ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في منزلة الدعاء ومكانته من العقيدة وأهميته من بين سائر العبادات.
الفصل الثاني: في عدم تنافي الدعاء والقدر.
الفصل الثالث: في حكم الدعاء الشرعي.
[ ١ / ٢٣٥ ]
الفصل الأول في منزلة الدعاء ومكانته من العقيدة وأهميته من بين سائر العبادات
ويحتوي على مبحثين:
المبحث الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد ودلالته على وجود الله تعالى.
المبحث الثاني: في علاقته بالتوحيد بأنواعه الثلاثة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
المبحث الأول في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد ودلالته على وجود الله جل وعلا
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد:
الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد والمعرفة وحياة القلب ويقوي الفطرة، وهذا الأمر مجرب يعرفه من وقع في مشكلة فاضطره ذلك إلى الالتجاء إلى الله والرغبة إليه والانطراح بين يدي الله تعالى والتملق له.
فجعل له هذا "من الإيمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة قلبه، واستنارته بنور الإيمان ما قد يكون أنفع له من ذلك المطلوب" (^١).
وقد دلت الأدلة القاطعة على زيادة الإيمان بالطاعات عمومًا وللدعاء خصوصية في زيادة الإيمان، إذ الداعي ولا سيما المضطر تلجئه الحاجة الملحة والفقر الشديد إلى من يقضي حاجته ويكشف كربه وحينئذ يجد الفطرة ترشده وتهديه إلى الله ﵎ ويصل الأمر إلى أن تكون معرفته بخالقه وصفاته ضرورية فيزداد يقينًا وإيمانًا وإخلاصًا كما يزداد
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٥٩٦ و٢٢/ ٣٨٥، واقتضاء الصراط: ٤١١.
[ ١ / ٢٣٩ ]
معرفة بحاجته وضعفه وعجزه وأن الذي يدعوه عالم بحاله وقادر على قضاء حوائجه.
فإكثار الدعاء الله تعالى والتوجه إليه كل وقت يزيد الإيمان ويقويه وينمي الفطرة ويصقلها ويجليها مما شابها، ويجعل القلب متعلقًا بالله تعالى محبًا له راغبًا راهبًا، ويفتح له هذا بابًا عظيمًا من لذيذ المناجاة وحلاوة الإيمان وبشاشته وبرد اليقين وراحة البال وطمأنينة النفس: "مما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولًا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولًا حتى يطلبه ويشتاق إليه" (^١).
ومما يدل على أن الدعاء يزيد في الإيمان والمعرفة لصفات الرب من القدرة والعلم .. إلخ. كما أنه يزيد في معرفة الإنسان لنفسه بالعجز، أن الداعي لا يُقْدِم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وأنَّه عاجز عن تحصيله.
وعرف أن ربه ﵎ يسمع الدعاء ويعلم الحاجة وهو قادر على إيصالها إليه، وعرف أن ربه رحيم تقتضي رحمته قضاء تلك الحاجة.
ولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص، ومعرفته ربه بالقدرة والعلم والرحمة وسائر صفات الكمال من أعظم المعارف وفي هذا معرفة ذل العبودية، وعز الربوبية (^٢).
فهاتان المعرفتان من أهم أساسيات العقيدة، فإن اعتراف العبد بعجزه ونقصه يستوجب له الالتجاء إلى من يقوي عجزه، ويكمل نقصه، ولن يجد أحدًا يستطيع ذلك إلا الله تعالى فحينئذ يجد نفسه أنه لا بد له من الالتجاء إلى القوي العزيز وهو عندما يلتجئ لا بد أن يعرف صفات الله تعالى التي من أجلها التجأ إليها من قدرته على قضاء حوائجه،
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ١/ ٢٩.
(٢) انظر فيض القدير: ٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦، وتحفة الذاكرين ص: ٢٨، وروح المعاني: ٨/ ١٣٩، وتفسير الرازي: ١٤/ ١٣٥.
[ ١ / ٢٤٠ ]
واستغاثته، وكشف كرباته، ومن علمه بحاله ومكانه ومصلحته في الحال والمستقبل، ومن رحمته بعبده وجوده وكرمه.
وبهذا يتبين أن الدعاء يتضمن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته …
وقد ذكر ابن القيم أن الصلاة على النبي ﷺ والتي هي نوع من أنواع الدعاء كما تقدم (^١): "متضمنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود الرب المدعو، وعلمه، وسمعه، وقدرته، وإرادته، وصفاته، وكلامه، … ولا ريب ولا ريب أن هذه أصول الإيمان والصلاة عليه ﷺ هي متضمنة لعلم العبد ذلك وتصديقه به" (^٢).
وهكذا سائر الأدعية فهي مشتملة على أصول الإيمان، بل أغلب الأدعية المأثورة إذا تأملناها نجدها تشتمل على أصول الإيمان بطريق المطابقة، وقليل منها هو الذي يدل على ذلك بطريق التضمن أو الالتزام.
ثم إن الداعي لو فرض أنه قد لا يستحضر هذه المعاني التي يتضمنها الدعاء فإن هذا لا ينافي ما يقتضيه حقيقة معنى الدعاء.
فالذي ينبغي له أن يستشعر ذلك ويجتهد في إحضار قلبه وتوجهه إلى الباري سبحانه واعتقاد تلك الصفات التي يدل عليها الدعاء الذي يدعو به إما مطابقة أو تضمنًا أو التزامًا.
قال ابن القيم: "وحق الداعي أن يستشعر عند دعائها -أي الفاتحة- ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به، إذ الدعاء مخ العبادة، والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون إلا في لحم ودم، فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون الطلب ممزوجًا بالثناء، فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مشوبًا بالخبر تصريحًا من الداعي بمعتقده وتوسلًا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه،
_________________
(١) تقدم ص: ٧٨.
(٢) جلاء الأفهام ص: ٢٧٠.
[ ١ / ٢٤١ ]
فكأنه متوسل إليه بإيمانه واعتقاده أن صراط الحق هو الصراط المستقيم وأنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته … " (^١).
وقد صرح العلماء باشتمال الدعاء على التوحيد ودلالته المتنوعة العقدية والعلمية، ومن هؤلاء الذين صرحوا القاضي عياض فإنه قال: "أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة" (^٢).
وقال الزركشي في معنى كون الدعاء مخ العبادة: "إنما كان مخًا لتضمنه التوحيد إذ الداعي لا يدعو الله إلا وهو يوحده، ويعتقد أنه لا معطي غيره" (^٣) وذكر ابن عقيل الحنبلي أن في الدعاء معنى الوجود والغنى والسمع والكرم والرحمة والقدرة فإن من ليس كذلك لا يدعى (^٤).
فتبين بهذا أن الدعاء يزيد في إيمان الداعي ومعرفته وتوحيده، ويتضمن اعتقاد الداعي بوجود الرب المدعو، وعلمه وسمعه وقدرته وسائر صفاته، فالواجب على الداعي استشعار هذه المعاني وهذه الصفات.
المطلب الثاني: في دلالة الدعاء على وجود الله تعالى:
إن الاعتراف بوجود الله تعالى أمر فطري ضروري لا يحتاج إلى إقامة برهان ولا سوق أدلة ولا ذكر حجج لأن الفطر البشرية مقرة بذلك، ومعرفته أمر ضروري لولا أن شياطين الإنس والجن تلقي بعض الأوهام بين ضعفاء العقول فتشوش عليهم، فلهذا لا نرى القرآن الكريم يكثر من إقامة البراهين الجدلية في هذا الموضوع ولكنه يشير إلى ذلك بأدلة كافية مقنعة ملزمة.
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٢/ ١١ - ١٢.
(٢) الفتوحات الربانية: ١/ ١٧.
(٣) الأزهية ص: ٣٠، وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٢٩.
(٤) الآداب الشرعية: ٢/ ٢٩٢، وانظر ما سيأتي في ص: ٢٧٢.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وإذا رجعنا إلى موضوعنا وهو دلالة الدعاء على وجود الله تعالى نجد الله تعالى ذكر ذلك في كتابه الحكيم، فقد ذكر أدلة وجوده وبراهين وحدانيته وحجج تفرده بالربوبية والألوهية، ومن ضمن تلك الحجج إجابة المضطرين وإغاثة الملهوفين وإنقاذ المكروبين.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وقد ذكر قبل ذلك الآيات الكونية الكبرى من خلق السموات والأرض وإنزال المطر وإنبات الحدائق والأشجار وجعل الأرض مستقرة وخلق الأنهار والجبال والبحار، فهذه آيات كونية كبرى، ثم ذكر أدلة فطرية ضرورية وهي آية إجابة الدعاء.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
فقد وصف الله نفسه في هذه الآيات بتفرده بخلق الكون وتصريفه بإنزال المطر وإخراج الثمرات والرزق وتسخير الفلك والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار.
فهذه الأمور هي الأدلة الكونية الكبرى ثم قرن بهذه الأدلة الكبرى دليلًا آخر ألا وهو إجابة الدعاء، فدلت هذه المقارنة بالأدلة الكونية على عظمة دلالة إجابة الدعاء فهي من أعظم الأدلة الدالة على وجود الله تعالى، يعرف ذلك من وقع في خطر شديد وكرب عظيم فاستغاث بربه فأجابه وأنقذه مما وقع فيه فيحصل له علم ضروري بوجود الله تعالى.
ومن الأدلة على دلالة الدعاء على وجود الله وصفاته:
[ ١ / ٢٤٣ ]
أن الداعي يريد حصول مطلوبه وغرضه على وجه معين، وفي الغالب الغرض الذي يريده الداعي الأسباب الظاهرة العادية لا تقتضي وجوده مطلقًا، أو على الوجه الذي يريده بل ربما الأسباب الظاهرة تقتضي عدم وجوده أو وجوده على وجه آخر يخالف ما يريده الداعي.
ومع هذه التوقعات والاحتمالات التي على ضد مراد الداعي يقوم الداعي بالتوجه إلى الله تعالى والإقبال على ربه ويستغيث به فيحصل المطلوب وفق غرضه وعلى الوجه الذي يريده، وقد كان قبل ذلك يعد وقوعه شبه المستحيل على الصفة المطلوبة. أترى ما الذي غيَّر الأسباب الظاهرة عن مجراها وعاداتها إلى ما يريده الداعي؟ مثال ذلك ما يقع للمسلمين في الاستسقاء حيث يجدون تأخر المطر وليس هناك سبب يقتضيه من غيم أو ريح أو تغير طقس، ومع ذلك يخرجون إلى الفلاة متضرعين مبتهلين خاشعين فيصلون صلاة الاستسقاء فيدعون الله تعالى، فيغيثهم الله في اليوم نفسه أو قريبًا منه.
وهذا أمر مشاهد واقع إلى الآن في بلاد المسلمين لاسيما في البلاد المتمسكة بدينها، وقد وردت الأحاديث الصحاح بأن النبي ﷺ يدخل عليه رجل وهو يخطب فيطلب منه الدعاء بالسقيا فما ينزل عن المنبر حتى يجيش المسجد وقد كان قبل الدعاء لا يرى في المدينة سحابة ولا قزعة.
فمن الذي حرك السحاب والرياح وأتى بالمطر في لحظات معدودة؟؟
كل ذلك دليل قاطع على وجود الله تعالى وتفرده بالربوبية والألوهية وأنه متصف بصفات الجلال والجمال من السمع والعلم والرحمة والكرم والجود والقدرة وغير ذلك.
قال بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]: الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على وفق غرض الداعي، فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم
[ ١ / ٢٤٤ ]
يسمع دعاءه ولا يخيب رجاءه، وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت (^١).
وقال ابن القيم: "وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته ورحمته بهم" (^٢).
فإجابة الدعاء على وفق مراد الداعي مع عدم الأسباب الظاهرة المقتضية لذلك تدل دلالة واضحة على أن هناك مدبرًا لهذا الكون يغيره حسب ما يشاء.
وذكر الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى بعض البراهين العقلية الفطرية على ربوبية الله وإلاهيته ثم قال: "ومن براهين وحدانية الباري وربوبيته، إجابته للدعوات في جميع الأوقات فلا يحصي الخلق ما يعطيه للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين من بر وفاجر، ومسلم وكافر، تحصل المطالب الكثيرة، ولا يعرفون لها شيئًا من الأسباب سوى الدعاء والطمع في فضل الله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس لا ينكره إلا مباهت مكابر" (^٣).
دلالة الدعاء على وجود الله تعالى من ناحية الافتقار والحاجة والضرورة الفطرية:
إن الافتقار والاحتياج من لوازم الإنسان وضرورياته، فهو دائمًا يحتاج إلى نيل مراده من عزيز قوي يبلغه مراده وفي هذا اعتراف منه بالرب القوي الذي يبلغه مراده.
والفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على رب حكيم قادر عليم قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]
_________________
(١) تفسير الرازي: ٥/ ١٠٤.
(٢) مدارج السالكين: ٣/ ٣٥٥.
(٣) الرياض الناضرة والحدائق المنيرة الزاهرة ص: ٢٥٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وهذه الفطرة راسخة في أعماقهم ووجدانهم ومشاعرهم، فهم وإن غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
والاستدلال بالفطرة هو المنهج القرآني، وقد حاد عنه المتكلمون حيث يهتمون بإثبات الصانع بأدلة جدلية وآراء منطقية، وأدلتهم الجدلية هي "دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج ذاته إلى مدبر هو منتهى مطلب الحاجات، فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغني به ولا يستغني عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، ويتضرع إليه في الشدائد والمهمات" وذلك لأن الإنسان يعرف احتياج نفسه وافتقارها أكثر من معرفته احتياج الممكن إلى الواجب والحادث إلى المحدث.
وهذه الطريقة هي سنّة الله وطريقته في كتابه فإنه يحتج عليهم بحاجتهم وافتقارهم إليه. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣].
والاستدلال الأحسن والموصل إلى المعرفة هو الاستشهاد بأفعال الله تعالى عليه وأنه لا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة، فحيثما كان الاضطرار والعجز أشد، كان اليقين أوفر وآكد: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢].
والمعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخًا في القلب من المعارف التي هي نتائج الأفكار في حال الاختيار (^١).
_________________
(١) انظر ما نقله ابن تيمية في درء تعارض العقل: ٧/ ٣٩٧ - ٤٠٣ عن كتاب نهاية الإقدام للشهرستاني ص: ١٢٤، وانظر كتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٧١ - ١٧٢، والرياض الناضرة ص: ٢٥٢.
[ ١ / ٢٤٦ ]
هذا وافتقار العبد إلى الله تعالى من جهتين: من جهة العبادة وجهة الاستعانة، قال شيخ الإسلام ﵀: والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلة فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فهو مفتقر إلى الله من حيث المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه الذي لا إله له غيره وهو ربه الذي لا رب له سواه (^١).
_________________
(١) العبودية: ١٠٨ - ١٠٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
المبحث الثاني
في علاقة الدعاء بالتوحيد بأنواعه الثلاثة
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
إن الدعاء له علاقة وثيقة وارتباط قوي بالتوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والعبادة، وإليك بيان ذلك:
١ - علاقة الدعاء بتوحيد الربوبية:
فتوحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله، ومن جملة أفعال الله تعالى إجابة الداعي وإغاثة المستغيث.
لأن من معاني توحيد الربوبية الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء وأنه النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ (^١) [النمل: ٦٢].
فالإقرار بتفرد الله بإجابة الدعاء من توحيده في ربوبيته، لأن من
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد: ٣٣.
[ ١ / ٢٤٨ ]
مقتضى الربوبية أن يربيهم بالنعم وبما يحتاجون إليه، ومن ذلك إجابة المضطر وإغاثة الملهوف، وكشف الكرب وإزالة الضر، فهو يربي عباده بهذه النعم، فالربوبية تتضمن "خلقهم وتدبيرهم وتربيتهم وإصلاحهم وجلب مصالحهم وما يحتاجون إليه ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم، هذا معنى ربوبيته لهم، وذلك يتضمن قدرته التامة ورحمته الواسعة وإحسانه وعلمه بتفاصيل أحوالهم، وإجابة دعواتهم وكشف كرباتهم" (^١).
فتوحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله هو التي منها إجابة الدعاء، فهو الذي يستحق طلبها منه وحده وهو الذي يجب إخلاص نوعي الدعاء له. قال شيخ الإسلام ﵀: "فهو سبحانه مستحق التوحيد، الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له: دعاء العبادة بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته، ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه، والالتجاء إليه والسؤال له ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته.
ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله، وفي السؤال باسم الرب، فيقول المصلي والذاكر: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وكلمات الأذان الله أكبر … إلى آخرها ونحو ذلك" (^٢).
ومن هنا نستطيع أن نعرف سر كثرة ورود لفظ الرب في دعوات الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين دون اسم الجلالة، أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد حكى الله لنا تلك الأدعية التي فيها النداء باسم الرب في آيات كثيرة، قال تعالى في دعاء آدم وحواء ﵉:
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٤٧.
(٢) الفتاوى: ٢/ ٤٥٦، وقاعدة جليلة ص: ٥٣.
[ ١ / ٢٤٩ ]
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، ومن دعوات نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨]، ومن أدعية إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١].
وقد تكرر لفظ الرب في هذا الدعاء تسع مرات، كما أنه قد تكرر لفظ الرب في دعاء آخر لإبراهيم ﵇ أربع مرات ذكره الله في سورة البقرة من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٦ - ١٢٩].
ومن أدعية يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣].
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
ومن أدعية موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً
[ ١ / ٢٥٠ ]
وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨].
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٧].
ومن أدعية زكريا ﵇ ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩)﴾ [الأنبياء: ٨٩].
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤].
وقد وصف الله تعالى في كتابه الرسول ﷺ والمؤمنين بأنهم يدعون بالدعاء الذي في آخر البقرة، وقد تكرر فيه اسم "الرب" أربع مرات:
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦].
وكذلك وصف الله أولي الألباب الذاكرين الله في كل الأحوال بأنهم يدعون بدعاء ذكره في آخر سورة آل عمران، وقد تكرر فيه اسم "الرب" خمس مرات من آية ١٩١ إلى آية ١٩٤ ومثل ذلك ما وصف الله به عباده الذين قضوا أعمال الحج بأنهم يقولون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
إلى غير ذلك من الأدعية الواردة المأثورة الكثيرة التي لو تتبعناها لطال بنا البحث.
وهذا الذي ذكر يكفي للدلالة على أن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وأن ذلك هو الحكمة في تكرار لفظ "الرب" في الأدعية المأثورة دون باقي أسماء الله الحسنى ومن ذلك اسم الجلالة وبهذا يعرف ما في
[ ١ / ٢٥١ ]
قول الخطابي رحمه الله تعالى في اسم الجلالة "الله": "إنه أشهر أسماء الرب تعالى وأعلاها محلًا في الذكر والدعاء" (^١).
فبالنسبة إلى كونه أعلاها في الذكر لا خلاف في ذلك وأما بالنسبة إلى الدعاء فيعكر عليه ما تقدم من أدعية الأنبياء مع ما في معنى الربوبية من مناسبة للإجابة، وقد قال شيخ الإسلام ﵀ مبينًا هذا المعنى:
"إن الإله هو المعبود الذي يستحق أن يعبد، والرب هو الذي يرب عبده فيدبره.
ولهذا كانت العبادة متعلقة باسمه "الله"، والسؤال متعلقًا باسمه "الرب" إلى أن قال: ولما كانت العبادة متعلقة باسمه "الله" تعالى جاءت الأذكار المشروعة بهذا الاسم مثل كلمات الآذان: الله أكبر الله أكبر، ومثل الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ومثل التشهد، التحيات لله، ومثل التسبيح، والتهليل، والتكبير: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.
وأما السؤال فكثيرًا ما يجيء باسم الرب كقول آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ … إلى أن قال:
وقد نقل عن مالك أنه قال: أكره للرجل أن يقول في دعائه يا سيدي يا سيدي يا حنان يا حنان، ولكن يدعو بما دعت به الأنبياء ربنا ربنا، نقله عنه العتبي (^٢) في العتبية، فإذا سبق إلى قلب العبد قصد السؤال ناسب أن يسأله باسمه "الرب" وإن سأله باسمه "الله" لتضمنه اسم الرب
_________________
(١) شأن الدعاء: ٣٠
(٢) العتبي: هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة أبو عبدالله الأموي القرطبي المالكي، فقيه الأندلس جمع المسائل المستخرجة وهي التي تسمى العتبية، توفي ٢٥٥ هـ، انظر السير: ١٢/ ٣٣٥. وهذا النص عن مالك في العتبية المطبوعة مع شرحها البيان والتحصيل لابن رشد: ١/ ٤٥٦ و١٧/ ٤٢٣.
[ ١ / ٢٥٢ ]
كان حسنًا، وأما إذا سبق إلى قلبه قصد العبادة فاسم "الله" أولى بذلك. إذا بدأ بالثناء ذكر اسم "الله" وإذا قصد الدعاء دعا باسم "الرب"" (^١).
ومما سبق يتضح أن اسم "الرب" من مقتضى معناه إجابة الدعاء لأن الإجابة من جملة تربية العبد بما يصلحه وبما يحتاج إليه كما أنها من ناحية أخرى عطاء ونفع وتدبير من الله للعبد وهذه الصفات تختص باسم الرب، ومن مقتضى معناه.
قال ابن القيم ﵀: "وصفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير الخليقة أخص باسم الرب" (^٢).
ولهذه المعاني السابقة قال بعضهم: إنه الاسم الأعظم.
قال القرطبي ﵀: "قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو الاسم الأعظم لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر آل عمران وسورة إبراهيم وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف، والرحمة، والافتقار في كل حال" (^٣).
وبما تقدم تبين لنا علاقة الدعاء بالربوبية، وأن إجابة الدعاء من مقتضاها وأن ذلك هو السر في تكرار اسم الرب في الأدعية المأثورة دون باقي أسماء الله الحسنى.
٢ - ومن الأدلة الدالة على علاقة الدعاء بالربوبية أن من معاني توحيد الربوبية الإقرار بتفرد الله تعالى بالتصرف المطلق في الملك
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٢٨٤ - ٢٨٦، ونحوه في: ١٤/ ١٢ - ١٤، و١/ ٧٤، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٤، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٧٠ - ١٧١.
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٣٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٣٧.
[ ١ / ٢٥٣ ]
٣ - ومن معاني توحيد الربوبية الاعتراف بأن الله هو النافع الضار
والملكوت وأنه القادر القدرة المطلقة، فالمدعو لا بد أن يكون قادرًا القدرة المطلقة، ومتصرفًا التصرف المطلق إذ لولا اعتقاد الداعي بأن المدعو يقدر على أن يتصرف في الكون، ويغير الأحداث من الصعب إلى السهل، ومن الضيق إلى السعة، ومن الشدة إلى اليسر، ومن الكرب إلى الفرج، لما وجه الداعي دعاءه وطلبه إلى المدعو، إذ العاجز عن التصرف وعن التغيير لا يوجه إليه طلب التصرف والتغيير عند من له عقل سليم. ولهذا عاب الله تعالى على المشركين فقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٣].
وهذا التلازم بين الدعاء وبين كون المدعو متصرفًا التصرف المطلق وقادرًا القدرة المطلقة - يقتضيه وضع الدعاء وحقيقته.
ثم هاتان الصفتان اللتان هما التصرف المطلق والقدرة المطلقة - من خصائص الربوبية فلا يتصف بهما غير الله تعالى، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى فقد صرف له ما هو من خصائص الربوبية، فلذا وجب إخلاص الدعاء لله تعالى.
وربما يوجد بعض الأشخاص الذين لا يستحضرون عند الدعاء هذه التفاصيل لما يستلزمه معنى الدعاء ويقتضيه.
ولكن هذا لا يمنع أن الدعاء من شأنه وطبيعته اعتقاد الداعي تلك الخصائص للمدعو كما أنه لا يُجِيرُ للآخرين إنكار تلك الحقيقة الواقعة من الداعين الذين يستحضرون تلك المعاني والخصائص للمدعو.
٣ - ومن معاني توحيد الربوبية الاعتراف بأن الله هو النافع الضار إذ من شأن الدعاء أن يكون المدعو يستطيع أن ينفع داعيه أو يضره.
ولهذا عاب الله على المشركين الذين عبدوا ما لا ينفعهم ولا يضرهم، فقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢].
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقال ﵎: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨].
وقال تعالى حاكيًا توبيخ إبراهيم لقومه: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٦٦، ٦٧].
وهذا التلازم أيضًا يقال فيه ما سبق في مثله من كون شأن الدعاء وحقيقته يقتضي ذلك.
والحاصل أن هذا التلازم الذي نقول به واضح في دعاء العبد لربه فإنه يعتقد هذه اللوازم.
كما أن هذا التلازم هو من مقتضى حقيقة الدعاء وطبيعته وشأنه. وأما في حالة دعاء الموتى والغائبين فهو كذلك أيضًا ويدل لذلك أمور:
١ - أقوال وتصرفات من يدعو الأموات والغائبين فقد صرح بعضهم باعتقادهم في المدعوين التصرف المطلق والقدرة على النفع والضر، وهو اعتراف منهم بالحقيقة، والاعترافُ هو أقوى برهان وأنصع حجة وأوضح دليل.
٢ - أقوال العلماء الذين صرحوا بهذا التلازم في مطلق الدعاء.
٣ - أقوال العلماء الذين صرحوا باعتقاد الداعين للأموات لمدعويهم هذه اللوازم وسيأتي هذان الأمران في آخر هذا البحث لتعلقه بموضوع البحث كله، وأما ما يتعلق بالأمر الأول فنذكره هنا .. وبالله التوفيق.
اعتقاد من يدعو غير الله تعالى لمدعوه التصرف والقدرة على النفع والضر:
وهذه نقول من كتبهم المعتبرة التي هي حجة بينهم وفيها ما ينادي باعتقادهم التصرف للأولياء وفي بعضها ادعاء من يزعم الولاية لنفسه أنه يتصرف في الكون ويجيب الداعي، وفي البعض الآخر ادعى له المريدون
[ ١ / ٢٥٥ ]
وعَدَّوْه من كراماته، واعتقادهم التصرف له يدل على أنهم يعتقدون أنه ينفع ويضر، ومن أقاويلهم الباطلة في ذلك ما قاله بعضهم:
"لو تحركت نملة سوداء في ليلة ظلماء فوق صخرة صماء، ولم أسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممكور بي".
فقال آخر مستدركًا عليه: "كيف أقول ذلك، وأنا محركها؟ " (^١).
ففي هذا ادعى الأول السمع المحيط للكون، وذلك يستلزم العلم المحيط أيضًا وادعى الثاني زيادة على ذلك التصرف المطلق في الكون والقدرة على النفع والضر.
وقد ذكروا مراتب الأولياء وقسموهم إلى مجموعات تتصرف في الكون وتدبر أمره فهناك القطب أو الغوث الأعظم وهناك الإمامان وهناك البدلاء وهناك الأوتاد والنجباء والنقباء. فلكل هذه المجموعة مهمة أساسية تتصرف فيها حسب زعمهم.
فالقطب عندهم -وقد يسمى غوثًا باعتبار التجاء الملهوف إليه- "عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل زمان أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد بيده قسطاس الفيض الأعظم … فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل. . ." (^٢).
وأما الإمامان فأحدهما عن يمين القطب، ونظره في الملكوت وهو مرآة ما يتوجه من المركز القطبي إلى العالم الروحاني من الإمدادات والآخر عن يساره ونظره في الملك وهو مرآته في المحسوسات وهو أعلى من صاحبه ويخلف القطب إذا مات (^٣).
_________________
(١) الإنسان الكامل: ١/ ١٢٢، والعلم الشامخ: ٥٥٦، ٤٥٧.
(٢) التعريفات للجرجاني: ١٧٧ - ١٧٨.
(٣) المرجع نفسه: ٣٥.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وأما الأوتاد فهم أربعة رجال منازلهم على منازل الأربعة الأركان من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب (^١) فهؤلاء هم يثبتون الأرض ويحفظونها من الجهات الأربع.
وأما النجباء فهم مشغولون بحمل أثقال الخلق من الأشياء التي لا تفي القوة البشرية بحملها (^٢).
وأما النقباء فهم المشرفون على بواطن الناس وخفايا الضمائر والسرائر (^٣).
وهؤلاء الأولياء بهذه المراتب الست لهم ديوان خاص يجتمعون فيه كل ليلة لتدبير الكون علويه وسفليه، قالوا إنهم يجتمعون في غار حراء، ويتفقون على ما يكون من ذلك الوقت إلى مثله الغد من فهم يتكلمون في قضاء الله تعالى في اليوم المستقبل والليلة التي تليه ولهم التصرف في العوالم كلها السفلية والعلوية (^٤).
فإذا كان هؤلاء اقتسموا التصرف في الكون فماذا بقي لله الواحد القهار؟
ثم إذا سمع العامي أن هؤلاء هم المتصرفون وأن الغوث معهم ورئيسهم فلماذا لا يستغيث بهم أو بالغوث وحده؟ ولماذا يبقى في الشدة وهؤلاء يجتمعون كل ليلة؟ فما عليه إلا أن يذكر حاجته لهم أو لأحدهم فما عليها إلا أن تقضى في تلك الليلة، ويُبْرِمَ الأمر فيها المجتمعون ويصدروا الأوامر النهائية لقضائها.
_________________
(١) المرجع نفسه: ٣٩.
(٢) المرجع نفسه: ٢٣٩.
(٣) المرجع نفسه: ٢٤٥. ويراجع في هذه المراتب الفتوحات المكية: ٢/ ٧، ٨، ٥٢، ٢٠٨، والتصوف بين الحق والخلق: ٨٨ - ٩٢، والتصوف لإحسان إلهي: ٢٣١ .. وانظر قريبًا من هذه المراتب مراتب أخرى لما يسمى "رجال الغيب" في الإنسان الكامل: ٢/ ٤٥.
(٤) الإبريز للدباغ: ٢/ ٢ - ٩.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومن هنا ندرك لماذا يدعي بعض هؤلاء القطبية أو البدلية إلى آخر تلك الألقاب.
فممن ادعى ذلك ابن الفارض، فقد قال في تائيته:
فبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها الـ … محيط بها والقطب مركز نقطتي (^١)
وادعى ابن عربي تفويض العالم إليه (^٢).
وقد ذكروا عن إبراهيم الدسوقي أنه سئل عن البدوي فقال: الدنيا مقسومة بيننا وبينه أربعة أقسام، ربع لي، وربع لأحمد الرفاعي، وربع للجيلاني، وربع لحضرة البدوي. وكل منهم يتصرف في ربعه إلا أن البدوي له خصيصة لم يخص بها أحد سواه وهو أن الله تعالى جعل له كرسيًا في مكان بين السماء والأرض يتصرف في أمور العالم العلوي والعالم السفلي (^٣).
ومن ذلك ما نقله الشعراني عن البدوي من ادعائه أنه يحمي الوحوش والسمك في البحار بعضهم عن بعض فلهذا فهو غير عاجز عن حماية من يحضر مولده (^٤).
كما ادعي له أنه يسلب الإيمان والعلم (^٥).
ومن ذلك ما سمعه المقبلي (^٦) من بعضهم أنه يقول: "لا يكون الولي وليًا عندنا أهل الحق حتى يكون الكون بأجمعه كحبة خردل في
_________________
(١) ديوان ابن الفارض: ٥٢.
(٢) العلم الشامخ: ٥٥٨.
(٣) العلم الشامخ: ٥٧١، والسيد البدوي: ٢٥٨، نقلًا عن كتاب النصيحة العلوية: ق ٣٧/ ب.
(٤) الطبقات الكبرى: ١/ ١٦٢، والسيد البدوي: ٢٥٢، ٢٦١، ٢٨٦.
(٥) الطبقات: ١/ ١٦٢.
(٦) هو صالح بن مهدي بن علي الصنعاني ثم المكي. قال الشوكاني: وهو ممن برع في جميع علوم الكتاب والسنّة وحقق الأصولين والعربية وفاق في جميع ذلك: (ت ١١٠٨ هـ). البدر الطالع: ١/ ٢٨٨.
