[فَصْلٌ: دِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ هُوَ الْإِسْلَامُ] [الدِّينُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ]
وَكَانَ دِينُهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ: الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا غَيْرَهُ لَا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَلَا مِنَ الْآخِرِينَ.
وَهُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْ نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ - فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢] .
[ ١ / ٨١ ]
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ مُوسَى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] .
وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ السَّحَرَةِ، أَنَّهُمْ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ بِلْقِيسَ مَلِكَةِ الْيَمَنِ:
[ ١ / ٨٢ ]
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْمَسِيحِ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] .
فَهَذَا دِينُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعِبَادَتُهُ تَعَالَى فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، بِطَاعَةِ رُسُلِهِ ﵈.
فَلَا يَكُونُ عَابِدًا لَهُ مَنْ عَبَدَهُ بِخِلَافِ مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ: كَالَّذِينِ قَالَ فِيهِمْ:
[ ١ / ٨٣ ]
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِهِ إِلَّا مَنْ عَبَدَهُ بِطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِهِ، وَلَا عَابِدًا لَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِجَمِيعِ رُسُلِهِ، وَأَطَاعَ مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَيُطَاعُ كُلُّ رَسُولٍ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي بَعْدَهُ، فَتَكُونُ الطَّاعَةُ لِلرَّسُولِ الثَّانِي.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] .
[حُكْمُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الرُّسُلِ]
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ رُسُلِهِ فَآمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ كَانَ كَافِرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] .
فَلَمَّا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ رَسُولٌ، وَلَا مَنْ يُجَدِّدُ الدِّينَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ ﷾
[ ١ / ٨٣ ]
يُقِيمُ لِتَجْدِيدِ الدِّينِ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِظُهُورِهِ، كَمَا وَعَدَ بِهِ فِي الْكِتَابِ، فَيُظْهِرُ بِهِ مَحَاسِنَ الْإِيْمَانِ وَمَحَامِدَهُ، وَيُعَرِّفُ بِهِ مَسَاوِئَ الْكُفْرِ وَمَفَاسِدَهُ.
[مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِ الْإِيْمَانِ]
[ظُهُورُ الْمُعَارِضِينَ لِلْحَقِّ]
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ظُهُورِ الْإِيْمَانِ وَالدِّينِ، وَبَيَانِ حَقِيقَةِ أَنْبَاءِ الْمُرْسَلِينَ ظُهُورُ الْمُعَارِضِينَ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ الْمُبِينِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ - أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ - وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا - يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا - لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا - وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا - وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٣١] .
وَذَلِكَ أَنَّ الْحَقَّ إِذَا جُحِدَ وَعُورِضَ بِالشُّبُهَاتِ أَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِمَّا يُحِقُّ بِهِ الْحَقَّ، وَيُبْطِلُ بِهِ الْبَاطِلَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ
[ ١ / ٨٥ ]
بِمَا يُظْهِرُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْحَقِّ وَبَرَاهِينِهِ الْوَاضِحَةِ، وَفَسَادِ مَا عَارَضَهُ مِنَ الْحُجَجِ الدَّاحِضَةِ.
فَالْقُرْآنُ لَمَّا كَذَّبَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، وَاجْتَهَدُوا عَلَى إِبْطَالِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ مَعَ أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ بِالْإِتْيَانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ، ثُمَّ بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ ذَوِي الْأَلْبَابِ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، مَعَ شِدَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَقُوَّةِ الْأَسْبَابِ، وَلَوِ اتَّبَعُوهُ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضَةٍ وَإِصْرَارٍ عَلَى التَّبْطِيلِ، لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ.
وَكَذَلِكَ السَّحَرَةُ لَمَّا عَارَضُوا مُوسَى ﵇، وَأَبْطَلَ اللَّهُ مَا جَاءُوا بِهِ، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا بَيَّنَ اللَّهُ ﵎ بِهِ صِدْقَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى ﵇، وَهَذَا مِنَ الْفُرُوقِ بَيْنَ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَرَاهِينِهِمُ الَّتِي تُسَمَّى بِالْمُعْجِزَاتِ، وَبَيْنَ مَا قَدْ يُشْتَبَهُ بِهَا مِنْ خَوَارِقِ السَّحَرَةِ، وَمَا لِلشَّيْطَانِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ فُرُوقًا مُتَعَدِّدَةً، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] .
وَمِنْهَا مَا بَيَّنَهُ فِي آيَاتِ التَّحَدِّي، مِنْ أَنَّ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُعَارَضَ بِالْمِثْلِ فَضْلًا عَنِ الْأَقْوَى، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا إِبْطَالُهَا بِخِلَافِ خَوَارِقِ السَّحَرَةِ وَالشَّيَاطِينِ ; فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهَا بِمِثْلِهَا وَأَقْوَى مِنْهَا وَيُمْكِنُ إِبْطَالُهَا.
