنَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
[ ٥ / ٢٣٣ ]
جُنُوبِهِمْ، وَيُصَلِّي أَحَدُهُمْ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، فَلَا يَتْرُكُونَ ذِكْرَ اللَّهِ فِي حَالٍ، بَلْ يَذْكُرُونَهُ حَتَّى فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَيُصَلُّونَ فِي الْبُيُوتِ عَلَى الْمَضَاجِعِ. بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالصَّلَاةُ أَعْظَمُ التَّسْبِيحِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧] .
وَقَوْلُهُ:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذْ نَظَرَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ
[ ٥ / ٢٣٤ ]
اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا. ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]» .
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ دَاوُدَ: سَبَّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا، وَالتَّسَابِيحُ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ جَدِيدًا: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي شَرَعَهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَدِيدًا. وَلَمَّا أَقَامَهَا جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " هَذَا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ ".
فَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُسَبِّحُونَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَمَا يَدُلُّ التَّسْبِيحُ الْمُقَدَّمُ، وَالتَّسْبِيحُ الْجَدِيدُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الْكَلَامِ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ لِيَنْتَقِمَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، بَلْ أَخْبَارُهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ مَعَ الْأُمَمِ، لَمْ يَكُونُوا يُجَاهِدُونَهُمْ بِالسَّيْفِ، بَلِ
[ ٥ / ٢٣٥ ]
النَّصَارَى قَدْ تَعِيبُ مَنْ يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مِنْ مَعَايِبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأُمَّتِهِ، وَيُغْفِلُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى بِقِتَالِ الْكُفَّارِ، فَقَاتَلَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِأَمْرِهِ، وَقَاتَلَهُمْ يُوشَعُ وَدَاوُدُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ قَاتَلَ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ أَصْحَابِهِ.
[ ٥ / ٢٣٦ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ أُخْرَى مِنَ الزَّبُورِ]
فَصْلٌ
وَقَالَ دَاوُدُ فِي مَزَامِيرِهِ - وَهِيَ الزَّبُورُ -: مِنْ أَجْلِ هَذَا بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَى الْأَبَدِ، فَتَقَلَّدْ - أَيُّهَا الْجَبَّارُ - بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ الْبَهَاءَ لِوَجْهِكَ، وَالْحَمْدَ الْغَالِبَ عَلَيْكَ. ارْكَبْ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَسِمَةَ التَّأَلُّهِ، فَإِنَّ نَامُوسَكَ وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ، وَسِهَامَكَ مَسْنُونَةٌ، وَالْأُمَمُ يَخِرُّونَ تَحْتَكَ.
قَالُوا: فَلَيْسَ مُتَقَلِّدُ السَّيْفِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ دَاوُدَ سِوَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَهُوَ الَّذِي خَرَّتِ الْأُمَمُ تَحْتَهُ، وَقُرِنَتْ شَرَائِعُهُ بِالْهَيْبَةِ، كَمَا قَالَ - ﷺ -: " «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ
[ ٥ / ٢٣٧ ]
شَهْرٍ» ". وَقَدْ أَخْبَرَ دَاوُدُ أَنَّهُ لَهُ نَامُوسًا وَشَرَائِعَ، وَخَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَبَّارِ، إِشَارَةً إِلَى قُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَضْعَفِ الْمَقْهُورِ.
وَهُوَ - ﷺ - نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ. وَأُمَّتُهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، أَذِلَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ. بِخِلَافِ مَنْ كَانَ ذَلِيلًا لِلطَّائِفَتَيْنِ مِنَ النَّصَارَى الْمَقْهُورِينَ مَعَ الْكُفَّارِ، أَوْ كَانَ عَزِيزًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْيَهُودِ، بَلْ كَانَ مُسْتَكْبِرًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ كَذَّبُوا فَرِيقًا وَقَتَلُوا فَرِيقًا.
[ ٥ / ٢٣٨ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْ دَاوُدَ ﵇]
فَصْلٌ
قَالُوا: وَقَالَ: دَاوُدُ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: " إِنَّ رَبَّنَا عَظِيمٌ مَحْمُودٌ جِدًّا " وَفِي تَرْجَمَتِهِ: " إِلَهُنَا قُدُّوسٌ، وَمُحَمَّدٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَرَحًا ". قَالُوا: فَقَدْ نَصَّ دَاوُدُ عَلَى اسْمِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَبَلَدِهِ، وَسَمَّاهَا قَرْيَةَ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ كَلِمَتَهُ تَعُمُّ الْأَرْضَ كُلَّهَا.
قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لَمَّا قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ " أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ
[ ٥ / ٢٣٩ ]
- ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ "، فَقَالَ: " إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ "، وَذِكْرُ صِفَتِهِ مَوْجُودَةٌ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَاءَ، وَلَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي نَفْسِ كِتَابِ مُوسَى.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَ التَّوْرَاةِ يَقْصِدُونَ بِهِ جِنْسَ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَخُصُّونَ بِذَلِكَ كِتَابَ مُوسَى.
وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، يُرَادُ بِالتَّوْرَاةِ جِنْسُ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كِتَابَ مُوسَى وَزَبُورَ دَاوُدَ وَصُحُفَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - سِوَى الْإِنْجِيلِ - فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ النَّصَارَى خَاصَّةً.
وَأَمَّا سَائِرُ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، فَالْأُمَّتَانِ تُقِرُّ بِهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ
[ ٥ / ٢٤٠ ]
كَثِيرًا مَا يَقْرِنُ فِي الْقُرْآنِ بَيْنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الزَّبُورَ مُفْرَدًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ١] .
وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَصْرَحُ مِمَّا هُوَ فِي كِتَابِ مُوسَى خَاصَّةً.
فَإِذَا أُرِيدَ بِالتَّوْرَاةِ جِنْسُ الْكُتُبِ فَلَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ فِي كَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَنَعْتِهِ وَنَعْتِ أُمَّتِهِ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِذَلِكَ الِاسْتِشْهَادَ
[ ٥ / ٢٤١ ]
بِوُجُودِهِ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَإِقَامَةَ الْحُجَّةِ بِذِكْرِهِ فِيهَا. فَإِذَا كَانَ ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ كِتَابِ مُوسَى أَكْبَرَ وَأَظْهَرَ عِنْدَهُمْ، كَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِ الِاسْتِدْلَالِ بِكِتَابِ مُوسَى. فَإِذَا حُمِلَ لَفْظُ التَّوْرَاةِ فِي هَذَا عَلَى جِنْسِ الْكُتُبِ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي لُغَةِ مَنْ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، كَانَ هَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَدْحِ لِلْقُرْآنِ وَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَتَصْدِيقِ بَعْضِهَا بَعْضًا.
وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مُطْلَقًا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
وَقَالَ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وَالزَّبُورُ ذَكَرَهُ مُفْرَدًا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣] .
[ ٥ / ٢٤٢ ]
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] .
فَذَكَرَهُ مُفْرَدًا.
وَذَكَرَ كِتَابَ مُوسَى بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ، لَا بِلَفْظِ التَّوْرَاةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَقَالَ:
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] .
وَقَالَ:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] .
[ ٥ / ٢٤٣ ]
إِلَى قَوْلِهِ..
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] .
وَإِذَا كَانَ لَفْظُ التَّوْرَاةِ يَتَنَاوَلُ الْكُتُبَ الَّذِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا، وَالزَّبُورُ وَغَيْرُهُ دَاخِلٌ فِي هَذَا الِاسْمِ، وَكَانَ ظُهُورُ اسْمِهِ وَنَعْتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَوُجُودُ ذَلِكَ فِيمَا عِنْدَهُمْ، وَتَكَرُّرُهُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَكَانَ مَعْرِفَتُهُمْ لِذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَاضِحًا بَيِّنًا، إِنْ قُدِّرَ هَذِهِ الْكُتُبُ الَّتِي يَعْتَرِفُ بِهَا عَامَّتُهُمْ، لَمْ يُكْتَمْ مِنْهَا شَيْءٌ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ كَمَا كَانَتْ.
[ ٥ / ٢٤٤ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ رَابِعَةٌ مِنْ دَاوُدَ ﵇]
وَقَالُوا: قَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورِهِ: " لِتَرْتَاحَ الْبَوَادِي وَقُرَاهَا، وَلِتَصِرَّ أَرْضُ (قَيْذَارَ) مُرُوجًا، وَلِيُسَبِّحَ سُكَّانُ الْكُهُوفِ وَيَهْتِفُوا مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ بِحَمْدِ الرَّبِّ، وَيُذِيعُوا تَسَابِيحَهُ فِي الْجَزَائِرِ ".
فَلِمَنِ الْبَوَادِي مِنَ الْأُمَمِ سِوَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟ وَمَنْ (قَيْذَارُ) سِوَى ابْنِ إِسْمَاعِيلَ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَمَنْ سُكَّانُ الْكُهُوفِ وَتِلْكَ الْجِبَالِ سِوَى الْعَرَبِ؟
[ ٥ / ٢٤٥ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ خَامِسَةٌ مِنْ دَاوُدَ ﵇]
قَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: " وَيَحُوزُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ وَمِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ إِلَى مُنْقَطَعِ الْأَرْضِ، وَيَخِرُّ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَلْحَسُ أَعْدَاؤُهُ التُّرَابَ وَيَسْجُدُ لَهُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَتَدِينُ لَهُ الْأُمَمُ بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَيُخَلِّصُ الْبَائِسَ الْمُضْطَهَدَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَيُنْقِذُ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا نَاصِرَ لَهُ، وَيَرْأَفُ بِالْمَسَاكِينِ وَالضُّعَفَاءِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُبَارَكُ فِي كُلِّ حِينٍ ".
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ
[ ٥ / ٢٤٦ ]
حَازَ مِنَ الْبَحْرِ الرُّومِيِّ إِلَى الْبَحْرِ الْفَارِسِيِّ، وَمِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ بِجَيْحُونَ وَسَيْحُونَ، إِلَى مُنْقَطَعِ الْأَرْضِ بِالْمَغْرِبِ، كَمَا قَالَ: " زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ، مَشَارِقُهَا وَمَغَارِبُهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ".
وَهُوَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُبَارَكُ فِي كُلِّ حِينٍ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، يَقُولُ كُلٌّ مِنْ أُمَّتِهِ: اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُبَارَكُ.
[ ٥ / ٢٤٧ ]
وَمِنْهُ خَرَّتْ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَهْلُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْجَزِيرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، وَأَهْلُ جَزِيرَةِ قُبْرُصَ، وَأَهْلُ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ.
وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَدَّى الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. بِخِلَافِ مُلُوكِ الرُّومِ، فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَيُؤَدِّ الْجِزْيَةَ، فَلِهَذَا خَصَّ مُلُوكَ فَارِسَ، وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ الَّتِي تَعْرِفُهُ وَتَعْرِفُ أُمَّتَهُ، كَانَتْ إِمَّا مُؤْمِنَةً بِهِ، أَوْ مُسْلِمَةً لَهُ مُنَافِقَةً، أَوْ مُهَادِنَةً مُصَالِحَةً، أَوْ خَائِفَةً مِنْهُمْ. وَأَنْقَذَ الضُّعَفَاءَ مِنَ الْجَبَّارِينَ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسِيحِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ هَذَا التَّمَكُّنَ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا مَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ تَمَكَّنُوا هَذَا التَّمَكُّنَ، وَلَا حَازُوا مَا ذُكِرَ، وَلَا صُلِّيَ عَلَيْهِ وَبُورِكَ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَدَّعُونَ إِلَاهِيَّتَهُ.
[ ٥ / ٢٤٨ ]
[فَصْلٌ: شَهَادَةُ سِفْرِ أَشْعِيَا " رَاكِبُ الْحِمَارِ وَرَاكِبُ الْجَمَلِ "]
وَقَالُوا - فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَاءَ -: قَالَ أَشْعِيَاءُ: " قِيلَ لِي: قُمْ نِظَارًا، فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى، فَقُلْتُ: أَرَى رَاكِبَيْنِ مُقْبِلَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَالْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: سَقَطَتْ بَابِلُ وَأَصْحَابُهَا لِلْمَنْحَرِ ".
قَالُوا: فَرَاكِبُ الْحِمَارِ هُوَ الْمَسِيحُ، وَرَاكِبُ الْجَمَلِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ أَشْهَرُ بِرُكُوبِ الْجَمَلِ مِنَ الْمَسِيحِ بِرُكُوبِ الْحِمَارِ.
وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ سَقَطَتْ أَصْنَامُ بَابِلَ.
[ ٥ / ٢٤٩ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةُ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالْمَسِيحِ وَبِمُحَمَّدٍ وَإِنْذَارُهَا بِالدَّجَّالِ]
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ: أَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ بَشَّرَتْ بِالْمَسِيحِ، كَمَا بَشَّرَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَذَلِكَ أَنْذَرَتْ بِالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.
وَالْأُمَمُ الثَّلَاثَةُ - الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى - مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَنْذَرَتْ بِالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَحَذَّرَتْ مِنْهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، حَتَّى نُوحٌ أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ، وَسَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِأُمَّتِهِ: إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ (ك ف ر)، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ قَارِئٍ وَغَيْرِ قَارِئٍ» .
وَالْأُمَمُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَشَّرُوا بِمَسِيحٍ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ. فَالْأُمَمُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِخْبَارِ بِمَسِيحِ هُدًى، مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ،
[ ٥ / ٢٥٠ ]
وَمَسِيحِ ضَلَالَةٍ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَسِيحَ الْهُدَى سَيَأْتِي - أَيْضًا -.
ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَسِيحَ الْهُدَى هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَالْيَهُودُ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ هُوَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ.
قَالُوا: " لِأَنَّ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ بِهِ تُؤْمِنُ بِهِ الْأُمَمُ كُلُّهَا "، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ إِنَّمَا بُعِثَ بِدِينِ النَّصَارَى، وَهُوَ دِينٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِأَنَّ الْمَسِيحَ مَسِيحَ الْهُدَى بُعِثَ، وَمَقْرُونٌ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي مَرَّةً ثَانِيَةً، لَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا الْإِتْيَانَ الثَّانِيَ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِيَجْزِيَ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَهُوَ - فِي زَعْمِهِمْ - هُوَ اللَّهُ، وَاللَّهُ الَّذِي هُوَ اللَّاهُوتُ يَأْتِي فِي نَاسُوتِهِ، كَمَا زَعَمُوا أَنَّهُ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ ; فَآمَنُوا بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ
[ ٥ / ٢٥١ ]
مُوَافِقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ خَاتَمُ الرُّسُلِ، حَيْثُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ» .
وَأَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ الْأَعْوَرُ الْكَذَّابُ، نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ مَلَكَيْنِ. فَإِذَا رَآهُ الدَّجَّالُ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَيُدْرِكُهُ فَيَقْتُلُهُ بِالْحَرْبَةِ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ الشَّرْقِيِّ، عَلَى بِضْعَ عَشْرَةَ خُطُوَاتٍ مِنْهُ»، وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:
[ ٥ / ٢٥٢ ]
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] .
أَيْ: يُؤْمِنُ بِالْمَسِيحِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، حِينَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا دِينُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي نَعْتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَلَكِنَّ النَّصَارَى ظَنُّوا مَجِيئَهُ بَعْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، فَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ كَمَا غَلِطُوا فِي مَجِيئِهِ الْأَوَّلِ ; حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، وَالْيَهُودُ أَنْكَرُوا مَجِيئَهُ الْأَوَّلَ، وَظَنُّوا أَنَّ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ لَيْسَ إِيَّاهُ، وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي آخِرًا، وَصَارُوا يَنْتَظِرُونَ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ أَوَّلًا فَكَذَّبُوهُ، وَسَيَأْتِيهِمْ ثَانِيًا فَيُؤْمِنُ بِهِ كُلُّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ إِلَّا مَنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ، وَيُظْهِرُ كَذِبَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ، وَرَمَوْا أُمَّهُ بِالْفِرْيَةِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَلَدُ زِنًى، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ اللَّهُ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَسِيحُ ﵇ نَازِلًا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ - مِنَ الِاتِّصَالِ - مَا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِ مُحَمَّدٍ ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
[ ٥ / ٢٥٣ ]
نَبِيٌّ»، وَرُوِيَ: «كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا، وَعِيسَى فِي آخِرِهَا» . وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ مُنَاسَبَةُ اقْتِرَانِهِمَا، فِيمَا رَوَاهُ أَشْعِيَاءُ ; حَيْثُ قَالَ: " رَاكِبُ الْحِمَارِ وَرَاكِبُ الْجَمَلِ ".
[ ٥ / ٢٥٤ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةُ أَشْعِيَاءَ بِشَأْنِ مَكَّةَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ ﵇ مُتَنَبِّيًا عَلَى مَكَّةَ - شَرَّفَهَا اللَّهُ -: " ارْفَعِي إِلَى مَا حَوْلَكِ بَصَرَكِ، فَسَتَبْتَهِجِينَ وَتَفْرَحِينَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْكِ ذَخَائِرُ الْبَحْرِ، وَتَحُجَّ إِلَيْكِ عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، حَتَّى يَعُمَّ بِكِ قَطْرُ الْإِبِلِ الْمُوبَلَةِ، وَتَضِيقَ أَرْضُكِ عَنِ الْقَطَرَاتِ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ، وَتُسَاقَ إِلَيْكَ كِبَاشُ مَدْيَنَ، وَيَأْتِيَكِ أَهْلُ سَبَأٍ، وَيَسِيرَ إِلَيْكِ أَغْنَامُ فَارَانَ، وَيَخْدِمَكِ رِجَالُ مَأْرَبٍ "، يُرِيدُ سَدَنَةَ الْكَعْبَةِ، وَهُمْ أَوْلَادُ مَأْرَبِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ.
[ ٥ / ٢٥٥ ]
قَالُوا: فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا حَصَلَتْ بِمَكَّةَ، فَحُمِلَتْ إِلَيْهَا ذَخَائِرُ الْبَحْرَيْنِ، وَحَجَّ إِلَيْهَا عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، وَسِيقَتْ إِلَيْهَا أَغْنَامُ فَارَانَ - الْهَدَايَا وَالْأَضَاحِيُّ - وَ(فَارَانُ) هِيَ الْبَرِّيَّةُ الْوَاسِعَةُ الَّتِي فِيهَا مَكَّةُ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَنْ قَطَرَاتِ الْإِبِلِ الْمُوبَلَةِ الْحَامِلَةِ لِلنَّاسِ وَأَزْوَادِهِمْ إِلَيْهَا، وَأَتَاهَا أَهْلُ سَبَأٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ.
[ ٥ / ٢٥٦ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ]
قَالُوا: وَقَالَ: أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ ﷺ مُعْلِنًا بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَكَ يَا مُحَمَّدُ، يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ، اسْمُكَ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ "، قَالُوا: فَهَلْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لِزَائِغٍ فَقَالَ: أَوْ لِطَاعِنٍ مَجَالٌ؟ وَقَوْلُ أَشْعِيَاءَ: إِنَّ اسْمَ مُحَمَّدٍ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ دَاوُدَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ: أَنَّ اسْمَهُ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّمْسِ.
وَقَوْلُهُ: " يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ " يَعْنِي يَا مَنْ طَهَّرَهُ الرَّبُّ، وَخَلَّصَهُ مِنْ بَشَرِيَّتِهِ، وَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ.
[ ٥ / ٢٥٧ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ رَابِعَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ - وَشَهِدَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِالصَّلَاحِ وَالدِّيَانَةِ -: " سَأَرْفَعُ عَلَمًا لِأَهْلِ الْأَرْضِ بَعِيدًا، فَيُصْفَرُ لَهُمْ مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ سِرَاعًا ".
وَالنِّدَاءُ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّلْبِيَةِ فِي الْحَجِّ، وَهُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، فَوَحَّدُوهُ وَعَبَدُوهُ، وَأَفْرَدُوهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَكَسَّرُوا الْأَصْنَامَ، وَعَطَّلُوا الْأَوْثَانَ. وَالْعَلَمُ الْمَرْفُوعُ: هُوَ النُّبُوَّةُ، وَصَفِيرُهُ: دُعَاؤُهُمْ إِلَى بَيْتِهِ وَمَشَاعِرِهِ، فَيَأْتُونَهُ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ.
[ ٥ / ٢٥٨ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ خَامِسَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ - وَالْمُرَادُ مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى -: سِيرِي وَاهْتَزِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ، الَّتِي لَمْ تَلِدُ، وَانْطِقِي بِالتَّسْبِيحِ، وَافْرَحِي إِذْ لَمْ تَحْبِلِي، فَإِنَّ أَهْلَكِ يَكُونُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِي - يَعْنِي بِأَهْلِهِ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَيَعْنِي بِالْعَاقِرِ: مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﵊، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَاقِرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّهُ بَيْتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَمَعْدِنُ الْوَحْيِ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ وَلَّادَةً.
[ ٥ / ٢٥٩ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ سَادِسَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ - وَنَصَّ عَلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ -: " وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ، يَكُونُ عَجَبًا وَبَشَرًا، وَالشَّامَةُ عَلَى كَتِفَيْهِ، أُرْكُونُ السَّلَامِ، إِلَهٌ جَبَّارٌ، وَسُلْطَانُهُ سُلْطَانُ السَّلَامِ، وَهُوَ ابْنُ عَالِمِهِ، يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ.
قَالُوا: الْأُرْكُونُ، هُوَ الْعَظِيمُ بِلُغَةِ الْإِنْجِيلِ، وَالْأَرَاكِنَةُ الْمُعَظَّمُونَ. وَلَمَّا أَبْرَأَ الْمَسِيحُ مَجْنُونًا مِنْ جُنُونِهِ، قَالَ الْيَهُودُ: " إِنَّ هَذَا لَا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ مِنَ الْآدَمِيِّينَ إِلَّا بِأُرْكُونِ الشَّيَاطِينِ " يَعْنُونَ عَظِيمَهُمْ. وَقَالَ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ: " إِنَّ أُرْكُونَ الْعَالَمِ يُدَانُ " يُرِيدُ إِمَّا إِبْلِيسَ
[ ٥ / ٢٦٠ ]
أَوِ الشِّرِّيرَ الْعَظِيمَ الشَّرِّ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، وَسَمَّاهُ إِلَهًا عَلَى نَحْوِ قَوْلِ التَّوْرَاةِ: " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُوسَى إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ "؛ أَيْ حَاكِمًا عَلَيْهِ وَمُتَصَرِّفًا فِيهِ، وَعَلَى نَحْوِ قَوْلِ دَاوُدَ لِلْعُظَمَاءِ مِنْ قَوْمِهِ: " إِنَّكُمْ آلِهَةٌ ".
فَقَدْ شَهِدَ أَشْعِيَاءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَوَصَفَهُ بِأَخَصِّ عَلَامَاتِهِ وَأَوْضَحِهَا، وَهِيَ شَامَتُهُ، فَلَعَمْرِي لَمْ تَكُنِ الشَّامَةُ لِسُلَيْمَانَ، وَلَا لِلْمَسِيحِ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِالْجُلُوسِ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ، يَعْنِي أَنَّهُ سَيَرِثُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، نُبُوَّتَهُمْ وَمُلْكَهُمْ، وَيَبْتَزُّهُمْ رِيَاسَتَهُمْ.
[ ٥ / ٢٦١ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ سَابِعَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ فِي وَصْفِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: " سَتَمْتَلِئُ الْبَادِيَةُ وَالْمُدُنُ مِنْ أَوْلَادِ قَيْذَارَ يُسَبِّحُونَ، وَمِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ يُنَادُونَ، هُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، وَيُسَبِّحُونَهُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَقَيْذَارُ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَرَبِيعَةُ وَمُضَرُ مِنْ وَلَدِهِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ مُضَرَ.
وَهَذَا الِامْتِلَاءُ وَالتَّسْبِيحُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ إِلَّا بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
[ ٥ / ٢٦٢ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ ثَامِنَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ - وَالْمُرَادُ مَكَّةُ -: " أَنَا رَسَمْتُكِ عَلَى كَفِّي، وَسَيَأْتِيكِ أَوْلَادُكِ سِرَاعًا، وَيَخْرُجُ عَنْكِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخِيفَكِ وَيَخُونَكِ، فَارْفَعِي بَصَرَكِ إِلَى مَا حَوْلَكِ، فَإِنَّهُمْ سَيَأْتُونَكِ وَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْكِ، فَتَسَمِّي بِاسْمِي إِنِّي أَنَا الْحَيُّ، لِتَلْبَسِي الْحُلَلَ وَتَزَيَّنِي بِالْإِكْلِيلِ، مِثْلَ الْعَرُوسِ، وَلَتَضِيقَنَّ خَرَابَاتُكِ مِنْ كَثْرَةِ سُكَّانِكِ وَالدَّاعِينَ فِيكِ، وَلَيَهَابَنَّ كُلُّ مَنْ يُنَاوِئُكِ، وَلَيَكْثُرَنَّ أَوْلَادُكِ حَتَّى تَقُولِي مَنْ رَزَقَنِي هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ؟ وَأَنَا وَحِيدَةٌ فَرِيدَةٌ، يَرَوْنَ رَقُوبًا، فَمَنْ رَبَّى لِي هَؤُلَاءِ، وَمَنْ تَكَفَّلَ لِي بِهِمْ؟ ".
قَالُوا: وَذَلِكَ - أَيْضًا - مِنْ أَشْعِيَاءَ بِشَأْنِ الْكَعْبَةِ، فَهِيَ الَّتِي أَلْبَسَهَا اللَّهُ
[ ٥ / ٢٦٣ ]
الْحُلَلَ الدِّيبَاجَ الْفَاخِرَةَ، وَوَكَّلَ بِخِدْمَتِهَا الْخُلَفَاءَ وَالْمُلُوكَ، وَمَكَّةُ: هِيَ الَّتِي رَبَّا اللَّهُ لَهَا الْأَوْلَادَ مِنْ حُجَّاجِهَا، وَالْقَاطِنِينَ بِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ مَكَّةَ هِيَ الَّتِي أُخْرِجَ عَنْهَا كُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخِيفَهَا وَيُخَرِّبَهَا، فَلَمْ تَزَلْ عَزِيزَةً مُكَرَّمَةً مُحَرَّمَةً، لَمْ يُهِنْهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ قَطُّ، بَلْ أَصْحَابُ الْفِيلِ لَمَّا قَصَدُوهَا، عَذَّبَهُمُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْمَشْهُورَ، وَلَمْ تَزَلْ عَامِرَةً مَحْجُوجَةً، مِنْ لَدُنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ.
بِخِلَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنَّهُ قَدْ أُخْرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَخَلَا مِنَ السُّكَّانِ، وَاسْتَوْلَى الْعَدُوُّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ إِخْبَارُهُ بِإِهَانَةِ كُلِّ مِنْ يُنَاوِيهَا: هُوَ لِلْكَعْبَةِ دُونَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] .
وَالْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ كَانَ مُعَظِّمًا لِلْكَعْبَةِ؛
[ ٥ / ٢٦٤ ]
لَمْ يَرُمْهَا بِمَنْجَنِيقٍ، وَإِنَّمَا قَصَدَ ابْنَ الزُّبَيْرِ خَاصَّةً. وَأَمَّا كَثْرَةُ أَوْلَادِهَا، وَهُمُ الَّذِينَ يَحُجُّونَ إِلَيْهَا وَيَسْتَقْبِلُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ، فَهُمْ أَضْعَافُ أَضْعَافِ أَوْلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
[ ٥ / ٢٦٥ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ تَاسِعَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ - حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى -: " اشْكُرْ حُبِّي وَابْنِي أَحْمَدَ "، فَسَمَّاهُ اللَّهُ حَبِيبًا وَسَمَّاهُ ابْنًا، وَدَاوُدَ ابْنًا غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَزِيَّةٍ فَقَالَ: " حُبِّي ابْنِي اشْكُرْهُ "، فَتَعَبَّدَ أَشْعِيَاءُ بِشُكْرِ مُحَمَّدٍ، وَوَظَّفَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ شُكْرَهُ وَإِجْلَالَهُ، لِيَتَبَيَّنَ قَدْرُهُ وَمَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، وَتِلْكَ مَنْقَبَةٌ لَمْ يُؤْتَهَا غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ.
وَقَالَ: أَشْعِيَاءُ: " إِنَّمَا سَمِعْنَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ صَوْتَ مُحَمَّدٍ "، وَهَذَا إِفْصَاحٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ بَاسِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلْيُرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ نَبِيًّا نَصَّتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، سِوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
[ ٥ / ٢٦٦ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ حَبْقُوقَ]
قَالُوا: وَقَالَ حَبْقُوقُ: - وَسُمِّيَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرِيحًا مَرَّتَيْنِ فِي نُبُوَّتِهِ -: " إِنَّ اللَّهَ جَاءَ مِنَ التَّيَمُّنِ، وَالْقُدُّوسَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، لَقَدْ أَضَاءَتِ السَّمَاءُ مِنْ بَهَاءِ مُحَمَّدٍ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ، شُعَاعٌ مَنْظَرُهُ مِثْلُ النُّورِ، يَحُوطُ بِلَادَهُ بِعِزِّهِ، تَسِيرُ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَتَصْحَبُ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَجْنَادَهُ، قَامَ فَمَسَحَ الْأَرْضَ فَتَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ الْقَدِيمَةُ، وَانْخَفَضَتِ الرَّوَابِي، وَتَزَعْزَعَتْ سُتُورُ أَهْلِ مَدْيَنَ ".
،
[ ٥ / ٢٦٧ ]
ثُمَّ قَالَ: " زَجْرُكَ فِي الْأَنْهَارِ، وَإِقْدَامُ صُوَّامِكَ فِي الْبِحَارِ، رَكِبْتَ الْخُيُولَ، وَعَلَوْتَ مَرَاكِبَ الْإِيفَادِ، وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَنَزْعًا، وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً، وَلَقَدْ رَأَتْكَ الْجِبَالُ فَارْتَاعَتْ، وَانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ، وَتَغَيَّرَتِ الْمَهَاوِي تَغَيُّرًا وَرُعْبًا، رَفَعَتْ أَيْدِيَهَا وَجَلًا وَخَوْفًا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي بَرِيقِ سِهَامِكَ وَلَمَعَانِ نَيَازِكِكَ، وَتُدَوِّخُ الْأَرْضَ غَضَبًا، وَتَدُوسُ الْأُمَمَ زَجْرًا؛ لِأَنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلَاصِ أُمَّتِكَ
[ ٥ / ٢٦٨ ]
وَإِنْقَاذِ تُرَاثِ آبَائِكَ ".
قَالُوا: وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمُحَمَّدٍ، وَمَنْ رَامَ صَرْفَ نُبُوَّةِ حَبْقُوقَ هَذِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ رَامَ سِتْرَ النَّهَارِ، وَحَبْسَ الْأَنْهَارِ، وَأَنَّى يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ ! وَقَدْ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ مَرَّتَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِ، وَسَيْرِ الْمَنَايَا أَمَامَهُمْ، وَاتِّبَاعِ جَوَارِحِ الطَّيْرِ آثَارَهُمْ. وَهَذِهِ النُّبُوَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمُحَمَّدٍ، وَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَيْهِ، فَمَنْ حَاوَلَ صَرْفَهَا عَنْهُ فَقَدْ حَاوَلَ مُمْتَنِعًا. وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا مَجِيءَ نُورِ اللَّهِ مِنَ التَّيَمُّنِ - وَهِيَ نَاحِيَةُ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ - فَإِنَّ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَكُونُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، وَمُحَمَّدٌ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ
[ ٥ / ٢٦٩ ]
الْيَمَنِ، وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ - كَمَا قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ - وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ النِّزَاعُ فِيهِ.
وَأَمَّا امْتِلَاءُ السَّمَاءِ مِنْ بَهَاءِ أَحْمَدَ، بِأَنْوَارِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَامْتِلَاءُ الْأَرْضِ مِنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ أُمَّتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ، فَأَمْرٌ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ أُمَّتَهُ هُمُ الْحَمَّادُونَ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَخُطْبَةٍ، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُصَلٍّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَنْ يَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] .
فَإِذَا قَالَ:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
قَالَ اللَّهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي.
فَإِذَا قَالَ:
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] .
[ ٥ / ٢٧٠ ]
قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي.
فَإِذَا قَالَ:
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] .
قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي.
فَهُمْ يَفْتَحُونَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّحْمِيدِ، وَيَخْتِمُونَهَا بِالتَّحْمِيدِ، وَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ: إِمَامُهُمْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُونَ: جَمِيعًا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَيَخْتِمُونَ صَلَاتَهُمْ بِتَحْمِيدٍ، يَجْعَلُ التَّحِيَّاتِ لَهُ وَالصَّلَوَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ. وَأَنْوَاعُ تَحْمِيدِهِمْ لِلَّهِ مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ.
[ ٥ / ٢٧١ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ مِنْ حَزْقِيَالَ]
قَالُوا: وَقَالَ: حَزْقِيَالُ - وَهُوَ يُهَدِّدُ الْيَهُودَ وَيَصِفُ لَهُمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ -: " وَإِنَّ اللَّهَ مُظْهِرُهُمْ عَلَيْكُمْ، وَبَاعِثٌ فِيكُمْ نَبِيًّا، وَمُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ كِتَابًا، وَمُمَلِّكُهُمْ رِقَابَكُمْ، فَيَقْهَرُونَكُمْ وَيُذِلُّونَكُمْ بِالْحَقِّ، وَيَخْرُجُ رِجَالُ بَنِي قَيْذَارَ فِي جَمَاعَاتِ الشُّعُوبِ، مَعَهُمْ مَلَائِكَةٌ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ مُتَسَلِّحِينَ، مُحِيطُونَ بِكُمْ، وَتَكُونُ عَاقِبَتُكُمْ إِلَى النَّارِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ ".
وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالَ بَنِي قَيْذَارَ هُمْ (رَبِيعَةُ) وَ(مُضَرُ) أَبْنَاءُ عَدْنَانَ، وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ وَلَدِ قَيْذَارَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَالْعَرَبُ كُلُّهُمْ مِنْ
[ ٥ / ٢٧٢ ]
بَنِي عَدْنَانَ، وَبَنِي قَحْطَانَ. فَعَدْنَانُ - أَبُو رَبِيعَةَ - وَمُضَرُ وَأَنْمَارُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ،. وَأَمَّا قَحْطَانُ فَقِيلَ هُمْ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيلَ هُمْ مِنْ وَلَدِ هُودٍ. وَمُضَرُ وَلَدُ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَقُرَيْشٌ هُمْ مِنْ وَلَدِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَهَوَازِنٌ مِثْلُ عَقِيلٍ، وَكِلَابٍ، وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَ" بَنُو نُمَيْرٍ "، وَثَقِيفٌ وَغَيْرُهُمْ هُمْ مِنْ وَلَدِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ.
وَهَؤُلَاءِ انْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَرْضِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى إِنَّهُمْ لَمَّا سَكَنُوا الْجَزِيرَةَ بَيْنَ الْفُرَاتِ
[ ٥ / ٢٧٣ ]
وَدِجْلَةَ، سَكَنَتْ مُضَرُ فِي حَرَّانَ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا، فَسُمِّيَتْ دِيَارُ مُضَرَ، وَسَكَنَتْ رَبِيعَةُ فِي الْمَوْصِلِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا، فَسُمِّيَتْ دِيَارُ رَبِيعَةَ.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَتَانِ مِنْ دَانْيَالَ ﵇]
وَقَالَ: دَانْيَالُ ﵇، وَذَكَرَ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِاسْمِهِ، فَقَالَ: " سَتَنْزِعُ فِي قَسِيِّكَ إِغْرَاقًا، وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً ".
فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِغَيْرِ تَعْرِيضٍ،
[ ٥ / ٢٧٥ ]
وَتَصْحِيحٌ لَيْسَ فِيهِ تَمْرِيضٌ.
فَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ مُنَازِعٌ فَلْيُوجِدْنَا آخَرَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، لَهُ سِهَامٌ تُنْزَعُ، وَأَمْرٌ مُطَاعٌ لَا يُدْفَعُ.
وَقَالَ: دَانْيَالُ النَّبِيُّ - أَيْضًا - حِينَ سَأَلَهُ بُخْتُ نَصَّرُ عَنْ تَأْوِيلِ رُؤْيَا رَآهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا: " رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ صَنَمًا عَظِيمًا، قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْكَ، رَأْسُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَسَاعِدَاهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنَ النُّحَاسِ، وَسَاقَاهُ مِنَ الْحَدِيدِ، وَرِجْلَاهُ مِنَ الْخَزَفِ، وَرَأَيْتَ حَجَرًا لَمْ تَقْطَعْهُ يَدُ إِنْسَانٍ، قَدْ جَاءَ وَصَكَّ ذَلِكَ الصَّنَمَ فَتَفَتَّتَ وَتَلَاشَى وَعَادَ رُفَاتًا، ثُمَّ نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ، فَذَهَبَ وَتَحَوَّلَ ذَلِكَ الْحَجَرُ فَصَارَ جَبَلًا عَظِيمًا حَتَّى مَلَأَ الْأَرْضَ كُلَّهَا، فَهَذَا مَا رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ؟ ".
فَقَالَ بُخْتُ نَصَّرُ: صَدَقَ؛ فَمَا تَأْوِيلُهَا؟
قَالَ دَانْيَالُ: " أَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقُومُ بَعْدَكَ وَلَدَاكَ اللَّذَانِ رَأَيْتَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَهُمَا دُونَكَ، وَيَقُومُ بَعْدَهُمَا مَمْلَكَةٌ أُخْرَى هِيَ دُونَهُمَا،
[ ٥ / ٢٧٦ ]
وَهِيَ شِبْهُ النُّحَاسِ، وَالْمَمْلَكَةُ الرَّابِعَةُ تَكُونُ قَوِيَّةً مِثْلَ الْحَدِيدِ الَّذِي يَدُقُّ كُلَّ شَيْءٍ، فَأَمَّا الرِّجْلَانِ الَّتِي رَأَيْتَ مِنْ خَزَفٍ فَمَمْلَكَةٌ ضَعِيفَةٌ وَكَلِمَتُهَا مُشَتَّتَةٌ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي رَأَيْتَ قَدْ صَكَّ ذَلِكَ الصَّنَمَ الْعَظِيمَ فَفَتَّتَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ يُقِيمُهُ اللَّهُ إِلَهُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ قَبِيلَةٍ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، فَيَدُقُّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى تَمْتَلِئَ مِنْهُ الْأَرْضُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَيَدُومُ سُلْطَانُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا، فَهَذَا تَعْبِيرٌ عَنْ رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ ".
فَهَذَا نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَا نَعْتُ الْمَسِيحِ، فَهُوَ الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَقَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَسُلْطَانُهُ دَائِمٌ، لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ كَمَا زَالَ مِلْكُ الْيَهُودِ وَزَالَ مِلْكُ النَّصَارَى عَنْ خِيَارِ الْأَرْضِ وَأَوْسَطِهَا.
[ ٥ / ٢٧٧ ]
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْ دَانْيَالَ ﵇]
وَقَالَ: دَانْيَالُ النَّبِيُّ - أَيْضًا -: " سَأَلَتُ اللَّهَ وَتَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِي مَا يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَلْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَيَرُدُّ إِلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ وَيَبْعَثُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، أَوْ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ " قَالَ: دَانْيَالُ: " فَظَهَرَ لِي الْمَلَكُ فِي صُورَةِ شَابٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا دَانْيَالُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَغْضَبُونِي وَتَمَرَّدُوا عَلَيَّ وَعَبَدُوا مِنْ دُونِي آلِهَةً أُخْرَى، وَصَارُوا مِنْ بَعْدِ الْعِلْمِ إِلَى الْجَهْلِ، وَمِنْ بَعْدِ الصِّدْقِ إِلَى الْكَذِبِ، فَسَلَّطْتُ عَلَيْهِمْ بُخْتُ نَصَّرَ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيهِمْ، وَهَدَمَ بَيْتَ مَقْدِسِهِمْ، وَحَرَقَ كُتُبَهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ بَعْدَهُ بِهِمْ، وَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ عَنْهُمْ وَلَا مُقِيلُهُمْ عَثَرَاتِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ مِنْ سُخْطِي حَتَّى أَبْعَثَ مَسِيحِي ابْنَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ فَأَخْتِمُ
[ ٥ / ٢٧٨ ]
عَلَيْهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَالسُّخْطِ، فَلَا يَزَالُونَ مَلْعُونِينَ، عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ حَتَّى أَبْعَثَ نَبِيَّ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ هَاجَرَ، وَأَرْسَلْتُ إِلَيْهَا مَلَاكِي فَبَشَّرَهَا، فَأُوحِي إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَأُعَلِّمُهُ الْأَسْمَاءَ، وَأُزَيِّنُهُ بِالتَّقْوَى، وَأَجْعَلُ الْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالصِّدْقَ قَوْلَهُ، وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْقَصْدَ سِيرَتَهُ، وَالرُّشْدَ سُنَّتَهُ، أَخُصُّهُ بِكِتَابٍ مُصَدِّقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ، وَنَاسِخٍ لِبَعْضِ مَا فِيهَا، أُسْرِي بِهِ إِلَيَّ وَأُرْقِيهِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَعْلُوَ، فَأُدْنِيَهِ وَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَأُوحِي إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرُدُّهُ إِلَى عِبَادِي بِالسُّرُورِ وَالْغِبْطَةِ، حَافِظًا لِمَا اسْتُودِعَ، صَادِعًا بِمَا أُمِرَ، يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِي بِاللِّينِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْمَوْعِظَةِ، لَا فَظَّ وَلَا غَلِيظَ وَلَا صَخَّابَ فِي الْأَسْوَاقِ، رَءُوفٌ بِمَنْ وَالَاهُ، رَحِيمٌ بِمَنْ آمَنَ بِهِ، خَشِنٌ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، فَيَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى
[ ٥ / ٢٧٩ ]
تَوْحِيدِي وَعِبَادَتِي، وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِي، فَيُكَذِّبُونَهُ وَيُؤْذُونَهُ.
قَالَ النَّاقِلُ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ: قَالُوا: ثُمَّ سَرَدَ دَانْيَالُ قِصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرْفًا حَرْفًا مِمَّا أَمْلَاهُ عَلَيْهِ الْمَلِكُ، حَتَّى وَصَلَ آخِرَ أَيَّامِ أُمَّتِهِ بِالنَّفْخَةِ وَانْقِضَاءِ الدُّنْيَا، وَنُبُوَّتُهُ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ الْآنَ فِي أَيْدِي النَّصَارَى وَالْيَهُودِ يَقْرَءُونَهَا.
وَمَهْمَا وَصَفْنَا مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ وَصْفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَنَبِيِّهَا، وَاتِّصَالِ مَمْلَكَتِهِمْ بِالْقِيَامَةِ - قُلْتُ: فَهَذِهِ نُبُوَّةُ دَانْيَالَ فِيهَا الْبِشَارَةُ بِالْمَسِيحِ، وَالْبِشَارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَفِيهَا مِنْ وَصْفِ مُحَمَّدٍ
[ ٥ / ٢٨٠ ]
وَأُمَّتِهِ بِالتَّفْصِيلِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَقَدْ قَرَأَهَا الْمُسْلِمُونَ لَمَّا فَتَحُوا الْعِرَاقَ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، مِنْهُمْ أَبُو الْعَالِيَةِ: ذَكَرَ أَنَّهُمْ لَمَّا فَتَحُوا (تُسْتَرَ) وَجَدُوا دَانْيَالَ مَيِّتًا، وَوَجَدُوا عِنْدَهُ مُصْحَفًا.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَنَا قَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ، وَفِيهِ صِفَتُكُمْ وَلُحُونُ كَلَامِكُمْ، وَكَانَ أَهْلُ النَّاحِيَةِ إِذَا أَجْدَبُوا كَشَفُوا عَنْ قَبْرِهِ فَيُسْقَوْنَ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
[ ٥ / ٢٨١ ]
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: " أَنِ احْفُرْ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا، وَادْفِنْهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا ; لِئَلَّا يُفْتَنَ النَّاسُ بِهِ ".
[ ٥ / ٢٨٢ ]
[فَصْلٌ: مَا نُقِلَ مِنْ بِشَارَاتِ الْمَسِيحِ بِمُحَمَّدٍ وَالتَّعْلِيقِ الْمُفَصَّلِ عَلَيْهَا]
قَالُوا: وَقَالَ يُوحَنَّا الْإِنْجِيلِيُّ: قَالَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ - فِي الْفَصْلِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ -: " إِنَّ الْفَارَقْلِيطَ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي، هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ ".
[ ٥ / ٢٨٤ ]
وَقَالَ: يُوحَنَّا - التِّلْمِيذُ - أَيْضًا - عَنِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: " إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ فَارَقْلِيطَ آخَرَ، يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُطِقِ الْعَالَمُ أَنْ يَقْتُلُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَلَسْتُ أَدَعُكُمْ أَيْتَامًا؛ لِأَنِّي سَآتِيكُمْ عَنْ قَرِيبٍ ".
وَقَالَ يُوحَنَّا: قَالَ الْمَسِيحُ: " مَنْ يُحِبُّنِي يَحْفَظُ كَلِمَتِي، وَأَبِي يُحِبُّهُ، وَإِلَيْهِ يَأْتِي، وَعِنْدَهُ يَتَّخِذُ الْمَنْزِلَ، كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا؛ لِأَنِّي عِنْدَكُمْ مُقِيمٌ، وَالْفَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي، هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا قُلْتُ لَكُمُ اسْتَوْدَعْتُكُمْ سَلَامِي، لَا تَقْلَقْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَجْزَعْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَعَائِدٌ إِلَيْكُمْ، لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِمُضِيِّي إِلَى الْأَبِ، فَإِنْ أَنْتُمْ ثَبَتُّمْ فِي كَلَامِي وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ كَانَ لَكُمْ كُلُّ مَا تُرِيدُونَ، وَبِهَذَا يُمَجَّدُ أَبِي ".
وَقَالَ - أَيْضًا -: " إِذَا جَاءَ الْفَارَقْلِيطُ الَّذِي أَبِي أَرْسَلَهُ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ أَبِي، هُوَ يَشْهَدُ لِي، قُلْتُ لَكُمْ هَذَا حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا بِهِ وَلَا تَشُكُّوا فِيهِ ".
وَقَالَ - أَيْضًا -: " إِنَّ خَيْرًا لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ؛ لِأَنِّي إِنْ لَمْ أَذْهَبْ
[ ٥ / ٢٨٥ ]
لَمْ يَأْتِكُمُ الْفَارَقْلِيطُ، فَإِذَا انْطَلَقْتُ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ، فَهُوَ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَإِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا، أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ. لَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِ ".
وَقَالَ يُوحَنَّا الْحِوَارِيُّ: قَالَ الْمَسِيحُ: " إِنَّ أُرْكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي، وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ ".
وَقَالَ مَتَّى التِّلْمِيذُ: قَالَ الْمَسِيحُ: " أَلَمْ يَقْرَءُوا أَنَّ الْحَجَرَ الَّذِي أَرْذَلَهُ الْبَنَّاءُونَ صَارَ رَأْسًا لِلزَّاوِيَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَانَ هَذَا - وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا - وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِنْكُمْ، وَيُدْفَعُ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى تَأْكُلُ ثَمَرَهَا، وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هَذَا الْحَجَرِ
[ ٥ / ٢٨٦ ]
يَنْشَرِحُ، وَكُلُّ مَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَمْحَقُهُ ".
وَقَالَ يُوحَنَّا التِّلْمِيذُ - فِي كِتَابِ رَسَائِلِ التَّلَامِيذِ، الْمُسَمَّى بِفَرَاكْسِيسَ -: " يَا أَحْبَابِي، إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِكُلِّ رُوحٍ. لَكِنْ مَيِّزُوا الْأَرْوَاحَ الَّتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ رُوحٍ يُؤْمِنُ بِأَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ جَاءَ فَكَانَ جَسَدَانِيًّا، فَهِيَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ جَاءَ، وَكَانَ جَسَدَانِيًّا، فَلَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ مِنَ الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ الَّذِي سَمِعْتُمْ بِهِ، وَهُوَ الْآنَ فِي الْعَالَمِ ".
وَقَالَ شَمْعُونُ الصَّفَا، رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ - فِي كِتَابِ فَرَاكْسِيسَ -: " إِنَّهُ قَدْ حَانَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْحُكْمُ مِنْ بَيْتِ اللَّهِ ابْتِدَاءً ".
قُلْتُ: وَهَذَا اللَّفْظُ، لَفْظُ الْفَارَقْلِيطِ، فِي لُغَتِهِمْ ذَكَرُوا فِيهِ أَقْوَالًا: قِيلَ: إِنَّهُ الْحَمَّادُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْحَامِدُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْمُعِزُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْحَمْدُ، وَرَجَّحَ هَذَا طَائِفَةٌ ; وَقَالُوا: الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ فِي لُغَتِهِمْ أَنَّهُ الْحَمْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ يُوشَعُ: " مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً تَكُونُ لَهُ فَارَقْلِيطَ
[ ٥ / ٢٨٧ ]
جَيِّدًا - أَيْ حَمْدًا جَيِّدًا - وَقَوْلُهُمُ الْمَشْهُورُ فِي تَخَاطُبِهِمْ: فَارَقْلِيطُ، وَفَارَقْلِيطَانِ، وَمَا زَادَ عَلَى الْجَمِيعِ - أَيْ حَمْدٌ - وَمِنْهُ كَمَا نَقُولُ نَحْنُ: يَدٌ وَمِنَّةٌ. وَمَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ الْمُخَلِّصُ فَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ سُرْيَانِيَّةٌ، وَمَعْنَاهَا الْمُخَلِّصُ، وَقَالُوا: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِنَا: " رَاوَفَ "، وَيُقَالُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ " فَارُوقٌ "، فَجُعِلَ " فَارَقَ ". قَالُوا: وَمَعْنَى " لِيطَ " كَلِمَةٌ تُزَادُ، وَالتَّقْدِيرُ كَمَا يُقَالُ فِي الْعَرَبِيَّةِ: رَجُلٌ هُوَ، وَحَجَرٌ هُوَ، وَبَدْرٌ هُوَ، وَذَكَرٌ هُوَ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ يُزَادُ فِي السُّرْيَانِيَّةِ " لِيطُ ". وَالَّذِينَ قَالُوا: هُوَ الْمُعِزُّ، قَالُوا: هُوَ فِي لِسَانِ الْيُونَانِ الْمُعِزُّ.
وَيُعْتَرَضُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ سُرْيَانِيَّةً وَلَا يُونَانِيَّةً، بَلْ عِبْرَانِيَّةً. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَتَرْجَمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى كَمَا أَمْلَوْا أَحَدَ الْأَنَاجِيلِ بِالْيُونَانِيَّةِ، وَالْآخَرَ بِالرُّومِيَّةِ.
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وَوَاحِدٌ بَقِيَ عِبْرَانِيًّا. وَأَكْثَرُ النَّصَارَى عَلَى أَنَّهُ الْمُخَلِّصُ، وَالْمَسِيحُ - نَفْسُهُ - يُسَمُّونَهُ الْمُخَلِّصَ، وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ قَالَ: " إِنِّي لَمْ آتِ لِأُزَيِّنَ الْعَالَمَ، بَلْ لِأُخَلِّصَ الْعَالَمَ "، وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ: " لَقَدْ وُلِدْتَ لَنَا مُخَلِّصًا ".
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَمِنَ النَّصَارَى مَنْ قَالَ: هُوَ رُوحٌ نَزَلَتْ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ، وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ أَلْسُنٌ نَارِيَّةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى التَّلَامِيذِ، فَفَعَلَتِ الْآيَاتِ وَالْعَجَائِبَ ; وَلِهَذَا يَقُولُ مَنْ خَبَرَ أَحْوَالَ النَّصَارَى: إِنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحْسِنُ تَحْقِيقَ مَجِيءِ هَذَا الْفَارَقْلِيطِ الْمَوْعُودِ بِهِ.
مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ - نَفْسُهُ - لِكَوْنِهِ جَاءَ بَعْدَ الصَّلْبِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَوْنِهِ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ. وَتَفْسِيرُهُ بِالرُّوحِ بَاطِلٌ، وَأَبْطَلُ مِنْهُ
[ ٥ / ٢٨٩ ]
تَفْسِيرُهُ بِالْمَسِيحِ لِوُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَا زَالَتْ تَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَبَعْدَهُ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ: أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَبَعْدَهُ، وَلَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
«وَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ لَمَّا كَانَ يَهْجُو الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: " اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ "، وَقَالَ: " إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا زِلْتَ تُنَافِحُ عَنْ نَبِيِّهِ» .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ هَذِهِ الرُّوحَ فَارَقْلِيطَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَارَقْلِيطَ أَمْرٌ غَيْرُ هَذَا. وَأَيْضًا فَمِثْلُ هَذِهِ مَا زَالَتْ يُؤَيَّدُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ
[ ٥ / ٢٩٠ ]
وَالصَّالِحُونَ، وَمَا بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، يَأْتِي بَعْدَهُ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ وَصَفَ الْفَارَقْلِيطَ بِصِفَاتٍ لَا تُنَاسِبُ هَذَا، وَإِنَّمَا تُنَاسِبُ رَجُلًا يَأْتِي بَعْدَهُ نَظِيرًا لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ فَارَقْلِيطَ آخَرَ، يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ) . فَقَوْلُهُ: (فَارَقْلِيطَ آخَرَ) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ ثَانٍ لِأَوَّلٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي حَيَاةِ الْمَسِيحِ إِلَّا هُوَ، لَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ رُوحٌ، فَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ نَظِيرًا لَهُ، لَيْسَ أَمْرًا مُعْتَادًا يَأْتِي لِلنَّاسِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ: (يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ)، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لِمَا يَدُومُ، وَيَبْقَى مَعَهُمْ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بَقَاءَ ذَاتِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بَقَاءُ شَرَعِهِ وَأَمَرِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْفَارَقْلِيطَ الْأَوَّلَ لَمْ يَثْبُتْ مَعَهُمْ شَرْعُهُ وَدِينُهُ إِلَى الْأَبَدِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الثَّانِي صَاحِبُ شَرْعٍ لَا يُنْسَخُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الْفَارَقْلِيطَ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ يَشْهَدُ لَهُ، وَيُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ يُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا قَالَ الْمَسِيحُ، وَأَنَّهُ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيئَتِهِ فَقَالَ: (وَالْفَارَقْلِيطُ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ
[ ٥ / ٢٩١ ]
شَيْءٍ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا قُلْتُ لَكُمْ) .
وَقَالَ: (إِذَا جَاءَ الْفَارَقْلِيطُ الَّذِي أَبِي أَرْسَلَهُ، هُوَ يَشْهَدُ لِي، قُلْتُ لَكُمْ هَذَا حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَلَا تَشُكُّوا فِيهِ) .
وَقَالَ: (إِنَّ خَيْرًا لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ؛ لِأَنِّي إِنْ لَمْ أَذْهَبْ لَمْ يَأْتِكُمُ الْفَارَقْلِيطُ، فَإِذَا انْطَلَقْتُ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ، فَهُوَ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَإِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ. لَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِ) .
فَهَذِهِ الصِّفَاتُ وَالنُّعُوتُ الَّتِي تَلَقُّوهَا عَنِ الْمَسِيحِ، لَا تَنْطَبِقُ عَلَى شَيْءٍ فِي قَلْبِ بَعْضِ النَّاسِ، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ، وَإِنَّمَا تَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ، فَيَشْهَدُ لِلْمَسِيحِ، وَيُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُهُمْ كُلَّ مَا قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ، وَيُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَيُرْشِدُ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، وَهُوَ لَا يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُهُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُهُمْ جَمِيعَ مَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَهَذَا لَا يَكُونُ مَلَكًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، وَلَا يَكُونُ هُدًى، وَلَا عِلْمًا فِي قَلْبِ بَعْضِ النَّاسِ، بَلْ لَا يَكُونُ إِلَّا إِنْسَانًا عَظِيمَ الْقَدْرِ يُخَاطِبُ النَّاسَ
[ ٥ / ٢٩٢ ]
بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَسِيحَ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا، بَلْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الْمَسِيحِ، بَيَّنَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَسِيحُ، وَيَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْمَسِيحُ، وَيُخْبِرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَبِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ حَيْثُ قَالَ: (إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِمَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِ) .
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ اللَّهِ بِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَعَنْ مَلَائِكَتِهِ، وَعَنْ مَلَكُوتِهِ، وَعَنْ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ لِأَوْلِيَائِهِ، وَفِي النَّارِ لِأَعْدَائِهِ، أَمْرٌ لَا يَحْتَمِلُ عُقُولُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مَعْرِفَتَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ ; وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ".
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا بِحَدِيثٍ لَا يَبْلُغُهُ
[ ٥ / ٢٩٣ ]
عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ ". وَسَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] .
قَالَ: " مَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ لَوْ أَخْبَرْتُكَ بِتَفْسِيرِهَا لَكَفَرْتَ؟ وَكُفْرُكَ بِهَا تَكْذِيبُكَ بِهَا ". فَقَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ ﵇: (إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ)، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي هَذَا ; لِهَذَا لَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَصِفَاتِ مَلَكُوتِهِ، وَمِنْ صِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَّا أُمُورٌ مُجْمَلَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ، لَيْسَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَّا أُمُورٌ مُجْمَلَةٌ، مَعَ أَنَّ مُوسَى كَانَ قَدْ مَهَّدَ الْأَمْرَ لِلْمَسِيحِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ: (إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ)، ثُمَّ قَالَ: (وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَلِكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ)، وَقَالَ: (إِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ بِجَمِيعِ مَا لِلرَّبِّ) .
فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْفَارَقْلِيطَ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذَا دُونَ الْمَسِيحِ، وَكَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَرْشَدَ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ لَهُ الدِّينَ، وَأَتَمَّ بِهِ النِّعْمَةَ ; وَلِهَذَا كَانَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُ، وَأَخْبَرَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ٢٩٤ ]
وَسَلَّمَ بِكُلِّ مَا يَأْتِي مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَالْقِيَامَةِ، وَالْحِسَابِ، وَالصِّرَاطِ، وَوَزْنِ الْأَعْمَالِ، وَالْجَنَّةِ وَأَنْوَاعِ نَعِيمِهَا، وَالنَّارِ وَأَنْوَاعِ عَذَابِهَا، وَلِهَذَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَفْصِيلِ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تُوجَدُ لَا فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ، وَذَلِكَ تَصْدِيقُ قَوْلِ الْمَسِيحِ: إِنَّهُ يُخْبِرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي.
وَمُحَمَّدٌ بَعَثَهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَمَا قَالَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى» . وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ عَلَا صَوْتُهُ، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، وَقَالَ:
[ ٥ / ٢٩٥ ]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] .
وَقَالَ: («أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ») .
فَأَخْبَرَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَأْتِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا نَعَتَهُ بِهِ الْمَسِيحُ حَيْثُ قَالَ: (إِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي)، وَلَا يُوجِدُ مِثْلُ هَذَا قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ،
[ ٥ / ٢٩٦ ]
فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ نَزَلَ عَلَى قَلْبِ بَعْضِ الْحَوَارِيِّينَ.
وَأَيْضًا، فَقَالَ: (وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلرَّبِّ)، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُعَرِّفُ النَّاسَ جَمِيعَ مَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مَا لِلَّهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَمَا يَجِبُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَبِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَأْتِي بِهِ جَامِعًا لِكُلِّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ.
وَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُ مُحَمَّدٍ حَيْثُ يَتَضَمَّنُ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، هَذَا كُلُّهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا نَزَلْ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ وَلَا نِصْفُهُ وَلَا ثُلُثُهُ، بَلْ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ أَعْظَمُ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْحَوَارِيُّونَ، وَهَذَا الْفَارَقْلِيطُ الثَّانِي جَاءَ بِأَعْظَمِ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ.
وَأَيْضًا، فَالْمَسِيحُ قَالَ: (إِذَا جَاءَ الْفَارَقْلِيطُ الَّذِي أَرْسَلَهُ أَبِي هُوَ يَشْهَدُ لِي، قُلْتُ لَكُمْ هَذَا، حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا بِهِ وَلَا تَشُكُّوا.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
فِيهِ) . فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِهِ ; لِيُؤْمِنُوا بِهِ إِذَا جَاءَ، وَلَا يَشُكُّوا فِيهِ، وَأَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ، وَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَيَشْهَدُ لِلْمَسِيحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] .
وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ وَبَّخَ جَمِيعَ الْعَالَمِ عَلَى الْخَطِيئَةِ إِلَّا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإِنَّهُ أَنْذَرَ جَمِيعَ الْعَالَمِ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَوَبَّخَهُمْ عَلَى الْخَطِيئَةِ: مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَبَّخَ جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ، وَوَبَّخَ الْمَجُوسَ، وَكَانَتْ مَمْلَكَتُهُمْ أَعْظَمَ الْمَمَالِكِ، وَوَبَّخَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ
[ ٥ / ٢٩٨ ]
الْكِتَابِ» . لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، بَلْ وَبَّخَهُمْ وَقَرَّعَهُمْ وَتَهَدَّدَهُمْ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ. وَهَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ فَهُوَ وَحْيٌ يَسْمَعُهُ، لَيْسَ هُوَ شَيْئًا تَعَلَّمَهُ مِنَ النَّاسِ، أَوْ عَرَفَهُ بِاسْتِنْبَاطِهِ، وَهَذِهِ خَاصَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ، مَعَ مَا كَانَ يُوحَى إِلَيْهِمْ، فَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ غَيْرُ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الْوَحْيِ.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَنْطِقْ إِلَّا بِمَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْوَحْيِ، فَهُوَ مُبَلِّغٌ لِمَا أُرْسِلَ بِهِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ:
﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
فَضَمِنَ اللَّهُ لَهُ الْعِصْمَةَ إِذَا بَلَّغَ رِسَالَاتِهِ، فَلِهَذَا أَرْشَدَ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، وَأَلْقَى إِلَى النَّاسِ مَا لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلْقَاءَهُ ; خَوْفًا أَنْ يَقْتُلُوهُ كَمَا يَذْكُرُونَ عَنِ الْمَسِيحِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ الْمَسِيحُ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ حَمْلَهُ، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ كَانَ يَخَافُ مِنْهُمْ إِذَا أَخْبَرَهُمْ
[ ٥ / ٢٩٩ ]
بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ. وَمُحَمَّدٌ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَأْيِيدًا لَمْ يُؤَيِّدْهُ لِغَيْرِهِ، فَعَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَمْ يَخَفْ مِنْ شَيْءٍ يَقُولُهُ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْبَيَانِ وَالْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤْتِهِ غَيْرَهُ. فَالْكِتَابُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ فِيهِ مِنْ بَيَانِ حَقَائِقِ الْغَيْبِ مَا لَيْسَ فِي كِتَابٍ غَيْرِهِ.
وَأَيَّدَ أُمَّتَهُ تَأْيِيدًا أَطَاقَتْ بِهِ حَمْلَ مَا أَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا كَأَهْلِ التَّوْرَاةِ الَّذِينَ حَمَلُوا التَّوْرَاةَ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا، وَلَا كَأَهْلِ الْإِنْجِيلِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ: (إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ، وَلَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ)، وَلَا رَيْبَ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَكْمَلُ عُقُولًا، وَأَعْظَمُ إِيمَانًا، وَأَتَمُّ تَصْدِيقًا وَجِهَادًا ; وَلِهَذَا كَانَتْ عُلُومُهُمْ وَأَعْمَالُهُمُ الْقَلْبِيَّةُ وَإِيمَانُهُمْ أَعْظَمَ.
وَكَانَتِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ لِغَيْرِهِمْ أَعْظَمَ، قَالَ تَعَالَى:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ - لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ
[ ٥ / ٣٠٠ ]
قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْفَارَقْلِيطِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ، وَأَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُمْ كُلَّ مَا قَالَهُ الْمَسِيحُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا شَهِدَ لَهُ شَهَادَةً يَسْمَعُهَا النَّاسُ، لَا يَكُونُ هَذَا شَيْئًا فِي قَلْبِ طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ لِلْمَسِيحِ شَهَادَةً سَمِعَهَا عَامَّةُ النَّاسِ إِلَّا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإِنَّهُ أَظْهَرَ أَمْرَ الْمَسِيحِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالْحَقِّ حَتَّى سَمِعَ شَهَادَتَهُ لَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ صَدَّقَ الْمَسِيحَ، وَنَزَّهَهُ عَمَّا افْتَرَتْهُ عَلَيْهِ الْيَهُودُ، وَعَمَّا غَلَتْ فِيهِ النَّصَارَى، فَهُوَ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِالْحَقِّ ; وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا شَهِدَ بِهِ مُحَمَّدٌ لِلْمَسِيحِ قَالَ لَهُمْ: (مَا زَادَ عِيسَى عَلَى مَا قُلْتُمْ هَذَا الْعُودَ) .
وَجَعَلَ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا عَلِمُوهُ مِنَ الْحَقِّ، إِذْ كَانُوا وَسَطًا
[ ٥ / ٣٠١ ]
عَدْلًا، لَا يَشْهَدُونَ بِبَاطِلٍ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَدْلًا بِخِلَافِ مَنْ جَارَ فِي شَهَادَتِهِ، فَزَادَ عَلَى الْحَقِّ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ، كَشَهَادَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ مَعْنَى الْفَارَقْلِيطِ، إِنْ كَانَ هُوَ الْحَامِدَ أَوِ الْحَمَّادَ أَوِ الْحَمْدَ، أَوِ الْمُعِزَّ، فَهَذَا الْوَصْفُ ظَاهِرٌ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّهُ وَأُمَّتَهُ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ، وَالْحَمْدُ مِفْتَاحُ خُطْبَتِهِ، وَمِفْتَاحُ صَلَاتِهِ، وَلَمَّا كَانَ حَمَّادًا جُوزِيَ بِوَصْفِهِ ; فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. فَكَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا، وَأَحْمَدَ. وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَهُوَ عَلَى وَزْنِ مُكَرَّمٍ وَمُعَظَّمٍ وَمُقَدَّسٍ، وَهُوَ الَّذِي يُحْمَدُ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَالَغًا فِيهِ، وَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ حَمَّادًا لِلَّهِ كَانَ مُحَمَّدًا، وَفِي شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
[ ٥ / ٣٠٢ ]
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ.
وَأَمَّا أَحْمَدُ، فَهُوَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ: أَيْ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، يُقَالُ: هَذَا أَحْمَدُ مِنْ هَذَا ; أَيْ هَذَا أَحَقُّ بِأَنْ يُحْمَدَ مِنْ هَذَا، فَيَكُونُ فِيهِ تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ مَحْمُودًا. فَلَفَظُ (مُحَمَّدٍ) يَقْتَضِي فَضْلَهُ فِي الْكَمِّيَّةِ، وَلَفْظُ (أَحْمَدَ) يَقْتَضِي فَضْلَهُ فِي الْكَيْفِيَّةِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ أَحْمَدُ ; أَيْ أَكْثَرُ حَمْدًا مِنْ غَيْرِهِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بِمَعْنَى الْحَامِدِ وَالْحَمَّادِ.
وَقَالَ: مَنْ رَجَّحَ أَنَّ مَعْنَى الْفَارَقْلِيطِ فِي لُغَتِهِمْ هُوَ الْحَمْدُ - كَمَا تَقَدَّمَ -: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ:
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] .
[ ٥ / ٣٠٣ ]
قَالُوا: وَلَا شَكَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَمْدِ، مِثْلُ مَا نَقُولُ فِي لُغَتِنَا: ضَارِبٌ وَمَضْرُوبٌ. وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَهُ بِالْمُعِزِّ فَلَمْ يُعْرَفْ قَطُّ نَبِيٌّ أَعَزَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ وَالْإِيمَانِ كَمَا أَعَزَّهُمْ مُحَمَّدٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِاسْمِ الْمُعِزِّ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ.
وَأَمَّا مَعْنَى الْمُخَلِّصِ، فَهُوَ - أَيْضًا - ظَاهِرٌ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْمُخَلِّصُ الْأَوَّلُ كَمَا ذُكِرَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - سُمِّيَ مُخَلِّصًا، فَيَكُونُ الْمَسِيحُ هُوَ الْفَارَقْلِيطَ الْأَوَّلَ، وَقَدْ بَشَّرَ بِفَارَقْلِيطَ آخَرَ، فَإِنَّهُ قَالَ: (وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ فَارَقْلِيطَ آخَرَ، يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ)، فَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِمُخَلِّصٍ ثَانٍ يَثْبُتُ مَعَهُمْ إِلَى الْأَبَدِ، وَالْمَسِيحُ هُوَ الْمُخَلِّصُ الْأَوَّلُ. وَأَمَّا مَا يَنْزِلُ فِي الْقُلُوبِ فَلَمْ يُسَمِّهِ أَحَدٌ مُخَلِّصًا، وَلَا فَارَقْلِيطَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَسَّرَ كَلَامُ الْمَسِيحِ إِلَّا بِلُغَتِهِ، وَمَعَانِيهِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي خَاطَبَ بِهَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ وَسَائِرُ النَّاطِقِينَ.
وَقَدْ وَصَفَ هَذَا الْمُخَلِّصَ الثَّانِي بِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَهُمْ إِلَى الْأَبَدِ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ الْمُخَلِّصُ الَّذِي جَاءَ بِشَرْعٍ بَاقٍ إِلَى الْأَبَدِ، لَا يُنْسَخُ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ ; إِنْجِيلَ يُوحَنَّا، أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: (أُرْكُونُ الْعَالَمِ سَيَأْتِي
[ ٥ / ٣٠٤ ]
وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ) .
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْأُرْكُونَ بِلُغَتِهِمُ الْعَظِيمُ الْقَدْرِ، وَالْأَرَاكِنَةُ الْعُظَمَاءُ، وَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ: عَنِ الْمَسِيحِ: (إِنَّ أُرْكُونَ الشَّيَاطِينِ يُعِينُهُ) أَيْ عَظِيمُ الشَّيَاطِينِ. وَهُوَ مِنَ افْتِرَاءِ الْيَهُودِ عَلَى الْمَسِيحِ، فَقَوْلُ الْمَسِيحِ ﵇: أُرْكُونُ الْعَالَمِ، إِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى عَظِيمِ الْعَالَمِ وَسَيِّدِ الْعَالَمِ وَكَبِيرِ الْعَالَمِ. وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَأْتِي، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأُرْكُونُ الْمَسِيحَ، أَوْ أَحَدًا مِثْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدَ الْمَسِيحِ مَنْ سَادَ الْعَالَمَ، وَأَطَاعَهُ الْعَالَمُ غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهَذَا مِنْ بِشَارَةِ الْمَسِيحِ بِهِ.
وَقَدْ «سُئِلَ ﷺ مَا كَانَ أَوَّلُ أَمْرِكَ؟ قَالَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي رَأَتْ حِينَ وَلَدَتْنِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» .
وَبِالْجُمْلَةِ، فَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ الْمَسِيحِ مَنْ سَادَ الْعَالَمَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَانْقَادَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَالْأَجْسَادُ، وَأُطِيعَ فِي
[ ٥ / ٣٠٥ ]
السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فِي مَحْيَاهُ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَأَفْضَلِ الْأَقَالِيمِ شَرْقًا وَغَرْبًا، غَيْرَ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْمُلُوكَ يُطَاعُونَ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، وَلَا يُطَاعُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَلَا يُطِيعُهُمْ أَهْلُ الدِّينِ طَاعَةً يَرْجُونَ بِهَا ثَوَابَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَيَخَافُونَ عِقَابَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَمُحَمَّدٌ أَظْهَرَ دِينَ الرُّسُلِ قَبْلَهُ، وَصَدَّقَهُمْ، وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ، فَبِهِ آمَنَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ قَبْلَ مُوسَى وَالْمَسِيحِ وَغَيْرِهِمَا أُمَمٌ عَظِيمَةٌ، لَوْلَا مُحَمَّدٌ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ. وَمَنْ كَانَ يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِمْ كَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْمَسِيحِ، وَكَانُوا يَقْدَحُونَ فِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمَا بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ ذَكَرَ لَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ، مِثْلَ هُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ صَدَّقَ الْمَسِيحَ فِي أَخْبَارِهِ ; بِأَنَّهُ أُرْكُونُ الْعَالَمِ فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ. آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي، أَنَا خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَفَدُوا، وَإِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا اجْتَمَعُوا» .
وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ سَيِّدُ الْعَالَمِينَ حَقًّا، وَهَذَا
[ ٥ / ٣٠٦ ]
مُطَابِقٌ لِقَوْلِ الْمَسِيحِ: (إِنَّهُ أُرْكُونُ الْعَالَمِ)، فَهُوَ أُرْكُونُ الْآخَرِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ أُرْكُونُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: (إِنَّ أُرْكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي، وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ) تَضَمَّنَ الْأَصْلَيْنِ: إِثْبَاتُ الرَّسُولِ، وَإِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَهُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: (لَيْسَ لِي شَيْءٌ) تَنْزِيهٌ لَهُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا النَّفْيُ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وَقَالَ:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢] (أَيْ مَلْجَأً وَمَلَاذًا) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
[ ٥ / ٣٠٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] .
وَأَيْضًا، فَفِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَاءَ أَنَّهُ وَصَفَ مُحَمَّدًا بِأَنَّهُ أُرْكُونُ السِّلْمِ، وَالسِّلْمُ وَالسَّلَامُ: الْإِسْلَامُ. فَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ سَيِّدُ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بُعِثُوا بِدِينِ الْإِسْلَامِ. لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ هَذَا الدِّينُ وَاسْمُهُ، وَانْتَشَرَ ذِكْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَرْضِ كَمَا ظَهَرَ لِمُحَمَّدٍ، فَمُحَمَّدٌ أُرْكُونُ الْإِسْلَامِ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ خَيْرٍ وَبِرٍّ، كَمَا أَنَّ إِبْلِيسَ أُرْكُونُ الشَّرِّ، قَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ:
﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ - فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢] .
[ ٥ / ٣٠٨ ]
فَهَذَا نُوحٌ: أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، يَذْكُرُ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَتِ السَّحَرَةُ - لَمَّا أَسْلَمُوا، وَأَرَادَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُمْ -:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] .
وَقَالَ:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] .
وَقَالَ:
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] .
[ ٥ / ٣٠٩ ]
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَمَّى الْمَسِيحَ الْفَارَقْلِيطَ رُوحَ الْحَقِّ، وَسَمَّاهُ رُوحَ الْقُدُسِ. وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢] .
﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] .
وَقَالَتْ بِلْقِيسُ:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] .
قِيلَ: قَدْ قَالَ يُوحَنَّا فِي كِتَابِ أَخْبَارِ الْحَوَارِيِّينَ، الْمُسَمَّى (إِفْرَاكْسِيسَ): " يَا أَحْبَابِي، إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِكُلِّ رُوحٍ. لَكِنْ مَيِّزُوا الْأَرْوَاحَ الَّتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ رُوحٍ تُؤْمِنُ بِأَنَّ
[ ٥ / ٣١٠ ]
يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ جَاءَ، فَكَانَ جَسَدَانِيًّا، فَهِيَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلَّ رُوحٍ لَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ، وَكَانَ جَسَدَانِيًّا، فَلَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ مِنَ الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ الَّذِي هُوَ الْآنَ فِي الْعَالَمِ ".
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الرُّوحَ - عِنْدَهُمْ - يَتَنَاوَلُ النَّبِيَّ الْمُرْسَلَ مِنَ الْبَشَرِ، وَجِبْرِيلُ الَّذِي نَزَلَ بِالْوَحْيِ عَلَى مُحَمَّدٍ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، وَهُوَ رُوحُ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وَقَالَ:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] .
وَقَالَ:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] .
وَهَذَا الرُّوحُ إِنَّمَا جَعَلَهُ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ، وَالْكَلَامُ الَّذِي نَزَلَ بِهِ هُوَ
[ ٥ / ٣١١ ]
الَّذِي بَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ ; وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .
فَاصْطَفَى اللَّهُ جِبْرِيلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَاصْطَفَى مُحَمَّدًا مِنَ الْبَشَرِ ; وَلِهَذَا يُضَافُ الْقَوْلُ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ إِلَى قَوْلِ هَذَا تَارَةً، وَإِلَى قَوْلِ هَذَا تَارَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] .
فَهَذَا الرَّسُولُ هَنَا جِبْرِيلُ، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣] .
فَهَذَا الرَّسُولُ هَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَضَافَهُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِلَفْظِ الرَّسُولِ ; لِتَضَمُّنِهِ أَنَّهُ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ، لَمْ يَقُلْ: " إِنَّهُ لَقَوْلُ مَلَكٍ، وَلَا نَبِيٍّ "، بَلْ كَفَّرَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ كَمَا ذُكِرَ
[ ٥ / ٣١٢ ]
ذَلِكَ عَنِ الْوَحِيدِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ:
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا - رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ - نَفْسَهُ - لَمْ يُنْزَلْ، بَلْ أُبْدِلَ الرَّسُولُ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِالذِّكْرِ.
وَلَمَّا كَانَ الرَّسُولُ الْمَلَكِيُّ، وَالرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ، وَالذِّكْرُ الْمُنَزَّلُ أُمُورًا مُتَلَازِمَةً يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ وَاحِدٍ ثُبُوتُ الْآخَرِينَ، وَمِنَ الْإِيمَانِ بِوَاحِدٍ الْإِيمَانُ بِالْآخَرِينَ، فَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ حَقًّا كَوْنُ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ حَقًّا، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ مُحَمَّدٍ حَقًّا كَوْنُ جِبْرِيلَ وَالْقُرْآنِ حَقًّا، وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ جِبْرِيلَ حَقًّا كَوْنُ الْقُرْآنِ وَمُحَمَّدٍ حَقًّا.
وَلِهَذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
[ ٥ / ٣١٣ ]
فَتَعْلِيمُ مُحَمَّدٍ وَتَذْكِيرُهُ وَشَهَادَتُهُ هُوَ تَعْلِيمُ رُوحِ الْقُدُسِ وَرُوحِهِ، وَالْأَخْبَارُ بِأَنَّ الْمَلَكَ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ الْبَشَرِ، أَوِ الْجِنِّيَّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ الْبَشَرِ كَثِيرٌ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ "، وَيُقَالُ: " مَا أَلْقَى هَذَا عَلَى لِسَانِكَ إِلَّا الشَّيْطَانُ "، وَيَكُونُ مَعَ هَذَا الْبَشَرِ يَنْطِقُ بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لَيْسَ هُوَ كَالْمَصْرُوعِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِهِ وَهُوَ يَدْرِي مَا يَقُولُ ; فَلِهَذَا يُقَالُ: هَذَا قَوْلُ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ الْمَلَكِيُّ.
وَيُقَالُ: الْفَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ وَرُوحُ الْقُدُسِ يَشْهَدُ لِي وَهُوَ
[ ٥ / ٣١٤ ]
يُعَلِّمُكُمْ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْفَارَقْلِيطَ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ جَمِيعًا، وَقَوْلُ أَحَدِهِمَا هُوَ قَوْلُ الْآخَرِ، وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ ; كَقَوْلِهِ:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وَالشَّهْرُ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْقِتَالِ، لَكِنْ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى الْقِتَالِ أُبْدِلَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَقَوْلُهُ:
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا - رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١] .
وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ أُبْدِلَ الرَّسُولُ مِنَ الذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الثَّانِي اشْتَمَلَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ كَانَ الرَّسُولُ الْمَلَكِيُّ يَتَّصِلُ بِهِ فِي الْبَاطِنِ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ حِينَ يُنْزِلُهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ قَالَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعِيتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ:
[ ٥ / ٣١٥ ]
" وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» .
وَالْفَصْمُ: الْفَكُّ وَالْفَصْلُ مِنَ الْأُمُورِ اللَّيِّنَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
وَبِالْقَافِ: هُوَ الْكَسْرُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الصَّلْبَةِ.
فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَلَكَ حِينَ يُنْزِلُ الْوَحْيَ عَلَيْهِ يَتَّصِلُ بِهِ، وَيَلْتَبِسُ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَيَنْفَكُّ عَنْهُ، وَهَذَا الِاشْتِمَالُ وَالِانْفِصَالُ أَبْلَغُ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَحْسُنُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ إِبْدَالُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ أَحْسَنَ مِنْ غَيْرِهِ. فَيُقَالُ: هَذَا الْقُرْآنُ بَلَّغَهُ الرَّسُولُ النَّبِيُّ، وَبَلَّغَهُ جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ، وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ فِي جَمِيعِ بِشَارَاتِ الْمَسِيحِ. يُذْكَرُ أَنَّ الْأَبَ وَهُوَ فِي لُغَتِهِمْ: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الْفَارَقْلِيطَ. وَفِي بَعْضِهَا قَالَ: " أَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ
[ ٥ / ٣١٦ ]
يُعْطِيكُمْ فَارَقْلِيطَ آخَرَ، يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ "، وَفِي بَعْضِهَا: " وَالْفَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي، هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ "، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهُ، وَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُرْسِلَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: " فَإِذَا انْطَلَقْتُ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ " فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: إِنِّي أُرْسِلُهُ بِدُعَاءِ أَبِي، وَطَلَبِي مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَهُ، كَمَا يَطْلُبُ الطَّالِبُ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا، أَوْ يُوَلِّي نَائِبًا، أَوْ يُعْطِي أَحَدًا، وَيَقُولُ أَنَا أَرْسَلْتُ هَذَا، وَوَلَّيْتُ هَذَا، وَأَعْطَيْتُ هَذَا ; أَيْ كُنْتُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى مَا يَكَوِّنُ الشَّيْءَ فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ لَهُ أَسْبَابًا يَكُونُ بِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ دُعَاءُ طَائِفَةٍ مِنْ عِبَادِهِ بِهِ. فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ فِي إِجَابَتِهِ دُعَاءُ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا.
وَمُحَمَّدٌ دَعَا بِهِ الْخَلِيلُ ﵇ فَقَالَ:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
مَعَ أَنَّ اللَّهَ قَضَى بِإِرْسَالِهِ، وَأَعْلَنَ بِاسْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: " وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ "، وَقَالَ: " إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لِمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ ".
[ ٥ / ٣١٧ ]
وَهَذَا كَمَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ اسْتِغَاثَتُهُ بِاللَّهِ، وَكَذَلِكَ بِمَا يَقْضِيهِ مِنْ إِنْزَالِ الْغَيْثِ يَكُونُ مِنْ أَسْبَابِهِ دُعَاءُ عِبَادِهِ لَهُ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ سَأَلَ رَبَّهُ بَعْدَ صُعُودِهِ أَنْ يُرْسِلَ مُحَمَّدًا، وَيَكُونُ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ إِرْسَالِهِ، لَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَ فِي الدُّنْيَا فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ سُؤَالِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ كَانَ بَعْدَ صُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
[ ٥ / ٣١٨ ]
[فَصْلٌ: بَرَاهِينُ قُرْآنِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ ﷺ]
وَالْقُرْآنُ - نَفْسُهُ - قَدْ بَيَّنَ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينِ رِسَالَتِهِ أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً مَعَ اشْتِمَالِ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى عَدَدٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ، مِثَالُ ذَلِكَ: إِخْبَارُهُ لِقَوْمِهِ بِالْغَيْبِ الْمَاضِي الَّذِي لَا يُمْكِنُ بَشَرًا أَنْ يَعْلَمَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ تَلَقَّاهُ عَنْ نَبِيٍّ، وَقَوْمُهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا غَيْرِهِمْ. وَهَذَا نَوْعَانِ:
مِنْهُ: مَا كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ ; لِيَنْظُرَ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَمْ لَا؟
وَكَانَ قَوْمُهُ يُرْسِلُونَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، الْبَعِيدِينَ عَنْهُمْ، مِثْلَ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَسْأَلُونَهُ عَنْهُ، فَيُرْسِلُونَ إِلَيْهِمْ لِيَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَمْتَحِنُونَ بِذَلِكَ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَمْ لَا؟
وَمِنْهُ: مَا كَانَ اللَّهُ يُخْبِرُهُ بِهِ ابْتِدَاءً، وَيَجْعَلُهُ عِلْمًا وَآيَةً لِنُبُوَّتِهِ، وَبُرْهَانًا لِرِسَالَتِهِ، مَعَ مَا فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَصِ مِنَ الِاعْتِبَارِ لِأُمُورٍ أُخْرَى، فَكَانَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ دَلِيلًا وَعِبْرَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ، مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَكَانَ دَلِيلًا وَعِبْرَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ مِنْ جِهَةِ إِخْبَارِهِ بِالْغَيْبِ، الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، وَكَانَتْ عِبْرَةً بِمَا فِيهَا مِنْ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ الَّتِي تُوجِبُ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مِثْلَهُ، وَتَجَنُّبَ سَبِيلِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ خَالَفُوا مِثْلَهُ، وَحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ
[ ٥ / ٣١٩ ]
نَظِيرِهِ. فَإِذَا كَانَ مَنْ كَانَ مِثْلَهُ وَمِثْلَ مَنِ اتَّبَعَهُ سَعِيدًا، وَحَالُ مَنْ خَالَفَ مِثْلَهُ وَمِثْلَ مَنِ اتَّبَعَهُ شَقِيًّا، كَانَ فِي هَذَا دَلَالَةٌ وَعِبْرَةٌ تُوجِبُ اتِّبَاعَهُ، وَتَنْهَى عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَهَذَا - أَيْضًا - دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَا تَشَاعُرٍ، لَمْ يَأْخُذُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَنْهُمْ.
وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأَخْبَارٍ مُفَصَّلَةٍ، يَمْتَنِعُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا عَادَةً إِلَّا بِتَوَاطُؤٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَوَاطُؤٌ وَتَشَاعُرٌ، وَامْتَنَعَ اتِّفَاقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُخْبِرِينَ صَادِقٌ، قَالَ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] .
وَقَصَّ قِصَّتَهُ فِي السُّورَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ - وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ - وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ - وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ - وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢ - ١٠٦] .
[ ٥ / ٣٢٠ ]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ - حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٨ - ١١١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] .
[ ٥ / ٣٢١ ]
وَقَالَ:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
وَقَالَ:
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] .
وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا قَصَّ قِصَّةَ نُوحٍ مِنْ سُورَةِ هُودٍ، وَهِيَ أَطْوَلُ
[ ٥ / ٣٢٢ ]
مَا قَصَّهُ فِي قِصَّةِ نُوحٍ:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، مَا كَانَ يَعْلَمُهُ هُو وَلَا قَوْمُهُ مِنْ قَبْلِ هَذَا. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَوْمُهُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ لَمْ يُعَاشِرْ إِلَّا قَوْمَهُ، وَقَوْمُهُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَيَعْلَمُونَ - أَيْضًا - أَنَّهُ هُوَ لَمْ يَكُنْ تَعَلَّمُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعَاشِرُ غَيْرَهُمْ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، صَارَ هَذَا حُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ، وَعَلَى مَنْ بَلَغَهُ خَبَرُ قَوْمِهِ، وَمِثْلُ مَا أَخْبَرَهُمْ عَنْ قِصَّةِ آدَمَ، وَسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ، وَتَزْيِينِ إِبْلِيسَ لَهُ حَتَّى أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَهَبَطَ هُو وَزَوْجُهُ.
وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قِصَّةِ نُوحٍ وَمُكْثِهِ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ
[ ٥ / ٣٢٣ ]
عَامًا، وَهَذَا فِي التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ: مِقْدَارُ لُبْثِهِ فِي قَوْمِهِ قَبْلَ الْغَرَقِ وَبَعْدَهُ.
وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قِصَّةِ الْخَلِيلِ، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ، وَإِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، وَذَبْحِ وَلَدِهِ، وَمَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ ضِيفَانٍ، وَتَبْشِيرِهِ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَذَهَابِ الْمَلَائِكَةِ إِلَى لُوطٍ، وَمَا جَرَى لِلُوطٍ مَعَ قَوْمِهِ، وَإِهْلَاكِ اللَّهِ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ، وَقِصَّةِ إِسْرَائِيلَ مَعَ بَنِيهِ ; كَقِصَّةِ يُوسُفَ، وَمَا جَرَى لَهُ بِمِصْرَ، وَقِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ، وَتَكْلِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَآيَاتِهِ كَالْعَصَا، وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَالْقُمَّلِ، وَالضَّفَادِعِ، وَالدَّمِ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِطْعَامِهِمِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَانْفِجَارِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ عَيْنًا لِسَقْيِهِمْ وَعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَقِصَّةِ الْبَقَرَةِ، وَنَتْقِ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ، وَقِصَّةِ دَاوُدَ، وَقَتْلِهِ لِجَالُوتَ، وَقِصَّةِ الَّذِينَ خَرَجُوا
[ ٥ / ٣٢٤ ]
مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، وَقِصَّةِ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
إِلَى أَنْ ذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّا وَابْنِهِ يَحْيَى، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَحْوَالِ الْمَسِيحِ وَآيَاتِهِ، وَدُعَائِهِ لِقَوْمِهِ، وَالْآيَاتِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا، وَتَفَاصِيلِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَقِصَّةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْكُفَّارِ مُفَصَّلَةً مُبَيَّنَةً بِأَحْسَنِ بَيَانٍ وَأَتَمِّ مَعْرِفَةٍ، مَعَ عِلْمِ قَوْمِهِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَحْوَالَهُ مِنْ صِغَرِهِ إِلَى أَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ: أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ هَذَا مِنْ بَشَرٍ، بَلْ لَمْ يَجْتَمِعْ هُوَ بِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَا كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَكَّةَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، لَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَلَا غَيْرُهُمْ.
فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ لِقَوْمِهِ بِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا أَعْلَمَهُ بِهِ وَأَنْبَأَهُ بِهِ اللَّهُ، وَمِثْلُ هَذَا الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ مَنْ أَخَذَ عَنْ نَبِيٍّ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ أَخَذَهُ عَنْ نَبِيٍّ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
، ثُمَّ سَائِرُ أَهْلِ الْأَرْضِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ، مِنْ طُرِقٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْمَهُ الْمُعَادِينَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى
[ ٥ / ٣٢٥ ]
الْقَدْحِ فِي نُبُوَّتِهِ، مَعَ كَمَالِ عِلْمِهِمْ - لَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ - لَطَعَنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَظْهَرُوهُ، فَإِنَّهُمْ - مَعَ عِلْمِهِمْ - بِحَالِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا ذَلِكَ لَوْ كَانَ، وَمَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى الْقَدْحِ فِيهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَقْدَحُوا فِيهِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَظْهَرَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَ عَنْ قَوْمِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْتَمِعُ بِهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَصُ الْمُتَنَوِّعَةُ قَدْ تَعَلَّمَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - مَعَ عَدَاوَتِهِ لَهُمْ - لَكَانُوا يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ، وَيُظْهِرُونَهُ، وَلَوْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ لَنُقِلَ ذَلِكَ وَعُرِفَ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ حَيْثُ بُعِثَ كَانَ النَّاسُ إِمَّا مُشْرِكًا وَإِمَّا كِتَابِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ عَلَى الدِّينِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ - مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ - لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْقِصَصَ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهَا فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى دِينِهِ فَعَادُوهُ وَكَذَّبُوهُ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ عَلَّمَهُ، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِ لَأَظْهَرَ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَوْ كَانَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُ - وَلَوْ خَوَاصُّ النَّاسِ - وَكَانَ فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ
[ ٥ / ٣٢٦ ]
يَشِيعُ، وَلَوْ تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ كَمَا شَاعَ مَا كُتِمَ مِنْ أَمْرِ الدُّوَلِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَلَكَانَ خَوَاصُّهُ فِي الْبَاطِنِ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُ، وَكَانَ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ يُنَاقِضُ تَصْدِيقَهُ فِي الْبَاطِنِ كَمَا عُرِفَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
فَكَيْفَ، وَكَانَ أَخَصُّ أَصْحَابِهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِحَالِهِ أَعْظَمَهُمْ مَحَبَّةً وَمُوَالَاةً؟ بِخِلَافِ حَالِ مَنْ يُبْطِنُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ، فَإِنَّ خَوَاصَّ أَصْحَابِهِ لَا يُعَظِّمُونَهُ فِي الْبَاطِنِ.
فَإِنَّهُ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَادِينَ لَهُ غَايَةَ الْعَدَاوَةِ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ الْقَدْحَ فِي نُبُوَّتِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ بَشَرٌ يُعَلِّمُهُ مِثْلَ هَذَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْمِهِ وَلَا بَلَدِهِ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا.
عَلِمَ النَّاسُ مَا عَلِمَهُ قَوْمُهُ أَنَّ هَذَا أَنْبَأَهُ بِهِ اللَّهُ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْلَامِهِ وَآيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ مِنْ آيَاتِهِ، وَأَنَّهُ حِينَ أَخْبَرَ قَوْمَهُ بِهَذَا - مَعَ تَكْذِيبِهِمْ وَفَرْطِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ - لَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَهُ: بَلْ فِينَا مَنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَأَنْتَ كُنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَعَلَّمْتَهُ مِنَّا أَوْ مِنْ غَيْرِنَا. فَكَانَ إِقْرَارُهُمْ بِعَدَمِ عِلْمِهِ وَعِلْمِهِمْ،
[ ٥ / ٣٢٧ ]
وَمَعَ فَرْطِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ، آيَةً بَيِّنَةً لِجَمِيعِ الْأُمَمِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُو وَلَا هُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ بَعْضُهُمْ يَفْتَرِي عَلَيْهِ فِرْيَةً ظَاهِرَةً، كَانُوا كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِ يَعْرِفُونَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَاهِنٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ سَاحِرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ تَعَلَّمَهُ مِنْ بَشَرٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ.
فَحَكَى اللَّهُ أَقْوَالَهُمْ، مُبَيِّنًا لِظُهُورِ كَذِبِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَوْلُ ضَالٍّ حَائِرٍ، قَدْ بَهَرَهُ حَالُ الرَّسُولِ، فَحَارَ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا - وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا - وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا - وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ١ - ٦] .
[ ٥ / ٣٢٨ ]
فَأَخْبَرَ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُمْلِيَهَا كَمَا قَالَ:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
وَقَالَ:
﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] .
وَلِهَذَا قَالَ:
﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] .
فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذَا مِنْ عِلْمِ مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ، إِذْ كَانَ الْبَشَرُ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ مَنْ يَعْلَمُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ.
، ثُمَّ ذَكَرَ مَا اقْتَرَحُوهُ فَقَالَ:
[ ٥ / ٣٢٩ ]
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا - أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا - انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٩] .
أَمَرَ بِالنَّظَرِ فِي كَيْفِيَّةِ مَا ضَرَبُوهُ مِنَ الْأَمْثَالِ، حَيْثُ شَبَّهُوهُ بِمَنْ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ظُهُورًا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ ; وَلِهَذَا قَالَ:
﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٩] .
إِذْ كَانَ ظَاهِرًا أَنَّ هَذَا ضَلَالٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الضَّالُّ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ - إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ - وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣] .
[ ٥ / ٣٣٠ ]
فَأَخْبَرَ عَمَّا افْتَرَاهُ بَعْضُهُمْ، مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ هَذَا الْقُرْآنَ بَشَرٌ.
وَكَانَ بِمَكَّةَ مَوْلًى أَعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ، قِيلَ: إِنَّهُ مَوْلًى لَبَنِي الْحَضْرَمِيِّ، وَالنَّبِيُّ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانِ الْعَجَمِيِّ، وَذَاكَ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ. فَلَمَّا قَالُوا: إِنَّهُ افْتَرَى
[ ٥ / ٣٣١ ]
هَذَا الْقُرْآنَ، وَأَنَّهُ عَلَّمَهُ إِيَّاهُ بَشَرٌ قَالَ تَعَالَى:
﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾ [النحل: ١٠٣] .
أَيْ يُضِيفُونَ إِلَيْهِ هَذَا التَّعْلِيمَ، وَيَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْإِلْحَادِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَيْلِ، فَقَالَ: لِسَانُ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِي قَالُوا إِنَّهُ يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ، لِسَانٌ أَعْجَمِيٌّ، وَهُمْ لَمْ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُضِيفُوا هَذَا التَّعْلِيمَ إِلَى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ، بَلْ إِلَى هَذَا الْأَعْجَمِيِّ ; لِكَوْنِهِ كَانَ يَجْلِسُ - أَحْيَانًا - إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ الْأَعْجَمِيُّ لَا يُمْكِنُهُ التَّكَلُّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ، بَلْ هُوَ أَعْجَمِيٌّ، وَمُحَمَّدٌ لَا يُعْرَفُ بِالْعَجَمِيَّةِ، لَكِنَّ غَايَةَ ذَلِكَ الْأَعْجَمِيِّ كَعَبْدِ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ أَنْ يَعْرِفَ قَلِيلًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْعَادَةِ، مِثْلَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ ; كَلَفْظِ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَا يَعْرِفُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً وَاحِدَةً مِنَ الْقُرْآنِ.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ ظُهُورَ كَذِبِهِمْ فِيمَا افْتَرَوْهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً مِنْ تَعَلُّمِهِ أَنْبَاءَ الْغَيْبِ، مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالُوا مَا ظَهَرَ بُطْلَانُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ
[ ٥ / ٣٣٢ ]
أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ قَوْلًا يَخْفَى بُطْلَانُهُ، بَلْ مَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ تَعَلَّمَ أَخْبَارَ الْغُيُوبِ مِنْ أَحَدٍ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ: قِصَّةُ نُوحٍ - لَا سِيَّمَا قِصَّتُهُ فِي سُورَةِ هُودٍ كَمَا تَقَدَّمَ - لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ مَنْ تَلَقَّاهَا عَنْ نَبِيٍّ، فَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَتَلَقَّاهَا عَنْ أَحَدٍ، عُلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِهَا:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
وَالْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْقَصَصِ، كَالْقَوْلِ فِيهَا.
وَكَمَا قَالَ - فِي سُورَةِ يُوسُفَ -:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] .
وَقَالَ - فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّا وَمَرْيَمَ -:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] .
وَقَالَ: - فِي قِصَّةِ مُوسَى -:
[ ٥ / ٣٣٣ ]
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ - وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ - وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٤ - ٤٦] الْآيَةَ.
وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَعْلَمُ مِثْلَ هَذَا بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ خَبَرٍ، فَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عَلِمْتَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِنَا وَإِيحَائِنَا إِلَيْكَ وَإِعْلَامِنَا لَكَ بِذَلِكَ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ كُلِّ مَنْ عَرَفَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا قَوْمُهُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] .
بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ تِلَاوَتَهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْكِتَابَ، وَإِدْرَاءَهُمْ ; أَيْ إِعْلَامَهُمْ بِهِ، هُوَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
[ ٥ / ٣٣٤ ]
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٥ - ١٦] .
فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ، وَهُوَ لَا يَتْلُو شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُعَلِّمُهُ، وَلَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ الَّذِي لَوْ شَاءَ مَا تَلَاهُ عَلَيْهِمْ وَلَا أَدْرَاهُمْ بِهِ، وَتِلَاوَتُهُ عَلَيْهِمْ وَإِدْرَاؤُهُمْ بِهِ هُوَ مِنَ الْإِعْلَامِ بِالْغُيُوبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِرْسَالِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، لَا مِنَ الْكَوْنِيِّ الَّذِي قَدَّرَهُ، وَهُوَ لَا يُحِبُّهُ، وَلَا يَرْضَاهُ؛ كَإِرْسَالِ الشَّيَاطِينِ، وَلِهَذَا كَانُوا يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَصِيرَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُعْطُوهُ حَتَّى يَكُونَ مِنْ أَغْنَاهُمْ، وَأَنْ يُزَوِّجُوهُ مَا شَاءَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَيَقُولُ: " «لَوْ وَضَعْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شَمَالِي عَلَى أَنْ أَدَعَ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَدَعَهُ» "، وَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ
[ ٥ / ٣٣٥ ]
مَطْلُوبُ النُّفُوسِ مِنَ الدُّنْيَا (السُّلْطَانُ وَالْمَالُ وَالنِّسَاءُ)، فَيُعْرِضُ عَنْ قَبُولِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ غَايَةُ أَمَانِي طَالِبِهَا، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدَعَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا - وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا - وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا - سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٧] .
[ ٥ / ٣٣٦ ]
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ كَادُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يُتِمُّ عَمَلَهُ بِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَمَعَ الْإِدَارَةِ الْجَازِمَةِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ يَجِبُ وُجُودُ الْمَقْدُورِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا امْتَنَعَ، فَطَلَبُوا تَغْيِيرَ إِرَادَتِهِ لِيَرْكَنَ إِلَيْهِمْ فَيُغَيِّرَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ وَثَبَّتَهُ.
، ثُمَّ طَلَبُوا تَعْجِيزَهُ بِأَنْ يَسْتَفِزُّوهُ وَيُخْرِجُوهُ، حَتَّى يَعْجِزَ عَنْ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَعَاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالْعُقُوبَةِ، أُسْوَةً بِمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ إِذَا أَرَادَ إِهْلَاكَ أُمَّةٍ، أَخْرَجَ نَبِيَّهَا مِنْهَا ثُمَّ أَهْلَكَهَا، لَا يُهْلِكُهَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
وَهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ:
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
[ ٥ / ٣٣٧ ]
فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمْ بِالْهِجْرَةِ أَتَاهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ (بَدْرٍ) وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ:
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] .
إِشَارَةٌ إِلَى سَعْيِهِمْ فِي إِفْسَادِ إِرَادَتِهِ.
وَقَوْلُهُ:
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] .
إِشَارَةٌ إِلَى سَعْيِهِمْ فِي تَعْجِيزِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَالِهِ مَا يَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، وَهُوَ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ قَوْمِهِ الَّذِينَ شَاهَدُوهُ، مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ مَنْ غَابَ عَنْهُ، وَبَلَغَتْهُ أَخْبَارُهُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ: أَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ كِتَابًا، وَلَا يَحْفَظُ كِتَابًا مِنَ الْكُتُبِ، لَا الْمُنَزَّلَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا مَكْتُوبًا، لَا كِتَابًا مُنَزَّلًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَا يَكْتُبُ بِيَمِينِهِ كِتَابًا، وَلَا يَنْسَخُ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ النَّاسِ الْمُنَزَّلَةِ وَلَا غَيْرِهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ تَلْقِينًا وَحِفْظًا، وَإِمَّا أَنْ
[ ٥ / ٣٣٨ ]
يَأْخُذَ مِنْ كِتَابِهِ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ مِنْ حِفْظِهِ، وَلَا يَقْرَأُ مَكْتُوبًا، وَالَّذِي يَأْخُذُ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ إِمَّا أَنْ يَقْرَأَهُ وَإِمَّا أَنْ يَنْسَخَهُ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ وَلَا يَنْسَخُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ - وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ - أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧] .
إِلَى قَوْلِهِ.
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ - وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ - إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ - فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ - وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ - الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ - إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ - وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢٢٧] .
[ ٥ / ٣٣٩ ]
فَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] .
وَقَالَ:
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] .
وَعُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْلَمُونَ ذِكْرَ إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ وَنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَقَالَ:
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] .
وَقَالَ:
[ ٥ / ٣٤٠ ]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] .
وَقَالَ:
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] .
وَيَعْلَمُونَ الْمَعَانِي الَّتِي فِيهِ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِأَقْوَالِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ فِي الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ.
فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَعَرْشِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَخَلْقِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ. وَأَمَرَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَنَهَى عَنِ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ كَمَا أَمَرَتْ وَنَهَتِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ.
وَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ نَزَلَتْ بِالْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ الْمُشْتَرِكَةِ، الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الرُّسُلُ، الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهِيَ الْإِسْلَامُ الْعَامُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ دِينًا غَيْرَهُ.
وَأَمَّا السُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ فَفِيهَا هَذَا، وَفِيهَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ. فَإِنَّ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
[ ٥ / ٣٤١ ]
«إِنَّا - مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ - دِينُنَا وَاحِدٌ»، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ - فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢] .
وَأَمَّا الشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ، فَقَدْ قَالَ عَنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ:
[ ٥ / ٣٤٢ ]
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
وَقَالَ:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ - الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٧] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] .
وَأَمَّا الْقِبْلَةُ: فَلَمْ يَجْعَلْ مَا ابْتَدَعَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْقِبْلَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] .
لَمْ يَقُلْ: إِنَّا جَعَلْنَا لِكُلٍّ وِجِهَةً، كَمَا قَالَ فِي الْمَنْسَكِ وَالشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ. وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٥ / ٣٤٣ ]
﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣] .
فَإِنَّهُ إِذَا أَتَاهُمْ بِبَيَانِ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى - مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يُعَاشِرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الصُّحُفِ الْأُولَى، وَلَا اسْتَفَادَ مِنْهُمْ عِلْمًا - كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ مِنَ اللَّهِ.
وَكَمَا أَنَّ إِخْبَارَهُ عَنْ أُمُورِ الْغَيْبِ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّبُوَّةَ إِنْبَاءٌ مِنَ اللَّهِ، لَيْسَ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَفَلْسِفَةِ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ: (إِنَّهُ فَيْضٌ فَاضَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ)، وَيَقُولُونَ: (إِنَّ النَّفْسَ أَوِ الْعَقْلَ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّصَلَتْ نَفْسُهُ بِهِ عَلِمَ مَا عَلِمَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ)، وَيَقُولُونَ: (النُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَتُهَا)، وَيَقُولُونَ: (إِنَّ سَبَبَ عِلْمِهِ بِالْغَيْبِ هُوَ اتِّصَالُ نَفْسِهِ بِالنَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ)، وَزَعَمُوا أَنَّهَا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَأَنَّ تَحْرِيكَهَا لِلْفَلَكِ هُوَ سَبَبُ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِي الْأَرْضِ، فَتَكُونُ عَالِمَةً بِمَا يَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالْمُسَبَّبِ. فَإِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ بَاطِلَةٍ، قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى:
[ ٥ / ٣٤٤ ]
مِنْهَا: إِثْبَاتُ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ.
وَمِنْهَا: دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَا سَبَبَ لِلْحَوَادِثِ إِلَّا حَرَكَةُ الْفَلَكِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُحَرِّكَ لَهُ هُوَ النَّفْسُ.
وَمِنْهَا: اتِّصَالُ نُفُوسِنَا بِتِلْكَ النَّفْسِ.
وَالْمَقْصُودُ - هُنَا - أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ حَقًّا فَإِنَّمَا يُفِيدُ عِلْمًا بِالْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي تَكُونُ الْحَرَكَةُ الْحَاضِرَةُ سَبَبًا لَهُ، أَمَّا مَا قَدْ مَضَى بِمِئِينٍ أَوْ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ حَرَكَاتِ الْفَلَكِ - حِينَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ - كَانَ سَبَبًا لَهُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْحَرَكَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي زَمَانِهِ سَبَبًا لِلْمُسْتَقْبَلِ لَا لِلْمَاضِي، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ تَحْرِيكُ النَّفْسِ لِلْفَلَكِ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ هُوَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، بَلِ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ، وَهُوَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهُوَ:
﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٨ - ٧٩] .
وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
[ ٥ / ٣٤٥ ]
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى:
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وَقَالَ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] .
وَقَالَ:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ - وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ - وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ - وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ - فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ - إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٨] .
[ ٥ / ٣٤٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .
فَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ رَسُولٍ اصْطَفَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، نَزَّلَهُ بِهِ عَلَى رَسُولٍ اصْطَفَاهُ مِنَ الْبَشَرِ، فَقَالَ:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ - وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ - وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ - وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ - وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ - فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٥٢] .
فَنَزَّهَ كُلًّا مِنَ الرَّسُولَيْنِ عَمَّا قَدْ يُشْتَبَهُ بِهِ.
نَزَّهَ الْمَلَكَ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانًا، وَنَزَّهَ الْبَشَرَ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا أَوْ كَاهِنًا، وَبَيَّنَ بُرْهَانَ ذَلِكَ وَآيَتَهُ، فَقَالَ:
[ ٥ / ٣٤٧ ]
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ - وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ - إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢] .
فَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا يَصْلُحُ لَهُمُ النُّزُولُ بِهِ، بَلْ هُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ، وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ عَنْ ذَلِكَ لَا يُرِيدُونَهُ لِمُنَافَاتِهِ لِمَقْصُودِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا لَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوهُ ; إِذْ كَانُوا مَعْزُولِينَ عَنْ أَنْ يَسْمَعُوهُ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَهُمْ إِنَّمَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَنْزِلُوا بِمَا سَمِعُوهُ لَا بِمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَاعِلَ لِلْفِعْلِ إِنَّمَا يَفْعَلُهُ إِذَا كَانَ مُرِيدًا لَهُ قَادِرًا عَلَيْهِ.
فَبَيَّنَ قَوْلُهُ:
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١١] .
أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ تَنْزِيلَهُ.
وَبِقَوْلِهِ:
﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] .
أَنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ تَنْزِيلِهِ.
[ ٥ / ٣٤٨ ]
أَمَّا كَوْنُهُمْ لَا يُرِيدُونَ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ، (وَيَنْبَغِي) مُضَارِعُ بَغَى يَبْغِي: أَيْ طَلَبَ وَأَرَادَ. فَالَّذِي لَا يَنْبَغِي لِلْفَاعِلِ هُوَ الَّذِي لَا يَطْلُبُهُ وَلَا يُرِيدُهُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْهُ. وَالشَّيْطَانُ إِنَّمَا يُرِيدُ الْكَذِبَ وَالْفُجُورَ، لَا يُرِيدُ الصِّدْقَ وَالصَّلَاحَ.
وَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مُنَاقِضٌ لِمُرَادِ الشَّيَاطِينِ غَايَةَ الْمُنَاقَضَةِ، فَلَمْ يَحْدُثْ فِي الْأَرْضِ أَمْرٌ أَعْظَمُ مُنَاقَضَةً لِمُرَادِ الشَّيَاطِينِ مِنْ إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ، فَنُزُولُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَفْعَلَ الشَّيَاطِينُ مَا لَا يُرِيدُونَ إِلَّا نَقِيضَهُ، وَهُمْ - أَيْضًا - مَمْنُوعُونَ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَصْلُحُ لَهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَتَأَتَّى مِنْهُمْ كَمَا أَنَّ السَّاحِرَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. وَالْمَعْرُوفُ بِالْكَذِبِ وَالْفُجُورِ لَا يَنْبَغِي لَهُ - مَعَ ذَلِكَ - أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، وَلَا أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا، وَلَا شَاهِدًا، وَلَا مُفْتِيًا ; إِذِ الْكَذِبُ وَالْفُجُورُ يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ وَالْفُتْيَا، فَكَذَلِكَ مَا فِي طَبْعِ الشَّيَاطِينِ مِنْ إِرَادَةِ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ يُنَاقِضُ أَنْ تَتَنَزَّلَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى كِذْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا ظُلْمٍ لِأَحَدٍ.
، ثُمَّ قَالَ:
﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] .
[ ٥ / ٣٤٩ ]
فَإِنَّهُمْ عَنْ سَمْعِ هَذَا الْكَلَامِ لَمَعْزُولُونَ، بِمَا حُرِسَتْ بِهِ السَّمَاءُ مِنَ الشُّهُبِ كَمَا قَالَ - عَنِ الْجِنِّ -:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا - وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨ - ٩] .
وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوَاتُرَ هَذَا الْخَبَرِ وَأَنَّ السَّمَاءَ حُرِسَتْ حَرَسًا لَمْ يَعْهَدْهُ النَّاسُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَى النَّاسُ ذَلِكَ بِأَبْصَارِهِمْ فَكَانُوا قَدْ عَايَنُوا مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا لِطَرْدِ الشَّيَاطِينِ، فَعُزِلُوا بِذَلِكَ عَنْ سَمْعِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَكَانَ مَا عَايَنَهُ الْكُفَّارُ - مِنَ الرَّمْيِ الشَّدِيدِ الْعَامِّ - الَّذِي انْتَقَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ رَمْيِ الشُّهُبِ، دَلِيلًا عَلَى سَبَبٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ، وَلَمْ يَحْدُثْ - إِذْ ذَاكَ - فِي الْأَرْضِ أَمْرٌ لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ إِلَّا ادِّعَاءَهُ لِلرِّسَالَةِ، فَلَمْ يُعْرَفْ قَبْلَهُ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ كَنُزُولِهِ عَلَيْهِ؛ إِذْ كَانَ مُوسَى ﵇ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ مَكْتُوبَةً، لَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِ مُنَجَّمَةً مُفَرَّقَةً مُلْقَاةً إِلَيْهِ
[ ٥ / ٣٥٠ ]
حِفْظًا، حَتَّى تَحْتَاجَ السَّمَاءُ إِلَى حِرَاسَتِهَا عَنِ اسْتِرَاقِ سَمْعِهَا. وَالزَّبُورُ تَابِعٌ لِشَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ فَرْعٌ عَلَى التَّوْرَاةِ. لَمْ يَنْزِلْ كِتَابٌ مُسْتَقِلٌّ إِلَّا التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] .
وَلِهَذَا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ كَثِيرًا كَمَا فِي قَوْلِهِ:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] .
وَقَالَ:
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] .
[ ٥ / ٣٥١ ]
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ: " وَالْأَحْزَابُ هِيَ الْمِلَلُ كُلُّهَا "، قَالَ: وَهَذَا تَصْدِيقُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّارَ»، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] .
وَقَالَتِ الْجِنُّ:
﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] .
وَقَالَ النَّجَاشِيُّ - لَمَّا سَمِعَ الْقُرْآنَ -: (إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ
[ ٥ / ٣٥٢ ]
مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ) .
وَأَيْضًا، فَكَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ إِخْبَارُ الْكُهَّانِ عَنِ الشَّيَاطِينِ الَّتِي تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ السَّمَاءَ قَدْ حُرِسَتْ حَرَسًا شَدِيدًا خِلَافَ الْعَادَةِ، عَلِمُوا أَنَّ الشَّيَاطِينَ مُنِعُوا اسْتِرَاقَ السَّمْعِ، وَعَلِمَتِ الْجِنُّ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ قَالَتِ الْجِنُّ:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا - وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨ - ٩] .
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَبْعَثِ كَثُرَ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ، وَهَذَا أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، حَتَّى خَافَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِخَرَابِ الْعَالَمِ، حَتَّى نَظَرُوا هَلِ الرَّمْيُ بِالْكَوَاكِبِ الَّتِي فِي الْفَلَكِ أَمِ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ بِالشُّهُبِ، عَلِمُوا أَنَّهُ لِأَمْرٍ حَدَثَ. وَأَرْسَلَتِ
[ ٥ / ٣٥٣ ]
الْجِنُّ تَطْلُبُ سَبَبَ ذَلِكَ، حَتَّى سَمِعَتِ الْقُرْآنَ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
[ ٥ / ٣٥٤ ]
وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَدَلَائِلِهَا.
وَقَبْلَ زَمَانِ الْبَعْثِ وَبَعْدِهِ، كَانَ الرَّمْيُ خَفِيفًا، لَمْ تَمْتَلِئْ بِهِ السَّمَاءُ كَمَا مُلِئَتْ حِينَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] .
وَالْأَفَّاكُ الْكَذَّابُ، وَالْأَثِيمُ الْفَاجِرُ، كَمَا قَالَ:
﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ - نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥ - ١٦] .
[ ٥ / ٣٥٥ ]
قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَدْعُو إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» .
فَالشَّيَاطِينُ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ يَحْصُلُ مَقْصُودُهَا بِنُزُولِهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لَهَا فِي الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ. فَأَمَّا الصَّادِقُ الْبَارُّ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَطْلُبُ الصِّدْقَ وَالْبِرَّ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُ الْكَذِبَ وَالْفُجُورَ.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ مَا زَالَ قَوْمُهُ يَعْرِفُونَهُ بَيْنَهُمْ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ، لَمْ تُجَرَّبْ عَلَيْهِ كَذِبَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَمَّا جَاءَهُ الرُّوحُ بِالْوَحْيِ لَمْ يُخْبِرْ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ كَذِبٍ، لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً.
وَمَنْ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ لَا بُدَّ أَنْ يُخْبِرَ بِالْكَذِبِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ يُلْقُونَ إِلَيْهِمُ السَّمْعَ، وَلَا يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ مَا سَمِعُوهُ عَلَى وَجْهِهِ، بَلْ يَكْذِبُونَ فِيهِ كَثِيرًا ; إِذْ كَانَ أَكْثَرُ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَيْهِمْ كَاذِبِينَ فِيمَا يَنْزِلُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالشَّيَاطِينُ وَإِنْ كَانَ كُلُّهُمْ كَاذِبًا - فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَلْقَى
[ ٥ / ٣٥٦ ]
السَّمْعَ يَكْذِبُ فِيمَا يُلْقِيهِ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ أَحَدُهُمْ فِيمَا يُلْقِيهِ مِنَ السَّمْعِ وَيَسْتَرِقُهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَكْذِبُونَ، وَالَّذِي يَصْدُقُ مِنْهُمْ مَرَّةً يَكْذِبُ مَرَّاتٍ، وَالَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ أَفَّاكٌ أَثِيمٌ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّادِقِ الْبَارِّ الَّذِي يَأْتِيهِ الْمَلَكُ، وَالْكَاذِبِ الْأَثِيمِ الَّذِي يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ، فَرْقٌ بَيِّنٌ، يُعْرَفُ بِأَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِحَالِ الِاثْنَيْنِ، وَلَمَّا كَانَ الْكَاهِنُ الَّذِي يَأْتِيهِ شَيْطَانٌ قَدْ يُخْبِرُ بِبَعْضِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ - وَإِنْ صَدَقَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ - كَاذِبًا فَاجِرًا، وَالَّذِي يَأْتِيهِ بِالْكَذِبِ، فَلَا يَشْتَبِهُ بِمَنْ لَا يَكْذِبُ وَلَا يَفْجُرُ، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكُونُ إِلَّا بَارًّا مَعْصُومًا أَنْ يُصِرَّ عَلَى ذَنْبٍ.
[ ٥ / ٣٥٧ ]
[فَصْلٌ: الدَّلَائِلُ الْقَاطِعَةُ عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ]
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْمَهُ الْمُعَادِينَ لَهُ غَايَةَ الْعَدَاوَةِ مَا زَالُوا مُعْتَرِفِينَ بِصِدْقِهِ ﷺ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُجَرِّبُوا عَلَيْهِ كَذِبًا، بَلْ وَمُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ مَا يَقُولُهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاحِرٍ، وَكَانُوا فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يُرْسِلُونَ إِلَى الْبِلَادِ الَّتِي فِيهَا عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ بِهَا ذَلِكَ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ إِلَى الشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ:: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا. فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي. فَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ.
[ ٥ / ٣٥٨ ]
قَالَ: فَقَالَ: وَايْمِ اللَّهِ! لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ كَذِبٌ لَكَذَبْتُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَنْ مَلَكَ، قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا "، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ:
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، لَمَّا قَالَ لِأُمَيَّةَ: إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ (يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ)، وَفَزِعَ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ هُوَ - فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى -: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ، وَعَزَمَ أَنْ لَا يَخْرُجَ خَوْفًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ. وَأَرَادَ التَّخَلُّفَ عَنْ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ هَذَا الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ. فَقَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي فَلَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ، وَذَكَّرَتْهُ امْرَأَتُهُ بِقَوْلِ سَعْدٍ، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ
[ ٥ / ٣٥٩ ]
أَكُونَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي وَغَيْرُهُمْ «أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ لَمَّا
[ ٥ / ٣٦٠ ]
بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَنَا أَقْتُلُهُ، ثُمَّ طَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَدَشَهُ، وَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يُجَزِّعُونَهُ وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا هُوَ خَدْشٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِمُضَرَ لَقَتَلَهُمْ، أَلَيْسَ قَالَ: " لَأَقْتُلَنَّكَ» . وَعَنْ مُجَاهِدٍ: قَالَ مَوْلَايَ السَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ: كُنْتُ فِيمَنْ بَنَى الْبَيْتَ، وَأَنَّ قُرَيْشًا اخْتَلَفُوا فِي الْحَجَرِ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَضَعُوهُ، حَتَّى كَادُوا يَقَعُ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بِالسُّيُوفِ، فَقَالَ: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأَمِينَ.
[ ٥ / ٣٦١ ]
فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ رَضِينَا بِكَ.
وَعَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: " «جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَأْتِينَا فِي كَعْبَتِنَا وَنَادِينَا وَيُسْمِعُنَا
[ ٥ / ٣٦٢ ]
مَا يُؤْذِينَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا فَافْعَلْ. قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا عَقِيلُ الْتَمِسِ ابْنَ عَمِّكَ. قَالَ: فَأَخْرَجْتُهُ مِنْ كِبْسٍ مِنْ أَكْبَاسِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنْ كُنْتَ لِي مُطِيعًا، وَقَدْ جَاءَنِي قَوْمُكَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَأْتِيهِمْ فِي كَعْبَتِهِمْ وَنَادِيهِمْ فَتُسْمِعُهُمْ مَا يُؤْذِيهِمْ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكُفَّ عَنْهُمْ؟ قَالَ: فَحَلَّقَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ مَا بُعِثْتُ بِهِ مِنْ أَنْ يُشْعِلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ شُعْلَةً مِنَ النَّارِ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّهُ - وَاللَّهِ - مَا كَذَبَ قَطُّ فَارْجِعُوا رَاشِدِينَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَأَبُو زُرْعَةَ فِي الدَّلَائِلِ، وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، وَقَالَ: " فَأَخْرَجْتُهُ مِنْ حِفْشٍ - وَهُوَ بَيْتٌ صَغِيرٌ - وَقَالَ فِيهِ: فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ، وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ، وَضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، فَقَالَ: «يَا عَمِّ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِي طَلَبِهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: " قَالَ أَبُو ذَرٍّ:
[ ٥ / ٣٦٣ ]
خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا فَأَكْرَمَنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ. فَجَاءَ خَالُنَا فَثَنَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ. فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا بِثَوْبِهِ يَبْكِي، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ.
فَنَافَرَ أُنَيْسٌ رَجُلًا عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا فَأَتَيْنَا الْكَاهِنَ فَخَيَّرَ
[ ٥ / ٣٦٤ ]
أُنَيْسًا فَأَتَى بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا. قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي. فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ. وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشُّعَرَاءِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ يُقْرِي بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لِصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ مَكَّةَ فَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي
[ ٥ / ٣٦٥ ]
تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: الصَّابِئَ، فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ. . . "، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَصِفَةَ إِسْلَامِهِ ﵁ بِلَفْظِ مُسْلِمٍ.
وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَرْسَلَ أَخَاهُ، وَقَالَ: اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ، الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ.
فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَأَتَى الْمَسْجِدَ. . . " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " قَالَ الْمَلَأُ وَأَبُو جَهِلٍ: لَقَدْ غَلَبَنَا أَمْرُ
[ ٥ / ٣٦٦ ]
مُحَمَّدٍ، فَلَوِ الْتَمَسْتُمْ رَجُلًا عَالِمًا بِالشِّعْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالسِّحْرِ، فَأَتَاهُ فَكَلَّمَهُ، وَأَتَانَا بِبَيَانٍ مِنْ أَمْرِهِ.
قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ وَالْكِهَانَةَ وَالسِّحْرَ، وَعَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا، فَمَا يَخْفَى عَلَيَّ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ. فَأَتَاهُ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ قَالَ: أَنْتَ - يَا مُحَمَّدُ - خَيْرٌ أَمْ هَاشِمٌ؟ وَأَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ؟ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ اللَّهِ؟ فِيمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنَا، وَتُضَلِّلُ آبَاءَنَا؟ فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا بِكَ الرِّيَاسَةُ عَقَدْنَا لَكَ الرِّيَاسَةَ، فَكُنْتَ رَأْسَنَا مَا بَقِيتَ، وَإِنْ كَانَ بِكَ الْبَاهُ زَوَّجْنَاكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتَارُ مِنْ أَيِّ بَنَاتِ قُرَيْشٍ شِئْتَ، وَإِنْ كَانَ بِكَ الْمَالُ، جَمَعْنَا لَكَ مَا تَسْتَغْنِي بِهِ أَنْتَ وَعَقِبُكَ مِنْ بَعْدُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا
[ ٥ / ٣٦٧ ]
فَرَغَ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم - تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٣] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] .
فَأَمْسَكَ عُتْبَةُ عَلَى فِيهِ، وَنَاشَدَ بِالرَّحِمِ أَنْ يَكُفَّ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى قُرَيْشٍ، فَاحْتَبَسَ عَنْهُمْ عُتْبَةُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا نَرَى عُتْبَةَ إِلَّا قَدْ صَبَأَ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَعْجَبَهُ طَعَامَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ أَصَابَتْهُ، فَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا عُتْبَةُ، مَا حَبَسَكَ عَنَّا إِلَّا أَنَّكَ صَبَوْتَ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَعْجَبَكَ أَمْرَهُ، فَإِنْ كَانَتْ بِكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُغْنِيكَ عَنْ طَعَامِ مُحَمَّدٍ، فَغَضِبَ وَأَقْسَمَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ مُحَمَّدًا اأَبَدًا، وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، وَلَكِنِّي أَتَيْتُهُ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَأَجَابَنِي بِشَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ وَلَا سِحْرٍ:
﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١] .
[ ٥ / ٣٦٨ ]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] .
فَأَمْسَكْتُ بِفِيهِ، وَنَاشَدْتُهُ الرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ، فَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ ". رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْهُ،
[ ٥ / ٣٦٩ ]
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شَيْخِ أَبِي يَعْلَى ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ: " إِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ خَيْرًا مِنْكَ فَقَدْ عَبَدُوا الْآلِهَةَ، وَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرًا مِنْهُمْ فَتَكَلَّمَ حَتَّى نَسْمَعَ "، وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ عَنْ
[ ٥ / ٣٧٠ ]
مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَكَانَ سَيِّدًا حَلِيمًا. . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: " لَمَّا جَلَسَ إِلَيْهِمْ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، قَالَ: وَرَائِي أَنِّي - وَاللَّهِ - قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا السِّحْرِ وَلَا الْكِهَانَةِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَطِيعُونِي، وَاجْعَلُوهَا بِي، خَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ، وَاعْتَزِلُوهُ، فَوَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأٌ، فَإِنْ تُصِيبُهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كَفَيْتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، فَقَالُوا: سَحَرَكَ - وَاللَّهِ - يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ، قَالَ: هَذَا رَأْيِي لَكُمْ فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ،. ثُمَّ ذَكَرَ شِعْرَ أَبِي طَالِبٍ يَمْدَحُ عُتْبَةَ فِيمَا قَالَ.
[ ٥ / ٣٧١ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَدِمَ ضِمَادٌ مَكَّةَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَهُ عَلَى يَدِي، قَالَ: فَلَقِيتُ مُحَمَّدًا، فَقُلْتُ: إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلُمَّ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: " إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ " قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ. فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ بِمِثْلِ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ.
[ ٥ / ٣٧٢ ]
فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " وَعَلَى قَوْمِكَ "، فَقَالَ: وَعَلَى قَوْمِي» . الْحَدِيثَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] .
قَالَ: أَعِدْ، فَأَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لِطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لِمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ.
[ ٥ / ٣٧٣ ]
لَمُغْدِقٌ، وَمَا يَقُولُ هَذَا الْبَشَرُ ".
وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا عَمِّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتُعَوَّضَ مِمَّا قِبَلَهُ، قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ، قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ؟ فَوَاللَّهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ مِنِّي، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى، وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ
[ ٥ / ٣٧٤ ]
مَا تَحْتَهُ. قَالَ: لَا تَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]» .
رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ، وَنَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ فَقَالَ: إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتُقْدِمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَيُكَذِّبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَيَرُدُّ بَعْضُكُمْ قَوْلَ بَعْضٍ، فَقَالُوا:
[ ٥ / ٣٧٥ ]
فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ فَقُلْ، وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُومُ بِهِ. فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا وَأَنَا أَسْمَعُ، فَقَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ، فَقَالَ: مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ الْكُهَّانَ فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكُهَّانِ. فَقَالُوا: نَقُولُ مَجْنُونٌ، فَقَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْمَجْنُونَ وَعَرَفْنَاهُ فَمَا هُوَ بِخَنَقِهِ وَلَا تَخَالُجِهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ. قَالُوا: فَنَقُولُ شَاعِرٌ، فَقَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، قَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ بِرَجَزِهِ وَهَزَجِهِ وَقَرِيظِهِ وَمَقْبُوضِهِ وَمَبْسُوطِهِ فَمَا هُوَ
[ ٥ / ٣٧٦ ]
بِالشِّعْرِ. قَالُوا: فَنَقُولُ سَاحِرٌ، قَالَ: فَمَا هُوَ بِسَاحِرٍ، قَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِ وَلَا عَقْدِهِ. فَقَالُوا: مَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ لِقَوْلِهِ حَلَاوَةً، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَغَدِقٌ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجَنَى، فَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ أَنْ تَقُولُوا: سَاحِرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ. فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ لِلنَّاسِ حِينَ قَدِمُوا الْمَوْسِمَ لَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا حَذَّرُوهُ إِيَّاهُ، وَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَهُ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] .
وَأَنْزَلَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ:
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] .
أَيْ أَصْنَافًا.
[ ٥ / ٣٧٧ ]
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ مَا ابْتُلِيتُمْ بِمِثْلِهِ، لَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلَامًا حَدَثًا، أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ، وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغِهِ الشَّيْبَ، وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ قُلْتُمْ: سَاحِرٌ، لَا - وَاللَّهِ - مَا هُوَ بِسِحْرٍ، قَدْ رَأَيْنَا السَّحَرَةَ وَنَفْثَهُمْ وَعَقْدَهُمْ، وَقُلْتُمْ: كَاهِنٌ، لَا - وَاللَّهِ - مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، قَدْ رَأَيْنَا الْكَهَنَةَ وَسَمِعْنَا سَجْعَهُمْ، وَقُلْتُمْ: شَاعِرٌ، لَا - وَاللَّهِ - مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، لَقَدْ رَوَيْنَا الشِّعْرَ، وَسَمِعْنَا أَصْنَافَهُ كُلَّهَا؛ هَزَجَهُ وَرَجَزَهُ وَقَرِيظَهُ، وَقُلْتُمْ: مَجْنُونٌ، وَلَا - وَاللَّهِ - مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْمَجْنُونَ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ، وَلَا تَخْلِيطِهِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ انْظُرُوا فِي
[ ٥ / ٣٧٨ ]
شَأْنِكُمْ فَإِنَّهُ - وَاللَّهِ - لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ ". وَكَانَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَنْصِبُ لَهُ الْعَدَاوَةَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: " حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَأَبَا سُفْيَانَ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْمَعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ، وَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا لِيَسْتَمِعَ فِيهِ، وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا أَصْبَحُوا، وَطَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي - نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ، عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ
[ ٥ / ٣٧٩ ]
الثَّالِثَةُ، فَعَلُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ جَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ فَتَعَاهَدُوا أَنْ لَا يَعُودُوا، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ، ثُمَّ أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا، وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا، فَقَالَ الْأَخْنَسُ: وَأَنَا، وَالَّذِي حَلَفْتَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَكَمِ مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: مَاذَا سَمِعْتُ، تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مُنَافٍ الشَّرَفَ؛ أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا، ثُمَّ إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكَبِ، وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ؟ وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُصَدِّقُهُ أَبَدًا ".
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُ حَقٌّ، وَلَكِنَّ بَنِي قُصَيٍّ قَالُوا: فِينَا النَّدْوَةُ.
[ ٥ / ٣٨٠ ]
فَقُلْنَا: نَعَمْ، فِينَا الْحِجَابَةُ، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فِينَا السِّقَايَةُ، فَقُلْنَا: نَعَمْ. وَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَدْ كَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لِيَسْأَلُوهُمْ عَنْ أَمْرِهِ ﷺ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَدِمَ مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالُوا لَهُمْ: اسْأَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصِفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَهُمْ عِلْمُ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَسَأَلُوا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَصَفُوا لَهُمْ أَمْرَهُ وَبَعْضَ قَوْلِهِ
[ ٥ / ٣٨١ ]
وَقَالَا: إِنَّكُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا، قَالَ: فَقَالَتْ لَهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ: " سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرْكُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، فَرُوا فِيهِ رَأْيَكُمْ. سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ، مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ؟ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ. وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا مَا كَانَ نَبَؤُهُ. وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، مَا هُوَ؟ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ هُوَ لَمْ يُخْبِرْكُمْ فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ، فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ.
فَأَقْبَلَ النَّضْرُ وَعُقْبَةُ، حَتَّى قَدِمَا مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، قَدْ أَمَرَنَا أَحْبَارُ يَهُودَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ أُمُورٍ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِهَا فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، خَبِّرْنَا فَسَأَلُوهُ عَمَّا أَمَرُوهُمْ بِهِ. فَقَالَ: لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرُكُمْ، وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّهِ بِسُورَةِ الْكَهْفِ، فِيهَا خَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ، مِنْ أَمْرِ الْفِتْيَةِ، وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ، وَقَوْلِ اللَّهِ:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
[ ٥ / ٣٨٢ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ افْتَتَحَ السُّورَةَ فَقَالَ:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] .
يَعْنِي مُحَمَّدًا، إِنَّكَ رَسُولِي فِي تَحْقِيقِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ نُبُوَّتِهِ.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] .
أَيْ أَنْزَلَهُ قَيِّمًا؛ أَيْ مُعْتَدِلًا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَذَكَرَ تَفْسِيرَ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] .
أَيْ وَمَا قَدَّرُوا مِنْ قَدْرِي، وَفِيمَا صَنَعْتُ مِنْ أَمْرِ الْخَلَائِقِ، وَمَا وَضَعْتُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ حُجَّتِي، مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: " لَيْسَ بِأَعْجَبَ مِنْ آيَاتِنَا مَنْ هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ ".
[ ٥ / ٣٨٣ ]
وَفِي تَفْسِيرِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " الَّذِي آتَيْتُكَ مِنَ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، أَفْضَلُ مِنْ شَأْنِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ".
قُلْتُ: وَالْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ، فَإِنَّ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ هِيَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّ مُكْثَهُمْ نِيَامًا لَا يَمُوتُونَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، آيَةٌ دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، لَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِلْحَادِ. وَهِيَ آيَةٌ عَلَى مَعَادِ الْأَبْدَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١] .
وَكَانَ النَّاسُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي زَمَانِهِمْ: هَلْ تُعَادُ الْأَرْوَاحُ دُونَ الْأَبْدَانِ.
وَإِخْبَارُ النَّبِيِّ ﷺ بِقِصَّتِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلِّمَهُ بَشَرٌ آيَةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَكَانَتْ قِصَّتُهُمْ آيَةً عَلَى أُصُولِ الْإِيمَانِ الثَّلَاثَةِ ; الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ. وَمَعَ هَذَا فَلَيْسُوا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ بِعَجَبٍ، بَلْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى سُؤَالَهُمْ عَنِ الْآيَاتِ الَّتِي كَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْهَا لِيَعْلَمُوا: هَلْ هُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ أَمْ كَاذِبٌ؟ فَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] .
وَقَالَ:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩] .
[ ٥ / ٣٨٥ ]
وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ أَهْلِ الْكَهْفِ الَّتِي سَأَلُوهُ عَنْهَا:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] .
أَيْ يَسْأَلُونَكَ عَنْ ذَاكَ، وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ هَذَا.
وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ إِخْبَارِهِ عَنِ الْغَيْبِ الْمَاضِي، الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، لَيْسَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي تَزْعُمُهُ مَلَاحِدَةُ الْمُتَفَلْسِفَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْغَيْبِيَّةَ الْمُعَيَّنَةَ الْمُفَصَّلَةَ لَا يُؤْخَذُ خَبَرُهَا قَطُّ إِلَّا عَنْ نَبِيٍّ، كَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْمُكَاشَفَاتِ؛ لَا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ يُخْبِرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا كَانَ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَصَائِصِهِمُ الَّتِي لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ.
وَأَهْلُ الْمِلَلِ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ مِنْ أَنَّ هَذَا
[ ٥ / ٣٨٦ ]
لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِخَبَرِ نَبِيٍّ. فَإِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أُخْبِرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا أُخْبِرَ بِهِ مُوسَى وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأُخْبِرَ بِمَا يَعْلَمُونَهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا بِالتَّعَلُّمِ مِنْهُمْ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَتَعَلَّمْ هَذَا مِنْ بَشَرٍ، كَانَ هَذَا آيَةً وَبُرْهَانًا قَاطِعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ،. ثُمَّ الْعِلْمُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَتَعَلَّمْ هَذَا مِنْ بَشَرٍ يَحْصُلُ فِي حَيَاتِهِ، أَمَّا قَوْمُهُ الْمُبَاشِرُونَ لَهُ، الْخَبِيرُونَ بِحَالِهِ، فَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ هَذَا مِنْ بَشَرٍ، فَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ فَيَعْلَمُ ذَلِكَ بِطُرُقٍ:
مِنْهَا: تَوَاتُرُ أَخْبَارِهِ، وَكَيْفَ كَانَ؟ مِنْ حِينِ وُلِدَ إِلَى أَنْ مَاتَ كَمَا هِيَ مُسْتَفِيضَةٌ مَشْهُورَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، يَعْلَمُهَا مَنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِذَلِكَ، أَعْظَمَ مِمَّا يَعْلَمُ بِهِ حَالَ مُوسَى وَعِيسَى، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ظَهَرَ أَمْرُهُ، وَانْتَشَرَتْ أَخْبَارُهُ، وَتَوَاتَرَتْ أَحْوَالُهُ، أَعْظَمَ مِنْ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ. فَمَا بَقِيَ مَا دُونَ هَذَا مِنْ أَحْوَالِهِ يَخْفَى عَلَى النَّاسِ فَكَيْفَ مِثْلُ هَذَا؟ !
وَمِنْهَا: أَنَّهُ أُخْبِرَ فِي الْقُرْآنِ بِمَا لَا يُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِثْلُ:
[ ٥ / ٣٨٧ ]
قِصَّةِ هُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ، وَبَعْضِ التَّفَاصِيلِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى؛ مِثْلُ تَكْلِيمِ الْمَسِيحِ فِي الْمَهْدِ، وَمِثْلُ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَمِثْلُ إِيمَانِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا تَعَلَّمَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَوْمُهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ أَرَاهُمْ وَغَيْرَهُمْ آثَارَ الْمُنْذَرِينَ الَّذِينَ عَاقَبَهُمُ اللَّهُ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ، كَقَوْمِ عَادٍ وَثَمُودَ، وَغَيْرِهِمْ.
فَيَسْتَدِلُّ النَّاسُ بِالْآثَارِ الْمَوْجُودَةِ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ، وَعُقُوبَةِ اللَّهِ لِمَنْ يُكَذِّبُهُمْ. وَيَسْتَدِلُّ قَوْمُهُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّمْهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِتَصْدِيقِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ فِيمَا وَافَقَهُمْ فِيهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَيَكُونُ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ شَيْئًا كَمَا قَدْ يَظُنُّهُ بَعْضُهُمْ، وَذَلِكَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ أَكْثَرَ قَوْمِهِ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ عَدَاوَةً لَهُ، وَحِرْصًا عَلَى تَكْذِيبِهِ وَالطَّعْنِ فِيهِ، وَبَحْثًا عَمَّا بِهِ يَقْدَحُونَ فِيهِ. فَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ مِنْ بَشَرٍ لَكَانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَيَقْدَحُونَ بِهِ فِيهِ وَيُظْهِرُونَهُ، وَلَكَانَ هَذَا مِمَّا يَظْهَرُ أَعْظَمَ مِمَّا ظَهَرَ غَيْرُهُ. فَلَمَّا لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْقَدْحِ بِهِ فِيهِ مَعَ
[ ٥ / ٣٨٨ ]
عِلْمِهِمْ بِحَالِهِ، وَرَغْبَتِهِمْ فِي الْقَدْحِ بِهِ. وَمَعَ كَمَالِ الدَّاعِي وَالْقُدْرَةِ، يَجِبُ وُجُودُ الْمَقْدُورِ، فَلَمَّا كَانَ دَاعِيهُمْ تَامًّا، وَلَمْ يَقْدَحُوا، عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِعَجْزِهِمْ. وَعَجْزُهُمْ عَنِ الْقَدْحِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَالِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْهُ مِنْ بَشَرٍ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: مِثْلُ هَذَا لَوْ وَقَعَ لَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، بَلْ كَانَ الْمُتَّبِعُونَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُشِيعُوهُ وَيُعْلِنُوهُ، فَكَيْفَ الْمُخَالِفُونَ لَهُ، الْمُكَذِّبُونَ لَهُ؟ فَإِنَّ الْقَوْمَ الْمُتَفَرِّقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَوَاطَئُوا، كَمَا لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ، فَلَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى كِتْمَانِ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ يَجْتَهِدُ الْمُلُوكُ وَالرُّؤَسَاءُ فِي إِخْفَاءِ مَا يُبْطِنُونَهُ مِنْ أَمْرِ مُلْكِهِمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلَيْهِ، وَيُحَلِّفُونَ أَوْلِيَاءَهُمْ عَلَى كِتْمَانِ ذَلِكَ، وَيَبْذُلُونَ لَهُمُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَظْهَرُ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ، مَنْ أَهْلِ
[ ٥ / ٣٨٩ ]
الْبَحْرَيْنِ بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ، وَكَمَا عَرَفَ النَّاسُ أَنَّ النَّصِيرِيَّةَ لَهُمْ خِطَابٌ يُسِرُّونَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا ذَلِكَ الْخِطَابُ الَّذِي يُسِرُّونَهُ.
لَا سِيَّمَا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِحَمْدِهِ وَاتَّبَعُوهُ - أَوَّلًا - مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، هَجَرُوا لِأَجْلِهِ الْأَوْطَانَ وَالْأَهْلَ وَالْمَالَ، وَصَبَرُوا عَلَى أَنْوَاعِ الْمَكَارِهِ وَالْأَذَى: طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ ذَهَبَتْ إِلَى الْحَبَشَةِ،
[ ٥ / ٣٩٠ ]
مُهَاجِرَةً بِدِينِهَا لَمَّا عَذَّبَهَا الْمُخَالِفُونَ لَهُ حَتَّى يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِ، وَطَائِفَةٌ كَانُوا بِمَكَّةَ يُعَذَّبُونَ ; هَذَا يُقْتَلُ، وَهَذَا يُخْرَجُ بِهِ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ فِي الْحَرِّ وَتُوضَعُ الصَّخْرَةُ عَلَى بَطْنِهِ حَتَّى يَكْفُرَ، وَهَذَا يُمْنَعُ رِزْقَهُ وَيُتْرَكُ جَائِعًا عُرْيَانًا.
ثُمَّ إِنَّهُمْ هَجَرُوا أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ، وَأَفْضَلَهَا عِنْدَهُمْ: مَكَّةَ - أُمِّ الْقُرَى - إِلَى مَدِينَةٍ كَانُوا فِيهَا مُحْتَاجِينَ إِلَى أَهْلِهَا، وَتَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ، قَالَ تَعَالَى:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩] .
[ ٥ / ٣٩١ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] .
وَقَوْلُهُ:
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] .
وَجَمِيعُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ آمَنُوا بِهِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ أَحَدٌ بِقِتَالٍ.
فَإِنَّهُ مَكَثَ بِمَكَّةَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً لَا يُقَاتِلُ أَحَدًا، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِقِتَالٍ، بَلْ كَانَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى الدِّينِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
وَكَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا شَخْصًا قَدْ جَاءَ بِدِينٍ لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَتَّبِعُوهُ، وَيُفَارِقُوا دِينَ آبَائِهِمْ، وَيَصْبِرُوا عَلَى عَدَاوَةِ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ، وَيَهْجُرُوا لِأَجْلِهِ مَا تَرْغَبُ النُّفُوسُ فِيهِ مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَطَنِ، وَهُوَ - مَعَ
[ ٥ / ٣٩٢ ]
ذَلِكَ - لَمْ يُعْطِ أَحَدًا مِنْهُمْ مَالًا، وَلَا كَانَ لَهُ مَالٌ يُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، وَلَا وَلَّى أَحَدًا وِلَايَةً، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وِلَايَةٌ يُوَلِّيهِمْ إِيَّاهَا، وَلَا أَكْرَهَ أَحَدًا، وَلَا بِقَرْصَةٍ فِي جِلْدِهِ، فَضْلًا عَنْ سَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ سَيْفٍ، وَهُوَ - مَعَ ذَلِكَ - يَقُولُ عَمَّا يُخْبِرُهُمْ بِهِ مِنَ الْغَيْبِ: " «اللَّهُ أَخْبَرَنِي بِهِ، لَمْ يُخْبِرْنِي بِذَلِكَ بَشَرٌ» ".
فَلَوْ كَانُوا - مَعَ ذَلِكَ - يَعْلَمُونَ أَنَّ تَعَلُّمَهُ مِنْ بَشَرٍ لَكَانَ هَذَا مِمَّا يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَيَمْتَنِعُ فِي جِبِلَّةِ بَنِي آدَمَ وَفِطَرِهِمْ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ وَأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَ هَذَا مِنْ بَشَرٍ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُخْبِرُ بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا كَثِيرِينَ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ، بَلْ وَلَا دَاعِيَ لَهُمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا ذَلِكَ، وَهُمْ بِطَانَتُهُ الْمُطَّلِعُونَ عَلَى أَحْوَالِهِ، وَهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ أَعْدَائِهِ الْمُطَّلِعِينَ عَلَى حَالِهِ.
وَالْقُرْآنُ كَانَ يَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا، لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً، بَلْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ مِنَ الْغَيْبِ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَبَاطَنُوهُ وَاطَّلَعُوا عَلَى أَسْرَارِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُخْبِرُهُمْ بِهِ، وَهُمْ مُطَّلِعُونَ عَلَى أَمْرِهِ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَسُؤَالًا بَعْدَ سُؤَالٍ، وَهَذَا كَانَ
[ ٥ / ٣٩٣ ]
بِمَكَّةَ، وَلَيْسَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَا الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ ; قَيْنُقَاعَ وَالنَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا بِقَدْرِ نِصْفِ أَهْلِهَا، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُمْ - أَيْضًا - يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ فَيُخْبِرُهُمْ بِهَا، وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْغَيْبِ، وَمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ هَذَا الْغَيْبَ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُهُ ذَلِكَ، لَمْ يُعْلِمْهُ إِيَّاهُ بَشَرٌ، فَآمَنَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَفَرَتْ بِهِ طَائِفَةٌ أُخْرَى، وَالطَّائِفَتَانِ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا تَعَلَّمَهُ مِنَّا أَوْ مِنْ إِخْوَانِنَا أَوْ نُظَرَائِنَا، وَلَا إِنَّكَ قَرَأْتَهُ فِي كُتُبِنَا. مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَكَانَ شُيُوخُهُ مِنْهُمْ، وَشُيُوخُهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ تَعَلَّمَهُ مِنْهُمْ، يَمْتَنِعُ أَنْ يُصَدِّقُوهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، بَلْ تَصْدِيقُهُمُ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ، وَعِلْمُهُمْ بِكَذِبِ مَنِ ادَّعَى نُزُولَ كِتَابٍ ثَانٍ وَقَدْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُبَيِّنُوا أَمْرَهُ، وَيُظْهِرُوا كَذِبَهُ، وَيَقُولُوا لِلنَّاسِ تَعَلَّمَ مِنَّا، نَحْنُ أَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ، لَا سِيَّمَا مَعَ مَا فَعَلَهُ بِالْيَهُودِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْحِصَارِ وَالْجَلَاءِ وَالسَّبْيِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا لَوْ وَقَعَ، لَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، يَنْقُلُهُ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ، فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مَعَ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي عَلِمَهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ،
[ ٥ / ٣٩٤ ]
بِأَنَّ هَذَا مِمَّا أَنْبَأَنِي اللَّهُ، لَمْ يُخْبِرْنِي بِهِ بَشَرٌ، كَانَ هَذَا دَلِيلًا قَاطِعًا بَيِّنًا فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ الْغَيْبِيَّةَ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهَا، أَوْ مَنْ تَعَلَّمَهَا مِنْ نَبِيٍّ: هِيَ مِمَّا أَنْبَأَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَمْ يُعَلِّمْهُ ذَلِكَ بَشَرٌ، وَهَذَا مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ - فِي السُّورَةِ الَّتِي فِيهَا اسْتِمَاعُ الْجِنِّ لِلْقُرْآنِ، وَإِنْذَارُ قَوْمِهِمْ بِهِ حَيْثُ قَالَ -:
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ١] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ١٩] .
[ ٥ / ٣٩٥ ]
فَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ﴾ [الجن: ٢٦] .
يُبَيِّنُ أَنَّهُ غَيْبٌ يُضَافُ إِلَيْهِ يَخْتَصُّ بِهِ، لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، بِخِلَافِ مَا يَغِيبُ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ وَيَعْلَمُهُ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَتَعَلَّمُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
فَمِمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الْمَدِينَةِ مَسَائِلُ، وَهِيَ غَيْرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي كَانَ يُسْأَلُ عَنْهَا وَهُوَ بِمَكَّةَ، كَمَا كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُرْسِلُونَ إِلَى الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ، فَيُرْسِلُ الْيَهُودُ بِمَسَائِلَ يَمْتَحِنُونَ بِهَا نُبُوَّتَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ
[ ٥ / ٣٩٦ ]
الْمَدِينَةَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْوَلَدُ يَنْزِعُ إِلَى أُمِّهِ تَارَةً، وَإِلَى أَبِيهِ ". قَالَ: " أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ آنِفًا ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. " أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَأَمَّا الْوَلَدُ، فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَ الْوَلَدُ إِلَى أُمِّهِ "، فَقَالَ: " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، فَإِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي عِنْدَكَ، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ، قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَعَالِمُنَا وَابْنُ عَالِمِنَا، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ
[ ٥ / ٣٩٧ ]
أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، فَقَالُوا: " شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا "، وَتَنَقَّصُوهُ. قَالَ: فَهَذَا مَا كُنْتُ أَخَافُ وَأَحْذَرُ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ - فِي صَحِيحِهِ - عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: " «كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، وَقَالَ: " السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ "، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ قَالَ: قُلْتُ: أَلَا تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّمَا سَمَّيْتُهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اسْمِي الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي مُحَمَّدٌ، فَقَالَ: الْيَهُودِيُّ جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ. قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنِي، فَنَكَتَ بِعَوْدٍ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: " أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ " فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ، قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ؟ قَالَ: زِيَادَةُ كَبِدِ نُونٍ، قَالَ: وَمَا غِذَاؤُهُمْ
[ ٥ / ٣٩٨ ]
عَلَى أَثَرِهِ؟ قَالَ: يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، قَالَ: يَنْفَعُكَ إِذَا حَدَّثْتُكَ قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنِي، قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ، قَالَ: مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مِنَيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَالَ: الْيَهُودِيُّ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ، ثُمَّ انْصَرَفَ. فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهُ سَأَلَنِي هَذَا الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى أَتَانِي بِهِ اللَّهُ تَعَالَى» .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ، عَنْ
[ ٥ / ٣٩٩ ]
شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ يَوْمًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهَا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٍّ، فَقَالَ: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ، وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ إِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ تَعْرِفُونَهُ صِدْقًا لَتُتَابِعُونِي عَلَى الْإِسْلَامِ قَالُوا: لَكَ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعِ خِلَالٍ ; أَخْبِرْنَا عَنِ الطَّعَامِ الَّذِي حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، وَأَخْبِرْنَا عَنْ مَاءِ الرَّجُلِ كَيْفَ يَكُونُ الذَّكَرُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ ذَكَرًا، وَكَيْفَ يَكُونُ الْأُنْثَى حَتَّى يَكُونَ أُنْثَى، وَأَخْبِرْنَا كَيْفَ هَذَا النَّبِيُّ فِي النَّوْمِ، وَمَنْ وَلِيُّكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ قَالَ: فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ لَتُتَابِعُونِي، فَأَعْطَوْهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ; هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ - يَعْقُوبَ - مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا طَالَ سَقَمُهُ فِيهِ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لِيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانَ الْإِبِلِ، وَأَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحُومَ الْإِبِلِ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ
[ ٥ / ٤٠٠ ]
بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ; هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَأَنَّ مَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ فَأَيُّهُمَا عَلَا كَانَ الْوَلَدُ، وَالشَّبَهُ لَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ; هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، قَالُوا: أَنْتَ الْآنَ حَدِّثْنَا مَنْ وَلِيُّكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَعِنْدَهَا نُجَامِعُكَ أَوْ نُفَارِقُكَ، قَالَ: وَلِيِّي جِبْرِيلُ ﵇، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَهُو وَلِيُّهُ، قَالُوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ، لَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَاتَّبَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُصَدِّقُوا قَالُوا: إِنَّهُ عَدُّوُنَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩٧] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]» .
[ ٥ / ٤٠١ ]
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْيَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَغَيْرِهِ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَسَائِلَ، يَقُولُونَ فِيهَا: لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ: أَيْ وَمَنْ تَعَلَّمَهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ السَّائِلِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَهَا، كَمَا جَاءَ - أَيْضًا -: " لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ ". فَكَانُوا يَمْتَحِنُونَهُ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ لِيَتَبَيَّنَ هَلْ يَعْلَمُهَا، وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، كَانَ نَبِيًّا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ بِذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَانَ تَعَلَّمَهَا بَعْضُ النَّاسِ، لَكِنْ تَعَلَّمَهَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ لَمْ يُعَلِّمْهُ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْعِلْمِ ; إِذْ لَوْ جَوَّزُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُمْ مِنِ امْتِحَانِهِ ; هَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُمْ إِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ تَعَلَّمَ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَانَ مِنْ جِنْسِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِهِ بِهَا وَإِجَابَتِهِمْ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ.
فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ السَّائِلُونَ يَقْطَعُونَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ مَنْ أَهْلِ
[ ٥ / ٤٠٢ ]
الْكِتَابِ. وَهَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بِضْعَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَانْتَشَرَ أَمْرُهُ، وَكَذَّبَهُ قَوْمُهُ، وَحَرَصُوا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَتِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، أَوْ لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي طَرِيقٍ فَتَعَلَّمَ مِنْهُ، لَكَانَ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِ هَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا مِنَ الْغَيْبِ مِنْ بَشَرٍ، لَا سِيَّمَا وَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَدْ كَذَّبَهُمْ وَحَارَبَهُمْ، لَأَظْهَرُوا ذَلِكَ، وَلَشَاعَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَكَانَ إِذَا أَجَابَهُمْ قَالُوا: هَذَا تَعَلَّمْتَهُ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ مِنَّا، أَوْ هَذَا عَلَّمَكَهُ بَعْضُ أَهْلِ دِينِنَا. وَهَذَا كَمَا كَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَسْأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ، وَيَقُولُونَ: إِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَقَوِّلٌ، وَيَقُولُونَ: سَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ.
فَهَذَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ قُرَيْشٍ قَوْمُهُ، يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْمَهُ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْبَشَرِ، إِذْ لَوْ جَوَّزُوا ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولُوا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعًا يَعْلَمُونَ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْلَمُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ، وَبِذَلِكَ يُعْرَفُ هَلْ يُجِيبُ فِيهَا بِمَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ، أَوْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ كَانَ تَعَلَّمَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ لَا يَدُلُّ جَوَابُهُ عَنْهَا عَلَى نُبُوَّتِهِ كَمَا لَوْ أَجَابَ عَنْ تِلْكَ
[ ٥ / ٤٠٣ ]
الْمَسَائِلِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَمَا لَوْ سَأَلَ فِي زَمَانِنَا بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ: أَيْ لَا يَعْلَمُهَا ابْتِدَاءً بِدُونِ تَعْلِيمٍ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا نَبِيٌّ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا جَمِيعًا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ بَشَرٍ مَعَ انْتِشَارِ أَخْبَارِهِ، وَمَعَ اطِّلَاعِ قَوْمِهِ عَلَى أَسْرَارِهِ، وَمَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ - لَوْ وُجِدَ - وَمَعَ أَنَّهُمْ لَوْ جَوَّزُوا تَجْوِيزًا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّمَهَا مِنْ بَشَرٍ فِي الْبَاطِنِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَاطِعِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ؛ لَا فِي الْبَاطِنِ، وَلَا فِي الظَّاهِرِ، وَهَذَا طَرِيقٌ بَيِّنٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ سِوَى الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
[فَصْلٌ: جَلَاءُ آيَاتِ النُّبُوَّةِ وَتَنَوُّعُهَا وَكَثْرَتُهَا]
وَلَمَّا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولًا إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ جِنِّهِمْ وَإِنْسُهِمْ، عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، وَهُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ - لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ - كَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمِنْ تَمَامِ حُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ تَكُونَ آيَاتُ نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينُ رِسَالَتِهِ مَعْلُومَةً لِكُلِّ الْخَلْقِ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَى نُبُوَّتِهِ، مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ.
وَكَانَ يُظْهِرُ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ الْآيَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْأُفُقِيَّةِ مَا يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٢] .
أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَيُرِي عِبَادَهُ الْآيَاتِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَفِي الْآفَاقِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَيْهِ ; إِذْ هُوَ
[ ٥ / ٤٠٥ ]
الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ كَمَا قَالَ:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] .
وَالضَّمِيرُ فِي (كَانَ) عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ.
يَقُولُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ الْقُرْآنُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْكَافِرُ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ قَدْ شَاقَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا أَحَدَ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي مِثْلِ هَذَا الشِّقَاقِ ; حَيْثُ كَانَ فِي شِقٍّ، وَاللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي شِقٍّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
[ ٥ / ٤٠٦ ]
بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِلْحَقِّ قَاصِدًا لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي قُلْتُمُوهُ لَا يَتَوَلَّى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ قَصْدُهُ الْحَقَّ، وَإِنَّمَا يَتَوَلَّى عَنْهُ مَنْ قَصْدُهُ الْمُشَاقَّةَ وَالْمُعَادَاةَ، لِهَوَى نَفْسِهِ، وَهَذَا يَكْفِيكَ اللَّهُ أَمْرَهُ.
وَالْقُرْآنُ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ كَفَرَ بِهِ مَنْ كَفَرَ فَلَا أَحَدَ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ ; إِذْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَقٌّ فَهُوَ ضَالٌّ. وَالشِّقَاقُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الْعِنَادِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْجَهْلِ، فَإِنَّ الْآيَاتِ إِذَا ظَهَرَتْ فَأَعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ كَانَ مُشَاقًّا ; وَلِهَذَا قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُرِي عِبَادَهُ مِنَ الْآيَاتِ الْأُفُقِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ قَالَ:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
فَإِنَّ شَهَادَتَهُ وَحْدَهُ كَافِيَةٌ بِدُونِ مَا يَنْتَظِرُ مِنَ الْآيَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .
وَشَهَادَتُهُ لِلْقُرْآنِ وَلِمُحَمَّدٍ، تَكُونُ بِأَقْوَالِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ:
[ ٥ / ٤٠٧ ]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] .
وَتَكُونُ بِأَفْعَالِهِ وَهُوَ مَا يُحْدِثُهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ، الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ رُسُلِهِ، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُمْ بِهَا فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْهُ، وَشَهِدَ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ.
وَالْقُرْآنُ - نَفْسُهُ - هُوَ قَوْلُ اللَّهِ، وَفِيهِ شَهَادَةُ اللَّهِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ، وَإِنْزَالُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِتْيَانُ مُحَمَّدٍ بِهِ هُوَ آيَةٌ وَبُرْهَانٌ، وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ ; إِذْ كَانَ الْبَشَرُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا الْأَوْلِيَاءِ، وَلَا السَّحَرَةِ، وَلَا غَيْرِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وَمُحَمَّدٌ أَخْبَرَ بِهَذَا فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِذْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ (سُبْحَانَ) وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
،
[ ٥ / ٤٠٨ ]
صَدَّرَهَا بِذِكْرِ الْإِسْرَاءِ الَّذِي كَانَ بِمَكَّةَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَقَدْ أَخْبَرَ خَبَرًا وَأَكَّدَهُ بِالْقَسَمِ عَنْ جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ - إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ - أَنَّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، بَلْ يَعْجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا فِيهِ آيَاتٌ لِنُبُوَّتِهِ.
مِنْهَا إِقْدَامُهُ عَلَى هَذَا الْخَبَرِ الْعَظِيمِ عَنْ جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ هَذَا، بَلْ يَعْجِزُونَ عَنْهُ. هَذَا لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مَنْ يَطْلُبُ النَّاسَ أَنْ يُصَدِّقُوهُ إِلَّا وَهُو وَاثِقٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ ; إِذْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ شَكٌّ فِي ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ مَا قَصَدَهُ، وَهَذَا لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ عَاقِلٌ مَعَ اتِّفَاقِ الْأُمَمِ؛ الْمُؤْمِنِ بِمُحَمَّدٍ، وَالْكَافِرِ بِهِ، عَلَى كَمَالِ عَقْلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَخِبْرَتِهِ، إِذْ سَاسَ الْعَالَمَ سِيَاسَةً لَمْ يَسُسْهُمْ أَحَدٌ بِمِثْلِهَا.