[ ١ / ٢٥٨ ]
كفه" يعني فيتصرف فيه كيف يشاء (^١).
وبعض هؤلاء قصر التصرف في القبر لبعض كبار الأولياء ومثل لذلك البعض بالشافعي والليث والبدوي وأضرابهم، فهؤلاء لهم التصرف في قبورهم بحسب صدق من توجه إليهم، وأما النبي ﷺ فبابه مفتوح فما على من عنده حاجة إلا أن يصلي عليه ثم يسأله حاجته (^٢)، قال الألوسي: "ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة" (^٣).
ومن ذلك ما قيل من أن الولي إذا تقرب إلى الله تعالى حتى يصير مقاربًا لله تعالى يحصل له أنه إذا تصرف على سبيل التمكين في الأمور لا يستعصي عليه شيء مما يطلبه فإذا تشوف للعلم علمه، ويفعل ما يريد إحداثه في العالم مثل إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك ..
وإذا اتصف بصفة الخلة تظهر في أجزاء جسده آثار التخلل بأن تنفعل الأشياء له بلفظة كن وأن يبرئ العلل والأمراض ويأتي بالمخترعات بيده، وأن يكون لرجله المشي في الهواء، وأن يقدر على التصور بكل صورة بتمام هيكله (^٤).
فالولي إذا وصل إلى هذه الدرجة يفعل ما يشاء ويريد وينفع ويضر بيده كل شيء!! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ويكفي لمعرفة مدى ادعاء هؤلاء التصرف وتصديق بعض الناس لهم قراءة بعض كتب هؤلاء التي احتوت على ما لا يتصور أن يصدقه عاقل
_________________
(١) الأرواح النوافخ بهامش العلم الشامخ: ٥٢٩.
(٢) شواهد الحق للنبهاني: ١٤٩.
(٣) روح المعاني: ١٧/ ٢١٣، ونحوه في غاية الأماني: ١/ ٢٤٧.
(٤) الإنسان الكامل للجيلي: ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.
[ ١ / ٢٥٩ ]
فضلًا عن مسلم قرأ كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وعرف الإسلام ومن تلك الكتب كتاب الطبقات الكبرى للشعراني وهو كتاب معتبر عندهم فقد حوى العجائب والغرائب من ادعاء تصريف الكون والحوادث الكثيرة، فالذين ترجم لهم نحو ثلثمائة إذا استثنينا الصحابة والتابعين وبعض كبار الصالحين، فكثير من هؤلاء المترجم لهم ذكر لهم الشعراني ما يدل على تصرفهم في الكون وعلمهم للغيب وغير ذلك مما لا يصدقه العقل.
ومثل كتاب الطبقات كتاب جواهر المعاني لعلي حرازم في ترجمة التيجاني ففي هذا الكتاب تصوير للتيجاني بأنه المدبر للكون والمتصرف في شؤون الناس، فمما ادعاه للتيجاني أنه نائب عن الله أو خليفته في جميع مملكته الإلهية بلا شذوذ متصفًا بجميع صفات الله وأسمائه حتى كأنه عينه (^١).
ومن تلك الكتب كتب البريلويين الذين تجاوزوا المعقول والمنقول فيما زعموا للنبي ﷺ والصالحين.
ومن ذلك ما قالوه في الشيخ الجيلاني أنه هو الغوث الذي حصلت له قدرة كلمة "كن فيكون" وأن قلوب الناس في يده يصرفها كيف يشاء، وأن له حق التثبيت في اللوح المحفوظ وأنه يملك أن يجعل المرأة رجلًا (^٢).
ومن تلك الكتب كتب الرافضة ففيها العجائب والطامات، ففيها ادعاء لأئمتهم التصرف في الكون وعلم الغيب وغير ذلك مما هو من خصائص الربوبية (^٣).
_________________
(١) جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني: ٢/ ١٤٥، والتحفة السنية: ٤٦.
(٢) انظر ما نقله الشيخ إحسان إلهي ظهير عن كتبهم المعتمدة لديهم في كتابه البريلوية ص: ٧٢.
(٣) انظر ما سيأتي نقله في ص: ٤٦٥ - ٤٦٧، ٩٣١ - ٩٣٦.
[ ١ / ٢٦٠ ]
والحاصل:
إن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية التي هي شاملة للخلق كلهم، ولهذا كانت إجابة الدعاء غير خاصة بالمؤمنين بل الله يسأله كل الخلائق فيجيبهم.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩] يسأله المطيع والعاصي والكافر والمنافق، فهو كل يوم يجيب داعيًا ويكشف كربًا ويجيب مضطرًا ويغفر ذنبًا كما قاله مجاهد وغيره (^١).
وهو يمد كلًا من العاصي والطائع بما يتكفل له حياته، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠].
بل لما سأله إبليس اللعين بقوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦] أجابه الله إلى ما طلبه وأعطاه بغيته مع أنه أبغض خلق الله إلى الله، قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨].
فاتضح مما سبق أن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وأنها شاملة للخلق أجمع، وأنها فعل من أفعال الله تعالى وأن الإقرار بتفرده بها إقرار بتفرده بأفعاله وأن الإخلاص في الدعاء يستلزم الإخلاص في توحيد الربوبية وأن الشرك في الدعاء يستلزم الشرك في الربوبية، كما أنه يستلزم الاعتقاد بعلم الغيب والتصرف المطلق والقدرة المطلقة والنفع والضر للمدعو. وقد يقال: إن الداعي ربما لا يستحضر عند الدعاء تلك اللوازم للدعاء من كون المدعو قادرًا القدرة المطلقة ومتصرفًا ومالكًا للنفع والضر فلا يقال: إنه أشرك في الربوبية.
_________________
(١) أخرجه الطبري: ٢٧/ ١٣٥، وقد روي نحوه مرفوعًا من حديث أبي الدرداء أخرجه ابن ماجه: ١/ ٧٣ رقم ٢٠٢، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: ١/ ٤٠.
[ ١ / ٢٦١ ]
الجواب: إن من طبيعة الدعاء أن يستحضر الداعي تلك المعاني وهي لازمة له وإلا كان مثل كلام المجنون الذي لا يدري ما يقول، وأيضًا لا يشترط في الحكم بالشرك أن يستحضر المشرك جميع لوازمه وقبائحه ولو استحضر ذلك لما أشرك مع أن الأدلة السابقة وواقع هؤلاء يدلان على أن قسمًا منهم يعتقد بتلك اللوازم أيضًا.
المطلب الثاني: في علاقته بتوحيد الأسماء والصفات:
إن الدعاء له علاقة قوية وارتباط وثيق بتوحيد الأسماء والصفات لأن معنى توحيد الأسماء والصفات هو الإقرار بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من الأسماء الحسنى والصفات العلى إثباتًا بدون تمثيل ولا تشبيه وتنزيهًا بدون تعطيل ولا تحريف ولا تأويل.
ومن عدم التشبيه والتمثيل اعتقاد أنَّ الله هو المتفرد بها لا يشركه فيها غيره وأسماء الله الحسنى وصفاته العليا الواردة في الكتاب والسنة كثيرة جدًّا نقتصر منها هنا على بعضها وهي العلم المحيط للغيب والشهادة، والسمع والبصر وصفة المعية، والإرادة والحياة، والقيومية، والجود والكرم والرحمة وصفة العلو.
ومن شأن الدعاء أن يعتقد الداعي اتصاف المدعو بهذه الصفات.
واعتقاد الداعي أن الله هو المتفرد بها وأنه وحده هو المستحق للاتصاف بهذه الصفات هو من توحيد الأسماء والصفات، كما أن اعتقاده أن غير الله تعالى متصف بها - كاتصاف الله تعالى - يكون إلحادًا فيها وشركًا.
صفة العلم:
إن من شأن الدعاء أن يعتقد الداعي أن مدعوه يعلم بدعائه وأحواله وما هو فيه من الكرب والشدة والفاقة والهم والغم.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وإلا لو كان المدعو يجهل بدعائه وأحواله ومكانه لم يكن هناك فائدة في دعائه والاستغاثة به، إذ الإجابة لدعاء الداعي فرع عن علم المدعو بحاجة الداعي.
فالداعي يعتقد أن المدعو عالم، وعلمه محيط بجميع الكائنات، وما تتحرك ذرة في السماء والأرض إلا وهو عالم بها ولا يخطر على البال خاطر إلا وهو يعلمه، ولا يختلج في النفس شيء إلا وهو مطلع عليه، ولا ينتاب الداعي، نائبة ولا تحدث له حادثة إلا وهو يعلمها، ولا عليه هم ولا غم ولا حزن إلا وهو مطلع عليه وعالم به وبأسبابه وبما يرفع ذلك أو يخففه، فهذا العلم المحيط (^١) الشامل للغيب والحاضر صفة خاصة بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقال عز من قائل: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وقال عز من قائل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦].
فالاعتقاد بالعلم المحيط الشامل للكون علويه وسفليه من مقتضيات معنى الدعاء ولوازمه فلو قلنا جدلًا: إنه لا يلزم منه اعتقاد الداعي بالعلم المحيط للكون فلا بد أن نقول: إنه يلزمه أن يعتقد أن المدعو علمه محيط بالداعي وبحاله وخواطره.
_________________
(١) انظر رسالة التوحيد للدهلوي: ٣٤ - ٣٥.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وذلك لأن الداعي لو لم يرسخ في ذهنه أن المدعو المستغاث به يعلم حاجته وسره وعلانيته وخواطره، وهواجسه وخلجات فؤاده وحركات أنفاسه ووساوس نفسه.
لو لم يرسخ في ذهنه هذا لما نادى واستغاث وطلب النجدة والإنقاذ ولما أتعب نفسه في التذلل والتضرع والابتهال، والانطراح بين يدي المسؤول، إذ إجابة الدعاء فرع عن العلم بنداء الداعي واستغاثته وأحواله وحاجته لأن الجاهل بهذه الأمور لا يمكن إجابته كما لا يخفى.
وهذا التلازم الذي نقول به قد قال به الرازي وغيره ممن يعترف بكلامه المخالف، وهو تلازم واضح بيِّن لا مفر منه، وسيأتي كلام الرازي وغيره في آخر هذا البحث.
ويؤكد هذا التلازم أيضًا ادعاء هؤلاء العلم بالغيب لمن يدعونهم، وادعاء الآخرين ذلك لأنفسهم، كما يؤكده شهادات كبار العلماء باعتقادهم ذلك، ويؤكده الواقع المشاهد من أحوال من يدعو غير الله تعالى.
فأما ادعاؤهم معرفة الغيب لأنفسهم فكثير جدًّا، فمن ذلك:
ما ذكره الطوسي في كتابه اللمع أنه سمع من شيخه أنه دخل على الشبلي (^١) فكان يقول له ولمن معه أي الزائرين المريدين:
"مروا أنا معكم حيث ما كنتم أنتم في رعايتي وفي كلأتي" (^٢).
وهذا واضح في ادعائه لعلم الغيب ولا ينفع فيه التأويل لأنه نص صريح لا يقبل التأويل.
وذكر القشيري عن الخضر أنه لقي في المدينة النبوية وليًا أعظم منه
_________________
(١) الشبلي هو أبو بكر دلف بن جعفر وقيل جعفر بن يونس قال الذهبي: وكان فقيهًا عارفًا بمذهب مالك لكنه يحصل له جفاف دماغ وسكر فيقول أشياء يعتذر عنه وله مجاهدات عجيبة انحرف منها مزاجه. اهـ. سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٣٦٧.
(٢) اللمع: ٤٧٨، وتلبيس إبليس: ٣٤٨.
[ ١ / ٢٦٤ ]
قال الخضر: "فعلمت أن الله عبادًا لم أعرفهم" (^١) ومن المعلوم أن الخضر نبي على الراجح فإذا كان الولي أعلم منه فمعناه أنه مطلع على الغيب.
وذكر الشعراني عن أحدهم أنه كان يقول:
"أعرف تلامذتي من يوم "ألست بربكم" وأعرف من كان في ذلك كان الموقف عن يميني ومن عن شمالي ولم أزل من ذلك اليوم أربي تلامذتي وهم في الأصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا" (^٢) أي أن علمه مستمر ومحيط بتلامذته، كما أنه متصرف فيهم قبل وجودهم!!!
هذه بعض الأمثلة لادعائهم لأنفسهم معرفة الغيب.
وأما ادعاء مريديهم لهم ذلك فكثير أيضًا، فمن ذلك ما قاله صاحب الجواهر في شيخه التيجاني:
"ومن كماله ﵁ ونفوذ بصيرته الربانية، وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب وفي غيرها من إظهار مضمرات وإخبار بمغيبات وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات. . ." (^٣). . ونقل صاحب الجواهر عن شيخه التيجاني أنه يذهب إلى ادعاء ثبوت العلم اللدني وأنه قال في قوله تعالى ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ …﴾: أو صديق أو ولي (^٤).
وهكذا زادوا في كتاب الله تعالى بدون حياء ولا خجل، وادعوا الكشف الإلهي وقراءة اللوح المحفوظ، إلى غير ذلك مما كان له أثر في
_________________
(١) الرسالة: ٢/ ٦٨٥.
(٢) الطبقات الكبرى: ١/ ١٨٣.
(٣) جواهر المعاني: ١/ ٦٣.
(٤) المرجع نفسه: ١/ ٢١٨، نقله عن المرسي راضيًا به ومحتجًا به على مذهبه في إثبات ما يسمى عندهم بالعلم اللدني.
[ ١ / ٢٦٥ ]
التأثير على الناس في اعتقاد علم هؤلاء للغيب ومعرفتهم بالداعي وأحواله وابتهالاته. وهذا الاعتقاد الفاسد تسرب إلى بعض المسلمين بطريق المتصوفة وتسرب إلى المتصوفة من طريق الروافض، فإنهم قد ادعوا لأئمتهم معرفة الغيب وغلوا في ذلك، فمن ذلك ما ادعوه لمهديهم الغائب من أنه قال في إحدى توقيعاته: نحن وإن كنا نائين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين. فإنا نحيط علمًا بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم … إنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم ولولا ذلك لنزل بكم البلاء" (^١).
وزعموا أيضًا أن عليًا ﵁ قال في الغائب: تسمع الكلام وتسلم على الجماعة ترى ولا ترى" (^٢)، وقال أحدهم مجيزًا دعاء غائبهم المنتظر: "لا يخفى علينا أنه (ع) وإن كان مخفيًا عن الأنام ومحجوبًا عنهم ولا يصل إليه أحد ولا يعرف مكانه إلا أن ذلك لا ينافي ظهوره عند المضطر المستغيث به الملتجئ إليه الذي انقطعت عنه الأسباب، وأغلقت دونه الأبواب، فإنَّ إغاثة الملهوف وإجابة المضطر في تلك الأحوال، وإصدار الكرامات الباهرة والمعجزات الظاهرة هي من مناصبه الخاصة كما يظهر من الحكايات المتعددة التي نقلها العلماء الأعلام رضوان الله عليهم في محالها، فعند الشدة وانقطاع الأسباب من المخلوقين وعدم إمكان الصبر على البلايا. يستغيثون به ويلتجئون إليه" (^٣).
صفتا السمع والبصر:
ومن الصفات التي هي من مقتضيات الدعاء ولوازمه صفتا السمع والبصر العامين وذلك لأن من شأن الداعي أن يعتقد أن المدعو المنادى المستغاث به يسمع نداءه واستصراخه ويري تضرعه وتذلله وانطراحه بين
_________________
(١) الاحتجاج للطبرسي: ٢/ ٤٩٧، وتاريخ الغيبة الكبرى للصدر: ٥١.
(٢) الغيبة للنعماني: ١٤٤.
(٣) المهدي وظهوره للشاهرودي ص: ٣٣٦.
[ ١ / ٢٦٦ ]
يديه ومكانه في هذا العالم الفسيح المترامي الأطراف والمختلطة فيه أصوات المستغيثين ونداءات المضطرين وشكايات المضطهدين.
وهذا الاعتقاد من لوازم الدعاء، ومقتضياته فلهذا عاب إبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم - قومه لدعائهم الأصنام التي لا تسمع قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾ [الشعراء: ٧٢، ٧٣].
فسماعُ أصوات الخلائق من البعد ليس إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة]، وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد، كلهم ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله وإنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم (^١).
