ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول في دعاء غير الله تعالى وما ورد في التحذير منه ومفاسده وأسباب انتشاره في العالم الإسلامي.
الفصل الثاني في مراتب الدعاء غير المشروع، ومظاهر غلو المتأخرين فيه وحكم من دعا غير الله تعالى.
الفصل الثالث: في الأدعية المبتدعة وما ورد في التحذير من الابتداع في الدعاء وغيره.
[ ١ / ٤٠٩ ]
الفصل الأول في دعاء غير الله تعالى، وما ورد في التحذير منه، ومفاسده وأسباب انتشاره في العالم الإسلامي
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: فيما ورد في التحذير منه ومفاسده.
ويشتمل على تمهيد وثلاثة مطالب:
[ ١ / ٤١١ ]
المبحث الأول فيما ورد من التحذير من دعاء غير الله في كتاب الله تعالى والسنة النبوية وبيان مفاسده وآثاره الضارة
تمهيد:
إن دعاء غير الله تعالى قبيح شرعًا وعقلًا واتفقت الفطر السليمة والشرائع المنزلة على منع ذلك وقبحه وشناعته.
وأجمع علماء الأمة على أن طلب الحوائج من غير الله تعالى من الأموات والاستغاثة بهم شرك بالله تعالى يخرج من الملة.
وتواترت أدلة الكتاب والسنة على التحذير من ذلك والمبالغة في النهي عنه، والتشنيع على فاعله وذم مرتكبه.
وتضافرت نصوص الكتاب والسنة على ذلك حتى صار من ضروريات الإسلام التي لا يرتاب فيها كل من فهم الكتاب والسنة.
وهذا ليس خاصًّا بالشريعة الإسلامية بل الشرائع كلها جاءت بذلك فهو من الأصول الثابتة التي اتفقت فيها الشرائع السماوية، والكتب المنزلة.
ففي التوراة: إن موسى ﵇ نهى بني إسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله وذلك أن دين الأنبياء ﵈ واحد وإن تنوعت شرائعه كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا
[ ١ / ٤١٣ ]
واحد" (^١) (^٢). فالأنبياء متفقون في الأصول الأساسية، فمن الأصول المتفق عليها بين النبوات "المنع من دعاء الغائبين والأموات فلا يدعون الشفاعة ولا غيرها (^٣).
ومع أن الأنبياء جاؤوا بهذا الأصل العظيم إلا أن الشريعة الخاتمة جاءت على وجه خاص لا يوجد في غيرها من الشرائع حيث حافظت على التوحيد الخالص والمنع من دعاء غير الله تعالى أشد المحافظة، فسدت كل الطرق المؤدية إلى ما يناقض التوحيد أو يمنع كماله أو يخدش فيه، لأن هذا الأصل به يتحقق إخلاص الدعاء بنوعيه الله تعالى فيتحقق الغرض الذي خلقنا أجله، من، وهو إخلاص العبادة الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ومن هنا جاءت هذه الشريعة الغراء بالتحذير البالغ مما يناقض هذا الأصل أو يمنع كماله.
ومن أهم ما يناقضه: دعاء غير الله تعالى ولهذا جاء التحذير منه بأساليب متنوعة نشير إلى بعضها إن شاء الله تعالى.
المطلب الأول: الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله تعالى، وأساليب القرآن المتنوعة في ذلك:
لقد حذر الله ﷾ من دعاء غيره في القرآن الكريم تحذيرًا بالغًا وتنوعت أساليب القرآن في ذلك، وتكررت في مناسبات شتى ومواضع متعددة وبعبارات متنوعة، وذلك لخطورة دعاء غير الله تعالى وكونه أعظم الظلم وأكبر معصية عصى الله به، ولكونه أكثر وقوعًا من غيره من أنواع الكفر الأخرى وأكثر انتشارًا في جميع أصناف الناس وطبقاتهم، وجميع الأزمان والأمكنة.
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٦/ ٤٧٧ رقم ٣٤٤٢، ومسلم: ٤/ ١٨٣٧ رقم ٢٣٦٥.
(٢) قاعدة في التوسل: ١٥٣.
(٣) مصباح الظلام: ٢٦٥.
[ ١ / ٤١٤ ]
ولهذا أبدى الله في كتابه العزيز التحذير منه وأعاد، ونَوَّعَ الأساليب كما نوع الأدلة والبراهين على قبح ذلك في الفطر والعقول السليمة.
وهذا موجز لبعض تلك الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله تعالى ونوردها حسب الموضوعات التي تتحدث عنها والأساليب التي وردت بها، وإليك تلك الآيات الكريمة:
١ - آيات نَهَى اللهُ فيها عن دعاء غيره مخاطبًا فيها نبيه وصفيه محمدًا ﷺ وهذا أبلغ ما يكون من النهي لأنه إذا كان الرسول ﷺ يحذره الله من دعاء غيره مع أنه المعصوم فمن باب أولى أن يخاف منه باقي الأمة، ويحذروا من الوقوع فيه وفي هذا رد صريح لمن يزعم أن الشرك لا يقع في هذه الأمة المرحومة.
ومن أمثلة تلك الآيات قوله تعالى:
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ففي هذه الآية تحذير - من أشد ما يكون من التحذير - من دعاء غير الله تعالى وأن فاعله ظالم أي مشرك فإن الظلم هو الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٨].
ففي هاتين الآيتين أن من دعا غير الله مع الله فقد جعله إلها أي معبودًا، فكيف بمن أفرد الدعاء لغير الله تعالى، وأخلص الدعاء له واعتقد أن الأولياء أسرع (^١) في الإجابة من الله تعالى؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ففي هذه الآيات وجه خطاب التحذير إلى المصطفى ﷺ للدلالة على خطر دعاء غير الله تعالى.
٢ - آيات وجَّه اللهُ فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى إلى جميع
_________________
(١) انظر ما سيأتي ص: ٥١٧.
[ ١ / ٤١٥ ]
الناس كافة منها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
ففيها نهي وتحذير عن دعاء غيره معه فكيف بإخلاص الدعاء لغيره؟ كما هو واقع عن كثير من الناس.
كما أن فيها نهيًا عن دعاء أي شيء كائنًا ما كان سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو غيرهما لأن النكرة في سياق النهي تعم.
ومما لا ينقضي عجبه أن الكليني الرافضي أخرج بإسناده عن أبي الحسن وهو علي الرضا أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: نحن الأوصياء (^١).
وهذا من أقبح التحريف لكلام الله تعالى وتفسير له بما يناقض مدلوله صراحة فإن الآية دالة على النهي عن دعاء غير الله تعالى بصيغة هي من أوضح صيغ العموم.
ولكن القوم من أسخف الناس عقولًا إذ يصدقون بمثل هذا الكذب الواضح والتحريف الفظيع لكلام الله تعالى.
٣ - آيات وجه الله فيها الخطاب لنبيه ﷺ بإخلاص الدعاء له وحده وفي ذلك الأمر نهي عن دعاء غيره تعالى لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده كما أن أمر النبي ﷺ أمر لأمته ونهيه نهي لأمته بأبلغ وجه كما أن الأمر بالدعاء يدل على أنه إما واجب أو مستحب وما كان كذلك لا يكون إلا عبادة والعبادة خصيصة من خصائص الله لا يجوز صرفها لغيره تعالى.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨].
فقد أمر الله نبيه ﷺ إذا فرغ من الصلاة أو الجهاد أو غيرهما مما يشتغل به أن يفرد الله تعالى بالرغبة إليه بدعائه وسؤاله (^٢).
ومن هذا الباب الآيات التي أمر فيها النبي ﷺ بالاستعاذة إذ
_________________
(١) الكافي: ١/ ٣٥٢.
(٢) انظر ابن جرير الطبري: ٣٠/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ١ / ٤١٦ ]
الاستعاذة نوع من الدعاء كما سبق (^١) ومن أمثلتها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ [المؤمنون: ٩٧].
ففي هذه الآيات أمر للنبي ﷺ بالاستعاذة بالله تعالى فيفهم منه بطريق الاستعاذة بغيره تعالى لأنه لا يعقل أن يستعاذ بمخلوق المخالفة النهي عن من مخلوق، وقد صرح كثير من علماء السلف بهذا كما سيأتي (^٢).
٤ - آيات أمر الله فيها عباده بإخلاص الدعاء له وحده، وفي ذلك نهي عن دعاء غيره أو إشراكه معه في الدعاء، وذلك لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وهذه قاعدة مقررة في علم الأصول (^٣).
قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٣٩].
وقال عز من قائل: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].
وقال سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ففي الآية حصر لطلب الرزق بالله تعالى ويدل على ذلك تقديم الظرف. قال شيخ الإسلام ﵀: "ولم يقل فابتغوا الرزق لأن تقديم الظرف يشعر
_________________
(١) سبق ص: ٨٨.
(٢) سيأتي ص: ٤٢٦.
(٣) القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام: ١٨٣.
[ ١ / ٤١٧ ]
بالاختصاص والحصر كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله تعالى" (^١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فهذه الآية "من أوضح الأدلة على تحريم دعاء الموتى، فإن الصلاة دعاء صريح قولًا وعملًا وقد دلت الآية على أن ذلك الله وحده لا شريك له. . ." (^٢).
وقد تقدم (^٣) بفضل الله تعالى بيان اشتمال الصلاة على الدعاء والعلاقة بينهما.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فهذه الآية تأمر (^٤) بإخلاص الدعاء الله تعالى بالتوسل إليه بأسمائه الحسنى، كما تنهى عن الإلحاد فيها، فالأمر بالدعاء بالأسماء الحسنى فيه نهي عن الدعاء بغير الأسماء الحسنى فكيف بدعاء غير الله تعالى والاستعانة به؟
ومما يضحك ويبكي ما ذكره الكليني في الكافي بإسناده عن جعفر الصادق أنه قال في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: نحن الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا" (^٥).
فهذا القول الذي حكاه كذبًا عن الصادق ﵀ يكفي في رده حكايته لوضوح تحريفه لكلام الله تعالى وكم للروافض من مثل هذه التحريفات لكلام الله تعالى!!!
_________________
(١) العبودية ص: ٩٢.
(٢) مصباح الظلام: ٢٦٠.
(٣) ص ٧٩ - ٨٤.
(٤) قال الحافظ نقلًا عن غيره في هذه الآية أن التعريف في الأسماء للعهد فلا بد من المعهود فإنه أمر بالدعاء بها ونهي عن الدعاء بغيرها فلا بد من وجود المأمور بها. الفتح: ١١/ ٢٢١. وقال شيخ الإسلام فقد يقال: قوله: "فادعوه بها" أمر أن يدعى بالأسماء الحسنى وأن لا يدعى بغيرها كما قال: "ادعوهم لآبائهم" فهو نهي أن يدعوا لغير آبائهم .. اهـ. الفتاوى: ٦/ ١٤٢.
(٥) الكافي: ١/ ١١١.
[ ١ / ٤١٨ ]
٥ - آيات تصور من يدعو غير الله تعالى بأحط صورة وتمثل هلاكه بما يوضح قبح دعاء غير الله تعالى ومدى شناعته، وفي ذلك أبلغ زجر وأشد تقريع.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا …﴾ الآية [الأنعام: ٧١].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٢].
٦ - آيات تبين عجز المدعوين من دون الله تعالى وعدم استحقاقهم للدعاء وأهليتهم له، لأنه ليس لهم الصفات التي ينبغي أن تكون للذي يستحق أن يتوجه إليه بالدعاء.
وفي ذلك أبلغ تحذير لمن يدعونها بتسخيف عقولهم وتسفيه أحلامهم وهذه المجموعة من الآيات التي تبين عجز المدعوين تتنوع إلى عدة أنواع: -
أ - نوع بين الله فيها صفات من يستحق الدعاء من السمع والبصر المحيطين والعلم الشامل والحياة … إلى آخر الصفات التي يستحقها من يستحق أن يوجه إليه الدعاء وأن المدعوين من دون الله تعالى ليست لهم هذه الصفات.
فمن الآيات التي بينت ذلك قوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ مع قومه:
﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: [٧٢ - ٧٣].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ
[ ١ / ٤١٩ ]
تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦ - ٧].
وقوله عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١].
ب - نوع بيّن الله فيها أن المدعوين من دون الله تعالى ليس لهم ملك ولا شراكة فيما يطلب منهم ولا تقبل منهم شفاعة فكيف يدعون وأي فائدة في ذلك؟
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
ففي هاتين الآيتين نفي لكل من الملك والشراكة والمعاونة والشفاعة، وهذه الأمور الأربعة هي التي يمكن أن يدعيها الذين يَدْعُون غير الله لمن يدعونهم فإذا لم تكن ولا واحدة منها فلا يصح عقلًا أن يوجه السؤال لمن لا يتصف بواحدة منها فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا للتوحيد وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها" (^١).
ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأحقاف: ٤].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠].
جـ - نوع بيّن الله فيها عجز المدعوين عن دفع الضرر عن أنفسهم فضلًا عن غيرهم وفي هذا أبلغ رادع لمن يطلب منهم دفع الضرر أو إيصال النفع.
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٣٤٣، والقاعدة في التوسل: ١١١.
[ ١ / ٤٢٠ ]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
وقال جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ [الأعراف: ١٩٧].
د - نوع بين الله فيها عجزهم وعدم استطاعتهم لإزالة ضر أو جلب نفع عن الداعين لهم والمستغيثين بهم في الشدائد والمصائب.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء: ٥٦].
٧ - آيات توضح أن المدعوين أنفسهم يلتجئون إلى الله تعالى ويتقربون إليه فهم بين الخوف والرجاء أليس اللائق أن يلتجأ إلى من يلتجئون إليه وأن يتقرب إلى من يتقربون إليه؟.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧].
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُون …﴾ [النساء: ١٧٢].
٨ - آيات وصفت دعاء غير الله تعالى بأنه شرك أو كفر أو وصفت الداعين بأنهم مشركون أو كافرون، وفي ذلك أعظم تحذير وأبلغ إنذار من دعاء غير الله تعالى.
وستأتي (^١) تلك الآيات إن شاء الله تعالى في مبحث حكم من دعا غير الله تعالى.
٩ - آيات توضح أن دعاء غير الله تعالى ضلال مبين وأنه مضلة في الرأي
_________________
(١) ستأتي ص: ٥٢٩ - ٥٣٣.
[ ١ / ٤٢١ ]
والفكر وأنه خسران مبين، وأنه لا يزداد بذلك إلا طغيانًا وضلالًا وإثمًا.
قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ [الحج: ١٣ - ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦].
١٠ - آيات تصف المؤمنين بإخلاص الدعاء الله وحده وبأنهم يلتجئون في الشدائد والكربات إلى الله وحده أو تخبر عن تعهد المؤمنين والتزامهم بإخلاص الدعاء الله تعالى وأنهم لا يدعون غيره، ففي هذا تعريض وتوبيخ لمن يلتجيء إلى غير الله تعالى في الشدائد والكربات ويدعو مع الله الأموات والغائبين ولا يلتزم بإخلاص الدعاء.
قال تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وقال عز شأنه: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤].
١١ - آيات تبيّن غياب المدعوين عن الداعين عند هجوم الشدائد ونزول المحن والبلايا والمصائب مع العلم بأن الذي لا ينفع عند الاضطرار لا حاجة تدعو إلى عبادته ودعائه في الرخاء، ففي هذا أوضح تحذير وأبلغ زجر لمن يدعو ما لا ينفعه عند الشدائد.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ [فصلت: ٤٧ - ٤٨]
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ [غافر: ٧٣ - ٧٤].
[ ١ / ٤٢٢ ]
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١].
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾ [الأعراف: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ [هود: ١٠١].
١٢ - آيات تتوعد من يدعو غير الله تعالى بالعذاب الأليم وبأن له الحساب القاسي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ١١٣].
١٣ - آيات كثيرة حذر الله فيها من عبادة غيره بأساليب متعددة، وقد علمنا أن الدعاء هو العبادة.
فتلك الآيات الواردة في التحذير من عبادة غير الله تعالى تكون محذرة أيضًا من دعاء غير الله تعالى لما تقدم من تلازم نوعي الدعاء: دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقد تقدم ذلك مفصلًا في مبحث (^١) أقسام الدعاء ولله الحمد.
المطلب الثاني: فيما ورد من السنة المشرفة من التحذير من دعاء غير الله تعالى:
قد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من توجيه السؤال والدعاء لغيره تعالى تصريحًا أو تلميحًا.
ومن تلك الأحاديث:
_________________
(١) تقدم ص: ١١٥.
[ ١ / ٤٢٣ ]
١ - ما ورد في ذم سؤال الناس أموالهم وفي ذلك تحذير بليغ من باب أولى من سؤالهم ما لا يقدرون عليه إذ كيف يمكن سؤالهم وهم أموات لا يعلمون شيئًا مما يطلب منهم ولا يقدرون عليه؟؟. فالأحاديث الدالة على ذم سؤال الناس كثيرة جدًّا منها:
حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم" (^١).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به من الناس خير له أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه ذلك فإن اليد العليا خير من من السفلى" (^٢).
وحديث عوف بن مالك الأشجعي مرفوعًا في البيعة: "ولا تسألوا الناس شيئًا" (^٣)
٢ - وهناك أحاديث تنهى عن دعاء غير الله تعالى وتحذر من مغبة ذلك وتبين أنه سبب لدخول النار أو تصفه بأنه أكبر الكبائر منها:
قوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: "من مات وهو يدعو الله ندا دخل النار" (^٤).
وقوله ﷺ في حديث ابن مسعود أيضًا عندما سئل أيُّ الذنب أكبرُ عند الله؟: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك" (^٥).
٣ - ومنها أحاديث تأمر بسؤال الله تعالى وتحث عليه وترغب فيه، وفي ذلك زجر عن ضد ذلك لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فمن تلك
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٣/ ٣٣٨ رقم ١٤٧٤، ومسلم: ٢/ ٧٢٠ رقم ١٠٤٠.
(٢) البخاري: ٣/ ٣٣٥ رقم ١٤٧٠، ومسلم: ٢/ ٧٢١ رقم ١٠٤٢.
(٣) مسلم ٢/ ٧٢١ رقم ١٠٤٣.
(٤) البخاري مع الفتح: ٨/ ١٧٦ رقم ٤٤٩٧، ومسلم: ١٢/ ٩٤ رقم ٩٢، وأحمد: ١/ ٣٧٤، ٤٦٢، ٤٦٤.
(٥) البخاري: ١٢/ ١٨٧ رقم ٦٨٦١، وانظر: ٨/ ١٦٣ رقم ٤٤٧٧ بلفظ أن تجعل، وأخرجه مسلم: ١/ ٩١ رقم ٨٦، وأحمد: ١٨/ ٣٨٠، ٤٣١، ٤٣٤، ٤٦٢.
[ ١ / ٤٢٤ ]
الأحاديث قوله ﷺ: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (^١).
وعن أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: " … يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. . ." (^٢).
٤ - ومنها أحاديث تأمر بالاستعاذة بالله، وكلماته، وتحث عليه ومثلها الأحاديث التي فيها استعاذة الرسول ﷺ بالله وكلماته. وقد تقدم لنا في التعريف أن الاستعاذة نوع من الدعاء، ففي الأمر بالاستعاذة بالله وكلماته نهي عن الاستعاذة بغير الله وكلماته، ففي ذلك نهي عن الاستعاذة بالمخلوق.
وبهذا استدل الإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق، إذ المخلوق لا تجوز الاستعاذة (^٣) به.
قال نعيم بن حماد شيخ البخاري: "دلت هذه الأحاديث -يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها - على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقًا لم يستعذ بها إذ لا يستعاذ بمخلوق. قال الله تعالى: ﴿فاستعذ بالله﴾ وقال النبي ﷺ: "وإذا استعذت فاستعذ بالله" (^٤) وقال نعيم أيضًا: "لا يستعاذ بالمخلوق ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة" (^٥).
وقال الخطابي ﵀: "وكان أحمد بن حنبل يستدل بقوله بكلمات الله التامة على أن القرآن غير مخلوق، وهو أن رسول الله ﷺ لا يستعيذ بمخلوق" (^٦).
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص ٥٣٣.
(٢) أخرجه مسلم مطولًا: ٤/ ١٩٩٤ رقم ٢٥٧٧.
(٣) الرد على البكري: ٢٨٧، ومنهاج السنة: ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥، واقتضاء: ٤١٨، وجامع الرسائل: ٢/ ١٩، وقاعدة التوسل: ١٤٠، وملحق المصنفات: ١٠٢.
(٤) الفتح: ١٣/ ٣٨١.
(٥) خلق أفعال العباد للبخاري ص: ٥٧، وانظر نحوه عن سوار بن عبد الله القاضي في كتاب السنة لعبد الله: ١/ ١٦٢ رقم ١٧٢.
(٦) معالم السنن للخطابي: ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣، ونحوه في الأسماء والصفات للبيهقي ص: ٢٤١.
[ ١ / ٤٢٥ ]
ومن تلك الأحاديث ما روته خولة بنت حكيم السلمية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نزل أحدكم منزلًا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه" (^١) ".
وما رواه ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة" (^٢).
وقد نص كثير من علماء السلف عند ذكرهم لأحاديث الاستعاذة بكلمات الله تعالى ودلالتها على أن القرآن غير مخلوق، نصوا على أنه: لا تجوز الاستعاذة بغير الله تعالى وأن ذلك لا يمكن أن يصدر عن مسلم عاقل وإليك نصوصهم:
أ - قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) وقد تقدم نقله قريبًا (^٣).
ب - قول نعيم بن حماد (ت ٢٢٨ هـ) قال البخاري: وقال نعيم بن حماد: "لا يستعاذ بالمخلوق ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة" (^٤).
وقال أيضًا فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر عن كتابه الرد على الجهمية:
"دلت هذه الأحاديث - يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها - على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقًا لم يستعذ بها إذ لا يستعاذ بمخلوق قال الله تعالى: ﴿فاستعذ بالله﴾ وقال النبي ﷺ:
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٨١ رقم ٢٧٠٨، والنسائي في عمل اليوم ص: ٣٧٦ رقم ٥٦٠، وأحمد ٦/ ٣٧٧، والترمذي: ٥/ ٤٩٦ رقم ٣٤٣٧، وابن السني من طريق النسائي: ٢٤٩ رقم ٥٢٨، والطبراني في الدعاء: ٢/ ١١٨٦ رقم ٨٣٠، وابن ماجه: ٢/ ١١٧٤ رقم ٣٥٤٧، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٨٧ رقم ٩٤٥٨.
(٢) أخرجه البخاري: ٦/ ٤٠٨ رقم ٣٣٧١، وأبو داود ٥/ ١٠٤ رقم ٤٧٣٧، والترمذي: ٤/ ٣٩٦ رقم ٢٠٦٠، والنسائي في عمل اليوم: ٥٥٣ رقم ١٠٠٦، وأحمد: ١/ ٢٧٠، ٢٣٦.
(٣) تقدم ص: ٤٢٤، ٤٢٥.
(٤) خلق الأفعال للبخاري ص: ١٤٣ رقم ٤٣٨.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وإذا استعذت فاستعذ بالله" (^١).
جـ - وقال سوار بن عبد الله القاضي البصري (ت ٢٤٥ هـ): "دخلت على رجل أعوذه من وجع به فقال: القرآن ليس بمخلوق، وذلك أنه كل من عوذني قال: أعيذك بالله، أعيذك بالقرآن فعلمت أن القرآن ليس بمخلوق (^٢).
د - وقد عقد البخاري ﵀ في كتابه خلق الأفعال بابًا بعنوان باب ما كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله لا بكلام غيره وأورد كلام نعيم بن حماد ثم قال: وفي هذا دليل أن كلام الله غير مخلوق وأن سواه خلق ثم أورد أحاديث كثيرة في الاستعاذة بكلمات الله (^٣).
٥ - وقال الخلال أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون وارث علم الإمام أحمد (ت ٣١١ هـ)، تعليقًا على هذه الأحاديث: "ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض مما خلق الله لا يتعوذ إلا بالله أو بكلماته" (^٤).
٦ - وقال إمام الأئمة ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ): "أفليس العلم محيطًا - يا ذوي الحجا - أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله عالمًا من شر خلقه؟ هل سمعتم يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة، أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق؟.
هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلق الله" (^٥).
فهذا الكلام من هذا الإمام نص صريح في موضوع بحثنا ومناقشتنا مع القبوريين من ذوي أدعياء العلم المجيزين لمثل هذه الصيغ التي ينكر
_________________
(١) فتح الباري: ١٣/ ٣٨١
(٢) السنة لعبد الله: ١/ رقم ١٧٢.
(٣) خلق الأفعال: ١٤٣ - ١٤٨.
(٤) السنة للخلال: ق ١٧٥/أ.
(٥) كتاب التوحيد: ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ابن خزيمة أن يقول به عالم بل مسلم يعرف الدين وعده من المحال ولكن هذا قد وقع في الأزمنة المتأخرة بعد ابن خزيمة وعده بعضهم سائغًا بل من القربات.
٧ - وقد ذكر الإمام ابن بطة العكبري عبيد الله بن محمد (ت ٣٨٧ هـ) أحاديث الاستعاذة ثم قال: "فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي ﷺ بمخلوق ويتعوذ هو ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟ وهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض؟ وإذا جاز أن يتعوذ بمخلوق مثله فليعوذ نفسه وغيره بنفسه فيقول: أعيذك بنفسي" (^١).
٨ - وقال الإمام البيهقي أبو بكر بن أحمد (ت ٤٥٨ هـ): "فاستعاذ رسول الله ﷺ وأمر أن يستعاذ في هذه الأخبار بكلماته كما أمره الله تعالى جل ثناؤه أن يستعيذ "به إلى أن قال: "ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق عن مخلوق" (^٢) ".
وهذه الأقوال السابقة من هؤلاء الأئمة الكبار تعد من نفائس كلام السلف في هذه المسألة التي هي دعاء غير الله تعالى والاستعاذة والاستغاثة بغيره، وهي من أمهات المسائل التي طال حولها الجدل من زمن ابن تيمية ﵀ إلى وقتنا الحاضر وقد غفل عن هذه النصوص كثير ممن تكلم في هذه المسألة مع كونها صريحة في محل الخلاف وقد نص عليها كبار أئمة السلف من القرن الثالث إلى ما بعد وبها يتبين بطلان ما زعمه بعضهم من تفرد ابن تيمية وأتباعه بالكلام على هذه المسألة، والله أعلم.
٩ - ومنها أحاديث وردت في سد الذرائع التي توصل إلى دعاء غير الله تعالى، وهذه الأحاديث كثيرة جدًّا وسيأتي (^٣) بعضها إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) الإبانة: ق ٢/ ٤٨٠ - ٤٨١، والنسخة المختصرة: ١٣٥/أ.
(٢) الأسماء والصفات للبيهقي ص: ٢٤١.
(٣) سيأتي ص: ٤٥٥ - ٤٥٧.
[ ١ / ٤٢٨ ]
هذا ومن الأدلة الدالة على منع دعاء غير الله تعالى بعدما تقدم من الكتاب والسنة الأمور التالية:
١ - إجماع علماء الأمة على منع دعاء غير الله تعالى وعده كفرًا وسيأتي (^١) نقل هذا الإجماع إن شاء الله تعالى.
٢ - أن الله ﷾ لم يذكر لنا في كتابه العزيز - مع كثرة ما ذكره من أدعية الأنبياء والصالحين - لم يذكر دعاء واحدًا فيه دعاء لغير الله تعالى، وهذا من الأدلة الجلية الواضحة على أنه لو كان سائغًا لذكره الله تعالى. وقد علمنا أن الله ذكر النهي عنه بأبلغ الأساليب وكرر ذلك وأعاد.
٣ - أن الرسول ﷺ مع العلم أمته كل خير وحذرها من كل شر ومما علمها الدعاء، فقد حوت كتب السنة المشرفة ألفاظ الأدعية التي علمها رسول الله ﷺ لأمته وهي كثيرة جدًّا فمع هذه الكثرة وحرص النبي ﷺ على الخير لم نجد دعاء واحدًا صحيحًا فيه الاستغاثة بغير الله تعالى ودعاؤه والالتجاء إليه.
٤ - قد علم (^٢) من دين الإسلام بالاضطرار والتواتر وبإجماع سلف الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب كما علم أن النبي ﷺ والأنبياء قبله لم يَشْرَعوا للناس دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين لا في حياتهم ولا بعد مماتهم.
بل الأنبياء مجمعون على منعه كما تقدم، وما كان كذلك لا يكون عبادة كما لا يمكن لأحد أن يجيزه أو يتأول لمن يفعله إذ من المعلوم أن الدعاء عبادة وهي توقيفية، وقد علمنا أنه لم يشرع دعاء الأموات بل هو ممنوع اتفاقًا.
٥ - أن الرسول (^٣) ﷺ مع كونه لم يشرع هذا - فإنه قد هذا - فإنه قد حرم ذلك وحرم ما يفضي إليه كاتخاذ القبور مساجد.
_________________
(١) سيأتي ص: ٥٣٤.
(٢) الفتاوى: ١/ ١٥٩ - ١٦٣، والقاعدة في التوسل: ١٩.
(٣) قاعدة في التوسل: ٢١ - ٢٢.
[ ١ / ٤٢٩ ]
٦ - أن العلماء (^١) قالوا لا يجوز توجيه الدعاء إلى أسماء الله وصفاته لأنها إنما يُدْعَى الله بها ولا تُدعى هي فلا يقال يا علم الله ارزقني ولا يقال يا قدرة الله افعلي لي كذا لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولم يقل فادعوها.
فإذا كان العلماء يتفقون على عدم جواز ذلك في أسماء الله وصفاته فمن باب أولى وأحرى ألا يجوز دعاء الأموات والغائبين.
وهذا بيّن واضح ولله الحمد.
ولكن الأمر احتاج إلى ذكر مثل هذه العلل، لوجود من يجادل بالباطل ويحاول إباحة دعاء الأموات أو استحبابه فإنا لله وإنا إليه راجعون. . .
المطلب الثالث: في مفاسد دعاء غير الله تعالى وآثاره الضارة وخطورته على سلامة العقيدة:
إن أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين هي مسألة الدعاء بنوعيه: دعاء العبادة والمسألة وهي التي وقع فيها النزاع والخصومة بينه وبينهم فهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته ويرون ذلك من تعظيم الصالحين، ويريدون بذلك شفاعتهم عند الله قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. فجاء رسول الله ﷺ وخالفهم في ذلك فأتى بإخلاص الدعاء وجميع أنواع العبادات الله.
وهي أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين، وهي التي تفرق الناس لأجلها إلى مسلم وكافر وعندها وقعت العداوة ولأجلها شرع الجهاد (^٢).
فإذا كانت بهذه المنزلة فأي شخص يقع فيها يقع في مفاسد جمة ومضار كثيرة تزلزل عقيدته وتهدم إيمانه حتى يخرج عن الملة والعياذ بالله.
_________________
(١) انظر الرد على البكري: ٧٩، وانظر إنكار الإمام الخطابي على من قال: يا غفران ويا سبحان - في شأن الدعاء ص: ١٧.
(٢) مسائل الجاهلية: ٤، ٥، ومؤلفات الشيخ قسم العقيدة: ١/ ٣٣٤.
[ ١ / ٤٣٠ ]
ولكونها أعظم مسألة خولف فيها الأنبياء ﵈ عامة ونبينا ﷺ خاصة، كثر اعتناء العلماء بهذه المسألة أكثر من غيرها من مسائل العقيدة لاسيما شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى فإنهما قد أسهبا الكلام فيها وأشبعا وأبدا وأعادا وجاهدا في سبيل ذلك حتى غدت مسائلها واضحة نيرة فجزاهما الله عن الإسلام أفضل ما جزي عالمًا على دعوته وجهاده.
إن مفاسد دعاء غير الله تعالى وآثاره الضارة كثيرة جدًّا نذكر منها بعضها على سبيل الإجمال مستعينين بالله ومستهدين به وهو ولي التوفيق.
١ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إضاعة لمعنى العبودية، ولمقتضيات الربوبية، فعبودية العبد الله تعالى أشرف صفات العبد وأعلى مقاماته، ولهذا وصف الله رسوله محمدًا ﵌ بها في أشرف المقامات في مقام الإسراء، والدعوة إليه وإنزال الوحي والتحدي بالقرآن، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣].
ومع أن عبودية العبد الله تعالى أشرف مقاماته صرفها الداعي لغير الله تعالى إلى من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره.
قال الشيخ حسين النعمي ﵀: "فالداعي سوى الله والملتجئ إلى غيره، وصارف اضطراره وافتقاره عنه إلى من دونه، بهيئة ما ينبغي أن يكون الله. مضيع لمعنى العبودية ومقتضيات الربوبية" (^١).
_________________
(١) معارج الألباب: ١٩٥.
[ ١ / ٤٣١ ]
ثم إن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه وذلك خلاصة التوحيد (^١).
فالداعي لغير الله تعالى قد صرف أهم العبادات القلبية لغيره تعالى فكفي بذلك قبحًا وشناعة وفسادًا ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب الداعي بسبب قسمته ذلك بينه ﷾ وبين من دعاه من دون الله ليقضي حاجته أو يتوسط له عند الله تعالى - فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من دعاه من دون الله - لكفى ذلك في شناعته وقبحه (^٢) وآثاره الضارة.
فكيف وفيه مفاسد أخرى عظيمة وعواقب وخيمة؟
٢ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إذلال الداعي لنفسه وإخضاعه إياها لمخلوق مثله لا يملك لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًا، فضلًا عن الداعي الأجنبي فكيف يذل الداعي نفسه لهذا المخلوق العاجز؟ ولقد كرم الله الإنسان وشرفه وفضله على كثير من خلقه فإذا سلب الإنسان نفسه هذه الكرامة وأذلها لمخلوق ضعيف فقد ضيع حقها وأذلها.
ففي دعاء غير الله تعالى إضاعة لحقوق النفس وكرامتها وشرفها كما أن فيه إضاعة لحقوق الله تعالى وعبوديته وقد ذكر ابن رجب ﵀ أن سؤال الله هو المتعين وعلل ذلك بأن فيه إظهار الذل والافتقار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة، ثم ذكر أن الإمام أحمد يدعو ويقول: "اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك" (^٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص: ٢٤٣.
(٢) انظر إغاثة اللهفان: ١/ ٥٠.
(٣) جامع العلوم والحكم ص: ١٨١.
[ ١ / ٤٣٢ ]
٣ - إن دعاء غير الله تعالى فيه شكاية العبد لمولاه الذي هو أرحم الراحمين إلى من لا يرحمه، فإنّ الداعي لغير الله تعالى ترك ربه وخالقه وذهب إلى فقير بالذات وطلب منه أن ينفعه فتَرْكُه لربه ومُولِي نِعمه - مع ذهابه إلى غيره - فيه شكاية لمولاه واللائق بالعبد أن لا يشكو إلا إلى الله.
قال يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦].
وقد رأى الفضيل بن عياض ﵀ رجلًا يشتكي إلى آخر فقال: يا هذا تشتكي من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ كما قيل:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما … تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
وشكى إليه رجل مرة حاله فقال له: يا أخي أمدبرًا غير الله تريد؟ (^١).
وفي هذا الصنيع خطر عظيم وظلم جسيم "لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ولا أعظم ظلمًا من شكاية العبد ربه الذي هو أرحم الراحمين فيما أصابه من ضر أو فاته من خير إلى من لا يرحمه ولا يسمعه ولا يبصره، ولا يعلمه ولا يملك لنفسه ولا لداعيه من ضر ولا نفع ولا موت ولا حياة ولا نشور، ولا يغني عنه مثقال ذرة، وعدوله عمن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ويفزع في قضاء حوائجه إلى من لا قدرة له على شيء البتة. . ." (^٢).
٤ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إساءة للظن بالله ﷾.
فالذي يدعو غير الله تعالى ويلتجيء إلى باب غير باب الله تعالى سواء اعتقد لذلك الغير الاستقلال أو الوساطة فقد ظن بربه السوء لأن هذا
_________________
(١) الرد على البكري: ١٠٢.
(٢) معارج القبول: ١/ ٤١٦.
[ ١ / ٤٣٣ ]
الداعي لغير الله لا يخلو إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما سواه.
وإما أن يظن أن قدرة الله إنما تتم بقدرة الشريك، أو أنه لا يعلم حتى تعلمه الواسطة، أو لا يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي العبد وحده، أو لا يفعل ما يريده العبد حتى تشفع عنده الواسطة كالرؤساء والملوك، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه أو أن للمخلوق عليه حقًّا يقسم به عليه، ويتوسل به إليه كما هو عادة الرؤساء (^١).
فكل هذا إساءة للظن بالله تعالى وأي إساءة أعظم من هذا؟.
٥ - إن دعاء غير الله تعالى (^٢) فيه تشبيه الخالق بالمخلوق إذ اعتقد الداعي أن من يدعوه يتوسط له لدى الله تعالى كما يتوسط لدى الرؤساء والزعماء وهذا التشبيه صرح به بعضهم (^٣) ظنًا منهم أن الخالق مثل المخلوق، حاشا وكلا فإن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لأن الواسطة إنما جازت عند الرؤساء لأنهم لا يعرفون أحوال الناس وحقيقة الأمر، أو لكونهم عاجزين عن تدبير الرعية، أو غير ذلك.
وأما الله سبحانه فليس كذلك، فمن دعا المخلوق وأراد الشفاعة والوساطة - كما هو عقيدة غالب من يدعو غير الله تعالى - فقد شبه الله تعالى بالرؤساء الجاهلين العاجزين المحتاجين إلى من يساعدهم ويعاونهم.
كما أن فيه تشبيه المخلوق بالخالق لأن الدعاء من أخص خصائص الإلهية فمن صرفه لغير الله تعالى فقد أعطى خصيصة من أهم خصائص
_________________
(١) انظر في هذا الجواب الكافي: ١٤٣، وإغاثة اللهفان: ١/ ٥٠، وتجريد التوحيد: ٣١ - ٣٢.
(٢) الواسطة بين الحق والخلق ضمن الفتاوى: ١/ ١٢٦ - ١٢٧.
(٣) انظر شواهد الحق للنبهاني ص: ١٤٥.
[ ١ / ٤٣٤ ]
الإلهية لغير الله تعالى فيكون قد شبه الغير بمن لا شبيه له" (^١).
٦ - إن دعاء (^٢) غير الله تعالى فيه تشبه بالنصارى الذين يدعون المسيح ومريم والحواريين والقديسين.
كما أن فيه تشبهًا بالمشركين الذين يدعون الصالحين الذين عبدوا الأصنام اعتقادًا بأنها على صورتهم فهم لم يعبدوها لكونها أحجارًا، وسيأتي (^٣) بيان أن أصل وضع الأصنام كان من صور الصالحين.
فالداعي للصالحين مُضَاهٍ للمشركين، ولمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله فلهذا قال النبي ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فقولوا عبد الله ورسوله" (^٤).
فيستفاد من هذا الحديث أن من أطرى الرسول ﷺ فقد شابه النصارى في إطرائهم لعيسى ﵇ فثبت بهذا أن من دعا رجلًا أو امرأة من دون الله فهو مضاه لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله" (^٥).
٧ - إن دعاء (^٦) غير الله تعالى ردة صريحة وكفر بواح وشرك قراح، فهو أشد كفرًا من اليهودية والنصرانية. وبهذا يعلم شدة خطره وأنه غاية في الشرك والكفر وانسلاخ عن ربقة الإسلام وخروج عن حظيرته.
فالداعي لغير الله تعالى لا تقبل منه الجزية كما تقبل من اليهود والنصارى ولا تحل ذبيحته ولا ينكح مسلمة ولا تنكح إن كانت امرأة بل يجب مفارقتها ولا يرث ولا يورث.
قال القرافي: "وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية
_________________
(١) تجريد التوحيد: ٢٧.
(٢) انظر الرد على البكري: ١٠٣ - ١٠٤، والفتاوى: ٣/ ٢٧٥.
(٣) يأتي ص: ٤٥٨ و٨٩٣.
(٤) يأتي تخريجه ص: ٤٦٠.
(٥) الفتاوى: ٣/ ٢٧٥
(٦) انظر مؤلفات الشيخ: ١/ ٣٨٩.
[ ١ / ٤٣٥ ]
ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين" (^١).
فالأمر أخطر مما يظنه بعض من يتساهل في هذا الباب ويحاول تبريره بأوهى الشبهات التي هي أضعف من خيط العنكبوت.
٨ - إن سؤال الناس في الأصل محرم، لأن فيه أنواع الظلم الثلاثة، الظلم في حق الله بالشرك والظلم للمسؤول بإيذائه له، وظلم الإنسان لنفسه بتعبيدها لغير الله وقد أبيح من ذلك من سؤال الحي ما دل الشرع على إباحته (^٢).
فإذا كان أصل السؤال محرمًا فكيف بسؤال الميت والغائب سؤال تضرع ومسكنة وذلة وافتقار ومحبة؟ فهو يشتمل على أعلى أنواع الظلم الثلاثة من ظلم لحق الله تعالى وصرف خصيصة من خصائص الألوهية إلى من لا يملك لنفسه نفعًا فضلًا عن داعيه ثم من ظلم لحقوق الغير الذي هو المسؤول بإيذائه حيث يتأذى من عبادته ويكره ذلك. فالصالحون لا يحبون أن يعبدوا من دون الله، ثم من ظلم نفسه حيث أذلها وعَبَّدها لغير باريها وفاطرها وعلقها بفقير بالذات عاجز بالذات.
٩ - إن ترك (^٣) السؤال للمخلوق اعتياضًا بسؤال الخالق أفضل من الحاجة والفقر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨].
وقال يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
_________________
(١) الفروق: ٤/ ٢٦٥.
(٢) الرد على البكري: ١٠٣ و٣٠٧ - ٣٠٨ وقاعدة جليلة: ٤١ - ٤٢، ٣٤، ومدارج السالكين: ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٣) انظر الرد على البكري: ٩٨ - ٩٩، وقاعدة في التوسل: ٣٨.
[ ١ / ٤٣٦ ]
وقال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (^١).
ولهذا كان كبار الصحابة لا يسألون النبي ﷺ شيئًا لأنفسهم فلم ينقل عن أبي بكر ولا عمر أنهما سألاه شيئًا من المال لأنفسهما.
هذا في حياة النبي ﷺ وكذلك الأنبياء السابقون.
هذا مع الحاجة وأما إذا لم يكن حاجة فالسؤال حرام.
فإذا كان ترك سؤال الأنبياء في حياتهم أفضل مع الحاجة والفاقة ومع عدم الحاجة يكون حرامًا فكيف بسؤال الغائب والميت منهم ومن غيرهم؟ فلا شك أنه أعظم حرمة، وأشد خطورة على سلامة العقيدة وصفائها.
هذا وبما تقدم يعلم فساد دعاء غير الله وآثاره الضارة وعواقبه السيئة، فنسأل الله تعالى أن يجنبنا من الشرك وذرائعه وهو ولي التوفيق ..
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص: ٥٣٣.
[ ١ / ٤٣٧ ]
المبحث الثاني في أسباب انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي
إن الله ﷾ أرسل الرسل وأنزل الكتب للدعوة إلى توحيده وإخلاص الدعاء له وحده، وقد بيّن الله تعالى في كتابه العزيز خطورة دعوة غير الله تعالى أتم بيان حتى صار ذلك من ضروريات الإسلام، إلا أنه لما اشتدت غربة الإسلام انتشر الشرك ودعاء غير الله تعالى في الأمة الإسلامية، فاحتاج الأمر إلى دراسة أسباب ذلك الانتشار، وذلك لأنه إذا أريد حل مشكلةٍ مَّا حَلًّا جذريًا فلا بد من دراسة أسبابها ومقتضياتها وملابساتها والعوامل التي أدت إلى ظهورها وتفاقمها وانتشارها وذلك "لأن معرفة المرض وسببه يعين على مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم" (^١).
ثم إن العاقل يعلم أن أمة من الأمم لم تجمع على أمر بلا سبب (^٢) يقتضي ذلك فدعاء غير الله قد اجتمع عليه أصناف من الناس فمن مجيز له ومن معتقد كونه قربة وعبادة فلا يتصور أن يكون ذلك بدون سبب، فلهذا لا بد من دراسة الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى.
_________________
(١) الرد على البكري: ٨٠.
(٢) الفتاوى: ٢٧/ ١٧٨.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وهذه الأسباب متعددة، ومتفاوتة في درجات تأثيرها، فبعضها له تأثير قوي وبعضها تأثيره ضعيف وبعضها خاص ببعض الأزمنة أو ببعض الأقطار الإسلامية أو ببعض الأشخاص، والبعض الآخر شامل لأزمنة مختلفة وأماكن متعددة، ولجماعات كثيرة ولكن الكل له تأثير في ذلك على تفاوت في درجات التأثير.
فأذكر إن شاء الله تعالى هذه الأسباب مقدمًا الأهم فالأهم وهذا أوان الشروع في ذلك وبالله التوفيق وهو المستعان.
السبب (^١) الأول: الجهل والإعراض عن الكتاب والسنة:
لقد كان الناس قبل بعثة الرسول ﷺ في جاهلية جهلاء يعبدون الأصنام ويدعونها من دون الله تعالى، وذلك لذهاب آثار الرسل السابقين وقلتها من العلم الصحيح في الاعتقادات والأعمال ثم بعث الله رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق يعلم الناس الكتاب والحكمة التي هي السنة ويزكيهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
فعلم رسول الله ﷺ أصحابه الدين كله فدلهم على كل خير وحذرهم من كل شر، والصحابة بلغوا هذا العلم النبوي الشريف إلى التابعين، والتابعون لمن بعدهم وهكذا كل جيل إلى أن قل العلم الصحيح علم الكتاب والسنة فيما بعد وتناقص وتسبب ذلك "في الجهل بحقيقة ما
_________________
(١) انظر هذا السبب في إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٦، وزاد المعاد: ٥/ ٧٨٧، وهداية الحياري ص: ١٦ فقد ذكر ابن القيم فيه من أسباب عدم قبول الحق: الجهل والعداوة والحسد والعادات والجاه والشهوات والخوف على النفس والمال والجاه وغير ذلك، كما ذكر القرافي أن الجهل هو السبب للأدعية الكفرية أو المحرمة، انظر الفروق: ٤/ ٢٦٥.
[ ١ / ٤٣٩ ]
بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم من ذلك ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل … " (^١).
والسبب في ذلك قلة انتشار العلم الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بسبب إعراض الناس عن تعلم العلم الصحيح، حيث قَلَّتْ دراسةُ القرآن الكريم بتدبر وتعقل وفهم بحجة أن فهم القرآن صعب على أفهام الناس، ولا يستطيعه إلا من درس كل العلوم من نحو وصرف وبيان ومعان ولغة والفقه وأصوله والمنطق والفلسفة، ولهذا قل في بعض الأقطار الإسلامية دراسة تفسير القرآن الكريم بتدبر وفهم، وقلّ تفسيره بما يطابق ما انتشر في المجتمع بل صاروا يفسرون الآيات المتعلقة بالشرك بما يفهم أنها خاصة بكفار قريش ولا يدخل فيها ما يفعله الناس اليوم فصاروا كما قال الله تعالى في اليهود ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقال عز من قائل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، واقتصروا على تلاوته على الأموات وعند المقابر والمشاهد، وكتابته للتمائم والحجب أو زخرفته بالذهب، وحفظه للتبرك، وقراءته في افتتاح الحفلات وأدى كل هذا إلى الجهل بالقرآن الكريم، ثم إلى عدم تطبيقه الاعتقادات والأعمال والتشريعات.
قال الشيخ أبو بكر الجزائري في وصف أحوال المسلمين في القرون الأخيرة كان القرآن يقرأ على الأموات دون الأحياء ويعتبر تفسيره خطيئة من الخطايا وذنبًا من الذنوب إذ ساد بين المسلمين القول بأن تفسير القرآن صوابه خطأ وخطأه كفر فلذا القارئ يقرأ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ والناس حول ضريح الولي المدفون في ناحية المسجد
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٦ - ١٦٧.
[ ١ / ٤٤٠ ]
يدعون بأعلى أصواتهم يا سيدي يا سيدي كذا وكذا ولا يجرؤ أحد أن يقول: يا إخواننا لا تدعوا السيد فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا …﴾ (^١).
وهؤلاء لم يكتفوا بأن امتنعوا بأنفسهم عن تفسير القرآن وتدبره بل راحوا يحذرون غيرهم إذ قالوا: إن الغضب ينزل على أهل البلد إذا حصل خطأ في التفسير، وهذا كلام باطل لا أصل له، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان ليصدهم به عن سبيل الله (^٢).
وقد وصف الله كتابه بالبيان والوضوح قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩].
والأنبياء لم يبعثوا إلا لهداية الضلال وتعليم الجهال، والقول بصعوبة القرآن يتنافى مع مقتضى البيان والوضوح وغرض الإرسال (^٣).
وقد وصل الأمر في إهمال الاعتناء بالكتاب إلى ما ذكره أحد العلماء المعاصرين أنه وزملاءه تحصلوا على شهادة العالمية من إحدى المراكز الدينية الكبرى ولم يدرسوا آية واحدة من كتاب الله تعالى (^٤).
وكذلك أصاب السنة (^٥) مثل ما أصاب القرآن الكريم فقد تركوا الاعتناء بالسنة وتركت دراستها في أغلب المعاهد الإسلامية، وإنما كانوا يقرأونها للتبرك بها والصلاة على النبي ﷺ عند ذكره، وكانوا يقرأون
_________________
(١) أيسر التفاسير: ١/ ٥ - ٦.
(٢) السنن والمبتدعات: ٢١٨.
(٣) رسالة التوحيد لمحمد إسماعيل الدهلوي ص: ٢١ - ٢٢.
(٤) انظر ما ذكره الشيخ عبد الحميد بن باديس من حصوله على الشهادة من جامع الزيتونة: في الاتجاه السلفي ص: ٢٤٣.
(٥) انظر في قلة الاعتناء بالسنة: تذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٣٠، و٤/ ١٤٨٥، والأمصار ذات الآثار ص: ١٦، ٢٠، ٢١، ٣٥، ٣٧، ١٢، ٥٩، ٧٧، ١١٣، ١١٧، وتوضيح الأفكار: ٢/ ٣٥١، ومقدمة مفتاح كنوز السنة لرشيد رضا ص: "ص".
[ ١ / ٤٤١ ]
البخاري في وقت الشدائد والمحن، ويطلبون بقراءته النصر على الأعداء وتفريج الكرب (^١).
ولم يقتصر الأمر على صحيح البخاري بل اعتقدوا ذلك في غيره من بعض كتب الفقه (^٢)، وهؤلاء الذين يدرسون البخاري للتبرك لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مبادئ التوحيد والشرك ووصل الأمر ببعضهم إلى ما ذكره حسين بن مهدي النعمي ﵀ من أن قومًا يقرأون صحيح البخاري بمدينة زبيد فإذا فرغوا - إما أحيانًا أو مطلقًا - ذهبوا إلى مشهد هناك، فيظلون عاكفين هنالك ما شاء الله، وعليهم السكينة والوقار وضروب من الخضوع والتأدب لنازل الحفرة، ثم قال: وهل هذا عمل بشيء وجدوه في كتاب البخاري أو غيره أما هو؟ " (^٣)
والسبب في هذا أن أغلبيتهم لا يفقهون في الحديث ولا همة لهم في معرفته ولا في التدين به بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة واحدة، إنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ وتكثير العدد من الأجزاء والرواة لا
_________________
(١) ومن صور ذلك ما ذكره ابن سيد الناس والسبكي أنه لما وقعت حادثة التتار اجتمع الناس في مصر فقرأوا البخاري حتى ختموه يوم الجمعة وأن هذا عادتهم عند النوازل يرجون عند ختمه بركة الدعاء أجوبة ابن سيد الناس لوحة ٦٦/أوطبقات الشافعية: ٢١١/ ٩. وانظر كلامًا ممتعًا حول قراءة البخاري لدفع الوباء ومقاومة الجيوش وغير ذلك في قواعد التحديث للقاسمي من ٢٦٣ - ٢٦٧ فقد ذكر فيه ما يبكي ويضحك عن علماء الأزهر وغيرهم وقد ذكر ابن عبد الهادي في العقود الدرية ص: ١٣٨، قراءة الحافظ المزي للبخاري للاستسقاء، ويجاب عن هذا بأنه كان للانتصار لابن تيمية كما يعرف من الرجوع إلى كتب التاريخ.
(٢) ذكر صاحب كشف الظنون: ٢/ ١٢٣١ أن الحنفية يتبركون بقراءة مختصر القدوري في أيام الوباء وأنه كتاب مبارك من حفظه يكون آمنًا من الفقر. وانظر أيضًا: مقدمة مقالات الكوثري ص: ٥٤. وذكر الكتاني أنه جرب قراءة كتاب الشفا للقاضي عياض لشفاء الأمراض المزمنة وتفريج الكروب ودفع الخطوب. اهـ. الرسالة المستطرفة ص: ١٠٦.
(٣) معارج الألباب: ١٧٨، ونحوه في البصائر للمتوسلين بالمقابر ص: ٤٥١.
[ ١ / ٤٤٢ ]
يتأدبون بآداب الحديث (^١).
وليس معنى هذا الذي ذكرناه من قلة الاعتناء بدراسة السنة وتدريسها أنه لا يوجد من يعتني بالسنة وتدريسها ودراستها حاشا وكلا، بل لا يزال (^٢) في الأمة الإسلامية جهابذة يعتنون بالحديث وعلومه وإن كانوا قلة بل المقصود أن الفهم الصحيح لها والاعتناء بتطبيقها عمليًا من جمهور طلبة العلم هو الذي قل وأدى إلى انتشار الجهل بها، ثم إلى انتشار الخرافات والبدع والشركيات في العالم الإسلامي.
فقد انتشر جهل حقيقة الدين الإسلامي وما بعث الله به نبيه ﷺ وجميع الرسل من حقيقة التوحيد وإخلاص الدعاء له وصار الناس يظنون الشرك أنه هو التوحيد الخالص وأنه مما يتقرب به إلى الله تعالى، وصاروا يتهمون من دعا إلى التوحيد الخالص بأنه جاء بما يخالف الإسلام.
ووصل الأمر إلى أن اعتقد جماهير من المسلمين أن دعاء الموتى ونداء من تحت الأجداث واستغاثة من في القبور من الطاعات وأن ذلك مما يقرب إلى الله تعالى وأنه من دين الإسلام.
ثم هؤلاء الذين تركوا الاعتناء بالكتاب والسنة اعتاضوا عن ذلك بالاعتناء بالفلسفة والمنطق والتعمق في المسائل الغريبة نادرة الوقوع من المسائل الفقهية مع الجمود والتعصب، وترك السنة الصحيحة لمراعاة المذهب.
كما أنهم أفنوا أعمارهم في دراسة غوامض اللغة وغرائبها وشواذها.
فهذه العلوم لا تشفي عليلًا ولا تهدي السبيل المستقيم، والدارسُ المعتني بها بعيدٌ عن واقع الأمة وآلامها وعلاج عقيدة المجتمع ومشاكله.
_________________
(١) زغل العلم ص: ٢٧.
(٢) انظر توضيح الأفكار: ٢/ ٣٥٢، وزغل العلم: ٣٣، والأمصار ذات الآثار: ٢٧، ومقدمة كنوز السنة ص: "ق".
[ ١ / ٤٤٣ ]
فحصل من هذا كله انتشار الجهل بالكتاب والسنّة.
وهذا الانتشار للجهل ورفع العلم مما أخبر به الرسول ﷺ في قوله: "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن" (^١). وهذا هو مصداق ما أخبر به الرسول ﷺ في هذا الحديث، فقد انتشر الجهل بحقيقة التوحيد وما يضاده أو ينافي كماله وتسبب هذا في انتشار الشرك والبدع فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.
قال ابن القيم ﵀: "قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين" (^٢).
وذكر ابن القيم أيضًا أن الجهل هو السبب الرئيسي في المنع من قبول الحق فالجهل هو السبب الغالب على أكثر النفوس فإن من جهل شيئًا عاداه وعادي أهله (^٣).
ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الجهل المنتشر حصل للناس لسببين:
أحدهما: هذا الذي تقدم من عدم الاعتناء بدراسة القرآن الكريم وتدبره وفهمه.
وثانيهما: أنهم حملوه على قوم مضوا وأن الواقع لا يدخل تحته،
_________________
(١) البخاري: ١/ ١٨٢ رقم ٨٥.
(٢) زاد المعاد: ٣/ ٥٠٧.
(٣) هداية الحيارى: ١٦.
[ ١ / ٤٤٤ ]
فقد ذكر ابن القيم أن القرآن مملوء بالآيات التي تقطع أصول الشرك ومواده ثم قال: "ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه" (^١).
وبسبب الجهل بحقيقة دين الإسلام وحقيقة التوحيد والشرك تمكن الشيطان من التلبيس على كثير من الناس في دعاء غير الله تعالى بأن زين لهم ذلك باسم التوسل تارة وباسم الشفاعة تارة وباسم محبة الصالحين تارة أخرى، إلى غير ذلك من تلبيسات الشيطان لأن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة" (^٢).
وقد صرح القرافي المالكي يكون الجهل هو السبب للأدعية الشركية فقد ذكر الأدعية المحرمة والأدعية المكفرة وبين خطورتها ثم قال: "وأصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت والله تعالى هو المعين على الخير كله" (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤، وانظر مجموعة الرسائل النجدية: ٤/ ٥٦٧، وتحفة الجليس: ٥٩ - ٦٠.
(٢) تلبيس إبليس: ١٣٤.
(٣) الفروق: ٤/ ٢٦٥.
[ ١ / ٤٤٥ ]
السبب الثاني (^١): الشبهات التي يتشبثون بها في جواز دعاء غير الله تعالى:
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى بعض الشبهات التي ظن عباد القبور أنها صحيحة وتدل على جواز دعاء الموتى ولكنها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهم يتركون الأمور الواضحة ويتبعون المتشابه، وتلك الشبه على أقسام ثلاثة:
١ - نصوص متشابهة لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها ولا معرفة لما دلت عليه وذلك كتأويلهم لبعض الآيات القرآنية وتفسيرها بما يجيز دعاء غير الله تعالى وكذلك تأويلهم لبعض الأحاديث الصحيحة.
٢ - أحاديث مكذوبة مختلقة وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ وهي تناقض دينه وما جاء به.
٣ - "حكايات حكيت لهم عن أصحاب القبور أن فلانًا استغاث بالقبر الفلاني في شدّة فخلص منها وفلانًا دعاه، أو دعا به في حاجة فقضيت له وفلانًا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره.
وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات" (^٢).
وقد تكون تلك الحكايات صحيحة ولكنها من الشيطان، فإنه قد يتراءى لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب الشياطين من استغاث
_________________
(١) انظر عن هذا السبب: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ١/ ٣١٧، وإغاثة اللهفان: ١٨/ ١٦٧، ومصباح الظلام ص: ٣٠٥ ومجموعة الرسائل النجدية: ٤/ ٣٢٣.
(٢) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧.
[ ١ / ٤٤٦ ]
بغير الله أو دعاه وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به ويقول أحدهم: رأيت فلانًا وخاطبني فلان أو نحو هذا (^١).
وقد تقضي الشياطين بعض حوائج من استغاث بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب استغاثته، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان أن ينزل عليه طعام من الهواء أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك من كرامة من استغاث به ودعاه، وإنما ذلك في الحقيقة كله من الشياطين.
وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان (^٢) في زمان الجاهلية الأولى ولا زالت هذه الأمور موجودة بعد دخول الإسلام عند من يدعو الأموات لأن الشيطان أقسم أنه لا يزال يضل بني آدم.
لكن هذه الأمور من الأحوال الشيطانية تضعف حيث يقوى نور الإيمان والتوحيد وتظهر آثار النبوة والرسالة وتقوى حيث يضعف الإيمان، ويقوى الشرك والكفر والفسوق والعصيان فلهذا يكثر وقوعه في المشركين ومن يشابههم ويكثر في بلادهم (^٣) ويقل في بلاد المسلمين لا سيما أهل التوحيد الخالص المتمسكين بالكتاب والسنة.
فتبين مما سبق أن الحكايات لها أثر كبير في انتشار دعاء غير الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا كون الحكايات أحد الأسباب الرئيسية
_________________
(١) الجواب الصحيح: ١/ ٣١٨ - ٣٢٠، والصفدية: ١/ ١٩٠ - ١٩٣: ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٣ و٢/ ٤٥١ و٣/ ٤٩١، والجواب الباهر: ٦٢، ومصباح الظلام ص: ٣٠٥، والدر النضيد ص ٢٧، والفتاوى: ١٧/ ٤٥٦ - ٤٥٨.
(٢) قاعدة في التوسل والوسيلة ص: ١٥٥، ٣٢، أو الفتاوي: ١/ ٣٦٠ - ٣٦١، واقتضاء الصراط: ٣٢٠.
(٣) قاعدة في التوسل: ١٥٦، وما بعدها والصفدية: ٢/ ٢٩٢، وانظر ما يتعلق بالجاهلية في الأصنام للكلبي ص: ١٢، وانظر أيضًا: الفتاوى: ١٧/ ٤٥٩.
[ ١ / ٤٤٧ ]
في انتشار الشرك في الدعاء: "فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبيًا كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله" (^١).
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مناقشة هذه الشبهات في الباب الرابع.
السبب الثالث: علماء السوء وأئمة الضلالة، والزنادقة:
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى وجود علماء السوء وأئمة الضلالة والزنادقة، فقد كان العلماء العاملون هم الذين يوجهون الحكام والشعوب فكانوا سلاطين السلاطين وأمراء الأمراء.
فكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم وكانوا يحاربون الشرك والبدعة وهؤلاء العلماء في تاريخ هذه الأمة الإسلامية كثيرون في كل زمان ومكان إلا أن بعض علماء السوء تركوا هذا الواجب الديني ورضوا بالحياة الدنيا ووصل الأمر ببعضهم إلى أن تقربوا إلى بعض أئمة الضلال ببعض الفتاوى وطلب بعض الرخص لهم وقد يصل الأمر إلى أن يصنفوا لهم بعض الكتب على أهوائهم، وقد ذكر شيخ الإسلام أمثلة منهم في كتاب الاستقامة (^٢).
وبعضهم يطلب للعوام والجهال ما يبرر ويجيز ما يفعلونه من الشركيات والبدع والخرافات فتارة يؤوله بالمجاز، وتارة بالتوسل، وتارة يؤيده بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، وتارة بحجج فلسفية، ومنهم من يؤلف في إباحة دعاء الموتى وإنزال الحوائج بهم مؤلفات وينشرها بين الجهال.
فهؤلاء الذين ابتليت بهم الأمة الإسلامية هم من جملة الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء الموتى والاستعانة بهم. فهؤلاء قد عكسوا القضية من حيث أن الله تعالى أمرهم بتبليغ الحق والأمر بالمعروف والنهي عن
_________________
(١) قاعدة في التوسل ص: ٣٠.
(٢) الاستقامة: ١/ ٤٣ - ٤٧.
[ ١ / ٤٤٨ ]
المنكر وأعظم المنكرات هو الشرك بالله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقد وجد من علماء بعض الفرق الضالة، قوم صنفوا الكتب التي تدعو إلى عبادة الأئمة ودعائهم بل إلى تأليههم.
ومنهم من صنف في أدعية الأضرحة كابن المفيد (^١) الرافضي، ألف كتابًا وسماه "الحج" إلى زيارة المشاهد" وعامة تلك الأدعية في تلك الكتب كذب وزور (^٢).
ومن هؤلاء الذين صنفوا هذه الكتب قوم لهم أغراض فاسدة قصدهم إضلال الأمة قال شيخ الإسلام وهذا إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ليصدوا به الناس عن سبيل الله، ويفسدوا عليهم دين الإسلام وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد لإخلاص الدين لله. . .
ولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما صنفوه، واتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ورسوله حتى فتنوا أممًا كثيرة وصدوهم عن دين الله.
وأقل ما صار شعارًا لهم تعطيل المساجد وتعظيم المشاهد فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها ما لم يأمر الله به ولا رسوله بل نهى الله عنه ورسوله عباده المؤمنين.
_________________
(١) هو محمد بن محمد بن النعمان عالم الرافضة هلك عام ٤١٣ هـ، سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٣٤٤.
(٢) انظر عن كتاب ابن المفيد وأمثاله في: منهاج السنة: ١/ ٤٧٦، والفتاوى: ٤/ ١٧، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٤، والفوائد الموضوعة: ٥٥ - ٥٦.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وأما المساجد فيخربونها فتارة لا يصلون جمعة ولا جماعة بناء على ما أصلوه من شعب النفاق وهو أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم (^١).
فقد تبين بهذا مدى تسبب علماء السوء في انتشار الشرك في الدعاء وغيره.
وأما أئمة الضلالة فقد نشروا بين المسلمين عبادة القبور ودعاءها.
وقد خاف رسول الله ﷺ على أمته الأئمة المضلين فقال محذرًا من منهم: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" (^٢).
وقد وقع ما خاف منه الرسول ﷺ، فقد تسلط على المسلمين في بعض فترات تاريخهم الطويل بعض أئمة الضلالة من الرافضة والباطنية والزنادقة.
وذلك بسبب (^٣) بعد المسلمين عن الاعتصام بالكتاب والسنة، فنشروا العقائد الضالة والأفكار المنحرفة بكل الوسائل الممكنة لهم.
فمن أئمة الضلالة من استطاع - بعد سيطرته وتمكنه في الأرض - أن يدعي الألوهية كالحاكم بأمر الله الباطني العبيدي "وقد أمر أهل مصر إذا قاموا عند ذكره أن يخروا سجدًا له حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود الله في يوم الجمعة وغيرها ويسجدون للحاكم" (^٤).
_________________
(١) الفتاوى: ٤/ ٥١٧، ٢٧/ ١٦٨، والرد على البكري: ٣٠٦، والعقود الدرية: ٢٥٥، والرد على الأخنائي: ٣٢/ ومنهاج السنة: ١/ ٤٧٤، ٤٧٨ و٧/ ٢١١.
(٢) أخرجه أبو داود: ٤/ ٤٥١ رقم ٤٢٥٢، وأحمد: ١٨/ ٢٧٨، ٢٨٤، والحاكم: ٤/ ٤٤٩، وصححه ووافقه الذهبي وصححه أيضًا الألباني في الصحيحة: ٤/ ١٠٩ رقم ١٥٨٢ كلهم من حديث ثوبان وأصله في صحيح مسلم رقم ٢٨٨٩.
(٣) انظر ما ذكره ابن القيم من أن سبب استيلاء القرامطة والعبيديين على المسلمين اشتغالهم بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد: إغاثة اللهفان: ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٤) البداية والنهاية: ١٢/ ١٠.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وآخرون لم يستطيعوا أن يدعوا لأنفسهم الألوهية ولكن ادعوا لأئمتهم الألوهية (^١).
ومن دون هؤلاء آخرون غلوا في أئمة البيت وإن لم يصلوا إلى التأليه، ولكنهم بنوا على قبورهم أو الأماكن التي يزعمون أنها قبورهم المشاهد والقباب والأضرحة المزخرفة وهؤلاء لهم آثار باقية ودول خطيرة إلى الآن ولا تزال تلك الآثار الباقية تنشر الشرك في ربوع الأمة الإسلامية وتفسد عقائدها بشتى الوسائل.
فمن تلك الآثار المشهد الذي بني في دولة الباطنيين العبيديين على رأس الحسين المزعوم في القاهرة (^٢). ولا يزال موجودًا إلى الآن يطاف به ويدعى ويعبد فإنا لله وإنا إليه راجعون.
كما أن بني بويه الذين كانوا على عقيدة الرافضة ظهر في دولتهم بناء المشهد على قبر علي ﵁ المزعوم بناحية النجف (^٣). ولا يزال يعبد ويدعى ويطاف به.
وهؤلاء الذين نشروا الشرك ربما يكون بعضهم من الجاهلين المغرورين والبعض الآخر زنادقة ممن يريد إفساد دين المسلمين.
والأدلة على أن بعض من نشر بين المسلمين دعاء غير الله تعالى زنادقة كثيرة:
١ - منها ما ذكره ابن الجوزي عن ابن عقيل الحنبلي أنه ذكر أن الملاحدة لما رأوا انتشار الإسلام ولم يستطيعوا مقاومته اندسوا بين المسلمين فعملوا حيلًا منها رواية ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار وخوارق العادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من
_________________
(١) منهاج السنة: ٥/ ٣٣٤.
(٢) انظر رأس الحسين: ١٦٨، ١٨٦.
(٣) المرجع نفسه: ١٦٨.
[ ١ / ٤٥١ ]
الكهنة والمنجمين وبالغوا في تقرير ذلك، وذلك ليقول من رأى ذلك مع عدم علمه لقصدهم: وهل ما جاءت به النبوات إلا مقارب هذا؟ " (^١).
٢ - ومن ذلك ما فعله الباطنية من الإسماعيلية والقرامطة ويدل على ذلك ما ثبت في رسائل إخوان الصفا من قولهم: إن التقرب إلى الله تعالى بالأنبياء أولى من التوسل بالأصنام التي لا تسمع ولا تبصر وأن من قصر فهمه ومعرفته فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه ومن قصر عنهم فبالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم والتعلق بهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار والرحمة عند قبورهم وعند تماثيلهم المصورة على أشكالهم لتذكرهم من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للزلفى إلى الله (^٢).
٣ - ومن ذلك ما ذكره ابن حزم أن بعض الفرس لما عجزوا عن مقاومة انتشار الإسلام أظهروا التشيع وذلك كيدًا للإسلام وأهله (^٣).
وذكر ابن الجوزي أن من أتباع القرامطة والعبيديين طائفة انقطعت دولة أسلافهم بدولة الإسلام كأبناء الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس فهؤلاء حاقدون على الإسلام كما ذكر أن منهم من قصد إبطال الإسلام ورد الدولة الفارسية وأظهر مذهب الإمامية (^٤).
٤ - وما ذكر عن رجل فرنسي أسلم وتنسك وصار إمامًا لمسجد كبير في تونس فلما جاءت الحملة الفرنسية على تونس طلب منه الناس أن يستأذن لهم على ضريح الشيخ فدخل في الضريح فخرج بأن الشيخ منعهم من المقاومة فاستسلموا (^٥).
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٦٨، ونحوه في ص: ٣٦٤، ونحوه في المنتظم: ٥/ ١١٨، وانظر نحوه في قواعد عقائد آل محمد للديلمي: ٣١.
(٢) رسائل إخوان الصفا: ٤/ ٢٠.
(٣) الفصل: ٢/ ٢٧٣.
(٤) المنتظم: ٥/ ١١٨.
(٥) التصوف بين الحق والخلق: ٢١١.
[ ١ / ٤٥٢ ]
٥ - وما ذكر عن امرأة فرنسية أظهرت الإسلام وتزوجت بأحد شيوخ التيجانية ثم بعد وفاته بأخيه شيخهم أيضًا، فبذلك قدمت خدمة جليلة للاستعمار الفرنسي (^١).
فتبين مما سبق أن بعض علماء السوء وأئمة الضلال والزنادقة سعوا في نشر الشرك في هذه الأمة.
السبب الرابع: التقليد الأعمى للآباء والأسلاف، واستصحاب العوائد وإِلْفُها:
إن الله ﷾ أعطى الإنسان العقل ليفكر ويعتبر به ولكن بعض الناس لم يستخدموا عقولهم في طلب الحجة والدليل والتفكر والاعتبار، بل أهملوه وقلدوا الآخرين بدون برهان ولا سلطان، فرأوا الآباء والأجداد والمشايخ يعظمون القبور ويدعون الأضرحة، فقلدوهم وتبعوهم بدون إعمال عقولهم هل هذه القبور تستحق العبادة والدعاء أم لا؟
وهؤلاء رأوا أن هذا قد شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير بدون نكير، فلهذا إذا رأوا من ينكر عليهم قالوا كما قال الأولون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢، ٢٣].
قال ابن الجوزي: "وقد لبس إبليس على جمهور العوام بالجريان مع العادات وذلك من أكثر أسباب هلاكهم، فمن ذلك أنهم يقلدون الآباء والأسلاف في اعتقادهم على ما نشأوا عليه من العادة، فترى الرجل منهم
_________________
(١) التيجانية لدخيل الله: ٦١ - ٦٣، والتصوف بين الحق والخلق: ٢١٢ - ٢١٣.
[ ١ / ٤٥٣ ]
يعيش خمسين سنة على ما كان عليه أبوه ولا ينظر أكان على صواب أم على خطأ" (^١).
فالذين يدعون غير الله تعالى ويجيزونه يستدلون بالكثرة وبالآباء والأجداد على صحة دعاء غير الله تعالى بل بعضهم يتهم من لا يجيز ذلك بأنه خالف إجماع الأمة المحمدية المرحومة، وهذا الاستدلال والاحتجاج بتقليد الآباء والأجداد له سبب خفي، وهو أنه "ينشأ أحدهم وهو حسن الظن بأسلافه ومشايخه فلا يزال يسمع ما يقوي حسن ظنه ويسمع ما يبعد المخالف، ثم يتدرج إلى مثل هذه الحالة من عدم قبول الحق، ومع هذه الحالة هناك عوامل وأسباب أخرى خفية ربما يذهل عنها" (^٢).
والمقلد يزين له الشيطان أن التقليد أفضل لسلامته من الوقوع في اشتباه الأدلة وأن الأسلاف لا يخطئون إلى غير ذلك من الشبه.
قال ابن الجوزي ﵀ في بيان طريق دخول إبليس في إفساد العقائد:
"فإن إبليس زيّن للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم، وقد ضل في هذا الطريق كثير وبه هلاك عامة الناس … واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى وجب هجر التقليد لئلا يوقع في ضلال. . .".
ثم قال: واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال: وهذا عين الضلال لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل كما قال علي ﵁. . .
_________________
(١) تلبيس إبليس ص: ٣٩٩، وانظر أيضًا: القول الفصل النفيس ص: ١٠٠، فقد أن استصحاب العوائد من أعظم أسباب الوقوع في الشرك، ونحوه في قطف ذكر الثمر ص: ١١٣.
(٢) العلم الشامخ: ٢٨٧.
[ ١ / ٤٥٤ ]
إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله" (^١).
السبب الخامس: عدم امتثال أمر الشارع بسد ذرائع الشرك وحماية جناب التوحيد:
قد أمر الشارع الحكيم بسد ذرائع الشرك ووسائله كلها صغيرها وكبيرها وحذر من الاقتراب إليها وذلك حماية لجناب التوحيد والوسائل التي نهى الشارع عنها كثيرة ومتنوعة لأن منافذ الشرك كثيرة والطرق إليه متعددة، ومن تلك الوسائل التي نهينا عنها وسائل لفظية نحو الحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت.
وقد حذرنا الرسول ﷺ من ذلك فقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (^٢).
وقال للذي قال له ما شاء الله وشئت: "أجعلتني الله ندًا بل ما شاء الله وحده" (^٣).
ومن تلك الوسائل وسائل عَمَلِيَّة: نحو البناء على القبور، وشد الرحل إليها واتخاذها مساجد والصلاة عندها أو إليها، وقصدها لعبادة الله عندها كالدعاء عندها والذبح الله عندها ووضع تماثيل لأصحابها والاجتماع عندها في مواسم وأعياد معينة.
وقد حذر الشارع الحكيم من هذه الأمور وغيرها، صيانة لعقيدة
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٨١ - ٨٢.
(٢) أخرجه أبو داود: ٣/ ٥٧٠ رقم ٣٢٥١، والترمذي: ٤/ ١١٠ رقم ١٥٣٥، والحاكم: ١/ ١٨ وصححه ووافقه الذهبي كما صححه الألباني كما في صحيح الجامع: ٥/ ٢٨٢ رقم ٦٠٨٠، والإرواء: ٨/ ١٨٩ رقم ٢٥٦١.
(٣) أخرجه ابن ماجه: ١/ ٦٨٤ رقم ٢١١٧، وأحمد ١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧، والنسائي في عمل اليوم: ٩٨٨، وابن السني رقم ٦٦٧، وحسنه الألباني في الصحيحة: ١٣٩.
[ ١ / ٤٥٥ ]
التوحيد وسدًا لأبواب الشرك ومنافذه.
فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة النهي عن هذه الأشياء وإليك بعضها:
فقد ثبت في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه (^١).
وثبت أمره بهدم أبنية القبور وتسويتها بالأرض. قال علي ﵁ لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (^٢).
وثبت عن النبي ﷺ نهيه عن شد الرحل إلى القبور، فروى أبو سعيد وأبو هريرة ﵄ مرفوعًا: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" (^٣).
ووردت أحاديث كثيرة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها أو عندها ولعن من فعل ذلك، فعن عائشة وابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه خميصة له فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد تقول عائشة: يحذر ما صنعوا" (^٤).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وكأنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فلعن اليهود
_________________
(١) رواه مسلم: ٢/ ٦٦٧ رقم ٩٧٠.
(٢) رواه مسلم ٢/ ٦٦٦، رقم ٩٦٩.
(٣) البخاري: ٣/ ٦٣ رقم ١١٨٨، ١١٨٩ و٣/ ٧٠ رقم ١١٩٧، ومسلم: ٢/ ١٠١٤ رقم ١٣٩٧.
(٤) البخاري: ١/ ٥٣٢ رقم ٤٣٥، ٤٣٦، ومسلم: ١/ ٣٧٧ رقم ٥٣١ وله شاهد من حديث أبي هريرة البخاري رقم ٤٣٧، ومسلم رقم ٥٣٠.
[ ١ / ٤٥٦ ]
والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم" (^١).
وروي جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ". . . ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني ذلك" (^٢).
أنهاكم عن ومن الوسائل التي نهى عنها وضع التماثيل والصور على القبور، قالت عائشة ﵂: إن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" (^٣).
وقد أمر ﷺ بطمس التماثيل والصور كما في حديث علي المتقدم كما حذر أشد التحذير من التصوير للحيوان مطلقًا فقال:
"أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" (^٤).
وحذر من اعتياد قبره صلوات الله وسلامه عليه فقال فيما رواه أبو هريرة: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (^٥).
_________________
(١) فتح الباري: ١/ ٥٣٢.
(٢) أخرجه مسلم: ١٨/ ٣٧٧ رقم ٥٣٢ والأحاديث الواردة في التحذير من اتخاذ القبور مساجد كثيرة ذكر الألباني في تحذير الساجد ص: ٢٧ وما قبلها عن الحارث النجراني وأسامة بن زيد وأبي عبيدة بن الجراح وزيد بن ثابت وابن مسعود وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين.
(٣) أخرجه البخاري: ١/ ٥٢٣ رقم ٤٢٧، ومسلم: ١/ ٣٧٥ رقم ٥٢٨.
(٤) أخرجه البخاري: ١٠/ ٣٨٦ - ٣٨٧ رقم ٥٩٥٤، ومسلم: ٣/ ١٦٦٧ رقم ٢١٠٧.
(٥) أخرجه أبو داود: ٢/ ٥٣٤ رقم ٢٠٤٢، وأحمد: ٢/ ٣٦٧. وقد صحح إسناد الحديث النووي في الأذكار ص: ١٠٦، ونقل السخاوي هذا التصحيح فأقره في القول البديع ص: ١٥٤، وقال ابن تيمية: وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع فيه لين لا يمنع الاحتجاج به هذا ما ذكره =
[ ١ / ٤٥٧ ]
ولا يخفى حكمة نهي الشارع عن تعظيم القبور وتصوير تماثيل أصحابها لأن ذلك من الأسباب الرئيسية في عبادة أصحابها ودعائهم.
قال شيخ الإسلام: "والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين: أولها: تعظيم قبور الصالحين، وتصوير تماثيلهم للتبرك بها، وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون وهو شرك قوم نوح … والسبب الثاني: عبادة الكواكب. . ." (^١).
وذكر ابن القيم أيضًا أن "غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور" (^٢).
فتبين مما تقدم أن الشارع الحكيم قد سد كل الطرق والوسائل التي تؤدي إلى الشرك ودعاء غير الله تعالى بنوعيه.
ولكن بعض المسلمين لم يمتثلوا هذا النهي وهذا التحذير البليغ فطرقوا تلك المحاذير وفتحوا تلك السدود، فقاموا بتشييد الأضرحة وزخرفتها، مع إسدال الستور وإيقاد البخور ونثر الزهور، وذبح النحور، وتقديم النذور، والانحناء عند المرور، ودعوا عند تلك القبور، ففتحوا بذلك بابًا من أبواب الشرك الذي أمر الشارع بسده، بل تعدوه
_________________
(١) = في الرد على الأخنائي ص: ٩٢، ونحوه في اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٢١. وقال الحافظ ابن عبد الهادي: "وهو حديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة" الصارم ص: ٣١٠، وحسنه أيضًا الحافظ كما في الفتوحات الربانية: ٣/ ٣١٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ١٣٢ رقم ٧١٠٣، وحسن إسناده في تحذير الساجد ص: ١٤٢، والشواهد التي أشار إليها ابن عبد الهادي ستأتي في ص: ٦١٠.
(٢) الرد على المنطقيين ص: ٢٨٥، والفتاوى: ١٧/ ٤٦٠، وقاعدة في التوسل: ١٧، وجامع الرسائل: ٢/ ٥٣، وانظر أيضًا شرح الطحاوية ص: ٢٠.
(٣) زاد المعاد: ٤/ ٤٥٨، ونحوه في إغاثة اللهفان: ١/ ١٤٥، نقلًا عن شيخه، وفي ٢/ ١٦١.
[ ١ / ٤٥٨ ]
واقتحموا الشرك فإذا جاء العامي عند مشهد من تلك المشاهد رأى ما يبهره من القباب المزخرفة والأضرحة المزينة ورأى الستائر المسدولة والأبخرة المتصاعدة، والأزهار المتناثرة، ورأى الناس يطوفون حول القبر، ويصرخون بندائه واستغاثته، ورأى هذا يبكي، وآخر يناجي ويتضرع، وآخر يتمرغ بتراب القبر، وآخر يقبض النذور ويُبَارِك، وآخر يحكي كرامات الشيخ وخوارقه وآخر يقول: كنت في شدة فدعوت الشيخ فاستجاب لي إذا رأى العامي هذه الأمور - ولم يجد من ينكر ذلك - ظنَّ أن هذا من دين الإسلام، وقلد هؤلاء وعمل مثل عملهم وتأثر بما رأى وسمع "ويضيق صدره عن تصور ما لهذا الولي من المنزلة، ويدخله من الروع والمهابة ما يغرس في قلبه من العقائد الوهمية. . . ما يزلزله عن الإسلام قليلًا قليلًا حتى يطلب من صاحب هذا القبر ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى" (^١).
هذا ومن جملة الوسائل التي نهى عنها الشارع الغلو في الصالحين، ومع كونه من جملة الذرائع والوسائل نُفْرِدُه بعنوان مستقل لكونه من الأسباب الرئيسية لانتشار دعاء غير الله تعالى قديمًا وحديثًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
السبب السادس: الغلو في الصالحين (^٢):
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى الغلو في الصالحين، وقد حذرنا الله تعالى من الغلو في الدين عمومًا في العقائد والأعمال والعبادات فقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَ﴾ [النساء: ١٧١].
_________________
(١) الإبداع في مضار الابتداع: ٢١٣.
(٢) قد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم ثم ذكر منها تعظيم الموتى، والغلو في المخلوق. اهـ. إغاثة اللهفان: ٢/ ١٦١، ١٦٤.
[ ١ / ٤٥٩ ]
فهذه الآية وإن كان سياقها في أهل الكتاب السابقين إلا أن مدلولها ينطبق على هذه الأمة أيضًا إذ نهينا أن نسلك مسالكهم ونتبع سبيلهم وأن نتشبه بهم. وقد أخبر رسول الله ﷺ أن هذه الأمة ستتبع سنن من سبقها من الأمم فقال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا" (^١).
وقد حذر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من إطرائه والغلو في مدحه فقال في حديث عمر الطويل: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ورسوله" (^٢) ومع هذا التحذير الواضح غلا فيه قوم، والذي ألجأهم إلى هذا الغلو "اعتقادهم أنه يكفِّر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة وكلما غلوا كانوا أقرب إليه فهم أعصى الناس لأمره" (^٣).
وقال ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: "إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (^٤).
فهذا الحديث وإن كان سبب وروده في رمي الجمار، إلا أن لفظه عام، فهو يشمل التحذير من أنواع الغلو سواء في الاعتقادات أو الأعمال (^٥).
ومن أنواعه الغلو في الصالحين أو فيمن يعتقد فيه الصلاح.
_________________
(١) البخاري: ١٣/ ٣٠٠ رقم ٧٣٢٠، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٤ رقم ٢٦٦٩ من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) البخاري: ١٢/ ١٤٤ رقم ٦٨٣٠ و٦/ ٤٧٨.
(٣) الموضوعات للقاري: ١١٩، والبريلوية: ١٤٣.
(٤) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٢١٥، ٣٤٧، والنسائي: ٥/ ٢١٨، وابن ماجه: ٢/ ١٠٠٨، وابن أبي عاصم في السنة رقم ٩٨، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٢٧٤ رقم ٢٨٦٧، وابن حبان (موارد) ص: ٢٤٩ رقم ١٠١١، والحاكم: ١/ ٤٦٦، وابن الجارود في المنتقى ص: ١٧١ رقم ٤٧٣. وقد صحح الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه شيخ الإسلام في الاقتضاء ص: ١٠٦ وقال: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: ٣/ ٢٧٨ رقم ١٢٨٢.
(٥) انظر اقتضاء الصراط ص: ١٠٦.
[ ١ / ٤٦٠ ]
ولم يحذرنا الشارع الحكيم من الغلو في الصالحين إلا لحكم عظيمة وأسرار بالغة فمن ذلك أن الغلو في الصالحين هو السبب الرئيسي في انتشار الشرك.
أ - فالغلو في الصالحين هو السبب في أول شرك ظهر على وجه الأرض، فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت (^١).
وروى ابن جرير بإسناده إلى محمد بن قيس قال: "كانوا قومًا صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم" (^٢).
وهكذا تدرج بهم الشيطان حتى عبدوا هؤلاء الصالحين، فالشيطان لا يأتي إلى الإنسان بالطريق المباشر ولكنه يأتي بحيل وأساليب متنوعة تؤدي في النهاية إلى الضلال نعوذ بالله منه.
فهو يتدرج "مع كل في عشه فقال لمن له انتماء ما إلى الشرع يقربونكم إلى الله زلفى ونحو ذلك، وكذلك عبادة سائر الأحجار يقال: سببها استعظام بعض أهل الحرم أن يغيبوا عن الحرم في سفرهم فأخرجوا منه حجرًا" (^٣) ثم تدرج الشيطان في ذلك حتى عبدت الأحجار.
_________________
(١) البخاري: ٨/ ٦٦٧ رقم ٤٩٢٠.
(٢) ابن جرير الطبري: ٢٩/ ٩٨ - ٩٩، وإسناده ضعيف لكنه يتقوى بحديث ابن عباس السابق كما أن هناك روايات أخرى عن بعض التابعين تشهد لذلك، من ذلك ما روي عن محمد بن كعب القرظي وأبي جعفر.
(٣) الأرواح النوافخ: ٣٩، وانظر تلبيس إبليس: ٥٥، والأصنام للكلبي: ٦.
[ ١ / ٤٦١ ]
ب - ثم وقع الشرك بعد قوم نوح ﵇ في الأمم الأخرى بسبب الغلو في الصالحين أيضًا، فقد أخبرنا الله تعالى أن اليهود غلوًا في عزير وقالوا ابن الله وغلت النصارى في عيسى فقالوا: ابن الله تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ يشير إلى أن مثل هذا الغلو موجود في الأمم التي قبلهم لأن عبادة الأبطال والغلو فيهم موجودة في السابقين قبلهم (^١).
ولم يقتصر غلو اليهود والنصارى على أنبيائهم فقد غلوا أيضًا في أحبارهم ورهبانهم قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [براءة: ٣١].
غلوا في الأحبار والرهبان فعبدوهم من دون الله إذ أطاعوهم في التحليل والتحريم كما في حديث عدي بن حاتم ﵁، قال ﷺ:
"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه" (^٢).
_________________
(١) انظر تفسير المنار: ١٠/ ٢٩٨، والمسيحية لأحمد شلبي ص: ١٣٥.
(٢) الترمذي: ٥/ ٢٧٨ رقم ٣٠٩٥، وابن جرير: ١٠/ ١١٤، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وقال في التقريب رقم ٥٣٦٤ - ضعيف. والحديث له شاهد موقوف عن حذيفة من طريق حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري عنه أخرجه ابن جرير: ١٠/ ١١٤، وأبو البختري هو سعيد بن فيروز ثقة كثير الإرسال كما في التقريب وحديثه عن حذيفة مرسل كما في التهذيب: ٤/ ٧٢، =
[ ١ / ٤٦٢ ]
وهذا لا ينافي ما ثبت من أنهم عبدوهم أيضًا في غير التحليل والتحريم، لاسيما النصارى فإنه يوجد فيهم من يعبد القديسين ويدعوهم من دون الله تعالى وذلك كثير فيهم (^١).
وذلك لأن الذي في حديث عدي ﵁ إنما هو نوع واحد من عباداتهم المتعددة الأنواع وليس حصرًا لأنواع العبادة التي وقعت منهم أو تقع منهم.
ويدل على ذلك عموم اللفظ في الآية، وعطف المسيح على الأحبار والرهبان وإن كان ذلك من دلالة الاقتران، وهي وإن كانت ضعيفة لكنها هنا لم تكن هي الدليل وحدها وذلك لأنهم لم يعبدوا المسيح بالطاعة فقط، بل عبدوه بكل أنواع العبادات ويؤيد عبادتهم لهم بغير الطاعة قوله ﷺ: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا فيه تلك الصور. . ." (^٢).
وهذه الأدلة تجعلنا نؤول حديث عدي عن ظاهره الذي يقتضي
_________________
(١) = وجامع التحصيل: ٢٢٢. وقد حسن الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان ص: ٦١ فقال: "وفي حديث عدي بن حاتم وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما ثم ساقه، ولم أجده في المسند: ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٩ في مسند عدي. وحسنه الألباني أيضًا في تخريج الحلال رقم ٦ وقد ضعفه جاسم الدوسري في النهج السديد رقم ٩٢.
(٢) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عبادة النصارى للقديسين ولمريم وغلوهم في الأحبار والرهبان بقصد قبورهم لدعائهم وغير ذلك مما يفيد عبادتهم لهم بغير الطاعة أيضًا انظر ذلك في الفتاوى: ١/ ١٣٥، والجواب الصحيح: ١/ ٣١٩، ورأس الحسين: ١٦٢ - ١٦٤، والجواب الباهر، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٣٥، والرد على البكري: ٢٦٥ - ٢٦٦، وقاعدة في التوسل: ١٩. كما ذكر أنهم يسمون مشركين باعتبار ابتداعهم للشرك. انظر الرد على البكري ص: ١٤٨، والفتوى الحموية ص: ١٤، كما ذكر عبادتهم لصور القداديس في الكنائس: الفتاوى: ١٧/ ٤٥٥.
(٣) تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.
[ ١ / ٤٦٣ ]
حصر عبادتهم للأحبار والرهبان في الطاعة فقط.
جـ - ثم إن الشرك عندما وقع في مشركي العرب وقع بسبب الغلو في الصالحين أيضًا، ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، كان اللات رجلًا يلت سويق الحاج (^١). وفي رواية ابن أبي حاتم زيادة كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه" (^٢).
ونحو قول ابن عباس قول مجاهد: كان رجل يلت السويق فمات فاتخذ قبره مصلى (^٣).
د - ثم إن الشرك عندما وقع في هذه الأمة المحمدية وقع بسبب الغلو في الصالحين، وهو أن أول شرك في هذه الأمة هو الشرك الذي وقع من السبئية الذين غلوا في علي ﵁ حتى ألهوه، وقالوا له أنت ربنا وخالقنا ورازقنا.
وهؤلاء قد أحرقهم علي ﵁ عندما لم يرجعوا عن قولهم بعد استتابتهم، فقد روى أبو طاهر (^٤) المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: "قيل لعلي إن هنا قومًا على باب المسجد يدعون أنك ربهم فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟، قالوا: أنت ربنا
_________________
(١) صحيح البخاري: ٨/ ٦١١ رقم ٤٨٥٩، وأخرجه أيضًا عبد بن حميد كما في الجواب الباهر: ٣٧، وابن جرير: ٢٧/ ٥٩.
(٢) فتح الباري: ٨/ ٦١٢، والجواب الباهر: ٣٧.
(٣) أخرجه عبد بن حميد في التفسير كما في الجواب الباهر: ٣٧، والطبري: ٢٧/ ٥٨ بإسناد صحيح وذكر الكلبي في الأصنام ص: ١٦ أنه كان يهوديًا يلت عندها السويق.
(٤) هو محمد بن عبد الرحمن بن العباس مسند وقته، وكان ثقة من الصالحين (ت ٣٩٣ هـ)، العبر: ٢/ ١٨٥، والبداية: ١١/ ٣٥٥.
[ ١ / ٤٦٤ ]
وخالقنا ورازقنا فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم أكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني فاتقوا الله وارجعوا فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال: أدخلهم فقالوا كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك … فخَدَّ لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر، وقال: احفروا فابعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود، وقال: إني طار حكم فيها أو ترجعوا فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال:
إني إذا رأيت أمرًا منكرا … أوقدت ناري ودعوت قنبرا" (^١)
وقد حسن الحافظ ابن حجر إسناد هذه القصة (^٢) وأما أصل قصة الإحراق فقد أخرجها البخاري وغيره مختصرة بدون هذا التفصيل من طريق عكرمة: "أن عليًا ﵁ حرق قومًا فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لأن النبي ﷺ قال: "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه" (^٣).
وقد تبع هؤلاء السبئية الذين غلوا في علي إخوانهم الرافضة الذين غلوا في علي وأئمة أهل البيت ووصفوهم بصفات الربوبية، وأعطوهم حق التصرف في الكون وزعم بعض المعاصرين منهم سيطرتهم على
_________________
(١) ذكره الحافظ في فتح الباري: ١٢/ ٢٧٠، وانظر أحوال الرجال للجوزجاني ص: ٣٧، ومسند أبي يعلى: ١/ ٣٤٩ رقم ٤٤٩، ومختلف الحديث لابن قتيبة: ٧٣، ومنهاج السنة: ١/ ٢٣ - ٣٤، ومقالات الإسلاميين: ١/ ٨٦، وفرق الشيعة للنوبختي: ٤٣: ٤٣ - ٤٤، وصرح فيه بأن السبئية أول من قال بالغلو، واختيار معرفة الرجال للطوسي ص: ١٠٦ رقم الحديث: ١٧٠ - ١٧٤، والفتاوى: ٤/ ٥١٨.
(٢) فتح الباري: ١٢/ ٢٧٠.
(٣) البخاري: ٦/ ١٤٩ رقم ٣٠١٧، و١٢/ ٢٦٧ رقم ٦٩٢٢، وأحمد في المسند: ١/ ٢١٧، ٢٨٢.
[ ١ / ٤٦٥ ]
جميع ذرات هذا الكون وأن مقامهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
قال صاحب الحكومة الإسلامية:
"فإن للإمام مقامًا محمودًا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون. وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم ﷺ والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنوارًا فجعلهم الله بعرشه محدقين … وقد ورد عنهم (ع) إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل" (^١).
وهذا الغلو والإطراء الذي جاوز المعقول والمنقول متأصل في الرافضة، ويكفي للدلالة على ذلك الأبواب التي بوب بها الكليني في كافيه وهو أهم كتاب من كتب الشيعة الأصولية فمن أبوابه في كتاب الحجة من قسم الأصول:
باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه: ١/ ١٤٨.
باب أن الأئمة خلفاء الله ﷿ في أرضه وأبوابه التي يؤتى منها: ١/ ١٤٩.
باب أن الأئمة نور الله ﷿: ١/ ١٥٠.
باب أن الأئمة ﵈ هم أركان الأرض: ١/ ١٥٢.
باب عرض الأعمال على النبي ﷺ والأئمة: ١/ ١٧٠.
باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم: ١/ ٢٠٢.
_________________
(١) الحكومة الإسلامية ص: ٥٢، وانظر هذه الأحاديث التي أشار إليها في: من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٣٧٢، ونحوه في أصول الكافي: ١/ ١١٦.
[ ١ / ٤٦٦ ]
باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء: ١/ ٢٠٣.
وقد حوى في داخل هذه الأبواب أنواعًا من المبالغات التي لا يمكن أن يصدقه العقل فمن ذلك ما رواه بسنده إلى أبي عبد الله أنه كان مع جماعة من الشيعة في الحجر فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثة" (^١).
وروى أيضًا أن الروح المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ أنه خلق من خلق الله أعظم من جبريل وميكائيل كان مع رسول الله يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده (^٢).
هذا ويكفينا من هذا كله مما يختص بموضوعنا - مسألة دعاء غير الله تعالى - ما أخرجه الكليني بسنده عن جعفر الصادق في قول الله تعالى: والله الأسماء الحسنى فادعوه بها نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا (^٣).
وأخرج أيضًا بإسناده إلى أبي الحسن - علي الرضا - في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: نحن الأوصياء (^٤).
_________________
(١) الكافي: ١٢/ ٢٠٤، ونحوه في بصائر الدرجات الكبرى: ١٤٩.
(٢) الكافي: ١/ ٢١٤، ونحوه في بصائر الدرجات: ٤٧٥.
(٣) الكافي: ١/ ١١١، ويشبه هذا ما نقل عن التيجاني الكذاب أنه قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن التوجه بالأسماء الحسنى وأمرني بالتوجه بصلاة الفاتح" اهـ. انظر الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التيجانية ص: ٣٠ نقلًا عن الإفادة الأحمدية ص: ٥٧.
(٤) الكافي: ١/ ٣٥٢.
[ ١ / ٤٦٧ ]
وهذا الذي يقول به هؤلاء من الإدعاءات الكثيرة في أئمتهم ومدعويهم لا يصدقه العقل السليم ولكن الأمر كما قال الإمام الشاطبي ﵀:
"ولولا الغلو في الدين والتكالب على نصر المذهب، والتهالك في محبة المبتدع لما وسع ذلك عقل أحد" (^١).
وقد وضح مما تقدم مدى ما وصل إليه غلو الروافض في أئمتهم ولم يصل إلى هذا الحد من الغلو في الصالحين في هذه الأمة أحد مثلهم. ثم قلدهم الصوفية فغلوا في شيوخهم ورفعوهم فوق منزلتهم، ومن طريق هاتين الفرقتين انتشرت الشركيات في هذه الأمة وانتشر الغلو في الصالحين وعباداتهم ودعاؤهم من دون الله تعالى.
وهذا ليس افتراء على هاتين الفرقتين بل يشهد بذلك التاريخ الصحيح.
فالشيعة هم أول من اعتنى بالمشاهد وتزيينها وزخرفتها مع تعطيلهم للمساجد فمن ذلك ما ذكره الإمام أحمد ﵀ مما يقع عند قبر الحسين بكربلاء (^٢).
وما ذكره المؤرخون في حوادث سنة ٢٣٦ هـ من هدم المتوكل قبر الحسين لأنه كان مزارًا للناس، وقد أنذر صاحب شرطته الناس بأنه "من وجد عند قبره بعد ثلاث بعثناه إلى المطبق" (^٣) فلم يبق هناك بشر واتخذ ذلك الموقع مزرعة تحرث وتستغل (^٤).
ومما يؤكد هذا أن إخوان الصفا مع فسادهم وانحلالهم يتهمون الشيعة بأن منهم من جعل التشيع مكسبًا مثل النائحة والقصاص، وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد وزيارة القبور (^٥).
_________________
(١) الاعتصام: ١/ ٢٥٩.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم: ٣٠٥ - ٣٠٦، ٣٩١، والرد على الأخنائي: ٣٢.
(٣) المطبق: السجن تحت الأرض المعجم الوسيط: ٢/ ٥٥٦ مادة طبق.
(٤) تاريخ الأمم: ٩/ ١٨٥، والبداية: ١٠/ ٣٢٨، ومقاتل الطالبين: ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٥) رسائل إخوان الصفا: ٤/ ١٩٩.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وقد صرح المؤرخون الموثوقون بأن الروافض هم السبب في نشر الشركيات في هذه الأمة حيث تأثر بهم المتصوفة ومن طريقهم انتشر في عوام المسلمين.
قال ابن خلدون: "ثم حدث أيضًا عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف وفيما وراء الحس، وظهر منهم القول بالحلول والوحدة، فشاركوا فيها الإمامية والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة، وحلول الإله فيهم.
وظهر منهم القول بالقطب والأبدال، وكأنه يحاكي مذهب الرافضة في الإمام والنقباء وأشربوا أقوال الشيعة وتوغلوا في الديانة بمذهبهم حتى جعلوا مستند طريقهم في لبس الخرقة أن عليًا ﵁ ألبسها الحسن البصري … ولا يعلم هذا من وجه صحيح" (^١).
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته إلى السويدي (^٢):
إن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة الذين يدعون عليًا وغيره، ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات (^٣).
وقال في كتاب التوحيد: "وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد" (^٤).
وقال أحد الشيعة المعاصرين معترفًا بهذه الحقيقة: "والحقيقة أن للغلو والتصوف هدفًا مشتركًا هو أن يكون للإنسان موضع قدم في
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون: ٣٢٣.
(٢) هو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله زين الدين البغدادي أبو الخير، فقيه مؤرخ أديب (ت ١٢٠٠ هـ)، المسك الأذفر للألوسي: ١٣١ - ١٣٣، ومعجم المؤلفين: ٥/ ١٤٩.
(٣) مؤلفات الشيخ: الرسائل الشخصية: ٣٦.
(٤) كتاب التوحيد: ٧٣.
[ ١ / ٤٦٩ ]
الإلهية، وتصريف شؤون الدين والدنيا بقدرة غيبية وهذا هو السبب الذي من أجله رفع الأئمة أولًا إلى الإلهية، وارتفع رؤساء مدارس الغلو إلى النبوة، ثم استقلوا فارتفعوا إلى الإلهية بأنفسهم، والتصوف يهدف إلى هذه النتيجة" (^١).
وهذا اعتراف صريح بتأثر التصوف بالتشيع وأن هدفهما عبادة الإنسان والغلو فيه لكن تخصيص الغلاة من الروافض بهذه العقيدة غير صحيح كما يريده صاحب هذا الكلام، بل الواقع يدل على أن أغلب الشيعة من الغلاة، وقلّ أن يوجد فيهم معتدل إلا ما كان في القرون الأولى كما قاله الذهبي ﵀ (^٢).
هذا فمن الغلو الذي عند المتصوفة دعاويهم الباطلة لأنفسهم، فمنهم من يدعو إلى عبادته والاستغاثة به من دون الله تعالى ومنهم من يغلو في شيخه ويرفعه فوق منزلته ويصفه بأوصاف الربوبية التي لا يستحقها إلا الله تعالى.
ومن أمثلة ذلك الحكاية التي تحكى عن معروف الكرخي وهي أنه أمر ابن أخيه بقصد قبره للدعاء (^٣).
ومن ذلك ما نقل عن الشبلي من قوله لمن خرج من عنده: "مروا وأنا معكم حيثما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي" (^٤).
وقوله: "إن محمدًا يشفع في أمته، وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد" (^٥).
_________________
(١) الصلة بين التصوف والتشيع ص: ١٢٨، لكامل الشيبي وهو من الشيعة المعاصرين.
(٢) ميزان الاعتدال للذهبي: ١/ ٥ - ٦.
(٣) تاريخ بغداد في ترجمته.
(٤) و(^٥) تلبيس إبليس: ٣٤٨.
[ ١ / ٤٧٠ ]
ومن ذلك ما ذكر عن عبد السلام بن مشيش أنه قال للشاذلي عندما زاره: يا علي طلعت إلينا فقيرًا من علمك وعملك فأخذت منا غنى الدنيا والآخرة (^١).
فانظر إلى هذه الحكاية إن صحت إلى أي مدى بلغت الوقاحة بهذا الرجل حتى يدعي أنه يعطي غنى الدنيا والآخرة، وما الذي بقي الله؟ سبحانه وتعالى عما يصفون.
ونحوه قول الشبلي: "إن الله عبادًا لو بزقوا على جهنم - لأطفأوها" (^٢).
وقول أحدهم: "لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة" (^٣).
ومن ذلك ما قاله أحدهم في البدوي:
يا من رماه الدهر بالإزعاج … ناد بعزم يا أبا فراج
فهو الأمان من الحوادث إن أتت … وهو الملاذ لنا وعون الراجي
وهو المراد إذا الخطوب تراكمت … وهو المجيب لدعوة المحتاج
وهو الطبيب لنا ومرهم طبه … يبري ضعيف الحال دون علاج (^٤)
وقال آخر أيضًا فيه:
وهو المجيب لسائل يتوسل … إذ باسمه عند المخاوف يهتف
وهو الملاذ إذا الخطوب تراكمت … وهو المعاذ في الشدائد يعرف
وهو الذي في الكرب يكشف غمه … وهو الذي للسوء عنا يصرف
_________________
(١) أبو الحسن الشاذلي: ١٩.
(٢) تلبيس إبليس: ٣٦١.
(٣) المرجع نفسه: ٣٥٤.
(٤) السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة ص: ٢٨٠ نقلًا عن مخطوط الجواهر السنية: ق ١٠٤.
[ ١ / ٤٧١ ]
وهو الذي تلقى السعادة عنده … وهو الذي يحنو عليك ويعطف
وهو الذي عمن أتى أعتابه … كل المخاوف والمتاعب يكشف (^١)
والحاصل أن الغلو في الصالحين من الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي.
وقد أمرنا الشارع هذه الأمة الوسطية بالتوسط في الصالحين بدون إفراط ولا تفريط لا نرفعهم فوق منزلتهم التي يستحقونها، ولا ننزلهم عن المنزلة التي أنزلهم الله تعالى بها، وقد ذكر الإمام مسلم ﵀ في مقدمة صحيحه حديث عائشة ﵂: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم" (^٢).
فأهل السنة والجماعة يرون محبة الصالحين وتوقيرهم واحترامهم والترحم عليهم والترضي عنهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، كما أن أهل السنة لا يرفعونهم فوق المنزلة التي يستحقونها فهم وسط في باب محبة الصالحين كما هم وسط في جميع أبواب الاعتقادات والأعمال بين الفرق الضالة كما أن هذه الأمة المحمدية وسط بين سائر الأمم.
السبب السابع: تأثر المسلمين بمن اختلط بهم من أصحاب الديانات الأخرى:
لقد تأثر المسلمون بمن جاورهم واختلط بهم في بلادهم الواسعة على مدى التاريخ حيث يجاورهم اليهود والنصارى والبوذيون والهنادك وغيرهم من الوثنيين.
تأثر المسلمون باليهود والنصارى في تعظيم القبور والمشاهد لأن
_________________
(١) المرجع نفسه ص: ٢٨١ نقلًا عن الجواهر: ق ١١٧، ١١٨.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ص: ٦.
[ ١ / ٤٧٢ ]
هاتين الطائفتين تعظمان القبور والمشاهد، قال ﷺ: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" (^١).
والنصارى أشد غلوًا في ذلك من اليهود كما في الصحيحين: "أن النبي ﷺ ذكرت عنده أم حبيبة وأم سلمة ﵄ كنيسة رأينها بأرض الحبشة وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله (^٢) ".
وقد أضلوا كثيرًا من جهال المسلمين حتى صاروا يُعَمِّدُون (^٣) أولادهم، ويزعمون أن ذلك يوجب طول العمر والولد، وحتى جعلوهم يزورون ما يعظمونه من الكنائس والبيع، حتى صار كثير من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهبانهم (^٤) وهذا التعظيم للقبور والمشاهد يؤدي في النهاية إلى عبادتها ودعائها من دون الله تعالى كما هو الواقع.
كما أن المسلمين تأثروا بأصحاب الديانات الأخرى مثل البوذية والهندوسية.
وذلك عن طريق المتصوفة الذين أخذوا مذهبهم عن البوذية والهندوسية وغيرهم من الوثنيين ثم ألبسوه ثوبًا إسلاميًا بالزور والبهتان، وقسموا الدين إلى الحقيقة والشريعة فادعوا أنهم أصحاب الحقيقة وأنهم
_________________
(١) تقدم تخريجه ص: ٤٥٦.
(٢) تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.
(٣) يعمِّدون: يقال عند النصارى: عَمَّدَ الطفل: غسله بماء المعمودية، فهو مُعَمَّدٌ وهو أن يغمس القس الطفل في ماء يتلو عليه بعض الشيء مما يسمى عندهم آية التنصير. اهـ. انظر المعجم الوسيط: ٢/ ٦٣٢.
(٤) رأس الحسين: ١٦٢ - ١٦٣.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وصلوا إلى اليقين فسقطت عنهم التكاليف الشرعية التي هي للعوام فبذلك أباحوا لأنفسهم المحرمات وترك الواجبات ويحتمل أن بعض المسلمين تأثروا بفكرة الفرس القائلة بأن ملوكهم الساسانيين كائنات إلهية اصطفاهم الله للحكم وخصهم بالسيادة وأيدهم بروح منه فهم ظل الله في أرضه" (^١).
فتأثر بعض المسلمين باعتقاد تلك المعتقدات في بعض أئمة آل البيت ثم في غيرهم من الصالحين.
فتأثر هؤلاء المتصوفة بالمذاهب القديمة واضح جدًّا لأن المذاهب الباطلة هي السائدة بينهم تفوح منها رائحة الغنوصية تارة، والهندية تارة أخرى أو النصرانية في بعض اتجاهاتها، وإذا وجدنا في كلامهم نصوصًا إسلامية فهي مبتورة ملتوية المعنى من فرط اختفائها وراء التأويل" (^٢).
ولكون تأثرهم واضحًا جليًا لا يحتاج الباحث فيه إلى كبير عناء ومشقة في إثبات وجود عناصر غريبة عن حقائق الإسلام والإيمان، ففي التصوف عناصر لا تمت إلى الإسلام بصلة وإنما هي من أفكار المذاهب القديمة التي تسربت إلى المتصوفة (^٣).
ومن طريقهم تسربت تلك الأفكار الهدامة إلى الأمة الإسلامية فانتشر الشرك والبدع.
ومن هذا النوع رواسب الجاهلية وتقاليدها وعاداتها التي بقيت في بعض الأقطار التي دخلت في الإسلام، ولكن تلك الأعراف والعادات لا
_________________
(١) فجر الإسلام ص: ١١١، والصلة بين التصوف والتشيع: ١٤٩، ٣٧٢، والتصوف لإحسان إلهي: ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٢) ابن تيمية والتصوف لمصطفى حلمي: ٣٤٩.
(٣) انظر لإثبات هذه الحقيقة: التصوف المنشأ والمصدر لإحسان إلهي فقد جمع فيه أقوال من أثبت ذلك وقارن بين التصوف والمذاهب التي هي أصل له، فجزاه الله خيرًا.
[ ١ / ٤٧٤ ]
زال لها آثار باقية وتأثير مستمر في نشر الشرك والبدعة والخرافات.
ومن تلك الأعراف الجاهلية السجود أمام الملوك والعظماء والمشايخ للتحية، وتقبيل الأرض (^١)، وخلع النعال، وكشف الرأس، والانبطاح على الأرض (^٢).
ومن تلك الأعراف وضع تماثيل منحوتة في الميادين العامة أو على القبور (^٣).
والحاصل أن هذه الأمور كانت عادات وتقاليد لبعض الأقطار قبل الإسلام وبقيت في تلك الأقطار، وهذه الرواسب الجاهلية في تعظيم العظماء ومن يعتقد فيهم الصلاح تؤدي في النهاية إلى عبادتهم ودعائهم من دون الله تعالى.
وهذا يشهد له الواقع التاريخي قديمًا وحديثًا.
وبهذا يتبين أن اختلاط المسلمين بغيرهم ومساكنتهم لهم ودخول كثير منهم في الإسلام مع بقاء بعض العادات الجاهلية، من إحدى الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى.
السبب الثامن: الأغراض الدنيوية والشهوات النفسية:
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى الأغراض
_________________
(١) البداية لابن كثير: ١١/ ٢٧١، ١٢/ ٧٢، ٧٦، ٨٨، والإسلام وتقاليد الجاهلية: ١٦٢، وما بعدها والمنتظم لابن الجوزي: ٨/ ١٣٦ و١٦٤ و١٧٠، وطبقات الشافعية: ٣/ ٣٩٠، والإعلام بقواطع الإسلام ص: ٢١، والروضة للنووي: ١/ ٣٢٦، وقد ذكر الذهبي في السير: ١٥/ ١٢٢ أن عضد الدولة البويهي لما قبل الأرض أمام الخليفة العباسي الطائع الله قال زياد قائد عضد الدولة: "أهذا هو الله؟. اهـ. فانظر إلى مدى أثر مثل هذا العمل على العقيدة وقد ذكر الذهبي في المشتبه ص: ٢٣٠ أن من أبواب بغداد باب النوبى وأن فيه العتبة التي يقبلها الملوك والرسل. اهـ.
(٢) الإسلام وتقاليد الجاهلية: ١٦٥ - ١٦٨.
(٣) الإسلام وتقاليد الجاهلية: ١٦٥ - ١٦٨.
[ ١ / ٤٧٥ ]
الدنيوية والأهواء النفسية، ومن تلك الأغراض الدنيوية: الاسترزاق والتكسب من أصحاب الأغراض الفاسدة والأهواء الباطلة، فالسدنة حول القبور لهم أثر كبير في تزيين دعاء صاحب القبر بحكاية الكرامات، وخوارق العادات وذلك في الغالب كذب وزور وافتراء.
قال الإمام الشوكاني ﵀: "وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور ويستدروا منهم الأرزاق ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه ويجعلون ذلك مكسبًا ومعاشًا وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم فيبهر الزائر ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به والالتجاء إليه وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر" (^١).
وقد يصل الأمر بالمزورين إلى أن يضعوا أحاديث مكذوبة على النبي ﷺ أو على الصحابة أو على لسان كبار العلماء ترويجًا لقصد المزور للدعاء عنده أو دعائه والاستغاثة به، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم ﵀
_________________
(١) الدر النضيد: ٢٧ - ٢٨ وانظر ما كتبه الدكتور أحمد صبحي عن النذور التي للبدوي وعجل البدوي وأعمال السدنة في كتابه القيم السيد البدوي من ص: ٢٩٦ إلى ٢٩٩ وما كتبه الشيخ إحسان إلهي ظهير عن قادة البريلويين وتحايلهم على أتباعهم ومنعهم من الاتصال بأصحاب العقيدة الصحيحة - في كتابه البريلوية ص: ١١٣ - ١١٤، ١٤٤، ١٤٦، ١٦١ وما كتبه الشيخ علي محفوظ في الإبداع ص: ٢١٣ وما كتبه علي الدخيل الله في التيجانية ص: ٦٠ عن مشايخ الطرق واستخدام الاستعمار لهم بإعطائهم النفوذ والمال.
[ ١ / ٤٧٦ ]
في صخرة بيت المقدس حيث قال: وكل حديث في الصخرة فهو كذب ومفترى، والقدم التي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين" (^١).
ومن تلك الأغراض والأهواء الفاسدة طلب الجاه والشرف والمكانة في قلوب العامة من سدنة الأضرحة الذين يخافون أن يذهب جاههم وشرفهم إذا ترك الناس عبادة القبور.
فإن السدنة يعدون لدى العامة الزائرين من أهل الشرف والمكانة دينيًا واجتماعيًا، فإذا سافروا ومروا على القرى والمدن فأهل تلك الناحية يجتمعون للقائهم والتبرك بهم وإعطاء الصدقات والنذور إليهم وتقبيل أيديهم للتبرك بهم ويعدون ضيافتهم وإكرامهم من أهم القربات إلى الولي.
ثم إن أحد هؤلاء السدنة لو طلب من شخص ماله فلا بد أن يعطيه وربما لا يملك إلا إياه ومع هذا لا يستطيع منعه خوفًا على نفسه من غضب السادن ثم يغضب بسببه الولي.
والحاصل أن للسدنة أثرًا واضحًا في تزيين دعاء صاحب القبر فهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر الذي يرونه عند القبر فبدلًا عن هذا يزينون دعاء الولي والاستغاثة به.
ومن صور الأهواء النفسية سهولة هذه الأوضاع والرسوم الشركية على النفس البشرية واستصعابها للتكاليف الشرعية فإن العوام يعتقدون أن الولي يحتمل الذنوب وإن زيارته كفارة للآثام والخطايا، وإن شفاعته مضمونة لمريديه وأحبابه فلا حاجة للتقيد بالأمور الشرعية، فإنه يغني عنه دعاء الولي والاستغاثة به وزيارته فغرتهم الأماني الكاذبة على الله تعالى قال ابن عقيل الحنبلي (^٢) ﵀:
_________________
(١) المنار المنيف: ٨٧، وعنه في تحذير المسلمين: ١٦٩.
(٢) هو علي بن عقيل بن محمد أبو الوفاء البغدادي شيخ الحنابلة ومؤلف كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد وكان إمامًا مبرزًا كثير العلوم خارق الذكاء عديم النظير (ت ٥١٣ هـ)، العبر للذهبي: ٢/ ٤٠٠، والبداية: ١٢/ ١٩٧.
[ ١ / ٤٧٧ ]
لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغَامِ عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزّى" (^١).
فهذه الأوضاع توافق أهواء الناس ورغباتهم ولا تكلفهم الكثير من المشاق.
ومن صور الشهوات النفسية ما يحصل في كثير من أعياد ومواليد أصحاب الأضرحة من اختلاط النسوان بالمردان وخروج المحجبات وانتشار أنواع الفساد وما يتسبب عن ذلك من مفاسد دينية وأخلاقية لا يعبر عنها القلم (^٢).
فكثير من الشباب والشابات يقصدون عيد الولي لعله يكون هناك لقاء ما ثم يتكرر ذلك منهم حتى يصير عادة ثم عبادة لا يستطيعون تأخر سنة عن عيد الولي خوفًا من الولي من جهة ولاستصحاب العوائد من جهة أخرى.
السبب التاسع: التعصب والحمية الجاهلية:
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى التعصب لجيل الآباء والأجداد والحمية الجاهلية والأنفة والاستكبار عن اتباع الحق، وذلك لأنه قد يظهر الحق لبعض الناس في عدم جواز دعاء غير الله تعالى والتوسل البدعي وقصدِ الأضرحة للدعاء ولكن لا يمتثل الحق الذي ظهر له تعصبًا لمذهبه وعادات قومه ومألوفاته.
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٤٠٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٢، ومفيد المستفيد: ٣٠١، والدر النضيد: ٤٠.
