مسألة: في التفصيل بين الملائكة والبشر
اعلم أن هنا ثلاث صور: أ - الأول: التفضيل بين الأنبياء والملائكة، وفي هذه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأنبياء أفضل وعليه جمهور أهل السنة واختاره الإمام فخر الدين في الأربعين وفي المحصل.
والثاني:
أن الملائكة أفضل وعليه المعتزلة واختاره من أئمة السنة الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والقاضي أبو بكر الباقلاني والحاكم والحليمي والإمام فخر الدين في العالم وأبو شامة.
والثالث: الوقف واختاره إلكيا الهراسي ومحل الخلاف في غير نبينا ﷺ، أما هو فأفضل الخلق بلا خلالف، لا يفضل عليه ملك مقرب ولا غيره، كذا ذكره الشيخ تاج الدين بن السبكي في منع الموانع، والشيخ سراج الدين البلقيني في منهج الأصلين، والشيخ بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع، وقال: إنهم استنثوه، وإن الإمام فخر الدين نقل في تفسيره الإجماع على ذلك.
الصورة الثانية: التفضيل بين خواص الملائكة، وأولياء البشر، وهم من عدا الأنبياء وهذه الصورة لا نعلم فيها خلافا أن خواص الملائكة أفضل، وقد نقل
[ ٢٠٣ ]
الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد الإجماع على ذلك، لكن رأيت عن طائفة من الحنابلة أنهم فضلوا أولياء البشر على خواص الملائكة وخالفهم ابن عقيل من أئمتهم وقال: إن في ذلك شناعة عظيمة عليهم.
ج - الصورة الثالثة: التفضيل بين أولياء البشر وغير الخواص من الملائكة، وفي هذه قولان: أحدهما: تفضيل جميع الملائكة على أولياء البشر، وجزم به ابن السبكي في جمع الجوامع وفي منظومته، وذكر البلقيني في منهجه أنه قول أكثر العلماء.
والثاني: تفضيل أولياء البشر عاى أولياء الملائكة، وجزم به الصفار من الحنفية في أسئلته، والنسفي منهم في عقائده، وذكر البلقيني أنه المختار عند الحنفية، ومال إلى بعضه وهو أنه قد يوجد من أولياء البشر من هو أفضل من غير الخواص من الملائكة وهأنا أسوق نصوص العلماء في ذلك: قال البيهقي في شعب الإيمان: قد تكلم الناس قديما وحديثا في المفاضلة بين الملك والبشر، فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة، وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى مفضلون على سكان الأرض، ولكل من القولين وجه، قال: ومن قال بالأول احتج بأنهم خلقوا بلا شهوة، فمن يعبد الله وطينه معجون وقع في المعصية؟ وذكر قصة هاروت وماروت وساقها من ثلاثة طرق.
ثم أخرج عن عبد الله بن سلام أنه قال:) إن أكرم خليفة الله على الله أبو القاسم ﷺ قيل: رحمك الله وأين الملائكة؟ قال: لاملائكة: خلق كخلق الخلائق، وإن أكرم الخلق
[ ٢٠٤ ]
على الله أبو القاسم ﷺ (.
وأخرج عن ابن عباس قال: إن الله تعالى فضل محمدا على أهل السماء وعلى الأنبياء قالوا: ما فضله على أهل السماء؟ قال إن الله قال لأهل السماء (وَمَن يَقُل مِنهُم إِنِّي إٍلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجزِيهِ جَهَنَّم) الأنبياء: ٢٩ وقال لمحمد ﷺ (إِنَّا فَتَحنا لَكَ فَتحًا مُبِينًا لِيَغفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَمَ مِن ذَنبِكَ وَما تَأَخَر) " الفتح: ١ - ٢ ".
وأخرج عن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ:) ما شيء أكرم على الله تعالى من ابن آدم، قيل: يا رسول الله ولا الملائكة؟ قال: الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر " قال البيهقي: تفرد به عبيد الله بن غانم السلمي عن خالد الحذاء وعبيد الله قال البخاري: عنده عجائب قال ورواة غيره عن خالد الحذاء موقوفا على ابن عمرو وهو الصحيح قال: ومن قال بالقول الآخر أشبه أن يقول: إذا كان التوفيق للطاعة من الله تعالى؛ وجب أن يكون الأفضل من كان توفيقه له وعصمته إياه أكثر، ووجدنا الطاعة التي وجوها بتوفيقه وعصمته من الملائكة أكثر، فوجب أن يكونوا بذلك أفضل.
ثم أخرج عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ:) بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة وارتفعت إلى شجرة فيها مثل وكرى
[ ٢٠٥ ]
الطائر، فقعدت في أحدهما وقعد في الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدت بين الخافقين وأنا أقلب طرفي ولو شئت أن أمس السماء لمسست فالتفت فإذا جبريل كأنه خلس لأطىء فعرفت فضل علمه بالله على (.
وأخرج عن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:) لما أسرى بي كنت أنا في شجرة وجبريل في شجرة، فغشينا من أمر الله بعض ما غشينا، فخر جبريل مغشيا عليه وثبت على أمري، فعرفت فضل إيمان جبريل على إيماني (وأخرجه من وجه آخر بلفظ) فوقع جبريل مغشيا عليه كأنه حلس فعرفت فضل خشيته على خشيتي (قلت: هذا الحديث وإن لم نجره على ظاهره ويجب علينا السعي في تأويله لتفضيل النبي ﷺ على جبريل؛ فإنه يستدل به لتفضيل جبريل على الصحابة وأولياء البشر ضرورة، فإن قلت: بماذا يؤول؟ قلت: هذه قصة كانت في مبدأ البعثة، وقد ترقى صلى الله عليه وسلمبعدها إلى أسنى المقامات، وقد قال العلماء في قوله ﷺ لمن قال له: يا خير البرية:) ذاك إبراهيم (إن هذا قبل أن يوحي إليه أنه خير الخلق، فيجاب بذلك هنا والله أعلم. ثم قال البيهقي: وقد ذكر الحليمي توجيه القولين واختار تفضيل الملائكة، وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول والأمر فيه سهل وليس فيه من الفائدة إلا
[ ٢٠٦ ]
معرفة الشيء على ما هو به، ثم أخرج حديث.
لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله ﵎: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان (ثم قال: وفي ثبوته نظر، ومن قال في الملائكة قبيلان أشبه أن يقول: إن هذا أراد القبيل الذي كان منهم إبليس دون الملأ الأعلى وهم الأشراف والعظماء والله أعلم، هذا جميع ما ذكره البيهقي في هذه المسألة، وقاله الإمام فخر الدين الرازي في كتاب الأربعين.
مسألة: في أن الملائكة أفضل أم الأنبياء ﵈؟
مذهب أصحابنا والشيعة: أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وقال الفلاسفة والمعتزلة: الملائكة السماوية أفضل من البشر، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله الحليمي من أصحابنا، واحتج القائلون بتفضيل الأنبياء بوجوه: I - الحجة الأولى: أن آدم ﵇ كان مسجود الملائكة، والمسجود أفضل من الساجد، فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: السجدة كانت لله تعالى، وآدم كالقبلة؟ سلمنا أن السجدة كانت لآدم، لكن لم يجوز أن يكون المراد من السجدة التواضع والترحيب؟ قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجدا للحوافر؛
[ ٢٠٧ ]
سلمنا أن السجدة عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، لكن لا نسلم أن هذا غاية التواضع، لأن هذا قضية عرفية، والقضايا العرفية يجوز أن تختلف باختلاف الأزمنة، فلعل العرف في ذلك الوقت أن من سلم على غيره وضع جبهته على الأرض، وتسليم الكامل على غيره أمر معتاد، والجواب عن الأسئلة الثلاثة: أن ذلك السجود لو لم يكن دالا على زيادة منصب المسجود على الساجد، لما قال إبليس: (أَرَأَيتُكَ هَذا الَّذِي كَرَمتَ عَلىَّ) " الإسراء: ٦٢ " فإنه لم يوجد شيء آخر يصرف هذا الكلام إليه سوى هذا السجود، فدل ذلك على ان ذلك السجود اقتضى ترجيح منصب المسجود له على الساجد.
ب - الحجة الثانية: أن آدم ﵇ كان أعلم من الملائكة، والأعلم أفضل، بيان الأول قوله تعالى (وَعَلَمَ آَدَمَ الأَسمَاءَ كُلَها) إلى قوله (قَالوا سُبحانَكَ لا عِلمَ لَنَا إِلاّ ما عَلَمَتَنا إِنّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيم) " البقرة: ٣١ - ٣٢ " وبيان الثاني (هَل يَستَوي الَّذَينَ يَعلَمَونَ وَالَّذَينَ لا يَعلَمُون) " الزمر: ٩.
ج - الحجة الثالثة: أن طاعة البشر أشق والأشق أفضل، بيان الأول من وجوه: الأول: أ، الشهوة، والحرص، والغضب، والهوى، من أعظم الموانع عن الطاعات، وهذه الصفات موجودة في البشر ومفقودة في الملائكة، والفعل مع المانع أشق منه مع غير المانع.
الثاني: أن تكاليف الملائكة مبنية على النصوص قال تعالى: (لا يَسبِقُونَهُ بِالقَولِ) " الأنبياء: ٢٧ " وتكاليف الشريعة بعضها مبنية على النصوص وبعضها على الإستنباط، قال تعالى: (فاعتَبِرُوا يا أُولِي الأَبصار) " الحشر: ٢ وقال: (لَعَلِمَهُ الَّذَينَ يَسَتَنبِطُونَهُ مِنهُم) " النساء ٨٣ " والتمسك بالاجتهاد والإستنباط في معرفة الشيء أشق من التمسك بالنص.
الثالث: أن الإنسان مبتلى بوسوسة الشيطان، وهذه الآفة غير حاصلة للملائكة. الرابع: أن شبهات البشر أكثر، وذلك لأن من جملة الشبهات القوية ربط الحوادث الأرضية بالاتصالات الفلكية، والمناسبات الكوكبية،
[ ٢٠٨ ]
والملائكة ليس لهم هذا النوع من الشبهة، لأن سكان السموات مشاهدون لأحوالها فيعلمون بالضرورة أنها ليست بأحياء ولا ناطقة، بل هي مفتقرة إلى التدبير كافتقار الأرضيات، فثبت بهذه الوجوه أن الطاعات للبشر أشق، وإنما قلنا: إن الأشق أفضل للنص والقياس، أما النص فقوله ﵇: أفضل العبادات أحمزها، أي أشقها: وقال ﵇ لعائشة:) أجرك على قدر نصبك (وأما القياس: فهو أن الطاعات السهلة والطاعات الشاقة لو اشتركتا في قدر الثواب لكان تحمل ذلك القدر من الشقة الزائدة خاليا عن الفائدة، وتحمل الضرر الخالي من الفائدة محظور قطعا، فكان يجب أن تحرم تلك الطاعات الشاقة، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الأشق أكثر ثوابا.
د - الحجة الرابعة: قوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) " آل عمران: ٣٣ " والعالم عبارة عن كل ما سوى الله، والآل: يراد به الرجل نفسه فيبقى معمولا في حق الأنبياء، فإن قيل
[ ٢٠٩ ]
يشكل هذا بقوله تعالى في بني إسرائيل (وأني فضلتكم على العالمين) " البقرة: ٤٧ " فإنه لو كان الأمر كما ذكرتم لزم تفضيل أنبياء بني إسرائيل علىمحمد ﷺ.
الجواب: تحمل التخصيص في ىية لا يوجب تحمله في سائر الآيات، وأيضا شرط العالم أن يكون موجودا، ومحمد ﷺ ما كان موجودا حال وجود أنبياء بني إسرائيل، أما الملائكة فهم موجودون حال وجود محمد ﵇ فظهر الفرق.
هـ - الحجة الخامسة: الملائكة لهم عقول بلا شهوة، والبهائم لهم شهوة بلا عقل، والآدمي له عقل وشهوة، ثم إن الآدمي إن رجح شهوته على عقله كان أخس من البهيمة قال تعالى: (أُولَئِكَ كالأَنعامِ بَل هُم أَضَل) الأعراف: ١٧٩ فعلى هذا القياس لو رجح عقله على شهوته، وجب ان يكون أفضل من الملك.
هذا ملخص دلائل من فضل الأنبياء على الملائكة، أما الذين قالوا بتفضيل الملائكة على الأنبياء فقد تمسكوا بوجوه: الحجة الأولى: قوله تعالى: (لَن يَستَنكِفَ المَسيحُ أَن يَكونَ عَبدًا لله وَلاَ المَلائِكَةُ الَمقَرَبونَ) النساء: ١٧٢ وهذا يقتضي كون الملائكة أفضل من المسيح، ألا ترى انه يقال: إن فلانا لا يستنكف الوزير من خدمته ولا السلان، ولا يقال: إنه لا يستنكف السلطان من خدمته ولا الوزير، فلما ذكر المسيح أولا والملائكة ثانيا، علمنا أن الملائكة أفضل من المسيح، والإعتراض من وجوه.
الأول: أن محمد ﷺ أفضل من المسيح ولا يلزم من كون الملائكة أفضل من المسيح كونهم أفضل من محمد، والثاني: أن قوله (وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرَبونَ) صيغة الجمع فيتناول الكل، فهذا يقتضي كون مجموع الملائكة أفضل من المسيح، فلم قلتم إنه يقتضي كون كل واحد من الملائكة أفضل من المسيح؟ والثالث: أن الواو في قوله (وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرَبونَ) حرف العطف وهو يفيد الجمع المطلق، ولا يفيد الترتيب،
[ ٢١٠ ]
فأما المثال الذي ذكرتموه فليس بحجة لأن الحكم الكلي لا يثبت بالمثال الجزئي، ثم إنه معارض بسائر الأمثلة كقوله: ما أعانني على هذا الأمر لا عمرو ولا زيد، فهذا لا يفيد كون المتأخر في الذكر أفضل من المتقدم، ومنه قوله تعالى (وَلا الهَدى وَلاَ القَلائِدَ وَلاَ آَمينَ البَيتَ) المائدة:٢ ولما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها، ثم التحقيق في المسألة أنه إذا قيل هذا العالم لا يستنكف من خدمته الوزير ولا السلطان، فنحن نعلم بعقولنا أن السلطان أعظم درجة من الوزير، فعرفنا أن الغرض من ذكر الثاني في المسألة أنه إذا قيل هذا العالم لا يستنكف من خدمته الوزير ولا السلطان، فنحن نعلم بعقولنا ان السلطان أعظم درجة من الوزير، فعرفنا أن الغرض من ذكر الثاني هو المبالغة، فهذه المبالغة إنما عرفناها بهذا الطريق لا لمجرد الترتيب في الذكر فههنا في هذه الآية لا يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله (وَلاَ الملائِكَةُ المُقَرَبونَ) بيان المبالغة إلا إذا عرفنا قبل ذلك أن الملائكة المقربين أفضل من المسيح، وحينئذ تتوقف صحة الدليل على صحة المطلوب، وذلك دور الرابع: هب أن الآية دالة على أن منصب الملك أعلى وأزيد من منصب المسيح لكنها لا تدل على أن تلك الزيادة في جميع المنصاب أو في بعضها، فإنه إذا قيل: هذا العالم لا يستنكف من خدمته الوزير ولا السلطان فهو لا يفيد إلا أن السلطان أكمل من الوزير في بعض الأشياء، وهو القدرة والسلطنة، ولا يفيد كون السلطان أزيد من الوزير في العلم والزهد، إذ ثبت هذا فنحن نقول بموجبه، وذلك لأن الملك أفضل من البشر في القدرة والقوة والبطش، فإن جبريل ﵇ قلع مدائن قوم لوط، والبشر لا يقدرون على شيء من ذلك، فلم قلتم إن الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب الحاصل بسبب مزيد الخشوع والعبودية؟، وتمام التحقيق أن الفصل المختلف فيه في هذه المسألة هو كثرة الثواب، ثم إن كثرة الثواب لا تحصل إلا بنهاية التواضعوالخضوع وكون العبد موصوفا بنهاية التواضع لله، لا يلائم صيرورته مستنكفا من عبودية الله تعالى، بل يناقضها وينافيها، فامتنع أن يكون المراد من الآية هذا المعنى، أما اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والقوة
[ ٢١١ ]
الكاملة فإنه مناسب للاتمرد وترك العبودية، فالنصارى لما شاهدوا من المسيح إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أخرجوه بسبب هذا القدر عن عبودية الله تعالى، فقال تعالى: إن عيسى لا يستنكف بسبب هذا القدر عن عبوديتي ولا الملائكة المقربون الذين هم فوقه في القدرة والبطش والإستيلاء على عالم السموات والأرضين، وعلى هذا الوجه تنتظم دلالة الآية على ان الملك أفضل من البشر في الشدة والقوة والبطش، لكنها لا تدل ألبتة على أن الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب، أو يقال إنهم إنما ادعوا إلهية المسيح، لأنه حصل لا من أب فقيل لهم: الملك حصل لا من أب ولا أم فكانوا أعجب من عيسى في هذا الباب مع أنهم لا يستنكفون عن عبودية الله تعالى.
الحجة الثاني:
لمن قال بتفضيل الملك على البشر، التمسك بقوله تعالى (وَمَن عِندَهُ لاَ يَستَكبِرُونَ عَن عِبادَتِهِ) الأنبياء: ١٩ والإستدلال به من وجهين الأول: أنه تعالى احتج بعدم استكبار الملائكة عن عبادته على أن البشر يجب أن لا يستكبر عنها، ولو كان البشر أفضل من الملائكة، لما تم هذا الإستدلال، فغن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له، فإنه يقول: الملوك لا يستكبرون عن طاعتي، فمن هؤلاء المساكين؟ وبالجملة فظاهر ان هذا الإستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف، الثاني: انه تعالى قال: (وَمَن عِندَهُ) وهذه العندية ليست عندية الجهة، بل عندية الفضيلة والقربة، والإعتراض على هذا الوجه الأول: لعل المراد أن الملائكة مع شدة قوتهم لا يتمردون عن طاعة الله تعالى، فما بال البشر يتمردون عن طاعة الله مع غاية ضعفهم؟ وهذا يوجب كون الملك أقوى من البشر، لكنه لا يوجب كونه أفضل من البشر، بمعنى كثرة الثواب، وعلى الوجه الثاني: أنه معارض بقوله تعالى في صفة البشر (فَي مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَليكٍ مُقتَدَر) القمر: ٥٥.
[ ٢١٢ ]
وقال ﵇ حكاية عن الله تعالى:) أَنا عِندَ المُنكَسِرِة قُلوبُهُم (وهذا أفضل لأنه قال في الملائكة:) إِنَّهُم عِندَ رَبِهِم (وقال في وصف المنكسرة قلوبهم:) إِنّ رَبَهُم عِندَهُم (.