والخلاصة أن اعتقاد الداعي بأن مدعوه يسمع مناجاته ونداءاته وأنه يراه ويرى تضرعه وانكساره وانطراحه بين يديه هذا الاعتقاد من لوازم معنى الدعاء ومقتضياته، وأنَّ الداعين لغير الله تعالى كثير منهم يعتقد ذلك فيمن يدعوه (^٢) وسنذكر إن شاء الله تعالى ذلك مفصلا (^٣).
صفة المعية والقرب:
ومن صفات الجلال والجمال التي يدل عليها الدعاء صفة قرب الله
_________________
(١) الرد على الأخنائي ص: ١٣٤ - ١٣٥، وعنه في الصارم المنكي ص: ١٤٧.
(٢) انظر ما يفيد اعتقادهم للسمع والبصر المحيطين لغير الله تعالى في: البريلوية لإحسان إلهي: ٦٣، ٧٨، وانظر أيضًا: ١٠٦ - ١١٢ مسألة الحاضر والناظر حيث يعتقدون أن النبي ﷺ لا يخلو منه مكان ولا زمان فهو حاضر في كل مكان بعينه وكذلك الأولياء يستطيعون الحضور وانظر الكتاب نفسه ص: ١١٤ وما بعدها.
(٣) يأتي حكاية أقاويلهم في ذلك ص: ٩٣١ - ٩٤٠.
[ ١ / ٢٦٧ ]
من عباده، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، قيل في سبب نزولها: إنها نزلت في سائل سأل النبي ﷺ فقال: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ عني الآية (^١)، هذا وإن صفة المعية من خصائص الله تعالى وليست كمعية المخلوق كما هو في باقي صفات الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقد دل الدليل الصريح على دلالة الدعاء واستلزامه لصفة المعية في دعاء الله تعالى ومن ذلك قوله ﷺ في الحديث القدسي: يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني" (^٢).
قال ابن كثير في معنى الحديث: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع ولا يشغله عنه شيء بل هو سميع الدعاء ففيه ترغيب للدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى (^٣).
فالله ﷾ قريب يسمع من دعاه، ولا يحتاج إلى واسطة تبلغه وترفع الأمر إليه أو تؤثر في إرادته ومشيئته أو واسطة تعينه أو تنوب عنه.
ثم هذا القرب الذي يحصل للداعي المخلص هو من أعظم أنواع القرب إلى الله تعالى، وهو قرب خاص.
قال الشوكاني: "أعظم أنواع قرب العبد من الرب ما صرح به في
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري: ٢/ ١٥٨، وابن أبي حاتم كما في ابن كثير: ١/ ٢١٨، وفيه أن أعرابيًا .. إلخ، والبغوي: ١/ ١٥٥، وذكره في زاد المسير: ١/ ٨٨٨.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣/ ٣٨٤ رقم ٧٤٠٥، ومسلم: ٤/ ٢٠٦١، ٢٠٦٧ رقم ٢٦٧٥.
(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٨.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الكتاب العزيز بقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^١).
وقال ابن القيم: إن هذا القرب المذكور في القرآن والسنة قرب خاص وهو غير قرب الإحاطة (^٢) وذكر شيخ الإسلام أيضًا أن القرب هنا خاص بحالة الدعاء وليس قربًا عامًا في جميع الأحوال (^٣).
والمقصود هنا إثبات أن الدعاء يقتضي ويستلزم اعتقاد الداعي أن المدعو قريب يسمع يعلم سره ونجواه، إذ لولا هذا لما وجه نداءه وأنه معه وجه نداءه لمن ليس قريبًا منه، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى يلزمه أن يعتقد هذا القرب له.
ومن الصفات التي هي من لوازم الدعاء صفة الحياة والقيومية:
إذ الميت أو النائم أو الغافل لا يستطيع التصرف لنفسه فكيف يغيث مضطرًا وينقذ هالكًا؟
ولهذا التلازم عاب الله تعالى المشركين بدعائهم للأصنام التي ليس
لها حياة فضلًا عن القوامة فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١].
وقد بقيت صفات كثيرة من لوازم الدعاء ومقتضياته، من ذلك صفة الإرادة المطلقة والجود والكرم والرأفة والرحمة والغنى وغيرها، إذ المتصف بأضدادها لا يرجى خيره ولا يطمع في إحسانه، ولا يتعرض
لفضله ونواله.
ونكتفي بهذا القدر في تتبع الصفات التي يعتقدها الداعي للمدعو،
_________________
(١) قطر الولي: ٣٩٩.
(٢) انظر طريق الهجرتين ص: ٢٢.
(٣) انظر الفتاوى: ٥/ ١٢٩ - ١٣٠ و٢٤٠ - ٢٤١.
[ ١ / ٢٦٩ ]
أو هي لازمة لطبيعة الدعاء وإن لم يستحضرها الداعي عند الدعاء، وذلك لأن الذي ذكرناه يدل على ما بقي.
هذا ونؤخر الكلام على صفة العلو لطول الكلام عليها.
الخلاصة:
إن الدعاء من لوازمه ومقتضيات معناه أن يكون المدعو متصفًا بصفات الكمال والجلال والجمال، ومن تلك الصفات: العلم المحيط والسمع والبصر والمعية والقرب والحياة والقيومية والإرادة والجود والكرم والرحمة. . . وهي صفات خاصة بالله تعالى ولا تليق لغيره. .
فصرف الدعاء لغير الله تعالى يستلزم صرف هذه الصفات لذلك الغير وادعاءها له واعتقاد استحقاقه لها فيكون شركًا في توحيد الأسماء والصفات، وكون الدعاء من لوازمه هذه الصفات قد ذكرنا فيما سبق الأدلة على ذلك من الآيات، ومما يؤكد ذلك تصريح بعضهم بما يفيد ذلك من ادعاء ذلك لنفسه أو اعتقاده لغيره من المدعوين.
والآن نتبع ذلك بأقوال العلماء الذين قالوا بذلك التلازم لمطلق الدعاء، ثم بأقوال العلماء الذين ذكروا أن بعض الذين يدعون الأموات يعتقدون لهم علم الغيب والتصرف في الكون والسمع والبصر العامين … إلخ.
أقوال الذين ذكروا أن الدعاء يستلزم الاعتقاد بصفات الجلال والكمال الله تعالى:
فمن العلماء الذين ذكروا هذا التلازم ابن القيم والرازي والزبيدي وابن أبي العز والزركشي وابن عقيل.
فقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الصلاة على النبي ﷺ وهي كما تقدم (^١) نوع من الدعاء - تتضمن كل الإيمان "بل هي متضمنة للإقرار
_________________
(١) ص: ٨٣.
[ ١ / ٢٧٠ ]
بوجود الرب المدعو، وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه" (^١).
وقال أيضًا: وحصول الإجابة عقيب السؤال على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته ورحمته بهم (^٢).
وذكر الرازي في معرض شرحه للاستعاذة - وقد تقدم (^٣) أنها نوع من الدعاء - أنها لا تتم إلا بعلم العبد بعجزه عن جلب المنافع ودفع المضار وبعلمه أيضًا بأن الله المستعاذ به قادر على إيجاد المنافع ودفع المضار ولا يقدر على ذلك غيره فإذا حصل له هذا العلم بالله وبنفسه يحصل له التواضع والانكسار في القلب كما يحصل له طلب ذلك من الله باللسان.
وذكر الرازي أيضًا أنه يلزمه في الاستعاذة أن يعلم أن الله عالم بجميع المعلومات فإنه لو لم يكن كذلك لجاز أن لا يكون عالمًا به ولا بأحواله فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثًا، ولا بد أن يعلم أيضًا كونه قادرًا على كل شيء وإلا فربما كان عاجزًا عن تحصيل مراد العبد، ولا بد أن يعلم أنه جواد كريم إذ لو كان البخل عليه جائزًا لما كان في الاستعاذة به فائدة.
وبهذا الاعتقاد يعرف أن في الدعاء اعترافًا بعز الربوبية وذل العبودية.
ثم ذكر الرازي أن من الناس من يقول بعدم الحاجة إلى العلم بهذه اللوازم التي ذكرت ثم ذكر أن هذا ضعيف جدًّا لأن إبراهيم ﵇
_________________
(١) جلاء الأفهام: ٢٧٠
(٢) مدارج السالكين: ٣/ ٣٥٥
(٣) ص: ٨٣
[ ١ / ٢٧١ ]
عاب أباه في قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].
فبتقدير أن لا يكون الإله عالمًا بكل المعلومات قادرًا على كل شيء كان سؤاله لمن لا يسمع ولا يبصر وكان داخلًا تحت ما جعله إبراهيم عيبًا على أبيه (^١).
وفي معنى كلام الرازي هذا قول الزبيدي: إن الدعاء يدل على قدرة الله وعجز الداعي (^٢).
وقال ابن أبي العز شارح الطحاوية إن من فوائد الدعاء العاجلة معرفة العبد بربه وإقراره به وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال الزكية التي هي من أعظم المطالب (^٣).
وذكر الزركشي أن من فوائد الدعاء إظهار العبودية والإقرار بالفقر والحاجة والاعتراف بالربوبية (^٤).
وذكر ابن رجب أن في السؤال إظهار الذل والمسكنة وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر، ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار (^٥).
ومن أصرح من وقفت على كلامه من العلماء الذين صرحوا باشتمال الدعاء على الاعتقاد بالصفات العليا أبو الوفا ابن عقيل الحنبلي فإنه قال:
"قد ندب الله إلى الدعاء وفيه معاني الوجود والغنى والسمع
_________________
(١) تفسير الرازي: ١/ ٧٢ - ٧٣
(٢) إتحاف السادة: ٥/ ٢٩
(٣) شرح الطحاوية ص: ٤٦١.
(٤) الأزهية ص: ٣٨
(٥) جامع العلوم والحكم ص: ١٨١.
[ ١ / ٢٧٢ ]
والكرم والرحمة، والقدرة فإن من ليس كذلك لا يدعى، ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفى ولا النجم لا يقال له: أصلح مزاجي لأن هذه عندهم مؤثرة طبعًا لا اختيارًا، فشرع الدعاء والاستشفاء ليبين كذلك أهل الطبائع وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] حتى لا يطلب إلا منه.
ثم أحب أن يظهر جواهر أهل الابتلاء فقال لذا: اذبح ولدك، وقرص هذا بالبلاء ليحملهم على الدعاء واللجاء» (^١).
فقد اتضح من كلام هؤلاء العلماء تضمن الدعاء لاعتقاد الداعي بهذه الصفات العليا التي هي من خصائص الله تعالى لا يشركه فيها غيره.
فبهذا نعلم أن من صرف الدعاء للمخلوق أيًا كان فقد صرف له هذه الصفات التي هي خاصة بالله تعالى فبهذا يكون قد أشرك في توحيد الأسماء والصفات، ووصف غير الله تعالى بصفات هي من خصائص الله تعالى وصفاته كما أن من أخلص الله تعالى في الدعاء فقد أخلص في توحيد الأسماء والصفات.
أقوال العلماء الذين ذكروا أن الداعين للأموات يعتقدون اتصافهم بمعرفة الغيب وغيرها من الصفات التي هي لازمة لمن يستحق الدعاء:
والعلماء الذين بينوا أن الداعين للأموات أو الغائبين يعتقدون لمن يدعونهم علم الغيب وسماع النداء والقدرة على النفع والضر - كثيرون منهم:
١ - المفسر الألوسي أبو الفضل محمود (ت ١٢٧٠ هـ) فإنه قال:
"ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك - يشير إلى قولهم: يا سيدي فلان
_________________
(١) الآداب الشرعية لابن مفلح نقلًا عن كتاب الفنون لابن عقيل: ٢/ ٢٩٢، وشرح الطحاوية ص: ٤٥٩، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان: ١/ ١٩٦.
[ ١ / ٢٧٣ ]
أغثني - إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه" (^١).
وذكر الألوسي أيضًا أن ممن يندرج في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾؟ [يوسف: ١٠٦] عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر (^٢) فقد وصفهم الألوسي باعتقاد النفع والضر.
٢ - والعالم المجاهد محمد إسماعيل الدهلوي الملقب بالشهيد (ت ١٢٤٧ هـ) فإنه ذكر الذين يقولون: يا سيدنا ادعو الله لنا وأنهم يظنون أنهم ما أشركوا لأنهم على زعمهم لم يطلبوا منهم قضاء الحاجات، وإنما طلبوا منهم الدعاء فقط.
ثم قال: "وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجات فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب" (^٣).
فقد صرح الدهلوي ﵀ باعتقادهم لمدعويهم السمع الذي لا يليق إلا بالله تعالى وأنهم ما صرفوا الدعاء للولي لولا هذا الاعتقاد.
٣ - والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن حسن (ت ١٢٨٥ هـ) فإنه قال تعليقًا على قول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حدوث الحادث العمم
قال: "ولا ريب أن هذا الدعاء الذي دعاه البوصيري واستغاث فيه بالنبي ﷺ يقتضي إثبات قدرة عامة وعلم عام وسمع محيط لاسيما إن كان من يدعو الصالحين ويسألهم جعل ذلك ديدنه في كل زمان ومكان
_________________
(١) روح المعاني: ٦/ ١٢٨.
(٢) المرجع السابق: ١٣/ ٦٧، ونحوه في: ١٧/ ٢١٣ و٢٤/ ١١.
(٣) رسالة التوحيد: ٦٦ - ٦٧، وانظر: ٣٤ - ٣٥، ٥٩.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار وإن زعم أنه لم يثبت قدرة ولا علمًا ولا سمعًا عامًا محيطًا لا يليق بالمخلوق فهو مكابر ملبوس عليه ثم في ذلك من الخضوع والذل والمحبة والإنابة ما هو من خالص العبادة ولبها فكيف جاز صرفه لغير الله؟ " (^١).
وقال أيضًا: "بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم قدرة وعلمًا بحاله وسمعًا ليس من جنس قدرة العباد وعلمهم وسمعهم" (^٢).
٤ - والشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ) فقد ذكر أنه يلزم الاحتراز عن مثل الورد المشهور وهو ورد: "يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئًا الله وعلل ذلك بأن بعض الفقهاء حكم بكفر قائله ثم علله أيضًا بأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة، لم يثبت شرعًا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة ثم ذكر أن من اعتقد أن غير الله تعالى حاضر وناظر وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن فقد أشرك، وذكر أن اعتقاد أن عبد القادر يعلم أحوال مريديه في كل وقت ويسمع نداءهم من عقائد الشرك (^٣).
٥ - والشيخ محمد بشير السهسواني (ت ١٣٢٦ هـ) فإنه قال: "فنداء الميت بعيدًا من القبر، وكذا نداء الغائب يقتضي اعتقاد علم الغيب لذلك الميت والغائب" (^٤).
وذكر أيضًا أن المستغيثين بالأموات والغائبين يعتقدون أنهم يعلمون استغاثتهم، ويسمعون دعاءهم من كل مكان وفي كل زمان وأن هذا إثبات لعلم الغيب لهم (^٥).
_________________
(١) مصباح الظلام: ٢٠٠ - ٢٠١.
(٢) المرجع نفسه: ٢٥٤.
(٣) مجموع فتاوى عبد الحي اللكنوي: ١/ ٢٦٤، نقلًا عن تعليق الندوي على رسالة التوحيد ص: ١٤٠ - ١٤١.
(٤) صيانة الإنسان: ٣٧٣
(٥) المرجع السابق: ٢٣٠.
[ ١ / ٢٧٥ ]
٦ - والشيخ حافظ الحكمي (ت (١٣٧٧ هـ) فقد ذكر تلازم أنواع التوحيد الثلاثة وتلازم بعضها لبعض وأنها لا ينفك بعضها عن بعض وأن الشرك في نوع منها يلزم منه الشرك في الباقي، ثم قال: "مثال ذلك في هذا الزمن عباد القبور إذا قال أحدهم يا شيخ فلان - لذلك المقبور أغثني أو افعل لي كذا ونحو ذلك يناديه من مسافة بعيدة وهو مع ذلك تحت التراب وقد صار ترابًا فدعاؤه إياه عبادة صرفها له من دون الله لأن الدعاء مخ العبادة، فهذا شرك في الإلهية وسؤاله إياه تلك الحاجة من جلب خير أو دفع ضر أو رد غائب أو شفاء مريض أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله معتقدًا أنه قادر على ذلك هذا شرك في الربوبية حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته ثم إنه لم يدعه هذا الدعاء إلا اعتقاده أنه يسمعه على البعد والقرب في أي وقت كان وفي أي مكان ويصرحون بذلك وهذا شرك في الأسماء والصفات حيث أثبت له سمعًا محيطًا بجميع المسموعات لا يحجبه قرب ولا بعد فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات (^١).
