في مسائل فرعية جاءت في رسالة البوعصامي العامي
قال محمد تقي الدين: ليس علينا أن نجيب عن المسائل الفرعية التي ذكرها المفتون الفتان، لأنه لا يجوز له الإفتاء والانتقاد لأنه: عامي، جاهل، مقلد، كما تقدم في الفصل الثاني. ولكننا نتبرع بالجواب عن تلك المسائل رغبة في إفادة من يقرأ هذا الكتاب.
المسألة الأولى: وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة.
قال مالك في الموطأ: ««وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة» حدثني يحيى عن عبد الله بن أبي المخارق البصري أنه قال: «من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر، وتأخير السحور» .
وحدثني عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهيل بن
[ ٦٥ ]
سعد أنه قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينهى عن ذلك»» . انتهى.
قال محمد تقي الدين: ألف الإمام مالك ﵀ كتاب الموطأ ودرسه ستين سنة وتواتر عنه كل ما فيه. فكل قول ينسب إليه خلاف ما في الموطأ فإما أن يتفق الرواة عنه لذلك القول وإما أن يختلفوا عنه، فإن اتفقوا وذلك محال فرواية الموطأ مقدمة على اتفاقهم، لأن رواته أكثر وأحفظ ولأنه كتبه بيده، وهو متواتر عنه. فيرد كل ما خالفه وأما إذا اختلفوا فلا يحل لأحد أن ينسب إليه شيئًا مما اختلفوا فيه إلا إذا عرف التاريخ. فحينئذ يمكنه أن ينسب إليه آخر القولين أو الأقوال وحينئذ تتعارض تلك الرواية مع ما في الموطأ إن كانت مخالفة له فتسقط، ويقدم عليها ما في الموطأ.
والآن نذكر ما قال الأئمة في المسألة:
عن وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ «رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر ثم التحف بثوبه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فركع، فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه» . رواه أحمد ومسلم.
وفي رواية لأحمد وأبي داود: «ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ
[ ٦٦ ]
والساعد» .
وعن ابن مسعود أنه «كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى» . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
قال الشوكاني في النيل: «جاء عن النبي ﷺ في وضع اليمنى على اليسرى عشرون حديثًا عن ثمانية عشر صحابيًا وتابعيًا» .
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «قال أبو عمر: «لم يرد فيه خلاف عن النبي ﷺ يعني لم يرو أحد عن النبي ﷺ سدل اليدين لا في حديث صحيح ولا ضعيف» .
قال صاحب كتاب «المتوني والبتار»: «فإن وضع اليمين على الشمال في الصلوات كلها فرضًا ونفلًا هو مذهب مالك وقوله الذي لم يقل غيره ولا نقل أحد عنه سواه وهو المذكور في الموطأ الذي ألفه بيده وقرئ عليه طول عمره ورواه عنه الآلاف من تلامذته وأصحابه، واستدل عليه بالحديث الصحيح الذي نقله عنه رواة الفقه وحملته من أصحابه المدنيين كمطرف بن عبد الله وعبد الملك ابن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشوني وعبد الله بن نافع المخزومي وأصحابه المصريين كأشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن عبد الحكم وأصحابه العراقيين كمحمد بن عمر الواقدي وغيره، وهو مقتضى رواية على بن زياد التونسي عن أصحابه القيروانيين وهو الذي نقله ابن المنذر الإمام
[ ٦٧ ]
الحافظ الذي تصدر لنقل المذاهب بالأسانيد الصحيحة والطرق المتعددة عن الأئمة المجتهدين، وهو الذي لم ترد السنة المطهرة والأحاديث النبوية إلا به عن سيد المرسلين ﷺ وعلى آله الطاهرين» أ. هـ.
قال محمد تقي الدين: قد تبين لك أن مذهب النبي ﷺ ومذهب مالك هو وضع اليمنى على اليسرى بلا شك، وليس مقصودنا أن ثبوت هذه السنة ومشروعيتها لجميع المسلمين يتوقف على رواية مالك لها أو عمله بها فإن الذي أوجب الله على جميع المسلمين قبل وجود مالك وفي زمان صباه وجهله وفي زمان علمه وإمامته هو اتباع رسول الله ﷺ وهو الواجب على جميع المسلمين إلى يوم القيامة ولم يجعل الله حجة على أحد من الناس – رجلًا بعينه – إلا رجلًا واحدًا، هو محمد رسول الله، فمن اتبعه نجا وإن لم يسمع بمذهب أصلًا، ومن خالفه هلك وشقي ولا ينقذه زعمه أنه يتمسك بمذهب مالك لأن مالكًا قد تبرأ منه كما تقدم في كلام ابن عبد البر.
ومالك وغيره من أئمة أهل السنة ينقلون لنا سنة رسول الله ﷺ فنقلناها منهم إذا صحت بالقبول ونعمل بها ونترحم عليهم ولا نفضل أحدًا منهم على أحد، والذي نسأل عنه في قبورنا وفي الحشر هو محمد رسول الله ﷺ وإنما سقنا
[ ٦٨ ]
رواية وضع اليمنى على اليسرى عن مالك وأصحابه ليتبين جهل المفتون وجهل متبوعه «الجكني» المبتدع.
والعجب من «البوعصامي» العامي، بل العمي، كيف تجرأ وزعم أن الحديث الثاني من حديث الموطأ منسوخ، فهذا افتراء لم يسبقه إليه أحد إلا «الجكني» وهما كاذبان خاطئان فلعنة الله على الكاذبين.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح الحديث المشار إليه «كان الناس يؤمرون»: «هذا حكمه حكم الحديث المرفوع لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي ﷺ، قال البيهقي: لا خلاف في ذلك بين أهل النقل، قال النووي في شرح مسلم: وهذا حديث صحيح مرفوع» .
وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: «إذا لم تستح فافعل ما شئت» وما أحسن قول الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالي
فلا والله ما في العيش خير
ولم تستح فاصنع ما تشاء
ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
ولو أن هذا العامي العمي رجع إلى حاشية ابن الحاج على «ميارة الصغير» لوجد فيها بعد حكاياه الفاسدة الكاسدة المتناقضة التي تكره العمل بسنة النبي ﷺ وهي المكروهة، لوجد فيها ما نصه:
وفي القبض ثلاثة أقوال أخر:
[ ٦٩ ]
أحدها: الاستجابة مطلقًا وهو قول مالك في رواية مطرف وابن الماجشون عنه في «الواضحة» وقول المدنيين من أصحابنا واختاره غير واحد من المحققين كاللخمي وابن العربي وابن عبد البر وابن رشد وابن عبد السلام، وعده ابن رشد في المقدمات من فضائل الصلاة، وتبعه عياض في قواعده ونسبه في الإكمال للجمهور، وبه قال أئمة المذاهب: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وسفيان الثوري وإسحاق بن راهوية وأبو ثور وداود بن علي وأبو جعفر الطبري وغيرهم.
الثاني: إباحة القبض فيهما، وهو قول مالك في سماع العرينيين وقول أشهب في رسم شك في طوافه من سماع ابن ابن القاسم من جامع العتبية.
الثالث: منعه فيهما حكاه الباجي، وتبعه ابن عرفة وهو من الشذوذ بمكان، قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد المسناوي في رسالة في القبض: «وإذا تقرر الخلاف في أصل القبض كما ترى وجب الرجوع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ وقد وجدنا سنة رسول الله ﷺ قد حكمت
[ ٧٠ ]
بمطلوبية القبض في الصلاة بشهادة ما في الموطأ والصحيحين وغيرهما من الأحاديث السالمة من الطعن، فالواجب الانتهاء إليها والوقوف عندها والقول بمقتضاها» أ. هـ.
المسألة الثانية: قراءة البسملة في أول سورة الفاتحة وأول كل سورة في الصلاة.
أنقل الجواب من كتابي «المنح السانحة في تفسير سورة الفاتحة»: «القول الصحيح الراجح الذي ينبغي لكل مسلم يحتاط لدينه ويتبع الرسول ﷺ بريئًا من العصبية الجاهلية، وهي الاحتجاج بعمل الآباء والأجداد، أن يقرأ البسملة مع الفاتحة في كل ركعة، يجهر بها في الجهرية ويسر بها في السرية. وسأقتصر على ما يشفي ويكفي من الأدلة لأنها كثيرة جدًا يضيق الوقت عن استيفائها.
البسملة آية من الفاتحة، ومن كل سورة في القرآن على الراجح
أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة، وفي رواية انقضاء السورة، حتى ينزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم» وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين، وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية وفي إسناده عمر بن هروة البلخي وفيه
[ ٧١ ]
ضعف، وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين، فاقرؤوا «بسم الله الرحمن الرحيم» فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المساني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها» (١)، وقال إسناد رجاله كلهم ثقات، ورواه البخاري في التاريخ. قال البيهقي: «أحسن ما احتج به أصحابنا في أن البسملة من القرآن وأنها من فواتح السور سوى براءة ما رويناه من جمع الصحابة كتاب الله ﷿ في المصاحف وأنهم كتبوا فيها البسملة على رأس كل سورة سوى براءة، فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن، وقد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يعد البسملة آية من الفاتحة ويقول: «انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن»، رواه الشافعي.
الاختلاف في الجهر بها في الصلاة
كما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة، وقد أخرج النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ»، وصححه الدارقطني
_________________
(١) قال راقمه: لم أجد هذا الحديث بهذا اللفظ و«السبع المساني» وظاهرها أنها تصحيف وإنما هي «السبع المثاني» واللفظ الذي وجدته هو عن أبي هريرة في سنن الدارقطني هو قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحداها» ولم يقل الدارقطني: إسناد رجاله كلهم ثقات.
[ ٧٢ ]
والخطيب والبيهقي وغيرهم، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الترمذي: وليس إسناده بذلك، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال صحيح، وأخرجه البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: «كانت قراءته مدًا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم» .
وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين» وقال الدارقطني: «إسناده صحيح وبهذا قال من الصحابة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين فمن بعدهم سعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاووس ومجاهد وعلي بن الحسين وسالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم ومكحول وغيرهم» . انتهى من فتح البيان للإمام صديق حسن القنوجي.
[ ٧٣ ]
قال محمد الطالب بن حمدون بن الحجاج (١) في حاشيته على شرح «ميارة الصغير» على منظومة ابن عاشر: «وذكر ابن عرفة في البسملة أربعة أقوال، فقال: «وفي كراهة البسملة واستحبابها في الفرض ووجوبها أربع لا بأس بها، (٢) وابن رشد عن ابن مسلمة والمازري عن ابن نافع مع عياض عن ابن مسلمة وأبي عمرو عن نافع والورع قراءتها للخروج من الخلاف قاله القرافي وغيره، وكان المازري يبسمل سرًا فقيل له في ذلك فقال: مذهب مالك قولًا واحدًا على أن من يبسمل بطلت صلاته وصلاة يتفقان على صحتها خير من صلاة يقول أحدهما ببطلانها.