، ثُمَّ جَعْلُهُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ الْمَتْلُوِّ الْمَحْفُوظِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الَّذِي يُقْرَأُ بِهِ فِي الصَّلَوَاتِ، وَيَسْمَعُهُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ، وَالْوَلِيُّ وَالْعَدُوُّ، دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ ثِقَتِهِ بِصِدْقِ هَذَا الْخَبَرِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ شَاكًّا فِي ذَلِكَ لَخَافَ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ عِنْدَ خَلْقٍ كَثِيرٍ، بَلْ عِنْدَ أَكْثَرِ مَنِ اتَّبَعَهُ وَمَنْ عَادَاهُ، وَهَذَا
[ ٥ / ٤٠٩ ]
لَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَقْصِدُ أَنْ يُصَدِّقَهُ النَّاسُ، فَمَنْ يَقْصِدُ أَنْ يُصَدِّقَهُ النَّاسُ، لَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا، وَيُظْهِرُهُ هَذَا الْإِظْهَارَ، وَيُشِيعُهُ هَذِهِ الْإِشَاعَةَ، وَيُخَلِّدُهُ هَذَا التَّخْلِيدَ، إِلَّا وَهُوَ جَازِمٌ عِنْدَ نَفْسِهِ بِصِدْقِهِ.
وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ بَشَرًا يَجْزِمُ بِهَذَا الْخَبَرِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَعْجِزُ عَنْهُ الْخَلْقُ، إِذْ عِلْمُ الْعَالِمِ بِعَجْزِ جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، هُوَ مِنْ أَعْظَمِ دَلَائِلِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، وَكَوْنِهِ آيَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عِنْدَ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي أَمَرَ بِبَلَاغِهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَهُو وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ.
دَعْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ مُعْجِزٌ، مِثْلَ عَجْزِ جَمِيعِ الْأُمَمِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَعَ كَمَالِ الرَّغْبَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، وَعَدَمِ الْفِعْلِ مَعَ كَمَالِ الدَّاعِي يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْقُدْرَةِ، فَلَمَّا كَانَ دَوَاعِي الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْمُعَارَضَةِ تَامَّةً، عُلِمَ عَجْزُ جَمِيعِ الْأُمَمِ عِنْدَ مُعَارَضَتِهِ، وَهَذَا بُرْهَانٌ ثَانٍ يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُ هَذَا الْخَبَرِ، وَصِدْقُ هَذَا الْخَبَرِ آيَةٌ لِنُبُوَّتِهِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِنُبُوَّتِهِ، وَهِيَ آيَةٌ ظَاهِرَةٌ بَاقِيَةٌ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، مَعْلُومَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ.
فَإِنَّ كَوْنَهُ مُعْجِزًا يُعْلَمُ بِأَدِلَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْإِعْجَازُ فِيهِ وُجُوهٌ
[ ٥ / ٤١٠ ]
مُتَعَدِّدَةٌ، فَتَنَوَّعَتْ دَلَائِلُ إِعْجَازِهِ، وَتَنَوَّعَتْ وُجُوهُ إِعْجَازِهِ، وَكُلُّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ هُوَ دَالٌّ عَلَى إِعْجَازِهِ، وَهَذِهِ جُمَلٌ لِبَسْطِهَا تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠] .
فَهُوَ كَافٍ فِي الدَّعْوَةِ وَالْبَيَانِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ.
[ ٥ / ٤١١ ]
[فَصْلٌ: التَّحْقِيقُ فِي اسْمِ الْمُعْجِزَةِ وَالْآيَةِ وَالْكَرَامَةِ وَإِطْلَاقِهِنَّ]
وَالْآيَاتُ وَالْبَرَاهِينُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، وَهِيَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ آيَاتِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيُسَمِّيهَا مَنْ يُسَمِّيهَا مِنَ النُّظَّارِ (مُعْجِزَاتٍ)، وَتُسَمَّى (دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ) وَ(أَعْلَامَ النُّبُوَّةِ) .
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ إِذَا سُمِّيَتْ بِهَا آيَاتُ الْأَنْبِيَاءِ، كَانَتْ أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ لَفْظِ الْمُعْجِزَاتِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ (الْمُعْجِزَاتِ) مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا فِيهِ لَفْظُ (الْآيَةِ) وَ(الْبَيِّنَةِ) وَ(الْبُرْهَانِ)، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى:
﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢] .
فِي الْعَصَا وَالْيَدِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] .
[ ٥ / ٤١٢ ]
وَقَدْ قَالَ فِي مُطَالَبَةِ أَهْلِ الدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ بِالْبُرْهَانِ:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] .
وَقَالَ:
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٤] .
[ ٥ / ٤١٣ ]
وَأَمَّا لَفْظُ (الْآيَاتِ) فَكَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٣] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢] آيَةً أُخْرَى.
وَقَوْلِ فِرْعَوْنَ لَهُ:
﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] .
[ ٥ / ٤١٤ ]
وَقَالَ قَوْمُ صَالِحٍ لَهُ:
﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٤] .
وَقَالَ:
﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] .
وَقَالَ الْمَسِيحُ:
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
وَقَالَ فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ:
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٤] .
[ ٥ / ٤١٥ ]
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١] .
وَقَالَ:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠] .
وَقَالَ:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
[ ٥ / ٤١٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
وَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ - قَالَ فِي آخِرِ كُلِّ قِصَّةٍ:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ - وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٦٧ - ٦٨] .
وَقَالَ:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] .
إِلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِهَا:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] .
[ ٥ / ٤١٧ ]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠] .
وَقَالَ:
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] .
وَأَمَّا لَفْظُ الْمُعْجِزِ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْجَزَ غَيْرَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] .
وَقَالَ:
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] .
[ ٥ / ٤١٨ ]
وَمَنْ لَا يُثْبِتُ فِعْلًا إِلَّا لِلَّهِ يَقُولُ: الْمُعْجِزُ هُوَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ غَيْرُهُ مُعْجِزًا مَجَازًا. وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ آيَةً وَدَلِيلًا إِلَّا إِذَا فُسِّرَ الْمُرَادُ بِهِ وَذُكِرَ شَرَائِطُهُ، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ لَا يُسَمِّي مُعْجِزًا إِلَّا مَا كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ فَقَطْ، وَمَا كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ إِنْ أُثْبِتَ لَهُمْ خَرْقُ عَادَةٍ سَمَّاهَا كَرَامَةً.
وَالسَّلَفُ - كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - كَانُوا يُسَمُّونَ هَذَا وَهَذَا مُعْجِزًا، وَيَقُولُونَ لِخَوَارِقَ الْأَوْلِيَاءِ: إِنَّهَا مُعْجِزَاتٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأَنْبِيَاءِ بِذَلِكَ. بِخِلَافِ مَا كَانَ آيَةً وَبُرْهَانًا عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ، فَإِنَّ هَذَا يَجِبُ اخْتِصَاصُهُ.
وَقَدْ يُسَمُّونَ الْكَرَامَاتِ آيَاتٍ، لِكَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مَنِ اتَّبَعَهُ الْوَلِيُّ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَدْلُولِ، يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ بِدُونِ ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ آيَةً وَبُرْهَانًا، وَهُوَ الدَّلِيلُ وَالْعَلَمُ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ دَلَائِلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ كَمَا قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ
[ ٥ / ٤١٩ ]
مَنْ يُخَصِّصُ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ بِنَوْعٍ فَقَدْ غَلِطَ، بَلْ هِيَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ الْآيَاتِ نَوْعَانِ:
وَمِنْهَا: مَا مَضَى وَصَارَ مَعْلُومًا بِالْخَبَرِ، كَمُعْجِزَاتِ مُوسَى وَعِيسَى.
وَمِنْهَا: مَا هُوَ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ كَالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ الَّذِي فِي أَتْبَاعِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ، وَكَشَرِيعَتِهِ الَّتِي أَتَى بِهَا، فَإِنَّهَا - أَيْضًا - مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ، وَكَالْآيَاتِ الَّتِي يُظْهِرُهَا اللَّهُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ مِنْ أُمَّتِهِ، وَوُقُوعِ مَا أَخْبَرَ بِوُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ» "، وَقَوْلِهِ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى» ". وَقَدْ خَرَجَتْ هَذِهِ النَّارُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَشَاهَدَ النَّاسُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى.
[ ٥ / ٤٢٠ ]
وَظَهَرَ دِينُهُ وَمِلَّتُهُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَالْيَدِ وَالسِّنَانِ، وَمَثَلُ الْمَثُلَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ الَّتِي تَحِيقُ بِأَعْدَائِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَنَعْتِهِ الْمَوْجُودِ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[ ٥ / ٤٢١ ]
[فَصْلٌ: بَحْثٌ فِي الْإِعْجَازِ الْقُرْآنِيِّ]
وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَفِيهِ الدَّعْوَةُ وَالْحُجَّةُ، فَلَهُ بِهِ اخْتِصَاصٌ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَالْقُرْآنُ يَظْهَرُ كَوْنُهُ آيَةً وَبُرْهَانًا لَهُ مِنْ وَجُوهٍ: جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا. أَمَّا الْجُمْلَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَتِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ مِنْ عَامَّةِ الْأُمَمِ، عِلْمًا مُتَوَاتِرًا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتَى بِهَذَا الْقُرْآنِ، وَتَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ أَعْظَمَ مِنْ تَوَاتُرِهَا بِخَبَرِ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْفَلَاسِفَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالْقُرْآنُ نَفْسُهُ فِيهِ تَحَدِّي الْأُمَمِ بِالْمُعَارَضَةِ، وَالتَّحَدِّي هُوَ أَنْ يَحْدُوَهُمْ: أَيْ يَدْعُوَهُمْ فَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَنْ يُعَارِضُوهُ، فَيُقَالُ فِيهِ: حَدَانِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ: أَيْ بَعَثَنِي عَلَيْهِ، وَمِنْهُ سُمِّي حَادِي الْعِيسِ؛ لِأَنَّهُ بِحِدَاهُ يَبْعَثُهَا عَلَى السَّيْرِ.
[ ٥ / ٤٢٢ ]
وَقَدْ يُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ بِالتَّحَدِّي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَلَكِنَّهُ أَصْلُهُ الْأَوَّلُ، قَالَ تَعَالَى: فِي سُورَةِ الطُّورِ:
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣] .
فَهُنَا قَالَ:
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] .
فِي أَنَّهُ تَقَوَّلَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَقَوَّلَهُ كَمَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَظْمٍ وَنَثْرٍ، كَانَ هَذَا مُمْكِنًا لِلنَّاسِ، الَّذِينَ هُمْ مِنْ جِنْسِهِ، فَأَمْكَنَ النَّاسَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] .
ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨] .
[ ٥ / ٤٢٣ ]
فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرِيَاتٍ هُمْ وَكُلُّ مَنِ اسْتَطَاعُوا مَنْ دُونِ اللَّهِ، ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ هُمْ وَمَنِ اسْتَطَاعُوا، قَالَ:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [هود: ١٤] .
وَهَذَا أَصْلُ دَعْوَتِهِ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالشَّهَادَةُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] .
كَمَا قَالَ:
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] .
أَيْ: هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ، لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُفْتَرًى، كَمَا قَالَ:
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧] .
[ ٥ / ٤٢٤ ]
أَيْ: مَا كَانَ لِأَنْ يُفْتَرَى، يَقُولُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ هَذَا. فَلَمْ يَنْفِ مُجَرَّدَ فِعْلِهِ، بَلْ نَفَى احْتِمَالَ فِعْلِهِ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَقَعُ، بَلْ يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: مَا يُمْكِنُ، وَلَا يُحْتَمَلُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَرَى هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَفْتَرِيهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا التَّحَدِّي كَانَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّوَرَ مَكِّيَّةٌ؛ سُورَةَ يُونُسَ، وَهُودٍ، وَالطُّورِ.
ثُمَّ أَعَادَ التَّحَدِّي فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ فِي (الْبَقَرَةِ) وَهِيَ سُورَةٌ مَدَنِيَّةٌ:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] .
ثُمَّ قَالَ:
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
فَذَكَرَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ:
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤] .
[ ٥ / ٤٢٥ ]
يَقُولُ: إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ حَقٌّ، فَخَافُوا اللَّهَ أَنْ تُكَذِّبُوهُ، فَيَحِيقُ بِكُمُ الْعَذَابُ، الَّذِي وَعَدَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ، وَهَذَا دُعَاءٌ إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، بَعْدَ أَنْ دَعَاهُمْ بِالْحِكْمَةِ، وَهُوَ جِدَالُهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَالثَّانِي قَوْلُهُ:
﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] .
وَ(لَنْ) لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَثَبَتَ الْخَبَرُ أَنَّهُمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ، لَا يَأْتُونَ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ كَمَا أَخْبَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ فِي سُورَةِ (سُبْحَانَ)، وَهِيَ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، افْتَتَحَهَا بِذِكْرِ الْإِسْرَاءِ، وَهُوَ كَانَ بِمَكَّةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَذَكَرَ فِيهَا مِنْ مُخَاطَبَتِهِ لِلْكَفَّارِ بِمَكَّةَ مَا يُبَيِّنُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فَعَمَّ بِالْخَبَرِ جَمِيعَ الْخَلْقِ مُعْجِزًا لَهُمْ، قَاطِعًا بِأَنَّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ، لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، وَلَوْ تَظَاهَرُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا التَّحَدِّي وَالدُّعَاءُ هُوَ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، وَهَذَا قَدْ سَمِعَهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَ الْقُرْآنَ وَعَرَفَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَعَلِمَ - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّهُمْ لَمْ يُعَارِضُوهُ، وَلَا أَتَوْا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَمِنْ حِينِ بُعِثَ، وَإِلَى الْيَوْمِ، الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ مَا عُلِمَ
[ ٥ / ٤٢٦ ]
مِنْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَلَمَّا بُعِثَ إِنَّمَا تَبِعَهُ قَلِيلٌ.
وَكَانَ الْكُفَّارُ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِهِ، مُجْتَهِدِينَ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُ، تَارَةً يَذْهَبُونَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَيَسْأَلُونَهُمْ عَنْ أُمُورٍ مِنَ الْغَيْبِ، حَتَّى يَسْأَلُوهُ عَنْهَا، كَمَا سَأَلُوهُ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وَأَهْلِ الْكَهْفِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَتَارَةً يَجْتَمِعُونَ فِي مَجْمَعٍ بَعْدَ مَجْمَعٍ عَلَى مَا يَقُولُونَهُ فِيهِ، وَصَارُوا يَضْرِبُونَ لَهُ الْأَمْثَالَ، فَيُشَبِّهُونَهُ بِمَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ لِمُجَرَّدِ شَبَهٍ مَا مَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ. فَتَارَةً يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ. وَتَارَةً يَقُولُونَ: سَاحِرٌ. وَتَارَةً يَقُولُونَ: كَاهِنٌ. وَتَارَةً يَقُولُونَ: شَاعِرٌ. . . إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي يَعْلَمُونَ - هُمْ وَكُلُّ عَاقِلٍ سَمِعَهَا - أَنَّهَا افْتِرَاءٌ عَلَيْهِ.
فَإِذَا كَانَ قَدْ تَحَدَّاهُمْ بِالْمُعَارَضَةِ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ - وَهِيَ تُبْطِلُ دَعْوَتُهُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهَا لَفَعَلُوهَا، فَإِنَّهُ مَعَ وُجُودِ هَذَا الدَّاعِي التَّامِّ الْمُؤَكَّدِ إِذَا كَانَتِ الْقُدْرَةُ حَاصِلَةً، وَجَبَ وُجُودُ الْمَقْدُورِ، ثُمَّ هَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ.
فَهَذَا الْقَدْرُ يُوجِبُ عِلْمًا بَيِّنًا لِكُلِّ أَحَدٍ بِعَجْزِ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ بِحِيلَةٍ، وَبِغَيْرِ حِيلَةٍ. وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يُكَرَّرُ جِنْسُهَا كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ
[ ٥ / ٤٢٧ ]
بِنَظِيرِهِ، وَكَوْنُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ لَيْسَ هُوَ مِنْ جِهَةِ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ فَقَطْ، أَوْ نَظْمِهِ وَأُسْلُوبِهِ فَقَطْ، وَلَا مِنْ جِهَةِ إِخْبَارِهِ بِالْغَيْبِ فَقَطْ، وَلَا مِنْ جِهَةِ صَرْفِ الدَّوَاعِي عَنْ مُعَارَضَتِهِ فَقَطْ، وَلَا مِنْ جِهَةِ سَلْبِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مُعْجِزَةٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظْمِ، وَمِنْ جِهَةِ الْبَلَاغَةِ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى، وَمِنْ جِهَةِ مَعَانِيهِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْ جِهَةِ مَعَانِيهِ، الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْغَيْبِ الْمَاضِي، وَعَنِ الْغَيْبِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَمِنْ جِهَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْمَعَادِ، وَمِنْ جِهَةِ مَا بَيَّنَ فِيهِ مِنَ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ، وَالْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] .
وَقَالَ:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨] .
[ ٥ / ٤٢٨ ]
وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ النَّاسُ مِنَ الْوُجُوهِ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، هُوَ حُجَّةٌ عَلَى إِعْجَازِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ تَنَبَّهُوا لِمَا تَنَبَّهُوا لَهُ.
وَمِنْ أَضْعَفِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: إِنَّهُ مُعْجِزٌ بِصَرْفِ الدَّوَاعِي - مَعَ تَمَامِ الْمُوجِبِ لَهَا - أَوْ بِسَلْبِ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، أَوْ بِسَلْبِهِمُ الْقُدْرَةَ الْمُعْتَادَةَ فِي مِثْلِهِ سَلْبًا عَامًّا، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا:
﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] .
وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ صَرَفَ قُلُوبَ الْأُمَمِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي التَّامِّ. فَإِنَّ هَذَا يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ وَالتَّنْزِيلِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْدِرُ النَّاسُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، فَامْتِنَاعُهُمْ - جَمِيعُهُمْ - عَنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ، مَعَ قِيَامِ الدَّوَاعِي الْعَظِيمَةِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ، مِنْ أَبْلَغِ الْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَاتِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنِّي آخُذُ أَمْوَالَ جَمِيعِ أَهْلِ
[ ٥ / ٤٢٩ ]
هَذَا الْبَلَدِ الْعَظِيمِ، وَأَضْرِبُهُمْ جَمِيعَهُمْ، وَأُجَوِّعُهُمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يَشْكُوا إِلَى اللَّهِ، أَوْ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ - مَعَ ذَلِكَ - مَنْ يَشْتَكِي، فَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْعَجَائِبِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ وَاحِدًا صَنَّفَ كِتَابًا يَقْدِرُ أَمْثَالُهُ عَلَى تَصْنِيفٍ مِثْلِهِ، أَوْ قَالَ شِعْرًا، يَقْدِرُ أَمْثَالُهُ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، وَتَحَدَّاهُمْ كُلَّهُمْ، فَقَالَ: عَارِضُونِي، وَإِنْ لَمْ تُعَارِضُونِي فَأَنْتُمْ كُفَّارٌ، مَأْوَاكُمُ النَّارُ، وَدِمَاؤُكُمْ لِي حَلَالٌ، امْتَنَعَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ أَحَدٌ. فَإِذَا لَمْ يُعَارِضُوهُ كَانَ هَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْعَجَائِبِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ.
وَالَّذِي جَاءَ بِالْقُرْآنِ قَالَ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، وَمَنْ آمَنَ بِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي دَخَلَ النَّارَ، وَقَدْ أُبِيحَ لِي قَتْلُ رِجَالِهِمْ، وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ، وَغَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ طَاعَتِي، وَمَنْ لَمْ يُطِعْنِي كَانَ مِنْ أَشْقَى الْخَلْقِ، وَمِنْ آيَاتِي هَذَا الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، وَأَنَا أُخْبِرُكُمْ أَنَّ أَحَدًا لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ.
فَيُقَالُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَادِرِينَ عَلَى الْمُعَارَضَةِ أَوْ عَاجِزِينَ.
فَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ، وَلَمْ يُعَارِضُوهُ، بَلْ صَرَفَ اللَّهُ دَوَاعِي قُلُوبِهِمْ، وَمَنَعَهَا أَنْ تُرِيدَ مُعَارَضَتَهُ مَعَ هَذَا التَّحَدِّي الْعَظِيمِ، أَوْ سَلَبَهُمُ الْقُدْرَةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ قَبْلَ تَحَدِّيهِ، فَإِنَّ سَلْبَ الْقُدْرَةِ الْمُعْتَادَةِ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ:
[ ٥ / ٤٣٠ ]
مُعْجِزَتِي أَنَّكُمْ كُلُّكُمْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى الْكَلَامِ وَلَا عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْمُعْتَادِ كَإِحْدَاثِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ - فَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْخَوَارِقِ.
وَإِنْ كَانُوا عَاجِزِينَ، ثَبَتَ أَنَّهُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، فَثَبَتَ كَوْنُهُ خَارِقًا عَلَى تَقْدِيرِ النَّقِيضَيْنِ ; النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. فَثَبَتَ أَنَّهُ مِنَ الْعَجَائِبِ النَّاقِضَةِ لِلْعَادَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
فَهَذَا غَايَةُ التَّنَزُّلِ، وَإِلَّا فَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَقْدِرُ مُحَمَّدٌ ﷺ - نَفْسُهُ - مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَى أَنْ يُبَدِّلَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ سَائِرِ كَلَامِهِ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَدَبُّرٍ، كَمَا قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وَأَيْضًا فَالنَّاسُ يَجِدُونَ دَوَاعِيَهِمْ إِلَى الْمُعَارَضَةِ حَاصِلَةً، لَكِنَّهُمْ يُحِسُّونَ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْعَجْزَ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، وَلَوْ كَانُوا قَادِرِينَ لَعَارَضُوهُ.
[ ٥ / ٤٣١ ]
وَقَدِ انْتَدَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ لِمُعَارَضَتِهِ، لَكِنْ جَاءَ بِكَلَامٍ فَضَحَ بِهِ نَفْسَهُ، وَظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ عَجْزِ الْخَلْقِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، مِثْلَ قُرْآنِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، كَقَوْلِهِ: (يَا ضُفْدَعُ بِنْتَ ضُفْدَعِينَ، نِقِّي كَمْ تَنِقِّينَ، لَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينَ، وَلَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينَ، رَأْسُكِ فِي الْمَاءِ، وَذَنَبُكِ فِي الطِّينِ) .
وَكَذَلِكَ - أَيْضًا - يَعْرِفُونَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ حَالُ قُدْرَتِهِمْ قَبْلَ سَمَاعِهِ وَبَعْدَ سَمَاعِهِ، فَلَا يَجِدُونَ أَنْفُسَهُمْ عَاجِزِينَ عَمَّا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهِ كَمَا وَجَدَ زَكَرِيَّا عَجْزَهُ عَنِ الْكَلَامِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ وَالْمُكَذِّبِينَ لَهُ، إِنَّهُ كَانَ قَصْدُهُ أَنْ يُصَدِّقَهُ النَّاسُ وَلَا يُكَذِّبُوهُ، وَكَانَ - مَعَ ذَلِكَ - مِنْ أَعْقَلِ النَّاسِ وَأَخْبَرِهِمْ وَأَعْرَفِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ، يَنَالُ مَقْصُودَهُ، سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّهُ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ. فَإِنَّ مَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اسْتَجَابُوا لَهُ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَظَهَرَتْ دَعْوَتُهُ وَانْتَشَرَتْ مِلَّتُهُ هَذَا الِانْتِشَارَ، هُوَ مِنْ عُظَمَاءِ الرِّجَالِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ. فَإِقْدَامُهُ - مَعَ هَذَا الْقَصْدِ - فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَأَتْبَاعُهُ قَلِيلٌ، عَلَى أَنْ يَقُولَ خَبَرًا، يَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، لَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَلَا فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ
[ ٥ / ٤٣٢ ]
الْمُتَأَخِّرَةِ، لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ جَزْمِهِ بِذَلِكَ، وَتَيَقُّنِهِ لَهُ، وَإِلَّا فَمَعَ الشَّكِّ وَالظَّنِّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ فَيَفْتَضِحَ فَيَرْجِعَ النَّاسُ عَنْ تَصْدِيقِهِ.
وَإِذَا كَانَ جَازِمًا بِذَلِكَ - مُتَيَقِّنًا لَهُ - لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ. وَلَيْسَ فِي الْعُلُومِ الْمُعْتَادَةِ أَنْ يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ كَلَامِهِ إِلَّا إِذَا عَلِمَ الْعَالَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَةِ الْبَشَرِ. وَالْعِلْمُ بِهَذَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مُعْجِزًا، فَإِنَّا نَعْلَمُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُنَا بِذَلِكَ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ ثُبُوتُ الْمَعْلُومِ، وَإِلَّا كَانَ الْعِلْمُ جَهْلًا، فَثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ.
وَأَمَّا التَّفْصِيلُ، فَيُقَالُ: نَفْسُ نَظْمِ الْقُرْآنِ وَأُسْلُوبِهِ عَجِيبٌ بَدِيعٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِنَظِيرِ هَذَا الْأُسْلُوبِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الشِّعْرِ وَلَا الرَّجَزِ وَلَا الْخَطَابَةِ وَلَا الرَّسَائِلِ، وَلَا نَظْمُهُ نَظْمُ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ عَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، وَنَفْسُ فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَتِهِ هَذَا عَجِيبٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي كَلَامِ جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَبَسْطُ هَذَا وَتَفْصِيلُهُ طَوِيلٌ، يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ نَظَرٌ وَتَدَبُّرٌ.
[ ٥ / ٤٣٣ ]
وَنَفْسُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي بَابِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، أَمْرٌ عَجِيبٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، لَمْ يُوجَدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ بَشَرٍ، لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِ نَبِيٍّ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْجِنِّ وَخَلْقِ آدَمَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَفْسُ مَا أَمَرَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنَ الدِّينِ، وَالشَّرَائِعِ كَذَلِكَ، وَنَفْسُ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْأَمْثَالِ، وَبَيَّنَهُ مِنَ الدَّلَائِلِ هُوَ - أَيْضًا - كَذَلِكَ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ مَا صَنَّفَهُ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ فِي الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْخُلُقِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَجَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ - التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ الْأَنْبِيَاءِ - وَجَدَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ مِنَ التَّفَاوُتِ أَعْظَمَ مِمَّا بَيْنَ لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ، وَبَيْنَ سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعَرَبِ وَنَظْمِهِمْ.
فَالْإِعْجَازُ فِي مَعْنَاهُ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنَ الْإِعْجَازِ فِي لَفْظِهِ، وَجَمِيعُ عُقَلَاءِ الْأُمَمِ عَاجِزُونَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ مَعَانِيهِ أَعْظَمَ مِنْ عَجْزِ الْعَرَبِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ لَفْظِهِ. وَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مِثْلُ الْقُرْآنِ، لَا يُقْدَحُ فِي الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ تِلْكَ كُتُبُ اللَّهِ - أَيْضًا - وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْتِيَ نَبِيٌّ بِنَظِيرِ آيَةِ نَبِيٍّ، كَمَا أَتَى الْمَسِيحُ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَقَدْ وَقَعَ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ غَيْرِهِ؛ فَكَيْفَ وَلَيْسَ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُمَاثِلًا
[ ٥ / ٤٣٤ ]
لِمَعَانِي الْقُرْآنِ؛ لَا فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا فِي الْكَيْفِيَّةِ وَلَا الْكَمِّيَّةِ، بَلْ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ لِكُلِّ مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَ الْكُتُبَ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَنْ ظَهَرَتْ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، ظَهَرَ لَهُ إِعْجَازُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ ذَلِكَ اكْتَفَى بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ كَعَجْزِ جَمِيعِ الْخَلْقِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَعَ تَحَدِّي النَّبِيِّ، وَإِخْبَارِهِ بِعَجْزِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَدَلَائِلُ النُّبُوَّةِ مِنْ جِنْسِ دَلَائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، فِيهَا الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ لِكُلِّ أَحَدٍ ; كَالْحَوَادِثِ الْمَشْهُودَةِ ; مِثْلِ خَلْقِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالسَّحَابِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ عَرَفَهُ مِثْلُ دَقَائِقِ التَّشْرِيحِ وَمَقَادِيرِ الْكَوَاكِبِ وَحَرَكَاتِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالْخَالِقِ وَالْإِقْرَارِ بِرُسُلِهِ، وَمَا اشْتَدَّتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ يَجُودُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ جُودًا عَامًّا مُيَسَّرًا.
فَلَمَّا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى النَّفْسِ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْمَاءِ، وَحَاجَتُهُمْ إِلَى الْمَاءِ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْأَكْلِ، كَانَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَاءَ بِالْهَوَاءِ جُودًا عَامًّا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ لِضَرُورَةِ الْحَيَوَانِ إِلَيْهِ، ثُمَّ
[ ٥ / ٤٣٥ ]
الْمَاءُ دُونَهُ، وَلَكِنَّهُ يُوجَدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُوجَدُ الْقُوتُ وَأَيْسَرَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ أَشَدُّ.
فَكَذَلِكَ دَلَائِلُ الرُّبُوبِيَّةِ، حَاجَةُ الْخَلْقِ إِلَيْهَا فِي دِينِهِمْ أَشَدُّ الْحَاجَاتِ، ثُمَّ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ ; فَلِهَذَا يَسَّرَهَا اللَّهُ وَسَهَّلَهَا أَكْثَرَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَامَّةُ، مِثْلُ تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَاخْتِلَافِهَا، وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ أَوْ فَنَائِهَا، وَثُبُوتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ أَوِ انْتِفَائِهِ، وَمِثْلُ مَسَائِلِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَفَوَاتِ الْحَجِّ وَفَسَادِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
[ ٥ / ٤٣٦ ]
[فَصْلٌ: شَخْصِيَّةُ الرَّسُولِ وَشَرِيعَتُهُ وَأُمَّتُهُ، وَكَرَامَاتُ الصَّالِحِينَ مِنْهَا، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ]
وَسِيرَةُ الرَّسُولِ وَأَخْلَاقُهُ وَأَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ وَشَرِيعَتُهُ مِنْ آيَاتِهِ، وَأُمَّتُهُ مِنْ آيَاتِهِ، وَعِلْمُ أُمَّتِهِ وَدِينُهُمْ مِنْ آيَاتِهِ، وَكَرَامَاتُ صَالِحِ أُمَّتِهِ مِنْ آيَاتِهِ. وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِتَدَبُّرِ سِيرَتِهِ مِنْ حِينِ وُلِدَ وَإِلَى أَنْ بُعِثَ، وَمِنْ حَيْثُ بُعِثَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَتَدَبُّرِ نَسَبِهِ وَبَلَدِهِ وَأَصْلِهِ وَفَصْلِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْرَفِ أَهْلِ الْأَرْضِ نَسَبًا، مِنْ صَمِيمِ سُلَالَةِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، فَلَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَنَجْعَلُ لَهُ ابْنَيْنِ: إِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ، وَذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ هَذَا وَهَذَا، وَبُشِّرَ فِي التَّوْرَاةِ بِمَا يَكُونُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ مَنْ ظَهَرَ فِيمَا بَشَّرَتْ بِهِ النُّبُوَّاتُ غَيْرُهُ، وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ لِذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بِأَنْ يَبْعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، ثُمَّ مِنْ قُرَيْشٍ صَفْوَةِ بَنِي إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ صَفْوَةِ قُرَيْشٍ، وَمِنْ مَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى وَبَلَدِ الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى حَجِّهِ، وَلَمْ يَزَلْ مَحْجُوجًا مَنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ، مَذْكُورًا فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَحْسَنِ وَصْفٍ.
[ ٥ / ٤٣٧ ]
وَكَانَ مِنْ أَكْمَلِ النَّاسِ تَرْبِيَةً وَنَشْأَةً، لَمْ يَزَلْ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ وَالْبِرِّ وَالْعَدْلِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَتَرْكِ الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَكُلِّ وَصْفٍ مَذْمُومٍ، مَشْهُودًا لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ يَعْرِفُهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَمِمَّنْ آمَنَ بِهِ، وَمِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَا يَعْرِفُ لَهُ شَيْءٌ يُعَابُ بِهِ؛ لَا فِي أَقْوَالِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَلَا فِي أَخْلَاقِهِ، وَلَا جُرِّبَ عَلَيْهِ كَذْبَةٌ قَطُّ، وَلَا ظُلْمٌ وَلَا فَاحِشَةٌ، وَكَانَ خَلْقُهُ وَصُورَتُهُ مِنْ أَكْمَلِ الصُّوَرِ وَأَتَمِّهَا وَأَجْمَعِهَا لِلْمَحَاسِنِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ، وَكَانَ أُمِّيًّا مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُ، لَا هُوَ وَلَا هُمْ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَلَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا عَنْ عُلُومِ النَّاسِ، وَلَا جَالَسَ أَهْلَهَا، وَلَمْ يَدَّعِ نُبُوَّةً إِلَى أَنْ أَكْمَلَ اللَّهُ لَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَتَى بِأَمْرٍ هُوَ أَعْجَبُ الْأُمُورِ وَأَعْظَمُهَا، وَبِكَلَامٍ لَمْ يَسْمَعِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ بِنَظِيرِهِ، وَأَخْبَرَنَا بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ وَقَوْمِهِ مَنْ يَعْرِفُ مِثْلَهُ.
، ثُمَّ اتَّبَعَهُ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ وَهُمْ ضُعَفَاءُ النَّاسِ، وَكَذَّبَهُ أَهْلُ الرِّيَاسَةِ وَعَادَوْهُ، وَسَعَوْا فِي هَلَاكِهِ وَهَلَاكِ مَنِ اتَّبَعَهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، كَمَا كَانَ الْكُفَّارُ يَفْعَلُونَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لَمْ يَتَّبِعُوهُ لِرَغْبَةٍ، وَلَا لِرَهْبَةٍ،
[ ٥ / ٤٣٨ ]
فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ يُعْطِيهِمْ، وَلَا جِهَاتٌ يُوَلِّيهِمْ إِيَّاهَا، وَلَا كَانَ لَهُ سَيْفٌ، بَلْ كَانَ السَّيْفُ، وَالْمَالُ، وَالْجَاهُ مَعَ أَعْدَائِهِ. وَقَدْ آذَوْا أَتْبَاعَهُ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، وَهُمْ صَابِرُونَ مُحْتَسِبُونَ لَا يَرْتَدُّونَ عَنْ دِينِهِمْ لِمَا خَالَطَ قُلُوبَهُمْ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَكَانَتْ مَكَّةُ يَحُجُّهَا الْعَرَبُ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ فَتَجْتَمِعُ فِي الْمَوْسِمِ قَبَائِلُ الْعَرَبِ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ يُبَلِّغُهُمُ الرِّسَالَةَ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ صَابِرًا عَلَى مَا يَلْقَاهُ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِ، وَجَفَاءِ الْجَافِي، وَإِعْرَاضِ الْمُعْرِضِ، إِلَى أَنِ اجْتَمَعَ بِأَهْلِ يَثْرِبَ وَكَانُوا جِيرَانَ الْيَهُودِ قَدْ سَمِعُوا أَخْبَارَهُ مِنْهُمْ، وَعَرَفُوهُ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ النَّبِيُّ الْمُنْتَظَرُ الَّذِي تُخْبِرُهُمْ بِهِ الْيَهُودُ، وَكَانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنْ أَخْبَارِهِ مَا عَرَفُوا بِهِ مَكَانَتَهُ، فَإِنَّ أَمْرَهُ كَانَ قَدِ انْتَشَرَ، وَظَهَرَ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَآمَنُوا بِهِ، وَبَايَعُوهُ عَلَى هِجْرَتِهِ وَهِجْرَةِ أَصْحَابِهِ إِلَى بَلَدِهِمْ، وَعَلَى الْجِهَادِ مَعَهُ، فَهَاجَرَ هُو وَمَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبِهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ آمَنَ بِرَغْبَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَلَا بِرَهْبَةٍ إِلَّا قَلِيلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْلَمُوا فِي الظَّاهِرِ، ثُمَّ حَسُنَ إِسْلَامُ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الْجِهَادِ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، وَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى أَكْمَلِ طَرِيقَةٍ، وَأَتَمِّهَا مِنَ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَالْوَفَاءِ، لَا يُحْفَظُ لَهُ كَذِبَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا ظُلْمٌ لِأَحَدٍ وَلَا غَدْرٌ بِأَحَدٍ، بَلْ كَانَ أَصْدَقَ النَّاسِ وَأَعْدَلَهُمْ، وَأَوْفَاهُمْ بِالْعَهْدِ، مَعَ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ عَلَيْهِ مِنْ حَرْبٍ وَسِلْمٍ وَأَمْنٍ وَخَوْفٍ وَغِنًى وَفَقْرٍ وَقِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ، وَظُهُورِهِ عَلَى الْعَدُوِّ تَارَةً وَظُهُورِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ تَارَةً، وَهُوَ
[ ٥ / ٤٣٩ ]
- عَلَى ذَلِكَ - لَازِمٌ لِأَكْمَلِ الطُّرُقِ وَأَتَمِّهَا، حَتَّى ظَهَرَتِ الدَّعْوَةُ فِي جَمِيعِ أَرْضِ الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ مَمْلُوءَةً مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَمِنْ أَخْبَارِ الْكُهَّانِ، وَطَاعَةِ الْمَخْلُوقِ فِي الْكُفْرِ بِالْخَالِقِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ، لَا يَعْرِفُونَ آخِرَةً وَلَا مَعَادًا، فَصَارُوا أَعْلَمَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَدْيَنَهُمْ وَأَعْدَلَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ، حَتَّى إِنَّ النَّصَارَى لَمَّا رَأَوْهُمْ - حِينَ قَدِمُوا الشَّامَ - قَالُوا: مَا كَانَ الَّذِينَ صَحِبُوا الْمَسِيحَ بِأَفْضَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهَذِهِ آثَارُ عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ فِي الْأَرْضِ، وَآثَارُ غَيْرِهِمْ يَعْرِفُ الْعُقَلَاءُ فَرْقَ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَهُوَ ﷺ مَعَ ظُهُورِ أَمْرِهِ، وَطَاعَةِ الْخَلْقِ لَهُ، وَتَقْدِيمِهِمْ لَهُ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، مَاتَ ﷺ وَلَمْ يُخَلِّفْ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا لَهُ، إِلَّا بَغْلَتَهُ وَسِلَاحَهُ، وَدِرْعَهُ مَرْهُونَةً عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ابْتَاعَهَا لِأَهْلِهِ، وَكَانَ بِيَدِهِ عَقَارٌ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَالْبَاقِي يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَحَكَمَ بِأَنَّهُ لَا يُورَثُ وَلَا يَأْخُذُ وَرَثَتُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
[ ٥ / ٤٤٠ ]
وَهُوَ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ الْآيَاتِ وَفُنُونِ الْكَرَامَاتِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَيُخْبِرُهُمْ بِخَبَرِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، وَيَشْرَعُ الشَّرِيعَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ، وَجَاءَتْ شَرِيعَتُهُ أَكْمَلَ شَرِيعَةً، لَمْ يَبْقَ مَعْرُوفٌ تَعْرِفُ الْعُقُولُ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ إِلَّا أَمَرَ بِهِ، وَلَا مُنْكَرٌ تَعْرِفُ الْعُقُولُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ إِلَّا نَهَى عَنْهُ، لَمْ يَأْمُرْ بِشَيْءٍ فَقِيلَ لَيْتَهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَلَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ فَقِيلَ لَيْتَهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَأَحَلَّ الطَّيِّبَاتِ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا مِنْهَا كَمَا حُرِّمَ فِي شَرْعِ غَيْرِهِ، وَحَرَّمَ الْخَبَائِثَ لَمْ يُحِلَّ مِنْهَا شَيْئًا كَمَا اسْتَحَلَّهُ غَيْرُهُ، وَجَمَعَ مَحَاسِنَ مَا عَلَيْهِ الْأُمَمُ، فَلَا يُذْكَرُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ نَوْعٌ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ مَلَائِكَتِهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَّا وَقَدْ جَاءَ بِهِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَأَخْبَرَ بِأَشْيَاءَ لَيْسَتْ فِي الْكُتُبِ.
فَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ إِيجَابٌ لِعَدْلٍ، وَقَضَاءٌ بِفَضْلٍ، وَنَدْبٌ إِلَى الْفَضَائِلِ، وَتَرْغِيبٌ فِي الْحَسَنَاتِ إِلَّا وَقَدْ جَاءَ بِهِ وَبِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ.
وَإِذَا نَظَرَ اللَّبِيبُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي شَرَعَهَا، وَعِبَادَاتِ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَمِ ظَهَرَ فَضْلُهَا وَرُجْحَانُهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ.
وَأُمَّتُهُ أَكْمَلُ الْأُمَمِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ، فَإِذَا قِيسَ عِلْمُهُمْ بِعِلْمِ سَائِرِ الْأُمَمِ ظَهَرَ فَضَلُ عِلْمِهِمْ، وَإِنْ قِيسَ دِينُهُمْ وَعِبَادَاتُهُمْ وَطَاعَتُهُمْ لِلَّهِ
[ ٥ / ٤٤١ ]
بِغَيْرِهِمْ ظَهَرَ أَنَّهُمْ أَدْيَنُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِذَا قِيسَ شَجَاعَتُهُمْ وَجِهَادُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَصَبْرُهُمْ عَلَى الْمَكَارِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، ظَهَرَ أَنَّهُمْ أَعْظَمُ جِهَادًا وَأَشْجَعُ قُلُوبًا، وَإِذَا قِيسَ سَخَاؤُهُمْ وَبَذْلُهُمْ وَسَمَاحَةُ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِهِمْ، تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَسْخَى وَأَكْرَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهَذِهِ الْفَضَائِلُ بِهِ نَالُوهَا، وَمِنْهُ تَعَلَّمُوهَا، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهَا، لَمْ يَكُونُوا قَبْلَهُ مُتَّبِعِينَ لِكِتَابٍ جَاءَ هُوَ بِتَكْمِيلِهِ كَمَا جَاءَ الْمَسِيحُ بِتَكْمِيلِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ.
فَكَانَتْ فَضَائِلُ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ وَعُلُومُهُمْ بَعْضُهَا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَبَعْضُهَا مِنَ الزَّبُورِ، وَبَعْضُهَا مِنَ النُّبُوَّاتِ، وَبَعْضُهَا مِنَ الْمَسِيحِ، وَبَعْضُهَا مِمَّنْ بَعْدَهُ كَالْحَوَارِيِّينَ، وَقَدِ اسْتَعَانُوا بِكَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ، وَغَيْرِهِمْ حَتَّى أَدْخَلُوا - لَمَّا غَيَّرُوا دِينَ الْمَسِيحِ - فِي دِينِ الْمَسِيحِ أُمُورًا مِنْ أُمُورِ الْكُفَّارِ الْمُنَاقِضَةِ لِدِينِ الْمَسِيحِ.
وَأَمَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا قَبْلَهُ يَقْرَءُونَ كِتَابًا، بَلْ عَامَّتُهُمْ مَا آمَنُوا بِمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدَ، وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيُقِرُّوا بِجَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَالَ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (١٣٦) ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
[ ٥ / ٤٤٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ - لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] .
وَأُمَّتُهُ لَا يَسْتَحِلُّونَ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنَ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ، وَلَا يَبْتَدِعُونَ بِدَعَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، فَلَا يَشْرَعُونَ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
لَكِنْ مَا قَصَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمِ اعْتَبَرُوا بِهِ، وَمَا حَدَّثَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، مُوَافِقًا لِمَا عِنْدَهُمْ، صَدَّقُوهُ، وَمَا لَمْ يَعْلَمُوا صِدْقَهُ وَلَا كَذِبَهُ أَمْسَكُوا عَنْهُ، وَمَا عَرَفُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ كَذَّبُوهُ، وَمَنْ أَدْخَلَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ مِنْ أَقْوَالٍ مُتَفَلْسِفَةِ الْهِنْدِ أَوِ الْفُرْسِ أَوِ الْيُونَانِ
[ ٥ / ٤٤٣ ]
أَوْ غَيْرِهِمْ، كَانَ - عِنْدَهُمْ - مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالِابْتِدَاعِ، وَهَذَا هُوَ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الدِّينِ، الَّذِينَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتُهُمْ، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ مَذْمُومًا مَدْحُورًا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الظَّاهِرُونَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» .
وَقَدْ تَنَازَعَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ دِينُ الرُّسُلِ عُمُومًا، وَدِينُ مُحَمَّدٍ خُصُوصًا.
وَمَنْ خَالَفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ كَانَ - عِنْدَهُمْ - مُلْحِدًا مَذْمُومًا، لَيْسُوا كَالنَّصَارَى الَّذِينَ ابْتَدَعُوا دِينًا قَامَ بِهِ أَكَابِرُ عُلَمَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ، وَقَاتَلَ عَلَيْهِ مُلُوكُهُمْ، وَدَانَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ، وَهُوَ دِينٌ مُبْتَدَعٌ لَيْسَ هُوَ دِينَ الْمَسِيحِ، وَلَا دِينَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَاللَّهُ - ﷾ - أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ
[ ٥ / ٤٤٤ ]
الصَّالِحِ، فَمَنِ اتَّبَعَ الرُّسُلَ، حَصَلَ لَهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَإِنَّمَا دَخَلَ فِي الْبِدَعِ مَنْ قَصَّرَ فِي اتِّبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ عِلْمًا وَعَمَلًا.
وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ تَلَقَّى ذَلِكَ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ أُمَّتُهُ.
فَكُلُّ عِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ عَلَيْهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَخَذُوهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ، مَعَ مَا يَظْهَرُ لِكُلِّ عَاقِلٍ: أَنَّ أُمَّتَهُ أَكْمَلُ الْأُمَمِ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ فِي الْفَرْعِ الْمُتَعَلِّمِ هُوَ مِنَ الْأَصْلِ الْمُعَلِّمِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ عِلْمًا وَدِينًا، وَهَذِهِ الْأُمُورُ تُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّهُ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا مُفْتَرِيًا، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَقُولُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ وَأَكْمَلِهِمْ إِنْ كَانَ صَادِقًا، أَوْ هُوَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَأَخْبَثِهِمْ إِنْ كَانَ كَاذِبًا.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ كَمَالِ عِلْمِهِ وَدِينِهِ، يُنَاقِضُ الشَّرَّ وَالْخُبْثَ وَالْجَهْلَ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِغَايَةِ الْكَمَالِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
[ ٥ / ٤٤٥ ]
لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ صَادِقًا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ، أَوْ مُخْطِئًا، وَالْأَوَّلُ: يُوجِبُ أَنَّهُ كَانَ ظَالِمًا غَاوِيًا، وَالثَّانِي: يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا، وَكَمَالُ عِلْمِهِ يُنَافِي جَهْلَهُ، وَكَمَالُ دِينِهِ يُنَافِي تَعَمُّدَ الْكَذِبِ. فَالْعِلْمُ بِصِفَاتِهِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ، وَلَمْ يَكُنْ جَاهِلًا يَكْذِبُ بِلَا عِلْمٍ، وَإِذَا انْتَفَى هَذَا وَذَاكَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ صَادِقًا عَالِمًا بِأَنَّهُ صَادِقٌ ; وَلِهَذَا نَزَّهَهُ اللَّهُ عَنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى - مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى - وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١ - ٤] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي جَاءَ بِهِ:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] .
، ثُمَّ قَالَ عَنْهُ:
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ - وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ - وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٢ - ٢٤] .
أَيْ: بِمُتَّهَمٍ أَوْ بَخِيلٍ، كَالَّذِي لَا يُعَلِّمُ إِلَّا بِجُعْلٍ، أَوْ لِمَنْ يُكْرِمُهُ:
[ ٥ / ٤٤٦ ]
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ - فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ - إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٥ - ٢٧] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] .
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى مَنْ يُنَاسِبُهُ لِيُحَصِّلَ بِهِ غَرَضَهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَقْصِدُ الشَّرَّ: وَهُوَ الْكَذِبُ وَالْفُجُورُ، وَلَا يَقْصِدُ الصِّدْقَ وَالْعَدْلَ، فَلَا يَقْتَرِنُ إِلَّا بِمَنْ فِيهِ كَذِبٌ، إِمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً، فَإِنَّ الْخَطَأَ فِي الدِّينِ هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ أَيْضًا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ -: " أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ ".
[ ٥ / ٤٤٧ ]
فَالرَّسُولُ بَرِيءٌ مِنْ تَنَزُّلِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الرَّسُولِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ، وَيَكُونُ خَطَؤُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنْ كَانَ خَطَؤُهُ مَغْفُورًا لَهُ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ أَخْبَرَ بِهِ كَانَ فِيهِ مُخْطِئًا، وَلَا أَمْرٌ أَمَرَ بِهِ كَانَ فِيهِ فَاجِرًا، عُلِمَ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ ; وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى عَنِ النَّبِيِّ:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ - قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ - قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣] .
[ ٥ / ٤٤٨ ]
[فَصْلٌ: نَقْلُ النَّاسِ لِصِفَاتِهِ ﵇ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ]
وَقَدْ نَقَلَ النَّاسُ صِفَاتِهِ الظَّاهِرَةَ الدَّالَّةَ عَلَى كَمَالِهِ، وَنَقَلُوا أَخْلَاقَهُ مِنْ حِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَكَرَمِهِ وَزُهْدِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ ذَلِكَ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ وَلَا بِالْقَصِيرِ» .
وَعَنْهُ قَالَ: " كَانَ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى
[ ٥ / ٤٤٩ ]
شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ".
وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَسُئِلَ الْبَرَاءُ: " أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ، قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ» ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَالْقَدَمَيْنِ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَكَانَ بَسِطَ الْكَفَّيْنِ ضَخْمَ الْيَدَيْنِ» ".
[ ٥ / ٤٥٠ ]
«وَسُئِلَ عَنْ شَعْرِهِ، فَقَالَ: " كَانَ شَعْرًا رَجِلًا، لَيْسَ بِالْجَعْدِ وَلَا بِالسَّبْطِ، بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ضَلِيعَ الْفَمِ، أَشْكَلَ الْعَيْنَيْنِ، مَنْهُوسَ الْعَقِبَيْنِ "، وَفَسَّرَهَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: وَاسِعُ الْفَمِ، طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ، قَلِيلُ لَحْمِ الْعَقِبِ» .
[ ٥ / ٤٥١ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَمَا مَسَسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ» .
[ ٥ / ٤٥٢ ]
ﷺ ".
وَرَوَى الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ النُّورُ يَخْرُجُ مِنْ ثَنَايَاهُ» .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْجَدَ وَلَا أَجْوَدَ وَلَا
[ ٥ / ٤٥٣ ]
أَشْجَعَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» ".
«وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: " دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عِنْدَنَا، فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلِتِ الْعَرَقَ فِيهَا، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ ! قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ أَطْيَبُ مِنَ الطِّيبِ»، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَرَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ٥ / ٤٥٤ ]
لَا يَسَلُكُ طَرِيقًا فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ، إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ مِنْ طِيبِ عَرَقِهِ» ".
وَفِي حَدِيثِ أَمِّ مَعْبَدٍ الْمَشْهُورِ، لَمَّا مَرَّ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ هُو وَأَبُو بَكْرٍ، وَمَوْلَاهُ، وَدَلِيلُهُمْ، وَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ: صِفِيهِ لِي يَا أَمَّ مَعْبَدٍ، فَقَالَتْ: «رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الْوَضَّاءَةِ، حُلْوَ الْمَنْطِقِ، فَصْلٌ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ» .
[ ٥ / ٤٥٥ ]
وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَتْ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: " يَا بُنَيَّ، لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ
[ ٥ / ٤٥٦ ]
رَسُولُ اللَّهِ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: لَنْ تُرَاعُوا، وَقَالَ: " وَجَدْنَاهُ بَحْرًا "، وَكَانَ الْفَرَسُ قَبْلَ ذَلِكَ بَطِيئًا فَعَادَ لَا يُجَارَى» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ
[ ٥ / ٤٥٧ ]
الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِي بِهِ (يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ)» .
«وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: " لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اتَّقَيْنَا الْمُشْرِكِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ بَأْسًا، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ» ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي (أُفًّا) قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي
[ ٥ / ٤٥٨ ]
لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟» .
وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا قَالَ: " «خَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟ وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا» ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَقَالَ: لَا» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ
[ ٥ / ٤٥٩ ]
غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفَاقَةَ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا» .
[ ٥ / ٤٦٠ ]
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: مَا لَهُ تَرِبَتْ جَبِينُهُ» ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ» ". .
وَعَنْهَا قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، لَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ» .
[ ٥ / ٤٦١ ]
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ «عَنْهَا، وَقَدْ سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: " كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» ".
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ، قَالَ: «سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَسَأَلَهَا عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: " لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَلَا سَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، أَوْ يَغْفِرُ» شَكَّ أَبُو دَاوُدَ.
[ ٥ / ٤٦٢ ]
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَهَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ؟ قَالَتْ: " لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَطِيعُ» ".
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، «وَقَدْ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
[ ٥ / ٤٦٣ ]
فَقَالَتْ: " أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ الْقُرْآنُ» .
وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٥ / ٤٦٤ ]
ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ» ".
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ مِنْ «حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ أَخَاهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " جِيرَانِي عَلَى مَا أُخِذُوا "، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الْغَيِّ، ثُمَّ تَسْتَخْلِي بِهِ "، فَقَالَ: " لَأَنْ
[ ٥ / ٤٦٥ ]
كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَعَلَيَّ وَمَا هُوَ عَلَيْهِمْ، خَلُّوا لَهُ جِيرَانَهُ» .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " «مَا كَانَ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ» " رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْهُ.
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ، وَغَيْرُهُمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: الْمَلَكُ: " إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا.
[ ٥ / ٤٦٦ ]
نَبِيًّا، قَالَ: فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ، فَأَشَارَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ: أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا بَلْ أَكُونُ عَبْدًا نَبِيًّا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَنَظَرَ الْغُلَامُ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ لَهُ أَبَوْهُ: " أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ "، فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» .
«وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَلَّمَ
[ ٥ / ٤٦٧ ]
رَجُلًا فَأَرْعَدَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ» رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا مُتَّصِلٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: " وَرُوِيَ مُتَّصِلًا "، وَالصَّوَابُ إِرْسَالُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
[ ٥ / ٤٦٨ ]
وَفِي الصَّحِيحِ «عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ: " يَا أُمَّ فُلَانٍ، خُذِي فِي أَيِّ الطُّرُقِ شِئْتِ، قَوْمِي فِيهِ حَتَّى أَقُومَ مَعَكِ "، فَخَلَا مَعَهَا يُنَاجِيهَا حَتَّى قَضَتْ حَاجَتَهَا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
«وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: " كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَدُورُ بِهِ فِي حَوَائِجِهَا حَتَّى تَفْرَغَ، ثُمَّ يَرْجِعُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ.
[ ٥ / ٤٦٩ ]
وَرُوِيَ «عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِي لَهُ حَاجَتَهُ» .
وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْعَبْدِ وَلَا مَعَ الْأَرْمَلَةِ، حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حَاجَتِهِمْ» " وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ
[ ٥ / ٤٧٠ ]
الْمَمْلُوكِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُهُ لِيفٌ» ".
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ» .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ، قَالَ " «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» .
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ» .
«وَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
[ ٥ / ٤٧١ ]
عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ وَلَا طَرْدَ وَلَا إِلَيْكَ» " رَوَاهُمَا أَبُو الشَّيْخِ.
«وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَطُّ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ، وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهَكَ الْكَرَاهِيَةُ، قَالَ: يَا عَائِشَةُ، وَمَا يُؤْمِنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ أَتَى الْعَذَابُ قَوْمًا، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]» .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
[ ٥ / ٤٧٢ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - أَيْضًا - «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذًا شَدِيدًا، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ» ".
[ ٥ / ٤٧٣ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ: «كَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ، قَلِيلَ الضَّحِكِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ رُبَّمَا تَنَاشَدُوا عِنْدَهُ الشِّعْرَ، وَالشَّيْءَ مِنْ أُمُورِهِمْ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَسَأَلَهَا الْأَسْوَدُ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ فَقَالَتْ: " كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ» .
وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ.
،
[ ٥ / ٤٧٤ ]
قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ ; هَلْ كَانَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ» .
وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ: ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا الْأَعْوَرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُهُ مِنْ لِيفٍ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ» ".
وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ: " «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» ".
[ ٥ / ٤٧٥ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " «مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ تِبَاعًا، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ» ".
وَعَنْهَا قَالَتْ: «كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَمُرُّ بِنَا الْهِلَالُ وَالْهِلَالُ، مَا نُوقِدُ بِنَارٍ لِطَعَامٍ، إِلَّا أَنَّهُ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ حَوْلَنَا أَهْلُ دُورٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيَبْعَثُ أَهْلُ كُلِّ دَارٍ بِفَرِيزَةِ شَاتِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، «قَالَ أَنَسٌ: " مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَغِيفًا مُرَقَّقًا، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلَا رَأَى شَاةً
[ ٥ / ٤٧٦ ]
سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ: «مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ ". فَقِيلَ لَهُ: عَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: " عَلَى السُّفَرِ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ خَطَبَ وَذَكَرَ مَا فُتِحَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَوَّى يَوْمَهُ مِنَ الْجُوعِ مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ» .
[ ٥ / ٤٧٧ ]
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فَأَخَذَ لِأَهْلِهِ شَعِيرًا، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ، وَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ أَبْيَاتٍ» .
وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " «كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ» ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ «حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ - لَمَّا ذَكَرَ اعْتِزَالَ رَسُولِ اللَّهِ نِسَاءَهُ - قَالَ: " فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي خِزَانَتِهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَدْنَى إِلَيْهِ إِزَارَهُ وَجَلَسَ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِهِ، وَقَلَّبْتُ عَيْنِي فِي بَيْتِهِ فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ قَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ
[ ٥ / ٤٧٨ ]
وَقَبْضَةٍ مِنْ قَرَظٍ نَحْوَ الصَّاعَيْنِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقَةٌ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لِيَ لَا أَبْكِي وَأَنْتَ صَفْوَةُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، وَهَذِهِ الْأَعَاجِمُ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ! فَقَالَ: أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا، وَفِي رِوَايَةٍ أَوَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ﷿. قَالَ: " فَقَلَتْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» .
[ ٥ / ٤٧٩ ]
وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " «اضْطَجَعَ النَّبِيُّ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ الْحَصِيرُ بِجِلْدِهِ، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُهُ عَنْهُ وَأَقُولُ: " بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا فَنَبْسُطَ لَكَ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ تَنَامُ عَلَيْهِ؟ " فَقَالَ: " مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» ".
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ نَحْوَهُ.
[ ٥ / ٤٨٠ ]
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ» "، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ - أَيْضًا - عَنْ أَنَسٍ فِيِ (كِتَابِ الْحَجِّ) فَقَالَ: «حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ» .
وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ٤٨١ ]
وَسَلَّمَ لَبِسَ خَشِنًا، وَأَكَلَ خَشِنًا، وَلَبِسَ الصُّوفَ، وَاحْتَذَى الْمَخْصُوفَ. قِيلَ: لِلْحَسَنِ: مَا الْخَشِنُ؟ قَالَ: " غَلِيظُ الشَّعِيرِ، مَا كَانَ يُسِيغُهُ إِلَّا بِجُرْعَةِ مَاءٍ» ".
[ ٥ / ٤٨٢ ]
[فَصْلٌ: فَضْلُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْإِيمَانِ. وَالْعَمَلُ آيَةٌ لِنُبُوَّتِهِ]
وَمِمَّا يُبَيَّنُ بِهِ فَضْلُ أُمَّتِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ - وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ رَسُولًا صَادِقًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ آيَةٌ وَبُرْهَانٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَلْزُومٍ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى لَازِمِهِ.
إِنَّ الْأُمَمَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَهُمْ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَنَوْعٌ لَا كِتَابَ لَهُمْ كَالْهِنْدِ، وَالْيُونَانِ، وَالتُّرْكِ، وَكَالْعَرَبِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ بِحَسَبِهِمْ، وَيَقُومُ بِهِ مَا يَقُومُ مِنْ مَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ، وَهَذَا مِنَ الْهِدَايَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بَلْ لِكُلِّ حَيٍّ، كَمَا يَهْدِي الْحَيَوَانَ لِجَلْبِ مَا يَنْفَعُهُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ بِاللِّبَاسِ وَالْكِنِّ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ حُبًّا لِهَذَا، وَبُغْضًا لِهَذَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١]
[ ٦ / ٥ ]
وَقَالَ مُوسَى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] وَقَالَ فِي أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨]، ثُمَّ الْأُمَمُ مُتَفَاضِلُونَ فِي مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ تَعَالَى، وَفِي الْإِقْرَارِ بِالْمَعَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ، إِمَّا لِلْأَرْوَاحِ فَقَطْ، وَإِمَّا لِلْأَبْدَانِ فَقَطْ، وَإِمَّا لِمَجْمُوعِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمُتَفَاضِلُونَ فِيمَا يَحْمَدُونَهُ، وَيَسْتَحْسِنُونَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ، وَمَا يَذُمُّونَهُ وَيَسْتَقْبِحُونَهُ مِنْ ذَلِكَ
[ ٦ / ٦ ]
لَكِنَّ عَامَّةَ بَنِي آدَمَ عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمِ، وَالصِّدْقَ خَيْرٌ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْعِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الْجَهْلِ، فَإِنَّ الْمُحْسِنَ إِلَى النَّاسِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ. وَأَمَّا الْمَعَادُ فَهُوَ إِمَّا لِلْأَرْوَاحِ أَوْ لِلْأَبْدَانِ، وَإِنَّ النَّاسَ بَعْدَ الْمَوْتِ يَكُونُونَ سُعَدَاءَ أَوْ أَشْقِيَاءَ، فَيُقِرُّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَمِ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ قَاصِرٍ كَحُكَمَاءِ الْهِنْدِ، وَالْيُونَانِ، وَالْمَجُوسِ، وَغَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ فِي الْمَعَادِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْحَدِيثِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالصُّوفِيَّةِ، وَالنُّظَّارِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ مَعَادِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ جَمِيعًا وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ كَانَتْ رُوحُهُ مُنَعَّمَةً، أَوْ مُعَذَّبَةً، ثُمَّ تُعَادُ رُوحُهُ إِلَى بَدَنِهِ عِنْدَ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى، وَلِهَذَا يَذْكُرُ اللَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ السُّوَرِ أَمْرَ الْقِيَامَتَيْنِ: الْقِيَامَةِ الصُّغْرَى بِالْمَوْتِ، وَالْقِيَامَةِ الْكُبْرَى حِينَ يَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ وَتُعَادُ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى أَبْدَانِهِمْ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ الْقِيَامَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ حَيْثُ قَالَ فِي أَوَّلِهَا:
[ ٦ / ٧ ]
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١] . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ حَالَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى وَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٣] وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ:
[ ٦ / ٨ ]
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١] فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٦] وَلِبَسْطِ هَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ، فَإِنَّ ذِكْرَ مَا يَنَالُ الرُّوحَ عِنْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ مِنَ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ كَثِيرٌ فِي النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ،
[ ٦ / ٩ ]
وَأَمَّا وَصْفُ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَثِيرٌ جِدًّا لِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ بُعِثَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، فَلِذَلِكَ وَصَفَ الْقِيَامَةَ بِمَا لَمْ يَصِفْهَا بِهِ غَيْرُهُ كَمَا ذَكَرَ الْمَسِيحُ - فِي صِفَتِهِ - فَقَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلرَّبِّ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يُثْبِتُ مَعَادَ الْأَبْدَانِ فَقَطْ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ الْجَهْمِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ الْمُبْتَدِعِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَبَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ يَحْكِي هَذَا الْقَوْلَ عَنْ جُمْهُورِ مُتَكَلِّمِي الْمُسْلِمِينَ، أَوْ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ غَلَطٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ نُظَّارِهِمْ، بَلْ هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ مُتَكَلِّمِيهِمُ الْمُبْتَدِعَةِ، الَّذِينَ ذَمَّهُمُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْمَعَادُ لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ بِالْمَوْتِ فَقَطْ، وَأَنَّ الْأَبْدَانَ لَا تُعَادُ. وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ لَا الْمُسْلِمِينَ وَلَا الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى. بَلْ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِعَادَةِ الْأَبْدَانِ، وَعَلَى الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى. وَلَكِنَّ مَنْ تَفَلْسَفَ مِنْ هَؤُلَاءِ فَوَافَقَ سَلَفَهُ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنَّ الْمَعَادَ لِلرُّوحِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ خَاطَبُوا الْجُمْهُورَ بِمَعَادِ الْأَبْدَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ وَخَاطَبُوهُمْ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُظْهِرُوا الْحَقَائِقَ لِلْخَلْقِ،
[ ٦ / ١٠ ]
وَأَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَعْرِفَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَلَا مَعْرِفَةُ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَذَبُوا لِلْمَصْلَحَةِ، وَهَؤُلَاءِ مَلَاحِدَةٌ كُفَّارٌ عِنْدَ الْمُتَّبِعِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى. وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ كَثِيرِينَ مَوْجُودِينَ فِيمَنْ يَتَظَاهَرُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، لِظُهُورِ أَدْيَانِهِمْ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ. وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِمَعَادِ الْأَرْوَاحِ فَقَطْ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْأَرْوَاحَ تَتَنَاسَخُ إِمَّا فِي أَبْدَانِ الْآدَمِيِّينَ، أَوْ أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْأَجْسَامِ النَّامِيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ لِلْأَنْفُسِ الشَّقِيَّةِ فَقَطْ، وَكَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ يُنْكِرُ التَّنَاسُخَ
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنْكَارُ الْمَعَادَيْنِ جَمِيعًا، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْيُونَانِ، وَالْهِنْدِ،، وَالتُّرْكِ، وَغَيْرِهِمْ، وَالْمُتَفَلْسِفَةُ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو كَالْفَارَابِيِّ وَأَتْبَاعِهِ، لَهُمْ فِي مَعَادِ الْأَرْوَاحِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: بِالْمَعَادِ لِلنَّفْسِ الْعَالِمَةِ وَالْجَاهِلَةِ، وَقِيلَ: بِالْمَعَادِ لِلْعَالِمَةِ دُونَ الْجَاهِلَةِ، وَقِيلَ: بِإِنْكَارِ الِاثْنَيْنِ، وَالْفَارَابِيُّ نَفْسُهُ قَدْ قَالَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ، وَبَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ، إِذِ الْمَقْصُودُ
[ ٦ / ١١ ]
هُنَا أَنَّ كُلَّ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَلْ وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ فَهُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ. وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ فِي جَمِيعِ الْمَطَالِبِ الَّتِي تُنَالُ بِهَا السَّعَادَةُ وَالنَّجَاةُ. وَعُقَلَاءُ جَمِيعِ الْأُمَمِ تَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَتَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ، وَالْفَوَاحِشِ، وَلَهُمْ عُلُومٌ إِلَهِيَّةٌ وَعِبَادَاتٌ بِحَسَبِهِمْ، وَيُعَظِّمُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْهُمْ. وَالْهِنْدُ، وَالْيُونَانُ، وَالْفُرْسُ فِي ذَلِكَ أَكْمَلُ مِنْ كُفَّارِ التُّرْكِ، وَالْبَرْبَرِ، وَنَحْوِهِمْ، مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا فِيهِمْ قِسْطٌ مِنْ ذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأُمَمَ الَّذِينَ لَهُمْ كِتَابٌ كَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى أَكْمَلُ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ فِي الْفَضَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْعَمَلِيَّةِ، فَإِنَّ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ النَّاسُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، وَالِاعْتِبَارِ، أَوْ بِالْمَنَامِ، وَالْإِلْهَامِ، وَأَخْبَارِ الْجِنِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الْأُمَمِ. وَكُلُّ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مِنَ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالْإِلْهَامِيَّةِ، وَغَيْرِهَا، شَارَكَ
[ ٦ / ١٢ ]
أَهْلُ الْكِتَابِ فِيهِ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ. وَيَمْتَازُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِعُلُومٍ وَأَعْمَالٍ أَخَذُوهَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، لَيْسَ فِي قُوَّةِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَنْ يَعْلَمَهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأَخْلَاقِ، وَالسِّيَاسَاتِ الْمَنْزِلِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ. فَإِنَّ جِنْسَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَوْ كَانَ مَنْسُوخًا مُبَدَّلًا أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ. وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَرُجْحَانُهُمْ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عُلُومٌ وَأَعْمَالٌ يَكُونُ ضَرَرُهَا رَاجِحًا، كَالسِّحْرِ، وَالطَّلْسَمَاتِ، وَمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى اسْتِخْدَامِ الشَّيَاطِينِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَقْوَمَ بِهِ، فَإِنَّمَا ذَاكَ لِاسْتِغْنَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ بَرَاءَتَهُ عَنْ
[ ٦ / ١٣ ]
ذَلِكَ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَدْ كَتَبَتْ كُتُبَ كُفْرٍ وَسِحْرٍ، وَدَفَنَتْهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا مَاتَ أَظْهَرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانَ يُسَخِّرُ الْجِنَّ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالْعَزَائِمِ، فَصَدَّقَهُمْ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ قَدَحُوا فِي سُلَيْمَانَ بَلْ كَفَّرُوهُ، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَفَرِيقٌ قَالُوا: نَحْنُ نَقْتَدِي بِسُلَيْمَانَ وَنَفْعَلُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، وَهُمْ أَهْلُ الْعَزَائِمِ وَالطَّلَاسِمِ الَّتِي يَسْتَخْدِمُونَ بِهَا الْجِنَّ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يَسْتَخْدِمُهُمْ بِهَا، حَتَّى يَقُولُوا: إِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَلَى تَاجِهِ، وَهَذَا صُورَةُ خَاتَمِهِ، وَهَذَا كَلَامُ آصِفَ بْنِ بَرْخِيَا إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَذِبٌ عَلَى سُلَيْمَانَ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
[ ٦ / ١٤ ]
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] فَذَمَّ سُبْحَانَهُ مَنْ عَدَلَ عَنِ اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَاتَّبَعَ مَا تَتْلُوهُ الشَّيَاطِينُ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكْفُرْ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا، وَأَنَّهُمْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ وَأَنَّ الْمَلَكَيْنِ: هَارُوتَ وَمَارُوتَ، مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ. وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ لَا يَضُرُّونَ بِهِ أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ،
[ ٦ / ١٥ ]
وَأَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ مِنْ نَصِيبٍ، أَيْ هَؤُلَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ أَنَّهُمْ يَقْضُونَ بِهِ أَغْرَاضَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْهَوَى، وَذَلِكَ ضَارٌّ لَهُمْ لَا نَافِعٌ، كَمَا قَالَ فِي الْمُشْرِكِ: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى يَحْصُلُ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَطْلُبُونَهُ لِمَا يَرْجُونَ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ لَهُمْ، وَهَذَا خَيْرٌ لَهُمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩]
[ ٦ / ١٦ ]
فَإِنَّ مَا تَطْلُبُهُ النُّفُوسُ فِيهِ لَهَا لَذَّةٌ، يَجْعَلُ خَيْرًا بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْأَلَمُ زَائِدًا عَلَى اللَّذَّةِ كَانَ شَرُّهُ أَعْظَمَ مِنْ خَيْرِهِ. وَالشَّرَائِعُ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، فَهِيَ تَأْمُرُ بِمَا تَتَرَجَّحُ مَصْلَحَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ مَرْجُوحَةٌ كَالْجِهَادِ، وَتَنْهَى عَمَّا تَرَجَّحَتْ مَفْسَدَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ مَرْجُوحَةٌ كَتَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ. وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى أَنْ نَأْخُذَ بِأَحْسَنِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا. فَالْأَحْسَنُ: إِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] وَقَالَ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] فَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْأَحْسَنِ وَالْأَخْذِ بِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٧] فَاقْتَضَى أَنَّ غَيْرَهُمْ لَمْ يَهْدِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْأَخْذِ بِالْأَحْسَنِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
[ ٦ / ١٧ ]
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وَقَالَ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فِي مَوْضِعَيْنِ.
[ ٦ / ١٨ ]
وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَقَوْلِهِ: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَقَوْلِهِ: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
[ ٦ / ١٩ ]
وَقَوْلِهِ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ، مِمَّا يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَاجِبًا وَالثَّانِي مُحَرَّمًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى مَفْسَدَةٍ مَرْجُوحَةٍ، وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَصْلَحَةٍ مَرْجُوحَةٍ، فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي
[ ٦ / ٢٠ ]
هَذَا خَيْرٌ وَحَسَنٌ، وَفِي هَذَا شَرٌّ وَسَيِّئٌ، لَكِنَّ هَذَا خَيْرٌ وَأَحْسَنُ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] هُوَ أَمْرٌ بِالْأَحْسَنِ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ أَوْ تَرْكِ الْمَحْظُورِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ بِالْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ، فَإِنَّ كِلَاهُمَا أَحْسَنُ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ. لَكِنْ يَكُونُ الْأَمْرُ أَمْرَ إِيجَابٍ، وَأَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، كَمَا أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَالْإِحْسَانُ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ مُسْتَحَبٌّ.