(٢) انظر عن ذلك: السيد البدوي: ٣٢٣.
[ ١ / ٤٧٨ ]
وهذا التعصب ناشيء عن التكبر والاستعلاء تارة، وعن الحسد تارة، وعن خوف لحوق العار به وبالمشايخ تارة، فيكون ذلك التعصب ناشئًا عن الكبر حيث يرى أن الداعي إلى الحق أقل منه علمًا وجاهًا ومركزًا في القوم وهذا غالب على بعض علماء السوء الذين يجيزون الاستغاثة بغير الله حيث يرون أن الدعاة إلى الحق كانوا طلبة صغارًا تخرجوا عليهم ثم إن هؤلاء الطلبة ربما درسوا في بعض الجامعات التي المنهج الصحيح في العقيدة فإذا رجعوا إلى بلادهم ودعوا إلى العقيدة الصحيحة وترك دعاء الأولياء وقف ضدهم مشايخ السوء تعصبًا وتكبرًا عن اتباع الطالب الذي كان يدرس عندهم ثم صار يدعو لما يخالف مذهبهم فيستكبرون عن اتباع تلميذهم وينطبق على هؤلاء قوله تدرس تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
وقد يكون ذلك ناشئًا عن الحسد لأن المتعصب يخاف ذهاب جاهه واحتلال الداعي إلى تصحيح العقيدة مكانه وترك الناس له، فيمتنع عن اتباع الحق خوفًا من ذهاب جاهه وحسدًا وبغيًا كما فعل أهل الكتاب مع النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقد يكون ناشئًا عن خوف لحوق العار به وبمن سبقه من أسلافه من مشايخه وآبائه فلو ترك مذهبهم خاف أن يلحقهم العار.
هذا وإن هذه الأسباب وغيرها مما لم تذكر قد أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي على الوجه الذي نراه اليوم في أنحاء العالم الإسلامي.
وإن الشيطان قد زين لابن آدم هذا الشرك ووسائله وأسبابه بطرق متعددة وأساليب متنوعة حتى أوقعه في حبائل الشرك، ولا يسلم من ذلك إلا من عصمه الله وجعله من عباده الصالحين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فنسأل الله تعالى أن يحفظنا منه إنه سميع قريب وهو ولي التوفيق ..
[ ١ / ٤٧٩ ]
الفصل الثاني في مراتب الدعاء غير المشروع، ومظاهر غلو المتأخرين فيه وحكم من دعا غير الله ﷿
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في مراتب الدعاء غير المشروع، وحكم كل مرتبة.
المبحث الثاني: في مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله ﷿.
المبحث الثالث: في حكم من دعا غير الله تعالى وذكر أقوال العلماء في ذلك.
[ ٢ / ٤٨١ ]
المبحث الأول في مراتب الدعاء غير المشروع وحكم كل مرتبة
إن الدعاء غير المشروع تتفاوت مراتبه ودرجاته، فليس كله على مرتبة واحدة فمنه ما هو في أعلى مراتب الشرك يخرج صاحبه من الملة، ومنه ما هو قريب من ذلك ومنه ما هو بدعة.
ولا بد من بيان كل مرتبة على حدة حتى تتميز تلك المراتب بعضها عن بعض ولا يحصل تداخل بينها فيحصلَ لَبْس وشبهة لبعض الناس الذين لا يميزون بين تلك المراتب فيظنونها مرتبة واحدة.
ومن هنا صار هذا البيان أمرًا ضروريًا لأن الإنسان ربما يقع في مرتبة من تلك المراتب فيظنها معصية صغيرة، بينما هي في الحقيقة كفر محض وشرك، واضح بل يظن بعض المسلمين ما هو من الشرك الواضح قربة وطاعة وعبادة.
وذلك لغلبة الجهل بضروريات الإسلام وأساسه الذي هو كلمة الإخلاص وما تقتضيه وما يناقضها أو يناقض كمالها.
فوجَبَ على من يعرف حقيقة ذلك شَرْحُه وتَوْضيحه حتى يَعْرِفَ من لا يعرف وحتى تقوم الحجة وتبرأ الذمة ويهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة.
ثم إن هذه المراتب قد تدرج الشيطان في تزيينها لابن آدم فيزين له
[ ٢ / ٤٨٣ ]
أخفها وأسهلها أولًا، ثم ينقله إلى درجة أخرى حتى يصل إلى مرتبة متناهية في البعد عن الإسلام فيخرجه عن الملة الحنيفية السمحة إلى ملة الكفر والشرك، وذلك أن الشيطان - بلطف كيده - يُحَسِّنُ أولًا الدعاء عند القبر وأنه أرجح منه في بيته ومسجده فإذا تقرر هذا عنده نقله إلى درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والاقسام على الله به، ثم إذا تقرر هذا عنده نقله إلى دعائه نفسه، ثم ينقله إلى أن يتخذ قبره وثنًا، يعكف عليه ويسجد له ويطوف به، وحتى يرى الصلاة إليه أفضل من الصلاة إلى القبلة ويقول: هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام، ثم ينقله حتى يعتقد أن الزيارة إليه أفضل من حج البيت مرات متعددة، ثم ينقله إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكا (^١).
ونحن نذكر هذه المراتب بالإجمال ثم بالتفصيل وهي كالآتي:
١ - سؤال الميت حاجة.
٢ - سؤال الحي الغائب.
٣ - سؤال الحي الحاضر.
٤ - سؤال الميت أن يدعو الله له.
٥ - سؤال الحي الغائب أن يدعو الله له.
٦ - سؤال الحي الحاضر أن يدعو الله له.
٧ - سؤال الله تعالى بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
٨ - سؤال الله تعالى عند قبر نبي أو ولي أو ما يعتقد كذلك.
٩ - سؤال غير الله تعالى مع الله تعالى بالعطف والمشاركة.
١٠ - سؤال غير الله تعالى بنية الشفاعة والوساطة.
وهذه هي أقسام المراتب بالإجمال، وهناك اعتبار آخر لتقسيم
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧ - ١٦٨، وقاعدة في التوسل: ١٤٩، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
السؤال فيقال:
١ - إما أن يسأل الله تعالى فقط.
٢ - أو أن يسأل المخلوق فقط.
٣ - أو أن يسألهما جميعًا.
٤ - أو أن يسأل سؤالًا مطلقًا ولا يعين المسؤول (^١).
ونحن هنا نختار التقسيم الأول لأنه مفصل فنقول وبالله التوفيق:
المرتبة الأولى (^٢):
وهي أن يسأل الميت حاجة أو يستغيث به فيها:
وذلك بأن يسأل الميت تفريج الكربات، ونيل المرادات، والحصول على الطلبات والوصول إلى الرغبات.
مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يَقْضِي دَيْنَه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه.
كأن يقول أحدهم: يا سيدي فلان أغثني، أو أستغيث بك أو أستجير بك، أو أعوذ بك، أو انصرني على عدوي، أو ارزقني ولدًا، أو وسع علي رزقي أو غير ذلك.
وقد يغالي بعضهم حتى يطلب من الميت هداية القلوب، وغفران الذنوب وحسن الخاتمة وتسهيل أمور الآخرة من ضيق القبر، وسؤال الملكين والجواز على الصراط والنجاة من النار.
_________________
(١) انظر جلاء العينين في محاكمة الأحمديين ص: ٤٧٢، وانظر أيضًا ص: ٥٣٩ - ٥٤٠ وما تقدم ص ١٥٨.
(٢) انظر عن هذه المرتبة: الرد على البكري ٥٥، وقاعدة في التوسل: ١٤٩، والفتاوى: ٢٧/ ٧٢، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٨، وزاد المعاد: ١/ ٥٢٧.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
ومما ينبغي أن يعلم أن الاستغاثة بالميت لا تجوز مطلقًا أي في الأشياء التي يقدر عليها في الحياة وفيما لا يقدر عليه.
قال شيخ الإسلام: "فالاستغاثة المنفية نوعان: أحدهما الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء، والثاني الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق" (^١).
وهذه المرتبة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يسأل الميت وقد حضر عند قبره ووقف عليه أو قدام شباكه أو أمام باب القبة.
وهذا كالذي يقع من الزائرين عند الأضرحة والقباب والمشاهد حيث يصرخون وينادون ويستغيثون بصاحب القبر ويقولون: يا أيها الولي الفلاني أنا ببابك أرجو منك أن تفعل لي كذا وكذا.
الصورة الثانية: أن يسأل الميت ويستغيث به ويناديه من مكان بعيد، ومسافات شاسعة بينه وبين المستغاث به الصحارى والفيافي والجبال بل البحار مما لم يجر الله العادة على سماع الرجل الحي للنداء والاستغاثة من مثل تلك الأمكنة فضلًا المقبور الساكن تحت الأجداث والجنادل عن والتراب، والذي هو في شغل شاغل إما بالنعيم أو بالجحيم إذ القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
حكم هذه المرتبة:
هذه المرتبة أبعد هذه المراتب عن الشرع وهي شرك صريح وكفر بواح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل (^٢).
_________________
(١) الرد على البكري ص: ٢٤٥.
(٢) الرد على البكري: ٥٥ والفتاوى: ٢٧/ ٧٢.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
والسبب في كون هذه المرتبة شركًا وجهان (^١) في الأولى وثلاثة أوجه في الثانية.
الوجه الأول: أن الداعي في هذه المرتبة نادى غير الله تعالى، ووَجَّه طلبه وقَلْبَه إلى غير الله تعالى واستغاث به طالبًا كشف ضره، أو جلب نفع له مما لا يقدر عليه غير الله تعالى.
وهذا هو الدعاء الذي هو العبادة ولبها ومخها وقطب رحاها، فَصَرْفُ هذا الله تعالى عبادة وطاعة وإخلاص وتوحيد، وصَرْفُه لغير الله تعالى شركٌ وضلال وكفر وتنديد.
الوجه الثاني: أن هذا الداعي اعتقد في المدعو قوة غيبية، وسلطانًا غيبيًا، وتأثيرًا بالقوة الغيبية التي ليست من جنس قوة البشر، ولا من صفاتهم، لأنه اعتقد للمدعو أنه يقدر على إيصال النفع، أو دفع الضر عنه بقوة غيبية لا ترى ولا تلامس الأشياء الملامسة المعروفة لدى البشر.
وهذه الصفة خاصة بالله تعالى لا تليق بغيره سبحانه وتعالى عما يشركون.
فَاعْتقادُهَا الله وإفراده بالاتصاف بها، توحيد وإخلاص وعبادة، واعتقاد اتصاف الغير بها شرك وضلال.
وهذان الوجهان موجودان في الصورتين جميعًا وتزيد الصورة الثانية وجهًا ثالثًا وهو ما يأتي:
الوجه الثالث: أن الداعي اعتقد علم الغيب، والسمع والبصر المحيطين لغير الله تعالى حيث ناداه من مكان بعيد، وهذا الاعتقاد صرف لصفات الجلال والجمال - التي لا تليق بغير الله تعالى ولا يمكن أن
_________________
(١) انظر في ذكر الوجه الأول والثالث صيانة الإنسان: ٣٧٣، وفتاوى عبد الحي اللكنوي: ١/ ٢٦٤ بواسطة تعليق أبي الحسن الندوي على رسالة التوحيد: ١٤٠ - ١٤١، وحكم الله الواحد الصمد ص: ٧ - ٨.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
يتصف بها أحد إلا إياه - إلى المدعو الضعيف الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم الغيب، وهذا هو الشرك بعينه وسيأتي إن شاء الله تعالى نقل كلام العلماء في كفر من اعتقد علم الغيب لغيره تعالى (^١).
وهذا الوجه الثالث لا يلزم في الصورة الأولى لأن العلماء اختلفوا في سماع الأموات عند قبورهم والمسائل الاجتهادية يعذر فيها المخالف إذا اختار أحد الأوجه المختلف فيها فلهذا لا يمكن أن يعترض بالوجه الثالث عليهم وإنما يلزمهم الوجهان الأولان فقط.
والحاصل أن أهل هذه المرتبة من جنس عباد الأصنام فلا فرق بينهم وبين المشركين ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت المستغاث به كما كان يتمثل لعباد الأصنام وأهل الكتاب من أصناف المشركين، وقد يدعو أحدهم ويستغيث بمن يعظمه فيأتيه الشيطان على صورته أحيانًا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة على صورة المكاشفة كما كان يخاطب الكهان وقد يرى أحدهم القبر قد انشق وخرج منه الميت فعانقه أو صافحه أو كلمه فيظن أن الميت هو الذي فعل ذلك أو يظن أن الله صور ملكًا على صورته، ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله.
وفي الحقيقة إنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في مشركي العرب قبل الإسلام وفي غيرهم من أصناف المشركين وأهل الكتاب (^٢).
_________________
(١) سيأتي ص: ٥٣٧.
(٢) انظر الرد على البكري: ٥٥ - ٥٦، وقاعدة جليلة: ١٥٤ - ١٥٨، والجواب: ١/ ٣٢٦ - ٣٢٨ و٣١٨ - ٣١٩، والصفدية: ١/ ١٩٠ - ١٩٣، و٢/ الصحيح: ٢/ ٢٩٢، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٣ و٤٩١٣، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧، والفتاوى: ١٧/ ٤٥٦.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
المرتبة الثانية:
أن يسأل الحي الغائب ويناديه ويستغيث به من مسافات بعيدة.
وهذه المرتبة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يسأله ما يقدر عليه لو كان حاضرًا غير بعيد، مثل أن يسأله مساعدته في ضائقة مالية أو يطعمه من جوع، أو يكسوه من عري، أو ينقذه من بئر وقع فيه.
هذا كله فيما إذا كان المدعو المستغاث به يستطيع أن يغيث الداعي بقوته البشرية العادية.
وأما إذا كان الداعي يريد من المدعو أن يغيثه بقوته التي فوق قوة البشر وطاقتهم فهو من الصورة الثانية.
فهذه الصورة الأولى يوجد فيها من المحاذير اعتقاد علم الغيب لغير الله تعالى واعتقاد سمع المدعو لنداء الغائب وصراخه وغواثه، وهذا يقتضي أن له سمعًا محيطًا شاملًا للداعي وأحواله بل ربما للكون كله.
كما أن فيه من المحذور تعليق القلب بغير الله تعالى في السر والعلن، وتوجيه النيات والإرادات والقصود إلى من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره.
الصورة الثانية: أن يسأله ما لا يقدر عليه لو كان حاضرًا مثل أن يسأله شفاء المريض، وإزالة موت نزل به وإهلاك عدو، وتوسعة في الرزق، وقد يصل الأمر إلى أن يطلب منه هداية القلوب وغفران الذنوب.
فهذه الأمور يعتقد الداعي فيها أن المدعو يستطيع التأثير فيها بقوته التي فوق مستوى البشر سواء اعتقد أن تلك القوة مستقلة في التأثير أو سبب وشافعة وواسطة له (^١). كما كان يعتقده كفار قريش في الأصنام
_________________
(١) انظر كلام رشيد رضا بهامش صيانة الإنسان: ٣٧٤، ٢١٢.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
حيث يعتقدون فيها الوساطة قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
حكم هذه المرتبة:
هذه المرتبة هي أيضًا من الشرك بل هي من أعظم الشرك (^١) وذلك لوجهين (^٢) في الصورة الثانية، ولوجه واحد في الأولى، ففي الصورة الثانية يوجد صرف لب العبادة الذي هو الدعاء لغير الله تعالى، وصرف العبادة لغير الله شرك هذا هو الوجه الأول، والوجه الثاني أن الداعي اعتقد علم الغيب وصفات الجلال والجمال المختصة بالله تعالى لغيره تعالى ومن اعتقد ذلك لغيره تعالى فقد أشرك، وهذا الوجه الثاني السبب في الحكم على الصورة الأولى بالشرك.
وهذه المرتبة قد وقعت صورها في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ومن مشركي الجاهلية الأولى ومن أهل الكتاب لا سيما النصارى.
والحكايات في الاستغاثات بالغائبين الذين يعتقد فيهم كثيرة جدًّا، وقد تقضي حوائجهم ويغاثون ويرون الشيخ الذي استغاثوا به، وذلك أن الشياطين يفعلون معهم مثل ما يفعلون مع مشركي الجاهلية والنصارى وغيرهم حيث يرى أحدهم شيخًا يحسن الظن به ويقول له: أنا الشيخ فلان ويتسمى باسم المستغاث به وربما يغيث من استغاث به ويقضي حاجته، وهذا واقع موجود اعترف به كبار المحققين.
فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا الأمر ثم قال: "وأعرف من ذلك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ورفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة
_________________
(١) الفتاوى: ٢٧/ ٨١ - ٨٢.
(٢) انظر صيانة الإنسان: ٣٧٣.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين.
وهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان، وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم. . ." (^١).
المرتبة الثالثة:
أن يسأل الحي الحاضر.
وهذا تحته صورتان:
الصورة الأولى: أن يسأله ما يقدر عليه بقدرته البشرية المحدودة الطاقة، فهذا جائز بدليل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥].
فموسى ﵇ يستطيع بقوته البشرية أن يغيث الرجل الذي استغاثه من عدوه وينقذه منه ويدفعه عنه، وهو حاضر معه حضورًا ذاتيًا لا لبس في هذا.
وبدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الأنفال: ٧٢]. "فهذا نصر بالقوة البشرية وهو جائز ولهذا قال بعض العلماء والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه كقولهم يا لزَيدٍ، يَا لَلمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق من خصائص الله لا يطلب فيه غيره (^٢) ".
_________________
(١) قاعدة في التوسل: ١٥٤ - ١٥٥، والجواب الصحيح: ١٨/ ٣١٩ - ٣٢٠، والرد على البكري: ٤٨ - ٥١، والصفدية: ٢٩٢٢، والفتاوى: ١٧/ ٤٥٧.
(٢) القول النفيس: ٥٠ - ٥١ نقلًا عن صنع الله الحنفي الحلبي، وتيسير العزيز: ٢٣٤.
[ ٢ / ٤٩١ ]
وقد سمى بعضهم الاستغاثة (^١) في الأمور الظاهرة بدعاء العادة وعرفه بأنه "ما يطلبه الناس بعضهم من بعض مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم".
الصورة الثانية: أن يسأل الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى مثل شفاء المريض وكشف الكروب ودفع المرهوب، ونيل المرغوب، مما لا يقدر عليه إنسان بقوته البشرية بل يحتاج إلى قوة غيبية وسلطان غيبي، بأن يكون تأثيره بدون مباشرة الأسباب، العادية سواء اعتقد تأثير تلك القوة تأثيرًا مستقلًا أو بالتوسط لدى المؤثر الحقيقي، وهذه الصورة كثيرًا ما تقع من المريدين في شيوخهم فيطلب المريد من شيخه إزالة مرض وكشف ضر وإيصال نفع بل ربما يطلب منه ستر العيوب وغفران الذنوب والخطايا والنجاة من النار والمساعدة في سؤال القبر وغير ذلك.
وربما يحبذ بعض شيوخ الضلال لمريديه دعاءه والاستغاثة به في حياته ومماته وحضوره ومغيبه (^٢).
حكم هذه المرتبة:
ففي الصورة الأولى يكون السؤال جائزًا لا مانع منه ولكن سؤال الناس ليس مأمورًا به إلا في سؤال العلم (^٣).
وذلك لأن أصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل ولا مستحبًا، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه.
وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلًا
_________________
(١) وهو الشيخ رشيد رضا في تعليقه على صيانة الإنسان ص: ٣٧٤. ومثله في كلام أبي السمح عبد الظاهر في حياة القلوب: ٣١.
(٢) انظر الرد على البكري: ٣٥١، وما تقدم ص: ٤٧٠.
(٣) قاعدة جليلة: ٣٧، والرد على البكري: ٩٩.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
عليه واعتياضًا بسؤال الخالق أفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨] أي ارغب إلى الله تعالى لا إلى غيره (^١). كما يفيده تقديم المعمول على العامل.
وعنه ﷺ أنه طائفة بايع من أصحابه وأسرّ إليهم كلمة خفيفة ألا تسألوا الناس شيئًا، قال راوي الحديث عوف بن مالك: "فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه" (^٢).
وقال ﷺ: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" (^٣).
وإنما يباح من السؤال سؤال من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات والغنيمة وغيره من الأموال المشتركة وسؤال النفقة لمن تجب عليه والغريم لمن عليه دينه ونحو ذلك (^٤).
وأما غير ذلك فلا يستحب السؤال بل هو مكروه إما تحريمًا أو تنزيهًا لأن "سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك، ومفسدة إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق، وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة" (^٥).
وأما الحكم في الصورة الثانية وهي أن يسأل الحاضر ما لا يقدر عليه فهو الشرك المبين، لأن الدعاء عبادة، وقد صرفها الداعي لهذا المدعو العاجز.
_________________
(١) قاعدة في التوسل: ٣٤، والرد على البكري: ٩٨.
(٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٢١ رقم ١٠٤٣، وتقدم ص: ٤٢٣.
(٣) أخرجه البخاري: ٣/ ٣٣٥ رقم ١٤٧٠ من حديث أبي هريرة ورقم ١٤٧١ من حديث الزبير ومسلم: ٢/ ٧٢١ رقم ١٠٤٢ من حديث أبي هريرة.
(٤) قاعدة في التوسل: ٣٧.
(٥) المرجع السابق: ٤١ - ٤٢، والرد على البكري: ١٠٣.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
ووجه كون هذا الدعاء عبادة هو أن الداعي اعتقد فيه التأثير بقوة غيبية حيث طلب منه ما هو فوق طاقة البشر، ولأجل هذا طلب منه جلب نفع أو دفع ضر، فاعتقد فيه خاصية من خصائص الربوبية من التأثير الغيبي، ثم صرف له خاصية من خصائص الألوهية ألا وهو توجه القلب والقالب إلى دعائه وندائه والاستغاثة به ورجائه لقضاء حوائجه، وخوفه من عدم الاستجابة له إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي يتضمنها الدعاء.
المرتبة الرابعة (^١):
أن يسأل الميت أن يدعو الله له.
وهذه لها صورتان:
إحداهما: أن يسأل ميتًا عند قبره وباب قبته ومشهده أن يدعو الله له.
كالذي يفعله زوار القباب والأضرحة والمشاهد، يقول أحدهم: يا أيها الولي الفلاني ادع الله لي أن يفعل بي كذا وكذا.
وقد يظن أحدهم أن هذا مثل أن يسأل أحدهم في حياته فلا فرق عنده بين الحياة والموت.
فهذه الصورة حكمها أنها من البدع المنكرة الشنيعة، وأنها من وسائل الشرك، وأنها الباب الموصل إلى دعاء الميت نفسه فيما بعد.
وقد اتفق المسلمون على أنها بدعة (^٢).
وقد يصل الحكم في هذه الصورة إلى الشرك الأكبر إذا أراد من
_________________
(١) انظر عن هذه المرتبة الرد على البكري: ٥٦، وقاعدة في التوسل: ١٤٩، والفتاوي: ٢٧/ ٧٥ - ٧٦.
(٢) الرد على البكري: ٥٦.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
صاحب القبر الشفاعة والواسطة الشركية التي يعتقدها الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وسيأتي بحث الشفاعة الشركية قريبًا في المرتبة العاشرة.
ففي هذه الصورة مفاسد عظيمة، من صرف القلوب إلى غير باريها وفاطرها، والافتقار إلى غيره ﷾، وإيذاء المقبور بتكليفه سؤال الله تعالى، إن قُدِّرَ أنه يسأل الله تعالى.
ثم فيها الجزم بأن الولي الفلاني يستطيع السؤال، ومن يدري ما هو فيه من النعيم أو الجحيم؟ لأن مذهب أهل السنة أنه لا يجزم بذلك إلا في الوارد.
ثم إنه فتح لباب الشرك ولذرائعه التي يتدرج منها الشيطان إلى الشرك الأكبر، وقد قال السلف: إن البدعة باب للشرك.
ثم إن الظن بأنه لا فرق بين الحياة والموت وقياس أحدهما على الآخر ظَنٌّ سيئ وقياس مع الفارق وهو فاسد الاعتبار لأن طلب الدعاء منه في حال حياته ليس فيه محذور ولا مفسدة فإن أحدًا من الأنبياء ﵈ لم يعبد في حياته بحضوره فإنه ينهى من يعبده ويشرك به ولو كان شركًا صغيرًا كما قال ﷺ: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (^١) ونهى من قال: وفينا نبي يعلم ما في غد" (^٢).
وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير وغيرهما عند قبورهم وغير قبورهم (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٥/ ٢٥٩ رقم ٤٩٨٠، والنسائي في عمل اليوم: ٥٤٤ رقم ٩٨٤، وأحمد: ١٠/ ٣٨٤ - ٣٩٤، ٣٩٨، والطيالسي ص: ٥٧، وابن السني: ٣١٤ رقم ٦٦٦، وصححه النووي في الأذكار ص: ٣١٨، والألباني في الصحيحة رقم ١٣٧.
(٢) أخرجه البخاري: ٩/ ٢٠٢ رقم ٥١٤٧، وابن ماجه: ١/ ٦١١ رقم ١٨٩٧.
(٣) قاعدة في التوسل: ١٣٨، وانظر كلامًا نفيسًا حول الفرق بين الحياة والموت في الفتاوى: ٢٧/ ٨٠ - ٨١، وما سيأتي ص: ٧٧٧ - ٨٥٠.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
الصورة الثانية: وهي ما إذا سأل الميت أن يدعو الله له بعيدًا عن قبره - فهذه الصورة كثيرًا ما تقع ممن يدعون الأموات، فقد يقع أحدهم في شدة أو كرب فينادي صاحبه الولي ويستغيث به ويشتكي إليه هذه الشدة ويطلب منه الوساطة عند الله تعالى فيقول يا ولي الله فلان ادع الله لي أن يزيل عني كذا وكذا، أو يعطيني كذا وكذا.
والسبب في وقوع هذه الصورة من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، ظنهم أنهم لم يشركوا حيث لم يدعوا الولي لمباشرة قضاء الحوائج بنفسه، بل طلبوا منه سؤال الله فقط، وهذا مثل ما يطلب منه وهو حي أن يدعو لمن طلب منه الدعاء، فلا فرق عندهم بين الحياة والموت، هكذا ظنوا ولا ينفعهم ظنهم هذا لأمرين:
الأول: أنهم وإن لم يشركوا بطلب الدعاء منه لكنهم أشركوا من جهة أنهم ظنوا أنه يعلم الغيب ويسمع النداء، وقد ذكر الشيخ محمد (^١) إسماعيل الشهيد ظنهم هذا ثم رد عليهم بقوله: "وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة، فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب" (^٢).
وقد ذكر نحو هذا الكلام صاحب صيانة الإنسان (^٣).
الأمر الثاني: أن ظنهم أنه ليس هناك فرق بين الحياة والموت ظن
_________________
(١) هو محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الملقب بالشهيد لاستشهاده في معركة الإنجليز بالهند عام ١٢٤٧ هـ، له جهود طيبة في محاربة البدع والخرافات ورسالته رد الإشراك من أحسن الرسائل وهي مفيدة جدًّا، انظر رد الإشراك بتحقيق محمد عزيز شمس، والمسك الأذفر للألوسي: ٣٢٦، ومعجم المؤلفين: ٩/ ٥٨.
(٢) رسالة التوحيد للدهلوي: ٦٦ - ٦٧.
(٣) صيانة الإنسان: ٢١٢.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
سيئ وقد تقدم ما في ذلك من المفسدة وخوف الفتنة في حال الموت دون الحياة.
والحكم في هذه الصورة أنها شرك، لأن صاحبها قد زعم أن الولي المدعو يعلم الغيب ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى.
هذا ما قاله الشيخ الدهلوي والشيخ بشير السهسواني وغيرهما (^١).
ولكن بعض عبارات ابن تيمية ربما يفهم منها أن هذه المرتبة لا تصل إلى الشرك فإنه قال: "الثانية أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع الله لي أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة، وإن كان السلام على أهل القبور جائزًا، ومخاطبتهم جائزة" (^٢).
وهذا الكلام يدل على أن شيخ الإسلام لا يرى أن هذه المرتبة شرك، بل يراها بدعة (^٣) فقط، وشبيه بهذا كلامه الآخر حيث قال: "فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكي إليه شيء من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يشكى إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك، وهذا يفضي إلى الشرك. . ." (^٤).
_________________
(١) رسالة التوحيد: ٦٧، وصيانة الإنسان: ٢١٢، وحكم الله الواحد ص: ١٠.
(٢) قاعدة في التوسل: ١٤٩، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٥١.
(٣) ويحتمل على بعد - أن الحكم بالبدعية قاصر بالصورة الأولى وهي السؤال عند القبر ولا يشمل الغائب عن القبر لأن كلام الشيخ يشمل الصورتين فيحمل على الأولى دون الثانية.
(٤) قاعدة جليلة: ١٥١.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وهذا الكلام يحتمل أنه يرى أنه يفضي ويجر إلى الشرك وأنه في ذاته ليس بشرك بل ذريعة إلى الشرك فقط.
ولكن لشيخ الإسلام كلام آخر يوافق كلام الذين عدوا هذه المرتبة شركًا فإنه قال: "ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركًا كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو الله أو نحو ذلك. . ." (^١).
فيفهم من هذه العبارة أن دعاء غير الله أن يدعو الله تعالى متضمن للشرك.
فهو إِذَنْ شِرْكٌ، كما يدل مقارنته بين دعاء غير الله أن يفعل وبين دعائه أن يدعو الله على أنه يرى أنه لا فرق بين المرتبتين في الحكم، كما أن شيخ الإسلام جعل الخطاب بنحو سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا، سل الله أن يغفر لنا وغير ذلك من أعظم أنواع الشرك (^٢).
وهناك أمر آخر وهو أن ما تقدم لنا من التفريق بين ما إذا كان قريبًا من القبر وبين ما إذا كان بعيدًا عنه، لاختلاف العلماء في سماع الميت القريب، فيكون القائل به مجتهدًا متأولًا بخلاف البعيد، فلم يختلف في عدم سماعه فيكون القائل به غير متأول.
ثم إنه ربما يفهم من كلام شيخ الإسلام أيضًا أنه لا يرى الفرق بين القرب من الميت والبعد عنه فإنه ذكر صورًا مما يقع من المستغيثين بالأموات فذكر من يأتي القبر فيقول: أنا في حسبك، ومن يقول للميت: اقض ديني واغفر ذنبي، ومن يقول: سل لي ربك، ومن يقول: يا سيدي الشيخ فلان أو سيدي يا رسول الله نشكو إليك ما أصابنا من العدو، وذكر أن منهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه … إلخ. ثم قال بعد هذا كله فإن هذا الفعل منه ما هو كفر صريح ومنه ما هو
_________________
(١) اقتضاء الصراط: ٣٥٦.
(٢) انظر قاعدة في التوسل ص: ١٩.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
منكر ظاهر، سواء قُدِّرَ أَنَّ الميت الخطاب كما إذا خوطب من يسمع قريب، أو قُدِّرَ أنه لا يسمعه كما إذا خوطب من بعيد، فإن مجرد سماع الميت للخطاب لا يستلزم أنه قادر على ما يطلب الحي منه، وكونه قادرًا عليه لا يستلزم أن نسأله ونطلب منه كل ما يقدر عليه" (^١) وكلامه هذا يحمل على أن احتمال السماع لا يمنع الحكم على أن الطلب من الميت ممنوع ومنكر مطلقًا ولا ينافي الفرق الملاحظ من ناحية أخرى وهي ناحية الحكم بوصول هذه الصورة إلى الشرك أو عدم وصولها إلى الشرك، ومن المعلوم أن شيخ الإسلام ممن يرى أن المجتهد المتأول يختلف حكمه عن غير المتأول (^٢).
كما أنه قد صرح في مكان آخر بأن الاختلاف في سماع الميت لنداء الحي لا يقتضي الحكم بالكفر على المخالف (^٣).
والذي يظهر - والله أعلم - أن الحكم في هذه المسألة له اعتباران:
فالاعتبار الأول أن الداعي لم يسأل الميت ولم يطلب منه إلا دعاءه الله تعالى ولم يطلب منه قضاء حاجته بنفسه فبهذا الاعتبار قد لا يكون هذا الطلب مخرجًا له من الإسلام، ففيه احتمال التأويل وفيه شبهة قد تكون مانعة من الحكم بالشرك.
وقد يقال: إن هذا الاحتمال لا ينفع لأن المشركين الأوائل كانوا يرون أن آلهتهم تشفع وتسأل الله لهم ولم يعتقدوا لها الاستقلال.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأنهم وَجَّهوا السؤال لها ودَعَوْهَا من
_________________
(١) الرد على البكري: ٣٠.
(٢) انظر كلامه في هذه المسألة: الاستقامة: ١/ ٣١، ٣٧، ١٦٣ - ١٦٦، والرد على البكري: ٢٥٩ والمنهاج: ٥/ ٢٣٩ - ٢٥٢.
(٣) قال في الفتاوى: ١٢/ ٤٩٢ "وأيضًا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل، واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي … إلخ".
[ ٢ / ٤٩٩ ]
دون الله تعالى، ولم يصرحوا في الدعاء بهذا المراد فلم يقولوا لأصنامهم: ادعوا الله لنا أو سلوا الله لنا بل قالوا افعلوا لنا كذا وكذا.
وهناك فرق بين دعائه بأن يفعل بنفسه وبين دعائه بأن يدعو، وهذا الفرق كاف في التفريق بين الحكمين وإن كان الذي طلب أن يفعل، مراده الشفاعة والوساطة لا أن يستقل بالفعل والتأثير.
والاعتبار الثاني: أن الداعي نادى الميت من مكان بعيد، وفي ذلك اعتقاد لعلمه للغيب ولسماعه لصراخه وغوائه، وهذا الاعتقاد شرك أكبر، فبهذا يكون الطلبُ من الميت سؤال الله تعالى شركًا أكبر.
وإلى هذا الاعتبار أشار شيخ الإسلام أيضًا في معرض رده على من قال إنه ﷺ يسمع صلاة المصلي عليه من البعيد، فقال: وقول القائل: إنه يسمع صوت السلام من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه، فهذا مكابرة وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم … وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم ومن قال: هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ … الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^١) [المائدة: ٧٢ - ٧٦]
ففي هذا أن من اعتقد سماع أصوات العباد لغير الله يُعَدُّ من جنس النصارى أي فهو مشرك مثلهم، وربما يقال: إن هذا لازم لهم، وليس لازم المذهب بمذهب (^٢) فيجاب بأنه كذلك إلا أن كثيرًا منهم يلتزم بهذا
_________________
(١) الرد على الأخنائي: ٢١٠ - ٢١١ مع الرد على البكري والصارم المنكي: ١٤٦ - ١٤٧.
(٢) انظر التحقيق في هذه المسألة: في القواعد النورانية ص: ١٢٨، وما سيأتي ص: ٥٣٧.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
اللازم ويعتقده ويدافع عنه وقد تقدم (^١) عنه وقد تقدم في مبحث علاقة الدعاء بالعقيدة ما يدل على اعتقادهم لذلك ومن المعلوم أن لازم المذهب مذهب إذا التزم به صاحب المذهب.
المرتبة الخامسة:
أن يسأل الحي الغائب أن يدعو الله له.
وهذا كالذي يقع من المريدين في شيوخهم فقد يتفانى بعضهم في تعظيم، شيخه حتى يظن أن شيخه يعلم به وبأحواله وبمراده، فإذا وقع في شدة ينادي شيخه فيطلب منه أن يدعو الله له حتى يكشف الله عنه شدته بدعاء شيخه.
فهذه المرتبة حكمها كالصورة الثانية من المرتبة السابقة - أعني المرتبة الرابعة -.
المرتبة السادسة:
أن يسأل الحي الحاضر أن يدعو الله، له وهذا كالذي يقع من المؤمنين حيث يطلب بعضهم من بعض الدعاء.
فقد روي أن النبي ﷺ الطالب من عمر ﵁ الدعاء عندما أراد العمرة فقال له: أشركنا يا أخي في دعائك" (^٢).
وقال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول … ثم سلوا الله لي الوسيلة (^٣).
_________________
(١) تقدم ص: ٢٥٦.
(٢) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٩ رقم ١٤٩٨، والترمذي ٥/ ٥٦ رقم ٣٥٦٢، وابن ماجه: ٢/ ٩٦٦ رقم ٢٨٩٤، وأحمد: ١/ ٢٩، ٢/ ٥٩. والحديث في إسناده عاصم بن عبيد الله وهو العدوي ضعيف كما في التقريب رقم ٣٠٦٥ وقد ضعفه الألباني في ضعيف الجامع: ٦/ ٦٢٩٢.
(٣) أخرجه مسلم: ١/ ٢٨٨ رقم ٣٨٤.
[ ٢ / ٥٠١ ]
والرسول ﷺ يقصد بهذا الأمر والطلب نفع المأمور والإحسان إليه "وهو ﷺ أيضًا ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أيضًا بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له" (^١).
ومثل النبي ﷺ المؤمن المحسن المتبع لسنته ﷺ إذا أمر أحدًا بأمر كان مقصوده بذلك انتفاع المأمور وحصول مصلحته وله أجر الناصح، وإذا قال لغيره: ادع لي، فإنه يقصد شيئين:
الأول: انتفاع الداعي إذ يحصل له مثل دعائه كما في حديث: "ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك آمين ولك بمثل" (^٢).
والثاني: أن ينتفع هو أيضًا باستجابة الله دعاء ذلك الداعي.
فتحصل مما سبق أن هذه المرتبة السادسة لها صورتان:
إحداهما: أن يقصد بهذا الطلب شيئين:
أولهما: انتفاع الداعي بهذا الدعاء لأنه يحصل له مثل دعائه، فهو عندما يأمره بالدعاء له يقصد أن يحصل للداعي هذا الأجر.
وثانيهما: انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي له، وهذا مثل ما يقصد الآمر بالمعروف فإنه ينتفع المأمور بعمله ويكون للآمر مثل أجره.
الصورة الثانية: أن يقصد بطلب الدعاء انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي فقط بدون أن يقصد انتفاع الداعي بذلك.
فالحكم في الصورة الأولى أنه جائز بل هو مستحب لأن فيه
_________________
(١) قاعدة في التوسل: ٤٣.
(٢) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٤ رقم ٢٧٣٢، ورقم ٢٧٣٣، وأبو داود: ٢/ ١٨٦ رقم ١٥٣٤، وانظر الكلام على طرق الحديث في الصحيحة: ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٨.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الإحسان إلى الخلق وطلب الأجر من الله تعالى فيكون قائمًا بحق الله وحق عباده ويكون السؤال راجحًا على الترك (^١).
وفي الصورة الثانية أيضًا جائز وهل هو منهي عنه فيكون خلاف الأولى أو مكروهًا تنزيهًا ويدل على أنه خلاف الأولى الأحاديث المانعة من السؤال فهي عامة كما يدل له ما ورد في حديث السبعين ألفًا أنهم لا يسترقون، والرقية نوع من الدعاء (^٢).
لكن الذي يظهر من ظواهر الأخبار أنه ليس خلاف الأولى لما ورد عن كثير من الصحابة أنهم طلبوا الدعاء من النبي ﷺ ولم ينكر عليهم.
وقد نقل ابن مفلح (^٣) عن شيخ الإسلام أنه ذكر أنه منهي عنه وإن كان لا يأثم قال ابن مفلح: "ومن سأل غيره الدعاء لنفعه أو نفعهما أثبت، وإن قصد نفع نفسه فقط نهي عنه كالمال، وإن كان قد لا يأثم، كذا ذكره شيخنا، وظاهر كلام غيره خلافه كما هو ظاهر الأخبار". ثم ساق ابن مفلح حديث (^٤) أم سليم في طلبها من النبي ﷺ الدعاء لأنس، وكثير من الصحابة الذين طلبوا الدعاء (^٥).
ويفهم من كلام ابن مفلح هذا أن هناك صورة ثالثة وهي: أن يقصد
_________________
(١) الرد على البكري: ١٠٠، وقاعدة في التوسل: ٤٣ - ٤٤، والواسطة بين الحق والخلق ضمن الفتاوى: ١/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٢) انظر قاعدة في التوسل: ١٣٥، ومع الفتاوى: ١/ ٣٢٨.
(٣) ابن مفلح هو محمد بن مفلح بن محمد الفقيه الحنبلي شمس الدين تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية اشتغل بالفقه وبرع فيه إلى الغاية (ت ٧٦٣ هـ)، الدرر الكامنة: ٤/ ٢٦١.
(٤) أخرجه البخاري: ٤/ ٢٢٨ رقم ١٩٨٢.
(٥) الفروع: ٢/ ٦٠٢، وانظر قول شيخ الإسلام في الواسطة المطبوعة ضمن الفتاوى: ١/ ١٣٤ قال: "ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط بل قد نهى عنه، إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته وانظر أيضًا قاعدة في التوسل: ٤٢ - ٤٤، والرد على البكري: ٩٩ - ١٠٠.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
بطلبه انتفاع الداعي فقط، فهذه الصورة نادرة الوقوع أو لا تقع مطلقًا لأن من طبيعة البشر أيًا كان أنه لا يقوم بعمل إلا وله فيه غرض دنيوي أو أخروي (^١).
والذي يظهر أن قول شيخ الإسلام بأن طلب الدعاء من الغير خلاف الأولى يحمل على أن ذلك ليس على حكم الأصالة، وإنما بسبب ما ينضم إلى ذلك من المحذور، ولهذا ورد عن بعض السلف (^٢) كراهية طلب الدعاء منهم لما يخاف من الفتنة، فقد ذكر الإمام الشاطبي ﵀ أن كراهية السلف طلب الدعاء منهم لدخول أمر زائد على أصل الطلب فصار الدعاء بتلك الزيادة مخالفًا للسنة لا على حكم الأصالة بل بسبب ما ينضم إليه من الأمور المخرجة عن الأصل مثل أن يلزم منه أن يعتقد في الذي طلب الدعاء منه أنه يقبل دعاؤه أو يخاف أنه وسيلة إلى أن يعتقد فيه ذلك أو يعتقد أنه سنة تلزم أو يجري في الناس مجرى السنة الملتزمة (^٣).
هذا ومن هذه المرتبة السادسة استغاثة الخلائق في المحشر بالأنبياء فإن الأنبياء والمستشفعين بهم في مكان واحد يرى بعضهم ويسمعون كلام بعضهم.
_________________
(١) انظر كلام شيخ الإسلام في هذا في كتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٥٦ - ١٥٧.
(٢) قد أخرج الطبري في تهذيب الآثار - كما عزاه إليه الشاطبي في الاعتصام -: ٢/ ٢٤ - ٢٥ عن عمر أنه كتب لمن طلب منه الدعاء أني لست بنبي ولكن إذا أقيمت الصلاة فاستغفر لذنبك ونحوه عن سعد بن أبي وقاص وحذيفة وإبراهيم النخعي أنهم كرهوا الدعاء لمن طلب منهم وانظر هذه الآثار أيضًا في تلبيس إبليس ص. وأخرج أبو خيثمة بإسناده عن إبراهيم النخعي قوله: "كانوا يجلسون ويتذاكرون العلم والخير، ثم يتفرقون، لا يستغفر بعضهم لبعض ولا يقول: يا فلان ادع لي". اهـ كتاب العلم ص: ١٤٦ رقم ١٥٩ وصحح الألباني إسناد هذا الأثر.
(٣) الاعتصام للشاطبي: ٢/ ٢٣ - ٢٥.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وبهذا نعلم أنه لا يصح الاحتجاج بهذه الاستغاثة على دعاء الموتى.
المرتبة السابعة (^١):
أن يسأل الله تعالى بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا سواء كان ذلك الغير ميتًا أو غائبًا أو حاضرًا، وسواء كان ذلك السؤال توسلًا به وبجاهه وحرمته أو إقسامًا به، فالصور الممكنة ستة، فالسؤال بالميت إما بالتوسل أو بالإقسام، وكذا بالغائب أو الحاضر إما بالتوسل أو الإقسام فهذه ست صور.
فهذه الصور يأتي الكلام عليها مفصلًا في مبحث التوسل إن شاء الله تعالى ونوجز الكلام عليها هنا.
فبالنسبة إلى التوسل فحكمه أنه بدعة ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء (^٢).
هذا إذا كان المتوسل به ميتًا أو غائبًا.
وأما إذا كان حاضرًا، فإن كان المتوسلُ به الحاضر دعا الله تعالى وتوسَّلَ السائلُ المُتوسِّلُ بدعائه إلى الله تعالى فهذا جائز كما في حديث الأعمى حيث دعا له النبي ﷺ، ودعا الأعمى أيضًا متوسلًا بدعائه وكما في حديث عمر حيث دعا العباس وطلب من الله السقيا ودعا عمرُ أيضًا متوسلًا بدعاء العباس ﵃ جميعًا.
وأما إذا كان الحاضر لم يدع الله تعالى فلا يجوز التوسل بذاته أو جاهه لأنه لم يرد، ولما فيه من المفاسد التي تجر إلى الشرك، وسيأتي بيان بعض تلك المفاسد في مبحث التوسل إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) انظر عن هذه المرتبة قاعدة جليلة: ١٥٢، والفتاوى ٢٧/ ٨٣، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٨، وزاد المعاد: ١/ ٥٢٧.
(٢) الفتاوى: ٢٧/ ٨٣.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وأما الإقسام على الله بغيره فحكمه حرام لما روي في حديث جبير بن مطعم ﵁ من أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، جُهِدَتِ الأنفسُ وضاعت العيالُ ونُهِكَتِ الأموال وهلكت الأنعام، فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ: "ويحك أتدري ما تقول؟ … ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك" (^١).
وقد ذكر الفقهاء من أصحاب (^٢) أبي حنيفة وغيرهم أبي حنيفة وغيرهم أنه لا يجوز أن يقسم أحد بالمخلوق فجمهور العلماء لا يسوغون الحلف بغير الله تعالى من الأنبياء والملائكة ولا تنعقد اليمين بذلك، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين بالنبي ﷺ خاصة دون غيره.
وعلى هذا يحمل ما روي عنه من إجازة التوسل بالنبي ﷺ خاصة هذا على فرض ثبوت تلك الرواية عن أحمد.
فالجمهور من العلماء لا يجيزون القسم بغير الله تعالى.
وروي عن أحمد مثل ذلك أيضًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٥/ ٩٤ رقم ٤٧٢٤، والدارمي في الرد على الجهمية ص: ٤١ رقم ٧١، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦٩، والآجري في الشريعة ص: ٢٩٣، وابن أبي عاصم في السنة: ١٠/ ٢٩٤ رقم ٥٧٥، واللالكائي في السنة ص: ٣٩٤ رقم ٦٥٦، والحديث قد استغربه الحافظ ابن كثير في التفسير: ١/ ٣١٠، وضعفه الألباني لأن فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس لم يصرح بالسماع، ثم إن في إسناده اختلافًا، انظر ظلال الجنة: ١/ ٢٥٢، لكن ابن القيم قواه في تهذيب مختصر سنن أبي داود: ٨/ ٩٤ - ٩٨ وقال ابن تيمية وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى الفتاوى ١٦/ ٤٣٥، هذا وقد توسعت في الكلام على هذا الحديث في رسالتي جهود الإمام أبي داود السجستياني، وتبين من دراسته اختلاف النقاد في تقويته وتضعيفه ورجحان ضعفه والله أعلم.
(٢) قاعدة جليلة: ٥٠ - ٥١، ٥٥، ٦٣، ١٠٦، والفتاوى: ٢٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٨، والمحلى: ٨/ ٣٢، والمغني: ٨٠/ ٧٢١، وروضة الطالبين: ١١/ ٦ - ٧، والفروع لابن مفلح: ٦/ ٣٤٠.
(٣) الفتاوى: ١/ ١٤٠ - ١٤١، و٢٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦، وقاعدة في التوسل: ٥٠ - ٥١، ٥٥، ٦٣، ١٠٦، ١٤٥، والجواب الباهر: ٣١ - ٣٢.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
ولعل هذه الرواية هي الراجحة لموافقتها لأقوال الجمهور، ولأنه لم يعلم عن أحد من السلف أنه أجاز القسم بغير الله تعالى، والأهم من ذلك أن الأحاديث الكثيرة صحت في النهي عن الحلف بغير الله تعالى ولا تخفى على مثل الإمام أحمد مع حرصه الشديد على التمسك بالسنة، ومن تلك الأحاديث قوله ﷺ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (^١).
وهذا وعيد شديد وتحذير بالغ فمن هنا يبعد كل البعد أن يصح عن الإمام أحمد تجويزه صحة القسم بالنبي الله كما يبعد - والله أعلم - صحة تجويزه التوسل بالنبي ﷺ خاصة، ولهذا أفتى أبو محمد العز بن عبد السلام ﵀ بأنه لا يقسم على الله بالأنبياء والملائكة والأولياء.
وأما بالنسبة إلى النبي ﷺ فعلق القول به على صحة الحديث وذكر أنه إن صح فينبغي أن يكون خاصًّا بالنبي (^٢).
وسيأتي الكلام على الحديث وهو حديث الضرير وعدم دلالته على ذلك.
ويحمل التوسل الذي أجازه الإمام أحمد - على فرض صحة الرواية عنه - على التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ ومحبته واتباعه (^٣).
والحاصل أنه قد اتفق العلماء على عدم جواز الإقسام بالمخلوق على المخلوق ومنعوا من ذلك، فإذا ثبت هذا فمن باب أولى أن يمنع أن يقسم بالمخلوق على الخالق فشأن الله أعظم من أن يقسم عليه بمخلوق كما في الحديث المتقدم.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص: ٤٥٥.
(٢) فتاوى العز بن عبد السلام: ١٢٦ - ١٢٧ وفتاوى ابن تيمية: ١/ ١٤١، وقاعدة في التوسل: ١٤٧، والأزهية: ١٧٣.
(٣) قاعدة في التوسل ص: ٦٢، وضمن الفتاوى: ١/ ٢٢١.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ومن هنا يتضح أن الحكم في الصور التي فيها الإقسام على الله تعالى بغيره أنه محرم، ولكنه لا يصل إلى الشرك الأكبر إلا في بعض الأحيان، وقد أُوِّلَ حديثُ من حلف بغير الله فقد أشرك، إلى الشرك الأصغر وسيأتي الكلام عليه مع بيان قول من قال: إنه شرك أصغر ومن قال: إنه شرك أكبر (^١).
المرتبة الثامنة (^٢):
أن يدعو الله تعالى عند قبر نبي أو ولي أو ما يعتقد أنه كذلك أو مطلق المقابر.
فهذه المرتبة لها ثلاث صور:
الأولى: أن يقصد القبر ويتحراه للدعاء عنده وليس له غرض آخر معتقدًا أن الدعاء هناك أجوب، وأسرع، وأن لذلك المكان خصوصية في إجابة الدعاء، وأن الدعاء في المقابر والمشاهد أفضل من الدعاء في المسجد والبيت والسجود والأسحار.
والثانية: أن يقصد القبر للزيارة والدعاء عنده معتقدًا لما تقدم، وذلك كالذي يحصل من الذين يزورون القبر الزيارة البدعية حيث كانوا يَجْمَعون بين النيَّتَيْنِ: نية زيارة القبر ونية الدعاء عنده.
والثالثة: أن يحصل الدعاء عند القبر بحكم الاتفاق بدون قصد سابق وتَحَرٍّ كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة (^٣).
وهذه المرتبة سيأتي الكلام عليها مفصلًا إن شاء الله تعالى في الكلام
_________________
(١) سيأتي ص: ٩٠٩ - ٩١٢.
(٢) انظر: إغاثة اللهفان: ١٨/ ١٦٩، وزاد المعاد: ١/ ٥٢٧، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٢، والفتاوى: ٢٤/ ٣٣٥.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم: ٣٣٦.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
على الدعاء عند الأضرحة والقباب.
وحكم هذه المرتبة في الجملة أنها من البدع المحدثة في الدين إلا الصورة الأخيرة فهي جائزة بشروط سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى.
المرتبة التاسعة:
سؤال غير الله تعالى مع الله.
وهذه المرتبة تحصل بتشريك غير الله مع الله تعالى إما بالعطف أو الإتيان بما يدل على المشاركة.
وهذه المرتبة كانت كثيرة الوقوع في المشركين الأوائل، ولهذا نجد الله تعالى قد كرر التحذير من دعاء غير الله مع الله تعالى في آيات محكمات، منها قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
ولكن الشيطان لما عرف بُعْدَ المسلمين ونفرتهم عن إِقْرَان غيرِ الله وإشراكه مع الله في اللفظ وَعِظَمَ ذلك عندهم، زَيَّن لهم مراتب أخرى تكون أخفى من هذه المرتبة قد لا يظنونها أنها تصل إلى الشرك فيقعون فيها.
ومع وضوح كون هذه المرتبة شركًا صريحًا أنزل الله فيه آيات واضحات تحذر منه وقع فيها بعض من ينتسب إلى الإسلام، فكان بعضهم يقول: يا سيدي فلان ويا الله فيعطف الله على مدعوه أو بالعكس فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهم يدعون مشايخهم وأولياءهم ويعدون أسماءهم مستغيثين بهم ومستنجدين ويذكرون الله في جملتهم "كأنه واحد من تلك الأعداد" (^١).
_________________
(١) معارج الألباب: ٤٣.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
فعند هؤلاء دعاء الله تعالى ودعاء الشيخ أو الولي من باب واحد فالكل يُدْعَى ومن هنا يَذْكُر الكل لقضاء حاجته بل ربما وصل عند بعضهم أن باب الولي أسرع في الإجابة كما سيأتي.
حكم هذه المرتبة:
إن هذه المرتبة شرك واضح وكفر بواح، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
المرتبة العاشرة:
سؤال غير الله تعالى بنية الشفاعة.
قد تقدم لنا ذكر معنى الشفاعة والمناسبة بينها وبين الدعاء في مبحث التعريفات والآن نذكر هنا الشفاعة الشركية التي هي إحدى مراتب دعاء غير الله تعالى.
هذا وقد كثر الخوض في الشفاعة ومسائلها وأنواعها وألفت فيها رسائل (^١) مستقلة، فلذا أجتزئ الكلام عليها حسب ما يتعلق بموضوع البحث حتى تكتمل جوانب البحث فأقول وبالله التوفيق:
إن الشفاعة الشركية هي مرتبة من مراتب الدعاء غير المشروع ولها صورتان:
١ - الصورة الأولى أن يسأل الميت عند قبره الشفاعة والوساطة كالذي يقع من الزائرين للأموات حيث ينادون صاحب القبر: يا أيها الولي الفلاني اشفع لنا عند ربك، وتوسط لنا في كذا وكذا.
_________________
(١) منها رسالة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ومنها رسالة مقدمة في جامعة أم القرى وأخرى في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
[ ٢ / ٥١٠ ]
٢ - والصورة الثانية: أن يسأل الميت بعيدًا عن قبره كالذي يقع من المتعلقين بالصالحين حيث يكون هجيراهم ودأبهم في حلهم وترحالهم طلب الشفاعة من الولي الفلاني.
والحكم في الشفاعة يتوقف على معرفة أقسامها فلذا أشير إلى أقسامها بالإيجاز وبالله التوفيق ..
الشفاعة قسمان:
١ - شفاعة مثبتة.
٢ - شفاعة منفية.
فالشفاعة المثبتة هي التي استوفت شرطين:
الأول: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢].
الثاني: رضاه عمن أذن للشافع أن يشفع فيه أي رضاه عن المشفوع، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٥٦].
ومن المعلوم أن الله سبحانه لا يرضى إلا عن أهل التوحيد والإخلاص الذين لا يدعون غيره فهذه الشفاعة خاصة بالمؤمنين الصادقين فلهذا قال رسول الله ﷺ لما قال له أبو هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" (^١).
وفي معنى هذا الحديث قوله ﷺ: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١/ ١٩٣ رقم ٩٩.
[ ٢ / ٥١١ ]
كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا" (^١) فشيئًا نكرة في سياق النفي فتعم.
فمن دعا غير الله تعالى أيًا كان فقد أشرك فلا تناله شفاعة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ففي الحديثين السابقين "جعل النبي ﷺ أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة هو تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع" (^٢).
وأما الشفاعة المنفية فهي الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس عند الإطلاق ويفعلها بعضهم مع بعض وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته.
فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع فهي في الحقيقة منه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله (^٣).
وعرفها بعضهم بقوله: هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره - حكم به أم لا - فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع" (^٤).
والمقصود هنا بيان الشفاعة الشركية التي تحصل من الداعين للأموات وذلك أن أحدهم إذا وقع في مشكلة ما ينادي ويستغيث بالميت قائلًا: يا سيدي فلان اشفع لي عند ربك أو توسط لي عند الله أو نحو هذا.
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١١/ ٩٦ رقم ٦٣٠٤، ومسلم: ١/ ١٨٨/ ١٩٩ من حديث أبي هريرة وأخرجه أيضًا البخاري من حديث أنس برقم ٦٣٠٥، ومسلم برقم ٢٠٠.
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٣٤١.
(٣) إغاثة اللهفان: ١٨/ ١٧٢، والفتاوى: ١/ ١١٨.
(٤) تفسير المنار: ١/ ٢٥٥، والإبداع في مضار الابتداع: ٢٠٨.
[ ٢ / ٥١٢ ]
وبعضهم يطلب الشفاعة من الأموات أنبياء أو غيرهم من الملائكة والصلحاء في الدار الآخرة، يطلب ذلك الآن في الدنيا فيقول: يا رسول الله اشفع لي يوم القيامة فيطلبها من الرسول ﷺ قبل مجيء وقتها.
وهذه الشفاعة المذكورة ممنوعة في حق الله تعالى، وذلك لأن الشافع في هذه الحالة قَدْ أَثَّرَ في تغيير اختيار المشفوع عنده، فصار شريكًا له في المطلوب، والله منزه عن ذلك (^١).
وهذه هي الشفاعة التي نفاها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].
فاتضح من هذه الآيات أن هذه الشفاعة قد نفاها القرآن وقطع جذورها واستأصل شأفتها حتى لا يعلق أحد قلبه بغير الله تعالى وحتى يتحقق تجريد التوحيد الله تعالى فأبى أهل الضلال إلا معارضته فأثبتوها بدون شروط، وتعلقوا بها في دعائهم لغير الله تعالى.
وقابل هؤلاء آخرون من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فنفوها
_________________
(١) الصفدية: ٢/ ٢٩١.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وقالوا لا شفاعة إلا الشفاعة التي لفصل القضاء أو رفع الدرجات، وأما الشفاعة فيمن استحق العذاب أو في إخراج من دخل النار فلم يثبتوها.
وتوسط أهل الحق فأثبتوا ما أثبته الله، ونفوا ما نفاه الله، وهذه هي عادة أهل الحق في المسائل العلمية الاعتقادية والمسائل العملية فهم وسط بين الغالي والجافي كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم.
والحاصل أن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الكبائر، وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله ويحد له حدا (^١).
هذا وقد علمنا مما سبق أن الشفاعة الشركية هي التي لم تستوف شروط الشفاعة المثبتة أي التي بدون إذن المُشَفِّع وبدون رضاه، ومن أنواع هذه الشفاعة المنفية الشفاعة التي أثبتها الفلاسفة وقلدهم فيها بعض من ينتسب إلى الملل السماوية.
فالفلاسفة أثبتوا شفاعة شركية أعظم شركًا من شفاعة المشركين حيث أجازوا دعاء الجواهر العلوية - الشمس والقمر والكواكب - وكذلك الأرواح التي يسمونها العقول والنفوس ويسميها من انتسب إلى أهل الملل الملائكة.