أقول: ومثل هذا يقال في الفاتحة بالنسبة للمأموم، فإن مذهب الشافعي والبخاري وجماعة من التابعين قولًا واحدًا على أن من ترك ولو حرفًا منها ولو في ركعة واحدة بطلت صلاته، ومذهب مالك قولًا واحدًا على أن من قرأها خلف الإمام لم تبطل صلاته، وصلاة يتفق الأئمة على صحتها خير من صلاة يقول بعضهم ببطلانها، وإلى مشروعية قراءتها خلف الإمام ذهب بعض المالكية» .
_________________
(١) قال راقمه: هنا كتبت «الحجاج» وفي مكان قبله «الحاج» والله أعلم.
(٢) قال راقمه: يظهر أن في الكلام حذفًا ولعل الصواب: «قاله وابن رشد» .
[ ٧٤ ]
المسألة الثالثة: قراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الموتى بدعة.
قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى﴾ (١) «ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿أن لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٢) أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله منها أحد كما قال: ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾ (٣) و﴿أن ليس للإنسان إلى ما سعى﴾ أي كما لا يحمل عليها وزر غيرها كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه.
ومن هذه الآية استنبط الشافعي ﵀ ومن تبعه أن القراءة لا يحصل ثواب إهدائها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع
_________________
(١) النجم: ٣٩، ٤٠.
(٢) النجم: ٣٨.
(٣) فاطر: ١٨.
[ ٧٥ ]
الأقيسة والآراء. فأما الدعاء والصدقة فمجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به»، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه»، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ (١) الآية. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا من سعيه وعمله وثبت في الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء»، وقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى﴾ أي يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ (٢) أي فيخبركم به ويجزيكم عليه الجزاء الأوفى أي الأوفر» انتهى.
_________________
(١) يس: ١٢.
(٢) التوبة: ١٠٥.
[ ٧٦ ]
قال محمد تقي الدين: ومن ذلك تعلم أن ما زعمه «البوعصامي» العامي من أن عمر ﵁ أوصى بقراءة الفاتحة وخاتمة البقرة (كذا) وعزاه إلى «المشارق» (١) كذب وافتراء على عمر، وحقه أن يعزى إلى المغارب لا إلى المشارق لبطلانه فهو غارب وليس بشارق. فمن رواه؟ وأين إسناده؟ ومن صححه أو حسنه؟، وهل كتاب المشارق على فرض صحة نسبته إليه قرآن لا يحتاج إلى سنده، أو أحد الصحيحين، أو أحد الكتب الستة وما يقاربها؟، فهذا يكون الإفلاس والالتجاء إلى بنيان الطريق.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
------------------
يقولون أقوالًا ولا يعلمونها إذا قيل هاتوا حققوا ولم يحققوا
﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (٢) ثم وقفت على الأثر الذي عزاه «البوعصامي» إلى عمر بن الخطاب جهلًا منه أو ممن نقل عنه، وجدته مرويًا عن عبد الله بن عمر، رواه الخلال في جامعه بإسنادين كلاهما يدور على عبد الرحمن
_________________
(١) قال راقمه: لعله كتاب «مشارق الأنوار» وهو إما لابن العربي المالكي أو لـ الباجي الأندلسي.
(٢) الأنعام: ٢٤٥.
[ ٧٧ ]
بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه عن عبد الله بن عمر أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها.
قال في الهدي النبوي: «عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج شامي عن أبيه ما روى عنه سوى مبشر بن إسماعيل الحلبي، وفي هذا الإسناد أيضًا الحسن بن أحمد بن الحكم دعي بالوراق لملازمته محمد بن إسماعيل الوراق، لا يعرف وقد روى عن محمد بن إسماعيل هذا خبرًا منكرًا متنه: «اليمين الفاجرة تعقم الرحم» وفي إسناده أيضًا محمد بن قدامة الجوهري اللؤلؤي أبو جعفر البغدادي قال ابن معين: ليس بشيء وقال أبو داود: ضعيف لم أكتب عنه شيئًا» .
أقول: ومن ذلك تعلم أن هذا الأثر لا يصح عن ابن عمر، ولو فرضنا صحته فليس فيه حجة لأن قول الصحابي الواحد أو فعله ليس بحجة وإن لم يخالف الإجماع والسنة، فكيف وقد خالفهما.
والاقتداء بالنبي ﷺ في أفعاله وأقواله وتروكه فرض على كل مسلم في الأوامر والتروك. أما في الأفعال فإن لم يكن من خصائصه ﷺ فهو سنة يثاب من فعله ولا يأثم من تركه، أما الأوامر والتروك فلا يسع أحد مخالفتها، ومن فعل التروك فقد ابتدع في دين الله، فهو في النار بنص حديث رسول الله ﷺ، والعبادات لا مجال فيها للرأي والقياس، وإنما تؤخذ من هدي رسول الله ﷺ وقد تقدم الكلام
[ ٧٨ ]
على ذلك في الفصل الثالث.
وقال الإمام الحافظ شمس الدين ابن القيم في كتاب «الروح»: «وفي النسائي وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي ﷺ أنه قال: «اقرؤوا «يس» على موتاكم»» .
قال في الهدي: حديث معقل بن يسار المزني، رواه أيضًا أبو داود وابن ماجة وأحمد ولفظه «يس قلب القرآن. لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم» ورواه أيضًا ابن حبان وصححه وأعله ابن القطان بالاضطراب وبكونه موقوفًا على معقل بن يسار، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه المذكورين في الإسناد وقد رأيت الذهبي يحمل الحكم عليه بما يلي: «أبو عثمان يقال: اسمه سعد عن أبيه معقل بن يسار المزني بحديث «اقرؤوا يس على موتاكم» لا يعرف أبوه ولا هو، ولا روى عنه سليمان التيمي» وجاء في التهذيب (ج ١٢ ص ١٦٥) «اسمه هرم بن نسيب وقيل هرم بن نصيب (١») وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث، ولذلك كره مالك وأصحابه قراءة القرآن عند الميت وبعد موته وعلى قبره وهو الحق.
والكراهة هنا كراهة تحريم لأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة حرام فعلها. وعلى تقدير ثبوته فالمراد به
_________________
(١) قال راقمه: في الحسام الماحق: بن هرم نصيب.
[ ٧٩ ]
من حضره الموت لا من مات وقضى نحبه.
قال ابن القيم عقب إيراد الحديث المتقدم الذكر: «وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر.
والأول أظهر لوجوه:
الأول: أنه نظير قوله «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» .
والثاني: انتفاع المحتضر بهذه السورة، لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات بقوله: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ (١) فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء الله ويحب الله لقاءها، فإن هذه السورة قلب القرآن ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر، وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي قال: كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين، وقضى.
الثالث: أن هذا علم الناس وعادتهم قديمًا وحديثًا يقرؤون «يس» عند المحتضر.
_________________
(١) يس: ٢٦، ٢٧.
[ ٨٠ ]
الرابع: أن الصحابة لو فهموا من قوله ﷺ: «اقرؤوا على موتاكم» قراءتها، لما أخلوا بها وكان ذلك أمرًا معتادًا مشهورًا بينهم.
الخامس: أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل انقطع عن الميت» وقال في زاد المعاد: «ولم يكن من هديه ﷺ أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة» وقال القاسمي في تفسيره: «﴿أن لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ أي لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها، بل كل آثمة فإن إثمها عليها، وقال القاشاني: لأن العقاب يترتب على أفعال مظلمة رسخت في النقص بتكرار الأباطيل والأقاويل السيئة التي هي الذنوب، وكذلك الثواب إنما يترتب على أضدادها من فعل الفضائل كما قال تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ أي إلا سعيه وكسبه» .
تنبيهات
الأول: قال ابن جرير: «إنما عنى بقوله: ﴿أن لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ الذي ضمن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة يقول: ألم يخبر قائل هذا القول
[ ٨١ ]
وضامن هذا الضمان بالذي في صحف موسى وإبراهيم: مكتوب لا تأثم آثمة إثم أخرى غيرها، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. أي وأنه لا يجازى عامل إلا بعمله خيرًا كان أم شرًا» انتهى.
وظاهر السياق يشعر بنزول الآيات ردًا على ما كانوا يتخرصونه ويتمنونه ويتحكمون فيه على الغيب لجاجًا وجهلًا، ومع ذلك مفهومها الشمولي جلي.
الثاني: قال السيوطي في الإكليل: «استدل به على عدم دخول النيابة في العبادات عن الحي والميت، واستدل به الشافعي على أن ثواب القراءة لا يلحق الأموات.
قال خليل في مختصره عاطفًا على المكروهات: وقراءة عند موته وبعده وعلى قبره. قال الزرقاني: لأن القصد بزيارته تدبر ما وقع له وما هو فيه، والقراءة يطلب فيها التدبر ولا يجتمع التدبران غالبًا. قال بناني: ونص التوضيح في باب الحج: مذهب مالك كراهة القراءة على القبر، ونقله ابن جمرة في شرح مختصر البخاري، وعلله بمثل ما تقدم عن الزرقاني، ثم قال بناني: فقول الزرقاني أن الأمر صريح في الكراهة مطلقًا» .
أقول: وتحمل الكراهة هنا على كراهة التحريم وهو مقتضى شدة مالك وتمسكه بالسنة وإنكاره للبدعة وغلظته على المبتدعين كما تقدم عنه.
[ ٨٢ ]
المسألة الرابعة: التأمين والجهر به
قال محمد تقي الدين: إعلم أن التأمين في الصلاة عند نهاية الفاتحة فرض على كل مصل سرًا وجهرًا في الجهرية لقول النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» أخرجه البخاري في صحيحه من حديث مالك بن الحويرث، وقد روى الأئمة في التأمين سبعة عشر حديثًا وثلاثة آثار أقتصر على ذكر بعضها:
١- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمَّن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» .
٢- عن ابن شهاب: «كان رسول الله ﷺ يقول: آمين» روى (١) الجماعة إلا أن الترمذي لم يذكر قول ابن شهاب.
٣- وفي رواية: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا آمين، فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه أحمد والنسائي.
٤- عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول» . رواه أبو داود وابن ماجة وقال: «حتى يسمعها الصف الأول فيرتج
_________________
(١) قال راقمه: كذا في «الحسام الماحق» ولعل الصواب: رواه.
[ ٨٣ ]
بها المسجد» .
٥- عن وائل بن حجر قال: «سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، فقال آمين يمد بها صوته» . رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
قال الشوكاني في «نيل الأوطار على منتقى الأخبار» بعد ذكر الأحاديث الواردة في هذا الباب ما نصه: «وقوله «فقال: آمين يمد بها صوته» والحديث يدل على مشروعية التأمين للإمام والجهر ومد الصوت به.. قال الترمذي وبه قال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيه وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحق، واستدلوا على مشروعية الجهر به بحديث عائشة مرفوعًا عند أحمد وابن ماجة والطبراني بلفظ: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين»، وحديث ابن عباس عند ابن ماجة بلفظ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين، فأكثروا من قول آمين»» .