[ ٦ / ٢١ ]
[فَصْلٌ: تَوَسُّطُ الْمُسْلِمِينَ وَاعْتِدَالُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ]
وَإِذَا كَانَ جِنْسُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْمَلَ - فِي الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ - مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ طَائِفَتَيْ أَهْلِ الْكِتَابِ: الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَعْدَلُ، وَقَدْ جُمِعَ لَهُمْ مَحَاسِنُ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَمَا فِي الْإِنْجِيلِ. فَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَضِيلَةٌ عِلْمِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ إِلَّا وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْمَلُ مِنْهُمْ فِيهَا. فَأَمَّا الْعُلُومُ: فَهُمْ أَحْذَقُ - فِي جَمِيعِ الْعُلُومِ - مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ حَتَّى الْعُلُومِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَبَوِيَّةٍ، وَلَا أُخْرَوِيَّةٍ، كَعِلْمِ الطِّبِّ - مَثَلًا - وَالْحِسَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، هُمْ أَحْذَقُ فِيهَا مِنَ الْأُمَّتَيْنِ، وَمُصَنَّفَاتُهُمْ فِيهَا أَكْمَلُ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الْأُمَّتَيْنِ، بَلْ أَحْسَنُ عِلْمًا وَبَيَانًا لَهَا مِنَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ كَانَتْ هِيَ غَايَةَ عِلْمِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَاذِقُ فِيهَا مَنْ هُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَنْبُوذٌ بِنِفَاقٍ وَإِلْحَادٍ، وَلَا قَدْرَ لَهُ عِنْدَهُمْ، لَكِنْ حَصَلَ لَهُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنَ
[ ٦ / ٢٢ ]
الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَقْلِ، وَالْبَيَانِ مَا أَعَانَهُ عَلَى الْحِذْقِ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ، فَصَارَ حُثَالَةُ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنَ مَعْرِفَةً وَبَيَانًا لِهَذِهِ الْعُلُومِ مِنْ أُولَئِكَ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَأَمَّا الْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْمَعَارِفُ الرَّبَّانِيَّةُ وَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْغَيْبِ كَالْعَرْشِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْجِنِّ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَتَفَاصِيلِ الْمَعَادِ، فَكُلُّ مَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَكَلَامِ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى وَجَدَ كَلَامَ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا أَكْمَلَ، وَأَتَمَّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِلْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمِلَلِ بِذَلِكَ أَتَمُّ مِنْ عِلْمِ غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْعِبَادَةُ، وَالزُّهْدُ، وَالْأَخْلَاقُ، وَالسِّيَاسَةُ الْمَنْزِلِيَّةُ، وَالْمَدَنِيَّةُ، فَالْكَلَامُ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ الْمَقْصُودِ بِهَا، وَمَا بِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ. فَنَقُولُ: لِلنَّاسِ فِي مَقْصُودِ الْعِبَادَاتِ مَذَاهِبُ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَقْصُودُ بِهَا تَهْذِيبُ أَخْلَاقِ النُّفُوسِ، وَتَعْدِيلِهَا؛ لِتَسْتَعِدَّ بِذَلِكَ لِلْعِلْمِ، وَلَيْسَتْ هِيَ مَقْصُودَةً فِي نَفْسِهَا، وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ قِسْمِ الْأَخْلَاقِ، وَهَذَا قَوْلُ مُتَفَلْسِفَةِ الْيُونَانِ، وَقَوْلُ مَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْإِسْلَامِيِّينَ
[ ٦ / ٢٣ ]
كَالْفَارَابِيِّ، وَابْنِ سِينَا، وَغَيْرِهِمَا، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ مِنْ مُتَكَلِّمٍ، وَمُتَصَوِّفٍ، وَمُتَفَقِّهٍ، كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ أَبِي حَامِدٍ، وَالسَّهْرَوَرْدِيِّ الْمَقْتُولِ، وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ، وَابْنِ عَرَبِيٍّ، وَابْنِ سَبْعِينَ، لَكِنْ أَبُو حَامِدٍ يَخْتَلِفُ كَلَامُهُ؛ تَارَةً يُوَافِقُهُمْ، وَتَارَةً يُخَالِفُهُمْ. وَهَذَا الْقَدْرُ فَعَلَهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَبَيْنَ فَلْسَفَةِ الْمَشَّائِينَ - أَرِسْطُو، وَأَمْثَالِهِ، وَلِهَذَا تَكَلَّمُوا فِي الْآيَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَجَعَلُوا لَهَا ثَلَاثَةَ أَسْبَابٍ: الْقُوَى الْفَلَكِيَّةَ، وَالْقُوَى النَّفْسَانِيَّةَ، وَالطَّبِيعِيَّةَ؛ إِذْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْمُؤَثِّرَاتُ فِي هَذَا الْعَالَمِ عِنْدَهُمْ، وَجَعَلُوا مَا لِلْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَالْكَرَامَاتِ، وَمَا لِلسَّحَرَةِ مِنَ الْعَجَائِبِ هُوَ مِنْ قُوَى النَّفْسِ. لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ قَصْدُهُ الْخَيْرُ، وَهَذَا قَصْدُهُ الشَّرُّ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مِنْ أَفْسَدِ مَذَاهِبِ الْعُقَلَاءِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إِنْكَارِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْكَارِ الْجِنِّ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَلَا يَخْلُقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ الْعَالَمِ، ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُقِرُّونَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ إِلَّا بِمَا جَرَى عَلَى هَذَا
[ ٦ / ٢٤ ]
الْأَصْلِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ هَذَا، مِثْلُ: نُزُولِ الْمَطَرِ، وَتَسْخِيرِ السِّبَاعِ، وَإِمْرَاضِ الْغَيْرِ، وَقَتْلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَلْبُ الْعَصَا حَيَّةً، وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَإِخْرَاجُ النَّاقَةِ مِنَ الْهَضْبَةِ، وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَلَا يُقِرُّونَ بِهِ، وَقَدْ عُلِمَ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَا يَكُونُ مِنَ الْخَوَارِقِ بِسَبَبِ أَفْعَالِ الْجِنِّ، وَبِسَبَبِ أَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ. وَأَحْوَالُ الْجِنِّ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْأُمَمِ: مُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرِهِمْ، لَا يَجْحَدُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَسَّرَهَا بِقُوَى النَّفْسِ، وَهَذَا غَيْرُ إِخْبَارِ اللَّهِ عَنْهُمْ فِيمَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْكُتُبِ. وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَأَمْرُهُمْ أَجَلُّ، وَهُمْ رُسُلُ اللَّهِ فِي تَدْبِيرِ الْعَالَمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وَقَالَ: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُتُبِهِ مِنْ أَخْبَارِهِمْ، وَأَصْنَافِهِمْ
[ ٦ / ٢٥ ]
مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَآثَارُهُمْ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَالَمِ، يُعَرَفُ ذَلِكَ بِالِاعْتِبَارِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَهَؤُلَاءِ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَالْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ، أَنَّهُمْ رَأَوُا النَّفْسَ فِيهَا شَهْوَةٌ، وَغَضَبٌ مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَلَهَا نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ الْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ. فَقَالُوا: كَمَالُ الشَّهْوَةِ فِي الْعِفَّةِ، وَكَمَالُ الْغَضَبِ فِي الْحِلْمِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَكَمَالُ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فِي الْعِلْمِ. وَالتَّوَسُّطُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ هُوَ الْعَدْلُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْعَمَلِ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّدْبِ لَمْ يُثْبِتُوا خَاصِّيَّةَ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ مَحَبَّةُ اللَّهِ، وَتَوْحِيدُهُ، بَلْ وَلَا عَرَفُوا ذَلِكَ كَمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ إِلَّا قَلِيلٌ مَعَ كَثِيرٍ مِنَ الْبَاطِلِ، كَمَا بُسِطَ الْكَلَامُ عَنْهُمْ فِي مَوْضِعِهِ. وَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَتَوْحِيدُهُ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي فِيهَا صَلَاحٌ لِلنَّفْسِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَلَا صَلَاحَ لِلنَّفْسِ، وَلَا كَمَالَ لَهَا إِلَّا فِي ذَلِكَ، وَبِدُونِ ذَلِكَ تَكُونُ فَاسِدَةً، لَا صَلَاحَ لَهَا، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ
[ ٦ / ٢٦ ]
فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ هَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وَقَالَ:، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٦ / ٢٧ ]
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ قِصَصَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠]
[ ٦ / ٢٨ ]
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَالْغَايَةُ الْحَمِيدَةُ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ كَمَالُ بَنِي آدَمَ وَسَعَادَتُهُمْ وَنَجَاتُهُمْ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَهِيَ حَقِيقَةُ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلَ جَمِيعَ الْكُتُبِ، وَلَا تَصْلُحُ النَّفْسُ وَتَزْكُو وَتَكْمُلُ إِلَّا بِهَذَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦] أَيْ لَا يُؤْتُونَ مَا تَزْكُو بِهِ نُفُوسُهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَالْإِيمَانِ. وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الْإِخْلَاصُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ وَالسَّعَادَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]
[ ٦ / ٢٩ ]
فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ، وَهَذَا أَوَّلُ الْكَلِمَاتِ الْعَشْرِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى حَيْثُ قَالَ: أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجْتُكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، مِنَ التَّعَبُّدِ، لَا يَكُونُ لَكَ إِلَهٌ غَيْرِي ; لَا تَتَّخِذْ صُوَرًا، وَلَا تِمْثَالًا، مَا فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ فَوْقُ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ ; لَا تَسْجُدْ لَهُنَّ ; وَلَا تَعْبُدْهُنَّ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ الْعَزِيزُ. وَقَدْ شَهِدَ الْمَسِيحُ ﵇ أَنَّ هَذَا هُوَ أَعْظَمُ وَصِيَّةً فِي النَّامُوسِ، فَعِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، هُوَ أَعْظَمُ وَصِيَّةً وَكَلِمَةً جَاءَ بِهَا الْمُرْسَلُونَ كَمُوسَى، وَالْمَسِيحِ، وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَضِدُّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]
[ ٦ / ٣٠ ]
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَ أَنَّ النَّفْسَ لَيْسَ لَهَا نَجَاةٌ وَلَا سَعَادَةٌ وَلَا كَمَالٌ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَعْبُودَهَا وَمَحْبُوبَهَا، الَّذِي لَا أَحَبَّ إِلَيْهَا مِنْهُ، وَلِهَذَا كَثُرَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَلَفْظُ الْعِبَادَةِ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الذُّلِّ بِكَمَالِ الْحُبِّ. فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَابِدُ مُحِبًّا لِلْإِلَهِ الْمَعْبُودِ كَمَالَ الْحُبِّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِيلًا لَهُ كَمَالَ الذُّلِّ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا وَلَمْ يَذِلَّ لَهُ لَمْ يَعْبُدْهُ، وَمَنْ خَضَعَ لَهُ وَلَمْ يُحِبَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُ، وَكَمَالُ الْحُبِّ وَالذُّلِّ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الْإِلَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا هُوَ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحُبِّ، وَالذُّلِّ، وَالْإِجْلَالِ، وَالْإِكْرَامِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْعِبَادَةِ. فَالنُّفُوسُ مُحْتَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْبُودُهَا وَمُنْتَهَى مُرَادِهَا وَبُغْيَتِهَا، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا. فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ رَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقِهِ، وَلَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ، بِحَيْثُ يَكُونُ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَأَخْشَى عِنْدَهُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَأَعْظَمَ عِنْدَهُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَأَرْجَى عِنْدَهُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، بَلْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْحُبِّ بِحَيْثُ يُحِبُّهُ مِثْلَ مَا يُحِبُّ اللَّهَ، وَيَخْشَاهُ مِثْلَ مَا يَخْشَى اللَّهَ، وَيَرْجُوهُ مِثْلَ مَا يَرْجُو اللَّهَ، وَيَدْعُوهُ مِثْلَ مَا يَدْعُوهُ، فَهُوَ
[ ٦ / ٣١ ]
مُشْرِكٌ الشِّرْكَ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَفِيفًا فِي طَعَامِهِ وَنِكَاحِهِ، وَكَانَ حَكِيمًا شُجَاعًا. فَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تَسْعَدُ بِهِ النُّفُوسُ، وَتَنْجُو مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا تَهْتَدِي بِهِ النُّفُوسُ، وَلَا مِنَ الْأَخْلَاقِ مَا هُوَ دِينُ حَقٍّ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُونُوا دَاخِلِينَ فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] وَهَذِهِ الْفَضَائِلُ الْأَرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كَمَالِ النَّفْسِ، وَصَلَاحِهَا، وَتَزْكِيَتِهَا. وَالْمُتَفَلْسِفَةُ لَمْ يَحُدُّوا مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ بِحَدٍّ يُبَيِّنُ مِقْدَارَ مَا تَحْصُلُ بِهِ
[ ٦ / ٣٢ ]
النَّجَاةُ وَالسَّعَادَةُ. وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَيَّنُوا ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ الَّتِي حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا مُطْلَقًا، لَمْ يُبِحْ مِنْهَا شَيْئًا لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، بِخِلَافِ الدَّمِ، وَالْمَيْتَةِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ فِي حَالٍ، وَيُبَاحُ فِي حَالٍ. وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ مُطْلَقًا. فَالْفَوَاحِشُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالشَّهْوَةِ. وَالْبَغْيُ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَتَعَلَّقُ بِالْغَضَبِ، وَالشِّرْكُ بِاللَّهِ فَسَادُ أَصْلِ الْعَدْلِ فَإِنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فَسَادٌ فِي الْعِلْمِ، فَقَدْ حَرَّمَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ، وَهِيَ فَسَادُ الشَّهْوَةِ، وَالْغَضَبِ، وَفَسَادُ الْعَدْلِ، وَالْعِلْمِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣] يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ أَصْلِ الظُّلْمِ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إِيجَابَ الْعَدْلِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّ
[ ٦ / ٣٣ ]
النَّفْسَ لَهَا الْقُوَّتَانِ: الْعِلْمِيَّةُ، وَالْعَمَلِيَّةُ، وَعَمَلُ الْإِنْسَانِ عَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ، وَالْعَمَلُ الِاخْتِيَارِيُّ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِرَادَةِ الْعَبْدِ. وَكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ إِرَادَةٌ، وَعَمَلٌ بِإِرَادَتِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ حَسَّاسٌ يَتَحَرَّكُ بِالْإِرَادَةِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ» وَالْإِرَادَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ، وَكُلُّ مُرَادٍ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ لِغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مُرَادٍ لِنَفْسِهِ. فَالْقُوَّةُ الْعَمَلِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ مُرَادٌ، وَذَلِكَ الْمُرَادُ لِنَفْسِهِ هُوَ عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ لِلْعِلَّةِ الْفَاعِلَةِ، وَلِهَذَا قِيلَ: الْعَامَّةُ تَقُولُ:
[ ٦ / ٣٤ ]
قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ. وَالْعَارِفُونَ يَقُولُونَ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يَطْلُبُ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: إِنِّي لَا أَنْظُرُ إِلَى كَلَامِ الْحَكِيمِ، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى هِمَّتِهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِي كَمَالِ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوا كَمَالَهَا الْعَمَلِيَّ فِي تَعْدِيلِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ بِالْعِفَّةِ، وَالْحِلْمِ، وَهَذَا غَايَتُهُ تَرْكُ الْإِسْرَافِ فِي الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ، وَالشَّهْوَةُ: هِيَ جَلْبُ مَا يَنْفَعُ الْبَدَنَ وَيُبْقِي النَّوْعَ، وَالْغَضَبُ: دَفَعُ مَا يَضُرُّ الْبَدَنَ. وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمُرَادِ الرُّوحِ الَّذِي يُحِبُّهُ لِذَاتِهِ. مَعَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيمَا يَعُودُ إِلَى الْبَدَنِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ إِصْلَاحًا لِلْبَدَنِ الَّذِي هُوَ آلَةٌ لِلنَّفْسِ، وَجَعَلُوا كَمَالَ النَّفْسِ فِي مُجَرَّدِ الْعِلْمِ. وَقَدْ بَسَطْنَا غَلَطَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ مِنْ وُجُوهٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ النَّفْسَ لَهَا كَمَالٌ فِي الْعَمَلِ وَالْإِرَادَةِ، كَمَا أَنَّ لَهَا
[ ٦ / ٣٥ ]
كَمَالًا فِي الْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ كَمَالًا لَهَا وَلَا صَلَاحًا، وَلَوْ كَانَ كَمَالًا لَمْ يَكُنْ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ كَمَالُ النَّفْسِ، وَبَيَّنَّا غَلَطَ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: الْإِيمَانُ هُوَ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الصَّوَابَ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. أَصْلُهُ قَوْلُ الْقَلْبِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ الْمُتَضَمِّنُ عِلْمَ الْقَلْبِ وَإِرَادَتَهُ. وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْ مُرَادٍ مَحْبُوبٍ لِذَاتِهِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِهِ، وَلَا تَكْمُلُ إِلَّا بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ إِلَهُهَا، فَلَيْسَ لَهَا إِلَهٌ يَكُونُ بِهِ صَلَاحًا إِلَّا اللَّهَ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْإِنْسَانِ فَقَطْ بَلْ لِلْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ فَإِنَّهُمْ كُلَّهَمْ أَحْيَاءٌ عُقَلَاءُ نَاطِقُونَ، لَهُمْ عِلْمٌ وَعَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ، وَلَا صَلَاحَ لَهُمْ إِلَّا بِمُرَادِهِمُ الْمَحْبُوبُ لِذَاتِهِ، وَهُوَ مَعْبُودُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا مَحْبُوبًا لِنَفْسِهِ إِلَّا اللَّهُ، فَلَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَهٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا. فَلِهَذَا كَانَ دِينُ جَمِيعِ الرُّسُلِ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
[ ٦ / ٣٦ ]
وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ صَلَاحِ النَّفْسِ وَكَمَالِهَا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ مَا تَنْجُو بِهِ مِنَ الشَّقَاءِ، فَضْلًا عَمَّا تَسْعَدُ بِهِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ أَرِسْطُو مُعَلِّمَهُمُ الْأَوَّلَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ إِنَّمَا أَثْبَتُوا الْعِلَّةَ الْأُولَى بِالْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ، فَقَالُوا: الْحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، فَقِوَامُهُ بِحَرَكَتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَفَسَادُهُ بِعَدَمِهَا، وَقِوَامُ حَرَكَتِهِ بِمَا يَتَحَرَّكُ لِأَجْلِهِ، فَإِنَّ الْفَاعِلَ بِالِاخْتِيَارِ إِنَّمَا قِوَامُهُ بِعِلَّتِهِ الْغَائِيَّةِ الَّتِي يَتَحَرَّكُ لِأَجْلِهَا، وَغَايَتِهِ الَّتِي يَتَحَرَّكُ لِأَجْلِهَا، هُوَ الْعِلَّةُ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا. فَجَعَلُوا قِوَامَ الْعَالَمِ كُلِّهِ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَشَبِّهٌ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَرِّكَ بِاخْتِيَارِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَادٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَرَكَةَ الْإِرَادِيَّةَ تَطْلُبُ مُرَادًا مَحْبُوبًا لِنَفْسِهَا، وَتَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنَ اسْتِلْزَامِهَا مُشَبَّهًا بِهِ، فَإِنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ بِإِرَادَةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَادٍ مَحْبُوبٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ، وَالْمُرَادُ يَكُونُ إِمَّا مُرَادًا لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ إِنَّمَا يُرَادُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ بَدَلًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُرَادًا لِنَفْسِهِ، أَوْ مُنْتَهًى إِلَى مُرَادٍ لِنَفْسِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فِي الْعِلَلِ الْغَائِبَةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَبُطْلَانِ التَّسَلْسُلِ فِي الْعِلَلِ الْفَاعِلِيَّةِ بِصَرِيحِ
[ ٦ / ٣٧ ]
الْعَقْلِ، وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَإِذَا كَانَ الْفَاعِلُ بِاخْتِيَارٍ يَسْتَلْزِمُ مُرَادًا لِنَفْسِهِ مَحْبُوبًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمَا يَتَحَرَّكُ فِي السَّمَاوَاتِ بِإِرَادَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ، أَوْ مَا يُسَمُّونَهُ هُمْ نَفْسًا مِنْ مَحْبُوبٍ مُرَادٍ لِذَاتِهِ، يَكُونُ هُوَ الْإِلَهَ الْمَعْبُودَ الْمُرَادَ بِتِلْكَ الْحَرَكَاتِ، وَكَذَلِكَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ حَرَكَتُهَا بِالْإِرَادَةِ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهَا، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحْبُوبٍ مُرَادٍ لِذَاتِهِ، وَهُوَ الْإِلَهُ، وَهَذَا الْمَحْبُوبُ الْمُرَادُ لِذَاتِهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَبُيِّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا بِغَيْرِهِ، بَلْ هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا لِغَيْرِهِ بَلْ مُرَادٌ لِنَفْسِهِ. وَكَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ رَبَّانِ قَادِرَانِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ إِلَهَانِ مَعْبُودَانِ، فَإِنَّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا قَادِرًا يُنَاقِضُ كَوْنَ الْآخَرِ قَادِرًا؛ لِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ الْقَادِرَيْنِ عَلَى مَقْدُورٍ وَاحِدٍ، وَامْتِنَاعِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ حِينَ يَكُونُ الْآخَرُ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَامْتِنَاعِ ارْتِفَاعِ قُدْرَةِ أَحَدِهِمَا بِقُدْرَةِ الْآخَرِ مَعَ التَّكَافُؤِ.
[ ٦ / ٣٨ ]
كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إِلَهَانِ مَعْبُودَانِ مَحْبُوبَانِ لِذَاتِهِمَا؛ لِأَنَّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا هُوَ الْمَعْبُودُ لِذَاتِهِ يُنَاقِضُهُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا لِذَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَحَبَّةِ وَالْعَمَلِ لِهَذَا، وَبَعْضُ ذَلِكَ لِهَذَا، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ كَوْنَ الْحُبِّ وَالْعَمَلِ كُلِّهِ لِهَذَا، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ نَقْصٌ فِي الْحُبِّ، فَلَا تَكُونُ حَرَكَةُ الْمُتَحَرِّكِ بِإِرَادَتِهِ لَهُ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مَعْبُودًا مَعْمُولًا لَهُ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْآخَرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَمَلَ لِهَذَا يُنَاقِضُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ. وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئَيْنِ فَإِنَّمَا يُحِبُّهُمَا لِثَالِثٍ غَيْرِهِمَا، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ؛ إِذِ الْمَحْبُوبُ لِذَاتِهِ هُوَ الَّذِي تُرِيدُهُ النَّفْسُ وَتَطْلُبُهُ، وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا مُرَادٌ غَيْرُهُ، وَهَذَا يُنَاقِضُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَوَّضَ النَّاسَ بِالتَّكْلِيفِ بِالْعِبَادَاتِ لِيُثِيبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ فَإِنَّ الْإِنْعَامَ بِالثَّوَابِ لَا يَحْسُنُ بِدُونِ التَّكْلِيفِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِجْلَالِ، وَالتَّعْظِيمِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مُكَلِّفٌ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ
[ ٦ / ٣٩ ]
وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَجْعَلُونَ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لُطْفًا فِي الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْغَايَةَ الْمَقْصُودَةَ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ هُوَ الْعَمَلُ، وَالْعِلْمُ ذَرِيعَةٌ إِلَيْهِ، حَتَّى يَقُولُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُونَ: إِنَّمَا وَجَبَتْ لِأَنَّهَا لُطْفٌ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ.
، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: بَلِ اللَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ لَا لِحِكْمَةٍ مَطْلُوبَةٍ وَلَا بِسَبَبٍ، بَلْ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجَبْرِيَّةِ الْمُقَابِلِينَ لِلْقَدَرِيَّةِ كَالْجَهْمِ، وَالْأَشْعَرِيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ
[ ٦ / ٤٠ ]
الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَالصُّوفِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَوْلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَهُوَ أَنَّ نَفْسَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَحْبُوبٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ لِذَاتِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَحْبُوبًا مَعْبُودًا لِذَاتِهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ عِبَادَهُ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ، وَيَرْضَى عَنْهُمْ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ، وَيُبْغِضُ الْكَافِرِينَ وَيَمْقُتُهُمْ، وَيَغْضَبُ عَلَيْهِمْ وَيَذُمُّهُمْ، وَأَنَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ فِي هَذَا الْخِطَابِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَإِذَا عُرِفَ مَذَاهِبُ النَّاسِ فِي مَقَاصِدِ الْعِبَادَاتِ فَهُمْ أَيْضًا مُخْتَلِفُونَ فِي صِفَاتِهَا، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ وَأَشَدَّ إِمَاتَةً لِشَهْوَتِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ
[ ٦ / ٤١ ]
الْمُشْرِكِينَ الْهِنْدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَكَثِيرٍ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَفْضَلَهَا مَا كَانَ أَدْعَى إِلَى تَحْصِيلِ الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ
. وَالثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: فَضْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لَا عِلَّةَ لَهُ، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ.
وَالرَّابِعُ وَهُوَ الصَّوَابُ: أَنَّ أَفْضَلَهَا مَا كَانَ لِلَّهِ أَطْوَعَ، وَلِلْعَبْدِ أَنْفَعَ. فَمَا كَانَ صَاحِبُهُ أَكْثَرَ انْتِفَاعًا بِهِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ أَطْوَعَ لِلَّهِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «خَيْرُ الْعَمَلِ أَنْفَعُهُ» وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَعِبَادَاتُ الْمُسْلِمِينَ أَكْمَلُ مِنْ عِبَادَاتِ غَيْرِهِمْ، أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: كُلَّمَا كَانَتِ الْأَعْمَالُ أَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ فَهِيَ أَفْضَلُ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ قَدْ يُفَضِّلُونَ الْجُوعَ، وَالسَّهَرَ، وَالصَّمْتَ، وَالْخَلْوَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ يَفْعَلُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْهِنْدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَمِنَ النَّصَارَى، وَمُبْتَدِعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمُ: الْجِهَادُ أَعْظَمُ مَشَقَّةً مِنْ
[ ٦ / ٤٢ ]
هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّهُ بَذْلُ النَّفْسِ، وَتَعْرِيضُهَا لِلْمَوْتِ، فَفِيهِ غَايَةُ الزُّهْدِ الْمُتَضَمِّنِ لِتَرْكِ الدُّنْيَا كُلِّهَا، وَفِيهِ جِهَادُ النَّفْسِ فِي الْبَاطِنِ، وَجِهَادُ الْعَدُوِّ فِي الظَّاهِرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ جِهَادًا مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى. فَإِنَّ الْيَهُودَ خَالَفُوا مُوسَى فِي الْجِهَادِ، وَعَصَوْهُ، وَالنَّصَارَى لَا يُجَاهِدُونَ عَلَى دِينٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ الْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لُطْفًا فِي الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ عِبَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ - كَصَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ وَحَجِّهِمْ - أَدْعَى إِلَى الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ جِمَاعُ الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، مِنْ عِبَادَاتِ غَيْرِهِمِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلظُّلْمِ الْمُنَافِي لِلْعَدْلِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ نُفَاةِ التَّعْلِيلِ، وَرَدِّ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ: فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى مَحْضِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَتَعَبُّدِهِ لِلْخَلْقِ، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ تَكُونُ عِبَادَاتُهُ تَابِعَةً لِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ مُتَعَبِّدًا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ بِخِلَافِ مَنْ تَكُونُ عِبَادَاتُهُ قَدِ ابْتَدَعَهَا أَكَابِرُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الرَّابِعِ: فَإِنَّ عِلْمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ يَتَضَمَّنُ طَاعَةَ اللَّهِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي عِبَادَاتٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا، وَهِيَ عِبَادَاتُ الْمُسْلِمِينَ
[ ٦ / ٤٣ ]
دُونَ مَنِ ابْتَدَعَ كَثِيرًا مِنْ عِبَادَاتِهِمْ أَكَابِرِهِمْ. وَأَمَّا انْتِفَاعُ الْعِبَادِ بِهَا، فَهَذَا يُعْرَفُ بِثَمَرَاتِهَا وَنَتَائِجِهَا وَفَوَائِدِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ آثَارُهَا فِي صَلَاحِ الْقُلُوبِ. فَلْيَتَدَبَّرِ الْإِنْسَانُ عُقُولَ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْلَاقَهَمْ، وَعَدْلَهَمْ، يَظْهَرُ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ صِفَاتُ عِبَادَاتِهِمْ فِيهَا مِنَ الْكَمَالِ، وَالِاعْتِدَالِ، كَالطَّهَارَةِ، وَالِاصْطِفَافِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَاسْتِقْبَالِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هُوَ إِمَامُ الْخَلَائِقِ، وَالْإِمْسَاكُ فِيهَا عَنِ الْكَلَامِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْخُشُوعِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَاسْتِمَاعِهِ الَّذِي يُظْهِرُ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ لِكُلِّ مُتَدَبِّرٍ مُنْصِفٍ، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا فَضْلُ عِبَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عِبَادَاتِ غَيْرِهِمْ. وَأَمَّا حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ فَلَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ فَضْلُهُ. حَتَّى إِنَّ النَّصَارَى فِي طَائِفَةٍ مِنْ بِلَادِهِمْ يُنَصِّبُونَ لَهُمْ مَنْ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِشَرْعِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرْعٌ يَحْكُمُ بِهِ النَّاسُ. وَلَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ حُكْمٌ عَامٌّ، بَلْ عَامَّتُهُ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالزُّهْدِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كَوْنِ الْمُسْلِمِينَ مُعْتَدِلِينَ مُتَوَسِّطِينَ بَيْنَ الْيَهُودِ
[ ٦ / ٤٤ ]
وَالنَّصَارَى فِي التَّوْحِيدِ، وَالنُّبُوَّاتِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْأُمَّتَيْنِ، مَعَ أَنَّ دَلَائِلَ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَفَضْلُ الْأُمَّةِ يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ مَتْبُوعِهَا.
[ ٦ / ٤٥ ]
[فَصْلٌ: أَقْسَامُ مُدِّعِي النُّبُوَّةِ وَدَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ ﵇]
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّ مَنْ دَعَا إِلَى مِثْلِ مَا دَعَا إِلَيْهِ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا صَادِقًا مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، بِمَنْزِلَةِ نُوحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَدَاودَ، وَسُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٣]، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَلِكًا مُسْلِمًا عَادِلًا، وَضَعَ نَامُوسًا سِيَاسِيًّا
[ ٦ / ٤٦ ]
وَقَانُونًا عَدْلِيًّا يَنْفَعُ بِهِ الْخَلْقَ، وَيَحْمِلُهُمْ بِهِ عَلَى السِّيرَةِ الْعَادِلَةِ بِمَبْلَغِ عِلْمِهِ، كَمَا كَانَ لِلْأُمَمِ مَنْ يَضَعُ لَهُمُ النَّوَامِيسَ مِثْلُ وَاضِعِي النَّوَامِيسِ مِنَ الْيُونَانِ، وَالْهِنْدِ، وَالْفُرْسِ، وَغَيْرِهِمْ. وَإِنْ كَانَ وَاضِعُ النَّامُوسِ مُخْتَصًّا بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ يَنَالُ بِهَا الْعِلْمَ بِسُهُولَةٍ، وَقُوَّةٍ نَفْسِيَّةٍ يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَاتٍ خَارِجَةٍ عَنِ الْعَادَةِ، وَيَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ تُمَثِّلُ لَهُ فِي نَفْسِهِ أَشْكَالًا نُورَانِيَّةً، وَأَصْوَاتًا يَسْمَعُهَا فِي دَاخِلِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْخَوَاصَّ الثَّلَاثَةَ هِيَ الَّتِي يَقُولُ ابْنُ سِينَا، وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ: إِنَّهَا خَوَاصُّ النَّبِيِّ، وَمَنْ قَامَتْ بِهِ كَانَ نَبِيًّا، وَالنُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَةٌ عِنْدَهُمْ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ مَوْجُودَةً لِكَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَمْ يَصِلْ بِهَا إِلَى قَرِيبٍ مِنْ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِينَ - أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ - كَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَحَوَارِيِّي عِيسَى، وَأَصْحَابِ مُوسَى جَعَلْنَاهَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ إِذْ صَاحِبُ هَذَا قَدْ يَكُونُ فِيهِ عَدْلٌ وَسِيَاسَةٌ بِحَسَبِ مَا مَعَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، فَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا كَاذِبًا فَاجِرًا أَفَّاكًا أَثِيمًا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ وَالظُّلْمَ، أَوْ يَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ فَيُخْطِئُ خَطَأَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ. وَمَنْ يَظُنُّ الْكَذِبَ صِدْقًا وَالْبَاطِلَ حَقًّا، وَالضَّلَالَ هُدًى، وَالْغَيَّ
[ ٦ / ٤٧ ]
رُشْدًا، وَالظُّلْمَ عَدْلًا، وَالْفَسَادَ صَلَاحًا، وَكُلُّ مَنْ دَعَا الْخَلْقَ إِلَى مُتَابَعَتِهِ، وَطَاعَتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ وَالْإِيجَابِ بِأَنْ يُصَدِّقُوهُ بِمَا أَخْبَرَ، وَيُطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ، وَأَوْجَبَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَيِّرَ أَحَدًا فِي اتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَطَاعَتِهِ، وَلَا يَسُوغُ لَهُ مُخَالَفَتُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا فِي الْبَاطِنِ وَلَا فِي الظَّاهِرِ، لَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْإِثْمَ وَالْعُدْوَانَ، أَوْ قَصْدُهُ الْبِرَّ وَالْعَدْلَ، فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْأَوَّلَ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاجِرٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا كَاذِبًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْبِرَّ وَالْعَدْلَ، فَيَخْلُو مَعَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ جَازِمًا بِصِدْقِ نَفْسِهِ جَزْمًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، عَالِمًا بِأَنَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ عَدْلٌ، لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْصِيَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ جَازِمًا بِذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ جَازِمًا بِذَلِكَ كَانَ هَذَا هُوَ النَّبِيُّ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَا يُخْبِرُ إِلَّا بِحَقٍّ، وَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِعَدْلٍ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] بِخِلَافِ الْقِسْمِ الَّذِي يَتَحَرَّى الْعَدْلَ، وَالصِّدْقَ بِاجْتِهَادِهِ وَرَأْيِهِ، فَإِنَّ
[ ٦ / ٤٨ ]
هَذَا قَدْ يَأْمُرُ بِأَشْيَاءَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ وَالْعَدْلُ وَالصِّدْقُ فِي خِلَافِهَا، وَيُخْبِرُ بِأَشْيَاءَ بِاجْتِهَادِهِ، يَحُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَغْلِطَ فِي بَعْضِ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِيَّاتِ، وَمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ فَإِنَّهُ لَا مَعْصُومَ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجِبِ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ بَشَرٌ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، فَإِنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي بِهِ النَّبِيُّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولٌ
[ ٦ / ٤٩ ]
كَإِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيِّدُ، وَلَدِ آدَمَ، وَأَنَّ آدَمَ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ، وَعَرَجَ إِلَى رَبِّهِ عَلَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَهَارُونَ، وَيَحْيَى، وَعِيسَى، وَغَيْرِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَأَنَّ أُمَّتَهُ هُمُ الْآخِرُونَ فِي الْخَلْقِ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ مُهَيْمِنٌ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ مَعَ تَصْدِيقِهِ لِذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِصِدْقِ نَفْسِهِ فَهُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَهُوَ مِنْ أَظْلَمِ النَّاسِ وَأَفْجَرِهِمْ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَهُوَ مُخْطِئٌ غَالِطٌ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْطِئَ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ، وَيَظْلِمَ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الْعَدْلِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى هَذَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ، وَلِغَيْرِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ. فَإِنَّ مَنْ ظَنَّ صِدْقَ نَفْسِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَلَيْسَ بِصَادِقٍ
[ ٦ / ٥٠ ]
يَكُونُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَظْلَمِهِمْ، وَأَبْعَدِهِمْ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الصَّادِقُ بِالْمُتَنَبِّي الْكَذَّابِ، وَهَذَا مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ. إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَالُ غَيْرِهِ فَكَيْفَ بِمَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَالُ نَفْسِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُولُهُ أَصِدْقٌ هُوَ أَمْ كَذِبٌ؟ وَمَنْ كَانَ جَاهِلًا مَعَ هَذِهِ الدَّعْوَى الْعَظِيمَةِ، الَّتِي لَمْ يَدَّعِ بَشَرٌ مِثْلَهَا، وَمَعَ كَثْرَةِ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ الْمَاضِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ، وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ مِنَ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ وَالسُّنَنِ الْعَامَّةِ وَالشَّرَائِعِ وَالنَّوَامِيسِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مِنَ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ مَا يَبِينُ لِأَكْثَرِ الْخَلْقِ. فَإِذَا كَانَتْ أَخْبَارُهُ عَنِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالَّذِي يَأْمُرُ بِهِ هُوَ الطَّرِيقُ الْأَقْوَمُ، وَالْكِتَابُ الَّذِي جَاءَ بِهِ كِتَابٌ مُتَشَابِهٌ مَثَانِي، يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الصِّدْقِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
[ ٦ / ٥١ ]
فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَنَاقُضٌ، لِامْتِنَاعِ قُدْرَةِ الْبَشَرِ عَلَى أَنْ تُخْبِرَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْغُيُوبِ، وَيَأْمُرُ بِهَذِهِ الْأَوَامِرِ مَعَ سَلَامَةِ ذَلِكَ مِنَ التَّنَاقُضِ، وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ بَشَرٌ غَيْرُ نَبِيٍّ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ سِيرَتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَالْعَدْلَ، وَأَنَّهُ مَا جُرِّبَتْ عَلَيْهِ كَذْبَةٌ قَطُّ، وَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ جَازِمًا بِمَا يُخْبِرُ بِهِ مَعَ عِظَمِ الْأَخْبَارِ وَكَثْرَتِهَا، وَهُوَ وَحْدَهُ قَامَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ، وَمِنْ عَادَةِ طَالِبِ الْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ - وَلَوْ كَانَ عَادِلًا - أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يُعِينُهُ كَأَقَارِبِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَنَحْوِهِمْ، وَأَنْ يَبْذُلَ لِلنُّفُوسِ مِنَ الْعَاجِلِ مَا يُرَغِّبُهَا بِهِ كَالْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ، وَيُرَهِّبُ مَنْ خَالَفَهُ. وَمُحَمَّدٌ ﷺ دَعَا النَّاسَ وَحْدَهُ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَآمَنَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ آمَنَ بِهِ الْأَنْصَارُ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ آمَنَ بِهِ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ، وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا مِنْهُمْ دِرْهَمًا، وَلَا كَانَ مَعَهُ مَا يُخِيفُهُمْ بِهِ، لَا سَيْفٌ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ مَكَثَ بِمَكَّةَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، هُوَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُسْتَضْعَفِينَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَبْذُلُهُ لَهُمْ، وَلَا سَيْفٌ يُخِيفُهُمْ بِهِ.
[ ٦ / ٥٢ ]
وَكَانَ أَعْظَمَ مَنْ آمَنَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَخُلُقِهِ، وَدِينِهِ فِي قَوْمِهِ، وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وَعُلُوِّ قَدْرِهِ فِيهِمْ، أَنْفَقَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: تَرَكْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، وَلَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ دِرْهَمًا وَاحِدًا يَخُصُّهُ بِهِ، ثُمَّ تَوَلَّى الْأَمْرَ بَعْدَهُ وَتَرَكَ مَا كَانَ مَعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَفَتَحَ أَعْظَمَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ، مَمْلَكَةَ فَارِسَ، وَالرُّومِ فَقَهَرَ الرُّومَ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَمِصْرَ. وَأَمِيرُهُ الْكَبِيرُ أَبُو عُبَيْدَةَ أَزْهَدُ الْخَلْقِ فِي الْأَمْوَالِ وَأَعْبَدُهُمْ لِلْخَالِقِ، وَأَرْحَمُهُمْ لِلْمَخْلُوقِ، وَأَبْعَدُهُمْ عَنْ هَوَى النَّفْسِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ
[ ٦ / ٥٣ ]
الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» وَأَمِيرُهُ عَلَى فَارِسَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي كَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ مِنْ أَزْهَدِ النَّاسِ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى، وَالنَّاسُ يَتَنَازَعُونَ فِي الْوِلَايَةِ، وَهُوَ مُعْتَزِلٌ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ لَا يُزَاحِمُ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عُمَرُ: تَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ وَجَلَسْتَ هَهُنَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ النَّقِيَّ الْخَفِيَّ» .
[ ٦ / ٥٤ ]
[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ قِصَّةُ الْفِيلِ وَحِرَاسَةُ السَّمَاءِ]
وَمِنْ آيَاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَدَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ قِصَّةُ الْفِيلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ - أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ - وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ - تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ - فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥]، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْفِيلِ، وَأَنَّ أَهْلَ ٧٢ الْحَبَشَةِ النَّصَارَى سَارُوا بِجَيْشٍ عَظِيمٍ، مَعَهُمْ فِيلٌ، لِيَهْدِمُوا الْكَعْبَةَ لَمَّا أَهَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ كَنِيسَتَهُمُ الَّتِي بِالْيَمَنِ فَقَصَدُوا إِهَانَةَ الْكَعْبَةِ وَتَعْظِيمَ كَنَايِسِهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَهْلَكَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ عَامَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ جِيرَانُ الْبَيْتِ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَدِينُ النَّصَارَى خَيْرٌ مِنْ دِينِهِمْ.
[ ٦ / ٥٥ ]
فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَكُنْ لِأَجْلِ جِيرَانِ الْبَيْتِ حِينَئِذٍ، بَلْ كَانَتْ لِأَجْلِ الْبَيْتِ أَوْ لِأَجْلِ النَّبِيِّ ﷺ، الَّذِي وُلِدَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ عِنْدَ الْبَيْتِ، أَوْ لِمَجْمُوعِهِمَا، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَهُوَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ. فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّمَا كَانَتْ آيَةً لِلْبَيْتِ وَحِفْظًا لَهُ وَذَبًّا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ. فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ مَنْ يَحُجُّ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّي إِلَيْهِ إِلَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ الَّذِي فَرَضَ حَجَّهُ وَالصَّلَاةَ إِلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْبَيْتُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا مِنَ الْكَنَائِسِ الَّتِي لِلنَّصَارَى، حَتَّى إِنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ النَّصَارَى أَهْلَ الْكَنَائِسِ لَمَّا أَرَادُوا تَعْظِيمَ الْكَنَائِسِ وَإِهَانَةَ الْبَيْتِ، عُلِمَ أَنَّ دِينَ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ خَيْرٌ مِنْ دِينِ النَّصَارَى، وَالْمُشْرِكُونَ لَيْسُوا خَيْرًا مِنَ النَّصَارَى فَتَعَيَّنَ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرٌ مِنَ النَّصَارَى، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ نَبِيَّهُمْ صَادِقٌ، وَإِلَّا فَمَنْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِنَبِيٍّ كَاذِبٍ فَلَيْسُوا خَيْرًا مِنَ النَّصَارَى بَلْ هُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ، كَأَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ - أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ - وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ١ - ٣]
[ ٦ / ٥٦ ]
وَالْأَبَابِيلُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ، فَوْجٌ بَعْدَ فَوْجٍ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤] أَيْ: مِنْ طِينٍ مُسْتَحْجِرٍ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] كَالتِّبْنِ الَّذِي أُكِلَ. وَقَوْلُهُ: أَلَمْ تَرَ اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى التَّقْرِيرِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا قَدْ وَقَعَ وَعَلِمَ بِهِ النَّاسُ وَرَأَوْهُ، وَقَدْ قَرَّرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَةِ وَالْبَيَانِ وَالْإِنْعَامِ عَلَى الْخَلْقِ. وَمِنْ آيَتِهِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ السَّمَاءَ مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، بِخِلَافِ مَا كَانَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢]
[ ٦ / ٥٧ ]
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا - وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا - وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ - ١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ - وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ - إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢] وَهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَؤُهُ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ يَقْرَءُونَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَلَا ارْتَابَ بِهِ مُؤْمِنٌ، وَلَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ كَافِرٌ، فَدَلَّ أَنَّ النَّاسَ عَلِمُوا صِدْقَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْجِنُّ، مِنْ أَنَّ السَّمَاءَ مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا حِينَئِذٍ مِمَّا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِمَاعِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَرَاهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ فَإِنَّ امْتِلَاءَ السَّمَاءِ بِالشُّهُبِ أَمْرٌ يَرَاهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ النَّاسُ يُكَذِّبُونَ بِهَذَا، مُؤْمِنُهُمْ، وَكَافِرُهُمْ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ الْعَظِيمَةَ الَّذِينَ لَمْ يَتَوَاطَئُوا يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَعَلَى التَّصْدِيقِ بِمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَعَلَى كِتْمَانِ مَا يَعْلَمُونَهُ، وَعَلَى تَرْكِ إِنْكَارِ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ.
[ ٦ / ٥٨ ]
وَقَدْ سَمِعَ الْقُرْآنَ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ أَدْرَكُوا مَبْعَثَهُ وَشَاهَدُوا أَحْوَالَ السَّمَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا كَانَ مَوْجُودًا - مَعَ أَنَّ عَامَّتَهُمْ كَانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ، وَلَمَّا آمَنُوا كَانُوا طَوَائِفَ مُتَبَايِنِينَ - يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى كَذِبٍ أَوْ كِتْمَانٍ أَوْ سُكُوتٍ، فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، بَلْ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنَ الرَّمْيِ الْعَظِيمِ بِالشُّهُبِ، الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، حَتَّى صَارُوا يَشُكُّونَ: هَلْ ذَلِكَ فِي الْكَوَاكِبِ الَّتِي فِي الْفَلَكِ أَوْ فِي غَيْرِهَا؟ وَقَالُوا: إِنْ كَانَ فِي كَوَاكِبِ الْأَفْلَاكِ فَهُوَ خَرَابُ الْعَالَمِ، فَلَمَّا رَوَاهُ فِيمَا دُونِهَا، عَلِمُوا أَنَّهُ لِأَمْرٍ حَدَثَ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظَ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ؛ أُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ؟ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ
[ ٦ / ٥٩ ]
مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ، وَهِيَ بِنَخْلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظَ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢] . فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]»، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ بِنَخْلَةَ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
[ ٦ / ٦٠ ]
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الشُّهُبَ لَمْ يَكُنْ يُرْمَى بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ كَانَ الرَّمْيُ بِهَا - كَمَا هُوَ الْآنَ - أَحْيَانًا، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «بَيْنَمَا هُوَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي هَذَا النَّجْمِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ حِينَ رَأَيْنَاهَا يُرْمَى بِهَا: مَاتَ مَلِكٌ. وُلِدَ مَوْلُودٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا يَسْمَعُهُ أَهْلُ الْعَرْشِ فَيُسَبِّحُونَ فَيُسَبِّحُ مَنْ تَحْتَهُمْ بِتَسْبِيحِهِمْ، فَيُسَبِّحُ مَنْ تَحْتَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلِ التَّسْبِيحُ يَهْبِطُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِمَ سَبَّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: سَبَّحَ مَنْ فَوْقَنَا فَسَبَّحْنَا بِتَسْبِيحِهِمْ، فَيَقُولُونَ: أَلَا تَسْأَلُونَ مَنْ فَوْقَكُمْ مِمَّ سَبَّحُوا؟ فَيَسْأَلُونَهُمْ فَيَقُولُونَ: قَضَى اللَّهُ فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا، الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ، فَيَهْبِطُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَتَحَدَّثُونَ بِهِ، فَتَسْتَرِقُهُ الشَّيَاطِينُ بِالسَّمْعِ عَلَى تَوَهُّمٍ مِنْهُمْ وَاخْتِلَافٍ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِهِ الْكُهَّانَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَيُحَدِّثُونَهُمْ فَيُخْطِئُونَ وَيُصِيبُونَ، فَيُحَدِّثُ الْكُهَّانُ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «إِنَّ
[ ٦ / ٦١ ]
الْكُهَّانَ قَدْ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ فَيَكُونُ حَقًّا، قَالَ: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَزِيدُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ، وَهُوَ السَّحَابُ، فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ، قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَانًا لِقَوْلِهِ: كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى
[ ٦ / ٦٢ ]
صَفْوَانَ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا، بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ، أَوِ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا. الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ» . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ ﷿ حَجَبَ الشَّيَاطِينَ عَنِ السَّمْعِ بِهَذِهِ النُّجُومِ، فَانْقَطَعَتِ الْكِهَانَةُ فَلَا كِهَانَةَ» . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: فَقُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أَوَ كَانَ يُرْمَى بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: يَقُولُ اللَّهُ ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] الْآيَةَ. قَالَ: غُلِّظَتْ وَاشْتَدَّ أَمْرُهَا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ.
[ ٦ / ٦٣ ]
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ دَاوُدَ، ثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِلْجِنِّ مَقَاعِدُ فِي السَّمَاءِ يَسْتَمِعُونَ الْوَحْيَ، وَكَانَ الْوَحْيُ إِذَا أُوحِيَ، سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ كَهَيْئَةِ الْحَدِيدَةِ رُمِيَ بِهَا عَلَى الصَّفْوَانِ، فَإِذَا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ صَلْصَلَةَ الْوَحْيِ خَرَّ لِجِبَاهِهِمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ
[ ٦ / ٦٤ ]
مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْوَحْيِ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: فَيُنَادُونَ: قَالَ رَبُّكُمُ: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] قَالَ: فَإِذَا نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالُوا: يَكُونُ فِي الْأَرْضِ كَذَا وَكَذَا مَوْتًا، وَكَذَا وَكَذَا حَيَاةً، وَكَذَا وَكَذَا جُدُوبَةً، وَكَذَا وَكَذَا خِصْبًا، وَمَا يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ، وَمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِيَ - ﵎ - فَنَزَلَتِ الْجِنُّ فَأَوْحَوْا إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ، فَزُجِرَتِ الشَّيَاطِينُ، وَرَمَوْهُمْ بِالْكَوَاكِبِ، فَمُنِعُوا، فَجُعِلَ لَا يَصْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا احْتَرَقَ، وَفَزِعَ أَهْلُ الْأَرْضِ لِمَا رَأَوْا فِي الْكَوَاكِبِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَلَكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَكَانَ أَهْلُ الطَّائِفِ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَيَنْطَلِقُ الرَّجُلُ إِلَى إِبِلِهِ فَيَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ بَعِيرًا لِآلِهَتِهِمْ، فَيَنْطَلِقُ صَاحِبُ الْغَنَمِ فَيَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً، فَيَنْطَلِقُ صَاحِبُ الْبَقَرِ فَيَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ بَقَرَةً، فَقَالَ لَهُمْ رَجُلٌ: وَيْلَكُمْ، لَا تُهْلِكُوا أَمْوَالَكُمْ، فَإِنَّ مَعَالِمَكُمْ مِنْ
[ ٦ / ٦٥ ]
الْكَوَاكِبِ الَّتِي تَهْتَدُونَ بِهَا، لَمْ يَسْقُطْ مِنْهَا شَيْءٌ. فَأَقْلَعُوا وَقَدْ أَسْرَعُوا فِي أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ إِبْلِيسُ: حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ فَأْتُونِي مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فِي الْأَرْضِ بِتُرْبَةٍ، فَجَعَلَ لَا يُؤْتَى بِتُرْبَةِ أَرْضٍ إِلَّا شَمَّهَا، فَلَمَّا أُتِيَ بِتُرْبَةِ تِهَامَةَ، قَالَ: هَهُنَا حَدَثَ الْحَدَثُ. فَصَرَفَ اللَّهُ إِلَيْهِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ، فَوَلَّوْا: إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
[ ٦ / ٦٦ ]
وَرَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءٍ بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَبْعَثِ مُلِئَتِ السَّمَاءُ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْحَرَسُ شَدِيدًا، وَلَا كَانَتِ السَّمَاءُ مَمْلُوءَةً حَرَسًا وَشُهُبًا - كَمَا هِيَ الْآنَ - يُرْمَى بِهَا أَحْيَانًا، وَكَانُوا يَقْعُدُونَ بِهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ أَيْ يَسْتَرِقُ أَحَدُهُمْ مَا يَسْمَعُهُ كَمَا يَسْتَمِعُ الْمُسْتَمِعُ إِلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ مُخْتَفِيًا بِسَمَاعِهِ مُسْتَرِقًا لَهُ، فَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَسْتَرِقُ - أَيْ تَسْتَمِعُ - مَا تَقُولُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ صَارَ أَحَدُهُمْ إِذَا سَمِعَ وَجَدَ الشِّهَابَ قَدْ أُرْصِدَ لَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْعُدَ وَيَسْتَمِعَ كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ.
[ ٦ / ٦٧ ]
[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ مَا ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ]
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ آيَاتِهِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَقُولُ: لَا نُصَدِّقُ إِلَّا بِمَا فِي الْقُرْآنِ كَمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ مِنْ آيَاتِ مُوسَى، وَالْمَسِيحِ إِذْ كَانَ نَقْلُ الْقُرْآنِ عَنْهُ مُتَوَاتِرًا لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ أَحَدٌ، فَنَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِ مَا فِي الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّ آيَاتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَنْقُولِ الْمُتَوَاتِرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ بَلْ كَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ فِي شَرِيعَتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنْ بَرَاهِينِهِ وَآيَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] فَالْحِكْمَةُ نُزِّلَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَنْقُولَةٌ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ كَوْنُ الصَّلَوَاتِ خَمْسًا، وَالْفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ،
[ ٦ / ٦٨ ]
وَالْمَغْرِبِ ثَلَاثًا، وَالْبَاقِي أَرْبَعًا أَرْبَعًا، وَالرُّبَاعِيَّةُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ، كَذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ أَنْوَاعٌ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي أَصْنَافِ آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، لَا يُمْكِنُ إِحْصَاؤُهَا، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جِنْسَيِ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ مُفَصَّلَةً، كَأَنَّمَا رَآهَا بِعَيْنِهِ، لَمْ يَأْتِ مِنْهَا خَبَرٌ إِلَّا كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إِلَّا لِنَبِيٍّ. أَمَّا الْكَاهِنُ وَالْمُنَجِّمُ وَنَحْوُ هَؤُلَاءِ فَيَكْذِبُونَ كَثِيرًا، كَمَا يَصْدُقُونَ أَحْيَانًا، وَيُخْبِرُونَ بِجُمَلٍ غَيْرِ مُفَصَّلَةٍ. وَأَمَّا أَهْلُ الْوِلَايَةِ، وَالصَّلَاحِ فَأَعْظَمُهُمْ كَشْفًا يُخْبِرُ عَنْ ذَلِكَ بِأُمُورٍ قَلِيلَةٍ لَا تَبْلُغُ عُشْرَ مِعْشَارِ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا يُخْبِرُونَ بِهَا مُفَصَّلَةً كَخَبَرِهِ، وَعَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْقُدْرَةِ وَالتَّصَرُّفِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ، وَالْآيَاتُ إِمَّا مِنْ بَابِ الْعِلْمِ وَالْخَبَرِ وَالْمُكَاشَفَةِ، وَإِمَّا مِنْ بَابِ الْقُدْرَةِ، وَالتَّأْثِيرِ، وَالتَّصَرُّفِ.
[ ٦ / ٦٩ ]
وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُسْتَقْبَلَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: ١ - ٤] وَمِنْ بَعْدُ فَغَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ،
[ ٦ / ٧٠ ]
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ، وَآوَاهُمُ الْأَنْصَارُ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانُوا لَا يَبِيتُونَ إِلَّا فِي السِّلَاحِ، وَلَا يُصْبِحُونَ إِلَّا فِيهِ، فَقَالُوا: تَرَوْنَ أَنَّا نَعِيشُ حَتَّى نَبِيتَ مُطْمَئِنِّينَ، لَا نَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ﷿، فَنَزَلَتْ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور: ٥٥] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ» . وَكَانَ كَذَلِكَ، اسْتَخْلَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَرْضِ، وَمَكَّنَ لَهُمْ دِينَهُمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]
[ ٦ / ٧١ ]
وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ وَوَعَدَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] . وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَنْ يَفْعَلُوا، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ. وَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لِلْمَسِيحِ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ. وَأَنْزَلَ فِي مَكَّةَ:
[ ٦ / ٧٢ ]
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وَقَالَ:، ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢] فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ. وَقَالَ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، وَكَانُوا كَمَا أَخْبَرَ. وَقَالَ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]
[ ٦ / ٧٣ ]
وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ. وَقَالَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ - ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١١ - ١١٢]، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ [الفتح: ٢٢]
[ ٦ / ٧٤ ]
وَقَالَ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] . وَكَانَ كَذَلِكَ، فَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ إِلَّا انْتَصَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَمَا زَالَ الْإِسْلَامُ فِي عِزٍّ وَظُهُورٍ حَتَّى ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَقَالَ تَعَالَى خِطَابًا لِلْيَهُودِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ - وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦] . وَقَالَ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦]
[ ٦ / ٧٥ ]
فَأَخْبَرَ عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ لَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ أَبَدًا، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، فَلَا يَتَمَنَّى الْيَهُودُ الْمَوْتَ أَبَدًا، وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ إِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَبَدًا، وَمِنْ جِهَةِ صَرْفِ اللَّهِ لِدَوَاعِي الْيَهُودِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، وَهُمْ - مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ - لَمْ تَنْبَعِثْ دَوَاعِيهِمْ لِإِظْهَارِ تَكْذِيبِهِ، بِإِظْهَارِ تَمَنِّي الْمَوْتِ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا - وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا - وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٣] إِلَى قَوْلِهِ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ - لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٦ - ٢٨] . وَقَالَ عَنْ أَبِي لَهَبٍ - عَمِّهِ -: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١ - ٣]، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، مَاتَ الْوَلِيدُ كَافِرًا، وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ كَافِرًا.
[ ٦ / ٧٦ ]
وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠] . وَقَالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . وَقَالَ: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦] . وَهَذَا كُلُّهُ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، فَحَصَلَتْ لَهُمُ الْغَنَائِمُ الْكَثِيرَةُ، وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ آمِنِينَ، وَدُعِيَتِ الْأَعْرَابُ إِلَى قِتَالِ الرُّومِ، وَالْفُرْسِ يُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْقِتَالِ أَوِ الْإِسْلَامِ، لَيْسَ هُنَاكَ هُدْنَةٌ بِلَا قِتَالٍ، كَمَا كَانَ يَكُونُ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ.
[ ٦ / ٧٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] . فَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا بَعْدَ الْفَتْحِ، فَمَا مَاتَ ﷺ، وَفِي بِلَادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا مَوْضِعٌ لَمْ يَدْخُلْهُ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ - لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١١ - ١٢] . وَكَذَلِكَ كَانَ، فَرَوَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ. . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٨ ]
بْنِ نَبْتَلٍ، وَرِفَاعَةَ بْنِ تَابُوتٍ، وَنَحْوِهِمْ، كَانُوا يَقُولُونَ لِبَنِي النَّضِيرِ، وَهُمُ الْيَهُودُ حُلَفَاؤُهُمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١] الْآيَةَ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كَانَ، وَضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ مَثَلًا بِالشَّيْطَانِ: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] . كَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ، وَبَنُو النَّضِيرِ.
[ ٦ / ٧٩ ]
[فَصْلٌ: إِخْبَارُهُ ﵇ بِالْكَثِيرِ مِنَ الْغُيُوبِ الْمَاضِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى النُّبُوَّةِ]
وَآيَاتُهُ ﷺ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْآيَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ. وَإِخْبَارُهُ عَنِ الْغَيْبِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ بِأُمُورٍ بَاهِرَةٍ، لَا يُوجَدُ مَثَلُهَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ قَبْلَهُ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّينَ. فَفِي الْقُرْآنِ مِنْ إِخْبَارِهِ عَنِ الْغُيُوبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ - كَمَا تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ - وَكَذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِمَّا أَخْبَرَ بِوُقُوعِهِ، فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ» .
[ ٦ / ٨٠ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَحْفَظُنَا أَعْلَمُنَا» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ
[ ٦ / ٨١ ]
بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ. قَالَ: قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ، الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ؟ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى. قُلْتُ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ! قَالَ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ عَنْهُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ. قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
[ ٦ / ٨٢ ]
اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ. قَالَ عَدِيٌّ فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ مِنْ خُرُوجِ الرَّجُلِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ، ظَهَرَ كَمَا أَخْبَرَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ» .
[ ٦ / ٨٣ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: ٧٤٦٦ - «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ، فَوَافَقُوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ، فَإِنَّهُمْ لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ: فَقَالَتْ لِي نَفْسِي: ائْتِهِمْ فَقُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لَا يَغْتَالُونَهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُمْ. فَأَتَيْتُهُمْ فَقُمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي. قَالَ: تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ» .
[ ٦ / ٨٤ ]
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ٣٢١٢ - وَهْوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا» .
[ ٦ / ٨٥ ]
قُلْتُ: فَفُتِحَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ الطَّاعُونُ الْعَظِيمُ بِالشَّامِ، طَاعُونُ عَمْوَاسَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ أَيْضًا، وَمَاتَ فِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَاعُونٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، حَيْثُ أَخَذَهُمْ طَاعُونٌ كَعُقَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتَفَاضَ الْمَالُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حَتَّى كَانَ أَحَدُهُمْ يُعْطَى مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطُهَا، وَكَثُرَ الْمَالُ حَتَّى كَانَتِ الْفَرَسُ تُشْتَرَى بِوَزْنِهَا، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الْعَامَّةُ الَّتِي لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْمُلُوكِ،
[ ٦ / ٨٦ ]
يَوْمَ الْجَمَلِ، وَيَوْمَ صِفِّينَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا، أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، قَالَ: فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا بَيْنَ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُؤْخَذُ فَتُحْفَرُ لَهُ الْحُفْرَةُ فَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخْشَى إِلَّا اللَّهَ ﷿
[ ٦ / ٨٧ ]
أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ» وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الْأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ» . قُلْتُ: وَهَؤُلَاءِ الطَّوَائِفُ كُلُّهُمْ قَاتَلَهَمُ الْمُسْلِمُونَ كَمَا أَخْبَرَ ﷺ، وَأَمْرُ هَذِهِ الطَّوَائِفِ مَعْرُوفٌ، فَإِنَّ قِتَالَ التُّرْكِ
[ ٦ / ٨٨ ]
مِنَ التَّتَارِ وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، وَحَدِيثُهُمْ فِي أَكْثَرِ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ نُسْخَةٍ كِبَارٍ وَصِغَارٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ، قَبْلَ قِتَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَهَرُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمُ الَّتِي لَوْ كُلِّفَ مَنْ رَآهُمْ بِعَيْنِهِ أَنْ يَصِفَهُمْ لَمْ يُحْسِنْ مِثْلَ هَذِهِ الصِّفَةِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ٧٢٠٣ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى» . وَقَدْ ظَهَرَتْ هَذِهِ النَّارُ سَنَةَ بِضْعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمَايَةٍ، وَرَآهَا النَّاسُ، وَرَأَوْا أَعْنَاقَ الْإِبِلِ قَدْ أَضَاءَتْ بِبُصْرَى، وَكَانَتْ تَحْرِقُ الْحَجَرَ، وَلَا تُنْضِجُ اللَّحْمَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَسْمَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
[ ٦ / ٨٩ ]
ﷺ «قَالَ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَقَيْصَرُ ٥٥ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ، وَلَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
[ ٦ / ٩٠ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قَالَ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ» . وَالْأَبْيَضُ قَصْرٌ كَانَ لِكِسْرَى، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ
[ ٦ / ٩١ ]
وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» . قُلْتُ: فَوَقَعَ هَذَا كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، بَعْدَ مَوْتِ الرَّسُولِ بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَهُوَ سَنَةُ أَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، لَمَّا أَصْلَحَ اللَّهُ بِالْحَسَنِ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا مُتَحَارِبَتَيْنِ بِصِفِّينَ، عَسْكَرِ عَلِيٍّ، وَعَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي
[ ٦ / ٩٢ ]
الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، ثُمَّ إِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بِعْدَكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَهُ، فَقَالَ: أَعْبِرْ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَعْلُو، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ. فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ فَقَالَ: أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا. قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: لَا تُقْسِمْ» .
[ ٦ / ٩٣ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ - وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ - ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَاسْتَحَالَتِ الدَّلْوُ غَرْبًا فِي يَدِ عُمَرَ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ: رُؤْيَا
[ ٦ / ٩٤ ]
الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ. وَقَوْلُهُ: فِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، قِصَرُ مُدَّتِهِ، وَعَجَلَةُ مَوْتِهِ، وَشُغْلُهُ بِالْحَرْبِ مَعَ أَهْلِ الرِّدَّةِ عَنْ الِافْتِتَاحِ وَالتَّزَيُّدِ الَّذِي بَلَغَهُ عُمَرُ فِي طُولِ مُدَّتِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَيْ كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ، قَالَ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَائْتِي أَبَا بَكْرٍ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٩٥ ]
وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ بَدَأَ هَذَا الْأَمْرَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً، وَكَائِنًا خِلَافَةً وَرَحْمَةً، وَكَائِنًا مُلْكًا عَضُوضًا، وَكَائِنًا عَنْوَةً وَجَبْرِيَّةً، وَفَسَادًا فِي الْأُمَّةِ، يَسْتَحِلُّونَ الْفُرُوجَ، وَالْخُمُورَ وَالْحَرِيرَ، وَيُنْصَرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُرْزَقُونَ أَبَدًا حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ ﷿» . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ دَلْوًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ
[ ٦ / ٩٦ ]
فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَانْتَشَطَتْ وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ» . وَفِي السُّنَنِ عَنْ سَفِينَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَكُونُ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا» . فَكَانَ هَذَا
[ ٦ / ٩٧ ]
الْعَامُ تَمَامَ الثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مَوْتِهِ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَشَارِقُهَا، وَمَغَارِبُهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ
[ ٦ / ٩٨ ]
وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَلَّا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا» . وَهَذَا أَخْبَرَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَأَصْحَابُهُ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، فَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِهِ انْتَشَرَ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، وَلَمْ يَنْتَشِرْ فِي الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ كَانْتِشَارِهِ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ؛ إِذْ كَانَتْ أُمَّتُهُ أَعْدَلَ الْأُمَمِ؛ فَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي الْأَقَالِيمِ الَّتِي هِيَ وَسَطُ الْمَعْمُورِ مِنَ الْأَرْضِ، كَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ:
[ ٦ / ٩٩ ]
هَلَكَ كِسْرَى فَلَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ. وَذَاكَ كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ آخِرُ الْأَكَاسِرَةِ الْمُمَلَّكِينَ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ وُلَاةٌ مُتَضَعِّفُونَ، فَكَانَ آخِرُهُمْ يَزْدَجَرْدُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِاللَّفْظِ الْآخَرِ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَهَذَا أَخْبَرَ بِهِ، وَمُلْكُ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ أَعَزُّ مُلْكٍ فِي الْأَرْضِ، فَصَدَقَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فَهَلَكَ كِسْرَى، وَهُوَ آخِرُ الْأَكَاسِرَةِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بِأَرْضِ فَارِسَ، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ كِسْرَى، وَلَمْ يَبْقَ
[ ٦ / ١٠٠ ]
لِلْمَجُوسِ، وَالْفُرْسِ مُلْكٌ، وَهَلَكَ قَيْصَرُ الَّذِي بِأَرْضِ الشَّامِ، وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ مَنْ هُوَ مَلِكٌ عَلَى الشَّامِ، وَلَا مِصْرَ، وَلَا الْجَزِيرَةِ مِنَ النَّصَارَى، وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى قَيْصَرَ. قَالَ: الشَّافِعِيُّ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْتَابُ الشَّامَ انْتِيَابًا كَثِيرًا، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ مَعَاشِهَا مِنْهُ، وَتَأْتِي الْعِرَاقَ فَيُقَالُ: لَمَّا دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ ذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَوْفَهَا مِنَ انْقِطَاعِ مَعَاشِهَا بِالتِّجَارَةِ مِنَ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ إِذَا فَارَقَتِ الْكُفْرَ وَدَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ، مَعَ خِلَافِ مَلِكِ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى» بَعْدَهُ. فَلَمْ يَبْقَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ كِسْرَى يَثْبُتُ لَهُ أَمْرٌ بَعْدَهُ. وَقَالَ: «إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ» . فَلَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الشَّامِ قَيْصَرُ، فَأَجَابَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا، وَكَانَ كَمَا قَالَ قَطَعَ اللَّهُ الْأَكَاسِرَةَ عَنِ
[ ٦ / ١٠١ ]
الْعِرَاقِ، وَفَارِسَ، وَقَيْصَرَ عَنِ الشَّامِ. وَقَالَ فِي كِسْرَى: «مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ. فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَكَاسِرَةِ مُلْكٌ، وَقَالَ فِي» قَيْصَرَ: ثَبَتَ مُلْكُهُ. فَثَبَتَ مُلْكُهُمْ بِبِلَادِ الرُّومِ، وَتَنَحَّى
[ ٦ / ١٠٢ ]
عَنِ الشَّامِ، وَكُلُّ هَذَا يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ. فَأَخْبَرَ ﷺ بِفَتْحِ الْيَمَنِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ أَقْوَامٌ يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ، وَمَنْ
[ ٦ / ١٠٣ ]
أَطَاعَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ، وَيَطْلُبُونَ الرِّيفَ وَسَعَةَ الرِّزْقِ، قَالَ: وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «سَتُفْتَحُ مِصْرُ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ عَلَى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا» .
[ ٦ / ١٠٤ ]
فَمَرَّ أَبُو ذَرٍّ بَعْدَ فَتْحِ مِصْرَ بِمُدَّةٍ بِابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، وَهُمَا يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجَ مِنْهَا. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «حِينَ أُجْلِيَ الْأَحْزَابُ عَنْهُ: الْآنَ نَغْزُوهُمْ، وَلَا يَغْزُونَا» وَكَذَلِكَ كَانَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ، وَالرُّومُ، أَيُّ قَوْمٍ وَأَنْتُمْ» . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
[ ٦ / ١٠٥ ]
عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ؟ تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِنِ الْمُهَاجِرِينَ فَتَحْمِلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ «لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: ٢ - ٣] . سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآخَرِينَ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ» . وَفِي لَفْظٍ: لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ، وَفِي لَفْظٍ: الْعِلْمُ. وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، فَإِنَّهُ حَصَلَ فِي
[ ٦ / ١٠٦ ]
التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، وَهَلُمَّ جَرَّا، مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، مِثْلُ: الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ، وَأَضْعَافِ هَؤُلَاءِ، مَنْ نَالُوا ذَلِكَ. «وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]
[ ٦ / ١٠٧ ]
سُئِلَ عَنْهُمْ، فَقَالَ: هُمْ قَوْمُ هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَلْيَنُ أَفْئِدَةً; الْإِيمَانُ يَمَانِيٌ، وَالْفِقْهُ يَمَانِيٌ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ.
[ ٦ / ١٠٨ ]
فَلَمَّا ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ أَتَى اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، فَقَاتَلَ الصِّدِّيقُ بِهِمْ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَغَلَبَ بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ. وَقَالَ لِعُثْمَانَ: إِنَّ اللَّهَ مُقَمِّصُكَ قَمِيصًا فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ يَرْكُزُ بِعُودٍ
[ ٦ / ١٠٩ ]
فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، إِذِ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ. فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَبْرًا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْفِتَنِ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ، وَقَالَ لِعُمَرَ: إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ ذَلِكَ الْبَابُ أَنْ يُكْسَرَ. فَسَأَلَهُ مَسْرُوقٌ مَنِ الْبَابُ؟
[ ٦ / ١١٠ ]
فَقَالَ: عُمَرُ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَتَكُونُ الْفِتَنُ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ، وَقَالَ فِيهِ: فَإِذَا وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ
[ ٦ / ١١١ ]
بِأَرْضِهِ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» . وَفِي صَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَوْ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ صَمَّاءَ بَكْمَاءَ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَيْلٌ لِلسَّاعِي فِيهَا مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
[ ٦ / ١١٢ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ «لَمَّا قَالَ لَهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ: يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ. فَقَالَ: وَيْحَكَ، قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَقْوَامٌ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ،
[ ٦ / ١١٣ ]
يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، آيَتُهُمْ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا مُخَدَّجَ الْيَدِ عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ الْبَضْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ تَدَرْدَرُ، عَلَيْهَا شَعَرَاتٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ» . وَهَؤُلَاءِ ظَهَرُوا بَعْدَ مَوْتِهِ بِبِضْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ، لَمَّا افْتَرَقَ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَتِ الْفِئَةُ بَيْنَ عَسْكَرِ عَلِيٍّ، وَعَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ، وَقَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى قَتَلُوا عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ
[ ٦ / ١١٤ ]
الْبَاغِيَةُ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ أَخْبَرَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِعَلَامَتِهِمْ فَطَلَبُوا هَذَا الْمُخَدَّجَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، حَتَّى قَامَ عَلِيٌّ - بِنَفْسِهِ - فَفَتَّشَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ مَقْتُولًا فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً» . وَهَؤُلَاءِ ظَهَرُوا بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ فَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، وَيُؤَخِّرُونَ الْعَصْرَ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا
[ ٦ / ١١٥ ]
حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» . فَلَقُوا بَعْدَهُ مَنِ اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ حَقَّهُمْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَطْلُبُونَ مِنْكُمْ حَقَّهُمْ، وَيَمْنَعُونَكُمْ حَقَّكُمْ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ «أَنَّهُ سَارَّ فَاطِمَةَ فَقَالَ لَهَا وَهُوَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ: إِنِّي أُقْبَضُ فِي مَرَضِي هَذَا. ثُمَّ أَخْبَرَهَا أَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَسْرَعُكُنَّ بِي لَحَاقًا أَطْوَلُكُنَّ يَدًا قَالَتْ: قَالَتْ فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيُّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، فَكَانَتْ أَطْوَلُنَا يَدًا زَيْنَبَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا
[ ٦ / ١١٦ ]
وَتَتَصَدَّقُ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ مَغْفُورٌ لَهُمْ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ أَيْضًا
[ ٦ / ١١٧ ]
قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: أَنْتِ فِيهِمْ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: لَا» . وَغَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ أَمِيرَهُمْ، وَكَانَ فِي الْعَسْكَرِ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهِ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا، وَمَاتَ وَدُفِنَ تَحْتَ سُورِهَا، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أُجْدِبُوا كَشَفُوا عَنْ قَبْرِهِ فَيُسْقَوْنَ.
[ ٦ / ١١٨ ]
ثُمَّ غَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ مَرَّةً ثَانِيَةً فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ غَزَاهَا ابْنُهُ مَسْلَمَةُ، وَحَصَرُوهَا عِدَّةَ سِنِينَ، وَبَنَوْا فِيهَا مَسْجِدًا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تُفَلِّي رَأْسَهُ، فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَتْ: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ. فَقَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَتْ: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ:
[ ٦ / ١١٩ ]
عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا لَمَّا خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَمَاتَتْ»، وَهَذَا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَمُعَاوِيَةَ نَائِبِهِ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ لَمْ يَغْزُوا فِي الْبَحْرِ، وَأَوَّلُ مَا غَزَوُا الْبَحْرَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَفَتَحُوا جَزِيرَةَ قُبْرُصَ، وَجَاءُوا بِسَبْيِهَا إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ حَيًّا بِدِمَشْقَ فَجَعَلَ يَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ هَذَا يَوْمٌ قَدْ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَبْكَي أَنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ الْأُمَّةَ كَانَتْ قَاهِرَةً ظَاهِرَةً فَأَضَاعَتْ أَمْرَ اللَّهِ فِيهِ؛ فَأَصَارَهَا اللَّهُ إِلَى مَا تَرَوْنَ، مَا أَهْوَنَ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ إِذَا ضَيَّعُوا أَمْرَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ
[ ٦ / ١٢٠ ]
عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجْتَاحُهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا» . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» . وَهَذَا أَخْبَرَ بِهِ حِينَ كَانَتْ أُمَّتُهُ أَقَلَّ الْأُمَمِ فَانْتَشَرَتِ الْأُمَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ - لَمْ يَزَلْ فِيهَا طَائِفَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالسَّيْفِ، لَمْ يُصِبْهَا مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ، حَيْثُ كَانُوا مَقْهُورِينَ مَعَ الْأَعْدَاءِ، بَلْ إِنْ غُلِبَتْ طَائِفَةٌ فِي قُطْرٍ مِنَ الْأَرْضِ، كَانَتْ
[ ٦ / ١٢١ ]
فِي الْقُطْرِ الْآخَرِ أُمَّةٌ ظَاهِرَةٌ مَنْصُورَةٌ، وَلَمْ يُسَلِّطْ عَلَى مَجْمُوعِهَا عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَكِنْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ وَفِتَنٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» . وَهَؤُلَاءِ ظَهَرُوا بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَظَهَرَ النِّسْوَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَعَلَى رُءُوسِهِنَّ عَمَائِمُ كَأَسْنِمَةِ الْجِمَالِ الْبَخَاتِيِّ، يُسَمُّونَ الْعِمَامَةَ سَنَامَ الْجَمَلِ.
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ، وَمُبِيرٌ،.
[ ٦ / ١٢٢ ]
وَظَهَرَ الْكَذَّابُ مِنْ ثَقِيفٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ الثَّقَفِيُّ الَّذِي أَظْهَرَ التَّشَيُّعَ وَالِانْتِصَارَ لِلْحُسَيْنِ، وَقَتَلَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ وَغَيْرَهُ مِنْ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ أَظْهَرَ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ، حَتَّى قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ
[ ٦ / ١٢٣ ]
وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ، قِيلَ لِأَحَدِهِمَا: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، وَلِلْآخَرِ: إِنَّهُ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وَقَالَ الْآخَرُ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَكَانَ هُوَ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ، وَكَانَ مُبِيرًا سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، انْتِصَارًا لِمُلْكِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الَّذِي اسْتَنَابَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي فَيَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ
[ ٦ / ١٢٤ ]
خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ. وَفِي لَفْظٍ: إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَمِيرًا»، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ: «كُلُّهُمْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِمُ الْأُمَّةُ»، وَفِي رِوَايَةٍ، فَقَالُوا: «ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْجُ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بَيَانُ الْعَدَدِ، وَفِي الْأُخْرَى بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْعَدَدِ، وَقَدْ بَيَّنَ وُقُوعَ الْهَرْجِ، وَهُوَ الْقَتْلُ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الْعَدَدُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى وَقْتِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ
[ ٦ / ١٢٥ ]
بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ وَقَعَ الْهَرْجُ وَالْفِتْنَةُ الْعُظْمَى، وَإِنَّمَا يَزِيدُونَ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ إِذَا تُرِكَتِ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهِ، أَوْ عُدَّ مَعَهُمْ مَنْ كَانَ بَعْدَ الْهَرْجِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لَكَ مِنْ أَنْمَاطٍ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَّى يَكُونُ لِي أَنْمَاطٌ، فَأَنَا أَقُولُ الْيَوْمَ لِامْرَأَتِي: نَحِّي عَنْكِ أَنْمَاطَكِ، فَتَقُولُ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ أَنْمَاطٌ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُرِيتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَفُظِعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا، فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ
[ ٦ / ١٢٦ ]
يَخْرُجَانِ بَعْدِي» قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزُ بِالْيَمَنِ، وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ: هَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ: قَامَ خَطِيبًا فَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ فَقَالَ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَالْمَشْرِقُ عَنْ مَدِينَتِهِ فِيهِ الْبَحْرَيْنُ، وَمِنْهَا خَرَجَ مُسَيْلِمَةُ
[ ٦ / ١٢٧ ]
الْكَذَّابُ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَهُوَ أَوَّلُ حَادِثٍ حَدَثَ بَعْدَهُ، وَاتَّبَعَهُ خَلَائِقُ، وَقَاتَلَهُ خَلِيفَتُهُ الصِّدِّيقُ، وَرَوَى أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ صَنْعَاءَ الْعَنْسِيُّ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ حِمْيَرَ، وَمِنْهُمُ الدَّجَّالُ، وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً» . وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ هُوَ مُسَيْلِمَةُ. قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابِي: قَالَ: هُمْ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كَذَّابًا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ، دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يَفِيضَ الْمَالُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ
[ ٦ / ١٢٨ ]
الْهَرْجُ. قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ» . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا، وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَيْنَ أَنْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى لَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: تَعَفَّفْ. قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ شَدِيدٌ حَتَّى يَكُونَ الْبَيْتُ بِالْعَبْدِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: اصْبِرْ. يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَتْلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّمَاءِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ، وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ. فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أُتْرَكْ؟ قَالَ: فَأْتِ مَنْ أَنْتَ مِنْهُ، فَكُنْ فِيهِمْ. قَالَ: فَآخُذُ سِلَاحِي؟ قَالَ: إِذَا
[ ٦ / ١٢٩ ]
تُشَارِكُهُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَرُوعَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَطْلِقْ طَرَفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ» . وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَفْتُوحُونَ، وَمَنْصُورُونَ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . وَأَمَّا الْفُتُوحُ الَّتِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، وَالنُّصْرَةُ الَّتِي نُصِرُوا فَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ فِي أَوَائِلِ مَبْعَثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَوَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ. وَرَوَى أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ فَأَتَتْهُ قُرَيْشٌ، وَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ مَقْعَدُ رَجُلٍ، فَقَامَ أَبُو جَهْلٍ فَقَعَدَ فِيهِ، فَشَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَقَعُ فِي آلِهَتِنَا. قَالَ: مَا شَأْنُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: يَا عَمِّ،
[ ٦ / ١٣٠ ]
إِنَّمَا أَرَدْتُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ. فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَامُوا، فَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]؟ قَالَ: وَنَزَلَتْ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ قَرُبَتْ بِبَعْضِ مِيَاهِ
[ ٦ / ١٣١ ]
بَنِي عَامِرٍ طَرَقَتْهُمْ لَيْلًا فَسَمِعَتْ نُبَاحَ الْكِلَابِ، فَقَالَتْ: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ قَالُوا: مَاءُ الَحَوْأَبِ، قَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي رَافِعَةً. قَالُوا: مَهْلًا - يَرْحَمُكِ اللَّهُ - تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْمُسْلِمُونَ، فَيُصْلِحُ اللَّهُ بِكِ. قَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي رَافِعَةً، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ يَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟» وَفِيهِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: «قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ، وَأَنَا أُرِيدُ الْعِرَاقَ: لَا تَأْتِ
[ ٦ / ١٣٢ ]
الْعِرَاقَ فَإِنَّكَ إِنْ تَأْتِهِمْ أَصَابَكَ ذَنَبُ السَّيْفِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا مُحَارِبًا يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمِثْلِ هَذَا» . وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ مِنَ الْمُسْتَقْبَلَاتِ فَوَقَعَ بَعْدَهُ كَمَا أَخْبَرَ، وَرَأَى النَّاسُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا لَمْ يَقَعْ إِلَى الْآنَ فَكَثِيرٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَشْيَاءَ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ، وَوَقَعَتْ فِي زَمَانِهِ، وَوُجِدَتْ كَمَا أَخْبَرَ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ:
[ ٦ / ١٣٣ ]
لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ» فَكَانَ كَذَلِكَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ - لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ -: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِلَى النَّارِ. فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جَرْحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مَسْلِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» . وَرَوَاهُ سَهْلُ بْنُ
[ ٦ / ١٣٤ ]
سَعْدٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَالْمِقْدَادَ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ،
[ ٦ / ١٣٥ ]
فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا خَبَبٌ فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْكِتَابُ؟ فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. قَالَ: فَأَنَخْنَا بِهَا، فَالْتَمَسْنَا الْكِتَابَ فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، قَالَ: قُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَتْ أَنِّي أَهْوَيْتُ إِلَى حُجْزَتِهَا، وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، أَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَخَذْنَا الْكِتَابَ فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً
[ ٦ / ١٣٦ ]
مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ بِمَكَّةَ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضَاءً بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ. فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» . فَكَانَ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِخْبَارُ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَغْزُوَهُمْ، فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ»، وَفِي لَفْظٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَدْ مَاتَ الْيَوْمَ عَبْدُ اللَّهِ
[ ٦ / ١٣٧ ]
صَالِحٌ أَصْحَمَةُ. فَأَمَّنَا، وَصَلَّى عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «إِنَّ أَخَاكُمْ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ» . يَعْنِي النَّجَاشِيَّ. وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَاهَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: ثُمَّ «إِنَّ الْمُشْرِكِينَ اشْتَدُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَشَدِّ مَا كَانُوا، حَتَّى بَلَغَ بِالْمُسْلِمِينَ الْجَهْدُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَأَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي مَكْرِهَا أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَةً، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ عَمَلَ الْقَوْمِ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شِعْبَهُمْ، وَيَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مُسَلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ حَمِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ
[ ٦ / ١٣٨ ]
إِيمَانًا وَيَقِينًا. فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ مَنَعُوا الرَّسُولَ ﷺ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلْقَتْلِ، وَكَتَبُوا فِي مَكْرِهِمْ صَحِيفَةً وَعُهُودًا وَمَوَاثِيقَ، لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا، وَلَا تَأْخُذُهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ حَتَّى يُسَلِّمُوهُ لِلْقَتْلِ. فَلَبِثَ بَنُو هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَالْجَهْدُ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الْأَسْوَاقَ فَلَمْ يَتْرُكُوا طَعَامًا يَقْدَمُ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوهُمْ إِلَيْهِ فَاشْتَرَوْهُ؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكُوا سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ: حَتَّى كَانَ يُسْمَعُ صَوْتُ صِبْيَانِهِمْ يَتَضَاغَوْنَ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ مِنَ الْجُوعِ، وَعَدَوْا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، فَأَوْثَقُوهُمْ، وَآذَوْهُمْ، وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَيْهِمْ، وَعَظُمَتِ الْفِتْنَةُ، وَزُلْزِلُوا
[ ٦ / ١٣٩ ]
زِلْزَالًا شَدِيدًا. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي تَمَامِ حَدِيثِهِ: وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَضَاجِعَهُمْ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَرَى ذَلِكَ مَنْ أَرَادَ مَكْرًا بِهِ وَاغْتِيَالَهُ، فَإِذَا نَوَّمَ النَّاسَ أَمَرَ أَحَدَ بَنِيهِ أَوْ إِخْوَتِهِ، أَوْ بَنِي عَمِّهِ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَنَامَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ ثَلَاثِ سِنِينَ تَلَاوَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنْ بَنِي قُصَيٍّ، وَرِجَالٌ سِوَاهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ وَلَدَتْهُمْ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ قَطَّعُوا الرَّحِمَ، وَاسْتَخَفُّوا بِالْحَقِّ، وَاجْتَمَعَ أَمْرُهُمْ مِنْ لَيْلَتِهِمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْغَدْرِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، وَبَعَثَ اللَّهُ ﷿ عَلَى صَحِيفَتِهِمُ الَّتِي فِيهَا الْمَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَرَضَةَ فَلَحَسَتْ كُلَّ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، وَيُقَالُ: كَانَتْ مُعَلَّقَةً فِي سَقْفِ الْبَيْتِ فَلَمْ تَتْرُكِ
[ ٦ / ١٤٠ ]
اسْمًا لِلَّهِ ﷿ فِيهَا إِلَّا لَحَسَتْهُ، وَبَقِيَ مَا فِيهَا مِنْ شِرْكٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى الَّذِي صُنِعَ بِصَحِيفَتِهِمْ فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَا وَالثَّوَاقِبِ مَا كَذَبَنِي فَانْطَلَقَ يَمْشِي بِعِصَابَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَهُوَ حَافِلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ عَامِدِينَ بِجَمَاعَتِهِمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ، فَأَتَوْهُمْ لِيُعْطُوهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَتْ أُمُورٌ بَيْنَكُمْ لَمْ نَذْكُرْهَا لَكُمْ، فَائْتُوا بِصَحِيفَتِكُمُ الَّتِي تَعَاهَدْتُمْ عَلَيْهَا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَنَا صُلْحٌ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي صَحِيفَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا، فَأَتَوْا بِصَحِيفَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِهَا، لَا يَشُكُّونَ أَنَّ الرَّسُولَ مَدْفُوعٌ إِلَيْهِمْ، فَوَضَعُوهَا بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا وَتَرْجِعُوا إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ قَوْمَكُمْ، فَإِنَّمَا قَطَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ جَعَلْتُمُوهُ خَطَرًا لِهَلَكَةِ
[ ٦ / ١٤١ ]
قَوْمِكُمْ وَعَشِيرَتِكُمْ وَفَسَادِهِمْ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ لِأُعْطِيَكُمْ أَمْرًا فِيهِ نَصَفٌ، فَإِنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي، وَلَمْ يَكْذِبْنِي أَنَّ اللَّهَ ﷿ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ، وَمَحَا كُلَّ اسْمٍ هُوَ لَهُ فِيهَا، وَتَرَكَ فِيهَا غَدْرَكُمْ وَقَطِيعَتَكُمْ إِيَّانَا، وَتَظَاهُرَكُمْ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ ابْنُ أَخِي كَمَا قَالَ فَأَفِيقُوا فَوَاللَّهِ لَا نُسَلِّمُهُ أَبَدًا حَتَّى نَمُوتَ مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ بَاطِلًا دَفَعْنَاهُ إِلَيْكُمْ فَقَتَلْتُمُوهُ أَوِ اسْتَحْيَيْتُمُوهُ. قَالُوا: قَدْ رَضِينَا بِالَّذِي تَقُولُ، فَفَتَحُوا الصَّحِيفَةَ فَوَجَدُوا الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ خَبَرَهَا، فَلَمَّا رَأَتْهَا قُرَيْشٌ كَالَّذِي قَالَ أَبُو طَالِبٍ قَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ
[ ٦ / ١٤٢ ]
كَانَ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مِنْ صَاحِبِكُمْ، فَارْتَكَسُوا وَعَادُوا لِشَرِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَالشِّدَّةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى رَهْطِهِ وَالْقِيَامِ بِمَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ أَوْلَى بِالسِّحْرِ وَالْكَذِبِ غَيْرَنَا، فَكَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي اجْتَمَعْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَطِيعَتِنَا أَقْرَبُ إِلَى الْجِبْتِ وَالسِّحْرِ مِنْ أَمْرِنَا، وَلَوْلَا أَنَّكُمُ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى السِّحْرِ لَمْ تَفْسَدْ صَحِيفَتُكُمْ، وَهِيَ فِي أَيْدِيكُمْ طَمَسَ اللَّهُ مَا كَانَ فِيهَا مِنِ اسْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ بَغْيٍ تَرَكَهُ. أَفَنَحْنُ السَّحَرَةُ أَمْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنِي قُصَيٍّ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَدَتْهُمْ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ،
[ ٦ / ١٤٣ ]
وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَتِ الصَّحِيفَةُ عِنْدَهُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَوُجُوهِهِمْ، نَحْنُ بَرَاءٌ مِمَّا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ قُضِيَ بِلَيْلٍ. وَأَنْشَأَ أَبُو طَالِبٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ الشِّعْرَ، فِي شَأْنِ صَحِيفَتِهِمْ، وَيَمْتَدِحُ النَّفَرَ الَّذِينَ تَبَرَّءُوا مِنْهَا، وَنَقَضُوا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ عَهْدٍ، وَيَمْتَدِحُ النَّجَاشِيَّ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: فَلَمَّا أَفْسَدَ اللَّهُ صَحِيفَةَ مَكْرِهِمْ، خَرَجَ
[ ٦ / ١٤٤ ]
النَّبِيُّ ﷺ فَعَاشُوا وَخَالَطُوا النَّاسَ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِي صَفْوَانَ، وَكَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ. قَالَ: انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ، فَطُفْتُ، قَالَ: فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: هَذَا سَعْدٌ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ
[ ٦ / ١٤٥ ]
بِالْبَيْتِ آمِنًا، وَقَدْ أَوَيْتُمُ الصُّبَاةَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَقَدْ رَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ: لَئِنْ مَنَعْتَنِي مِنْ هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا مِنْكَ يَا أُمَيَّةُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ قَاتِلُكَ. قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَاتِلِي، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَنْصَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ، فَقَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ. قَالَ: فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ، وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو جَهِلٍ حَتَّى قَالَ: إِذْ غَلَبْتَنِي فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ
[ ٦ / ١٤٦ ]
جَهِّزِينِي. فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ قَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ. قَالَ: لَا، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ جَعَلَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بِعِيرَهُ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ» . وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أَخُو بَنِي جُمَحَ قَدْ حَلَفَ وَهُوَ بِمَكَّةَ لَيَقْتُلَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا بَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلْفَتُهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﷿ -. فَأَقْبَلَ أُبَيٌّ مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيدِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا مُحَمَّدٌ، فَحَمَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ
[ ٦ / ١٤٧ ]
قَتْلَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، فَقَتَلَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ تَرْقُوَةَ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ الدِّرْعِ وَالْبَيْضَةِ، فَطَعَنَهُ فِيهَا بِحَرْبَتِهِ، فَوَقَعَ أُبَيٌّ عَنْ فَرَسِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ طَعْنَتِهِ دَمٌ فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ، فَاحْتَمَلُوهُ، وَهُوَ يَخُورُ خُوَارَ الثَّوْرِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَعَكَ! إِنَّمَا هُوَ خَدْشٌ، فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَا أَقْتُلُ أُبَيًّا، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي بِي بِأَهْلِ ذِي الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ،
[ ٦ / ١٤٨ ]
فَمَاتَ إِلَى النَّارِ» . وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ مِمَّا ذَكَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي مَغَازِيهِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ «أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيَّ لَمَّا رَجَعَ فَلُّ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، أَقْبَلَ عُمَيْرٌ
[ ٦ / ١٤٩ ]
حَتَّى جَلَسَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: قَبَّحَ اللَّهُ الْعَيْشَ بَعْدَ قَتْلَى بَدْرٍ. قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ بَعْدَهُمْ، وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَا أَجِدُ لَهُ قَضَاءً، وَعِيَالٌ لَا أَدَعُ لَهُمْ شَيْئًا لَرَحَلْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَتَلْتُهُ إِنْ مَلَأْتُ عَيْنِي مِنْهُ، فَإِنَّ لِي عِنْدَهُ عِلَّةً أَعْتَلُّ بِهَا، أَقُولُ قَدِمْتُ عَلَى ابْنِي أَفْدِي هَذَا الْأَسِيرَ، فَفَرِحَ صَفْوَانُ بِقَوْلِهِ، وَقَالَ لَهُ: عَلَيَّ دَيْنُكَ، وَعِيَالُكَ أُسْوَةُ عِيَالِي فِي النَّفَقَةِ، فَحَمَلَهُ صَفْوَانُ وَجَهَّزَهُ، وَأَمَرَ بِسَيْفِ عُمَيْرٍ فَصُقِلَ وَسُمَّ، فَأَقْبَلَ عُمَيْرٌ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، وَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ، وَأَخَذَ السَّيْفَ فَعَمَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَتَحَدَّثُونَ، فَقَالَ عُمَرُ: عِنْدَكُمُ الْكَلْبُ، هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ الَّذِي حَرَّشَ بَيْنَنَا
[ ٦ / ١٥٠ ]
يَوْمَ بَدْرٍ، وَحَزَرَنَا لِلْقَوْمِ. ثُمَّ قَامَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: أَسِيرِي عِنْدَكُمْ، فَفَادُونَا فِي أُسَرَائِنَا فَإِنَّكُمُ الْعَشِيرَةُ وَالْأَهْلُ، قَالَ: فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنُقِكَ؟ قَالَ عُمَيْرٌ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ فَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا؟ إِنَّمَا نَسِيتُهُ فِي عُنُقِي حِينَ نَزَلْتُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اصْدُقْنِي مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: مَا قَدِمْتُ إِلَّا فِي أَسِيرِي. قَالَ: فَمَاذَا شَرَطْتَ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ؟ فَفَزِعَ عُمَيْرٌ وَقَالَ: مَاذَا شَرَطْتُ؟ ! قَالَ: تَحَمَّلْتَ لَهُ بِقَتْلِي عَلَى أَنْ يَعُولَ بَيْتَكَ، وَيَقْضِيَ دَيْنَكَ، وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ. فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كُنَّا نُكَذِّبُكَ بِالْوَحْيِ، وَبِمَا يَأْتِيكَ مِنَ السَّمَاءِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَفْوَانَ فِي الْحِجْرِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، فَأَخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ» . وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ.
