أولًا: المراد بالحوقلة:
الحوقلة كلمةٌ منحوتة من " لا حول ولا قوة إلاّ بالله "، وهذا الباب سماعي، وهو من الفعل الرباعي المجرد كما هو مقررٌ في كتب الصرف.
والنحت «هو أن ينحت من كلمتين أو أكثر كلمة واحدة تدل على معنى الكلام الكثير، وذلك على النحو التالي:
أ - النحت من كلمتين مركبتين تركيبًا إضافيًا مثلما نحتوا من عبد قيس: عبقسي.
ب – النحت من جملة مثل: بسمل أي: قال بسم الله، حوقل، قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله» ١.
ويقال لها أيضا «الحولقة»، قال النووي – ﵀ -: «قال أهل اللغة: ويعبر عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة » ٢.
وقال في موضع آخر: «ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلاّ بالله الحوقلة، هكذا قاله الأزهري والأكثرون، وقال الجوهري الحولقة، فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله تعالى، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، والأول أولى لئلا يفصل بين الحروف» ٣.
_________________
(١) ١ التطبيق الصرفي للدكتور عبده الراجحي (ص: ٢٩) . وانظر للاستزادة: المبدع في التصريف لأبي حيان (ص: ١٠١)، المغني في تصريف الأفعال لمحمد عبد الخالق عضيمة (ص: ١٠٧)، تصريف الأفعال ومقدمة الصرف لعبد الحميد عنتر (ص: ١٢٧) . ٢ شرح النووي على صحيح مسلم (١٧ / ٢٧) . ٣ المصدر السابق (٤ / ٨٧) ونقله الشوكاني في نيل الأوطار (٢ / ٣٨) .
[ ٦٢ ]
ويلاحظ على هذا أمران:
١- أنَّ الذي ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ونقله عن بعض أهل اللغة كالفراء وابن السكيت «الحولقة» وليس «الحوقلة» ١.
٢- تعليل أولوية لفظ «حوقل» على لفظ «حولق» بحجة عدم الفصل بين الحروف غير واضح، لأنَّ «حولق» ليس فيها فصل بين الحروف.
_________________
(١) ١ انظر: تهذيب اللغة (٣ / ٣٧٣)، و(١٣ /١٥٦) .
[ ٦٣ ]
ثانيًا: معنى «لا حول ولا قوة إلاّ بالله»:
الحول: هو التحرك، يقال: حال الرجل في متن فرسه يحول حولًا وحوُولًا إذا وثب عليه، وحال الشخص إذا تحرك، وكذلك كلُّ متحول عن حاله٢.
والقوة: هي الشدّة وخلاف الضعف، يقال: قوي الرجل، كرضي، فهو قويٌّ وتَقوَّى واقتوى أي: صار ذا شدّة، وقوّاه الله أي: أعطاه القوة وهي الشدّة وعدم الضعف٣.
فمعنى لا حول ولا قوة إلاّ بالله أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا حصول قوة للعبد على القيام بأيِّ أمر من الأمور، إلاّ بالله، أي: إلاّ بعونه وتوفيقه وتسديده، وقد ورد في بيان معنى هذه الكلمة وتوضيح المراد بها عن السلف وأهل العلم نقول عديدة من ذلك:
١- قول عبد الله بن عباس ﵄ في «لا حول ولا قوة إلاّ بالله» أي: «لا حول بنا على العمل بالطاعة إلاّ بالله، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلاّ بالله» رواه ابن أبي حاتم٤.
_________________
(١) ٢ انظر: معجم مقاييس اللغة (٢ / ١٢١)، ومجمل اللغة (١ / ٢٥٨) كلاهما لابن فارس. ٣ انظر: معجم مقاييس اللغة (٥ /٣٦)،ومجمل اللغة (٣ / ٧٣٦)، والقاموس المحيط للفيروز ابادي (ص: ١٧١) . ٤ أورده السيوطي في الدر المنثور (٥ / ٣٩٣) .
[ ٦٣ ]
٢- وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال في معناها أي «لا حول عن معصية الله إلاّ بعصمته، ولا قوة على طاعته إلاّ بمعونته» ١.