٧ - والشيخ علي محفوظ الحنفي صاحب كتاب الإبداع (ت ١٣٦١ هـ) فإنه ذكر أن العوام إذا نزل بهم أمر خطير في البر أو البحر تركوا دعاء الله ونادوا بعض الأولياء كالبدوي والدسوقي وزينب، ثم قال:
"معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا الله وحده ينجو من تلك الشدائد" (^٢).
والحاصل أنه قد تبين مما سبق أن الدعاء يستلزم اعتقاد الداعي لمدعوه صفات الكمال والجلال التي لا تليق لغير الله تعالى من العلم المحيط والقدرة المطلقة والتصرف المطلق والسمع وغير ذلك، كما تبين
_________________
(١) معارج القبول: ١/ ٤٣٥، ويراجع: ١/ ٤٤٦ و٤٤٥.
(٢) الإبداع في مضار الابتداع: ٢١٢.
[ ١ / ٢٧٦ ]
أن كثيرًا من العلماء صرحوا بالتلازم بين الدعاء وبين هذا الاعتقاد كما صرحوا أن من يدعو غير الله تعالى يعتقد فيمن يدعوه هذه الصفات سواء اعترف بهذه الحقيقة أو كابر عقله وتأول بأنه لا يعتقد ذلك، فالحقيقة ثابتة لا يغيرها إنكار المكابر المعاند. هذا ومن الصفات التي يدل عليها الدعاء صفة العلو وكان اللائق أن تذكر مع ما تقدم من الصفات ولكن أخرناها لطول الكلام عليها ونذكرها الآن وبالله التوفيق وعليه التكلان.
دلالة الدعاء على علو الله تعالى:
اتفق بنو آدم على اختلاف مللهم ونحلهم وعاداتهم وتقاليدهم على مر الدهور والأزمان وتباعد الأوطان - إلا من فسدت فطرته وانطمست بصيرته - على اعتقاد علو الله تعالى.
فعقيدة علو الله أمر، فطري فطر الله الناس عليها بخلاف استواء الله على عرشه فهو أمر سماعي دلت الأدلة السمعية القطعية على ثبوته الله تعالى (^١).
وأما العلو فهو فطري ضروري ثبت بالفطرة قبل الأدلة السمعية فجاءت الأدلة السمعية فزادته برهانًا على برهان، ويقينًا على يقين.
ولكون العلو أمرًا فطريًا نجد البشر على اختلاف مستوياتهم في المعرفة، واختلاف لغاتهم وتباعد أوطانهم وتباين عاداتهم وتقاليدهم اتفقوا على التوجه بالدعاء إلى السماء ورفع الأيدي إليها، لا يختلف في ذلك مسلمهم وكافرهم عربيهم وعجميهم عالمهم وجاهلهم، وما ذلك إلا أنه أمر فطري ضروري فكما أن معرفتهم بخالقهم أمر فطري، ومعرفتهم بحاجتهم وافتقارهم إليه، وأنه القادر على إجابة دعائهم ورغباتهم أمر فطري،
_________________
(١) انظر في كون العلو من الصفات العقلية والاستواء من الصفات الخبرية منهاج السنة: ٢/ ٣٢٧، والاستقامة: ١/ ١٦١، والتدمرية ص: ٢٦، والفتاوى: ٥/ ١٢٢.
[ ١ / ٢٧٧ ]
فكذلك اعتقادهم العلو أمر فطري؛ انظر إلى من وقع في كرب عظيم تجده يتجه مباشرة بفطرته إلى جهة السماء قلبًا وقالبًا ظاهرًا وباطنًا يرفع يديه إلى السماء في الظاهر ويتجه بفكره وقلبه نحو السماء يتطلع نحوها وينتظر الفرج من جهتها لا من الجهة السفلى ولا من الجهات الأخرى، فهذه المعرفة الفطرية تزداد قوة على قوة عند بعض الناس وقد تضعف عند من اجتالتهم شياطين الإنس والجن بالشبهات والشكوك، قال الله تعالى في حديث قدسي: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (^١).
ومع هذه الشبهات تجد أحدهم إذا وقع في شدة وكرب يرجع إلى فطرته ويتجه نحو السماء بدافع باطني قوي لا تستطيع الشبهات أن تمنعه وتعارضه لأنه أمر ضروري لا تستطيع الشكوك دفعه ولا مقاومته.
وكلما أكثر العبد من الدعاء ازداد علمه الضروري بعلو الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ﵀: وأما كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بني آدم، وكل من كان بالله، أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر، وقلبه له أذكر، كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل، فالفطرة مكملة بالشريعة المنزلة فإن الفطرة تَعْلَم الأمر مجملًا، والشريعة تفصله وتبينه (^٢).
وذلك أن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديل الفطرة وتغييرها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
ومن هنا جاءت الشريعة برفع الأيدي في الدعاء إلى جهة العلو تكميلًا لما عليه الفطرة من اعتقاد العلو (^٣) لأن الله تعالى قد فطر العباد.
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي: ٤/ ٢١٩٧ رقم ٢٨٦٥.
(٢) نقض المنطق ص: ٣٩، أو الفتاوى: ٤/ ٤٥، وهو قطعة من نقض المنطق إلى ص: ١٩٠ فتأمل.
(٣) الفتاوى: ٦/ ٥٧٥ - ٥٧٦.
[ ١ / ٢٧٨ ]
عربهم وعجمهم - على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولا يقصدونه تحت أرجلهم، فهذه الفطرة تدفع شبهات أهل الحلول والتعطيل (^١).
والمقصود أن الإكثار من الدعاء يزيد الفطرة قوة ويصقلها ويجليها مما علق بها لاسيما فيما يتعلق باعتقاد علو الله تعالى، كما أن الإيمان بالعلو يجعل العبد يتجه بقلبه إلى الله تعالى بخلاف من لا يؤمن بذلك فإن اتجاهه بالقلب إلى الله يكون ناقصًا ضعيفًا، قال الجويني والد إمام الحرمين أبو محمد عبد الله بن يوسف (ت ٤٣٨ هـ) في رسالته القيمة في إثبات الاستواء والفوقية: "العبد إذا أيقن أن الله تعالى فوق السماء عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه، صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه، ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه فإنه يبقى ضائعًا لا يعرف وجهة معبوده" (^٢).
وقد تبين من كلام الجويني أن الإيمان بعلو الله تعالى يجعل القلب مطمئنًا غير حائر بخلاف من لم يؤمن بذلك فإنه يعيش في حيرة وارتياب وشك، وقد حكى شيخ الإسلام اتفاق أهل المعرفة بالله على أن معرفة العبد بربه وتوجهه إليه ودعاءه له لا يتم بدون الإقرار بعلو الله تعالى وأن الإقرار بذلك يثبت الإلهية في القلب ويوحد قصده، وأما بدون تلك المعرفة فيبقى مضطربًا عنده نوع من الريب والاضطراب (^٣).
وقد قرر العلماء دلالة الفطرة على علو الله تعالى على أبلغ وجه وكثر كلامهم في بيان ذلك وقد نقل المحققون من أهل العلم كلام العلماء ذلك وبيانهم لاتفاق الناس على اعتقاد ذلك.
_________________
(١) المرجع نفسه: ٥/ ٢٥٩.
(٢) رسالة في إثبات الاستواء والفوقية لأبي محمد الجويني ضمن المجموعة المنيرية: ١/ ١٨٥، ونحوه في طريق الهجرتين ص: ٢٠.
(٣) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٦٦، والفتاوى: ٥/ ٢٥٩، ٢٧٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وإليك خلاصة (^١) كلام هؤلاء المحققين الذين ذكروا دلالة توجه البشر بالدعاء إلى السماء ورفع الأيدي إليها على علو الله تعالى:
قال العلماء: إن العلم بالعلو أمر فطري ضروري مستقر في فطر بني آدم لا يختص به أهل الملل والشرائع.
كما أن قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو هو أيضًا أمر ضروري.
وكذلك قصدهم الله تعالى بتوجه قلوبهم إلى العلو أيضًا أمر ضروري فهم مفطورون على الإقرار به وأنه في العلو، وعلى أنهم محتاجون إليه يسألونه عند الضرورات وعلى أنهم يقصدونه في العلو لا في السفل وأن قلوبهم بفطرتها تتوجه إلى العلو.
وإنما قلنا: إن علمهم بهذا ضروري لأنه يلزم نفوس بني آدم لزومًا لا يمكنهم الانفكاك عنه أعظم من لزوم العلم الضروري بالأمور الحسابية ككون الواحد ثلث الثلاثة، لأن هذا علم مجرد ليسوا مضطرين إليه، فقد لا يخطر ذلك ببال أحدهم، وأما هذا العلم فهم مع كونهم مضطرين إليه مضطرون أيضًا إلى موجبه ومقتضاه وهو الدعاء والسؤال للمدعو الذي هو فوق.
وهذا أمر متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، فأما الذين لا يجدون في أنفسهم علمًا ضروريًا وقصدًا ضروريًا لمن هو فوق العالم فقد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم ففسد إحساسهم الباطن كما يفسد الإحساس الظاهر كالمرة التي تفسد الذوق فالعبرة بذوي الفطرة السليمة من الفساد، فهؤلاء متفقون على ذلك وكل منهم يخبر بذلك عن فطرته من غير مواطأة من بعضهم لبعض.
_________________
(١) انظر عن هذه الخلاصة: درء تعارض العقل: ٧/ ٢٥، ١٣٢ - ١٣٣، ٦/ ١٢، ٨٥، ٢٦٥، ٢٧٢، ٣٤٣، وتلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧، ٤٦٠، ٤٦٩ - ٤٧٠، ٤٨٤، واجتماع الجيوش الإسلامية ص: ٥٠، والصواعق المرسلة: ٤/ ١٣٠٦.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة، فإن إجماع المسلمين حجة فكيف بإجماع جميع الأمم والطوائف مع اختلاف أجناسهم وبلدانهم ولغاتهم؟
ويمتنع أيضًا غلطهم في الأمور الفطرية الضرورية، فإن ذلك يسد باب العلم والمعرفة وأن يثق الإنسان بشيء من علومه فيستلزم القدح في جميع العلوم والمعارف.
أقوال العلماء الذين صرحوا بدلالة الدعاء على العلو:
قد صرح كثير من علماء الإسلام بدلالة الدعاء على علو الله جل وعلا ونذكر أقوال بعض العلماء الذين صرحوا بذلك.
قال أبو حنيفة ﵀ عندما سئل عمن يقول: "لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟، قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يُدْعَى من أعلى لا من أسفل" (^١).
فقد صرح أبو حنيفة ﵀ بأن الاتجاه في الدعاء إلى العلو يدل على علو الله تعالى.
وقد ذكر مثل ذلك أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب حيث ذكر أن الله ﷾ قد غرس في الفطرة ومعارف الآدميين الاعتقاد بالعلو، وأنه لا شيء أبين منه ولا أوكد: "لأنك لا تسأل أحدًا من الناس عربيًا ولا أعجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول أين ربك؟، إلا قال في السماء أفصح أو أومأ بيده … ولا رأينا أحدًا إذا دعاه إلا رافعًا يده إلى السماء ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان كما يقولون. . .".
_________________
(١) انظر درء تعارض العقل: ٦/ ٢٦٣، والفتوى الحموية ص: ٢٨، ووصفه ابن تيمية بالشهرة عند أصحابه عن أبي مطيع البلخي، وانظر العلو للعلي الغفار "المختصر ص ١٣٦"، واجتماع الجيوش ص: ٤٦، وشرح الطحاوية ص: ٢٦٣.
[ ١ / ٢٨١ ]
فقد ذكر ابن كلاب في هذا الكلام أن العلم بأن الله فوق، فطري مغروس في فطر العباد، اتفق عليه عامتهم وخاصتهم، وأنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر قليل (^١).
وقال ابن قتيبة أبو محمد عبدالله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ) في معرض إثبات العلو: "ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى … وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه … والأمم كلها عربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم" (^٢).
وقال عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى (٢٨٢ هـ):
"وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم، قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها" (^٣).
وله مثل هذا الكلام في موضع آخر (^٤).
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة العبسي (ت ٢٩٧ هـ):
"وأجمع الخلق جميعًا إذا دعوا الله جميعًا أنهم رفعوا أيديهم إلى السماء، فلو كان الله ﷿ في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو معهم في الأرض" (^٥).
_________________
(١) درء تعارض العقل: ٦/ ١٩٤، والفتاوى: ٥/ ٣٢٠، واجتماع الجيوش: ١١٢، وسير أعلام النبلاء: ١١/ ١٧٥.
(٢) تأويل مختلف الحديث ص: ٢٧١، ونقله في العلو ص: ٢١٦، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٦.
(٣) رد الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على المريسي ص: ٢٥، وعنه في درء تعارض العقل: ٢/ ٥٩، واجتماع الجيوش ص: ٩٠.
(٤) انظر الرد على الجهمية للدارمي ص: ٣٧.
(٥) كتاب العرش وما روي فيه: ٥١.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقد عقد أبو بكر ابن إسحاق بن خزيمة المتوفى (٣١١) هـ) بابًا في كتاب التوحيد فقال: "باب ذكر البيان أن الله ﷿ في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم وأحرارهم ومواليهم ذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله إلى أعلاه لا إلى الأسفل" (^١).
وابن خزيمة ﵀ إمام من أئمة المسلمين الذين دافعوا عن نقاء العقيدة وصفائها وبذلوا جهودًا عظيمة في سبيل ذلك وهو إذ يخبر عن دلالة الفطرة على العلو وإجماع الناس على ذلك، إنما يخبر عن قضية مسلمة لدى البشر لا يختلف في ذلك إلا من فسدت فطرته بالشبهات، وليس هذا خاصًا بابن خزيمة المعروف بمواقفه السلفية، بل غيره اعترف بذلك، والمعترفون بهذا كثيرون ومن أولئك:
الإمام الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) الذي ينتسب إلى مذهبه الأشاعرة المتأخرون الذين خالفوا مذهبه الأخير فقد قال الأشعري مستدلًا على علو الله تعالى:
"ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض" (^٢).
وقال أبو سليمان الخطابي "ت ٣٨٨ هـ": وقد جرت عادة المسلمين خاصتهم وعامتهم أن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم
_________________
(١) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص: ١١٠، وعنه في بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٦.
(٢) الإبانة ص: ١٠٧، ونقله في العلو ص: ٢٣٨ "المختصر"، ودرء تعارض العقل: ٦/ ١٩٩، والفتاوى: ٣/ ٢٢٥، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٤، واجتماع الجيوش: ١١٧، والفتوى الحموية ص: ٥٦ - ٥٧.
[ ١ / ٢٨٣ ]
إلى السماء، وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء ﷾" (^١).
فقد نسب الخطابي هذا إلى عامة المسلمين فقط والصواب أنه عادة عامة للمسلم والكافر لأنه أمر فطري ضروري كما تقدم.
ولهذا قال أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء شيخ الحنابلة (ت ٤٥٨ هـ): "إن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء" (^٢).
وقال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه التمهيد في معرض بيان استواء الله على عرشه: "ومن الحجة أيضًا في أنه ﷿ على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم" (^٣).
وقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني الأشعري المتكلم المشهور (ت ٤٠٣ هـ): "فإن قالوا: فهل تقولون: إنه في كل مكن؟ قيل: معاذ الله بل هو مستو على العرش … إلى أن قال: ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها
_________________
(١) قاله الخطابي في كتابه شعار الدين وهو كتاب له في أصول الدين ولم أطلع عليه وقد نقل هذا النص عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٧، وابن القيم في الصواعق: ٢/ ١٢٧.