[ ٦ / ١٥١ ]
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِلَّا كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ مَالُوا
[ ٦ / ١٥٢ ]
عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا رَجُلًا أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ وَآخَرَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. فَكُنَّا نَقْرَأُ أَنْ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ، وَعُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَانَ فِي هَؤُلَاءِ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ
[ ٦ / ١٥٣ ]
قَالَ عَنْهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَمَا قُتِلَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ١٥٤ ]
وَسَلَّمَ: أَخْرِصُوهَا، فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، قَالَ: أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الَّذِي أَسَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو الْيَسَرِ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ
[ ٦ / ١٥٥ ]
بَنِي سَلَمَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ أَسَرْتَهُ يَا أَبَا الْيَسَرِ؟ فَقَالَ: لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ، وَلَا قَبْلُ، هَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ. وَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ، افْدِ نَفْسَكَ، وَابْنَ أَخِيكَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ، وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ جَحْدَمٍ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ مُسْلِمًا
[ ٦ / ١٥٦ ]
قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اسْتَكْرَهُونِي. قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِشَأْنِكَ، إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَافْدِ نَفْسَكَ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْسِبْهَا لِي مِنْ فِدَايَ. قَالَ: لَا، ذَلِكَ شَيْءٌ أَعْطَانَا اللَّهُ مِنْكَ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لِي مَالٌ. قَالَ: فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي وَضَعْتَهُ بِمَكَّةَ حِينَ خَرَجْتَ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ وَلَيْسَ مَعَكَ أَحَدٌ غَيْرُكُمَا؟ فَقُلْتَ: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا فَلِلْفَضْلِ كَذَا، وَلِقُثَمَ كَذَا، وَلِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا. قَالَ فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَلِمَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي وَغَيْرُهَا وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» .
[ ٦ / ١٥٧ ]
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «لَمَّا أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَيْشَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ إِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. فَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» .
[ ٦ / ١٥٨ ]
فصل: آياته ﷺ المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير
انشقاق القمر وحراسة السماء بالشهب من دلائل النبوة
[فَصْلٌ: آيَاتُهُ ﷺ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ وَالتَّأْثِيرِ] [انْشِقَاقُ الْقَمَرِ وَحِرَاسَةُ السَّمَاءِ بِالشُّهُبِ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ]
وَآيَاتُهُ ﷺ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ وَالتَّأْثِيرِ أَنْوَاعٌ، الْأَوَّلُ مِنْهَا: مَا هُوَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَحِرَاسَةِ السَّمَاءِ بِالشُّهُبِ الْحِرَاسَةَ التَّامَّةَ لَمَّا بُعِثَ، كَمِعْرَاجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ فَعَلَهُ، وَأَخْبَرَ بِهِ لِحِكْمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ:
أَحَدُهَمَا: كَوْنُهُ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ، لَمَّا سَأَلَهُ الْمُشْرِكُونَ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ انْشِقَاقِ الْفَلَكِ، وَأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ انْشِقَاقِ السَّمَاوَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
[ ٦ / ١٥٩ ]
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (١) ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] (٢) ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] (٣) ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] (٤) ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] (٥) ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] (٦) ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] (٧) . فَذَكَرَ اقْتِرَابَ السَّاعَةِ، وَانْشِقَاقَ الْقَمَرِ، وَجَعَلَ الْآيَةَ فِي انْشِقَاقِ الْقَمَرِ دُونَ الشَّمْسِ وَسَائِرِ الْكَوَاكِبِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ، وَكَانَ الِانْشِقَاقُ فِيهِ دُونَ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْفَلَكِ؛ إِذْ هُوَ الْجِسْمُ الْمُسْتَنِيرُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الِانْشِقَاقُ لِكُلِّ مَنْ يَرَاهُ ظُهُورًا لَا يُتَمَارَى فِيهِ، وَأَنَّهُ - نَفْسَهُ - إِذَا قَبِلَ الِانْشِاقَ فَقَبُولُ مَحِلِّهِ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَقَدْ عَايَنَهُ النَّاسُ وَشَاهَدُوهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ مِثْلِ: صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ لِيُسْمِعَ النَّاسَ مَا فِيهَا مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ، وَدَلَائِلِهَا، وَالِاعْتِبَارِ بِمَا فِيهَا. وَكُلُّ النَّاسِ يُقِرُّ بِذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُهُ، فَعُلِمَ أَنَّ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ النَّاسِ عَامَّةً. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ:
[ ٦ / ١٦٠ ]
مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى، وَالْفِطَرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، وَ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]» . وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَةِ، أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ انْشَقَّ لَأَسْرَعَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ إِلَى تَكْذِيبِ ذَلِكَ، فَضْلًا عَنْ أَعْدَائِهِ الْكُفَّارِ، وَالْمُنَافِقِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى تَصْدِيقِ الْخَلْقِ لَهُ، وَاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ انْشَقَّ لَمَا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ وَيَقْرَؤُهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَيَسْتَدِلُّ بِهِ، وَيَجْعَلُهُ آيَةً لَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ» .
[ ٦ / ١٦١ ]
وَعَنْهُ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَانْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ فِيهِ فَنَزَلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] . إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] . يَقُولُ: ذَاهِبٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شِقَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا»
[ ٦ / ١٦٢ ]
«وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا قَالَ: رَأَيْتُ الْقَمَرَ مُنْشَقًّا شِقَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ، شِقَّةً عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَشِقَّةً عَلَى السُّوَيْدَاءِ فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ - أَهْلُ مَكَّةَ -: هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، انْظُرُوا السُّفَّارَ فَإِنْ كَانُوا رَأَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا رَأَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَهُوَ سِحْرٌ. قَالَ: فَسُئِلَ السُّفَّارُ، وَقَدِمُوا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالُوا: رَأَيْنَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.
[ ٦ / ١٦٣ ]
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَرَوَى مُسْلِمٌ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] . قَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ، فِلْقَةٌ مِنْ دُونِ الْجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ مِنْ خَلْفِ الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ، وَعَلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَقَالَ النَّاسُ: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ! قَالَ رَجُلٌ: إِنْ كَانَ سَحَرَكُمْ فَلَمْ يَسْحَرِ النَّاسَ كُلَّهُمْ. رَوَاهُ
[ ٦ / ١٦٤ ]
التِّرْمِذِيُّ. وَكَذَلِكَ صُعُودُهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ إِلَى مَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، وَهَذَا مِمَّا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، وَأَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ، أَخْبَرَ بِمَسْرَاهُ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] . فَأَخْبَرَ هُنَا بِمَسْرَاهُ لَيْلًا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَرْضَ قَدْ رَأَى سَائِرُ النَّاسِ مَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِيُرِيَهُ آيَاتٍ لَمْ يَرَهَا عُمُومُ النَّاسِ، كَمَا قَالَ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى:
[ ٦ / ١٦٥ ]
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] (١٢) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] (١٣) ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤] (١٤) ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥] (١٥) ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] (١٦) ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] (١٧) ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] . قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ» . فَكَانَ فِي إِخْبَارِهِ بِالْمَسْرَى - لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا - بَيَانٌ أَنَّهُ رَأَى مِنْ آيَاتِهِ مَا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥] (١٥) ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] .
[ ٦ / ١٦٦ ]
وَأَنَّهُ رَأَى بِالْبَصَرِ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، وَذَكَرَ فِي تِلْكَ السُّورَةِ الْمَسْرَى؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ بُرْهَانًا. فَإِنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ فَكَذَّبَهُ مَنْ كَذَّبَهُ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ، سَأَلُوهُ عَنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، فَنَعَتَهُ لَهُمْ لَمْ يَخْرِمْ مِنَ النَّعْتِ شَيْئًا، وَأَخْبَرَ خَبَرَ عِيرِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي الطَّرِيقِ، فَظَهَرَ لَهُمْ صِدْقُهُ، وَكَانَ صِدْقُهُ فِي هَذَا آيَةً عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا غَابَ عَنْهُمْ، وَكَانَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي الزَّمَانِ الْيَسِيرِ لِأَجْلِ مَا أَرَاهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِرُؤْيَتِهَا الْأَنْبِيَاءُ. وَبِهَذَا تَمَيَّزَ عَمَّنْ يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ أَوْ بِتَسْخِيرِ الْجِنِّ، كَمَا فِي قِصَّةِ بِلْقِيسَ حَيْثُ: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] (٣٩) ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]
[ ٦ / ١٦٧ ]
فَإِنَّ قَطْعَ الْجِسْمِ لِلْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ إِنَّمَا كَانَ لِمَا أُوتِيَهُ سُلَيْمَانُ مِنَ الْمُلْكِ، كَمَا كَانَتِ الرِّيحُ: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] (٣٦) ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] (٣٧) ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨] (٣٨) . وَهَذَا تَسْخِيرٌ مَلَكِيٌّ. وَقَطْعُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ لِمَا أَرَاهُ اللَّهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي مَيَّزَهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً: أَيْ مِحْنَةً وَابْتِلَاءً لِلنَّاسِ، لِيَتَبَيَّنَ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِمَّنْ يُكَذِّبُهُ. وَأَحَادِيثُ الْمِعْرَاجِ وَصُعُودِهِ إِلَى مَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، وَفَرْضِ الرَّبِّ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ حِينَئِذٍ، وَرُؤْيَتِهِ لِمَا رَآهُ مِنَ الْآيَاتِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، فِي السَّمَاوَاتِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَعْرُوفٌ
[ ٦ / ١٦٨ ]
مُتَوَاتِرٌ فِي الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا النَّوْعُ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهُ، يَظْهَرُ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] . فَالدَّرَجَاتُ الَّتِي رُفِعَهَا مُحَمَّدٌ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَسَيُرْفَعُهَا فِي الْآخِرَةِ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي حَبَّةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
[ ٦ / ١٦٩ ]
«فَرَوَى أَنَسٌ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى بَصَرِهِ، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ. قِيلَ: وَبُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ﵉، فَرَحَّبَا بِي، وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ١٧٠ ]
وَسَلَّمَ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﵇، وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ قَالَ: فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ ﷺ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ
[ ٦ / ١٧١ ]
ﷺ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﷺ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ. قِيلَ أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﵇، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ مُسْنِدَ ظَهْرِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ
[ ٦ / ١٧٢ ]
مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇، فَقُلْتُ: حُطَّ عَنِّي خَمْسٌ، قَالَ: فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﵇، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «فَأَتَيْتُ فَانْطُلِقَ بِي إِلَى زَمْزَمَ فَشُرِحَ عَنْ
[ ٦ / ١٧٣ ]
صَدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلَتْ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٌ حِكَمًا وَإِيمَانًا، فَحُشِيَ بِهَا صَدْرِي. وَفِي رِوَايَةٍ: فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ» . وَقَالَ عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ: «فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: بِنَاءٌ بِنَاهُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ وَيُسَبِّحُونَهُ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ» . وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: «فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ سَمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ. فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ عَنْ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ،
[ ٦ / ١٧٤ ]
وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ» . قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ بِمُسْتَوًى أَسْمَعُ مِنْهُ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]
[ ٦ / ١٧٥ ]
قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتِهِ الْمُقْحِمَاتُ» . وَعَنْهُ «فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] . قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
[ ٦ / ١٧٦ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كَرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ» . وَصُعُودُ الْآدَمِيِّ بِبَدَنِهِ إِلَى السَّمَاءِ قَدْ ثَبَتَ فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ
[ ٦ / ١٧٧ ]
عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵇، فَإِنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَسَوْفَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا مِمَّا يُوَافِقُ النَّصَارَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ سَوْفَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ أَيْضًا كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَكَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّهُ صَعِدَ بَعْدَ أَنْ صُلِبَ، وَأَنَّهُ قَامَ مِنَ الْقَبْرِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ صُلِبَ وَلَمْ يَصْعَدْ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْ قَبْرِهِ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يُصْلَبْ وَلَكِنْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِلَا صُلْبٍ. وَالْمُسْلِمُونَ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ نُزُولَهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ نُزُولَهُ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي يُحَاسِبُ الْخَلْقَ، وَكَذَلِكَ إِدْرِيسُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِبَدَنِهِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ إِلْيَاسَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِبَدَنِهِ. وَمَنْ أَنْكَرَ صُعُودَ بَدَنٍ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ فَعُمْدَتُهُ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِسْمَ الثَّقِيلَ لَا يَصْعَدُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ،
[ ٦ / ١٧٨ ]
فَإِنَّ صُعُودَ الْأَجْسَامِ الثَّقِيلَةِ إِلَى الْهَوَاءِ مِمَّا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فِي أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِثْلِ عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي حُمِلَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الشَّامِ فِي لَحْظَةٍ، وَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَانُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ - قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ - قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤١] . وَمِثْلُ حَمْلِ الرِّيحِ لِسُلَيْمَانَ ﵇ وَعَسْكَرِهِ لَمَّا كَانَ يَحْمِلُ الْبِسَاطَ فِي الْهَوَاءِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ بِأَصْحَابِهِ، وَمِثْلُ حَمْلِ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ إِلْقَائِهَا فِي الْهَوَاءِ، وَمِثْلُ الْمَسْرَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي ظَهَرَ صِدْقُ الرَّسُولِ بِخَبَرِهِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ جَوَابُهُمْ عَنْ إِنْكَارِهِمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ فِيهِ
[ ٦ / ١٧٩ ]
أَنَّ الْفَلَكَ لَا يَقْبَلُ الِانْشِقَاقَ، وَقَدْ عُرِفَ فَسَادُ ذَلِكَ عَقْلًا وَسَمْعًا، وَتَوَاتَرَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِانْشِقَاقِ السَّمَاوَاتِ، وَإِيضَاحُ الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ أَنَّ الْحَرَكَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ جِهَةٍ وَمُحَدِّدٍ يُحَدِّدُ الْجِهَاتِ، إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الِافْتِقَارِ إِلَى جِنْسِ الْمُحَدِّدِ، لَا يَدُلُّ عَلَى الِاحْتِيَاجِ إِلَى مُحَدِّدٍ مُعَيَّنٍ. فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ خُلِقَ وَرَاءَ الْمُحَدِّدِ مُحَدِّدًا آخَرَ، وَخَرْقُ الْأَوَّلِ حَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَهَكَذَا عَامَّةُ أَدِلَّتِهِمْ، إِنَّمَا تَدَلُّ عَلَى شَيْءٍ مُطْلَقٍ، لَكِنْ يُعَيِّنُونَهُ بِلَا حُجَّةٍ فَيَغْلِطُونَ فِي التَّعْيِينِ، كَدَلِيلِهِمْ عَلَى دَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ أَوِ الْحَرَكَةِ، أَوْ زَمَانِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ، وَأَنَّ الزَّمَانَ هُوَ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ، بَلْ إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ هِيَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ مِمَّا خَلَقَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ. بَلْ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ مِنْ دُخَانٍ، وَهُوَ بُخَارُ الْمَاءِ. فَإِذَا كَانَ قَبْلَ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ الْمَشْهُودَةِ حَرَكَاتٌ أُخَرُ لِأَجْسَامٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُنَاقِضًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ.
[ ٦ / ١٨٠ ]
وَرِجَالٌ كَثِيرٌ فِي زَمَانِنَا وَغَيْرِ زَمَانِنَا يُحْمَلُونَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي الْهَوَاءِ، وَهَذَا مِمَّا تَوَاتَرَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّارَ وَالْهَوَاءَ الْخَفِيفَ تُحَرَّكُ حَرَكَةً قَسْرِيَّةً فَيَهْبِطُ، وَالتُّرَابُ وَالْمَاءُ الثَّقِيلَانِ يُحَرَّكَانِ حَرَكَةً قَسْرِيَّةً فَيَصْعَدُ، وَهَذَا مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
وَالشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: ظَنَّ بَعْضُ الْمُتَفَلْسِفَةِ كَأَرِسْطُو وَشِيعَتِهِ، أَنَّ الْأَفْلَاكَ لَا تَقْبَلُ الِانْشِقَاقَ، وَحُجَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَتْ تَقْبَلُ الِانْشِقَاقَ لَكَانَ الْمُحَدِّدُ لِلْأَفْلَاكِ الْمُحَرِّكُ لَهَا يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً مُسْتَقِيمَةً، وَالْحَرَكَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ تَحْتَاجُ إِلَى خَلَاءٍ خَارِجَ الْعَالَمِ، وَلَا خَلَاءَ هُنَاكَ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ فَاسِدَةٌ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَلَكِ الْأَعْلَى، لَا فِيمَا دُونَهُ، كَفَلَكِ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا مِمَّا أَجَابَهُمْ بِهِ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ وُجُودَ أَجْسَامٍ خَارِجَ الْفَلَكِ كَوُجُودِ الْفَلَكِ فِي حَيِّزِهِ يَحْتَاجُ إِلَى خَلَاءٍ. وَقَوْلُهُ بِنَفْيِ الْخَلَاءِ خَارِجَهُ كَقَوْلِهِ بِنَفْيِ الْخَلَاءِ عَنْ
[ ٦ / ١٨١ ]
حَيِّزِهِ، فَإِنْ كَانَ الْخَلَاءُ عَدَمًا مَحْضًا فَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْجَانِبَيْنِ. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَزِمَ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَيَبْطُلُ الْقَوْلُ بِنَفْيِهِ. وَكَذَلِكَ مَا يَذْكُرُونَهُ فِي قِدَمِ الْعَالَمِ، فَلَيْسَ مَعَ الْقَوْمِ دَلِيلٌ وَاحِدٌ عَقْلِيُّ صَحِيحٌ يُنَاقِضُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَكِنْ قَدْ تُنَاقِضُ مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ اسْتِسْقَاؤُهُ ﷺ وَنُزُولُ الْمَطَرِ بِدُعَائِهِ]
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: آيَاتُ الْجَوِّ، كَاسْتِسْقَائِهِ ﷺ، وَاسْتِصْحَائِهِ، وَطَاعَةِ السَّحَابِ لَهُ، وَنُزُولِ الْمَطَرِ بِدُعَائِهِ ﷺ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي
[ ٦ / ١٨٢ ]
يَوْمِ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ: فَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا مِنْ قَزَعَةٍ، وَأَنَّ السَّمَاءَ لَمِثْلُ الزُّجَاجَةِ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ دَارٍ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَ يَدَيْهِ حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَنْ لِحْيَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ
[ ٦ / ١٨٣ ]
أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ، وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلَّا تَفَرَّجَتْ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةً شَهْرًا، وَلِمَ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجُودٍ» . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: نَصْرُ اللَّهِ بِالرِّيحِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]
[ ٦ / ١٨٤ ]
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي رِيحَ الصَّبَا، أُرْسِلَتْ عَلَى الْأَحْزَابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى كَفَأَتْ قُدُورَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهَا، وَنَزَعَتْ فَسَاطِيطَهُمْ. وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» . وَفِي الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ قِصَّةُ الْأَحْزَابِ، وَكَيْفَ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ وَالْمَلَائِكَةُ، وَانْهَزَمُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ مَعْرُوفٌ.
[تَصَرُّفُهُ ﵇ فِي الْحَيَوَانِ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ]
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: تَصَرُّفُهُ فِي الْحَيَوَانِ: الْإِنْسُ، وَالْجِنُّ، وَالْبَهَائِمُ
[ ٦ / ١٨٥ ]
فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ، فَدَخَلَ حَائِطَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ، قَالَ: لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ، وَتُدْئِبُهُ» . رَوَى مُسْلِمٌ بَعْضَهُ
[ ٦ / ١٨٦ ]
وَبَعْضُهُ عَلَى شَرْطِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالدَّارِمَيُّ، وَغَيْرُهُمَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، حَتَّى إِذَا دَفَعْنَا إِلَى حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ بَنِي النَّجَّارِ إِذَا فِيهِ جَمَلٌ لَا يَدْخُلُ الْحَائِطَ أَحَدٌ إِلَّا شَدَّ عَلَيْهِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ فَدَعَا الْبَعِيرَ، فَجَاءَ وَاضِعًا مِشْفَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ، حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَاتُوا خِطَامًا. فَخَطَمَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ:
[ ٦ / ١٨٧ ]
إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «خَرَجْنَا فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِحَرَّةِ وَاقِمٍ، عَرَضَتِ امْرَأَةٌ بَدَوِيَّةٌ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا ابْنِي قَدْ غَلَبَنِي عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، قَالَ: فَأَدْنِيهِ مِنِّي، فَأَدْنَتْهُ، فَقَالَ: افْتَحِي فَمَهُ، فَبَصَقَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ٦ / ١٨٨ ]
وَقَالَ: اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ، وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: شَأْنَكِ بِابْنِكِ، لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ فَلَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يُصِيبُهُ» وَذَكَرَ قِصَّةَ الشَّجَرَتَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: «فَنَزَلْنَا فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ بَنِي مُحَارِبٍ فَعَرَضَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُحَارِبٍ يُقَالُ لَهُ: غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَعْطِنِي سَيْفَكَ هَذَا، فَسَلَّهُ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ يَمْنَعُكَ
[ ٦ / ١٨٩ ]
مِنِّي؟ فَارْتَعَدَتْ يَدُهُ حَتَّى سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا غَوْرَثُ، مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: لَا أَحَدَ، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْنَا رَاجِعِينَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِعُشِّ طَيْرٍ يَحْمِلُهُ، وَفِيهِ فِرَاخٌ، وَأَبَوَاهُ يَتْبَعَانِهِ، وَيَقَعَانِ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ بِفِعْلِ هَذَا الطَّيْرِ، وَبِفِرَاخِهِمَا؟ زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَرَبُّكُمْ أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْ هَذَا الطَّيْرِ بِفِرَاخِهِ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا رَاجِعِينَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِحَرَّةِ وَاقِمٍ عَرَضَتْ لَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي جَاءَتْ بِابْنِهَا بِوَطْبٍ مِنْ لَبَنٍ وَشَاةٍ، فَأَهْدَتْهُ لَهُ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ ابْنُكِ؟ هَلْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يُصِيبُهُ؟ قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يُصِيبُهُ، وَقَبِلَ هَدِيَّتَهَا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا رَاجِعِينَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَهْبِطٍ مِنَ الْحَرَّةِ، أَقْبَلَ جَمَلٌ يَرْقُلُ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا قَالَ هَذَا الْجَمَلُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا جَمَلٌ جَاءَنِي يَسْتَعْدِي عَلَى سَيِّدِهِ،
[ ٦ / ١٩٠ ]
يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ مُنْذُ سِنِينَ، حَتَّى إِذَا أَجْرَبَهُ، وَأَعْجَفَهُ، وَكَبِرَ سِنُّهُ أَرَادَ نَحْرَهُ، اذْهَبْ مَعَهُ يَا جَابِرُ إِلَى صَاحِبِهِ فَائْتِ بِهِ. فَقُلْتُ: مَا أَعْرِفُ صَاحِبَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنَّهُ سَيَدُلُّكَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَخَرَجَ بَيْنَ يَدَيْ مُعَنِّقًا حَتَّى وَقَفَ بِي فِي مَجْلِسِ بَنِي خَطْمَةَ فَقُلْتُ: أَيْنَ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ قَالُوا: فُلَانٌ، فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَخَرَجَ مَعِي حَتَّى جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ جَمَلَكَ هَذَا يَسْتَعْدِي عَلَيْكَ، يَزْعُمُ أَنَّكَ حَرَثْتَ عَلَيْهِ زَمَانًا حَتَّى أَجَرَبْتَهُ، وَأَعْجَفْتَهُ، وَكَبِرَ سِنُّهُ، ثُمَّ أَرَدْتَ نَحْرَهُ. قَالَ: وَالَّذِي
[ ٦ / ١٩١ ]
بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِعْنِيهِ. قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ ثُمَّ سَيَّبَهُ فِي الشَّجَرِ حَتَّى نَصَبَ سَنَامًا، فَكَانَ إِذَا اعْتَلَّ عَلَى بَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ نَوَاضِحِهِمْ شَيْءٌ أَعْطَاهُ أَيَّاهُ فَمَكَثَ بِذَلِكَ زَمَانًا» . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ، أَخْرَجَ أَهْلُ الصَّحِيحِ مِنْهُ قِصَّةَ الشَّجَرَتَيْنِ، وَقِصَّةَ الَّذِي شَهَرَ السَّيْفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقِصَّةَ الطَّيْرِ
[ ٦ / ١٩٢ ]
رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَقِصَّةَ الصَّبِيِّ ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَرَّةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ رَأَيْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَهُ إِذْ مَرَرْنَا بِبَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ وَوَضَعَ جِرَانَهُ بِالْأَرْضِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ؟ فَجَاءَ، فَقَالَ: بِعْنِيهِ. فَقَالَ: بَلْ
[ ٦ / ١٩٣ ]
نَهَبُهُ لَكَ، وَهُوَ لِأَهْلِ بَيْتٍ، مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ. قَالَ: أَمَا إِذْ ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ، فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ أَرَادُوا نَحْرَهُ. ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: انْطَلِقْ إِلَى هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَقُلْ لَهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكُمَا: أَنْ تَجْتَمِعَا. فَانْطَلَقْتُ، فَقُلْتُ لَهُمَا ذَلِكَ، فَانْتُزِعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ أَصْلِهَا، فَنَزَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا فَالْتَفَّتَا جَمِيعًا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ مِنْ وَرَائِهِمَا، ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ عَادَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَكَانَهَا بِأَمْرِهِ. وَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِصَبِيٍّ لَهَا بِهِ لَمَمٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا بِهِ لَمَمٌ مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ، يَأْخُذُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَتَفَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي فِيهِ، وَقَالَ: اخْرَجْ عَدُوَّ اللَّهِ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ. فَبَرِئَ، فَلَمَّا رَجَعْنَا جَاءَتْ أُمُّ الْغُلَامِ بِكَبْشَيْنِ وَشَيْءٍ مِنْ أَقِطٍ، قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ رَيْبًا بَعْدَكَ، فَأَخَذَ أَحَدَ الْكَبْشَيْنِ، وَالْأَقِطَ، وَرَدَّ الْكَبْشَ الْآخَرَ» .
[ ٦ / ١٩٤ ]
وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَيْتُ مِنْهُ عَجَبًا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لِلْمَرْأَةِ لَمَّا أَخْرَجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنِهَا إِذَا رَجَعْنَا فَأَعْلِمِينَا مَا صَنَعَ. وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا، فَيُخَبَّثُ عَلَيْنَا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ، وَدَعَا فَثَغَّ ثَغَّةً، خَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجَرْوِ الْأَسْوَدِ فَشُفِيَ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
[ ٦ / ١٩٥ ]
ﷺ فِي سَفَرٍ فَدَخَلَ رَجُلٌ غَيْضَةً، فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَيْضَةَ حُمَّرَةٍ، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ تَرِفُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ فَجَعَ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا أَخَذْتُ بَيْضَتَهَا. فَقَالَ: رُدَّهُ رَحْمَةً لَهَا» . وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَكِبْنَا الْبَحْرَ فِي سَفِينَةٍ، فَانْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ، فَرَكِبْتُ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِهَا، فَطَرَحَنِي فِي أَجَمَةٍ فِيهَا أَسَدٌ فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِهِ.
[ ٦ / ١٩٦ ]
فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْحَارِثِ، أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ، وَغَمَزَ بِمَنْكِبِهِ شِقِّي فَمَا زَالَ يَغْمِزُنِي وَيَهْدِينِي الطَّرِيقَ حَتَّى وَضَعَنِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا وَضَعَنِي عَلَى الطَّرِيقِ هَمْهَمَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَدِّعُنِي. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحْشٌ، إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْتَدَّ وَلَعِبَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا أَحَسَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ، رَبَضَ، فَلَمْ يَتَرَمْرَمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُؤْذِيَهُ» . وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
[ ٦ / ١٩٧ ]
وَرَوَى عَنْهَا أَحْمَدُ أَيْضًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَجَاءَ بَعِيرٌ فَسَجَدَ لَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَسْجُدُ لَكَ الْبَهَائِمُ وَالشَّجَرُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَمَرَهَا أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَصْفَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَبْيَضَ كَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ
[ ٦ / ١٩٨ ]
عَفَّانَ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقِصَّةُ هَذَا الْجَمَلِ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ، فَأَقْعَى
[ ٦ / ١٩٩ ]
الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ، فَقَالَ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ؟ فَقَالَ: يَا عَجَبًا، ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ؟ فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ مُحَمَّدٌ ﷺ بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ. قَالَ: فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَزَوَاهَا إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: أَخْبِرْهُمْ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ آخِرَهُ، وَصَحَّحَهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ
[ ٦ / ٢٠٠ ]
صَحِيحٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «وَكَانَ الرَّاعِي يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ. وَقَالَ فِيهِ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى، وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ يَقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «عَنِ
[ ٦ / ٢٠١ ]
النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرْمَدُ الْعَيْنِ، فَقَالَ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ قَطُّ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ قَالَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» . وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، «عَنْ أَبِيهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ
[ ٦ / ٢٠٢ ]
أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَالَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا، وَدَعَاهُ، وَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ، فَكَانَ لَا يَدْرِي أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ، فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ وَأَحَدَّهُمَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَفَعَ حَدَقَتَهُ حَتَّى وَضَعَهَا مَوْضِعَهَا، ثُمَّ غَمَزَهَا بِرَاحَتِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْسِبْهُ جَمَالًا. فَمَاتَ وَمَا يَدْرِي مَنْ لَقِيَهُ أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ» . رَوَاهُ عَنْهُ أَهْلُ الْمَغَازِي.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
وَأَنْشَدَ وَلَدُهُ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ، أَقَرَّهُ مَنْ حَضَرَ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ
أَنَا ابْنُ الَّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدِّ عَيْنُهُ ٦٩ وَرُدَّتْ بِكَفِّ الْمُصْطَفَى أَيَّمَا رَدِّ
فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ التَّابِعِينَ لَمْ يُقِرُّوهُ، وَهُمْ إِنَّمَا تَلَقَّوْا هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ
[ ٦ / ٢٠٤ ]
وَأَمَّرَّ عَلَيْهِمْ عَبَدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَدْخُلُ. قَالَ: وَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ، وَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِ إِلَى أَنْ
[ ٦ / ٢٠٥ ]
قَالَ ثُمَّ وَضَعْتُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ فَعَلِمْتُ أَنَّنِي قَدْ قَتَلْتُهُ فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا فَبَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أَرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَتِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ أَمْ لَا، فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ: أَنْعِي أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: النَّجَاةَ النَّجَا، قَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثْنَاهُ فَقَالَ: ابْسُطْ رِجْلَكَ، فَبَسَطَهَا فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّمَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ» .
[ ٦ / ٢٠٦ ]
وَفِي الْبُخَارِيِّ، «عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَثَرَ ضَرْبَةٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُ مِنْهَا حَتَّى السَّاعَةِ» . وَفِي التِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِ، «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَنِي. قَالَ: إِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ اللَّهَ. قَالَ: فَادْعُهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى
[ ٦ / ٢٠٧ ]
رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِيهَا لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِي» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ، وَقَدْ شُقَّ عَلَيَّ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا، وَلَا طَالَ الْحَدِيثُ بِنَا حَتَّى دَخَلَ الرَّجُلُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
[التَّأْثِيرُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْخَشَبِ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ ﵇]
النَّوْعُ الثَّالِثُ: آثَارُهُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْخَشَبِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ فَكَانَ عَلَيْهِ سَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢٠٨ ]
وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ. وَفِي رِوَايَةٍ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ» . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا، قَالَ: إِنْ شِئْتِ. فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ لَهُ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ» .
[ ٦ / ٢٠٩ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَلَأَمَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: الْتَئِمَا عَلَيَّ - بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَالْتَأَمَتَا عَلَيْهِ. فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٦ / ٢١٠ ]
ﷺ بِقُرْبِي فَيَتَبَاعَدُ، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرِنِي الْخَاتَمَ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْكَ، فَإِنَّنِي مِنْ أَطَبِّ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا أُرِيكَ آيَةً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى نَخْلَةٍ. فَقَالَ: ادْعُ ذَلِكَ الْعِذْقَ. فَجَاءَهُ يَنْقُزُ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ. فَرَجَعَ» .
[ ٦ / ٢١١ ]
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: نَعَمْ. فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ. فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ» . وَرَوَى الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: إِلَى أَهْلِي. قَالَ: هَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: هَذِهِ السَّلَمَةُ. فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ، حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا، وَرَجَعَ الْأَعْرَابِيُّ
[ ٦ / ٢١٢ ]
إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِ اتَّبَعُونِي أَتَيْتُكَ بِهِمْ، وَإِلَّا رَجَعْتُ فَكُنْتُ مَعَكَ» . وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا قَالَ فِيهِ: فَجَاءَتِ النَّخْلَةُ تَنْقُزُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: ارْجِعِي فَعَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - أَنَّهُ قَالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢١٣ ]
وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ شَجَرٌ وَلَا جَبَلٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ قَدْ خُضِبَ بِالدِّمَاءِ، ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: فَعَلَ هَؤُلَاءِ وَفَعَلُوا. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَتُحِبُّ أَنِّي أُرِيكَ آيَةً؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي، فَقَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ. فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ إِلَى مَكَانِهَا. فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي. فَرَجَعَتْ حَتَّى عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: حَسْبِي» . وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.
[ ٦ / ٢١٤ ]
[فَصْلٌ: تَكْثِيرُ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالثِّمَارِ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ]
وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ: الْمَاءُ وَالطَّعَامُ وَالثِّمَارُ، الَّذِي كَانَ يَكْثُرُ بِبَرَكَتِهِ فَوْقَ الْعَادَةِ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ: أَمَّا الْمَاءُ: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، قَالَ: فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ» . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَرَجَ فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ وَمَعَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدُوا مَا يَتَوَضَّئُونَ بِهِ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ يَسِيرٌ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَحِ ثُمَّ
[ ٦ / ٢١٥ ]
قَالَ: قُومُوا فَتَوَضَّئُوا، وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ» . وَفِيهِمَا عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ، - وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ ثَمَّهْ - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَ فِيهِ كَفَّهُ فَجَعَلَ يَنْبُعُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوُضُوءٍ، فَوَضَعَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ» .
[ ٦ / ٢١٦ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، وَقَالَ: حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ، قُلْتُ: لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا قَالَ: «عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ، فَجَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ. فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً» .
[ ٦ / ٢١٧ ]
وَفِي الْبُخَارِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَدَعَا، ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا، فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا مَا شِئْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا، وَكُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ، فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا، قَالَ: فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا» .
[ ٦ / ٢١٨ ]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا فَطَلَبَ بِلَالٌ الْمَاءَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ الْمَاءَ. فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: فَهَلْ مِنْ شَنٍّ؟ فَأَتَاهُ بِشَنٍّ فَبَسَطَ كَفَّيْهِ فِيهَا فَانْبَعَثَتْ مِنْ يَدِهِ عَيْنٌ. قَالَ: فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَشْرَبُ وَغَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ» . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «غَزَوْنَا أَوْ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ بِضْعَةَ عَشَرَ وَمِائَتَيْنِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ فِي الْقَوْمِ مِنْ طَهُورٍ؟ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْعَى بِإِدَاوَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ مَاءٌ غَيْرُهُ، فَصَبَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَرَكَ الْقَدَحَ، فَرَكِبَ النَّاسُ ذَلِكَ الْقَدَحَ وَقَالُوا: تَمَسَّحُوا تَمَسَّحُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَى رِسْلِكُمْ. حِينَ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفَّهُ فِي الْمَاءِ وَالْقَدَحِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ.
[ ٦ / ٢١٩ ]
ثُمَّ قَالَ: أَسْبِغُوا الطَّهُورَ. فَوَالَّذِي هُوَ ابْتَلَانِي بِبَصَرِي لَقَدْ رَأَيْتُ الْعُيُونَ - عُيُونَ الْمَاءِ - تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَلَمْ يَرْفَعْهَا حَتَّى تَوَضَّئُوا أَجْمَعُونَ» . رَوَاهُمَا الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ، فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ. فَجَاءُونَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ» . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ:
[ ٦ / ٢٢٠ ]
إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَيْنَ تَبُوكَ،، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا، حَتَّى آتِيَ. فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مَسَّيْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ قَالَا: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ شَيْءٌ، قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، أَوْ قَالَ: غَزِيرٍ، فَسَقَى النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ - يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ - أَنْ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا» .
[ ٦ / ٢٢١ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلُهُ فِي قِصَّةِ الشَّجَرَتَيْنِ، وَانْقِيَادِهِمَا، ثُمَّ افْتِرَاقِهِمَا، وَوَضْعِ الْغُصْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا جَابِرُ، نَادِ بِوَضُوءٍ. فَقَالَ: أَلَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ لَهُ، فَقَالَ لِي: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ، مِنْهَا لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ.
[ ٦ / ٢٢٢ ]
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ، مِنْهَا لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. قَالَ: اذْهَبْ، فَأْتِنِي بِهِ. فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَيَغْمِزُهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهِ، ثُمَّ فَقَالَ: يَا جَابِرُ، نَادِ بِجَفْنَةِ الرَّكْبِ. فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ. فَأُتِيتُ بِهَا تُحْمَلُ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ، فَقَالَ: خُذْ يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَيَّ وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ. فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللَّهِ. فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ، ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ وَدَارَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ، نَادِ مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ. قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ، فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوَوْا. قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلْأَى» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا، حَتَّى إِذَا كَانَ
[ ٦ / ٢٢٣ ]
وَجْهُ الصُّبْحِ عَرَّسْنَا، فَغَلَبَتْنَا أَعْيُنُنَا، حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَكُنَّا لَا نُوقِظُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَنَامِهِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْتَيْقِظُ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَاذَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ فَجَعَلَ يُكَبِّرُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ. قَالَ: ارْتَحِلُوا. فَسَارَ بِنَا حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ، نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا؟ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. فَقَالَ لَهُ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ. فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ فَصَلَّى، ثُمَّ عَجَّلَنِي فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ يَطْلُبُ الْمَاءَ، وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا. فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ فَقَالَتْ: إِيهَاهْ إِيهَاهْ لَا مَاءَ لَكُمْ. فَقُلْتُ: كَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟ قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا، حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا، وَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ
[ ٦ / ٢٢٤ ]
ﷺ فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنَا، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ لَهَا صِبْيَانٌ أَيْتَامٌ. فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا فَأُنِيخَتْ، فَمَجَّ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا فَشَرِبْنَا وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عِطَاشًا، حَتَّى رَوِينَا، وَمَلَأْنَا كُلَّ رَاوِيَةٍ، وَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا، وَهِيَ تَكَادُ تَتَضَرَّجُ مِنَ الْمَاءِ - يَعْنِي الْمَزَادَتَيْنِ - ثُمَّ قَالَ: هَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ. فَجَمَعْنَا لَهَا مِنْ كِسَرٍ، وَتَمْرٍ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً، فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي فَأَطْعِمِي هَذَا عِيَالَكِ، وَاعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأْ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا. فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ الْبَشَرِ، أَوْ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ كَمَا زَعَمَ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ. فَهَدَى اللَّهُ ﷿ ذَلِكَ الْقَوْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا» .
[ ٦ / ٢٢٥ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ غَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَذَكَرَ حَدِيثَ النَّوْمِ فِي الْوَادِي، فَقَالَ: ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: لِأَبِي قَتَادَةَ: احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ؛ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ. ثُمَّ قَالَ: أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ. فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعِدُكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخْلِفَكُمْ. وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَإِنْ تُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ تَرْشُدُوا. قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ، وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْنَا عَطَشًا. فَقَالَ:
[ ٦ / ٢٢٦ ]
لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ. ثُمَّ قَالَ: أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي. قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ، تَكَابُّوا عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَحْسِنُوا الْمَلْأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى. قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ، وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَبَّ، فَقَالَ لِي: اشْرَبْ. فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى يَشْرَبَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا. فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً» . قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي مَسْجِدِ
[ ٦ / ٢٢٧ ]
الْجَامِعِ إِذْ قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ انْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَأَنَا أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ. فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ. قَالَ: عِمْرَانُ: لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ. وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْنَا عَلَى رَكِيٍّ ذَمَّةٍ، قَالَ: فَنَزَلَ سِتَّةٌ أَنَا سَابِعُهُمْ، أَوْ سَبْعَةٌ أَنَا ثَامِنُهُمْ. قَالَ: فَأُدْلِيَتْ إِلَيَّ دَلْوٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلْنَا فِيهَا نِصْفَهَا، أَوْ قُرَيْبَ ثُلُثَيْهَا، فَرَفَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَكِدْتُ بِإِنَائِي أَجِدُ سَقْيًا أَجْعَلُهُ فِي حَلْقِي فَمَا وَجَدْتُ، قَالَ: فَغَمَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ فِيهَا، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ فَأُعِيدَتْ إِلَيْنَا الدَّلْوُ وَمَا فِيهَا، قَالَ:
[ ٦ / ٢٢٨ ]
فَرَأَيْتُ آخِرَنَا أُخْرِجَ بِثَوْبٍ مَخَافَةَ الْغَرَقِ قَالَ: وَسَاحَتْ» . وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ طَرَفٌ مِنْهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَاي قَالَ فِي آخِرِهِ: «ثُمَّ قُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا بِئْرًا إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ وَسِعَنَا مَاؤُهَا، وَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ قَلَّ مَاؤُهَا، فَتَفَرَّقْنَا عَلَى مِيَاهٍ حَوْلَنَا، وَقَدْ أَسْلَمْنَا، وَكُلُّ مَنْ حَوْلَنَا عَدُوٌّ، فَادْعُ اللَّهَ فِي بِئْرِنَا أَنْ يَسَعَنَا مَاؤُهَا، فَنَجْتَمِعَ عَلَيْهَا وَلَا نَتَفَرَّقَ، فَدَعَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَعَرَكَهُنَّ فِي يَدِهِ، وَدَعَا فِيهِنَّ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْحَصَيَاتِ فَإِذَا أَتَيْتُمُ الْبِئْرَ، فَأَلْقُوا وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﷿. قَالَ الصُّدَاي: فَفَعَلْنَا مَا قَالَ لَنَا، فَمَا اسْتَطَعْنَا بَعْدُ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى قَعْرِهَا» .
[ ٦ / ٢٢٩ ]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَيْسَ فِي الْعَسْكَرِ مَاءٌ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ فِي الْعَسْكَرِ مَاءٌ، قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأْتِنِي بِهِ. قَالَ: فَأَتَاهُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ فِي فَمِ الْإِنَاءِ، وَفَتَحَ أَصَابِعَهُ، قَالَ: فَانْفَجَرَتْ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ عُيُونٌ، وَأَمَرَ بِلَالًا، فَقَالَ: نَادِ فِي النَّاسِ الْوَضُوءَ الْمُبَارَكَ» .
[ ٦ / ٢٣٠ ]
[فَصْلٌ: قِصَصُ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ ﵇]
وَأَمَّا تَكْثِيرُ الطَّعَامِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَمِصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا. فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحَتْ وَطَحَنَتْ فَفَرَغَتْ إِلَيَّ فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ: فَجِئْتُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا
[ ٦ / ٢٣١ ]
ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا، فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ فَجِئْتُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي. فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا، وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا. وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ، وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ» .
[ ٦ / ٢٣٢ ]
وَفِي رِوَايَةٍ «قَالَ جَابِرٌ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ. فَقَالَ: أَنَا نَازِلٌ. فَقَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلِبَثْنَا ثَلَاثًا لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مَا فِي ذَلِكَ صَبْرٌ، قَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ، وَعَنَاقٌ، فَذَبَحْتُ
[ ٦ / ٢٣٣ ]
الْعَنَاقَ، وَطَحَنْتُ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ، وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ. فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ. قَالَ: كَمْ هُوَ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ، قَالَ: كَثِيرٌ طَيِّبٌ. قَالَ: قُلْ لَهَا: لَا تَنْزِعُ الْبُرْمَةَ، وَلَا الْخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ. قَالَ: قُومُوا. فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ، جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَنْ مَعَهُمْ إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ: كُلْ هَذَا، وَأَهْدِ، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ
[ ٦ / ٢٣٤ ]
سُلَيْمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: بِالطَّعَامِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا. قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ. فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ
[ ٦ / ٢٣٥ ]
لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُمْ حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ» . وَفِي طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ثَمَانُونَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ، وَأَنَسٌ، وَفَضَلَ فَضْلَةٌ فَأَهْدَيْنَاهَا لِجِيرَانِنَا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَأَمَرَنَا أَنْ نَجْمَعَ مَا فِي أَزْوَادِنَا - يَعْنِي مِنَ التَّمْرِ - فَبَسَطَ نِطَعًا فَنَثَرْنَا عَلَيْهِ أَزْوَادَنَا، قَالَ: فَتَمَطَّيْتُ، وَتَطَاوَلْتُ فَنَظَرْتُ، فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ شَاةٍ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: فَأَكَلْنَا ثُمَّ، تَطَاوَلْتُ فَنَظَرْتُهُ فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ الشَّاةِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ
[ ٦ / ٢٣٦ ]
«كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسَيرٍ قَالَ: فَنَفَدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ حَتَّى هَمُّوا بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهَا. قَالَ: فَفَعَلَ، فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ، وَذُو النَّوَى بِنَوَاهُ، قِيلَ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: يَمُصُّونَهُ، وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ. قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوَادَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبَدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمَ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا، وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: افْعَلُوا. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا بَقَاؤُهُمْ
[ ٦ / ٢٣٧ ]
بَعْدَ إِبِلِهِمْ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ. فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ. قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَجَعَلَ الْآخَرُ يَجِيءُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَجَعَلَ يَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ. قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ» الْحَدِيثَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا، فَأَمَرَنَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَجَمَعْنَا مَزَاوِدَنَا فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعًا، فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النِّطَعِ، قَالَ:
[ ٦ / ٢٣٨ ]
فَتَطَاوَلْتُ لِأَحْزُرَهُ كَمْ هُوَ، فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ الْعَنْزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَوَاةٍ فِيهَا نُطْفَةٌ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ، فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَرِغَ الْوَضُوءُ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ
[ ٦ / ٢٣٩ ]
ﷺ فَتَجِدُ فِيهَا سَمْنًا، قَالَ: فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: عَصَرْتِيهَا؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا» . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا، حَتَّى كَالَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا، فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ
[ ٦ / ٢٤٠ ]
بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا أُمِّي إِلَيْكَ وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ. فَقَالَ: ضَعْهُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَادْعُ فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، وَمَنْ لَقِيتَ. وَسَمَّى رِجَالًا، قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى، وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ الْجَعْدُ - وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ - عَدَدَ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَنَسُ، هَاتِ التَّوْرَ. قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتِ الصُّفَّةُ، وَالْحُجْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِيَتَحَلَّقْ عَشْرَةٌ عَشْرَةٌ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ. قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، ارْفَعْ، فَرَفَعْتُ فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ، قَالَ: وَجَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُونَ. وَذَكَرَ نُزُولَ آيَةِ الْحِجَابِ» .
[ ٦ / ٢٤١ ]
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، «عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ عَمَدَتْ إِلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ جَشَّتْهُ، وَجَعَلَتْ مِنْهُ خَطِيفَةً، وَعَصَرَتْ عُكَّةً عِنْدَهَا، ثُمَّ بَعَثَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَدَعَوْتُهُ، قَالَ: وَمَنْ مَعِي؟ فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يَقُولُ: وَمَنْ مَعِي. فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَدَخَلَ فَجِيءَ بِهِ، وَقَالَ: أَدْخِلْ عَشَرَةً. حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَامَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ؟» وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَدَاوَلُ قَصْعَةً مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى اللَّيْلِ، يَقُومُ عَشَرَةٌ وَيَقْعُدُ عَشَرَةٌ، فَقُلْنَا: مَا كَانَ يُمَدُّ؟ قَالَ: فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُ؟ مَا كَانَتْ
[ ٦ / ٢٤٢ ]
تُمَدُّ إِلَّا مِنْ هَهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيَسْتَتْبِعَنِي فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيَسْتَتْبِعَنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ
[ ٦ / ٢٤٣ ]
ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي وَمَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْحَقْ، وَمَضَى فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: هَدَاهُ لَكَ فُلَانٌ، أَوْ فُلَانَةُ. قَالَ: أَبَا هِرٍّ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي. قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا إِلَى مَالٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا، وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ ! كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءُوا أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهَمْ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: خُذْ فَأَعْطِهِمْ. فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الْآخَرَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ
[ ٦ / ٢٤٤ ]
الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الْآخَرَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ رُوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ. قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اقْعُدْ، فَاشْرَبْ، فَقَعَدْتُ، فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: اشْرَبْ. فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ، حَتَّى قُلْتُ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: فَأَرِنِي. فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَسَمَّى، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ
[ ٦ / ٢٤٥ ]
يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبَيْعًا؟ أَمْ عَطِيَّةً؟ أَوْ قَالَ: هِبَةً؟ قَالَ: بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهِ مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا مَنْ قَدْ حَزَّ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَّأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَةً، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهَا عَلَى الْبَعِيرِ» أَوْ كَمَا قَالَ.
[ ٦ / ٢٤٦ ]
[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ تَكْثِيرُ الثِّمَارِ]
وَأَمَّا تَكْثِيرُ الثِّمَارِ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ، وَتَرَكَ دَيْنًا، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي قَدِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ. قَالَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ. فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ. فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ،
[ ٦ / ٢٤٧ ]
فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا، حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً» . وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ أَبَاهُ تَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ، فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَشْفَعَ إِلَيْهِ، فَجَاءَهُ، وَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ تَمْرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ، فَأَبَى، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ فَمَشَى فِيهَا، ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ جُدَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ. فَجَدَّ لَهُ بَعْدَ مَا رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَفَضَلَ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَجَاءَ جَابِرٌ لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِي كَانَ، فَوَجَدَهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالْفَضْلِ، فَقَالَ: أَخْبِرْ بِذَلِكَ ابْنَ الْخَطَّابِ. فَذَهَبَ جَابِرٌ إِلَى عُمَرَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُبَارِكَنَّ فِيهَا» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا حَدِيثَ مِزْوَدِ أَبِي
[ ٦ / ٢٤٨ ]
هُرَيْرَةَ قَالَ أَحْمَدُ، ثَنَا يُونُسُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِتَمَرَاتٍ، وَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ. قَالَ: فَصَفَّهُنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا، فَقَالَ لِي: اجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ، فَأَدْخِلْ يَدَكَ وَلَا تَنْثُرْهُ. قَالَ: فَجَعَلْتُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَنَأْكُلُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حَقْوِي، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ انْقَطَعَ مِنْ حِقْوِي فَسَقَطَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْقَزَّازِ، عَنْ
[ ٦ / ٢٤٩ ]
حَمَّادٍ بِنَحْوِهِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَأَصَابَهُمْ عَوَزٌ مِنَ الطَّعَامِ فَقَالَ يَا: أَبَا هُرَيْرَةَ، عِنْدَكَ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: شَيْءٌ مِنَ التَّمْرِ فِي مِزْوَدٍ لِي قَالَ: جِئْ بِهِ. فَجِئْتُ بِالْمِزْوَدِ، وَقَالَ: هَاتِ نِطَعًا. فَجِئْتُ بِالنِّطَعِ فَبَسَطَهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَبَضَ عَلَى التَّمْرِ، فَإِذَا هُوَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. فَجَعَلَ يَضَعُ كُلَّ تَمْرَةٍ، وَيُسَمِّي حَتَّى أَتَى عَلَى التَّمْرِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا، فَجَمَعَهُ، فَقَالَ: ادْعُ فُلَانًا، وَأَصْحَابَهُ، فَأَكَلُوا، وَشَبِعُوا، وَخَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ فُلَانًا، وَأَصْحَابَهُ، فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا، وَخَرَجُوا، قَالَ: وَفَضَلَ تَمْرٌ، قَالَ: فَقَالَ لِي: اقْعُدْ. فَقَعَدْتُ فَأَكَلَ، وَأَكَلْتُ، قَالَ، وَفَضَلَ تَمْرٌ فَأَخَذَهُ، فَأَدْخَلَهُ فِي الْمِزْوَدِ، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِذَا أَرَدْتَ شَيْئًا فَأَدْخِلْ
[ ٦ / ٢٥٠ ]
يَدَكَ وَلَا تَكْفَأْ فَيُكْفَأَ عَلَيْكَ. قَالَ: فَمَا كُنْتُ أُرِيدُ تَمْرًا إِلَّا أَدْخَلْتُ يَدِي فَأَخَذْتُ مِنْهُ خَمْسِينَ وَسْقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، وَكَانَ مُعَلَّقًا خَلْفَ ظَهْرِي، فَوَقَعَ زَمَانَ عُثْمَانَ فَذَهَبَ» . وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُصِبْتُ بِثَلَاثٍ: بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكُنْتُ صُوَيْحِبَهُ، وَخُوَيْدِمَهُ، وَبِقَتْلِ عُثْمَانَ، وَالْمِزْوَدِ، وَمَا الْمِزْوَدُ، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَصَابَ النَّاسَ مَخْمَصَةٌ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، شَيْءٌ مِنْ تَمْرٍ فِي مِزْوَدٍ. قَالَ: فَائْتِنِي بِهِ. فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ قَبْضَةً فَبَسَطَهَا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَشَرَةً. فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ قَبْضَةً فَبَسَطَهَا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَشَرَةً. فَمَا زَالَ يَصْنَعُ كَذَلِكَ حَتَّى أَطْعَمَ الْجَيْشَ كُلَّهُمْ وَشَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ: خُذْ مَا جِئْتَ بِهِ، وَأَدْخِلْ يَدَكَ وَاقْبِضْ، وَلَا
[ ٦ / ٢٥١ ]
تَكْفِهِ. قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَبَضْتُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا جِئْتُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَمَّا أَكَلْتُ مِنْهُ، أَكَلْتُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَطْعَمْتُ، وَحَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ وَأَطْعَمْتُ، وَحَيَاةَ عُمَرَ وَأَطْعَمْتُ، وَحَيَاةَ عُثْمَانَ وَأَطْعَمْتُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ انْتُهِبَ بَيْتِي وَذَهَبَ الْمِزْوَدُ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ دُكَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَمِائَةٍ نَسْأَلُهُ الطَّعَامَ، فَقَالَ لِعُمَرَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُمْ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَقِيَ إِلَّا
[ ٦ / ٢٥٢ ]
آصُعٌ مِنْ تَمْرٍ مَا أُرَاهُ يَقِيظُنِي. قَالَ: قَالَ: فَأَطْعِمْهُمْ. قَالَ: سَمْعٌ وَطَاعَةٌ. قَالَ: فَأَخْرَجَ عُمَرُ الْمِفْتَاحَ مِنْ حُجْزَتِهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، فَإِذَا شِبْهُ الْفَصِيلِ الرَّابِضِ مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ لَنَا: خُذُوا. فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مَا أَحَبَّ، ثُمَّ الْتَفَتُّ، وَكُنْتُ مِنْ آخَرِ الْقَوْمِ، وَكَأَنَّا لَمْ نَرْزَأْ تَمْرَةً» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ
[ ٦ / ٢٥٣ ]
عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ دُكَيْنٍ، قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ.
[ ٦ / ٢٥٤ ]
[فَصْلٌ: تَسْخِيرُ الْأَحْجَارِ لَهُ ﵇ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ]
وَأَمَّا النَّوْعُ الْخَامِسُ: تَأْثِيرُهُ فِي الْأَحْجَارِ، وَتَصَرُّفُهُ فِيهَا، وَتَسْخِيرُهَا لَهُ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ أُحُدًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَقَالَ: اسْكُنْ - وَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ - فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ» . وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ شَجَرٌ، وَلَا جَبَلٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ.
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ تَقَدَّمْتُهُ، فَأَعْلُو ثَنِيَّةً، فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَأَرْمِيهِ بِسَهْمٍ فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَرَيْتُ مَا صَنَعَ، وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةٍ أُخْرَى، فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَصَحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَلَّى أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا، وَعَلَيَّ بُرْدَتَانِ مُتَّزِرًا بِإِحْدَاهُمَا مُرْتَدِيًا بِالْأُخْرَى، فَاسْتَطْلَقَ إِزَارَيَّ فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعًا وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ رَأَى
[ ٦ / ٢٥٦ ]
ابْنُ الْأَكْوَعِ فَزَعًا. فَلَمَّا غَشُوا النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الْأَرْضِ، وَاسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ. فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ، وَالْكُفَّارُ
[ ٦ / ٢٥٧ ]
وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ. فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا. يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ. قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٦ / ٢٥٨ ]
ﷺ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ. ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]»
[ ٦ / ٢٥٩ ]
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عُرْوَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَاصِمُ بْنِ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ قَالُوا: «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ هُوَ، وَأَبُو بَكْرٍ مَا مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَقَدْ تَدَانَى الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاشِدُ رَبَّهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ نَصْرِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ لَا تُعْبَدْ. وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: بَعْدَ مُنَاشَدَتِكَ رَبَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ مِنْ نَصْرِهِ. وَخَفَقَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٦ / ٢٦٠ ]
ﷺ خَفْقَةً، ثُمَّ هَبَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ ﷿، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ - يَقُولُ: الْغُبَارُ - ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ وَهَيَّأَهُمْ، وَقَالَ: لَا يَعْجَلَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى نُؤْذِنَهُ، فَإِذَا أَكْثَبَكُمُ الْقَوْمُ - يَقُولُ: قَرِبُوا مِنْكُمْ - فَانْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ، ثُمَّ تَزَاحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا تَدَانَى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ حَصْبَاءَ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهَا قُرَيْشًا، فَنَفَخَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: احْمِلُوا عَلَيْهِمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ. فَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ
[ ٦ / ٢٦١ ]
وَهَزَمَ اللَّهُ قُرَيْشًا، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَأُسِرَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: خُذْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ. فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، وَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ، فَمَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَأَصَابَ عَيْنَيْهِ، وَمِنْخَرَيْهِ، وَفَمَهُ تُرَابٌ مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ» .
[ ٦ / ٢٦٢ ]
[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِهِ ﷺ تَأْيِيدُ اللَّهِ لَهُ بِمَلَائِكَتِهِ]
النَّوْعُ السَّادِسُ: مِنْ آيَاتِهِ ﷺ تَأْيِيدُ اللَّهِ لَهُ بِمَلَائِكَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، وَقَالَ تَعَالَى: فِي الْخَنْدَقِ:
[ ٦ / ٢٦٣ ]
﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] . وَقَالَ تَعَالَى فِي حُنَيْنٍ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] . وَقَالَ تَعَالَى فِي الْهِجْرَةِ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] . وَقَالَ تَعَالَى فِي بَدْرٍ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢٦٤ ]
وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: " اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ " فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى أَسْقَطَ رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]
فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ.
قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةَ
[ ٦ / ٢٦٥ ]
سَوْطٍ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ. فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةٍ بِالسَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " صَدَقْتَ. ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ " فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «فَخَرَجَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ يَقُولُ
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]»
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ
[ ٦ / ٢٦٦ ]
بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ مَالِكَ بْنَ رَبِيعَةَ بَعْدَمَا أُصِيبَ بَصَرُهُ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمْ بِبَدْرٍ الْآنَ وَمَعِي بَصَرِي لَأَخْبَرْتُكُمْ بِالشِّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى. فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَرَآهَا إِبْلِيسُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ
﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]
وَتَثْبِيتُهُمْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِي الرَّجُلَ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ يَعْرِفُهُ وَتَقُولُ لَهُ: أَبْشِرُوا فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، كِرُّوا
[ ٦ / ٢٦٧ ]
عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ الْمَلَائِكَةَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَقَالَ:
﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
وَهُوَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ، وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ يَحْضُضْ أَصْحَابَهُ وَيَقُولُ: لَا يَهُولَنَّكُمْ خِذْلَانُ سُرَاقَةَ إِيَّاكُمْ فَإِنَّهُ عَلَى مَوْعِدٍ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَقْرِنَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي الْحِبَالِ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ، وَخُذُوهُمْ أَخْذًا» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ يُقَاتِلَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا بَعْدَهُ، وَيَعْنِي جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ
[ ٦ / ٢٦٨ ]
رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ (ابْنُ الْعَرِقَةِ) رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ، وَضَعَ السِّلَاحَ فَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، وَهُوَ يَنْفُضُ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ فَقَالَ " وَضَعْتَ السِّلَاحَ، وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَيْنَ؟ فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ، قَالَ: إِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، وَالنِّسَاءُ، وَتُقَسَّمَ أَمْوَالُهُمْ»، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الْغُبَارُ
[ ٦ / ٢٦٩ ]
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ
وَفِي الْمَغَازِي مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَأَوْا جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَأَنَّهُ مُعْتَمٌ بِعِمَامَةٍ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيُلْقِي الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ»
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: " هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢٧٠ ]
وَسَلَّمَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكَ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَا لَيْلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِيْ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ مَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بَلْ أَرْجُو أَنْ
[ ٦ / ٢٧١ ]
يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .
[ ٦ / ٢٧٢ ]
[فَصْلٌ: حِفْظُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ]
النَّوْعُ السَّابِعُ فِي كِفَايَةِ اللَّهِ لَهُ أَعْدَاءَهُ، وَعِصْمَتِهِ لَهُ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا فِيهِ آيَةٌ لِنَبُّوتِهِ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ تَصْدِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٤]
فَهَذَا إِخْبَارُ اللَّهِ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْفِيهِ أَهْلَ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦]
[ ٦ / ٢٧٣ ]
فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ هَؤُلَاءِ الشَّاقِّينَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
فَهَذَا خَبَرٌ عَامٌّ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْصِمُهُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ.
فَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الثَّلَاثَةِ الْعَامَّةِ قَدْ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، وَفِي هَذَا عِدَّةُ آيَاتٍ
مِنْهَا: أَنَّهُ كَفَاهُ أَعْدَاءَهُ بِأَنْوَاعٍ عَجِيبَةٍ خَارِجَةٍ عَنِ الْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ
وَمِنْهَا أَنَّهُ نَصَرَهُ مَعَ كَثْرَةِ أَعْدَائِهِ، وَقُوَّتِهِمْ، وَغَلَبَتِهِمْ، وَأَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ جَاهِرًا بِمُعَادَاتِهِمْ، وَسَبِّ آبَائِهِمْ، وَشَتْمِ آلِهَتِهِمْ، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ، وَالطَّعْنِ فِي دِينِهِمْ، وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، وَالْمُسْتَهْزِئُونَ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَعُظَمَاءِ الْعَرَبِ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ أَهْلُ الْحَرَمِ أَعَزَّ النَّاسِ، وَأَشْرَفَهُمْ يُعَظِّمُهُمْ جَمِيعُ الْأُمَمِ
أَمَّا الْعَرَبُ فَكَانُوا يَدِينُونَ لَهُمْ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ فَكَانُوا
[ ٦ / ٢٧٤ ]
يُعَظِّمُونَهُمْ بِهِ لَا سِيَّمَا مِنْ حِينِ مَا جَرَى لِأَهْلِ الْفِيلِ مَا جَرَى كَمَا كَانَتِ الْأُمَمُ تُعَظِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا ظَهَرَ
وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْحَاقَ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، وَكِلَاهُمَا مِمَّنْ وَعَدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي التَّوْرَاةِ فِيهِمْ بِمَا وَعَدَهُ مِنْ إِنْعَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ النِّعْمَةَ الَّتِي لَمْ يُنْعِمِ اللَّهُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ فَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ مُعَظَّمِينَ لِأَنَّهُمْ جِيرَانُ الْبَيْتِ، وَلِأَنَّهُمْ أَشْرَفُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى هَاشِمًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَى مُحَمَّدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَكَانَ قَدْ عَادَاهُ أَشْرَافُ هَؤُلَاءِ كَمَا عَادَى الْمَسِيحَ أَشْرَافُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَبَدَّلَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، وَكَفَى اللَّهُ رَسُولَهُ الْمَسِيحَ مَنْ عَادَاهُ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ نَسَبُهُمْ، وَلَا فَضْلُ مَدِينَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ كَفَى اللَّهُ مُحَمَّدًا مَنْ عَادَاهُ، وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ أَنْسَابُهُمْ، وَلَا فَضْلُ مَدِينَتِهِمْ
فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يُثَبِّتُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى لَا بِالْبَلَدِ وَالنَّسَبِ، وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٦ / ٢٧٥ ]
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] (٦٦) ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧]
وَقَالَ:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣]
وَقَالَ:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] (١١٢) ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣]
وَقَدْ سَمَّى أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْضَ مَنْ كَفَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانُوا مَعْرُوفِينَ مَشْهُورِينَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ بِالرِّيَاسَةِ وَالْعَظَمَةِ فِي الدُّنْيَا فَذَكَرُوهُمْ لِيُعْرَفَ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ الَّذِي أَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهِ.
[ ٦ / ٢٧٦ ]
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ. فَمَا فَجَأَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنَّ بَيْنِي، وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
[ ٦ / ٢٧٧ ]
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق: ٩] (٩) ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ١٠] (١٠) ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١] (١١) ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق: ١٢] (١٢) ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [العلق: ١٣] (١٣) ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] (١٤) ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] (١٥) ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] (١٦) ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] (١٧) ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] (١٨) ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ حَدِيثُ «هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ فِيهِ: وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، وَنَحْنُ فِي جَدَدٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا. فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي، وَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ
[ ٦ / ٢٧٨ ]
أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا اللَّهَ فَنَجَا فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كُفِيتُمْ مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ.
وَفِي لَفْظٍ: " فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ «رِوَايَةِ سُرَاقَةَ نَفْسِهِ قَالَ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ. فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ
[ ٦ / ٢٧٩ ]
أُرَاهُمَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ فَقُلْتُ: لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا، ثُمَّ لَبِثْتُ سَاعَةً ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تُخْرِجَ فَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَخَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، وَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ
[ ٦ / ٢٨٠ ]
فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَرَكِبْتُ وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ، فَقَرَّبَتْ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا غُبَارٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. . .» وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
[ ٦ / ٢٨١ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزَاةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَائِلَةِ، فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاةِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ. فَقَالَ: مَنْ
[ ٦ / ٢٨٢ ]
يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ، فَشَامَ السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ " ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ فَانْصَرَفَ حِينَ عَفَا عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَكُونُ فِي قَوْمٍ هُمْ حَرْبٌ لَكَ» .
وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: «كَانَ فُلَانٌ يَجْلِسُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ اخْتَلَجَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " كُنْ كَذَلِكَ " فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِجُ حَتَّى مَاتَ» .
[ ٦ / ٢٨٣ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ فَأَسْلَمَ، وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ آيَةً " فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ. فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا مِثْلَ الْأَوَّلِ، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا فَلَفْظَتْهُ الثَّالِثَةَ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا»
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرُ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ قَالَ: حَضَرْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ
[ ٦ / ٢٨٤ ]
أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، قَدْ سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَاتِنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ. أَوْ كَمَا قَالُوا. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ. قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا مَرَّ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى فَمَرَّ بِهِمُ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا فَقَالَ: " تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ " فَأَخَذَتِ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ حَتَّى أَنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيُرَفِّؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنَ الْقَوْلِ حَتَّى أَنَّهُ لَيَقُولُ: انْصَرِفْ يَا أَبَا
[ ٦ / ٢٨٥ ]
الْقَاسِمِ، انْصَرِفْ رَاشِدًا، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتَّى إِذَا بَادَاكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَحَاطُوا بِهِ يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ. قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " نَعَمْ أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ ". قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ دُونَهُ يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]
ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ»
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: وَقَالَ عَبْدَةُ:
[ ٦ / ٢٨٦ ]
عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قِيلَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]
قَالَ: وَالْمُسْتَهْزِئُونَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ أَبُو زَمْعَةَ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ
[ ٦ / ٢٨٧ ]
عَبْدِ الْعُزَّى، وَالْحَارِثُ بْنُ عَيْطَلٍ السَّهْمِيُّ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَأَوْمَأَ جِبْرِيلُ إِلَى أَكْحَلِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: كُفِيتَهُ، وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ إِلَى عَيْنَيْهِ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: كُفِيتَهُ، وَأَوْمَأَ إِلَى رَأْسِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: كُفِيتَهُ، وَأَوْمَأَ إِلَى الْحَارِثِ السَّهْمِيِّ إِلَى بَطْنِهِ فَقَالَ، وَمَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: كُفِيتَهُ، وَأَوْمَأَ إِلَى أَخْمَصِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: كُفِيتَهُ. فَأَمَّا الْوَلِيدُ فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهُوَ يَرِيشُ نَبْلَهُ فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ
[ ٦ / ٢٨٨ ]
فَقَطَعَهَا، وَأَمَّا الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ فَعَمِيَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَمِيَ هَكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَزَلَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا بَنِيَّ أَلَا تَدْفَعُونَ عَنِّي، وَيَقُولُونَ: مَا نَرَى شَيْئًا، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَلَكْتُ هَا هُوَ ذَا أُطْعَنُ فِي عَيْنِي بِالشَّوْكِ. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَا نَرَى شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى عَمِيَتْ عَيْنَاهُ. وَأَمَّا الْأَسْوَدُ فَخَرَجَ فِي رَأْسِهِ قُرُوحٌ فَمَاتَ مِنْهَا. وَأَمَّا الْحَارِثُ بْنُ عَيْطَلٍ فَأَخَذَهُ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ فِي بَطْنِهِ حَتَّى خَرَجَ خَرْؤُهُ مِنْ فِيهِ فَمَاتَ. وَأَمَّا الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَرَكِبَ إِلَى الطَّائِفِ عَلَى حِمَارٍ فَرَبَضَ بِهِ فِي شَبْرَقَةٍ يَعْنِي شَوْكَةٍ فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ فَمَاتَ. وَقِيلَ: دَخَلَتْ فِي رَأْسِهِ شَبْرَقَةٌ فَمَاتَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ. قَالَ: ثَنَا يُونُسُ بْنُ
[ ٦ / ٢٨٩ ]
حَبِيبٍ ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ثَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: «أَرَادَ صَاحِبُ الْيَمَنِ أَنْ يُؤْي النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهُ الْوَلِيدُ فَزَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا سَاحِرٌ، وَأَتَاهُ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ مُحَمَّدًا تَعَلَّمَ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَاهِنٌ، وَآخَرُ زَعَمَ أَنَّهُ شَاعِرٌ، وَآخَرُ قَالَ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ. فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كُلٌّ مِنْهُمْ أَصَابَهُ عَذَابٌ سِوَى عَذَابِ صَاحَبِهِ، وَذَكَرَ تَفْصِيلَ عَذَابِهِمْ»، وَرَوَى مِثْلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ
[ ٦ / ٢٩٠ ]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ «أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَانِبِهِ فَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةٍ خَضْرَاءَ فَعَمِيَ، وَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأَشَارَ إِلَى بَطْنِهِ فَاسْتَسْقَى فَمَاتَ مِنْهَا، وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَشَارَ إِلَى جُرْحٍ بِأَسْفَلِ كَعْبِهِ كَانَ أَصَابَهُ لَمَّا مَرَّ بِرَجُلٍ يَرِيشُ نَبْلَهُ فَخَدَشَ رِجْلَهُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَانْتَقَضَ فَمَاتَ. وَمَرَّ بِهِ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَأَشَارَ إِلَى إِخْمَصِ قَدَمِهِ» فَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِنَ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِ السِّيَرِ وَغَيْرِهِمْ دَعْوَتُهُ عَلَى عُتَيْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، «وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ لَمَّا عَادَى النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ ابْنَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَا ابْنَتَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢٩١ ]
وَسَلَّمَ رُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَالَ عُتَيْبَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَفَرْتُ بِدِينِكَ، وَفَارَقْتُ ابْنَتَكَ، لَا تُحِبُّنِي وَلَا أُحِبُّكَ، ثُمَّ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالْأَذَى، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ " فَخَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَزَلُوا فِي مَكَانٍ مِنَ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ الزَّرْقَاءُ لَيْلًا فَأَطَافَ بِهِمُ الْأَسَدُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَجَعَلَ عُتَيْبَةُ يَقُولُ: يَا وَيْلَ أَخِي، هُوَ وَاللَّهِ آكِلِي كَمَا دَعَا مُحَمَّدٌ عَلَيَّ. قَتَلَنِي وَهُوَ بِمَكَّةَ
[ ٦ / ٢٩٢ ]
وَأَنَا بِالشَّامِ فَعَدَا عَلَيْهِ الْأَسَدُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، وَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَذَبَحَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا طَافَ الْأَسَدُ بِهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ قَامُوا وَجَعَلُوا عُتَيْبَةَ فِي وَسَطِهِمْ، فَأَقْبَلَ الْأَسَدُ يَتَخَطَّاهُمْ حَتَّى أَخَذَ بِرَأْسِ عُتَيْبَةَ فَفَدَغَهُ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢٩٣ ]
وَسَلَّمَ، وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ إِلَى فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ، وَهِيَ جُوَيْرِيَّةٌ فَطَرَحَتْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضَّحِكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَذَكَرَ السَّابِعَ لَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِي سَمَّى صَرْعَى
[ ٦ / ٢٩٤ ]
يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ» .