وهذا الذي يَدَّعُونه من الشفاعة لآلهتهم أعظم كفرًا من كفر مشركي العرب فإن الفلاسفة لا يقولون: إنَّ الشفيع يسأل الله والله يجيب دعوته كما يقوله المشركون الذين يقولون: إن الله خالق بقدرته ومشيئته فإن هؤلاء عندهم أنه لا يعلم الجزئيات ولا يُحدِث شيئًا بمشيئته وقدرته.
_________________
(١) الصفدية: ٢/ ٢٩١.
[ ٢ / ٥١٤ ]
وإنما العالم فاض عنه فيقولون: إذا توجه الداعي إلى من يدعوه كتوجهه إلى الموتى عند قبورهم وتوجهه إلى الأرواح العالية فإنه يفيض عليه ما يفيض من ذلك المعظم الذي دعاه واستغاث به وخضع له من غير فعل من ذلك الشفيع ولا سؤال منه الله تعالى كما يفيض شعاع الشمس على ما يقابلها من الأجسام الصقيلة كالمرآة ونحوها ثم ينعكس الشعاع من ذلك الجسم الصقيل إلى حائط أو غيره (^١).
ولأجل هذا يرون دعاء الموتى عند قبورهم وغير قبورهم ويتوجهون إليهم، وكثير منهم ومن غيرهم من الجهال يرون أن الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم أفضل من الصلوات الخمس والدعاء في المساجد وأفضل من حج البيت العتيق، كما أنهم جعلوا الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه، وقالوا: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها (^٢).
الحكم:
ولا يخفى بعد إيراد اعتقاد هؤلاء في معنى الشفاعة أن هذه الشفاعة التي أثبتوها هي من أعظم الشرك بالله تعالى.
وهذا الذي ذكروه هو السبب الرئيسي في عبادة أصناف المشركين لغير الله تعالى.
قال ابن القيم: "وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل وصنفت لها الدعوات واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادًا وتعليق الستور عليها، وإيقاد
_________________
(١) الرد على المنطقيين: ٥٣٥ - ٥٣٦، والصفدية: ٢/ ٢٨٧، والرد على البكري: ٦٢، ٢٦٧ - ٢٦٨، وملحق المصنفات: ٩٧.
(٢) الرد على المنطقيين: ١٠٣ - ١٠٤، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٩ - ١٧٠، والرد على البكري: ١٦٧ - ١٦٨.
[ ٢ / ٥١٥ ]
السرج عليها وبناء المساجد عليها وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. . وهو سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه وأباح دماءهم وأموالهم وأوجب لهم النار.
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم، قال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣].
فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له" (^١).
ثم إن هذا الذي ذكروه ومثلوا له بشعاع الشمس هو من أصول الشرك ومن المقاييس الفاسدة التي قال فيها بعض السلف: "ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس" (^٢).
وهي من أقوال من يقول: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم لا يكون الله يجيب الداعي وهي مبنية على أن الله تعالى ليس بفاعل مختار يخلق الحوادث بمشيئته واختياره (^٣). وقد تقدم بحمد الله وتوفيقه ذكر ذلك (^٤).
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٧٠.
(٢) أخرجه الدارمي في مسنده من قول ابن سيرين: ١/ ٥٨ رقم ١٩٥.
(٣) الرد على البكري: ٢٦٨، وملحق المصنفات: ٩٧.
(٤) سبق في ص: ٣١٥.
[ ٢ / ٥١٦ ]
المبحث الثاني في مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله تعالى
ومما لا شك فيه أن المشركين الأوائل كانوا يعتقدون في آلهتهم التي يدعونها اعتقادات باطلة ويقدسونها بأنواع من التقديسات ويصرفون لها أنواعًا من العبادات ولكن المتأخرين ممن يدعون الأموات والغائبين فَاقُوهم وتجاوزوهم بمراحل لم يصل إليها أسلافهم ومتقدموهم ووقفوا بمواقف خطيرة جدًّا ما كان يُتصوّر أن أي مسلم آمن بدين الله يقف بها، ويعتقدها ويتبناها ولكن هذا هو الواقع المرير الذي وصل إليه حال المسلمين، فقد وقفوا مواقف خطيرة وحكوا حكايات عجيبة، فمنهم من زعم أن دعاء الموتى أفضل وأسرع إجابة من دعاء الله تعالى، فقد وصلت الوقاحة بهؤلاء إلى أنهم لم يقتصروا على دعاء الموتى وتجويزه بل بلغ بهم الأمر إلى أن يجعلوا دعاء الموتى أفضل من دعاء الله، فمنهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه واستغاث بشيخه فأغاثه، فَإِغَاثةُ الشيخ أسرع من إغاثة الله تعالى تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ومنهم من يحكي أن بعض المأسورين دعى الله فلم يخرجه فدعا بعض الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام (^١).
_________________
(١) انظر الرد على البكري ص: ٣٤٧ - ٣٤٩ و٣٥١، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٤١، و١/ ٤٧٤ - ٤٧٦، وملحق المصنفات: ١٠٦، والقول الفصل النفيس: ٩٧، والسيد البدوي بين الحقيقة والخرافة: ٣١٥، وروح المعاني: ٢٤/ ١١.
[ ٢ / ٥١٧ ]
ولم يقتصروا على دعائهم للأموات بأنفسهم بل دعوا المسلمين إلى ذلك فصنفوا المصنفات في تجويز ذلك وتبريره بل في استحبابه ومشروعيته وتفننوا في كثرة التأليف فمن مؤلف في ألفاظ الأدعية التي تقال في المشاهد والمزارات وفيها الكفر الصريح والشرك الواضح، وآخر ينظم القصائد الشركية في الاستغاثة بغير الله تعالى وآخر يؤلف في تبرير هذا العمل وتزيينه ويجمع الشبهات والحكايات والمنامات إلى غير ذلك من الكتب الخرافية المنتشرة في ديار المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولم يقتصر هؤلاء على دعاء الأموات والتأليف فيه بل ألف بعضهم في دعاء الكواكب والنجوم ومخاطبتها وبعضهم صنف في خواص الحروف والدعاء بأسماء معينة في أوقات معينة، فأدخلوا بذلك دين المشركين من الصابئة والفلاسفة في دين المسلمين، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب الفلاسفة ثم ذكر أن كثيرًا من متأخري المتصوفة والمتكلمين أدخلوه في دين الحنفاء حتى صنف بعضهم تصنيفًا في ذلك مثل مصنف بعضهم المسمى (السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم) وآخرون صنفوا في الحروف وطبائعها والدعاء بأسماء ذكروها في أوقات مخصوصة (^١).
هذا وسأذكر - بعون الله وتوفيقه - بعض المواقف والمظاهر التي يتضح بها مدى ما وصل إليه غلو المتأخرين على الأوائل وبالله التوفيق.
١ - ومن مظاهر غلوهم على الأولين اعتقادهم التصرف المطلق في الكون لمدعويهم المقبورين أو الغائبين بخلاف الأولين حيث يعتقدون الشفاعة والوساطة لدى الإله الأكبر فقط، فلم يكونوا يعتقدون لمدعويهم التصرف بأنفسهم، وسيأتي التدليل على ذلك في مبحث إقرارهم للربوبية من باب الشبهات.
_________________
(١) الرد على البكري: ٣٠٢، وانظر الكلام على الأدعية المبنية على الحروف في الاعتصام أيضًا: ٢/ ٢٠.
[ ٢ / ٥١٨ ]
وأما المتأخرون فكثير منهم يعتقد التصرف المطلق لمدعوه، وقد ذكرنا ذلك بما فيه الكفاية في مبحث (^١) علاقة الدعاء بتوحيد الربوبية ولله الحمد.
٢ - ومن مظاهر غلوهم: أن الأولين كانوا يدعون معبوديهم في حال السعة والرخاء واليسر.
وأما في حال الشدة والضيق ونزول المصائب كالتطام الأمواج وخوف الغرق والهلاك، فلا يدعون إلا الله تعالى لمعرفتهم أنه لا ينقذ من تلك الشدة إلا الواحد القهار.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].
وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
هذا ما ذكره الله عنهم من إخلاص الدعاء عند التطام الأمواج، وقد ذكر الله عنهم إخلاصهم الدعاء عند الشدائد بصفة عامة فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
_________________
(١) تقدم ص: ٢٥٥، وانظر أيضًا السيد البدوي ص: ٣ ومقدمة مصرع التصوف ص: ٤، ومصباح الظلام: ٢٤، والبريلوية: ٦٨، ٦٩.
[ ٢ / ٥١٩ ]
وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣، ٦٤].
وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].
وفي آيات متعددة ذكر الله إخلاصهم الله تعالى الدعاء في حال الشدة ونزول الضر وإشراكَهُمُ بالله في الرخاء والسعة.
هذا عادة المشركين الأوائل يلتجئون إلى الله تعالى دعاء ورغبة ورهبة عند اشتداد الكرب وقرب الهلاك، فقد روى الحسن البصري عن عمران بن الحصين ﵄ قال: قال النبي ﷺ لأبي: يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا؟ قال أبي: سبعة ستًا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: "الذي في السماء. . ." (^١).
وأما المتأخرون فحالتهم أدهى وأمر وأشد غلوًا وبعدًا عن إخلاص الدعاء الله تعالى فهم إذا وقعوا في شدة وأيقنوا بالهلاك وقرب الموت يستغيثون بالولي الفلاني.
فمثلًا عند التطام الأمواج ينسون دعاء الله تعالى ولا يخطر في بالهم
_________________
(١) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥١٩ برقم ٣٤٨٣، والطبراني في الأوسط: ٣/ ٩ رقم ٣٠٠٦، وفي الدعاء: ٣/ ١٤٥٠ رقم ١٣٩٣، واللالكائي في السنة ص: ٦٥٢ رقم ١١٨٤ من طريق شبيب بن شيبة عن الحسن عن عمران به، وشبيب متكلم فيه كما في الميزان: ٢/ ٢٦٢، وفي سماع الحسن البصري عن عمران خلاف كما في جامع التحصيل: ١٩٥، ١٩٧، وقد أخرجه ابن خزيمة من طريق آخر في كتاب التوحيد: ١/ ٢٧٧ رقم ١٧٧ لكن فيه ضعف أيضًا وانظر الأربعين في صفات رب العالمين للذهبي ص: ٩٠ رقم ٣٠ وضمن ست رسائل للذهبي ص: ٩٠.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
إلا الاستغاثة بالولي والشيخ الفلاني، وهذا الأَمر متواتر عنهم تواترًا يقطع أَي شبهةٍ على من يحاول الدفاع عنهم بشبهة واهية.
ومع هذا التواتر عنهم نذكر طرفًا من أَقوال الثقات الذين أَخبروا بذلك عن مشاهداتهم أَو عن مشاهدات الثقات الذين أَخبروهم، وذلك قطعًا للشبهة وإزالةً للريبة وإقامةً للحجة، وإلَّا فالأَمر لا يحتاج إلى تطويل وإسهابٍ لوضوحه، لولا الدفاع المميت لبعض من يحاول التشبث بالعادات والتقاليد، ولو كانت شركًا صريحًا ما دام أَنها توافق رغباته وشهواته ومأَلوفاته وعادات قومه، والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.
هذا ونختار بعض أَقاويل العلماء الثقات في ذلك:
١ - فمن العلماء الذين ذكروا ذلك الشيخ حسين بن مهدي النعمي ﵀ فإنه قال: "وطالما شاهدنا عباد أَرباب هذه القباب، إذا التطمت عليهم أَمواج البحر العباب سمعت ذكر الزيلعي والحداد، وكل يدعو شيخه عند ذلك الاضطراب إذ لكل طريقة لا ينتحي سواها في الهتف والانتساب" (^١).
٢ - ومنهم الإمام الشوكاني ﵀ فقد ذكر أَن هؤلاء المتأَخرين وصلوا في الاعتقاد في الأَموات إلى حد لم يبلغه المشركون الأَوائل وذلك أَنهم كانوا يخلصون في الشدة بخلاف المعتقدين في الأَموات فإنهم إذا دهمتهم الشدائد استغاثوا بالأَموات ونذروا لهم النذور وقل من يستغيث بالله سيما في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أَحوالهم.
ثم قال الشوكاني: "ولقد أَخبرني بعض من ركب البحر للحج أَنه اضطرب اضطرابًا شديدًا فسمع من أَهل السفينة من الملاحين وغالب الراكبين معهم ينادون الأَموات ويستغيثون بهم ولم يسمعهم يذكرون الله
_________________
(١) معارج الأَلباب: ٤٣.
[ ٢ / ٥٢١ ]
قط، قال: ولقد خشيت في تلك الحال الغرق لما شاهدته من الشرك بالله" (^١).
٣ - ومنهم الشيخ صديق حسن خان ﵀ فقد وصف ما رآه من حالة الملاحين في رحلته للحج حيث ركب المركب من الحديدة إلى جدة مع الحجَّاج فيقول: "ومن العجائب التي لا ينبغي إخفاؤها أن الملاحين إذا ترددوا في أمر المركب من جمود الريح أو هبوبها مخالفة أو شيئًا من الخوف على السفينة وأهلها كانوا يهتفون باسم الشيخ عيدروس وغيره من المخلوقين مستغيثين ومستعينين به ولم يكونوا يذكرون الله ﷿ أبدًا أو يدعونه بأسمائه الحسنى، وكنت إذا سمعتهم ينادون غير الله ويستعينون بالأولياء خفت على أهل المركب خوفًا عظيمًا من الهلاك، وقلت في نفسي: بالله العجب، كيف يصل هذا المركب بأهله إلى ساحل السلامة فإن مشركي العرب قد كانوا لا يذكرون آلهتهم الباطلة في مثل هذا المقام. . .
وهؤلاء القوم الذين يسمون أنفسهم المسلمين يدعون غير الله ويهتفون بأسماء المخلوقين ولقد صدق تعالى فيما قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ " (^٢) [يوسف: ١٠٦].
٤ - ومنهم الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله، فقد ذكر إخلاص المشركين الدعاء الله تعالى في الشدائد ثم قال: "وأما عباد القبور فكم ذا بينهم وبين المشركين الأولين من التفاوت العظيم في الشرك فإنهم إذا أصابتهم الشدائد برًا وبحرًا أخلصوا لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله» (^٣).
_________________
(١) الدر النضيد: ٣٦.
(٢) رحلة الصديق إلى البيت العتيق: ١٧١، وانظر كلامه أيضًا في الدين الخالص: ١/ ١٨٦ و٢١١، وقطف الثمر: ١٠٥ - ١٠٧، و١١٣.
(٣) تيسير العزيز: ٢٢٠.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
٥ - ومنهم الشيخ علي محفوظ صاحب كتاب الإبداع في مضار الابتداع، فقد ذكر أن الشفاعة لا تكون إلا إذا أذن الله للشفيع ثم ذكر أنه قد يغفل عن هذا العوام فتراهم إذا نزل بهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر تركوا دعاء الله تعالى، ودعوا غيره فينادون بعض الأولياء كالبدوي والدسوقي وزينب معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور، ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء، وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا الله وحده ينجو من تلك الشدائد (^١).
ومما يبين غلوهم في دعائهم للولي في حال الشدة، أنهم إذا كانوا ينذرون للولي في الرخاء بعيرًا أو تبيعًا أو شاة أو دينارًا أو درهمًا أو نحو ذلك فإذا أصابتهم الشدة زادوا ضعف ذلك فجعلوا له بعيرين أو تبيعين أو شاتين أو دينارين أو درهمين أو غير ذلك (^٢).
فكلما اشتد الكرب والضيق عليهم ازداد غلوهم في مدعويهم وبُعْدُهم عن الطريق المستقيم. ومما يؤكد ذلك أيضًا أنهم لم يقتصروا على دعائهم والاستغاثة بهم بل ادعوا أنه أولى من دعاء الله تعالى وأسرع في الإجابة، لأن هؤلاء يعتقدون أن دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند قبورهم أو غير قبورهم أنفع لهم من دعاء الله تعالى في المساجد والأسحار حيث لا يحضرون المساجد، ويعمرون المشاهد، ويحصل لهم رقة وخشوع وحضور قلب عند المشاهد ودعاء الأموات مما لا يحصل مثله بل قريب منه في الصلوات والسجود ودعاء الله تعالى (^٣).
٣ - ومن مظاهر تجاوزهم الحد على السابقين أن المشركين الأوائل إذا جهدوا في الأيمان وأرادوا تأكيد القسم أقسموا بالله تعالى، قال تعالى:
_________________
(١) الإبداع في مضار الابتداع: ٢١٢.
(٢) معارج القبول: ١/ ٤٤٥.
(٣) الرد على البكري ٣٤٩، وملحق المصنفات: ١٠٥، وروح المعاني: ٢٤/ ١١.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، فهؤلاء كفار قريش مع إنكارهم للبعث يقسمون بالله تعالى على ذلك.
وأما المتأخرون فقد انتكست عندهم المفاهيم وتغيرت فطرهم وعقولهم فكانوا إذا جهدوا في أيمانهم وأرادوا التأكيد أقسموا بالولي، وإذا حلف الرجل بالله وبأسمائه فإنه لا يطمئن باله ولا يرتاح قلبه ولا يصدق الحالف حتى يحلف له بشيخه، كما أن الحالف لا يتورع أن يحلف أشد الأيمان باسم الله تعالى كاذبًا فاجرًا وأما باسم الولي فلا يمكن أن يحلف كاذبًا.
وقد يُلْزِمُ بعضُ من نصب على القضاء الخصمَ بالحلف باسم الشيخ أو على باب العتبة إلى غير ذلك.
قال الشيخ حسين النعمي ﵀: "وكثيرون - لا يدخلون تحت حد الإحصاء - إذا كان الحلف باسم الله أقدم عليه الحالف بلا مبالاة حتى إذا طلب منه الحلف بصاحب القبر وبالأخص إذا ألزمه محلفه بإمساك حلق باب النصب فلا يتجاسر قط إن كانت يمينًا فاجرة وقد لا يرضى المحلوف له إلا بذلك دون الرسم الشرعي، ويعتقد أنه إن أقدم الحالف فإن كان بارًا وإلا بادره الولي بالعقوبة العاجلة والبطشة الكبرى".
ثم ذكر الشيخ النعمي وقائع من ذلك (^١).
وهذا الأمر متواتر عن العامة قد فشا فيهم وانتشر انتشار النار في الهشيم، قال الشوكاني ﵀: "وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين
_________________
(١) معارج الألباب: ١٧٤ - ١٧٥، وانظر الرد على البكري: ٣٤٨، وملحق المصنفات: ١٠٥، وتفسير المنار: ١/ ٥٨.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة" (^١).
٤ - ومن مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله تعالى أن الأولين كان غالب ما يدعونه من الصالحين من الملائكة والأنبياء وأتباعهم أو من غير المكلفين من الجمادات كالأشجار والأحجار والأنهار، وهذه الجمادات مطيعة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وأما المتأخرون فكانوا يدعون الطواغيت الذين يَدَّعُونَ الولاية المطلقة والتصرف في الكون والقطبية والغوثية فيصدقهم هؤلاء البلهاء المغرورون فيستغيثون بهم في كشف الملمات، وقضاء الحاجات، ودفع المضرات، ونيل المسرات، مع أن هؤلاء الطواغيت شواهد كذبهم ظاهرة، وعلى صفحات وجوههم بادية، فهم ما بين مجاذيب لا يصلون ولا يتطهرون ولا يتنظفون، بل هم مجمع الأوساخ والقاذورات، وما بين ساحر يحتال بأنواع من الشعوذة والدجل التي لا تخفى إلَّا على الخفافيش، وما بين كذاب استأجر جماعة يتجسسون له ما خفي ويلفقون له الكرامات واعتمادًا على هذا التجسس يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات، مع أنه "من أهل الفجور لا يحضر للمسلمين مسجدًا ولا يرى لله راكعًا ولا ساجدًا ولا يعرف السنة والكتاب ولا يهاب البعث ولا الحساب" (^٢).
وإن وجد في بعض من يدعونه صالح فإنه مع براءته عنهم فقد لفق القائمون على قبره حكايات وأساطير يندى لها الجبين ليستولوا على أموال المخدوعين والزائرين الطائفين بضريحه الناذرين لصندوقه.
ثم إننا لسنا الذين نقول إن هؤلاء المدعوين هم من أفسق الناس بل
_________________
(١) نيل الأوطار: ٤/ ٩٥.
(٢) تطهير الاعتقاد: ٤، ٢٤.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
"الذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك" (^١).
٥ - ومن مظاهر غلوهم على الأولين أنهم يجعلون الولد إن عاش ملكًا للمقبور ثم يشترونه منه إن قدر أنه عاش بأثمان باهظة تصرف للنصابين على باب الضريح وفي بعض البلدان لا يحلقون شعر المولود إلّا عند باب ضريح الشيخ الَّذي نذر له وربما يمكث المولود بشعره الَّذي ولد به سنوات إذا لم يتمكن الوالد من توفير المال اللازم لشراء الولد من الولي المنذور له.
وإن كان المولود بنتًا يقسم مهرها للولي.
وهذه الأمور قد فشت في هذه الأمة وموجودة فعلًا في نواح كثيرة منها وأنا أعرف ذلك وقد عايشت تلك الأمور وعرفتها عن كثب وقرب ولكن لا بأس بالاستشهاد ببعض كلام الثقات في هذا الموضوع الَّذي قد يظن بعض من لم يعايش ذلك أنه مبالغة وتهويل.
ومن العلماء الذين أخبروا عن ذلك الأمير الصنعاني فإنه ذكر استغاثة القبوريين بأوليائهم وطلبهم منهم ما لا يطلب إلا من الله ثم قال: «بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش لهم ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأوائل».
ثم ذكر من أتى بنصف مهر ابنته إلى من يتولى قبض أموال النذور
_________________
(١) كشف الشبهات: ١٧٠، وانظر ما ذكره الشعراني في طبقاته: ٢/ ١٤٢ عن إِبراهيم العريان أنه يطلع المنبر ويخطب عريانًا، ويخرج الريح بحضرة الأكابر، وما ذكره عن علي وحيش: ٢/ ١٤٩ - ١٥٠ أنه يسكن في خانات العاهرات وأنه يشفع إلى الله لمن يخرج من عندهن حتى يغفر له، وأنه يأمر شيخ البلد بأن يمسك له رأس الحمارة وما ذكره عن شيخه شعبان: ٢/ ١٨٦ أنه لا يلبس إلا قطعة تغطي السوأتين، وانظر نحو هذا في دراسات تاريخية للعمري ص: ٢٦٧.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ثم قال: "وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام وهو داخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] بلا شك ولا ريب» (^١).
وذكر نحو هذا أيضًا الشوكاني (^٢) والنعمي (^٣) رحمهما الله تعالى.
٦ - ومن غلوهم أنهم يستشفعون بالله ورسوله على مدعويهم نحو البدوي ويقول أحدهم مخاطبًا البدوي سقت عليك الله ورسوله أو توسلت إليك بالله ورسوله، وهذا ما لم يصل إليه المشركون الأوائل (^٤). فتبين مما سبق: أن المتأخرين وصلوا إلى مرحلة لم يصل إليها الأوائل وبهذا يستحقون الأوصاف التي ذكرها الله تعالى للمشركين وهم أحق بها منهم لأن المشركين الأوائل من هذه الحيثيثة «أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء» (^٥).
قال المفسر الألوسي في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ. . .﴾ [يونس: ٢٢]: "الآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر والياس، ومنهم من ينادي أب الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدًا يخص مولاه بتضرعه ودعائه، ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله وحده ينجو من هاتيك الأهوال.
_________________
(١) تطهير الاعتقاد: ٢٧ - ٢٨.
(٢) الدر النضيد: ٣٦.
(٣) معارج الألباب: ١٧٦.
(٤) انظر الحكايات في هذا في كتاب السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة: ٣١٠، ٣١٤، ٣٢٠.
(٥) كشف الشبهات: ١٧١، وانظر ملحق المصنفات: ٩٤.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
فبالله تعالى عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثيثة أهدى سبيلًا؟؟ وأي الداعيين أقوم قيلًا؟؟ وإلى الله المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة وخرقت سفينة الشريعة واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف" (^١).
فرحم الله الألوسي ما تجاوز الحقيقة، فهذا الَّذي اشتكى منه هو الواقع المرير الَّذي يعيش فيه بعض أفراد هذه الأمة، فنسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى إخلاص التوحيد ونبذ الشرك فهو المستعان وعليه التكلان.
_________________
(١) روح المعاني: ١١/ ٩٨.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
المبحث الثالث
في حكم من دعا غير الله تعالى
لقد دلّ القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة وأجمع العلماء على كفر من دعا غير الله تعالى وصرّح بذلك كثير من علماء المذاهب وإليك تفصيل ذلك:
أ - أدلة ذلك من القرآن الكريم:
لقد تنوعت دلالة القرآن على كفر من دعا غير الله تعالى وجاءت بأساليب شتّى وبطرق متنوعة، ونذكر تلك الأساليب حسب المستطاع على شكل مجموعات:
المجموعة الأولى: آيات تدل على أن الدعاء عبادة فقد دلت آيات عدة على كون الدعاء عبادة، وهذا يدل على أن من صرفه لغير الله تعالى فقد أشرك وكفر لأن من صرف شيئًا من العبادات لغير الله تعالى فقد أشرك، والله قد أمر بإخلاص العبادة له ونهى عن الإشراك به في غير ما آية، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]، وقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
[ ٢ / ٥٢٩ ]
فهذه الآيات وغيرها تدل على أن صرف العبادة الله تعالى وحده إخلاص وتوحيد، وصرفها لغيره إشراك وتنديد.
فمن أمثلة الآيات الدالة على كون الدعاء عبادة: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].
وقد تقدم بحمد الله بيان دلالة هذه الآيات على كون الدعاء عبادة وعلى إطلاق العبادة على الدعاء (^١).
والمقصود هنا أن نبيّن أن الدعاء عبادة وأن صرف العبادة لغير الله شرك وكفر.
الثانية: آيات وصفت دعاء غير الله بأنه شرك أو كفر ووصفت الداعين بصفة الشرك أو الكفر، وهي صريحة واضحة الدلالة على المقصود، وهي كثيرة جدًا منها قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ
_________________
(١) تقدم ص: ٢٩، ٦٦ - ٧١، ١١٥.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في هذه الآية: "والآية نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر" (^١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
فقد بيّنت هذه الآية أن الَّذي يكره إخلاص الدعاء لله تعالى ويفرح ويستبشر إذا دعي أصحاب القبور كافر ومشرك.
فهذه الآيات واضحة الدلالة على شرك من دعا غير الله تعالى وكفره والعياذ بالله.
الثالثة: آيات دلت على أن دعاء الله وحده في الشدة إخلاص وتوحيد وأن دعاء غير الله في الرخاء شرك وكفر واتخاذ أنداد لله تعالى، فمن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥، ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٥].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد: ٢٣٧.
[ ٢ / ٥٣١ ]
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
الرابعة: آيات تتوعد من دعا غير الله بالعذاب والهلاك وأنه من جملة المعذبين. قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
الخامسة: آيات تصف من دعا غير الله بالظلم والضلال، والظلم والضلال كثيرًا ما يطلقان على الكفر (^١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢].
أمثلة ذلك:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
_________________
(١) فقد صح في حديث ابن مسعود مرفوعًا: "أينا لم يظلم نفسه. . . وفيه ألم تسمع قول لقمان إن الشرك لظلم عظيم" البخاري مع الفتح: ١/ ٨٧ رقم ٣٢. وقد ذكر الشاطبي استعمالات الضلال في كتاب الله تعالى ثم خلص إلى القول: "إن الضلال في غالب الأمر إنما يستعمل في موضوع يزل صاحبه لشبهة تعرض له أو تقليد من عرضت له الشبهة، فيتخذ ذلك الزلل شرعًا ودينًا يدين به مع وجود واضحة الطريق الحق ومحض الصواب" الاعتصام: ١/ ١٣٩.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢] الضلال البعيد) [الحج: ١٢].
وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
ب - الأدلة - من السنّة المشرفة:
لقد تنوعت دلالة السنّة المطهرة على كفر من دعا غير الله تعالى كما تنوعت دلالة الكتاب العزيز.
فمن السنّة ما دلّ على كون الدعاء عبادة نحو حديث «الدعاء هو العبادة» (^١)، وحديث «أفضل العبادة الدعاء» (^٢).
ومن المعلوم أن صرف العبادة لغير الله شرك كما تقدم.
ومن السنّة ما دلّ على وجوب إفراد الله بالدعاء والسؤال والاستعانة نحو حديث ابن عباس في وصية النبي ﷺ له: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (^٣).
ومن السنّة ما دلّ على أن من دعا غير الله تعالى يدخل النار دخول
_________________
(١) و(^٢) تقدم تخريج الحديثين من ص: ٥٤ إلى ص: ٥٩.
(٢) أخرجه الترمذي: ٤/ ٦٦٧ رقم ٢٥١٦، وأحمد ١/ ٢٦٣، ٣٠٣، ٣٠٧، وابن السني في عمل اليوم ص: ٢٠٢ رقم ٤٢٥، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٣٨ رقم ١٣٦، والقضاعي: ١/ ٤٣٤ رقم ٧٤٥. والحديث قد صححه الترمذي وقد ذكر ابن رجب أن طرقه كثيرة عن ابن عباس وذكر من رواه عنه ثم قال: وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي كذا قاله ابن منده وغيره وذكر أنه روي من حديث علي وأبي سعيد وسهل وعبد الله بن جعفر، وأن أسانيدها فيها ضعف كما ذكره العقيلي وأن طريق حنش التي في الترمذي حسنة جيدة، انظر جامع العلوم ص: ١٧٤، وقال ابن تيمية: وهذا الحديث معروف مشهور وقد يروى مختصرًا وقوله: إذا سألت فاسأل الله هو من أصلح ما روي عنه: "قاعدة في التوسل ص: ٣٥" وقد صححه الألباني في ظلال الجنة: ١/ ١٣٨.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الخلود فيدل من هنا على كونه كفرًا والعياذ بالله، من ذلك حديث ابن مسعود ﵁ قال: "قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ: من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار، وقلت أنا من مات وهو لا يدعو الله ندًا دخل الجنة" (^١).
ج - الإجماع:
قد أجمع العلماء على كفر من دعا غير الله تعالى وجعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم.
وقد حكى إجماع العلماء على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين" (^٢).
وقد نقل هذا الإجماع عن شيخ الإسلام غير واحد مقررين له، منهم صاحب الفروع (^٣) وصاحب الإنصاف (^٤) وصاحب الغاية (^٥) وصاحب الإقناع (^٦) وشارحه (^٧) ونقله راضيًا مقررًا له صاحب القواطع في كتابه (^٨)
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير: ٨/ ١٧٦ رقم ٤٤٩٧، والجنائز: ٣/ ١١٠ رقم ١٢٣٨، ومسلم: ١/ ٩٤ رقم ٩٢، وأحمد في المسند: ١/ ٣٧٤، ٤٦٢، ٤٦٤.
(٢) الواسطة بين الحق والخلق: ضمن الفتاوى: ١/ ١٢٤.
(٣) هو مُحَمَّد بن مفلح أبو عبد الله المقدسي (ت ٧٦٣ هـ) وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ومؤلف الفروع في الفقه الحنبلي نقل هذا الكلام في كتابه الفروع: ٦/ ١٦٥.
(٤) هو المرداوي علي بن سليمان علاء الدين ذكره عن شيخ الإسلام في الإنصاف: ١٠/ ٣٢٧.
(٥) هو مرعي بن يوسف المقدسي الكرمي (ت ١٠٣٣ هـ) ذكره في كتابه غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى: ٦/ ٢٧٩.
(٦) هو أبو النجا شرف الدين الحجاوي، انظر الإقناع: ٤/ ٢٩٧.
(٧) هو الشيخ البهوتي منصور بن يونس ذكره في كشف القناع عن متن الإقناع: ٦/ ١٦٨.
(٨) هو ابن حجر الهيتمي انظر الإعلام بقواطع الإسلام ص ٩٥، وتيسير العزيز: ٢٢٩، ومصباح الظلام: ٣٤٣، وتحفة الطالب والجليس: ١٠٦.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
عن صاحب الفروع. وهذا الإجماع الَّذي ذكروه إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين، وقد نصّ العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد، على أن من أشرك بالله كفر أي من عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات، وقد ثبت بالكتاب والسنّة والإجماع أن دعاء الله عبادة له فيكون صرفه لغير الله شركًا (^١).
د - أقوال العلماء في حكم من دعا غير الله تعالى أو استعان به:
لقد بيّن الله تعالى في كتابه أوضح بيان حكم من دعا غير الله وكرر ذلك في مواضع كثيرة وبأساليب متنوعة، وذلك لأن الشرك في الدعاء هو الأكثر وقوعًا من غيره من أنواع الشرك كما تقدم (^٢).
ومع وضوح هذا الحكم وضوح الشمس في رائعة النهار فقد وقع من بعض الناس التردد فيه، ومن آخرين تأويله، ومن غير هؤلاء الزعم بأنه خاص بمن مضى وغبر.
فلهذا أنقل كلام العلماء في المسألة لأن أولئك المترددين لا يقتنعون بمجرد الأدلة ولو كانت واضحة إلا إن نقل لهم من علماء المذاهب الفقهية ظنًا منهم أن الذين يعتنون بالكلام في مثل هذه المسائل من العلماء المتشددين، أو أنهم أتوا بمذهب جديد.
وهذا هو الَّذي اقتضى نقل كلام أهل العلم من فقهاء المذاهب وغيرهم لبيان سبق هؤلاء العلماء إلى هذا المعنى وأن من يؤكد على هذا ليس شاذًا ولكن له سلف صالح، ولتحصل الطمأنينة والثقة لمن يريد معرفة الحق، وأما من يريد التمسك بمألوفاته وعاداته ولا يريد التحول إلى الحق ولو ظهر له بالأدلة الواضحة، فهذا لا برجي انتفاعه بكلام أهل العلم لقصده الفاسد وإصراره على رأيه وعدم تجرده للحق وحبه له.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد: ٢٢٩، مصباح الظلام: ٣٤٣، والقول الفصل: ١٦ - ١٧.
(٢) تقدم ص:
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وما على من يدعوه إلا بيان الحق وإقامة الحجة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بيّنة.
أقوال علماء الحنفية:
قد ذكر علماء الحنفية أمورًا كثيرة وعدوها مما يخرج عن الملة وهي أقل بكثير من دعاء غير الله تعالى وغالب ما ذكروه ليس هناك نص صريح بخصوصه في التكفير من الكتاب والسنّة وقد يكون بعضه لا يسلم لهم التكفير به (^١).
وقد تقدم كثرة النصوص القطعية المصرحة بالتكفير في دعاء غير الله تعالى: "بل لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله" (^٢). فمن باب أولى أن يقول هؤلاء الذين يكفرون بما هو أقل من ذلك بكفر من دعا غير الله تعالى.
ومما يؤكد أن علماء الحنفية يكفرون بدعاء غير الله تعالى أنهم يتشددون في باب الأدعية فقد حرموا التوسل المبتدع كما سيأتي النقل عنهم (^٣).
كما يؤكد ذلك أيضًا علماء الحنفية بما يفيد أنهم يكفرون من دعا غير الله تعالى وننقل هنا بعض كلامهم في ذلك:
١ - فمن ذلك قولهم: "من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر" (^٤).
ودعاء غير الله تعالى يستلزم اعتقاد ذلك، إذ الداعي لو لم يعتقد
_________________
(١) انظر تحفة المحتاج للهيتمي: ٩/ ٧٩، وفتح القدير لابن الهمام: ٤/ ٤٠٩، والعلم الشامخ: ٤١٣، والزواجر عن اقتراف الكبائر: ١/ ٢٨، وروضة الطالبين للنووي: ١٠/ ٦٦.
(٢) النبذة الشريفة ضمن مجموعة الرسائل النجدية: ٤/ ٦٠٢.
(٣) سيأتي ص:
(٤) الفتاوى البزازية: ٣/ ٣٢٦ بهامش الفتاوى الهندية الجزء السادس، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: ١/ ٦٩٩، والبحر الرائق لابن نجيم: ٥/ ١٣٤.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
سماع المدعو وعلمه بدعائه لما دعا ولا فتح فاه بالنداء والصراخ وقد تقدم الكلام على هذا في مبحث علاقة الدعاء بالتوحيد (^١)، وقد يقال: إن هذا من التكفير باللازم ولا يكفر به إذ لازم المذهب ليس بمذهب (^٢)، فنقول جوابًا لهذا وبالله التوفيق:
- إن الصحيح (^٣) في لازم المذهب أن ما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله: "وما لا يرضاه فليس بقوله، فلو قال قولًا ولزِمَ هذا القولَ لازمٌ فاسدٌ وهو لم يشعر بذلك ففي هذه الحالة لا يلزمه، وأما ما لو ظهر له يرضاه فهو لازم له وهو قائل به".
- إذا عرفنا هذا فالداعون لغير الله تعالى والمستغيثون بأصحاب القباب يلتزمون بهذا القول وكثير منهم يعتقد حضور أرواح المشايخ وقد تقدم نقل عباراتهم في ذلك وسيأتي بعضها (^٤).
٢ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا تزوج امرأة بغير شهود فقال الرجل والمرأة: إن الله ورسوله شاهدان قالوا: إن هذا القول كفر، وعللوا ذلك بأنه اعتقد أن رسول الله ﷺ يعلم الغيب وهو ما كان يعلم الغيب حين كان في الأحياء فكيف بعد الموت؟ (^٥).
فإذا كان علماء الحنفية يكفرون من يعتقد شهادة النبي ﷺ على النكاح فكيف بمن يعتقد علم الولي بما في ضمير الداعي وباستغاثته وندائه؟
_________________
(١) تقدم ص:، وانظر زيادة على ما تقدم في هذا التلازم: حكم الله الواحد الصمد ص: ٨.
(٢) انظر العلم الشوامخ وحاشيته: الأرواح النوافخ ص: ٤١٢ - ٤١٣.
(٣) القواعد النورانية: ١٢٨ - ١٢٩، والنونية مع شرحها للهراس: ٢/ ٢٣٤.
(٤) تقدم ص:، وسيأتي ص:
(٥) الفتاوى البزازية: ٣/ ٥٧٦، وفتاوي قاضي خان: ٣/ ٥٧٦، والبحر الرائق: ٣/ ٨٨، والمسايرة لابن الهمام مع شرحها المسامرة لابن شريف ص: ٢١١ - ٢١٢، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ٢٢٥، وحكم الله الواحد الصمد: ١٢، والفتاوى الهندية: ٢/ ٢٦٦.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
٣ - من ذلك قولهم: من ادعى علم الغيب لنفسه أو صدق من يدعي ذلك كفر (^١).
٤ - ومن ذلك قولهم: إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقد ذلك كفر (^٢).
٥ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا خرج يوم النيروز مع المجوس موافقة لهم فيما يفعلونه في يوم عيدهم أو أهدى ولو بيضة إلى المجوسي في ذلك اليوم كفر وذلك لأنه عظم عيد الكفرة أو تشبه بهم (^٣).
فإذا كان هذا قول العلماء بمن عظم يوم النيروز بنوع من التعظيم فكيف بمن يعظم ما يعبد من دون الله كأصحاب القبور؟ ومما لا شك فيه أن الَّذي عظم يوم النيروز لا يبلغ تعظيمه مبلغ المستغيث الواقع في الشدة الَّذي ينادي ويستغيث بمن ينقذه معظمًا له وراجيًا وخائفًا صارفًا له خالص تذلله وخضوعه بل ومحبته له، فإذا كان علماء الحنفية يكفرونه بمجرد إهداء البيضة بدون أن يقوم بالقلب مثل ما يقوم بالمكروب المستغيث فمن باب أولى تكفيرهم للمكروب المستغيث.
٦ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا ذبح لقدوم الحاج أو الغزاة أو السلطان أو تهنئته اتفقوا على كون الذبيحة ميتًا على اختلاف بينهم في كفر الذابح (^٤).
_________________
(١) البحر الرائق: ٥/ ١٣٠، ومجمع الأنهر: ١/ ٦٩٩، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ٢٢١.
(٢) البحر الرائق: ٢/ ٢٩٨، ورد المحتار على الدر المختار: ٢/ ٤٣٩، وحكم الله الواحد: ١٢ - ١٣.
(٣) الفتاوى البزازية: ٣/ ٣٣٣ و٥٧٧، والبحر الرائق: ٥/ ١٣٣، وشرح الفقه الأكبر: ٢٨٢، ومجمع الأنهر: ١/ ٧٠٦.
(٤) البزازية: ٣/ ٣٤٩ و٥٧٧ والبحر الرائق: ٥/ ١٣٣، والفتاوى الهندية: ٢/ ٢٧٧، وشرح الفقه الأكبر: ٢٩٣، ونحوه في معالم السنن: ٤/ ٢٧٨، والموافقات: ٢/ ٢٠٨ - ٢١٠.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
فإذا كان صرف عبادة الذبيحة لغير الله كفرًا فلأن يكون صرف الدعاء كفرًا أولى وأحرى لكونه لب العبادة وروحها.
٧ - ومن ذلك قولهم: إنه يخاف الكفر على من قال: بحياتي وحياتك (^١).
٨ - ومن ذلك قولهم فيما يفعله بعض النساء وهو صريح فيما نحن بصدده قالوا: "والذي شاع في زماننا - وكثير من نساء المسلمين مبتليات بذلك - هو أنهن في وقت طلوع الجدري للأطفال يفعلن صورة باسم ذلك الجدري ويعبدنها، ويطلبن منها شفاء الأولاد، ويعتقدن أن ذلك الحجر يشفي هذه الأطفال، فتلك النساء يصرن كافرات بهذا الفعل وبهذا الاعتقاد وبرضا أزواجهن بهذا الفعل يصيرون كفارًا.
ومن هذا القبيل أنهن يذهبن إلى عين ماء ويعبدن ذلك الماء ويذبحن على ذلك الماء شاة بالنية التي أضمرنها، فهاتيك العابدات للماء والذابحات يصرن كافرات، وتكون الشاة نجسة ولا يحل أكلها.
ومثل ذلك أنهن يتخذن صورة في البيوت، ويعبدنها مثل عبادة المجوس، وعند وضع المولود ينقشنها بالزنجفر، ويقطرن عليها الزيت ويعبدنها باسم الصنم الَّذي يقال له بهاني وكلما فعلن شيئًا مثل هذا يصرن كافرات ويبنَّ من أزواجهن" (^٢).
وهذا النص مع دلالته على كفر من دعا غير الله تعالى يرد على أولئك الذين يزعمون أن الشرك لم يقع في هذه الأمة أو يقولون: إن بعض العلماء المتشددين هم الذين تفردوا بالتكفير في مثل هذه المسائل.
_________________
(١) البزازية: ٣/ ٣٤٨، والبحر الرائق: ٤/ ٣١١، ٥/ ١٣٤، وفتح القدير لابن الهمام: ٤/ ١٠، والفتاوى الهندية: ٢/ ٢٨١، وشرح الفقه الأكبر: ٢٩١.
(٢) الفتاوى الهندية: ٢/ ٢٨٢، وأصل الكلام فيه باللغة الفارسية وترجم إلى العربية في هامش الكتاب وهو منقول في الأصل من كتاب مجموع النوازل.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
٩ - ومن ذلك ما قالوا في قولهم: "يا شيخ عبد القادر شيئًا لله": إنه كفر (^١). ففي هذه الكلمة نداء الشيخ عبد القادر وطلب شيء منه إكرامًا لله فهو سؤال وتوسل بالله إلى الشيخ عبد القادر (^٢).
وقد علل بعضهم منع هذه الكلمة بأنها تتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة.
ومن اعتقد أن غير الله ﷾ حاضر وناظر، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وآن فقد أشرك، والشيخ عبد القادر مع شهرة مناقبه وفضائله لم يثبت شرعًا أنه كان قادرًا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين واعتقاد أنه ﵀ كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت ويسمع نداءهم من عقائد الشرك (^٣).
وهذه الكلمة فيها الاستشفاع بالمخلوق على الله تعالى وقد استعظم ذلك النبي ﷺ عندما قال له الأعرابي: "إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فقال: ويحك إن شأن الله عظيم" (^٤).
١٠ - ومن ذلك ما قاله الشيخ قاسم (^٥) في شرح درر البحار في باب النذر: "النذر الَّذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء
_________________
(١) الفتاوى الخيرية: ١/ ١٨٢ نقلًا عن كتاب قيد الشرائد ونظم الفوائد لكن صاحب الفتاوى الخيرية نازعه في الحكم بالتكفير، وانظر أيضًا رسالة التوحيد: ١٤١ - ١٤٢، وحكم الله الواحد ص: ١٢.
(٢) رسالة التوحيد للدهلوي: ١٤١ - ١٤٢، والفتاوى الخيرية: ١/ ١٨٢.
(٣) مجموع فتاوى عبد الحي اللكنوي: ١/ ٢٦٤ بواسطة تعليق أبي الْحَسَن الندوي على رسالة التوحيد ص: ١٤٠ - ١٤١.
(٤) تقدم تخريجه ص: ٥٠٦.
(٥) هو قاسم بن قطلوبغا زين الدين المصري المعروف بقاسم الحنفي وقد شرح درر البحار في فقه الاختلاف بين المذاهب وله كتب كثيرة في الحديث وعلومه (ت ٨٧٩ هـ)، البدر الطالع: ٢/ ٤٥ - ٤٧، ومعجم المؤلفين: ٨/ ١١١.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
قائلًا: يا سيدي إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا باطل إجماعًا بوجوه منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر، إلى أن قال: وقد ابتلى الناس بذلك ولاسيما في مولد البدوي" (^١).
قال الشوكاني: وتأمل ما أفاده من حكاية الإجماع على بطلان النذر المذكور وأنه كفر عنده مع ذلك الاعتقاد (^٢).
١١ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بما يفيد منع دعاء الأموات وأنه مما أجمع العلماء على منعه وأنه عبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى الشيخ محمد طاهر الفتني (^٣)، فإنه ذكر كراهية الإمام مالك قول القائل: زرنا قبره ﷺ وأن العلة في ذلك أن لفظ الزيارة صار مشتركًا بين ما شرع وبين ما لم يشرع ثم قال: "فإن منهم من قصد بزيارة قبور الأنبياء والصلحاء أن يصلي عند قبورهم ويدعو عندها، ويسألهم الحوائج وهذا لا يجوز عند أحد من علماء المسلمين فإن العبادة وطلب الحوائج والاستعانة حق لله وحده" (^٤).
_________________
(١) انظر مفيد المستفيد: ٣٠٤، والرسائل الشخصية: ١٧٧ - ١٧٨، والدر النضيد: ٤٠، وحكم الله الواحد: ١٢ - ١٣، والإبداع في مضار الابتداع: ١٨٩، وانظر هذا في كتب علماء الحنفية: شرح الدر المختار للحصكفي: ١/ ٢٠٧ وحاشيته المسماة برد المحتار لابن عابدين: ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠، وحاشية مراقي الفلاح على نور الإيضاح للطحطاوي: ٥٧١، والبحر الرائق لابن نجيم: ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١، والفتاوى الخيرية للرملي: ١/ ١٧ - ١٨ و٤/ ٤١٧، والفتح الرحماني للفرغاني: ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٥.
(٢) الدر النضيد: ٤٠.
(٣) هو محمد طاهر الفتني الكجراتي الهندي الصديقي يلقب بملك المحدثين، محدث مفسر لغوي مؤلف كتاب مجمع البحار وتذكرة الموضوعات وغيرها من المؤلفات الممتعة في الحديث وغريبه (ت ٩٨٧ هـ) شهيدًا. انظر مقدمة نصب الراية: ٤٧ رقم ٧٩، ومعجم المؤلفين: ١٠/ ١٠٠.
(٤) مجمع بحار الأنوار: ٢/ ٤٤٤ مادة زور.
[ ٢ / ٥٤١ ]
١٢ - ومن ذلك ما قاله صنع الله الحلبي (^١) الحنفي في رده على من زعم أن للأولياء تصرفًا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة:
"هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفاتٍ في حياتهم وبعد مماتهم ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تكشف المهمات فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات .. " إلى أن قال: "وهذا كلام فيه تفريط وإفراط بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة" (^٢).
١٣ - ومن علماء الحنفية المتأخرين الشاه ولي الله الدهلوي (^٣) فإنه بعد أن ذكر تعريف الشرك ومظاهره وقوالبه ومظانه عند المشركين وذكر منها السجود قال:
"ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء الفقير وينذرون لهم ويتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون أسماءهم رجاء بركتها.
فأوجب الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلواتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
_________________
(١) هو صنع الله بن صنع الله الحلبي الأصل المكي سكنا الحنفي واعظ فقيه محدث، له من المؤلفات أرجوزة في الحديث، وسيف الله على من كذب على أولياء الله، وهذا الكلام منقول منه، (ت ١١٢٠ هـ)، معجم المؤلفين: ٥/ ٢٤.
(٢) القول الفصل: ٤٨/ ٤٩، وتيسير العزيز الحميد: ٢٣٢، وحكم الله الواحد الصمد: ١٣.
(٣) هو أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه الدين المعروف بشاه ولي الله الدهلوي الهندي العمري الحنفي له جهود في خدمة السنة ومحاربة البدعة إلا أنه قد يميل في بعض الأحيان إلى عبارات المتصوفة والله يرحمه، (ت ١١٧٦ هـ)، انظر ترجمته في فهرس الفهارس: ٢/ ١١١٩، ومعجم المؤلفين: ١/ ٢٧٢.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (^١).
وقوله وليس المراد من الدعاء العبادة .. إلخ، يعلم ما فيه بما تقدم من إطلاق الدعاء على النوعين وتلازمهما وأنه في مثل هذا الموضع في العبادة أظهر (^٢)، وقال أيضًا: "واعلم أن طلب الحوائج من الموتى عالمًا بأنه سبب لإنجاحها كفر يجب الاحتراز عنه تحرمه هذه الكلمة - يريد بها كلمة التوحيد - والناس اليوم فيها منهمكون" (^٣).
ومن أصرح كلام الدهلوي ﵀ قوله: "كل من ذهب إلى بلدة أجمير أو قبر سالار ومسعود أو ما ضاهاها لأجل حاجة يطلبها فإنه أَثِمَ إِثْمًا أكبرَ من القتل والزنا وليس مثله إلا مثل من كان يعبد المصنوعات أو مثل من كان يدعو اللات والعزى" (^٤). فقد صرح بأن الذاهب لطلب الحاجة من القبور مثل الداعي للّات.
١٤ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بكون دعاء الأموات وندائهم كفرًا وشركًا ونددوا بذلك وجاهدوا في سبيل ذلك - الشيخ محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الشهيد (^٥).
فمما قاله في رسالته المسماة رسالة التوحيد أو تقوية الإيمان ما ترجمته: "نداءُ الأموات من بعيد أو قريب للدعاء - إشراك في العلم، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة فقد عدلوا عن الله القادر العليم إلى أناس
_________________
(١) حجة الله البالغة: ١/ ٦٢، والدين الخالص: ١/ ٢٨٩.
(٢) مر ص: ١١٥.
(٣) البصائر: ٢٧٣، نقلًا عن الخير الكثير للدهلوي ص: ١٠٥.
(٤) البصائر ص: ٢٧١ - ٢٧٢ نقلًا عن التفهيمات للدهلوي: ٢/ ٤٥.
(٥) تقدمت ترجمته ص: ٤٩٦.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
لا يسمعون دعاءهم وإن سمعوا ما استجابوا وهم لا يقدرون على شيء فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون بالصالحين الذين كانوا في الزمن السابق من بعيد وقد يكتفي بعض الناس فيقولون: يا سيدنا ادع الله لنا يقضي حاجتنا ويظنون أنهم ما أشركوا فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة وإنما طلبوا منهم الدعاء وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب وكان ذلك سواء في حقهم ولذلك نادوا من مكان بعيد مع أن الله ﷾ قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (^١).
ولهذا الدهلوي الشهيد في تلك الرسالة عدة تصريحات بشرك من دعا غير الله واستغاث به (^٢).
١٥ - وممن صرح بكون دعاء غير الله شركًا الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي (ت ١٢٣٩ هـ) فإنه قال: "قد أفرط الناس من هذه الأمة في باب الاستعانة بالأرواح الطيبة، فما يفعله الجهلة والعوام وما يعتقدون لها من استقلال في كل عمل فهو من غير شك شرك جلي" (^٣).
فقد صرح بأنه يوجد في هذه الأمة من غلا في الأرواح واعتقد لها الاستقلال واستعان بها وفي هذا رد على من ينكر وقوع مثل هذا الاعتقاد في هذه الأمة المحمّدية كما أنه صرح بأن مثل هذا الاعتقاد شرك جلي.
_________________
(١) تقوية الإيمان: ٦٥ - ٦٧.
(٢) المرجع نفسه ص: ٢٥، ٢٨، ومواضع أخر، فهذا الكتاب له تأثير قوي في شبه القارة الهندية يقابل تأثير كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع، انظر ما كتبه الشيخ إحسان إلهي ظهير في كتابه البريلوية ص: ١٦٨، ومترجمه إلى العربية الشيخ أبو الحسن الندوي ص: ٦، والشيخ محمد عطاء الله حنيف في تقديمه لرسالة رد الإشراك ص: ٣، وما كتبه محقق الرسالة محمد عزيز شمس في المقدمة ص: ٦.
(٣) مجموع فتاوى عبد العزيز ص: ١٢١ نقلًا عن هامش رسالة التوحيد ص: ٦٧.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
١٦ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بكفر من دعا غير الله تعالى الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي (^١).
فقد قال: "من قال للعوام: إن الفيض يحصل من قبور الأولياء فقد فتح باب الشرك" (^٢).
وقال أيضًا: "الاستمداد من القبور حرام" (^٣).
ولما ذكر الحكاية التي تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني: أنه أخرج فلكًا مشحونًا بعد اثني عشر سنة قال: "إنما هي من أكاذيب الجهلاء لا أصل لها وهذه العقيدة شرك ينبغي التوبة منها" (^٤).
١٧ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بذلك الشيخ محمود الألوسي (^٥) المفسر حيث قال: "إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركًا، وإن لا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء،
_________________
(١) هو العلامة رشيد أحمد بن هداية أحمد بن بير بخش الحنفي الرامبوري ثم الجنجوهي أثنى عليه الحسني بالصدق والعفاف والتوكل والتفقه (ت ١٣٢٣ هـ)، نزهة الخواطر: ٨/ ١٤٨.
(٢) فتاوى رشيدية: ٢/ ١٢١ بواسطة البصائر: ٤٤٦.
(٣) فتاوى رشيدية: ٢/ ٨٩ بواسطة البصائر: ٤٤٥.
(٤) فتاوى رشيدية: ٢/ ٤ بواسطة البصائر: ٤٤٥.
(٥) هو الشيخ محمود بن عبد الله الحسيني شهاب الدين أبو الثناء، مفسر نحوي وقد تولى ولاية الإفتاء ببغداد ثم عزل من الدولة العثمانية وارتحل إلى القسطنطينية وهو مع محاربته لعقيدة الشرك والبدع إلا أن له بعض الميل إلى المتصوفة وإشاراتهم كما هو حال أغلب علماء وقته (ت ١٢٧٠ هـ) انظر ترجمته في المسك الأذفر: ٦٤ - ٨٥، وفهرس الفهارس: ١/ ١٣٩، ومعجم المؤلفين: ١٢/ ١٧٥.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم" (^١).
وللألوسي نحو هذا الكلام في عدة مواضع من تفسيره روح المعاني (^٢).
١٨ - ومن علماء الحنفية المتأخرين الذين نددوا بدعاء غير الله تعالى وصرحوا بكفر فاعله - العلامة محمد سلطان المعصومي (^٣)، فقد ألف رسالة مهمة جامعة لأقوال علماء الحنفية السابقين الذين حكموا بالكفر على من طلب المدد من غير الله واستغاث به وناداه من دون الله، وسمى رسالته بـ "حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد".
ومما ذكره في هذه الرسالة رسالة مؤلفة في الاستمداد بالشيخ عبد القادر وفيها ما معناه: "أطلب منك الإمداد يا سلطان السلاطين ويا ملك الملوك أمددنا وأعنا".
وفيها أيضًا: "المدد يا غوث غوثان المدد"، وضرب عدة أمثلة من هذا القبيل ثم قال: "اعلموا يا أيها المسلمون - وفقني الله وإياكم لما فيه رضاه ويا أيها الحنفيون هداني الله تعالى وإياكم إلى الصراط المستقيم أن هذه الكلمات كلها شرك وكفر وضلال في الدين الإسلامي والشرع المحمَّدي، والمذهب الحنفي، بل المذاهب الأربعة إجماعًا وقائلها مشرك لا تصح صلاته ولا صيامه ولا حجه ولا إمامته إلا إذا تاب وآمن
_________________
(١) روح المعاني: ٦/ ١٢٨.
(٢) انظر: ٢٤/ ١١ و١٣/ ١٧ و١٧/ ٢١٢ و١١/ ٩٨.
(٣) هو أبو عبد الكريم محمد سلطان بن أبي عبد الله محمد أورون بن محمد المعصومي الخجندي ولد في بلدة خجندة من بلاد ما وراء النهر ثم هاجر إلى مكة بعد استيلاء الروس على التركستان وله جهود مشكورة في نشر السنة ومحاربة البدعة وكان مدرسًا في دار الحديث بمكة، ترجم لنفسه ووصف هجرته وما وقع له، طبعت تلك الترجمة مع كتابه حكم الله الواحد.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وأعلن توبته كما أشهر شركه" (^١).
أقوال المالكية:
إن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى قد تشدد في باب الدعاء فمنع من قول الداعي يا سيدي ويا حنان من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنّة، وأمر بالالتزام في الأدعية باللفظ الوارد عن الأنبياء يا رب يا رب (^٢).
فإذا كانت سيرته هكذا من الالتزام والتقيد في باب الدعاء بالوارد - فلا يمكن أن يجيز التوسل المبتدع فضلًا عن أن يجيز دعاء غير الله تعالى ونداءه والاستغاثة به واللهج بذكره في كل وقت وآن، فالذي يمنع من قول الداعي المخلص لله أن يقول لله تعالى: يا سيدي فمن باب أولى وأحرى أن يمنع من قول الداعي يا ولي الله فلان افعل لي كذا، فهذا ظاهر واضح.
ثم إن مالكًا ﵀ كره الوقوف عند قبر النبي ﷺ للدعاء له أو الدعاء عنده (^٣)، وكره لأهل المدينة التردد للسلام عليه (^٤) كما كره أن يقال زرنا قبره ﷺ (^٥).
فتحصل مما سبق أن الإمام مالكًا ﵀ من أشد الناس محاربة للبدع لاسيما في باب الدعاء، فمن هنا يفهم عدم تجويزه لما هو شرك من باب أولى، وعلماء مذهبه لا بد أنهم يتبعون منهجه في ذلك فقد
_________________
(١) حكم الله الواحد الصمد: ٤ - ٧.
(٢) انظر العتبية مع البيان والتحصيل: ١/ ٤٥٦ و١٧/ ٤٢٣.
(٣) الشفا للقاضي عياض: ٢/ ٦٧١، نقلًا عن المبسوط لإسماعيل القاضي، والمنتقى للباجي: ١/ ٢٩٦، والرد على الأخنائي: ٤٦، ١٠٤، والجواب الباهر: ٥٩، ٦٥، والصارم: ١٢٥.
(٤) العتبية: ١٨/ ٤٤٤، والشفا: ٦٧٦، والمنتقى: ١/ ٢٩٦، والرد على الأخنائي: ٤٦، ٩٦.
