قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (١) «والعبادة في اللغة من الذلة، يقال طريق معبد، وبعير معبد، أي مذلل. وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. وقدم المفعول وهو إياك، وكرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين.
وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة «إياك نعبد وإياك نستعين» فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة وتفويض إلى الله ﷿، وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال تعالى ﴿فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون﴾ (٢) ﴿هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا﴾ (٣)
_________________
(١) الفاتحة: ٥.
(٢) هود: ١٢٣.
(٣) الملك: ٢٩.
[ ٥ ]
﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا﴾ (١) وكذلك هذه الآية الكريمة ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾» .
يقول محمد تقي الدين: بمثل هذا فسر آية ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ جمهور المفسرين من الصدر الأول، فحقيقة العبادة غاية الذل في غاية الخضوع، وهي تشمل القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى. ومنها الاستعانة المذكورة هنا، والمراد بها الاستعانة بالله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولا يدخل في الأسباب كإعطاء الأولاد، وإنزال المطر، وشفاء المريض لا بتعاطي العلاج بل بقول «كن» فيكون وإمداد الشخص بهداية القلب وتنويره، وتفريج الهم والغم عنه، وهو ما يسمى بالمدد عند المشركين الذين يزعمون أن غير الله قادر على إصلاح قلوبهم وإمدادها بنور الإيمان والفتوح الغيبية، فهذا النوع من الاستعانة خاص بالله تعالى فمن استعان بغيره في مثل ذلك فهو كافر مشرك، صارف حق الله لغير الله، ونحن نشاهد المشركين عبدة القبور والأضرحة وغيرها من الأمكنة التي يقدسونها، يطلبون من آلهتهم التي يسمونها أولياء وسادة وصالحين
_________________
(١) المزمل: ٩.
[ ٦ ]
نزول المطر وإعطاء الأولاد وتفريج الكروب وشفاء المريض وكشف الضر والنصر على العدو وقضاء الدين وإطالة عمر الأولاد وجعل المرأة التي تلد الإناث تلد الذكور ويتقربون إلى آلهتهم بأنواع من العبادات: بالدعاء الذي هو مخ العبادة كما ثبت في الحديث وسيأتي إن شاء الله، والاستغاثة وقد صرح بجوازها المشرك المفتون، وبناء القباب على قبورهم، أو الأمكنة التي جلسوا فيها، والأمكنة التي يزعم بعض المنتحلين الدجالين أنه رأى في المنام شخصًا مشهورًا عندهم بالصلاح يقول له: ابنوا لي قبة في هذا المقام ويتقربون ويتملقون لها بتقبيل العتبات والتوابيت، ويمرغون خدودهم على القبور، ويتمسحون بها، ويهتفون بالأسماء المنسوبة إليها، ويقربون لها القرابين، ويذبحون الذبائح، ويحجون إليها ويطوفون، وينذرون لها النذور ويسمون ذلك بالوعدة، يزعمون أن الدعاء عندها أفضل منه في
المساجد. فهل هؤلاء يؤمنون بقوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وبقوله تعالى ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ كلا والله هؤلاء ما يعرفون معنى لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ .
[ ٧ ]
ذكر بعض أنواع العبادة التي يصرفها المشركون لغير الله تعالى
قلت في كتابي: «المنح السانحة في تفسير سورة الفاتحة» ما نصه: «﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ إياك ضمير مفعول به مقدم للفعل بعده، وتقديم المفعول به يفيد الحصر، أي لا نعبد غيرك ولا نستعين إلا بك. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الاعتقاد والأقوال والأفعال، ويقال: العبادة غاية الذل في غاية الحب» .
أقول: أرى من الواجب علي أن أذكر بعض أنواع العبادة هنا ليستعين بها السائل على تقرير توحيد الله في نفوس التلامذة وغيرهم.