وقال محمد تقي الدين: وذهب مالك إلى أن الإمام لا يؤمن في الجهرية؛ إذ لم يبلغه شيء من تلك الأحاديث فله أجر واحد ولا لوم عليه، وإنما اللوم والإثم على من بلغه حديث رسول الله ﷺ في غاية الوضوح والصحة وعمل به
[ ٨٤ ]
الصحابة والتابعون وأكثر الأئمة المجتهدين، ثم ركب رأسه وتعمد معصية الرسول ﷺ ولم يقتصر على ذلك حتى أخذ ينهى الناس عن اتباع سنة رسول الله، ويكتب ذلك من بلد إلى بلد ولم يقتصر على إضلال من عنده من الناس، فهكذا تكون الجرأة والوقاحة وقلة الحياء من الله ومن الناس.
يا ليت لي من جلد وجهك رقعة فأقد منها حافرًا للأدهم
المسألة الخامسة: نسبة السدل إلى الإمام الشافعي.
أقول: إن الشافعي وأتباعه كلهم يضعون أيمانهم على شمائلهم من زمانه إلى يومنا هذا. يعرف ذلك ويشهد به العلماء والعامة حتى صبيان المدارس الابتدائية، فكيف تجرد هذا «البوعصامي» من كل علم وعقل وأتى بهذه الكذبة الفظيعة التي يجزيه الله عنها في الدنيا والآخرة إن لم يتب، ونحن نسوق كلام الشافعي ليتبين كذب هذا المفتون وافتراءه على الأئمة كما افترى على الله.
قال المزني في مختصر لكتاب «الأم» ما لفظه: «قال الشافعي: وإذا أحرم إمامًا أو وحده نوى صلاته في حال التكبير لا قبله ولا بعده ولا يجزئه إلا قوله، الله أكبر أو الله الأكبر، فإن لم يحسن بالعربية كبر بلسانه، وكذلك الذكر وعليه أن يتعلم، ولا يكبر إن كان إمامًا حتى تستوي
[ ٨٥ ]
الصفوف خلفه ويرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه، ويأخذ كوعه الأيسر بكفه اليمنى ويجعلها تحت صدره» انتهى.
المسألة السادسة: التوسل بالمخلوق.
اعلم أن التوسل هو ابتغاء الوسيلة أي السبب الموصل إلى المطلوب قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (١) وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه. إن عذاب ربك كان محذورا﴾ (٢) والمراد بالتوسل إلى الله تعالى: الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله تعالى كما في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري من حديث أبي هريرة.
_________________
(١) المائدة: ٣٥.
(٢) الإسراء: ٥٧.
[ ٨٦ ]
فالإقسام على الله بالمخلوق حرام، وهو جهل من فاعله لأن هذا المقسم إما أن يقسم بأجسام المخلوقين وذلك جهل وضلال وباطل، إذ لا يتقرب إلى الله بأجسام عباده، إذ لا علاقة لأجسامهم بما يريده الله من ذلك التوسل، وهو الإيمان والأعمال الصالحة.
وإما أن يتوسل إلى الله بأعمالهم فهو جهل أيضًا وضلال؛ لأن أعمالهم لهم، لا يصل إليه منها شيء إلا ما أذن الله فيه كالدعاء، وأعماله له، لا يصل إليهم منها شيء إلا ما خصص كالدعاء والصدقة بشرطهما إذا صنعا بقصد إيصال الخير إلى من مات موحدًا لله ومتبعًا للرسول ﷺ ولا يجوز الدعاء ولا الصدقة على من مات مشركًا بالله.
ويتوسل إلى الله تعالى أيضًا بأسمائه الحسنى؛ قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾ (١) .
وأما التوسل إلى الله تعالى بالعمل المتعلق بالنبي ﷺ وأصحابه وسائر المؤمنين إذا كان مشروعًا فهو من خير الوسائل، فمن توسل إلى الله تعالى بمحبة النبي ﷺ وطاعته واتباعه وتوقيره والدفاع عن سنته وتعظيم ما جاء به
_________________
(١) الأعراف: ١٨٠.
[ ٨٧ ]
فقد أحسن وهو جدير بالقبول، وكذلك التوسل بمحبة المؤمنين وإعانتهم وقضاء حاجاتهم والإحسان إليهم والدفاع عنهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم فذلك من أفضل الأعمال عند الله وفي تلك الحال يكون الإنسان متوسلًا إلى الله بعمله، وقد علمنا النبي ﷺ أن نتوسل إليه بأعمالنا كما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فتوسل كل واحد منهم إلى الله فاستجاب الله دعاءهم ولم يقل لنا أقسموا على الله بنبي أو ملك أو صالح.
قال العلامة المحقق بشير السهسواني في كتابه «صيانة الإنسان» بعد ما ذكر أنواع التوسل المشروعة ص ٢٠١، وقد أشرت إلى بعضها فيما سبق: «والسابع أن يقول: اللهم أسألك بحق فلان عبدك أو بجاهه أو حرمته أو نحو ذلك، فعن العز بن عبد السلام ومن تبعه عدم الجواز إلا بالنبي ﷺ، وعند الحنابلة في أصح القولين أنه مكروه كراهة تحريم، ونقل القدوري وغيره من الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به.
وفي جميع متونهم أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت والمشعر الحرام مكروه كراهة تحريم، وهو كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد. وعللوا ذلك كلهم بقولهم: إنه لا حق لمخلوق على الخالق»
[ ٨٨ ]
ثم قال في صفحة ٢٠٥: «قال ابن بلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله إلا به ولا يقول أسألك بملائكتك أو بأنبيائك أو نحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق على خالقه» .
ثم في صفحة ٢٠٦: «الثامن: أن يسأل الله ويدعوه عند قبور الصالحين معتقدًا أن الدعاء عند القبور مستجاب ونقل الحافظ أحمد بن عبد الحليم الحرّاني في المبسوط وهو من أشهر كتب المالكية الكبرى عن الإمام مالك ﵀ كراهة التوسل بالمخلوق، يعني بذوات الأنبياء والصالحين ونقل ذلك في كتاب التوسل والوسيلة له، وأدعية الكتاب والسنة الصحيحة ليس فيها توسل إلا بأسماء الله الحسنى وصفاته والعمل الصالح، ففيها غنية عن الأدعية المبتدعة التي تنحو منحى الشرك
والوثنية» .
[ ٨٩ ]
توسل عمر بالعباس
قال السهسواني في ص ٢٠٧: «المراد بالاستسقاء بالعباس والتوسل به الوارد في حديث أنس هو الاستسقاء بدعاء العباس على طريقة معهودة في الشرع وهي أن يخرج بمن يستسقي به إلى المصلى فيستسقي، ويستقبل القبلة داعيًا ويحول رداءه ويصلي ركعتين أو نحوه من هيئات الاستسقاء التي وردت في الصحاح، والدليل عليه قول عمر: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»، ففي هذا القول دلالة واضحة على أن التوسل بالعباس كان مثل توسلهم بالنبي ﷺ والتوسل بالنبي ﷺ لم يكن إلا بأن يخرج النبي ﷺ ويستقبل القبلة ويحول رداءه ويصلي ركعتين أو نحوه من الهيئات الثابتة للاستسقاء، ولم يرد في حديث ضعيف فضلًا عن الحسن أو الصحيح أن الناس طلبوا السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما بغير ما ثبت بالأحاديث ومن يدعي وروده فعليه
الإثبات.
إذا ثبت هذا فاعلم أن الاستسقاء والتوسل على الهيئات التي وردت في الصحاح للاستسقاء لا يمكن إلا بالحي لا بالميت، فالقول بإمكان الاستسقاء بالنبي ﷺ من أبطل الأباطيل» انتهى.
[ ٩٠ ]
عمل أهل المدينة
اعلم أنه لا حجة إلا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (١) أما الإجماع فهو داخل فيهما إذ لا بد له من دليل منهما أو من أحدهما، وكذلك القياس عند من يقول به لا بد أن يكون مبنيًا على دليل من الكتاب والسنة، ولا حجة في إجماع أهل بلد من البلدان عند جماهير الأئمة، واختلف المالكية في عمل أهل المدينة فأنكره بعضهم وأثبته بعضهم مطلقًا، والمحققون منهم فصلوا فقالوا: إن كان في المنقولات وكان في زمن الصحابة والتابعين، وكذلك في الأمور العملية كالمد والصاع مثلًا، وعدم زكاة الخضر فهو مقدم على خبر الواحد، لأن نقل جماعة مقدم على نقل واحد، لأنه حينئذٍ من قبيل الشاذ، أما في الاجتهادات فخبر الواحد مقدم عليه، وإذا لم يوجد خبره فهل يحتج به قولًا، انظر إعلام الموقعين ونصه: «قال القاضي عبد الوهاب: وقد اختلف أصحابنا فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل
_________________
(١) النساء: ٥٩.
[ ٩١ ]
المدينة من طريق النقل، ولا يرجح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر.
وهذا قول أبي بكر وأبي يعقوب الرازي والقاضي أبي بكر ابن منتاب والطيالسي والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي بكر الأبهري، وأنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك، ولأحد أصحابه» انتهى.
أقول: وتقديم القاضي عبد الوهاب لهذا القول يقتضي أنه الراجح عنده، وقد أسرف الجهال في الاحتجاج بعمل أهل المدينة، ولم يميزوا المسائل التي ورد أنها من عمل أهل المدينة وهي المسائل التي لم يرد فيها شيء، غاية الأمر أن مالكًا قد قال فيها قولًا باجتهاده وليس بمعصوم، إذ المعصوم واحد هو رسول الله ﷺ على أن المتبعين لرسول الله ﷺ وللصحابة والتابعين هم المتبعون لمالك في الحقيقة لأن مالكًا نهى عن اتباع قوله، إذا خالف الدليل، فمن اتبعه في تلك الحال فقد عصى الله ورسوله وعصى مالكًا نفسه وأطاع الشيطان.
وسأورد هنا مسائل خالف فيها مالك نفسه أهل المدينة والمنقول المحقق عن الصحابة والتابعين مع قيام الدليل على صحته، وأورد بعض المسائل التي عمل بها النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ومالك نفسه، ثم تركها بعض المنتسبين إلى مذهبه اعتمادًا على بعض الأقوال الضعيفة السخيفة
[ ٩٢ ]
المنقولة عن مالك هم ادعوا أن مالكًا ترك العمل بذلك لمخالفته لعمل أهل المدينة.
المسألة الأولى: رفع اليدين عند الركوع والرفع منه
رواه مالك في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ولا شك أنه عمل به لأن مقامه أجل من أن يروي عن النبي ﷺ حديثًا صحيحًا ولا يعمل به، ولم يقل في الموطأ أن العمل على خلافه كما قال ذلك في حديث: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» .
قال ابن القيم في «الإعلام»: «انظر إلى العمل في زمان رسول الله ﷺ والصحابة خلفه، وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه، ثم العمل في زمان الصحابة بعده حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حصبه وهو عمل كأنه رأي عين.
وجمهور التابعين يعمل به في المدينة وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم ثم صار العمل بخلافه» .