(٥) الشفا: ٢/ ٦٦٧، والجواب الباهر: ٥٨، والصارم: ٢٦٣، ٢٧١ - ٢٧٩، ومجمع البحار: ٢/ ٤٤٤.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
صرح بعضهم بما يفيد كفر من دعا غير الله تعالى فممن صرح بذلك القاضي عياض رحمه الله تعالى حيث قال: "إن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله أو مع الله - فهو كفر" (^١)، فقوله أو عباده أحد غير الله أو مع الله يدخل فيه من يدعو غير الله دخولًا أوليًا لأن الدعاء هو العبادة ولبها ومخها.
وقال القاضي أيضًا: "إن من نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ولا عامد للإلحاد، فإن تكرر هذا منه وعرف به - دل على تلاعبه بدينه، واستخفافه بحرمة ربه، وجهله بعظيم عزته وكبريائه وهذا كفر لا مرية فيه" (^٢).
وقد ذكر القرافي المالكي الأدعية التي تخرج عن الإسلام وبعضها أقل بكثير مما نحن فيه ثم قال: "فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرًا شديدًا لما تؤدي إليه من سخط الديانة والخلود في النيران، وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلّا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرناه نسأل الله العافية من موجبات عقابه" (^٣).
أقوال الشافعية:
إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أحد أئمة السنة الذين حاربوا البدعة ونشروا السنة فهو وإن لم نجد له نصًا صريحًا في الموضوع لعدم وقوع هذه المسألة في عصره كما تقدم بيان ذلك ولكن وجدنا له نصًا يستنبط منه مذهبه في الموضوع وهو أن الشافعي قال:
_________________
(١) الشفا لعياض: ٢/ ١٠٦٥ - ١٠٦٦.
(٢) المصدر السابق: ٢/ ١٠٩٣.
(٣) الفروق للقرافي: ٤/ ٢٦٥.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
"من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق" (^١).
فإذا كان الشافعي ﵀ لا يرى الحلف بغير أسماء الله تعالى فلا يعقل أن يجيز الدعاء بغير أسماء الله الحسنى ولو كانت معظمة كالكعبة والصفا والمروة وأسماء الأنبياء.
وقد تبع الشافعي علماء مذهبه وقد صرح بمنع مثل هذه الأدعية بعض متقدميهم.
فمنهم إمام الأئمة ابن خزيمة أحد كبار فقهاء المحدِّثين ويعد من الشافعية (^٢) فإنه قال: "هل سمعتم عالمًا يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله؟ أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق؟
هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه (^٣) ".
ومنهم الإمام الخطابي الفقيه المحدث اللغوي، فإنه نقل كلام الإمام أحمد في عدم جواز الاستعاذة بالمخلوق فأقره (^٤).
ومنهم البيهقي الذي قال فيه إمام الحرمين: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه في عنقه منة إلا البيهقي فإنه له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله" (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه: ١٩٣، والبيهقي في الأسماء ص:، ومعرفة السنن والآثار: ١/ ١١٣، وأبو نعيم في الحلية: ٩/، والسنة للالكائي: ٢/ ٢١١.
(٢) طبقات الشافعية للسبكي: ٣/ ١٠٩.
(٣) كتاب التوحيد: ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.
(٤) معالم السنن ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٥) طبقات الشافعية: ٤/ ١٠ - ١١.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
فهذا الإمام البيهقي ذكر بعض أحاديث الاستعاذة بكلمات الله تعالى ثم قال: "ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق" (^١).
وممن صرح بكفر من دعا غير الله تعالى من علماء الشافعية الإمام المقريزي (^٢) الشافعي ﵀ فإنه قال: "وشرك الأمم كله نوعان شرك في الإلهية وشرك في الربوبية، فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك وهو شرك عباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ويشفعوا لنا عنده وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة … " (^٣).
وقال في زيارة القبور: إنها على ثلاثة أقسام: "قوم يزورون الموتى فيدعون لهم وهذه الزيارة شرعية، وقوم يزورونهم يدعون بهم فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبة، وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وهؤلاء هم المشركون في الربوبية" (^٤)
وقوله في الذين يدعون بالمقبورين: إنهم مشركون في الألوهية قد يعترض عليه بأنه لا يصل إلى الشرك الأكبر إلا في بعض الأحيان ويعلم ذلك مما ذكرناه في مبحث مراتب دعاء غير الله تعالى، ولعله يريد بذلك من يقصد من الدعاء بهم الشفاعة الشركية لا مطلق التوسل بهم والله أعلم.
_________________
(١) الأسماء والصفات للبيهقي: ٢٤١.
(٢) هو أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس الحسيني البعلي القاهري المعروف بالمقريزي، أحب علم الحديث فواظب عليه حتى اتهم بالظاهرية وله جهود في خدمة العقيدة السلفية، وكان متبحرًا في التاريخ ومؤلفاته تشهد بذلك كما قاله الشوكاني، (ت ٨٤٥ هـ)، البدر الطالع: ١/ ٧٩ - ٨١.
(٣) تجريد التوحيد: ١٤.
(٤) المصدر نفسه: ٢٠.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ومنهم أبو شامة (^١) الشافعي فقد ذكر ما وقع من جهال العوام: من انتمائهم إلى طريقة الفقر والتصوف واعتقادهم في المشايخ المتصوفة الضالين المضلين ثم قال: "وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها" ثم ذكر ما تفعله العامة من تخليق الحيطان والعمد وإيقاد السرج على المواضع يزعم أحد أنه رأى في المنام أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية إلى أن يصل بهم الحال إلى تعظيم تلك الأماكن ورجاء الشفاء وقضاء الحوائج منها بالنذر وهي مما بين عيون وشجر وحائط وحجر … (^٢).
ومنهم ابن حجر الهيتمي الشافعي (^٣) في شرحه لحديث الأربعين عند الكلام على حديث: "إذا سألت فاسأل الله" أن من اعتقد النفع والضر لغير الله كفر (^٤)، وقد ألف كتابًا مستقلًا سماه الأعلام بقواطع الإسلام ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام وغالب ما ذكره لا يساوي عشر ما نحن فيه (^٥)، وكثير مما ذكره أنه يخرج من الإسلام لم يرد فيه نص مثل ما ورد في دعاء غير الله تعالى من الأدلة الدالة على كفر مرتكبه.
وقد نقل في هذا الكتاب عن صاحب الفروع إجماع العلماء على كفر من جعل بينه وبين الله واسطة ثم أقر ما نقله (^٦).
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الشافعي الدمشقي عني بالحديث وبرع في فنون العلم وقيل بلغ رتبة الاجتهاد وصفه الذهبي بالحافظ العلامة المجتهد (ت ٦٦٥ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٤/ ١٤٦٠، وطبقات الشافعية: ٨/ ١٦٥.
(٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث: ٢٣.
(٣) هو أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي بالتاء المثناة المكي الفقيه الصوفي يعتمد على تآليفه المتأخرون من الشافعية والرجل له مناصرة لبعض البدع عفا الله عنه (ت ٩٧٤ هـ)، انظر فهرس الفهارس: ١/ ٣٣٧
(٤) الفتح المبين: ١٧٤، وقارن بما في مفيد المستفيد: ٤٠٥، والدر النضيد: ٤٠.
(٥) مفيد المستفيد: ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٦) انظر ما تقدم ص: ٥٣٤.
[ ٢ / ٥٥١ ]
أقوال علماء الحنابلة:
قد تقدم (^١) نقل كلام الخلال وارث علم أحمد أنه لا يجوز أن يقال أعيذك بالسماء أو بالأنبياء والملائكة الخ. كما تقدم (^٢) نقل كلام ابن بطة الحنبلي في ذلك.
وممن صرح بكفر من دعا غير الله تعالى من علماء الحنابلة الشيخ أبو الوفا بن عقيل (^٣) الحنبلي ﵀ فقد قال: "لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال: وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى … " (^٤).
فقد صرح في هذا الكلام السابق بأن خطاب الموتى بالحوائج كفر.
وقد نقل هذا الكلام كثير من علماء الحنابلة وغيرهم (^٥) فأقروه، فهم قائلون بما قاله ابن عقيل من كفر من خاطب الموتى بالحوائج.
وقال ابن عقيل أيضًا في الكلام على الصوفية: "وقد سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادي … مجاب، اعتقادًا أنه قربة، وهذا كفر
_________________
(١) و(^٢) تقدم ص: ٤٢٧.
(٢) تقدمت ترجمته: ٤٧٧.
(٣) تلبيس إبليس ص: ٤٠٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٢، ومفيد المستفيد: ٣٠١، والدر النضيد: ٤٠، وتيسير العزيز: ٢٢٨.
(٤) فقد نقله ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص: ٤٠٢، وابن القيم في الإغاثة: ١/ ١٥٢، وابن مفلح في الفروع:، وابن عبد الوهاب في مفيد المستفيد ص: ٣٠١، والشوكاني في الدر: ٤٠.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
أيضًا لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرًا والناس بين تحريمه وكراهيته" (^١).
فإذا كان ابن عقيل يكفر من اعتقد ذلك فكيف بمن اعتقد استجابة الدعاء بواسطة الأولياء؟ فضلًا عمن دعاهم واستغاث بهم وناداهم سرًا وجهارًا واعتقد سماعهم وعلمهم به وبما هو فيه، فهذا بلا شك أشد كفرًا ممن ذكره ابن عقيل ﵀، فمقتضى قوله أنه يكفر هؤلاء من باب أولى وأحرى.
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد تقدم قوله في حكاية الإجماع على كفر من جعل الواسطة بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم وأنه نقله كثير من علماء الحنابلة وغيرهم فأقروه (^٢).
وقال شيخ الإسلام أيضًا فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل (^٣).
ومنهم ابن القيم ﵀ فمن أقواله ما ذكره في مدارج السالكين في باب التوبة بقوله: "ومن أنواعه - أي الشرك - طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها … " (^٤).
وذكر رحمه الله تعالى زيارة القبور الزيارة الشرعية للدعاء لهم
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٣٧٣.
(٢) تقدم ص: ٥٣٤.
(٣) الوصية الكبرى إلى الشيخ عدي ضمن الفتاوى: ٣/ ٣٩٥، وعنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرسائل الشخصية ص: ١٧٧، ومفيد المستفيد ص: ٢٩١.
(٤) مدارج السالكين: ١/ ٣٤٦.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
والترحم عليهم والاستغفار ثم قال: "فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به والإقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه بعكس هديه ﷺ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت" (^١).
وذكر ﵀ أنه يجب على الإمام هدم الأمكنة التي يعصى الله فيها فذكر مسجد ضرار ثم قال "فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بالهدم وأوجب" (^٢).
ومنهم الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ فإنه قال: ما ملخصه إن المبالغة في تعظيم الرسول ﷺ بالحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء - فهذه المبالغة مبالغة في الشرك وانسلاخ من ذمة الدين (^٣).
ومنهم الحافظ بن رجب ﵀ فإنه قال: "إن قول العبد لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا عليه وسؤالًا منه ودعاء له ولا يصلح ذلك كله إلا لله ﷿، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك" (^٤).
_________________
(١) زاد المعاد: ١/ ٥٢٧
(٢) زاد المعاد: ٣/ ٥٧١، ٥٠٧.
(٣) الصارم المنكي ص: ٣٥١.
(٤) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: ٢٣ - ٢٤.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
علماء آخرون صرحوا بكفر من دعا غير الله:
وقد صرح علماء آخرون غير من ذكرناهم بكفر من دعا غير الله تعالى وقرروا ذلك في مؤلفاتهم وهم كثيرون منهم:
الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) فقد قال: إن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى … فإنه قد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلًا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات من عافية مريضه أو قدوم غائبه أو نيله لأي مطلب من المطالب فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام" (^١).
وقال أيضًا: "ومن نادى الله ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا وخوفًا وطمعًا ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة فإن الدعاء من العبادة" (^٢).
ومنهم الشيخ حسين بن مهدي النعمي (ت ١١٨٧ هـ) فقد قال بعد كلام طويل له في الموضوع: فحينئذ علمت - إن شاء الله تعالى بالبرهان الصحيح واليقين الذي لا يخالطه أدنى ريبة ولا ينتابه أو يتصور عليه وهم أو يتطفل عليه شك - أن دعاء المخلوق، وقصده بذلك من متفاحش الظلم ومتبالغ الشرك ومنازعة في خاص حق الله، وخضوع وتذلل بخالص عبادته لسواه، إذ روح كونك عبدًا له تعالى هو هذا المقام، وهذا التكيف والتصور بهذه الحالة " (^٣).
_________________
(١) تطهير الاعتقاد: ١٩ - ٢٠ ونحوه في ص: ٢٤.
(٢) المصدر نفسه ص: ٢٦.
(٣) معارج الألباب ص: ١٩٣، وهذا الكتاب من أحسن ما ألف في التنديد بدعاء غير الله تعالى، فقد ناقش هذه المسألة مناقشة منطقية بأسلوب قوي فجزى الله مؤلفه عن الإسلام خيرًا.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
فقد صرح النعمي ﵀ بأن دعاء غير الله تعالى من أبلغ الشرك وأفحش الظلم إذ هو وضع للعبادة التي هي من خصائص الله في غير محلها الذي هو المخلوق.
ومنهم الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) فإنه قال: إن من اعتقد في ميت من الأموات أو من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالًا أو مع الله تعالى أو ناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق لم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه هو نوع من أنواع العبادة، وإن الشرك هو دعاء غير الله تعالى، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه (^١).
وقال أيضًا: إن الواجب على كل من اطلع على شيء مما يفعله المعتقدون في القبور أن يبلغهم الحجة الشرعية ويقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات ويستغيث بهم عند حلول المصيبات وينذر لهم وينحر لهم النحور، ويعظمهم تعظيم الرب سبحانه: إن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية (^٢).
وقال أيضًا: "وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
_________________
(١) الدر النضيد ص: ١٨.
(٢) المصدر نفسه: ٢٤.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالمًا ولا متعلمًا ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا … " (^١).
فقد صرح الشوكاني ﵀ بأن صرف الدعاء لغير الله تعالى شرك لكون الدعاء عبادة كما صرح بأن التقرب إلى غير الله بما يتقرب به إلى الله شرك وأن هذا هو عين ما يفعله مشرك الجاهلية وأن قصد القبور لطلب قضاء الحوائج منكر شنيع وكفر فظيع.
ومنهم الإمام محمد صديق خان (^٢) ﵀ فقد قال: "فمن استغاث بغيره - أي الله - في الشدائد ودعا غيره فيها فقد كفر" (^٣).
وقال أيضًا: "والألوهية التي تسميها العامة في زماننا الولاية، والسر، وسر السر، ويسمون أهلها الفقراء والمشايخ … ويظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن العامي يلتجئ إليهم ويرجوهم، ويخافهم، ويستغيث بهم ويستعين منهم، في قضاء حوائجه، … هي الشرك الجلي الذي لا يغفره الله تعالى أبدًا" (^٤).
وقال أيضًا: "فالدعاء هو التوحيد، فمن دعا غير الله فقد أشرك، ودعاء غيره سبحانه شرك لا شك فيه" (^٥).
أقوال أئمة الدعوة في ذلك:
أما أقوال أئمة الدعوة في ذلك فبحر لا ساحل له لأن الخصومة (^٦)
_________________
(١) نيل الأوطار: ٤/ ٩٥، وله كلام نحو هذا في البدر الطالع: ٢/ ٦.
(٢) هو أبو الطيب صديق بن حسن بن علي القنوجي البخاري محدث مفسر فقيه له جهود في نشر العقيدة السلفية والسنة النبوية، (ت ١٣٠٧ هـ)، انظر ترجمته في مقدمة شيخنا عاصم بن عبد الله القريوتي لكتابه قطف الثمر.
(٣) الدين الخالص: ١/ ١٨٣.
(٤) المرجع نفسه: ١/ ١٨٢.
(٥) المرجع نفسه: ١/ ٢٢٢.
(٦) مصباح الظلام: ٣٠١.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
التي وقعت بينهم وبين غيرهم في هذه المسألة وهي أكبر مسألة دار عليها الجدل منذ زمن الأنبياء والرسل، فالرسل أول ما يطلبون من أممهم إفراد الله تعالى بالعبادة التي هي متضمنة لنوعي الدعاء، فكل نبي يقول لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥].
ولقد مكث النبي ﷺ بمكة يدعو إلى هذا الأصل ثلاث عشرة سنة إلى أن استقام الدين وفهمت العقيدة الصحيحة، وأُفرد اللهُ تعالى بنوعي الدعاء وظهر الإسلام وانتشر.
ثم لما ظهر بعض بوادر الفساد في الاعتقاد قيض الله تعالى من يذب عن العقيدة ويكشف انتحال المبطلين وينفي تحريف الغالين مصداقًا لقوله ﷺ: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (^١) فممن قيضهم الله لذلك أئمة السلف وعلماء الحديث فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
ثم لما ظهرت بوادر الفساد في الاعتقاد في القرون الأخيرة وضعفت العقيدة في نفوس الناس ووقع الشرك وانتشر دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالصالحين قيض الله تعالى في القرن الثاني عشر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه لنصرة العقيدة الصحيحة وبيانها بالحجة والبرهان ثم بالسيف والسنان، وكان الشيخ يصرح بأن دعوته تقوم على النهي عن دعوة غير الله تعالى (^٢).
فلهذا كثر كلامه رحمه الله تعالى في هذه المسألة فكان يصرح بها مرات كثيرة، فتارة يتكلم عن الوسائل والأسباب التي تؤدي إليها وتارة عن عواقبها الوخيمة إلى غير ذلك، فكتبه ورسائله تدور حول هذا المعنى وإن
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٤/ ٤٨٠ رقم ٤٢٩١، والحاكم: ٤/ ٥٢٢، والخطيب في التاريخ: ١/ ٦١ - ٦٢ والحديث قد سكت عليه الحاكم والذهبي، وقد صححه الألباني في الصحيحة: ٢/ ١٥٠ رقم ٥٩٩، وصحيح الجامع: ٢/ ١٤٢ رقم ١٨٦٨.
(٢) انظر الرسائل الشخصية، القسم الخامس ص: ٣٦.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
كانت بأساليب متنوعة وبعبارات شتى، وإليك مقتطفات أقواله:
قال ﵀: "اعلم أن نواقض الإسلام عشرة" فذكر الناقض الأول ثم قال: "الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعًا" (^١).
وعقد في كتاب التوحيد بابًا بعنوان "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره" وذكر في مسائل هذا الباب المسألة الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر (^٢).
وقال أيضًا: "وأما النذر له - أي القبر - ودعاؤه والخضوع له فهو من الشرك الأكبر" (^٣).
وقال أيضًا: "فمن عبد الله ليلًا ونهارًا ثم دعا نبيًا أو وليًا عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين، ولم يشهد أن لا إله إلا الله لأن الإله هو المدعو" (^٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: (ت ١٢٣٣ هـ) بعد أن ذكر الآيات والأحاديث وأقوال العلماء في هذا الموضوع:
وقد تبين بما ذكر … أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر بل هو أكبر أنواع الشرك، لأن الدعاء مخ العبادة، ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك، إذ معنى الإله هو الذي يعبد لأجل هذه الأمور، ولأن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله فمن صرف شيئًا
_________________
(١) مؤلفات الشيخ القسم الأول العقائد ص: ٣٨٥، وانظر كلام الشيخ مطولًا في كتاب مفيد المستفيد المطبوع ضمن مؤلفات الشيخ قسم العقيدة: ١/ ٢٨١ - ٣٠٩، والرسائل الشخصية: ٢١٢ - ٢١٣، والقسم الثالث، الفتاوى ص: ٦٢ - ٦٣.
(٢) كتاب التوحيد: ٥٠ - ٥١.
(٣) القسم الثالث، الفتاوى: ٧٠.
(٤) الرسائل الشخصية: ١٦٦.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
من ذلك لغير الله فقد ساوى بينه وبين الله وذلك هو الشرك" (^١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (ت ١٢٨٥ هـ):
"فإذا عرفت بصحيح المنقول وصريح المعقول أن الدعاء عبادة وأن
مدلوله السؤال والطلب، فمن صرف من هذه العبادات شيئًا لغير الله فقد
أشرك مع الله غيره في عبادته كائنًا ما كان لعموم النهي عن دعوة غير الله
في القرآن كله من أوله إلى آخره فمن ادعى أنه يصرف منه شيء لأحد
سوى الله فقد صادم الكتاب والسنة وخالف ما اجتمعت عليه دعوة الرسل
من أولهم إلى آخرهم فيما دعوا إليه أممهم بقولهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^٢) [الأعراف: ٥٦، ٦٤، ٧٢، ٨٤].
آراء علماء مكة في عام ١٢١٨ هـ:
وقد اجتمع علماء مكة ونجد في عام ١٢١٨ هـ فتناقشوا في مسألة دعاء غير الله تعالى فقرروا أن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله أشرك الشرك الأكبر، وهذا نص بيانهم:
"إن من قال: يا رسول الله، وقال: يا ابن عباس، أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين طالبًا بذلك دفع شر أو جلب خير من كل ما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ونحو ذلك - أنه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه ويبيح ماله، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متشفعًا بهم ومتقربًا لهم لقضاء حاجته من الله بسرهم وشفاعتهم له فيها أيام البرزخ" (^٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد: ٢٤٣.
(٢) القول الفصل: ٣٤.
(٣) الهداية السنية: ٢٧ - ٢٨، والدرر السنية في الأجوبة النجدية: ١/ ١١٠ - ١١١، ونحوه في: ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وهذا أصله بيان مُوَقَّعٌ من علماء الحرم المكي عند دخول الموحدين مكة، وكان من جملة العلماء الموقعين على البيان عبد الملك =
[ ٢ / ٥٦٠ ]
هذا وقد وافق هؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم علماء آخرون (^١) من القدماء والمحدثين أعرضنا صفحًا عن حكاية أقوالهم اكتفاء بالذين أوردنا كلامهم.
هذا والمسألة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار لا تحتاج إلى كل هذا لولا أن بعض الناس يظن أنها من أقوال طائفة معينة تعتبر في نظره متشددة أو أصحاب مذهب جديد فهذا هو الذي اقتضى أن نُطوِّل بذكر آراء العلماء من جميع الطوائف حتى يعلم الحق ويتضح الصواب والله ولي التوفيق ..
الخلاصة:
فقد اتضح مما سبق أن علماء المذاهب قد صرحوا بكفر من استغاث بغير الله تعالى وناداه من بعيد وكذلك من ادعى معرفة الغيب أو صدق من ادعاه أو من ذبح لغير الله أو حلف بغير الله أو غير ذلك مما سبق، وهذا دليل واضح على أن الحكم بكفر من دعا غير الله تعالى مما لم ينفرد به مذهب معين أو بعض العلماء كما يتوهمه بعضهم، وقد رأيت أقوال العلماء ونصوصهم الصريحة وغير الصريحة الدالة على كفر من دعا غير الله تعالى واستغاث به.
وربما يقول قائل: إن المتقدمين من السلف الصالح لم يصرحوا بكفر من دعا غير الله تعالى.
_________________
(١) = القليعي مفتي الحنفية وحسين المغربي مفتي المالكية وعقيل بن يحيى العلوي وغيرهم.
(٢) انظر رأي الشيخ ابن باز في مجموع فتاواه: ١/ ١٥٨، ١٦٧، ورأي تقي الدين الهلالي في السراج المنير: ٢٧/ ٢٨، ورأي الألباني في مقدمة الآيات البيان ص: ١٠، ورأي الشيخ محمد بن عبد السلام في القول الجلي ص: ٢٩، ورأي محمد خليل الهراس في دعوة التوحيد: ٥٥، ورأي الشيخ مبارك المِيلي في رسالة الشرك ومظاهره ص: ١٩٢، وغير هؤلاء كثيرون.
[ ٢ / ٥٦١ ]
١ - فيقال له إن القرآن الكريم قد بيَّن ذلك أوضح بيان بأساليب متنوعة ولا يمكن لأحد أن ينكر أو يتوقف في ذلك.
فعلماء السلف الصالح المتقدمون لهم القدح المُعَلَّى في معرفة دلالات القرآن وأحكامه، فهم قائلون بما صرح به القرآن ومعتصمون به، فتكفير من دعا غير الله من مذهبهم إذ روي عنهم أنهم قالوا: إذا صح الحديث فهو مذهبهم (^١)، فتكفير من دعا غير الله تعالى جاءت به آيات محكمات وأحاديث صحيحة، فهو إذًا من مذهبهم وهم قائلون به.
٢ - إن مسألة دعاء غير الله تعالى لم تكن موجودة في الصدر الأول وذلك لبعد وقوع الشرك في عهد السلف الصالح في وقت قوة الإسلام ولكن لما ضعف الإسلام وانتشر الجهل ببديهيات الإسلام سول الشيطان لبعض المسلمين دعاء الأولياء والاستغاثة بهم.
فلهذا لم ينقل عن السلف الكلام في هذه المسألة لأن السلف يكرهون الخوض في المسائل التي لم تقع والتي هي مسائل خيالية جدلية فرضية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانًا ومساجد وأعيادًا هؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة" (^٢).
وقال غيره: "إن الاعتقاد في الأموات إنما حدث بعد موت الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين" (^٣).
والسلف الصالح منهم من أنكر بعض البدع التي تتعلق بالقبور فقد
_________________
(١) انظر مراجع هذا القول في مقدمة صفة الصلاة للألباني: ٢٤ - ٣٠.
(٢) الرد على الأخنائي: ٦٦، ونحوه في الجواب الباهر: ٥٧.
(٣) القول الفصل النفيس: ١٥.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
أنكر الإمام أحمد ما يقع عند قبر الحسين بكربلاء (^١).
والذي يظهر أن الذي يقع في ذلك الوقت لا يصل إلى حد دعوة القبر من دون الله تعالى لوضوح هذا الأمر في ذلك الوقت، وحتى ولو فرضنا وقوعه لا يكون بالصورة التي وقعت في المتأخرين من اتخاذ شهر معين عيدًا للقبر والحج إليه كما يشير إلى ذلك كلام شيخ الإسلام السابق، فيكون الواقع من ذلك من بعض الأفراد لا بشكل جماعي، ويكون قاصرًا في الدعاء عندها لا دعاء أصحابها والله أعلم.
٣ - إن هذا السبب الذي تقدم من وضوح العقيدة في الصدر الأول - لاسيما فيما يتعلق بتوحيد الألوهية - هو السبب في عدم كثرة التأليف والردود في هذا الباب، لأن السلف لم يكونوا يؤلفون إلا فيما يرون أن الناس يحتاجون إليه من المسائل التي أثير حولها الجدل أو يخشى أن يلتبس فيها الأمر.
وأما مسألة حكم من دعا غير الله تعالى فليست محل اختلاف فيما بينهم لوضوح أمرها في كتاب الله العزيز وسنة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
ويشهد لهذا الذي قلناه ما ذكره شيخ الإسلام من أن السلف لم يتكلموا في القدرية الدافعين بالقدر الأمر والنهي والطاعنين به على الرب وإنما تكلموا في المكذبين به لوجود هؤلاء بكثرة دون الأولين، وقد تقدم نحو هذا فيما سبق والله أعلم.
ويشهد لهذا أيضًا أن بعض أئمة السلف، وهو ابن خزيمة، عَدَّ وقوع ذلك من مسلم محالًا كما تقدم (^٢) كما يشهد له أن بعض أئمة السلف تعرضوا للكلام في هذه المسألة عندما احتاجوا للكلام بسبب خوضهم في مسألة القرآن وممن تعرض للكلام فيها الإمام أحمد ونعيم بن حماد والبخاري وسوار القاضي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والخطابي والبيهقي، وقد نقلنا عباراتهم فيما تقدم (^٣).
_________________
(١) اقتضاء الصراط: ٣٠٥ - ٣٠٦، ونحوه في الجواب الباهر: ٦٣.
(٢) تقدم ص: ٤٢٧.
(٣) تقدم ص: ٤٢٦ - ٤٢٨.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
هذا ومما ينبغي أن يفهم أن الحكم بالكفر الذي سبق الكلام عليه مقيد بما هو معلوم عند أهل العلم من بلوغ الدعوة وإقامة الحجة.
وقد بيّن تقييد هذا الحكم بهذا القيد كثير من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه وكرره وأعاده في عدة مواضع من كتبه الكثيرة.
من ذلك قوله ﵀ في هذه المسألة التي نحن فيها وهي دعاء غير الله تعالى ما ملخصه: إننا نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته دعاء الأموات كما لم يشرع السجود لميت ولا لغيره بل نعلم أنه نهى عن ذلك "وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه" (^١).
وقال أيضًا في الحكم العام في هذه المسألة: «وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه فيقال: من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها وهذا كما في نصوص الوعيد … فإن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار لجواز ألا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد لا يكون التحريم بلغه … وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها" (^٢).
ولشيخ الإسلام نحو هذا الكلام في عدة مواضع من كتبه (^٣).
_________________
(١) الرد على البكري ص: ٣٧٦، والذي في غاية الأماني: ١/ ١٨ نقلًا عن الرد على البكري (لم يمكن تكفيرهم) وهو الأوفق للسياق، ومثله في جلاء العينين ص: ٤٨٤.
(٢) المسائل الماردينية: ٦٥ - ٧٠.
(٣) انظر من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية "الرد على البكري" ص: ٢٥٨ إلى ٢٥٩، والاستقامة: ١/ ١٦٣ - ١٦٦، ومنهاج السنة: ٥/ ٢٣٩ - ٢٥٢، ونقض المنطق: ٤٥ - ٤٦، والإيمان: ١٩٠، والفتاوى: ١١/ ٤٠٧ - ٤١٣، ١٢/ ٤٨٥ - ٥٠١، ٣/ ٢٢٩ - ٢٣١. =
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ومنهم أيضًا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد بيّن أن الجاهل الذي لم تبلغه الحجة لا يكفر لا سيما الذي لم يقصر ولم يكن يعيش في بيئة انتشر التوحيد وعلماؤه فيها (^١).
هذا ومع تصريح شيخي الإسلام المتقدم بأن الحكم بالكفر متوقف على بلوغ الحجة نجد بعض الناس يتهمهما وكذلك يتهم من يعتني بالعقيدة الصحيحة ويحذر من الشرك ودعاء غير الله تعالى - بتكفير المسلمين وأن هذا فعل الخوارج.
وهذه تهمة باطلة لا أساس لها من الصحة فقد علمنا أن التكفير إنما يكون لمن بلغته الحجة الرسالية.
ثم إن بعض الناس اعتمد على ما ينقل من عدم تكفير أهل القبلة فتوسع في ذلك توسعًا غير مرضي، فصار يؤول كل ما يقع من الشركيات
_________________
(١) = وانظر ما نقله صاحب مصباح الظلام عن شيخ الإسلام ص: ١٩٧.
(٢) انظر مؤلفات الشيخ القسم الثالث المشتمل على السيرة والفتاوى القسم الخاص بالفتاوى ص: ٣٧، قال في رسالته إلى الشريف من الفتاوى ص: ١١: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم ". ونقله في روضة الأفكار لابن غنام: "المختصر: ٢/ ٢٧٣" والدرر السنية: ١/ ٥٢، وصيانة الإنسان: ٤١٦، والهدية السنية: ٣٤ - ٣٥، وكشف الشبهتين: ٧٦، ومصباح الظلام: ٤٣، ٣٢٥. وقد بقي مما يتعلق بهذه المسألة هل الشرط في قيام الحجة مجرد بلوغها أو فهمها ثم العناد بعد الفهم .. يراجع في هذا رسالة أبا بطين في هذا الموضوع المطبوعة ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٤/ ٥١٠ - ٥٢٣، والرسائل الشخصية: ٢٢٠، وقسم الفتاوى: ١٢ - ١٣، وروضة الأفكار لابن غنام: "المختصر: ٢/ ٢٧٦" ورسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ المطبوعة تحت عنوان حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة وكشف الشبهتين للشيخ سليمان بن سحمان: ٩١ - ٩٦. وانظر في هذا المصدر الأخير حكم المعرض عن الحق: ٨٧، وطبقات المكلفين لابن القيم ص: ٩٨ - ١٠٣، ومفتاح دار السعادة: ١/ ٥٨.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
حتى ولو قامت على أصحابها الحجة، ويعترض بهذا على من يدعو إلى التوحيد وإخلاص نوعي الدعاء لله تعالى ويحذر من الشرك ومن دعاء الأموات والاستغاثة بهم.
وستأتي مناقشة هذه الشبهة (^١) في الباب الرابع إن شاء الله تعالى. هذا وما تقدم من اشتراط بلوغ الدعوة وإقامة الحجة هو المذهب الراجح وهناك مذهب آخر له أدلة قوية، وهو أنه لا يشترط ذلك وقد ذهب إليه من المتقدمين الحافظ ابن منده فقد بوّب في كتابه التوحيد بعنوان "ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله ﷿ ووحدانيته كالمعاند" ثم أورد قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وقول علي بن أبي طالب ﵁ لما سئل عن الأخسرين أعمالًا: كفرة أهل الكتاب وأن منهم أهل حروراء وذكر أدلة أخرى (^٢).
وعلى هذه الأدلة مؤاخذات فإن الآيات وردت في الكافر الأصلي ونحن في المسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وقد قال علي ﵁ في أهل حروراء: من الكفر فروا (^٣).
_________________
(١) سيأتي ص: ٨٥٣، ٨٩٦.
(٢) كتاب التوحيد لابن منده: ١/ ٣١٤، وقد ذهب الشيخ أبا بطين إلى نحو كلام ابن منده كما في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٤/.
(٣) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة برقم.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
الفصل الثالث
في الأدعية المبتدعة وما ورد في التحذير من الابتداع في الدعاء وغيره من العبادات، وآثارها الضارة، وأسباب انتشارها، وأنواعها
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين عمومًا وفي الدعاء خصوصًا.
المبحث الثاني: في أنواع الأدعية المبتدعة.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
المبحث الأول
فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين عمومًا وفي الدعاء خصوصًا من الكتاب والسنة، وآثار السلف، وأقوال العلماء، وآثار الأدعية المبتدعة الضارة وأسباب انتشارها.
ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب.
تمهيد:
إن الدعاء من أجلّ العبادات وأعلاها، والعبادات مبناها على التوقيف من الشارع الحكيم لا على الهوى والابتداع، فإن الإسلام مبني على أصلين أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ولا نعبده بالأهواء والبدع (^١).
فأي عبادة لم يتوافر فيها هذان الأصلان لا تقبل بل هي مردودة على صاحبها.
فلذا ينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها معصومة كما يتحرى في سائر عباداته الصورة المشروعة فإن هذا هو الصراط المستقيم (^٢).
ثم إن الأدعية المشروعة كثيرة جدًا ووافية للغرض على أكمل الحالات فلا حاجة لابتداع أدعية أخرى.
وقد وردت أدعية صحيحة تشمل جميع أحوال الإنسان من صحة وسقم ونعمة ومصيبة وفرح وسرور كما أنها تعم أغلب أوقات الإنسان من
_________________
(١) انظر ص: ٦٠٥ الهامش.
(٢) الرد على البكري: ٧٢، ٧٣، وقاعدة في التوسل ص: ١٤٦، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٤٦.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
ليل ونهار وصباح ومساء، وقد حفظت تلك الأدعية في دواوين السنة العامة وفي كتب خاصة بالأدعية والأذكار فالسعادة كل السعادة لمن التزم الأدعية المشروعة الصحيحة وحافظ عليها واجتنب الأدعية المبتدعة.
ولا يشك من له اعتناء بالكتاب والسنة أن "الاقتصار على الدعوات الصحيحة المشروعة أولى من الدعوات المجموعات" (^١) والأوراد والأحزاب الصوفية هذا في الدعوات المجموعة الخالية عن الشركيات والاعتداء، وأما التي فيها هذه الأمور فهي من باب أولى، ونحن - إن شاء الله تعالى - نبحث عن الأدعية المبتدعة لأسباب عدة منها:
١ - أن البدعة هي الباب الموصل إلى الشرك.
٢ - أن كثيرًا من الأدعية المبتدعة مشتملة على اعتداء في الدعاء وشرك وتوسل بدعي.
٣ - أن كثيرًا من الناس اعتقدوا أفضليتها على الأوراد والأدعية الواردة فصرفوا أنفس الأوقات فيها وهجروا الأدعية الثابتة وفي هذا بلاء عظيم.
٤ - أن تلك الأدعية مع بدعيتها قارنتها بدع أخرى من الاجتماع لقراءتها ورفع الصوت بها والتمايل عند قراءتها حتى يغمى على بعضهم، فوجب نصحهم وبيان الحق في ذلك.
المطلب الأول: في التحذير من الابتداع في الدين:
قد وردت عدة آيات في التحذير من الابتداع في الدين، فمن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
_________________
(١) قواعد الأحكام: ٢/ ١٧١.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. قال قتادة: لا تبتدعوا (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
وقوله عز من قائل: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
وقد قرن الله ﷾ البدعة بالشرك في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فالإثم والبغي قرينان والشرك والبدعة قرينان. وذلك لأن كلًا منهما يلزم منه التنقيص، فالشرك يلزم منه تنقيص الله تعالى والبدعة يلزم منها تنقيص الرسول ﷺ حيث زعم المبتدع أنها خير من السنة وأولى بالصواب أو أنها هي السنة مع أن الرسول ﷺ لم يشرعها (^٢).
وقد وردت أيضًا أحاديث كثيرة تكفلت كتب السنّة المطهرة بإيرادها في أبواب خاصة فبعض تلك الأبواب يسمى كتاب (^٣) الاعتصام، وبعضها كتاب السنة (^٤) أو اتباع السنة.
وكثير من علماء الحديث أفردوا مؤلفات خاصة في الحث على الالتزام بالسنّة والحض عليها والتحذير من البدع وتسمى بكتب السنّة في
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور: ٢/ ٢٤٨.
(٢) إغاثة اللهفان: ١/ ٥٠ - ٥١.
(٣) انظر صحيح البخاري مع الفتح: ١٣/ ٢٤٥ - ٣٤٤.
(٤) انظر سنن أبي داود: ٥/ ٤ - ١٣٢، وابن ماجه المقدمة والدارمي: ١/ ٤٣ - ٤٦.
[ ٢ / ٥٧١ ]
اصطلاح المتقدمين وهي كثيرة (^١).
ومن تلك الأحاديث الكثيرة التي اشتملت عليها هذه الكتب:
حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٢).
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي تدور عليها أصول الإسلام كما قاله أحمد وغيره (^٣).
وكان يقول رسول الله ﷺ في خطبة يوم الجمعة مكررًا تحذيره من الابتداع: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" (^٤) فلم يستثن رسول الله ﷺ أي بدعة بل أطلق وعمم.
وقال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (^٥).
_________________
(١) ذكر الكتاني منها نحو ١٦ كتابًا، انظر الرسالة المستطرفة: ٣٧ - ٣٩.
(٢) أخرجه البخاري: ٥/ ٣٠١ رقم ٢٦٩٧، ومسلم: ٣/ ١٣٤٣ رقم ١٧١٨.
(٣) الرد على البكري ص: ٧٥، والاعتصام: ١/ ٦٨.
(٤) أخرجه مسلم: ٢/ ٥٩٢ رقم ٨٦٧، والدارمي: ١/ ٦١ رقم ٢١٢، والمروزي في السنة: ٢٢، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٦ رقم ٢٤، وابن وضاح ص: ٢٣، كلهم من حديث جابر به مرفوعًا.
(٥) أخرجه أبو داود: ٥/ ١٤ رقم ٤٦٠٧، والترمذي: ٥/ ٤٤ رقم ٢٦٧٦، وابن ماجه: ١/ رقم ٤٢، والدارمي: ١/ ٤٤ - ٤٥ رقم ٩٦، والمروزي ص: ٢١ - ٢٢، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٧ - ٢٠ و٢٩، وابن حبان (موارد رقم ١٠٢ ص ٥٦)، وابن وضاح: ٢٣، ٢٩، والآجري في الشريعة: ٤٦ - ٤٧، والحاكم: ١/ ٩٥ - ٩٦، وقال صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي وصححه أيضًا ابن حبان والترمذي والألباني في ظلال الجنة: ١/ ١٧.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
كما وردت آثار كثيرة في التحذير من البدعة، من ذلك:
ما قاله ابن مسعود ﵁: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها … " (^١).
وقال أيضًا: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة" (^٢) ونحوه عن أبي بن كعب (^٣) وأبي الدرداء (^٤).
وقال ابن مسعود أيضًا: "كيف أنتم إذا لبستم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنّة إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة، قالوا: متى ذلك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم، وكثرت قراؤكم، وقلّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلّت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين" (^٥).
وهذا الأثر له حكم الرفع لأنه إخبار عن أمور مغيبة تقع في المستقبل، وهذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فهو مرفوع إلى الرسول ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري موقوفًا: ١٣/ ٢٤٩ رقم ٧٢٧٧، والدارمي: ١/ ٦١ رقم ٢١٣، والمروزي في السنة: ٢٣، وابن وضاح: ٢٤، وأصحاب السنن مرفوعًا كما في الفتح: ١٣/ ٢٥٣.
(٢) أخرجه الدارمي: ١/ ٦٣ رقم ٢٢٣، والمروزي في السنة: ٢٥، والبيهقي: ٣/ ١٩، وأحمد في الزهد ص: ١٥٩، والحاكم: ١/ ١٠٣، وصححه ووافقه الذهبي وصححه أيضًا الألباني في صلاة التراويح: ٦.
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد: ٢/ ٢١، وأبو نعيم في الحلية: ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣، واللالكائي في السنة: ١/ ٥٤، وأحمد في الزهد ص: ١٩٧، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٤/ ٦ رقم ١٧٣٧٥.
(٤) أخرجه المروزي في السنة: ٢٧ - ٢٨، واللالكائي في السنة: ١/ ٨٨.
(٥) الدارمي: ١/ ٥٨، وابن وضاح: ٣٤، والحاكم: ٤/ ٥١٤، واللالكائي في السنة: ١/ ٩١ رقم ١٢٣. وقال الألباني: رواه الدارمي بإسنادين أحدهما صحيح والثاني حسن. اهـ. صلاة التراويح: ٥.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وقد وقع هذا الذي أخبر به المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فقد كان بعض الناس يغضب إذا أعرض من يحاول التمسك بالسنة - عن نحو التوسل المبتدع أو ترك الدعاء عقب الصلوات بالصورة الجماعية - ويتهمه بالخروج عن أهل السنة والجماعة وإنشاء مذهب خامس.
وقال ابن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة" (^١).
وقال حسان بن عطية أحد التابعين:
ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة" (^٢).
وقد ورد ما يؤيد هذا الأثر مرفوعًا من حديث غضيف بن الحارث في قصة رفع الأبدي على المنبر يوم الجمعة: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنة، خيرٌ من إحداث بدعة" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الدارمي: ١/ ٦١، والمروزي: ٢٣، وابن وضاح ص: ١٠، واللالكائي: ١/ ٨٦، وأحمد في الزهد ص: ١٦٢، ووكيع في الزهد: ٢/ ٥٩٠ رقم ٣١٥، وأبو خيثمة في العلم ص: ١٢٢ رقم ٥٤. وقال الهيثمي في المجمع: ١/ ١٨١ بعد أن عزاه إلى الطبراني في الكبير: رجاله رجال الصحيح وقال الألباني: هذا إسناده صحيح ثم بين رواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود تحمل على السماع لقوله: "إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد". انظر تعليق الألباني على كتاب العلم لأبي خيثمة ص: ١٢٢.
(٢) الدارمي: ١/ ٤٤، وابن وضاح: ٣٧، واللالكائي: ١/ ٩٣.
(٣) رواه أحمد: ٤/ ١٠٥، والمروزي في السنة: ص ٢٧، والبزار كما في كشف الأستار: ١/ ٨٢، واللالكائي: ١/ ٩١. وقد جود الحافظ سنده في الفتح: ١٣/ ٢٥٣ مع أن فيه أبا بكر بن أبي مريم وقد قال فيه الحافظ نفسه ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط (التقريب رقم ٧٩٧٤) وقال الهيثمي في الأثر وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو منكر الحديث (المجمع: ١/ ١٨٨) ولكن له شواهد تقويه منها ما رواه ابن وضاح مرفوعًا لا يحدث رجل في الإسلام بدعة إلا ترك من السنة ما هو خير منها. انظر البدع والحوادث ص: ٣٨.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة فما ظنك بما لا أصل له فيها فكيف بما يشتمل على ما يخالفها؟ " (^١).
فمما يصدق هذا الأثر ما نحن فيه فإنه لما ابتدعت الأدعية المحدثة ترك الناس الأدعية المأثورة الواردة في الكتاب والسنّة، فلا تجد من يلازمها ويطبقها حسب ورودها إلا القليل من المتمسكين المعتصمين بالآثار وما أقلهم!
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن من يكتم الحق يقيم موضعه باطلًا ثم قال: وهكذا أهل البدع، لا نجد أحدًا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة ولا نجد صاحب بدعة إلا ترك شيئًا من السنة كما جاء في الحديث: "ما ابتدع قوم بدعة إلا وتركوا من السنة مثلها" رواه الإمام أحمد، وقد قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤] فلما تركوا حظًا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء" (^٢).
المطلب الثاني: في الأدلة الدالة على منع الابتداع في الأدعية الراتبة:
وهناك أدلة كثيرة تدل على أن باب الدعاء توقيفي لا ينبغي الخروج عما رسمه الشارع في الجملة وذلك في الأدعية الراتبة التي تتكرر ويلازمها المكلف، أو في التي تختص بوقت معين أو صفة معينة.
وأما مطلق الأدعية التي تحصل من المكلف بدون تحرّ وتلازم فهي ليست توقيفية، ولكن الأفضل فيها الالتزام بالمأثور إلا إنّ عرضت له حاجة فينص عليها مثل أن يمرض له شخص عزيز عليه أو يخاف أحدًا (^٣) فهذا ليس مما نحن فيه، لأن المقصود هنا الأدعية التي يلازمها العبد
_________________
(١) الفتح: ٣/ ٢٥٥.
(٢) الإيمان لابن تيمية ص: ١٥٣.
(٣) انظر المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
ويجعلها راتبة مكررة، ففي هذه الحالة لا يجوز الابتداع فيها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع وليس لأحد أن يسنَّ منها غير المسنون، ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله سنة" (^١).
الأحاديث الواردة في ذلك:
١ - ما ورد في حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال النبي ﷺ: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: "اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به" قال: فردّدتها على النبي ﷺ، فلما بلغت: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت" قلت: ورسولك، قال: "لا، ونبيك الذي أرسلت" (^٢).
فقد منع النبي ﷺ استبدال كلمة بأخرى مع صحة المعنى واستقامة التركيب والأسلوب، فكيف يكون الأمر في اختراع أوراد وأحزاب طويلة على عدد الأيام والشهور؟ لا شك أن هذا أولى بالمنع.
قال الحافظ ابن حجر: "وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﷺ على من قال: الرسول بدل النبي، أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به … فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فتعين أداؤها بحروفها" (^٣).
_________________
(١) ملحق المصنفات: ٤٦ وهو ملخص من كتب ابن تيمية.
(٢) أخرجه البخاري: ١/ ٣٥٧ رقم ٢٤٧ و١١/ ١٠٩، ومسلم: ٤/ ٢٠٨١ رقم ٢٧١٠.
(٣) الفتح: ١١/ ١١٢ وانظر نحوه في: ١/ ٣٥٨.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وقد ذكر النووي أيضًا هذا التعليل لمنع استبدال كلمة الرسول بالنبي فاستحسنه (^١).
٢ - ما ورد في عدة أحاديث تتعلق بالأدعية والأذكار من أن النبي ﷺ كان يعلمهم تلك الأدعية كما يعلمهم القرآن. فهذا التشبيه بتعليم القرآن يدل على أنها تحفظ وتنقل نقلًا حرفيًا كما في القرآن ولا تغير.
فمن تلك الأحاديث: حديث الاستخارة:
فقد ورد فيه: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن" (^٢).
فقد قيل في وجه هذا التشبيه أن ذلك في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه (^٣).
وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" (^٤).
قال الباجي شارح الموطأ: "قوله: كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة دليل على تأكده وما ندب إليه من تحفظ ألفاظه" (^٥).
٣ - ما ورد من الأحاديث في بعض الأدعية من تقييد الأجر والثواب على لفظ معين مثل من قال كذا فله كذا. فمن لم يأت بذلك اللفظ لا
_________________
(١) شرح النووي لمسلم: ١٧/ ٣٣.
(٢) البخاري: ٣/ ٤٨ رقم ١١٦٢، والترمذي: ٢/ ٣٤٥ رقم ٤٨٠، وأبو داود: ٢/ ١٨٨ رقم ١٥٣٨.
(٣) الفتح: ١١/ ١٨٤.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٢١٥ رقم ٣٣ ومن طريقه مسلم في صحيحه: ١/ ٤١٣ رقم ٥٩٠.
(٥) المنتقى: ١/ ٣٥٨.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
يشمله ظاهر الحديث. فلو لم يكن هناك سر وحكمة في تلك الألفاظ المعينة لما قيد ترتب الثواب والأجر عليها ترتبَ الجزاء على الشرط.
قال بعض العلماء: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له الثواب المخصوص لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد.
وعلل ذلك بعضهم بأن من شأن العظماء إذا حدوا شيئًا أن يوقف عنده ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب، ومثّل ذلك بعضهم بالدواء إذا زيد على وصف الطبيب لا يحصل الانتفاع به بل ربما يضر (^١).
٤ - ما ورد عن بعض الصحابة أنهم طلبوا من النبي ﷺ دعاء يدعون به، فلو كان الدعاء لا يحتاج إلى توقيف وتعليم وبيان لدعوا به من عند أنفسهم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، وقد عرفوا ما يدعى به من خيري الدنيا والآخرة، ولكن لمعرفتهم أن الدعاء عبادة وأنه يحتاج إلى توقيف من النبي ﷺ طلبوا تعليمه.
ومما ورد في ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ: "علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (^٢).
فقد طلب الصديق الأكبر ﵁ تعليم الدعاء فأرشده ﷺ إلى هذا الدعاء.
قال الحافظ ﵀: "وفي هذا الحديث من الفوائد استحباب
_________________
(١) الفتح: ٢/ ٣٣٠.
(٢) أخرجه البخاري: ٢/ ٣١٧ رقم ٨٣٤، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٨ رقم ٢٧٠٥. ٥٧٨
[ ٢ / ٥٧٨ ]
طلب التعليم من العالم خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم" (^١).
وقد ورد من الصديق حديث آخر طلب فيه تعليمه ما يقوله في الصباح والمساء وهو ما ورد في صحيفة عبد الله بن عمرو ﵄: "إن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علّمني ما أقول إذا أصبحت، وإذا أمسيت، فقال يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان الرجيم وشركه وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم" (^٢).
الآثار الواردة في ذلك:
وقد حذر السلف الصالح من الابتداع في الدعاء عندما ظهر ما يمكن عده بداية انحراف عن الدعاء المشروع وذلك في أواخر عهد الصحابة.
ومن ذلك ما قاله ابن عباس ﵄ فيما أوصى به مولاه عكرمة، فإنه قال لعكرمة: "حَدِّثِ الناسَ كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات .. إلى أن قال: "فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلّا ذلك الاجتنابَ" (^٣).
_________________
(١) الفتح: ٢/ ٣٢٠.
(٢) جزء ابن عرفة ص: ٩١ رقم ٨٥ والأحاديث العوالي من جزء ابن عرفة ص: ٢٣ رقم ٤، والترمذي: ٥/ ٥٤٢ رقم ٣٥٢٩، والبخاري في الأدب: ٢/ ٦١٣ رقم ١٢٠٤، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٩٢٤ رقم ٢٨٩ وقد حسنه الحافظ في نتائج الأفكار وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٦٧، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٩٢٣ رقم ٢٢٨، وأحمد في المسند: ١/ ٩، ١٠، وابن منده في التوحيد: ٢/ ١٦٠، وصححه الحافظ أيضًا في نتائج الأفكار: ل ١٦٩/ أ.
(٣) أخرجه البخاري. انظر البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٨ رقم ٦٣٣٧.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فهذا يدل على أن ابن عباس ﵄ ما كان ينهى عكرمة إلا عن أمر كان يوجد عند الناس ولو بصورة نادرة.
ولكن يحتمل أن يقال: إن هذا ليس نهيًا عن الأمر الواقع، ولكنه فَهْمٌ فهمه ابن عباس من تتبع أدعية النبي ﷺ وصحابته فلم يجد فيها السجع المتكلف فخاف أن يقوله عكرمة فنهاه، أو أنه فهم من نحو قوله ﷺ: "سيأتي أقوام يعتدون في الدعاء" (^١) أن السجع في الدعاء سيقع فنهاه عنه.
ولكن هناك نص آخر عن ابن عباس ﵄ أصرح من هذا النص في المطلوب وهو ما ذكره أبو سليمان الخطابي ﵀ عندما ذكر غلط كثير من الناس في مثل قولهم: يا رب طه ويس ويا رب القرآن العظيم، قال: "وأول من أنكر ذلك ابن عباس ﵀" (^٢) فهذا الأثر إن ثبت دليل على بداية الانحراف في الأدعية وابتداع كلمات غير واردة في الكتاب والسنة في أواخر القرن الأول لأن ابن عباس توفي في الثلث الأخير من القرن الأول عام ٦٨ هـ.
ويؤيد وقوع ذلك ما روي عن عروة بن الزبير أحد فقهاء السبعة وكبار التابعين أنه كان إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي ﷺ وعن أصحابه قال: كذبوا لم يكن رسول الله ﷺ ولا أصحابه سجاعين (^٣).
ويدل أثر ابن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ على أن
_________________
(١) تقدم ص: ١٧٤.
(٢) شأن الدعاء للخطابي ص: ١٧ ثم رأيت شيخ الإسلام ذكر أن ابن أبي حاتم أخرج هذا الأثر بإسناده في كتاب الرد على الجهمية فساق إسناده. انظر منهاج السنة: ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣، وأخرجه الجوزقاني في الأباطيل: ٢/ ٢٨٧، واللالكائي: ٢/ ٢٣٠ رقم ٣٧٦، والبيهقي في الأسماء ص: ٣١٢، والمقدسي في اختصاص القرآن رقم ١٢، وابن بطة في الإبانة: ق ٢/ ٤٨٣ كلهم من طريق علي بن عاصم وهو صدوق يخطئ كما في التقريب: ٤٧٥٨.
(٣) الحوادث والبدع للطرطوشي ص: ١٢١.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
الابتداع في باب الذكر والدعاء قد حصل في عهد مبكر إذ وفاة ابن مسعود سنة ٣٢ من الهجرة.
وهذا الأثر هو ما روي أن ابن مسعود وأبا موسى أنكرا على قوم يجلسون حلقًا في المسجد ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقول: "كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، فوقف عليهم ابن مسعود فقال لهم: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون … " (^١).
فقد أنكر هذان الصحابيان الجليلان الاجتماع للذكر على هذه الصورة المعينة كما أنكرا عد الذكر بالحصى.
وقد علمنا في التعريف العلاقة بين الذكر والدعاء فهما متلازمان أو مترادفان، فهذه البدعة التي أنكراها من البدع الإضافية لأن أصل الذكر مشروع وإنما السبب في كونه بدعة ما قارنه من الكيفية التي لم تكن في زمان النبي ﷺ، وأكثر الأدعية المبتدعة التي سنذكرها من هذا الباب فهي من البدع الإضافية.
هذا وقد وردت قصة أخرى أسبق من هذه في زمن عمر ﵁ إذ روي أنه كتب إليه عامل له أن ههنا قومًا يجتمعون فيدعون
_________________
(١) أخرجه الدارمي: ١/ ٦٠ رقم ٢١٠، وابن وضاح ص: ١١ - ١٣ - ٢١، ونحوه عن ابن مسعود أيضًا أخرجه ابن وضاح ص: ١٢. قال الألباني في إسناد الدارمي: "وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري في صحيحه غير عمارة وهو ثقة" (التعقب الحثيث ص: ٤٧) وقال في سند ابن وضاح سنده إلى الصلت صحيح وهو ثقة من أتباع التابعين إلا أنه منقطع، راجع الضعيفة: ١/ ١١٢، والتعقب: ٤٢.
[ ٢ / ٥٨١ ]
للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر: أقبل وأقبل بهم معك، فأقبل وقال عمر للبواب: أعد لي سوطًا فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط (^١).
فهذه الحادثة تدل على حدوث البدعة الإضافية في الدعاء في وقت مبكر جدًا وعلى أن عمر ﵁ ينكر أشد الإنكار الابتداع في كيفية الدعاء لأن أصل الدعاء للأمير والمسلمين مشروع كما سيأتي (^٢).
وقد حذر بعد هؤلاء الصحابة أيضًا كثيرون من السلف ومن بعدهم، وإليك كلام بعض هؤلاء.
فمن علماء السلف الذين حكوا عن السلف تركهم للدعاء المبتدع الإمام إبراهيم النخعي فإنه قال حاكيًا عن الصحابة وكبار التابعين: "كانوا يجلسون ويتذاكرون العلم والخير، ثم يتفرقون لا يستغفر بعضهم لبعض، ولا يقول: يا فلان ادع لي" (^٣).
وممن حذر من الابتداع في الأدعية الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة فقد شدد في الابتداع في الدعاء، فإنه قال في قوم يجتمعون لقراءة القرآن: "لا بأس أن يجتمعوا ويكره الدعاء بعد فراغهم" (^٤) وهذا غاية ما يكون في إنكار الابتداع في الدعاء، لأن أصل الدعاء الجماعي أحيانًا مشروع كما سيأتي (^٥).
كما أن مالكًا رحمه الله تعالى سئل عن الذي يقول في دعائه: يا سيدي فكرهه وقال: "أحب إلي أن يدعو بما في القرآن، وبما دعت به
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٨/ ٥٥٨ رقم ٦٢٤٢.
(٢) سيأتي ص: ٦٧٠.
(٣) أخرجه ابن أبي خيثمة في كتاب العلم ص: ١٤٦ رقم ١٥٩ وصحح إسناده الألباني.
(٤) الحوادث والبدع ص: ٦٣.
(٥) سيأتي ص: ٦٦٩.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الأنبياء يا رب وكره الدعاء بيا حنّان" (^١).
فرحم الله مالكًا ما أشد تمسكه بالسنة وتحذيره من البدع!! فهو ﵀ يكره الدعاء بغير الألفاظ التي ثبتت في الكتاب والسنة والتي دعا بها الأنبياء.
وروي عنه أيضًا كراهته للدعاء عند ختم القرآن. فقد سئل عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ قال: "ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس" (^٢) هذا شأن الإمام مالك في هذه الأمور التي تعد من البدع الإضافية، فكيف لو رأى دعاء غير الله تعالى ونداء من في القبور لقضاء الحاجات والاستغاثة بهم لنيل الطلبات؟ وقد نقل عن مالك أنه ينكر دعاء الإمام في رمضان ويقول: "ولا أرى أن يعمل به" (^٣).
فإذا كان ينكر مثل الدعاء الذي ليس فيه أي محذور سوى تعيين الكيفية فكيف بما هو أعظم من ذلك بكثير؟
كما وردت عنه أشياء (^٤) أخرى أنكرها وعدها بدعًا مما يتعلق بكيفية الدعاء.