(٢) إبطال التأويل لأبي يعلى: ق ١٦٧ ل ب، ونقله عنه في بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٨، ودرء التعارض: ٦/ ٢٠٨.
(٣) التمهيد: ٧/ ١٣٤، واجتماع الجيوش ص: ٥٠، والفتاوي: ٣/ ٢٢٠، ووصف كتاب التمهيد بأنه أشرف كتاب ألف في فنه، وانظر درء تعارض العقل: ٦/ ٢٥٥، وتلبيس الجهمية: ٢/ ٥٣٠، والحموية ص: ٥١.
[ ١ / ٢٨٤ ]
تعالى عن ذلك … إلى أن قال: ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا، وهذا ما أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله" (^١).
هذا وقد صرح بهذه الحقيقة كثير من المحققين من غير من تقدم منهم قوام السنة ويحيى بن عمار السجزي وابن قدامة وغيرهم ﵏ (^٢).
هذا ومما يقرر كون رفع الأيدي إلى السماء يدل على العلو وأن ذلك أمر ضروري. القصة التي وقعت للهمذاني محمد بن أبي علي الحسن بن محمد (ت ٥٣١ هـ) وهي أنه قال: سمعت أبا المعالي الجويني - وهو عبد الملك بن عبدالله بن يوسف إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) - وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾؟ فقال: كان الله ولا عرش، وجعل يتخبط في الكلام وقلت: قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد ونزل، ولم يجبني إلا يا الحيرة الحيرة والدهشة والدهشة، فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمذاني (^٣).
_________________
(١) التمهيد للباقلاني ص: ٢٦٠ رقم ٤٤٠، ونقله عنه شيخ الإسلام في الحموية ص: ٥٨ لكن عن كتابه الآخر المسمى بالإبانة وأشار إلى كتاب التمهيد وأن كلامه فيه أكثر.
(٢) انظر الحجة في بيان المحجة: ١/ ١١٤ و٢/ ١٠٦، وإثبات صفة العلو لابن قدامة ص: ٦٣.
(٣) ذكر هذه القصة غير واحد من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض =
[ ١ / ٢٨٥ ]
فهذا الشيخ الهمذاني قد استدل على علو الله تعالى بما يجده الداعي من ضرورة في اعتقاد العلو عند الدعاء حتى لا يمكن دفعها بأي وسيلة فهي أكبر برهان، فلهذا لم يستطع الجويني مع ذكائه وعلمه الرد عليها ..
شبهة في دلالة الدعاء على العلو:
هذا ومع اتفاق العقلاء على اعتقاد العلو في جميع أحوالهم لا سيما عند الاضطرار، وجد من ينكر (^١) ذلك ويكابر حسه وعقله ويورد بعض
_________________
(١) = المنطق ص: ٣٨، ٥٢، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٦، ٤٦٦، ٤٦٨، والاستقامة: ١/ ١٦٧، والفتاوى: ٣/ ٢٢٠ - ٢٢١، ودرء تعارض العقل: ٥/ ٣٤٦، ومنهاج السنة: ٢/ ٦٤٢، وابن القيم في اجتماع الجيوش ص: ١٠٨، والذهبي فقد أخرجها بإسناده في السير: ١٨/ ٤٧٧، وفي العلو: ٢٧٧ "المختصر"، وقال الألباني: إسناد هذه القصة مسلسل بالحفاظ، مختصر العلو: ٢٧٧، هذا وهناك طريق أخرى غير التي أخرجها الذهبي وهي طريق الحافظ محمد بن طاهر المقدسي عن الهمذاني به ومن طريقه ذكرها شيخ الإسلام، وقد حاول ابن السبكي الطعن فيها ولكنه لم يستطع إلا بأن يطعن فيها بأنها إجازة وبأن من فيها يحط على الأشعري ولا يعلم علم الكلام "طبقات الشافعية: ٥/ ١٩٠". فسبحان الله!! قد أجاز الرواية بالإجازة أغلب العلماء في الحديث النبوي مع تشددهم في تحمل الحديث النبوي، فكيف بغيره من الروايات والحكايات كهذا الذي نحن فيه؟ ثم إن السبكي نفسه ممن يقول بجواز الإجازة كما صرح به في كتابه جمع الجوامع: ٢/ ١٧٤، وأما عدم معرفة علم الكلام فمتى كان عيبًا؟؟ ولكن التعصب للمذهب هو الذي يعميه ويجعله يتحامل على شيخه الذهبي ويتهمه بتنقيص الجويني، وحاشا الذهبي من ذلك، ثم إن هناك طريق المقدسي فيتقوى الطريقان مع الإجازة، ثم هناك احتمال أن الرواية ليست بإجازة في هذه الحكاية وإنما هي سماع لأن لفظ الذهبي هكذا: "أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه في كتابه" وعند ابن السبكي زيادة وغيره من كتابهم، فيحتمل أن السماع كان إملاء من الكتاب لا من الحفظ كما يحتمل أنها إجازة مع المناولة وهي من أقوى الإجازات والله أعلم ..
(٢) انظر تأسيس التقديس للرازي ص: ٧٦ - ٧٧، وعنه في درء تعارض العقل: ٦/ ٣٤٤ و٧/ ٢١، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢، وانظر الأزهية: ٧٥ - ٧٦، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٥، وشرح الفقه الأكبر ص: ١٧٢.
[ ١ / ٢٨٦ ]
الشبهات على ذلك وحاصل شبهاتهم تدور على أربعة أمور:
١ - أن الرفع إلى السماء إنما هو لأن السماء محل الأنوار من الشمس والقمر والكواكب والهواء ونزول الغيث، وهذه الأمور هي أرزاقنا، فنحن نحتاج إليها.
٢ - أن السماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة.
٣ - أن الملائكة في السماء وهي وسائط جعلها الله لمصالح عباده فترفع الأيدي إليهم لا إلى الله تعالى.
٤ - ثم اعترضوا بوضع الجبهة على الأرض وقالوا: فكما أنه لا يدل على أن الله في الأرض فكذلك رفع الأيدي إلى السماء لا يدل على أن الله في السماء.
وقد ناقش العلماء المحققون هذه الشبهات وبينوا بطلانها بأوجه كثيرة (^١) نذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
مناقشة قولهم الأول (^٢):
١ - لو كان السبب في رفع الأيدي إلى السماء هو حاجتنا إلى النعم والأرزاق التي من جهتها -كما زعموا- لكانت الأرض وما فيها تستحق ذلك لكثرة حاجتنا إليها من القرار عليها وما تخرج من الأرزاق، وقد نهي عن النظر إلى السماء في الصلاة دون الأرض كما ورد ذلك في السنة الصحيحة وذلك لأن الخشوع يكون بخفض البصر ولو كانت الجهات مستوية لما نهي عن ذلك.
_________________
(١) وقد ناقش شيخ الإسلام هذه الشبهات في بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣١ - ٥٠٢ في نحو ٧٠ صفحة ذكر فيه نحو ٤٠ وجهًا لبطلانها، وكذلك في درء تعارض: ٧/ ٢٠ - ٢٥.
(٢) انظر عن هذه المناقشة: بيان تلبيس: ٢/ ٤٤٨، ودرء تعارض: ٧/ ٢٢، وشرح الطحاوية: ٢٦٧.
[ ١ / ٢٨٧ ]
٢ - ثم الاحتجاج إنما هو برفع الأيدي حين الدعاء وذلك لأن الذين يدعون غير الله يرفعون أيديهم نحو مدعوهم، فالذين يدعون الشمس والقمر والكواكب أو القبر أو الصنم يتجهون إلى ذلك المعبود ويمدون أيديهم إليه.
مناقشة قولهم: إن السماء قبلة للدعاء (^١):
١ - إن هذا قول لم يقله أحد من السلف ولا أنزل الله به من سلطان ثم هو مخالف لإجماع المسلمين.
٢ - إن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة كما ذكرنا ذلك في آداب الدعاء، وليس هناك قبلتان إحداهما للصلاة والأخرى للدعاء، ومن المعلوم أن الصلاة فيها الدعاء في الفاتحة وغيرها والدعاء نفسه صلاة كما تقدم بيان ذلك (^٢).
٣ - إن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه كما يستقبل المصلي الكعبة، وكما يوجه المحتضر والمدفون، فالاستقبال بالوجه ضد الاستدبار، فأما ما حاذه الإنسان برأسه أو يديه فهذا لا يسمى قبلة، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع للداعي أن يوجه وجهه إليها وهذا لم يشرع.
٤ - إن القبلة أمر تتميز به الملل ويقبل النسخ والتبديل، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥].
وأما الرفع إلى السماء فلم تختلف فيه الملل وبنو آدم عربهم وعجمهم.
_________________
(١) انظر عن هذه المناقشة: بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٢، ٤٦٠، ٤٦٢، ٤٦٣، وشرح الطحاوية: ٢٦٧.
(٢) تقدم ص: ٨٤.
[ ١ / ٢٨٨ ]
٥ - إن القبلة أمر توقيفي وليس أمرًا ضروريًا والناس لم يفعلوا الرفع إلى السماء عن توقيف لأنه من المعلوم أنهم يفعلون ذلك بفطرتهم وعقولهم من غير أن يوقفهم أحد ولا تلقوه عن أحد.
وأما قولهم: إن الإشارة قد تكون إلى الملائكة التي هي مدبرة أمر العباد فالجواب (^١) عنه كالتالي:
١ - إشارة الإنسان إلى الشيء مشروطة بشعوره به، وقصد الإشارة إليه، فإن لم يشعر به ولم يقصد الإشارة إليه فمحال أن يشير إليه، والداعون لله مخلصين له الدين لا تخطر لهم الملائكة في تلك الحال فضلًا عن أن يقصدوا الإشارة إليها.
٢ - الإشارة إلى الملائكة حين دعاء الله وحده لا شريك له، إشراك بالله، بل دعاء الملائكة ومسألتهم إشراك بالله فكيف بالإشارة إليهم حين دعاء الله وحده؟؟
٣ - ثم إنه لا يجوز لأحد أن يرفع يديه داعيًا لا إلى الملائكة ولا إلى غير الملائكة بل هذا من خصائص الربوبية، ومن أجاز رفع الأيدي عند الدعاء إلى غير الله فهو من المشركين الذين يدعون غير الله تعالى.
مناقشة اعتراضهم (^٢) بوضع الجبهة على الأرض:
١ - إن وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل بل السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له لا طلب وقصد ممن هو في السفل بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء، فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في العلو والاستدلال إنما هو بقصدهم القائم بقلوبهم، وما يتبعه من حركات أبدانهم، والداعي يجد من قلبه
_________________
(١) انظر عن هذه الأجوبة: بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
(٢) انظر عن هذه المناقشة في: درء: ٧/ ٢١ - ٢٤، وتلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٨، وشرح الطحاوية ص: ٢٦٨.
[ ١ / ٢٨٩ ]
معنى يطلب العلو، والساجد لا يجد من قلبه معنى يطلب السفل بل الساجد أيضًا يقصد في دعائه العلو، فقصد العلو عند الدعاء يتناول القائم والقاعد والراكع والساجد.
٢ - إنه لو قدر أن أحدهم يدعو صنمًا أو غيره مما يكون على الأرض، لكان توجه قلبه ووجهه وبدنه إلى جهة معبوده الذي يسأله ويدعوه كما يفعله النصارى في كنائسهم فإنهم يتوجهون إلى الصورة التي في الحيطان وكذلك من يقصد الموتى في قبورهم فإنه يوجه قصده وعينه إلى من في القبر، فإذا قدر أن القبر أسفل منه توجه إلى أسفل فعلم بذلك أن الخلق متفقون على أن توجيه القلب والعين واليد عند الدعاء إلى جهة المدعو فلما كانوا يوجهون ذلك إلى السماء علم إطباقهم على أن الله في جهة السماء.
٣ - إن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه يقصد العلو مع أن وجهه يلي الأرض فعلم أن القلوب حال الدعاء لا تقصد إلا العلو، وأما الوجوه والأيدي فيتنوع حالها تارة تكون في حالة السجود إلى جهة الأرض لكون ذلك غاية الخضوع، وتارة تكون حال القيام مطرقة لكون ذلك أقرب إلى الخشوع، وتارة تتوجه إلى السماء لتوجه القلب.
ونختم هذا البحث بما ذكره ابن القيم ﵀ في النونية من اتفاق الثقلين على العلو ودلالة الفطرة عليه وأن الشبهات لا تستطيع مقاومتها. فقال:
وعلوه فوق الخليقة كلها … فطرت عليه الخلق والثقلان
لا يستطيع معطل تبديلها .. أبدًا وذلك سنة الرحمن
كل إذا نابه أمر يرى … متوجهًا بضرورة الإنسان
نحو العلو فليس يطلب خلفه … وأمامه أو جانب الإنسان
ونهاية الشبهات تشكيك … وتخميش وتغبير على الإيمان
[ ١ / ٢٩٠ ]
لا يستطيع تعارض المعلوم والـ … معقول عند بدائه الإنسان
فمن المحال القدح في المعلوم … بالشبهات هذا بين البطلان
وإذا البدائه قابلتها هذه … الشبهات لم تحتج إلى بطلان (^١)
المطلب الثالث: في علاقة الدعاء بتوحيد العبادة، ومنزلة الدعاء من بين سائر العبادات:
علاقة الدعاء بتوحيد العبادة جلية واضحة، إذ الدعاء بنوعيه هو العبادة كما صح بذلك الخبر عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فتوحيد العبادة والإلهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، والعبادة هي الدعاء فمن أفرد الله بالدعاء فقد وَحَّدَ الله في عبادته، ومن صرف الدعاء لغير الله تعالى فقد أشرك في توحيد العبادة والألوهية.
ولكون الدعاء هو العبادة التي خلقنا أجلها، صارت له مكانة عظيمة ومنزلة سامية ودرجة رفيعة، وهذه المكانة يمكن إيجازها في الأوجه التالية:
١ - مما يبين مكانة الدعاء العظيمة ومنزلته الرفيعة، افتتاح القرآن الكريم واختتامه بالدعاء، فقد بدأ الله تعالى كتابه العزيز بسورة الفاتحة التي هي مشتملة على نوعي الدعاء: دعاء الثناء والعبادة، ودعاء المسألة والطلب، ثم اختتمه بمثل ما افتتح به وهو سورة الإخلاص والمعوذتان، فسورة الإخلاص في دعاء الثناء، والمعوذتان في دعاء المسألة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما سورة الإخلاص والمعوذتان، ففي الإخلاص الثناء على الله، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه، والثناء مقرون بالدعاء، كما قرن بينهما في أم القرآن المقسومة بين الرب والعبد نصفها ثناء للرب ونصفها دعاء للعبد.
_________________
(١) النونية مع شرح الهراس: ١/ ١٨٦ - ١٨٧.
[ ١ / ٢٩١ ]
وقد ختم المصحف بحقيقة الإيمان، وهو ذكر الله ودعاؤه كما بنيت عليه أم القرآن، فإن حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق، والمنطق قسمان: خبر، وإنشاء، وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرًا عن الله كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب، وأنفعه وأوجبه، ما كان طلبًا من الله كالنصف الثاني من الفاتحة والمعوذتين (^١).
وقال القرطبي: قال بعض العلماء فجعل الله - جل وعز - عُظْمَ الدعاء وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي، لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به، وفي الحديث: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء (^٢) " (^٣).
فتبين مما سبق مدى عناية القرآن الكريم بالدعاء وافتتاحه به واختتامه به وهذا دليل واضح على منزلة الدعاء ومكانته.
٢ - إن الله ﷾ قد سمى الدعاء الدين، في غير موضع من كتابه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢].
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وقال ﷻ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ
_________________
(١) الفتاوى: ١٦/ ٤٧٨ - ٤٧٩.
(٢) قد تقدم تخريجه ص: ١٣٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٤٧.
[ ١ / ٢٩٢ ]
الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].
وقال عز من قائل: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤].
وقال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال ﵎: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩].
ففي هذه الآيات سمى الله الدعاء دينًا فأخبر في الآيات الثلاث الأول أن المشركين يخلصون له الدين في الشدائد، وأمر في الآيات الثلاث الأخيرة بإخلاص الدين له، والدين معناه دعاء المسألة في الثلاث الأول وذلك واضح من سياق الآيات.