قال محمد تقي الدين: فعبد الله بن عمر هو إمام أهل المدينة في آخر زمان الصحابة وفي وسط زمان التابعين، وقد علمت أنه كان يعاقب من لا يرفع يديه يرميه بالحصباء، فلا شك أنه كان يعتقده فرضًا إذ لا عقاب على ترك مستحب،
[ ٩٣ ]
ولو سئل سفيه آخر الزمان لماذا لا ترفع يديك عند الركوع والرفع منه، لقال قلدت في ذلك مالكًا فقد نقل لي أنه كان لا يرفع، فإن قيل له هذا كتابه الموطأ الذي ألفه بيده ودرسه ستين سنة ليس فيه إلا الرفع. يقول: لا عمل على الموطأ، فلعل مالكًا رواه عن النبي ﷺ وترك العمل به لأنه خلاف عمل أهل المدينة، فقال له: كذبت فعمل النبي ﷺ وعمل أهل المدينة في أفضل عصورها الرفع.
المسألة الثانية: دعاء الاستفتاح بعد التكبير
قال ابن القيم في الإعلام: «فانظر العمل في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلى النبي ﷺ وعمل الصحابة به، ثم ترك العمل به في زمان مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير دعاء ولا تعوذ» .
أقول: فهذا عمل أهل المدينة، جهر به الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله ﷺ وقد صح الحديث عن النبي ﷺ بذلك، وفي الأزمنة المتأخرة نسب مالك إلى تركه، فعصى المقلدون الله ورسوله وعمر بن الخطاب وأصحاب رسول الله ﷺ والتابعين وعمل أهل المدينة المحقق في أفضل عصورها، وتركوا دعاء الاستفتاح والتعوذ والبسملة.
[ ٩٤ ]
المسألة الثالثة: العمل بخيار المجلس
قال ابن القيم: «انظر العمل في زمان الصحابة كعبد الله بن عمر في اعتبار خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد، ولا يخالفه في ذلك صحابي، ثم العمل به في زمان التابعين وإمامهم وعالمهم سعيد بن المسيب يعمل به ويفتي به ولا ينكره عليه منكر، ثم صار العمل في زمان ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك.
روى مالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار»، قال مالك: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه» .
قال السيوطي في شرح الموطأ: «قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ وأنه أثبت ما نقل العدول، وأكثرهم استعملوه وجعلوه أصلًا من أصول الدين في البيوع ورده مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، ولا أعلم أحدًا رده غير هؤلاء.
قال بعض المالكيين: دفعه مالك لإجماع أهل المدينة، وذلك عنده أقوى من خبر الواحد، وقال بعضهم لا تصح هذه الدعوى لأن سعيد بن المسيب وبن
[ ٩٥ ]
شهاب روي عنهما منصوصًا العمل به، وهما أجل فقهاء أهل المدينة، ولم يرو عن أحد من أهل المدينة نصًا ترك العمل به إلا عن مالك وربيعة، وقد كان ابن أبي ذئب وهو من فقهاء أهل المدينة في عصر مالك، ينكر على مالك اختياره ترك العمل به حتى جرى منه في مالك قول خشن حمله عليه الغضب لما يستحسن مثله منه، فكيف يصح لأحد أن يدعي إجماع أهل المدينة عليه في هذه المسألة» انتهى.
قال محمد تقي الدين: خيار المجلس ثابت عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين في المدينة فنحن نعمل به ونرد كلام مالك وشيخه ربيعة ومحتسب المدينة في ذلك الزمان سليمان بن بلال، وقد ثبت لك أن عمل أهل المدينة لا يستقر على حال بل يختلف باختلاف الأزمنة والولاة فلا يحل لأحد أن يرد حديث النبي ﷺ وعمل الصحابة والتابعين من أهل المدينة وغيرهم لعمل ثلاثة رجال جاءوا من بعدهم ولم يأمرنا الله باتباعهم، حتى ولو لم يخالفوا حديث النبي ﷺ وعمل أهل المدينة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم في عصر مالك كالإمام ابن أبي ذئب، ولو شئت أن أنقل مسائل أخرى من هذا القبيل، لضاق المقام على نقلها، وفيما ذكرته كفاية لمن يعرف الرجال بالحق، أما من يعرف الحق بالرجال فهو ضال مضل فلا كلام معه.
[ ٩٦ ]
وصية النبي ﷺ أن يطلب الاستغفار من أويس القرني
قال محمد تقي الدين: وأي حجة لهذا المفتون في هذا الخبر فإننا نبيح طلب الدعاء من الحي سواء أكان الطالب أعلى من المطلوب منه الدعاء مرتبة أو مساويًا أو أدنى منه، فمثال الأعلى: طلب النبي ﷺ الدعاء من عمر حين استأذنه في العمرة، وطلب عمر الدعاء من أويس، وعمر أعلى منه بدرجات لا تحصى. بل أمرنا الله ورسوله ﷺ أن نصلي على النبي ﷺ ونسأل له الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة، والصلاة دعاء للنبي ﷺ وهذه حجة على المفتون. إذ لو كان الدعاء يطلب من الملائكة أو الأنبياء في حياتهم البرزخية، أو الصحابة أو الصالحين والشهداء لما طلب عمر الدعاء من أويس، وكذلك استسقاء عمر بالعباس حجة على الخصم؛ لأن العباس كان حيًا وقد صلى معهم صلاة الاستسقاء وسأل الله، فلم يستسق عمر بجسم العباس وإنما استسقى بدعاء العباس، ولم يستسق بالنبي ﷺ لا هو ولا غيره من الصحابة بعد وفاته ﵊، وهو إجماع تركي، والإجماع على الترك حجة كالإجماع على العمل إذا ثبت بشرطه، فإيراده للخبرين بحثٌ عن حتفه بظلفه،
[ ٩٧ ]
يخربون بيوتهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وأما زعمه أنهم كانوا يأخذون تراب حمزة للتبرك فهذا كلام فاسد لفظًا ومعنى. فمن هؤلاء الذين يأخذون التراب للتبرك؟ ولِمَ لم يذكرهم المفتون؟ وما معنى تراب حمزة؟ تراب مزرعته؟ أو تراب
قبره؟ .
الذي يقتضيه حال من ينصر الشرك وعبادة القبور أنه يريد به تراب قبره ولكنه لم يذكره، وإذا كان التبرك بالأتربة جائزًا فكيف تركوا تراب قبر حمزة؟ وفي أي زمان كان ذلك؟ .
أما في زمان الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين فحاشاهم من ذلك. كيف وقد تقدم عنهم من حماية حمى التوحيد بإخفاء مدفن «دانيال» وقطع شجرة بيعة الرضوان، ما يعلي الله به درجاتهم ويبرئهم من كل مشرك منافق، وإن كان يريد أهل الأزمنة المتأخرة فقد كانت على قبر حمزة قبة عظيمة، وكان الناس يحجون إليها في كل سنة من الآفاق حتى من مصر، فاتخذوها وثنًا، فأراد الله تعالى أن يطهر قبر حمزة سيد الشهداء من رجسهم فوفق المجاهدين من رجال حزبه المفلحين فهدموها وقلعوا الرخام حتى صار القبر كما كان على عهد رسول الله ﷺ وعلى ذلك فما كان يمكن لأحد أن يأخذ ترابًا من القبر إن لم يكن هنالك
[ ٩٨ ]
تراب، وإنما كان هناك رخام وتابوت وستور حرير كما هو شأن أهل الأوثان في أوثانهم، وأما بعد هدمها فلا يتجرأ مشرك من عبدة القبور أن يأخذ ترابًا منه لأن من تجرأ على ذلك يعاقب أشد العقاب، والعجب من هذا المفتون كيف لم يستح أن يذكر هذا الخبر الكاذب المفترى دون أن يعزوه إلى أحد أو يذكر مستنده ولكن من خذله الله وأراد فضيحته فلن تملك له من الله شيئا.
(بدعة قراءة القرآن جماعة بنغمة واحدة)
اعلم أن الاجتماع لقراءة القرآن في المسجد في غير أوقات الصلاة مشروع لقول النبي ﷺ في غير أوقات الصلاة مشروع لقول النبي ﷺ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» . رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
لكن الاجتماع لقراءة القرآن الموافقة لسنة النبي ﷺ وعمل السلف الصالح أن يقرأ أحد القوم والباقون يسمعون، ومن عرض له شك في معنى الآية استوقف القارئ، وتكلم من يحسن الكلام في تفسيرها حتى ينجلي تفسيرها، ويتضح
[ ٩٩ ]
للحاضرين، ثم يستأنف القارئ القراءة. هكذا كان الأمر في زمان النبي ﷺ وبعده إلى يومنا هذا في جميع البلاد الإسلامية ما عدا بلاد المغرب في العصر الأخير، فقد وضع لهم أحد المغاربة ويسمى «عبد الله الهبطي» وقفًا محدثًا ليتمكنوا به من قراءة القرآن جماعة بنغمة واحدة، فنشأ عن ذلك بدعة القراءة جماعة بأصوات مجتمعة على نغمة واحدة وهي بدعة قبيحة تشتمل على مفاسد كثيرة:
الأولى: أنها محدثة وقد قال النبي ﷺ: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» .
الثانية: عدم الإنصات فلا ينصت أحد منهم إلى الآخر، بل يجهر بعضهم على بعض بالقرآن، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك بقوله: «كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن، ولا يؤذ بعضكم بعضًا» .
الثالثة: أن اضطرار القارئ إلى التنفس واستمرار رفقائه في القراءة يجعله يقطع القرآن ويترك فقرات كثيرة فتفوته كلمات في لحظات تنفسه، وذلك محرم بلا ريب.
الرابعة: أنه يتنفس في المد المتصل مثل: جاء، وشاء، وأنبياء، وآمنوا، وما أشبه ذلك فيقطع الكلمة الواحدة نصفين،
[ ١٠٠ ]
ولا شك في أن ذلك محرم وخارج عن آداب القراءة، وقد نص أئمة القراءة على تحريم ما هو دون ذلك، وهو الجمع بين الوقف والوصل، كتسكين باء «لا ريب» ووصلها بقوله تعالى: ﴿فيه هدى﴾ قال الشيخ التهامي بن الطيب في نصوصه:
الجمع بين الوصل والوقف حرام نص عليه غير عالم همام
الخامسة: أن في ذلك تشبهًا بأهل الكتاب في صلواتهم في كنائسهم، فواحدة من هذه المفاسد تكفي لتحريم ذلك، والطامة الكبرى أنه يستحيل التدبر في مثل تلك القراءة وقد زجر الله عن ذلك بقوله في سورة محمد: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ ونحن نشاهد معظم من يقرأ على تلك القراءة لا يتدبر القرآن ولا ينتفع به، وتا الله لقد شاهدت قراء القرآن على القبر فلم يتعظوا بمشاهدته ولا برؤية القبور ولا بما يقرؤونه من القرآن، فقبح الله قومًا هذا حالهم «وبعدًا للقوم الظالمين» .
قال أبو إسحاق الشاطبي في «الاعتصام»: «واعلموا أنه حيث قلنا: إن العمل الزائد على المشروع يصير وصفًا له أو كالوصف فإنما يعتبر بأحد أمور ثلاثة: إما بالقصد، وإما
[ ١٠١ ]
بالعبادة، وإما بالزيادة أو بالنقصان.