_________________
(١) العتبية مع البيان والتحصيل: ١/ ٤٥٦، ١٧/ ٤٢٣، والفتاوى: ١/ ٢٢٤، ٢٠٧ و١٠/ ٢٨٥. وقد نقل نحو كلام مالك هذا عن ابن عيينة كما في جامع العلوم لابن رجب ص: ١٠٠، وعن بعض أصحاب أبي حنيفة وهو ابن أبي عمران وغيره كما في قاعدة التوسل: ١/ ٢٠٧.
(٢) المدخل لابن الحاج: ٢/ ٢٩٩، والحوادث والبدع: ٦٢ - ٦٨، وفتاوى الشاطبي: ٢٠٦ - ٢٠٨، وستأتي الإشارة إلى هذا ص: ٦٧٠.
(٣) الحوادث والبدع للطرطوشي ص: ٦٠، ٦٢.
(٤) من ذلك ما ذكره الطرطوشي في الحوادث ص: ٦٣ من إنكاره التقليص وهو رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين. وانظر أيضًا العتبية مع البيان: ١٨/ ١٣ إلا أنه جعله من رواية مالك عن أبي سلمة ومن ذلك ما ذكره أيضًا الطرطوشي ص: ٦٤ من إنكاره القيام للدعاء عند دخول المسجد والخروج منه وكذلك ما ذكره في ص: ٦٤ نفسها من إنكاره الدعاء خلف الصلاة قائمًا وقال ليس بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله. ومن ذلك إنكاره لمسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء كما في العتبية: ١٨/ ٤٩.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
ومنهم الإمام أحمد:
فقد سئل عن الصلاة خلف من يقنت؟ فقال: "وقد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت وخلف من لا يقنت، فإذا زاد في القنوت حرفًا أو دعا بمثل إنا نستعينك أو عذابك الجد أو نحفد، فإن كنت في الصلاة فاقطعها" (^١).
وكان الإمام أحمد ﵀ يمنع من الدعاء بحوائج الدنيا في الصلاة إلا بالمأثور (^٢).
يشير الإمام أحمد ﵀ بقوله بمثل إنا نستعينك .. إلخ إلى القنوت الوارد عن عمر بن الخطاب أنه قنت به. وقد صح إسناده إلى عمر ﵁ (^٣).
فإذا كان الإمام أحمد يمنع من ذلك مع كونه مرويًا عن عمر بن الخطاب لكن كأنه لم يثبت لديه أو رأى أنه لا ينبغي الزيادة على قنوت النبي ﷺ.
فإذا كان هذا حال أحمد مع الدعاء المأثور فكيف يقول في الأدعية المخترعة المبتدعة التي امتلأت بها كتب الفقهاء المتأخرين فضلًا عن الصوفية والقبوريين الذين يجيزون دعاء غير الله تعالى؟
هذا وقد تقدم منع علماء السلف من مثل قول الداعي أعوذ بالكعبة والصفا والعرش والكرسي، فقد صرح بعدم جواز نحو هذا كل من نعيم بن حماد والبخاري وابن خزيمة والخلال وابن بطة وغيرهم (^٤).
_________________
(١) رسالة الصلاة لابن القيم ص: ١٧١.
(٢) انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: ١/ ٢٢.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٤ - ٣١٥، ٤٢، والبيهقي: ٢/ ٢١٠، وصَحَّح الإسناد الألباني في الإرواء: ٢/ ١٧٠، وروي أيضًا هذا القنوت عن علي أيضًا كما في ابن أبي شيبة: ٢/ ٣١٤.
(٤) انظر نصوص كلامهم في ص: ٤٢٦ - ٤٢٨.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
ومنهم الإمام أبو القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ):
فإنه عندما بدأ ظهور الأدعية المبتدعة في شكل مؤلفات قام إلى جمع الأدعية المأثورة الصحيحة فكان ذلك سببًا لتأليف كتاب مستقل نافع في الأدعية المأثورة وآدابها وقد بيّن في خطبة كتابه أن هذا هو الباعث له على التأليف فقال: "هذا كتاب ألفته جامعًا لأدعية رسول الله ﷺ، حداني على ذلك أني رأيت كثيرًا من الناس قد تمسكوا بأدعية سجع، وأدعية وضعت على عدد الأيام، مما ألفها الوراقون لا تروى عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من التابعين بإحسان مع ما روي عن رسول الله ﷺ من الكراهية للسجع في الدعاء والتعدي فيه" (^١).
ومنهم أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):
فإنه جاء بعد الطبراني فاشتكى أيضًا من انتشار الأدعية المبتدعة بين العوام فقال: "وقد أولع كثير من العامة بأدعية منكرة اخترعوها، وأسماء سموها، ما أنزل الله بها من سلطان.
وقد يوجد في أيديهم دستور من الأسماء والأدعية يسمونه (ألف اسم) صنعها لهم بعض المتكلفين من أهل الجهل، والجرأة على الله ﷿ أكثرها زور وافتراء على الله ﷿ فليتجنبها الداعي إلا ما وافق منها الصواب … " (^٢).
ثم ضرب الخطابي بعض الأمثلة لما وقع على ألسنة العامة وكثير من
_________________
(١) الدعاء للطبراني: ٢/ ٧٨٥، وقد حصل لعالم آخر مثل الذي ذكره الطبراني عن نفسه في سبب تأليفه وذلك العالم هو الشيخ محمد بن محمد الصالحي المنيحي (ت ٧٨٥ هـ) فقد ألف كتابًا في الطاعون وما ينبغي العمل عند وقوعه وذكر أن سبب تأليفه ما رآه من الأدعية المبتدعة التي يدعو بها الناس عندما وقع الطاعون سنة (٧٦٤ هـ). انظر مخطوطة كتابه في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية رقم ٤٤٧٢ أفلام.
(٢) شأن الدعاء ص: ١٦.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
القصاص من الألفاظ المستهجنة المهجورة والتي لا تليق بمخاطبة الله تعالى ومناجاته (^١).
ومنهم عبيد الله بن محمد بن بطة (ت ٣٨٧ هـ):
فقد قال: "ومن البدع النظر في كتب العزائم (^٢) والعمل بها" (^٣).
والمراد بها الكتب التي ألفت في الأدعية التي يراد بها الرقية غير الشرعية وتقدم قول ابن بطة: "هل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض" (^٤).
ومنهم محمد بن الوليد الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ):
فإنه تعجب من الإعراض عن الدعوات المأثورة واختيار ألفاظ الشعراء والكتاب بدلًا عنها فقال في هذا المعنى: "ومن العجب العجاب أن تعرض عن الدعوات التي ذكرها الله في كتابه عن الأنبياء والأصفياء مقرونة بالإجابة ثم تنتقي ألفاظ الشعراء والكتّاب كأنك قد دعوت في زعمك بجميع دعواتهم ثم استعنت بدعوات من سواهم" (^٥).
ومنهم أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ):
فإنه ذكر الإلحاد في أسماء الله تعالى وأنه يكون بالزيادة فيها كما يكون بالنقصان منها ثم قال: "كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية
_________________
(١) المصدر نفسه: ١٧ - ١٨.
(٢) العزائم: الرقى، وعزم الراقي كأنه أقسم على الداء. اهـ. اللسان مادة عزم: ٥/ ٢٩٣٢.
(٣) الشرح والإبانة لابن بطة ص: ٣٣٧.
(٤) الإبانة: ق ٢/ ٤٨٠ - ٤٨١ وتقدم نقل كلامه كاملًا في ص: ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٥) الفتوحات الربانية: ١/ ١٧.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به، فحَذَارِ منها، ولا يَدْعُوَنَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة وهي كتاب البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي فهذه الكتب هي بَدْءُ الإسلام، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذروا سواها ولا يقولن أحد: أختار دعاء كذا فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله" (^١).
وهذا ابن العربي المالكي قد تشدد في هذا حتى منع الدعاء بما في خارج الكتب الخمسة، وما ذلك إلا لما رأى من الأدعية المبتدعة المنتشرة في وقته، فماذا يقول لو رأى الأدعية المنتشرة اليوم والتي تشتمل على الاستمداد بالأموات؟؟
ومنهم القاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ):
فإنه ذكر فوائد الدعاء ثم ذكر الأدعية المنسوبة إلى الأنبياء محذرًا منها فقال: "أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النّبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ، وقد احتال الشيطان للنّاس من هذا المقام، فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح" (^٢).
وهذه الأدعية المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين التي أشار إليها القاضي عياض توجد إلى اليوم عند الروافض في كتبهم المؤلفة في الأدعية
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٨١٦.
(٢) الفتوحات الربانية: ١/ ١٧.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
المعتبرة لديهم، وما أكثر أدعيتهم المبتدعة بل الشركية.
ومنهم الإمام المحدث اللغوي الحسن بن محمد الصغاني (ت ٦٥٠ هـ):
فإنه أشار إلى الأحاديث الموضوعة في فضيلة رجب وغيره من الشهور والليالي وذكر أن الصحيح ما ورد في الكتب الستة وغيرها من كتب أهل الحديث، ثم قال:
"وهذا من جنس اعتناء بعض الأغبياء الجهال والعوام الضلال دعوتهم بدعاء "تمخيتا، وتمشيشا، وشمخيتا" ودعوتهم في الشدائد بأسماء أصحاب الكهف وبدعاء يمسح "وفي خ شمعخ" وغيره من الدعوات المجهولات بزعمهم أن هذا من الأسماء العظام، والأدعية المستجابة عند العلام، أو أنه من التوراة والإنجيل، ولسنا ملتزمين في شريعتنا بتلك الدعوات في الصباح والمساء، ولم يقل به أحد من العلماء والصلحاء بل وضعه أغبياء الأدباء، وسفهاء القصاص لتغرير العوام وجمع الحطام، والشيطان في أكثر الأحيان يُظْهر لتلك الأسماء تأثيراتٍ ومنافعَ لأجل تغرير الجهال وافتتانهم، وربما يكون التلفظ بتلك الألفاظ كفرًا لأنا لا نعرف معناها بالعربية، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وهو يقول: آهيا، شراها، آدونا لراهيا وشا (أصباؤت) فكن متفطنًا لهذه الدقيقة فقد ضل بها خلق كثير، وقانا الله تعالى البدع والأهواء والفتنة المدلهمة الظلماء كالليلة السوداء. وكذلك الاعتناء بألف اسم واسم واحد، يدعو بعض العوام بها ولم يرد فيها خبر ولا أثر عن السلف الصالحين، وأئمة الهدى بل بعضها كفر، إذ أسماء الله تعالى توقيفية لا يجوز لنا أن ندعو إلا بما ورد في الكتاب والسنة فنقول: يا كريم ولا نقول يا سخي" (^١).
_________________
(١) موضوعات الصغاني: ٦١ - ٦٣، وتحذير المسلمين: ١٧١ - ١٧٢.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وقد تعقب الصغانيَّ عبدُ العزيز الغماري في كلامه هذا، وذكر أنه ورد الدعاء بأسماء أهل الكهف موقوفًا عن ابن عباس بسند ضعيف (^١).
وهذا التعقب لا قيمة له، لأن الغماري ممن يُجيز التوسل البِدْعي، فمن هنا ينكر على الصغاني لمخالفته له، وأما محاولته للتقوية فليس بشيء فكأنه يشير إلى ما ذكره السيوطي في الدر المنثور (^٢) عن ابن عباس أسماءهم ثم ذكر بلاغًا أن أسماءهم تسكن الحريق ومثل هذه البلاغات لا تنفع في تقوية الأدعية الموضوعة التي يظهر وضعها جليًا، إلا عند من طمس الله بصيرته، واعتاد الأدعية المبتدعة وألفها فكان يدافع عنها دفاع المستميت والله المستعان.
ومنهم القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري (ت ٦٧١ هـ):
فقد قال: "فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء، ويدع ما سواه، ولا يقول: أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون" (^٣).
وقال أيضًا عند تعداده لأوجه الاعتداء في الدعاء: "ومنها: أن يدعو بما ليس في الكتاب العزيز ولا في السنّة فيتخير ألفاظًا مفقّرة، وكلمات مسجعة، وقد وجدها في كراريس لهؤلاء لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسوله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء" (^٤).
والقرطبي في هذا الكلام يشير إلى الأحزاب المجموعة التي يلتزم بها أصحابها، وأما لو دعا في بعض الأحيان بما يستحضره من حوائجه
_________________
(١) التهاني في التعقب على موضوعات الصغاني للغماري؛ ٦٧.
(٢) الدر المنثور: ٤/ ٢١٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن: ٤/ ٢٣١.
(٤) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
التي يحتاج إليها من أمور الدنيا والآخرة من دون تقيد بالمأثور فلا حرج فيه، وإنما الممنوع جعلها شعاره وديدنه كأنها السنة.
ومنهم الإمام أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت ٦٨٤ هـ).
فإنه ذكر الأدعية المكفرة والمحرمة التي لا تخرج عن الإسلام ثم قال: "واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذرًا" ثم بيّن أن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه ليتعلموا ويعملوا وأن من ترك ذلك فهو عاص وأن الجاهل في العبادات كالعامد.
ثم استدل على ذلك بقول نوح ﵇: "إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم" أي بجواز سؤاله: "فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهذا يدل على أن الأصل في الدعاء التحريم إلا ما دل الدليل على جوازه" ثم قال: وهذه قاعدة جليلة يتخرج عليها كثير من الفروع الفقهية".
ثم قال محذرًا من الأدعية الباطلة:
"فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرًا شديدًا لما تؤدي إليه من سخط الديان، والخلود في النيران، وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة، واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية، ولا يرجع إلى الإسلام، ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين، فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرنا نسأل الله العافية من موجبات عقابه" (^١).
فقد بيّن القرافي ﵀ مخاطر الأدعية المبتدعة وأنها تؤدي إلى فساد عظيم في الدين وأنها ربما تخرج عن الإسلام والعياذ بالله.
ومنهم الإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)
فإنه قال: "وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنّة فإنه لا ريب في فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم صراط الذين
_________________
(١) الفروق: ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا" (^١).
ونكتفي بهذا القدر من أقوال أهل العلم في التحذير من الأدعية المبتدعة.
مناقشة الحنفية في قولهم بأفضلية غير المأثور خارج الصلاة:
وهذه الأحاديث والآثار الماضية تدل على أفضلية الالتزام بالأدعية المأثورة وأن الابتداع فيها مذموم جدًا، وهذه الدلالة واضحة جدًا لكن بعض علماء الحنفية ذهبوا إلى أن غير المأثور أفضل، وعللوا ذلك بأن حفظ الأدعية وتكرارها يذهب برقة القلب، ولكنهم قالوا لا يجوز في الصلاة الدعاء إلا بما ورد في القرآن أو السنة، وأما إذا دعا بغير ذلك فتفسد صلاته (^٢).
وهذا القول الذي ذهب إليه الحنفية في الصلاة ترده الأحاديث الكثيرة الدالة على جواز الدعاء في الصلاة بما يتخيره الداعي كما في حديث ابن مسعود في التشهد المشهور، وفيه: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" (^٣) وقوله ﷺ: "وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء" (^٤) ولم يقيد الدعاء بشيء (^٥).
_________________
(١) قاعدة التوسل ص: ١٤٦، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٤٦.
(٢) الأصل للشيباني: ١/ ٢٠٢، والفتاوى الهندية: ٥/ ٢١٨، وحاشية ابن عابدين: ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤، والبزازية: ٤/ ٤١، وفتح القدير: ١/ ٢٢٥، والمنتقي للباجي: ١/ ٣٦١، والفتاوى: ٢٠/ ٣٦٦، والمبسوط: ٤/ ٩ وفي بعض هذه المصادر زيادة وهي أنه يجوز طلب ما يستحيل طلبه من غير الله ومثلوا له بنحو اغفر لعمي أو ارزقني الحج وأصلح أمري والعن الظالمين بخلاف نحو اكسني ثوبًا أو اقضِ ديوني فهذه تبطل الصلاة. ثم إن عدم الدعاء بغير المأثور في الصلاة روي عن الإمام أحمد أيضًا كما في شرح المهذب: ٢/ ٤١٦، والمغني: ١/ ٥٤٧ - ٥٥٠.
(٣) البخاري: ٢/ ٣٢١٣٢ رقم ٨٣٥.
(٤) تقدم تخريجه ص: ٢٢٠.
(٥) انظر شرح المهذب: ٣/ ٤١٦.
[ ٢ / ٥٩١ ]
وأما قولهم: إن الأفضل في غير الصلاة الدعاء بغير المأثور فقول مرجوح وتعليلهم بأنه يذهب الرقة يعترض عليه بأمور منها:
١ - إن الفاتحة وغيرها مثل التشهد ونحوه تتكرر كل يوم فعلى هذا نترك هذه الأذكار ونأتي بغيرها، ولا يقول بهذا مسلم.
٢ - ثم إن بعض الأدعية المأثورة ورد تقييدها بأوقات معينة تتكرر كل وقت كأدعية النوم واليقظة والصباح والمساء فهل نتركها ونأتي بأدعية جديدة؟
٣ - إن المفاسد التي في الدعاء غير المأثور أرجح من هذه المفسدة الواحدة المحتملة التي في المأثور فمراعاة دفع المفاسد المحققة أولى من مراعاة مفسدة واحدة محتملة، وسنذكر بعض تلك المفاسد المحققة التي في الدعاء غير المأثور.
٤ - إن ما في الدعاء المأثور من الأسرار والحكم يذهب بهذه المفسدة المحتملة ويجعلها لا قيمة لها.
٥ - ثم إن الغالب في الدعاء حضور القلب وتوجهه كما تقدم (^١) فلا ترد هذه المفسدة من الأصل.
المطلب الثالث: في آثار الأدعية المبتدعة ونتائجها السيئة:
إن الأدعية المبتدعة لها آثارها السيئة على عقيدة المسلم وأعماله التعبدية، وتلك الآثار الخطيرة كثيرة نوجزها فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
١ - إن الأدعية المبتدعة لا تفي بالغرض المطلوب من العبادات من تزكية النفوس، وتطهيرها من الرعونات، وتقريبها إلى باريها وتعليقها بربها رجاء ورغبة ورهبة، فهي لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا ولا تهدي سبيلًا.
وأما الأدعية المشروعة فهي الدواء الناجع والبلسم الشافي للأدواء النفسية والأمراض القلبية والأهواء الشيطانية، فهي تحبب إلى النفوس
_________________
(١) تقدم ص: ٢٩٦.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
الطيبة مناجاة خالقها والتملق له والتضرع إليه والتذلل له والانطراح بين يديه، فهي تجبر القلوب المنكسرة، وتشفي النفوس العليلة ولا تحيط العبارة بما يجد الداعي الملتزم بالدعاء المشروع من لذة المناجاة وحلاوة الضراعة بين يدي الرؤوف الودود ذي العرش الكريم، إذ في ألفاظ الأدعية المشروعة ما يأخذ بالألباب ويجذبها إلى باريها ويوصلها إلى محبة الله تعالى والتعلق به خوفًا ورجاءً، فمن يستبدلها بالأدعية المبتدعة فقد استبدل الخبيث بالطيب واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وترك النصيب الأوفى والحظ الأوفر.
٢ - إن الأدعية المبتدعة تفوت العبد الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يحصل لمن التزم بالأدعية الواردة وحافظ عليها وطبقها حسب ورودها ليل نهار، فهذا الداعي قد حاز السبق وتعرض لنفحات الرب واستفتح أبواب الرحمة وتعرض لفضل جود الرب بأقرب وسيلة، بخلاف الداعي المبتدع فقد فوت على نفسه الأجر والثواب، وتعرض لسخط الله وغضبه وابتدع في دين الله ما لم يشرعه فهو على خطر.
٣ - عدم إجابة الأدعية المبتدعة مع أن الهدف الأساسي للداعي في الغالب هو إجابة مطلوبه ونيل مرغوبه ودفع مرهوبه، والأدعية المبتدعة لا يجاب الداعي بها في الغالب وإن كان قد يجاب المضطر لأسباب سيأتي ذكرها (^١).
فالعاقل يجتهد في الالتزام والتقيد بالأسباب التي تسرع في إجابة دعائه كما يجتهد في الابتعاد عما يسبب له عدم الإجابة، وقد دلت الأدلة على أن المبتدع لا يقبل الله منه عمله (^٢)، والدعاء هو من العمل الذي
_________________
(١) سيأتي ص: ٨١٤.
(٢) من ذلك حديث: كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد، ومن ذلك أيضًا حديث علي مرفوعًا: "من أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله … " وفيه: "لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا" البخاري: ٤/ ٨١ رقم ١٨٦٧ وحديث الخوارج تحقرون صلاتهم إلخ .. ومن ذلك أيضًا أثر الحسن البصري "صاحب البدعة لا تقبل له صلاة … " إلخ. أخرجه ابن وضاح: ٢٧، والآجري في الشريعة: ٩٤، ونحوه عن الأوزاعي =
[ ٢ / ٥٩٣ ]
يرجو الداعي قبوله، فإذا كان لا يقبل منه هذا الدعاء الذي ابتدع فيه فلماذا يسعى هذا الداعي المبتدع فيما يحبط عمله ويمنعه من الوصول إلى إجابة مطلوبه؟ كما أنه يحتمل أن لا يقبل له جميع أعماله، فعلى هذا يكون أثر الابتداع أشد حيث تسبب له في رد جميع الأعمال (^١).
٤ - إن الأدعية المبتدعة تشتمل في الغالب على محذور شرعي وقد يكون ذلك المحذور وسيلة من وسائل الشرك وذرائعه، إذ البدعة تجر إلى الشرك والضلال، فمن الأدعية البدعية التي تجر إلى الشرك، التوسل البدعي فهو الذي فتح الباب لدعاء غير الله والاستغاثة والاستمداد بغير الله إذ لولا اعتماد الجهال عليه لما حصل ما حصل، وقد يكون ذلك المحذور اعتداء في الدعاء ومجاوزة للحد وسوء أدب في خطاب الرب ومناجاته، وقد يكون ذلك المحذور ما يصحب تلك الأدعية من بدع أخرى من تحديدها بأوقات معينة وبصفات خاصة ومن رفع الأصوات على نغمات معينة وإيقاعات خاصة وأسجاع مصطنعة وتراكيب ركيكة تمجها الأسماع وتستقبحها القريحة السليمة.
والأدعية المبتدعة لا تخلو في الغالب من الاشتمال على بعض هذه الأمور فهي لا بد أن توقع في المحاذير والمفاسد التي لا ينجو منها إلّا من التزم بالأدعية الصحيحة واعتنى بها حفظًا وتطبيقًا ونشرًا، جعلنا الله تعالى منهم بفضله وكرمه.
قال الخطابي ﵀: "أولى ما يدعى به ويستعمل منه ما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ، وثبت عنه بالأسانيد الصحيحة، فإن الغلط يعرض كثيرًا في الأدعية التي يختارها الناس، لاختلاف معارفهم وتباين مذاهبهم في الاعتقاد والانتحال، وباب الدعاء مطية مظنة للخطر، وما
_________________
(١) = وهشام بن حسان وأيوب السختياني أخرجها عنهم ابن وضاح في ص: ٤ و٢٧، ورواه أسد بن الفرات مرسلًا كما أخرجه ابن وضاح ص: ٧.
(٢) انظر هذا الموضوع في الاعتصام: ١/ ١٠٧ - ١١٢.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
تحت قدم الداعي دحض فليحذر فيه الزلل وليسلك منه الجدد الذي يؤمن معه العثار، وما التوفيق إلا بالله ﷿" (^١).
فرحم الله الخطابي فماذا يقول لو رأى ما وصل إليه المسلمون في باب الدعاء من تجاوزات خطيرة وصلت إلى حد دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به حتى صار ذلك أمرًا معروفًا إذا أنكر قامت القيامة واتهم المنكر بأنواع التهم من الشذوذ والتطرف والمذهب الخامس وبغض الصالحين وتنقصهم وغير ذلك؟!
وقال الغزالي: "والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كل أحد يحسن الدعاء" (^٢).
٥ - إن الأدعية المبتدعة من التزم بها واعتادها قلما يرجع عنها إلى الأدعية المشروعة إلَّا في بعض الأحيان التي يوفق الله فيها من يشاء وذلك لأن القلوب متى اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن (^٣)، وذلك لأن الملتزم بتلك الأدعية المبتدعة يعتقدها مشروعة ويدافع عنها بكل قواه كل من ينكر عليه، ولا يستمع إلى حجة ولا برهان، ولا يفكر في حجة المنكر ولا يجري في خلده احتمال كونها غير مشروعة جريًا على عادته ومألوفه وتحسينًا للظن بالذين ابتدعوها.
وقد ذكر السلف الصالح رضوان الله عليهم أن صاحب البدعة لا يراجع السنة الصحيحة ولا يعود إليها (^٤) ويؤيد ما ورد عن السلف ما جاء في حديث الخوارج.
"يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون
_________________
(١) شأن الدعاء للخطابي: ٢ - ٣.
(٢) الإحياء: ١/ ٣٦٣، وعنه في الأذكار: ٣٥٣.
(٣) اقتضاء الصراط: ٣٨٣.
(٤) فقد ذكر ذلك الدارمي عن ابن سيرين: ١/ ٦١ رقم ٢١٤، وذكره ابن وضاح عن أبي عمرو الشيباني ص: ٥٤.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
فيه" (^١)، ثم إذا كان هذا الداعي هو المبتدع لها بداية يكون عليه الإثم الزائد بحسب من يتبعه.
قال الإمام الشاطبي ﵀: "وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع فلا تزاد على طول الزمان إلا مضيًا واشتهارًا وانتشارًا فعلى وزان ذلك يكون إثم المبتدع لها، كما أن من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (^٢).
٦ - إن استعمال الأدعية البدعية وترك الأدعية المشروعة من باب استبدال الطيب بالخبيث والنافع بالضار والخير بالشر وهو غبن فاحش، وتهور ظاهر وفي ذلك إماتة للسنن وإحياء للبدع، وهذا تحريف للشريعة الغراء، ولكن مع الأسف الشديد هذا هو واقع المسلمين المرير، فقد تغيرت عندهم المفاهيم الإسلامية "فجعلوا التوحيد شركًا، والشرك توحيدًا، وجاهدوا في إحياء البدع وإماتة السنن، وضاربوا بالأحزاب والأوراد والتوسلات الكتاب والسنّة، فترى الأميين منهم يحفظون الاستغاثات والمنظومات والميمة والمنبهجة وكثيرًا مما يسمونه التخمير ومع ذلك إذا قاموا إلى الصلاة وقرأوا قصار السور حرفوا وقرأوا بلغتهم العامية" (^٣).
وهؤلاء الذين أماتوا السنن وأحيوا البدع عليهم إثم آخر غير إثم الابتداع وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها لأنها كلما تجدد العمل بالبدعة تجددت إماتة السنة (^٤).
ونضرب مثالين ظاهرين استبدلوا فيهما بالدعاء المشروع دعاء مبتدعًا:
_________________
(١) أخرجه مسلم بهذا اللفظ من حديث أبي ذر ﵁: ٢/ ٧٥٠ رقم ١٠٦٧.
(٢) الاعتصام: ١/ ١٢٢.
(٣) السنن والمبتدعات: ١٩١.
(٤) الاعتصام: ١/ ١٢٢.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
أ - استبدلوا دعاء الاستخارة المشروع وصلاتها بأشياء مبتدعة، منها ما هو شرك:
١ - وذلك كالذهاب إلى الكهنة والرمالين والسحرة.
٢ - ومنهم من استبدلها بالاستخارة بالسبحة والهمهمة عليها وعدها عددًا معينًا قائلين: "الله، محمد، علي، أبو جهل" (^١).
٣ - والبعض ممن يصليها زاد في كيفية الدعاء المشروع وهو أنه ينوي قبل النوم بعد الدعاء نية حادثة، وهي قولهم: "اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي فأرني في منامي بياضًا أو خضرة أو ماءً جاريًا، وإن كان شرًا فأرني في منامي سوادًا أو دخانًا أو حمرة" (^٢).
٣ - ومنهم من يفتح مصحفًا أينما اتفق ويقرأ أي آية يقع النظر عليها أو سطرًا معينًا (^٣).
ب - استبدالهم صلاة الاستسقاء ودعاءه والخروج لها إلى ظاهر البلد بالذهاب إلى قبة الشيخ ودعائه، أو الدعاء هناك، قال النعمي ﵀: "فإن العامة في كثير من حالاتهم وتقلبهم قد أبدلوا معالم الشرع بسواها … فجعلوا الذهاب إلى قبة الشيخ والتضرع له والإلحاح عليه عوضًا عن الخروج إلى ظاهر البلد للاستسقاء، والإنابة إلى الله في كشف تلك النازلة" (^٤).
٧ - ومما يؤكد هذا الذي سبق هو أنه كان للعرب قبل الإسلام أدعية وتحايا كثيرة تحمل تفاؤلات جمة وتمنيات عامة، وأصلها الدعاء بالخير والحب ثم جاء الإسلام فأبدل تلك التحايا بأنواع الأدعية المقرونة باسم الله تعالى (^٥) والتي فيها طلب البركة والخير العميم، فمن ترك تلك
_________________
(١) السنن والمبتدعات.
(٢) الإسلام وتقاليد الجاهلية: ٦٢.
(٣) انظر شرح الفقه الأكبر للقاري: ٢٢١.
(٤) معارج الألباب: ١٧٠، وذكر الألوسي نحوه في غاية الأماني: ١/ ٨٦.
(٥) الإسلام وتقاليد الجاهلية: ١٤٨.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
الأدعية النبوية المباركة واستبدلها بأدعية مخترعة فقد تشبه بأولئك الجاهلين، كما أنه تشبه بأهل الكتاب في اختراعهم للأدعية المخالفة لما جاءت به رسلهم، فما أشبه أوراد الصوفية وأحزابهم بتراتيل أهل الكتاب لأدعيتهم في النغمات والإيقاعات والتمايلات وغير ذلك (^١).
٨ - إن الذي يلازم الأدعية المبتدعة المخترعة لاسيما التي هي مؤلفة من أحزاب وأوراد يكون في الغالب جاهلًا لمعناها وتنصرف همته إلى ألفاظها وإلى سردها سردًا بدون تدبر مع أن المطلوب في الدعاء إحضار القلب والإخلاص في السؤال، وهذا الداعي بمثل هذه الأدعية غير سائل بل هو حاك لكلام غيره ثم إن اختياره ذلك الدعاء على غيره من الأدعية لأجل الذي نظمه وإعجابه به (^٢) ففي ذلك تقديس لهذا الذي جمعها ورفع له فوق منزلته من حيث يعتقد الداعي أن لأدعيته خاصية لا توجد في غيرها، وإلا لما داوم عليها ليل نهار بل يصرح أتباع الطرق الصوفية بأن ورد شيخهم وحزبه أفضل من حزب وورد الشيخ الفلاني، بل منهم من يفضله على القرآن مرات كما وقع للتيجانيين وسيأتي نقل ذلك عنهم (^٣).
المطلب الرابع: في أسباب انتشار الأدعية المبتدعة:
تمهيد:
لقد تكلمت فيما سبق (^٤) عن الأسباب التي أدت إلى انتشار الأدعية الشركية وفي هذا المطلب أشير إلى نبذة يسيرة عن الأسباب التي تؤدي إلى الابتداع في الدين عمومًا معتنيًا ببيان الأسباب المباشرة لانتشار الأدعية المبتدعة خصوصًا، ومما ينبغي أن يعلم أن الأسباب التي ذكرت لانتشار
_________________
(١) انظر المنار: ٢/ ٧٣.
(٢) انظر إتحاف السادة المتقين: ٥/ ٤٤، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٨.
(٣) يأتي ص: ٦٥٨، ٦٦٣.
(٤) سبق ص: ٤٣٨ - ٤٧٩.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
الأدعية الشركية هي أيضًا أسباب لانتشار الأدعية البدعية، وإنما لم أكتف بذلك لأنه قد نص بعض العلماء على ذلك في موضوع البدعة فاحتاج الأمر إلى بيان ذلك، ثم هناك بعض الجوانب التي تخص موضوع البدعة.
أسباب انتشار الأدعية المبتدعة:
١ - الجهل بالكتاب والسنة، فقد ضعف لدى بعض المسلمين الاعتصام بالكتاب والسنّة والتمسك الصحيح بالعمل بما فيهما من غير زيادة ولا نقصان فلم يعتنوا العناية اللائقة بالتطبيق الصحيح للعبادات فأدى ذلك إلى جهل المشروع، فكثرت البدع والحوادث، فمن ذلك جَهْلُ كثيرٍ من المسلمين الأدعية الصحيحة ومكانتها العظيمة من الثواب العظيم والأجر الجزيل، مع وجازتها مع الفصاحة والبلاغة واشتمالها على أهم ما يطلب من خيري الدنيا والآخرة، ومع خلوها من التراكيب الفاسدة والاعتداء في الدعاء بل هي في غاية الأدب في خطاب الله تعالى ومناجاته والتضرع إليه والابتهال لديه لقد أدى جهل هذا إلى عدم الاعتناء بها حفظًا واستعمالًا ونشرًا وتعليمًا فتساهل الناس فيها شيئًا فشيئًا حتى جهلوها، فانتشرت في أوساطهم الأدعية المبتدعة المخترعة التي يروج لها أصحابها من المتصوفة ومن على شاكلتهم فانتشرت الأحزاب والأوراد المقيدة بعدد الأيام والأسابيع والشهور وانتشر التوسل المبتدع وغير ذلك من أنواع الأدعية المبتدعة.
٢ - الثاني: الإعراض عن الأدعية المشروعة التي هي كثيرة جدًا ووافية لحاجات ومتطلبات الرجل المسلم لأنها عامة لأوقاته ليل نهار وللعوارض التي تعرض له من مرض وفرح وسرور وهم وغم ولجميع المناسبات التي تحصل للإنسان، ولكن الشيطان يحبب إلى القلوب الأدعية المبتدعة فتعرض عن المشروعة.
فقد ذكر شيخ الإسلام أن سبب اشتغال قلوب بعض الناس بأنواع من العبادات المبتدعة من الأدعية وغيرها إعراضهم عن المشروع أو بعضه
[ ٢ / ٥٩٩ ]
بقلوبهم حتى ولو قاموا بصورة المشروع مع هجر الحقيقة المقصودة منه "وإلَّا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عارفًا بما اشتملت عليه من الكلم الطيب والعمل الصالح واهتم بها كل الاهتمام أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها" … ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته كالأسحار وأدبار الصلوات والسجود ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع في ذاته أو في بعض صفاته، فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنّة في كل شيء من ذلك ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن يتوقى الشر يوقه (^١).
٣ - الأحاديث الضعيفة والموضوعة والحكايات والمنامات:
فقد يرد حديث ضعيف أو موضوع، أو تروى حكاية أو رؤية في دعاء مخصوص فيخفى ضعف تلك الأحاديث والحكايات على بعض أهل العلم ويظنها صحيحة فيعمل بها ويتقرب إلى الله تعالى بها ثم يقلده أتباعه في ذلك فتصير سنة متبعة (^٢) فإذا أنكر ذلك أحد احتج بذلك العالم وبما احتج به من الأحاديث الضعيفة وأنها لو لم تكن صحيحة لما عمل بها ومن هذا الباب انتشار الأدعية التي فيها التوسل المبتدع لاعتماد من أجازه على مثل هذه الحجة الضعيفة.
فمن أسباب انتشار التوسل المبتدع: اعتمادهم على الأدلة الضعيفة كما أنهم أعرضوا وانحرفوا عن الأصول الواضحة (^٣) التي تدل على منع الدعاء بغير أسماء الله وصفاته.
ومن هذا الباب ما يضعه بعضهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل للدعاء المبتدع فيغتر به الجاهل ويحسن الظن بذلك الأجر العظيم، ولا
_________________
(١) اقتضاء الصراط ص: ٣٨٤، وانظر إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٦، وانظر نحوه في الفتاوى: ١٩/ ٢٧٤.
(٢) الأجوبة النافعة للألباني: ٦٣، وانظر الاعتصام: ١/ ٢٦٠ - ٢٦٤.
(٣) انظر الاعتصام: ١/ ٢٣٩، و٢٢٤.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
يخفى ما يتسبب من تحبيذ الصوفية لأدعية وأحزاب مشايخهم وأورادهم وما اخترعوه لها من الفضائل والخصائص، حتى صارت عند العوام بل بعض الفقهاء هي المقدمة على الأدعية الصحيحة بل على القرآن لدى البعض كما وقع لدى التيجانيين مع صلاة الفاتح وجوهرة الكمال وسيأتي ذلك (^١). وهؤلاء الذين يضعون الأحاديث والحكايات للأدعية المبتدعة على أصناف: فمنهم الملاحدة الباطنية الذين يريدون أن يشغلوا المسلمين عن أدعية الكتاب والسنة بأدعية مبتدعة مخترعة يشغلونهم بها، فمقصودهم إفساد الدين الإسلامي بإدخال البدع فيه (^٢).
ومنهم من يبتدع طلبًا للمال والاسترزاق أو طلبًا للشهرة فقد ورد في الأثر ما يؤيد هذا وهو ما روي عن معاذ بن جبل ﵁ أنه ستأتي فتن سيكثر فيها انتشار القرآن فيقرأه المؤمن والمنافق، فيقول الرجل من هؤلاء القراء: "ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره" فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ (^٣).
وهذا الأثر -وإن روي موقوفًا على معاذ- لكن له حكم الرفع لأنَّه من الإخبار بالغيب مما ليس للرأي فيه مجال، ومثله ما روي عن شاب كان في بني إسرائيل فابتدع طلبًا للمال والشرف (^٤) ومنهم من يضع تلك الأدعية ظنًا أنها تقوي الدين وتحببه إلى العامة قال بعضهم: "وإن كثيرًا من البدع في العقائد والأحكام قد دخلت على المسلمين بتساهل رؤساء
_________________
(١) يأتي ص: ٦٥٨، ٦٦٣.
(٢) انظر الاعتصام: ١٨/ ٢٥٢ - ٢٥٨، والسنن والمبتدعات: ٢٢٥، والتحفة السنية: ٥٢.
(٣) أخرجه أبو داود: ٥/ ١٧ رقم ٤٦١١، وابن وضاح ص: ٢٥، ٢٦، والآجري في الشريعة: ٤٧ - ٤٨، واللالكائي: ١/ ٨٩ ورجاله ثقات.
(٤) انظر ابن وضاح ص: ٢٨، رواه عن الحسن البصري وخالد الريفي من قولهما، ومثل هذا يستأنس به.
[ ٢ / ٦٠١ ]
الدين وتوهمهم أنها تقوي أصل العقيدة، وتخضع العامة لسلطان الدين أو لسلطانهم المستند إلى الله" (^١).
٤ - صعوبة الكتب التي ألفت في الأدعية الصحيحة على العوام إما لأنها طويلة مسوقة بأساليب عالية عن فهم غير المتخصص، أو لأنها اختلط فيها الصحيح بالضعيف فلا يستطيع الإنسان العادي التمييز بينهما، كما أن بعضها مقتصر على بعض أنواع الأدعية ولا يفي المتعطش بكل رغباته (^٢) فيقتصر العامي على كتب الأدعية المبتدعة المنتشرة والتي هي سهلة عليه ومرتبة على وجه جذاب يأخذ بألباب العوام وأوقاتهم فيميلون إليها فتنتشر بينهم حتى تكون هي الغالبة دون الأدعية المشروعة.
٥ - تحريف الأدلة الواردة في الأدعية الصحيحة عن مواضعها، وذلك بأن يَرِدَ دليل صحيح من الكتاب والسنة بالندب إلى دعاء مَّا مطلقًا فإذا أتى به المكلف في الجملة من غير تقييد كان إتيانه على السنة ويعضده الدليل وأما إن أتى المكلف في ذلك بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو مقارنًا لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلًا أن الكيفية أو الزمان أو المكان مقصود شرعًا من غير أن يدل الدليل عليه كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه، فعلى هذا إذا ندب الشارع إلى الذكر والدعاء مطلقًا ولكن المبتدع قيده بأوقات مخصوصة على صفة مخصوصة وذلك كالدعاء الجماعي بعد الصلوات المفروضة يكون ذلك ابتداعًا فهو حصل بسبب تحريف الدعاء الوارد الصحيح عن مناطه إلى مناط آخر موهمًا أن المناطين واحد (^٣).
٦ - تأثر بعض المسلمين بأهل الكتاب الذين حرفوا دينهم وأحدثوا في دينهم البدع، ومن تلك البدع التي أحدثوها في دينهم قراءتهم
_________________
(١) تفسير المنار: ٢/ ٧٣.
(٢) الأوراد المأثورة ص: ٥.
(٣) الاعتصام: ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وتراتيلهم لكتبهم ولأدعيتهم بأصوات ونغمات تشبه أصوات المتصوفة الذين يجتمعون لقراءة الأدعية والأحزاب والأوراد المبتدعة، فبين الطائفتين شبه قوي، وتَأثُّرُ إحداهما بالأخرى ظاهرٌ، قال بعضهم واصفًا لما رآه في إحدى الكنائس: "ولقد دخلت كنيسة "بيت لحم" فسمعت هناك أصواتًا خيّل إليّ أنها أصوات طائفة من أهل الطريق يقرؤون حزب البر مثلًا، ثم علمت أنهم قسيسون، فهذه البدع قد سرت إلينا منهم كما سرت إليهم من الوثنيين استحسانًا منهم ما استحسنوه من أولئك توهمًا أنه يفيد الدين أبهة وفخامة ويزيد الناس به استمساكًا" (^١).
هذه بعض الأسباب التي أدت إلى انتشار الأدعية المبتدعة على الصورة التي نراها ونكتفي بهذا القدر في ذلك، وندخل في ذكر أنواع الأدعية المبتدعة.
_________________
(١) المنار: ٢/ ٧٣، وانظر أيضًا: ١٠/ ٣٢٨ حيث ذكر الشيخ رشيد رضا أنه لم يجد سببًا لعناية العوام بالأحزاب المبتدعة إلا الغلو في تعظيم الرؤساء ومضاهاة أهل الكتاب حيث أنه لا فرق بين أوراد الصوفية وأوراد وأحزاب النصارى.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
المبحث الثاني
في أنواع الأدعية المبتدعة
ويحتوي على أربعة أنواع:
١ - النوع الأول: الدعاء عند الأضرحة والقباب.
٢ - النوع الثاني: التوسل بالذوات.
٣ - النوع الثالث: الأدعية والأوراد الراتبة.
٤ - النوع الرابع: الأدعية الجماعية.
النوع الأول: الدعاء عند الأضرحة والقباب:
النوع الأول من الأدعية المبتدعة: دعاء الله تعالى عند الأضرحة والقباب.
ومن المعلوم أن الدعاء من أهم العبادات شرعه الله تعالى لعباده ووعد بالإجابة عليه تفضلًا وتكرمًا.
وقد شرع الله له آدابًا، منها الأمكنة الفاضلة والأزمنة الفاضلة جعلها أقرب في الإجابة من غيرها، كما رغب في الدعاء مطلقًا بدون تقييد بزمان أو مكان.
ولكن الشيطان زيّن لبعض الناس أن يستبدلوا هذا المشروع الطيب بالمبتدع الخبيث، إذ استبدلوا الدعاء في المساجد والأسحار والسجود،
[ ٢ / ٦٠٤ ]
بالدعاء عند الأضرحة والقباب والشبابيك، وظنوا أن الدعاء عند الأضرحة أَجْوَبُ منه في المساجد والبيوت، بل تجاوزوا ذلك إلى دعاء صاحب الضريح وندائه والاستغاثة به، واستبدلوا الزيارة الشرعية التي للدعاء للميت والاستغفار له بالزيارة البدعية التي للدعاء عنده أو الإقسام به أو التوسل به، بل ربما لدعائه وطلب الحوائج منه، فاقتضى هذا الصنيع منهم يبين أن يبين الحكم الشرعي في ذلك والأدلة الدالة على منعه وبالله التوفيق.
هذا ونلخص البحث في هذا في أمرين:
١ - الأدلة على كون الدعاء عند الأضرحة بدعة.
٢ - حكم الدعاء عند الأضرحة.
الأدلة على كون الدعاء عند الأضرحة بدعة:
١ - إن الدعاء عبادة عظيمة من أهم العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف؛ لأن دين الإسلام مبني على أصلين عظيمين (^١):
١ - أحدهما: أن لا نعبد إلا الله، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
٢ - وثانيهما: أن لا نعبد الله إلا بما شرع لا بالحوادث والبدع، وهو معنى شهادة أن محمد رسول الله.
فالعبادة لا تصح ولا تقبل إلا بشرطين أساسيين: الإخلاص لله، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ.
فثبت بهذا أن مبنى العبادة على التوقيف، ومن أهمها الدعاء، فلو كان الدعاء عند الأضرحة يتعبد به الله تعالى لشرعه الله ورسوله ولفعله السلف الصالح، فلم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على مشروعية تحري
_________________
(١) انظر عن هذين الأصلين: منهاج السنة: ١/ ٤٨١ و٢٥/ ٤٤٨، والرد على البكري: ٥٢، وقاعدة في التوسل: ٤١، ١٢٣ - ١٢٤، ١٥٨، والعبودية: ١٧٠، واقتضاء الصراط: ٤٥١ - ٤٥٢، والتدمرية: ٦٣.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
الدعاء عند القبر، مع كثرة ما ورد في باب الأدعية، وكثرة مصنفات السلف فيها التي ذكروا فيها آدابها ومواقيتها وأماكنها وغير ذلك ولم نجد أحدًا منهم قال بمشروعية التحري للدعاء عند القبر.
فدل هذا على أنه لم يرد في الشرع ولم يفعله السلف الصالح فثبت أنه بدعة إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه وهم أحرص الناس على الخير.
وهذه المسألة بيانها يتوقف على معرفة قاعدة أصولية مهمة وهي أن "الترك الراتب سنة، كما أن الفعل الراتب سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده ﷺ من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في مصحف، وجمع الناس في التراويح على إمام واحد، وتعلم العربية … بما يحتاج إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه ﷺ لفوات شرطه، أو وجود مانع، فأما ما تركه من جنس العبادات -مع أنه لو كان مشروعًا لفعله أو أذن فيه ولفعله الخلفاء بعده والصحابة- فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة، ويمتنع القياس في مثله" (^١).
هذا ويوضح هذا الدليل السابق الدليل الآتي:
٢ - إن الصحابة رضوان الله عليهم قد وقعوا في مصائب جسيمة ووقائع أليمة ومع هذا لم ينقل عنهم أنهم قصدوا قبر النبي ﷺ أو قبور كبار الصحابة رضوان الله عليهم، بل عملوا المشروع الوارد مثل خروجهم إلى الصحراء في الاستسقاء، وكذلك لم ينقل عن التابعين والأئمة بعدهم أنهم تحروا القبر للدعاء.
_________________
(١) القواعد النورانية: ١٠٢، وانظر اقتضاء الصراط: ٢٧٨ - ٢٨٢، وإعلام الموقعين: ٢/ ٣٧٠، وانظر هذه القاعدة أيضًا في الاعتصام للشاطبي: ١/ ٣٦٠ - ٣٦٥، فقد أوضح هذه القاعدة بذكر الأمثلة لها وشرحها شرحًا وافيًا كما شرحها في كتابه الآخر: الموافقات في أصول الشريعة: ٣/ ٧١ - ٧٧.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
ويدل على أنهم لم يفعلوا ذلك عدم النقل عنهم إذ لو فعلوا لنقل عنهم كما نقل عملهم المشروع.
لأن مثله مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله بل على نقل ما دونه، وقد قال وارث علم السلف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده ولا روى أحد في ذلك شيئًا لا عن النبي ﷺ، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه من الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفًا واحدًا فيما أعلم" (^١).
فإذا ثبت أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يكونوا يقصدون القبر للدعاء عنده، يقال لمن يستحسن ذلك: إن الأمر لا يخلو:
١ - إما أن يكون الدعاء عنده أفضل منه في غير تلك البقعة.
٢ - وإما أن لا يكون أفضل.
فعلى تقدير أنه أفضل يقال له:
لا يجوز أن يخفى علم ذلك على الصحابة والسلف الصالح فتكون القرون الثلاثة المفضلة جاهلة بهذا الفضل، ويعلمه من بعدهم.
وكذلك لا يجوز أن يعلموا ما فيه من الفضل ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه نوع كراهة، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعًا وشرعًا.
وأما على تقدير أن الدعاء عندها ليس بأفضل، فيقال له:
إن قصد الدعاء عندها مع عدم فضله، ضلالة ومعصية (^٢) لأنها
_________________
(١) اقتضاء الصراط: ٣٦٨ - ٣٦٩، وانظر نحوه في: إغاثة اللهفان: ١/ ١٥٨.
(٢) اقتضاء الصراط: ٣٤٠، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٩.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
عبادة، فتقييدها وتخصيصها بمكان معين بدون دليل بدعة سيئة وضلال بيّن، وبدعيتها يأتي من هذا التخصيص فهي بدعة إضافية إذ أصل الدعاء مشروع وإنما صار بدعة بسبب تحري المكان وقصده بدون أن يكون هذا التحري مشروعًا. ثم إذا علمنا أن ترك الصحابة والسلف الصالح للدعاء عند القبر حجة على بدعيته نذكر دليلًا آخر وهو سعي الصحابة في منع الدعاء عند القبر واجتهادهم في منع وسائله وذرائعه وهو الدليل الآتي:
٣ - إن الصحابة رضوان الله عليهم: "لما فتحوا أرض الشام والعراق وغيرهما إذا وجدوا قبرًا يقصد الدعاء عنده غيبوه" (^١) وأخفوه.
كما أنهم لما فتحوا بيت المقدس لم يقصدوا قبر الخليل ولا غيره من الأنبياء للدعاء ولا للصلاة، بل إذا رأوا أحدًا ينتاب مكانًا معينًا للصلاة ونحوها نهوه وزجروه، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا رآهم ينتابون مكانًا يصلون فيه لكونه صلى فيه النبي ﷺ نهاهم عن ذلك ويقول: "هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيها الصلاة فليصل، ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل" (^٢).
ومن ذلك ما فعل الصحابة بقبر دانيال، فقد روى ابن إسحاق عن أبي خلدة خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال: "لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعبًا، فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثلما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ فقال: سيرتكم وأموركم، ولحون
_________________
(١) منهاج السنة: ٢/ ٤٣٨، ونحوه في: ١/ ٤٨٠ - ٤٨١، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٨.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة: ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧، وقال الألباني: وسنده صحيح على شرط الشيخين، تحذير الساجد ١٣٧، وأشار إلى صحة إسناده ابن تيمية في قاعدة التوسل: ١٠٢.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
كلامكم، وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفناه، وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: "كانت السماء إذا حبست عليهم، برزوا بسريره فيمطرون، قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال … " (^١).
وهذا الأثر ثابت عن أبي العالية (^٢) رفيع بن مهران الرياحي التابعي الكبير وكان حاضرًا للقصة فصح بذلك هذا الفعل من الصحابة رضوان الله عليهم.
قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية (^٣).
وقد ورد في رواية أخرى أن الذي أمرهم بإخفاء قبره هو عمر بن الخطاب ﵁، فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده عن أنس "أنهم لما فتحوا تستر، قال: فوجد رجلًا أنفه ذراع في التابوت كانوا يستظهرون ويستمطرون به فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب عمر أن هذا نبي من الأنبياء، والنار لا تأكل الأنبياء والأرض لا تأكل الأنبياء فكتب أن انظر أنت وأصحابك -يعني أصحاب أبي موسى- فادفنوه في مكان لا يعلمه أحد غيركما قال: فذهبت أنا وأبو موسى فدفناه" (^٤).
وهذا الصنيع من الصحابة رضوان الله عليهم للمحافظة على صفاء العقيدة وحماية الأمة الإسلامية من الشرك ووسائله، وهو دليل على دقة
_________________
(١) سيرة ابن إسحاق، رواية يونس بن بكير ص: ٦٦، والبداية: ٢/ ٣٧، وتاريخ الطبري: ٤/ ٩٢ - ٩٣، ومنهاج السنة: ١٢/ ٤٨٠ و٢/ ٤٣٨، واقتضاء: ٣٣٩.
(٢) انظر التقريب رقم ١٩٥٣.
(٣) البداية: ٢/ ٣٧.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٣/ ٢٨ رقم ١٥٦٦٦ عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني، وهو عبد الملك بن حبيب عن أنس به، وهذا إسناد رجاله ثقات، وقال ابن كثير: وعن أنس بن مالك بإسناد جيد فذكر قطعة منه "البداية والنهاية": ٢/ ٣٨.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
فهم الصحابة لما يفسد العقيدة أو يشوبها بالخلل والنقصان، وأما المتأخرون فلو ظفروا بمثل هذا القبر المنسوب إلى نبي لاحتفلوا به وبنوا عليه قبة مذهبة وطافوا به واعتكفوا حوله ودعوه من دون الله تعالى، وهذا ليس تخمينًا بل يصدقه الواقع فكم من قباب وأضرحة شيدت على قبور بسبب حكايات ومنامات وليس لها دليل ولا حجة سوى من يدعي المنام إما حلمًا من الشيطان وتلبيسًا منه، أو للتأكل والاسترزاق، قال ابن القيم: ولو ظفر به المستأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله فهم قد اتخذوا من القبور أوثانًا يداني من لا هذا ولا يقاربه" (^١).
٤ - إن السلف الصالح رضوان الله عليهم كرهوا تحري الدعاء عند القبر واعتبروه بدعة.
أ - فمن ذلك ما روي عن علي بن الحسين زين العابدين ﵄، فإنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال: "ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم" (^٢).
ب - ومن ذلك ما روي عن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃: قال سهيل بن أبي سهيل: رآني الحسن بن الحسن بن
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٥٨.
(٢) أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة ص: ٣٣ رقم ٢٠، وأبو يعلى في مسنده: ١/ ٣٦١ رقم ٤٦٩، وقال الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم ص: ٢٩٥: "قد رواه أبو يعلى والحافظ أبو عبد الله المقدسي في الأحاديث المختارة وهو حديث محفوظ عن علي بن الحسين زين العابدين وله شواهد كثيرة". اهـ. وقال الألباني: "حديث صحيح بطرقه وشواهده" "فضل الصلاة على النبي ﷺ ص ٣٤"، وقال الألباني في تحذير الساجد ص: ١٤٠ فيه علي بن عمر بن الحسين وهو مستور. اهـ. وقد علمت من كلام ابن عبد الهادي أنه محفوظ من زين العابدين، كما أن له شواهد منها ما يأتي بعده ويؤيده إخراج المقدسي له في المختارة.
[ ٢ / ٦١٠ ]
علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء" (^١).
فتبين من هذين الأثرين أن قصد قبر النبي ﷺ للدعاء عنده من اتخاذه عيدًا وذلك أن علي بن الحسين زين العابدين وهو أفضل التابعين من أهل البيت -نهى ذلك الرجل من أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه عن جده وهو أعلم بمعناه من غيره، وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته -كره أن يقصد القبر للسلام ونحوه، غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا.
فهذه السنة مخرجها من أهل البيت وأهل المدينة الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط (^٢).
جـ - ومن ذلك ما روي عن مالك ﵁ أنه قال: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي" (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٣/ ٣٤٥، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة ص: ٣٩ رقم ٣٠، وعبد الرزاق في المصنف: ٣/ ٥٧٧ رقم ٦٦٩٤، وأخرجه سعيد بن منصور كما في اقتضاء الصراط ص: ١٠٩، ٣٢٢، والعقود الدرية ص: ٢٢٤، والكواكب الدرية ص: ١٥٥، هذا ولهذين الأثرين شاهد من حديث أبي هريرة، تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.
(٢) اقتضاء الصراط: ٣٢٤، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥١.
(٣) ذكره عن مالك إسماعيل القاضي في المبسوط، ونقله عنه عياض في الشفا: ٢/ ٦٧١، وانظر الرد على الأخنائي: ٤٦، ٩٦، ١٠٤، والاقتضاء ص: ٣٦٥، والصارم: ١٢٥، والمنتقى للباجي: ١/ ١٩٦، والرد على البكري: ٢٨١، ٢٣١، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٤٤.
[ ٢ / ٦١١ ]
وقال مالك أيضًا: "ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول: "السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت أو يا أبتاه" ثم ينصرف، ولا يقف يدعو (^١) فرأى مالك ذلك من البدع" (^٢).
وقال مالك أيضًا: "لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له، ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون، ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلَّا لمن جاء من سفر أو أراده" (^٣) فإذا كان هذا في حق خير خلق الله وأكرمهم على الله وسيد ولد آدم (^٤) فكيف يكون رأي الإمام مالك في قبر غيره؟.
فكلام الإمام مالك هذا يدل على أنه يرى الدعاء عند القبر بدعة (^٥).
ولا شك في أن ذلك بدعة وضلالة ومخالف للسنة (^٦).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ١٦٦ رقم ٦٨، والقاضي إسماعيل ص: ٨١ رقم ٩٨ - ١٠١ وهو صحيح عن ابن عمر، انظر تعليق الألباني على فضل الصلاة ص: ٨١.
(٢) الرد على الأخنائي نقلًا عن المبسوط: ١٠٤، والصارم: ١٢٥.
(٣) رواه في المبسوط ونقله عنه في الشفاء: ٢/ ٦٧٦، وانظر الرد على الأخنائي ص: ٤٦، والصارم المنكي ص: ١١٥، والاقتضاء: ٣٦٦، ٣٦٧، والمنتقى للباجي: ١/ ٢٩٦.
(٤) منهاج السنة: ٢/ ٤٤٤.
(٥) الفتاوي: ٢٧/ ١١٠، والرد على البكري: ٢٦.
(٦) الفتاوي: ٢٧/ ١٢٨.
[ ٢ / ٦١٢ ]
وهو مما ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة للنصارى وغيرهم من المشركين فأصله من دين المشركين لا من دين عباد الله المخلصين (^١)، ويحتمل كلام مالك أنه يريد بالدعاء الذي كرهه هو الدعاء للنبي ﷺ بصيغة الصلاة أو غيرها مع طول القيام.
وهذا الاحتمال هو الذي فهمه بعض العلماء، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي ﷺ مع كثرة الصلاة والسلام عليه فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم يفعلها السلف ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" (^٢).
ومثله ابن عبد الهادي (^٣).
ويحتمل أن الإمام مالكًا ﵀ يريد ما يعم كل ذلك من الدعاء للنبي ﷺ أو الدعاء لنفسه.
وهذا الذي يقتضيه صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه استدل به في كل ذلك (^٤).
ومما يستفاد من كلام الإمام مالك ﵀ أنه إذا كان يكره أن يطيل الرجل الوقوف عند قبره ﷺ للدعاء له أو عنده فكيف بمن لا يقصد لا السلام عليه ولا الدعاء له، وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه، ويرفع صوته عنده، فيؤذي الرسول ويشرك بالله، ويظلم نفسه؟ (^٥).
ولا يخالف هذا الذي سبق عن مالك، ما قاله مالك في رواية ابن وهب: "إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة ويدنو ويسلم، ولا يمس القبر بيده" (^٦).
_________________
(١) الفتاوى: ٢٧/ ١٣٠.
(٢) الجواب الباهر: ٤٧، والمطبوع مع الفتاوى: ٢٧/ ٣٨٤، والقاعدة: ١/ ٢٣٢.
(٣) الصارم: ١٥١ - ١٥٢.
(٤) انظر الجواب الباهر: ٥٧ و٥٨ - ٥٩ و٦٥.
(٥) الجواب الباهر: ٥٨، والصارم المنكي: ١٥٢.