فالأول: الدعاء وهو كما في الحديث الآتي «مخ العبادة» أي لبابها وخالصها، فكل من دعوته لجلب خير أو دفع ضر فيما لا مجال للأسباب فيه كإعطاء العقيم الأولاد لا بطريقة العلاج بل بطريقة التصرف في الكون بالهمة والحال، وجعل المرأة التي تلد الإناث فقط تتحول إلى ولادة الذكور أو بالعكس، أو كصد الأعداء والسباع الضارية بلا قتال، وشفاء المريض كذلك، وإحياء الميت وإماتة الحي وإنزال المطر وما أشبه ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله الذي يقول للشيء «كن»
[ ٨ ]
فيكون وكل من دعوته لشيء من ذلك فقد عبدته.
ومن الأدلة على ذلك في كتاب الله ﷿ – وهي كثيرة أعد منها ولا أعددها – قوله تعالى في سورة فاطر بعد ذكر الأفعال المختصة بالله في الآية إلى قوله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ (١) وقال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات. ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين. ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ «٢) يفهم من آيات فاطر أن الله وحده هو المتصرف في العالم والمسير له والمدبر له ولا يشاركه في ذلك أحد، وهو وحده رب العالمين، له الملك، وكل من سواه عبد فقير إليه في إيجاده وإمداده، فلا يجوز له أن يدعو بغيره، لأنهم لا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا لا قليلًا ولا كثيرًا، ولا يسمعون دعاء من
_________________
(١) فاطر: ١٣.
(٢) الأحقاف: ٤-٦.
[ ٩ ]
دعاهم ولو سمعوا دعاءه ما استجابوا له، وأن دعاءه لهم شرك بالله سيكفرون به يوم القيامة، أي يتبرؤون منه.
وآيات الأحقاف تحتج على المشركين بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض فلا يدعى غيره ولا حجة لمن دعا غيره بل هو أضل الضالين، وأن من دعاهم لا يستجيبون له أبدًا وهم غافلون عن دعائه، وإن كانوا أبرارًا كالأنبياء والصالحين فهم مشغولون في نعيم، وإن كانوا ملائكة في عبادة الله يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وإن كانوا فجارًا فهم في العذاب المهين.
وإن الأبرار لا يرضون بدعاء من دعاهم لأنه عبادة لغير الله وسيكفرون بهم يوم القيامة حين يحشر الناس، يزيد ذلك وضوحًا ما أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾ (١») .
الثاني: الاستغاثة قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ (٢)، أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث عمر بن الخطاب قال: «لما كان يوم بدر
_________________
(١) غافر: ٦٠.
(٢) الأنفال: ٩.
[ ١٠ ]
نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا، فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿ ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾» الآية، فنحن نرى أن النبي ﷺ كان يستغيث ربه، وأصحابه كانوا يستغيثون ربهم كذلك ولم يستغيثوا بالنبي ﷺ لأن الاستغاثة عبادة، وهي خاصة بالله تعالى. فمن استغاث بغيره فقد أشرك.
وروى الطبراني بإسناده عن عبادة بن الصامت أنه كان في زمان النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم فقوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله» .
قال شيخ الإسلام: «الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر، والاستغاثة طلب العون» .
قال محمد تقي الدين: هذا كله في الاستغاثة والاستنصار، والاستغاثة أي طلب الغوث والنصر والعون
[ ١١ ]
بطريق لا يقدر عليه إلا الله، وطلبه خاص به كاستغاثة النبي وأصحابه بالله تعالى في غزوة بدر واستنصارهم له واستعانتهم به. أما الاستغاثة بالمخلوق في أمر يقدر عليه كاستغاثة من شبت النار في بيته برجال الإطفاء أو استغاثة من هجم عليه اللصوص أو السبع بمن ينجده أو استغاثة الإنسان بغيره أن يحمله على دابته أو سيارته أو يحمل متاعه عليها فذلك جائز، قال تعالى في سورة القصص: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾ وقال النبي ﷺ: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه»، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في حديث طويل.
الثالث: الاستعاذة. قال الراغب: «العوذ الالتجاء إلى الغير والتعلق به. يقال: عاذ فلان بفلان ومنه قوله تعالى: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ (١) ﴿وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون﴾ (٢) إلى أن قال: ﴿معاذ الله﴾ (٣) أي نلتجئ إليه ونستنصر به حتى لا نفعل ذلك، فإن ذلك سوء نتحاشى من تعاطيه» . انتهى.
