قواعد لا بد من معرفتها .. وهي ست قواعد
القاعدة الأولى
الحكم بما أنزل الله فرض عين على كل مسلم .. وتتضمن ستة أصول
الأصل الأول: وجوب الحكم بشرع الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩].
الأصل الثاني: وجوب التحاكم إلى شرع الله تعالى مع الرضا والتسليم لشريعته، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
[ ١١ ]
الأصل الثالث: الوعيد لمن لم يحكم بشرع الله تعالى
الأصل الرابع: الحذر من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ﷺ
الأصل الخامس: حكم الله ﵎ أحسن الأحكام
الأصل السادس: ما جاء من أحكام شرعية من عند الله فهو روح ونور
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥].
الأصل الثالث: الوعيد لمن لم يحكم بشرع الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧].
الأصل الرابع: الحذر من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣].
الأصل الخامس: حكم الله ﵎ أحسن الأحكام، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
الأصل السادس: ما جاء من أحكام شرعية من عند الله فهو روح ونور، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢].
[ ١٢ ]
القاعد الثانية
وقوع المرء في شيء من المكفرات لا يلزم منه كفره
وذلك أن تكفير المعيَّن مشروط بإقامة الحجة.
قال ابن تيمية ﵀: " وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط؛ حتى تقام عليه الحجة وتُبيَّن له المحجة. ومن ثبت إسلامه بيقين لم يَزُل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة " (الفتاوى ١٢/ ٤٦٦).
* أقول: وإقامة الحجة؛ تعني التأكد من توفر شروط تكفير المعيَّن في ذلك المرء؛ كالعلم المنافي للجهل، والقصد المنافي للخطإ، والاختيار المنافي للإكراه، وعدم التأويل السائغ المنافي لوجود التأويل السائغ.
* وعليه: فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر؛ فلا يلزم منه كفر كل من وقع فيه، إذ لا بد من إقامة الحجة قبل الحكم بالكفر.
[ ١٣ ]
القاعدة الثالثة
كفر الحاكم لا يلزم منه جواز الخروج عليه
وذلك أن لجواز الخروج على الحاكم خمسة شروط:
١. وقوعه في الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان.
٢. إقامة الحجة عليه.
٣. القدرة على إزالته.
٤. القدرة على تنصيب مسلم مكانه.
٥. ألاّ يترتب على هذا الخروج مفسدة على المسلمين أعظم من مفسدة بقائه.
قال ابن تيمية ﵀: " فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين. وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال
[ ١٤ ]
أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (الصارم المسلول ٢/ ٤١٣).
وقال ابن باز ﵀: " إلا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا. أو كان الخروج يسبب شرًا أكثر: فليس لهم الخروج؛ رعاية للمصالح العامة. والقاعدة الشرعية المجْمَع عليها أنه (لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه)؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه. أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين. فإذا كانت هذه الطائفة - التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفرًا بواحًا - عندها قدرة تزيله بها وتضع إمامًا صالحًا طيبًا من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان: فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحقّ الاغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم فهذا لا يجوز " (الفتاوى ٨/ ٢٠٣).
[ ١٥ ]
وقال ابن عثيمين ﵀ عن الخروج على الحاكم الكافر: " إن كنا قادرين على إزالته فحينئذ نخرج، وإذا كنا غير قادرين فلا نخرج؛ لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطة بالقدرة والاستطاعة. ثم إذا خرجنا فقد يترتب على خروجنا مفسدة أكبر وأعظم مما لو بقي هذا الرجل على ما هو عليه. لأننا [لو] خرجنا ثم ظهرت العزة له؛ صرنا أذلة أكثر وتمادى في طغيانه وكفره أكثر " (الباب المفتوح ٣/ ١٢٦، لقاء ٥١، سؤال ١٢٢٢).
* وعليه: فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر، ووقع فيه الحاكم؛ فإنه لا يلزم منه جواز الخروج عليه ولو أقيمت عليه الحجة، بل لا بد من النظر في الشروط الأخرى المبيحة للخروج.
[ ١٦ ]
القاعدة الرابعة
الأصل في الأعمال المخالفة للشرع؛ عدم التكفير والتكفير طارئ على هذا الأصل ناقل عنه
وهذا يعني أن جميع الأعمال المخالفة للشرع غير مكفرة، إلا ما دل الدليل على التكفير به. وتتفرع من هذه القاعدة مسألتان:
١. مَن أراد نقل عمل من الأعمال المنهي عنها من أصله (= عدم الكفر) إلى خلاف أصله (= الكفر) فيلزمه الدليل، فإن لم يأت بدليل فلا عبرة بما قال.