الحجة الثالثة: عبادات الملائكة أشق فتكون أفضل قلنا: إنها أشق لوجوه، الأول: أنهم آمنون من الآفات التي يكون البشر خائفين عليها مثل الغرق والحرق والقتل والمرض والحاجة والشقاوة والكفر والمعصية، وايضا فالسموات التي هي مساكنهم وأماكنهم كالجنان والبساتين الطيبة بالنسبة إلى الأرض وكل من كان بنعمة أكثر وخوفه أقل كان تمرد أشد، ولهذا قال تعالى: (فَإِذا رَكِبوا فَي الفُلكِ دَعُوا الله مُخلِصينَ لَهُ الدِينَ فَلَما نَجاهُم إِلى البَرِ إِذا هُم يُشرِكونَ) " العنكبوت: ٦٥ ثم إن الملائكة مع كثرة أسباب النعم والتمرد منذ خلقوا بقوا مشتغلين بالعبادة، خاشعين وجلين مشفقين لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات. بل بقوا مقبلين على الطاعات الشاقة موصوفين بالفزع الشديد وكأنه لا يقدر أحد من بني يآدم أن يتقي كذلك يوما واحدا، فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة، ويؤكده قصة آدم ﵇، فإنه أطلق له في جميع مواضع الجنة بقوله (وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيثُ شِئتُما) البقرة: ٣٥ ومنعه من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع فيها، وهذا يدل على أن طاعتهم أشق من طاعة البشر الوجه الثاني: في بيان أن طاعتهم أشق أن انتقال المكلف من نوع عباده إلى نوع آخر، كالانتقال من بستان إلى بستان، أما الإقامة على نوع واحد
[ ٢١٣ ]
فإنها تورث الملالة، ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول، وجعل كتاب مقسوما بالسور والأخماس والأعشار، ثم إن الملائكة كل منهم يواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره، كما قال تعالى: (يًسَبِحونَ اللَيلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفتَرونَ) الأنبياء: ٢٠ وقال حكاية عنهم: (وَإِنَّا لَنَحنُ الصَافُونَ وَإِنَّا لَنَحنُ المُسَبِحونَ) الصافات: ١٦٥، ١٦٦ فثبت بما ذكرنا أن عباداتهم أشف، فإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا أكثر لقوله ﵇.
أفضل العبادات أحمزها والإعتراض عليه أنه معارض بما ذكرنا أن عبادات البشر أشق فتكون أفضل.
الحجة الرابعة: عبادات الملائكة أدوم فوجب أن تكون أفضل إنما قلنا إنها أدوم لقوله تعالى: (يُسَبِحونَ اللَيلَ وَالنَّهارَ لا يَفتَرُونَ) وعلى هذا التقدير لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشرن لكان طاعتهم أدوم وأكثر فكيف ولا نسبة لعمر كل البشر إلى عمر الملائكة، وإنما قلنا إن الأدوم أفضل، لوجوه: (أحدها): أن الأدوم أشق، فكان أفضل، وقدمنا هذا الوجه. (والثاني): قوله ﵇:) أفضل العبادات من طال عمره وحسن عمله (والملائكة أطول العباد عمرا وأحسنهم عملا، فوجب أن يكونوا أفضل؟ (الثالث) قوله ﵇:) الشيخ في قومه كالنبي في أمته (وهذا يقتضي أن يكون
[ ٢١٤ ]
الملك فيما بين البشر كالنبي في الأمة، وذلك يوجب فضلهم على البشر. (الرابع): أن طاعات الملائكة مساوية لطاعات بني آدم في الخشية والخوف، قال تعالى: (يَخافُونَ رَبَهُم مِن فَوقِهِم) النحل: ٥٠ وقال (لا َيَسبِقُونَهُ بِالقَولِ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلُونَ) الأنبياء:٢٧ وقال: (وَهُم مِن خَشيَتِهِ مُشفِقُونَ) الأنبياء: ٢٨ وقال: (حَتى إِذا فَزِعَ عَن قُلُوبِهِم) سبأ ٢٣ فهذه الايات دالة على أن خشوع الملائكة وخضوعهم إن لم يكن أزيد من خشوع البشر وخضوعهم فلا أقل منه، إذا ثبت هذا فنقول: طاعات الملائكة تساوي طاعات البشر في الكيفية الموجبة للثواب، وهي الخضوع والخشوع وأزيد منها في المدة والدوام، فوجب القطع بأن ثوابهم أكثر وأزيد.
الحجة الخامسة: الملائكة أسبق في العبادة من البشر، والأسبق أفضل، أما أنهم أسبق فلا شك فيه، ومن المعلوم أنه لا حصلة من خصال الدين إلا وهم أئمة مقتدى بهم فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين، وأما أن الأسبق أفضل فلوجهين:
الأول: قوله تعالى: (وَالسَابِقُونَ السَابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَبونَ) الواقعة:١٠، ١١ والثاني قوله ﵇.
) من سنّ حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (.
[ ٢١٥ ]
وهذا يقتضي أن يكون قد حصل للملائكة من الثواب كل ما حصل للأنبياء مع زيادة الثواب التي استحقوها بأفعالهم التي أتوا بها قبل خلق البشر.
الحجة السادسة: الملائكة رسل الله إلى الأنبياء، والرسل أفضل من الأمة، بيان المقدمة الأولى قوله تعالى: (عَلَمَهُ شَدِيدُ القُوى) النجم:٥ (َنزَلَ بِهِ الرُوحُ الأَمينُ عَلى قَلبِكَ) الشعراء: ١٩٣ (يُنَزِلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أَمرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ) النحل:٢ وأما أن الرسل أفضل من الأمة فلوجهين؛ الأول: أن الرسول البشرى أفضل من أمته، فهكذا هنا، فإن قيل: الفرق أن السلطان إذا أرسل واحدا إلى جمع عظيم ليكون متوليا لأمورهم وحاكما فيهم فذلك الشخص أفضل من ذلك الجمع، أما إذا أرسل شخصا واحدا إلى شخص واحد لأجل الإعلام، فالظاهر أن الرسول أقل حالا من المرسل إليه، كما إذا أرسل الملك عبده إلى الوزير، قلنا: هذا مدفوع لأن جبريل ﵇ مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر؛ فجبريل ﵇ رسول، وأمته كل الأنبياء فعلى القانون الذي ذكره السائل يلزم أن يكون جبريل أفضل منهم. الوجه الثاني: الملائكة رسل الله لقوله تعالى: (جَاعِلُ المَلائِكَةِ رُسُلًا) فاطر: ١ والملك إما مرسل إلى ملك آخر، وإما أن يكون رسولا إلى البشر، وعلى التقديرين فالملك رسول وأمته أيضا رسل، وأما الرسول البشري فهو مرسل، لكن أمته ليس برسل، ومعلوم أن الرسول الذي يكون كل أمته رسلا، أفضل من الرسول الذي لا يكون أحد من أمته رسولا، فثبت فضل الملك على البشر من هذه
[ ٢١٦ ]
الجهة، ولأن إبراهيم ﵇ كان رسولا إلى لوط فكان أفضل منه، وموسى كان رسولا إلى الأنبياء الذين كانوا في عسكره وكان أفضل منهم، فكذا هنا.
الحجة السابعة: الملائكة أتقى من البشر، والأتقى أفضل، إنما قلنا إنهم أتقى لأنهم مبرءون عن الزلات وعن الميل إليها، لأن خوفهم دائم قال تعالى: (يَخافُونَ رَبَهُم مِن فَوقِهِم) النحل: ٥٠ وقال: (وَهُم مِن خِشيَتِهِ مُشفِقِونَ) الأنبياء: ٢٨ والخوف والإشفاق ينافيان العزم على المعصية، أما الأنبياء ﵈ فلم يخل أحد منهم عن شيء هو صغيرة أو ترك مندوب.
قال ﵇:) ما مِنَّا أَحَدٌ إِلاّ عَصَى أَو هُم بِمَعصِيةٍ غَيرَ يَحيَى بِن زَكَرِيا (وإنما قلنا إن الأتقى أفضل، لقوله تعالى: (إِنّ أَكرَمُكُم عِندَ الله أَتقَاكُم) الحجرات: ١٣ فثبات الكرامة مقرونا بذكر التقوى يدل على أن تلك الكرامة معللة بالتقوى، فحيث كان التقوى أكثر وجب أن يكون كرامة الفضيلة أكثر، لا يقال: فهذا يقتضي أن يكون يحيى ﵇ أفضل من الأنبياء ومن محمد، لأنا نقول: هذه الصورة خصت بدلالة الإجماع فبقى الدليل حجة في سائر الصور.
الحجة الثامنة: الأنبياء ﵈ ما استغفروا لأحد إلا وبدأوا بالإستغفار لأنفسهم، ثم بعد ذلك لغيرهم من المؤمنين قال آدم: (رَبَنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنا) الأعراف: ٢٣ وقال نوح: (رَبِ اِغفِر لي وَلِوالِدي وَلِمَن دَخَلَ بَيتِيَ مُؤمِنًا) نوح: ٢٨ وقال إبراهيم: (رَبِّ هَب لِي حُكمًا وَأَلحِقني باِلصَالِحين) الشعراء: ٨٣ وقال موسى: (رَبِ اِغفر لِي وَلأَخي) الأعراف: ١٥١ وأما الملائكة فإنهم لم يستغفروا لأنفسهم ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر، قال تعالى حكاية عنهم:
[ ٢١٧ ]
(فَاغفِر لِلِذَينَ تَابُوا سَبِيلَكَ وَقِهِم عَذابَ الجَحِيم) غافر: ٧ وقال: (وَيَستَغفِرُونَ لِلِذَينَ آَمَنُوا) غافر: ٧ ولو كانوا محتاجين إلى الإستغفار لبدأوا في ذلك بأنفسهم، لأن دفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير.
وقال ﵇:) ابدأ بنفسك (وهذا يدل على أن الملك أفضل من البشر.
الحجة التاسعة: قوله تعالى: (يَومَ يَقومُ الرُوحُ وَالمَلائِكَةُ صَفًا لاَ يَتَكَلَمُونَ إِلاّ مَن أَذِنَ لَهُ الرِحمنُ وَقالَ صَوابًا) النبأ: ٣٨ والمقصود من شرح هذه الواقعة المبالغة في شرح عظمة الله تعالى، ولو كان في الخلق طائفة قيامهم بين يدي الله وتضرعهم في حضرة الله أقوى في الإنباء عن عظمة الله وكبريائه من الملائكة لكان ذكرهم في هذا المقام أولى، ثم إنه سبحانه كما بين عظمته في الدار الآخرة بذكر الملائكة، فكذا بين عظمته في دار الدنيا بذكر الملائكة، فقال: (وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِينَ مِن حَولِ العَرشِ يُسَبِحونَ بِحَمدِ رَبِهِم) الزمر: ٧٥ وهذا يدل على أنه لا نسبة لهم إلى البشر ألبتة.
الحجة العاشرة: قوله: (وَإِنَّ عَلَيكُم لَحافِظِينَ كِرَامًا كاتِبين) الإنفطار: ١٠، ١١
[ ٢١٨ ]
وهذا عام في جميع المكلفين من بني آدم فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم، وهذا يقتضي كون الملائكة أفضل من البشر لوجهين، الأول: أنه تعالى جعلهم حفظة لبني آدم، والحافظ للمكلف من المعصية لا بد أن يكون أبعد عن الخطأ والمعصية من المحفوظ، فهذا يقتصي كونهم أبعد عنالمعاصي وأقرب إلى الطاعات من البشر، وذلك يقتضي مزيد الفضل، والثاني: أنه سبحانه جعل كتابتهم حجة للبشر في الطاعات، وحجة عليهم في المعاصي، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر، ولو كان البشر أعظم حالا منهم لكان بالعكس، ويقرب من هذا الدليل التمسك بقوله تعالى: (عَالِمُ الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلى غَيبِهِ أَحَدٌ إِلاّ مَن اِرتَضَى مِن رَ سُولٍ فَإِنّهُ يَسلُكُ مِن بَيَنِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ رَصَدًا لِيَعلِمَ أَن قَد أَبلَغُوا رِسالاتِ رَبِهِم) الجن: ٢٦ وأجمعوا على أن هذا الرصد هم الملائكة، وهذا يدل على أن الأنبياء لا يصيرون مأمونين من التخليط في الوحي إلا بإعانة الملائكة وقوتهم، وكل ذلك يدل على الفضل الظاهر.
الحجة الحادية عشرة:
قوله تعالى: (وَالمُؤمِنُونَ كُلٌ آَمَنَ باِلله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرًسُلُهِ) البقرة: ٢٨٥ فبين تعالى أنه لا بد في صحة الإيمان من الإيمان بهذه الأشياء، فبدأ بنفسه وثنى بملائكته وثلث بكتبه وربع برسله، وكذلك في قوله: (شَهِدَ الله أَنّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُو وَالمَلائِكَةُ وَأُولوا العِلمِ قَائِمًا بِالقِسط) آل عمران:١٨ وفي قوله: (إِنّ الله وَمَلائِكَتُهُ يُصَلُونَ عَلى النَبِي) الأحزاب:٥٦ وقال: (الله يَصطَفي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِن النّاسِ) الحج:٧٥ والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الشرف والدليل عليه ان تقديم الأدون على الأشرف في الذكر قبيح عرفا، فوجب أن يكون قبيحا شرعا، أما أنه قبيح عرفا فلأن الشاعر لما قال: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا،
[ ٢١٩ ]
فقال عمر: لو قدمت الإسلام لأعطيتك، ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله ﷺ وبين المشركين، وقع التنازع في تقديم الإسم، وهذا يدل على أن التقديم في الذكر يدل على مزيد الشرف، إذا ثبت انه كذلك في العرف وجب أن يكون في الشرع كذلك، لقوله ﵇:) ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن (.
الحجة الثانية عشرة: الملك أعلم من البشر والأعلم أفضل، إنما قلنا إنه أعلم لأن جبريل كان معلما للأنبياء بدليل قوله: (عَلَمَهُ شَديدُ القُوى) النجم: ٥ والمعلم لا بد أن يكون أعلم من المعلم، وأيضا: فالعلوم قسمان: العقلية والنقلية؛ أما العقلية فمنها ما هو واجب وهو العلم بذات الله وصفاته، ولا يجوز وقوع التقصير فيها لا للملائكة ولا للأنبياء، ومنها ما ليس بواجب كالعلم بكيفية مخلوقات الله تعالى ومافيها من العجائب، كالعلم بأحوال العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الملائكة وأنواع الحيوانات في المفاوز والجبال والبحار، ولا شك أن جبريل ﵇ أعرف بها لأنه أطول عمرا وأكثر مشاهدة لها، فكان علمه بها أكثر وأكمل، وأما العلوم النقلية التي لا تعرف إلا بالوحي فإنها لم تحصل لجميع الأنبياء إلا من جهة جبريل فيستحيل أن يكون لهم فضيلة فيها على جبريل، وأما جبريل فإنه كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء، فهو عالم بكل الشرائع الماضية
[ ٢٢٠ ]
والحاضرة وأيضا: عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم، فثبت أن جبريل أعلم، فوجب أن يكون أفضل؛ أقصى ما في الباب أن يقال: إن آدم علم الأسماء كلهاولم تعلمها الملائكة، ولكن من الظاهر أن العلم بالحقائق والشرائع أفضل من العلم بالأسماء فكان جبريل أفضل من آدم.
الحجة الثالثة عشرة: قوله تعالى: (إِنّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيم) الحاقة:٤٠، التكوير: ١٩ وصف الله تعالى جبريل بستة من صفات الكمال، أحدها: كونه رسولا من عند الله، وثانيها: كونه كريما على الله، وثالثها: كونه ذا قوة عند الله، ومعلوم أن قوته عند الله لا تكون إلا قوته على الطاعات، وتخصيصه بالذكر في معرض المدح، يدل على أن تلك القوة غير حاصلة لغيره، ورابعها: كونه مكينا عند الله، وخامسها: كونه مطاعا في عالم السموات، وهذا يقتضي أن يكون مطاعا لكل الملائكة لأن الإطلاق وعدم التقييد في معرض المدح يفيد ذلك، وسادسها: كونه أمينا في كل الطاعات وفي تبليغ وحي الله تعالى: الحجة الرابعة عشرة: قوله تعالى: (ما هَذا بَشَرا إِن هَذا إِلا مَلَكٌ كَرِيم) يوسف: ٣١ فالمراد من هذا التشبيه إما تشبيه يوسف بالملك في صورته أو في سيرته، والثاني أولى لأنه شبهه بالملك الكريم والملك إنما يكون كريما بالسيرة لا بالصورة فثبت أن المراد تشبيهه بالملك في نفي دواعي الشهوة ونفي الحرص على طلب اللذات الحسية، وإثبات ضد ذلك، وهي صفة الملائكةن وهي غض البصر ومنع النفس عن الميل إلى المحرمات، فدلت هذه الآية على إطباق العقلاء من الرجال والنساء والمؤمن والكافر على اختصاص الملائكة بالدرجات الفائقة على درجات البشر، فإن قيل: قول المرأة (فَذلِكَ الذَي لُمتُنَنَي فِيهِ) يوسف: ٣٢ يقتضي أن يكون تشبيه يوسف بالملك إنما وقع في الصورة لا في السيرة لأن ظهور عذرها في شدة عشقها
[ ٢٢١ ]
له يحتمل أن يكون لسبب غاية زهده، لأن الإنسان حريص على ما منع، وكلما كان إعراض المعشوق اكثر كان شدة عشق العاشق أكثر.
الحجة الخامسة عشرة:
قوله تعالى: (وَفَضلَناهُم عَلى كَثَيرٍ مِمَن خَلَقَنا تَفضِيلًا) الإسراء: ٧٠ ومخلوقات الله تعالى: المكلفون وما عداهم، ولا شك أن المكلفين أفضل من غيرهم، وأما المكلفون فهم أربعة أنواع: الملائكة والجن والإنس والشياطين؛ ولا شك أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كانوا أيضا أفضل من الملائكة لزم أن يكونوا أفضل من جميع المخلوقات فكان ينبغي أن يقول: وفضلناهم على من خلقنا، وعلى هذا التقدير يصير لفظ كثير ضائعا، وذلك غير جائر، فعلمنا أنه ليس أفضل من الملك، فإن قيل: هذا تمسك بدليل الخطاب ويجوز أن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن حال الباقي بخلافه وأيضا: فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس البشر، لكن لا يلزم أن يكون كل فرد من أفراد ذلك الجنس أشرف من كل فرد من أفراد ذلك الجنس، وأيضا يجوز أن يكون المراد: وفضلناهم في الكرامة المذكورة في أول هذه الآية وهي الكرامة في جنس الصورة ومزيد الذكاء والقدرة على الأعمال العجيبة، وإذا ثبت هذا فنحن نسلم أن البشر ليس أفضل من الملك في هذه الصورة، لكن لم قلتم إنه ليس أفضل منه في كثرة الثواب؟ قلنا: أما السؤال الأول فجوابه من وجهين، الأول: هب أن هذا تمسك بدليل الخطاب غلا أنه حجة بدليل أن من قال: اليهودي إذا مات لا يبصر شيئا، فإنه يضحك من هذا الكلام، بعلة أنه لما كان المسلم كذلك، لم يبق لذكر اليهودي فائدة، وهذا يدل على أن تخصيص الشيء بالذكر يوجب نفي الحكم عما عداه، والثاني: أن هذا ليس تمسكا بدليل
[ ٢٢٢ ]
الخطاب، بل هو تمسك بأنه لو كان البشر مفضلا على الكل لكان لفظ كثير ضائعا، ومعلوم أنه غير جائر، وأما السؤال الثاني فجوابه: أن التمسك بهذه الآية في بيان أن جنس الملك أفضل من جنس البشر لا في بيان أحوال الأفراد، وإذا ثبت هذا التفاوت في الجنسين كان الظاهر فضل الفرد على الفرد إلا عند بيان المعارض، وأما السؤال الثالث فجوابه أن قوله: (وَلَقَد كَرَمنَا بَنَي آَدَم) الإسراء: ٧٠ تناول تكريمهم بالهداية والتوفيق والطاعة فقوله: (وَفضَلَناهُم عَلى كَثَيرٍ) الإسراء: ٧٠ يجب ان يكون عائدا إلى كل واحد من هذه الأحوال.