_________________
(١) البقرة: ٦٧.
(٢) الدخان: ٢٠.
(٣) يوسف: ٢٣.
[ ١٢ ]
قال محمد تقي الدين: وبهذا تعلم أن التعوذ قريب في المعنى من الاستغاثة، فقول الضلال عند قبور الصالحين: أنا في حماك، أنا في رحمتك استعاذة وعبادة، قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره
ومن أعوذ به فيما أحاذره
ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
الهيض: كسر العظم بعد جبوره. قال تعالى: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا﴾ (١) . قال القاسمي: «روى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثما. ففي الآية إشارة إلى ما كانوا يعتقدون في الجاهلية من أن الوديان مقر الجن. وأن رؤساءها تحمي المستعيذين من ضرر الجن، وهكذا قال إبراهيم: كانوا إذا نزلوا الوادي قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فيقول الجن ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضرا ولا نفعا، وقال الربيع بن أنس كانوا يقولون: فلان من الجن رب هذا الوادي فكان أحدهم
_________________
(١) الجن: ٦.
[ ١٣ ]
إذا دخل الوادي يعوذ برب الوادي من دون الله قال: فيزيدهم ذلك رهقا، وهو الفقر. قال ابن زيد: كان الرجل في الجاهلية إذا نزل بواد قبل الإسلام قال: إني أعوذ بكبير هذا الوادي، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم» انتهى. أي لأن ذلك من الشرك، وكذا نزلت سورتا المعوذتين لتعليم الاستعاذة بالله وحده والتبرؤ من الاستعاذة بغيره، وكذلك أذكار الاستعاذات المأثورة لأنها للإرشاد، لذلك روى مسلم عن خولة بنت حكيم قالت: «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» .
الرابع: النذر لغير الله من الشرك لأنه عبادة يجب الوفاء به إذا كان لله. قال تعالى: ﴿ما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾ (٢) . وأخرج البخاري عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» .
_________________
(١) البقرة: ٢٧٠.
(٢) الدهر: ٧.
[ ١٤ ]
الخامس: الذبح والنذر لغير الله قال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ (١) . قوله سبحانه: ﴿ونسكي﴾ قال مجاهد: «النسك الذبح في الحج والعمرة» .
قال محمد تقي الدين: وكل ذبح قصد به التعظيم فهو عبادة لقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ (٢)، جمع الله ﷾ هاتين العبادتين وهما الصلاة والذبح في سورة الأنعام وفي سورة الكوثر وأمر نبيه ﷺ، وفي ضمنه أمر لأمته، أن يخصوا الله تعالى بهما كما يخصونه بسائر أنواع العبادة.
وأخرج مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب قال: «حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات ولعن الله من ذبح لغير الله» الحديث.
السادس: الخوف بالغيب، قال تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ (٣) قال ابن كثير: «كل عسى في القرآن فهي واجبة.»،
_________________
(١) الأنعام: ١٦٣.
(٢) الكوثر: ٢.
(٣) التوبة: ١٨.
[ ١٥ ]
قال في فتح المجيد في ص ٣٤٤: «خوف السر وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أن يصيبه بما يكره قال تعالى في قوم هود إنهم قالوا له ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ويخوفونك بالذين من دونه﴾ (٢)، وهذا هو الواقع من عباد القبور ونحوها من الأوثان يخافونها ويخوفون أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها وأمروا بإخلاص العبادة لله وهذا ينافي التوحيد وأما الخوف الطبيعي وهو الخوف من عدو أو سبع أو زلزال فليس بعبادة ولا شركًا قال تعالى: ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ (٣») .
السابع: الحلف بغير الله، أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، وقد صح عن النبي ﷺ في النهي عن الحلف بغير الله أحاديث.
_________________
(١) هود: ٥٤، ٥٥.
(٢) الزمر: ٣٦.
(٣) طه: ٦٧.