٢. مَن أراد التحذير من التكفير بعمل من الأعمال المنهي عنها، فيكفيه الاستدلال بالأصل، وعدم وجود الدليل الذي ينقل من ذلك الأصل.
قال ابن عبد البر ﵀: " ومِن جهة النظر الصحيح الذي لا مَدْفع له: أن كل مَن ثبت له عقد الإسلام في وقتٍ بإجماع
[ ١٧ ]
من المسلمين، ثم أذنب ذنبًا أو تأول تأويلًا، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام؛ لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر، أو سنة ثابتة لا معارض لها " (التمهيد ١٦/ ٣١٥).
* أقول: واعتبر في هذه القاعدة بما قرره أهل العلم في نواقض الوضوء على سبيل المثال؛ فلا يجرؤ أحد منهم على نقضِ وضوء صحيح إلا بدليل، ولو قال أحد في شيء من نواقض الوضوء برأيه من دون دليل؛ فإنهم لا يقبلون قوله.
قال ابن المنذر ﵀: " إذا تطهر الرجل فهو على طهارته، إلا أن تدل حجة على نقضِ طهارته " (الأوسط ١/ ٢٣٠).
وقال ﵀: " وليس مع من أوجب الوضوء من ذلك حجة من حيث ذكرنا، بل قد أجمع أهل العلم على أن من تطهر: طاهر، وقد اختلفوا في نقض طهارته بعد حدوث الرعاف والحجامة فقالت طائفة: انتقضت طهارته، وقال آخرون: لم تنقض. قال: فغير جائزٍ أن تُنقض طهارة مجْمَع عليها إلا بإجماع مثله، أو خبر عن رسول الله ﷺ لا معارِض له " (الأوسط ١/ ١٧٤).
[ ١٨ ]
* ثم أقول: فإنْ توقف علماء الإسلام عن قبول القول بنقض عبادة الوضوء إلا إن جاء قائله بدليل، فإن نقضَ الإسلام أولى بهذا التوقف؛ وذلك أن إبطالَ إسلام المرء أبلغ من إبطال وضوئه. فاحفظ هذا فإنه مهم.
* وعليه: فإن الأصل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله أنها غير مكفرة؛ فمن كفر بأي صورة من صور المسألة لزمه الدليل، فإن لم يأت بالدليل فلا عبرة بما قال.
القاعدة الخامسة
مسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا تختص بأحد دون أحد
فلا تختص بالقاضي ولا الأمير ولا الحاكم الأعلى؛ بل تشمل كل من حكم بين اثنين.
قال ابن تيمية ﵀: " وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ، سواء كان صاحب حرب، أو متولي ديوان، أو منتصبًا للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى الذي
[ ١٩ ]
يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام " (الفتاوى ١٨/ ١٧٠).
* وعليه: فالحكم في حق الأمير وغير الأمير على السواء، ومن كفر في أي صورة من صور هذه المسألة؛ لزمه أن يكفر كل من وقع في تلك الصورة؛ أميرًا كان أو غير أمير.
القاعدة السادسة
الإجمال سبب في كثير من الإشكالات
قال ابن تيمية ﵀: " وأما الألفاظ المجملة؛ فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال؛ يوقع في الجهل والضلال والفتن والخبال والقيل والقال " (منهاج السنة ٢/ ٢١٧).
وقال ابن القيم ﵀: " إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم - التي هي في الحقيقة جهليات -، إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة محتملة، تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى، والإجمال في اللفظ؛ يوجب تناولها بحق وباطل، فبما فيها من الحق: يقبل
[ ٢٠ ]
من لم يحط بها علمًا ما فيها من الباطل، لأجل الاشتباه والالتباس. ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء، وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع كلها فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مخبطة " (الصواعق المرسلة ٣/ ٩٢٥).
وقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏: " فإن الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة موانع الخطاب وتفاصيله؛ يحصل به شيء من اللبس والخطإ وعدم الفقه عن الله، ما يُفسد الأديان ويشتت الأذهان ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن " (عيون الرسائل ١/ ١٦٦).
* وعليه: فالواجب التفصيل في أي مسألة فصّلتها الأدلة الشرعية، ولا يصح إطلاق الأحكام على الأفعال دون اعتبار التفصيل الذي اقتضاه الدليل.
وانطلاقًا من هذه القاعدة؛ إليك:
[ ٢١ ]