الحجة السادسة عشرة: قوله تعالى: (قُل لاَ أَقُولُ لَكُم عِندي خَزَائِنُ الله وَلاَ أَعلَمُ الغَيبَ وَلاَ أَقُولُ عِندي خَزَاِئنُ الله وَلاَ أَقَولُ لَكُم إِنّي مَلَك) الأنعام: ٥٠ وهذا يدل على ان أحوال الملك أشرف.
الحجة السابعة عشرة: قوله تعالى: (ما نَهاكُم رَبُكُما عَن هَذَهِ الشَجَرَةِ إِلا أَن تَكونَ مَلَكَينِ) الأعراف: ٢٠ وهذا يدل على أن منصب الملك أشرف وفي هذين الدليلين ابحاث دقيقة.
الحجة الثامنة عشرة: قوله ﵇ حكاية عن الله: (وَإِذا ذَكَرَنَي عَبدِي فَي ملإ ذكرَتُهُ فَي مَلأٍ خَيرٌ مِن مَلائِهِ (وهذا يدل على ان الملأ الأعلى أشرف.
الحجة التاسعة عشرة: لا شك أن كمال حال الأجساد لا يحصل إلا عند اتصال الأرواح بها، والملائكة أرواح محضة، والجسم جسم كثيف استنار بنور الأرواح، ثم إن كمال هذه الأرواح، ثم إن كمال هذه الأرواح هو أن يتصل بعالم الملائكة كما قال تعالى (يَأَيَتُها النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ اِرجِعِيِ إِلى رَبِكِ رَاضِيَةً مَرضِيَةً فَادخُلِي فَي عِبادِي) الفجر: ٢٧ - ٢٩ فجعل كمال حال الأرواح المنفصلة من هذا العالم أن في عبادة وأولئك العباد ليسوا إلا الملائكة، فإن
[ ٢٢٣ ]
قوله (يَأَيَتُها النَّفسُ المُطمَئِنَّة) خطاب مع جميع الأرواح البشرية، والعباد الذين يتصل بهم جميع الأرواح البشرية ليسوا إلا الملائكة، وأيضا: قال في شرح عظيم ثواب المطيعين: (وَالمَلائِكَةُ يَدخُلُونَ عَلَيهِم مِن كُلِ بابٍ سَلاٌم عَلَيكُم) الرعد: ٢٣، ٢٤ فجعل تسليم الملائكة عليهم منزلة عالية ودرجة عظيمة لهم، ولولا أن عالم الملائكة أشرف وإلا لم يكن اتصال أرواح البشرية بهم سببا لسعادة هذه الأرواح البشرية.
الحجة العشرون:
أن الملائكة مبرؤون عن الشهوة والغضب والخيال والوهم وهذه الصفات هي الحجب القوية عن تجليى نور الله، ولا كمال إلا بحصول ذلك التجلي، ولا نقصان إلا بحصول ذلك الحجاب، فلما كان هذا التجلي حاصلا لهم أبدا وفي أكثر الأوقات تكون الأرواح البشرية محجوبة عن ذلك التجلي، علمنا أنه لانسبة لكمالهم إلى كمال البشر، والذي يقال: الخدمة مع كثرة العوائق أدل على الإخلاص من الخدمة بدون العوائق، كلام خيالي لأن المقصود من جميع العبادات والطاعات حوصل ذلك التجلي، فأي موضع كان حصول ذلك للتجلي فيه أكثر، وعن المعاوق أبعد؛ كان الكمال والسعادة أتم، ولهذا قال في صفة الملائكة (يُسَبِحونَ اللَيلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفتَرُونَ) الأنبياء: ٢٠.
الحجة الحادية والعشرون: الروحانيات فضلت الجسمانيات من وجوه: الأول: أنها نورانية علوية، والجسمانيات ظلمانية سفلية.
وثانيها: أن علومها أتم وذلك لأن الحكماء برهنوا على أن الروحانيات السماوية مطلعون على أسرار المغيبات، ناظرون في اللوح المحفوظ أبدا ناظرون عالمون بكل ما سيوجد في المستقبل، وبكل ماوجد في الماضي.
وثالثها: أن علومهم فعلية كلية دائمة وعلة البشر ناقصة انفعالية منقضية.
ورابعها: أن أعمالهم أتم لأنهم دائما مواظبون على الخدمة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يلحقهم نوم العيون، ولا سهر العقول، ولا غفلة
[ ٢٢٤ ]
الأبدان، فطعامهم التسبيح، وشرابهم التقديس والتمجيد، وأنسهم بذكر الله، وفرحهم بخدمة الله، متجردون عن العلائق البدنية مبرؤون عن الحجب الشهوانية والغضبية، فأين أحد البابين من الآخر؟ وخامسها: الروحانيات لهم قدرة على تغيير الأجسام، وتقليب الأجرام والقدرة التي لهم من القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب، ثم إنك ترى السفلية الضعيفة م النبات في بدء نموها تفتق الأحجار وتشق الصخور وما ذلك إلا لقوة فاضت عليها من جواهر القوى السماوية، فما ظنك بتلك القوى السماوية؟ فالروحانيات هي التي تنصرف في الأجسام السفلية تقليبا وتصريفا، لا يستثقلون حمل الثقال، ولا يستصعبون نقل الجبال، فالرياح تهب بتحريكها، والسحاب يعرض ويزول بتصريفاتها، والزلازل تطرأ بقوتها والآثار العلوية تحدث بمعونتها، والكتاب الكريم ناطق بذلك، كما قال: (فَالمُقَسِماتِ أَمرًا) الذاريات:٤ وقال (فالمدبرات أمرا) النازعات: ٥ ومعلوم أن شيا من هذه الأحوال لا يصدر عن الأرواح فأين أحدهما عن الآخر.
الحجة الثانية والعشرون: الروحانيات مختصة بالهياكل الشريفة وهي السيارات السبع وسائر الثوابت، فالأفلاك لها كالأبدان والكواكب كالقلوب والملائكة كالأرواح، فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلىالأبدان، ثم إنا نعلم أن اختلاف أحوال الكواكب والأفلاك مبادىء لحصول الإختلافات في أحوال هذا العالم فإنه يحصل من حركة الكواكب اتصالات مختلفة من التسديس والتربيع والمقابلة والمقارنة وكذا مناطق الأفلاك تارة ينطبق بعضها على بعض وهو الرتق، وعنده تبطل عمارة العالم وأخرى ينفصل بعضها عن البعض وهو ذلك الفتق وعنده تنتقل العمارات في هذا العالم من جانب إلى جانب، فإذا رأينا أن هياكل العالم العلوي مستولية علىهياكل العالم السفلي فكذا أرواح العالم العلوي يجب
[ ٢٢٥ ]
أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، لا سيما وقد دلت المباحث على أن أرواح هذا العالم معلولات لكمال ذلك العالم ونسبة أرواح هذا العالم وكمالات هذه الأرواح إلى أرواح ذلك العالم وكمالاته كالشعل الصغيرة بالنسبة إلى قرص الشمس وكالقطرة الصغيرة في البحر الأعظم، فهذه الأرواح البشرية كالذرات وأما البحار والعيون والجبال والمعادن فهي الأرواح العلوية فكيف يمكن أن يعلل أحدهما بالآخر؟ فهذا حكاية أدلة الفريقين في هذه المسألة على الاختصار والله اعلم، هذا ما أورده الإمام فخر الدين في الأربعين وأقول: هذه الحجج التي احتج بها من فضل الملائكة لا نقول بمقتضاها في تفضيلهم على الأنبياء لأدلة أخرى قامت على تفضيل الأنبياء عليهم، لكنها تنفع في تفضيل الملائكة على غير الأنبياء من البشر.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام:
فصل في معرفة تفضيل بعض الموجودات الحادثات على بعض الجواهر والأجسام
والأجسام كلها متساوية من جهة ذواتها وإنما يفضل بعضها على بعض بصفاتها وأعراضها وانتسابها إلى الأوصاف الشريفة والأفعال النفيسة، والفضائل ضربان: أحدهما: فضل الجمادات كفضل الجوهر على الذهب وفضل الذهب على الفضة وفضل الفضة على الحديد، وفضل الأنوار على الظلمات وفضل الشفاف على غير الشفاف وفضل اللطيف على الكثيف والنير على المظلم والحسن على القبيح، والضرب الثاني: فضائل الخيرات وهي أقسام: أحدها: حسن الصور، والثاني: قوة الأجسام: كالقوى الجاذبة، والممسكة والدافعة والقاذية، والقوى على الجهاد والقتال، وحمل الأعباء والشجاعة والسخاء والحلم، والرابع: العقول، والخامس: الحواس، والسادس: العلوم المكتسبة وهي أقسام:
[ ٢٢٦ ]
أحدها: معرفة وجود الإله وصفاته الذاتية والسلبية والفعلية،.
والثاني: معرفة إرسال الرسل وإنزال الكتب وتنبيه الأنبياء، الثالث: معرفة ما شرعه الله من الأحكام الخمسة وأسبابها، وشروطها، وموانعها، السابع: الأحوال الناشئة مما ذكرنا من المعارف: كالخوف والرجاء والمحبة والتوكل، والتعظيم، والإجلال، الثامن: القيام بطاعة الله في كل ما أمر به أونهى عنه.
التاسع: ما رتبه الله تعالىعلى هذه المعارف، والأحوال والطاعات، من لذات الآخرة وأفراحها بالنعيم الجثماني والروحاني: كلذة الأمن منعذاب الله تعالى، والأنس بقربه وجواره، وسماع سلامه وكلامه وتبشيره بالرضى الدائم وكذلك النظر إلى وجهه الكريم مع الخلاص من العذاب الأليم، فهذه فضائل بعضها أفضل من بعض، فمن اتصف بأفضلها كان أفضل البرية ولا شك أن معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته ولذات رضاه والنظر إلى وجهه أفضل مما عداهن، وأفضل الملائكة من قام به أفضل هذه الصفات، فإن تساوى اثنان من الملائكة في ذلك لم يفضل أحدهما على الآخر وكذلك إن تساوى اثنان من الملائكة في ذلك لم يفضل أحدهما على الآخر وكذلك إن تساوى الملك والبشر في ذلك لم يفضل أحدهما على الآخر فإن فضل الملك على البشر بشىء من ذلك كان أفضل منه، وإن فضل البشر على الملك بشيء من ذلك كان أفضل منه، والفضل منحصر في أوصاف الكمال والكمال إما بالمعارف والطاعات والأحوال وإما بالأفراح واللذات، فإذا أحسن إلى أجساد الأنبياء بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأحسن إلى أرواحهم بالمعارف الكاملة والأحوال المتوالية وأذاقهم لذة النظر إليه وسرور رضاه عنهم وكرامة تسليمه عليهم فأين للملك مثل هذا؟ واعلم أن الأجساد مساكن الأرواح وللساكن وللمسكن أحوال. أحدها: أن يكون الساكن أشرف من المسكن، الثانية: أن يكون المسكن أشرف من الساكن، الثالثة: أن يستويا في الشرف فلا يفضل أحدهما على الآخر، فإذا كان الشرف للساكن فلا مبالة بخساسة المسكن، وإذا كان الشرف
[ ٢٢٧ ]
للمسكن فلا يتشرف به الساكن، والأجساد مساكن الأرواح وقد اختلف الناس في التفضيل الواقع بين البشر والملك، فإن فاضل بينهما مفضل من جهة تفاوت الأجساد التي هي مساكن الأرواح، فلا شك أن أجساد الملائكة أشرف وأفضل من أجساد البشر المركبة من الأخلاط، وإن فاضل بين أرواح البشر وأرواح الملائكة مع قطع النظر عن الأجساد التي هي مساكن الأرواح. فأرواح الأنبياء أفضل من أرواح الملائكة، لأنهم فضلوا عليهم من وجوه: الإرسال ورسل الملائكة قليل؛ ولأن رسول الملائكة يأتي إلى نبي واحد ورسول البشر يأتي إلى الأمم وإلى أمة واحدة فيهديهم الله على يديه فيكون له أجر بتبليغه ومثل أجر من اهتدى على يديه وليس مثل هذا للملائكة. الوجه الثاني: القيام بالجهاد في سبيل الله، الوجه الثالث: الصبر على مصائب الدنيا ومحنها والله يحب الصابرين، الوجه الرابع: الرضى بمر القضاء وحلوه، الوجه الخامس: نفع العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع المكاره وجلب المنافع، وليس للملائكة شيء من هذا. الوجه السادس: ما أعده الله لعباده في الآخرة مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم ينسب للملائكة شيء من هذا، الوجه السابع: ما أعد الله لهم في الآخرة من النعيم الروحاني كالأنس الرضى والنظر إلى وجهه الكريم، فإن قيل الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون والأنبياء ينامون ويفترون، قلت: إذا فتر الأنبياء عن التسبيح يأتون في حال فتورهم بالثناء على الرب ﷿ ومن الطاعات والعبادات بما هو أفضل من التسبيح والنوم يختص بأجسادهم وقلوبهم متيقظى غير نائمة، وسيساوونهم في الآخرة في إلهام التسبيح كما يلهمون النفس، الوجه الثامن: مختص بآدم ﵇ أن الله ﷿ عرفه من أسماء كل شيء ومنافعه مالا يعرفون، الوجه التاسع: أيضا مختص بآدم أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود له، ولا شك أن المسجود له أفضل من الساجدين، وعلى
[ ٢٢٨ ]
الجملة فلا يفضل الملائكة على الأنبياء الإهجام بنى التفضيل على خيالات ثوهمها وأوهام فاسدة اعتمدها، ولم يتقرر بالخيالات والتوهمات من أمور يعلم الله خلافها، بل قد يرى الإنسان اثنين يظن أحدهما أفضل من الآخر، لما يراه من طاعته الظاهرة، والآخر أفضل خمنه بدرجات كثيرة لما اشتمل عليه من المعارف.
والأحوال، والقليل من أعمال الأعرف خير من الكثير من أعمال العارف وأين الثناء من المستحضرين لأوصاف الجلال ونعوت الكمال من ثناء المسبحين بألسنتهم الغافلين بقلوبهم ليس التكحل في العينين كالكحل، ليس استجلاب الأحوال باستذكار المعارف كحضور المعارف بغير سعي ولا اكتساب، فإن قيل: سلمنا أن الأنبياء فضلوا الملائكة بما ذكرتم فإن أجساد الملائكة فضلت أجساد الأنبياء بما ذكرتموه ومعظم الفضائل إنما هو بشرف المعارف والأحوال فلم قلتم بأن الأنبياء أفضل من الملائكة؟ قلنا: إنكم مطالبون بمثل هذا، ثم لا يخلو ما ذكرتموه من أحوال.
أحدها: أن يستوي الملك والنبي في المعارف والأحوال فيفضل على الملائكة بما ذكرناه من نعيم الجنان ورضى الديان والنظر إلى الرحمن.
والثاني: أن يكون ما للأنبياء أفضل من الملائكة في المعارف والأحوال مع ما انضم إليه من الأعمال ونعيم الجنان ورضى الديان والنظر إلى الرحمن ولا عبرة بفضل أجسادهم على أجساد الأنبياء، لأن الأجساد مساكن ولا شرف بالمساكن وإنما الشرف بالأوصاف القائمة بالساكن والإعتبار إنما هو بالساكنين دون المساكن فإن الأنبياء قد سكنوا في بطون أمهاتهم مع القطع بأنهم أفضل من أمهاتهم، فروح المسيح أفضل من جسد مريم، وكذلك روح الرسول أفضل من جسد أمه، وإذا استوى اثنان في حال من الأحوال هما في التفضيل سيان فإن تفاوتا في ذلك بطول الزمان وقصره كان من طال زمانه أفضل ممن قصر زمانه
[ ٢٢٩ ]
عند اتحاد الحالين، وإن تفاوتا في الأحوال فإن كانت إحدى الحالين أشرف وأطول زمانا فلا شك أن صاحبها أشرف وأفضل، مثاله الخائف مع الهائب، فإن الهيبة أفضل من الخوف فإذا طال زمان الهيبة وقصر زمان الخوف فقد فضلته من وجهين، وإن استوى الزمان كان الهائب أفضل، وكذلك إن قصر زمان الهيبة وطال زمان الخوف كانت الهيبة أفضل لعلو رتبتها وشرفها، ألا ترى أن وزن دينار من الجوهر أفضل من الدينار؛ والدينار أفضل من الدرهمين، والعشرة لشرف وصفه على وصف الفضة، والدرهم أفضل من مائة درهم من النحاس؛ لشرف وصفه، وبهذا الميزان يعرف تفاوت الرجال، فيعرف الخائف بظهور آثار الخوف عليه كما يعرف الهائب بظهور آثار الهيبة عليه، وكذلك القول في المحبة والرضى والتوكل والرجاء وسائر الأحوال فإن ظهرت آثار الهيبة على إنسان وآثار الخوف والرجال على آخر علمنا أن من ظهرت عليه آثار الهيبة أفضل من صاحبه وكذلك إذا ظهرت على أحد رجلين آثار محبة الإنعام والإفضال، وظهرت على الآخر آثار محبة الجلال والجمال، فصاحب المحبة على معرفة الجلال والجمال أفضل من صاحب محبة الإنعام والإفضال لتعلق محبة الجلال والجمال بذات الله تعالى وصفاته، وتعلق بمحبة الإنعام والإفضال بغير الله تعالى، وبمثل هذا الأسلوب تعرف محبة الرجال، وكذلك تعرف مراتب الطائعين بملابسة بعضهم لأفضل الطاعات وبملابسة الآخرين لأدنى الطاعات، فإن استووا في الطاعة؛ لم يجز لأفضل الطاعات وبملابسة الآخرين لأدنى الطاعات فإن استووا في الطاعة؛ لم يجز التفضيل في باب الطاعات وإن كثرت طاعات أحدهم وقلت معارف الآخر وأحواله؛ قدم شرف العلم والأحوال على شرف الأعمال والأقوال ولهذا جاء في الحديث:) ما سبقكم أبو بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بأمر وقر في صدره
[ ٢٣٠ ]
(وقال ﷺ لما استقصر بعضهم طاعته:) إنى لأرجو أن أكون أعلمكم بالله وأشدكم له خشية (ففضل المعرفة وشدة الخشية على كثرة الأعمال، وليس لأأحد أن يفضل أحدا على أحد ولا يسوى أحدا بأحد حتى يقف على أوصاف التفضيل أو التساوي، فمن لا يعرف ما اشتملت عليه أرواح الأنبياء وأرواح الملائكة من المعارف والأحوال لا يجوز له أن يتعرض لشيء من التفضيل والتساوي إلا بمدرك شرعي، ولا يقدم على ذلك إلا هجوم لا يتقي الله ولا يخشى التمضخ بعار الكذب وقد جاء في التنزيل ما يدل على تفضيل البشر على الملائكة، فإنه تعالى ذكر جماعة من الأنبياء في سورة الأنعام فقال فيهم (وكلا فضلنا على العالمين) الأنعام: ٨٦ والملائكة من جملة العالمين لأنك إن اشتققت العالم من العلم فالملائكة من العلماء، وإن أخذته من العلامة اندرج فيه الملائكة وكل موجود سوى الله تعالى، لأن في كل منهم علامة تدل على قدرة الصانع وإرادته وعلمه وحياته وحكمته، انتهى كلام عز الدين.