[ ١٦ ]
الثامن: التبرك بالقبور والأمكنة التي تنسب إلى الأنبياء والصالحين من أعظم أسباب الكفر والشرك، وهذا ما أدى إلى عبادة الأصنام والأوثان. أخرج البخاري في تفسيره قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ (١) عن ابن عباس: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت» .
قال ابن كثير في تفسيره: «وقوله تعالى: ﴿وقد أضلوا﴾ يعني الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها كثيرا فإنه قد استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم، وقد اتفق المحققون من أهل العلم على أن أصل عبادة الأصنام هو الغلو في الصالحين وتعظيم قبورهم واتخاذ المساجد عليها.
وقال القرطبي: «وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا الله
_________________
(١) نوح: ٢٣.
[ ١٧ ]
عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم فوسوس إليهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها» . وقال ابن القيم ﵀: «وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها والله أعظم من أن يقسم عليه ويسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائها وعبادتها وسؤالها الشفاعة من دون الله واتخاذها أوثانًا تضاء لها القناديل وتجعل عليها الستور ويطاف بها ويستلم ويقبل ويحج إليها ويذبح
عندها.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادتها واتخاذها عيدًا ومنسكًا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، وكل هذا قد علموه بالاضطرار من دين الإسلام وأنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد وأن لا يعبد إلا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك تنقص أهل هذه الرتب العالية وحطهم عن منزلتهم وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، فغضب المشركون واشمأزت قلوبهم كما قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وإذا ذكر الله
[ ١٨ ]
وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة. وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ (١) وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغاة وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالفظائع ونفروا الناس عنهم ووالوا أهل الشرك وعظموهم وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله ويأبى الله ذلك، قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾ (٢)، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة (أي شجرة من السدر) يعكفون عندها وينوطون (أي يعلقون) بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال لهم رسول الله ﷺ: الله أكبر! إنها السنن قلتم – والذي نفسي بيده – كما قالت بنوا إسرائيل لموسى ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ (٣)، قال: إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم» رواه الترمذي وصححه» .
قال محمد تقي الدين: تأمل أيها الموفق لاتباع كتاب الله
_________________
(١) الزمر: ٤٥.
(٢) الأنفال: ٣٤.
(٣) الأعراف: ١٣٨.
[ ١٩ ]
وسنة رسوله، المحقق لتوحيد الله هذا الحديث تجد فيه مسائل:
الأولى: أن من قل علمه ولو من أهل القرون الأولى المصاحبين لرسول الله ﷺ قد يلتبس عليه الأمر وتخفى عليه بعض أنواع الشرك فلا يعصمه من الوقوع فيه إلا الاستنارة بأنوار السنة المحمدية والرجوع إلى كتاب الله وبيان رسوله الكريم ﷺ، وكذلك فعل أبو واقد وأصحابه فإنهم حين ظنوا أن التبرك بشجرة يأذن فيها رسول الله ﷺ لا بأس به ولا ينافي التوحيد ولا يتعارض مع قول «لا إله إلا الله» فأخبرهم النبي ﷺ مؤكدًا إخبارهم بالقسم ومكبرًا، استعظامًا لذلك الأمر: أن ما سألوه هو عين ما سأله قوم موسى، وهو الشرك الأكبر الموجب للخلود في جهنم.
الثانية: أنه لا عبرة بالأسماء وإنما العبرة بالمسميات فإنهم لم يقولوا للنبي ﷺ: اجعل لنا إلهًا نعبده من هذه الشجرة بتعليق أسلحتنا في أغصانها والتبرك بالجلوس عندها، بل قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط، فأخبرهم، وأكد لهم أن ذلك اتخاذ لتلك الشجرة إلهًا.
الثالثة: أن العبادة غير منحصرة في السجود والركوع والدعاء والاستغاثة والاستعاذة، بل كل قول أو عمل عظم به غير الله تعالى رجاء النفع، وإن كان من الأماكن التي مر بها
[ ٢٠ ]
نبي صالح، هو عبادة لذلك المكان، ولا ينفع عابده زعمه أنه يتبرك بمكان كان فيه نبي فضلًا عن غيره، فتقبيل التوابيت والقبور والطواف بها والتمسح بها وأخذ ترابها للشفاء كل ذلك عبادة وشرك بالله تعالى.
