لماذا كان الرسل من البشر ؟
١- إن البشر أقدر على القيادة والتوجيه وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة وهذه الحكمة تظهر حين التأمل في رسالة أي رسول منهم.
٢- صعوبة رؤية الملائكة نسبة لاختلاف طبيعته الملائكة وطبيعة البشر؛ إذ الاتصال بالملائكة فيه عناء وجهد شديدين لا يحتمله جميع البشر فقد جاء في الحديث إن الرسول ﷺ كان يعاني من التنزيل شدة وكان إذا نزل عليه الوحي تغير لونه، وتصبب عرقه، وارتعدت فرائصه وكان من حوله يرون ذلك فيه فكان إرسال الرسل من البشر ضروريا كي يتمكنوا من مخاطبتهم والفقه عنهم والاختلاط بهم، ولو أرسل الله ملائكة لما أمكنهم ذلك.
[ ٧ ]
٣- إن الرسالة تقوم على تكليف المرسل إليهم ودعوتهم لامتثال ما يأمرهم به الرسول فلو كان الرسول من الملائكة لأمكن الناس أن يحتجوا بعدم قدرتهم على هذه التكاليف نسبة لاختلاف طبيعة الملك المرسل؛ إذ يرون أنهم لا يستطيعون تحمل تلك التكاليف؛ لأنها تناسب طبيعتهم. لذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾
[ ٨ ]
مقتضى بشرية الرسل:
لما كانت الرسل بشرا فقد استلزم ذلك أن يتصفوا بكل صفات البشر مما لا ينافي النبوة ومن ذلك:
١- أنهم خلقوا من جسد كسائر البشر تحتاج أجسادهم إلى ما يحتاجه سائر البشر من طعام وشراب واحتماء من البرد والحر والإصابة بالمرض والموت قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ وقال الله تعالى على لسان خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ وقد أخرج من أرضه وأهله.
وابتلي عيسى ﵇ بالكيد له لقتله حتى رفعه الله تعالى إليه وجعل مكانه رجلا يشبهه فصلب وابتلي رسول الله ﷺ بالإيذاء الشديد من قومه والذين أخرجوه من أهله وغير ذلك. وقد سأل الصعب بن سعد رسول الله ﷺ قال: قلت يا رسول الله: «أي الناس أشد بلاء؟ قال (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» .
[ ٩ ]
ومن أهم لوازم البشرية أن الرسل ليسوا بآلهة ولا فيهم شيء من صفات الألوهية ذلك أن صفات البشرية تنافي الألوهية في كل شيء لذلك فإن الرسل جميعهم لا يدعون لأنفسهم شيئا من الألوهية ويتبرءون مما ينسب إليهم لذلك قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقال تعالى مبينا براءة عيسى ابن مريم ﵇ مما ينسب إليه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي
[ ١٠ ]
وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
[ ١١ ]