إما بالعبادة كالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان، فإن بينه وبين الذكر المشروع بونًا بعيدًا إذ هما كالمضادين عادة، وكالذين حكى عنهم ابن وضاح عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: «مر عبد الله برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا عشرا وهللوا عشرا، فقال عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب محمد ﷺ أو أضل؟ بل هذا «يعني أضل»» .
وفي رواية عنه: أن رجلًا كان يجمع الناس فيقول: ﵀ من قال كذا وكذا مرة «الحمد لله» . قال فمر بهم عبد الله بن مسعود فقال لهم: «هديتم لما لم يهد نبيكم، وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة»، وذكر لهم أن ناسًا بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل بين يديه كومًا من حصى قال: فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد ويقول: «لقد أحدثتم بدعة وظلمًا وكأنكم فقتم أصحاب محمد ﷺ علما»» انتهى.
تعليق: وقد روى هذا الحديث عن ابن مسعود من طرق كثيرة بعبارات مختلفة لفظًا ومتفقة معنى، بعض الروايات مطول وبعضها مختصر وفيه فوائد:
الأولى: هذا الحديث موقوف ولكنه في حكم المرفوع،
[ ١٠٢ ]
لأن ابن مسعود صرح بأن ذلك مخالف لسنة النبي ﷺ ففي بعض الروايات: «ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هذه ثيابه لم تبل، وأوانيه لم تكسر، ونساؤه شواب، وقد أحدثتم ما أحدثتم»، وفي رواية أخرى أن عبد الله بن مسعود لما طردهم من مسجد الكوفة ورماهم بالحصباء، خرجوا إلى ظاهر الكوفة وبنوا مسجدًا وأخذوا يعملون ذلك العمل، فأمر عبد الله بن مسعود بهدمه فهدم.
الثانية: أن البدعة وإن كانت إضافية شر من المعاصي كما حققه أبو إسحاق الشاطبي فهي حرام، إنما كانت شرًا من المعاصي لأن المعصية يفعلها صاحبها وهو معترف بذنبه فيرجى له أن يتوب منها.
الثالثة: أن المبتدع يستحق العقاب والطرد من المسجد إن كان الابتداع فيه.
الرابعة: أن كل مسجد بني على قبر أو بني لارتكاب البدع فيه يجب هدمه؛ لأنه مثل مسجد الضرار الذي أمر رسول الله ﷺ بهدمه وإحراقه، فهدمه أصحابه وجعل كناسة ترمي فيه الجيف، وقد نقل غير واحد عن ابن حجر الهيثمي أنه قال: «إن هذه المساجد المبنية على القبور هي أحق بالهدم من مسجد الضرار»، وابن حجر هذا كان مبتدعًا ضالًا ولكنه في
[ ١٠٣ ]
هذه المسألة قال الحق، والحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها.
أما الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني فهو إمام محقق لم يشرح أحد صحيح البخاري مثل شرحه المسمى بـ «فتح الباري» ولذلك قال العلماء: «لا هجرة بعد الفتح» . أي لا شرح للبخاري يستحق الاعتبار بعد فتح الباري، ثم قال أبو إسحاق عاطفًا على البدع المنكرة: «ومن أمثلة ذلك أيضًا: قراءة القرآن على صوت واحد، فإن تلك الهيئة زائدة على مشروعية القراءة، وكذلك الجهر الذي اعتاده أرباب الرواية» انتهى.
قال محمد تقي الدين: والعجب من هؤلاء المشركين المبتدعين الضلال، فإنهم يتلونون تلون الحرباء لا يستقرون على حال أبدًا، فتارة يدعون أنهم مقلدون لمالك، ويرون من خالف مذهبه كمن خالف القرآن والسنة الثابتة المحكمة، ويغلون في ذلك إلى أن يجعلوا البسملة والتعوذ وقراءة الفاتحة خلف الإمام في الجهرية والجهر بالتأمين ووضع اليمنى على اليسرى ورفع اليدين عند الركوع والرفع منه وبعد القيام من التشهد الأول، والسلام تسليمتين (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وما أشبه ذلك من السنة الثابتة عن النبي ﷺ التي يراها من له أدنى إلمام بالفقه في الدين
[ ١٠٤ ]
كالشمس في رابعة النهار كأنه يشاهد النبي ﷺ يفعلها لا يشك في ذلك ولا يرتاب فيه، يجعلون ذلك من المنكرات التي يجب أن تغير، ويكتب فيها من بلد إلى بلد مع أن مالكًا في الحقيقة قائل ببعضها تفصيلًا وبسائرها إجمالًا، ثم يخالفون فيما ينهى عنه ويكرهه كراهة تحريم من البدع التي لا تسند إلى أي دليل كعبادة القبور وزيارتها زيارة بدعية، وقراءة القرآن على الميت بعد موته وعلى قبره، وقراءة القرآن جماعة بصوت واحد، وقراءة الأذكار والأوراد كذلك، وقد صرح بذلك خليل الذي يعدون مختصره قرآنًا يتلى غلوًا منهم وضلالًا.
قال في مختصره عاطفًا على المكروهات: «وجهر بها في مسجد كجماعة»، ولا يبالون بخلافه فيما اعتادوه من البدع، فيحلونه عامًا ويحرمونه عامًا، وما أحسن قوله تعالى في سورة القصص يخاطب رسوله ﷺ: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله. إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (١) .
_________________
(١) القصص: ٥٠.
[ ١٠٥ ]
أحكام آية النجم
زعم المفتون أن آية النجم (١) منسوخة بآية: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾ وهو قول باطل حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس ولا يصح، وقد رأيت الشافعي ﵀ احتج بآية النجم على عدم وصول ثواب قراءة القرآن للأموات والإمامان ابن جرير الطبري وابن كثير يريانها محكمة، والسيوطي في «الإتقان» قد عد الآيات التي صح أنها منسوخة ولم يعد هذه منها، وقد تقدم عنه أنه نقل احتجاج الشافعي منها، وبذلك تعلم بطلان ما ادعاه المفتون، ثم أنها خبر والنسخ لا يقع في الأخبار، بل الله احتج بها على الذي تولى، أي أعرض عن الإسلام وأعطى قليلًا وأكدى، أي منع العطاء. قيل هو الوليد بن المغيرة وقيل غيره، وذلك دليل قاطع على أنها محكمة، والعجب من هذا المبتدع كيف يعجب على أهل مسجد «أرفود» عملهم بسنة النبي ﷺ ويجعله منكرًا بلا حجة إلا مخالفة مذهب مالك، ثم يخالفه هو في أمور تقدم ذكرها، ومن جملة ما خالف فيه مذهب مالك القول بصحة النيابة في الحج والصوم، ولو ذهبنا نحصى تناقضه لضاق بنا المجال فنقتصر على هذا القدر منشدين:
إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضرة
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ .
[ ١٠٦ ]
انتفاع الإنسان بعمل غيره
سرد «البوعصامي» العامي اثني عشر وجهًا يستدل بها على انتفاع الإنسان بعمل غيره، ولم يذكر من أدلتها إلا قليلًا كعادته في التهور وإصدار الأحكام بلا دليل، كأنه يخاطب عوام مثله يسلمون له كل ما يزعم، وأقول في ذلك قولًا مختصرًا مفيدًا: كل عمل صح النقل بأنه ينفع عامله كالدعاء والصدقة والحج والصوم المنذور خلافًا للمالكية في هذين الآخرين، فهو تخصيص عموم أية النجم المتقدم بيانها، وما لم يصح دليله أو لم يوجد له دليل أصلًا كزعمه أن الأبناء يدخلون الجنة بعمل آبائهم فهو كذب على الله ورسوله، ومن البراهين القاطعة في رد هذه الدعوى الوقحة ما جاء في صحيح البخاري في كتاب التفسير سورة الشعراء في قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾، عن أبي هريرة قال: «قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾: يا معشر قريش أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا. ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من
[ ١٠٧ ]
مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» .
فتأملوا أيها الموحدون المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ كيف أمر الله رسوله ﷺ أن ينذر أقرب الناس إليه نسبًا وأن يحذرهم من عذاب الله، وكيف امتثل رسول الله ﷺ ما أمره الله به على أحسن الوجوه وأكملها، فأنذرهم بذلك التفصيل والبيان حتى انتهى إلى فاطمة ابنته سيدة نساء العالمين فقال لها: «يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا» .
وأخرج أحمد والشيخان والترمذي عن أبي هريرة قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا رسول الله ﷺ فعم وخص فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحمًا سأبلها ببلاها» انتهى.
فما معنى قول النبي ﷺ لابنته التي هي بضعة منه: «يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئا» إذا كان أبناء المؤمنين يدخلون الجنة اعتمادًا على
[ ١٠٨ ]
عمل آبائهم بلا إيمان ولا عمل، أليس قائل هذا القول مفتريًا على الله الكذب، فإن كان يعلم هذا الحديث ومعنى الآية فقد كفر لتكذيبه بالقرآن والحديث، ورده ما جاء من الله ورسوله واضحًا – كالشمس في رابعة النهار – وما يتلى في القرآن ويقرأ في الصحيحين بتفسير سيد الأولين والآخرين، وإن كان يجهله فكيف نصب نفسه لدعوة الناس إلى الدين والأمر بالمعروف بزعمه وإنكار المنكر وهو في هذه الدركة من الجهل، ولا غرابة في ذلك فمن لم يعرف معنى (لا إله إلا الله) وأشرك بالله ودعا إلى عبادة غيره بلا حشمة ولا حياء كيف يرجى له أن يعرف معاني الكتاب والسنة، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.
ثم ذكر «البوعصامي» العمي كتبًا أحال القارئ لهذيانه على مراجعتها على سبيل الإجمال تمويها وتضليلًا، ومنها ما سماه: كتاب «الرد على الوهابية» ولا يعرف كتاب بهذا الاسم يختص به، وقد لفق جماعة من المشركين المبتدعين عباد الأضرحة رسائل سموها بالرد على الوهابية ولا توجد فرقة على وجه الأرض تسمي نفسها (وهابية)، ولكن المبتدعين والمشركين اخترعوا هذه التسمية ليطلقوها على كل من
[ ١٠٩ ]
يوحد الله ويتبع سنة رسول الله ﷺ ويتجنب البدع والمحدثات، كما كان المشركون يسمون رسول الله ﷺ مذممًا، بل المشركون الأولون أعقل من هؤلاء المتأخرين فإنهم سموا النبي ﷺ باسم يدل على الذم في لغتهم وهم المذمومون، والنبي ﷺ طاهر مطهر لا يلحق به شيء من ذمهم، وكذلك من اتبعه إلى يوم القيامة مسلمون حنفاء لا يضيرهم ما يقول فيهم أعداؤهم.
أما المشركون المتأخرون فهم جهال بالألفاظ والمعاني كالقارئ الذي قرأ «فَخَرَّ عليهم السقف من تحتهم» فقيل له: لا عقل عندك ولا قرآن، فتسمية أهل الحق بالوهابية نسبة إلى الوهاب من أحسن الأسامي.