[ ١ / ٨٦ ]
[مُعَارَضَةُ أَعْدَاءِ الْحَقِّ بِدَعَاوِيهِمُ الْكَاذِبَةِ]
وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْدَاءِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْمُجْرِمِينَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، الَّذِينَ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا إِذَا أَظْهَرُوا مِنْ حُجَجِهِمْ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى دِينِهِمُ الْمُخَالِفِ لِدِينِ الرَّسُولِ، وَيُمَوِّهُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا يُلَفِّقُونَهُ مِنْ مَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ - كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِ الْإِيْمَانِ الَّذِي وَعَدَ بِظُهُورِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ بِالْبَيَانِ وَالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ ثُمَّ بِالسَّيْفِ وَالْيَدِ وَالسِّنَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وَذَلِكَ بِمَا يُقِيمُهُ اللَّهُ ﵎ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْخَالِيَ مِنَ الْعَاطِلِ، وَالْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ، وَالصِّدْقَ مِنَ الْمُحَالِ، وَالْغَيَّ مِنَ الرَّشَادِ، وَالصَّلَاحَ مِنَ الْفَسَادِ، وَالْخَطَأَ مِنَ السَّدَادِ، وَهَذَا كَالْمِحْنَةِ لِلرِّجَالِ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] .
[ ١ / ٨٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ - أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٤] .
وَالْفِتْنَةُ هِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ، كَمَا قَالَ مُوسَى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] .
أَيِ امْتِحَانُكَ وَاخْتِبَارُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ وَتَهْدِي بِهَا مَنِ اتَّبَعَهُمْ.
وَالْفِتْنَةُ لِلْإِنْسَانِ كَفِتْنَةِ الذَّهَبِ إِذَا أُدْخِلَ كِيرَ الِامْتِحَانِ، فَإِنَّهَا تُمَيِّزُ جَيِّدَهُ مِنْ رَدِيئِهِ، فَالْحَقُّ كَالذَّهَبِ الْخَالِصِ، كُلَّمَا امْتُحِنَ ازْدَادَ جَوْدَةً، وَالْبَاطِلُ كَالْمَغْشُوشِ الْمُضِيءِ، إِذَا امْتُحِنَ ظَهَرَ فَسَادُهُ.
فَالدِّينُ الْحَقُّ كُلَّمَا نَظَرَ فِيهِ النَّاظِرُ، وَنَاظَرَ عَنْهُ الْمُنَاظِرُ، ظَهَرَتْ لَهُ الْبَرَاهِينُ، وَقَوِيَ بِهِ الْيَقِينُ، وَازْدَادَ بِهِ إِيْمَانُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشْرَقَ نُورُهُ فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ.
وَالدِّينُ الْبَاطِلُ إِذَا جَادَلَ عَنْهُ الْمُجَادِلُ، وَرَامَ أَنْ يُقِيمَ عُودَهُ الْمَائِلَ، أَقَامَ اللَّهُ ﵎ مَنْ يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ
[ ١ / ٨٨ ]
فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ صَاحِبَهُ الْأَحْمَقَ كَاذِبٌ مَائِقٌ، وَظَهَرَ فِيهِ مِنَ الْقُبْحِ وَالْفَسَادِ، وَالْحُلُولِ، وَالِاتِّحَادِ، وَالتَّنَاقُضِ
[ ١ / ٨٩ ]
والْإِلْحَادِ، وَالْكُفْرِ، وَالضَّلَالِ، وَالْجَهْلِ وَالْمُحَالِ، مَا يَظْهَرُ بِهِ لِعُمُومِ الرِّجَالِ أَنَّ أَهْلَهُ مِنْ أَضَلِّ الضُّلَّالِ، حَتَّى يَظْهَرَ فِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ الْعِبَادِ، وَيَتَنَبَّهُ بِذَلِكَ مِنْ سِنَةِ الرُّقَادِ مَنْ كَانَ لَا يُمَيِّزُ الْغَيَّ مِنَ الرَّشَادِ، وَيَحْيَا بِالْعِلْمِ وَالْإِيْمَانِ مَنْ كَانَ مَيِّتَ الْقَلْبِ لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِيِنَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، فَإِنَّ مَا ذَمَّ اللَّهُ بِهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي كِتَابِهِ مِثْلُ تَكْذِيبِ الْحَقِّ الْمُخَالِفِ لِلْهَوَى، وَالِاسْتِكْبَارِ عَنْ قَبُولِهِ، وَحَسَدِ أَهْلِهِ، وَالْبَغْيِ عَلَيْهِمْ، وَاتِّبَاعِ سَبِيلِ الْغَيِّ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَوَصْفِ اللَّهِ ﷾ بِمِثْلِ عُيُوبِ الْمَخْلُوقِينَ، وَنَقَائِصِهِمْ، وَجَحْدِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ صِفَاتِ
[ ١ / ٩٠ ]
الْكَمَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ الَّتِي لَا يُمَاثِلُهُ فِيهَا مَخْلُوقٌ، وَبِمِثْلِ الْغُلُوِّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْإِشْرَاكِ فِي الْعِبَادَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْقَوْلِ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الَّذِي يَجْعَلُ الْعَبْدَ الْمَخْلُوقَ هُوَ رَبُّ الْعِبَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي أَعْمَالِ الدِّينِ عَنْ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَالْعَمَلِ بِمُجَرَّدِ هَوَى الْقَلْبِ وَذَوْقِهِ وَوَجْدِهِ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعِ الْعِلْمِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، وَاتِّخَاذِ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ، وَالْعُبَّادِ أَرْبَابًا يُتَّبَعُونَ فِيمَا يَبْتَدِعُونَهُ مِنَ الدِّينِ الْمُخَالِفِ لِلْأَنْبِيَاءِ ﵈ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وَمُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ، بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنَ التَّنَزُلَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْفُتُوحَاتِ الْقُدْسِيَّةِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ وَسَاوِسِ اللَّعِينِ، حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهَا مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