وقال الحليمي في المنهاج: المختار أن الملأ الأعلى أفضل من سكان الأرض لقوله تعالى: (لَن يَستَنكِفَ المَسيحَ أَن يَكونَ لله وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرَبُونَ) النساء: ١٧٢ لأن هذا السياق في مثله يدل علىأن المذكور ثانيا أفضل مما قبله وأن في نفي الإستنكاف عن الأول دلالة على أن من دونه أولى بذلك، وكذلك في نحو نفي العلم بقولك: ما يدري هذا فلان ولا فلان، وأيضا فإن الشيطان غر آدم وحواء بقوله لهما (ما نَهاكُمَا رَبُكُما عَن هَذَهِ الشَجَرَةِ إِلا أَن تَكونَا مَلَكَينِ) الأعراف: ٢٠ فلو لم يعلما أن الملائكة أفضل لما دلاهما بغرور، وأيضا فقد جعل الله تعالى من جملة نعيم أهل الجنة
[ ٢٣١ ]
دخول الملائكة فيها وتسليمهم على أهلها، ولو كانوا أدون من بني آدم لم تكن زيارتهم لهم نعمة في حقهم، وأيضا فإن الرسول أفضل من المرسل إليه؛ بدليل رسل الله من البشر، وأيضا فقد سماهم الله الملأ الأعلى، وكل من الملأ والأعلى يدل على أفضليتهم، إذ الملأ في اللغة: هم العظماء والأشراف، والأعلى: باعتبار المكانة أو المكان إذ لا يسكن أدون الخليقتين أفضل المكانين. وأيضا فإن التقى النقى من البشر أفضل من الذي يخلط العمل الصالح بالسيء، وليس في الملائكة من يخلط طاعته بشيء من المعصية أو يفتر عن العبادة، والأتقياء من البشر إن عصموا من الكبائر لا يعصمون من الصغائر، ولا يسلمون من الهم، ولا من الفترة في العبادة، لا يقال فيكون يحيى ﵇ أفضل الأنبياء، لأن نبينا ﷺ أخبر عنه أنه: ما هم بخطيئة قط، لأنا نقول: قد يفضله غيره بأمر آخر كالجهاد والذب بالسيف عن دين الله وأوليائه، وكالحج والهجرة وغير ذلك مما كان لغيره، ولم يكن له فإن قيل: فكذلك البشر قد يفضلون الملائكة بهذه الأشياء، أجيب: بأن نزول الملائكة إلى الأرض وكتابتهم الأعمال وغير ذلك من الأمور الإلهية لا يتقاعد عن الحج والهجرة وقد جاهدوا مع رسول الله ﷺ، وأيضا فمنهم الصافون حول العرش، ويحتمل أن يكون النائى عنه مأمورا بحضوره، وقياما وغير ذلك، كالطواف والحج واحتج من فضل البشر بأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وأجيب بأنهم أمروا بالسجود لله تعالى مستقبلين آدم بدليل قوله ﷺ:) إذا سجد ابن آدم قال الشيطان: أمر ابن آدم
[ ٢٣٢ ]
بالسجود فأطاع فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلى النار (ومعلوم أن ابن آدم لم يؤمر إلا بالسجود لله تعالى فكذلك الشيطان، لا يقال: لو أمر به لما امتنع لأنه كان يعبد الله تعالى قبل ذلك لأنا نقول: إنما امتنع منه لا لأنه سجود لله تعالى، بل لما أمره بن في وجه آدم من تكريم آدم المشار إليه بقوله (أَرَأَيتُكَ هَذا الذَي كَرَمَتَ عَلَيَ) الإسراء: ٦٢ وقال في نفسه (أَنَا خَيرٌ مِنهُ) ص: ٧٦ فكيف لم يؤمر أحد بالسجود لله في وجهي عند تمام خلقي، فحسد آدم على ذلك، فإن قيل: إذا كان السجود لله تعالى في وجه آدم تكريما له على الساجد فقد حصل المطلوب من تفضيله على الملائكة، أجيب: بأنه لا يلزم من توهم إبليس ذلك تحققه إذ لا يلزم من سجود المصلين إلى الكعبة تكريم لها عليهم بل على سائر البقاع والجهات، كذلك اللازم فيما نحن فيه تكريم آدم على غيره من الجن والحيوانات، ومن لم يؤمر بالسجود في وجهه من سكان الأرض، واحتج أيضا بقوله تعالى (وَفَضَلَناهُم عَلىَ كَثَيرٍ مِمَن خَلَقَنَا تَفضِيلا) الإسراء: ٧٠ لدخول الملائكة في ممن خلقنا وأجيب: بأنهم فضلوا على الجن الداخلين فيه أيضا، فوجب أن لا يفضلوا على الملائكة، عملا بمقتضى التبعيض إذ العقلاء ثلاثة أصناف، انتهى.
وأورده الشيخ علاء الدين القونوي في مختصره المسمى بالإبتهاج بهذا اللفظ، إلا أنه لم يصرح بموافقة الحليمي على اختيار تفضيل الملائكة على الأنبياء، وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب المعالم: المختار عندي أن الملك أفضل من البشر ويدل عليه وجوه، أحدها: أنه تعالى لما أراد أن يقرر عند الخلق عظيم استدل بكونه إلها للسموات والأرض وما بينهما فقال في سورة عم يتساءلون (رَبِ السَمَوَاتِ وَالأَرضِ وَما بَينَهُما الرَحمَنَ لاَ يَملِكُونَ مِنهُ خِطِابا) النبأ: ٣٧ ثم لما أراد الزيادة في تقرير هذا المعنى قال بعده (يَومَ يَقُومُ الرُوحُ وَالمَلائِكَةُ صَفًا لاَ يَتَكَلَمُونَ إِلاّ مَن أَذِنَ لَهُ
[ ٢٣٣ ]
الرَحمَنُ وَقَالَ صَوابا) النبأ: ٣٨ ولولا أن الملائكة أعظم المخلوقات درجة؛ وإلا لم يصح هذا الترتيب.
الثاني: أنه تعالى قال: (كُلٌ آَمَنَ بِالله وَمَلائِكَتَهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلُهِ) البقرة: ٢٨٥، هذا هو الترتيب الصحيح؛ لأن الإله هو الموجود الأشرف ويتلوه درجة الملائكة، ثم إن الملك يأخذ الكتاب من الله تعالى ويوصله إلى الرسول، وهذا يقتضي أن يكون الترتيب هكذا: الإله والملك والكتاب والرسول، وهذا هو الترتيب المذكور في القرآن، وهذا يدل على شرف الملك على البشر.
الثالث: أن الملائكتة جواهر مقدسة عن ظلمة الشهوات وكدورات الغضب قطعا، وطعامهم التسبيح وشرابهم التقديس، وأنسهم بذكر الله تعالى فكيف يمكن مناسبتهم مع الموصوف بالغضب والشهوة.
الرابع: أن الأفلاك تجري مجرى الأبدان للملائكة، والكواكب تجري مجرى القلوب ونسبة البدن إلى البدن والقلب إلى القلب كنسبة الروح إلى الروح في الإشراق والصفاء. انتهى، وقال الإمام سيف الدين الآمدي في كتاب مناهج القرائح: ذهب الشيعة وأكثر أصحابنا وأكثر الناس إلى تفضيل الأنبياء على الملائكة، خلافا للفلاسفة والمعتزلة والقاضي، حجة أصحابنا أن الملائكة أمروا بالسجود لآدم والسجود من أعظم أنواع الخدمة للمسجود له وهو دليل كونهم مفضولين بالنسبة إلى آدم عند الله، فإن كان ذلك حالة ثبوته؛ فهو المطلوب، وإن كان قبلها فالفضيلة بعدها أولى، فإن قيل السجود الذي يتحقق به المفاضلة إنما هو السجود الحقيقي وهو وضع الجبهة على الأرض وهو غير مسلم التصور في حق الملائكة، إلا أن تكون أجساما وهو ممنوع وإن تصور ذلك في حقهم، لكن يحتمل أن يكون المراد بالسجود التواضع اللازم للسجود فعبر باسم الملزوم عن اللازم، وتواضع الشخص لغيره لا يدل على كونه مفوصلا، ودليل إرادة هذا الإحتمال ما يأتي وإن كان الأمر بنفس
[ ٢٣٤ ]
السجود لله وآدم قبلة لاه، وإن كان السجود لآدم، لكن إنما يدل ذلك على كون المسجود له أفضل من الساجد، أن لو كان عرف الملائكة كعرفنا، وهو غير مسلم، سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تفضيل الأنبياء، لكنه معارض مما يدل على تفضيل الملائكة من جهة العقل والنقل، أما العقل: فهو أن الملائكة جواهر روحانية علوية غير كائنة ولا فاسدة وهي مبادىء الكائنات الفاسدات ولا يلحقها غفلة ولا غضب ولا ألم ولا غيره من صفات النقائض بخلاف الأنبياء، فكانوا افضل منهم، وأما النقل فمن وجوه، منها: أن الله تعالى وصفهم بأنهم عنده بقوله: (وَمَن عِندَهُ لاَ يَستَكبِرُونَ عَن عِبادَتِهِ) الأنبياء: ١٩ وليست العندية بمعنى الجهة والحيز لعدم ذلك في حقه، فكانت بمعنى الفضيلة، ومنها: أن عبادة الملائكة دائمة من غير فتور لقوله: (يُسَبِحُونَ اللَيلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفتَرُونَ) الأنبياء: ٢٠ فكانت اشق من عبادات الأنبياء، فكان ثوابها أكثر لحديث عائشة ولئلا تخلو زيادة المشقة عن حكمة لكونه قبيحا، ولا معنى لكونهم أفضل غير زيادة ثوابهم ومنها: أن عباداتهم أسبق فكانوا أفضل لقوله تعالى: (وَالسابِقُونَ السَابِقُونَ أَولَئِكَ المُقَرَبونَ) الواقعة: ١٠، ١١ومنها: قوله تعالى: (وَتَرَى المَلائِكَةَ حافِينَ مِن حَولِ العَرشِ) الزمر: ٧٥ تنبيهاعلى علو عظمته ولو كان من هو أفضل منهم لكان أولى بذكره هنا ومنها: انهم الحفظة للبشر عن المعاصي لقوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيكُم لَحَافِظِين) الإنفطار: ١٠ والحافظ لغيره عن المعصية لا بد أن يكون أبعد عنها فكان أفضل، ومنها: أن الله تعالى ابتدأ بذكر الملائكة ثم الأنبياء بقوله: (الله يَصطَفَى مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) الحج: ٧٥ والعرف شاهد بفضيلة المتقدم في الذكر والأصل تنزيل العرف الشرعي عليه، ويدل عليه قول عمر للقائل: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
" لو قدمت الإسلام لأعطيتك " ومنها: أنهم أعلم من الأنبياء بالأمور العلوية لكثرة مشاهدتهم لها. وبالقضايا الشرعية، لأنهم الوسيلة في معرفة
[ ٢٣٥ ]
الأنبياء بها، على ما قال تعالى: (عَلَمَهُ شَدِيدُ القًوى) النجم:٥ وأراد تعليم جبريل فكانوا أفضل لقوله تعالى: (هَل يَستَوي الذَيَنَ يَعلَمُونَ وَالذَينَ لاَ يَعلَمُونَ) الزمر: ٩ ومنها: أن الله تعالى فضل البشر على كثير من المخلوقات بقوله تعالى: (وَفَضَلَناهُم عَلَى كَثَيرٍ مِمَن خَلَقَنا تَفضيلًا) الإسراء " ٧٠ ومفهومه أنهم ليسوا أفضل من الكل ولا شك أنهم أفضل من كل مخلوق سوى الملائكة، فلو كانوا أفضل من الملائكة كان على خلاف المفهوم من الآية، ومنها: أن الملائكة، فلو كانوا أفضل من الملائكة كان على خلاف المفهوم من الآية، ومنها: أن الملائكة رسل إلى الأنبياء، والأنبياء رسل إلى غير الرسل فكانت الملائكة بذلك أفضل، ومنها: تشبيه يوسف بالملك في قوله تعالى (إنَّ هَذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيم) يوسف: ٣١ والمشبه بالشيء دونه، ومنها: قول الرسول: (وَلاَ أَقُولُ إِنّي مَلَك) هود:٣١ في معرض سلب التعظيم، ولولا أن الملك أفضل منه لما صح ذلك، ومنها: قوله تعالى: (لَن يَستَنكِفَ المَسيِحُ أَن يَكُونَ عَبدًا لله) ثم ثنى بالملائكة فقال: (وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرَبُونَ) النساء: ١٧٢ وهو دليل فضيلة الملائكة وإلا فلو كانوا مفضولين لما حسن تأخرهم في الذكر كما لا يحسن أن يقال: الملك لا يستنكف عن كذا بل ولا الوزير، ومنها: قوله تعالى في وصف جبريل: (ِإنَّهُ لَقَولٌ رَسُولٍ كَرِيم) إلى قوله: (مُطاعٍ ثَمَّ أَمِين) التكوير: ١٩ - ٢١ والجواب عن الأول: أن الأصل تنزيل لفظ السجود على حقيقته وكل ما يذكرونه في بيان امتناعه فهو غير مسلم عندنا وبه اندفاع الثاني وما يذكرونه من دليل التأويل فسيأتي جوابه، وعن الثالث: لو كان آدم قبلة لكان الأمر بالسجود إليه لا له وفرق بين الأمرين، وعن الرابع: ان عرف الملائكة في ذلك إنما كان التفضيل ولذلك قال إبليس: (أَرَأَيتُكَ هَذا الذَي كَرَمَتَ عَلى) الإسراء: ٦٢ أي فضلت وهو عين عرفنا فيه، وعن المعارضة بالمعقول بمنع تفضيلها بما ذكروه من الصفات، أما من جهة أنها جواهر فلتوقف ذلك على نضو اختلاف الجواهر وهو غير مسلم عندنا على ما عرف وأما من جهة أنها روحانية، وإن كان بمعنى أنها أرواح مجردة فهوغير مسلم، بل أجسام ذات أرواح، والتفاوت في هذ١المفهوم غير مسلم، وإن كان بمعنى أنها
[ ٢٣٦ ]
ذات روح وراحة، فمسلم لكن لا يلزم من ذلك فضلها على الأنبياء وإلا كان كل من كان في روح وراحة أفضل ممن لم يكن كذلك حتى العامي بالنسبة إلى النبي وهو محال، وإن كان بغير ذلك فلا بد من تصويره، وأما من جهة أنها علوية فلا تستحق التفضيل وإلا كانت أجرام السموات أفضل من الأنبياء، وهو خلاف إجماع الخصمين، وأما باقي الصفات فغير مسلمة على ما عرف من أصولنا.
وعن الأول: من جهة المنقول بأنه وإن دل على الفضيلة لا يدل على الأفضلية مع معارضته بقوله تعالى في حق البشر: (فَي مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقتَدِر) القمر:٥٥ وعن الثاني: بمنع زيادة المشقة في عبادات الملائكة وما ذكروه في ذلك فهو مقابل بما يدل على زيادة المشقة في عبادة الأنبياء، وذلك أنهم مكلفون بها مع استيلاء الموانع عنها عليهم، كالشهوة والحرص والغضب والهوى، ووسوسة الشيطان وضعف الأبدان إلى غير ذلك مما لا تحقق له في حق الملائكة، وذلك إن لم يوجب الزيادة فلا أقل من المساواة.
وعن الثالث: بمنع دلالة سبقهم على الفضيلة والآية فقد قال بعض المفسرين فيها: المراد بذلك السابقون في الدنيا إلى الخيرات وقد قيل: إلى الرواح إلى المسجد والخروج في سبيل الله، وقيل: إلى التصديق بالأنبياء من أممهم ولا مدخل للملائكة في شيء من ذلك.
وعن الرابع: أنه وإن دل على عظمة الله بخدمة الجبابرة والعظماء له وأن الملائكة أشد وأقوى، فليس في ذلك ما يدل على فضيلتهم بكثرة ثوابهم.
وعن الخامس: بمنع نسبة حفظ البشر عن المعاصي إلى غير الله تعالى بل غايته أنهم حفظة وشهداء على أفعال البشر، ولا يلزم أن يكون الشاهد أفضل من المشهود عليه.
[ ٢٣٧ ]
وعن السادس: أن تقديم الملائكة على الأنبياء في الرسالة ذكرا إنما كان لأنه على وفق الترتيب لا الدلالة على الفضيلة ويدل على ذلك أنه تعالى قدم ذكر الملائكة على كتبه والكتب على الرسل في قوله تعالى: (كُلٌ آَمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) البقرة: ٢٨٥ والكتب إن كانت هي الكلام القديم النفساني فهي أفضل من الملائكة، وقد قدم الملائكة في الذكر عليها، وإن كانت العبارات والكتابات الدالة فالرسل أفضل منها بالإتفاق، وقد أخر الرسل في الذكر عنها.
وعن السابع: بمنع كون الملائكة أعلم، فإن آدم كان أعلم منهم بدليل قوله تعالى: (وَعَلَمَ آَدَمَ الأَسماءَ كًلَها) البقرة: ٣١ الآيات، والمراد بالأسماء أصحاب الأسماء، وهي المسميات، بدليل قوله: (ثُمَّ عَرَضَهُم) ولو أراد الأسماء لقال: ثم عرضها كما قاله وإن كانت الملائكة أعلم، فذلك يدل على اختصاصهم بالأعلمية، وليس يلزم من ذلك أن يكونوا أفضل عند الله بمعنى أكثر ثوابا وأرفع درجة.
وعن الثامن: أن المراد بالتفضيل في الآية ليس في رفع الدرجة في الدار الآخرة وزيادة الثواب كما قاله المفسرون بل المراد به تفضيلهم في الدنيا بأكلهم بأيديهم وحملهم في البر والبحر على السفن وأظهر الحيوانات وأكلهم الطيبات على مانطقت به الآية من قوله تعالى: (وَلَقَد كَرَمَنا بَني آَدَم) الإسراء: ٧٠ ومفهوم هذا المنطوق سلب فضيلة البشر على الملائكة في هذه الأمور، ولا يلزم منه سلبها بمعنى رفع الدرجة عند الله تعالى.
وعن التاسع: بمنع كون الأنبياء ليسوا رسلا إلى الأنبياء فإن إبراهيم كان رسولا إلى لوط، وموسى إلى أنبياء بني إسرائيل، وإن سلم ذلك لكن لا يلزم منه التفضيل وإلا كانت فضيلة الرسول مستفادة م المرسل إليه لا من نفسهوذاته ويلزم من ذلبك أن تكون فضيلة النبي مستفادة له من المبعوث إليهم وهو محال.