وَعَنْهُ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَقُطِعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ. وَقَالَ: غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَرَوْنَهُ، وَيَسْمَعُونَهُ مِنَ انْتِقَامِ اللَّهِ مِمَّنْ يَسُبُّهُ، وَيَذُمُّ دِينَهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْقِصَصِ الْكَثِيرَةِ مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ بَسْطِهِ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ مِنَ انْتِقَامِ اللَّهِ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ كَلَاءَةَ اللَّهِ لِعِرْضِهِ، وَقِيَامِهِ بِنَصْرِهِ، وَتَعْظِيمِهِ لِقَدْرِهِ
[ ٦ / ٢٩٥ ]
وَرَفْعِهِ لِذِكْرِهِ، وَمَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَعِنْدَهُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ الْمُجَرَّبِ عِنْدَ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِ إِذَا حَاصَرُوا بَعْضَ حُصُونِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِمْ فَتْحُ الْحِصْنِ، وَيَطُولُ الْحِصَارُ إِلَى أَنْ يَسُبَّ الْعَدُوُّ الرَّسُولَ ﷺ فَحِينَئِذٍ يَسْتَبْشِرُ الْمُسْلِمُونَ بِفَتْحِ الْحِصْنِ، وَانْتِقَامِ اللَّهِ مِنَ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ قَرِيبًا كَمَا قَدْ جَرَّبَهُ الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ مَرَّةٍ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
وَلَمَّا مَزَّقَ كِسْرَى كِتَابَهُ مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَ الْأَكَاسِرَةِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَلَمَّا أَكْرَمَ هِرَقْلُ وَالْمُقَوْقِسُ كِتَابَهُ بَقِيَ لَهُمْ مُلْكُهُمْ.
[إِجَابَةُ دَعَوَاتِهِ ﵇ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ]
النَّوْعُ الثَّامِنُ فِي إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ مِنْهُ مَا تَكُونُ إِجَابَتُهُ مُعْتَادَةً لِكَثِيرٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ كَالْإِغْنَاءِ، وَالْعَافِيَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الْمَدْعُوُّ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ كَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَثْرَةً خَارِجَةً عَنِ الْعَادَةِ، وَإِطْعَامِ النَّخْلِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ فِي
[ ٦ / ٢٩٦ ]
مِثْلِهِ مَرَّةً، وَرَدِّ بَصَرِ الَّذِي عَمِيَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدْعِيَتِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ عَوَّدَهُ اللَّهُ إِجَابَةَ دُعَائِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ صَلَاحِهِ وَدِينِهِ، وَمَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ إِنْ كَانَ صَادِقًا أَوْ مِنْ أَفْجَرِهِمْ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، وَإِذَا عَوَّدَهُ اللَّهُ إِجَابَةَ دُعَائِهِ لَمْ يَكُنْ فَاجِرًا بَلْ بَرًّا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ إِلَّا بَرًّا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا صَادِقًا، فَإِنَّ هَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ضَالًّا يَظُنُّ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّ الَّذِي يَأْتِيهِ مَلَكٌ، وَيَكُونُ ضَالًّا فِي ذَلِكَ، وَالَّذِي يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَإِنَّ هَذَا حَالُ مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِحَالِ نَفْسِهِ، وَحَالِ مَنْ يَأْتِيهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ أَضَلَّ مِنْهُ، وَلَا أَجْهَلَ مِنْهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ، وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ الصَّادِقِينَ، وَبَيْنَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ مِنَ الْكَذَّابِينَ مِنَ الْفَرْقِ مَا لَا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الْفُرُوقِ، بَلْ جَعَلَ بَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ مِنَ الْفُرُوقِ أَعْظَمَ مِمَّا بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلِأَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْأَوَامِرِ مُخَالِفٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِمَا يَأْتِي بِهِ الشَّيْطَانُ، وَمَنِ اسْتَقْرَأَ أَحْوَالَ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَحَالَ الْكُهَّانِ وَالسَّحَرَةِ تَبَيَّنَ لَهُ مَا يُحَقِّقُ ذَلِكَ
[ ٦ / ٢٩٧ ]
وَالشَّيْطَانُ الَّذِي يَقُولُ لِمَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ: إِنَّكَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، وَاللَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ، يَكُونُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كَذِبًا، وَالْكَذِبُ يَسْتَلْزِمُ الْفُجُورَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِمَا لَيْسَ بِرًّا بَلْ إِثْمًا، وَيُخْبِرُهُ بِمَا لَيْسَ صِدْقًا بَلْ كَذِبًا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ مِمَّنْ تُضِلُّهُ الشَّيَاطِينُ مِنْ جَهَلَةِ الْعُبَّادِ، وَمِمَّنْ يُزَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ نَبِيٌّ أَوْ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ أَوْ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَا بُدَّ أَنْ تَأْمُرَهُ الشَّيَاطِينُ بِإِثْمٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكْذِبَ فِي بَعْضِ مَا تُخْبِرُهُ بِهِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] (٢٢١) ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢]
وَحِينَئِذٍ فَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ مَعَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ مِنَ الْأَبْرَارِ الَّذِينَ عَوَّدَهُمُ اللَّهُ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ إِجَابَةً خَارِجَةً عَنِ الْعَادَاتِ، بَلْ لَا يَكُونُ مَعَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ إِلَّا مِنَ الْأَفَّاكِينَ الْفُجَّارِ، وَإِذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ عَالِمًا بِأَنَّهُ صَادِقٌ ثَبَتَ أَنَّهُ نَبِيٌّ.
وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْإِقْرَارِ عَلَى الْخَطَأِ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَحِينَئِذٍ فَكُلُّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَهُوَ
[ ٦ / ٢٩٨ ]
الْمَطْلُوبُ، وَمَنْ كَانَ يَأْتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ مِثْلَ ابْنِ صَيَّادٍ، وَمِثْلَ كَثِيرٍ
[ ٦ / ٢٩٩ ]
مِنَ الْعُبَّادِ الَّذِينَ لَهُمْ إِلْهَامٌ مِنَ الْمَلَكِ، وَوَسْوَاسٌ مِنَ الشَّيْطَانِ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيَقُولُ: أَنَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ، وَلَوْ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ، مِثْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِكَذِبٍ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّيْطَانِ الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنَّهُ نَبِيٌّ لَا بُدَّ أَنْ يَكْذِبَ فِيمَا يُخْبِرُهُ بِهِ.
وَمِثْلَ إِخْبَارِ الصَّادِقِ لَهُ بِأَنَّ هَذَا كَذِبٌ، فَإِذَا أَتَاهُ الشَّيْطَانُ بِالْكَذِبِ لَا بُدَّ أَنْ يُخْبِرَهُ الصَّادِقُ الَّذِي يَأْتِيهِ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِأُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ، إِذْ إِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ يُهْلِكُهُ هَلَاكًا عَظِيمًا، وَيُفْسِدُ عَلَى الصَّادِقِ جَمِيعَ مَا يَأْتِيهِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُصَدِّقَ ذَلِكَ الْكَاذِبَ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُهُ بِهِ، إِذْ قَدِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ كَاذِبًا، وَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ كَاذِبٌ
فَلَا يَكُونُ مِثْلَ ابْنِ صَيَّادٍ وَنَحْوِهِ، مِمَّنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، بَلْ أَضَلُّ مِنْ هَؤُلَاءِ: يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَا يَأْتِيهِ فَهُوَ صَادِقٌ، وَلِهَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ يَأْتِيهِ إِخْبَارٌ مَلَكِيٌّ صَادِقٌ، وَإِخْبَارٌ شَيْطَانِيٌّ كَاذِبٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ يَأْتِيهِ كَاذِبٌ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ الْكَذِبُ فِيمَا يُخْبِرُهُ بِهِ الشَّيْطَانُ الْكَاذِبُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ
[ ٦ / ٣٠٠ ]
وَلِهَذَا يُوجَدُ الْكُهَّانُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كَذِبَ مَنْ يُخْبِرُهُمْ كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ الْعُبَّادُ الَّذِينَ لَهُمْ خِطَابَاتٌ وَمُكَاشَفَاتٌ بَعْضُهَا شَيْطَانِيٌّ وَبَعْضُهَا مَلَكِيٌّ، يَتَبَيَّنُ لَهُمُ الْكَذِبُ فِيمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ الشَّيْطَانُ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ، فَلَا يُوجَدُ شَيْخٌ عَابِدٌ لَهُ حَالٌ شَيْطَانِيٌّ إِلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يُخْبِرَهُ بِكَذِبٍ يَظْهَرُ لَهُ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا صَدَّقَ هَذَا الْكَاذِبَ فِي إِخْبَارِهِ النُّبُوَّةَ كَانَ مُصَدِّقًا لِلْكَاذِبِ، وَلِأَنَّ الصَّادِقَ الَّذِي يَأْتِيهِ مُخْبِرًا لَهُ بِالصِّدْقِ نَاصِحًا لَهُ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يُصِرُّ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ مَنْ يَأْتِيهِ صَادِقٌ، وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَاذِبٌ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ إِلَّا مَنْ هُوَ أَفَّاكٌ أَثِيمٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] (٢٢١) ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢]
فَتَنَزُّلُهَا عَلَى الْأَفَّاكِ الْأَثِيمِ، وَأَمَّا نُزُولُ الشَّيْطَانِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِأَفَّاكٍ أَثِيمٍ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُقِرَّهُ الصَّادِقُ الَّذِي يَأْتِيهِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ هَذَا إِنْ جُوِّزَ ذَلِكَ.
فَإِنَّ النَّاسَ تَنَازَعُوا: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُلْقِيَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ
[ ٦ / ٣٠١ ]
مَا يَنْسَخُهُ اللَّهُ وَيَمْحُوهُ، أَمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَرَّ عَلَى خَطَأٍ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ بَعْضِ أَدْعِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي شُوهِدَ إِجَابَتُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ أَدْعِيَتِهِ مِثْلَ دُعَائِهِ عَلَى الْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، وَمِثْلَ دُعَائِهِ عَلَى عُتَيْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَمِثْلَ دُعَائِهِ عَلَى الَّذِي كَذَبَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ آيَةً، وَمِثْلَ دُعَائِهِ لَمَّا قَلَّ الزَّادُ وَجَمَعُوهُ عَلَى نِطْعٍ، فَكَثَّرَهُ اللَّهُ بِبَرَكَةِ دَعْوَتِهِ حَتَّى كَفَى الْجَيْشَ الْعَظِيمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَمِثْلَ دُعَائِهِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فَكَفَى الطَّعَامُ، وَهُوَ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ لِأَلْفِ نَفَرٍ، وَكَذَلِكَ دُعَاؤُهُ لَمَّا نُزِحَتْ بِئْرُ الْحُدَيْبِيَةِ فَكَثُرَ مَاؤُهَا حَتَّى كَفَى الرَّكْبَ، وَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَرِكَابَهُمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ دُعَاؤُهُ لِلَّذِي ذَهَبَ بَصَرُهُ فَأَبْصَرَ، وَدُعَاؤُهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَمَا رَدَّ يَدَيْهِ إِلَّا وَالسَّمَاءُ قَدْ أَمْطَرَتْ، وَدُعَاؤُهُ فِي الِاسْتِصْحَاءِ، وَإِشَارَتُهُ إِلَى السَّحَابِ فَتَقَطَّعَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَدَعْوَتُهُ عَلَى سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ لَمَّا تَبِعَهُمْ فِي الْهِجْرَةِ فَغَاصَتْ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ، وَدُعَاؤُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، وَقَالَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]
[ ٦ / ٣٠٢ ]
وَأَمِثَالُ ذَلِكَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَ:
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أَعُوذُ بِوَجْهِكَ "
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]
قَالَ: " أَعُوذُ بِوَجْهِكَ "
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]
قَالَ: " هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ قَالَ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجْتَاحَهُمْ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيهَا، فَلَنْ
[ ٦ / ٣٠٣ ]
يَزَالَ الْهَرْجُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ «حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: جَعَلَ عَمِّي يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
تَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
[ ٦ / ٣٠٤ ]
،
وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ هَذَا؟ " قَالُوا: عَامِرٌ قَالَ: " غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ ". قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ. قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
[ ٦ / ٣٠٥ ]
قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسُلُّ سَيْفَهُ فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطَعَ أُكْحَلَهُ، وَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَنَا أَبْكِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ " قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. قَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَادِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ»
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ فَقَالَ: " أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ " ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ مَكْتُوبَةٍ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا. فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ
[ ٦ / ٣٠٦ ]
لِي خُوَيْصَّةً. فَقَالَ: " مَا هِيَ؟ " قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ قَالَ: فَمَا تَرَكَ آخِرَةً وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا بِهِ " اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ " فَإِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي إِلَى مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «دَعَا لِي بِثَلَاثِ دَعَوَاتٍ قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ» .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ: «سَمِعَ أَنَسٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ
[ ٦ / ٣٠٧ ]
فِيهَا رَيْحَانٌ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ " فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٍ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمِي فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجَّلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابَ فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ فَقَدِ
[ ٦ / ٣٠٨ ]
اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ، وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ حَبِّبْ عَبْدَكَ هَذَا، يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمَا الْمُؤْمِنِينَ " فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مُؤْمِنًا يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً. قَالَ: " كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟ " قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: " فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ سَعْدٌ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ
[ ٦ / ٣٠٩ ]
وَمَالِكَ. دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ» فَظَهَرَتْ بَرَكَةُ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ مِنْ مَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَحَمَلَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَخَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: وَكَانَ عَامَّةُ مَالِهِ مِنَ التِّجَارَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: اقْتَسَمَ نِسَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثُمُنَهُنَّ فَكَانَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَوْصَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَوَجَدُوا مِائَةً، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ:
[ ٦ / ٣١٠ ]
حَدَّثَتْنِي أُمُّ بَكْرٍ بِنْتُ الْمِسْوَرِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَاعَ أَرْضًا بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَسَمَهَا فِي فُقَرَاءِ بَنِي زُهْرَةَ وَفِي الْمُهَاجِرِينَ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِحَدِيقَةٍ فَقُوِّمَتْ مِائَةَ أَلْفٍ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ
[ ٦ / ٣١١ ]
وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ " فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ فَأَسْلَمَ عُمَرُ،» وَرُوِيَ أَنَّ الدَّعْوَةَ كَانَتْ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ فَأَسْلَمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَظَهَرَ مِنْ عِزِّ الْإِسْلَامِ فِي إِمَارَتِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَفَتْحِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ، وَكَسْرِ عَسَاكِرِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ مَا تَحَقَّقَ بِهِ إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ.
«وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَضَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا أَتَى الْخَلَاءَ وَضُوءًا فَقَالَ لَمَّا خَرَجَ: " مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ " فَقِيلَ: ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»
[ ٦ / ٣١٢ ]
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ "، وَفِي رِوَايَةٍ " الْحِكْمَةَ» " وَظَهَرَتْ إِجَابَةُ دَعْوَتِهِ حَتَّى كَانَ يُسَمَّى: الْبَحْرَ.
وَقَالَ فِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أَدْرَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْنَانَنَا لَمَا عَشَرَهُ مِنَّا أَحَدٌ. وَكَانَ عُمَرُ يُقَدِّمُهُ وَيُدْخِلُهُ مَعَ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ، وَعِلْمُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَشْهُورٌ فِي الْأُمَّةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ قَدْ
[ ٦ / ٣١٣ ]
أَعْيَا، وَأَرَدْتُ أَنْ أُسَيِّبَهُ. قَالَ: فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَهُ وَدَعَا لَهُ فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ لِي: " مَا لِبَعِيرِكَ؟ " فَقُلْتُ: عَلِيلٌ. قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَجَرَهُ فَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا، فَقَالَ: " كَيْفَ تَرَى بِعِيرَكَ؟ " قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ. قَالَ: " فَتَبِعْنِيهِ. . . .» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدً إِذَا دَعَاكَ " وَفِي لَفْظٍ: " اللَّهُمَّ أَجِبْ دَعْوَتَهُ،
[ ٦ / ٣١٤ ]
وَسَدِّدْ رَمْيَتَهُ " فَكَانَ سَعْدٌ لَا يَرْمِي إِلَّا يُصِيبُ، وَلَا يَدْعُو إِلَّا أُجِيبَ» .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ «عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَرِضْتُ فَعَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فَارْفَعْنِي، وَإِنْ كَانَ بَلَاءٌ فَصَبِّرْنِي. فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اشْفِهِ، اللَّهُمَّ عَافِهِ " ثُمَّ قَالَ لِي: " قُمْ " فَقُمْتُ، فَمَا عَادَ إِلَيَّ ذَلِكَ الْوَجَعُ بَعْدُ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ قَالَتْ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ فَقَالَ:
[ ٦ / ٣١٥ ]
" مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهُ هَذِهِ الْخَمِيصَةَ؟ " فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ: " ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ " فَأُتِيَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهَا فَقَالَ: " أَبْلِي وَأَخْلِقِي " مَرَّتَيْنِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: " يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا " وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْحَسَنُ، فَبَقِيَتْ حَتَّى دَكَنَ»، «وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ادْنُ مِنِّي " فَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِي وَلِحْيَتِي ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ، وَأَدِمْ جَمَالَهُ "
[ ٦ / ٣١٦ ]
قَالَ الرَّاوِي عَنْهُ: فَبَلَغَ بِضْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَمَا فِي لِحْيَتِهِ بَيَاضٌ إِلَّا نَزْرٌ يَسِيرٌ، وَلَقَدْ كَانَ مُنْبَسِطَ الْوَجْهِ، وَلَمْ يَتَقَبَّضْ وَجْهُهُ حَتَّى مَاتَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: «مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي فَدَعَا لِي» . «قَالَ: عَزْرَةُ: إِنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ إِلَّا شَعَرَاتٌ بِيضٌ» . وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ «عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ حَنِيفَةَ بْنِ حِذْيَمٍ قَالَ حِذْيَمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ ذُو
[ ٦ / ٣١٧ ]
سِنٍّ، وَهَذَا أَصْغَرُ بَنِيَّ، فَسَمِّتْ عَلَيْهِ. قَالَ: " تَعَالَ يَا غُلَامُ " فَأَخَذَ بِيَدِي، وَمَسَحَ بِرَأْسِي، وَقَالَ: " بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ " أَوْ " بُورِكَ فِيكَ " فَرَأَيْتُ حَنْظَلَةَ يُؤْتَى بِالْإِنْسَانِ الْوَارِمِ فَيَمْسَحُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، فَيَذْهَبُ الْوَرَمُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَالشَّاةِ، وَالْبَعِيرِ» .
وَيُذْكَرُ «عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْمُهُ مَدْلُوكٌ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَمَسَحَ رَأَسَهُ بِيَدِهِ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ. فَكَانَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ مَوْضِعُ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ، أَسْوَدَ، وَسَائِرُهُ أَبْيَضَ» ذَكَرَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ
[ ٦ / ٣١٨ ]
وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْعَلَا قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَمَرَّ رَجُلٌ فِي مُؤَخَّرِ الدَّارِ فَرَأَيْتُهُ فِي وَجْهِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ وَجْهَهُ. قَالَ: وَكُنْتُ قَبْلُ مَا رَأَيْتُهُ إِلَّا وَرَأَيْتُهُ كَأَنَّ عَلَى وَجْهِهِ الدِّهَانَ» .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: عُرِضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَلْبٌ فَأَعْطَانِي دِينَارًا، وَقَالَ: " أَيْ عُرْوَةُ ائْتِ الْجَلْبَ فَاشْتَرِ شَاةً " فَأَتَيْتُ الْجَلْبَ فَسَاوَمْتُ صَاحِبَهُ فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ، فَجِئْتُ أَسُوقُهُمَا فَلَقِيَنِي رَجُلٌ فَسَاوَمَنِي فَأَبِيعُهُ شَاةً بِدِينَارٍ، فَجِئْتُ بِالدِّينَارِ وَجِئْتُ بِالشَّاةِ فَقُلْتُ:
[ ٦ / ٣١٩ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا دِينَارُكُمْ، وَهَذِهِ شَاتُكُمْ. قَالَ: " وَصَنَعْتَ كَيْفَ؟ " فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ " فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَقِفُ بِكُنَاسَةِ الْكُوفَةِ فَأَرْبَحُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَى أَهْلِي» . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظٍ: «فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَهْلِ دَارِهِ عَنْهُ.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَمَالِهِ فَقَالَ لَهُ: " كُلْ بِيَمِينِكَ " قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: " لَا اسْتَطَعْتَ " مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ» .
وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ قَالَ جَابِرٌ: فَبَيْنَمَا أَنَا نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الظِّلِّ. قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ إِلَى غِرَارَةٍ لَنَا فَالْتَمَسْتُ فِيهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا جَرْوَ قِثَّا،
[ ٦ / ٣٢١ ]
فَكَسَرْتُهُ ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ " قُلْنَا: خَرَجْنَا بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ: وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ يَذْهَبُ يَرْعَى ظَهْرَنَا. قَالَ: فَجَهَّزْتُهُ ثُمَّ أَدْبَرَ يَذْهَبُ إِلَى الظَّهْرِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ لَهُ قَدْ خَلِقَا، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرَ هَذَيْنِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ كَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا. قَالَ: " ادْعُهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا " ثُمَّ وَلَّى يَذْهَبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ، أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ " فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَرَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ.
[ ٦ / ٣٢٢ ]
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ.
[ ٦ / ٣٢٣ ]
[فَصْلٌ: سِتُّ طُرُقٍ كُبْرَى لِلْقَطْعِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇]
فِي الطُّرُقِ الَّتِي تَبَيَّنَ بِهَا أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ تُفِيدُ الْعِلْمَ.
وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ مِنْهَا مَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ يَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، كَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَاسْتَفَاضَتْ، وَنَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَخَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، فَمَا مِنْ طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ الْأُمَّةِ إِلَّا وَهَذِهِ الْآيَاتُ مَنْقُولَةٌ مَشْهُورَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ فِيهَا، يَنْقُلُهَا أَكْثَرُ مِمَّنْ يَنْقُلُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ نَقَلَهَا وَسَمِعَهَا مِنَ الْأُمَّةِ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمِعَ وَنَقَلَ كَثِيرًا مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَأَكْثَرُ مِمَّنْ سَمِعَ وَنَقَلَ أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ فِي الصَّلَاةِ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَمِمَّنْ سَمِعَ وَنَقَلَ نُصُبَ الزَّكَاةِ وَفَرَائِضَهَا، بَلْ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ وَأَعْدَادَهَا، إِنَّمَا شَاعَ نَقْلُهَا لِلْعَمَلِ الدَّائِمِ بِهَا
وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَاتُ فَنَقَلَهَا أَكْثَرُ مِمَّنْ نَقَلَ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ مِنْ جِهَةِ الْأَخْبَارِ الْمُعَيَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ آيَاتِ الرَّسُولِ كَانَ كَثِيرًا مِنْهَا يَكُونُ بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ فَيُشَاهِدُونَ تِلْكَ الْآيَاتِ كَمَا شَاهَدَ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، نَبْعَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَظُهُورَ الْمَاءِ
[ ٦ / ٣٢٤ ]
الْكَثِيرِ مِنْ بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا نَزَحُوهَا، وَلَمْ يَتْرُكُوا فِيهَا قَطْرَةً فَكَثُرَ حَتَّى رَوَى الْعَسْكَرَ، وَكَمَا شَاهَدَ الْعَسْكَرُ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ الْمَاءَ الْيَسِيرَ لَمَّا صَبَّهُ جَابِرٌ فِي الْجَفْنَةِ وَامْتَلَأَتْ، وَمَلَأَ مِنْهَا جَمِيعُ الْعَسْكَرِ، وَكَمَا شَاهَدَ الْجَيْشُ فِي رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ الْمَزَادَتَيْنِ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَقَدْ مَلَأُوا كُلَّ وِعَاءٍ مَعَهُمْ وَشَرِبُوا، وَهِيَ مَلْأَى كَمَا هِيَ.
وَكَمَا شَاهَدَ أَهْلُ خَيْبَرَ، وَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ كَرَبْضَةِ الشَّاةِ فَأَشْبَعَ الْجَيْشَ كُلَّهُمْ، وَكَمَا شَاهَدَ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ، وَهُمْ نَحْوُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا فِي تَبُوكَ الْعَيْنَ لَمَّا كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَاءِ فَكَثُرَ مَاؤُهَا حَتَّى كَفَاهُمْ، وَشَاهَدُوا الطَّعَامَ الَّذِي جَمَعُوهُ عَلَى نِطْعٍ فَأَخَذُوا مِنْهُ حَتَّى كَفَاهُمْ، وَكَمَا شَاهَدَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ كَثْرَةَ الطَّعَامِ فِي بَيْتِ جَابِرٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقًا، فَأَكَلُوا كُلُّهُمْ بَعْدَ الْجُوعِ حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ
وَكَمَا شَاهَدَ الثَمَانُونَ نَفْسًا كَثْرَةَ الطَّعَامِ لَمَّا أَكَلُوا فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَمَا شَاهَدَ الثَّلَاثُمِائَةٍ كَثْرَةَ الْمَاءِ لَمَّا تَوَضَّأُوا مِنْ قَدَحٍ، وَالْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى كَفَاهُمْ لِلْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ وَلِيمَةُ زَيْنَبَ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ فَأَكَلُوا مِنْ طَعَامٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، وَهُوَ
[ ٦ / ٣٢٥ ]
بَاقٍ فَظَنَّ أَنَسٌ أَنَّهُ أَزْيَدُ مِمَّا كَانَ، وَكَانُوا يَتَدَاوَلُونَ قَصْعَةً مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى اللَّيْلِ، يَقُومُ عَشَرَةٌ وَيَقْعُدُ عَشَرَةٌ، كَمَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَأَهْلُ الصُّفَّةِ لَمَّا شَرِبُوا كُلُّهُمْ مِنَ اللَّبَنِ الْقَلِيلِ وَكَفَاهُمْ وَفَضَلَ، وَكَانُوا يَنْقُلُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ مَشْهُورٌ يَنْقُلُهُ بَعْضُ مَنْ شَاهَدَهُ إِلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ، فَكَانَ اسْتِفَاضَةُ آيَاتِهِ وَشُهْرَتُهَا وَتَوَاتُرِهَا فِي الْأُمَّةِ أَعْظَمَ مِنْ تَوَاتُرِ سُجُودِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ مَرَّاتٍ قَلِيلَةً، وَلَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا الْمُصَلُّونَ خَلْفَهُ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُمْ لِنُصُبِ الزَّكَاةِ وَفَرَائِضِهَا، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَنَقَلُوهُ.
وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَا يُقْسَمُ، وَقَضَاؤُهُ بِأَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقَضَاؤُهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَنَهْيُهُ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، وَتَحْرِيمُهُ لِطَلَاقِ الْحَائِضِ وَطَلَاقِ الْمَوْطُوءَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا، وَأَنَّ الْمُعْتَقَةَ تَحْتَ عَبْدٍ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ، وَتَوْرِيثُ
[ ٦ / ٣٢٦ ]
الْجَدَّةِ السُّدُسَ، وَنَهْيُهُ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَقَوْلُهُ " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ نِصْفُ الْعُشْرِ " وَأَمْثَالُ ذَلِكَ إِنَّمَا سَمِعَهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ هُمْ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِمَّنْ شَاهَدُوا آيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ.
فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ تَوَاتَرَ فِي الْأُمَّةِ، وَاتَّفَقَتْ عَلَى نَقْلِهِ، فَكَيْفَ بِمَا كَانَ أَشْهَرَ وَأَظْهَرَ عِنْدَ مَنْ عَايَنَهُ، وَكَانَ عِلْمُ الَّذِينَ رَأَوْهُ بِهِ أَظْهَرَ مِنْ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ نَقَلُوا ذَلِكَ إِلَى مَنْ غَابَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ قَطْعًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَوَاتُرُ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي الْأُمَّةِ أَعْظَمَ وَأَظْهَرَ، وَلِهَذَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ مُسْلِمٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفَ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَسَمِعَهَا وَنَقَلَهَا إِلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ الْمُتَّفَقِ عَلَى نَقْلِهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُهَا، وَلَا سَمِعَهَا.
وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: هَذِهِ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، فَلَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَتَوَفَّرَتِ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَوَاتَرَتْ. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ هُوَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، تَوَفَّرَتِ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي
[ ٦ / ٣٢٧ ]
عَلَى نَقْلِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَوَفَّرَتِ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ أَكْثَرِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَأَكْثَرَ مِمَّا تَوَفَّرَتِ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْأَخْبَارِ الْعَجِيبَةِ مِنْ سِيَرِ الْمُلُوكِ وَالْخُلَفَاءِ، فَإِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ نَقْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَجَدَ شُهْرَتَهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَظُهُورُ الْأَخْبَارِ بِهَا أَعْظَمُ مِنْ شُهْرَةِ مَا نُقِلَ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيَرِ الْمُلُوكِ وَالدُّوَلِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَوَفُّرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجِبُ فِي كَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا أَنْ يَتَوَاتَرَ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
فَإِنْ أَكْثَرَ مَا تَوَاتَرَ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنْ أَحْوَالِ مُتَقَدِّمِيهَا قَدْ لَا يَسْمَعُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَمِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَضْلًا عَنْ تَوَاتُرِهِ عِنْدَهُمْ حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ لَا يَكُونُوا قَدْ سَمِعُوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا بِأَخْبَارِهِمْ فَضْلًا عَنْ تَوَاتُرِهَا عِنْدَهُمْ، وَأَكْثَرُ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَتَوَاتَرْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْمُلُوكِ وَسِيَرِهِمْ مَا تَوَاتَرَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسْمَعُوا بِأَسْمَاءِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَسْمَاءِ وُزَرَائِهِمْ وَنُوَّابِهِمْ وَقُوَّادِهِمْ.
[ ٦ / ٣٢٨ ]
وَبِالْحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَعْرِفُونَ الْوَقَائِعَ الْعَظِيمَةَ مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْدَائِهِمْ مِثْلَ يَوْمِ أَجْنَادِينَ، وَيَوْمِ مَرْجِ الصُّفَّرِ، وَيَوْمِ فِحْلٍ، وَمِثْلَ يَوْمِ الْحَرَّةِ، وَيَوْمِ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَفِتْنَةِ
[ ٦ / ٣٢٩ ]
ابْنِ الْمُهَلَّبِ، وَفِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَالْقُرَّاءِ مَعَ الْحَجَّاجِ، وَحَرْبِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَفِتْنَةِ
[ ٦ / ٣٣٠ ]
الْمَنْصُورِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ بِالْمَدِينَةِ، وَمَعَ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بِالْبَصْرَةِ، وَمِثْلَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَيَوْمِ الْيَرْمُوكِ، وَيَوْمِ
[ ٦ / ٣٣١ ]
الْقَادِسِيَّةِ، وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَتَحُوا قُبْرُصَ، وَلَا غَزَوُا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَمَرَّةً فِي زَمَنِ بَنِي مَرْوَانَ.
وَكَذَلِكَ الْفِتَنُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. لَا بَلْ أَكْثَرُ الْعَامَّةِ لَمْ يَسْمَعُوا بِأَبِي مُسْلِمٍ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ
[ ٦ / ٣٣٢ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَمَا جَرَى لَهُمَا مِنَ الْحُرُوبِ مَعَ عَسَاكِرِ مَرْوَانَ آخَرِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَمْ يَسْمَعُوا أَيْضًا بِدُخُولِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِشَامٍ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَمَا جَرَى لَهُ فِيهَا، وَلَا بِالْفِتْنَةِ الَّتِي بَيْنَ ابْنَيِ الرَّشِيدِ الْأَمِينِ
[ ٦ / ٣٣٣ ]
وَالْمَأْمُونِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَأَخْبَارِ النَّاسِ وَالتَّوَارِيخِ، وَظُهُورُ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامُهَا مَشْهُورَةٌ بَيْنَ الْأُمَّةِ عَامَّتِهَا وَخَاصَّتِهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ أَعْظَمَ مِنْ ظُهُورِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَهِيَ أَحَقُّ أَنْ تُجْعَلَ مُتَوَاتِرَةً مِنْ هَذِهِ، وَنَقَلَةُ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنَ الْخَاصَّةِ: أَهْلُ الْعِلْمِ، وَكُتُبُ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ وَكُتُبُ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا هَذِهِ الْأَخْبَارُ أَصَحُّ نَقْلًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ مِنْ كُتُبِ التَّوَارِيخِ الْمُرْسَلَةِ، فَإِنَّ تِلْكَ كَثِيرٌ مِنْ أَخْبَارِهَا مُنْقَطِعُ الْإِسْنَادِ، وَفِيهَا مِنَ الْأَكَاذِيبِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْقِصَّةِ قَدْ يَكُونُ مُتَوَاتِرًا، وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْأُمَّةِ كَثِيرٌ مِنْ أَجْنَاسِهَا مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَثِيرٌ مِنْ آحَادِهَا مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ الْخَاصَّةِ.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
بَلْ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ عَدَدَ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي قَاتَلَ فِيهَا أَعْدَاءَهُ، وَهِيَ وَقَائِعُ مَشْهُورَةٌ كُلٌّ مِنْهَا مُتَوَاتِرٌ تَوَاتُرًا ظَاهِرًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَوْمِ أُحُدٍ، وَيَوْمِ الْخَنْدَقِ، وَغَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَغَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَيَوْمِ حُنَيْنٍ، وَحِصَارِ الطَّائِفِ.
فَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَضْلًا عَنِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانُوا سَمِعُوا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَوْ بَعْضِهَا فَلَا يَعْرِفُونَ أَيُّهَا كَانَ قَبْلَ الْآخَرِ، وَلَا يَعْرِفُونَ بِأَيِّ بُقْعَةٍ كَانَتْ تِلْكَ الْغَزَاةُ، بَلْ وَلَا يَعْرِفُونَ مَنْ كَانَ الْعَدُوُّ فِيهَا، وَلَا كَيْفَ كَانَتْ، بَلْ أَكْثَرُ الْعَامَّةِ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ بَلْ يَقُولُ قَائِلُهُمْ: يَوْمَ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهَا غَزَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُمَا غَزَاتَانِ بَيْنَهُمَا نَحْوُ سِتِّ سِنِينَ. كَانَتْ بَدْرٌ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ
[ ٦ / ٣٣٥ ]
الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ حُنَيْنٌ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَأَنَّ بَدْرًا مَكَانٌ بَيْنَ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ شَامِيِّ مَكَّةَ، وَيَمَانِيِّ الْمَدِينَةِ، وَحُنَيْنٌ، وَادٍ قَرِيبٌ مِنَ الطَّائِفِ شَرْقِيِّ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْمِ لِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِيهِمَا الْمَلَائِكَةَ، وَأَيَّدَ بِهَا نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ حَتَّى غَلَبُوا عَدُوَّهُمْ مَعَ قُوَّةِ الْعَدُوِّ فِي بَدْرٍ، وَمَعَ هَزِيمَةِ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا بِحُنَيْنٍ، وَامْتَنَّ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]
وَفِي قَوْلِهِ:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] (٢٥) ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦] . . .
حَتَّى بَعْضِ أَكَابِرِ أَئِمَّةِ الْفُتْيَا الْمَشْهُورِينَ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ طَلَبَ السِّيَرِ: تَسْكُتُ وَإِلَّا سَأَلْتُكَ قُدَّامَ النَّاسِ: أَيُّهُمَا كَانَتْ قَبْلُ، بَدْرٌ أَوْ أُحُدٌ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَعْلَمُهُ. مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالْأَخْبَارِ أَنَّ أُحُدًا
[ ٦ / ٣٣٦ ]
كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ، وَفِي بَدْرٍ انْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْكُفَّارِ، وَيَوْمَ أُحُدٍ اسْتَظْهَرَ الْكُفَّارُ. بَلْ وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْأَكَابِرِ لَا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ، وَمَجِيءِ بُخْتَ نَصَّرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] (٤) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] (٥) ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] (٦) ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]
[ ٦ / ٣٣٧ ]
وَكَانَتِ الْأُولَى بَعْدَ سُلَيْمَانَ، وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ بَعْدَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَالْمَسِيحِ لَمَّا قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ يُوحَنَّا الْمَعْمِدَانِيَّ.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَذْكُورِينَ بِالْعِلْمِ يَظُنُّ أَنَّ (بُخْتَ نَصَّرَ) هُوَ الَّذِي قَدِمَ الشَّامَ لَمَّا قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَاطِلٌ، وَالْمُتَوَاتِرُ أَنَّ (بُخْتَ نَصَّرَ) هُوَ الَّذِي قَدِمَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ كَوْنُ شُعَيْبٍ النَّبِيِّ كَانَ حَمْوَ مُوسَى ﵇ كَمَا تَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْجُهَّالِ، وَالْمُتَوَاتِرُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ، وَعِنْدَ النَّصَارَى مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَخْبَارِ عُلَمَائِهِمْ وَمُلُوكِهِمُ الْمُتَوَاتِرَةِ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ، وَعِنْدَ
[ ٦ / ٣٣٨ ]
الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْبَارِ عُلَمَائِهِمْ وَمُلُوكِهِمُ الْمُتَوَاتِرَةِ مَا لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ الْأُمَمِ.
بَلْ عِنْدَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْبَارِ شُيُوخِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ وَبِلَادِهِمُ الْمُتَوَاتِرَةِ مَا لَمْ تُسْمَعْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنِ ادَّعَى خَبَرًا لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ فِي الَّذِينَ شَاهَدُوا تِلْكَ الْقَضِيَّةَ، كَمَا لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ حَجَّةٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ أَذَانٌ أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي عَسَاكِرِهِ، وَعَسَاكِرِ خُلَفَائِهِ دَبَادِبُ وَبُوقَاتٌ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلْعِيدَيْنِ أَوْ كَانَ يَخْطُبُ لِلْعِيدَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنْ عِيدٍ أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا، أَوْ أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى صَلَاةَ عِيدِ النَّحْرِ، أَوْ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَوْ غَيْرِهِ بِالْخِلَافَةِ نَصًّا ظَاهِرًا مَشْهُورًا، أَوْ أَنَّهُ عَزَلَ أَبَا بَكْرٍ عَنِ الْإِمَارَةِ فِي الْحَجَّةِ وَوَلَّى عَلِيًّا، أَوْ أَنَّهُ صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يُعْرَفُ أَنَّهَا كَذِبٌ بَاطِلٌ لِتَوَاتُرِ
[ ٦ / ٣٣٩ ]
نَقِيضِهَا، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَكَانَتْ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَاشْتِهَارِهِ، وَمَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَكَذَلِكَ مَا يَنْقُلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ مِثْلَ مَا يَجْعَلُونَهُ مِنْ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا يُوجَدُ مَنْقُولًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ، بَلْ يُكَذِّبُونَ نَاقِلَهُ مِثْلَ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَامَّةِ: إِنَّ الْغَمَامَ كَانَ يُظِلُّهُ دَائِمًا، فَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ عُلَمَائِهِمْ، وَلَا نَقَلَهُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، بَلْ هُوَ كَذِبٌ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْقُلُهُ، وَإِنَّمَا نُقِلَ أَنَّ الْغَمَامَةَ أَظَلَّتْهُ لَمَّا كَانَ صَغِيرًا فَقَدِمَ مَعَ عَمِّهِ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا، وَرَآهُ بَحِيرَا الرَّاهِبُ، وَمَعَ هَذَا فَهَذَا لَا يَجْزِمُ بِصِحَّتِهِ، وَكَذَلِكَ مَا يَنْقُلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَطِئَ أَثَّرَ قَدَمُهُ فِي الْحَجَرِ وَفِي الرَّمْلِ لَمْ يَكُنْ يُؤَثِّرْ، فَهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَلْ هُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ مَا يَنْقُلُهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ كَثْرَةِ الْقَتْلِ بِحُرُوبِهِ، أَوِ الْمَغَازِي الْكَثِيرَةِ الَّذِي يَذْكُرُ مِثْلَهَا صَاحِبُ الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ
[ ٦ / ٣٤٠ ]
بِـ " نَقَلَاتِ الْأَنْوَارِ " وَيُقَالُ لَهُ الْبِكْرِيُّ، فَهَذِهِ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُهَا لَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَا نَقَلَهَا عُلَمَاؤُهُمْ، بَلْ قَدْ تَوَاتَرَ مَا يُخَالِفُهَا كَانَتْ كَذِبًا ظَاهِرًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْجُهَّالِ بِأَحْوَالِهِ قَدْ يُصَدِّقُ بِهَا.
وَمِثْلَ مَا يَنْقُلُهُ طَائِفَةٌ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ نَصَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَدَهُ لِيَمُرَّ الْجَيْشُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْبَغْلَةَ مَرَّتْ عَلَيْهَا فَقَالَ: قَطَعَ اللَّهُ نَسْلَكِ، فَانْقَطَعَ نَسْلُهَا، فَهَذَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ، وَلَا نَقَلَ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَنْقُلُ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ أَوْ جَاهِلٌ، وَلِهَذَا كَانَ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ تَوَاتَرَ نَقِيضُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ بَغْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ وَلَا بِمَكَّةَ بَغْلَةٌ إِلَّا بَغْلَتَهُ الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ النَّصْرَانِيُّ مَلِكُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَهْدَاهَا لَهُ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ لَمَّا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى
[ ٦ / ٣٤١ ]
مُلُوكِ الطَّوَائِفِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ إِنَّمَا أَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ الطَّوَائِفِ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَخَيْبَرَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ خَيْبَرَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَغْلَةَ لَمْ تَزَلْ مَقْطُوعَةَ النَّسْلِ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسْلٌ قَطُّ.
وَكَذَلِكَ مَا يَنْقُلُهُ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ مِنْ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ سُبُوا فَأُرْكِبُوا جِمَالًا فَنَبَتَ لَهَا سَنَامَانِ، وَأَنَّهَا الْبَخَاتِيُّ، فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ، لَمْ يَسْبِ الْمُسْلِمُونَ قَطُّ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لَا فِي خِلَافَةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَا فِي خِلَافَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَالْجِمَالُ الْبَخَاتِيُّ مَا زَالَتْ هَكَذَا لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهَا السَّنَامُ فِي الْإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ مَا يُحْدِثُ النِّسَاءُ بَعْدَهُ، قَالَ: " «عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ» "
وَكَذَلِكَ مَا نَقَلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ لَمَّا فَاتَتْ عَلِيًّا صَلَاةُ الْعَصْرِ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ نَامَ فِي حِجْرِهِ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَعْتَمِدُونَ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمَنْقُولَاتِ،
[ ٦ / ٣٤٢ ]
لَا الصِّحَاحِ، وَلَا الْمَسَانِدِ، وَلَا الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ بَيَّنَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يُرْوَى عَمَّنْ لَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هُوَ مَعَ تَوَفُّرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يُبَيِّنُ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ يُمَيِّزُونَ الْمَنْقُولَاتِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَيَرُدُّونَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِنْ فَضَائِلِ نَبِيِّهِمْ وَأَعْلَامِهِ وَفَضَائِلِ أَصْحَابِهِ وَأُمَّتِهِ مَا هُوَ عَظِيمٌ، وَيَقْبَلُونَ الصِّدْقَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ شُبْهَةُ إِشْكَالٍ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ الْمُنَازِعُونَ لَهُمْ.
وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: أَهْلُ الْعِلْمِ يَكْتُبُونَ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ لَا يَكْتُبُونَ إِلَّا مَا لَهُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ مَغَازِي حَمْزَةَ الشَّائِعَةُ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ جُهَّالِ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ، لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ، بَلْ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حَمْزَةَ لَمْ يَشْهَدْ غَزْوَةً إِلَّا
[ ٦ / ٣٤٣ ]
غَزْوَةَ بَدْرٍ ثُمَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، قَتَلَهُ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي الصِّحَاحِ بَلْ وَكَثِيرٌ مِمَّا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، فَهَذِهِ عَامَّتُهَا مِمَّا يَقْطَعُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ بِصِحَّتِهَا، وَيَتَيَقَّنُونَ ذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مُسْتَفِيضٌ مُتَوَاتِرٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ قَدْ لَا يَتَوَاتَرُ وَيَسْتَفِيضُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ قَدْ تَتَوَاتَرُ وَتَسْتَفِيضُ عِنْدَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ بِحَسَبِ عِنَايَتِهِمْ بِهَا وَطَلَبِهِمْ لَهَا، وَعِلْمِهِمْ بِمَنْ أَخْبَرَ بِهَا، وَصِفَاتِهِمْ، وَمَقَادِيرِهِمْ، وَمَا دَلَّ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَسْبَابِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَهُمْ بِهَذَا مِنَ الْعِلْمِ وَعِنْدَهُمْ بِهِ مِنَ الْيَقِينِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِمْ، كَمَا أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمْ عِنْدَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ أَقْوَالِ مَتْبُوعِهِمْ وَنُصُوصِهِ وَأَخْبَارِهِ مَا يَقْطَعُونَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَالْأَطِبَّاءُ عِنْدَهُمْ مِنْ كَلَامِ أَبُقْرَاطَ وَجَالِينُوسَ وَمُحَمَّدِ بْنِ
[ ٦ / ٣٤٤ ]
زَكَرِيَّا وَأَمْثَالِهِمْ مَا يَقْطَعُونَ بِهِ، وَغَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَأَهْلُ الْهَيْئَةِ عِنْدَهُمْ مِنْ كَلَامِ بَطْلَيْمُوسَ، وَالرَّصْدِ الْمُمْتَحِنِ الْمَأْمُونِيِّ، وَثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الصُّوفِيِّ مَا يَعْلَمُونَهُ هُمْ، وَغَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَجْزِمُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ بِكَثِيرٍ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَتَجَارِبِ الْأَطِبَّاءِ وَأَرْصَادِ أَهْلِ الْحِسَابِ، وَغَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ كَالْيَهُودِ مِنْ أَخْبَارِ هِلَالٍ، وَسِمَابِي، وَغَيْرِهِمَا
[ ٦ / ٣٤٥ ]
مِنْ شُيُوخِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ، وَعِنْدَ النَّصَارَى مِنْ أَخْبَارِ الْحَوَارِيِّينَ، وَمِنْ أَخْبَارِ قُسْطَنْطِينَ، وَالْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ بِنِيقِيَّةَ، وَالْمَجْمَعِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ، وَالرَّابِعِ، وَالْخَامِسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَجَامِعِهِمْ، وَأَخْبَارِهِمْ مَا يَقْطَعُ بِهِ عُلَمَاؤُهُمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِأَيَّامِ الْإِسْلَامِ يَعْلَمُونَ مِنْ سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمَغَازِيهِمْ كَوَقْعَةِ أَجْنَادِينَ، وَمَرْجِ الصُّفَّرِ، وَغَيْرِهِمَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَوَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ، وَخَبَرِ أَبِي عُبَيْدَةَ
[ ٦ / ٣٤٦ ]
وَهَزِيمَةِ الْفُرْسِ، وَفَتْحِ مِصْرَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَا يَقْطَعُونَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ سِيَرِ الْمُلُوكِ وَحَوَادِثِ الْوُجُودِ، بَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالرِّجَالِ يَعْلَمُونَ مِنْ حَالِ آحَادِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ.
وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّحْوِ يَعْلَمُونَ مِنْ حَالِ سِيبَوَيْهِ، وَالْأَخْفَشِ، وَالْمُبَرِّدِ، وَالزَّجَّاجِ، وَالْفَرَّاءِ
[ ٦ / ٣٤٧ ]
وَالْكِسَائِيِّ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ.
وَالْقُرَّاءُ يَعْلَمُونَ مِنْ قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، وَالْأَعْمَشِ
[ ٦ / ٣٤٨ ]
وَخَلَفِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ.
فَإِذَا كَانَ آحَادُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ أَوِ الطِّبِّ أَوِ الْحِسَابِ أَوِ النَّحْوِ أَوِ الْقِرَاءَاتِ، بَلْ وَآحَادُ الْمُلُوكِ يَعْلَمُ الْخَاصَّةُ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ وَيَقْطَعُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ عِنْدَ أَتْبَاعِهِ أَعْلَى قَدْرًا مِنْ كُلِّ عَالِمٍ، وَأَرْفَعُ مَنْزِلَةً مِنْ كُلِّ مَلِكٍ، وَهُمْ أَرْغَبُ الْخَلْقِ فِي مَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِ، وَأَعْظَمُ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ فِيهَا، وَلِرَدِّ الْكَذِبِ مِنْهَا حَتَّى قَدْ صَنَّفُوا الْكُتُبَ الْكَثِيرَةَ فِي أَخْبَارِ جَمِيعِ مَنْ رَوَى شَيْئًا مِنْ أَخْبَارِهِ، وَذَكَرُوا فِيهَا أَحْوَالَ نَقَلَةِ حَدِيثِهِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنْ جَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ، وَدَقَّقُوا فِي ذَلِكَ، وَبَالَغُوا مُبَالَغَةً لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، فَهَذَا يُعْطِي أَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِحَالِ نَبِيِّهِمْ مَنْ كُلِّ أَحَدٍ بِحَالِ مَتْبُوعِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِصِدْقِ النَّاقِلِ وَكَذِبِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بِصِدْقِ مَنْ نَقَلَ عَنْ مَتْبُوعِهِمْ وَكَذِبِهِ
[ ٦ / ٣٤٩ ]
فَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْ مَتْبُوعِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ جَازِمِينَ بِتَصْدِيقِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا صِدْقًا، فَهَؤُلَاءِ مَعَ جَزْمِهِمْ بِالصِّدْقِ، وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى التَّصْدِيقِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مَا جَزَمُوا بِصِدْقِهِ إِلَّا صِدْقًا.
وَعَامَّةُ أَخْبَارِ الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى التَّصْدِيقِ بِهَا، وَجَزَمُوا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي أَحَادِيثَ قَلِيلَةٍ مِنْهَا، وَعَامَّةُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ آيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي فِي الصِّحَاحِ هِيَ مِنْ مَوَارِدِ إِجْمَاعِهِمُ الْمُسْتَفِيضَةِ عِنْدَهُمُ الَّتِي يَجْزِمُونَ بِصِدْقِهَا، لَيْسَتْ مِنْ مَوَارِدِ نِزَاعِهِمْ، فَهَذَا طَرِيقٌ يَسْلُكُهُ مَنْ عَرَفَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَيَعْلَمُ خِيرَةُ أَهْلِهِ مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِهِمْ، فَهَذِهِ طَرِيقَانِ فِي تَصْدِيقِ هَذِهِ الْآيَاتِ: التَّوَاتُرُ الْعَامُّ، وَالتَّوَاتُرُ الْخَاصُّ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ عَامَّةُ الطَّوَائِفِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ يَسْمَعُونَ أَخْبَارًا مُتَفَرِّقَةً بِحِكَايَاتٍ يَشْتَرِكُ مَجْمُوعُهَا فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، كَمَا سَمِعُوا أَخْبَارًا مُتَفَرِّقَةً تَتَضَمَّنُ شَجَاعَةَ عَنْتَرَةَ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَمْثَالِهِمَا، وَتَتَضَمَّنُ سَخَاءَ حَاتِمٍ
[ ٦ / ٣٥٠ ]
وَمَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، وَأَمْثَالِهِمَا، وَتَتَضَمَّنُ حِلْمَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمْثَالِهِمَا، وَتَتَضَمَّنُ شِعْرَ امْرِئِ الْقَيْسِ وَالنَّابِغَةِ وَلَبِيدٍ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَشِعْرَ الْفَرَزْدَقِ وَجَرِيرٍ
[ ٦ / ٣٥١ ]
وَعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُوَلَّدِينَ، وَشِعْرَ أَبِي نُوَاسٍ وَالْمُتَنَبِّي وَأَبِي تَمَّامٍ، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُحْدَثِينَ، بَلْ وَسَمِعُوا أَقْوَالًا وَفَتَاوِي مُتَفَرِّقَةً تَتَضَمَّنُ فِقْهَ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَخْبَارًا مُتَفَرِّقَةً تَتَضَمَّنُ الْعَدْلَ وَحُسْنَ السِّيرَةِ مِنْ عُمَرَ بْنِ
[ ٦ / ٣٥٢ ]
الْخَطَّابِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَسَمِعُوا أَخْبَارًا مُتَفَرِّقَةً تَتَضَمَّنُ الزُّهْدَ عَنْ مِثْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الزُّهَّادِ، وَسَمِعُوا أَخْبَارًا مُتَفَرِّقَةً تَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ أَبُقْرَاطَ وَجَالِينُوسَ وَنَحْوِهِمَا بِالطِّبِّ، فَيَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ الْأَخْبَارِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ بِأَنَّ الشَّخْصَ مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ النَّعْتِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْأَخْبَارِ لَوْ تَجَرَّدَ وَحْدَهُ لَمْ يُفِدِ الْعِلْمَ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْحِكَايَاتِ لَيْسَتْ وَحْدَهَا مَنْقُولَةً بِالتَّوَاتُرِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِالْإِيمَانِ وَالْمَوْتِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ اسْتِقَامَةُ مُوجِبِ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ كَعِلْمِ النَّاسِ بِأَنَّ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ فَاطِمَةَ وَزَيْنَبَ مِنْ
[ ٦ / ٣٥٣ ]
بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ عَائِشَةَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ تَوَلَّوُا الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ دُفِنَا فِي حُجْرَتِهِ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهَا هِيَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يُنْقَلُ عَنِ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَنَقَلَتُهَا أَجَلُّ وَأَكْثَرُ وَأَفْضَلُ مِنْ نَقَلَةِ أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ، وَهِيَ كَامِلَةٌ تَتَضَمَّنُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ وَالْعَجَائِبِ الْعَظِيمَةِ مَا لَا يُعْرَفُ نَظِيرُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَعِلْمُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا أَعْظَمُ مِنْ عِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا يَنْقُلُونَهُ مِنْ آيَاتِ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّ نَقَلَةَ آيَاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ غَيْرِ الْقُرْآنِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ نَقَلَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُهَا مَحْفُوظَةً لِعُمُومِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَعِنْدَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَلَّ مَنْ يَحْفَظُهَا جِدًّا حَتَّى تَنَازَعَ النَّاسُ فِي تَوَاتُرِ نَقْلِهَا
وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ نَقَلَتُهُ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ نَقَلَةِ آيَاتِ مُحَمَّدٍ
[ ٦ / ٣٥٤ ]
ﷺ، وَإِذَا قَالَ النَّصَارَى هَؤُلَاءِ كَانُوا صَالِحِينَ، وَكَانَ لَهُمْ آيَاتٌ، كَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ آيَاتِ الْحَوَارِيِّينَ فَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَابِعُوهُمْ صَالِحُونَ، وَلَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ أَعْظَمُ مِمَّا لِلْحِوَارِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ الْعَسْكَرَ عَلَى الْمَاءِ، وَمَنْ كَانَ يَشْرَبُ السُّمُومَ الْقَاتِلَةَ، وَمَنْ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى بِدَعْوَتِهِ، وَمَنْ يُكَثِّرُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَكُتُبُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِمَّا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمْ يَنْقُلُونَ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ كُتُبٍ عِنْدَهُمْ، مِثْلَ كِتَابِ أَخْبَارِ الْحَوَارِيِّينَ، وَكِتَابِ سِفْرِ الْمُلُوكِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَا يَذْكُرُونَ مِنْ حُجَّةٍ فِي صِحَّةِ نَقْلِهَا إِلَّا وَحُجَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِيَنَ أَظْهَرُ وَأَقْوَى.
الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا كَانَتْ تَكُونُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ كَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَإِنَّهُ كَانَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ أُلُوفًا.
وَكَذَلِكَ نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَفَيَضَانُ الْبِئْرِ بِالْمَاءِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَكُلُّهُمْ صَالِحُونَ مِنْ أَهْلِ
[ ٦ / ٣٥٥ ]
الْجَنَّةِ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ كَذِبَةً وَاحِدَةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَكَذَلِكَ تَكْثِيرُ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَفِي تَبُوكَ كَانُوا أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ نَقَلَ هَذِهِ الْآيَاتِ قُدَّامَ آخَرِينَ مِمَّنْ حَضَرَهَا، وَيَنْقُلُهَا لِأَقْوَامٍ فَيَذْهَبُ أُولَئِكَ فَيُخْبِرُونَ بِهَا أُولَئِكَ، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَحْكِي هَذَا مِثْلَ مَا حَكَى هَذَا مِنْ غَيْرِ تَوَاطُئٍ وَتَشَاعُرٍ، وَأَدْنَى أَحْوَالِهِ أَنْ يُقِرَّهُ وَلَا يُنْكِرَ عَلَيْهِ رِوَايَتَهَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِمُوجِبِ الْعَادَةِ الْفِطْرِيَّةِ الَّتِي جَبَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، وَبِمُوجِبِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنَ اعْتِقَادِ الصِّدْقِ وَتَحَرِّيهِ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَمِنْ شِدَّةِ تَوَقِّيهِمُ الْكَذِبَ عَلَى نَبِيِّهِمْ، وَتَعْظِيمِهِمْ ذَلِكَ، إِذْ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ مَنْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِمَا كَانُوا مُشَاهِدِينَ لَهُ، وَكَذَبَ عَلَيْهِ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ كَذَبَ
[ ٦ / ٣٥٦ ]
عَلَيْهِ، فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى الْإِقْرَارِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى تَنَاقُلِهِ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارِ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ عُلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ كَمَا هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى نَقْلِ الْقُرْآنِ وَالشَّرِيعَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُهُمْ لَيْسَ مُنْتَصِبًا لِتَلْقِينِ الْقُرْآنِ، بَلْ هَذَا يُلَقِّنُهُ وَهَذَا يَسْمَعُهُ مِنْ هَذَا الْمُتَلَقِّنِ، لَا يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْقِرَاءَةَ، وَهَذَا يُعَلِّمُ هَذَا الصَّلَاةَ: أَنَّ الظُّهْرَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْفَجْرَ رَكْعَتَانِ، وَهَذَا يُقِرُّ هَذَا، فَلَمَّا كَانَ بَعْضُهُمْ يُقِرُّ بَعْضًا عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ عُلِمَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا غَايَةُ التَّوَاتُرِ.
وَكَذَلِكَ مَا نَقَلُوهُ مِنْ شَرَائِعِهِ وَمِنْ آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَا أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ رَدَّهُ عَلَى الْآخَرِ وَلَمْ يُوَافِقْهُ، وَإِنْ كَانُوا مُتَأَخِّرِينَ عَنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَكَيْفَ بِالْمُتَقَدِّمِينَ، كَتَنَازُعِهِمْ هَلْ كَانَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ أَمْ لَا يَجْهَرُ بِهَا؟ وَهَلْ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ أَمْ كَانَ يَقْنُتُ أَحْيَانًا لِلنَّوَازِلِ، أَمْ قَنَتَ مَرَّةً ثُمَّ تَرَكَهُ، فَهَذَا مِنْ أَهْوَنِ الْأُمُورِ وَأَيْسَرِهَا، إِذْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ قَنَتَ، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ لَمْ يَقْنُتْ، وَمَنْ جَهَرَ، وَمَنْ خَافَتْ، وَلَكِنْ لَمَّا تَنَازَعُوا فِيمَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ تَنَازَعُوا فِي الْحُكْمِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مَشْهُورًا فِي الْأُمَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِهَا كَانَتِ الْأُمَّةُ مُتَّفِقَةً عَلَى نَقْلِهِ كَنَقْلِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وَلِلشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ
[ ٦ / ٣٥٧ ]
الْمَشْهُورَةِ، وَإِنَّ نَقْلَ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ نَقْلِ سَائِرِ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالزُّهَّادِ
وَكَذَلِكَ حَجُّهُ، فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَإِنَّمَا عَاشَ بَعْدَهَا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَأَنَّهُ لَمَّا حَجَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ كُلَّهُمْ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْهُمْ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَّا عَائِشَةُ وَحْدَهَا، وَأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ حَجَّتِهِ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ، وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِهِمْ بَعْضُ أَلْفَاظِهِ أَوْ بَعْضُ الْأُمُورِ الَّتِي تَخْفَى عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَنْقُلُونَ تَمَتُّعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمُرَادُهُمْ بِالتَّمَتُّعِ أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ قَضَى الْعُمْرَةَ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: إِنَّهُ أَفْرَدَ بِالْحَجِّ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ حَجَّ، وَاعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ، وَهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، بَلِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ، وَرَوَى بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَرَنَ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ طَافَ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى سَعْيَيْنِ، وَهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ غَلَطِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ فِي مَعَانٍ غَيْرَ مَا اسْتَعْمَلَتْهُ فِيهَا الصَّحَابَةُ، فَغَلِطَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ فِي الْحَجِّ مَشْهُورًا فَهُوَ
[ ٦ / ٣٥٨ ]
مُتَوَاتِرٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ النَّقْلُ، وَلَا عُلَمَاءُ النَّقْلِ، وَمَنْ تَدَبَّرُ هَذِهِ الطَّرِيقَ أَفَادَتْهُ عِلْمًا يَقِينِيًّا قَطْعِيًّا بِصِحَّةِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَذَلِكَ الطُّرُقُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَا كَانَ النَّاسُ أَحْوَجَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ يَسَّرَ اللَّهُ دَلَائِلَهُ لِلنَّاسِ أَعْظَمَ مِنْ تَيْسِيرِ غَيْرِهِ، وَحَاجَةُ الْخَلْقِ إِلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، إِذْ بِذَلِكَ تَحْصُلُ سَعَادَتُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَنَجَاتُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَبِهِ يَحْصُلُ صَلَاحُ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ
الطَّرِيقُ الْخَامِسُ: أَنَّ مَا مِنْ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا وَقَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، فَكُتُبُ التَّفْسِيرِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَكُتُبُ الْحَدِيثِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَكُتُبُ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي وَالتَّوَارِيخِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَكُتُبُ الْفِقْهِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَقْصُودًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْأَحْكَامُ لَكِنَّهُمْ فِي ضِمْنِ مَا يَرْوُونَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ يَرْوُونَ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَهُمْ، وَكُتُبُ الْأُصُولِ وَالْكَلَامِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَنَقْلُ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ، فَكَيْفَ بِمَا يَنْقُلُهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَغَيْرُهَا مِثْلَ طَرِيقِ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ، وَطَرِيقِ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، وَطَرِيقِ تَصْدِيقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ بِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُسْتَدَلُّ بِهَا تَارَةً عَلَى تَوَاتُرِ الْجِنْسِ الْعَامِّ لِلْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، وَهَذَا أَقَلُّ مَا يَكُونُ، وَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى تَوَاتُرِ جِنْسِ جِنْسٍ مِنْهَا، كَتَوَاتُرِ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ، وَتَوَاتُرِ تَكْثِيرِ الطَّهُورِ
[ ٦ / ٣٥٩ ]
وَالشَّرَابِ، وَعَلَى تَوَاتُرِ نَوْعِ نَوْعٍ مِنْهَا، كَتَوَاتُرِ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَتَوَاتُرِ إِشْبَاعِ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَتَوَاتُرِ شَخْصِ شَخْصٍ مِنْهَا، كَتَوَاتُرِ حَنِينِ الْجِذْعِ إِلَيْهِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَكُلَّمَا أَمْعَنَ الْإِنْسَانُ فِي ذَلِكَ النَّظَرَ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ بِأَمْثَالِهِ، وَاعْتَبَرَ وَأَعْطَاهُ حَقَّهُ مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ازْدَادَ بِذَلِكَ عِلْمًا وَيَقِينًا، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَطْلُبُ مِنَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا عِلْمٌ مَطْلُوبٌ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ إِلَّا وَالْعِلْمُ بِآيَاتِ الرَّسُولِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا مِنْ حَالِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَسِيرَتِهِ إِلَّا وَالْعِلْمُ بِأَحْوَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَظْهَرُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ، وَمَا مِنْ عِلْمٍ يُعْلَمُ بِالتَّوَاتُرِ مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ الْآنَ كَالْعِلْمِ بِالْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ كَعِلْمِ أَهْلِ الشَّامِ بِالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْهِنْدِ وَالصِّينِ وَالْأَنْدَلُسِ، وَعِلْمِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْهِنْدِ، وَعِلْمِ أَهْلِ خُرَاسَانَ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَعِلْمِ أَهْلِ الْهِنْدِ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ أَهْلِ الْبِلَادِ بَعْضِهِمْ بِحَالِ بَعْضٍ إِلَّا وَعِلْمُ الْإِنْسَانِ بِحَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، وَمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ مِنْ آيَاتِهِ وَشَرَائِعِهِ أَظْهَرُ مِنْ عِلْمِهِ بِهَذَا كُلِّهِ.
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ يُعْلَمُ بِالنُّقُولِ الْمُتَوَاتِرَةِ إِلَّا وَآيَاتُ الرَّسُولِ وَشَرَائِعُهُ تُعْلَمُ بِالنُّقُولِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَعْظَمَ مِمَّا يُعْلَمُ ذَلِكَ
[ ٦ / ٣٦٠ ]
الْأَمْرُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]
وَظُهُورُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ إِنَّمَا هُوَ بِمَا يُظْهِرُهُ مِنْ آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالْعِلْمِ بِمَا يُنْقَلُ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ آيَاتِهِ الَّتِي هِيَ الْأَدِلَّةُ، وَشَرَائِعِهِ الَّتِي هِيَ الْمَدْلُولُ الْمَقْصُودُ بِالْأَدِلَّةِ، فَهَذَا قَدْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَحُجَّةً وَبَيَانًا عَلَى كُلِّ دِينٍ، كَمَا أَظْهَرَهُ قُوَّةً وَنَصْرًا وَتَأْيِيدًا عَلَى كُلِّ دِينٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
كَمَا أَنَّهُ مَا مِنْ دَلِيلٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَدْلُولٍ إِلَّا وَالْأَدِلَّةُ عَلَى آيَاتِ الرَّبِّ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ.
الطَّرِيقُ السَّادِسُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ صَنَّفُوا مُصَنَّفَاتٍ كَثِيرَةً فِي ذِكْرِ آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْأَخْبَارِ، وَجَرَّدُوا لِذَلِكَ كُتُبًا مِثْلَ كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْفَقِيهِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ، وَقَبْلَهُ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ
[ ٦ / ٣٦١ ]
لِلشَّيْخِ أَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَقَبْلَهُ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَلِأَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، وَقَبْلَهُمَا دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، وَالشَّيْخِ الْمُصَنِّفِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَلِلْمُصَنِّفِ الْحَافِظِ الْإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ
[ ٦ / ٣٦٢ ]
الْحَرْبِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، وَمَا صَنَّفَهُ الشَّيْخُ الْعَالِمُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْوَفَا فِي فَضَائِلِ الْمُصْطَفَى، وَمَا صَنَّفَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَهَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ يَذْكُرُونَ مَا يَذْكُرُونَ مِنَ الْأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ، وَالطُّرُقِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يُمَيِّزُ مَا يَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ بَيْنَ مَا فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَمَا فِي غَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا
[ ٦ / ٣٦٣ ]
أَيْضًا كَالْبَيْهَقِيِّ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَالْمَقْدِسِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ بِأَسَانِيدِهِ، وَقَدْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَسَانِيدِ وَالطُّرُقِ وَيَذْكُرُ تَعَدُّدَهَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ مِنْهُ أَنْ يَذْكُرَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ كَأَبِي زُرْعَةَ شَيْخِ مُسْلِمٍ، وَأَبِي الشَّيْخِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَآخَرُونَ يَذْكُرُونَهُ مَعْزُوًّا مُسْنَدًا إِلَى مَنْ رَوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا إِسْنَادَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ السَّبْتِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَرِّرُ ذَلِكَ بِشُهْرَةِ ذَلِكَ وَطُرُقٍ أُخْرَى مِنْ صِحَّتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ
[ ٦ / ٣٦٤ ]
وَالْجَاحِظِ، وَالْمَاوَرْدِيِّ الْقَاضِي، وَسُلَيْمٍ الرَّازِيِّ الْفَقِيهِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِآيَاتِ نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينِ رِسَالَتِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ فِيمَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ مِثْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَصَدِّ الْمُشْرِكِينَ لَهُ، وَمُصَالَحَتِهِ
[ ٦ / ٣٦٥ ]
إِيَّاهُمْ، وَحِلِّهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرُجُوعِهِمْ ذَلِكَ الْعَامَ، وَفَتْحِ خَيْبَرَ، وَعُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَعُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ.
وَمِثْلَ حِصَارِهِ لِأَهْلِ الطَّائِفِ، وَفَتْحِ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمِثْلَ غَزْوِهِ النَّصَارَى عَامَ تَبُوكَ، وَإِرْسَالِهِ جَيْشًا لِغَزْوِهِمْ بِمُؤْتَةَ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ قَرِيبًا مِنَ الْحِصْنِ الْمُسَمَّى بِالْكَرَكِ، وَمِثْلِ
[ ٦ / ٣٦٦ ]
غَزْوِهِ لِلْيَهُودِ بِخَيْبَرَ، وَغَزْوِهِ لِلْيَهُودِ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ عِنْدَ الْمَدِينَةِ مِثْلَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَالنَّضِيرِ، وَقُرَيْظَةَ، وَمِثْلَ إِرْسَالِهِ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ، وَنَبْذِهِ الْعُهُودَ، وَمُنَادَاتِهِ أَنْ «لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»، وَمِثْلَ هِجْرَتِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وَرَجُلٍ ثَالِثٍ كَانَ دَلِيلًا لَهُمْ.
وَمِثْلَ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْعِيدَيْنِ بِالْمُصَلَّى خَارِجِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الْعِيدَ فِي مَسْجِدِهِ إِلَّا مَرَّةً نُقِلَ أَنَّهُ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ يُصَلِّي أَحَدٌ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةَ الْعِيدِ إِلَّا خَلْفَهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاتَيْ عِيدٍ عَلَى عَهْدِهِ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَضَعُفَ أَقْوَامٌ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّحْرَاءِ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي
[ ٦ / ٣٦٧ ]
بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ.
وَكَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا إِلَّا إِذَا قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ كَثُرَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ الثَّالِثِ عَلَى دَارٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ، وَكَمَا تَوَاتَرَ أَنَّ مَسْجِدَهُ كَانَ بِاللَّبِنِ، وَسَقْفَهُ كَانَ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، وَكَانَتْ حُجَرُ أَزْوَاجِهِ قِبْلِيِّ الْمَسْجِدِ وَشَرْقِيِّهِ فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ زَادَ فِيهِ عُمَرُ ثُمَّ زَادَ فِيهِ عُثْمَانُ، وَبَنَاهُ بِالْقَصَّةِ وَالْحِجَارَةِ، ثُمَّ فِي إِمَارَةِ الْوَلِيدِ أَمَرَ نَائِبَهُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ وَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَتْ حُجْرَةُ عَائِشَةَ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حِينِئِذٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي حَيَاتِهِ خَارِجَةً عَنِ الْمَسْجِدِ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَقَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ:
[ ٦ / ٣٦٨ ]
«لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» .
وَكَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَوَقْتَ غُرُوبِهَا، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي فِي عِيدِ الْأَضْحَى، بَلْ تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ تُرُوكُهُ الْمَشْهُورَةُ كَمَا تَوَاتَرَتْ أَفْعَالُهُ الْمَشْهُورَةُ، فَتَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ لِلْعِيدَيْنِ، وَلَا الْكُسُوفِ، وَلَا الِاسْتِسْقَاءِ، وَأَنَّهُ صَلَّى الْكُسُوفَ بِرُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ طَوِيلَةٌ، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي بَعْدَ السَّعْيِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَتَوَاتَرَ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ، وَنَهَى
[ ٦ / ٣٦٩ ]
أَصْحَابَهُ عَنِ الْوِصَالِ، وَيَقُولُ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْأَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» وَأَنَّهُ لَمْ يَفْرِضْ صَوْمًا إِلَّا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَفْرِضِ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ إِلَّا مَرَّةً، وَأَنَّهُ فَرَضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، وَأَنَّهُ مَنَعَ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَكَانَ الْحُيَّضُ يُؤْمَرْنَ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا يُؤْمَرْنَ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.
وَأَنَّهُ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الصَّلَاةِ لِمَنْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ أَوْ مَذْيٌ، وَأَنَّهُ رَخَّصَ فِي الِاسْتِجْمَارِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ، وَنَهَى عَنِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْعَظْمِ وَالْبَعْرِ، وَقَالَ: " «إِنَّهَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» " وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَمَاعِ كَفٍّ، وَلَا دُفٍّ، وَلَا رَقْصٍ
[ ٦ / ٣٧٠ ]
وَلَا صَعْقٍ، لَا هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، بَلْ كَانُوا تَوْجَلُ قُلُوبُهُمْ، وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، وَتَدْمَعُ عُيُونُهُمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ تُعَادُ امْرَأَةٌ مُطَلَّقَةٌ إِلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّحْلِيلُ، بَلْ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا فُعِلَ سِرًّا.
وَأَنَّهُ أَمَرَ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَتَشْيِيعِ الْجَنَازَةِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَدْ كَانَ أَحْيَانًا يُكَبِّرُ خَمْسًا وَسَبْعًا، وَأَمَرَ بِتَغْسِيلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ، وَأَنَّهُ حَرَّمَ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَحَرَّمَ بَيْعَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَالدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ، وَالصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لَمَّا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْتَاتُونَ التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ، وَأَنَّهُ أَبَاحَ الدَّوَاءَ وَقَالَ: " «تَدَاوُوا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ دَاءٌ إِلَّا أُنْزِلَ لَهُ دَوَاءٌ إِلَّا السَّامُ» " وَالسَّامُ
[ ٦ / ٣٧١ ]
الْمَوْتُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى بِالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهَا
وَكَذَلِكَ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ أَحَادِيثَ سِوَى مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَذِكْرِ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْجِنِّ، وَإِرْسَالِهِ إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْإِنْسَانِ فِي قَبْرِهِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ، وَمِنْ دُخُولِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَخُرُوجِهِمْ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِهِ، وَشَفَاعَةِ غَيْرِهِ، وَمِنْ ذِكْرِ حَوْضِهِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمُحَاسَبَةِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُرْسِلُ رُسُلًا إِلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا أَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ الْيَمَنِ، وَإِلَى مُلُوكِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَإِلَى مُلُوكِ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ بَعْدَ مَا حَارَبَ الْيَهُودَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، وَأَنَّهُ رَجَمَ الزَّانِي الْمُحْصَنَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَقَطَعَ يَدَ السَّارِقِ، وَجَلَدَ شَارِبَ الْخَمْرِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَفِي مُزْدَلِفَةَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَمَرَ
[ ٦ / ٣٧٢ ]
الْمُسْلِمِينَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ حَجَّ مَعَهُ إِلَّا عَائِشَةَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ حَائِضًا، وَأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فَصَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ.
وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ بَنَاتٍ وَثَلَاثَةُ بَنِينَ، وَكَانَ يُكَنَّى بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ الْقَاسِمِ فَيُدْعَى أَبَا الْقَاسِمِ، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَزَوَّجَ عُثْمَانَ ابْنَتَيْهِ، وَزَوَّجَ عَلِيًّا بِنْتًا، وَأَنَّهُ آمَنَ بِهِ مِنْ أَعْمَامِهِ حَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ أَبُو لَهَبٍ وَلَا أَبُو طَالِبٍ مَعَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُهُ، وَيَذُبُّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ لَمَّا مَرِضَ وَثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ لَمْ يُصِلِّ أَحَدٌ بِإِذْنِهِ مَعَ حُضُورِهِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ، وَلَمَّا ذَهَبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ الْعَشَرَةُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ
[ ٦ / ٣٧٣ ]
أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَأَضْعَافِ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّهُ بَايَعَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]
وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَنَى مَسْجِدَهُ، وَكَانَ فِي شَمَالِيِّهِ صُفَّةٌ يَنْزِلُهَا الْعَزْبَاءُ، وَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ كُلَّهُمْ أَسْلَمُوا طَوْعًا بِلَا رَغْبَةٍ وَلَا
[ ٦ / ٣٧٤ ]
رَهْبَةٍ، وَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ آذَاهُمُ الْكُفَّارُ إِيذَاءً عَظِيمًا حَتَّى هَاجَرَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِلَى الْحَبَشَةِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَأَنَّ النَّجَاشِيَّ آمَنَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ يَوْمَ مَاتَ، وَأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ بِأَصْحَابِهِ فِي الْمُصَلَّى كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ
وَأَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيَخْطُبُ فِي الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ لِلْجُمُعَةِ وَلِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلَا يُؤَذِّنُ لِلْعِيدَيْنِ، وَلَا غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ بِالْمَدِينَةِ هُوَ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، وَكَانَ سَعْدُ الْقَرَظِ يُؤَذِّنُ لِأَهْلِ قِبَاءَ، وَأَبُو مَحْذُورَةَ يُؤَذِّنُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَكَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ وَعَنْ خُلَفَائِهِ أَنَّهُمْ
[ ٦ / ٣٧٥ ]
لَمْ يَكُونُوا بِمِنًى يُصَلُّونَ صَلَاةَ عِيدٍ بَلْ يَرْمُونَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَيَنْحَرُونَ كَمَا أَمَرَ أَهْلَ الْأَمْصَارِ أَنْ يُصَلُّوا ثُمَّ يَنْحَرُوا، إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِمَّا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ كَانَ عَالِمًا بِأَحْوَالِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ جُمْهُورِهَا، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا وَتَوَاتَرَتْ آيَاتُهُ وَبَرَاهِينُهُ صَلَّى اللَّهُ فِيهَا عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمَ مِنْ تَوَاتُرِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَالْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْقُرْآنِ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يُوجَدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ، بَلْ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ آيَاتِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَضْعَافُ مَا يُوجَدُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كَتَوَاتُرِ إِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَتَوَاتُرِ تَكْثِيرِهِ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَتَكْثِيرِهِ الطَّهُورَ إِمَّا بِنَبْعِ الْمَاءِ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِمَّا بِفَيَضَانِ الْيَنْبُوعِ الَّذِي يَضَعُ فِيهِ بَعْضَ آثَارِهِ، وَإِمَّا
[ ٦ / ٣٧٦ ]
بِفَيَضَانِ الْمَاءِ مِنَ الْوِعَاءِ الَّذِي بَرَّكَ فِيهِ، وَالْمَاءُ بَاقٍ بِحَالِهِ لَمْ يَنْقُصْ.
فَالْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ أَكْثَرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ، وَلِهَذَا كَانَ شُهْرَةُ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي الْأُمَّةِ وَفِي أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ أَعْظَمَ مِنْ شُهْرَةِ كَثِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ تَوَاتُرَ آيَاتِهِ الْمُسْتَفِيضَةِ فِي الْأَحَادِيثِ أَعْظَمُ مِنْ تَوَاتُرِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ أَوْ عِنْدَ عُلَمَائِهَا وَعُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا غَيْرُ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الْمُسْتَفَادَةِ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ تِلْكَ قَدْ تَجَرَّدَ لَهَا طَوَائِفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرُوا مِنْ أَنْوَاعِهَا وَصِفَاتِهَا مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى بَيَّنُوا أَنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ يَزِيدُ عَلَى عَشَرَاتِ أُلُوفٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَهَذَا غَيْرُ مَا فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِهِ
وَهَذِهِ الْأَجْنَاسُ الثَّلَاثَةُ غَيْرُ مَا فِي شَرِيعَتِهِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا، وَغَيْرُ صِفَاتِ أُمَّتِهِ، وَغَيْرُ مَا يَدُلُّ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِسِيرَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ نَصْرِ اللَّهِ وَإِكْرَامِهِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ، وَعُقُوبَتِهِ وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَإِنَّ تَعْدَادَ أَعْيَانِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ
[ ٦ / ٣٧٧ ]
مِمَّا لَا يُمْكِنُ بَشَرًا الْإِحَاطَةُ بِهِ إِذْ كَانَ الْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.