[ ١ / ٩١ ]
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، الَّتِي ذَمَّ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ، فَإِنَّهَا مِمَّا حَذَّرَ اللَّهُ مِنْهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْأَخْيَارَ، وَجَعَلَ مَا حَلَّ بِهَا عِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ.
[التَّحْذِيرُ مِنَ اتِّبَاعِ بِدَعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى]
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ لَا يَزَالُ فِي أُمَّتِهِ أُمَّةً قَائِمَةً عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَأَنَّ أُمَّتَهُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَا يَغْلِبُهَا مَنْ سِوَاهَا مِنَ الْأُمَمِ، بَلْ لَا تَزَالُ مَنْصُورَةً مُتَّبِعَةً لِنَبِيِّهَا الْمَهْدِيِّ الْمَنْصُورِ.
لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَنْ يَتَتَبَّعُ سَنَنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرُّومِ وَالْمَجُوسِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ
[ ١ / ٩٢ ]
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، قَالَ: فَمَنْ؟» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَتَأْخُذُ أُمَّتِي مَأْخَذَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَارِسَ وَالرُّومَ، قَالَ: فَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» .
[ ١ / ٩٣ ]
وَفِي الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ مُنَافِقُونَ، وَالْمُنَافِقُونَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ تَحْتَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ; فَلِهَذَا كَانَ مَا ذَمَّ اللَّهُ بِهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَدْ يُوجَدُ فِي الْمُنَافِقِينَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْإِسْلَامِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِيْمَانَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَيُبْطِنُونَ خِلَافَ ذَلِكَ كَالْمَلَاحِدَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، فَضْلًا عَمَّنْ يُظْهِرُ الْإِلْحَادَ مِنْهُمْ.
[ ١ / ٩٤ ]
وَيُوجَدُ بَعْضُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ، مِمَّنْ هُوَ مُقِرٌّ بِعُمُومِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ، بَاطِنًا وَظَاهِرًا، لَكِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا اشْتَبَهَ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَاتَّبَعَ الْمُتَشَابِهَ، وَتَرَكَ الْمُحْكَمَ كَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
وَلِلنَّصَارَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ ﷾، وَاتِّحَادِهِ بِالْمَخْلُوقَاتِ ضَلَالٌ شَارَكَهُمْ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، بَلْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ ضَلَالًا مِنَ النَّصَارَى.
وَالْحُلُولُ وَالِاتِّحَادُ نَوْعَانِ: عَامٌّ، وَخَاصٌّ.
فَالْعَامُّ: كَالَّذِينِ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ حَالٌّ فِي كُلِّ مَكَانٍ، أَوْ إِنَّ وُجُودَهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَالْخَاصُّ: كَالَّذِينِ يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ فِي بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ، كَعَلِيٍّ، وَغَيْرِهِ، مِثْلُ النُّصَيْرِيَّةِ، وَأَمْثَالِهِمْ، أَوْ بَعْضِ مَنْ يَنْتَسِبُ
[ ١ / ٩٥ ]
إِلَى أَهْلِ الْبَيْتِ كَالْحَاكِمِ، وَغَيْرِهِ، مِثْلُ الدُّرْزِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ،
[ ١ / ٩٦ ]
أَوْ بَعْضِ مَنْ يُعْتَقَدُ فِيهِ الْمَشْيَخَةُ، كَالْحَلَّاجِيَّةِ، وَأَمْثَالِهِمْ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷾ حَلَّ، أَوِ اتَّحَدَ بِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوِ الْقَرَابَةِ، أَوِ الْمَشَايِخِ، فَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَكْفَرُ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا بِالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ ﵇ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ.