[ ٢٣٨ ]
وعن العاشر: بمنع تشبيه يوسف بالملك في الفضيلة بل في الحسن والجمال وذلك لأن سبب تشبيه النساء له بالملك إنما كان لدهشتهن بحسنه عند خروجه عليهن، حتى أنهن قطعن أيديهن بالسكاكين على ما نطقت به الآية من قوله تعالى: (وَآتَت كُلُ وَاحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِينًا وَقالَت أُخرُج عَلَيهِنَّ فَلَمَّا رَأَينَهُ أَكبَرنَهُ وَقَطَعَنَ أَيدِيَهُنَّ (يوسف: ٣١ حتى قالت امرأة العزيز (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمتُنَنَي فِيهِ) يوسف: ٣٢ أي في حبه.
وعن الحادي عشر: أن ذلك إنما ذكره النبي ﵇ عند سؤال كفار قريش له بتعجيل العذاب استهزاء به فأنزل قوله تعالى قل (لاَ أَقُولُ لَكُم عِندِي خَزَائِنُ الله) أي مفاتيح نزول العذاب (وَلاَ أَعلَمُ الغَيبَ) أي متى ينزل عليكم (وَلاَ أَقُولُ لَكُم إِنّي مَلَك) هود: ٣١ أي ممن يقدر على إحاطة العذاب بكم كما فعل بالأمم السالفة وهو دليل كون الملك أقدر لا أفضل.
وعن الثاني عشر: أن ذلك إنما ورد ردا على النصارى في اعتقادهم إلهية المسيح لما رأوه يقدر على إحياء الموتى وأنه لا أب له، فقال تعالى: (لَن يَستَنكِفَ المَسيحُ) النساء: ١٧٢ مع هذه الصفات بل ولا من هو أقوى منه وأقدر منه ولا يفتقر في وجوده إلى أب وأم وهم الملائكة أن يكونوا عبيدا لله، وهو دليل التفاوت في هذه الصفات لا في الفضيلة عند الله بمعنى رفع الدرجة وكثرة الثواب.
وعن الثالث عشر: أن ذلك إنما ورد ردا على كفار قريش في قولهم محمد ﷺ مجنون وأن القرآن من إلقاء الشيطان إليه فأقسم تعالى (بِالخُنَس) وما بعدها (إِنّهُ لَقَولُ رَسًولٍ كَرِيم) ووصفه بما وصفه مبالغة في أنه ليس بقول شيطان (وَما صاحِبُكًم بِمَجنُون) كما زعمتم وإنما وقعت المبالغة في صفات جبريل دون النبي ﷺ لعلمهم بصفاته لكونه عربيا منهم دون صفات جبريل. انتهى.
[ ٢٣٩ ]
وقال الإمام أبو بكر الكلاباذي في كتاب " التعرف لمذاهب أهل التصوف " قولهم في الملائكة والرسل: سكت الجمهور منهم عن تفضيل الرسل على الملائكة، وتفضيل الملائكة على الرسل وقالوا: الفضل لمن فضله الله تعالى ليس ذلك بالجوهر ولا بالعمل ولم يروا أحد الأمرين أوجب من الآخر بخبر ولا عقل، وفضل بعضهم الرسل وبعضهم الملائكة، وقال محمد بن الفضل جملة الملائكة أفضل من جملة المؤمنين وفي المؤمنين من هو أفضل من الملائكة كأنه فضل الأنبياء ﵈.
قال العلامة علاء الدين القونوي في شرحه: اختلف الناس في التفاضل بين الملائكة والبشر، وأسلم الأقوال ما نقله المصنف عن جمهور الصوفية وهو السكوت عن المفاضلة بينهما والسلامة لا يعادلها شيء، كيف وأدلة الجانبين متجاذبة، وليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها، فالصواب تفويض علمها إلى الله تعالى واعتقاد أن الأفضل من فضله الله تعالى، ليس الفضل بشرف الجوهر، ليقال: الملائكة أفضل لأن جوهرهم أشرف فإنهم خلقوا من نور وخلق البشر من طين، وذلك لأن أصل إبليس وجوهره وهو النار أشرف وأصفى من جوهر البشر، وما أفاده ذلك فضلا، ولا بالعمل ليقال عمل الملائكة أكثر فيثبت لهم الفضل لأن إبليس أكثر عملا أيضا وليس بأفضل، ومعنىقوله: ولم يروا أحد الأمرين أوجب من الآخر، أنهم لم يروا أن تفضيل أحد القبيلين أوجب من تفضيل الآخر لما ذكرناه من تجاذب الأدلة من الجانبين، وانتفاء ما يرجح أحدهما من جهة النقل والعقل، وقال في قول آخر: كأنه فضل الأنبياء أي مع القول بأن جنس الملائكة أفضل من جنس البشر إذ لا يلزم من تفضيل الجنس تفضيل كل فرد كما في قولهم الرجل خير من المرأة.
وقال القاضي تاج الدين بن السبكي في منع الموانع: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - قال جمهور أئمتنا: إنهم أفضل من الملائكة عليهم
[ ٢٤٠ ]
السلام، وقالت المعتزلة، ومنا القاضي أبو بكر والإمام فخر الدين: إن الملائكة أفضل، ومنهم من استثنى المصطفى سيدنا محمدا ﷺ، وقال: إنه أفضل من الملك والبشر وهو خير الخلق أجمعين.
وذهب الشيخ الإمام الوالد إلى موافقة الجماهير على تفضيل الأنبياء على الملائكة، وقطع القول بأن سيدنا محمدا ﷺ أشرف مخلوق وأزكاه وأكرمه على الله، غير أن الشيخ الإمام قال: هذه المسألة وهي تفضيل البشر علىالملك أو الملك على البشر ليست مما يجب اعتقاده ويضر الجهل به. ولو لقى الله ساذجا من المسألة بالكلية لم يكن عليه إثم فما هي مما كلف الناس بمعرفته، قال القاضي تاج الدين: فالناس ثلاثة: رجل عرف أن الأنبياء أفضل من الملائكة واعتقده بالدليل، وآخر جهل هذه المسألة ولم يشتغل بها بالكلية وهذان لا ضرر عليهما، وثالث قضى بأن الملك أفضل، وهذا على خطر. وهل نقول إن من قضى بتفضيل الأنبياء على خطر، فيكون الساذج أعلم منه؟ أو أنه لإصابته الحق إن شاء الله تعالى ناج من الخطر، هذا موضع نظر، والذي كنت أفهمه عن الوالد: أن السلامة في السكوت عن هذه المسألة، وأن الدخول في التفضيل بين هذين الصنفين الكريمين علىالله تعالى من غير ورود دليل قاطع دخول في خطر عظيم، وحكم في مكان لسنا أهلا للحكم فيه، وقد جاءت أحاديث تحسم بإشارتها مادة الدخول في ذلك، فإن قوله ﷺ:) لا تفضلوني على يونس بن متى
[ ٢٤١ ]
(ونحوه، ونحن على قطع بأنه أفضل من يونس ولم يختلف في ذلك أحد، لعله إشارة إلى أنكم لا تدخلون في أمر لا يعنيكم وما للسوقة والدخول بين الملوك وأعنى بالسوقة في هذا أمثالنا وبالملوك الأنبياء والملائكة ﵈، والذي ينشرح الصدر له، ويثلج له الخاطر، إطلاق القول بأن نبينا محمدا ﷺ خير الخلائق أجمعين من ملك وبشر، فهذا ينبغي أن يطلق إطلاقا ويصمم عليه اعتقادا، ثم قال بعد ذلك: وخير الناس بعد الأنبياء والملائكة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذا مقرر في كتب الكلام وكتب الحديث بما لا يحتاج معه إلى إعادة، وقال في منظومته النونية:
ونبينا خير الخلائق أحمد ذو الجاه عند الله والسلطان
لا خلق أفضل منه ولا بشر ولا ملك ولا كون من الأكون
والرسل بعد محمد درجاتهم ثم الملائك عابدو الرحمن
ثم الصحابة مثل ما قد رتبوا فالأفضل الصديق ذو العرفان
وقال في جمع الجوامع: أرسل الرب تعالى رسله بالمعجزات الباهرات وخص محمدا ﷺ بأنه خاتم النبيين المبعوث إلى الخلق أجمعين المفضل على جميع العالمين وبعده الأنبياء ثم الملائكة، قال الشيخ جلال الدين المحلى في شرحه: فهم أفضل من البشر غير الأنبياء، وقال الزركشي في شرحه: نقل الإمام في تفسيره الإجماع على تفضيل النبي ﷺ على جميع العالمين واستثنوه من الخلاف في التفضيل بين الملك والبشر.
وقال الإمام صفى الدين الأرموى في رسالته: وذهب أكثر أصحابنا والشيعة إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة وقال القاضي أبو بكر والحليمي وغيرهما من أصحابنا كالإمام: الملائكة السماوية
[ ٢٤٢ ]
أفضل من الملائكة ومنهم من فصل وقال: خواص المؤمنين أفضل من الملائكة دون عوام المؤمنين، لنا وجوه منها: قوله تعالى: (إِنَّ الله اِصطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبراهِيمَ وِآَلَ عِمرانَ عَلَى العالَمِين) آل عمران: ٣٣ والعالم كل موجود سوى الله ترك العلم به فيمن لم يكن نبيا منهم فيبقى العمل به في الأنبياء، وقال ابن عقيل من الحنابلة في كتاب) الإرشاد (: مؤمنو ولد آدم من الأولياء والزهاد - والأنبياء من طريق الأولى - أشرف من الملائكة على قول أصحابنا، وعندي أن فيه تفصيلا وذلك أن في الملائكة من لا يجوز أن يفضل عليه الأولياء مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والمقربين، ولكني أفضل عليهم الأنبياء، ومنهم من يفضل عليه أولياء بني آدم وهم من عدا المقربين من الملائكة السياحة وغير ذلك.
قال: والدلالة على أن خواص الملائكة المرسلين والمقربين خير من الأولياء خلافا لأصحابنا ان هؤلاء ساووهم في العبادة وفضلوا بالقرب والرسالة وسماع الكلام من الله سبحانه الذي شرف بسماعه موسى على غيره، وهذه الرتبة عظيمة لمن عقلها، وفارق الأنبياء لأنهم فضلوهم بالرسالة والنبوة ومعاناة الأمم والتعليم، وجعل الملائكة خدما لهم، ولأن قولنا بأن صالحا من بني آدم خير من جبريل شناعة عظيمة علينا من حيث سوينا بينه وبين رتبة الأولياء، مع جلالة جبريل وعظمته وشرفه عند الله؛ فإن جبريل سفير الرحمن وحامل وحيه إلى الأنبياء، ثم قال: واستدل من قال بالعموم بما روى أبو هريرة قال:) خطبنا رسول الله ﷺ إلى أن قال) أوسعوا لمن خلفكم (فقلنا: ولمن نوسع يا رسول الله؟ قال:) للملائكة إنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا من بين أيديكم ولا من خلفكم وإنما يكونون عن أيمانكم وشمائلكم (قالوا: أمن فضلنا عليهم أو من فضلهم علينا؟ قال:) أنتم أفضل منهم (.
[ ٢٤٣ ]
وأيضا عن النبي صلى الله عليه وسلمك) المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده (.
وأيضا اللفظ المشهور:) إن الله يباهي ملائكته بأهل عرفات (ولا يباهي إلا بالأفضل، وأيضا فإن جبريل افتخر بأن يسمى من أهل البيت، وسأل النبي ﷺ أن يدخله تحت الكساء وكان تحته فاطمة والحسن والحسين. انتهى.
قلت: أما حديث أبي هريرة الأول فإنه موضوع لا تحل روايته فضلا عن الإحتجاج به، وممن حكم بوضعه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات باختصار، فلم يذكر قوله: قالوا: أمن فضلنا عليهم " إلى آخره، وحكم بوضعه، وأما حديث) المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده (فالمعروف
[ ٢٤٤ ]
في لفظه:) المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته (كذا رواه ابن ماجه، وهذا اللفظ لا يدل على تفضيل الأولياء على جميع الملائكة بل على بعضهم، وحديث المباهاة لا يدل على الأفضلية والحديث الرابع لم أقف له على أصل في شيء من كتب الحديث وكيف يجسر أحد على تفضيل غير الأنبياء من البشر على جبريل وميكائيل. والله أعلمز
وفي أسئلة الصفار من أئمة الحنفية: سئل عن تفضيل الملائكة والبشر أيهما أفضل؟ فقال: خواص بني آدم وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم، وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة. وكذا في عقيدة الإمام أبي منصور الماتريدي، وقال النسفي في العقائد: وصل البشر أفضل من رسل الملائكة، ورسل الملائكة أفضل من عامة البشر وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرحه: أما تفضيل رسل الملائكة على عامة البشر فبالإجماع بل بالصرورة، وأما تفضيل رسل البشر على رسل الملائكة وعامة البشر على عامة الملائكة فلوجوه؛ - الأول: أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم على وجه التعظيم والتكريم بدليل قوله تعالى حكاية عن إبليس: (أَرَأَيتُكَ هَذا الَّذي كَرَمتَ عَلَى) الإسراء: ٦٢.
- و(أَنَّا خَيرٌ مِنهُ خَلَقَتَنَي مِن نَارٍ وَخَلَقَتَهُ مِن طِين) ص: ٧٦ ومقتضى الحكمة، الأمر للادنى بالسجود للأعلى دون العكس.
[ ٢٤٥ ]
- الثاني: أن كل واحد من أهل اللسان يفهم من قوله تعالى: (وَعَلَمَ آَدَمَ الأَسماءَ كُلَها) البقرة: ٣١) الآية أن القصد منه إلى تفضيل آدم علىالملائكة وبيان زيادة علمه واستحقاقه التعظيم والتكريم.
- الثالث: قوله (إِنَّ الله اِصطَفى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبرَاهِيمَ وِآَلَ عِمرَان عَلَى العالِمينَ) آل عمران: ٣٣ والملائكة من جملة العالمين، وقد خص ذلك بالإجماع عدم تفضيل عامة البشر على رسل الملائكة فبقى معمولا به فيما عدا ذلك، ولاخفاء ان هذه المسألة ظنية يكتفي فيها بالأدلة الظنية.
- الرابع: أن الإنسان يحصل الفضائل والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق والموانع من الشهوة والغضب وسنوح الحاجات الضرورية الشاغلة عن اكتساب الكمالات ولا شك أن العبادة وكسب الكمال مع الشواغل والصوارف أشق وأدخل في الإخلاص فيكون أفضل، وذهبت المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة إلى تفضيل الملائكة، وتمسكوا بوجوه: - الأول: أن الملائكة أرواح مجردة كاملة بالفعل، مبرأة عن مبادىء الشرور والآفات كالشهوة والغضب وعن ظلمات الهيولى. والصورة قوية على الأفعال العجيبة عاملة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط.
- والجواب: أن ذلك مبني على الأصول الفلسفية دون الإسلامية.
- الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر يتعلمون ويستفيدون منه بدليل قوله تعالى (عَلَمَهُ شَديدُ القًوى) النجم: ٥ وقوله تعالى: (نَزَل بِهِ الرُوح الأَمين) الشعراء: ١٩٣ أفضل من المتعلم.
- والجواب: أن التعليم من الله ﷿ والملائكة إنما هم المبلغون.
- الثالث: أنه قد أطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على ذكر الأنبياء
[ ٢٤٦ ]
لتقدمهم في الشرف والرتبة.
والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوجود أو لأن وجودهم أخفى، فالإيمان بهم أقوى والتقديم أولى، وقال الإمام أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروى في أرجوزته المسماة بالجواهر المضيئة:
القول بالملائك الكرام فريضة لصحة الإسلام
وهم عباد الخالق القهار قد خلقوا من خالص الأنوار
حياتهم بالذكر والتسبيح وما لهم في الذكر من تبريح
قاموا صفوفا للعزيز الماجد يدعونه على مقام واحد
قد طهروا عن شهوة العصيان وعن شرور النفس والشيطان
وما لهم من نعمة الجنان حظ ولا من رؤية الرحمن
وما لهم نسل ولا ولادة ولا لهم شغل سوى العبادة
فمنهم كاتب أعمال الورى ومنهم حافظ سكان الثرى
ومنهم موكل بالرزق يوصل أو يزوى بأمر الحق
فوصف حال القوم بالتفضيل في صحف الآثار والتنزيل
ونفيهم بالجحد والإنكار كفر صريح موجب للنار
ومن جرى لسانه بالطعن والنقص فيهم فهو أهل اللعن
ثم قال:
كذا لجنس الإنس فضل باد بالعلم والفطنة والجهاد
على كرام الملأ العباد من ساكن السبع العلا الشداد
فموعد اللقاء والنعيم للإنس دون الملك الكريم
وقال الشيخ سراج الدين البلقيني في كتاب منهج الأصلين: الأكثر من الأشاعرة على تفضيل الأنبياء على الملائكة، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني والحليمي إلى أن الملائكة العلوية أفضل، وينبغي أن يكون محل
[ ٢٤٧ ]
الخلاف في غير النبي ﷺ، فأما النبي ﷺ فهو أفضل خلق الله أجمعين، وأما الصالحون من البشر غير الأنبياء فأكثر العلماء على تفضيل الملائكة عليهم وعندنا أن من كان منهم تقيا نقيا موافيا الموت على ذلك فقد يفضل على الملك باعتبارات المشقات في عبادته مع ما فيه من الدواعي إلى الشهوة وغيرها، لا سيما من كان خليفة سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن قيل: كيف يستقيم أن يعتقد العصمة في جميع الملائكة ثم يقول هذا في غير المعصوم؟ وجوابه: أن ليس الكلام من جهة العصمة وإنما الكلام في التفضيل من جهة المشقة الحاصلة للعابد من البشر، ومع ذلك لا يكون ولى أفضل من نبي قط لاستوائهما في البشرية وزيادة النبي بالعصمة، والمختار عند الحنفية أن خواص البشر وهم المرسلون أفضل من جملة الملائكة، والملائكة الخواص أفضل من الأنبياء غير المرسلين والأنبياء غير المرسلين أفضل من غير الخواص من الملائكة ومنهم من وقف في التفضيل بين صالح البشر والملائكة، والحجة للمتقدم تكريم آدم عليهم بأمرهم بالسجود له وتفضيله عليهم بالخلافة والعلم، ولأن طاعة البشر أشف والآتي بالأشق أفضل، وقال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع: أما تفضيل الأنبياء على الملائكة فهو عقيدة الأشعري وجمهور أصحابه، وهو آخر أقوال أبي حنيفة فيما ذكره شمس الأئمة، لاجتماع العصمة مع التركيب المعرض للنوائب التي يجب الصبر عليها والشهوات التي يجب الصر عنها، ومن أحسن الأدلة قوله تعالى بعد ذكر جماعة من الأنبياء: (وَكُلًا فَضَلَنا عَلى العالَمِين) الأنعام: ٨٦ والملائكة من العالمين، فدل على أنهم أفضل منهم، وقوله (إِنَّ الَّذَينَ آَمَنوا وَعَمِلُوا الصالِحاتِ أَولَئِكَ هُم خَيرُ البَرِيَة جَزاؤُهُم عِندَ رَبِهِم جَناتُ عَدنٍ) البينة: ٧، ٨ وأراد بني آدم لأن الملائكة لا يجازون، بل هم خدم أهل الجنة ولأن بهم قامت الحجة على خلقه بخلاف الملائكة، حتى قال تعالى: (وَلَو جَعَلَناهُ مَلَكًا لَجَعَلنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلنَاهُ رَجُلًا) الأنعام:٩
[ ٢٤٨ ]
ولأن الناس في الموقف إنما يستشفعون بالأنبياء لا بالملائكة، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا شك أن للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد والغزو ومخالفة الهوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على البلايا والمحن والرزايا، وقد ثبت أنهم يرون ربهم ويبشرهم بإحلال رضوانه عليهم ولم يثبت مثل هذا للملائكة، وذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة، واختاره القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق والحافظ أبو عبد الله الحاكم والحليمي والإمام الرازي في المعالم وأبو شامة، وفي المسألة قول ثالث بالوقف وإليه صار الكيا في تعليقه، ونقل بعضهم قولا آخر أن خواص البشر أفضل من خواص الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر وعزاه للمحققين. والظاهر أنه تنقيح مناط الخلاف، وإليه يشير كلام المصنف فإنه جعل المسألة بين البشر والملائكة، وقال أبو المظفر الأسفرايني في كتاب التوحيد: اتفقوا على أن العصاة من المؤمنين دون الأنبياء والملائكة، فأما المطيعون فاختلفوا في المفاضلة بينهم وبين الملائكة على قولين، وقال ابن يونس في مختصره في الأصول بعد ذكر القولين: وقال الأكثرون منا: المؤمن الطائع أفضل من الملائكة، وقيد الإمام في الأربعين الملائكة بالسماوية، وقال ابن المنير: مذهب أهل السنة أن الرسول أفضل من الملك باعتبار الرسالة لا باعتبار عموم الأوصاف البشرية ولو كانت البشرية بمجردها أفضل من الملائكة لكان كل البشر أفضل من الملائكة. معاذ الله، وذكر الإمام فخر الدين: أن الخلاف في التفضيل بمعنى أيهما أكثر ثوابا على الطاعات ورد بذلك احتجاج الفلاسفة على أفضلية الملائكة بأنها نورانية علوية، والجسمانية ظلمانية سفلية وقال: هذا لم يلاق محل النزاع وبهذا يزول الإشكال في المسألة. انتهى.