قال تعالى حكاية عن إبراهيم أبي الحنفاء الموحدين في سورة مريم: ﴿فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب. وكلا جعلنا نبيا. ووهبنا لهم من رحمتنا لسان صدق عليا﴾، والحنفاء في كل زمان ومكان يقتدون بأبيهم إبراهيم فيعتزلون أهل الشرك وما يعبدون من دون الله، ويدعون الله وحده راجين فضله، فيسعدون ولا يشقون، فيهب لهم وهو الوهاب، من رحمته كل ما أملوه ويجعل لهم لسان صدق عليا، وقد انطق الله المشركين بكلمة الحق على رغم أنوفهم
[ ١١٠ ]
فسموا أهل الحق نسبة إلى الكريم الوهاب، وسيأتي إن شاء الله في القصيدة البائية، وقد تجرأ هذا الدجال على الله وعلى عباده المؤمنين فنسبهم إلى الزندقة ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ وقد علل ذلك بأنهم ينكرون ما سماه بـ «أولياء الله» يعني الأوثان، وتعالى الله أن تكون الأوثان له أولياء ﴿إن أولياؤه إلا المتقون ولكن المشركين لا يعلمون﴾ فما معنى هؤلاء الأولياء؟
أما نصوص القرآن والحديث فهي متفقة على أن أولياء الله هم المؤمنون الموحدون المتبعون لسنة رسول الله ﷺ، ومن لم يكن منهم فهو من أعداء الله. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى. لا انفصام لها والله سميع عليم. الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، فأنت ترى أيها القارئ الموفق لاتباع الحق وتجنب الباطل: أن الله قسم جميع الناس وجعلهم فريقين لا ثالث لهما: الكافرين بالطاغوت، والمؤمنين بالله المتمسكين بالعروة الوثقى التي لا تنفصم
[ ١١١ ]
وهم أولياء الله، لا يتخذون غيره وليًا أبدًا، فهو الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، والفريق الثاني هم المشركون أعداء الله، أولياء الطاغوت، وهم شيوخ الضلال، ورئيسهم إبليس، يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
ومثل ذلك قوله في سورة الأعراف: ﴿فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ فالمؤمنون هداهم الله لتوحيده واتباع ما أنزل من الله وما أمرهم به الرسول، والمشركون حقت عليهم الضلالة، فأخذوا الشياطين أولياء من دون الله وظنوا مع ذلك أنهم مهتدون.
هذا فيمن عبد الأوثان وسماها بأسمائها، فهؤلاء لم يعبدوا إلا الشياطين الذين أضلوا وزينوا لهم الشرك بالله وأوهموهم أن عباد الله الصالحين والأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين يرضون بعباداتهم ويشفعون لهم كما قال تعالى في سور الزمر: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾ فسمى الله زعمهم اتخاذ أولئك الصالحين أولياء من دون الله وعبادتهم له وزعمهم أنهم يقربونهم إلى
[ ١١٢ ]
الله سمى ذلك كله كذبا ومبالغة في الكفر فهم كاذبون كافرون ولن يهديهم أبدًا ما داموا مصرين على ذلك، وقال تعالى في هذا المعنى في سورة الكهف: ﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا. قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾ وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قل أغير الله اتخذ وليًا فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين﴾ فالمشركون لفساد عقولهم يشركون بالله الذي يطعمهم، ويتخذون أولياء عاجزين جائعين محتاجين إلى من يطعمهم، فالمشركون يطعمونهم ويعبدونهم ﴿ألا ذلك هو الخسران المبين﴾، وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾، فالمؤمن من يتخذ الله وحده وليًا وهو حسبه ونعم الوكيل، والمشركون يتخذون أولياء كثيرًا عددهم، وقد عرفت الآن معنى ولي الله ومعنى عدو الله ومعنى اتخاذ الأولياء من دون الله، فالمؤمن الموحد المتبع
[ ١١٣ ]
للسنة ولي الله، وإخوانه المؤمنون أولياء الله فلا يتصور أن ينكرهم فلو أنكرهم لأنكر نفسه وسائر فرق الهدى، وذلك محال.
أما النصارى فيقسمون الناس إلى ثلاثة أقسام، فالذي يسمونه الإله يشتمل على ثلاثة أقانيم: الأب وهو الله، والابن وهو عيسى، وروح القدس وهذا معنى قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ الآيات.
والقسم الثاني: يسمونهم القديسين، وعددهم كثير منهم رجال ومنهم نساء. كل واحد له يوم من أيام السنة يتخذونه موسمًا ويتقربون إليه فيه بأنواع من العبادات، كالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة، وقد يصورون تمثالًا يتخذونه ويسمونه باسمه ويركبون ويعتقدون أن هؤلاء يتصرفون في الكون وينفعون ويضرون ويصعدون إلى السماء ولكن رتبتهم دون القسم الأول.
والقسم الثالث: عامة النصارى، وهذه العقيدة هي التي اتخذها الجهال الذي يزعمون أنهم مسلمون، فالقسم الذي يسميه النصارى قديسين يسمونه هم أولياء الله، ويفعلون معه ما يفعله النصارى مع مقدسيهم ونحن نشهد بالله أن هذا القسم لا وجود له في الإسلام ولا في دين المسيح الحق غير
[ ١١٤ ]
المبدل، فليس هناك إلا سيد واحد وغيره عبيد خاضعون لأمره مطيعون له، فالسيد هو الله والخلق كلهم عبيد، ولكن الأنبياء فضلهم الله وخصهم بالوحي والرسالة، فهم سادات لسائر العبيد ولا يبلغ مرتبتهم أحد غيرهم ولكنهم لا ينفعون ولا يضرون ولا يدعون ولا يستغاث بهم ومن دعاهم أو صرف لهم شيئًا من العبادة فهو كافر.
أما المؤمنين فهم أولياء الله وحزبه المفلحون، فأولهم عند أهل السنة في الفضل: أبو بكر الصديق ﵁ وآخرهم في الفضل رجل يخرج من النار بشفاعة النبي ﷺ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وكلهم أولياء الله، وبذلك تعلم فساد كلام «البوعصامي» وأنه جار على طريقة من ذكرنا من النصارى وسائر من يعتقد تعدد الآلهة، وقد تقدم الكلام على ذلك في الفصل الأول.
حقوق أهل البيت ما لهم وما عليهم
ثم قال «البوعصامي» العمي معترضًا: «وينكرون أهل البيت الذين قال الله فيهم ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ الخ وقال ﵇: «أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثًا» رواه مسلم. قالوا: من أهل البيت؟ قال: «ذرية فاطمة إلى يوم القيامة»» .
[ ١١٥ ]
لقد حرف هذا المشرك معنى الآية وزاد الحديث كذبًا وافتراء منه ودونك تفسير الآية ومعنى الحديث على التحقيق:
قال القاسمي في تفسيره: «﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا﴾ أي لا أسألكم على دعايتكم إلى ما ادعوا إليه من الحق الذي جئتكم به والنصيحة التي أنصحكم ثوابًا وجزاء وعوضًا من أموالكم تعطونه إلا المودة في القربى، أي أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم وتصلوا الرحم التي بيننا ولا يكن غيركم يا معشر قريش أولى بحفظي ونصرتي ومودتي منكم، قال الشهاب: المودة مصدر مقدر بأن والفعل، والقربى مصدر كالقرابة و«في» للسببية وهي بمعنى اللام لتقارب السبب والعلة، والخطاب إما لقريش وإما لجميع العرب لأنهم أقرباء في الجملة. انتهى، والاستثناء منقطع ومعناه نفي الأجر أصلًا؛ لأن ثمرة مودتهم عائدة إليهم لكونها سبب نجاتهم فلا تصلح أن تكون أجرًا له، وقيل معنى أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم، وقيل «القربى» التقرب إلى الله ﷾، أي إلا أن تتوددوا إلى الله فيما يقربكم إليه، والمعنى الأول هو الذي عول عليه الأئمة ولم يرتض ابن عباس وغيره، ففي البخاري عنه ﵁ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إلا المودة في القربى﴾، قال
[ ١١٦ ]
سعيد بن جبير: «القربى آل محمد»، فقال ابن عباس: «عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» .
قال ابن كثير: «انفرد به البخاري» أي عن مسلم ورواه الإمام أحمد وهكذا روى الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد عن ابن عباس مثله وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس قال: «قال لهم رسول الله ﷺ لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم وتحفظوا القربة التي بيني وبينكم» وروى الإمام أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لا أسألكم على ما آتيتكم به من البينات والهدى أجرًا إلا أن تودوا الله تعالى وأن تقربوا إليه بطاعته وهكذا روي عن قتادة والحسن البصري مثله.
وأما رواية أنها نزلت بالمدينة فيمن فاخر العباس من الأنصار فإسناده ضعيف على أن السورة مكية وليس يظهر بين الآية وتلك الرواية مناسبة، وكذا ما رواه ابن أبي حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: «فاطمة وولدها ﵃» فإن
[ ١١٧ ]
في إسناده مبهمًا لا يعرف، من شيخ شيعي وهو «حسين الأشقر» فلا يقبل خبره في هذا المجال، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة ﵂ أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي ﵁ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة، والحق تفسير هذه الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ كما رواه البخاري.
ولا ننكر الوصية لأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، خاصة إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلى وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال في خطبته: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وأنهما لم يتفرقا حتى يردا على الحوض» .
هذا ملخص ما أورده ابن كثير رحمه الله تعالى وسبقه في ذلك تقي الدين ابن تيمية في منهاج السنة من أوجه عديدة:
قال في الوجه الثالث: «إن هذه الآية في سورة «الشورى» وهي مكية باتفاق أهل السنة بل جميع آل «حم» وكذلك
[ ١١٨ ]
آل «طسم»، ومن المعلوم أن عليًا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة والحسين في السنة الرابعة فتكون هذه الآية نزلت قبل الحسن والحسين بسنين متعددة فكيف فسر النبي ﷺ الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق.
ثم قال:
الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك، فهذا ابن عباس ترجمان القرآن أعلم أهل البيت بعد علي يقول ليس معناه مودة ذوي القربى، لكن معناه لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرًا لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولًا أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حين يبلغ رسالة ربه.
الوجه الخامس: أنه قال: ﴿لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ ولو أراد المودة لذوي القربى لقال لذوي القربى كما قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ولرسوله ولذي القربى﴾ وقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى﴾ وكذلك قوله: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾ وقوله:
[ ١١٩ ]
﴿وآت المال على حبه ذوي القربى﴾، وكذلك في غير موضع فجميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قرابة النبي ﷺ وذوي قربى الإنسان، إنما قيل فيه «ذوي القربى» ولم يقل «في القربى» فلما ذكر هنا المصدر دون الاسم دل على أنه لم يرد ذوي القربى.
الوجه السادس: أنه لو أريد المودة لهم لقال المودة لذوي القربى ولم يقل في القربى فإنه لا يقول من طلب المودة لغيره: أسألك المودة في فلان ولا في قربى فلان، ولكن أسألك المودة لفلان والمحبة لفلان فلما قال المودة في القربى علم أنه ليس المراد لذوي القربى.