[ ١ / ٩٧ ]
وَمَنْ قَالَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ، فَضَلَالُهُ أَعَمُّ مِنْ ضَلَالِ النَّصَارَى، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ أَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ، أَوْ أَعْمَالِهِمْ، أَوْ كَلَامِهِمْ، أَوْ أَصْوَاتِهِمْ، أَوْ مِدَادِ مَصَاحِفِهِمْ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَفِي قَوْلِهِ شُعْبَةٌ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى.
فَبِمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ دِينِ النَّصَارَى وَبُطْلَانِهِ يُعْرَفُ بِهِ بُطْلَانُ مَا يُشْبِهُ أَقْوَالَهُمْ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ.
فَإِذَا جَاءَ نُورُ الْإِيْمَانِ وَالْقُرْآنِ أَزْهَقَ اللَّهُ بِهِ مَا خَالَفَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] .
وَأَبَانَ اللَّهُ ﷾ مِنْ فَضَائِلِ الْحَقِّ وَمَحَاسِنِهِ مَا كَانَ بِهِ مَحْقُوقًا.
[سَبَبُ تَأْلِيفِ الْكِتَابِ]
وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ نَصْرِ الدِّينِ وَظُهُورِهِ، أَنَّ كِتَابًا وُرَدَ مِنْ قُبْرُصَ فِيهِ الِاحْتِجَاجُ لِدِينِ النَّصَارَى، بِمَا يَحْتَجُّ بِهِ عُلَمَاءُ دِينِهِمْ وَفُضَلَاءُ مِلَّتِهِمْ، قَدِيمًا، وَحَدِيثًا مِنَ الْحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ، وَالْعَقْلِيَّةِ،، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ نَذْكُرَ مِنَ الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ بِهِ فَصْلُ الْخِطَابِ، وَبَيَانُ الْخَطَإِ مِنَ الصَّوَابِ ; لِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ أُولُو الْأَلْبَابِ، وَيَظْهَرَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ مِنَ الْمِيزَانِ، وَالْكِتَابِ.
[ ١ / ٩٨ ]
وَأَنَا أَذْكُرُ مَا ذَكَرُوهُ بِأَلْفَاظِهِمْ بِأَعْيَانِهَا فَصْلًا فَصْلًا، وَأُتْبِعُ كُلَّ فَصْلٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْجَوَابِ فَرْعًا وَأَصْلًا، وَعَقْدًا وَحَلًّا.
وَمَا ذَكَرُوهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ هُوَ عُمْدَتُهُمُ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا عُلَمَاؤُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ، وَقَبْلِ هَذَا الزَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ ; فَإِنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ وَجَدْنَاهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَتَنَاقَلُهَا عُلَمَاؤُهُمْ بَيْنَهُمْ، وَالنُّسَخُ بِهَا مَوْجُودَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى بُولِصَ الرَّاهِبِ أُسْقُفِّ
[ ١ / ٩٩ ]
صَيْدَا الْأَنْطَاكِيِّ، كَتَبَهَا إِلَى بَعْضِ أَصْدِقَائِهِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي نَصْرِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَذُكِرَ أَنَّهُ لَمَّا سَافَرَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ وَالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَبِلَادِ الْمَلَافِطَةِ وَبَعْضِ أَعْمَالِ الْإِفْرِنْجِ
[ ١ / ١٠٠ ]
وَرُومِيَةَ، وَاجْتَمَعَ بِأَجِلَّاءِ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَفَاوَضَ أَفَاضِلَهُمْ، وَعُلَمَاءَهُمْ، وَقَدْ عَظَّمَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، وَسَمَّاهَا (الْكِتَابُ الْمَنْطِيقِيُّ الدَّوْلَةُ خَانِي الْمُبَرْهِنُ عَنِ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ، وَالرَّأْيِ الْمُسْتَقِيمِ) .
[مُجْمَلُ مَا جَاءَ فِي رِسَالَةِ بُولِسَ مِنْ دَعَاوَى]
وَمَضْمُونُ ذَلِكَ سِتَّةُ فُصُولٍ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: دَعْوَاهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا، ﷺ، لَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ بَلْ إِلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: دَعْوَاهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا، ﷺ، أَثْنَى فِي الْقُرْآنِ عَلَى دِينِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَمَدَحَهُ بِمَا أَوْجَبَ لَهُمْ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَيْهِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: دَعْوَاهُمْ أَنَّ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، كَالتَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ
[ ١ / ١٠١ ]
النُّبُوَّاتِ تَشْهَدُ لِدِينِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقَانِيمِ،
[ ١ / ١٠٢ ]
وَالتَّثْلِيثِ، وَالِاتِّحَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ حَقٌّ وَصَوَابٌ، فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ شَرْعٌ يَرْفَعُهُ، وَلَا عَقْلٌ يَدْفَعُهُ.
وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِيهِ تَقْرِيرُ ذَلِكَ بِالْمَعْقُولِ، وَأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّثْلِيثِ ثَابِتٌ بِالنَّظَرِ الْمَعْقُولِ، وَالشَّرْعِ الْمَنْقُولِ، مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ.
وَالْفَصْلُ الْخَامِسُ: دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَالِاعْتِذَارُ عَمَّا يَقُولُونَهُ مِنْ أَلْفَاظٍ يَظْهَرُ مِنْهَا تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ، كَأَلْفَاظِ الْأَقَانِيمِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي يَظْهَرُ مِنْهَا التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ.
[ ١ / ١٠٣ ]
وَالْفَصْلُ السَّادِسُ: أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ جَاءَ بَعْدَ مُوسَى ﵇ بِغَايَةِ الْكَمَالِ، فَلَا حَاجَةَ بَعْدَ النِّهَايَةِ إِلَى شَرْعٍ يَزِيدُ عَلَى الْغَايَةِ، بَلْ يَكُونُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ شَرْعًا غَيْرَ مَقْبُولٍ.
[نَهْجُ الْمُؤَلِّفِ فِي رَدِّ دَعَاوِيهِمُ الْبَاطِلَةِ]
وَنَحْنُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ نُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حُجَّةٍ سَمْعِيَّةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَوْ عَقْلِيَّةٍ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، بَلِ الْكُتُبُ كُلُّهَا مَعَ الْقُرْآنِ وَالْعَقْلِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لَا لَهُمْ، بَلْ عَامَّةُ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنَ الْمَعْقُولِ فَهُوَ نَفْسُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ فَسَادُ قَوْلِهِمْ مَعَ مَا يُفْسِدُهُ مِنْ سَائِرِ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْمَوَازِينِ الَّتِي هِيَ مَقَايِيسُ عَقْلِيَّةٌ.
وَهَكَذَا يُوجَدُ عَامَّةُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ﷿ فَفِي تِلْكَ النُّصُوصِ مَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، بَلْ
[ ١ / ١٠٤ ]
هِيَ بِعَيْنِهَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، كَمَا ذُكِرَ أَمْثَالُ ذَلِكَ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
وَإِنَّمَا عَامَّةُ مَا عِنْدَ الْقَوْمِ أَلْفَاظٌ مُتَشَابِهَةٌ، تَمَسَّكُوا بِمَا ظَنُّوهَا تَدَلُّ عَلَيْهِ، وَعَدَلُوا عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُحْكَمَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُبَيِّنَةِ، مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ مِنَ الْأَهْوَاءِ.
وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْبَاطِنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] .
فَهُمْ فِي جَهْلٍ وَظُلْمٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣] .
فَالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ هُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ بُعِثُوا بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى - مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى - وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١ - ٤] .
[ ١ / ١٠٥ ]
فَبَيَّنَ ﷾ أَنَّهُ لَيْسَ ضَالًّا جَاهِلًا، وَلَا غَاوِيًا مُتَّبِعًا هَوَاهُ، وَلَا يَنْطِقُ عَنْ هَوَاهُ، إِنَّمَا نُطْقُهُ وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللَّهُ ﷾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] .
فَالْهُدَى يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ النَّافِعَ، وَدِينُ الْحَقِّ يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَمَبْنَاهُ عَلَى الْعَدْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وَأَصْلُ الْعَدْلِ الْعَدْلُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ; فَإِنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
[ ١ / ١٠٦ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] الْآيَةَ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟ .
وَلَمَّا كَانَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، كَانَ كَلَامُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الْكُفَّارِ، وَأَهْلِ الْبِدَعِ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ لَا بِالظَّنِّ، وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى
[ ١ / ١٠٧ ]
لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
فَإِذَا كَانَ مَنْ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا عَادِلًا، كَانَ فِي النَّارِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَحْكُمُ فِي الْمِلَلِ، وَالْأَدْيَانِ، وَأُصُولِ الْإِيْمَانِ، وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْمَعَالِمِ الْكُلِّيَّةِ بِلَا عِلْمٍ، وَلَا عَدْلٍ؟ كَحَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَالْأَهْوَاءِ، الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِالْمُتَشَابِهِ الْمَشْكُوكِ، وَيَدَعُونَ الْمُحْكَمَ الصَّرِيحَ مِنْ نُصُوصِ
[ ١ / ١٠٨ ]
الْأَنْبِيَاءِ وَيَتَمَسَّكُونَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الْمُتَشَابِهِ فِي الْمَقَايِيسِ وَالْآرَاءِ، وَيُعْرِضُونَ عَمَّا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفُرُوقِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْإِلْحَاقِ وَالِاسْتِوَاءِ، كَحَالِ الْكُفَّارِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الَّذِينَ يُمَثِّلُونَ الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ، وَالْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ، وَيَضْرِبُونَ لِلَّهِ الْمَثَلَ بِالْقَوْلِ الْهُزْءِ.