وأما الثلاثة الأخيرة فتحتمل المعنيين، دعاء العبادة ودعاء المسألة، فيكون مما استعمل الدعاء فيه في المعنيين جميعًا بإطلاقه على الحقيقة المتضمنة للأمرين جميعًا.
فإذا ثبت هذا نقول: قد علم أن الدين يشمل أعمال الإسلام كلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقد قال النبي ﷺ في حديث جبريل: "أتاكم ليعلمكم دينكم" (^١)، فشمل هذا الإسلام والإيمان والإحسان.
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١/ ١١٤ رقم ٥٠، ومسلم: ١/ ٣٩ رقم ٩، كلاهما من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم من حديث عمر برقم ٨.
[ ١ / ٢٩٣ ]
فتبين من هذا أن الدين عام لجميع ما جاء به الرسول ﷺ من إسلام وإيمان وإحسان، وقد أطلق مع شموله هذا على الدعاء فدل على أهميته العظيمة ومنزلته الرفيعة.
ومن هنا يتبين عظمة الدعاء وأهميته وأنه الدين كله وأنه "من أفضل العبادات وأجل الطاعات، ولهذا أخبر أنه الدين فذكره معرفًا بالألف واللام" (^١).
٣ - إن الله ﷾ قد سمى الدعاء عبادة في غير موضع من كتابه وكذلك سماه النبي ﷺ العبادة كما ثبت في الحديث الصحيح.
ومما ورد من تسمية الله الدعاء عبادة، قوله تعالى في قصة إبراهيم
مع أبيه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨ - ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقد تقدم ضرب الأمثلة المتنوعة في ذلك في ذكر المناسبة بين الدعاء والعبادة (^٢).
وقد علم فضل العبادة ومكانتها وأن الله ما خلق الجن والإنس إلا من أجلها قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
٤ - إن الله ﷾ توعد من ترك الدعاء للاستكبار بدخول
جهنم ذليلًا حقيرًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ
_________________
(١) النبذة الشريفة ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٤/ ٥٩٧، وتأسيس التقديس ص: ٧٨.
(٢) تقدم ص: ٦٦ - ٦٩.
[ ١ / ٢٩٤ ]
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وهذا وعيد شديد لمن لم يدع الله تعالى ويلتجيء إليه استكبارًا وترفعًا، ومن هنا ذهب بعضهم إلى وجوب الدعاء كما سيأتي.
وقد استدل بعضهم على أهمية الدعاء بقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وأن الآية تدل على ذم من يترك الدعاء فمعنى ﴿يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي لا يمدونها إلينا في سؤال، هكذا قال بعضهم (^١).
ولكن التفسير المأثور عن مجاهد، أنهم لا يبسطونها بنفقة في حق الله، وعن قتادة: لا يبسطونها بخير (^٢).
وهذا التفسير هو اللائق بسياق الآيات.
٥ - إن الدعاء يشتمل على خصائص جليلة ومزايا كثيرة لا توجد في غيره من أنواع العبادات، فمن تلك الميزات والخصائص (^٣):
أ - نفع الدعاء يقع في الحياة والممات حيث ثبت انتفاع الميت بدعاء الأحياء من ولد أو والد أو قريب أو صديق، قال ﷺ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة"، وفيه: "أو ولد صالح يدعو له" (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
وصلاة الجنازة هي دعاء للميت، فالدعاء يصل ثوابه للمدعو له إجماعًا بخلاف غيره من أنواع العبادات، ففي وصولها إليه خلاف. إلا أنه يشاركه في هذه الميزة الصدقة.
ب- سهولة الدعاء وعدم تقيده بزمان ولا مكان ولا حال، بخلاف
_________________
(١) ذكر هذا التفسير القشيري في رسالته: ٢/ ٥٢٦.
(٢) انظر تفسير ابن جرير: ١٠/ ١٧٤، والدر المنثور: ٢/ ٢٥٥.
(٣) انظر عن هذه الخصائص: الأزهية ص: ٢١ - ٢٣، وإتحاف السادة للزبيدي: ٥/ ٤، وذكر الميزة الثالثة أيضًا الدهلوي في الحجة: ١/ ٧٦.
(٤) أخرجه مسلم: ٣/ ١٢٥٥ رقم ١٦٣١.
[ ١ / ٢٩٥ ]
غيره من العبادات إلا أنه يشاركه في هذه الميزة الذكر، وهو دعاء أيضًا كما مر.
جـ- اشتماله على حضور قلبي لا يوجد في غيره، فإن من تعبد بالصلاة أو الصوم أو الحج أو غيرها، يغلب عليه فيها الغفلة، فإذا دعا استدعى ذلك منه مزيد حضور في قلبه، ولهذا ورد فيه أنه مخ العبادة دون غيره من العبادات، لأن المخ هو المغذي للأعضاء والمقوم لاستدامة بقائها، فالدعاء شبه به لأنه يعمل هذا العمل، ومنه يتضح أن الدعاء: "يفتح بابًا عظيمًا من المحاضرة ويجعل الانقياد التام والاحتياج إلى رب العالمين في جميع الحالات بين عينيه".
د - اشتماله على التذلل وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية، فاشتماله على هذه المزايا والخصائص يدل على أهمية الدعاء ومكانته.
٦ - إن الدعاء يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، فالدعاء يتضمن أنواعًا كثيرة من العبادات، ولذلك ورد في الحديث: "الدعاء هو العبادة" وفي رواية: "مخ العبادة".
وذلك لأنه يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، وإليك بعض ما يشتمل عليه من العبادات:
١ - توجه القلب إلى المدعو، وقصده بكليته.
٢ - رجاء إجابته للدعاء والرغبة إليه رغبة صادقة مع قطع الرجاء والأمل عن غيره.
٣ - الخوف من عدم إجابته، والرهبة والخشية منه.
٤ - التوكل والاعتماد عليه في قضاء الحاجات، وإجابة الدعوات ونيل الرغبات.
٥ - تعظيم المدعو بأنواع التعظيم من التضرع والتذلل والخضوع والتملق والانطراح بين يديه، والابتهال إليه.
٦ - ذكر المدعو باللسان، واللهج باسمه في السر والعلن، وندائه والاستغاثة به والهتاف باسمه.
[ ١ / ٢٩٦ ]
٧ - محبة المدعو، فإن النفس مولعة بحب من يحسن إليها ولا إحسان أفضل من إجابة ملهوف وإغاثة مكروب، وإعانة مضطر.
٨ - التواضع، وإظهار الافتقار والعجز، والتبري من الحول والقوة.
٩ - ما يتبع هذه الأمور من البكاء ورفع الأيدي إلى السماء.
فهذه الأنواع من العبادات من أعظم أعمال القلوب، كما إن النداء وذكر المدعو واللهج باسمه من أعظم أعمال اللسان والذكر، كما إن الخشوع والتضرع ورفع الأيدي إلى السماء من أعظم أعمال الجوارح، فالإخلاص في هذه الأنواع من العبادات يعد من الإخلاص في أهم أعمال القلوب التي يتقرب بها إلى الله تعالى والتي هي أفضل من الأعمال البدنية، والأعمال المالية من حيث الجملة، والإشراك في هذه الأعمال يعد من الإشراك في أهم الأعمال القلبية التي هي أفضل أنواع العبادات والقربات، كما إن فيه إشراكًا في أنواع مهمة من الأعمال البدنية، فحصل بهذا أن الشرك في الدعاء شرك في العبادة والقصد والطلب، ومن هنا جاءت عناية القرآن الكريم بالتحذير من الشرك في الدعاء وهذا هو الوجه التالي.
٧ - ومما يدل على أهمية الدعاء ومنزلته عناية القرآن الكريم بموضوع الشرك في الدعاء، وذلك لأن الضد يظهر به حسن ضده كما قيل:
والشيء يظهر حسنه الضد (^١).
وقيل أيضًا: وبضدها تتبين الأشياء (^٢).
فضد دعاء الله تعالى هو دعاء غيره تعالى، وقد اعتنى القرآن الكريم
_________________
(١) بيت لدوقلة المنبجي: وأوله: ضدان لما استجمعا حسنا. . انظر وهامش تفسير الفاتحة ص: ٤٩.
(٢) هذا شطر بيت للمتنبي أوله: ونذيمهم وبهم عرفنا فضله .. انظر ديوان المتنبي مع شرح البرقوقي: ١/ ١٤٩.
[ ١ / ٢٩٧ ]
ببيان موضوع دعاء غير الله تعالى بيانًا شافيًا نكاد أن نقول بدون مبالغة: إنه لم يعتن بأي موضوع آخر مثل ما اعتنى بهذا الموضوع.
وهذا البيان المتناهي والاعتناء البالغ يمكن تصويره، وتصوير سببه بالأوجه التالية:
١ - إن هذه المسألة (^١): "هي أعظم مسألة خالف رسول الله ﷺ فيها المشركين، فإنهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته" يريدون بذلك شفاعتهم ووساطتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فأتى رسول الله ﷺ بهدم هذه العقيدة والأمر بإخلاص الدعاء الله وحده.
فالشرك في الألوهية هو السبب الرئيسي في الخلاف بين الرسول ﷺ وبين المشركين، وأما الخلاف في الربوبية وفي الإلحاد في الأسماء والصفات فنادر، فلم يكن الخلاف فيهما يقرب من الخلاف في توحيد العبادة، ثم إن الشرك في دعاء المسألة أكثر من الشرك في غيره من أنواع العبادات، ويوضح هذا الوجه التالي:
٢ - إن أغلب شرك الأوائل الذين أرسل إليهم الرسول ﷺ كان في الدعاء، فالشرك في الدعاء هو الأكثر انتشارًا ووقوعًا بينهم من أنواع الشرك الأخرى كالنذر والذبح والطواف والسجود من أنواع الشرك في الألوهية والعبادة، وذلك لأن هذه الأمور لا يمكن وقوعها كل وقت وزمان ولا في كل مكان، كما أن الحاجة إليها أقل من الحاجة إلى الدعاء.
إذ الافتقار والاحتياج من لوازم الإنسان، ومن هنا كان دعاء الصالحين والاستغاثة بهم هو الأكثر وقوعًا وانتشارًا لأن الإنسان المشرك
_________________
(١) مسائل الجاهلية ص: ٤ - ٥.
[ ١ / ٢٩٨ ]
كلما وقع في مشكلة لا يخطر بباله إلا الاتجاه إلى معبوده بالدعاء والاستغاثة، فهو لا يفكر أولًا إلا في التقرب إلى معبوده بالدعاء، وأما أنواع العبادات الأخرى ففي مرتبة متأخرة، وليست بتلك الكثرة التي تقع بالنسبة إلى الدعاء ومن هنا كانت هذه المسألة أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين فكانت هي نقطة الخلاف الأساسية، وكان التركيز عليها أكثر.
ومن المعلوم أن الشرك في أنواع العبادات عمومًا أكثر من الشرك في الربوبية أو في الأسماء والصفات يشهد بذلك الماضي والحاضر، ولا يمكن الاختلاف بذلك لأن الواقع أكبر برهان.
٣ - إن الله ﷾ لم يحذر في كتابه العزيز عن أي شرك من أنواع الشرك مثل ما حذر عن الشرك في الدعاء.
فلو أحصينا ما ورد في التحذير من دعاء غير الله تعالى بالأساليب المتنوعة - وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى بعض تلك الأساليب - وقارنا ذلك بما ورد في التحذير من السجود لغير الله تعالى أو الركوع أو الطواف أو النذر أو الذبح أو العكوف … من أنواع الشرك في الألوهية، أو قارنا بما ورد في التحذير عن الشرك في الربوبية أو الشرك والإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته، لوجدنا بدون شك أن ما ورد في التحذير من دعاء غير الله تعالى أكثر بكثير من ذلك كله.
قال الشيخ حمد بن ناصر بن مُعَمَّر ﵀: "لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه" (^١).
فإذا عرفنا عناية الله تعالى به أكثر من غيره نقول:
_________________
(١) النبذة الشريفة ضمن الرسائل النجدية: ٤/ ٦٠٢، وانظر أيضًا الانتصار لحزب الله ص: ٢٦.
[ ١ / ٢٩٩ ]
إنه لا بد أن الله ﷾ ما اعتنى به أكثر من غيره إلا لحكم عظيمة، وأسرار بالغة، من ذلك -والله أعلم- كثرة وقوع الشرك في الدعاء أكثر من غيره من أنواع الشرك قديمًا وحديثًا، فاستحق الاعتناء به، والتحذير منه.
ومن ذلك ما قاله بعضهم من أن العبادات كلها دالة على الطلب والمسألة، على اختلاف المطلوب والمسؤول (^١) فصار الدعاء هو المعنى الأشمل الأعم من غيره (^٢) فعلى هذا يكون التحذير منه تحذيرًا من جميع أنواع الشرك في الألوهية.
والمقصود من هذا أن الله ﷾ حذرنا في القرآن الكريم من دعاء غيره أكثر من تحذيره مما سواه من أنواع الشرك، وذلك يدل على أهميته أكثر من غيره. ويزيد هذا الوجه الوجه التالي وضوحًا.
٤ - إن أصل شرك العالم هو الشرك في الدعاء وطلب الحوائج من الصالحين الميتين.
قال ابن القيم ﵀ في ذكر أنواع الشرك: "ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم" (^٣).
فتبين بهذا سر عناية الله تعالى بالشرك في الدعاء أكثر من غيره، كما تبين بذلك منزلته ومكانته.
وإذا عرفنا عناية القرآن الكريم بموضوع الدعاء ننتقل إلى عناية العلماء المصلحين به ونخص العلماء المصلحين لأن بعض العلماء قد اهتموا بموضوعات بعيدة عن منهج القرآن الكريم فاعتنوا بعلم الكلام ولا
_________________
(١) تحفة الطالب والجليس: ٩٨ - ٩٩، أو دلائل الرسوخ: ٧٣.
(٢) معارج الألباب ص: ١٨٧.
(٣) مدارج السالكين: ١/ ٣٤٦، وعنه في فتح المجيد: ١٧٣، ٢١٢.
[ ١ / ٣٠٠ ]
تجد في كلامهم التحذير من الشرك وربما لا يعرف بعضهم حقيقة الشرك، فإنا لله وإنا إليه راجعون ..
عناية العلماء المصلحين بمسألة دعاء غير الله تعالى:
إن علماء هذه الأمة المعتنين منهم بسلامة عقيدتها تبعوا سنة الله في هذه المسألة، فاعتنوا بها أكثر من غيرها من مسائل الشرك، فكانت محل اهتمامهم في بحوثهم ومؤلفاتهم ورسائلهم الشخصية وهؤلاء العلماء منهم شيخا الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، فقد عنيا بهذا الموضوع عناية فائقة.
فقد ألف فيه ابن تيمية عدة مؤلفات مثل كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري، والقاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة وغيرهما.
وأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأغلب كتبه في هذا الموضوع لكون الخصومة فيه كما سيأتي:
وربما يقول قائل: إننا لا نجد الكلام على هذه المسألة والاهتمام بها عند أئمة السلف كأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من المحدثين والفقهاء والمفسرين.
فنقول وبالله التوفيق:
١ - إننا قد بينا بما لا يدع مجالًا للشك عناية القرآن الكريم بهذه المسألة أكثر من غيرها فكفى به برهانًا وحجة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥١، ٥٢].
إن الله تعالى قد بيّن هذه المسألة وأوضحها أكثر من غيرها، وهو عالم بما سيقع من الانحراف فيها، فلا حاجة إلى بيان أحد كائنًا من كان إذ المسألة ليست قابلة للاجتهاد فهي قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، لا
[ ١ / ٣٠١ ]
تقبل النقاش ولا المعارضة من أحد، كما أنها ليست خافية بل هي واضحة المعالم، لأنها أصل الدين الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب.
٢ - إن علماء هذه الأمة لا سيما المصلحين منهم ينصب اعتناؤهم على الأمر الذي وقع وحصل في زمانهم فقد حذروا من الكلام في الفرضيات والخيالات التي لم تقع.