٣- وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ في معناها أي: «أنا لا نملك مع الله شيئًا، ولا نملك من دونه، ولا نملك إلاّ ما ملكنا مما هو أملك به منا» ٢.
٤- وسئل زهير بن محمد عن تفسير «لا حول ولا قوة إلاّ بالله» فقال: «لا تأخذ ما تحبّ إلاّ بالله، ولا تمتنع مما تكره إلاّ بعون الله» رواه ابن أبي حاتم٣.
٥- وسئل أبو الهيثم الرازي (ت٢٧٦هـ) وهو إمام في اللغة عن تفسير «لا حول ولا قوة إلاّ بالله» فقال: «الحول: الحركة، يقال حال الشخص إذا تحرك، فكأنّ القائل إذا قال: لا حول ولا قوة، يقول: لا حركة ولا استطاعة إلاّ بمشيئة الله» ٤.
٦- وقيل معناها: «لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلاّ بالله» ٥.
وجميع هذه الأقوال متقاربة في الدلالة على المعنى المراد بهذه الكلمة العظيمة؛ ولهذا قال النووي – ﵀ – بعد أن أورد بعض هذه الأقوال: «وكلُّه متقاربٌ» ٦.
_________________
(١) ١ ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (١٣ / ٢٦) . ٢ ذكره ابن علان في الفتوحات الربانية (١ / ٢٤٢) . ٣ أورده السيوطي في الدر المنثور (٥ / ٣٩٤) . ٤ تهذيب اللغة للأزهري (٥ / ٢٤٣) . ٥ ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (١٧ / ٢٦) . ٦ المصدر السابق (١٧ / ٢٧) .
[ ٦٤ ]
ثالثًا: إعراب «لا حول ولا قوة إلاّ بالله»:
«لا»: نافية للجنس.
«حول»: اسم لا، مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، وتقديره كائن أو موجود.
«ولا» الواو عاطفة، ولا نافية للجنس أيضا.
«قوة» اسم لا، وخبرها محذوف، وتقديره كائنة أو موجودة.
«إلاّ» أداة استثناء.
«بالله» جار ومجرور، متعلق بالخبر المحذوف.
وقد ذكر أهل اللغة أنَّه يجوز في إعراب «لا حول ولا قوة إلاّ بالله» خمسة أوجه١، بيانها كما يلي:
١ – «لا حولَ ولا قوةَ إلاّ بالله» بفتحهما بلا تنوين.
٢ – «لا حولَ ولا قوةً إلاّ بالله» بفتح الأولى ونصب الثاني منونًا.
٣ – «لا حولٌ ولا قوةٌ إلاّ بالله» برفعهما منونين.
٤ – «لا حولَ ولا قوةٌ إلاّ بالله» بفتح الأول ورفع الثاني منونًا.
٥ – «لا حولٌ ولا قوةَ إلاّ بالله» برفع الأول منونًا وفتح الثاني.
وإلى هذه الوجوه الخمسة يشير ابن مالك – ﵀ – في ألفيته حيث يقول:
عملَ إنّ اجعل للا في نكرة
مفردةً جاءتك أو مكررة
فانصب بها مضافًا أو مضارعه
وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
_________________
(١) ١ انظر: شرح ابن عقيل على الألفية (١/٣٩٥) وتفسير القرطبي (٣/١٧٤) وشرح صحيح مسلم للنووي (٤/٨٧) و(١٧/٢٥) .
[ ٦٥ ]
وركّب المفرد فاتحًا كلا
حول ولا قوة والثان اجعلا
مرفوعًا أو منصوبا أو مركبا
وإن رفعتَ أوّلًا لا تنصبا١
ثم إنَّ في هذه الكلمة صيغةً من صيغ الحصر وهي «إلاّ»، بل عدّها السكاكي من أهم صيغ الحصر ٢.
قال الأخضري في أرجوزته مشيرًا إلى صيغ الحصر:
وأدوات القصر إلاّ إنّما
عطفٌ وتقديم كما تقدّما (٣)
_________________
(١) ١ متن الألفية (ص: ٢١) . ٢ انظر: مفتاح العلوم للسكاكي (ص: ٢٨٩) . ٣ منظومة الجوهر المكنون في علم البلاغة للأخضري (ص: ٢٩) .
[ ٦٦ ]