[مَا كَفَرَتْ بِهِ النَّصَارَى]
وَذَلِكَ أَنَّ دِينَ النَّصَارَى الْبَاطِلَ إِنَّمَا هُوَ دِينٌ مُبْتَدَعٌ، ابْتَدَعُوهُ بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇، وَغَيَّرُوا بِهِ دِينَ الْمَسِيحِ، فَضَلَّ مِنْهُمْ مَنْ عَدَلَ عَنْ شَرِيعَةِ الْمَسِيحِ إِلَى مَا ابْتَدَعُوهُ.
[ ١ / ١٠٩ ]
ثُمَّ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَفَرُوا بِهِ فَصَارَ كُفْرُهُمْ وَضَلَالُهُمْ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ: تَبْدِيلَ دِينِ الرَّسُولِ الْأَوَّلِ، وَتَكْذِيبَ الرَّسُولِ الثَّانِي.
كَمَا كَانَ كُفْرُ الْيَهُودِ بِتَبْدِيلِهِمْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ قَبْلَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ تَكْذِيبِهِمُ الْمَسِيحَ ﵇.
وَنُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ النَّصَارَى مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ: لَا الْإِنْجِيلُ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ دَلَّتْ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ، وَلَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ عَقْلٌ بَلِ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ مَعَ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ، بَلْ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ شَرَائِعِ دِينِهِمْ مُحْدَثَةٌ مُبْتَدَعَةٌ، لَمْ يُشَرِّعْهَا الْمَسِيحُ ﵇.
ثُمَّ التَّكْذِيبُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، هُوَ كُفْرُهُمُ الْمَعْلُومُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، مِثْلُ كُفْرِ الْيَهُودِ بِالْمَسِيحِ ﵇ وَأَبْلَغُ.
وَهُمْ يُبَالِغُونَ فِي تَكْفِيرِ الْيَهُودِ بِأَعْظَمَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْيَهُودُ مِنَ التَّكْفِيرِ، إِذْ كَانَ الْيَهُودُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ وَلَدُ غَيَّةٍ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ:
[ ١ / ١١٠ ]
﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] .
وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَأَنَّهُ دَيَّانُ يَوْمِ الدِّينِ، فَكَانَتِ الْأُمَّتَانِ فِيهِ عَلَى غَايَةِ التَّنَاقُضِ وَالتَّعَادِي وَالتَّقَابُلِ ; وَلِهَذَا كُلُّ أُمَّةٍ تَذُمُّ الْأُخْرَى بِأَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَحِقُّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] .
ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي
[ ١ / ١١١ ]
مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
[ ١ / ١١٢ ]
﵄ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَتْهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَكَفَرَ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ جَمِيعًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسَى، وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمَا ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣] .
[ ١ / ١١٣ ]
قَالَ: كُلٌّ يَتْلُو فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقَ مَا كَفَرَ: أَيْ تَكْفُرُ الْيَهُودُ بِعِيسَى، وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِالتَّصْدِيقِ بِعِيسَى ﵇، وَفِي الْإِنْجِيلِ بِإِجَابَةِ عِيسَى بِتَصْدِيقِ مُوسَى، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكُلٌّ يَكْفُرُ بِمَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ.
قَالَ قَتَادَةُ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] قَالَ: بَلَى قَدْ كَانَ أَوَائِلُ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَلَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا وَتَفَرَّقُوا.
[ ١ / ١١٤ ]
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] قَالَ: بَلَى قَدْ كَانَتْ أَوَائِلُ الْيَهُودِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا وَتَفَرَّقُوا.
[تَكْفِيرُ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ]
فَالْيَهُودُ كَذَّبُوا بِدِينِ النَّصَارَى، وَقَالُوا لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَالنَّصَارَى كَذَّبُوا بِجَمِيعِ مَا تَمَيَّزَ بِهِ الْيَهُودُ عَنْهُمْ، حَتَّى فِي شَرَائِعِ التَّوْرَاةِ الَّتِي لَمْ يَنْسَخْهَا الْمَسِيحُ، بَلْ أَمَرَهُمْ بِالْعَمَلِ بِهَا، وَكَذَّبُوا بِكَثِيرٍ مِنَ الَّذِينَ تَمَيَّزُوا بِهِ عَنْهُمْ، حَتَّى كَذَّبُوا بِمَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ﵇ مِنَ الْحَقِّ.
لَكِنَّ النَّصَارَى - وَإِنْ بَالَغُوا فِي تَكْفِيرِ الْيَهُودِ وَمُعَادَاتِهِمْ عَلَى الْحَدِّ الْوَاجِبِ عَمَّا ابْتَدَعُوهُ مِنَ الْغُلُوِّ وَالضَّلَالِ - فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا كَذَّبُوا الْمَسِيحَ صَارُوا كُفَّارًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِلْمَسِيحِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .
[ ١ / ١١٥ ]
وَكُفْرُ النَّصَارَى بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَبِمُخَالَفَةِ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ بِمُجَرَّدِ تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَنْسَخْ مِنْ شَرْعِ التَّوْرَاةِ إِلَّا قَلِيلًا، وَسَائِرُ شَرْعِهِ إِحَالَةٌ عَلَى التَّوْرَاةِ، وَلَكِنْ عَامَّةُ دِينِ النَّصَارَى أَحْدَثُوهُ بَعْدَ الْمَسِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مُجَرَّدِ تَكْذِيبِ الْيَهُودِ لَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ شَرْعِ اللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِكِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يُحِلْ شَيْئًا مِنْ شَرْعِهِ عَلَى شَرْعِ غَيْرِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] .
وَالْقُرْآنُ أَصْلٌ كَالتَّوْرَاةِ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهَا ; وَلِهَذَا عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَقْرِنُونَ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا قَالَ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ النَّصَارَى لَمَّا سَمِعَ الْقُرْآنَ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ
[ ١ / ١١٦ ]
مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَكَذَلِكَ «قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَهُوَ مِنْ أَحْبَارِ نَصَارَى الْعَرَبِ، لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ يَأْتِيكَ النَّامُوسُ الَّذِي يَأْتِي مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، حِينَ يُخْرِجُكَ
[ ١ / ١١٧ ]
قَوْمُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا» .
وَلِهَذَا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، فِي مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: ٤٨] وَيَعْنِي التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ، وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (قَالُوا سَاحِرَانِ) أَيْ مُحَمَّدٌ
[ ١ / ١١٨ ]
وَمُوسَى.
﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ - قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٨ - ٤٩] .
فَلَمْ يَنْزِلْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] .
وَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى، ذَكَرَ كَاتِبُ كِتَابِهِمْ فِي كِتَابِهِ: أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ سَائِلٌ أَنْ يُفَحِّصَ لَهُ فَحْصًا بَيِّنًا عَمَّا يَعْتَقِدُهُ النَّصَارَى الْمَسِيحِيُّونَ الْمُخْتَلِفَةُ أَلْسِنَتُهُمُ الْمُتَفَرِّقَةُ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الْعَالَمِ، مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمِنَ الْجَنُوبِ الى الشَّمَالِ، وَالْقَاطِنُونَ بِجَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَالْمُقِيمُونَ بِالْبَرِّ الْمُتَّصِلِ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّ الْأُسْقُفَّ
[ ١ / ١١٩ ]
دِمْيَانَ الْمَلِكَ الرُّومِيَّ اجْتَمَعَ بِمَنِ اجْتَمَعَ بِهِ مِنْ أَجِلَّائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ، وَفَاوَضَ مَنْ فَاوَضَ مِنْ أَفَاضِلِهِمْ، وَعُلَمَائِهِمْ، فِيمَا عَلِمَهُ مِنْ رَأْيِ الْقَوْمِ الَّذِينَ رَآهُمْ بِجَزَائِرِ الْبَحْرِ قَبْلَ دُخُولِهِ إِلَى قُبْرُصَ، وَخَاطَبَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَمَا يَعْتَقِدُونَهُ وَيَحْتَجُّونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، قَالَ الْكَاتِبُ عَلَى لِسَانِ الْأُسْقُفِّ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّا سَمِعْنَا أَنْ قَدْ ظَهَرَ إِنْسَانٌ مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ يَقُولُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَتَى بِكِتَابٍ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ، فَلَمْ نَزَلْ إِلَى أَنْ حَصَلَ الْكِتَابُ عِنْدَنَا، قَالَ فَقُلْتُ لَهُمْ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا الْكِتَابِ، وَهَذَا الْإِنْسَانِ وَاجْتَهَدْتُمْ عَلَى تَحْصِيلِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَتَى بِهِ عِنْدَكُمْ، فَلِأَيِّ حَالٍ لَمْ تَتَّبِعُوهُ وَلَا سِيَّمَا وَفِي الْكِتَابِ يَقُولُ:
[ ١ / ١٢٠ ]
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
أَجَابُوا قَائِلِينَ: لِأَحْوَالٍ شَتَّى، قَالَ: فَقُلْتُ وَمَا هِيَ؟ قَالُوا: مِنْهَا أَنَّ الْكِتَابَ عَرَبِيٌّ، وَلَيْسَ بِلِسَانِنَا حَسْبَ مَا جَاءَ فِيهِ، يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] .
وَقَالَ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩] .
وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] . وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٤] . وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] .
[ ١ / ١٢١ ]
وَقَالَ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] .