الوجه السابع: أن يقال إن النبي ﷺ لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجرًا البتة. بل أجره على الله كما قال: ﴿قل ما أسألكم عليه أجرًا وما أنا من المتكلفين. أم تسألهم أجرًا فهم من مغرم مثقلون﴾ وقوله: ﴿قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله﴾، ولكن الاستثناء هنا منقطع كما قال: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾، ولا ريب أن محبة أهل النبي ﷺ واجبة ولكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر للنبي ﷺ بل هو مما أمرنا به الله كما أمرنا بسائر العبادات.
[ ١٢٠ ]
الوجه الثامن: أن القربى معرفة باللام فلا بد أن يكون معروفًا عند المخاطبين الذين أمر أن يقول لهم لا أسألكم عليه أجرا، وقد ذكر أنها لما نزلت لم يكن قد خلق الحسن والحسين، ولا تزوج علي بفاطمة، فالقربى التي كان المخاطبون يعرفونها يمتنع أن تكون هذه بخلاف القربى التي بينه وبينهم، فإنها معروفة عندهم كما تقول لا أسألك إلا المودة في الرحم التي بيننا وكما تقول لا أسألك إلا العدل بيننا وبينكم ولا أسألك إلا أن تتقي الله في هذا الأمر» انتهى.
حديث: أذكركم الله في أهل بيتي
اعلم أيها القارئ الموفق لاتباع الحق أن هذا «البوعصامي» لم يرد برسالته وجه الله، ولا أخلص قصده لله، ولكن له غرض معين خسيس من حظوظ نفسه الأمارة بالسوء، والدليل على ذلك تناقضه وإيراده الأدلة مبتورة ومحرفة بالزيادة والنقصان، وارتكاب الكذب على الله ورسوله فقد أنكر على أهل «أرفود» وغيرهم العمل بالسنة الصحيحة الصريحة التي هي كالشمس في رابعة النهار: في وضع اليمنى على اليسرى، والجهر بالتأمين، وغير ذلك
[ ١٢١ ]
زاعمًا أن ذلك منكر لمخالفته لمذهب مالك، ولم يورد على ذلك أي حجة غير ذلك، ولما أراد أن يثبت انتفاع الميت بالحج عنه، وسقوط الصوم المنذور إذا صامه الحي عن الميت، وأباح لنفسه أن يخالف مذهب مالك بلا دليل، وحرم على غيره أن يخالفه بدليل في غاية الصحة، ونسب السدل إلى مالك وهو باطل كما بينه المحققون من أصحابه وكل ما بناه عباد القبور المبتدعون من بيوت الضلال فإنه بناء على شفا جرف هار ينهار بهم في نار جهنم، هذا إذا كانوا مخلصين معتقدين لما يقولون، فكيف إذا كانوا متناقضين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون كما جاء في الحديث، والعجب من هذا المشرك المتناقض كيف أشرك بالله وجعل له أندادًا، ولو كان يحب الله ما أشرك به، ورد أحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن العمل بها منكرًا يجب تغييره، ثم أخذ يتظاهر بالتشيع الكاذب لآل البيت لذرية فاطمة ﵍، فهكذا يكون النفاق والوقاحة، وإنما وجبت محبة آل البيت تبعًا لمحبة النبي ﷺ فمن أشرك بالله وعصى رسوله ورد حديثه وسنته كيف تصح محبته لآل البيت؟ ودونك الحديث الذي ذكر أطرافه على وجهه الصحيح كما في صحيح مسلم.
[ ١٢٢ ]
أخرج مسلم في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه عن يزيد بن حبان قال: «انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقيت يا زيد خيرًا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه، وصليت خلفه؛ لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرا. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبا بما يدعى «خما» بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال أما بعد: «ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» .
فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، وأذكركم الله في أهل بيتي»، فقال حصين: ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ . قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن بيته من حرم الصدقة بعده وقال: من هم؟ قال: آل علي وآل جعفر وآل
[ ١٢٣ ]
عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟، قال: نعم» انتهى.
وقد زاد فيه القبوري زيادة مفتراة فقال: «هم ذرية فاطمة إلى يوم القيامة»، فليبشر بأن يتبوأ مقعده من النار، وتأمل أيها الطالب للحق قول النبي ﷺ في الوصية بكتاب الله وعترته أهل بيته، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، يعني أن أهل بيته الذي أوصى بإكرامهم لن يتفرقوا مع كتاب الله، ولن يخالفوه أبدًا، تعلم يقينًا أن المعني أولًا وبالذات هم الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض كعمه العباس وفاطمة وعلي وأولادهما لصلبهما الحسن والحسين وعبد الله والفضل ابني عمه وآل جعفر وآل عقيل (١)، فهؤلاء لم يفترقوا مع كتاب الله حتى ماتوا على عهد الله ورسوله ولا يعقل أن ذريتهم ما تناسلوا إلى يوم القيامة يكونون معصومين من مخالفة الكتاب ومن ارتكاب الكبائر التي توجب لصاحبها دخول النار، كيف وقد تقدم حديث أبي هريرة المتفق عليه وفيه: يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، وكذلك قال لعمه ولعمته ولسائر بني هاشم ومعنى ذلك أن من خالف الكتاب منهم بكفر وكبيرة لا تغني عنه قرابته من رسول الله ﷺ فتيلا.
ولا ينبغي لأحد أن يفهم من كلامي التهاون بآل البيت فإن
_________________
(١) قال راقمه: في الحسام الماحق: آل جعفر عقيل.
[ ١٢٤ ]
محبتهم تابعة لمحبة رسول الله ﷺ وإكرامهم إكرام لرسول الله ﷺ بشرط أن يكونوا مؤمنين متمسكين بسنة النبي ﷺ، فإن خالفوا ذلك فهم أحق بالذم واللوم والعقاب من غيرهم، فقد قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ فشرط في فضلهن على غيرهن: التقوى، وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحوا المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلاها، ولا شك أن أهل البيت الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، هم من أصلح صالحي المؤمنين قد اشتركوا مع المؤمنين في الإيمان والصلاح، وزادوا عليهم بفضل القرابة، والفضل المتقدم خاص بأعيانهم، وكلن ذريتهم المؤمنة الصالحة لها نصيب وافر من الفضل بقوله تعالى في سورة غافر: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، إنك أنت العزيز الحكيم﴾ فشرط الله في التحاقهم الصلاح، وقال تعالى في سورة الطور: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين﴾ .
[ ١٢٥ ]
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: «روى ابن أبي حاتم بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كان منازل آبائهم أرفع من منازلهم الحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا» انتهى.
وقال تعالى في سور البقرة: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ يعني أن الله امتحن إبراهيم بأوامر أمره بها فامتثل أمر ربه وعمل بما أمره به على سبيل الوفاء والتمام، فشكر الله له ذلك وجعله إمامًا للأنبياء من بعده يقتدون به وجعل في ذريته النبوة والكتاب وآتاه أجره في الدنيا، فلما رأى هذه الكرامة إبراهيم سأل الله لذريته أن يمنحهم مثل ذلك من النبوة والإمامة في الدين، فاستجاب الله دعاءه وأخبره أن من ارتكب الظلم الأكبر وهو الشرك بالله أو الظلم الأصغر وهو التعدي لا تناله تلك الكرامة وهي الإمامة، كما قال تعالى في سورة الصافات: ﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾ . قال البيضاوي: «﴿وباركنا عليه﴾ وعلى إبراهيم في أولاده
[ ١٢٦ ]
﴿وعلى إسحاق﴾ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب، وأفضنا عليهما بركات الدين والدنيا ﴿ومن ذريتهما محسن﴾ في عمله أو إلى نفسه بالإيمان والطاعة ﴿وظالم لنفسه﴾ بالكفر والمعاصي ﴿مبين﴾ ظاهر ظلمه وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب، وقال البيضاوي في تفسير آية سورة البقرة مثل ما فسرته ونصه: «قال: «لا ينال عهدي الظالمين» إجابة إلى ملتمسه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وأنهم لا ينالون الإمامة، لأنها أمانة الله وعهده والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم، وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة» انتهى.
وقد ألفت في حقوق آل البيت ما لهم وما عليهم جزءًا لطيفًا نشرته صحيفة «الميثاق» موزعًا على أجزاء، وهي لسان حال جماعة العلماء المغاربة المتوقفة، ونشرته مجلة «الهدي النبوي» التي تصدر من القاهرة، وهي لسان حال جماعة أنصار السنة المحمدية، ولا بأس أن أنقل منه شيئًا قليلًا، ونص ما ذكرت فيه:
[ ١٢٧ ]
«تأمل حديث زيد بن أرقم تجد فيه مسائل:
الأولى: أن النبي ﷺ كان يستفتح خطبته بحمد الله والثناء عليه وكذلك خلفاؤه ومن بعدهم في زمان العز والإقبال والسيادة والاستقلال حتى جاء زمان الذل والاستعمار فتركت هذه السنة واستبدلت بسنة المستعمر «سيداتي آنساتي سادتي» ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ .
ثانيها: إخبار النبي ﷺ أنه لا بد أن ينتقل من هذه الدار الفانية وأنه تارك في أمته كتاب الله وأخبر أن هداهم ونورهم في الأخذ بكتاب الله والتمسك به تعلمًا وتعليمًا واتخاذه إمامًا وحكما وتحليل حلاله وتحريم حرامه.
وفي الرواية الأخرى أن القرآن حبل الله المتين أي عهده ومن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة، فمن ترك كتاب الله واستبدله بقوانين البشر فهو على ضلالة في ظلمة مدلهمة يخبط كالعشواء ولا يستقيم له أمر أبدًا.
ثالثها: الوصية لأهل بيته والتأكيد فيها ولا شك أن الله أطلعه على ما سيلقاه أهل بيته من أعدائهم بعده، ومع توكيد تلك الوصية فقد ضيعها المضيعون، اتخذوا أهل بيته غرضًا من بعده ونصبوا لهم العداوة ولم يراعوا فيهم إلا ولا ذمة،
[ ١٢٨ ]
فقتلوهم تقتيلا، وطاردوهم وسيلقون جزاءهم في الآخرة بعد ما لقوه في الدنيا، وقوله «ثقلين» الثقل هو متاع المسافر ليتركه وديعة حتى يعود من سفره، والمقصود هنا أن النبي ﷺ ترك أمرين وديعة عند أمته، أحدهما: يتبع ويقتدى به ويحكم وهو القول الفصل وهو كتاب الله، والثاني: يكرم ويراقب فيه عهده بعد وفاته كما كان يراقب فيه في حياته وهم أهل بيته.
رابعها: بيان أهل بيته من هم؟ وقد تقدم الكلام في هذا المعنى مستوفى، وفي رواية لمسلم بعد قوله «وعترتي أهل بيتي» ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فقول ﵇ «ولن يفترقا حتى يردا على الحوض» نص صريح في الخصوصية والمزية وعلم من أعلام نبوته، فإن أهل البيت الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، هم عباس وأهل بيته، وعلي وأهل بيته، وعقيل وأهل بيته، وجعفر وأهل بيته كلهم كانوا على الهدى المستقيم، عاشوا عليه وماتوا عليه ولم يحدث منهم شيء ينكر، ولا ندعي أنهم معصومون، فإن العصمة خاصة برسول الله ﷺ خلافًا للإمامية الذين قالوا بعصمة أئمتهم.