(٦) الشفا: ٢/ ٦٧١، والمنتقى: ١/ ٢٩٦.
[ ٢ / ٦١٣ ]
فإن المراد بقوله: "ودعا" هو الدعاء للنبي ﷺ بلفظ الصلاة ويؤيد هذا سياق الكلام لقوله فيما بعد "ويدنو ويسلم" إلخ. كما يؤيده أن أبا الوليد الباجي (^١) أنه قال: "وعندي يدعو للنبي ﷺ بلفظ الصلاة ولأبي بكر لما في حديث ابن عمر من الخلاف" (^٢)، أي يدعو لأبي بكر وعمر بلفظ السلام، لا بلفظ الصلاة. كما يؤيده ما نقله في المبسوط عن مالك أنه قال: "لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر" وقد تقدم نقله كاملًا قريبًا.
كما يؤيد ذلك الجمع بين الروايات عن مالك فلا يكون هناك اختلاف فيما روي عن مالك من كون الدعاء عند القبر بدعة، وكونه جائز (^٣).
ويحتمل أنه أراد الدعاء اليسير (^٤) الذي يجيء ضمنًا وتبعًا، ولكن سياق الحكاية عن مالك لا يؤيد هذا الاحتمال بل يدل على أن مالكًا يرى عدم جواز الدعاء مطلقًا.
٥ - ومما يدل على أن السلف يرون الدعاء عند القبر بدعة أنهم قالوا في الرجل يسلم على النبي ﷺ أنه لا يدعو مستقبلًا القبر الشريف، بل عليه إذا أراد الدعاء أن يستقبل القبلة.
هذا هو مذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة الإسلام قالوا: إن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة
_________________
(١) هو سليمان بن خلف بن سعد التجيبي الأندلسي القرطبي حافظ، إمام، علامة (ت ٤٩٤ هـ) انظر السير: ١٨/ ٥٣٥، وتذكرة الحفاظ: ٣/ ١١٧٨.
(٢) المنتقى: ١/ ٢٩٦، وعنه في الشفا: ٢/ ٦٧٢، وقاعدة جليلة ضمن الفتاوى: ١/ ٢٣١، والرد على الأخنائي ص: ١٠٥، والصارم المنكي: ١٢٦.
(٣) الصارم: ٢٦٠.
(٤) الرد على الأخنائي ص: ١٠٥.
[ ٢ / ٦١٤ ]
ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه.
واختلفوا في وقت السلام عليه فقال الثلاثة -مالك والشافعي وأحمد-: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم.
ثم في مذهبه قولان: قيل يستدبر الحجرة وقيل يجعلها عن يساره، فهذا نزاعهم في وقت السلام، وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة لا الحجرة كما يستقبل القبلة إذا دعا بعرفة والصفا والمروة، وعند الجمرات (^١).
وأما ما يروى عن بعض العلماء أنهم ذكروا الدعاء بعد السلام على النبي ﷺ فهو إن ثبت محمول على أنهم إنما أرادوا الدعاء اليسير الذي لم يُتَحَرَّ وإنما جاء ضمنًا، وسيأتي أن الدعاء اليسير بدون تحر والذي يجيء ضمنًا جائز، ويدل على هذا الحمل ألفاظ الأدعية المروية عنهم في ذلك فإنها يسيرة وفي ضمن السلام: فقد روي عن أحمد ﵀ في منسك المروذي (^٢) أنه قال: "ثم ائت الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر فصل فيها وادع بما شئت ثم ائت قبر النبي ﷺ، ثم ذكر صيغة السلام والشهادتين والثناء على الرسول الله ﷺ ثم ذكر الدعاء للرسول ﷺ بقوله: "فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، ورفع درجتك العليا وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم" ثم ذكر الدعاء لنفسه بقوله: "اللهم احشرنا في زمرته وتوفنا على
_________________
(١) قاعدة في التوسل ص: ٦٨، أو المطبوعة ضمن الفتاوى: ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣، ٢٢٩ - ٢٣٠، والرد على البكري: ٢٥، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٤٤، والرد على الأخنائي: ٣١، والعقود الدرية: ٢٢٤، مع تصحيف في النسخة، والكواكب الدرية: ١٥٥ - ١٥٦، والفتاوى: ٢٧/ ١١٧، ١٩٠، والجواب الباهر: ١٧.
(٢) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج صاحب الإمام أحمد وكان أجلّ أصحابه وأورعهم (ت ٢٧٥ هـ)، تاريخ بغداد: ٤/ ٤٢٣، والعبر: ١/ ٣٩٦، والسير: ١٣/ ١٧٣.
[ ٢ / ٦١٥ ]
سنته، وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشربًا رويًا لا نظمأ بعده أبدًا" (^١).
فهذا الدعاء للنفس بعد الدعاء للنبي ﷺ إنما جاء ضمنًا ولم يتحر ثم، إنه يسير، ومما يستفاد من ألفاظ الأدعية التي ذكرها الإمام أحمد أنه "لم يذكر أن يطلب منه ﷺ شيئًا ولا يقرأ عند القبر قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية، كما لم يذكر مالك ذلك ولا المتقدمون من جمهور العلماء" (^٢) لأن هذه الأمور مما أحدث بعد القرون المفضلة، "فالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئًا ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة لا شفاعة، ولا استغفارًا ولا غير ذلك، وإنما نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة" (^٣).
هذا ومما يدل على أن هذا الدعاء اليسير الذي ذكره أحمد لم يتحر فيه أن أحمد ﵀ قال قبل ذلك: "ثم ائت الروضة … وادع بما شئت" فهذا يدل على أن الروضة هي المكان الذي يتحرى فيه الدعاء فلهذا أطلق الإمام أحمد الدعاء فيها، والزائر للمسجد عليه التحري والاجتهاد للدعاء في الروضة لا عند القبر.
وهذه النصوص من أئمة السلف وبعض الأئمة الأربعة ترد على المتأخرين الذين يَدَّعُوْن أنهم على مذهبهم فإن بعضهم قد استحب الدعاء عند قبر النبي ﷺ وغيره (^٤).
_________________
(١) الرد على الأخنائي: ١٠٥، ١٠٦، والصارم: ١٢٦.
(٢) الرد على الأخنائي ص: ١٢٦، والصارم: ١٢٦.
(٣) الرد على الأخنائي ص: ١٠٦، والصارم: ١٢٧.
(٤) انظر فتح القدير لابن الهمام ٣/ ٩٥ - ٩٦، والمدخل لابن الحاج: ١/ ٢٥٢، ومراقي الفلاح: ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وانظر ما ادعاه الداجوي في البصائر من أن القبور ترقق القلب والدعاء مطلوب عند الرقة. البصائر ص: ٨٧، كما في الإرشاد: ٢٦٢.
[ ٢ / ٦١٦ ]
فتبين مما سبق أن علماء السلف أجمعوا في قبر النبي ﷺ مع أنه أشرف الخلق وأكرمهم على الله، وأفضل الأولين والآخرين، على أنه لا يستقبل عند الدعاء فضلًا أن يدعي من دون الله ويتخذ قبره عيدًا، فكيف بقبر غيره ممن هو دونه بكثير؟ (^١).
ويعلم من هذا أنه إذا اتفق السلف في أن قبر النبي ﷺ لا يتحرى الدعاء عنده دل ذلك على أن السلف يرون أن تحري باقي القبور بدعة من باب أولى وأحرى.
٦ - ومما يدل على بدعية تحري الدعاء عند القبور أن النبي الله ﷺ نهى عن الصلاة عند القبور وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد.
فقد روى أبو مرثد الغنوي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" (^٢)، وقال في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" (^٣)، وقد نصح أمته وأوصاهم قبل أن يموت بخمس، فقال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (^٤). والعلة في النهي عن الصلاة عند القبور كون ذلك يؤدي إلى الافتتان بها، فمن باب أولى النهي عن الدعاء عندها لأن الفتنة هنا أشد.
قال شيخ الإسلام: "إن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع الشرك بقصدها، وبالعكوف عليها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة، ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة، فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء أو لدفع شر كالاستنصار، فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها أعظم من حال
_________________
(١) قاعدة ضمن الفتاوى: ١/ ٣٥٩، والفتاوى: ٢٧/ ١٢٢، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٤٤.
(٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٦٦٨ رقم ٩٧٢.
(٣) تقدم تخريجه ص: ٤٥٦.
(٤) تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.
[ ٢ / ٦١٧ ]
من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد تفتن قلوبهم بذلك إلا قليلًا، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جدًا، فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد" (^١)، وذلك لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، وقد تحقق وجود العلة هنا فالدعاء عند القبر ذريعة بدون شك ولا ريب إلى دعاء صاحب القبر فيكون منهيًا عنه عند القبر كما نهي عن الصلاة عنده.
وهذا الذي سبق يبين أن علة النهي عن اتخاذ القبور مساجد هو الخوف من عبادتها وقد نص على هذه العلة الإمام الشافعي (^٢) وغيره، وهذا القول هو القول الصحيح من قولي العلماء (^٣).
وقيل النجاسة، وهذا قول ضعيف (^٤) لأنَّه لا يمكن في قبور الأنبياء ادعاء النجاسة كما هو واضح.
ثم من العجب العجاب، أنه مع صحة الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد يقول بعض الناس: "إنّ من اتخذ مسجدًا قرب رجل صالح أو صلى في مقبرة قصدًا للتبرك بآثاره وإجابة دعائه هناك والاستظهار بروحه فلا حرج" (^٥).
_________________
(١) اقتضاء الصراط: ٣٣٧ - ٣٣٨، ونحوه في منهاج السنة: ٢/ ٤٣٩.
(٢) انظر الأم: ١/ ٢٤٦.
(٣) انظر في هذا: منهاج السنة: ٢/ ٤٣٩، ورأس الحسين ص: ١٨٩، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٤٧، والمغني لابن قدامة: ٢/ ٧٢.
(٤) ملحق المصنفات: ٩٠، وحاشية ابن عابدين: ١/ ٣٥٢، وأحكام الجنائز للألباني ص: ٢١٥، وتحذير الساجد له: ٤٤ - ٤٥، وأبطله في إغاثة اللهفان بتسعة وجوه: ١/ ١٤٧.
(٥) انظر إكمال الإكمال للأبي: ٢/ ٢٣٤، ومقالات الكوثري: ١٥٧ - ١٥٩، وانظر أيضًا ما نقله الصنعاني عن البيضاوي في سبل السلام: ١/ ٢٥٦، وشرح الزرقاني على الموطأ: ٤/ ٢٣٣، وفيض القدير للمناوي: ٤/ ٤٦٦.
[ ٢ / ٦١٨ ]
ولا يخفى أن هذا مصادمة للنص الصحيح الصريح في دلالته، ولا سبب لهذا -والله أعلم- إلا الجري وراء مألوفات العوام والتقليد الأعمى.
وقد يكون هذا من تأثير الروافض في عوام أهل السنّة؛ لأن من آداب زيارة الأئمة عندهم صلاة الزائر عند الفراغ وإهداءها إلى المزور وإن كان ممن يدعون له العصمة فالأفضل الصلاة عند رأسه، ولا يتقدم على القبر ولا يساويه ولا يستدبره، كما أن من الآداب عندهم الدعاء بعد الصلاة وتقبيل العتبة (^١).
ومما يدل على تأثيرهم في أهل السنة ما ذكره ابن كثير من بعض ملوك أهل السنّة من قصد قبور أئمتهم للدعاء عنده (^٢). وذكر نحوه ابن الجوزي (^٣).
ومما يزيد هذا الدليل وضوحًا: أن النبي ﷺ نهى (^٤) عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى التشبه بالذين يسجدون لها ويدعونها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها بأنواع الأدعية، فيعلم من هذا أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريمًا من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب، كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد -فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى
_________________
(١) انظر المصباح للكفعمي ص: ١٧٩، ٤٩٢، ٤٩٣، ٤٩٤، ٥٠٣، ٥٠٤، وأخرج الكليني في الكافي في زيارة الحسين بإسناده عن أبي عبد الله قال: "إذا فرغت من السلام على الشهداء فائت قبر أبي عبد الله "ع" فاجعله بين يديك ثم تصل ما بدا لك" الكافي: ٣/ ٣٦٢ ط/ ح.
(٢) البداية والنهاية: ١٢/ ١٥٢، وانظر ما يقع في المشهد الكاظمي من الازدحام في: دراسات تاريخية للعمري ص: ٢٥٨.
(٣) المنتظم لابن الجوزي: ٨/ ١٠٥.
(٤) قد روى ذلك عدة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو هريرة وغيرهم، حديث ابن عمر في البخاري: ٢/ ٦٠ رقم ٥٨٥، ومسلم: ١/ ٥٦٧ رقم ٨٢٧، وحديث أبي هريرة في البخاري: ٢/ ٦١ رقم ٥٨٨، ومسلم: ١/ ٥٦٦ رقم ٨٢٥.
[ ٢ / ٦١٩ ]
دعائهم والسجود لهم - كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريمًا من اتخاذ قبورهم مساجد (^١)، وذلك لأن الحكم في المقاصد والغايات أشد من الوسائل والذرائع، وهذا كله يدل على أن الدعاء عند القبور وسيلة وذريعة إلى دعاء صاحب القبر أكثر من كون الصلاة عند طلوع الشمس ذريعة إلى عبادتها أو دعائها فيكون أولى بالمنع وأحرى وأوكد.
٧ - إن من قواعد الشرع الأصلية العظيمة قاعدة سد الذرائع، فهي قاعدة اتفق عليها العلماء، والدعاء عند القبر ذريعة إلى دعاء صاحب القبر، وذلك أن الشيطان العدو اللدود للإنسان يتلطف في إغوائه فيزين له في بداية أمره الدعاء عند القبر وأنَّه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله إلى درجة أخرى وهي الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذه الدرجة أعظم من التي قبلها، فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجع في قضاء حاجته، نقله إلى درجة أخرى، وهي دعاء صاحب القبر من دون الله تعالى، فإذا تقرر ذلك نقله إلى درجة أخرى وهي اتخاذ قبره وثنًا يعكف عليه ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور ويبني عليه القبة، ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه، والحج إليه والذبح عنده.
ثم إذا تقرر هذا ينقله إلى درجة أخرى وهي دعوة الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا ومنسكًا وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم (^٢).
_________________
(١) قاعدة في التوسل: ١/ ١٦٤ - ١٦٥، ٣٢١، والجواب الباهر: ٧٢، ورأس الحسين ص: ١٨٩ - ١٩٠، واقتضاء الصراط ص: ٦٣، ٣٣٤، والفتاوى: ٢٧/ ١٢٣ - ١٢٤، والجواب الكافي: ١٣٧ - ١٣٨، ومفيد المستفيد: مؤلفات الشيخ قسم العقائد: ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٢) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧ - ١٦٨، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠، وانظر ما تقدم ص: ٤٨٣ - ٤٨٤.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
ولهذا سد الشارع الحكيم على الشيطان هذه المداخل وحسم مادة الشرك ومنع من كل ما يؤدي إلى دعاء غير الله تعالى، ومن هنا يعلم سر منع الشريعة الإسلامية من تحري الدعاء عند القبر؛ لأن ذلك من أقرب الوسائل التي توصل إلى دعاء صاحب القبر، ومع أن الشارع قد سد هذه الطرق ومنعها، قد وقع ذلك، وحصل من بعض المسلمين اعتقاد إجابة الدعاء عند القبور فأدى ذلك إلى مفاسد كثيرة، وفتن بسببه خلائق من القبوريين حتى صاروا يقيمون الأعياد عندها في يوم معين من السّنة ويقصدون ذلك اليوم كما تقصد عرفة ومنى ومزدلفة بل ربما أكثر من ذلك، وصاروا يسافرون إليها من مسافات بعيدة ويشدون الرحل لقصد الدعاء والعبادة عندها أو الدعاء بها أو دعائها، وهذا الذي يفعل عندها هو بعينه الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا" (^١).
وقد أنكر العلماء ذلك إنكارًا شديدًا، منهم الإمام أحمد ﵀، فإنه أنكر ذلك وقال: وقد أفرط الناس في هذا جدًا وأكثروا وذكر ما يفعل عند قبر الحسين (^٢).
فإذا كان هذا الحال في وقت الإمام أحمد وشدة إنكاره لما يقع في زمانه، فكيف لو رأى ما يفعله القبوريون في هذا الزمان؟
وهذه المفاسد الكثيرة سببها اعتقادهم استجابة الدعاء عند القبر أكثر من غيره، وأنَّه أفضل هناك، وإلا فلو لم يقم بالقلب اعتقاد فضل الدعاء عند القبور لانمحت هذه الفتن والمفاسد التي عمّت بلاد المسلمين وشب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، فتحصل من هذا أنه إذا كان اعتقاد فضل إجابة الدعاء عندها يؤدي إلى هذه المفاسد كان حرامًا، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق وفتحًا لباب الشرك، وإغلاقًا لباب الإيمان (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.
(٢) اقتضاء الصراط: ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٣) اقتضاء الصراط من ٣٧٧.
[ ٢ / ٦٢١ ]
حكم الدعاء عند الأضرحة:
إن الدعاء عند قبر ولي أو نبي أو ما يعتقد أنه قبر نبي أو ولي ولم يكن كذلك له ثلاث صور - كما تقدم (^١) - والحكم يختلف بحسب اختلاف الصور:
فالصورة الأولى: أن يقصد القبر ويتحراه للدعاء عنده فقط معتقدًا أن الدعاء هناك أجوب وأن لذلك المكان خصوصية في إجابة الدعاء، وأن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت.
الثانية: أن يقصد القبر للزيارة والدعاء عنده معتقدًا لما تقدم.
الثالثة: أن يحصل الدعاء عند القبر بحكم الاتفاق بدون قصد وتحر كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنّة (^٢).
الحكم في هذه الصور:
إن الصورة الأولى والثانية فيهما تحري الدعاء عند القبر، والتحري له حكم خاص لأن الرجل ما يتحرى ويخصص مكانًا معينًا للدعاء إلا وقد سيطر على لبه وعقله اعتقاد أن لذلك المكان خصوصية ودخلًا في إجابة الدعاء، فلذا توجه إلى تلك البقعة، والأصل في الشرع "أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء" (^٣) فمن هنا صار تحري الدعاء عند القبر ممنوعًا.
وأما لو وقع الدعاء ضمنًا بدون تحر فالحكم يختلف "كما أن من دخل المسجد فصلى تحية المسجد ودعا في ضمنها لم يكره ذلك، أو
_________________
(١) تقدم ص: ٥٠٨.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٣٦.
(٣) اقتضاء الصراط: ٣٦٥، وعنه في الصارم المنكي ص: ٢٨٢.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
توضأ في مكان وصلى هناك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك، ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد نهي عن هذا التخصيص" (^١).
فتبين من هذا أن تحري الدعاء عند القبر بدعة منكرة وهي من البدع التي تضارع دين النصارى بل يخشى أن تصل في بعض الأحوال إلى الشرك الواضح (^٢)، فهو وإن لم يصل في جميع صوره إلى الشرك لكنه باب واسع يوصل إلى الشرك وذريعة إليه.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "أما بناء القباب عليها فيجب هدمها ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء فكذلك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك فيشتد نكير العلماء لذلك … وذكر العلماء أنه يجب التغليظ في هذه الأمور لأنَّه يفتح باب الشرك" (^٣).
وأما الحكم في الصورة الثالثة: وهي ما إذا لم يتحر الدعاء عند القبر، وجاء عند القبر للزيارة فقط، أو مر على المقبرة فسلم ودعا لأهل المقبرة ثم دعا لنفسه، فالحكم في هذه الصورة أن الدعاء لا بأس به لأنَّه وقع ضمنًا وتبعًا، ولم يقصد ويدل على ذلك الأحاديث الواردة في السلام على أهل القبور.
_________________
(١) الاقتضاء ص: ٣٧٠.
(٢) انظر مؤلفات الشيخ القسم الثالث: الفتاوى: ٦٠، وقد ذكر شيخ الإسلام أن تحري استقبال الجهة التي فيها المعظم في الدعاء شرك واضح وأنَّه من البدع التي تضارع دين النصارى. اهـ. انظر الاقتضاء ص: ٣٦٥، ونحوه قول الشوكاني (فهو على خطر الوقوع في الشرك فضلًا عن كونه عاصيًا) الدر النضيد: ٤٧.
(٣) مؤلفات الشيخ القسم الثالث، الفتاوي: ٧٠، وانظر الرد على البكري ص: ٢٦، هذا وربما يفهم من كلام ابن تيمية المنقول في الحاشية السابقة أنه شرك ولكن كما أشرنا أن ذلك إذا اقترن بالدعاء عند القبر تعظيم له يصل إلى حد الشرك أو قصد الاستمداد من روح الميت المزور مما يفيض عليه كما تقدم في ص: ٥١٥.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
فقد ورد في حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قوله ﵊: "أسأل الله لنا ولكم العافية" (^١)، وفي حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين" (^٢).
وهذا الدعاء الذي لم يتحر فيه يكون في الغالب يسيرًا وخفيفًا كما في الحديثين السابقين، وعلى هذا يحمل ما ورد عن بعض السلف أنهم ذكروا في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ والصلاة والسلام عليه يدعو مستقبل القبلة "فقد ذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام، ثم يدعو لنفسه، وذكر أنه إذا حَيَّاه وصلى عليه يستقبل وجهه -بأبي هو وأمي ﷺ، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقًا، بل يؤمر به للميت كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء للقبر للدعاء عنده" (^٣) فتقرر بهذا جواز الدعاء الواقع عند القبر بدون تحر.
ولكن جواز الدعاء إذا وقع بدون تحر ليس أمرًا متفقًا عليه بين العلماء فقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من منع الدعاء مطلقًا، ومنهم من أجاز ذلك بشروط.
فالمنقول عن السلف والذي تقتضيه عباراتهم أنهم يكرهون الوقوف عند القبر مطلقًا وقد تقدم قول مالك ﵀: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي".
فهذا يقتضي أن مالكًا يرى عدم الوقوف عند القبر مطلقًا سواء تحرى الدعاء أم لا.
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٢/ ٦٧١ رقم ٩٧٥.
(٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٦٧١ رقم ٩٧٤.
(٣) اقتضاء الصراط: ٣٦٤، والصارم: ٢٨١.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وهذا هو الذي مال إليه شيخ الإسلام، فإنه بعد أن ذكر هذا القول قال: "وهو أصح" (^١) وذلك لأن الوقوف عند القبر للدعاء حتى ولو لم يتحر فيه صاحبه فإنه يخشى أن يكون ضررًا لغيره ممن يرونه لاسيما إذا كان الداعي ممن يقتدى به ففيه تغرير لهم وإيهام.
فالأولى الاقتصار على السلام الوارد في زيارة القبور وعلى الدعاء الذي تضمنه بدون زيادة عليه.
الخلاصة:
إن جواز الدعاء عند القبر له عدة شروط، قلما تتوافر في غير الملتزم بالزيارة الشرعية وتلك الشروط هي:
١ - عدم التحري.
٢ - وقوعه ضمنًا وتبعًا لا استقلالًا.
٣ - أن يكون يسيرًا.
٤ - أن لا يحصل به تغرير علي غيره (^٢).
٥ - واشترط ابن الهمام الحنفي صاحب فتح القدير أن يكون قائمًا (^٣).
وهذا الشرط يقتضيه المنقول عن النبي ﷺ فلم ينقل أنه عكف عند القبر، وأما ما تفعله بعض الطوائف من الجلوس عند البقيع وغيره من القبور وقراءة الأدعية المكتوبة فبدعة ظاهرة لمخالفته لهذه الشروط كلها مع ما فيه من التوسل المبتدع، والسجع المتكلف، والبكاء المفتعل، وقراءة الادعية بأصوات تشبه الغناء، والاجتماع على ذلك إلى غير ذلك من البدع المصاحبة لعمل أولئك الطوائف من الرافضة ومقلديهم من القبوريين.
_________________
(١) اقتضاء الصراط: ٣٧٠.
(٢) انظر هذا الشرط عند الشوكاني في الدر النضيد ص: ٤٧.
(٣) فتح القدير: ٢/ ١٤٢، والبحر الرائق: ٢/ ١٩٦، والفتاوى الهندية: ١/ ١٦٦.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
النوع الثاني: التوسل بالذوات:
إن التوسل بالذوات قد انتشر في أدعية المتأخرين حتى كاد أن لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم، كأنه شرط أساسي لقبول الدعاء، وكأن الله ﷾ لا يقبل الدعاء إلا إذا توسل إليه الداعي بأنبيائه وأوليائه وأحبابه.
ثم إن بعض الناس جعلوه ذريعة لإباحة وتسويغ دعاء غير الله والاستغاثة بالأموات والغائبين، وسموا ذلك توسلًا بهتانًا وكذبًا وزورًا وافتراءً.
فاقتضى هذا الحاجة إلى معالجة قضايا التوسل وبيان بعض جوانبه المهمة؛ لأن دراسة جميع مسائله وقضاياه تحتاج إلى رسالة مستقلة تلم بجميع جوانبه.
فلهذا أقتصر على بعض مسائله التي هي ضرورة لاكتمال جوانب البحث في الرسالة والله ولي التوفيق.
المعنى اللغوي لكلمة التوسل:
التوسل (^١) مصدر لتوسل يقال: توسلت إليه أي تقرّبت إليه، وتوسلت إلى الله وسيلة أي عملت عملًا أتقرب به إليه، فمعناه التقرب، ومن معناه الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل الراغب إلى الله تعالى ومنه قول الشاعر:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم … بلى كل ذي دين إلى الله واسل (^٢)
_________________
(١) انظر معنى هذه المادة في الكتب التالية: مجاز القرآن: ١/ ١٦٤، والصحاح: ٥/ ١٨٤١، والطبري: ٦/ ٢٢٦، والمخصص: ١٢/ ٢٢٤، والعين: ٧/ ٢٩٨، وتهذيب اللغة: ١٣/ ٦٧، ومعجم مقاييس اللغة: ٦/ ١١٠، واللسان: ٨/ ٤٨٣٧، والنهاية: ٥/ ١٨٥، وتاج العروس: ٨/ ١٥٤، والمفردات: ٥٢٣.
(٢) البيت للبيد بن ربيعة العامري، انظر ديوانه ص: ١٣٢، ومعجم مقاييس اللغة: ٦/: ١١٠، وتهذيب اللغة: ١٣/ ٦٧، والعين: ٧/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
ويقال أيضًا: وَسَّل فلان إلى ربه وسيلة، إذا عمل عملًا تقرب به إليه، والوسيلة هي الفعيلة من قول القائل توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه، ومنه قول عنترة:
إنَّ الرجال لهم إليكِ وسيلةٌ … أَنْ يأخذوكِ تَكَحْلِي وتَخَضَّبِي (^١)
يعني بالوسيلة القربة وفيه معنى الرغبة، قال الراغب الأصفهاني: "والوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة لتضمنها لمعنى الرغبة".
والوسيلة أيضًا ما يتقرب به إلى الغير والجمع الوسيل والوسائل، ويحتمل أنه بمعنى الحاجة في بيت عنترة المتقدم كما قال أبو عبيدة معمر بن المثنى.
فتحصل من هذا أن الوسيلة تطلق على الأمور التالية:
١ - القربة.
٢ - الرغبة.
٣ - الحاجة.
٤ - وورد إطلاقها على المنزلة عند الملك، ومنه اللهم رب هذه الدعوة. . . آت محمدًا الوسيلة".
وهذه المعاني متقاربة بل هي متداخلة ومتلازمة فإن الرغبة والحاجة والتقرب قرائب في المعنى ويستلزم بعضها بعضًا.
فهذا هو معنى التوسل والوسيلة حسبما تدور عليه عبارات اللغويين.
وأما المعنى الشرعي فهو أيضًا مأخوذ من هذا المعنى اللغوي، فهو:
التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة على وفق ما شرعه الله تعالى.
ويكون معنى ابتغاء الوسيلة إلى الله الوارد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
_________________
(١) ديوان عنترة ص: ٣٣.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. هو "التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول ﷺ" (^١).
هذا هو إطلاق التوسل في اللغة وفي الشرع.
وأما التوسل في عرف بعض المتأخرين فيطلق على التوسل بالذوات الفاضلة كما يطلق على دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به.
فقد تغيرت المفاهيم عندهم ودخل في الأسماء الشرعية تحريف عن وضعها الشرعي، فالعبادة عندهم لا تطلق إلا على نحو السجود والركوع، ومثل ذلك يقال في معنى الشرك والكفر وغير ذلك.
وقد تسبب هذا في أنهم أجازوا دعاء الموتى ونداءهم باسم التوسل.
فهذا هو السبب الذي اقتضى البحث في موضوع التوسل؛ لأنَّه لو سد باب إباحة التوسل البدعي لانسد باب دعاء غير الله تعالى؛ لأن التوسل البدعي هو الباب الرئيسي الذي يدخل منه الشيطان ليزين لبعض الناس دعاء غير الله تعالى.
خلاصة الكلام في هذه المسألة (^٢):
إن لفظ التوسل فيه اشتراك وإجمال قد حصل بسببه لبس وخلط وإيهام.
وذلك لأن التوسل يطلق شرعًا وفي عبارة السلف على أمرين:
أحدهما: التوسل والتقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الإيمان به
_________________
(١) قاعدة في التوسل: ٤٨.
(٢) انظر هذه الخلاصة في الكتب التالية: قاعدة في التوسل: ١٤، ٤٨، ٥٠، ٧٩ - ٨٠، واقتضاء: ٤١٦، والرد على البكري: ٤٥، ومصباح الظلام: ١٧٨، وتحفة الجليس: ١٢٠ - ١٢١، ومعارج الألباب: ١٦٨، ١٨٣، والمنار: ٢/ ٧٣، وإرشاد الناظر: ٢٣٧، ومعارج القبول: ١/ ٥٠٠، وشرح الطحاوية: ٢٠٣.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وتوحيده والإيمان برسوله وتصديقه ومحبته وطاعته، وجميع الأعمال الصالحة المشروعة.
وثانيهما: طلب الدعاء والشفاعة من الرجل الحي الحاضر مثل قول عمر ﵁: كنا نتوسل إليك بنبينا إلى آخره، وسيأتي مفصلًا إن شاء الله تعالى.
وهذان الإطلاقان صحيحان ثابتان واردان في الشرع وفي عبارة السلف، إلا أن هناك إطلاقين آخرين عند المتأخرين لا يعرفون من التوسل إلا إياهما.
وهذان الإطلاقان:
أحدهما التوسل بذوات الصالحين.
وثانيهما: نداء الأموات والغائبين واستغاثتهم، والصراخ والهتاف بأسمائهم.
فهذان المعنيان يطلق عليهما لفظ التوسل عند المتأخرين، مع أن هذا إطلاق لم يكن معروفًا لا في اللغة العربية ولا في الشرع ولا في إطلاقات السلف.
وحتى لا يقول أحد: إننا نفتري على الآخرين ننقل هنا كلام أحد المتأخرين وهو سلامة العزامي (^١)، فإنه ذكر أن التوسل بالذوات الفاضلة على ثلاثة أنواع فقال:
النوع الأول: أن يسأل الله مستشفعًا بهم كأن يقول: اللهم إني
_________________
(١) سلامة بن هندي العزامي القضاعي النقشبندي، صوفي له ترجمة طويلة في آخر كتابه البراهين الساطعة، يعرف من تلك الترجمة توغله في التصوف والخرافات، وله مؤلفات في نشر البدع ومحاربة السنة، منها فرقان القرآن، والبراهين الساطعة (ت ١٣٧٦ هـ) وقد اعتمد على كتاباته العلوي المالكي فيما انتحله في كتابه المفاهيم.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
أسألك بنبيك محمد أو أتوجه إليك به … (^١).
النوع الثاني: أن يطلب المتوسل من المتوسل به أن يشفع إلى الله في حوائجه بأن يدعو الله له في قضائها (^٢).
النوع الثالث: أن يطلب نفس الحوائج منه وهو يريد منه وهو يريد أن يتسبب في قضائها من الله بشفاعته فيها عند الله سبحانه (^٣).
فقد صرح العزامي في هذا الكلام بأن التوسل بالذوات يطلق ويراد منه ثلاثة أنواع:
١ - السؤال بهم.
٢ - التشفع بهم والمراد به الشفاعة الشركية التي تقدمت.
٣ - طلب الحوائج منهم أنفسهم.
فهو قد أدخل الشفاعة أيضًا في معنى التوسل كما أطلقها أيضًا على الاستغاثة ونداء الميت لطلب الحوائج منه، فهو بهذا يجيز بل يستحسن طلب قضاء الحوائج من الموتى وهو يصرح بهذا، والشرط الوحيد الذي يشترطه هو عدم اعتقاد الربوبية فإنه قال: "ولا يفسد التوسل بالأنبياء والصالحين إلَّا أن يجعلهم أربابًا من دون الله ويتخذ هذا الجعل وسيلة إليهم أن يشفعوا له، فهذا لا ينفعه شيء من التوسل ولا غيره" (^٤).
وسيأتي (^٥) مناقشة ما يتعلق بمسألة قولهم: إن عدم اعتقاد الربوبية كاف في عدم الشرك.
_________________
(١) فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان: ١١٧.
(٢) المرجع نفسه: ١٢١ - ١٢٢.
(٣) المرجع نفسه: ١٢٢. وقد ذكر السمهودي أيضًا أن التوسل "يطلق على الطلب من النبي ﷺ لكونه سببًا وشافعًا". اهـ. وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٤.
(٤) فرقان القرآن ص: ١٢٧ - ١٢٨.
(٥) سيأتي ص: ٨٥٦.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
إن هذا التوسع في معنى التوسل والخلط بين الأسماء الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنّة وبين الأسماء المبتدعة المستحدثة، هو أحد الأمور التي يلبس بها الشيطان على كثير من الناس فيظنون البدعة سنة والمنكر معروفًا.
مع العلم بأننا لم نجد أحدًا من المفسرين واللغويين فسر التوسل بالتوسل بالذوات على هذا الوجه الذي ذكروه، وقد تقدم نقل كلام اللغويين الذي لا يخرج عن معنى التوسل المشروع.
وبعد أن انتهينا من التعريف لمعنى التوسل نذكر أنواعه وبالله التوفيق.
أقسام التوسل:
ينقسم التوسل إلى قسمين: مشروع، وممنوع. وكلاهما ينقسم إلى أنواع:
أنواع التوسل المشروع:
أوصلها بعضهم (^١) إلى ستة أنواع، وعند التأمل ترجع تلك الأنواع المشروعة إلى ثلاثة أنواع:
أ - التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا:
ويدخل تحته التوسل بإضافة اسم الرب جل وعلا إلى عباده الصالحين كما في حديث عائشة ﵂: "اللهم رب جبريل
_________________
(١) قد ذكر الشيخ محمد بشير السهسواني للتوسل المشروع ستة أنواع:
(٢) التوسل بالأسماء الحسنى.
(٣) التوسل بالأعمال الصالحة.
(٤) التوسل بتصديق النبي ﷺ والإيمان به.
(٥) التوسل بدعاء النبي ﷺ في حال حياته.
(٦) التوسل بإضافة الرب إلى عباده الصالحين نحو رب جبريل … إلخ.
(٧) التوسل بالصلاة على النبي ﷺ. انظر صيانة الإنسان: ٢٠٣ - ٢٠٦.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وميكائيل وإسرافيل … " (^١).
فإن هذا توسل إلى الله تعالى بربوبيته لهؤلاء العباد المكرمين، فالربوبية صفة من صفاته العليا، فهذا قسم داخل تحت التوسل بالأسماء الحسنى والصفات العليا وليس قسيمًا له فلا حاجة لعده قسمًا آخر.
والتوسل بأسماء الله الحسنى مشروع قد أمرنا الله به، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وفي الأمر بالدعاء بالأسماء الحسنى نهى عن الدعاء بغيرها.
وفي معنى هذه الآية قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" (^٢).
فمن معاني الإحصاء السؤال بها، وقد ذكر بعض العلماء أنه لا يجوز الدعاء بغير الأسماء التسعة والتسعين (^٣) فهذا القول وإن كان فيه نظر -لما ثبت من الدعاء بغيرها- لكنه يدل بطريق الأولى على عدم جواز الدعاء بغير أسماء الله وصفاته من أسماء المخلوقين.
ب - التوسل بالأعمال الصالحة:
ويدخل تحته التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وتصديقه وطاعته واتباعه، والتوسل بمحبة الصالحين في الله ولله، لأن هذا توسل بعمل الداعي وليس قسيمًا له فلا حاجة لعده قسمًا آخر، كما يدخل تحته التوسل بالصلاة على النبي ﷺ، فهذا أيضًا توسل بعمل الداعي وليس قسيمًا له كما هو واضح.
وقد شرع الله لنا التوسل بالأعمال الصالحة التي عملها الداعي، وقد ورد هذا التوسل في آيات عدة ذكر الله فيها أدعية الأنبياء والصالحين التي
_________________
(١) يأتي تخريجه ص ٧٣٥.
(٢) تقدم ص: ٢٠٣.
(٣) انظر الفتح: ١١/ ٢٢٠، والفتاوى: ٦/ ١٤٢، والفتاوى الكبرى المصرية: ١/ ٦٣٢.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
توسلوا فيها بأعمالهم الصالحة، فمن تلك الآيات ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦]. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
ومنه حديث أصحاب الغار المشهور (^١) حيث توسل أحدهم ببره لوالديه والثاني بعفته والثالث بأدائه للحقوق.
وهذا النوع الثاني تحته صورتان:
إحداهما: التوسل بالأعمال الصالحة إلى طلب حصول ثواب الله تعالى ورحمته ورضوانه فإن الأعمال الصالحة هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدارين.
ومن هذه الصورة الآيات السابقة، ففي تلك الآيات توسل بالإيمان إلى طلب المغفرة والرحمة.
وثانيتهما: التوسل بالأعمال الصالحة التي سبق للمتوسل أن عملها -إلى طلب إجابة دعائه وإعطاء سؤله وقضاء حوائجه ونيل مرامه في الدنيا (^٢).
ويظهر من تتبع الأدعية المأثورة الواردة في الكتاب والسنة -كثرة الصورة الأولى التي الهدف الأكبر منها الأمر الأخروي.
وأما الصورة الثانية فأقل من الأولى، فهي ليست بكثيرة بالنسبة إلى الأولى ولكنها جائزة ثبتت بأدلة صحيحة منها حديث الغار.
والمقصود بهذا الكلام أن التوسل بالأعمال الصالحة إلى طلب قضاء الحاجات الدنيوية قليل في الأدعية الواردة إذا قسناه إلى التوسل بها إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٤/ ٤٠٨ رقم ٢٢١٥، ومسلم: ٤/ ٢٠٩٩ رقم ٢٧٤٣.
(٢) انظر الإشارة إلى الصورتين في قاعدة التوسل: ١٢٢ - ١٢٣.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
طلب النجاة من النار وطلب المغفرة ونحو ذلك من الأمور التي تتعلق بالآخرة، فهذا كثير في الأدعية الواردة.
وأما التوسل بالأعمال على قضاء الحوائج بإجابة الدعوات فهو أيضًا مأثور وثابت -وإن كان أقل من ذلك- ولم يرد في الأدعية القرآنية ولكنه ثابت صحيح، ومما ورد من ذلك حديث أصحاب الغار السابق.
ومن ذلك ما روي بإسناد صحيح عن هلال الوزان حدثنا عبد الله بن عكيم الجهني أحد الصحابة: "أنه أرسل إليه الحجاج بن يوسف، فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين"، ثم قال: "اللهم إنك تعلم أني لم أزن قط، ولم أسرق قط، ولم آكل مال يتيم قط، ولم أقذف محصنة قط، إن كنت صادقًا فادرأ عني شره" (^١).
هذا الصحابي قد توسل بأعماله الصالحة السابقة، ولم يتوسل بالنبي ﷺ ولا بأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين الأولين، فالتوسل بالأعمال الصالحة التي عملها المتوسل في حياته جائز ومشروع، فيدخل في ذلك توسل الرجل بإيمانه بالنبي ﷺ وطاعته ومحبته فإن هذه الأمور من عمل الرجل المتوسل وليست أمرًا أجنبيًا عنه ولكن من المعروف أن غالب المتوسلين بالذوات لا يعرفون هذا المعنى الصحيح ولا يخطر في مخيلتهم إلا المعنى المبتدع، فلهذا لا يصح تأويل توسلهم المبتدع بهذا المعنى الصحيح؛ لأنَّه حمل لكلام المتكلم على غير مراده.
جـ - التوسل بطلب الدعاء من الحي الحاضر:
فهذا النوع من التوسل جائز لثبوته من فعل الصحابة مع النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه الفسوي في التاريخ: ١/ ٢٣١، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد: ١/ ٤، وذكره المزي في تهذيب الكمال: ١٥/ ٣١٨، وهلال هو ابن أبي حميد الجهني مولاهم وهو ثقة كما في التقريب رقم ٧٣٣٣، وهو قد صرح بالسماع من ابن عكيم فالإسناد صحيح.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وإقراره لهم حيث كان أحدهم يأتيه فيطلب منه صلوات الله وسلامه عليه الاستسقاء لعموم المسلمين، أو يأتي فيطلب حاجته الخاصة كما طلب منه الأعمى الدعاء له برد البصر وغير ذلك من الأمثلة.
ولا يشترط في هذا أن يكون المطلوب منه أفضل من الطالب، فقد طلب عمر ﵁ ومعه السابقون الأولون من العباس بن عبد المطلب الاستسقاء، ومما لا شك فيه أن عمر أفضل من العباس رضي الله عن الجميع.
وهذا النوع الثالث تحته صورتان (^١):
إحداهما: أن يطلب من الحي الحاضر الدعاء فيدعو الحي الحاضر بدون أن يدعو الطالب المتوسل.
وثانيتهما: أن يطلب الدعاء من الحي الحاضر، ثم يدعو بنفسه أن يتقبل الله دعاء المتوسَّل به، أو يؤمِّنَ على دعائه، ففي هذه الصورة يوجد دعاء أن أحدهما من الحي المطلوب منه الدعاء، والآخر من الطالب نفسه.
وهذا مثل ما وقع في حديث استسقاء عمر وطلبه من العباس الدعاء فدعا العباس ودعا معه عمر والحاضرون. ومثله ما وقع في حديث الأعمى حيث دعا له النبي ﷺ ودعا الأعمى أيضًا أن يتقبل الله دعاء النبي ﷺ له ومن جملة دعائه "فشفعه في" أي تقبل شفاعته ودعاءه لي وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (^٢).
التوسل غير المشروع:
إن أنواع التوسل غير المشروع ثلاثة قد تقدم (^٣) ذكرها آنفًا ولا
_________________
(١) انظر عن هاتين الصورتين: قاعدة في التوسل: ١٢٣.
(٢) يأتي ص: ٧٤٨.
(٣) تقدم ص: ٦٢٩.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
حاجة لإعادتها وقد علمنا أن إطلاق اسم التوسل عليها لم يرد في الكتاب والسنّة وكلام السلف، لاسيما القسم الثاني الذي بمعنى الشفاعة الشركية والقسم الثالث الذي بمعنى الاستغاثة وطلب الحوائج والاستمداد من الموتى.
فهذه الإطلاقات محدثة مبتدعة ابتدعها المتأخرون، لتبرير وتسويغ دعاء غير الله تعالى بهذا الاسم -التوسل- المفتري عليه والذي حرفوا معناه وحقيقته الشرعية للتستر على دعاء غير الله تعالى.
والحقيقة لا تتغير بالادعاء وتغيير الأسماء، فإن العبرة بالمعاني والمقاصد لا بالألفاظ والعبارات.
فهذا التوسل بأنواعه الثلاثة ممنوع وبعضه أشد منعًا من بعض، وقد تقدم الكلام على النوعين الأخيرين في مبحث مراتب الدعاء غير المشروع، وهنا نتكلم على النوع الأول الذي هو السؤال بالذوات. وإليك بيان ذلك:
الأدلة على بدعية التوسل بالذوات:
إن التوسل بالذوات الفاضلة من البدع التي انتشرت في أدعية المتأخرين انتشارًا واسعًا مع بدعيته، حتى كاد أن لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم وهم يزعمون مشروعيته واستحبابه مع وضوح بدعيته، ونحن نوجز هنا الأدلة الدالة على بدعيته وبالله التوفيق وعليه التكلان.
١ - إن الدعاء من أهم العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف، والتوسل بالذوات لم يشرع في كتاب ولا سنة صحيحة صريحة، فهو بدعة لا يجوز التعبد به في الدعاء الذي هو من أهم العبادات، وقد سبق كيف نهى الشارع الحكيم عن الابتداع في الدين وحذر من ذلك أشد التحذير.
فدين الإسلام مبني على أصلين عظيمين ألا نعبد إلا الله وألا نعبده إلا بما شرع، فلم يثبت أن الله شرع لنا التعبد بالتوسل بالذوات فلا يجوز التعبد به.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
٢ - إن الله (^١) ﷾ قد ذكر في كتابه أدعية الأنبياء وأتباعهم وهي كثيرة جدًا، فلم يذكر في واحدة منها هذا التوسل البدعي، وإنما الذي ذكره الله هو التوسل المشروع وهو التوسل بالإيمان والعمل الصالح.
ولنضرب نماذج من أدعية الأنبياء وأتباعهم حتى تتضح الصورة الصحيحة للتوسل المشروع ولا يلتبس الحق بالباطل.
من ذلك دعاء يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]، فقد توسل يوسف ﵇ بالثناء على الله تعالى بما أنعم عليه من الملك وعلم الرؤيا، كما توسل باسم من أسماء الله تعالى وهو فاطر السموات والأرض، وتوسل بولاية الله له، وهذا هو التوسل المشروع ولم يتوسل بالأنبياء السابقين قبله من آبائه الكرام وغيرهم فلم يقل: "اللهم إني أسألك بجاه أو منزلة أو شرف آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈".
ومن ذلك دعاء سليمان ﵇: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٩] فقد سأل الله تعالى وتوسل إليه برحمته التي هي من صفاته العليا أن يدخله في عباده الصالحين ولم يتوسل إليه بآبائه إبراهيم ومن بعده إلى داود ﵈.
ومن ذلك دعاء أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]. فقد توسل إلى الله تعالى بكونه أرحم الراحمين وهو توسل بالأسماء الحسنى ولم يتوسل بآدم ولا نوح ولا الملائكة المقربين ولا بحملة العرش كما يفعله المولعون بالتوسل المبتدع.
_________________
(١) انظر الإشارة إلى هذا الوجه في التوسل أنواعه: ٤٦ - ٤٧.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
وإذا تجاوزنا أدعية الأنبياء ﵈ إلى أدعية أتباعهم التي ذكرها الله تعالى في كتابه نجدهم يتوسلون إلى الله تعالى بالتوسل المشروع ولا نجد حرفًا واحدًا من توسلهم بأنبيائهم مع أنهم بلا شك يحبون أنبيائهم أكثر من غيرهم.
فمن أمثلة ذلك ما ذكره الله تعالى عن الحواريين الذين مع عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٢، ٥٣] فقد توسلوا بإيمانهم بما أنزل الله وباتباعهم الرسول عيسى ﵇، ولم يتوسلوا بذات عيسى ولا بجاهه ولا بحرمته ولا شرفه.
ومن ذلك ما ذكره الله عن الذين يقاتلون مع نبي من أنبياء بني إسرائيل ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾ [البقرة: ٢٥٠].
فهؤلاء توسلوا إلى الله تعالى بربوبيته التي هي من مقتضى إجابته للدعاء ولم يتوسلوا بأنبياء بني إسرائيل ولا بالنبي الذي يقاتلون معه.
ومن ذلك ما ذكره الله في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٦، ١٤٧].
ومن ذلك ما ذكره الله عن أدعية صحابة رسول الله ﷺ لم نجد فيها حرفًا واحدًا من التوسل المبتدع، فمن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء: ٧٥]. فهؤلاء المستضعفون لم يتوسلوا بالنبي ﷺ ولا بصحابته الكرام وإنما توجهوا إلى الله تعالى بربوبيته فقط بل طلبوا منه أن يجعل لهم من عنده من يتولاهم وينصرهم ففي
[ ٢ / ٦٣٨ ]
قولهم ﴿مِن لَدُنكَ﴾ ما يشعر أنهم لم يلتفتوا في هذا الدعاء لا إلى الرسول ﷺ ولا صحابته بل جردوا الطلب الله تعالى أن ييسر لهم من يشاء لينصرهم.
ومنها قول النصارى الذين آمنوا بالنبي ﷺ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]. فقد توسلوا بربوبيته ورأفته ورحمته، وطلبوا الدعاء لمن سبقهم فجاء المتأخرون فعكسوا القضية فتركوا المأمور به وهو الدعاء لمن سبقهم وارتكبوا المحظور وهو الدعاء بهم أو دعاؤهم من دون الله تعالى.
٣ - إن الرسول ﷺ قد علم أمته كل خير، ومما علمها الأدعية المباركة وقد جمعها علماء السنّة المشرفة، فبعضهم جمعها ضمن الموضوعات المتفرقة كأصحاب السنن الستة والمسانيد والمعاجم، وبعضهم جمعها في مؤلف مستقل وهؤلاء أيضًا كثيرون كما سبق (^١). وهؤلاء الجامعون للأدعية النبوية لم ينقلوا حرفًا واحدًا من توسل النبي ﷺ بالأنبياء السابقين بطريق صحيح صريح، كما لم يذكروا أنه أمر أصحابه بالتوسل به وبجاهه أو بجاه الأنبياء السابقين وشرفهم، ولا نجد في تلك الأدعية المباركة، التوسل المبتدع الذي يلهج به المتأخرون والذي لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم.
اللهم إلا ما قد يشتبه من ذلك في حديث الضرير وسيأتي التنبيه عليه وما يشبهه وأن ذلك ليس من التوسل المبتدع على فرض صحة تلك الأحاديث.
_________________
(١) مر ص: ١٦٣.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
٤ - قد ذكر علماء السنة والآثار أدعية الصحابة والتابعين فإذا بحثنا فيها فلا نجد توسلهم بحبيبهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم، ولا نجد توسلهم بكبار الصحابة أبي بكر وعمر، فهل ترى أن المتأخرين يحبون النبي ﷺ أكثر منهم؟ كلا.
٥ - إن التوسل بالذوات لو كان جائزًا عند الصحابة لما جاء الأعمى إلى الرسول ﷺ بل جلس في بيته وتوسل بجاهه، ولما عدل عمر وَمن معه إلى العباس ولما أمر النبي ﷺ عمر أن يطلب من أويس القرني الاستغفار بل كان يكفيه أن يقول: اللهم أني أسألك بحق أويس القرني (^١).
٦ - أننا قد ذكرنا (^٢) تشدد السلف الصالح في الأدعية وتحذيرهم الشديد من الابتداع في الدين عمومًا وفي الأدعية خصوصًا وذكرنا -بحمد الله- ما يدل على أن الالتزام بالأدعية المأثورة هو الأولى، وإن كان غير المأثور الذي هو المفضول جائزًا لكن السلف الصالح ومن تبعهم من الفقهاء المعتبرين حذروا من الأدعية المبتدعة، فدل هذا على أن التوسل المبتدع قد حذر منه السلف ضمنًا، مع أنه لم يقع في زمانهم الابتداع بالتوسل ونحوه إلا بصورة نادرة إذا قارناه بما وقع للمتأخرين، هذا على فرض ثبوت ما يروى عن بعضهم من التوسل بالذاوات وإلا فيظهر أنه لم يقع التوسل المبتدع إلَّا في القرون المتأخرة.
فإذا كان السلف ينكرون على من يقول: يا سبحان يا غفران ونحو هذا (^٣) مع أنه إنما نادى صفة من صفات الله وأراد التوسل بها إلى الله تعالى، فكيف يكون إنكارهم على من ينادي الولي أو القبر متوسلًا به إلى الله تعالى؟ بل كيف يكون إنكارهم على من يطلب المدد والاستغاثة من دون الله تعالى؟
_________________
(١) انظر معارج القبول: ١/ ٤٨٣.
(٢) انظر ص: ٥٦٩ - ٥٩٢.
(٣) شأن الدعاء للخطابي ص: ١٧.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
السلف الذين أنكروا الابتداع في الأدعية الإمام مالك ﵀ ومن فإنه كان يكره أن يقول الداعي يا سيدي بل يقول كما قالت الأنبياء يا رب، كما أنكر (^١) غير هذا مما ابتدع في الدعاء في زمانه، فإذا كان مالك إمام دار الهجرة يكره في الدعاء إلا متابعة الأنبياء في قولهم مع صحة المعنى في نحو يا سيدي، فكيف تكون كراهة مالك للتوسل المبتدع بل ولطلب المدد؟ فلا يشك عاقل أن كراهته له أشد.
٧ - إن الذي يتوسل (^٢) في الدعاء يعتقد أنه مشروع في الدعاء وينوي به التعبد والتقرب والطاعة وأنه مما يستجاب به الدعاء وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجبًا وإما أن يكون مستحبًا، إذ العبادات لا تكون إلا أحدهما، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة ودعاء الله تعالى عبادة، والتوسل بالذوات ليس بواجب ولا مستحب، فثبت بهذا كون التوسل بالذوات غير عبادة فهو إذن بدعة.
٨ - إن العلماء اختلفوا (^٣) في مسألة دعاء الله تعالى والتوسل إليه بغير التسعة والتسعين اسمًا التي وردت في الحديث، فمن العلماء من قال: لا يدعي بغير التسعة والتسعين وإن كان يسمى بها ويخبر بها عنه، فالدعاء لا يجوز إلا بما في هذا العدد، فهذا القول وإن كان مرجوحًا لكن المقصود أنه إذا كان العلماء منهم من يجيز الدعاء بغير التسعة والتسعين مع ثبوت كونه من الأسماء الحسنى، دل هذا على تشدد العلماء في باب الدعاء وتحذيرهم عن الابتداع فيه، فيدل هذا على أنه لا يجوز من باب أولى دعاء الله تعالى بما لم يثبت كونه من الأسماء الحسنى ولا من صفاته نحو الأنبياء والأولياء، وذلك لأن الله تعالى قيد دعاءه بالأسماء الحسنى فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ففي هذه الآية أمر
_________________
(١) انظر ص: ٥٨٢، وانظر معنى الكراهة عند السلف ص: ٦٤٧.
(٢) انظر في هذا، قاعدة في التوسل: ٩٢، ١٠٧.
(٣) انظر في هذا الاختلاف: الفتاوى: ٦/ ١٤١ - ١٤٣، والفتاوى الكبرى المصرية: ١/ ٢١٦، وفتح الباري: ١١/ ٢٢٠.
[ ٢ / ٦٤١ ]
بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها كما قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:]، فهو نهى أن يدعوا لغير آبائهم، وفي هذه الآية أيضًا أن الله تعالى لا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، فالحسنى اسم تفضيل أي لا يدعى إلا بالاسم الأحسن، وأما الاسم الحسن أو الذي ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه فلا يدعى به وإن كان يجوز ذلك في باب الإخبار عنه وأما في باب الدعاء فلا.
٩ - إن علماء السلف رحمهم الله تعالى قد فهموا من أحاديث الاستعاذة بالله وكلماته أنه لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق.
وقد تقدم -بحمد الله- ذكر نصوص كلامهم في ذلك (^١).
وكذلك ينبغي لنا أن نفهم مما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من الأمر بالتوسل بأسماء الله تعالى أنه لا يجوز التوسل بذوات المخلوقين.
فكلا المسألتين - متطابقة والمأخذ واحد.
١٠ - إن السؤال بالذوات سؤال بسبب لا يقتضي المطلوب، لأن الله ﷾ لم يجعل السؤال بالذوات سببًا لحصول المطلوب لأنه سؤال بذات لا رابط بينها وبين ذات السائل، لأن السائل إذا توسل بإيمانه وأعماله الصالحة فقد توسل بسبب له علاقة وارتباط به لأن أعماله له الأجر عليها، ومن ذلك إجابة الدعاء، وأما ذات مخلوق آخر فأي وسيلة بينهما وأي علاقة تربطهما؟ (^٢).
اللهم إلا إن توسل بإيمانه بالنبي ﷺ ومحبته له أو محبته للصالحين ولكن هذا القصد قلما يخطر ببال المتوسلين بالذوات.
_________________
(١) تقدم ص ٤٢٦ - ٤٢٨.
(٢) انظر قاعدة في التوسل: ١٠٧، والرد على البكري: ٤٠، وشرح الطحاوية: ٢٠٢.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وحاصل هذا الوجه أنهم يقولون إن التوسل سبب لإجابة الدعاء، فهم مطالبون بأمرين: أحدهما الدليل على أنه سبب لتحصيل الإجابة، وثانيهما الدليل على أنه سبب مشروع لا يحرم فعله فإنه ليس كل ما كان سببًا كونيًا يجوز تعاطيه، فإن قتل المسافر قد يكون سببًا لأخذ ماله وكلاهما محرم (^١).
وهؤلاء المدافعون عن مشروعية التوسل ليس لديهم الأدلة الكافية لإثبات هذين الأمرين إلا بعض الشبهات وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
١١ - إن اعتقاد مشروعية التوسل بالذوات أدى إلى مفاسد جسيمة وعواقب وخيمة، وما كان كذلك فلا يمكن أن يشرعه الله تعالى، لأن الشريعة الإسلامية إنما جاءت بترجيح المصالح وتكثيرها وتقليل المفاسد وإزالتها فثبت بهذا أنه بدعة لم يشرعه الله تعالى.
وإليك بيان بعض تلك المفاسد التي في التوسل بالذوات:
أ- إن التوسل بالذوات هو الباب الرئيسي الذي دخل منه الشيطان إلى المسلمين لنشر دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالأموات والاستمداد بهم.
ولا يستريب في هذا من له اهتمام ومعرفة بأسباب انتشار الشركيات والبدع، فتجويز التوسل يؤدي بلا شك إلى انتشار دعاء غير الله تعالى لأن الشيطان يزين للإنسان أولًا الدعاء بمن يعتقد فيه ثم ينقله إلى دعائه نفسه والعياذ بالله.
ب - إن من مفاسده صرف الافتقار إلى غير الله تعالى، فقد قال الإمام النووي ﵀ في التوسل المشروع، الذي هو التوسل بالأعمال الصالحة إن في ذلك نوعًا من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى (^٢).
_________________
(١) الرد على البكري: ٢٣٠ و٨٦ - ٨٧، والفتاوى: ١/ ١٣٧.
(٢) الأذكار للنووي: ٣٥٥.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
فإذا كان الإمام النووي ﵀ يخاف من ترك الافتقار المطلق في التوسل بالأعمال مع ثبوته ومشروعيته فكيف يكون الأمر في التوسل بالذوات حيث علق الداعي قلبه بغير الله والتفت في دعائه إلى غير الله تعالى؟ فالتوسل المبتدع يتضح فيه ترك الافتقار المطلق من العبد أكثر من وضوحه في التوسل المشروع، فإذا قدرنا أنه لم يلتفت بقلبه إلى المتوسل به ولم يترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى فلماذا أقحم اسم المخلوق في مخاطبة الله ومناجاته؟
ففيه بلا شك ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى وهذه مفسدة عظيمة.
جـ - إن التوسل بالذوات هو الذي فتح للعوام نداء الأموات والاستغاثة بهم بحجة أن ذلك توسل لعدم معرفة بعضهم بالفرق بين الأمرين، ولتساهل آخرين، ولاعتقاد البعض أن الكل جائز من باب واحد فالولي أعطي السلطة الغيبية والتصرف المطلق عند هؤلاء فلا مانع من الطلب منه إلى غير ذلك.