الرابعة: فإن قيل: هل أشرك أبو واقد وأصحابه لما خطر ببالهم ذلك؟ قلنا: لا؛ لأن الله تعالى لا يؤاخذ على الخواطر وما وسوست به النفس ما لم يعتقده الإنسان أو يتكلم به أو يعمله، فإن قيل: لو أقدموا على ذلك ولم يسألوا النبي ﷺ هل كانوا يشركون؟ فالجواب: أن ذلك مقتضى قول النبي ﷺ: «قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى» ولكنهم أجل – ولو كانوا حديثي عهد بكفر – من أن يقدموا على مثل ذلك أو أقل منه بلا دليل قاطع من كتاب الله وسنة رسوله، فليعتبر بذلك الذين يسمون أنفسهم علماء ويبيحون اتخاذ المواسم والأعياد عند القبور والقباب، ويحضرونها بأنفسهم، ويأكلون من القرابين التي تذبح عندها، وهي مما أهل لغير الله به ويشاركون العوام في الابتهال والتضرع للأوثان فبعدا للقوم الظالمين فما تركوا للجهال إذن!! .
الخامسة: من أعلام نبوته قوله «إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم»، أي لتتبعن طريقهم في بدعهم ومعاصيهم وشركهم وكفرهم، فتعوذ بالله من العصيان بعد الطاعة،
[ ٢١ ]
ومن الخذلان وعمى البصيرة.
قال الحافظ أبو عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بابن أبي شامة في كتاب البدع والحوادث: «ومن هذا القسم أيضًا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشياطين للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم لفرائض الله وسننه، ويظنون أنهم مقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة دمشق مواضع متعددة كمدينة الحمى خارج باب «توما»، والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة، خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث» انتهى.
وذكر ابن القيم ﵀ مثل ما ذكره أبو شامة ثم قال: «فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت ويقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر، أي تقبل العبادة من دون الله فإن النذر
[ ٢٢ ]
عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذر له، وحديث أبي واقد أيضًا رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي شامة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني.
وفي مغازي ابن إسحاق من زيادة يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار حدثنا أبو العالية قال: لما فتحنا «تستر» وجدنا في بيت مال «الهرمزان» سريرًا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى «عمر» فدعا له كعبًا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل قرأه من العرب قرأته مثل ما أقرأ القرآن فقلت لأبي العالية ما كان فيه قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت: فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس، قلت: وما يرجون منه قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره يستمطرون فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له «دانيال»: فقلت منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعيرات من قفاه» قال ابن القيم ﵀: «ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار ﵃ من تعمية قبره حتى لا يعثر عليه، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه
[ ٢٣ ]
بالسيوف ولعبدوه من دون الله» .
قال محمد تقي الدين: نشرت جريدة «العلم» الاستقلالية المشهورة قبل بضع سنين مقالًا لمعلمة فاضلة اسمها «خديجة النعيمي» أنها كانت تسير مع نسوة فمررن بمكان فيه حجارة، قد وضع بعضها على بعض كوما فقالت رفيقاتها: «نتاع الله لله يا للاحمارة» فأنكرت عليهن وقالت لهن: «أفي الحمير أولياء؟» فقلن: «نعم! إن لها بركة مشهودة»، ورجت «خديجة النعيمي» في ذلك المقال العلماء ليؤدوا ما فرض عليهم ويعلموا الناس السنة الصحيحة، وينقذوهم من الشرك والضلال، فأجبت دعوتها ونشرت في صحيفة «العلم» عدة من المقالات بينت فيها الحق من الباطل وأقمت فيها الحجة على أن ذلك وأمثاله من الشرك الأكبر، وما رأيت أحدًا استجاب لدعوتها غيري، وما أحسن قول الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حيًا
ولو نارًا نفخت بها أضاءت
ولكن لا حياة لمن تنادي
ولكن أنت تنفخ في رماد
وهذا بالنسبة إلى من يسمون أنفسهم علماء فقليل منهم من يؤدي واجبه ويصدع بالحق. أما العوام فإنهم أقرب إلى
[ ٢٤ ]
الخير فكثير منهم إذا عرفوا الحق تمسكوا به، فسكوت هؤلاء المنافقين من العلماء أفضى بالناس إلى عبادة الحمير.