وقد اختلف الناس في «علي»، وهلكت فيه طائفتان. طائفة
[ ١٢٩ ]
غلت فيه حتى جعلته إلهًا، وهي طائفة عبد الله بن سبأ اليهودي، وقد أنكر عليهم قولهم، وبالغ في عقابهم فأحرقهم بالنار ليكونوا عبرة للعالمين، ولا يزال لهم اتباع إلى هذا الزمان لا يقول أحد بإسلامهم لا من أهل السنة ولا من غير أهل السنة.
أما الطائفة الأخرى التي هلكت في علي، فهم الخوارج والنواصب، وقد تقدم الكلام في تقسيم هؤلاء والحكم عليهم، فإن قلت ما هو دليل الخصوصية في هذه المزية، أفلا تشمل ذريتهم إلى يوم القيامة؟ فالجواب أن قوله ﵇: «ولن يفترقا حتى يردا على الحوض» جواب شافٍ عن هذا السؤال.
وهذه الفضيلة وإن كانت خاصة بأعيانهم وهم الذين كانوا على عهد النبي ﷺ فلا شك أن من صلح من ذرياتهم، ولم يفارق الكتاب والسنة له نصيب منها، ومحبة هؤلاء وإكرامهم فرض على كل مسلم، وقد تقدم مثل هذا» انتهى.
وختم «البوعصامي» هذيانه بقوله: «أنشدك الله يا إمام «أرفود» أن تشرح دين الله ولا تخاف في الله لومة لائم: التأمين بعد الفاتحة لا يكون إلا سرًا، والجهر به مخالفة لسنة رسول الله ﷺ وقد قال العلماء: «الراتب إذا كان
[ ١٣٠ ]
يرى المنكر ولم ينهى (كذا) فهو يحاسب. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» انتهى.
ويا عجبًا من جاهل باللغة العربية إلى حد أنه لا يعرف الفعل المجزوم، كيف يجزم ولا يميز بين المعرب والإعراب، ولا المرفوع من المنصوب ولا المذكر من المؤنث فقد أخطأ في المثل المشهور الذي يعرفه صبيان النحويين وهو «ومن استراب فالعرب بالباب» كتبها «فالأعراب» .
وقال: «إن في زيارة قبور الصالحين الثواب»، ويريد بالزيارة هنا الزيارة الشركية وقد صدق، قال تعالى في سور الحج: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار، يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ فهنيئًا له بهذه الثياب الجهنمية، وقال في آية ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ «فهي منسوخ»، ولا يقع في مثل هذا الخطأ إلا العجم المبتدءون في تعليم اللغة العربية وقال: «ولا تخاف في الله لومة لائم» فأثبت الألف مع التقاء الساكنين، ولو كان يحفظ القرآن لاستحضر قوله تعالى: ﴿لا تخف إنك أنت الأعلى﴾ إذا كان جاهلا بعلم الصرف وقال «ولم ينهى عنه» بإثبات الألف مع الجازم بغير ضرورة، فشخص هذه حاله في الجهل بالعربية والتخبط في ظلمات الشرك والبدعة والتقليد الأعمى، كيف يتصدى لإصدار الأحكام والأمر بالمعروف والنهي عن
[ ١٣١ ]
المنكر، وقد أحاط به المنكر من كل جانب.
وقوله «التأمين بعد الفاتحة لا يكون إلا سرا والجهر به مخالف لسنة النبي» غاية في الوقاحة وقد علمت أن الإسرار بالتأمين هو المخالف لسنة النبي ﷺ فمن كان من أهل الاجتهاد كمالك والمجتهدين من أصحابه ﵏، ولم يبلغه الحديث فلا إثم عليه، وله أجر في الاجتهاد، ومن لم يكن كذلك وبلغه الحديث فرده واتبع هواه فهو مبتدع آثم، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، كما جاء في الحديث، وقد أخرج مسلم من حديث عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» والصلاة التي يسر فيها بالتأمين فما يجهر به عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو مردود على فاعله إلا إذا بذل جهده في طلب السنة ولم يقف عليها فنرجوا الله أن يغفر له.
قال محمد تقي الدين: هذا ما يسر الله في الرد على ذلك الداعية إلى البدعة والشرك، وقد بدا لي أن أذيله ببعض قصيدة قلتها في مبتدع آخر مثل «البوعصامي» في الشرك والبدعة، وقد قضى نحبه ولقي ربه وأفضى إلى ما قدم منذ زمان، وتليها قصيدة أخرى نظمتها منذ شهر في الرد على عباد القبور والزنادقة والملحدين الذين يدعون بدعوى
[ ١٣٢ ]
الجاهلية، والله أسأل أن يؤيدني بروح منه ويعينني على جهادهم أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
«القصيدة الأولى»
لكن ذا زمن به البغاث غدا مستنسرًا صائلًا في زي عقبان
والذئب أصبح مثل الضأن مرتديًا ليبتغي الصيد من أغرار خرفان
وأصبح الدين للدنيا تعلمه وقد تمول منه كل خوان
لو كان يجدي البكا يومًا بكيت على علم الحديث وتفسير وقرآن
لم يبق منها سوى الأسماء خالية من كل معنى، سوى تحريف كهان
وكم أهبت بقومي صارخًا أبدًا أوبوا لهدي نبي الله إخواني
دعوا دجاجلة يبغونها عوجًا فلن يقودوكم إلا لخسران
أسلافنا ارتفعوا، أسلافنا سعدوا بقفوهم أحمد الهادي بإحسان
قد اقتفوا سنة المختار خالصة من غير شوب يزيد أو بنقصان
ومنذ بدل قوم هديه سقطوا إلى الحضيض ونالوا كل حرمان
والله لن يسعدوا إلا بما سعدوا فلا يغرنكم وسواس شيطان
أوطانهم بهم والله قد شقيت والأرض تسعد أو تشقى بسكان
ومن يرد حديث المصطفى سفهًا يا رب فالعنه من جن وإنسان
يا رب صل على المختار سيدنا ما غنت الورق في دوح بألحان
والآل والصحب ثم التابعين له واجعل محبته روحي وريحاني
فرج بها كربي واجمع بها شعثي واصلح الحال في سري وإعلاني
وانصر بها حزبنا طول الحياة وفي يوم الجزا جد لنا طرا بغفران
[ ١٣٣ ]
«القصيدة الثانية»
الأبيات التسعة الأولى هي التي بقيت في حفظي من قصيدة للشيخ عمران اللنجي (١) رحمة الله عليه وتكملتها من نظمي:
إن كان تابع أحمد متوهبًا فأنا المقر بأنني وهابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي رب سوى المتفرد الوهاب
لا قبة ترجى ولا وثن ولا قبر له سبب من الأسباب
أيضًا ولست معلقًا لتميمة أو حلقة أو ودعة أو ناب
لرجاء نفع أو لدفع مضرة الله ينفعني ويدفع ما بي
والابتداع وكل أمر محدث في الدين ينكره ذوو الألباب
أرجو بأني لا أقاربه ولا أرضاه دينا وهو غير صواب
كالشافعي ومالك وأبي حنيفـ ـة ثم آحاد التقى الأواب
هذا الصحيح ومن يقول بمثله صاحوا عليه مجسم وهابي
نسبوا إلى الوهاب خير عباده يا حبذا نسبي إلى الوهابي
الله أنطقهم بحق واضح وهم أهالي فرية وكذاب
أكرم بها من فرقة سلفية سلكت محجة سنة وكتاب
وهي التي قصد النبي بقوله هي ما عليه أنا وكل صحاب
قد غاظ عباد القبور ورهطهم توحيدنا لله دون تحاب
عجزوا عن البرهان أن يجدوه إذ فزعوا لسرد شتائم وسباب
وكذاك أسلاف لهم من قبلكم نسبوا لأهل الحق من ألقاب
سموا رسول الله قبل مذممًا ومن اقتفاه قيل هذا صاب
الله طهرهم وأعلى قدرهم عن نبز كل معطل كذاب
_________________
(١) في الحسام الماحق: عمران النجي التميمي.
[ ١٣٤ ]
الله سماهم بنص كتابه حنفاء رغم الفاجر المرتاب
ما عابهم إلا المعطل والكفو ر ومن غوي بعبادة الأرباب
ودعا لهم خير الورى بنضارة ضمنت لهم نصرًا مدى الأحقاب
هم حزب رب العالمين وجنده والله يرزقهم بغير حساب
وينيلهم نصرًا على أعدائهم فهو المهيمن هازم الأحزاب
إن عابهم نذل لئيم فاجر فإليه يرجع كل ذاك العاب
ما ضارهم عيب العدو وهل يضيـ ـر البدر في العلياء نبح الكلاب
يا سالكًا نهج النبي وصحبه أبشر بمغفرة وحسن مآب
وهزيمة لعدوك الخب اللئيـ ـم وإن يكن في العد مثل تراب
يا معشر الإسلام أوبوا للهدى واقفوا سبيل المصطفى الأواب
أحيوا شريعته التي سادت بها الأ سلاف فهي شفاء كل مصاب
ودعوا التحزب والتفرق والهوى وعقائدًا جاءت من الأذناب
فيمينها لا يمن فيه ترونه ويسارها يأتيكم بتباب
إن الهدى في قفو شرعة أحمد وخلافها ردا على الأعقاب
جربتم طرق الضلال فلم تروا لصداكم إلا بريق سراب
والله لو جربتم نهج الهدى سنة لفقتم جملة الأتراب
ولهابكم أعداؤكم وتوقعوا منكم إعادة سائر الأسلاب
أما إذا دمتم على تقليدهم فتوقعوا منهم مزيد عذاب
وتوقعوا من ربكم خسرًا على خسر وسوء مذلة وعقاب
هذي نصيحة مشفق متعتب هل عندكم يا قوم من إعتاب
ومن البلية عذل من لا يرعوي ولدى الغوي يضيع كل عتاب
وزعمتم أن العروبة شرعة وعقيدة تبنى على الأسباب
لا فرق بين مصدق لمحمد ومكذب فالكل ذو أحساب
فيصير عندكم أبو جهل ومن والاه من حضر ومن أعراب
[ ١٣٥ ]
مثل النبي محمد وصحابه بئس الجزاء لسادة أقطاب
بل صار بعضكم يرجح جانب الـ ـكفار من سف ومن أوشاب
ماذا بنى لكم أبو جهل من المجد المخلد في مدى الأحقاب
إلا عبادته لأصنام وإلا وأدهم لبناتهم بتراب
وجهالة وضروب خزي يستحي من ذكر أدناها ذوو الألباب
أفتعلون ذوي المفاخر والعلى بحثالة كثعالب وذئاب
اللؤلؤ المكنون يعدل بالحصى والند والهندي بالأخشاب
بدلتم نهج الهدى بضلالة وقصور مجد شامخ بخراب
ولقد أتيتكم بنصح خالص يشفيكم من جملة الأوصاب
وإخالكم لا تقبلون نصيحتي بل تتبعون وساوس الخراب
وكان الفراغ منه بمدينة مكناس طهرها الله من الأدناس وصانها من كل بأس لعشر خلون من ربيع الأول ١٣٨٥هـ خمس وثمانين وثلاث مائة بعد الألف.
[ ١٣٦ ]