مسألة:
قال الحليمي في المنهاج ثم البيهقي في شعب الإيمان ثم
[ ٢٤٩ ]
القونوي في الإبتهاج: من الناس من ذهب إلى أن العقلاء الناطقين فريقان: إنس وجن، وكل منهم فريقان: أخيار وأشرار، فأخيار الإنس هم الأبرار فمنهم رسل وغير سل، وأشرارهم هم الفجار فمنهم كفار وغير كفار، وأخيار الجن هم الملائكة ومنهم رسل وغير رسل، وأشرارهم هم الشياطين، وقد يحتمل هذا التقسيم أنيقال: الجن منهم سكان السماء ويدعون الملأ الأعلى وسموا ملائكة لصلاحيتهم للرسالة، ومنهم سكان الأرض، وهم الجن بالإطلاق وينقسمون إلى أخيار وفجار، قيل: وإبليس كان من الملائكة بدليل استثنائه منهم لكنه لما عصى لعن وأهبط إلى الأرض فصار من الجن، فهو كالعدل من الإنس يفسق أو يرتد فيدعي فاسقا أو كافرا بعد أن كان يسمى عدلا أو مؤمنا واستبدل من قال: إن الملائكة هم أخيار الجن بقوله تعالى: (وَجَعَلَوا بَينَهُ وَبَينَ الجِنَّةُ نَسَبا) الصافات: ١٥٨ والمراد بذلك قول الكفار: الملائكة بنات الله، سبحانه وتعالىعن ذلك علوا كبيرا فدل ذلك أن الملائكة من الجن، وايضا فإن الإنس هم الظاهرون والجن هم المجتنون والملائكة مجتنون فصدق عليهم إسم الجن، وأيضا فإن الله تعالى لما صنف الخلائق قال: (خَلَقَ الإِنسانَ مِن صَلصَالٍ كَالفَخَار، وَخَلَقَ الجَانَّ مِن مَارِجٍ مِن نَار) الرحمن:١٤، ١٥ فلو كانت الملائكة صنفا ثالثا لما كان يدع أشرف الخلائق فلا يتمدح بالقدرة على خلقه ويذكر ما دونه.
ومن خالف هذا القول قال: إن سكان الأرض ينقسمون إلى إنس وجن؛ فأما ما خرج عن هذا الحد فلا يلحقه إسم الإنس ولا إسم الجن، والذي يدل على أن الملائكة غير الجن قوله تعالى: (إِلاّ إِبلِيسَ كَانَ مِنِ الجِنِّ) الكهف: ٥٠ فهذا يدل على أن الملائكة جنس والجن جنس وأنهما فريقان، وإنما لم يذكر الملائكة في قوله: (خَلَقَ الإِنسانَ) الآية لأن لبيان ما ركبه من خلق متقدم فلم يدخل الملائكة في ذلك لأنهم مخترعون قال الله تعالى لهم: كونوا فكانوا، كما قال للأصل الذي منه خلق الجن والأصل الذي منه خلق الإنس وهو التراب والماء والنار والهواء: كن فكان، فكانت الملائكة في
[ ٢٥٠ ]
الإختراع كأصول الجن والإنس لا كأعيانهم، فلذلك لم يذكروا معهم قال البيهقي: وأبين من هذا كله في أن الملائكة صنف غير الجن حديث مسلم:) خُلِقَت المَلائِكَةُ مِن نُور وَخُلِقَ الجَانُ مِن مارِجٍ مِن نَار وَخُلِقَ آَدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكًم (.
قال: ففي فصله بينهما في الذكر دليل على أنه أراد نورا غير نور النار، قال الحليمي والبيهقي والقونوي: ومما يدل على تباين الجن والملائكة قوله تعالى: (وَيَومَ نَحشُرُهُم جَميعًا ثَمَّ نَقًولُ لِلمَلائِكَةِ أَهَؤلاَءِ إِياكًم كَانوا يَعبُدونَ قَالُوا سُبحَانَك أَنتَ وَلِيُنا مِن دُونِهِم بَل كَانُوا يَعبُدونَ الجِنَّ) سبأ: ٤٠، ٤١ فثبت بهذا أن الملائكة غير الجن.
مسألة:
قال الحليمي والبيهقي والقونوي: ثم إن الملائكة يسمون الروحانيين بضم الراء وفتحها؛ أما الضم فلأنهم أرواح ليس معها ماء ولا نار ولا تراب، ومن قال هذا قال: الروح جوهر، وقد يجوز أن يؤلف الله أرواحا فيجسمها ويخلق منها خلقا ناطقا عاقلا فيكون الروح مخترعا والتجسيم وضم النطق والعقل إليه حادثا من بعد، ويجوز أن يكون أجسام الملائكة على ماهي عليه اليوم مخترعة كما اخترع عيسى وناقة صالح، وأما الفتح فبمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والظلل، ولكنهم في فسحة وبساط وقد قيل: إن ملائكة الرحمة هم الروحانيون بفتح الراء من الروح، وملائكة العذاب هم الكروبيون من الكرب انتهى، وفي الفائق: الكروبيون سادة الملائكة منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم المقربون من كرب إذا قرب، وفي تذكرة الشيخ تاج الدين ابن مكتوم: سئل أبو الخطاب بن دحية عن الكروبيين هل يعرف في اللغة أم لا؟ فقال: الكروبيون بتخفيف الراء سادة الملائكة وهم المقربون من كرب إذا قرب أنشد أبو علي البغدادي: كروبية منهم ركوع وسجد. وقال الطيبي عن بعضهم: في هذه اللفظة ثلاث مبالغات إحداها: إن كرب أبلغ من قرب حين وضع موضع كاد، يقول كربت
[ ٢٥١ ]
أهم مختارون في التوحيد أم مجبورون
الشمس أن تغرب كما يقول كادت، والثانية: أنه على وزن فعول وهو للمبالغة، والثالثة زيادة الياء فيه وهي تزداد للمبالغة كأحمري، وفي القاموس الكروبيون مخففة الراء سادة الملائكة.
مسألة:
سئل أبو إسحاق إسماعيل الصفار البخاري من كبار أئمة الحنفية عن الملائكة أهم مختارون في التوحيد أم مجبورون؟ وهل يتصور منهم الكفر؟ فأجاب: في قول الحسن البصري: إنهم مجبورون في افيمان ولايتصور منهم الكفر، أما عند عامة أهل السنة والجماعة: إن الله تعالى خلقهم مختارين عاقلين بربهم، والدليل عليه قوله تعالى: (وَمَن يَقُل مِنهُم إِنّي إِلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجزِيهِ جَهَنَّمَ) الأنبياء:٢٩ وقال: (لاَ يَعصُونَ الله ما أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ) لأن الجزاء في مقابلة الفعل، ولو لم يكونوا مختارين في التوحيد والطاعة لما قال تعالى مدحا لهم: (لاَ يَعصُونَ الله ما أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ) قلت: الحسن أستند إلى الحديث السابق في المسألة الأولى.
وقال الإمام كمال الدين بن الزملكاني في كتابه المسمى (تحقيق الأولى من أهل الرفيق الأعلى): اختلف العقلاء في أن الملائكة هل يقدرون على الشرور والمعاصي، فذهب جمهور الفلاسفة وكثير من الجبريين إلى أن الملائكة خير محض لا قدرة لهم على الشر والفساد بوجه، وقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء: إنهم قادرون على الأمرين، واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى مدحهم على ترك المعاصي والمخالفة، ودوام الطاعة ولولا تصور ذلك منهم ما استحقوا عليه المدح، أما مدحهم ففي مواضع منها قوله تعالى: (إِنَّ الَّذَينَ عِندَ رَبِكَ لاَ يَستَكبِرُونَ عَن عِبادَتِهِ) الآية، الأعراف: ٢٠٦ وقوله تعالى: (لَن يَسَتَنكِفَ المَسيحُ أَن يَكونَ عَبدًا لله وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرَبُون) النساء: ١٧٢ وغير ذلك من الآيات، وأما أن الممدوح علىترك الشيء لا بد وأن يقدر عليه فلأن من لا يتصور منه الفعل لا يحسن مدحه على تركه في العرف ولو فعل ذلك فاعل عد فعله مستقبحا عرفا ومما احتج به هؤلاء أن الله تعالى توعدهم على تقدير صدور الذنب، ومن لا يتصور منه صدور الذنب لا يتوعد عليه؛ أما الأول فلقوله تعالى: (وَمَن يَقُل مِنهُم إِنّي إِلهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نُجزِيهِ جَهَنَّم) وأما الثاني فظاهر والله أعلم.
مسألة:
قال القاضي عياض: أجمع المسلمون أن الملائكة مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منهم، وأنهم في حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم، واختلفوا في غير المرسلين منهم، فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي واحتجوا بقول الله تعالى: (لاَ يَعصُونَ اللَهَ ما أَمَرَهُم وَيَفعَلونَ ما يُؤمَرون) التحريم: ٦ وبقوله: (وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعلوم، وإِنّا لَنَحنُث المُسَبِحونَ) الصافات: ١٦٤ - ١٦٦ وبقوله: (وَمَن عِندَهُ لا يَستَكبِرونَ عَن عِبادَتِهِ وَلا يَستَحسَرونَ) الأنبياء: ١٩ ونحوه من السمعيات، وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين، واحتجوا بقصة هاروت وماروت،
[ ٢٥٢ ]
وقصة إبليس، والصواب عصمة جميهم وتنزيه نصابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبهم وينزلهم عن جليل مقدارهم، قال: والجواب عن قصة هاروت وماروت أنها لم يرو فيها شيء لا سيقيم ولا صحيح عن رسول الله ﷺ، وعن قصة إبليس أن الأكثر ينفون أنه من الملائكة ويقولن إنه أبو الجن كما أن آدم أبو الإنس. انتهى.
وقال الصفوى الأرموى في رسالته: الملائكة معصومون والدليل عليه من وجه:
أحدها: قوله تعالى في وصفهم: (وَيفعَلُونَ ما يُؤمَرون) وقوله تعالى: (وَهُم بأَِمرِهِ يَعمَلُون) الأنبياء: ٢٧ وهما يتناولان فعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن النهي أمر بالترك، ولأنه سيق في معرض التمدح وهو إنما يحصل بمجموعها، وثانيها: قوله تعالى: (يُسَبِحونَ اللَيلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفتَرونَ) الأنبياء: ٢٠ وهو يفيد المبالغة التامة في الإشتغال بالعبادة وهو يفيد المطلوب، وثالثها: الملائكة رسل الله لقوله تعالى (جَاعِلُ المِلائِكَةِ رُسُلًا) فاطر: ١، والرسل معصومون لأنه تعالى قال في تعظيمهمك (اللَهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلٌ رِسالَتَهُ) الأنعام: ١٢٤ وهو يفيد المبالغة التامة في التعظيم، فيكونون أتقى الناس، احتج المخالف بقصة هاروت وماروت، وبقصة إبليس مع آدم وباعتراضهم على الله تعالى في خلق آدم بقولهم: (أتَجعَلُ فِيها مَن يُفسِدُ فِيها) " البقرة: ٣٠ " وجوابه على سبيل الإجمال: أن جميع ما ذكرتم محتمل احتمالا بعيدا وقريبا وعلى التقديرين لا يعارض ما دل على عصمتهم من الصرائح والظواهر، وهذا الجواب في قصة هاروت وماروت أقعد من الجواب الذي قبله لما تقدم عند ذكرهما من الأحاديث الصحيحة، وقال القرافي: ومن اعتقد في هاروت وماروت أنهما بأرض الهند يعذبان على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر، بل هم رسل الله وخاصته يجب تعظيمهم وتوقيرهم تنزيههم عن كل ما يخل بعظيم قدرهم، ومن لم يفعل ذلك وجب إراقة دمه، وقال البلقيني في منهج الأصوليين: العصمة واجبة لصفة النبوة
[ ٢٥٣ ]
من شتم ملكا من الملائكة فعليه القتل
والملائكية وجائزة لغيرهما، ومن وجبت له العصمة فلا يقع منه كبيرة ولا صغيرة ولذلك نعتقد عصمة الملائكة المرسلين منهم وغير المرسلين قال الله تعالى: (لا يَعصِمونَ اللَهَ ما أَمَرَهُم وَيَفعَلونَ ما يُؤمَرونَ) والايات في هذه المعنى كثيرة وإبليس لم يكن من الملائكة وإنما كان من الجن ففسق عن أمر ربه، وأما هاروت وماروت فلم يصح فيهما خبر. انتهى. وفي كتاب الجامع من المحلى لابن حزم: أن هاروت وماروت من الجن وليسا ملكين قلت: فإن صح هذا لم يحتج إلى الجواب عن قصتهما كما أن إبليس لم يكن من الملائكة، وإنما كان بينهم وهو من الجن ثم رأيت في عقيدة الإمام أبي منصور الماتريدي - وهو إمام الحنفية في الإعتقاديات كما ان الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام الشافعية في ذلك - مانصه: ثم إن الملائكة كلهم معصومون خلقوا للطاعة إلا هاروت وماروت. هذا لفظه، وهذه العقيدة شرحها القاضي تاج الدين السبكي يشرح في مجلد لطيف سماه " السيف المشهور عن شرح عقيدة الإمام أبي منصور (.
مسألة:
قال القاضي عياض في الشفا: قال سحنون: من شتم ملكا من الملائكة فعليه القتل، وقال أبا الحسن القابسي في الذي قال لآخر كأنه وجه مالك الغضبان: لو عرف أنه قصد ذم الملك قتل، قال القاضي عياض: وهذا فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة أو علىمعين ممن حققنا كونه من الملائكة ممن نص الله عليه في كتاب أو حققنا علمه بالخبر المتواتر، والمشتهر المتفق عليه بالإجماع القاطع، كجبريل وميكائيل ومالك وخزنة الجنة وجهنم والزبانية وحملة العرش وعزرائيل وإسرافيل ورضوان والحفظة ومنكر ونكير، فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه، ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة كهاروت وماروت، فليس الحكم فيهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه، إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة، وأما إنكار كونهما من الملائكة فإن كان المتكلم في
[ ٢٥٤ ]
لا يستصحب في الخلاء شيئا عليه إسم معظم
ذلك من أهل العلم فلا حرج لاختلاف العلماء في ذلك، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا، فإن عاد ادب، إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا، وقال القرافي: أعلم أنه يجب على كل مكلف تعظيم الأنبياء بأسرهم، وكذلك الملائكة ومن نال من أعراضهم شيئا فقد كفر، سواء كان بالتعريض أو بالتصريح، فمن قال في رجل يراه شديد البطش: هذا أقسى قلبا من مالك خازن النار، وقال في رجل رآه مشوه الخلق: هذا أوحش من منكر ونكير؛ فهو كافر إذا قال ذلك في معرض النقص بالوحاشة والقساوة، قلت: وما ذكر في هذه المسألة والتي قبلها من الأدلة القاطعة على تفضيل رسل الملائكة على الصحابة وأولياء البشر.
مسألة: قال إمام الحرمين والغزالي: لا يستصحب في الخلاء شيئا عليه إسم معظم، قال الإسنوى: فيدخل فيه أسماء جميع الأنبياء والملائكةن زاد الزركشي في الخادم: إذا صحت رسالتهم، قال: بخلاف إسم ولى، قلت: وهذا أيضا من الأدلة على ما أشرنا إليه.
مسألة:
قال النووي في الأذكار: أجمع من يعتد به على جواز الصلاة واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالا، وأما غيرهم فالجمهور على أنه لا يصلي عليهم ابتداء، فلا يقال أبو بكر ﷺ، واختلف في هذا المنع فقال بعض أصحابنا: هو حرام، والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهية تنزيه، قلت: وهذا أيضا من الأدلة على ما أشرنا إليه.
مسألة:
قال الشيخ عز الدين بن جماعة في شرح بدء الأمالي: المكلفون على ثلاثة أقسام، قسم كلف من أول الفطرة قطعا وهم الملائكة وآدم وحواء وقسم لم يكلف من أول الفطرة قطعا، وهم أولاد آدم، وقسم فيهم نزاع والظاهر أنهم مكلفون من أول الفطرة وهم الجان.
[ ٢٥٥ ]
انتهى.
وفي كتاب الفروع من كتب الحنابلة - وهو كتاب جليل كثير الفوائد - ما نصه: قال أبو حامد في كتابه: الجن كالإنس في التكليف والعبادات ومذاهب العلماء إخراج الملائكبة من التكليف والوعد والوعيد، وقال بعد ورقة: كشف العورة خاليا، من مسألة سترها عن الملائكة والجن: وظاهر كلامهم يجب عن الجن لأنهم مكلفون أجانب، وكذا عن الملائكة مع عدم تكليفهم، لأن الآدمي مكلف انتهى. والظاهر أن مراده إخراجهم عن التكليف بما كلفنا به، لا مطلقا وإلا فهم مكلفون قطعا كما تقدم في كلام ابن جماعة.