د - إن التوسل له أثر واضح في اعتقاد المتوسل أن المتوسل به له أثر في إجابة الدعاء إذ لو كان يعتقد أنه ليس له أثر مَّا في استجابة الدعاء فوجوده وعدمه سواء، لما أجهد نفسه بزيادة ذكر اسم المتوسل به أثناء مخاطبة الله تعالى.
مع أن المعلوم أن المتوسل به ليس له دخل في الاستجابة إذ لا علم له بمن يتوسل به حتى يقال: إنه دعا الله تعالى أو شفع عند الله. ولهذه المفاسد وغيرها يترجح منع التوسل البدعي وبدعيته وأن الله ﷾ لا يشرع ما يترتب عليه مثل هذه المفاسد حاشا وكلا شرع الله من ذلك.
ثم إن من القواعد المقررة سد الذرائع ولا يخفى أن التوسل المبتدع ذريعة إلى هذه المفاسد والتي منها دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
فلو أن العلماء منعوا العوام من التوسل البدعي، لما وصل العوام إلى ما نراهم فيه من دعاء الأموات ليلًا ونهارًا واللهج بأسمائهم عند كل ملمة، وجعل ذلك هجيراهم ودأبهم.
١٢ - التوسل بالذوات هو مثل الإقسام بالذوات وقد ورد النهي عن القسم بمخلوق فقد قال ﷺ: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (^١).
فكما أنه لا يجوز أن يحلف بمخلوق فكذلك لا يجوز أن يقسم على الله بمخلوق ولا يسأل بنفس مخلوق، فالسؤال بالمخلوق والإقسام به كلاهما من باب واحد، وقد تقدم بيان أن العلماء منعوا الحلف بغير الله ومنهم من جعله من الشرك الأكبر كما منعوا الإقسام على الله تعالى بالمخلوق (^٢).
ومن هذا الباب التوسل البدعي. فهو مثل القسم والحلف بغير الله تعالى فلا فرق بين ذلك.
١٣ - ثم يقال لمن يجيز الإقسام على الله تعالى بالمخلوق أو السؤال به: ما هو الضابط الذي تتبعه في السؤال بالمخلوقات والإقسام بها؟ هل يقسم بكل مخلوق أو بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها؟.
فإن قال بكل مخلوق لزمه أن يسأل بالشياطين، فهذا لا يقوله مسلم وإن قال بالمعظمة فيقال: هل هو خاص بنوع معين أم لا؟ فإن قال بالمخلوقات التي أقسم الله بها لزمه السؤال بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وبكل ذكر وأنثى ولزمه أن يسأله بالشمس والقمر والكواكب مع أنها عبدت من دون الله.
وإن قال بمعظم دون معظم فيقال له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة في أنه لا يجعل شيء منها ندًا لله تعالى، فلا يعبد ولا يتوكل على أحد من المخلوقات كائنًا ما كان، ونهى الله عن
_________________
(١) تقدم ص: ٤٥٥.
(٢) تقدم ص: ٥٠٦.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
الشرك به في أي مخلوق، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
والله سبحانه سوى بين المخلوقات فلم يجعل لأحد منها سواء كان نبيًا أو غيره أن يقسم به ولا يتوكل عليه ولا يرغب إليه، فكذلك السؤال إما أن يسوغ بالكل وإما ألا يسوغ مطلقًا أو بكل معظم والتفريق بين معظم ومعظم كتفريق من فرق، فزعم أنه يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض فكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر (^١).
١٤ - ثم إن مسألة التوسل أمر اختلف فيه العلماء ما بين مجيز ومحرم أفلا يكون منعه من باب اجتناب الشبهات التي أمرنا بالاجتناب ومحرم عنها في مثل قوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (^٢)، فإذا كان الفقهاء يراعون الخلاف حتى في المسائل التي أدلتها ضعيفة فلماذا لا نراعي هنا الخلاف مع قوة الأدلة التي تدل على المنع وقد ذكرناها؟
فالإنصاف يقتضي أن نراعي هنا أكثر فأكثر لعلاقة المسألة بإخلاص العبادة لله الذي ضده الكفر والعياذ بالله، وسيأتي قريبًا (^٣) قول بعض علماء الحنفية: إن مثل هذا لا ينبغي أن يطلق إلَّا بنص قطعي أو إجماع قوي وكلاهما ممتنع، فالوجه المنع، وقول آخرين منهم: إنما يروي في مثل هذا لا يكون حجة في باب العقائد.
١٥ - ثم إن التوسل بالذوات لو قلنا بجوازه فلا يخلو إما أن نقول: إن التوسل المشروع أفضل منه أو هو أفضل ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه هو الأفضل، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نترك الأفضل ونبحث عن
_________________
(١) قاعدة في التوسل: ١٠٨ - ١١٢.
(٢) حديث صحيح رواه عدة من الصحابة منهم الحسن وأنس وابن عمر حديث الحسن أخرجه أحمد: ١/ ٢٠٠١، والترمذي: ٤/ ٦٦٨ رقم ٢٥١٨، والحاكم: ٤/ ٩٩، وسكت عنه وقال الذهبي: سنده قوي، وانظر الإرواء: ١/ ٤٤ رقم ١٢.
(٣) انظر ص: ٦٥٣.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
المفضول؟ فهل هذا إلا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
١٦ - إن كثيرًا من العلماء السابقين ذهبوا إلى منع التوسل بالذوات ونص غير واحد منهم على أنه لا يجوز.
قال الإمام أبو حنيفة ﵀ ونقله عنه أصحابه مقررين له:
"ويكره أن يدعو الله إلا به". وفي رواية عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به"، والدعاء المأذون فيه المأمور به - ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. "ويكره أن يقول في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك"، وقالوا أيضًا: "ويكره أن يقول في دعائه أعطني بحق فلان كذا وبحق محمد ﷺ كذا أو بحق أنبيائك وأولياءك أو بحق البيت أو المشعر الحرام … " (^١).
والمراد من قول أبي حنيفة ﵀ يكره أن يدعو الله إلا به أو لا ينبغي … كراهة التحريم كما هي عادة السلف يطلقون هذه العبارات على ما هو محرم وهي لغة الكتاب والسنة والسلف الصالح، قبل أن يحدث
_________________
(١) الجامع الصغير مع شرح القاضي خان: ٢/ ٢ ل ٣٢٢، وفوائد الجامع الصغير للصدر الشهيد: ل ٩٧، والنافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير للكنوي ص: ٣٩٥، والهداية للمرغيناني: ٤/ ٩٦، والمختار في الفتوى مع شرحه الاختيار: ٤/ ١٦٤، والفتاوى البزازية: ٣/ ٣٥١، وتبيين الحقائق شرح كنز الحقائق للزيلعي: ٦/ ٣١، ودرر الحكام في شرح غرر الأحكام: ١/ ٣٢١، والخلاصة: ٤/ ٣٢٦، والبناية شرح الهداية للعيني: ٩/ ٣٨٠ - ٣٨٤، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم: ٨/ ٢٠٧، والتحرير المختار مع رد المحتار: ٢/ ٣٠٩، والكفاية شرح الهداية مع حاشيته نتائج الأفكار: ٨/ ٤٩٨، والدر المختار: ٢/ ٦٣٠، ورد المحتار مع حاشية ابن عابدين: ٥/ ٣٩٥ - ٣٩٧، والفتاوى الهندية: ٥/ ٣١٨، وانظر القاعدة الجليلة نقلًا عن القدوري ص: ٥٠، واقتضاء الصراط المستقيم: ٤٠٧، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٨، وشرح الطحاوية لابن أبي العز: ٢٠٢، وشرح الإحياء للزبيدي: ٢/ ٢٨٥، ٥/ ٤٤، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ١٩٨.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
المصطلح المتعارف عليه بين الفقهاء المتأخرين من التفريق بين الكراهة والتحريم.
فاللائق حمل كلام أئمة السلف على ما هو مرادهم لا على مصطلحات المتأخرين وقد بيّن ابن القيم ﵀ غلط المتأخرين على الأئمة، بسبب عدم مراعاة مراد الأئمة من إطلاق مثل هذه العبارات (^١).
وقد نص علماء الحنفية على أن مراد الإمام في هذه العبارة السابقة -التحريم-.
قال ابن عابدين: "وتحمل الكراهة المذكورة على كراهة التحريم" (^٢).
وقال غيره: "إن المروي عن محمد ﵀ نصًا أن كل مكروه حرام إلا أنه لما لم يجد فيه نصًا قاطعًا لم يطلق عليه الحرام، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه إلى الحرام أقرب" (^٣).
وبما تقدم يتبين أن الإمام أبا حنيفة ﵀ لا يجيز الدعاء إلا بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وهذا هو التوسل الشرعي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ولهذا قال رحمه الله تعالى:
"والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
فرحم الله الإمام ما أدق فقهه، فقد فهم رحمه الله تعالى أن الدعاء
عبادة وأنه لا يجوز بغير المأذون فيه والمأثور عن النبي ﷺ، لأن العبادة توقيفية، وأن الدعاء بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا -غير مأذون فيه-.
_________________
(١) إعلام الموقعين: ١/ ٣٩ - ٤٣، ونحوه في العلم الشامخ ص: ١٠٢.
(٢) حاشية ابن عابدين على رد المحتار نقلًا عن ابن أمير حاج: ٥/ ٣٩٦.
(٣) الهداية: ٤/ ٧٨، وإعلام الموقعين: ١/ ٤١.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
فلهذا كره أن يقول الرجل أسألك بمعقد العز من عرشك لأنه ليس دعاء بأسماء الله وصفاته فلا يجوز. والعلة في المنع من الدعاء المذكور هو ما صرح به الإمام ﵀ من أن الدعاء خاص بالوارد المأذون فيه، وهو ما دلت عليه الآية المذكورة، ويتبين من هذا أن سبب منعه من الدعاء المذكور هو عدم كونه توسلًا بالأسماء الحسنى والصفات العليا.
وبهذا يتضح ضعف ما علل به متأخروا فقهاء الحنفية منع الإمام أبي حنيفة من الدعاء المذكور بأن العبارة توهم - على رواية معقد العز من عرشك بتقديم العين - تعلق عزه بالعرش، وهو محدث، والله تعالى بجميع صفاته قديم، لم يزل موصوفًا بها في الأزل (^١)، وقالوا: إن معناه لا ينكشف لكل أحد (^٢).
وقالوا على رواية مقعد العز من عرشك بتقديم القاف على العين (^٣): لا ريب في منعه لأنه يكون من القعود الذي هو الجلوس لاستحالته على الله تعالى.
ووجه ضعف ما عللوا به، هو أن علة المنع في كلام الإمام واضحة جدًا وهو عدم جواز دعاء الله تعالى إلا ما دلت عليه الآية، وهي علة عامة تعم هذا المثال الذي ذكره الإمام وغيره مما يدخل في التوسل البدعي أو الشركي.
وهؤلاء المتأخرون ظنوا أن علة المنع هو ما في المثال من الإيهام.
وقد يقال: إن الإيهام المذكور سبب من أسباب المنع إلا أنه ليس هو السبب الذي يدل عليه كلام الإمام.
ثم على كلام هؤلاء إن هذا الإيهام لو لم يكن لجاز هذا الدعاء، وهذا خلاف مراد الإمام المفهوم من سياق كلامه.
_________________
(١) و(^٢) انظر كتب الحنفية السابقة.
(٢) شرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٢٤.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
ومما يدل على ضعف قولهم اعتراض بعضهم على الإيهام الذي ذكروه وأنه لا محذور فيه، لأن تعلق الصفة بشيء حادث لا يوجب حدوث تلك الصفة (^١).
وبعضهم تأول وقال: إن العز صفة للعرش ولا مانع من ذلك (^٢).
وهذا كله يدل زيادة على ما سبق على ضعف ما عللوا به، وأن الصحيح ما يدل عليه كلام الإمام من اشتراط كونه بالله وأسمائه وصفاته.
ولهذه العلة نفسها كره الإمام قول الرجل في دعائه أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك، لأنه ليس دعاء بالله ولا بأسمائه وصفاته.
ولكن فقهاء الحنفية المتأخرون عللوا أيضًا سبب المنع بأنه لا حق لمخلوق على الله تعالى، فيعترض عليهم بأن الله أثبت على نفسه تفضلًا وتكرمًا حقًا لعباده الموحدين كما في حديث معاذ المتفق عليه "أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ " (^٣).
فثبت بهذا ضعف علتهم هذه أيضًا.
وبهذا يعلم دقة فقه السلف وغوصهم على المعاني، وأن المتأخرين قد يصعب عليهم معرفة مرادهم، وأنهم يعللون كلام السابقين بغير مرادهم.
ويعلم أيضًا أن أبا حنيفة وأصحابه لا يجيزون التوسل البدعي، ولم يخالف في هذا من أصحابه إلا أبو يوسف في بعض صوره، وتبعه الفقيه أبو الليث فقد قالا: بجواز قوله: بمعاقد العز من عرشك".
_________________
(١) نتائج الأفكار تكملة فتح القدير: ٨/ ٤٩٨ - ٤٩٩، وابن عابدين على رد المحتار: ٥/ ٣٩٥، وانظر تحقيق هذه المسألة في جامع الرسائل: ١/ ١٧٧ - ١٨٣، والفتاوى: ٦/ ٢٦٨ - ٢٨٨.
(٢) تبيين الحقائق: ٦/ ٣١.
(٣) أخرجه البخاري: ٦/ ٥٨ رقم ٢٨٥٦، ومسلم: ١/ ٥٨ رقم ٣٠.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وأما قول الرجل بحق فلان وحق أنبيائك ورسلك … إلخ، فقد اتفق (^١) جميع أصحاب أبي حنيفة أبو يوسف وغيره على عدم جوازه، فلم يختلفوا في هذه المسألة وإنما خلاف أبي يوسف خاص بمسألة "معاقد العز من عرشك" وذلك لأن أبا يوسف إنما أجازه احتجاجًا بما ورد من الأثر إلا أن الأثر الذي احتج به ضعيف جدًا بل هو موضوع، وهو ما روي من طريق عمر بن هارون البلخي عن ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال:
"اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار، وتتشهد بين كل ركعتين، فإذا تشهدت في آخر صلاتك فائن على الله ﷿ وصل على النبي ﷺ واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات وقل: لا إلا إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، ثم قال: "اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم، وكلماتك التامة، ثم سل حاجتك، ثم ارفع رأسك ثم سلم يمينًا وشمالًا، ولا تعلموها السفهاء فإنهم يدعون بها فيستجاب" (^٢).
قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع بلا شك، وإسناده [مخبط] كما ترى، وفي إسناده عمر بن هارون قال ابن معين فيه كذاب، وقال ابن حبان يروى عن الثقات المعضلات ويدعي شيوخًا لم يرهم (^٣).
وقد قال فيه ابن مهدي وأحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال أبو داود: غير ثقة، وقال علي بن المديني والدارقطني: ضعيف جدًا (^٤).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين على رد المحتار: ٥/ ٣٩٧.
(٢) أخرجه البيهقي في الدعوات: ل ٣٦/ أ، وابن الجوزي في الموضوعات: ٢/ ١٤٢، والواحدي في كتاب الدعاء كما في عدة الحصن مع التحفة ص: ١٧٧.
(٣) الموضوعات: ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، ونصب الراية: ٤/ ٢٧٣، وزيادة كلمة مخبط منه.
(٤) الكامل لابن عدي: ٥/ ١٦٨٨، المجروحين: ٢/ ٩٠ - ٩١، والميزان: ٣/ ٢٢٨، والتهذيب: ٧/ ٥٠١.
[ ٢ / ٦٥١ ]
ثم تفرد به عن عمر بن هارون - عامر بن خداش وهو صاحب مناكير (^١).
هذا ما يتعلق بنقد هذا الحديث من جهة الإسناد.
وقد انتقده ابن الجوزي أيضًا من جهة المعنى بأنه قد صح (^٢) عن النبي ﷺ النهي عن القراءة في السجود.
وقد نقل كلام ابن الجوزي الحافظ الزيلعي وأقره (^٣) وقال الشوكاني: هذا من أعظم الدلائل على كون هذا المروي موضوعًا (^٤).
وهذا الانتقاد من جهة المتن قوي جدًا يدل على وضع هذا الحديث دلالة واضحة لأن علماء مصطلح الحديث ذكروا أن مما يدل على وضع الحديث مخالفته للحديث الصحيح، وقد تقدم ذكر هذا (^٥).
وقد روي نحوه من طريق آخر من رواية أنس ولكنه فيه كذاب (^٦) أيضًا.
فثبت بهذا أن الأثر الوارد في السؤال بمعاقد العز الذي تمسك به أبو يوسف في إجازته لهذا الدعاء - موضوع.
وقد اتضح من هذا أن الصواب قول أبي حنيفة من عدم جواز
_________________
(١) الترغيب والترهيب للمنذري: ١/ ٢٤٤، والميزان: ٢/ ٣٥٩، والمغني: ١/ ٤٥٩، وانظر تحفة الذاكرين: ١٧٧ - ١٧٨.
(٢) صح ذلك من حديث علي وابن عباس أخرجهما مسلم: ١/ ٣٤٨ - ٣٥٠ رقم ٤٨٠، ٤٨١.
(٣) نصب الراية: ٤/ ٢٧٣.
(٤) تحفة الذاكرين ص: ١٧٨.
(٥) تقدم ص: ٣٣٧.
(٦) انظر تنزيه الشريعة: ٢/ ٣٣٠، ذكر حديثًا في قصة الهجرة وأن جبريل علم النبي ﷺ دعاء وفيه: "أسأله بمعاقد العز من عرشك … " قال ابن عراق في ص: ١/ ٧٤ إن عبدالله بن قيس كذبه الأزدي وانظر أيضًا الميزان: ٢/ ٤٧٣، فقد ذكر الذهبي عن الأزدي تكذيبه وأقره.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
الدعاء إلا بالمأذون فيه من الدعاء بالله وأسمائه وصفاته، وأن قوله بمعاقد العز من عرشك أو بحق فلان غير جائز لأنه ليس من الدعاء المأذون فيه من أسماء الله وصفاته.
وأن قول أبي يوسف ضعيف لأمرين:
١ - كون الأثر الذي احتج به موضوعًا.
٢ - ما ذكره علماء الحنفية في رد حجة أبي يوسف من أن هذا الأثر الذي احتج به أبو يوسف خبر واحد فيما يخالف القطعي، والمتشابه الذي كهذا الدعاء إنما يثبت بالقطعي (^١).
ومعلوم أن خبر الواحد إذا خالف القطعي يرد ما لم يمكن الجمع.
ومن هنا قال بعض علماء الحنفية: "فالحق أن مثله لا ينبغي أن يطلق إلا بنص قطعي أو بإجماع قوي، وكلاهما منتف، فالوجه المنع" (^٢).
ولهذا قال ابن عابدين بعد أن ذكر بعض صيغ الصلاة على النبي ﷺ المبتدعة، وذكر اختلاف المتأخرين في جوازها وعدمه: "أقول: ومقتضى كلام أئمتنا المنع من ذلك إلا فيما ورد عن النبي ﷺ … " (^٣).
علماء الحنفية المتأخرين الذين قالوا بمثل هذا القول: الشيخ علي محفوظ صاحب كتاب الإبداع، فإنه ذكر التوسل بمعنى الإقسام بذاته ﷺ وأنه لم يرد عن الصحابة ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة المأثورة عنهم ثم قال: "وما يروى في ذلك فضعيف لا يصلح حجة في باب العقائد" (^٤).
_________________
(١) الهداية: ٤/ ٩٦، وتبيين الحقائق: ٦/ ٣١، ورد المحتار مع حاشية ابن عابدين: ٥/ ٣٩٦، والفتاوى الهندية: ٥/ ٣١٨، ونقل هذا القول عن ابن عابدين السمنودي في سعادة الدارين ص: ١٦٧.
(٢) حاشية ابن عابدين على رد المحتار: ٥/ ٣٩٦.
(٣) المصدر نفسه: ٥/ ٣٩٦.
(٤) الإبداع في مضار الابتداع: ٢١٢.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وإذا اتضح أن المنع من التوسل بغير أسماء الله تعالى وصفاته - هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأنهم اتفقوا في منع مثل "بحق أنبيائك ورسلك" بدون اختلاف فيما بينهم تبين كذب من زعم أن ابن تيمية هو الذي ابتدع منع التوسل بالذوات.
وأن العلماء مجمعون على جوازه، كما ادعى ذلك السبكي (^١) والنبهاني (^٢). والكوثري الذي قال: "وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أن ابتدع إنكار ذلك - الحراني فرد أهل العلم كيده في نحره … (^٣).
ومن العجب العجاب أن الكوثري متفان في تقليد أبي حنيفة في الفروع والدفاع عنه ولو أدى ذلك إلى اتهام بعض الصحابة كما فعل مع أنس بن مالك (^٤)، ومن هنا لقبه بعض أصدقائه بمجنون أبي حنيفة (^٥).
ومع هذا كله يترك تقليد أبي حنيفة في الأصول كما هو شأن المقلدين المتأخرين، فهذه المسألة التي نحن بصددها خير شاهد على ما نقول.
فقد اتضح بدون أدنى شك أن مذهب أبي حنيفة المنع من التوسل البدعي، وهذا منقول عن أبي حنيفة في أغلب كتب علماء الحنفية. وقد تقدمت الإشارة في الحاشية إليها، ويبعد كل البعد ألا يطلع الكوثري على تلك الكتب الحنفية لأن المسألة مذكورة في أغلب كتبهم، والكوثري
_________________
(١) شفاء السقام: ١٧١.
(٢) شواهد الحق: ٥٤ - ٥٥، ونحو هؤلاء الداجوي فإنه ادعى الإجماع على ذلك أيضًا كما في إرشاد الناظر: ٢٣١.
(٣) المقالات للكوثري: ٣٩٧.
(٤) انظر التنكيل: ١/ ٦٥ وما بعدها.
(٥) بدع التفاسير: ١٧٩ الهامش، وانظر رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري: ١٢٧ الهامش.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
حريص على فقههم، ويرى أن له ميزات على غيره من المذاهب (^١).
فكيف يمكن عدم اطلاعه على تلك النصوص في تلك الكتب؟
والظاهر أن الهوى وبغضه لشيخ الإسلام ابن تيمية هو الذي حمله على ما قال، وأعماه عن تقليد إمامه في هذه المسألة وغيرها من مسائل أصول العقيدة والله أعلم.
ومثل الكوثري البوطي فإنه قال: "وأما ما يتعلق بالتوسل بجاه رسول الله ﷺ أو غيره من الصالحين والمقربين، فلا نعلم أي نقاش أو بحث دار حول ذلك في عصر السلف بقرونه الثلاثة المشهود لها بالفضل"، ثم ذكر بعض الأحاديث التي يتعلق بها من يجيز التوسل البدعي ثم قال: "والمهم أن هذا هو كل ما وصلنا عن رسول الله ﷺ وأصحابه وبقية السلف في شأن التوسل، وظل الأمر على ذلك حتى جاء الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ففرق بين التوسل بالأنبياء والصالحين في حال حياتهم والتوسل بهم بعد موتهم فأجاز ذلك بهم في الحالة الأولى وحرمه في الحالة الثانية، ولا ندري لهذا التفريق أي مستند يرجع إلى عصر السلف" (^٢).
ثم زعم أن أدلة التوسل في حال الحياة مطلقة تجري على إطلاقها (^٣).
وفي هذا الكلام الذي ذكره البوطي عدة دعاوي:
١ - إن السلف لم يتكلموا في هذا الموضوع.
٢ - إن ابن تيمية هو المبتدع لهذا الكلام.
٣ - إنه فرق بين الحالتين الحياة والموت.
_________________
(١) انظر ما كتبه في ذلك في تقدمته لنصب الراية للزيلعي من ص: ١٧ - ٦٠ وهي المطبوعة مفردة بتحقيق أبو غدة بعنوان فقه أهل العراق وحديثهم.
(٢) السلفية مرحلة مباركة: ١٥٤ - ١٥٥.
(٣) المصدر نفسه: ١٥٦.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
٤ - إنه لا دليل على هذا التفريق.
٥ - بل الدليل على عدم التفريق لإطلاق أدلة التوسل التي تعم الحالتين.
الجواب عن هذه الدعاوي:
إن هذه الدعاوي التي ادعاها البوطي غير صحيحة بل هي باطلة وبيان ذلك كالآتي:
أ - أما ما ادعاه من عدم كلام السلف في هذا الموضوع فغير صحيح لما عرفت من كلام أبي حنيفة وأصحاب مذهبه.
ثم من غير الحنفية قد تكلم فيه آخرون منهم العز بن عبد السلام فقد تكلم في هذه المسألة وأشار إلى حديث الضرير وأنه إن صح فهو مقصور على النبي ﷺ (^١). وهو قبل شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه توفي عام ٦٦٠ هـ.
وبهذا اندفعت الدعوتان الأوليتان فثبت أن ابن تيمية ليس مبتدعًا تلك المسألة وليس أول قائل بها بل سبقه أبو حنيفة وأصحابه والعز بن عبد السلام وقد يكون هناك آخرون لم نطلع على كلامهم، بل شيخ الإسلام ابن تيمية يمنع من إحداث قول لم يسبق إليه من السلف، فتبين بهذا أنه متبع للأدلة متبع ولكلام السلف وليس مبتدعًا.
ب - والتفريق بين الحالتين الذي ادعاه غير حاصل وذلك للأمور التالية:
_________________
(١) فتاوى العز بن عبد السلام: ١٢٦ - ١٢٧، والأزهية: ١٧٣ - ١٧٤، وفيض القدير: ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، وفتاوي ابن تيمية: ١/ ١٤١، وقاعدة في التوسل: ١٤٧. ثم إني رأيت في فتاوى ابن رشد أبي الوليد (ت ٥٢٠ هـ) مثل كلام ابن عبد السلام، فصرح بأنه خاص به ﷺ إن صح الحديث. فيكون ابن رشد سبق العز وابن تيمية كليهما لكني لم أجد أحدًا ذكر كلام ابن رشد وهذا مما جعل في صحة هذه الفتوى عن ابن رشد شكًا، ولكن مما يقوي ثبوتها عنه ما نقله محقق الكتاب د. المختار التليلي أن هذه المسألة توجد في بعض كتب المالكية: المعيار للونشريسي: نوازل الجامع: ١٢/ ٣١٤. انظر: فتاوى ابن رشد القرطبي: ٣/ ١٦٢٢ رقم ٦٤٠.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
١ - إن التوسل الذي أجازه ابن تيمية غير التوسل الذي منعه وهذا يعرف مما سبق لنا ذكره في تعريف التوسل.
٢ - إن ابن تيمية لا يعلق الحكم على الحياة والموت وإنما مدار الحكم عنده على المشروع الوارد فما ورد في الشرع أجازه، وما لم يرد منعه لأن الدعاء عبادة توقيفية، والدليل على ذلك أن ابن تيمية لا يجيز التوسل بالحي الغائب لأنه لم ينقل أن الصحابة في غزواتهم وهجراتهم توسلوا بالنبي ﷺ الغائب عنهم والذي لم يدع لهم، فلو كانت المسألة تدور على الحياة والموت لأجاز التوسل بالحي الغائب.
٣ - ثم إن الفرق بين حالتي الحياة والموت -واضح جدًا، وأمر منطقي تقتضيه الأدلة الشرعية والعقلية فليس بصحيح قوله إنه لا دليل على الفرق بين الحالتين وسيأتي بيان الفرق بين الحالتين إن شاء الله تعالى (^١).
د - إن ادعاء الإطلاق في الأدلة فيه نظر لا يخفى، فهل يريد به أنها مطلقة ولم تقيد بحال الحياة؟ فهذا غير مقبول، فإن حديث الضرير الذي استدل به - في حال الحياة، مع العلم بأنه ليس توسلًا بالغائب فضلًا عن الميت بل هو توسل بالحاضر، وحديث التوسل بالعباس على نقيض دعواه كما هو واضح لأنه توسل بالحاضر، وحديث فاطمة بنت أسد موضوع، وحديث مالك الدار منكر، فلو صح يمكن الاستدلال به فقط دون غيره من الأدلة، فلم يبق مما استدل به إلا ما زعمه من الاستدلال على التوسل بالتبرك الواقع من الصحابة بعرقه ﷺ وشعره ووضوئه، فهذا التبرك صحيح، ولكن الفرق واضح بين التوسل والتبرك، وذلك لأن التوسل لا يستلزم حضور المتوسل به، وأما التبرك فيقتضي حضور الشيء المتبرك به (^٢).
_________________
(١) سيأتي ص: ٨٥٠.
(٢) انظر مناقشة الألباني للبوطي في خلطه بين التوسل والتبرك في كتاب الشيخ الألباني: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة ص: ٧٧ - ٧٨، وذكر الألباني أيضًا أنهما يفترقان في أن التبرك يرجى به الخير العاجل وأن التوسل عام في العاجل والآجل، كما أن التوسل لا يستعمل إلا الدعاء. انظر التوسل أنواعه وأحكامه ص: ١٥٨.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
وسيأتي تفصيل مناقشة هذه الشبهات التي أجبنا عليها إجمالًا في الباب الرابع إن شاء الله تعالى. .
وقد اتضح مما تقدم -ولله الحمد- أن التوسل بالذوات في الدعاء بدعة، وأن الأدلة الكثيرة تشهد ببدعيته، وأن كثيرًا من العلماء منعوه منهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم ينفرد بمنعه.
النوع الثالث: الأحزاب والأوراد الراتبة:
إن الدعاء عبادة وهي توقيفية، فلا يجعل ما كان مطلقًا مقيدًا وبالعكس، ومع ذلك قد التزم أناس بأدعية معينة في أوقات معينة على هيئات خاصة من الاجتماع وغير ذلك، وانتشر هذا في كثير من الناس، حتى صار كثير من المتصوفة والمتفقرة وكثير من العامة لا يعرفون إلا الأدعية المبتدعة.
وأما الأدعية الصحيحة الثابتة فلا يستعملها إلا المتمسكون بالسنّة وقليل ما هم.
وأما الآخرون فلكل شيخ طريقة دعاء خاص، يسمى بحزب فلان أو ورده، فأتباع ذلك الشيخ يحافظون عليه قراءة وتبركًا وتقديسًا أشد من محافظتهم على القرآن الكريم، وهذا ليس مبالغة بل هو الواقع المرير.
فقد ألزموا أنفسهم أو ألزموا أن يقرأوا لكل يوم حزبًا معينًا، فإذا يجب أن يقضى.
وكل أهل طريقة يرون أن حزبهم أفضل من الأحزاب الأخرى، بل جاوز بعضهم هذا إلى أن فضل حزبه المخترع على القرآن الكريم بستة آلاف مرة، فقد ادعى التيجاني الكذاب الدجال أنه سأل النبي ﷺ عن فضل صلاة الفاتح، فأخبرني "أولًا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيًا بأن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير، ومن القرآن ستة
[ ٢ / ٦٥٨ ]
آلاف مرة لأنه من الأذكار (^١).
كما أن التيجانيين يعتقدون أنها من كلام الله تعالى، وأنها وردت من الحضرة القدسية مكتوبة بقلم القدرة في صحيفة نورانية، وأنها لم تكن من تأليف أحد من البشر، وإنما هي من كلام الله تعالى كالأحاديث القدسية (^٢).
بل وصل الأمر إلى أن قالوا: "من لم يعتقد أنها -أي صلاة الفاتح- من القرآن لم يصب الثواب فيها" (^٣).
وأما وجه كون هذه الأحزاب والأوراد بدعة فهو كونها راتبة مقيدة بوقت خاص فلكل يوم ورد خاص فلا يدعي في ذلك اليوم بورد اليوم الآخر.
فأشبه شيئًا مشروعًا فكأن الشيخ الذي وضعه صار مُشَرعًا لا يجوز تجاوز ما وضعه.
فمثل هذا يسمى بدعة إضافية من حيث إن أصل الدعاء مشروع ولكن التقييد ليس مشروعًا، فصار بدعة من حيث التقييد والتخصيص، فالبدعة الإضافية لها جهتان: جهة أصل المشروعية وجهة الكيفية، قال الإمام الشاطبي ﵀:
وأما البدعة الإضافية فلها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، وسميت إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين فهي من جهة
_________________
(١) جواهر المعاني: ١/ ١٣٦، والتحفة السنية بتوضيح الطريقة التيجانية ص: ٥٥، والأنوار الرحمانية ص: ٢٥.
(٢) رماح حزب الرحيم بهامش الجواهر: ٢/ ١٣٩ و٦٠، وجواهر المعاني: ١/ ١٣٧ - ١٣٨.
(٣) الأنوار الرحمانية ص: ٢٨ نقلًا عن الإفادة الأحمدية ص: ٨٠.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
الأصل لها دليل قائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها دليل، مع أنها محتاجة إلى الدليل أيضًا في الكيفيات (^١).
فمن هنا لا يقال: لا مانع من الأدعية المبتدعة ما لم تشتمل على المحظور من الاعتداء وغيره، لأننا نقول: إن الدوام على الأدعية وملازمتها مدة طويلة يجعلها سنة راتبة ويجعلها في مصاف الأدعية المشروعة.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع، وليس لأحد أن يسن منها غير المسنون ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها، بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله سنة" (^٢).
ثم إن هذه الأحزاب لو كانت خالية مما يقارنها من أنواع البدع لا يشك مسلم أن الأفضل والأحسن أن يلتزم الأكمل والأفضل وهي الأدعية النبوية "فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض الشيوخ -فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك، ومن أشد الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي ﷺ وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بني آدم وإمام الخلق، وحجة الله على عباده" (^٣) فالمتخذ حزبًا مبتدعًا قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
والأدعية والأوراد التي عند بعض المتصوفة قد تضم إلى كونها مبتدعة اشتمالها على الشرك والاعتداء في الدعاء والتوسل البدعي، كما يقارئها أنواع أخر من البدع والمفاسد.
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٢) ملحق المصنفات ص: ٤٦.
(٣) الفتاوى: ٢٢/ ٥٢٥، وانظر نحوه في قواعد الأحكام: ٢/ ١٧١.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
١ - فمن اشتمالها على الشرك: أنهم ذكروا (^١) أنه ينبغي للمريد أثناء الذكر استحضار صورة الشيخ في القلب، والتصور بأن عمودًا من النور يخرج من قلبه، ويدخل قلب المريد ويسمون هذا استمدادًا، أي الشيخ يهدي القلب ويمده بالهداية، وهذا كفر صريح.
ومن العجب أنه وصل الأمر ببعضهم إلى استحضار صورة الشيخ أثناء الصلاة بحجة منع الوسواس (^٢).
وهذا الاستحضار يسمى عندهم بالمراقبة، استبدلوا مراقبة الله تعالى الذي هو الإحسان الوارد في حديث جبريل ﵇ بمراقبة الشيخ واستحضاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن أمثلة أحزاب وأوراد المتصوفة التي فيها الشرك الصريح مع الاعتداء ما جاء في وظيفة ابن مشيش وهي:
"اللهم انشلني من أوحال التوحيد وألقني في بحار الوحدة" (^٣) فتوحيد الرسل أوحال من الطين فيدعو الله أن ينشله منها، كما أنه يدعو بإغراقه في بحار الوحدة فيتحد مع الله تعالى عما يقول الظالمون (^٤)، وهذه الوظيفة يلازمها المبتدعة ليل نهار، قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل يخبر عن ذكرياته في الصبا: "وما زال الصبي يذكر أن صلوات ابن بشيش، ومنظومة الدردير كانتا أحب التراتيل إلى أولئك الشيوخ -أي شيوخ قريته-
_________________
(١) انظر جواهر المعاني: ١/ ١٢٣، والتحفة السنية: ٣٩ والسراج المنير: ٣٩، ورماح حزب الرحيم: ٢/ ٢.
(٢) السراج المنير: ٦٥ - ٦٦، وانظر ما ذكره الشقيري في السنن والمبتدعات ص: ١٨٨، وما ذكره صاحب الصلة بين التصوف والتشيع ص: ٤٣٧ من استحضار صورة الأئمة عند النطق بتكبيرة الإحرام، وانظر ما ادعاه العزامي من تذكر المريد لأستاذه: البراهين الساطعة: ٤٥٠ - ٤٥٥.
(٣) التصوف بين الحق والخلق: ٨٣ نقلًا عن الوظيفة التي طبعها الصوفية الشاذليون، ومصرع التصوف ص: ٣.
(٤) مصرع التصوف الهامش ص: ٢٤٣.
[ ٢ / ٦٦١ ]
وما زال يذكر أن أصوات الشيوخ كانت تشرق بالدموع وتئن فيها الآهات حين كانوا ينطقون من الأولى: "اللهم انشلني من أوحال التوحيد!! " ومن الثانية: "وجد لي بجمع الجمع منك تفضلًا" يا للصبي الغرير التعس المسكين … فما كان يدري أنه بهذه الصلوات المجوسية يطلب أن يكون هو الله هوية وماهية وذاتًا وصفة، ما كان يدري ما التوحيد الذي يضرع إلى الله أن ينشله من أوحاله ولا ما جمع الجمع الذي يبتهل إلى الله أن يمن به عليه؟ " (^١).
فالصلاة البشيشية لها قدر عظيم عند الصوفية حيث يعتنون بها أشد الاعتناء، ومن مظاهر اعتنائهم أنهم يأخذون إجازتها عن شيوخهم ويهتمون بتلك الإجازة حتى وصل الأمر أن ادعوا أن من طرقها الإجازية ما كان من طريق الخضر ﵇ عن عبد السلام بن مشيش صاحبها (^٢)، فقد جعلوا الخضر الذي كان النبي ﷺ يتمنى أن يصبر موسى ليقص الله علينا من أخباره جعلوه يأخذ الإجازة عن ابن بشيش، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ب - ومن اشتمالها على الاعتداء في الدعاء ما يوجد في تلك الأدعية من سوء مناجاة الله تعالى وخطابه حيث يطلبون من الله تعالى ما لا يليق بهم، كمنازل الأنبياء وتعطيل الأمر والنهي نحو الذي يوجد في حزب البحر للشاذلي من قوله: "اللهم اعصمني في الحركات والسكنات" فهذا طلب للعصمة وهي من منازل الأنبياء (^٣)، قال شيخ الإسلام: "ويوجد في كلامه -أي الشاذلي- وكلام غيره، أقوال وأدعية وأحزاب، تستلزم تعطيل الأمر والنهي، مثل أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا
_________________
(١) مقدمة مصرع التصوف: ٣.
(٢) انظر روح المعاني: ١٥/ ٣٢٧.
(٣) انظر روح المعاني: ١١/ ١٤٨ فقد حاول الألوسي تأويله بأنه طلب الحفظ من الذنب مع إمكانه، ونحوه في جلاء العينين نقلًا عن الشعراني ص: ٨٣.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل أفضل منهم، ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد في حزب الشاذلي" (^١).
ولا يقولن قائل: إن تلك الأحزاب هي أذكار وتسابيح وتحاميد وليست من الدعاء الذي نحن نبحث فيه، وذلك لعدة أمور منها ما تقدم في تعريف الدعاء من ترادفهما أو تلازمهما، ومنها أن تلك الأحزاب الشاذلية بالخصوص وغيرها بالعموم ممزوجة بالدعاء.
يقول الدكتور عبد الحليم محمود في ثنائه على طريقة الشاذلي في الذكر: "وكانت طريقته في أكثر الأحيان أن يمزج الذكر بالدعاء … " (^٢).
ومع هذا الاعتداء السافر الذي هو منهي عنه في الدعاء، فالصوفية يفضلون أحزابهم وأورادهم على الأدعية المأثورة كما يفضل كل شيخ حزبه ويذكر له خصوصية، فمن ذلك أن الشاذلي كان يحبذ قراءة أحزابه فمما قال في حزبه الكبير: "من قرأه كان له ما لنا وعليه ما علينا" (^٣) ويقول في حزب البحر: "حفظوه لأولادكم فإن فيه اسم الله الأعظم" (^٤) مع أن حزب البحر تراكيبه العربية غير مستقيمة في بعض المواضع من ناحية المعنى ولا ترابط بينها.
وهناك أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة (^٥)، مع أن مثل هذه الحروف المقطعة لم ترد في الأدعية المأثورة.
ومثل الشاذلي التجاني، فقد ادعى لصلاة الفاتح إتيان الملك بها ومعادلتها للقرآن مرات، كما ادعى لجوهرة الكمال أفضليتها على جميع
_________________
(١) الفتاوى: ١٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩ و٨/ ٢٣٢، وملحق المصنفات: ٣٨.
(٢) أبو الحسن الشاذلي: ١٥٢.
(٣) أبو الحسن الشاذلي: ١٥٣ و١٧٦.
(٤) المرجع نفسه ص: ٤٣.
(٥) انظر تلك التراكيب وأوائل السور في المرجع نفسه: ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
العبادات (^١)، مع أن جوهرة الكمال المزعومة كلام ركيك وفيها كلمات لا يستقيم بناؤها على القواعد العربية مثل الصراط الأسقم والمطلسم.
قال الشيخ تقي الدين الهلالي ﵀: "وأنت إذا نظرت في كلمات هذه الصلاة -من أولها إلى آخرها- وجدتها في غاية البعد عن الكلام الفصيح ولم تستبعد صدور الأسقم والمطلسم من مؤلفها" (^٢).
جـ - وتشتمل تلك الأوراد والأحزاب على التوسل المبتدع، فهو كثير في تلك الأحزاب وكلما تأخر الزمان واشتدت غربة الإسلام كثر انتشاره في أحزاب متأخري الصوفية، وقلدهم العوام، ثم انتشر هذا الوباء حتى في أدعية الفقهاء المتأخرين.
ومن دعاء الشاذلي -إن صح- "اللهم إني أسألك بجاه محمد المصطفى، وإبراهيم الذي وفي، وبحرمة كل رسول ونبي، وصديق وولي وشهيد، وصالح، وتقي … " (^٣).
ويقول في حزب الفتح: "أسألك بحرمة الأستاذ بل بحرمة النبي الهادي ﷺ، وبحرمة الاثنين، والأربعة، وبحرمة السبعين والثمانية، وبحرمة أسرارها منك إلى محمد رسولك … " (^٤).
د - ثم إن الأحزاب والأوراد الصوفية يقترن بها مع بدعيتها أشياء أخرى من المحاذير والمفاسد والبدع الأخرى، ومن ذلك:
١ - أن المريد الصوفي يبقى في هذه الأوراد سنين عديدة يكررها فيتعودها فتصير له عادة، وطبعًا لا يتنبه عند قراءتها فيغفل عن ذكر الله تعالى.
_________________
(١) الجواهر: ١/ ١٣٦، ١٣٨، والرماح ٢/ ٨٢، والسنن والمبتدعات: ٢٤٥ نقلًا عن شرح صلوات الدردير ص: ٣٧.
(٢) الهدية الهادية: ١١١ والتحفة: ٦٢.
(٣) أبو الحسن الشاذلي: ١٥٧.
(٤) أبو الحسن الشاذلي: ١٦٥.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
فأما لو لم يقيد نفسه بهذه الأوراد التي ما أنزل الله بها من سلطان وذكر الله تعالى ودعاه بما حضر له متى وجد نشاطًا وهمة وإقبالًا على الله تعالى فإن ذلك يكون له تأثير على نفسه وعلى قبول دعوته.
٢ - أنهم يأخذون العهد من المريد لئلا يترك فيوجبون عليه شيئًا لم يكلفه الله، فربما يقع في حرج شديد إن لم يتركها (^١).
٣ - إن بعضها يكتنفه الغموض (^٢) والخفاء فلا يدري ما معناه؟ فعندهم إشارات غامضة تارة إلى وحدة الوجود، وتارة إلى رفع التكليف، وتارة إلى الحب والغرام.
٤ - إنهم يجتمعون لقراءة تلك الأحزاب بصوت واحد ويرفعون أصواتهم على نغمات معينة، وقد يصحب ذلك الصفق بالأيدي والضرب بالدف مع تمايل وتكسر وصياح حتى يغمى على بعضهم إلى غير ذلك مما هو معروف.
وأشهر كتاب عندهم في الأدعية والأذكار والصلاة والسلام على النبي المختار ﷺ هو كتاب دلائل الخيرات" وهذا الكتاب متداول بكثرة بين الناس حتى أن بعض الفقهاء يروونه بالإجازات (^٣).
وهذا الكتاب مشتمل على اعتداء في الدعاء والصلاة على النبي ﷺ زيادة على ما يترتب على التزام صيغة مبتدعة من الصلاة واعتقاد أنها أفضل من الصيغ الواردة في الصلاة والسلام، واعتقاد أن تلك الصيغ فيها
_________________
(١) انظر عن هذين المحذورين إتحاف السادة المتقين: ٥/ ٢٦ - ٢٧.
(٢) انظر ما ذكره أحمد صبحي عن حزب الدسوقي والبدوي من تشابههما في الغموض والإشارة إلى الغرام في كتابه السيد البدوي ص: ١٠٣.
(٣) انظر ما ذكره علماء ديوبند في كتابهم في عقيدتهم المسمى المهند على المفند ص: ٤٢ بأن شيوخهم يرون قراءته وروايته بالإجازة وما ذكر في مقدمة مقالات الكوثري من إجازاته لكتاب الدلائل ص: ٧٢، وقطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات للفلاني ص: ٢٤٤.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
خصائص وميزات ما أنزل الله بها من سلطان، وربما اعتقد بعضهم فضله على القرآن (^١)، وإن لم يصرح بلسانه ولكنه عمليًا يفضل حيث يلازم قراءته ويعتني به أكثر من القرآن.
ومن أمثلة الاعتداء الذي في دلائل الخيرات قوله في ثلاثة مواضع: "اللهم صل على سيدنا محمد عدد معلوماتك وأضعاف ذلك" (^٢)، ففي هذا جعل معلومات الله معلومات محدودة (^٣).
وقوله: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء" وقوله: "اللهم ارحم سيدنا محمدًا حتى لا يبقى من الرحمة شيء" وقوله: "اللهم بارك على سيدنا محمد حتى لا يبقى من البركة شيء".
ثم في الكتاب أشياء عليها لوائح الوضع والكذب مثل حزب يوم الجمعة، وثواب من قرأه، ذكر أن له ثواب حجة مقبولة وعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإعطاء قصر في الجنة بكل حرف، وأن وجهه كالقمر وكفه في كف حبيبي محمد ﷺ.
وهذا الحزب قال شارح الدلائل: العمدة في ذلك على المؤلف فلم يجدوا له أصلًا غير ما ذكره المؤلف (^٤).
الخلاصة: أن الالتزام بالأحزاب والأوراد التي لم يرد بها الشرع -بدعة- وأن الأولى التزام الأدعية المأثورة، فالأوراد المبتدعة فيها مفاسد جسيمة من الاشتمال على الشرك أو الاعتداء أو غير ذلك.
النوع الرابع: الأدعية الجَمَاعية:
وهي الأدعية التي يدعو بها جماعة من الناس على كيفية معينة أو
_________________
(١) الرسائل الشخصية ص: ٣٧.
(٢) و(^٣) السراج المنير: ٢٨.
(٣) السنن والمبتدعات: ٢٤١.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
يدعو واحد منهم ويُؤمِّن الآخرون على دعائه، وهي أدعية كثيرة نذكر بعضها على سبيل الإيجاز.
١ - الأدعية الجَمَاعية بعد الصلوات:
فالدعاء في أثناء الصلاة لا سيما في السجود، وفي التشهد الأخير، مشروع ومتفق عليه، فهو أولى بدون شك.
وأما الدعاء بعد الفراغ من الصلاة فقد اختلف فيه، فمن قائل باستحبابه ومن قائل بعدم ذلك (^١).
والذي تدل عليه أحاديث صفة النبي ﷺ وأنَّه لم يكن يداوم على ذلك لأنَّه لو كان يداوم عليه لنقله من نقل صفة صلاته ﷺ، ويدل على أصل مشروعيته أدلة أخرى مثل قوله ﷺ لمعاذ: أوصيك يا معاذ لا تدعن في
_________________
(١) قد بوب البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات بابين بعنوانين: أحدهما: باب الدعاء في الصلاة، وثانيهما: باب الدعاء بعد الصلاة. انظر البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣١، ١٣٢، وكذلك فعل ابن خزيمة أيضًا في صحيحه فقد عقد بابًا بعنوان باب جامع الدعاء بعد السلام، وأورد ثلاثة أحاديث ثم بوب بعنوان باب التعوذ بعد السلام، وأورد حديثين، ثم بوّب باب الأمر بمسألة الرب في دبر الصلاة فذكر حديثًا. انظر صحيح ابن خزيمة " ١/ ٣٦٦ - ٣٦٩". وهذا الصنيع من البخاري وابن خزيمة يدل على أنهما يريان مشروعية الدعاء بعد الصلاة. وأما ابن القيم فقد نفى ثبوت الدعاء بعد الصلاة عن النبي ﷺ مطلقًا، انظر زاد المعاد: ١/ ٢٥٧، وجلاء الأفهام: ١٧٥ - ١٧٦، وربما يفهم نحوه من كلام شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى: ١/ ١٩٩ - ٢٠٦، وقد ناقش الحافظ ابن حجر ابن القيم في نفيه ثبوت الدعاء مطلقًا فأورد خمسة أحاديث تدل على الدعاء بعد الصلاة. انظر الفتح: ١١/ ١٣٣. ولكن ابن القيم ذهب إلى أفضلية الدعاء في الصلاة فقط في رسالته في الصلاة ص: ١٥٢ فإنه قال بعد ذكر التشهد الأخير: "والدعاء في هذا المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام وأنفع للداعي"، وهذا كما هو واضح لا ينفي ثبوت الدعاء بعد السلام وإنما ينفي الأفضلية.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
دبر كل صلاة أن تقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (^١).
وقد مال ابن القيم ﵀ إلى أنه لا بأس بالدعاء بعد الفراغ من الصلاة ولكن بعد أن قدم بين يدي دعائه الأذكار المشروعة بعد السلام (^٢).
هذا الذي تقدم في الدعاء بعد الصلاة بدون اجتماع عليه، وأما إذا اجتمعوا عليه بأن يدعو الإمام أو أحد المصلين ويؤمن الآخرون كما هو منتشر في كثير من بلدان المسلمين فهو بدعة إلا إن وقع أحيانًا فيجوز.
وأما إذا كان دائمًا بعد كل صلاة فهو بدعة لأنَّه لم يعهد ذلك من النبي ﷺ وصحابته والسلف الصالح (^٣).
قال شيخ الإسلام ﵀: "الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة كالاجتماعات المشروعة ولا اقترن به بدعة منكرة" (^٤).
وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه أجاز الدعاء للإخوان إذا اجتمعوا بدون تعمد مسبق، وبدون الإكثار من ذلك حتى لا يصير عادة تتكرر (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٨١ رقم ١٥٢٢، والنسائي: ٣/ ٤٥ رقم الباب: ٦٠، وفي عمل اليوم رقم ١٠٩، وأحمد ٥/ ٢٤٥، ٢٤٧، وابن خزيمة: ١/ ٣٦٩ رقم ٧٥١، والحاكم: ١/ ٢٧٣، وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ٣٠٤ رقم ٧٨٤٦.
(٢) زاد المعاد: ١/ ٢٥٨.
(٣) الفتاوى الكبرى المصرية: ١/ ١٨٨ - ١٨٩ و٢١٠، أو مجموعة ابن قاسم: ٢٢/ ٤٩٢ - ٥٠٤، ٥١١، ٥٠٨ - ٥٢٣، واقتضاء الصراط: ٣٠٣ - ٣٠٧، والاعتصام للشاطبي فقد توسع في هذه المسألة وبينها بيانًا شافيًا، انظر منه: ١/ ٢٧، وانظر كلامًا طويلًا له ذكر قواعد مهمة من: ١/ ٣٤٩ - ٢/ ٥٢ و٢/ ٣٥١، وكذلك ذكره الشاطبي في فتاواه ص: ١٢٧ - ١٢٨.
(٤) الفتاوى الكبرى المصرية: ١/ ٢١٠، أو مجموع الفتاوى لابن قاسم: ٢٢/ ٥٢٣، ونحوه في: ٢٠/ ١٩٦.
(٥) الاقتضاء: ٣٠٤.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وقال الإمام الشاطبي ﵀:
"لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد في بعض الأوقات للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزًا. . . إذا لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام، ولا كونه سنة تقام في الجماعات ويعلن به في المساجد كما دعا رسول الله ﷺ دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب … " (^١).
فأصل الدعاء عقب الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة وإنما يباح منه ما كان لعارض كقنوت النازلة.
وإنما كان هذا الدعاء بعد الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، مع ثبوت مشروعية الدعاء مطلقًا وورود بعض الأحاديث بمشروعية الدعاء بعد الصلوات خاصة لما قارنه من هذه الهيئة الاجتماعية ثم الالتزام بها في كل الصلوات حتى تصير شعيرة من شعائر الصلاة.
فقد وصل الأمر في بعض البلاد إلى أن اعتقد الجهال بأن الدعاء بعد الصلوات بالصورة الجَمَاعية من مستحبات الصلاة، مثل الراتبة التي تصلى بعد الصلاة أو أوكد منها.
فإذا لم يدع لهم الإمام -بعد الصلاة- يرون أن صلاتهم ناقصة ويسيئون الظن فيه ويتهمونه بأنواع من التهم، فهذه المفسدة إنما حصلت من التزام الأئمة بالدعاء عقب الصلوات في تلك البلدان.
فأما لو دعا الإمام بعض الأحيان مثل أن تقع نازلة فيدعو بها عقب الصلوات وأَمَّن على ذلك المأمومون ففي هذه الحالة لا يكون الدعاء
_________________
(١) الاعتصام: ٢/ ٢٣. وذكر ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر: ٣٨٢ - ٣٨٤ أن الاجتماع للدعاء للنوازل مختلف فيه فمن العلماء من يراه بدعة ومنهم من يرى الجواز.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
بدعة، فيكون مثل ما دعا به النبي ﷺ بالاستسقاء في خطبة الجمعة عندما طلب منه الأعرابي ذلك (^١).
٢ - ومثل الدعاء عقب الصلوات -الدعاء للأئمة في خطبة الجمعة. فقد نص العلماء على أن الالتزام به في كل خطبة بدعة وأما لو دعا لهم للحاجة فليس ببدعة (^٢).
وأتت بدعيته من جهة الالتزام وعدم الترك -لأن ذلك يؤدي إلى الاعتقاد بأنه من شروط الخطبة وأنَّه شعيرة من شعائره، مع أن أصل الدعاء للأئمة مشروع ومطلوب، فإن إمام المسلمين أحق من يدعي له؛ لأن بصلاحه صلاح الأمة، فالدعاء له دعاء للأمة.
٣ - ومثل ذلك الاجتماع للدعاء بصفة دورية في مكان معين فقد عده كثير من العلماء من البدع (^٣).
_________________
(١) انظر تخريجه ص: ٢٩٨.
(٢) انظر الاعتصام: ١/ ٢٧ - ٢٨، وفتاوى العز بن عبد السلام ص: ٤٧ - ٤٨.
(٣) قد تقدم ذكر إنكار أبي موسى وابن مسعود على القوم الذين يجتمعون للذكر ص: ٤٧٧، وقد أنكر الإمام الحسن البصري على الذين يجتمعون للدعاء في بيت معين كما في البدع لابن وضاح ص: ١٤ كما ذكر في ص: ١٩، إنكار عمر بن الخطاب على من يجتمع للدعاء للمسلمين وللأمير وتقدم ص، وانظر ما ذكره الطرطوشي في الحوادث ص: ٦٢ - ٦٨، من كراهة مالك للاجتماع لختم القرآن في ليلة من ليالي رمضان كما ذكر كراهة مالك للدعاء عقب الفراغ من قراءة القرآن بصورة جماعية ص: ٦٣، وانظر كلام الإمام أحمد وغيره في اقتضاء الصراط: ٣٠٤ - ٣٠٧، وقد تقدم ص ٤٧٨ حكاية النخعي عن الصحابة والتابعين عدم طلب الدعاء بعضهم من بعض. وقد نقل الشاطبي في فتاواه كراهة مالك الاجتماع لقراءة الحزب وقوله: إنه شيء أحدث وأن السلف كانوا أرغب في الخير فلو كان خيرًا لسبقونا إليه ثم نقل ما ذكره الطرطوشي عن مالك من كراهته الاجتماع لختم القرآن في رمضان، انظر فتاوى الشاطبي: ٢٠٦ - ٢٠٨، وانظر موضوع الدعاء عقب ختم القرآن في الصلاة وخارجها في: رسالة مرويات دعاء ختم القرآن للشيخ بكر أبو زيد وخلاصة كلامه أن ذلك لم يثبت مرفوعًا وإنما ثبت عن أنس موقوفًا خارج الصلاة وتبعه بعض التابعين وأما في الصلاة فلم يثبت لا مرفوعًا ولا موقوفًا وروي عن فعل أهل =
[ ٢ / ٦٧٠ ]
٤ - ومن الأدعية البدعية الجماعية ما يحصل من بعض الناس في أعمال الحج من الطواف والسعي، وغيرها، حيث إن بعضهم يؤجرون من يدعو لهم ويرددون وراءه أدعية معينة لكل شوط، بدون أن يكون لكل أحد الدعاء في حاجته الخاصة التي يريدها، وقد يكون بعض هؤلاء المرددين لصوت الداعي لا يعرفون معنى ما يدعو به الداعي، إما لكونهم لا يعرفون اللغة العربية أو للأخطاء التي تحصل من الداعي وتحريفه للكلام ومع هذا يحاكونه في دعائه، وهذه الأدعية إنما جاءتها البدعية من جهتين:
الأولى تخصيص كل شوط بدعاء خاص مع عدم وروده.
الثانية: الهيئة الجماعية مع رفع صوت وحكاية ألفاظ بدون تدبر واستحضار معنى.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله:
"وأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة أو أدعية مخصوصة فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كفي" (^١).
ومثل الطواف والسعي ما يقع عند الزيارة للقبر النبوي أو قبور الشهداء أو البقيع أو غير ذلك من ترديد الزائرين صوت المزورين، قال الشيخ الألباني -حفظه الله- في تعداده لبدع الزيارة في المدينة النبوية: تلقين من يعرفون بالمزورين جماعات الحجاج بعض الأذكار والأوراد عند الحجرة أو بعيدًا عنها بالأصوات المرتفعة، وإعادة هؤلاء ما لقنوا
_________________
(١) =مكة والبصرة كما روي عن الإمام أحمد وأن الدعاء في الصلاة أمر تعبدي ينبغي الوقف على النص ومورده وقد ذكر أبو المظفر السمعاني عن بعضهم أن الدعاء عند الختم بدعة حسنة، انظر الحجة في بيان المحجة: ١/ ٣٦٣.
(٢) التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة ص: ٣٥، وانظر بعض تلك الأدعية المبتدعة في مناسك الحج والعمرة للألباني ص: ٥٠ رقم ٤٣، ٤٤، ٤٦، ٥٠، ٦٥ - ٦٦، ٧١، ١٠٤.
[ ٢ / ٦٧١ ]
بأصوات أشد منها (^١). وبما تقدم اتضح أنواع الأدعية المبتدعة وبهذا القدر نكتفي في سرد أنواع الأدعية المبتدعة، وبه نختم مباحث باب الدعاء غير المشروع، ونبدأ الآن في الإجابة على بعض الشبهات التي أوردها المجيزون للدعاء غير المشروع، والله المستعان وعليه التكلان.
_________________
(١) مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف للألباني ص: ٦٣ رقم ١٦٦.
[ ٢ / ٦٧٢ ]