أما صاحب هذه الرسالة الوقحة فلم يقتصر على السكوت ولو اقتصر عليه لكان شيطانًا أخرس كما جاء في الخبر ولكنه فضل أن يكون شيطانًا ناطقًا فسيرى في هذا الجواب إن شاء الله شهابًا ثاقبًا.
أمر عمر بن الخطاب بقطع شجرة الرضوان
قال القاسمي في تفسيره: «قال الحافظ في «الفتح» روى ابن سعد بإسناد صحيح «فقطعت» . وقال ابن وضاح سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة.
وفي فتح المجيد: «قال المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بطريق مكة صلاة الصبح ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء فقيل يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبي ﷺ فهم يصلون فيه فقال إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها.
[ ٢٥ ]
قال صاحب فتح البيان في تفسير سورة الفتح: «وفي الصحيح عن ابن عمر أن الشجرة أخفيت، والحكمة في ذلك أن لا يحصل الافتتان بها لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع أو ضر كما نشهده الآن فيم دونها، ولذلك أشار ابن عمر بقوله كان خفاؤها رحمة من الله، كذا في فتح الباري»، ثم ذكر صاحب فتح البيان الحديث المتقدم عن نافع في قطع الشجرة وقال: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه.
أحاديث النهي عن البناء على القبور والعبادة عدها سدًا للذريعة الموصلة إلى الشرك
١- في الصحيحين عن عائشة عن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» .
قال شيخ الإسلام: «فهؤلاء جمعوا بين فتنتين، فتنة القبور وفتنة التماثيل، وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو في ما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت
[ ٢٦ ]
بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك لقبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون ويخضعون ويعبدون القبور بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله وقت السحر، ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد فيها المشركون الصلاة للشمس فنهى أمته عن الصلاة حينئذٍ وإن لم يقصدوا ما قصده المشركون سدًا للذريعة، وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالضرورة من دين الرسول ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه ﷺ لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن
[ ٢٧ ]
النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة.
وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهية والذي ينبغي أن تحمل عليه كراهة التحريم إحسانًا للظن بالعلماء وأن لا يظن أنهم يجيزون فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعن فاعله والنهي عنه» انتهى.
٢- في الصحيحين عن عائشة أيضًا قالت: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر
[ ٢٨ ]
ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» .
قال في فتح المجيد: «قوله «لما نزل» هو بضم النون وكسر الزاي أي نزل به ملك الموت والملائكة الكرام ﵈. قوله «طفق» بكسر الفاء وفتحها والكسر أفصح، وبه جاء القرآن ومعناه: جعل. قوله «خميصة» بفتح المعجمة والصاد المهملة كساء له أعلام. قوله «فإذا اغتم بها» أي تضايق نفسه بسببها. قوله: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يبين أن من فعل ذلك حل عليه من اللعنة ما حل على اليهود والنصارى. قوله: «يحذر ما صنعوا» الظاهر أنه من كلام عائشة لأنها فهمت من قول النبي ﷺ تحذير أمته من هذا الصنيع الذي كانت تفعله اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم فإنه من الغلو في الأنبياء ومن أعظم الوسائل إلى الشرك، ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن الرسول ﷺ فاعليه تحذيرًا لأمته أن يفعلوه معه ﷺ ومع الصالحين من أمته، قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة واعتقدوه قربة من القربات وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ولرسوله ﷺ. قال القرطبي في معنى هذا الحديث: «وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام» انتهى. إذ لا فرق بين عبادة القبر ومن فيه وعبادة الصنم، وتأمل قول الله تعالى في يوسف بن يعقوب حيث يقول: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء﴾ نكرة في سياق النفي تعم كل شرك.