وَقَالَ فِي سُورَةِ يس: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] .
قَالُوا: فَلَمَّا رَأَيْنَا هَذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَيْنَا، بَلْ إِلَى جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ، الَّذِينَ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ وَلَا نَذِيرٌ مِنْ قَبْلِهِ، وَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ ; لِأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ أَتَانَا رُسُلٌ مِنْ قَبْلِهِ، خَاطَبُونَا بِأَلْسِنَتِنَا، وَأَنْذَرُونَا بِدِينِنَا الَّذِي نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِهِ يَوْمَنَا هَذَا، وَسَلَّمُوا إِلَيْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلُغَاتِنَا، عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُمْ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي أَتَى بِهِ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ يَقُولُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] .
وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] .
وَقَالَ فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم: ٤٧] .
[ ١ / ١٢٢ ]
فَقَدْ صَحَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ، أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
فَيُرِيدُ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْعَدْلِ قَوْمَهُ الَّذِينَ أَتَاهُمْ بِلُغَتِهِمْ، لَا غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْتِهِمْ بِمَا جَاءَ فِيهِ.
وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَدْلٌ، وَلَيْسَ مِنْ عَدْلِهِ أَنْ يُطَالِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً بِاتِّبَاعِ إِنْسَانٍ لَمْ يَأْتِ إِلَيْهِمْ، وَلَا وَقَفُوا لَهُ عَلَى كِتَابٍ بِلِسَانِهِمْ، وَلَا مِنْ جِهَةِ دَاعٍ مِنْ قِبَلِهِ.
هَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ بِأَعْيَانِهَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا الْفَصْلُ لَمْ يَتَعَرَّضُوا فِيهِ لَا لِتَصْدِيقِهِ وَلَا لِتَكْذِيبِهِ، بَلْ زَعَمُوا أَنَّ فِي نَفْسِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْهِمْ، بَلْ إِلَى جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ، وَإِنَّ الْعَقْلَ أَيْضًا يَمْنَعُ أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْهِمْ.
فَنَحْنُ نَبْدَأُ بِالْجَوَابِ عَنْ هَذَا، وَنُبَيِّنُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ١٢٣ ]
وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْهِمْ، وَإِلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ، وَلَا فِي كِتَابِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَنَّ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي غَلِطُوا فِي مَعْرِفَةِ مَعْنَاهَا، فَتَرَكُوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الصَّرِيحَةَ فِي كِتَابِهِ، الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْهِمْ، مِنْ جِنْسِ مَا فَعَلُوهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، حَيْثُ تَرَكُوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الصَّرِيحَةَ، وَتَمَسَّكُوا بِقَلِيلٍ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي صِدْقِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ وَكَذِبِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي عُمُومِ رِسَالَتِهِ وَخُصُوصِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعْلَمُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ ادَّعَوْا خُصُوصَ رِسَالَتِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. فَنُجِيبُ عَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فَصْلًا فَصْلًا فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ:
الْكَلَامُ فِيمَنْ خَاطَبَ الْخَلْقَ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ قَالَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الرُّسُلِ الصَّادِقِينَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَآلِ كُلٍّ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَكَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ
[ ١ / ١٢٤ ]
وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ، يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ نَعْرِفَ مَا يَقُولُهُ فِي خَبَرِهِ وَأَمْرِهِ فَنَعْرِفَ مَا يُخْبِرُ بِهِ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَهَلْ قَالَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، أَوْ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَّا إِلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا إِلَى غَيْرِهَا؟
وَالثَّانِي: أَنْ يُعْرَفَ هَلْ هُوَ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ؟
وَبِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَتِمُّ الْإِيْمَانُ الْمُفَصَّلُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ صِدْقِ الرَّسُولِ وَمَعْرِفَةُ مَا جَاءَ بِهِ.
وَأَمَّا الْإِيْمَانُ الْمُجْمَلُ، فَيَحْصُلُ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ، كَإِيْمَانِنَا بِالرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ نَعْلَمُ صِدْقَهُ أَوْ كَذِبَهُ
[ ١ / ١٢٥ ]
وَهَؤُلَاءِ بَدَءُوا فِي كِتَابِهِمْ هَذَا بِمَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، مِمَّا زَعَمُوا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ، وَعَلَى مَدْحِ دِينِهِمُ الَّذِي هُمُ الْيَوْمَ عَلَيْهِ بَعْدَ النَّسْخِ، وَالتَّبْدِيلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا حُجَجًا مُسْتَقِلَّةً عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ ثُمَّ ذَكَرُوا مَا يَقْدَحُ فِيهِ وَفِي دِينِهِ ; فَلِهَذَا قَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، كَمَا قَدَّمُوهُ فِي كِتَابِهِمْ.
[ ١ / ١٢٦ ]