فَيُبَيِّنُ اللَّهُ لِكُلِّ قَوْمٍ بَلْ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ مَا لَا يُبَيِّنُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
كَمَا أَنَّ دَلَائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ وَآيَاتِهَا أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ دَلِيلٍ عَلَى كُلِّ مَدْلُولٍ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ بَلْ وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي يُرِيهِ اللَّهُ إِيَّاهَا فِي نَفْسِهِ وَفِي الْآفَاقِ مَا لَا يَعْرِفُ أَعْيَانَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ. قَالَ تَعَالَى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]
وَالضَّمِيرُ فِي ذَلِكَ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ وَالسَّلَفِ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] (٥٢) ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . . .
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَ:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢]
[ ٦ / ٣٧٨ ]
وَهَذَا هُوَ الْقُرْآنُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]
ثُمَّ قَالَ:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُرِي النَّاسَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي الْآفَاقِ مِنَ الْآيَاتِ الْعِيَانِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْقُولَةِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْمَسْمُوعَةَ الْمَتْلُوَّةَ حَقٌّ فَيَتَطَابَقُ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ، وَيَتَّفِقُ الْعِيَانُ وَالْقُرْآنُ، وَتُصَدِّقُ الْمُعَايَنَةُ لِلْخَبَرِ.
وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ حَقًّا لَزِمَ كَوْنُ الرَّسُولِ الَّذِي جَاءَ بِهِ صَادِقًا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ، وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالطَّاعَةُ لِمَا أَوْجَبَهُ وَأَمَرَ بِهِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدَهُ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، وَإِثْبَاتَ النُّبُوَّاتِ، وَإِثْبَاتَ الْمَعَادِ، وَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ الَّتِي عُلِّقَتْ بِهَا السَّعَادَةُ وَالنَّجَاةُ.
[ ٦ / ٣٧٩ ]
[فَصْلٌ: أَدِلَّةٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلَى مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالْآيَاتِ]
وَآيَاتُ النُّبُوَّةِ وَبَرَاهِينُهَا تَكُونُ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَقُبَيْلَ مَوْلِدِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ لَا تَخْتَصُّ بِحَيَاتِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَخْتَصَّ بِحَالِ دَعْوَى النُّبُوَّةِ أَوْ حَالِ التَّحَدِّي كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ آيَاتٍ فِي حَيَاتِهِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ، وَتَظْهَرُ بِهَا الْمَحَجَّةُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ:
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]
[ ٦ / ٣٨٠ ]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩] (٩) ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠]
الْآيَاتِ
فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ
وَقَالَ:
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]
[ ٦ / ٣٨١ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان: ٣٧] (٣٧) ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] (٣٨) ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ضَرَبَ الْأَمْثَالَ لِجَمِيعِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَهْلَكَهُمْ فَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (٤٣) ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إِلَّا رِجَالًا يُوحَى إِلَيْهِمْ لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِمْ مَلَائِكَةً وَلَا نِسَاءً، وَأَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَالزُّبُرِ، وَالزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وَهِيَ الْكُتُبُ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٣٨٢ ]
كِتَابٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُرْسِلَ بِتَجْدِيدِ الْكِتَابِ الَّذِي قَبْلَهُ
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] (٢٤) ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥] (٢٥) ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٦]
أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ كَمَا قَالَ:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ، وَهَذَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِاخْتِصَاصِهِ بِوَصْفٍ يَخْتَصُّ بِهِ كَقَوْلِهِ:
[ ٦ / ٣٨٣ ]
﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . . . فَإِنَّ الزُّبُرَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ، وَالْكِتَابَ الْمُنِيرَ مِنَ الزُّبُرِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]
فَإِنَّ الْهُدَى مِنَ الْعِلْمِ، وَالْكِتَابَ الْمُنِيرَ مِنَ الْهُدَى.
وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ، وَهَذَا أَنْزَلَهُ لِيُبَيِّنَ عَاقِبَةَ الْمُكَذِّبِينَ، وَلِهَذَا بَنَى الْفِعْلَ لِلْفَاعِلِ فَقَالَ:
﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر: ٢٥]
وَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ثُمَّ أَنْزَلَ فِي آلِ عِمْرَانَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ فِي سِيَاقِ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَتَثْبِيتُهُمْ وَتَعْزِيَتُهُمْ لِمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرِهِ فَقَالَ:
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] (١٧٢) ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (١٧٣) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (١٧٤) ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]
[ ٦ / ٣٨٤ ]
أَيْ يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ كَمَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ:
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]
وَسِيَاقُ الْكَلَامِ فِي بَيَانِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَضُرُّونَ اللَّهَ وَلَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ ضَرَرُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ وَإِمْلَاءٌ إِلَى أَنْ قَالَ:
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] (١٨١) ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] (١٨٢) ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُمْ مَعَ أَنَّهُ كَذِبٌ فَلَمْ يَقُولُوهُ إِلَّا دَفْعًا لِلْحَقِّ لَا لِيُؤْمِنُوا بِمَنْ جَاءَهُمْ بِذَلِكَ إِذْ قَدْ جَاءَهُمْ رُسُلٌ مِنْ
[ ٦ / ٣٨٥ ]
قَبْلِهِ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْقُرْبَانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النَّارُ، وَمَعَ هَذَا قَتَلُوهُمْ، وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا الْجِنْسِ الَّذِي يُوَالِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَّبِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَالْيَهُودِ الَّذِينَ هُمْ عَلَى دِينِ سَلَفِهِمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَلِهَذَا يَذُمُّهُمْ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ:
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]
فَالْخِطَابُ لِجِنْسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ عَايَنُوا ذَلِكَ مَاتُوا ثُمَّ قَالَ:
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]
فَحَذَفَ هُنَا الْفَاعِلَ، وَبَنَى الْفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ وَتَعْزِيَتُهُ لَا ذِكْرُ عُقُوبَةِ الْمُكَذِّبِينَ فَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ.
[ ٦ / ٣٨٦ ]
[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِهْلَاكُ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِمْ وَنَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ]
وَمِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِهْلَاكُ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِمْ، وَنَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ، فَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِمْ، وَدَلَائِلِ صِدْقِهِمْ، كَإِغْرَاقِ اللَّهِ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوهُ، وَكَإِهْلَاكِهِ قَوْمَ عَادٍ بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ صَالِحٍ بِالصَّيْحَةِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ شُعَيْبٍ بِالظُّلَّةِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ بِإِقْلَابِ مَدَايِنِهِمْ، وَرَجْمِهِمْ بِالْحِجَارَةِ، وَكَإِهْلَاكِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِالْغَرَقِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الْقَصَصَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ كَمَا يَذْكُرُهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسَى قَالَ:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]
[ ٦ / ٣٨٧ ]
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٣]
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَعَلَهُ مِنَ اللَّعْنَةِ الشَّائِعَةِ لِمَنْ كَذَّبَهُمْ، وَمِنْ لِسَانِ الصِّدْقِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] (٧٨) ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]
، وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] (١٠٨) ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩]
أَيْ تَرَكْنَا هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَهَارُونَ:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٢٠]
وَ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]
[ ٦ / ٣٨٨ ]
وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ تَعَالَى:
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] (٤٩) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]
وَقَالَ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ:
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩] (٣٩) ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] (٤٠) ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] (٤١) ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢]
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]
وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]
[ ٦ / ٣٨٩ ]
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَا وَقَعَ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ وَالنَّقْلِ تَارَةً، وَيُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَالِاعْتِبَارِ بِآثَارِهِمْ تَارَةً، كَمَا قَالَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ:
﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ الطَّرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] (٤٠) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] (٤١)
ثُمَّ قَالَ:
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾ [الحج: ٤٢] (٤٢) ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] (٤٣) ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] (٤٤) ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] (٤٥)
ثُمَّ قَالَ:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]
وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٦ / ٣٩٠ ]
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق: ٣٦] (٣٦) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] (٩) ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١] (٢١) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢٢]
[ ٦ / ٣٩١ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] (٨٢) ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣] (٨٣) ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] (٨٤) ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥]
وَقَالَ لَمَّا قَصَّ قَصَصَ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، وَمُوسَى فِي سُورَةِ هُودٍ:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] (١٠٠) ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] (١٠١) ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
وَلَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ لُوطٍ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ قَالَ:
﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] (١٣٧) ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
[ ٦ / ٣٩٢ ]
وَفِي سُورَةِ الْحِجْرِ:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] (٧٥) ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] (٧٦) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] (٧٧) ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ [الحجر: ٧٨] (٧٨) ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] (٧٩)
وَالْإِمَامُ الْمُبِينُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَبِينُ الْوَاضِحُ. بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ وَهَذِهِ كِلَاهُمَا بِسَبِيلٍ لِلنَّاسِ يَرَوْنَهَا بِأَبْصَارِهِمْ فَيَعْلَمُونَ بِذَلِكَ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِمَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ وَعَصَاهُمْ، وَدَلَالَةُ نَصْرِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَانْتِقَامِهِ مِنَ الْكَافِرِينَ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جِنْسِ دَلَالَةِ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ، فَكَوْنُ هَذَا فُعِلَ لِأَجْلِ هَذَا، وَكَوْنِ ذَاكَ سَبَبَ هَذَا هُوَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالْإِضْرَارِ عِنْدَ تَصَوُّرِ الْأَمْرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَانْقِلَابِ الْعَصَا حَيَّةً عَقِبَ سُؤَالِ فِرْعَوْنَ الْآيَةَ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ عِنْدَ سُؤَالِ مُشْرِكِي مَكَّةَ آيَةً، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَالسُّؤَالُ الْمَشْهُورُ الَّذِي يُورَدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى قَوْلِ مَنْ
[ ٦ / ٣٩٣ ]
يَنْفِي التَّعْلِيلَ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ، وَيُجَوِّزُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ فِعْلٍ، حَيْثُ قِيلَ لَهُمْ: عَلَى أَصْلِكُمْ: لَا يَفْعَلُ اللَّهُ شَيْئًا لِأَجْلِ شَيْءٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَأْتِ بِالْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ لِأَجْلِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وَلَا عَاقَبَ هَؤُلَاءِ لِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وَلَا أَنْجَى هَؤُلَاءِ وَنَصَرَهُمْ لِإِيمَانِهِمْ بِهِ، إِذَا كَانَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِشَيْءٍ عِنْدَكُمْ، وَقَالُوا لَهُمْ أَيْضًا: إِذَا جَوَّزْتُمْ عَلَى الرَّبِّ كُلَّ فِعْلٍ جَازَ أَنْ يُظْهِرَ الْخَوَارِقَ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ، وَيُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا: أَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا يَفْعَلُ الرَّبُّ إِلَّا بِعَادَةٍ أَوْ خَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَبْلَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ النَّبِيِّ لَا يُعْلَمُ شَيْءٌ بِخَبَرِهِ، وَالْعَادَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا تَكَرَّرَ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَنُزُولِ الْمَطَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْإِتْيَانُ بِالْخَارِقِ لِلتَّصْدِيقِ لَيْسَ مُعْتَادًا.
فَيُقَالُ: هَذَا السُّؤَالُ إِنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا فَإِنَّمَا يَقْدَحُ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: يَفْعَلُ شَيْئًا لِأَجْلِ شَيْءٍ، وَيُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ فِعْلَ كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ، لَا يُنَزِّهُونَهُ عَنْ فِعْلِ سَيِّئِ الْأَفْعَالِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ قَبِيحًا وَظُلْمًا إِلَّا مَا كَانَ مُمْتَنِعًا مِثْلَ جَعْلِ الشَّيْءِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا، وَجَعْلِ
[ ٦ / ٣٩٤ ]
الْجِسْمِ فِي مَكَانَيْنِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ مُخَالِفُوهُمْ حُجَّةً فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ، وَقَالُوا: قَوْلُهُمْ يَقْدَحُ فِي الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَيَسُدُّ بَابَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الرُّسُلِ. قَالُوا: إِذَا جَوَّزْتُمْ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ فَجَوِّزُوا أَنْ يَكُونَ الْجِبَالُ انْقَلَبَتْ يَاقُوتًا، وَالْبُخَارُ لَبَنًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانُهُ، وَجَوِّزُوا أَنْ يَخْلُقَ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدَيِ الْكَذَّابِينَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا الْجَوَابَ عَنْ هَؤُلَاءِ، وَلَا بَيَانَ فَسَادِ قَوْلِهِمْ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ إِنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا فَإِنَّمَا يَقْدَحُ فِي قَوْلِهِ هَؤُلَاءِ لَا يَقْدَحُ فِيمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دَلَالَاتِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى حَالِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَأَنَّ اللَّهَ ﷾ نَجَّى مُوسَى وَنَصَرَهُ لِصِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَإِيمَانِهِ، وَأَهْلَكَ فِرْعَوْنَ لِتَكْذِيبِهِ، وَكَذَلِكَ نَصَرَ مُحَمَّدًا وَمَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَنَصَرَ نُوحًا عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ، وَنَصَرَ الْمَسِيحَ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ، وَنَصَرَ سَائِرَ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] (٥١)
[ ٦ / ٣٩٥ ]
وَقَالَ:
﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] (١٧٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]
كَمَا لَا يَقْدَحُ مَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الْمَطَرَ فِي إِبَّانِهِ لِسَقْيِ الْمَزَارِعِ، وَأَنَّهُ يَسُوقُ النِّيلَ لِسَقْيِ أَرْضِ مِصْرَ، وَأَنَّهُ جَعَلَ أَعْضَاءَ الْإِنْسَانِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ كَالْبَطْشِ بِالْيَدَيْنِ، وَالْمَشْيِ بِالرِّجْلَيْنِ، وَالنَّظَرِ بِالْعَيْنَيْنِ، وَالسَّمْعِ بِالْأُذُنَيْنِ، وَالنُّطْقِ بِاللِّسَانِ، وَجَعَلَ مَاءَ الْعَيْنِ مِلْحًا لِكَوْنِهَا شَحْمَةً، وَالْمُلُوحَةُ تَمْنَعُهَا أَنْ تَذُوبَ، وَمَاءَ الْأُذُنِ مُرًّا لِيَمْنَعَ الذُّبَابَ مِنَ الْوُلُوجِ فِي الدِّمَاغِ، وَمَاءَ الْفَمِ عَذْبًا لِيُطَيِّبَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَجَعَلَ مَاءَ الْبَحْرِ مَالِحًا لِبَقَاءِ الْأَنَامِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَذْبًا فَيَمُوتُ فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْعَظِيمِ فَيُفْسِدُ الرِّيحَ فَيَمُوتُ الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ بِهَذِهِ الرِّيحِ، إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ الْمَشْهُودَةِ فِي خَلْقِهِ.
وَنُفَاةُ التَّعْلِيلِ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مُقَارِنٌ لِهَذَا بِحُكْمِ الْعَادَةِ الَّتِي أَجْرَاهَا اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا لِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَفَى
[ ٦ / ٣٩٦ ]
الْأَسْبَابَ مَعَ نَفْيِ التَّعْلِيلِ أَيْضًا يَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ يَخْلُقُ هَذَا عِنْدَ هَذَا لَا بِهِ، فَاقْتِرَانُ الْمُعْجِزِ بِالتَّصْدِيقِ مِنْ هَذَا الْبَابِ عِنْدَهُمْ، لَكِنْ يَبْقَى عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْعَادَةِ، وَلَا عَادَةَ. فَلَا جَرَمَ رَجَعُوا إِلَى فِطْرَتِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ، وَإِنْ كَانَ مُنَاقِضًا لِأَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ، وَضَرَبُوا لِذَلِكَ مَثَلًا بِالْمَلِكِ الَّذِي أَظْهَرَ مَا يُنَاقِضُ عَادَتَهُ لِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ.
لَكِنْ يُقَالُ لَهُمُ: الْمَلِكُ يَفْعَلُ فِعْلًا لِمَقْصُودٍ، فَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَامَ لِيُصَدِّقَ رَسُولَهُ، وَأَنْتُمْ عِنْدَكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِشَيْءٍ، فَلَمْ يَبْقَ الْمَثَلُ مُطَابِقًا، وَلِهَذَا صَارُوا مُضْطَرِبِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، تَارَةً يَقُولُونَ: الْمُعْجِزَاتُ دَلِيلًا عَلَى الصِّدْقِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَعْجِيزِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى الصِّدْقِ إِلَّا خَلْقُ الْعَجْزِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ الصَّادِقِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَشْعَرِيِّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ، وَسَلَكَهَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ
[ ٦ / ٣٩٧ ]
الْإِسْفَرَائِينِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ اللَّبَّانِ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَغَيْرُهُمْ
وَالثَّانِي قَالُوا: نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ فَعَلَ هَذَا لِأَجْلِ التَّصْدِيقِ كَالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي أَمَالِيهِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْمَعَالِي، وَأَتْبَاعِهِ
[ ٦ / ٣٩٨ ]
كَالرَّازِيِّ، وَغَيْرِهِ، وَتَنَازَعُوا: هَلْ يُمْكِنُ خَلْقُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ كَذَّابٍ؟ فَقِيلَ: لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَجَازَ وُقُوعُهُ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَقْدُورٌ لَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ كَمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ كَثِيرًا مِنَ الْخَوَارِقِ الْمَقْدُورَاتِ كَقَلْبِ الْجَبَلِ يَاقُوتًا، وَالْبَحْرِ زَيْتًا.
قَالُوا: فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا مَقْدُورَةً مُمْكِنَةً أَنْ لَا يُعْلَمَ انْتِفَاءُ وُقُوعِهَا، بَلْ قَدْ يُعْلَمُ عَدَمُ وُقُوعِهَا بِالِاضْطِرَارِ، وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ إِنَّهَا مُمْكِنَةٌ مَقْدُورَةٌ، وَظُهُورُ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدِ الْكَذَّابِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ عِنْدَنَا.
وَقَالُوا: الْمُعْجِزُ عَلَمٌ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَقٌّ لَكِنْ مُنَازِعُوهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ يَسْتَلْزِمُ نَقِيضَ مَا نَفَوْهُ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ يَخْلُقُ شَيْئًا لِشَيْءٍ، وَيَخْلُقُ شَيْئًا بِشَيْءٍ، وَمَا قَالُوا مِنْ كَوْنِهِ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحَقِّ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ يَعْلَمُونَ مَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ حِكْمَةِ الرَّبِّ وَمُرَادِهِ بِمَا يَخْلُقُهُ لِأَمْرٍ آخَرَ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ أَشْيَاءَ لَا يَجُوزُ مِنْهُ فِعْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ هُنَا: قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُمْكِنًا جَائِزًا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ كَانْقِلَابِ الْجِبَالِ يَاقُوتًا،
[ ٦ / ٣٩٩ ]
وَالْبَحْرِ زِئْبَقًا، وَمَوْتِ أَهْلِ الْبَلَدِ كُلِّهِمْ فِي لَحْظَةٍ، وَمَصِيرِ الْأَطْفَالِ عُلَمَاءَ حُكَمَاءَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ يَعْتَمِدُونَ كَثِيرًا، كَمَا يَذْكُرُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالرَّازِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْعَقْلِ أَنَّهُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ كَالْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ، وَامْتِنَاعِ الْمُمْتَنِعَاتِ، وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ، فَالْمُمْتَنِعَاتُ كَانْقِلَابِ دِجْلَةَ دَمًا، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ، فَيَجْعَلُونَ الْعَادَاتِ وَاجِبَةً تَارَةً، وَمُمْتَنِعَةً أُخْرَى، مَعَ أَنَّهُ لَا سَبَبَ يُوجِبُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
وَيَقُولُونَ: نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ مُمْكِنٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبٍ، وَلَا لَهُ مَانِعٌ كَالْآخَرِ، ثُمَّ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا وَاقِعٌ، وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ لِمُجَرَّدِ الْعَادَةِ، مَعَ أَنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُمْ ضَابِطٌ، بَلْ كُلُّ مَا يَجْرِي مِنَ الْعَادَاتِ مُعْجِزَاتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ لِلْوَلِيِّ وَلِلسَّاحِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمُ التَّحَدِّي أَوْ عَدَمُ الْمُعَارَضَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْمَلَاحِدَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَسْبَابُ الْآيَاتِ الْقُوَى الْفَلَكِيَّةُ، وَالْقُوَى النَّفْسَانِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُشْتَرَكَةٌ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالسَّحَرَةِ لَكِنَّ النَّبِيَّ يَقْصِدُ الْخَيْرَ وَالْعَدْلَ، وَالسَّاحِرَ يَقْصِدُ الشَّرَّ وَالظُّلْمَ.
[ ٦ / ٤٠٠ ]
وَكَذَلِكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ وَافَقُوا جَهْمًا عَلَى أَصْلِهِ فِي الْقَدْرِ، لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَخَوَارِقِ السَّحَرَةِ، لَكِنَّ الْوَلِيَّ مُطِيعٌ لِلَّهِ، وَالسَّاحِرَ غَيْرُ مُطِيعٍ لِلَّهِ، هَذَا عُمْدَةُ هَؤُلَاءِ النُّفَاةِ لِلْحِكْمَةِ وَالْأَسْبَابِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَجُمْهُورُ النَّاسِ يُخَالِفُونَهُمْ، وَيَقُولُونَ: هَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ بَلْ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَمَاثَلَ هَذَا وَهَذَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ وُجُودُ هَذَا أَوْ وُجُوبُهُ، وَعَدَمُ هَذَا أَوِ امْتِنَاعُهُ، وَإِذَا قِيلَ: مُسْتَنَدِي الْعَادَةُ. قِيلَ لَهُ: مُنَازِعُوكَ يَقُولُونَ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّكَ أَنْتَ تُجَوِّزُ انْتِقَاضَ الْعَادَةِ، وَلَيْسَ لِانْتِقَاضِهَا عِنْدَكَ سَبَبٌ تَخْتَصُّ بِهِ، وَلَا حِكْمَةٌ انْتَقَضَتْ لِأَجْلِهَا، بَلْ لَا فَرْقَ عِنْدَكَ بَيْنَ انْتِقَاضِهَا لِلْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالسَّحَرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قُلْتُمْ: لَيْسَ بَيْنَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَالسَّحَرَةِ فَرْقٌ إِلَّا مُجَرَّدُ اقْتِرَانِ دَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالتَّحَدِّي بِالْمُعَارَضَةِ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ، مَعَ أَنَّ التَّحَدِّي بِالْمُعَارَضَةِ قَدْ يَقَعُ مِنَ الْمُشْرِكِ بَلْ وَمِنَ السَّاحِرِ، فَلَمْ يُثْبِتُوا فَرْقًا يَعُودُ إِلَى جِنْسِ الْخَوَارِقِ الْمُفَعْوِلَةِ، وَلَا إِلَى قَصْدِ الْفَاعِلِ وَالْخَالِقِ، وَلَا قُدْرَتِهِ، وَلَا حِكْمَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَادَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَسْبَابٍ وَمَوَانِعَ يُعْلَمُ بِهَا اطِّرَادُهَا تَارَةً، وَانْتِفَاضُهَا أُخْرَى، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ انْقِلَابَ الْجَبَلِ ذَهَبًا، وَالْبَحْرَ زِئْبَقًا، وَالْأَنَاسِيَّ قُرُودًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ مَعْلُومُ
[ ٦ / ٤٠١ ]
الْجَوَازِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَإِنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: جُمْهُورُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لَكُمْ أَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ إِلَّا مَعَ لَوَازِمِهِ، وَانْتِفَاءِ أَضْدَادِهِ، وَحِينَئِذٍ يُقَالُ: لِمَ قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ أَسْبَابًا تَكُونُ قَبْلَهُ؟ وَمَوَانِعَ تَرْتَفِعُ كَسَائِرِ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْدِثُ شَيْئًا إِلَّا بِإِحْدَاثِ أَسْبَابٍ وَدَفْعِ مَوَانِعَ، مِثَالُ ذَلِكَ غَرَقُ قَوْمِ نُوحٍ لَمْ يَكُنْ مَاءً وُجِدَ بِلَا سَبَبٍ، بَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ مَاءَ السَّمَاءِ، وَأَنْبَعَ مَاءَ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] (٩) ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] (١٠) ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] (١١) ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] (١٢) ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]
وَكَذَلِكَ عَادٌ لَمَّا أَهْلَكَهُمْ أَرْسَلَ الرِّيحَ الصَّرْصَرَ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
[ ٦ / ٤٠٢ ]
﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] (٧) فَهَلْ ﴿تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]
وَكَذَلِكَ ثَمُودُ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ:
﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤] (٦٤) ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] (٦٥) ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦] (٦٦) ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] (٦٧) ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨]
وَكُلُّ مَا وُجِدَ فِي الْعَالَمِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ: آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَيْرِهَا لَمْ يَأْتِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِأَسْبَابٍ تَقَدَّمَتْهُ، كَآيَاتِ مُوسَى مِنْ مِثْلِ مَصِيرِ الْعَصَا حَيَّةً، كَانَتْ بَعْدَ أَنْ أَلْقَاهَا إِمَّا عِنْدَ أَمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ لَمَّا نَادَاهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَرَأَى النَّارَ الْخَارِقَةَ لِلْعَادَةِ، وَإِمَّا عِنْدَ مُطَالَبَةِ فِرْعَوْنَ لَهُ
[ ٦ / ٤٠٣ ]
بِالْآيَةِ، وَإِمَّا عِنْدَ مُعَارَضَةِ السَّحَرَةِ لِتَبْتَلِعَ حِبَالَهُمْ، وَعِصِيَّهُمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ آيَاتِهِ، حَتَّى إِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ كَانَ بَعْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ، وَضَرْبِهِ الْبَحْرَ بِالْعَصَا، وَكَذَلِكَ تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ كَانَ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَ الْحَجَرَ بِعَصَاهُ، وَاسْتِسْقَاءِ قَوْمِهِ إِيَّاهُ، وَهُمْ فِي بَرِّيَّةٍ لَا مَاءَ عِنْدَهُمْ.
وَكَذَلِكَ آيَاتُ نَبِيِّنَا ﷺ، مِثْلَ تَكْثِيرِ الْمَاءِ، كَانَ بِوَضْعِ يَدِهِ فِيهِ حَتَّى نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ، أَيْ تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ نَفْسِ الْأَصَابِعِ، وَكَذَلِكَ الْبِئْرُ كَانَ مَاؤُهَا يَكْثُرُ إِمَّا بِإِلْقَائِهِ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فِيهَا، وَإِمَّا بِصَبِّهِ الْمَاءَ الَّذِي بَصَقَ فِيهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا جَبَلٌ يَنْقَلِبُ يَاقُوتًا بِلَا أَسْبَابٍ تَقَدَّمَتْ ذَلِكَ فَهَذَا لَا كَانَ، وَلَا يَكُونُ، وَكَذَلِكَ نَهْرٌ يَطَّرِدُ يُصْبِحُ لَبَنًا بِلَا أَسْبَابٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ يَخْلُقُهَا اللَّهُ فَهَذَا لَا كَانَ، وَلَا يَكُونُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّيْءَ مُمْكِنٌ فَهَذَا يُعْنَى بِهِ شَيْئَانِ: يُعْنَى بِهِ الْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ، وَالْإِمْكَانُ الْخَارِجِيُّ.
فَالْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْلَمِ امْتِنَاعَ شَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ مُمْكِنًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِعِلْمٍ بِإِمْكَانِهِ، وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى إِمْكَانِ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ انْتِفَاءِ لُزُومِ كُلِّ مُحَالٍ، كَمَا يَفْعَلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْآمِدِيِّ وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ فِيمَا ذَكَرَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى
[ ٦ / ٤٠٤ ]
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْعِلْمُ بِإِمْكَانِ الشَّيْءِ فِي الْخَارِجِ، فَهَذَا يُعْلَمُ بِأَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهُ، أَوْ وُجُودُ نَظِيرِهِ، أَوْ وُجُودُ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ حَمْلُ الْبَعِيرِ لِلْقِنْطَارِ مُمْكِنًا كَانَ حَمْلُهُ لِتِسْعِينَ رِطْلًا أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُبَيِّنُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إِمْكَانَ مَا يُرِيدُ بَيَانَ إِمْكَانِهِ كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَالْمَعَادِ، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ تَارَةً بِبَيَانِ وُقُوعِهِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّ قَوْمَ مُوسَى قَالُوا:
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] . . .
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤]، ثُمَّ بَعَثَهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
وَكَمَا أَخْبَرَ عَنِ الْمَقْتُولِ الَّذِي ضَرَبُوهُ بِالْبَقَرَةِ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ كَمَا قَالَ:
[ ٦ / ٤٠٥ ]
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] (٧٢) ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] .
وَكَمَا أَخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، وَكَمَا أَخْبَرَ عَنِ الَّذِي:
﴿. . . مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]
وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ قَالَ:
﴿. . . رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] .
وَاسْتَدَلَّ سُبْحَانَهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ النَّشْأَةُ الْأُولَى، وَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَقَوْلِهِ:
[ ٦ / ٤٠٦ ]
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]
وَقَالَ:
﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٥] . . .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]
فَاسْتَدَلَّ سُبْحَانَهُ عَلَى إِمْكَانِ الْإِحْيَاءِ بِابْتِدَاءِ خَلْقِ الْحَيَوَانِ، وَبِخَلْقِ النَّبَاتِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: هَذَا مُمْكِنٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ لَا يَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِإِمْكَانِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِامْتِنَاعِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْمُمْتَنِعُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَكُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْلُقَ لَوَازِمَهُ، وَيَمْتَنِعَ أَضْدَادُهُ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْمَلْزُومِ
[ ٦ / ٤٠٧ ]
دُونَ اللَّازِمِ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ اطِّلَاعٌ عَلَى لَوَازِمِ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَلَا أَضْدَادِهِ الْمُنَافِيَةِ لِوُجُودِهِ.
فَالْجَزْمُ بِإِمْكَانِ وَجُودِهِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِلَوَازِمِهِ وَإِمْكَانِهَا وَأَضْدَادِهَا وَانْتِفَائِهَا جَهْلٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى تَغْيِيرِ مَا شَاءَهُ مِنَ الْعَالَمِ، وَهُوَ يَشُقُّ السَّمَاوَاتِ، وَيُسَيِّرُ الْجِبَالَ، وَيَبُسُّهَا بَسًّا فَيَجْعَلُهَا هَبَاءً مُنْبَثًّا، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ كَمَا يَخْلُقُ سَائِرَ مَا يَخْلُقُهُ بِمَا يُيَسِّرُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَلَائِلَ صِدْقِهِمْ مُتَنَوِّعَةٌ قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَحِينَ الْمَبْعَثِ، فِي حَيَاتِهِمْ، وَبَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَقَبْلَ الْمَبْعَثِ مِثْلَ إِخْبَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَمِثْلَ الْإِرْهَاصَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا حِينَ الْمَبْعَثِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي حَيَاتِهِ فَمِثْلَ نَصْرِهِ، وَإِنْجَائِهِ، وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَمِثْلَ نَصْرِ أَتْبَاعِهِ، وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
[ ٦ / ٤٠٨ ]
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] (١٧٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]
وَقَالَ لِلْمَسِيحِ:
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] . . .
وَقَالَ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]
وَمُحَمَّدٌ ﷺ جُعِلَتْ لَهُ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وَحِينَ مَبْعَثِهِ، وَفِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى السَّاعَةِ، وَإِلَى قِيَامِ
[ ٦ / ٤٠٩ ]
السَّاعَةِ، فَإِنَّ ذِكْرَهُ، وَذِكْرَ كِتَابِهِ، وَالْبِشَارَةَ بِذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْخَلِيلُ دَعَا بِهِ فَقَالَ فِي دُعَائِهِ لِذُرِّيَّتِهِ:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]
وَلَمَّا وُلِدَ اقْتَرَنَ بِمَوْلِدِهِ مِنَ الْآيَاتِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَجَرَى ذَلِكَ
[ ٦ / ٤١٠ ]
الْعَامَ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْفِيلِ الْمَشْهُورَةُ، وَكَانَ يَحْصُلُ لَهُ فِي مُدَّةِ نَشْأَتِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ قَدْ ذُكِرَ طَرَفٌ مِنْهَا فِي كُتُبِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَالسِّيرَةِ وَغَيْرِهَا، مِثْلَ الْآيَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ لِمُرْضِعَتِهِ لَمَّا صَارَ عِنْدَهَا، وَمِثْلَ مَا شُوهِدَ مِنْ أَحْوَالِهِ فِي صِغَرِهِ، وَأَمَّا انْتِصَارُ اللَّهِ لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ، وَإِعْلَاءُ ذِكْرِهِ، وَنَشْرُ لِسَانِ الصِّدْقِ لَهُ، وَإِهْلَاكُ أَعْدَائِهِ، وَإِذْلَالُ مَنْ يُحَادُّهُ، وَيُشَاقُّهُ، وَإِظْهَارُ دِينِهِ عَلَى كُلِّ دِينٍ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، فَهَذَا مِمَّا يَطُولُ وَصْفُ تَفْصِيلِهِ. قَالَ تَعَالَى:
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]
[ ٦ / ٤١١ ]
وَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَتْبَاعُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَإِنْ كَانُوا يُبْتَلَوْنَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَالْعَاقِبَةُ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى لَمَّا قَصَّ قِصَّةَ نُوحٍ ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ لَمَّا «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَسُولًا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فَطَلَبَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِسِيرَتِهِ، وَكَانَ الْمَسْئُولُونَ حِينَئِذٍ أَعْدَاءَهُ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِهِ فَقَالَ: كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ قَالُوا: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يُدَالُ عَلَيْنَا الْمَرَّةَ، وَنُدَالُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى.
فَقَالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ.
فَإِنَّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ نَصَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يَوْمَ أُحُدٍ ابْتَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْصُرِ الْكُفَّارَ بَعْدَهَا حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ»
[ ٦ / ٤١٢ ]
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْأَنْبِيَاءِ مَنْ قَدْ قُتِلَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَفِي أَهْلِ الْفُجُورِ مَنْ يُؤْتِيهِ اللَّهُ مُلْكًا وَسُلْطَانًا، وَيُسَلِّطُهُ عَلَى مُذْنِبِينَ كَمَا سَلَّطَ (بُخْتَ نَصَّرَ) عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَمَا يُسَلِّطُ كُفَّارَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ أَحْيَانًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: أَمَّا مَنْ قُتِلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَهُمْ كَمَنْ يُقْتَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِهَادِ شَهِيدًا. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] (١٤٦) ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] (١٤٧) ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شَهِيدًا فِي الْقِتَالِ كَانَ حَالُهُ أَكْمَلَ مِنْ حَالِ مَنْ يَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهِ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
[ ٦ / ٤١٣ ]
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]
أَيْ إِمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ، ثُمَّ الدِّينُ الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ الشُّهَدَاءُ يَنْتَصِرُ وَيَظْهَرُ، فَيَكُونُ لِطَائِفَتِهِ السَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَ شَهِيدًا، وَمَنْ عَاشَ مِنْهُمْ كَانَ مَنْصُورًا سَعِيدًا، وَهَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ النَّصْرِ، إِذْ كَانَ الْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَالْمَوْتُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَكْمَلُ بِخِلَافِ مَنْ يَهْلِكُ هُوَ وَطَائِفَتُهُ فَلَا يَفُوزُ لَا هُوَ وَلَا هُمْ بِمَطْلُوبِهِمْ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.
وَالشُّهَدَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَاتَلُوا بِاخْتِيَارِهِمْ، وَفَعَلُوا الْأَسْبَابَ الَّتِي بِهَا قُتِلُوا، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهُمُ اخْتَارُوا هَذَا الْمَوْتَ إِمَّا أَنَّهُمْ قَصَدُوا الشَّهَادَةَ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ قَصَدُوا مَا بِهِ يَصِيرُونَ شُهَدَاءَ عَالِمِينَ بِأَنَّ لَهُمُ السَّعَادَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَفِي الدُّنْيَا بِانْتِصَارِ طَائِفَتِهِمْ، وَبِبَقَاءِ لِسَانِ الصِّدْقِ لَهُمْ ثَنَاءً وَدُعَاءً بِخِلَافِ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمْ هَلَكُوا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ هَلَاكًا لَا يَرْجُونَ مَعَهُ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ وَلَا لِطَائِفَتِهِمْ شَيْءٌ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا بَلِ أُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، وَقِيلَ فِيهِمْ:
[ ٦ / ٤١٤ ]
﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] (٢٥) ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] (٢٦) ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] (٢٧) ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] (٢٨) ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]
وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أَيْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ، وَأَنَّهُمْ مَا ضَعُفُوا، وَلَا اسْتَكَانُوا لِذَلِكَ، بَلِ اسْتَغْفَرُوا مِنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ ظُهُورِ الْعَدُوِّ، وَأَنَّ اللَّهَ آتَاهُمْ ثَوَابَ الدُّنْيَا، وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا قَتْلَى الْمُؤْمِنِينَ فَمَا الظَّنُّ بِقَتْلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَفِيهِ لَهُمْ وَلِأَتْبَاعِهِمْ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْفَلَاحِ.
وَظُهُورُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَانًا هُوَ بِسَبَبِ ذُنُوبِ الْمُسْلِمِينَ كَيَوْمِ أُحُدٍ، فَإِنْ تَابُوا انْتَصَرُوا عَلَى الْكُفَّارِ، وَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ كَمَا قَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ مَلَاحِمِهِمْ مَعَ الْكُفَّارِ، وَهَذَا مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامِهَا وَدَلَائِلِهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ إِذَا قَامُوا بِعُهُودِهِ، وَوَصَايَاهُ نَصَرَهُمُ
[ ٦ / ٤١٥ ]
اللَّهُ، وَأَظْهَرَهُمْ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لَهُ، فَإِذَا ضَيَّعُوا عُهُودَهُ ظَهَرَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَدَارُ النَّصْرِ وَالظُّهُورِ مَعَ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ وَجُودًا وَعَدَمًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُزَاحِمُ ذَلِكَ، وَدَوْرَانُ الْحُكْمِ مَعَ الْوَصْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةِ وَصْفٍ آخَرَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَدَارَ عِلَّةٌ لِلدَّائِرِ.
وَقَوْلُنَا: (مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةِ وَصْفٍ آخَرَ): يُزِيلُ النُّقُوضَ الْوَارِدَةَ، فَهَذَا الِاسْتِقْرَاءُ وَالتَّتَبُّعُ يُبَيِّنُ أَنَّ نَصْرَ اللَّهِ وَإِظْهَارَهُ هُوَ بِسَبَبِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ إِعْلَاءَ كَلِمَتِهِ وَنَصْرَهُ وَنَصْرَ أَتْبَاعِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ السَّعَادَةَ، وَلِمَنْ خَالَفَهُمُ الشَّقَاءَ، وَهَذَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِنُبُوَّتِهِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ سَعِيدًا، وَمَنْ خَالَفَهُ كَانَ شَقِيًّا، وَمِنْ هَذَا ظُهُورُ بُخْتَ نَصَّرَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّهُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُوسَى إِذْ كَانَ ظُهُورُ بُخْتَ نَصَّرَ إِنَّمَا كَانَ لَمَّا غَيَّرُوا عُهُودَ مُوسَى، وَتَرَكُوا اتِّبَاعَهُ، فَعُوقِبُوا بِذَلِكَ، وَكَانُوا إِذْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِعُهُودِ مُوسَى مَنْصُورِينَ مُؤَيَّدِينَ كَمَا كَانُوا فِي زَمَنِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] (٤) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] (٥) ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] (٦) ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] (٧) ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]
[ ٦ / ٤١٦ ]
فَكَانَ ظُهُورُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عَدُوِّهِمْ تَارَةً، وَظُهُورُ عَدُوِّهِمْ تَارَةً مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُوسَى ﷺ، وَكَذَلِكَ ظُهُورُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى عَدُوِّهِمْ تَارَةً، وَظُهُورُ عَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ تَارَةً هُوَ مِنْ دَلَائِلِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ وَأَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ، وَكَانَ نَصْرُ اللَّهِ لِمُوسَى وَقَوْمِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ يُوشَعَ وَغَيْرِهِ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُوسَى، وَكَذَلِكَ انْتِصَارُ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ مَعَ خُلَفَائِهِ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَدَلَائِلِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَنْتَصِرُونَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ أَحْيَانًا، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَا يَقُولُ مُطَاعُهُمْ: إِنِّي نَبِيٌّ، وَلَا يُقَاتِلُونَ أَتْبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى دِينٍ، وَلَا يَطْلُبُونَ مِنْ أُولَئِكَ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، بَلْ قَدْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّا إِنَّمَا نُصِرْنَا عَلَيْكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، وَأَنْ لَوِ اتَّبَعْتُمْ دِينَكُمْ لَمْ نُنْصَرْ عَلَيْكُمْ، وَأَيْضًا فَلَا عَاقِبَةَ لَهُمْ، بَلِ اللَّهُ يُهْلِكُ الظَّالِمَ بِالظَّالِمِ ثُمَّ يُهْلِكُ الظَّالِمِينَ جَمِيعًا، وَلَا قَتِيلُهُمْ يَطْلُبُ بِقَتْلِهِ سَعَادَةً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا يَخْتَارُونَ الْقَتْلَ لِيُسْعَدُوا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ انْتِصَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَبَيْنَ ظُهُورِ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَوْ ظُهُورِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
[ ٦ / ٤١٧ ]
وَبَيِّنٌ أَنَّ ظُهُورَ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هُوَ مِنْ جِنْسِ ظُهُورِهِمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَدَلَائِلِ رِسَالَتِهِ، لَيْسَ هُوَ كَظُهُورِ بُخْتَ نَصَّرَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهَا مُوسَى
وَبَيِّنٌ أَنَّ الْكَذَّابَ الْمُدَّعِيَ لِلنُّبُوَّةِ لَا يَتِمُّ أَمْرُهُ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ أَمْرُ الصَّادِقِ، فَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ سُلِّطُوا عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَعَ صِحَّةِ دِينِنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ كَمَا سُلِّطَ بُخْتَ نَصَّرَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُلُوكِ، وَهَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ بُخْتَ نَصَّرَ لَمْ يَدَّعِ نُبُوَّةً، وَلَا قَاتَلَ عَلَى دِينٍ، وَلَا طَلَبَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَنْتَقِلُوا عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى إِلَى شَرِيعَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ظُهُورِهِ إِتْمَامًا لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَدَعَا إِلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، بَلْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارِبِينَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا ظَهَرُوا عَلَى الْقَوَافِلِ، بِخِلَافِ مَنِ ادَّعَى نُبُوَّةً وَدِينًا دَعَا إِلَيْهِ، وَوَعَدَ أَهْلَهُ بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَوَعَّدَ مُخَالِفِيهِ بِشَقَاوَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ نَصَرَهُ اللَّهُ، وَأَظْهَرَهُ، وَأَتَمَّ دِينَهُ، وَأَعَلَى كَلِمَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ الْعَاقِبَةَ، وَأَذَلَّ مُخَالِفِيهِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ خَرْقِ الْعَادَاتِ الْمُقْتَرِنِ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ خَرْقِ الْعَادَاتِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَيْهَا.
وَقَدْ يَغْرَقُ فِي الْبَحْرِ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيٍّ بِخِلَافِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ آيَةً بَيِّنَةً لِمُوسَى، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُوسَى ﵊ مِنْ أَنَّ الْكَذَّابَ لَا يَتِمُّ أَمْرُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ لَا يَلِيقُ بِهِ تَأْيِيدُ الْكَذَّابِ عَلَى
[ ٦ / ٤١٨ ]
كَذِبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ، وَلِهَذَا أَعْظَمُ الْفِتَنِ فِتْنَةُ الدَّجَّالِ الْكَذَّابِ لِمَا اقْتَرَنَ بِدَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةَ بَعْضُ الْخَوَارِقِ كَانَ مَعَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ مِنْ وَجُوهٍ:
مِنْهَا: دَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةَ وَهُوَ أَعْوَرُ، وَاللَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ قَارِئٍ وَغَيْرُ قَارِئٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ الثَّلَاثَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَأَمَّا تَأْيِيدُ الْكَذَّابِ، وَنَصْرُهُ، وَإِظْهَارُ دَعْوَتِهِ دَائِمًا فَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ، فَمَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ بِالْعَادَةِ وَالسُّنَّةِ فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَمَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْحِكْمَةِ فَحِكْمَتُهُ تُنَاقِضُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِذِ الْحَكِيمُ لَا يَفْعَلُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢] (٢٢) ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]
فَأَخْبَرَ أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي لَا تَبْدِيلَ لَهَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَالْإِيمَانُ الْمُسْتَلْزِمُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا نُقِضَ
[ ٦ / ٤١٩ ]
الْإِيمَانُ بِالْمَعَاصِي كَانَ الْأَمْرُ بِحَسَبِهِ كَمَا جَرَى يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] (٤٢) ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ، وَلَا يُوجَدُ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلٌ تُسْتَبْدَلُ بِغَيْرِهَا وَلَا تَتَحَوَّلُ، فَكَيْفَ النَّصْرُ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الِاسْمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ، - وَهُمُ الْكُفَّارُ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ -، وَمَنْ فِيهِ شُعْبَةُ نِفَاقٍ:
[ ٦ / ٤٢٠ ]
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] (٦٠) ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] (٦١) ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]
وَالسُّنَّةُ هِيَ الْعَادَةُ، فَهَذِهِ عَادَةُ اللَّهِ الْمَعْلُومَةُ، فَإِذَا نَصَرَ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَأَتْبَاعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَإِمَّا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِمَّا بَاطِنًا نَصْرًا مُسْتَقِرًّا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ إِذْ كَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ وَعَادَتُهُ نَصْرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَنْبِيَاءِ الصَّادِقِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، كَمَا أَنَّ سُنَّتَهُ تَأْيِيدُهُمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَهَذِهِ مِنْهَا
وَمَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَهُوَ كَاذِبٌ فَهُوَ مِنْ أَكْفَرِ الْكُفَّارِ، وَأَظْلَمِ الظَّالِمِينَ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢]
[ ٦ / ٤٢١ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]
وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اللَّهُ يَمْقُتُهُ، وَيُبْغِضُهُ، وَيُعَاقِبُهُ، وَلَا يَدُومُ أَمْرُهُ، بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ " ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]»
وَقَالَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرِّيَاحُ تُقْوِمُهَا تَارَةً وَتُمِيلُهَا أُخْرَى، وَمَثَلُ
[ ٦ / ٤٢٢ ]
الْمُنَافِقِ مَثَلُ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَزَالُ ثَابِتَةً عَلَى أَصْلِهَا حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» ". فَالْكَاذِبُ الْفَاجِرُ وَإِنْ أُعْطِيَ دَوْلَةً فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَبَقَاءِ ذَمِّهِ، وَلِسَانِ السُّوءِ لَهُ فِي الْعَالَمِ، وَهُوَ يَظْهَرُ سَرِيعًا وَيَزُولُ سَرِيعًا كَدَوْلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَالْحَارِثِ الدِّمَشْقِيِّ، وَبَابَا الرُّومِيِّ، وَنَحْوِهِمْ.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُمْ يُبْتَلَوْنَ كَثِيرًا لِيُمَحَّصُوا بِالْبَلَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يُمَكِّنُ الْعَبْدَ إِذَا ابْتَلَاهُ، وَيَظْهَرُ أَمْرُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا كَالزَّرْعِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]
[ ٦ / ٤٢٣ ]
وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلَ مَا يَتْبَعُهُمْ ضُعَفَاءُ النَّاسِ، فَاعْتِبَارُ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَنْبِيَائِهِ الصَّادِقِينَ، وَفِي أَعْدَاءِ اللَّهِ وَالْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ، مِمَّا يُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَبَيْنَ دَلَائِلِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ، وَدَلَائِلِ الْمُتَنَبِّئِ الْكَذَّابِ.
وَقَدْ ذُكِرَ ابْتِلَاءُ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ كَوْنُ الْعَاقِبَةِ لَهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]
وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٦ / ٤٢٤ ]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩] (١٠٩) ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠] (١١٠) ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]
[ ٦ / ٤٢٥ ]
[فَصْلٌ: دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ أَخْبَارٌ تَحْمِلُ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ]
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ يَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وَنَوْعٌ يَحُضُّ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الرَّغْبَةِ فِيهِ أَوِ الرَّهْبَةِ مِنْهُ
فَالْأَوَّلُ: مِنْ جِنْسِ الْخَيْرِ الْمُجَرَّدِ
وَالثَّانِي: مِنْ جِنْسِ الْحَثِّ وَالطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ وَالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ، وَذَلِكَ كَمَنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ جَمَادَاتٍ أَوْ حَيَوَانَاتٍ أَوْ نَبَاتٍ لَيْسَ لَهُ فِيهَا غَرَضٌ لَا حُبٌّ وَلَا بُغْضٌ، فَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ صَدِيقَهُ، وَوَلَدَهُ، وَمَحْبُوبَهُ، وَمَالَهُ، وَأَهْلَهُ، وَأَهْلَ دِينِهِ، وَفِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ عَدُوَّهُ، وَمُبْغِضَهُ، وَمَنْ يَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَيَقْتُلُهُ، وَيَأْخُذُ مَالَهُ، فَكَذَلِكَ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ هِيَ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ، ثُمَّ يُعْلَمُ مَا يُخْبِرُ بِهِ النَّبِيُّ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ، فَهَذَا طَرِيقٌ صَحِيحٌ عَامٌّ.
وَأَمَّا إِثْبَاتُ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا فَعَلَهُ بِهِمْ، وَبِأَتْبَاعِهِمْ مِنَ النَّجَاةِ، وَالسَّعَادَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَحُسْنِ الْعَاقِبَةِ، وَمَا جَعَلَهُ لَهُمْ مِنْ لِسَانِ الصِّدْقِ، وَمَا فَعَلَهُ بِمُكَذِّبِيهِ وَمُخَالِفِيهِ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ، وَإِتْبَاعِهِمُ
[ ٦ / ٤٢٦ ]
اللَّعْنَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَهَذَا يَدُلُّ مَعَ صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي اتِّبَاعِهِمْ، وَالرَّهْبَةِ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ فَفِيهِ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ، وَالْمَوْعِظَةُ، وَالْوَعْظُ هُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ بِتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦] . . .
أَيْ يُؤْمَرُونَ بِهِ، وَقَالَ
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]
أَيْ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَكْمَلُ وَأَبْلَغُ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِمْ، وَالرَّغْبَةَ فِي اتِّبَاعِهِمْ، وَالرَّهْبَةَ مِنْ خِلَافِهِمْ، وَتُفِيدُ صِحَّةَ الدِّينِ الَّذِي دَعَوْا إِلَيْهِ، وَسَعَادَةَ أَهْلِهِ، وَفَسَادَ الدِّينِ الْمُخَالِفِ لِدِينِهِمْ، وَشَقَاوَةَ أَهْلِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ
[ ٦ / ٤٢٧ ]
بِـ (قَافْ) وَ(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) لِمَا فِيهِمَا مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ، وَسُورَةُ (قَافْ) كَانَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهَا جَامِعَةٌ لِإِثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ، وَالْمَعَادِ، وَبَيَانِ حَالِ مُتَّبِعِي الْأَنْبِيَاءِ وَمُخَالِفِيهِمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهَا ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ [ق: ١٢] (١٢) ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] (١٣) ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤]
[ ٦ / ٤٢٨ ]
[فَصْلٌ: مَنْ طَلَبَ آيَةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَالْحِكْمَةُ مِنْ تَتَابُعِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى النُّبُوَّةِ]
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرْسَلَ نَبِيًّا وَأَتَى بِآيَةٍ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ قَامَتْ بِهَا الْحُجَّةُ، وَظَهَرَتْ بِهَا الْمَحَجَّةُ، فَمَنْ طَالَبَهُمْ بِآيَةٍ ثَانِيَةٍ لَمْ تَجِبْ إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ وَقَدْ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ بِآيَةٍ ثَانِيَةٍ طُولِبَ بِثَالِثَةٍ، وَإِذَا جَاءَ بِثَالِثَةٍ طُولِبَ بِرَابِعَةٍ، وَطَلَبُ الْمُتَعَنِّتِينَ لَا أَمَدَ لَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ فِي مَسْأَلَةِ عِلْمٍ أَوْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّتِي يَتَخَاصَمُونَ فِيهَا، وَقَالَ: أَنَا لَا أَقْبَلُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ كَانَ ظَالِمًا مُتَعَدِّيًا، وَلَمْ يَجِبْ إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا يُمَكِّنِ الْحُكَّامُ الْخُصُومَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِحَقِّ الْمُدَّعِي حُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ: أُرِيدُ بَيِّنَةً ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، وَرَابِعَةً، لَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ، فَحَقُّ اللَّهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَبِرُسُلِهِ أَوْلَى إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً أَوْجَبَتْ عَلَى الْخَلْقِ الْإِيمَانَ بِرُسُلِهِ أَنْ لَا يُجِبْ إِجَابَةَ الطَّالِبِ إِلَى ثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ فِي تَتَابُعِ الْآيَاتِ حِكْمَةٌ، فَيُتَابِعُ تَعَالَى بَيْنَ الْآيَاتِ، كَمَا أَرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ بِآيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِعُمُومِ دَعْوَتِهِ وَشُمُولِهَا، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ كُلَّمَا كَثُرَتْ، وَتَوَارَدَتْ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ
[ ٦ / ٤٢٩ ]
كَانَ أَوْكَدَ وَأَظْهَرَ وَأَيْسَرَ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ فَقَدْ يَعْرِفُ دَلَالَةَ أَحَدِ الْأَدِلَّةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْآخَرَ، وَقَدْ يُبَلِّغُ هَذَا مَا لَمْ يُبَلِّغْ هَذَا، وَقَدْ يُرْسَلُ الْأَنْبِيَاءُ بِآيَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَتُقْسَى قُلُوبُ الْكُفَّارِ عَنِ الْإِيمَانِ لِتَتَابُعِ الْآيَاتِ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ لِيَنْتَشِرَ ذَلِكَ، وَيَظْهَرَ، وَيَبْلُغَ ذَلِكَ قَوْمًا آخَرِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِيمَانِهِمْ، كَمَا فَعَلَ بِآيَاتِ مُوسَى، وَآيَاتِ مُحَمَّدٍ، كَمَا ذَكَرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ يُقْسِي قَلْبَ فِرْعَوْنَ لِتَظْهَرَ عَجَائِبُهُ وَآيَاتُهُ، وَكَمَا صَدَّ الْمُكَذِّبِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى يُمَانِعُوهُ، وَيَسْعَوْا فِي مُعَارَضَتِهِ، وَالْقَدْحِ فِي آيَاتِهِ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ عَجْزُهُمْ عَنْ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرِهِ مِنْ آيَاتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ ظُهُورِ آيَاتِهِ، وَبَرَاهِينِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوِ اتُّبِعَ ابْتِدَاءً بِدُونِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَى يَقِينِهِ، وَصَبْرِهِ، وَجِهَادِهِ، وَيَقِينِ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَصَبْرِهِمْ، وَجِهَادِهِمْ مَا يَنَالُونَ بِهِ عَظِيمَ الدَّرَجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَدْ تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ أَنْ لَا يُرْسِلَ بِالْآيَاتِ الَّتِي تُوجِبُ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ آيَاتٍ غَيْرَ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءُوا، بِهَا فَتَارَةً يُجِيبُهُمُ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَتَارَةً لَا يُجِيبُهُمْ لِمَا فِيهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَضَرَّةِ وَالْمَفْسَدَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَفْعَلُ لِلْحِكْمَةِ، وَمَنْ لَمْ يُعَلِّلْ أَفْعَالَهُ يَرُدُّ ذَلِكَ إِلَى
[ ٦ / ٤٣٠ ]
مَحْضِ الْمَشِيئَةِ، وَيَقُولُ: اقْتَرَنَ بِالْمُرَادِ وَالْمَفْسَدَةِ عَادَةً، وَسُنَّةً مِنَ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا لِهَذَا.
وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ رُبَّمَا طَلَبَ تِلْكَ الْآيَاتِ رَغْبَةً مِنْهُ فِي إِيمَانِهِمْ بِهَا، فَيُجَابُ بِأَنَّ الْآيَاتِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْهُدَى، بَلْ تَسْتَلْزِمُ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ، وَتُوجِبُ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ لِمَنْ كَذَّبَ بِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ يُظْهِرُ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةَ مَعَ طَبْعِهِ عَلَى قَلْبِ الْكَافِرِ، كَمَا فَعَلَ بِفِرْعَوْنَ، وَأَبِي لَهَبٍ، وَغَيْرِهِمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ، وَالتَّوْرَاةُ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُظْهِرُهَا لِانْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ فِيهَا أَوْ لِوُجُودِ الْمَفْسَدَةِ. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] (١٠٩) ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] (١١٠) ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]
[ ٦ / ٤٣١ ]
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَا مَنَعَهُ أَنْ يُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَكْذِيبُ الْأَوَّلِينَ بِهَا الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهَا الْهَلَاكَ، فَإِذَا كَذَّبَ بِهَا هَؤُلَاءِ اسْتَحَقُّوا مَا اسْتَحَقَّهُ أُولَئِكَ مِنْ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ فِي عَامَّةِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ مَا رَوَاهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْمُسْنَدِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الْجِبَالَ حَتَّى يَزْرَعُوا. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ تَسْتَأْنِي بِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَأَلُوا فَإِنْ كَفَرُوا هَلَكُوا كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ قَبْلَهُمْ. قَالَ: لَا بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]
[ ٦ / ٤٣٢ ]
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]
قَالَ: رَحْمَةٌ لَكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ، أَنَّا لَوْ أَرْسَلْنَا بِالْآيَاتِ فَكَذَّبْتُمْ بِهَا أَصَابَكُمْ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَكُمْ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ: أَنَّ الْيَهُودَ طَلَبُوا مِنَ الْمَسِيحِ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ فَقَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ: الْأُمَّةُ الْفَاجِرَةُ تَطْلُبُ آيَةً، وَلَا تُعْطَى إِلَّا مِثْلَ آيَةِ نُونَانَ
[ ٦ / ٤٣٣ ]
وَقَدْ كَانَتِ الْآيَاتُ يَأْتِي بِهَا مُحَمَّدٌ ﷺ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] (٤) ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥] (٥) ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] (٦) ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] (٧) ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] (٨) ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] (٩) ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] (١٠) ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١]
[ ٦ / ٤٣٤ ]
أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِأَنَّ الْآيَاتِ تَأْتِيهِمْ، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَعْرَضُوا عَنْهَا، وَأَنَّهُمْ بِتَكْذِيبِهِمُ الْحَقَّ سَوْفَ يَرَوْنَ صِدْقَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، كَمَا أَهْلَكَ مَنْ قَبْلَهُمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي هِيَ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]
وَأَخْبَرَ بِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الرَّسُولَ مَلَكًا لَجَعَلَهُ عَلَى صُورَةِ الرَّجُلِ إِذْ كَانُوا لَا يُطِيقُونَ أَنْ يَرَوُا الْمَلَائِكَةَ فِي صُوَرِهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ اللَّبْسُ يَقَعُ لِظَنِّهِمْ أَنَّ الرَّسُولَ بَشَرٌ لَا مَلَكٌ، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] (٩٠) ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] (٩١) ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] (٩٢) ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] (٩٣) ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] (٩٤) ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] (٩٥)
[ ٦ / ٤٣٥ ]
وَهَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا لَوْ أُجِيبُوا بِهَا، وَلَمْ يُؤْمِنُوا أَتَاهُمْ عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَهِيَ مِمَّا لَا يَصْلُحُ الْإِتْيَانُ بِهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ " حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا " يَقْتَضِي تَفْجِيرَ الْيَنْبُوعِ بِأَرْضِ مَكَّةَ فَيَصِيرُ وَادِيًا ذَا زَرْعٍ، وَاللَّهُ مِنْ حِكْمَتِهِ جَعْلُ بَيْتِهِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ لِئَلَّا يَكُونَ عِنْدَهُ مَا تَرْغَبُ النُّفُوسُ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا فَيَكُونَ حَجُّهُمْ لِلدُّنْيَا لَا لِلَّهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ يُفَجِّرُ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا كَانَ فِي هَذَا مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا مَا يَقْتَضِي نَقْصَ دَرَجَتِهِ، وَانْخِفَاضَ مَنْزِلَتِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، وَالزُّخْرُفُ الذَّهَبُ، وَأَمَّا إِسْقَاطُ السَّمَاءِ كِسَفًا فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
[ ٦ / ٤٣٦ ]
وَهُوَ لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَوْلُهُمْ " كَمَا زَعَمْتَ " كَذِبٌ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُرِيدُوا التَّمْثِيلَ فَيَكُونَ الْقِيَاسُ فَاسِدًا، وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا فَهَذَا لَمَّا سَأَلَ قَوْمُ مُوسَى مَا هُوَ دُونَهُ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] (٥٥) ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] وَأَمَّا إِنْزَالُ الْكِتَابِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣] (١٥٣) ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤] (١٥٤) ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] (١٥٥) ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] (١٥٦) ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] (١٥٧) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] (١٥٨) ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (١٥٩) ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] (١٦٠) ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] . . . .
[ ٦ / ٤٣٧ ]
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَأَلُوهُ إِنْزَالَ كِتَابٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ سَأَلُوهُ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ لَا تُؤْمِنُ إِذَا
[ ٦ / ٤٣٨ ]
جَاءَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ تَعَنُّتًا فَقَالَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ:
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]
وَذَكَرَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ جَهْرَةً فَقَالَ:
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣] (١٥٣) ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤] فَهُمْ مَعَ هَذَا نَقَضُوا الْمِيثَاقَ، وَكَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، وَقَتَلُوا النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ فَكَانَ فِي هَذَا مِنَ الِاعْتِبَارِ لِأُمَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمُكَذِّبَةَ بِكَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ
[ ٦ / ٤٣٩ ]
إِذَا جَاءَتْهُمُ الْآيَاتُ الْمُقْتَرَحَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا لَمْ يَكُ فِي مَجِيئِهَا مَنْفَعَةٌ لَهُمْ بَلْ فِيهَا مَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَهُمْ عُقُوبَةَ الِاسْتِئْصَالِ إِذَا جَاءَتْهُمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، وَتَغْلِيظِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَنْ لَا يُنْزِلَ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ أَعْظَمَ رَحْمَةً وَحِكْمَةً.
وَقَدْ عَرَضَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يُهْلِكَ قَوْمَهُ لَمَّا كَذَّبُوهُ فَقَالَ: بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَا لَيْلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ عَلَى وَجْهِي، وَأَنَا مَهْمُومٌ فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ،
[ ٦ / ٤٤٠ ]
وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» أَخْرَجَاهُ.
وَلَمَّا طُلِبَ مِنَ الْمَسِيحِ الْمَائِدَةَ كَانَتْ مِنَ الْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِمَنْ كَفَرَ بِهَا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ تَعَالَى:
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] (١١٢) ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] (١١٣) ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (١١٤) ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] وَكَانَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ يُهْلِكُ اللَّهُ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ بِعَذَابِ
[ ٦ / ٤٤١ ]
الِاسْتِئْصَالِ عَذَابًا عَاجِلًا يُهْلِكُ اللَّهُ بِهِ جَمِيعَ الْمُكَذِّبِينَ كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ، وَكَمَا أَهْلَكَ عَادًا، وَثَمُودَ، وَأَهْلَ مَدْيَنَ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَكَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ، وَأَظْهَرَ آيَاتٍ كَثِيرَةً لَمَّا أَرْسَلَ مُوسَى لِيَبْقَى ذِكْرُهَا وَخَبَرُهَا فِي الْأَرْضِ، إِذْ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ لَمْ يُهْلِكْ أُمَّةً بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، بَلْ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣]
بَلْ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمَّا يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي يُعَذَّبُ بَعْضُهُمْ وَيَبْقَى بَعْضُهُمْ، إِذْ كَانُوا لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا لَمْ يَزَلْ فِي الْأَرْضِ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَاقِيَةً. قَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ:
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]
[ ٦ / ٤٤٢ ]
وَكَانَ مِنْ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ﷾ لَمَّا أَرْسَلَ مُحَمَّدًا أَنْ يُهْلِكَ قَوْمَهُ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ كَمَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ، بَلْ عَذَّبَ بَعْضَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ كَمَا عَذَّبَ طَوَائِفَ مِمَّنْ كَذَّبَهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ كَالْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] (٩٥) ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] فَعَذَّبَ اللَّهُ كُلَّ وَاحِدٍ بِعَذَابٍ مَعْرُوفٍ، وَكَالَّذِي دَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ، فَكَانَ يَحْتَرِسُ بِقَوْمِهِ فَجَاءَهُ الْأَسَدُ وَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَقَتَلَهُ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]
[ ٦ / ٤٤٣ ]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُعَذِّبُ الْكُفَّارَ تَارَةً بِأَيْدِي عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجِهَادِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَتَارَةً بِعَذَابٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَكَانَ يُعَذِّبُهُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مِمَّا يُوجِبُ إِيمَانَ أَكْثَرِهِمْ كَمَا جَرَى لِقُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا كَذَّبُوهُ لَوْ أَهْلَكَهُمْ كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَمَنْ قَبْلَهُمْ لَبَادَتَا وَانْقَطَعَتِ الْمَنْفَعَةُ بِهِ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ تُؤْمِنُ بِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا عَذَّبَ بَعْضَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ، وَلَوْ بِالْهَزِيمَةِ وَالْأَسْرِ وَقَتْلِ بَعْضِهِمْ كَمَا عُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنَّ فِي هَذَا مِنْ إِذْلَالِهِمْ وَقَهْرِهِمْ مَا يُوجِبُ عَجْزَهُمْ مَعَ بَقَائِهِمْ، وَالنُّفُوسُ إِذَا كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى كَمَالِ أَغْرَاضِهَا فَلَا تَكَادُ تَنْصَرِفُ عَنْهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَجَزَتْ عَنْ كَمَالِ أَغْرَاضِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَدْعُوهَا إِلَى التَّوْبَةِ، كَمَا يُقَالُ: مِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تُقَدَّرَ. فَكَانَ مَا وَقَعَ بِهِمْ تَعْجِيزًا وَزَاجِرًا وَدَاعِيًا إِلَى التَّوْبَةِ، وَلِهَذَا آمَنَ عَامَّتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، وَهُمْ صَنَادِيدُ الْكُفْرِ الَّذِينَ كَانَ أَحَدُهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَفِرْعَوْنَ فِي تِلْكَ الْأُمَّةِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «عَنْ أَبِي جَهْلٍ: " هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ لِمُوسَى فِي التَّوْرَاةِ: إِنِّي أُقَسِّي قَلْبَ فِرْعَوْنَ فَلَا يُؤْمِنُ بِكَ لِتَظْهَرَ آيَاتِي وَعَجَائِبِي
[ ٦ / ٤٤٤ ]
بَيَّنَ أَنَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ انْتِشَارَ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَنْبِيَائِهِ فِي الْأَرْضِ، إِذْ كَانَ مُوسَى قَدْ أَخْبَرَ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لَهُ، وَبِكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ لَهُ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُبْقِي ذِكْرَهَا فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ مِنْ تَقْسِيَتِهِ قَلْبَ فِرْعَوْنَ مَا أَوْجَبَ أَنْ أَهْلَكَهُ وَقَوْمَهُ أَجْمَعِينَ، وَفِرْعَوْنُ كَانَ جَاحِدًا لِلصَّانِعِ مُنْكِرًا لِرُبُوبِيَّتِهِ لَا يُقِرُّ بِهِ، فَلِذَلِكَ أَتَى مِنَ الْآيَاتِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ، وَأَمَّا بَنُو إِسْرَائِيلَ مَعَ الْمَسِيحِ فَكَانُوا مُقِرِّينَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى مِثْلِ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مُوسَى وَمُحَمَّدٌ ﷺ، لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَى تَقْرِيرِ جِنْسِ النُّبُوَّةِ إِذْ كَانَتِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ جَاءَتْ بِمَا ثَبَتَ ذَلِكَ، وَقَوْمُهُ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى تَثْبِيتِ نُبُوَّتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَأَظْهَرَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ مِثْلَ آيَاتِ مَنْ قَبْلَهُ وَأَعْظَمَ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَأْتِ بِآيَاتِ الِاسْتِئْصَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ مُكَذِّبُهَا الْعَذَابَ الْعَامَّ الْعَاجِلَ كَمَا اسْتَحَقَّهُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وَهُودٍ، وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلِهَذَا يُبَيِّنُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ لَا تَنْفَعُهُمْ إِذْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِهَا، وَلَكِنْ تَضُرُّهُمْ إِذْ كَانُوا يَسْتَحِقُّونَ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ إِذَا كَذَّبُوا حِينَئِذٍ، وَمَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ وَعَدَمِ الْمُقْتَضِي لَا يَصْلُحُ الْفِعْلُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ لَمْ يُعَلِّلْ
[ ٦ / ٤٤٥ ]
فَلَا يَطْلُبُ سَبَبًا وَلَا حِكْمَةً، بَلْ يَرُدُّ الْأَمْرَ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]
وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ قُلُوبَ هَؤُلَاءِ كَقُلُوبِ أُولَئِكَ الْأَوَّلِينَ فَيُكَذِّبُونَ بِهَا فَيَسْتَحِقُّونَ بِهَا مَا اسْتَحَقَّهُ أُولَئِكَ كَقَوْمِ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَشُعَيْبٍ، وَلُوطٍ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ - تَعَالَى -:
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] (٥٢) ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] (٥٣) ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] (٥٤) ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ:
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠]
[ ٦ / ٤٤٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] (٤٣) ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] (٤٤) ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] (٤٥) ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]
ذَكَرَ هَذَا فِي سُورَةِ (اقْتَرَبَتِ) الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، وَإِعْرَاضَهُمْ عَنِ الْآيَاتِ، وَقَوْلَهُمْ: هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَتَكْذِيبَهُمْ، وَاتِّبَاعَهُمْ أَهْوَاءَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (١) ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] (٢) ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] (٣)
ثُمَّ قَالَ:
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤]
أَيْ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ أَيْ مَا يَزْجُرُهُمْ عَنِ الْكُفْرِ، إِذْ كَانَ فِي تِلْكَ الْإِنْبَاءَاتِ بَيَانُ صِدْقِ الرَّسُولِ، وَالْإِنْذَارُ لِمَنْ كَذَّبَهُ بِالْعَذَابِ كَمَا عُذِّبَ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَلِهَذَا يَقُولُ عَقِيبَ
[ ٦ / ٤٤٧ ]
الْقِصَّةِ:
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]
أَيْ كَيْفَ كَانَ عَذَابِي لِمَنْ كَذَّبَ رُسُلِي وَإِنْذَارِي بِذَلِكَ قَبْلَ مَجِيئِهِ يُبَيِّنُ صِدْقَ قَوْلِهِ الَّذِي أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَعُقُوبَتَهُ لِمَنْ كَذَّبَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الْمُكَذِّبِينَ كَنُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤١] (٤١) ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]
فَإِنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ كَذَّبُوا بِجَمِيعِ آيَاتِ مُوسَى، وَجَمِيعِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَكَذَّبُوا بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، إِذْ كَانُوا جَاحِدِينَ لِلْخَالِقِ مُنْكِرِينَ لَهُ فَكَذَّبُوا بِآيَاتِهِ كُلِّهَا، ثُمَّ قَالَ:
(أَكُفَّارُكُمْ) أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الَّتِي أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ إِلَيْهَا ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣]
الَّذِينَ كَذَّبُوا نُوحًا، وَهُودًا، وَصَالِحًا، وَلُوطًا، وَمُوسَى
﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] (٤٣) ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]
[ ٦ / ٤٤٨ ]
وَذَلِكَ أَنَّ كَوْنَكُمْ لَا تُعَذَّبُونَ مِثْلَ مَا عُذِّبُوا إِذَا كَذَّبْتُمْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِكُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ فَلَا تَسْتَحِقُّونَ مِثْلَ مَا اسْتَحَقُّوا أَوْ لِكَوْنِ اللَّهِ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُكُمْ فَتَكُونُ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ فَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِخَبَرِهِ، فَإِنَّ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَارَةً يُعْلَمُ بِخَبَرِهِ، وَتَارَةً يُعْلَمُ بِسُنَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونُوا عَلِمْتُمْ هَذَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَوْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، هَذَا إِنْ نُظِرَ إِلَى مَا فَعَلَ اللَّهُ الَّذِي لَا طَاقَةَ لِلْبَشَرِ بِهِ، وَإِنْ نُظِرَ إِلَى قُوَّةِ الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِهِ فَيَقُولُونَ:
﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] (٧٣) ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] أَيْ أَمْوَالًا وَمَنْظَرًا، فَقَالَ تَعَالَى:
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]
[ ٦ / ٤٤٩ ]
أَخْبَرَ بِهَزِيمَتِهِمْ، وَهُوَ بِمَكَّةَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْأَتْبَاعِ، وَضَعْفٍ مِنْهُمْ، وَلَا يَظُنُّ أَحَدٌ بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ أَنَّ أَمْرَهُ يَظْهَرُ وَيَعْلُو قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرَهَا هُزِمَ جَمْعُهُمْ، وَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢] (٢٢) ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]
وَحَيْثُ ظَهَرَ الْكُفَّارُ فَإِنَّمَا ذَاكَ لِذُنُوبِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أَوْجَبَتْ نَقْصَ إِيمَانِهِمْ، ثُمَّ إِذَا تَابُوا بِتَكْمِيلِ إِيمَانِهِمْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]
وَقَالَ:
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]
فَإِذَا كَانَ مِنْ تَمَامِ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ هَلَاكَ
[ ٦ / ٤٥٠ ]
اسْتِئْصَالٍ كَمَا أَهْلَكَ الْمُكَذِّبِينَ، وَكَانَتِ الْآيَاتُ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا مُوجِبَةً لِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ كَمَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ كَمَا قَالَ:
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣]
كَانَ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُوجِبِ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ مَعَ إِتْيَانِهِ سُبْحَانَهُ بِمَا يُقِيمُ الْحُجَّةَ وَيُوَضِّحُ الْمَحَجَّةَ أَكْمَلَ فِي الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، إِذْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ مِنَ الْآيَاتِ حَصَلَ بِهِ كَمَالُ الْخَيْرِ، وَالْمَنْفَعَةُ، وَالْهُدَى، وَالْبَيَانُ، وَالْحُجَّةُ عَلَى مَنْ كَفَرَ، وَمَا امْتَنَعَ مِنْهُ دَفَعَ مِنْ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، وَالْهَلَاكِ، وَالْعَذَابِ الْعَامِّ مَا أَوْجَبَ بَقَاءَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ حَتَّى يَتُوبُوا، وَيُؤْمِنُوا، وَيَهْتَدُوا، وَكَانَ فِي إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمَّا كَانَ خَاتَمَ الرُّسُلِ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالْمِنَنِ السَّابِغَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي رِسَالَةِ رَسُولٍ غَيْرِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
[ ٦ / ٤٥١ ]
[فَصْلٌ: كُلُّ مَا يُقَالُ فِي إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ مُتَّصِلٌ بِطَبِيعَةِ الْخَبَرِ]
جِمَاعُ الْكَلَامِ فِي النُّبُوَّةِ مُتَّصِلٌ بِالْكَلَامِ فِي جِنْسِ الْخَبَرِ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، خَبَرٌ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَكَذَلِكَ وُصُولُ كَلَامِهِ وَأَفْعَالِهِ وَآيَاتِهِ إِلَيْنَا هُوَ بِالْأَخْبَارِ، وَالْخَبَرُ تَارَةً يَكُونُ مُطَابِقًا لِمَخْبَرِهِ كَالصِّدْقِ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ صِدْقٌ، وَتَارَةً لَا يَكُونُ مُطَابِقًا لِمَخْبَرِهِ كَالْكَذِبِ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَغَيْرُ الْمُطَابِقِ مَعَ التَّعَمُّدِ كَذِبٌ، وَمَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ صِدْقٌ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا، كَالْمُفْتِي بِلَا اجْتِهَادٍ يُسَوِّغُ، وَالْمُحَدِّثِ بِلَا عِلْمٍ يُسَمَّى كَاذِبًا أَيْضًا، كَقَوْلِهِ ﷺ: " كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ "، وَقَوْلِهِ لِمَنْ قَالَ:
[ ٦ / ٤٥٢ ]
بَطَلَ عَمَلُ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ لَمَّا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً: " كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ ".
وَقَدْ تَكُونُ الْمُطَابَقَةُ فِي عِنَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي إِفْهَامِ الْمُخَاطَبِ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُطَابِقًا لِمَا عَنَاهُ الْمُتَكَلِّمُ، وَلَمْ يُطَابِقْ إِفْهَامَ الْمُخَاطَبِ، فَهَذَا أَيْضًا قَدْ يُسَمَّى كَذِبًا، وَقَدْ لَا يُسَمَّى، وَمِنْهُ الْمَعَارِيضُ، لَكِنْ يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْمَقْصُودُ، بَلْ يَكُونُ مَأْمُورًا بِالسُّكُوتِ عَنْهُ إِلَّا مَعَ الْبَيِّنَةِ، فَقَدْ يُسَمَّى كَاذِبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]،
[ ٦ / ٤٥٣ ]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْخَبَرَ قَدْ يُعْلَمُ أَنَّهُ صِدْقٌ، وَقَدْ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَقَدْ لَا يُعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ صِدْقٌ لَهُ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِمَخْبَرِهِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمُخْبِرِ كَمَنْ أَخْبَرَنَا بِأُمُورٍ يُعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ بِدُونِ خَبَرِهِ
وَالثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِهِ صَادِقٌ فِيهِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْأَمْرَانِ بِأَنْ يُعْلَمَ ثُبُوتُ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ) هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ كَذِبًا قَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَخْبَرِهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْكَذِبَ.
وَقَدْ يُعْنَى بِهِ أَنَّ قَائِلَهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْأَحَادِيثُ الْمَعْلُومُ بُطْلَانُهَا عَلَى نَوْعَيْنِ: تَارَةً يُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، وَتَارَةً يَكُونُ قَدْ غَلِطَ، وَالصَّحَابَةُ لَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَذَلِكَ جُمْهُورُ التَّابِعِينَ لَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَلَكِنْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ
[ ٦ / ٤٥٤ ]
الْأَهْوَاءِ كَالْخَوَارِجِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ، بَلْ يُقَالُ: هُمْ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا، وَالرَّجُلُ الْفَاسِقُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ يَكْذِبُ لَا بُدَّ أَنْ يَصْدُقَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ فَلَا يَكُونُ فِي النَّاسِ مَنْ لَا يُخْبِرُ إِلَّا بِكَذِبٍ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]
وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى:
فَتَثَبَّتُوا
فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ وَالتَّثَبُّتِ إِذَا أَخْبَرَ الْفَاسِقُ بِخَبَرٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِتَكْذِيبِهِ بِمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَصْدُقُ أَحْيَانًا، فَلَمَّا أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِالتَّبَيُّنِ وَالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ بِمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِ، إِذْ كَانَ فَاسِقًا قَدْ يَكْذِبُ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا تَكْذِيبُهُ قَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ قَدْ كَذَبَ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، لِأَنَّ الْفَاسِقَ قَدْ يَصْدُقُ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]
[ ٦ / ٤٥٥ ]
وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (فَتَثَبَّتُوا)
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]
فَأَمَرَهُمْ بِالتَّبَيُّنِ وَالتَّثَبُّتِ فِي الْجِهَادِ، وَأَنْ لَا يَقُولُوا لِلْمَجْهُولِ حَالُهُ: لَسْتَ مُؤْمِنًا، يَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَيَكُونُ إِخْبَارُهُمْ عَنْ كَوْنِهِ لَيْسَ مُؤْمِنًا خَبَرًا بِلَا دَلِيلٍ بَلْ لِهَوَى أَنْفُسِهِمْ لِيَأْخُذُوا مَالَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا أَلْقَى السَّلَمَ، وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (السَّلَامَ) فَقَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إِيمَانَهُ كَمَا كُنْتُمْ أَنْتُمْ مِنْ قَبْلُ مُؤْمِنِينَ تَكْتُمُونَ إِيمَانَكُمْ، فَإِذَا أَلْقَى الْمُسْلِمُ السَّلَامَ فَذَكَرَ أَنَّهُ مُسَالِمٌ لَكُمْ لَا مُحَارِبٌ فَتَثَبَّتُوا وَتَبَيَّنُوا، لَا تَقْتُلُوهُ وَلَا تَأْخُذُوا مَالَهُ حَتَّى تَكْشِفُوا أَمْرَهُ، هَلْ هُوَ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ؟ .