قوله: «ولولا ذلك» أي ما كان يحذر من اتخاذ قبر النبي ﷺ مسجدًا، لأبرز قبره وجعل مع قبور الصحابة الذين
[ ٢٩ ]
كانت قبورهم في البقيع. قوله: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا» روي بفتح الخاء وضمها، فعلى رواية الفتح يكون هو الذي خشى ذلك ﷺ وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه، وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة فلم يبرزوا قبره خوفًا على الأمة أن يقع بعضها في هذا الخطر الذي نهى عنه الرسول وحذر من فعله.
قال القرطبي: «ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ فأغلقوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة لتوجه المصلين ناحيته فتصور الصلاة بصورة العبادة فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره»» انتهى.
٣- أخرج مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني
[ ٣٠ ]
أنهاكم عن ذلك» .
قال شيخ الإسلام ﵀ بعد إيراد هذا الحديث: «فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في مرض الموت من فعله والصلاة عند القبور من ذلك وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها (أي السيدة عائشة) «خشي أن يتخذ مسجدا» فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»» انتهى.
قال محمد تقي الدين: في هذا الحديث دليل على أن أبا بكر الصديق هو أفضل أصحاب رسول الله ﷺ وهو الذي يستحق أن يكون خليفة بعده.
قال العلماء: الخلة أعلى درجة من المحبة، ولذلك صرح النبي ﷺ بالمحبة لأبي بكر وابنته عائشة وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وأبى أن يتخذ أحدا من أهل الأرض خليلا. والله ﷾ يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب الصالحين المتواضعين للمؤمنين، الأشداء على أعداء الإسلام كما قال في سورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
[ ٣١ ]
يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ (١) ومع ذلك لم يتخذ أحدًا من خلقه خليلًا إلا إبراهيم ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما وإلى تفوق مرتبة الخلة على المحبة يشير قول الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا
٤- أخرج أحمد وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد» .
قال صاحب فتح المجيد: «قوله «والذين يتخذون القبور مساجد»، معطوف على اسم (إن) في محل نصب على نية تكرار العامل، أي وإن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد أي بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها، وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من عمل اليهود والنصارى، وأن النبي ﷺ لعنهم على ذلك تحذيرًا لأمته أن يفعلوا ذلك مع نبيهم وصالحيهم مثل اليهود والنصارى، فما رفع أكثرهم بذلك رأسًا، بل اعتقدوا أن هذا الأمر قربة إلى الله وهو مما يبعدهم من الله ويطردهم من رحمته ومغفرته.
_________________
(١) المائدة: ٥٤.
[ ٣٢ ]
والعجب أن أكثر من يدعي العلم ممن هو من هذه الأمة لا ينكرون ذلك، بل ربما استحسنوه ورغبوا في فعله، فلقد اشتدت غربة الإسلام وعاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير» .
قال محمد تقي الدين: ومع ذلك كله لا نيأس من وجود طائفة قائمة بنصرة الحق ثابتة عليه مبلغة له، منصورة به لا يضرها من خالفها ولا من عاداها إلى يوم القيامة، لأن النبي ﷺ بشرنا بذلك لما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» .
قال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ وقال ابن المبارك وعلي بن المديني وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم «إنهم أهل الحديث» .
وقد ظن هذا المشرك أن الجو قد خلا له فصار يبعث بالرسائل إلى اتخاذ الأولياء من دون الله وينهاهم عن اتباع سنة رسول الله، ألا ساء ما سولت له نفسه:
خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري
[ ٣٣ ]
لابد من أخذك يومًا فاحذري
وما أحسن ما قال بعضهم:
دعاني لشب الحرب بيني وبينه
فلما أبى ألقيت فضل عنانه
فكان صريع الخيل أول وهلة
فقلت له لا لا هلم إلى السلم
إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
فبعدا له مختار جهل على علم
٥- روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد» .