مسألة:
اختلف العلماء في بعثة النبي ﷺ إلى الملائكة على قولين أحدهما: أنه لم يكن مبعوثا إليهم، وبهذا جزم الحليمي والبيهقي من أصحابنا ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه العجائب والغرائب، ونقل البرهان النسفي والفخر الرازي في تفسيريهما الإجماع عليه، وجزم به من المتأخرين: الحافظ زين الدين العراقي في نكته على ابن الصلا، والشيخ جلال الدين المحلى في شرح جمع الجوامع، والقول الثاني: أنه كان مبعوثا إليهم ورجحه القاضي شرف الدين البارزي، والشيخ تقي الدين السبكي وهوالمختار، ولى فيه مؤلف يسمى " تزيين الأرائك في إرسال النبي ﷺ إلى الملائك " وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: وهل تدخل الملائكة في حد الصحابة؟ محل نظر، وقد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثا إليهم أولا؟ وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار التنزيل الإجماع على أنه ﷺ لم يكن مرسلا إلى الملائكة، ونزوع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلا إليهم، واحتج بأشياء يطول شرحها، وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى انتهى. وفي كتاب كشف الأسرار لابن العماد: حكاية أن آدم ﵇ أرسل إلى الملائكة لينبأهم بما علم من الأسماء.
[ ٢٥٦ ]
مسألة:
هل الجن مكلفون مثل الملائكة؟ قال السبكي في فتاويه: الجن مكلفون بشريعته ﷺ في أصل الإيمان وفي كل شيء، بخلاف الملائكة لا يلتزم بأن هذه التكاليف كلها ثابتة في حقهم إذا قيل بعموم الرسالة، بل يحتلم ذلك ويحتمل الرسالة في شيء خاص.
مسألة هل تحصل الجماعة بالملائكة كما تحصل ببني آدم؟
ذكر السبكي في الحلبيات: أن الجماعة تحصل بالملائكة كما تحصل ببني آدم، قال: وبعد أن قلت ذلك بحثا رأيته منقولا، ففي فتاوي الخياطي من أصحابنا: فيمن صلى في فضاء من الأرض بأذان وإقامة وكان منفردا ثم حلف أنه صلى بالجماعة هل يحنث أو لا؟ أجاب: بأنه يكون بارا في يمينه ولا كفارة عليه، لما روى أن النبي ﷺ قال:) من أذن وأقام في فضاء من الأرض وصلى وحده صلت الملائكة خلفه صفوفا (فإذا حلف على هذا المعنى لا يحنث، قال السبكي: وينبي على ذلك أن من ترك الجماعة لعذر - وقلنا: إنها فرض عين - هل نقول: يجب القضاء كمن صلى فاقد الطهورين؟ فإن كان كذلك فصلاة الملائكة إن قلنا بأنها كصلاة الآدميين وأنها تصير بها جماعة فقد قال: إنها تكفي لسقوط القضاء. انتهى. وفي الفروع من كتب الجنابلة: قال في النوادر: تنعقد الجماعة والجمعة بالملائكة ومسلمي الجن، وهو موجود زمن النبوة، وذكر أيضا عن أبي البقاء من أصحابنا كذا قالا، والمراد في الجمعة من لزمته كما هو ظاهر كلام أبي حامد المذكور، لأن المذهب لا تنعقد الجمعة الجمعة بآدمي لا تلزمه: كمسافر وصبي فهنا أولى، ثم ذكر حديث سلمان الفارسي مرفوعا وأثر سعيد ابن المسيب السابقين انتهى.
مسألة:
قال الرافعي: المصلى إن كان إماما يستحب أن ينوي
[ ٢٥٧ ]
الملائكة لم يعطوا فضيلة القرآن
بالتسليمة الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة ومسلمي الجن والإنس، وبالثانية السلام على من عن يساره منهم، والمأموم ينوي مثل ذلك، وأما لا منفرد فينوي بهما السلام على من عن جانبيه من الملائكة.
وعن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي قبل الظهر أربعا وبعدها أربعا، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن يتبعهم من المؤمنين: قلت: أخرجه أحمد والترمذي وحسنه بنحوه.
مسألة: قال ابن الصلاح في فتاويه: قد ورد أن الملائكة لم يعطوا فضيلة القرآن وهي حريصة لذلك على سماعه من الأنس.
مسألة:
قال الزركشي في أحكام المساجد: روى في حديث:) وعد هذا البيت أن يجحد كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا أكملهم الله بالملائكة (قال: وذكر ابن الصلاح: أن الكعبة منذ خلقت ما خلت من طائف يطوف بها من: جن أو إنس أو ملك.
مسألة:
قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب في باب الإستطابة: ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ويجوز ذلك في البنيان للحديث، ولأن الصحراء جلساء من الملائكة والجن يصلون فيستقبلهم بفرجة وليس ذلك في البنيان، وقال الرافعي: وسبب المنع في الصحراء فيما ذكره الأصحاب أن الصحراء لا تخلو من مصل من ملك أو جني أو إنسي، فربما وقع نظره على عورته، وأما في الأبنية فالحشوش لا يحضرها إلا الشياطين، ومن يصلي، فيكون خارجا عنها، فيحول البناء بينه وبين المصلي، وليس السبب مجرد احترام الكعبة، وقد نقل ما ذكروه عن ابن عمر وعن الشعبي، انتهى.
قلت روى البيهقي عن عيسى الحناط قال: قلت للشعبي: إني
[ ٢٥٨ ]
لأعجب من اختلاف أبي هريرة وابن عمر، قال نافع عن ابن عمر: دخلت بيت حفصة فحانت التفاتة فرأيت كيف رسول الله ﷺ مستقبل القبلة. وقال أبو هريرة: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. قال: صدقا جميعا؛ أما قول أبي هريرة فهو في الصحراء، إن لله عبادا ملائكة وجنا يصلون فلا يستقبلهم أحد يبول ولا غائط ولا يستدبرهم، وأما كتفهم هذه فإنما هي بيوت بينت لا قبلة فيها.
مسألة:
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: نقل القرطبي في المفهم عن بعض أهل العلم: أن لله تعالى ملكا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورا محسوسة فتارة تكون أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة، وتكونف ي الحالتين مبشرة ومنذرة قال القرطبي: ويحتاج فيما نقله عن الملك إلى توقيف من الشرع. انتهى.
وقال الإمام أبو بكر بن قورك في كتابه المسمى بالنظامي في مسألة: ان الله تعالى خالق واحد لا يجوز أن يكون خالق سواه، بعد أن استدل على ذلك بعدة أدلة: إني رأيت فيما يرى النائم حيث كنت أكتب هذه الأحرف وتركت الجزء من يدي ونمت ليلة الثلاثاء لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة قائلا يقول لي: لم لا تستدل في هذه المسألة بقوله تعالى: (الله الَّذي خلَقَكُم ثُمَّ رَزَقَكُم ثُمَّ يُمِيتُكُم ثُمَّ يُحيِيِكُم هَل مِن شُرَكائِكُم مِن يَفعَلُ مِن ذَلِكُم مِن شَيء سُبحانَهُ وَتَعالَى عَمَّا يُشرِكُونَ (الروم: ٤٠ ووجه الإستدلال من ذلك أن الله تعالى بين أن الرزق من عنده، والرزق كل شيء ينتفع به أو كل شيء يصل إلى العبد مما هو لا يستغني عنه، ويحصل به مما لا بد له منه، وجميع أكساب العبد داخله تحت هذا، وإن جميع ذلك أرزاق وهو من عند الله ويخلقها، وبين أن ليس لأحد أن يفعل من ذلك شيئا ولن يخلقه. أو لا خالق
[ ٢٥٩ ]
لذلك إلا الله، فعلمت أن خالق أكسابنا هو الله تعالى، وفيه وجه آخر من الإستدلال حيث قال: (الله الذي خلقكم) وقوله: خلقكم يقع على خلقه إيانا بصفاتنا، إذ لو لم يكن خلقنا بأوصافنا لقال: الله الذي خلق أجسامكم، فلما وقع الخلق علينا كما نحن علمنا أنه خلق أجسامنا وأوصفانا، ومن أوصافنا أكسابنا، فعلمت أن أكسابنا مخلوقة لله تعالى. قال ابن فورك: وهذا مما يمكن الإستدلال به على هذا الوجه الذي سمعت القائل يقوله، وما رأيت الإستدلال بهذه الآية في كتاب أحد من أصحابنا ولا سمعته، وغنما استفدته من هذه الرؤيا وذكرته على سبيل التبرك به فإنه من إلقاء الملك.
مسألة:
قال المهلب في حديث.
) الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه (معناه: أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم المرجو بركته، وقال ابن بطال: من كان كثير الذنوب وأراد أن يحطها عنه بغير تعب فليغنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة ليتكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته لقوله تعالى: (وَلاَ يَشفَعُونَ إِلاّ لِمَن اِرتَضَى) الأنبياء: ٢٨.
مسألة:
قال صاحب الفروع من الحنابلة: ظاهر كلام الأكثر أن غسل الميت لا يكفي من الملائكة، وفي الانتصار: يكفي إن علم، وكذا في تعليق القاضي، واحتج بغسلهم لحنظلة وبغسلهم لآدم ﵇
[ ٢٦٠ ]
ولم تأمر الملائكة ولده بإعادة غسله، وبأن سعدا لما مات أسرع ﵇ في المشي إليه فقيل له، فقال:) خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة (قال: فيدل أنها لو لم تغسل حنظلة لغسله، ولكن غسلها قام مقام غسله وأنها لو سبقت إلى سعد سقط فرض الغسل، وإلا لم يبادر لأنه كان يمكنه غسله بعد غسلهم له وكذا ذكره بمعناه صاحب المحرر وغيره.
مسألة:
قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: لا قدرة للجن على تغيير خلقهم والإنتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضربا من ضروب الأفعال إذا فعله وتكلم به نقله الله من صورة إلى صورة، فيقال: إنه قادر على التصوير والتخييل على معنى أنه قادر على قول إذا قاله وفعله نقله الله عن صورة إلى صورة إنما يكون بنقص البنية وتفريق الأجزاء وإذا انتقلت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل من الجملة وكيف تنقل نفسها قال: والقول في تشكيل الملائكة مثل ذلك، والذي ورد أن إبليس تصور في صورة سراقة وأن جبريل تمثل في صورة دحية محمول على ما ذكرنا، وهو أنه أقدره الله على قول قاله فنقله الله من صورة إلى صورة أخرى. انتهى.
وقال إمام الحرمين: نزول جبريل على النبي ﷺ في هيئة رجل معناه: أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعد.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: فإن قيل إذا أتى جبريل النبي ﷺ في صورة دحية أين تكون روحه أم في الجسد الذي
[ ٢٦١ ]
يشبه بجسد دحية فهل يموت الجسد الذي له ستمائة جناح كما تموت الأجساد إذا فارقها الأرواح؟ أم يبقى حيا خاليا من الروح المتنقلة بالجسد المشبه بجسد دحية؟ قلت: لا يبعد أن يكون إنتقالها من الجسد الأول غير موجب لموته لأن موت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا، وإنما هو بعادة مطردة أجراها الله في أرواح بني آدم فيبقى ذلك الجسد حيا لا ينقص من معارفه وطاعاته شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف الطير الخضر. انتهى.
وقال الشيخ سراج الدين البلقيني في كتابه الفيض الجاري على صحيح البخاري: يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي إلا انه انضم فصار على قدر هيئة الرجل وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثال ذلك: القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشا فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب.
وقال العلامة علاء الدين القونوي شارح الحاوي في كتاب الإعلام بإلمام الأرواح بعد الموت على الأجسام: قد كان جبريل ﵇ يتمثل في صورة دحية وتمثل لمريم بشرا سويا، وفي الممكن أن يخص بعض عباده في حال الحياة بخاصة لنفسه الملكية القدسية وقوة لها يقدر بها على التصرف في بدن آخر غير بدنها المعهود مع إستمرار تصرفها في الأول، وقد قيل في الأبدال أنهم سموا أبدالا لأنهم قد يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم الأول شبحا آخر شبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه، وقد أثبت الصوفية عالما متوسطا بين عالم الأجساد والأرواح، سموه عالم المثال، وقالوا هو ألطف من عالم الأجساد وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم المثال،
[ ٢٦٢ ]
وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: (فَتَمَثَلَ لَها بَشَرًا سَوِيًا) فتكون الروح الواحدة كروح جبريل مثلا في وقت واحد مدبرة لشبحه الأصلي ولهذا الشبح المثالي، وينحل بهذا ما قد اشتهر عن بعض الأئمة أنه سأل بعض الأكابر عن جسم جبريل فقال: أين كان يذهب جسمه الأول الذي يسد الأفق بأجنحته لما تراءى للنبي ﷺ في صورته الأصلية، عند إتيبانه إليه في صورة دحية؟ وقد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال كان يندمج بعضه في بعض إلى أن يصغر حجمه فيصير بقدر صورة دحية، ثم يعود وينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى، وما ذكره الصوفية أحسن ويجوز أن يكون جسمه الأول بحاله لم يتغير، وقد أقام الله له شبحا آخر وروحه متصرفة فيهما جميعا في وقت واحد. انتهى.
وقال العلامة شمس الدين بن القيم في كتاب الروح: للروح شأن غير شأن الأبدان، فتكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة ببدن الميت بحيث إذا سلم المسلم على صاحبها رد ﵇، وهي في مكانها هناك، وهذا جبريل رآه النبي ﷺ وله ستمائة جناح، منها جناحان سدا الأفق، وكان يدنو من النبي ﷺ حتى يضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه وقلوب المخلصين تتسع للإيمان بأن من الممكن أنه كان يدنو هذا الدنو، وهوفي مستقره من السموات، وفي الحديث في رؤية جبريل:) فرفعت رأسي فإذا جبريل صاف قدميه بين السماء والأرض يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فجعلت لا أصرف بصري إلى ناحية إلا رأيته كذلك (وإنما يأتي الغلط هنا من قياس الغائب على الشاهد، فيعتقد ا، الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا شغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره، وهذا غلط محض. انتهى.
مسألة:
قال الشيخ محيي الدين بن عربي الصوفي في المحكم:
[ ٢٦٣ ]
الملك إذا تطور يتمثل بمثالية في أي صورة شاء، وتحكم عليه الصورة وتجري عليه أحكامها وإذا تكلم فلا يتكلم إلا بما يليق بتلك الصورة، وهو باق على نزاهته ومازال عن حضرة روحانيته، والإنسان إذا تطور ظهر بأي صورة شاء ولا تحكم عليه الصورة، وإذا تكلم من تلك الصورة تكلم بأي لغة شاء وهو باق على حقيقة إنسانيته لأنه مفطور على الصورة، والجني إذا تمثل يتمثل بحقيقته وتحكم عليه الصورة وتجري عليه أحكامها لكن إذا قتلت تلك الصورة مات معها بكليته. انتهى.
مسألة:
قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله: روى أن لله ملكا يملأ ثلث الكون وملكا يملأ ثلثي الكون وملكا يملأ الكون كله، قال: فإذا كان هذا الملك يملأ الكون فأين يكون الملكان الآخران؟ قال: والجواب أن اللطائف لا تتزاحم، ونظيره إذا دخل في البيت سراج فإن ضوءه يملأ البيت فإذا دخل فيه سراج ثان وأكثر فإن الأنوار لا تتزاحم.
مسألة:
قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولا ينكحون، وأما الجن فإنهم يأكلون ويشربون ولا ينكحون، وأما الإنس فإنهم يأكلون ويشربون وينكحون ويتوالدون.
مسألة:
سئلت قديما عن الملائكة هل ينامون؟ فأجبت: بأني لم أر فيه نقلا وظاهر قوله تعالى: (يُسَبِحُونَ اللَيلَ وَالنَهارَ لاَ يَفتَرونَ) الأنبياء: ٢٠ أنهم لا ينامون ثم رأيته منقولا في كلام الإمام فخر الدين.
مسألة:
سئل الصفار من أئمة الحنفية، هل يحشر ملك الموت كما تحشر الملائكة؟ قال: نعم، قيل له: ألا يخاف الناس منه؟ قال: لا لأن الله تعالى قال (اُدخُلوها بِسلامٍ آَمِنينَ) الحجر: ٤٦ من الموت والزوال، و(لاَ يَذُوقُونَ فِيها المَوتَ إِلاّ المَوتَةَ الأُولَى) الدخان: ٥٦.
مسألة:
سئل الصفار أيضا: أتكون الملائكة في الجنة؟ قال: نعم
[ ٢٦٤ ]
إنهم موحدون، وبعضهم يطوفون حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وبعضهم يبلغون السلام من الله تعالى على المؤمنين كما قال تعالى: (يَدخَلونَ عَلَيهِم مِن كُلِ بابٍ، سَلامُ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبى الَدار) الرعد: ٢٣، ٢٤.
مسألة:
سئل الصفار أيضا: الملائكة هل يرون ربهم؟ فقال: اعتماد والدي الشهيد أنهم لا يرون ربهم سوى جبريل، فإنه يرى ربه مرة واحدة، ولا يرى بعده أبدا، وسئل إذا كانوا موحدين لم لا يرون ربهم؟ قال: إن الرؤية فضل الله، والله يؤتى فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم. انتهى.
قلت: هذا ذكره أيضا أبو الحسن الهروى من الحنفية في أرجوزته كما تقم، وذكره من أئمتنا الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ولكن الأرجح أنهم يرونه فقد نص عليه إمام أهل السنة والجماعة الشيخ أبو الحسن الأشعري فقال له في كتابه الإبانة في أصول الديانة ما نصه: أفضل لذات الجنة رؤية الله تعالى ثم رؤية نبيه ﷺ، فل١لك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقربين وجماعته المؤمنين والصديقين النظر إلى وجهه ﷿. انتهى.
وقد تابعه على ذلك البيهقي فقال: باب ما جاء في رؤية الملائكة ربهم ثم أخرج الحديث السابق أول الكتاب مرفوعا، والأثر السابق أول جامع أخبار الملائكة عن ابن عمرو موقوفا، وله حكم الرفع، وممن قال برؤية الملائكة ربهم من المتأخرين شمس الدين بن القيم وقاضى القضاة جلال الدين البلقيني، وهو الأرجح بلا شك.
مسألة:
اخرج سعيد بن منصور في سننه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن أبي مجلز
[ ٢٦٥ ]
في قوله تعالى: (وَعَلى الأَعرافِ رِجالُ) الأعراف: ٤٦ قال: من الملائكة قيل: يا أبا مجلز الله تعالى يقول: رجال وأنت تقول: الملائكة قال: إنهم ذكورا ليسوا بإناث، وقال الحليمي في المنهاج ثم القونوي في مختصره: وقد قيل إن أصحاب الأعراف ملائكة يحبون أهل الجنة ويبكتون أهل النار، وهو بعيد لوجهين: أحدهما قوله تعالى (وَعَلى الأَعرافِ رِجالُ) والرجال: الذكور العقلاء، والملائكة لا ينقسمون إلى ذكور وإناث، والثاني إخباره تعالى عنهم وأنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة، ولالمائكة غير محجوبين عنها كيف والحيلولة بين الطامع وطمعه تعذيب له ولا عذاب يومئذ على ملك. انتهى.