[ ٦ / ٤٥٦ ]
وَهَذَا خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ دَعْوَى لَهُ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ مُخْبِرٌ، وَالْمُنْكِرَ مُخْبِرٌ، وَالشَّاهِدَ مُخْبِرٌ، وَالْمُقِرَّ مُخْبِرٌ، وَكَمَا نَهَاهُمْ عَنْ تَكْذِيبِ الْمُدَّعِيَ بِلَا عِلْمٍ نَهَاهُمْ عَنْ تَصْدِيقِ الْمُنْكِرِ الْمُتَّهَمِ، وَرَمْيِ الْبَرِيءِ بِلَا حُجَّةٍ، وَتَبْرِئَتِهِ وَتَزْكِيَتِهِ بِلَا عِلْمٍ، فَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] (١٠٥) ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] (١٠٦) ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] (١٠٧) ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] (١٠٨) ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩] (١٠٩) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] (١١٠) ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١] (١١١) وَمَنْ ﴿يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] (١١٢) ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وَكَذَلِكَ نَهَاهُمْ عَنْ تَصْدِيقِ الْقَاذِفِ الرَّامِي لِمَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْخَيْرُ فَقَالَ:
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]
[ ٦ / ٤٥٧ ]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤] (١٤) ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] (١٥) ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]
وَهَذَا نَهْيٌ عَنِ التَّكَلُّمِ بِلَا عِلْمٍ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْأَخْبَارِ، وَقَدْ يَتَنَاوَلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَمَا قَدْ يَعْتَقِدُهُ بِغَيْرِ الْأَخْبَارِ مِنَ الدَّلَائِلِ، وَالْآيَاتِ، وَالْعَلَامَاتِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ فَلَا يَنْفِي شَيْئًا إِلَّا بِعِلْمٍ، وَلَا يُثْبِتُهُ إِلَّا بِعِلْمٍ، وَلِهَذَا كَانَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ
[ ٦ / ٤٥٨ ]
النَّافِيَ لِلشَّيْءِ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَلَى مَا يَنْفِيهِ كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ لِلشَّيْءِ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: النَّافِي لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ، فَأَوْجَبَهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ دُونَ الشَّرْعِيَّاتِ، وَهَؤُلَاءِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ النَّافِي بِالْمَانِعِ الْمُطَالِبِ، فَإِنَّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ آخَرُ: أَنَا لَا أَعْلَمُ هَذَا، وَلَا أُوَافِقُكَ عَلَيْهِ، وَلَا أُسَلِّمُهُ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِالدَّلِيلِ، كَانَ هَذَا مُصِيبًا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الْمَانِعِ الْمُطَالِبِ بِالدَّلِيلِ دَلِيلٌ، وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ عَلَى الْمُثْبِتِ بِخِلَافِ مَنْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ لَهُ: قَوْلُكَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ فِي نَقِيضِ قَوْلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كَذَا، فَإِنَّ هَذَا عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ كَمَا عَلَى ذَلِكَ الْمُثْبِتِ الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِدَلِيلٍ كَانَ كِلَاهُمَا بِلَا حُجَّةٍ.
وَلِهَذَا كَانَ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا أَوْ نَفَاهُ، وَطُلِبَ مِنْهُ الْحُجَّةُ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا كَانَ مُنْقَطِعًا فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَإِذَا اعْتَرَضَ الْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِمُمَانَعَةٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ فَأَجَابَ عَنْهَا انْقَطَعَ الْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِ، وَثَبَتَ قَوْلُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ إِذْ كَانَ الدَّلِيلُ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ هُوَ الدَّلِيلَ السَّالِمَ عَنِ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ، وَلَوْ أَقَامَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا فَعُورِضَ بِمَا لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتُهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَالْعِلْمُ لَا يُعَارِضُهُ الظَّنُّ، وَالْبَيِّنَاتُ لَا تُعَارَضُ بِالشُّبَهَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ، فَهُوَ سُبْحَانُهُ نَهَى عَنِ الْكَلَامِ بِلَا عِلْمٍ
[ ٦ / ٤٥٩ ]
مُطْلَقًا، وَخَصَّ الْكَلَامَ عَلَى اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
وَنَهَى عَنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فَقَالَ:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] (١٦٨) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] (١٦٩) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]
[ ٦ / ٤٦٠ ]
وَكَذَلِكَ ذَمَّ مَنْ يُجَادِلُ وَيُحَاجُّ بِلَا عِلْمٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]
وَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] (٣) ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] وَقَالَ تَعَالَى:
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]
يَتَنَاوَلُ خَبَرَ كُلِّ فَاسِقٍ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ كَمَا لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَئُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ
[ ٦ / ٤٦١ ]
ﷺ: " «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوهُ، وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوهُ، وَقُولُوا:
﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]»
وَهَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ إِمْسَاكِ الْإِنْسَانِ عَمَّا لَا يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ وَثُبُوتُهُ هُوَ مَأْثُورٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا جَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ.
وَعَامَّةُ عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ عَلَى هَذَا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَدَّقَ بِخَبَرٍ مَنْقُولٍ عَنِ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَذِّبَهُ إِلَّا بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ، وَعَلَى هَذَا الْعِلْمُ وَالدِّينُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ
[ ٦ / ٤٦٢ ]
الْعُلَمَاءُ وَصَنَّفُوا كُتُبًا كَثِيرَةً فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّجَالِ وَالْأَحَادِيثِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْرَفُ بِالصِّدْقِ وَالضَّبْطِ، فَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الْمَقْبُولُ خَبَرُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ صَدُوقًا لَكِنَّهُ قَدْ لَا يَحْفَظُ وَلَا يَضْبُطُ فَيَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا: هُوَ صَدُوقٌ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عُرِفَ بِالْكَذِبِ، وَإِذَا رَوَى الْحَدِيثَ مَنْ هُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ أَوْ مَنْ قَدْ يَكْذِبُ لَمْ يَحْكُمُوا بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُثْبِتُوهُ.
ثُمَّ تَارَةً يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى كَذِبِهِ، وَتَارَةً يَتَوَقَّفُونَ فِيهِ لَا يَعْلَمُونَ أَصِدْقٌ هُوَ أَمْ كَذِبٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعْتَقَدُ وَلَا يَثْبُتُ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، كَالشَّاهِدِ الَّذِي شَهِدَ لِلْمُدَّعِي، وَلَيْسَ بِعَدْلٍ مَرْضِيٍّ، أَوْ هُوَ خَصْمٌ أَوْ مُتَّهَمٌ ظِنِّينٌ، فَهَذَا إِذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَلَمْ تُقْبَلْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِكَذِبِهِ أَوْ خَطَئِهِ، بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَا يُحْكَمُ بِهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ، لَا لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ.
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ صَاحِبَ يَدٍ أَوْ ذِمَّتُهُ بَرِيئَةً فَهُوَ حُجَّةٌ تُرَجِّحُ جَانِبَهُ، وَقَدْ ضَمَّ إِلَيْهَا الشَّارِعُ الْيَمِينَ كَمَا فِي صَحِيحِ
[ ٦ / ٤٦٣ ]
الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُدَّعِي إِلَّا مُجَرَّدَ دَعْوَاهُ فَجَانِبُ الْمُنْكِرِ أَقْوَى مِنْ جَانِبِهِ لِأَنَّ مَعَهُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَيْدِي أَنَّهَا مُحِقَّةٌ، وَالْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْمُدَّعِي صَادِقًا، وَلَا يَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، فَلَا يُدْفَعُ بِمُجَرَّدِ الْأَصْلِ، بَلْ يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ فَيَكُونُ يَمِينُهُ مَعَ الْأَصْلِ بِحُجَّةٍ، فَيَكُونُ إِنْكَارُ هَذَا مُقَابِلًا لِدَعْوَى هَذَا، كِلَاهُمَا خَبَرٌ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ فَتَعَارَضَا، وَتَرَجَّحَ الْمُنْكِرُ بِالْأَصْلِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ لَا يُسَلَّمُ بِحُجَّةٍ لِلْمُدَّعِي مَا ادَّعَاهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا تَنْقَطِعُ مُطَالَبَتُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ تَدْفَعُهُ، فَإِذَا حَلَفَ الْمُنْكِرُ كَانَتْ يَمِينُهُ حُجَّةً فَصَلَتِ الْخُصُومَةَ، وَقَطَعَتِ الدَّعْوَى.
وَإِذَا لَمْ يَأْتِ الْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ بَلْ نَكَلَ عَنْهَا، وَلَا أَتَى الْمُدَّعِي بِحُجَّةٍ، وُقِفَ لِلْأَمْرِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: يَقْضِي عَلَى الْمُنْكِرِ بِالنُّكُولِ فَيَجْعَلُ نُكُولَهُ إِمَّا بَدَلًا لِمَا طَلَبَ، وَإِمَّا إِقْرَارًا بِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ: بَلْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي الطَّالِبِ الَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ يَعْلَمُ
[ ٦ / ٤٦٤ ]
صِدْقَ نَفْسِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ، وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا ادَّعَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: احْلِفْ وَخُذْ، فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ، وَإِلَّا دُفِعَا. ثُمَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرُدُّ الْيَمِينَ فِي عَامَّةِ الدَّعَاوِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْكِرُ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ مَا ادَّعَى بِهِ، وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ يَذْكُرُ آثَارًا عَنِ الصَّحَابَةِ.
وَالْمَنْقُولُ عَنِ الصَّحَابَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقَاوِيلِ، وَهُوَ أَنَّهُ: إِنْ كَانَ الْمُنْكِرُ هُوَ الْعَالِمَ دُونَ الْمُدَّعِي، كَمَا إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ، وَقَدْ بِيعَ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَنَا لَمْ أَعْلَمْ بِهِ، فَإِنَّهُ هُنَا يُقَالُ لَهُ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: احْلِفْ أَنَّكَ بِعْتَهُ وَمَا بِهِ دَاءٌ تَعْلَمُهُ. فَإِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ كَمَا قَضَى عُثْمَانُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِالنُّكُولِ
[ ٦ / ٤٦٥ ]
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَقُولُ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا ادَّعَى بِهِ، كَمَنِ ادَّعَى عَلَى آخَرَ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا فَقَالَ: أَنَا لَا أَعْلَمُ مَا ادَّعَيْتَهُ، احْلِفْ وَخُذْ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا.
وَالْبَيِّنَةُ فِي الدَّعَاوِي عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ هِيَ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ، وَيُظْهِرُهُ، وَيُوَضِّحُهُ، كَالدَّلِيلِ وَالْآيَةِ وَالْعَلَامَةِ، فَمَتَى تَرَجَّحَ جَانِبُ أَحَدِهِمَا حَلَفَ مِثْلَ أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِيَ شَاهِدًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَقْضِي بِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ كَمَا مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْيَمِينُ دَائِمًا فِي
[ ٦ / ٤٦٦ ]
جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ لَوَثٌ، وَلَطَخٌ، وَشُبْهَةٌ، وَهُوَ عَلَامَاتٌ تُرَجِّحُ جَانِبَ الْمُدَّعِي فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيُقْضَى لَهُمْ بِذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ.
وَكَذَلِكَ فِي اللِّعَانِ إِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ وَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَوَكَّدَهَا بِالْخَامِسَةِ فَقَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنِ الْتَعَنَتِ الْمَرْأَةُ، وَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ مُؤَكِّدَةٍ بِالْخَامِسَةِ أَنَّهُ كَاذِبٌ
[ ٦ / ٤٦٧ ]
تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَالشَّهَادَتَانِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ قَاذِفٌ، وَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ، وَإِنْ نَكَلَتْ فَلَمْ تَحْلِفْ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: يُحْكَمُ بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ، وَتُعَذَّبُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ شَهَادَةُ الزَّوْجِ، وَنُكُولُهَا عَنِ الْمُعَارَضَةِ، كَمَا اجْتَمَعَ فِي الْقَسَامَةِ الْعَلَامَةُ وَالْأَيْمَانُ، وَكَمَا اجْتَمَعَ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَكَمَا اجْتَمَعَ فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ الْأَصْلُ وَالْيَمِينُ.
فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وَبَسْطُهُ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْخَبَرَ إِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ أَوْ كَذِبِهِ، وَإِلَّا بَقِيَ مِمَّا لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إِذَا قَالُوا: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ فُلَانٌ، وَهُوَ مَجْرُوحٌ، أَوْ ضَعِيفٌ، أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ، أَوْ مِمَّنْ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: هَذَا الشَّاهِدُ مَجْرُوحٌ أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ أَوْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ، لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ، بَلْ قَدْ يُمْكِنُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ كَاذِبٌ إِلَّا بِحُجَّةٍ.
[ ٦ / ٤٦٨ ]
وَإِنْ قَالُوا عَنِ الْحَدِيثِ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ، فَهَذَا مُرَادُهُمْ أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِصِدْقِهِ، لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ يَحْكُمُ بِكَذِبِ النَّاقِلِ، وَيَنْفِي مَا نَقَلَهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مِنَّا بِهَذَا النَّفْيِ، بَلْ إِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ مَا أَخْبَرَ بِهِ حَكَمْنَا بِذَلِكَ، وَإِلَّا سَكَتْنَا، لَمْ نَنْفِهِ، وَلَمْ نُثْبِتْهُ، فَهَذَا أَصْلٌ يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يَنْفِيهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِهِ، وَبَيْنَ مَا لَمْ يُثْبِتْهُ لِعَدَمِ دَلِيلِ إِثْبَاتِهِ، بَلْ تَرَاهُمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا إِثْبَاتَهُ فَيَكُونُونَ قَدْ قَفَوْا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَقَالُوا بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَهَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ وَأَهْلِ الْإِسْنَادِ وَالْخَبَرِ، فَمِنَ الْأَوَّلِينَ طَوَائِفُ يَطْلُبُونَ الدَّلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ الشَّيْءِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوهُ نَفَوْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ، وَعَدَمَ الْوِجْدَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُجُودِ إِلَّا إِذَا كَانَ الطَّالِبُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، إِمَّا بِعِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ غَالِبٍ، فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى إِثْبَاتِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ الْقَطْعُ بِنَفْيِهِ، لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِالْقَطْعِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ النَّاسِ، وَقَالُوا: كَمَا لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ فِي الْإِثْبَاتِ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، فَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ فِي النَّفْيِ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلَى النَّفْيِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ نُثْبِتَ إِلَّا بِعِلْمٍ فَلَا نَنْفِي إِلَّا بِعِلْمٍ.
[ ٦ / ٤٦٩ ]
وَالنَّافِي عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَا عَلَى الْمُثْبِتِ الدَّلِيلُ. قَالَ هَؤُلَاءِ: هَذِهِ الْمَسَائِلُ مَبْنَاهَا عَلَى الْقَطْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا التَّكَلُّمُ فِيهَا بِالظَّنِّ، فَإِذَا لَمْ يَقُمِ الْقَاطِعُ قَطَعْنَا بِالنَّفْيِ. فَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِذَا نَفَيْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا نَفْيَهُ تَكَلَّمْتُمْ بِالظَّنِّ، وَإِذَا قَطَعْتُمْ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ كُنْتُمْ قَدْ تَكَلَّمْتُمْ فِي الْقَطْعِيَّاتِ بِلَا قَاطِعٍ، نَفْيًا كَانَ الْكَلَامُ أَوْ إِثْبَاتًا، وَلَيْسَ يُعْلَمُ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ عَلَى إِثْبَاتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكُمْ نَفْيُهُ، وَالْقَطْعُ بِنَفْيِهِ، بَلْ تَكَلُّمُكُمْ بِهَذَا تَكَلُّمٌ بِلَا عِلْمٍ.
وَمِنْ هُنَا أَخْطَأَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ فِي نَفْيِ كَثِيرٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ، وَأَحْكَامِهِ، وَأَفْعَالِهِ، حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا دَلِيلًا قَطْعِيًّا يُثْبِتُهَا فَنَفَوْهَا، وَكَانَتْ ثَابِتَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ يُثْبِتُهَا، وَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ عِلْمِ النَّاسِ كُلِّهِمْ بِهَا فَلِلَّهِ عِلْمٌ لَمْ يَعْلَمْهُ الْعِبَادُ، وَلِلَّهِ أَسْمَاءٌ اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ لَمْ يُعْلِمْهَا النَّاسَ، وَلَيْسَ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُ الصِّفَةِ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ انْتِفَاؤُهَا، بَلْ قَدْ يُظَنُّ ثُبُوتُهَا أَوِ انْتِفَاؤُهَا، وَقَدْ يُشَكُّ
[ ٦ / ٤٧٠ ]
فِي ذَلِكَ فَلَا يُعْلَمُ وَلَا يُظَنُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ لِمَا يَعْلَمُهُ: أَعْلَمُهُ، وَلِمَا يَظُنُّهُ: أَظُنُّهُ، وَلِمَا يَشُكُّ فِيهِ: أَشُكُّ فِيهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَقْطَعَ بِانْتِفَاءِ شَيْءٍ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُنْتَفٍ، فَمَنْ قَالَ: وَجَبَ عَلَيْنَا الْقَطْعُ بِانْتِفَاءٍ فَقَدْ غَلِطَ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يُنَاقِضُ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ، فَإِنَّ هَذَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنِ اللَّهِ، فَقَدْ عُلِمَ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْمُنَاقِضَةِ لِلنَّقْصِ، مِثْلَ: إِنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَرَبُّهُ، وَمَلِيكُهُ، وَأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَكُلُّ مَنْ قَالَ قَوْلًا يُنَاقِضُ هَذَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، كَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ لَهُ شَرِيكًا أَوْ وَلَدًا، أَوْ أَنَّهُ يَشْفَعُ عِنْدَهُ الشُّفَعَاءُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُنَاقِضُ الْكَمَالَ الْمَعْلُومَ لَهُ.
وَمَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ مُسْتَلْزِمًا لَوَازِمَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، كَالْأُمُورِ الَّتِي لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَوَجَبَ أَنْ تُنْقَلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا شَائِعًا، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ بُنِيَ بَيْنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ أَوْ بَيْنَ الْحِجَازِ
[ ٦ / ٤٧١ ]
وَالشَّامِ مَدِينَةٌ أَعْظَمُ مِنْ بَغْدَادَ وَالْمَوْصِلِ وَأَصْبَهَانَ وَمِصْرَ دُورُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ هِمَمُ النَّاسِ عَلَى نَقْلِهِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِذَا لَمْ يَسْتَفِضْ هَذَا وَيَنْتَشِرْ عُلِمَ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِهِ كَاذِبٌ.
وَكَذَا لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوِ الْعِيدِ قُتِلَ الْخَطِيبُ، وَلَمْ يُصَلِّ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَسْتَفِضْ هَذَا وَيَنْتَشِرْ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قُتِلَ بَعْضُ مُلُوكِ النَّاسِ، وَلَمْ يَسْتَفِضْ هَذَا، وَلَمْ يَنْتَشِرْ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ بُعِثَ نَبِيٌّ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ جَاءَ بِكِتَابٍ مِثْلَ الْقُرْآنِ أَوِ الْإِنْجِيلِ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَذَّبَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُ هَذَا، إِذْ مِثْلُ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَفِيضَ وَيَنْتَشِرَ.
، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَنَّ قُرَيْشًا أَوْ غَيْرَهُمْ عَارَضُوا الْقُرْآنَ، وَجَاءُوا بِكِتَابٍ يُمَاثِلُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ، وَأَبْطَلُوا بِهِ حُجَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى
[ ٦ / ٤٧٢ ]
أَنَّ مُحَمَّدًا أَمَرَ بِحَجِّ بَيْتٍ غَيْرِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ أَوْجَبَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ أَوْجَبَ صَلَاةً سَادِسَةً وَقْتَ الضُّحَى، أَوْ أَمَرَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِغَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ أَنَّهُ قَالَ عَلَانِيَةً بَيْنَ النَّاسِ لِأَبِي بَكْرٍ أَوِ الْعَبَّاسِ أَوْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمْ: هَذَا هُوَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، أَوْ أَنَّ عَلِيًّا دَعَا إِلَى نَفْسِهِ فِي خِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَوْ وَقَعَتْ لَكَانَ لَهَا لَوَازِمُ، يُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمُلْزَمِ، ثُمَّ هَذِهِ اللَّوَازِمُ مِنْهَا جَلِيٌّ، وَمِنْهَا خَفِيٌّ يَعْرِفُهُ الْخَاصَّةُ.
فَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ يَقْطَعُونَ بِكَذِبِ أَحَادِيثَ لَا يَقْطَعُ غَيْرُهُمْ بِكَذِبِهَا لِعِلْمِهِمْ بِلَوَازِمِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَانْتِفَاءِ لَوَازِمِهَا، كَمَا يَقْطَعُ مَنْ يَعْلَمُ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَأَنَّ غَزَوَاتِ الْقِتَالِ إِنَّمَا كَانَتْ تِسْعَةَ مَغَازِي، وَأَنَّهُ لَمْ يَغْزُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَلَا الْعِرَاقِ، وَلَا جَاوَزَ تَبُوكَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَّا حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَصُمْ إِلَّا تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ.
وَهَكَذَا يَعْلَمُونَ أَنَّ فُلَانًا أَخْطَأَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى فُلَانٍ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ إِنَّمَا رَوَاهُ عَلَى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِذَا رَوَى غَيْرُ الثِّقَةِ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ عَلِمُوا بُطْلَانَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ أَوْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، مِثْلَ مَا يَعْلَمُونَ كَذِبَ مَنْ زَادَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ -
[ ٦ / ٤٧٣ ]
ﷺ: " «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ» " فَزَادَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ: " أَوْ جَنَاحٍ " لَمَّا رَأَى بَعْضَ الْأُمَرَاءِ عِنْدَهُ حَمَامٌ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَذَبَ تَقَرُّبًا إِلَى ذَلِكَ الْأَمِيرِ.
وَكَمَا يَعْلَمُونَ كَذِبَ مَنْ رَوَى أَنَّ مُسَيْلِمَةَ وَقَوْمَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُعْطُوا الزَّكَاةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاتَّبَعَهُ قَوْمُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ يَقُولُ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ: " مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ " وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ
[ ٦ / ٤٧٤ ]
كَانَ لَهُ مَخَارِيقُ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَالصَّحَابَةَ قَاتَلُوهُ عَلَى كَذِبِهِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَقَاتَلُوا قَوْمَهُ عَلَى رِدَّتِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَاتِّبَاعِهِمْ نَبِيًّا كَاذِبًا لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ عَلَى كَوْنِهِمْ لَمْ يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ لِأَبِي بَكْرٍ.
وَكَذَلِكَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقُتِلَ فِي حَيَاتِهِ، كُلٌّ مِنْهُمَا عُرِفَ كَذِبُهُ
[ ٦ / ٤٧٥ ]
بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ وَالْمَصْدُوقِ لَهُمَا، وَمِمَّا ظَهَرَ مِنْ دَلَائِلِ كَذِبِهِمَا، مِثْلَ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي تُنَاقِضُ النُّبُوَّةَ، وَمِثْلَ الْإِتْيَانِ بِقُرْآنٍ مُخْتَلَقٍ يَعْلَمُ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ اللَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْنِيفُ الْآدَمِيِّينَ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَهُمْ لَمَّا تَابُوا مِنَ الرِّدَّةِ، وَعَادُوا إِلَى الْإِسْلَامِ: " أَسْمِعُونِي قُرْآنَ مُسَيْلِمَةَ فَلَمَّا أَسْمَعُوهُ إِيَّاهُ قَالَ: وَيْحَكُمُ أَيْنَ يُذْهَبُ بِعُقُولِكُمْ، إِنَّ هَذَا كَلَامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلٍّ " أَيْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ رَبٍّ، وَمِثْلَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ مِنَ الْفُجُورِ وَالْكَذِبِ، وَمِثْلَ اطِّلَاعِ أَخَصِّ النَّاسِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْذِبُ، وَيَسْتَعِينُ بِمَنْ يَخْتَلِقُ لَهُ الْكَذِبَ، وَمِثْلَ أَنَّهُ كَانَ يَعِدُهُمْ بِأَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيُنْصَرُ، فَلَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ لَا جِبْرِيلَ لَكُمْ فَقَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ. إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الْكَاذِبِ.
[ ٦ / ٤٧٦ ]
فَالصِّدْقُ لَهُ دَلَائِلُ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ تَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ، وَالْكَذِبُ لَهُ دَلَائِلُ مُسْتَلْزِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِصِدْقِ مُخْبِرٍ، وَلَا بِكَذِبِ مُخْبِرٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَمَا لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ، وَلَا ثُبُوتُهُ وَلَا انْتِفَاؤُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ، وَيَقُولُ الْقَائِلُ: هَذَا لَمْ أَعْلَمْهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي، وَلَا أَجْزِمُ بِهِ، وَلَا أَحْكُمْ بِهِ، وَلَا أَسْتَدِلُّ بِهِ، وَلَا أَحْتَجُّ بِهِ، وَلَا أَبْنِي عَلَيْهِ مَذْهَبِي وَاعْتِقَادِي وَعَمَلِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ. لَا يَقُولُ: هَذَا أَقْطَعُ بِكَذِبِهِ وَانْتِفَائِهِ، وَإِنْ كُنْتُ أَقْطَعُ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَهُ تَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ، فَالْقَطْعُ بِجَهْلِ مُثْبِتِهِ الْمُعْتَقِدِ لَهُ غَيْرُ الْقَطْعِ بِانْتِفَائِهِ، فَمَنْ قَطَعَ فِيهِ بِلَا دَلِيلٍ يُوجِبُ الْقَطْعَ قَطَعْنَا بِجَهْلِهِ وَضَلَالِهِ وَخَطَأِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِانْتِفَاءِ مَا أَثْبَتَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَنْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ مَجْرُوحٍ فَاسِقٍ أَمَرَ اللَّهُ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِهِ، فَمَنْ حَكَمَ وَقَطَعَ بِخَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ حَكَمْنَا بِأَنَّ هَذَا مُتَكَلِّمٌ حَاكِمٌ بِلَا عِلْمٍ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِكَذِبِ الشَّاهِدِ الْمُخْبِرِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنْفِيَ عِلْمَ غَيْرِهِ، وَقَطْعَ غَيْرِهِ، مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَعْلَمُ وَيُخْبِرُ، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ دَلَائِلُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَثُبُوتِ أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الدَّلَائِلِ.
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ،
[ ٦ / ٤٧٧ ]
وَمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُمْ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ جَعَلُوا غَيْرَهُمْ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِانْتِفَاءِ أَسْبَابِ الْعِلْمِ عِنْدَ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَقَدْ يُقِيمُونَ حُجَجًا ضَعِيفَةً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، مِثْلَ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالِاعْتِبَارِ، وَمَنْ لَمْ يُسَاوُوهُمْ فِي نَظَرِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ وَقُوَّةِ أَذْهَانِهِمْ لَا يَعْلَمُ مَا عَلِمُوهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْلَمُ بِالْأَخْبَارِ وَالنَّقْلِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَمَنْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِيمَا سَمِعُوهُ، وَفِيمَا عَرَفُوهُ مِنْ أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ وَالْمُخْبَرِ وَكَمَالِ مَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ لَا يَعْلَمُ مَا عَلِمُوهُ.
فَلِهَذَا كَانَ لِأَهْلِ النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ طُرُقٌ لَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْأَخْبَارِ، وَلِأَهْلِ الْأَخْبَارِ السَّمْعِيَّةِ طُرُقٌ لَا تُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعُقُولِ، وَلِهَذَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ، وَنُبُوَّتِهِ، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ، أُمُورٌ كَثِيرَةٌ لَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْأَخْبَارِ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَهُمْ، وَالْآيَاتِ الْمُسْتَفِيضَةِ عِنْدَهُمْ مَا يَعْلَمُونَ بِهَا صِدْقَ الرَّسُولِ، وَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ لَا يَعْرِفُونَهَا، بَلْ طُرُقُ مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ قَدْ يَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْهَا طَرِيقٌ أَوْ طُرُقٌ لَا يَعْلَمُهَا آخَرُونَ، وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ طُرُقٌ وَأَدِلَّةٌ غَيْرَ طُرُقِ الْآخَرِينَ وَأَدِلَّتِهِمْ بَلْ مَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَحْوَالِ الرَّسُولِ قَدْ يَكُونُ الْمُخْبِرُونَ
[ ٦ / ٤٧٨ ]
لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتِهِ وَشَرَائِعِهِ غَيْرَ الْمُخْبِرِينَ لِأُولَئِكَ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ الْمُخْبِرُونَ لِأَهْلِ الشَّامِ بِآيَاتِ الرَّسُولِ، وَبِالْقُرْآنِ، وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ الصَّحَابَةِ الْمُخْبِرِينَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَكِنْ خَبَرُ هَؤُلَاءِ يُصَدِّقُ خَبَرَ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ لَا يَعْلَمُ أَعْيَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَخْبَرُوا أُولَئِكَ
وَهَكَذَا سَائِرُ الْعُلُومِ، قَدْ يَكُونُ الَّذِي عَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْفِقْهَ أَوِ النَّظَرَ أَوِ النَّحْوَ أَوِ الطِّبَّ غَيْرَ الَّذِي عَلَّمَ هَؤُلَاءِ، وَإِنِ اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي جِنْسِ الْفِقْهِ، وَالنَّظَرِ، وَالنَّحْوِ، وَالطِّبِّ، وَعَلِمَ مَا عَلِمَهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَنْوَاعِ، مَعَ أَنَّ طَرِيقَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ طَرِيقَ أُولَئِكَ، وَإِنِ اشْتَرَكُوا فِي النَّوْعِ.
وَعَامَّةُ مَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ بِالْحِسِّ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُحِسُّ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ مِنْ جُوعِهِ، وَعَطَشِهِ، وَشِبَعِهِ، وَرِيِّهِ، وَحُبِّهِ، وَبُغْضِهِ، وَشَهْوَتِهِ، وَنَفْرَتِهِ، وَأَلَمِهِ، وَلَذَّتِهِ، بَلْ يُحِسُّ بِأَعْضَائِهِ كَبَطْنِهِ، وَفَرْجِهِ، وَلَا يُحِسُّ بِأَحْوَالِ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ يَشْتَرِكَانِ فِي الْجِنْسِ الْعَامِّ، فَيَشْتَرِكُونَ فِي جِنْسِ الْإِحْسَاسِ بِجُوعِهِمْ، وَشِبَعِهِمْ، وَقَدْ يَشْتَرِكُونَ فِي غَيْرِ مَا يُحِسُّونَهُ، كَاشْتِرَاكِهِمْ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالْهِلَالِ، وَالْكَوَاكِبِ.
وَقَدْ غَلَطَ فِي مِثْلِ هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْعُلُومَ التَّجْرِيبِيَّةَ، وَالتَّوَاتُرِيَّةَ، وَالْحَدْسِيَّةَ، إِنْ جَعَلُوهَا قِسْمًا
[ ٦ / ٤٧٩ ]
غَيْرَ التَّجْرِيبِيَّةِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ الْحَدْسِيَّةَ نَوْعًا مِنَ التَّجْرِيبِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا جِنْسًا آخَرَ، فَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ مُخْتَصَّةٌ لَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا دُونَ الْحِسِّيَّاتِ، وَالْوَجْدِيَّاتِ، وَالْعَقْلِيَّاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كَمَا أَنَّ هَذِهِ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً تَارَةً، وَمُخْتَصَّةً أُخْرَى، فَكَذَلِكَ الْحِسِّيَّاتُ فَإِنَّ كُلَّ أَهْلِ زَمَانٍ وَمَكَانٍ يَعْلَمُونَ بِالْحِسِّ مِنْ أَحْوَالِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَأَحْوَالِ أَهْلِهِ مَا لَا يَشْرُكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ الْوَجْدِيَّاتُ، فَإِنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْغَرَائِبِ فِي الْأُمُورِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ يَعْلَمُ مِنْهَا مَا لَا يَشْرُكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ.
وَكَذَلِكَ الْعَقْلِيَّاتُ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ يَقِيسُ بِهِ الْفَرْعَ فَيَعْلَمُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ الَّذِي هُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ، وَيَعْلَمُ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ.
فَأَجْنَاسُ الْعُلُومِ وَطُرُقُهَا مِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ، وَالْمُشْتَرَكُ مِنْهُ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ جِنْسُ بَنِي آدَمَ، وَمِنْهُ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ نَوْعٌ مِنْهُمْ وَطَائِفَةٌ، فَهَذَا أَصْلٌ جَامِعٌ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ لِمَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ.
[ ٦ / ٤٨٠ ]
[فَصْلٌ: أَحْوَالُ وَشَوَاهِدُ صِدْقِ الْمُخْبِرِ وَكَذِبِهِ]
وَإِذَا كَانَ جِنْسُ مَنْ يُخْبِرُ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا، وَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ يَصْدُقُ مُطْلَقًا، وَلَا يَكْذِبُ مُطْلَقًا، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ أَنَّ كُلَّ خَبَرِ وَاحِدٍ أَوْ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ يَكُونُ صِدْقًا أَوْ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَلَا أَنَّهُ يَكُونُ كَذِبًا، بَلِ النَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ صِدْقٌ وَإِنْ كَانَ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى كَذِبِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَإِنْ أَخْبَرَ بِهِ أُلُوفٌ إِذَا كَانَ خَبَرُهُمْ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ، أَوْ عَنْ تَوَاطُئٍ مِنْهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، مِثْلَ إِخْبَارِ أَهْلِ الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ، وَأَمَّا إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ فَهَؤُلَاءِ صَادِقُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَيُعْلَمُ صِدْقُهُمْ تَارَةً بِتَوَافُقِ أَخْبَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، وَلَوْ كَانَا اثْنَيْنِ، فَإِنَّ الِاثْنَيْنِ إِذَا أَخْبَرَا بِخَبَرٍ طَوِيلٍ أَسْنَدَاهُ إِلَى عِلْمٍ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَاطَأَا عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ مِمَّا قَدْ يَتَّفِقُ فِي الْعَادَةِ تَمَاثُلُهُمَا فِيهِ فِي الْكَذِبِ أَوِ الْغَلَطِ عُلِمَ أَنَّهُ صِدْقٌ.
[ ٦ / ٤٨١ ]
وَقَدْ يُعْلَمُ صِدْقُ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الدَّلَائِلِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَيُعْلَمُ صِدْقُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَرَائِنَ تَقْتَرِنُ بِخَبَرِهِ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُهُ، وَتِلْكَ الدَّلَائِلُ وَالْقَرَائِنُ قَدْ تَكُونُ صِفَاتٍ فِي الْمُخْبِرِ، مِنْ عِلْمِهِ، وَدِينِهِ، وَتَحَرِّيهِ الصِّدْقَ، بِحَيْثُ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، كَمَا يَعْلَمُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَطْعًا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمْثَالَهُمْ، لَمْ يَكُونُوا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضْلًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَمْثَالِهِمْ، بَلْ يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينِيًّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ، وَمَالِكًا، وَشُعْبَةَ، وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَالْبُخَارِيَّ، وَأَبَا زُرْعَةَ، وَأَبَا دَاوُدَ، وَأَمْثَالَهُمْ، لَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ فِي الْحَدِيثِ.
وَقَدْ تَكُونُ الدَّلَائِلُ صِفَاتٍ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ مُخْتَصَّةً بِذَلِكَ الْخَبَرِ أَوْ بِنَوْعِهِ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّ ذَلِكَ الْمُخْبِرَ لَا يَكْذِبُ مِثْلَ ذَلِكَ الْخَبَرِ، كَحَاجِبِ
[ ٦ / ٤٨٢ ]
الْأَمِيرِ إِذَا قَالَ بِحَضْرَتِهِ لِعَسْكَرِهِ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ فِي الِانْصِرَافِ، أَوْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَرْكَبُوا غَدًا، أَوْ أَمَّرَ عَلَيْكُمْ فُلَانًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُكَذِّبُونَهُ فِي غَيْرِ هَذَا.
وَقَدْ تَكُونُ الدَّلَائِلُ سَمَاعَ مَنْ شَارَكَهُ فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، وَإِقْرَارَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ كَمَا قَدْ تَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّهَا قَدْ تَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ عَلَى الْكِتْمَانِ وَإِقْرَارِ الْكَذِبِ وَالسُّكُوتِ، وَعَنْ إِنْكَارِهِ، فَمَا تَوَافَرَتِ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى ذِكْرِهِ وَالْخَبَرِ بِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَوَاطَأَ أَهْلُ التَّوَاتُرِ عَلَى كِتْمَانِهِ، كَمَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ أَنْ تَحْدُثَ حَادِثَةٌ عَظِيمَةٌ تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا فِي الْحَجِّ أَوِ الْجَامِعِ أَوِ الْعَسْكَرِ، وَحَيْثُ تُوجِبُ الْعَادَةُ نَقْلَ الْحَاضِرِينَ لِمَا عَايَنُوهُ ثُمَّ لَا يَنْقُلُ ذَلِكَ أَحَدٌ.
وَإِقْرَارُ الْكَذِبِ، وَالسُّكُوتُ عَلَى رَدِّهِ أَعْظَمُ امْتِنَاعًا فِي الْعَادَةِ مِنَ الْكِتْمَانِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعَادَةِ قَدْ تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَسْكُتَ عَلَى مَا رَآهُ وَسَمِعَهُ فَلَا يُخْبِرُ بِهِ، وَلَا تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَيُخْبِرَ عَنْهُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّهُ وَلَا يُنْكِرَهُ إِذْ كَانَتْ عَادَةُ النَّاسِ إِلَى
[ ٦ / ٤٨٣ ]
تَكْذِيبِ مِثْلِ هَذَا أَبْلَغَ مِنْ عَادَتِهِمْ بِالْإِخْبَارِ بِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَذَبَ فِي قِصَّةٍ، وَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ شَاهَدَهَا، فَتَوَفُّرُ الْهِمَمِ عَلَى تَكْذِيبِ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ تُوَفُّرِهَا عَلَى إِخْبَارِهِمْ بِمَا وَقَعَ ابْتِدَاءً، فَإِذَا كَانَتْ مِنَ الْقَضَايَا الَّتِي يَمْتَنِعُ السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِهَا، فَالسُّكُوتُ عَنْ تَكْذِيبِ الْكَاذِبِ فِيهَا أَشَدُّ امْتِنَاعًا، وَقَدْ تَكُونُ الدَّلَائِلُ صِفَاتٍ فِيهِ تَقْتَرِنُ بِخَبَرِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرَى حُمْرَةَ وَجْهِهِ فَيُمَيِّزُ بَيْنَ حُمْرَتِهِ مِنَ الْخَجَلِ وَالْحَيَاءِ وَبَيْنَ حُمْرَتِهِ مِنَ الْحُمَّى وَزِيَادَةِ الدَّمِ، وَبَيْنَ حُمْرَتِهِ مِنَ الْحَمَّامِ، وَبَيْنَ حُمْرَتِهِ مِنَ الْغَضَبِ، وَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ بَيْنَ صُفْرَتِهِ مِنَ الْفَزَعِ، وَالْوَجَلِ، وَبَيْنَ صُفْرَتِهِ مِنَ الْحُزْنِ، وَالْخَوْفِ، وَبَيْنَ صُفْرَتِهِ مِنَ الْمَرَضِ، فَكَمَا أَنَّ سَحْنَتَهُ، وَوَجْهَهُ يَعْرِفُ بِهَا أَحْوَالَ بَدَنِهِ الطَّبِيعِيَّةَ مِنْ أَمْرَاضِهِ الْمُخْتَلِفَةِ حَتَّى إِنَّ الْأَطِبَّاءَ الْحُذَّاقَ يَعْلَمُونَ حَالَ الْمَرِيضِ مِنْ سَحْنَتِهِ فَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى نَبْضٍ وَقَارُورَةٍ، وَكَذَلِكَ تَعْرِفُ أَحْوَالَهُ النَّفْسَانِيَّةَ هَلْ هُوَ فَرِحٌ مَسْرُورٌ أَوْ مَحْزُونٌ مَكْرُوبٌ؟ وَيَعْلَمُ هَلْ هُوَ مُحِبٌّ صَدِيقٌ مُرِيدٌ لِلْخَيْرِ
[ ٦ / ٤٨٤ ]
أَوْ هُوَ مُبْغِضٌ عَدُوٌّ مُرِيدٌ لِلشَّرِّ؟ كَمَا قِيلَ:
تُحَدِّثُنِي الْعَيْنَانِ مَا الْقَلْبُ كَاتِمٌ وَالْعَيْنُ تَعْرِفُ مِنْ عَيْنَيْ مُحَدِّثِهَا
إِنْ كَانَ مِنْ حِزْبِهَا أَوْ مِنْ أَعَادِيهَا
، وَكَمَا قِيلَ:
،
وَلَا خَيْرَ فِي الشَّحْنَاءِ وَالنَّظَرِ الشَّزْرِ
[ ٦ / ٤٨٥ ]
ثُمَّ إِذَا تَكَلَّمَ مَعَ ذَلِكَ دَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَبْلَغَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيمَا وَجْهِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ:
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمُنَافِقِينَ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَأَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ بِالسِّيمَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، وَالْمُنَافِقُ الْكَاذِبُ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي لَحْنِ قَوْلِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ:
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]
وَقَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ:
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]
أَيْ لَهُ زَنَمَةٌ مِنَ الشَّرِّ أَيْ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا.
[ ٦ / ٤٨٦ ]
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ " مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ، وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ "
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنْ تَصْدِيقٍ، وَحُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْظِيمٍ، لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَلِهَذَا يُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ الظَّاهِرِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ الْبَاطِنِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا
[ ٦ / ٤٨٧ ]
صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» . وَكَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِمَنْ رَآهُ يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ: " لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ ". وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]
وَقَوْلُهُ:
﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]
فَإِنَّ
[ ٦ / ٤٨٨ ]
الْإِرَادَةَ الَّتِي فِي الْقَلْبِ مَعَ الْقُدْرَةِ تُوجِبُ فِعْلَ الْمُرَادِ، وَالسَّفَرَ فِي غَزْوَةٍ بَعِيدَةٍ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعُدَّةٍ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِعُمَرَ لَمَّا شَاوَرَهُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي أَقَرَّتْ بِالزِّنَا: " إِنِّي أُرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ حَرَامٌ " فَإِنَّهُ لَمَّا رَآهَا تَجْهَرُ بِمَا فَعَلَتْهُ، وَتَحْكِيهِ مِنْ غَيْرِ اكْتِرَاثٍ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا لَمْ تَعْتَقِدْ تَحْرِيمَهُ، وَأَنَّهُ يُذَمُّ، وَتُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى ذَلِكَ.
وَالرَّجُلُ الصَّادِقُ الْبَارُّ يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ نُورِ صِدْقِهِ، وَبَهْجَةِ وَجْهِهِ سِيمَا يُعْرَفُ بِهَا، وَكَذَلِكَ الْكَاذِبُ الْفَاجِرُ، وَكُلَّمَا طَالَ عُمُرُ الْإِنْسَانِ ظَهَرَ هَذَا الْأَثَرُ فِيهِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ فِي صِغَرِهِ جَمِيلَ الْوَجْهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفُجُورِ مُصِرًّا عَلَى ذَلِكَ يَظْهَرُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ مِنْ قُبْحِ الْوَجْهِ مَا أَثَّرَهُ بَاطِنُهُ، وَبِالْعَكْسِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلْحَسَنَةِ لَنُورًا فِي الْقَلْبِ، وَضِيَاءً فِي الْوَجْهِ، وَقُوَّةً فِي الْبَدَنِ، وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ، وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، وَإِنَّ لِلسَّيِّئَةِ لَظُلْمَةً فِي الْقَلْبِ، وَسَوَادًا فِي الْوَجْهِ، وَوَهْنًا فِي الْبَدَنِ، وَبَغْضَةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ.
وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مِمَّنْ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ لَكِنْ يَعْتَقِدُ اعْتِقَادَاتٍ
[ ٦ / ٤٨٩ ]
بَاطِلَةً كَاذِبَةً فِي اللَّهِ أَوْ فِي رُسُلِهِ أَوْ فِي دِينِهِ أَوْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَتَكُونُ لَهُ زَهَادَةٌ، وَعِبَادَةٌ، وَاجْتِهَادٌ فِي ذَلِكَ فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ الْكَذِبُ الَّذِي ظَنَّهُ صِدْقًا وَتَوَابِعُهُ فِي بَاطِنِهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ فَيَعْلُوهُ مِنَ الْقَتَرَةِ وَالسَّوَادِ مَا يُنَاسِبُ حَالَهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَوِ ادَّهَنَ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ كُلَّ يَوْمٍ بِدِهَانٍ، إِنَّ سَوَادَ الْبِدْعَةِ لَفِي وَجْهِهِ "
وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظُهُورًا تَامًّا. قَالَ تَعَالَى:
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] (٦٠) ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (١٠٦) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] .
[ ٦ / ٤٩٠ ]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ قَصْدِ الصِّدْقِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْبِرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَدْ يَظْهَرُ عَلَى الْوَجْهِ حَتَّى يُعْلَمَ ذَلِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا مِنْ أَبْلَغِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا فِيهَا مِنْ قَصْدِ الْكَذِبِ وَالْبُغْضِ وَالْفُجُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْإِنْسَانُ يُرَافِقُ فِي سَفَرِهِ مَنْ لَمْ يَرَهُ قَطُّ إِلَّا تِلْكَ السَّاعَةَ فَلَا يَلْبَثُ إِذَا رَآهُ مُدَّةً، وَسَمِعَ كَلَامَهُ أَنْ يَعْرِفَ هَلْ هُوَ مَأْمُونٌ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ؟ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَقَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَرُبَّمَا غَلِطَ، لَكِنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بَعْدُ لِعَامَّةِ النَّاسِ.
وَكَذَلِكَ الْجَارُ يَعْرِفُ جَارَهُ، وَالْمُعَامِلُ يَعْرِفُ مُعَامِلَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ فَزَكَّاهُ آخَرُ قَالَ: هَلْ أَنْتَ جَارُهُ الْأَدْنَى تَعْرِفُ مَسَاءَهُ وَصَبَاحَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ عَامَلْتَهُ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ الَّذِينَ تُمْتَحَنُ بِهِمَا أَمَانَاتُ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ رَافَقْتَهُ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَنْكَشِفُ فِيهِ أَخْلَاقُ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَسْتَ
[ ٦ / ٤٩١ ]
تَعْرِفُهُ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّكَ رَأَيْتَهُ يَرْكَعُ رَكَعَاتٍ فِي الْمَسْجِدِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يُظْهِرُ الصَّلَاةَ فَمَنْ لَمْ يَخْبُرْهُ لَا يَعْرِفُ بَاطِنَ أَمْرِهِ كَمَا قِيلَ:
ذِئْبٌ تَرَاهُ مُصَلِّيًا فَإِذَا مَرَرْتَ بِهِ رَكَعْ
يَدْعُو وَجُلُّ دُعَائِهِ مَا لِلْفَرِيسَةِ لَا تَقَعْ ، وَإِذَا الْفَرِيسَةُ خُيِّلَتْ
ذَهَبَ التَّنَسُّكُ وَالْوَرَعْ
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ نَبَّأَهُ اللَّهُ وَاصْطَفَاهُ لِلرِّسَالَةِ كَانَ قَلْبُهُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُلُوبِ صِدْقًا وَبِرًّا، وَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ كَانَ قَلْبُهُ مِنْ شَرِّ الْقُلُوبِ كَذِبًا وَفُجُورًا كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ
[ ٦ / ٤٩٢ ]
الْعِبَادِ فَاتَّخَذَهُمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَبَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ.
وَإِذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ بَلْ أَعْظَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ صِدْقًا وَبِرًّا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْكَاذِبَ الْكَافِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَهَذَا يَكُونُ تَارَةً حِينَ إِخْبَارِهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ، وَتَارَةً مَوْجُودًا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا جَاءَ، وَقَالَ: إِنَّ السُّلْطَانَ أَوِ الْأَمِيرَ أَوِ الْحَاكِمَ أَوِ الشَّيْخَ أَوْ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ بِكَذَا، فَإِنَّهُ قَدْ يَقْتَرِنُ بِنَفْسِ إِخْبَارِهِ مِنْ كَيْفِيَّتِهِ وَحَالِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا قَبْلَ ذَلِكَ
[ ٦ / ٤٩٣ ]
بِالصِّدْقِ أَوِ الْكَذِبِ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً أُخْرَى، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّنْ يَكْذِبُ، وَلَكِنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ، دَعْ مَنْ يَسْتَمِرُّ عَلَى خَبَرٍ وَاحِدٍ بِضْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً مَعَ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّاسَ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَالْخِبْرَةِ، وَالنَّظَرِ، وَالِاسْتِدْلَالِ فِي جَمِيعِ الْمَعَارِفِ، فَقَدْ يَتَفَطَّنُ الْإِنْسَانُ لِدَلَالَةٍ لَا يَتَفَطَّنُ لَهَا غَيْرُهُ، وَقَدْ يَتَبَيَّنُ لَهُ مَا يَخْفَى عَلَى غَيْرِهِ، حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ يَتَفَاضَلُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الصَّادِقِ، وَكَذِبِ الْكَاذِبِ كَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَعْلُومَاتِ قَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ نَظَرِيًّا، وَهُوَ لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ الْأَوَّلِيَّةِ، كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، بَلْ مِنَ الْعِلْمِ بِالْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ كَالْعِلْمِ بِحُمْرَةِ الْخَجِلِ، وَصُفْرَةِ الْوَجِلِ، وَعَدْلِ الْعَادِلِ، وَظُلْمِ الظَّالِمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْرِفُهُ الْخَبِيرُ بِذَلِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَإِذَا كَانَ اسْتِدْلَالِيًّا فَالْمَعْرِفَةُ بِالْعِلْمِ لَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ
[ ٦ / ٤٩٤ ]
الدَّلِيلِ فِي نَفْسِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ بِهِ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ أَبَدًا هُوَ مَا اسْتَلْزَمَ الْمَدْلُولَ، فَكُلُّ مَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلشَّيْءِ كَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ ثُمَّ إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ صَارَ ضَرُورِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا بِلَا وَاسِطَةِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ بِالْمُعَيَّنَاتِ كَالْعِلْمِ بِصِدْقِ هَذَا وَكَذِبِ هَذَا، مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْقِيَاسِ الشُّمُولِيِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُفِيدُ بِتَوَسُّطِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ، وَالْمُعَيَّنَاتُ قَدْ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ خِبْرَةٍ بِحَالِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ.
وَإِذَا كَانَ الْقَائِلُ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، وَأَصْدَقِهِمْ، وَأَبَرِّهِمْ، وَأَفْضَلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرَارِ النَّاسِ، وَأَكْذَبِهِمْ، وَأَفْجَرِهِمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ، كُلٌّ مِنْهَا يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُ هَذَا وَكَذِبُ هَذَا، وَكَانَتِ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ قَدْ تَحْصُلُ عِنْدَ سَمَاعِ خَبَرِ هَذَا وَخَبَرِ هَذَا، وَرُؤْيَةِ وَجْهِهِ، وَسَمَاعِ كَلَامِهِ، وَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَيَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ بَهْجَةِ الصِّدْقِ وَنُورِهِ، وَمِنْ ظُلْمَةِ الْكَذِبِ وَسَوَادِهِ وَقُبْحِهِ.
يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَحْصُلُ لَهُمْ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ بِأَنَّ
[ ٦ / ٤٩٥ ]
هَذَا النَّبِيَّ صَادِقٌ، وَهَذَا الْمُتَنَبِّي كَاذِبٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَرَوْا خَارِقًا لِلْعَادَةِ.
وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ: مَا لَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، لَا اخْتِصَاصَ لِلنَّبِيِّ بِهِ، فَلَا يَدُلُّ. فَيُقَالُ لَهُ: لَفْظُ خَرْقِ الْعَادَةِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، وَإِنَّ تَعَيُّنَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ صِدْقًا وَكَذِبًا لَيْسَ هُوَ أَمْرًا مُعْتَادًا، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا إِلَّا فِي أَفْرَادٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَهُوَ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، فَإِنَّ هَذَا أَكْثَرُ فِي الْوُجُودِ مِنْ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، إِذْ كُلُّ نَبِيٍّ يُخْبِرُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَخْبَرَ بِهَا كَانَ نَبِيًّا، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذَا يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: إِنَّ دَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالتَّحَدِّيَ وَالْمُعْجِزَ مَجْمُوعُهَا هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ، وَإِلَّا فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَا كَانَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ جَازَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى يَدَيْ وَلِيٍّ أَوْ سَاحِرٍ، وَإِنَّمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا التَّحَدِّي وَعَدَمُ الْمُعَارَضَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ خَرْقَ الْعَادَةِ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى يَدِ غَيْرِ نَبِيٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالسَّاحِرِ إِلَّا بِبِرِّ هَذَا وَفُجُورِ هَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْرِدُ ذَلِكَ فِي النَّبِيِّ لَا سِيَّمَا مُتَفَلْسِفَةَ الْيُونَانِ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ
[ ٦ / ٤٩٦ ]
النَّاسِ بِأَمْرِ النُّبُوَّةِ، إِذْ كَانُوا لَمْ يَأْخُذُوهَا مِنَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ وَالْعِلْمِ بِصِفَاتِهِمْ، وَإِنَّمَا أَخَذُوهَا مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى الْمَنَامَاتِ، فَجَوَّزُوا فِيهَا مِثْلَ مَا يَجُوزُ عَلَى النَّائِمِ مِنَ الْأَحْلَامِ وَالتَّخَيُّلِ، وَمَا يُصِيبُ أَهْلَ الْمَرَّةِ السَّوْدَاءِ مِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي عَامَّةِ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو، وَلَكِنْ مُتَأَخِّرُوهُمْ كَابْنِ سِينَا ضَمَّ إِلَى ذَلِكَ تَصَرُّفَهُ فِي هَيُولِي الْعَالَمِ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ خَوَارِقِهِمُ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا أُولَئِكَ، إِذْ كَانَ عِلْمُ أَرِسْطُو هُوَ مَا كَانَ يَعْلَمُهُ قَوْمُهُ مِنَ الْيُونَانِ، وَهُمْ أُمَّةٌ أَوْلَادُ يَافِثَ لَمْ يَكُنْ
[ ٦ / ٤٩٧ ]
فِيهِمْ مَا فِي أَوْلَادِ سَامٍ كَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ حَتَّى يَكُونَ عِلْمُ النُّبُوَّةِ مَشْهُورًا فِيهِمْ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ زَمَنِ الْخَلِيلِ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَلَا كَانُوا خَبِيرِينَ بِأَحْوَالِ ذُرِّيَّتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ كَمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَامِرِيِّ، وَصَاعِدِ بْنِ صَاعِدٍ الْأَنْدَلُسِيِّ أَنَّ أَسَاطِينَهُمْ خَمْسَةٌ
[ ٦ / ٤٩٨ ]
ثُمَّ أَرْبَعَةٌ ابُنْدُقْلُسُ ثُمَّ فِيثَاغُورْسُ ثُمَّ سُقْرَاطُ ثُمَّ أَفَلَاطُنُ قَدِمُوا الشَّامَ، وَاسْتَفَادُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ بِقَدَمِ الْعَالَمِ بِخِلَافِ أَرِسْطُو قَالُوا: فَإِنَّهُ لَمْ يَقْدِمِ الشَّامَ، وَذَكَرَ هَؤُلَاءِ كَمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَامِرِيِّ، وَغَيْرِهِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ لُقِّبَ بِالْحِكْمَةِ لُقْمَانُ، وَأَنَّ ابُنْدُقْلُسَ اسْتَفَادَ مِنْهُ، وَمِنْ أَتْبَاعِ دَاوُدَ ﵇ -
[ ٦ / ٤٩٩ ]
فَإِنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ دَاوُدَ، وَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَ هَؤُلَاءِ النُّظَّارِ، وَأَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، فَمُجَرَّدُ خَرْقِ الْعَادَةِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ وَحْدَهُ مُسْتَلْزِمًا لِلنُّبُوَّةِ حَتَّى يَكُونَ وَحْدَهُ دَلِيلًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ التَّحَدِّي وَعَدَمُ الْمُعَارَضَةِ.
وَلِهَذَا لَمَّا اخْتَلَفَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ كَأَبِي الْحَسَنِ وَأَتْبَاعِهِ: هَلْ يَجُوزُ ظُهُورُ الْخَارِقِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ؟ فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عَلَمُ النُّبُوَّةِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ مَدْلُولُهُ كَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ يَجُوزُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُهُ. ثُمَّ قِيلَ: لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَجْزَهُ عَنْ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ إِذْ لَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا الْمُعْجِزُ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَقْدُورٌ مُمْكِنٌ، وَلَكِنْ نَحْنُ نَعْلَمُ اضْطِرَارًا أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ مِثْلَ كَثِيرٍ مِمَّا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُهُ، وَجَمِيعُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ: مَجْمُوعُ مَا يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَهُوَ الْخَارِقُ السَّالِمُ عَنِ الْمُعَارَضِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ نَبِيٍّ بِخِلَافِ جِنْسِ الْخَارِقِ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا الِامْتِنَاعُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَادِيًّا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِاسْتِلْزَامِهِ الْعَجْزَ عَنْ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فَإِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا لِاسْتِلْزَامِهِ الْعَجْزَ عَنْ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فَإِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا لِاسْتِلْزَامِهِ أَمْرًا مُمْتَنِعًا، وَإِذَا كَانَ انْفِلَاتُ
[ ٦ / ٥٠٠ ]
الْعَادَةِ لَيْسَ عِنْدَكَ مُمْتَنِعًا فَلَا بُدَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ الْجَوَابِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِدَلَالَتِهَا عَلَى الصِّدْقِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ كَالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبْتُهُ فِي إِرْسَالِ الْمَلِكِ رَسُولًا، وَقَوْلِ رَسُولِهِ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَغَيِّرْ عَادَتَكَ بِقِيَامِكَ ثُمَّ قُعُودِكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَقِبَ سُؤَالِ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِصِدْقِ الرَّسُولِ.
وَقِيلَ لَكَ: الْمَلِكُ تُعْلَمُ عَادَتُهُ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّصْدِيقِ، وَالرَّبُّ عِنْدَكَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا لِشَيْءٍ. فَقُلْتَ: بَلْ يَخْلُقُ شَيْئًا مُقَارِنًا لِشَيْءٍ كَالْعَادِيَّاتِ، وَهَذَا مِنْهَا. فَقِيلَ لَكَ: الْعَادَاتُ قَدْ تَكَرَّرَتْ. فَقُلْتَ: قَدْ نَعْلَمُ ذَلِكَ بِلَا تَكَرُّرٍ، وَجَعَلْتَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ كَدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ، وَقُلْتَ: قَدْ نَعْلَمُ قَصْدَهُ اضْطِرَارًا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ مُوَاضَعَةٍ، وَهَذِهِ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْتَ أَنَّهُ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ الرَّسُولِ، وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا فَجُمْهُورُ النَّاسِ يَقُولُونَ: إِنَّكَ لَمْ تُقِرَّ بِلَوَازِمِهَا مِنْ كَوْنِهِ يَفْعَلُ لِأَجْلِ كَذَا، وَيَقُولُونَ: الْقَوْلُ بِأَنَّهُ خَلَقَ الْمُعْجِزَةَ لِقَصْدِ التَّصْدِيقِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا لِأَجْلِ شَيْءٍ تَنَاقُضًا. فَقُلْتَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا لِأَجْلِ كَذَا. فَقِيلَ
[ ٦ / ٥٠١ ]
لَكَ: هَبْ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ مَعَ الْعِلْمِ بِمَا يُنَاقِضُهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَا يَذْكُرُهُ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِنَ النُّظَّارِ، بَلْ وَعَامَّةُ النَّاسِ هُمْ فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحَقَائِقِ الْمَعْلُومَةِ أَسَدُّ مِنْهُمْ وَأَصْوَبُ فِيمَا يَنْفُونَهُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لِمَا يُثْبِتُهُ أَعْلَمُ مِنْهُ بِمَا يَنْفِيهِ، وَشَهَادَتُهُ عَلَى الْإِثْبَاتِ أَقْوَى مِنْ شَهَادَتِهِ عَلَى النَّفْيِ، وَإِنْ كَانَ النَّفْيُ قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا لَكِنْ غَلَطُ النَّاسِ فِيمَا يَنْفُونَهُ وَيُكَذِّبُونَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ غَلَطِهِمْ فِيمَا يُثْبِتُونَهُ وَيُصَدِّقُونَ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]
وَلِهَذَا تَجِدُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا مِنَ الطُّرُقِ إِمَّا فِي إِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ، وَإِمَّا فِي الْعِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ أَوِ الْعِلْمِ بِالْمَعَادِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَاحِدٌ يَقُولُ: لَا طَرِيقَ إِلَّا هَذَا الطَّرِيقُ، يُخْطِئُ فِي النَّفْيِ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَمِنْهُمْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ قَدْ يَنْفُونَ مِنَ الْعِلْمِ وَالطُّرُقِ مَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ بِالِاضْطِرَارِ، وَيُثْبِتُونَ مَا يَقُولُونَ إِنَّهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرُهُمْ أَصْوَبَ فِيمَا يُثْبِتُهُ مِنْهُمْ فِيمَا يَنْفُونَهُ، بَلْ وَفِيمَا يُثْبِتُونَهُ.
[ ٦ / ٥٠٢ ]
وَلِهَذَا الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَّا الْمُعْجِزَاتُ تَنَوَّعُوا فِي وَجْهِ دَلَالَتِهَا فَيُثْبِتُ هَؤُلَاءِ وَجْهًا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ، وَيَنْفُونَ طَرِيقَ غَيْرِهِمْ، وَبِالْعَكْسِ، فَإِذَا قَالُوا مَا سِوَى الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ لَيْسَ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ. قِيلَ لَهُمُ: الدَّلِيلُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَدْلُولِ يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِهِ تَحَقَّقُ الْمَدْلُولِ، وَلَفْظُ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ فِيهِ إِجْمَالٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحِينَئِذٍ فَنَفْسُ إِنْبَاءِ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ، وَاصْطِفَائِهِ لِرِسَالَتِهِ، وَإِقْدَارِهِ عَلَى التَّلَقِّي مِنَ الْمَلِكِ هُوَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَعْجَزَ اللَّهُ الْخَلْقَ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا الْوَصْفُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ، وَالْمُسْتَلْزِمُ لِهَذَا الْخَارِقِ لَا يَكُونُ إِلَّا خَارِقًا، وَهُوَ الدَّلِيلُ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْمَلْزُومِ ثُبُوتُ اللَّازِمِ، وَمِنَ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ، وَالْمُعْتَادُ الَّذِي يُوجَدُ بِدُونِ النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا.
وَأَمَّا مَا لَا يُوجَدُ إِلَّا وُجِدَتِ النُّبُوَّةُ فَهُوَ دَلِيلٌ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ، وَهُوَ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ يَكُونُ آيَةً وَنُبُوَّةً عَلَى صِدْقِهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ النُّبُوَّةَ فَلَيْسَ يَكُونُ دَلِيلًا، وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُعْتَادًا بِدُونِ النُّبُوَّةِ، وَمَعَ النُّبُوَّةِ يَكُونُ خَرْقًا
[ ٦ / ٥٠٣ ]
لِلْعَادَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ وُجُودُهُ مَعَ النُّبُوَّةِ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ بِخِلَافِ وُجُودِهِ مُجَرَّدًا عَنْهَا لِأَنَّ النُّبُوَّةَ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ، فَلَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لَهَا إِلَّا خَارِقٌ لِلْعَادَةِ.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ إِلَّا بِالْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ، إِنْ أَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْعَامَّ، وَهُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ صِدْقَهُ بَطَلَ تَخْصِيصُهُ ذَلِكَ بِمَا يَخْلُقُهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ مِنَ الْآيَاتِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ نَوْعًا مَخْصُوصًا مَعَ اشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الدَّلَالَةِ ظَهَرَ بُطْلَانُ نَفْيِهِ.
وَأَمَّا مَا يُوجَدُ بِدُونِهَا كَمَا يُوجَدُ مَعَهَا كَالْأُمُورِ الَّتِي تَكُونُ لِلصَّادِقِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْكَاذِبِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَهَذِهِ لَا تَدُلُّ، وَمَا يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ مِنَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ، لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَكُونُ لِلْكَاذِبِ.
بَلِ الْكَاذِبُ لَا يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ إِلَّا مَا يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُ فَكُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الْكَاذِبِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الصَّادِقِ، وَبِالْعَكْسِ، فَإِنَّ دَلِيلَ الْكَذِبِ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، وَدَلِيلَ الصِّدْقِ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، وَهُمَا ضِدَّانِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ نَبِيًّا صَادِقًا، وَمُتَنَبِّئًا كَاذِبًا، وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الضِّدَّيْنِ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مَوَاضِعَ:
[ ٦ / ٥٠٤ ]
مِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ إِذَا رَأَوُا الْكَاذِبَ، وَسَمِعُوا كَلَامَهُ، تَبَيَّنَ لَهُمْ كَذِبُهُ تَارَةً بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ، وَتَارَةً بِعَلَمٍ اسْتِدْلَالِيٍّ، وَتَارَةً بِظَنٍّ قَوِيٍّ، وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ الصَّادِقُ إِذَا رَأَوْهُ وَسَمِعُوا كَلَامَهُ فَقَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ صِدْقُهُ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ أَوْ نَظَرِيٍّ، وَقَدْ يَكُونُ أَوَّلًا بِظَنٍّ قَوِيٍّ ثُمَّ يَقْوَى الظَّنُّ حَتَّى يَصِيرَ يَقِينِيًّا كَمَا فِي الْعُلُومِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالتَّجَارِبِ، فَإِنَّ خَبَرَ الْأَوَّلِ يُفِيدُ نَوْعًا مِنَ الظَّنِّ، ثُمَّ يَقْوَى بِخَبَرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ حَتَّى يَصِيرَ يَقِينًا.
وَهَذَا الطَّرِيقُ سَلَكَهَا طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، وَمِمَّنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِذَا تَأَمَّلَ الْمُتَأَمِّلُ الْمُنْصِفُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ جَمِيلِ أَثَرِهِ، وَحَمِيدِ سِيَرِهِ، وَبَرَاعَةِ عِلْمِهِ، وَرَجَاحَةِ عَقْلِهِ، وَحِلْمِهِ، وَجُمْلَةِ كَمَالِهِ، وَجَمِيعِ خِصَالِهِ، وَشَاهِدِ حَالِهِ، وَصَوَابِ مَقَالِهِ، لَمْ يَمْتَرِ فِي صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَصِدْقِ دَعْوَتِهِ قَالَ: " وَقَدْ كَفَى هَذَا غَيْرَ وَاحِدٍ فِي إِسْلَامِهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ. فَرُوِّينَا عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ قَانِعٍ، وَغَيْرِهِمَا بِأَسَانِيدِهِمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ جِئْتُهُ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ
[ ٦ / ٥٠٥ ]
عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهٍ كَذَّابٍ. رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ
[ ٦ / ٥٠٦ ]
الْأَعْرَابِيِّ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. وَعَنْ أَبِي رَمْثَةَ الْبَلَوِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي لِيَ ابْنٌ لِي فَأَرَيْتُهُ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قُلْتُ: هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ
[ ٦ / ٥٠٧ ]
مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقَى مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ: فَلَقِيَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدَيَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ. فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ. فَأَعَادَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ بِمِثْلِ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ قَامُوسَ الْبَحْرِ. هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَبَايَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَعَلَى قَوْمِكَ. قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي. . . . .» الْحَدِيثَ.
[ ٦ / ٥٠٨ ]
وَقَالَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ طَارِقٌ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ شَيْءٌ تَبِيعُونَهُ؟ قُلْنَا: هَذَا الْبَعِيرَ، قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْنَا: بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ. فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقُلْنَا: بِعْنَا رَجُلًا لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ، وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ فَقَالَتْ: أَنَا ضَامِنَةٌ لِثَمَنِ الْبَعِيرِ، رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَخِيسُ بِكُمْ. فَأَصْبَحْنَا فَجَاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ هَذَا التَّمْرِ وَتَكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا، فَفَعَلْنَا» .
[ ٦ / ٥٠٩ ]
وَفِي خَبَرِ الْجَلَنْدِيِّ مَلِكِ غَسَّانَ لَمَّا بَلَغَهُ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ الْجَلَنْدِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ دَلَّنِي عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إِلَّا كَانَ أَوَّلَ آخِذٍ بِهِ، وَلَا يَنْهَى عَنْ شَرٍّ إِلَّا كَانَ أَوَّلَ تَارِكٍ لَهُ، وَأَنَّهُ يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ، وَيُغْلَبُ فَلَا يَضْجَرُ، وَيَفِي بِالْعَهْدِ، وَيُنْجِزُ بِالْمَوْعُودِ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ.
وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
[ ٦ / ٥١٠ ]
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥]
هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، يَقُولُ: يَكَادُ مَنْظَرُهُ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا، كَمَا قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ:
لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ
قُلْتُ: وَإِيمَانُ خَدِيجَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ كَانَ قَبْلَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَقَبْلَ إِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ، وَقَبْلَ تَحَدِّيهِ بِالْقُرْآنِ، لَكِنْ كَانَ بَعْدَ سَمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ نَفْسُهُ آيَةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ لِصِدْقِهِ، وَنَفْسُ كَلَامِهِ وَإِخْبَارُهُ بِأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ مَعَ مَا يُعْرَفُ مِنْ أَحْوَالِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِصِدْقِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الصِّدْقِ، وَبَرَاهِينِهِ.
بَلْ خَدِيجَةُ قَالَتْ لَهُ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ،
[ ٦ / ٥١١ ]
وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَكَانَتْ عَارِفَةً بِأَحْوَالِهِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ كَذِبِهِ وَفُجُورِهِ وَتَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ بِهِ.
وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ مِنْ أَعْقَلِ النَّاسِ، وَأَخْيَرِهِمْ، وَكَانَ مُعَظَّمًا فِي قُرَيْشٍ لِعِلْمِهِ، وَإِحْسَانِهِ، وَعَقْلِهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ حَالُهُ عَلِمَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ، وَكَانَ أَكْمَلَ أَهْلِ الْأَرْضِ يَقِينًا وَعِلْمًا، وَحَالًا
وَكَذَلِكَ هِرَقْلُ مَلِكُ النَّصَارَى لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ سَأَلَ عَنْ عَشَرَةِ خِصَالٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ فِيهِ إِلَى فِي، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ فَقَالَ هِرَقْلُ:
هَلْ هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ
[ ٦ / ٥١٢ ]
قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ
فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا. فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي فَدَعَا بِتُرْجُمَانِهِ فَقَالَ:
قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلُ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ.
قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَأَيْمِ اللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟
قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ.
قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟
قُلْتُ: لَا.
قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟
قُلْتُ: لَا.
قَالَ: وَمَنِ اتَّبَعَهُ؟ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟
قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.
[ ٦ / ٥١٣ ]
قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟
قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ
قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، سُخْطَةً لَهُ؟
قَالَ: قُلْتُ: لَا
قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟
قُلْتُ: نَعَمْ
قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟
قَالَ: قُلْتُ: يَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبُ مِنْهُ.
قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟
قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ عَلَى مُدَّةٍ مَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ
قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟
قَالَ: قُلْتُ: لَا
قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَا الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ: أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقْدَ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ
[ ٦ / ٥١٤ ]
الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سُخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ فَيَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ.
ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟
قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ، وَالْعَفَافِ.
قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا إِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. ثُمَّ دَعَا
[ ٦ / ٥١٥ ]
بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ:
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، وَ:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]
وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ؟ قَالَ: يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَقَالَ: فَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ.
وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَلِكُ النَّصَارَى هِرَقْلُ مِنَ الْعِلْمِ بِصِفَاتِهِ هُوَ
[ ٦ / ٥١٦ ]
اسْتِدْلَالٌ عَلَى عَيْنِهِ فَإِنَّ النَّاسَ فِي النُّبُوَّةِ عَلَى دَرَجَاتٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَعْلَمَ جِنْسَ النُّبُوَّةِ فَيُصَدِّقُ بِجِنْسِ الرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ لَا يُكَذِّبُ بِالْجِنْسِ كَمَا كَذَّبَ بِذَلِكَ مَنْ كَذَّبَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، وَعَادٍ، وَثَمُودَ، وَغَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى:
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١]
لِأَنَّ تَكْذِيبَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ بَلْ كَانُوا مُكَذِّبِينَ لِجِنْسِ الرُّسُلِ، وَهَؤُلَاءِ يُخَاطِبُهُمُ اللَّهُ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١]
فَاحْتَجَّ بِإِنْزَالِ كِتَابِ مُوسَى لِمَا تَوَاتَرَ فِي خَبَرِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْإِنْجِيلُ تَبَعٌ لِلتَّوْرَاةِ، ثُمَّ قَالَ:
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢]
[ ٦ / ٥١٧ ]
لَمَّا قَامَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُزُولِهِ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ سُبْحَانَهُ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ مِنْ تَثْبِيتِ أَمْرِ الرُّسُلِ، وَآيَاتِهِمْ، وَبَرَاهِينِهِمْ، وَحُسْنِ عَاقِبَتِهِمْ، وَمِنْ ضَلَالِ مُخَالِفِيهِمْ، وَجَهْلِهِمْ، وَغَيِّهِمْ، وَخِذْلَانِهِمْ، وَسُوءِ عَاقِبَتِهِمْ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُقِرُّ بِالرُّسُلِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ لَا يُؤْمِنُ بِمَا يَجِبُ مِنْ حَقِيقَةِ إِرْسَالِهِمْ كَالْمَلَاحِدَةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ الْأَنْبِيَاءَ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ فِي الْبَاطِنِ مَا يُنَاقِضُ بَعْضَ مَا جَاءُوا بِهِ لِشُبُهَاتٍ انْعَقَدَتْ فِي قُلُوبِهِمْ ظَنُّوهَا عُلُومًا عَقْلِيَّةً، وَهِيَ مُنَاقِضَةٌ لِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَيَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يُوَفِّقُوا بَيْنَهُمَا، وَهَؤُلَاءِ يُشْبِهُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] (٦٠) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] (٦١) ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] (٦٢) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ جَعَلَ لِلْأَنْبِيَاءِ مَنْ يُعَادِيهِمْ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَقَالَ تَعَالَى:
[ ٦ / ٥١٨ ]
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] (١١٢) ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] (١١٣) ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] (١١٤) ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ مَا يُنَاقِضُ بَعْضَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ هُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:
أَهْلُ التَّخْيِيلِ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الرُّسُلَ أَخْبَرُوا مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بِمَا يُخَالِفُ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِيُخَيِّلُوا إِلَى الْجُمْهُورِ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَيَعُدُّونَ هَذَا مِنْ فَضَائِلِ الرُّسُلِ، وَقَدْ بُسِطَ الرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
[ ٦ / ٥١٩ ]
وَأَهْلُ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ: الَّذِينَ يُؤَوِّلُونَ كَلَامَهُمْ عَلَى مَا يُخَالِفُ مُرَادَهُمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، بَلْ كَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ خِلَافِهِ.
وَأَهْلُ التَّجْهِيلِ: الَّذِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ الْكَلَامَ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى يَعْلَمُهُ الرَّسُولُ، وَلَا غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَقُولُ بِكُلٍّ مِنْهَا طَوَائِفُ مُعَظِّمِينَ لِلرُّسُلِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ الرُّسُلَ وَغَيْرَهُمْ يَعْلَمُونَ الْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُمْ بِكَلَامِهِ، وَلَكِنِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ أَمْرٍ آخَرَ لَا يَعْلَمُونَهُ كَمَا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّاعَةِ، فَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي النُّبُوَّاتِ تَارَةً فِي جِنْسِهَا، وَتَارَةً فِي شَخْصِ النَّبِيِّ الْمُعَيَّنِ، وَهِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَى الْإِيمَانِ بِجِنْسِ النُّبُوَّاتِ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُقِرُّونَ بِجِنْسِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ نُبُوَّةَ نُوحٍ، وَالْخَلِيلِ، وَمُوسَى، وَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالنَّصَارَى تُقِرُّ مَعَ ذَلِكَ بِالْمَسِيحِ، وَالْإِنْجِيلِ.
وَالَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ الْمُعَيَّنِ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ عَرَفُوا أَنَّهُ يُبْعَثُ نَبِيٌّ، وَقَدْ يَعْرِفُونَ بَعْضَ نُعُوتِهِ فَيَحْتَاجُونَ أَنْ يَعْرِفُوا عَيْنَهُ، وَهِرَقْلُ وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا
[ ٦ / ٥٢٠ ]
هَلْ هُوَ هَذَا النَّبِيُّ الْمَذْكُورُ أَمْ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِهِ أَيْسَرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ أَوْ لَا يَعْرِفُ أَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ، وَمَنْ كَانَ يَعْلَمُ جِنْسَ الرُّسُلِ، وَلَا يَدْرِي هَلْ يُبْعَثُ نَبِيٌّ أَمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمِ أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَنْبِيَاءِ الصَّادِقِينَ أَوْ مِنْ جِنْسِ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَاذِبِينَ، وَهَذَا يُعْرَفُ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ آيَاتِ صِدْقِهِ، وَبِاعْتِبَارِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، فَإِنَّ أُصُولَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اخْتِلَافُ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ، وَهِيَ الْأُمُورُ الَّتِي لَا تَقْبَلُ النَّسْخَ كَالْإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ اخْتِلَافُ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ، إِذْ كَانَ كُلُّ مَا يُخْبِرُ بِهِ النَّبِيُّ فَهُوَ صِدْقٌ، وَالْأَخْبَارُ الصَّادِقَةُ لَا تَتَنَاقَضُ وَلَا تَقْبَلُ النَّسْخَ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمَ بِبَعْضِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مِنَ الْأَخْبَارِ بِبَعْضِ ذَلِكَ مَا لَيْسَ فِي كَلَامِ بَعْضٍ.
وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ أَكْمَلُ وَأَكْثَرُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مُوسَى، وَالْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ يَظُنُّ بَعْضُ الْغَالِطِينَ تَنَاقُضَ بَعْضِ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ الْغَالِطِينَ مُعَارَضَةَ الْعَقْلِ لِمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُعَارِضُ الْعَقْلِيُّ خَطَأً، لَيْسَ بِمَعْقُولٍ صَحِيحٍ، أَوِ السَّمْعِيُّ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ لَفْظُهُ أَوْ دَلَالَتُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَخْبَارُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ
[ ٦ / ٥٢١ ]
الْخَبَرَيْنِ كَذِبًا أَوْ غَيْرَ دَالٍّ عَلَى مُنَاقَضَةِ الْخَبَرِ الْآخَرِ، وَأَمَّا الْأُصُولُ الْجَامِعَةُ كَالْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَدْلِ، وَتَحْرِيمِ الْأَجْنَاسِ الْأَرْبَعَةِ، وَهِيَ الْفَوَاحِشُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمُ وَالْبَغْيُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَأَنْ يُقَالَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْحَقِّ، وَذَلِكَ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مِثْلِ هَذَا: هَلْ يُمْكِنُ نَسْخُهُ وَتَنَوُّعُ الشَّرَائِعِ بِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَيَنْهَى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ لَا إِلَى صِفَاتٍ تَقْتَضِي الْأَمْرَ بِهَذَا دُونَ هَذَا، فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا دُخُولَ النَّسْخِ فِي هَذَا، وَتَنَوُّعَ الشَّرَائِعِ فِيهِ، كَمَا يَقُولُهُ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَالْأَشْعَرِيُّ، وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ نَسْخٌ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ النَّاسِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ دُخُولَ النَّسْخِ فِي هَذَا، وَلَا تَنَوُّعَ الشَّرَائِعِ فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدًا كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] (٥١) ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]
[ ٦ / ٥٢٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ» .
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
[ ٦ / ٥٢٣ ]