وله شاهد عند أحمد بسنده عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد» وقد استجاب الله دعاء رسوله ﷺ، وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀:
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي
فأجاب رب العالمين دعاءه
قد ضمه وثنا من الأوثان
وأحاطه بثلاثة الجدران
[ ٣٤ ]
حتى غدت أرجاؤه بدعائه
في عزة وحماية وصيان
ودل الحديث على أن قبر النبي ﷺ لو عبد كان وثنا، لكن حماه الله بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه. ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها. وقد عظمت الفتنة بالقبور بتعظيمها وعبادتها.
٦- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» رواه أبو داود بإسناد حسن، رواته ثقات. وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم» رواه الضياء في المختارة ورواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل.
وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن صالح قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء
[ ٣٥ ]
فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم. لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. وقال سعيد أيضًا: حدثنا حبان بن علي حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني» .
في هذا الحديث فوائد:
الأولى: أمر النبي ﷺ أمته أن يجعلوا بعض عبادتهم كالصلاة والدعاء وقراءة القرآن في بيوتهم، هذا في غير الفرائض الخمس، أما هي فالأفضل أن تكون في المساجد إجماعًا.
الثانية: تشبيه النبي ﷺ البيت الذي لا يصلى فيه ولا يقرأ فيه القرآن بالمقبرة دليل مفهومه النهي عن الصلاة وقراءة القرآن في المقابر، وقد مر التصريح بذلك في الأحاديث السابقة.
الثالثة: نهى النبي ﷺ أمته عن اتخاذ قبره عيدا يحج الناس إليه كالمسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفات فإنها
[ ٣٦ ]
أعياد مكانية يعود الناس إليها في كل عام. والأعياد الزمانية هي التي تعود على الناس كعيد الأضحى وعيد الفطر. ومن المعلوم أن الرحال لا تشد إلى بقعة لفضل فيها إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد النبي والمسجد الأقصى.
الرابعة: إخبار النبي ﷺ أن صلاة المصلين وسلام المسلمين عليه يوصلهما الله إليه، وإن كان المصلي في أقصى مشارق الأرض ومغاربها فلا فرق بين بعيد وقريب، ولذلك قال الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء»، يعني أن من سلم على النبي ﷺ وهو ملتصق بحائط حجرته الشريفة أو في مسجده كمن سلم عليه في الأندلس.
الخامسة: إذا امتنع تحري الدعاء عند حجرة النبي ﷺ فامتناعه عند قبور الصالحين أولى. وقد تقدم لعن من يفعله على لسان النبي ﷺ وكون فاعله من شرار الخلق عند الله، واشتداد غضب الله عليهم فليبؤ بإثم ذلك كل من دعا إلى ضلالة كمرسل الرسالة المنكرة إلى إمام مسجد أرفود، يدعوهم فيها إلى الشرك وترك سنة النبي ﷺ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.
السادسة: قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه عقب تخريج هذا الحديث: «فانظر إلى هذه السنة كيف أن مخرجها
[ ٣٧ ]
أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط» انتهى.
السابعة: عن ابن عباس قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن الثلاثة (أبو داود والترمذي وابن ماجة) ورواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، ورواه ابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه.
وفيه مسائل:
الأولى: لعن النبي ﷺ لزائرات القبور يقتضي تحريم زيارة القبور على النساء مطلقًا، وفي الباب أحاديث متعددة، وقد اختلف الأئمة في ذلك، والحق مع القائلين بالتحريم.
الثانية: لعن النبي ﷺ لمن يبني مسجدًا أو غيره على قبر كيفما كان ذلك القبر. وقد تقدمت الأحاديث في ذلك بما فيه الغنية.
الثالثة: لعن النبي ﷺ لكل من يوقد سراجًا أو شمعة أو نحوهما على قبر تعظيمًا له، وكذلك من يعظمه بإهداء الأموال إليه والتصدق لوجه صاحبه إلى غير ذلك مما يفعله المشركون لآلهتهم وأوليائهم الذين اتخذوهم من دون الله ولنقتصر على هذا القدر في الرد على ما جاء في رسالة المفتون من إباحة الشرك والترغيب فيه.
[ ٣٨ ]