مسألة:
قال الحليمي ثم القونوى: والجن كالإنس في السؤال نوالحساب ودخول الجنة والنار، ويحتمل أن لا يكون بينهما في الجنة مخالطة تقتضي تجاورهما بل يكونون فيها كما كانوا في الدنيا وهو اللائق بنعيمها لما في تجاور الأضداد ومخالطة بعضهم لبعض من الوحشة المنغصة، ومما يقتضي التضاد بينهما كون الجن مخلوقين من النار والإنس من الماء والتراب، وأما الملائكة فالأشبه أنلا يكتب لهم عملن إذ الملك هو الذي يكتب فكان يحتاج كل ملك إلى آخر، ولا يحاسبون أيضا إذ لا سيئات لهم، وليسوا بأدنى رتبة ممن لا يحاسب من البشر، وأما الإثابة فقد قيل إنهم يثابون برفع التكليف عنهم إذ ليسوا من أهل المطاعم والمشارب والمناكح ليوردوا موارد بني آدم من الجنة، ويحتمل أن يكون لهموراء وضع التكليف عنهم نعمة أخرى أعدها الله لهم ولا تبلغها عقولنا.
فإنه تعالى يقول:) أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين
[ ٢٦٦ ]
رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (انتهى.
مسألة:
قال الحليمي ثم القونوي: وأما طي السموات فيحتمل أن تطويها الملائكة إذا وهت وانشقت طيا شديدا كما يطوى المكتوب فيه الحكم المبرم مبالغة في صيانته عن أن ينشر ولذلك قال تعالى: (بِيَمينِهِ) الزمر: ٦٧ لإشعار اليمين بالقوة فضرب مثلا لشدة الطي، وكلما طويت سماء نزلت ملائكتها إلى الأرض قال تعالى: (وَيَومَ تَشَقَقُ السَماءُ بِالغَمام وَنُزِلَ المَلائِكَةُ تَنزيلًا) الفرقان: ٢٥ والناس يرون الملائكة يومئذ لقوله تعاىل: (يَومَ يَرونَ المَلائِكَةَ لا بُشرى يَومَئِذٍ لِلمُجرِمين) الفرقان: ٢٢ انتهى.
قلت: أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن جرير عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلق بصعيد واحد جنهم وإنسهم، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض فزعوا منهم، ثم تقاض السماء الثانية، ولأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، ثم تقاض السموات سماء سماء كلما قيضت سماء عن أهلها
[ ٢٦٧ ]
كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف حتى تقاض السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سموات ومن جميع أهل الأرض بضعف.
مسألة:
قال الحليمي ثم القونوي: اعترض بعض الزنادقة على كتابة الملائكة الأعمال وقبضهم الأرواح بأنكم رويتم أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة، ولا تصحب رفقة فيها كلب أو جرس، وأنتم تتلون: (قُل يَتَوفاكُم مَلَكُ المَوتِ الذي وُكِلَ بِكُم) السجدة: ١١ فينبغي أن لا يموت من عنده كلب أو صورة أو جرس، ولا يكتب عمله، وإذا دخل أحد الخلاء فهل يدخل الكرام الكاتبون معه أم لا؟ وأين يجلسون؟ وعلى ماذا؟ وبماذا يكتبون؟
والجواب أن الحديث محمول على انهم لا يدخلون بيتا فيه شيء من ذلك دخول إكرام لصاحبه ودعاء له وتريك عليه، ولا يمنع ذلك من دخولهم لكتابة الأعمال وقبض الأرواح ومثل هذا غير مستنكر فيما بيننا فإن فساد صاحب المنزل يمنع من دخول صلحاء الناس منزله مؤاخين له ومترددين إليه، ولا يمنعهم من أن يدخلوه منكرين عليه ومغيرين أو مطالبين له بحق لزمه، والكلب فيه شيئان مباينان لاختيار الأخيار، أحدهما انه سبع عاد، والآخر انه نجس لا يأمن أن ينجس إناء أو بساطا او طعاما من حيث لا يشعر به صاحبه أو يشعر، والمصور يضاهي بتصويره خلق الله تعالى وهذا عظيم، ولذلك كان المصورون أشد الناس عذابا يوم القيامة على ما ورد في الخبر، والملائكة أخوف لله تعالى من أن يصبروا على مثله، فلذلك ينصرفون عن بيت فيه الصورة.
وأما الجرس فيقال: إن الجن تميل إليه وتجتمع عليه، وفي الإبل مشاكلة للجن، وفي الحديث: إنها خلقت من الجن، ومن ذلك نفارها في
[ ٢٦٨ ]
كثير من الأوقات بلا سبب ظاهر فإنما يحمل ذلك على أن الشياطين تعرض لها فتشهر بها، فكان تعليق الأجراس عليها كاستدعاء الشياطين وتأكيد سبب حضورهم فمن آثر لنفسه حضور أعداء الله تعالى أواعتقد حراسته في سفره بالجن أو الكلب، كان حقيقا بأن لا يقيض الله تعالى لحراسته ملائكته وأولياءه، لكن هذا لا يمنع الموكلين به من كتابة عمله، بل هو في حال المعصية أولى بالتضييق عليه من حال الطاعة، وأما السؤال عن دخول الكاتبين الخلاء، فجوابه أنا لانعلم، ولا يقدح عدم علمنا بذلك في ديننا، وجملة القول فيه أنهما إن كانا مأمورين بالدخول دخلا، وإن أكرمهما الله عن ذلك وأطلعهما على ما يكون من الداخل مما سبيلهما أن يكتبا فهما على ما يؤمران به والله أعلم.
وأما مكان جلوسهما فقد قال الله تعالى: (عَنِ اليَمينِ وَعَنِ الشِمالِ قَعِيد) ق: ١٧ أي عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، ويحتمل أن يكون المراد حقيقة القعود أو ما استعير له اسم القعود والله أعلم بحالهما في ذلك.
وأما أنهما ماذا وعلى ماذا يكتبان فلاعلم لنا بذلك إلا أنهما يكتبان على شيء يحتمل الطي والنشر لقوله تعالى: (وَنُخرج لَهُ يَومَ القِيامَةِ كِتابًا يَلقاهُ مَنشورًا) الإسراء: ١٣ والذي خلقهم وخلق غيرهم لا يعجز أن يخلق لهم سوى الأوراق والجلود وسائر ما يكتب الناس عليه غيرهم لا يعجز أن يخلق لهم سوى الأوراق والجلود وسائر مايكتب الناس عليه شيئا يكتبون عليه، إما بقلم يخلقه لهم سوى هذه الأقلام أو بشيء آخر بمداد اوغير مداد والله أعلم بحقيقة ذلك. انتهى.
قلت: أما حديث) لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (فقال الخطابي: المراد بالملائكة: الذين ينزلون بالرحمة والبركة لا الحفظة فإنهم لا يفارقون، وأما دخول الكاتبين الخلاء فقد تقدم حديث زيد بن ثابت مرفوعا:) إن معكم من لا يفارقكم في نوم ويقظة إلا حين يأتي أحدكم أهله أو حين يأتي خلاءه (.
[ ٢٦٩ ]
وحديث ابن عباس مرفوعا:) استحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات: الغائط والجنابة والغسل (.
وأثر مجاهد: يجتنب الملك الإنسان في موطنين عند غائطه وعند جماعه.
وأثر عطاء: لا تشهد الملائكة وأنت على خلائك. ولهذين الأثرين حكم الرفع، وهذا صريح في أنهما لا يدخلان الخلاء.
وفي مقدمة أبي الليث من كتب الحنفية: أن أبا بكر ﵁ كان إذا أراد أن يدخل الخلاء فرش رداءه، وقال: أيها الملكان الحافظان على، اجلسا ههنا فإني عاهدت الله تعالى أن لا أتكلم في الخلاء.
ولا يحضرني الآن من خرجه، وأما مكان جلوسهما وبماذا يكتبان؟ فقد تقدم حديث:) إن الله تعالى لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما (والناجذان أقص الأضراس.
وحديث:) نقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجلس الملكين الكريمين الحافظين وإن مدادهما الريق وقلمهما اللسان (وقول سفيان: ملكان بين نابي الإنسان.
وتقدم عن علي: لسان الإنسان قلم الملك وريقه مداده.
ولهذا الموقوف حكم الرفع، فإن أخذ متأول يؤول كون اللسان قلمهما علىأن المراد أنه سبب الكتابة فكان آلتهما لأنهما يكتبان ما يلفظ به؛ فالجواب
[ ٢٧٠ ]
من وجهين: أحدهما: ان الكتابة لاتختص بالأقوال فإنهما يكتبان الأفعال والإعتقادات والنبات، والثاني: أن هذا التأويل وإن تاتي في اللسان على بعد، فإنه لا يتأتى في كون الريق مدادهما كما هو ظاهر، وأما على ماذا يكتبان فلم يرد فيه حديث ولا أثر، ولكن في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة المنسوبة للغزالي: أن صحيفة المؤمن ورقة ورد، وأن صحيفة الكافر ورقة سدر والله أعلم.
مسألة:
قال القرطبي في التذكرة: قيل كيف يخاطب منكر ونكير جميع الموتى في الأماكن المتباعدة في الوقت الواحد؟
فالجواب: أن عظم جثتهما يقتضي ذلك، فيخاطبان الخلق الكثير في الجهة الواحدة في المرة الواحدة مخاطبة واحدة، بحيث يخيل لكل واحد من المخاطبين أنه المخاطب دون من سواه ويمنعه الله من سماع جواب بقية الموتى انتهى. وقال الحليمي في المنهاج: والذي يشبه أن يكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرا وبعضهم نكيرا، فيبعث إلى كل ميت اثنان منهم كما كان الموكل عليه لكتابة أعماله ملكين انتهى.
مسألة:
رؤية الملائكة الآن ممكنة، كرامة يتكرم الله بها على من يشاء من أوليائه، نص على ذلك الإمام الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال، وتلميذه القاضي أبو بكر ابن العربي أحد أئمة المالكية في كتاب قانون التأويل، والقرطبي في التذكرة وغيرهم، ووقع ذلك لجماعة من الصحابة، وقد بسطت الكلام على ذلك في كتاب " تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك ".
مسألة:
أخرج الحاكم في المستدرك عن ابنعباس قال: قال لي النبي ﷺ لما رأيت جبريل:) لم يره خلق إلا عمى، إلا أن يكون نبيا،
[ ٢٧١ ]
سئلت
ولك أن تجعل ذلك في آخر عمرك (وقد وقع ذلك لجماعة من الصحابة رأوه كابن عباس وعائشة وزيد ابن أرقم وقد رآه خلق منهم لما جاء يسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان ولم يحصل لهم ذلك، فالظاهر أن المراد من رآه منفردا به على وجه الكرامة وأما رؤيتهم له حال مجيئه للسؤال فكانت على العموم لم يختص بها أحد دون أحد.
مسألة:
سئلت: هل تموت الملائكة بنفخة الصعق ويحيون بنفخة البعث؟
والجواب: نعم، قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصَورِ فَصَعِقَ مَن فَي السَمَواتِ وَمَن فَي الأَرضِ إِلا مَن شاءَ الله) الزمر: ٦٨ وتقدم في أول الكتاب حديث:
أن المستثنى حملة العرش وجبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وأنهم يموتون على أثر ذلك.
وتقدم عن وهب أن هؤلاء الأملاك الأربعة أول من خلقهم الله من الخلق وآخر من يميتهم وأول من يحييهم.
وفي حديث الصور الذي أخرجه أبو يعلى في مسنده وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:) ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فيقول ملك الموت: قد مات أهل السماء والأرض إلا من شئت، فيقو لاله - وهو أعلم: فمن بقى؟ فيقول: أي رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل وبقيت أنا، فيقول الله: فليمت جبريل وميكائيل، فيموتان ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله:
[ ٢٧٢ ]
فلتمت حملة العرش، فيموتون ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار، فيقول: رب قد مات حملة عرشك، فيقول - وهو أعلم: فمن بقى؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت، فيموت إلى أن قال: ثم يأمر الله السماء أن تمطر أربعين يوما ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله تعالى: لتحى حملة عرشي فيحبون ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحيا جبريل وميكائيل فيحييان ثم يدعو الله بالأرواح فيلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فينفخ فتخرج الأرواح كأنها النحل، فيقول الله: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأجساد (الحديث.
وسئلت: هل ورد أن أرواحهم بعد الموت تكون في مقر مخصوص كما ورد في بنى آدم؟
ولم أقف على شيء في ذلك.
وسئلت: هل يكونون مع بني آدم عند القيام لرب العالمين؟
والجواب: نعم وقد تقدم قريبا في حديث الحارث بن أبي أسامة عن ابن عباس، وورد أنهم في الموقف يحيطون بالإنس والجن وجميع الخلائق.
أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه قرأ (وَيَومَ تَشَقَقُ السَماءُ بِالغَمامِ وَنُزِلَ المَلائِكَةُ تَنزِيلا) الفرقان: ٢٥ قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد والجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق،
[ ٢٧٣ ]
فتشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق، ثم ينزل أهل السماء الثانية وهم أكثر من أهل سماء الدنيا وأهل الأرض.. الحديث.
- وسئلت: هل يحاسبون وهل توزن أعمالهم؟
وقد تقدم في كلام الحليمي أن الأشبه أن لا يكتب لهم عمل ولا يحاسبون، وذلك يقتضي أنه لا توزن أعمالهم، لأن الوزن فرع عن الحساب وعن كتابة الأعمال فإن الصحف هي التي توضع في الميزان.
- وسئلت: هل يشفعون في العصاة من بني آدم كما يشفع اللعماء والصلحاء؟
والجواب: نعم قال الله: (وَلا يَشفَعونَ إِلا لِمَن اِرتضى) الأنبياء: ٢٨ وقال: (وَكَم مِن مَلَكِ في السَمَواتِ لا تُغني شَفاعَتُهُم شَيئا إِلا مِن بَعدِ أن يَأذَنَ اللَهُ لِمَن يَشاءُ وَيَرضى) النجم: ٢٦.
- وسئلت: هل قول من قال إنهم في دار الجنة تسمى دار الخلد والجلال له أصل في الحديث أم لا؟
والجواب: لم أقف لذلك على أصل في الحديث.
- وسئلت: هل يراهم المؤمنون في الجنة عند سلامهم عليهم أم لا يرونهم؟
والجواب: نعم يرونهم.
- وسئلت: أيهما أفضل جبريل أو إسرافيل؟
والجواب: لم أقف على نقل في ذلك لأحد من العلماء، والآثار المتقدمة متعارضة.
فحديث الطبراني عن ابن عباس مرفوعا:) ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل (.
وأثر وهب: أن أدنى الملائكة من الله جبريل ثم ميكائيل يدل على تفضيل جبريل.
وحديث ابن مسعود مرفوعا:) إن أقرب الخلق من الله إسرافيل (.
[ ٢٧٤ ]
لطيفة:
وحديث ابن مسعود مرفوعا:) إسرافيل صاحب الصور وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره (.
وحديث عائشة مرفوعا:) إسرافِيل ملك الله ليس دونه شيء (.
وأثر كعب: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل إلى آخره.
وأثر أبي بكر الهذلي ليس شيء من الخلق أقرب إلى الله من إسرافيل إلى آخره.
وحديث ابن أبي جبلة بسنده: أول من يدعي يوم القيامة إسرافيل، إلى آخره.
وأثر ابن سابط: يدبر أمر الدنيا أربعة جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى أن قال: وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر وملك الموت.
وأثر خالد بن أبي عمران: وإسرافيل بمنزلة الحاجب، وما شاكل ذلك يدل على تفضيل إسرافيل.
مسألة:
ذكر الإمام أبو منصور الماتريدي في عقيدته: أن الرسل أوحى إليهم بجبريل، والأنبياء أوحى إليهم بملك آخر.
فائدة:
رأيت في بعض المجاميع عن جعفر بن محمد قال: ريح الملائكة ريح الورد، وريح الأنبياء ريح السفرجل. ولم أقف له على سند.
لطيفة: رأيت في مجموع لأبي الحسين أحمد بن أبي الحسن على بن الزبير قال: شهد رجل عند الحارث بن مسكين، فقال له الحارث: ما إسمك؟ فقال جبريل، قال: لقد ضاقت عليك أسماء بني
[ ٢٧٥ ]
آدم حتى تسميت بأسماء الملائكة، فقال له الرجل: كما ضاقت عليك الأسماء حتى تسميت بإسم الشيطان فإن إسمه الحارث.
[ ٢٧٦ ]
قال الشيخ كمال الدين بن الزملكاني في كتابه المسمى (تحقيق الأولى من أهل الرفيق الأعلى) قد أطلق الإمام فخر الدين الرازي القول بأن الملائكة رسل الله، واحتج عليه بقوله تعالى (جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا) فاطر: ١ واعترض عليه بقوله تعالى (إِنّ اللَهَ يَصطَفي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس) الحج: ٧٥ وأجاب عنه بأن من النبيين؛ لا للتبعيض، وفي كلام غيره من العلماء منهم القاضي عياش وغيره ما يدل على أن منهم الرسل ومنهم من ليس برسول، قال: وكلام فخر الدين الرازي في المطالب العالية يقتضي ترتيبهم على درجات، قال: واعلم أن الله تعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم، أما الأصناف فأعلاهم درجة حملة العرش، والمرتبة الثانية الحافون بالعرش، والمرتبة الثالثة أكابر الملائكة: منهم جبريل وإسرافيل وعزرائيل، القسم الرابع ملائكة الجنة، القسم الخامس الموكلون ببني آدم، القسم السادس الملائكة لتخصيصهما بالذكر في قوله تعالى: (مَن كانَ عَدوًا لِلِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبريلَ وَميكائيل) البقرة: ٩٨ وأن جبريل أفضل من ميكائيل لأن الله قدمه في الذكر على ميكائيل وسببه أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء والعلم، وميكائيل صاحب الأرزاق؛ والخيرات النفسانية أفضل من الخيرات الجسمانية، ولأنه سمى روح القدس ولأنه ينصر أولياء الله ويقهر أعداء الله، وقال الراغب: كل نوع من الملائكة له مقام كما قال تعالى حكاية عنهم: (وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعلوم) الصافات: ١٦٤ وهم على القول المجمل ثلاثة أضرب: ضرب إليهم تدبير الأجرام السماوية، وضرب إليهم تدبير الأركان الهوائية، وضرب إليهم تدبير الأمور الأرضيةن وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله (فَالمُدَبِراتِ أمرا) النازعات: ٥ فالذين إليهم تدبير الأجرام السماوية هم المقربون المعنيون بقوله تعالى (لَن يَستَنكِفَ المَسيحُ أَن يَكونَ عَبدًا لِلِه وَلا المَلائِكَة المُقَرَبون) النساء: ١٧٢ وقال بعضهم: سبعة: إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت ورضوان ومالك وروح القدس، وأما الضرب الذين إليهم تدبير الأركان الهوائية كالذي يأتي بصوت الرعد والذي يزجي السحاب، والضرب الذي إليهم تدبير الأرض كالملك الذي يأتي الجنين فينفخ فيه الروح، وكالحفظة، والرقيب والعتيد، والمعقبات في قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِباتُ مِن بَينَ يَديهِ وَمِن خَلفِهِ) الرعد: ١١.
انتهى ذلك والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب والحمد لله رب العالمين.
تم الكتاب بحمد الملك الوهاب
على يد أفقر العباد
سليمان ابن الشيخ عبد الجواد الطويل العمر
في ثاني محرم سنة تسعين بعد الألف.
[ ٢٦٨ ]