وهذه المسألة لم تقع بهذه الصورة ولم تنتشر في زمانهم وذلك لقوة الإسلام وعزته، فلم يستطع الشيطان أن يلبس على المسلمين في الزمن الأول أن دعاء غير الله تعالى الذي قد عرف بالضرورة من الإسلام منافاته للإسلام، أنه مما يتقرب به إلى الله وأنه جائز بل مستحب.
فأوائل هذه الأمة لم يقع فيهم مثل هذا وقد تكلم السلف فيما وقع من البدع، تكلموا في بدعة القدرية والجهمية والخوارج وغيرها عندما وقعت هذه البدع في زمانهم (^١)، وأما هذه المسألة فلم تقع بهذه الصورة في زمانهم.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وهذه الاعتقادات في الأموات إنما حدثت بعد الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين" (^٢).
ويؤيد هذا ما ذكره ابن تيمية (^٣) ﵀ في أصناف القدرية الثلاثة: المكذبين به، والدافعين به للأمر والنهي، والطاعنين به على الرب ﷿ بجمعه بين الأمر والقدر حيث ذكر أن أخف هؤلاء هم الصنف الأول، وهم المكذبون ومع ذلك كثر فيهم الكلام من السلف والتغليظ عليهم دون الصنفين الآخرين لعدم كثرتهما ولعدم تظاهرهما باعتقادهما،
_________________
(١) انظر منهاج السنة: ١/ ٣٠٨.
(٢) القول الفصل النفيس ص: ١٥.
(٣) منهاج السنة النبوية: ٣/ ٨٢.
[ ١ / ٣٠٢ ]
فلهذا قل فيهما الكلام دون الصنف الأول الذي هو أخف بالنسبة إليهما.
ومن هنا نعرف أن السبب في عدم كثرة كلام السلف في مسألة دعاء غير الله تعالى عدم انتشار الشرك الواضح في مثل هذا في الصدر الأول. وسيأتي بيان مزيد إن شاء الله (^١).
ويوضح عناية العلماء المصلحين بهذه المسألة عدة مظاهر منها:
١ - أنهم يقدمون الكلام عليها على غيرها من المسائل الأخرى فمن ذلك ما فعله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث بدأ كتابه "مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية" بهذه المسألة وبيّن أنها أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ الجاهلية (^٢).
ومن ذلك قوله ﵀ بعد أن بيّن أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل هو إفراد الله بالعبادة: "فمن ذلك لا يدعى إلا إياه كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] " (^٣).
وقال أيضًا: "اعلم رحمك الله أن التوحيد الذي فرض الله على عباده قبل فرض الصلاة والصوم هو توحيد عبادتك أنت فلا تدع إلا الله وحده … ".
ثم ذكر أن صفة إشراك المشركين الأولين "أنهم يدعون الله ويدعون معه الأصنام والصالحين" (^٤).
وقال في موضع آخر عندما ذكر الأصل الجامع لعبادة الله وحده: "فإن قيل فما أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله تعالى، قلت: من أنواعها الدعاء والاستعانة والاستغاثة … إلخ" (^٥).
_________________
(١) ص ٥٦٢.
(٢) مسائل الجاهلية ص: ٤ - ٥، وانظر مؤلفات الشيخ، قسم العقيدة ص: ٣٣٤.
(٣) الرسائل الشخصية: مؤلفات الشيخ ص: ١٦٦.
(٤) رسالة في توحيد العبادة: قسم العقيدة: مؤلفات الشيخ ص: ٣٩٨.
(٥) الأصل الجامع لعبادة الله: مؤلفات الشيخ: قسم العقيدة ص: ٣٧٩.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وأكثر كلام (^١) الشيخ يدور حول هذه المسألة، أو ذكر ذرائعها، والأسباب المؤدية إليها وخطورتها والتحذير منها فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وهو عندما يريد التحذير من أنواع الشرك في العبادة يبدأ بدعاء (^٢) المسألة الذي نحن بصدده.
ومن هؤلاء الأمير الصنعاني، فإنه بدأ بالدعاء قبل غيره من أنواع العبادات فقال: "فإفراد الله بالعبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء … " (^٣).
ومنهم الشيخ حمد بن ناصر بن مُعَمَّر الحنبلي فإنه عرف العبادة بقوله: "اسم جامع لما يحبه الله … ثم قال: من ذلك الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله" (^٤).
ومنهم الشيخ سعد بن حمد بن عتيق فقد ذكر الآيات التي تدل على اختصاص العبادة بالله تعالى، ثم قال: "ومن أعظم أنواعها الدعاء" (^٥).
وقبل هؤلاء كان يفعل مثل ذلك ابن تيمية فمما قال: "إن حقيقة التوحيد أن نعبد الله وحده فلا يدعى إلا هو، ولا يخشى إلا هو" (^٦).
وقال أيضًا: "والله ﷿ له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله" (^٧).
وغير هؤلاء آخرون يقدمون ذكر الدعاء على غيره للاعتناء به
_________________
(١) انظر على سبيل المثال مؤلفات الشيخ: قسم العقيدة ص: ١٥٧، والرسائل الشخصية ص: ١٠٤.
(٢) انظر زيادة على ما تقدم تفسير الفاتحة للشيخ ص: ٤٢ - ٤٣.
(٣) تطهير الاعتقاد ص: ١٦.
(٤) النبذة الشريفة النفيسة ضمن الرسائل النجدية ص: ٥٩٤، والرسالة كلها في موضوع الدعاء.
(٥) المجموع المفيد ص: ٩.
(٦) منهاج السنة: ٣/ ٤٩٠.
(٧) قاعدة التوسل ص: ١٥٨، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٦٥.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وأهميته (^١)، فهذا الصنيع من هؤلاء العلماء يدل على أهمية الدعاء عندهم وخطورة الشرك فيه.
٢ - من مظاهر اعتنائهم أيضًا: أنهم فسروا الشرك في الألوهية بأنه الشرك في الدعاء بنوعيه: العبادة والمسألة، وغالبًا يقدمون دعاء المسألة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وجماع الأمر: أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته … وشرك في الألوهية: بأن يدعو غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة" (^٢).
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأعظم نهي نهى الله عنه الشرك به، وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة" (^٣).
وقال أيضًا: "وتوحيد الإلهية هو أن لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له ولا يستغاث بغيره ولا يذبح … ". ثم بيّن الشيخ ﵀ أن شرك الذين قاتلهم الرسول ﷺ كان بدعاء الصالحين (^٤).
وقال بعضهم: "قد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الشرك نوعان أكبر وأصغر فالأكبر أن يجعل لله ندًا من خلقه يدعوه كما يدعو الله، ويخافه كما يخاف الله" (^٥).
ومثله قول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: "فالشرك الأكبر أن يصرف العبد نوعًا من أنواع العبادة لغير الله كأن يدعو غير الله أو يرجوه أو يخافه" (^٦).
_________________
(١) انظر مثلًا الهدية السنية ص: ٥.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٥٧.
(٣) مؤلفات الشيخ قسم العقيدة ص: ٣٨١.
(٤) المرجع السابق ص: ٣٦٦.
(٥) مجموعة الرسائل النجدية ونسبه إلى جواب قاضي الدرعية الشيخ عبد العزيز ومن حوله من العلماء: ٤/ ٥٦٤.
(٦) سؤال وجواب في أهم المهمات ص: ١٢، ونحوه في رسالة أبا بطين: انظر الدرر السنية: ٨/ ٢١٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ومثله قول (^١) الشوكاني: "إن الشرك هو دعاء غير الله تعالى أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه أو التقرب إلى غيره … ".
ففي هذه الأمثلة السابقة نجد العلماء قد فسروا الشرك في الألوهية بأنه الشرك في الدعاء بنوعيه وقدموا من النوعين دعاء المسألة، وذلك يدل على عنايتهم به أكثر من غيره لمكانته العظيمة أولًا ثم لوقوع الخصومة فيه ثانيًا، ويبين هذا الوجه الآتي.
٣ - ثم إن الخصومة الكبرى التي وقعت بين الدعاة إلى التوحيد الخالص وبين مخالفيهم إنما وقعت في هذه المسألة، وهي إفراد الله تعالى بالدعاء والتحذير من دعاء غيره تعالى لأن المخالفين يرون أن دعاء غير الله إذا كان المقصود به التوسط لا بأس به، وأن الدعاء ليس مثل السجود والركوع في منع صرفه لغير الله تعالى إلى غير ذلك مما سيأتي في ذكر شبههم فاحتاج الدعاة إلى التوحيد إلى كثرة الخوض فيه وبيانه بكل الطرق وبأساليب متنوعة، وبيان أن الدعاء من أهم العبادات وأن صرفه لغير الله شرك وضلال، فهذا هو الذي جعلهم يبدأون به قبل غيره، ويُعْنَوْنَ به أكثر.
وقد ذكر الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد رحمهما الله أنه لم يكن هناك خلاف له وَقْع بينهم - أي بين الدعاة إلى التوحيد الخالص ومخالفيهم - إلَّا في أمرين:
"أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة وأن الدعاء من جملتها وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل عليه الرسول ﷺ. والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (^٢).
وذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله - أن الخصومة
_________________
(١) الدر النضيد ص: ١٨.
(٢) الهدية السنية ص: ٢٧، والدرر السنية في الأجوبة النجدية: ١/ ١١٠.
[ ١ / ٣٠٦ ]
فيما دلت عليه كلمة الإخلاص وأننا نقول: "دعاء الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها شرك ظاهر مستبين … ونُدْخِل دعاء الأموات والغائبين فيما دلت عليه الآيات القرآنية" (^١)، كما ذَكَر في موضع آخر أن هذا هو أصل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجهاده (^٢).
وقد ذكر الشيخ نفسه ﵀ أن ما حصل له من الفتنة من مخالفيه هو إظهاره النهيَ عن دعوة الصالحين والأمر بإخلاص الدعاء لله تعالى مع هدم البناء على القبور (^٣).
وصنيع العلماء المصلحين هذا يدل على اتباعهم لطريقة القرآن وهو دليل قاطع على مكانة الدعاء وخطورة الشرك فيه.
_________________
(١) مصباح الظلام ص: ٣٠١.
(٢) المرجع نفسه ص: ٣٥٤.
(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية: ١/ ٢٨، والرسائل الشخصية: مؤلفات الشيخ ص: ٤٠، وتفسير الفاتحة ص: ٤٨. ٣٠٧
[ ١ / ٣٠٧ ]
الفصل الثاني
في عدم تنافي الدعاء والقدر
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في مذاهب الناس واتجاهاتهم وحجج كل فريق ومناقشتها.
المبحث الثاني: في الصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة.
[ ١ / ٣٠٩ ]
المبحث الأول: في مذاهب الناس في الدعاء واتجاهاتهم وحجج كل فريق ومناقشتها
ذهب الناس في أمر الدعاء إلى مذاهب شتى، وآراء متباينة، وأقوال مختلفة، وكثر النقاش بين أصحاب تلك المذاهب والآراء، فأدلى كل صاحب مذهب بحجته، وقوّى مذهبه بما استطاع من حجة منقولة أو معقولة حتى صارت تلك الأقوال تستحق أن تفرد بدراسة خاصة، وذلك لتشعب الموضوع وكثرة حجج كل فريق، وأدلته، ولتعلق الموضوع بمسألة القدر التي هي من أهم مسائل العقيدة التي يلتبس فيها الحق بالباطل على كثير من الناس وبعون الله وتوفيقه، سأذكر تلك الآراء مع بيان حجة كل فريق ومناقشة ما يستحق المناقشة من تلك المذاهب بإيجاز، ثم أذكر الصواب حسب ما ظهر لي والله المستعان، وعليه التكلان.
حاصل مذاهب الناس في الدعاء:
أ - إن الدعاء لا معنى له ولا فائدة منه ولا يدعى الله تعالى.
ب - إن الدعاء لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة وإنما هو عبادة محضة.
جـ - إن الدعاء علامة وأمارة ودلالة محضة على حصول المطلوب، وليس هو سببًا لحصول المطلوب.
[ ١ / ٣١١ ]
د - إن الدعاء يرد القضاء، ويغيره من قضاء إلى قضاء.
هـ - إن الدعاء ينفع في بعض الأمور دون بعض.
و- إن الدعاء سبب من الأسباب وهو داخل في القضاء.
وقد يكون في المذهب الواحد من هذه المذاهب عدة اتجاهات. وقد يختلف أصحاب المذهب الواحد في تحليل مذهبهم، ولكنهم يتفقون في أصل المذهب الرئيسي ومن هنا نعدهم أصحاب مذهب واحد لاتفاقهم في النتيجة، ويتضح هذا جليًا في المذهب الأول كما سيأتي.
هذا هو حاصل مذاهب الناس في الدعاء إجمالًا وإليك تفصيل ذلك:
أ - المذهب الأول:
إن الدعاء لا معنى له ولا يدعى الله تعالى، وفي هذا المذهب ثلاث اتجاهات، وكلها متفقة على أن لا يدعى الله تعالى.
١ - الاتجاه الأول: مذهب طائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة:
ذهبوا إلى أن الدعاء لا معنى له ولا فائدة فيه، والعلة في ذلك عندهم هو أن المشيئة الإلهية إذا اقتضت فلا بد أن يحصل وإن لم تقتضِ فلا يحصل فلا فائدة في الدعاء.
٢ - الاتجاه الثاني: مذهب أرسطو وأتباعه:
والعلة عندهم أن الله ليس عالمًا ولا مريدًا … إلخ.
٣ - الاتجاه الثالث: مذهب ابن عربي وطائفته:
والعلة عندهم أن الداعي والمدعو واحد … إلخ.
وإليك تفصيل هذه الاتجاهات الثلاث.
[ ١ / ٣١٢ ]
١ - الاتجاه الأول (^١): مذهب طائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة:
إن الدعاء لا معنى له ولا فائدة فيه، وشبهتهم في هذا الاحتجاج بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، قالوا إن المشيئة الإلهية إذا اقتضت وجود المطلوب فلا بد أن يحصل سواء دعا أو لم يدعُ، فيكون الدعاء تحصيل الحاصل.
وإن لم تقتضه فلا يمكن أن يحصل سواء دعا أو لم يدع فثبت بهذا أنه لا فائدة في الدعاء على الحالين.
ومثل هذا يقال في علم الله فإن علم الله أنه يوجد فلا بد أن يوجد .. إلخ.
وساق هؤلاء الأدلة المتضافرة المتواترة الدالة على سبق القضاء والقدر وتلك الأدلة معروفة مشهورة، منها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ: "ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة … " (^٢) وغير ذلك من الأحاديث المتضافرة.
_________________
(١) انظر عن هذا المذهب: شأن الدعاء للخطابي ص: ٦، واقتضاء الصراط المستقيم: ٣٥٨، ومنهاج السنّة: ٥/ ٣٦٢، والتحفة العراقية: ٤٧، والفتاوى: ٨/ ١٣٨، ومدارج السالكين: ٣/ ١٠٤، وزاد المعاد: ٣/ ٤٨١، والجواب الكافي ص: ١٤، وشرح العقيدة الطحاوية: ٤٦٠، والاعتصام للشاطبي: ١/ ٢٧، ٣٥٧، وتفسير الفخر الرازي: ٥/ ١٠٤ - ١٠٥، ١٤/ ١٣٤، وساق عدة شبه ترجع إلى ما ذكر، وفيض القدير: ٢/ ٥٤١، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ١٩٤ - ١٩٦، ونسب هذا المذهب إلى بعض المعتزلة، وانظر هذا المذهب على وجه السؤال في المنهاج للحليمي: ١/ ٥٤٠. وذكره الزركشي في الأزهية ص: ٣٤ قريبًا من سياق الرازي.
(٢) أخرجه البخاري في القدر: باب وكان أمر الله قدرًا مقدورًا: ١١/ ٤٩٤ رقم ٦٦٠٥، ومسلم: ٤/ ٢٠٣٩ رقم ٢٦٤٧.
[ ١ / ٣١٣ ]
وهناك طائفتان أخريان ذهبتا إلى القول بأن الله لا يدعى ولكن قالتا بتأثير الدعاء. وهما أصحاب الاتجاهين التاليين:
٢ - الاتجاه الثاني: مذهب أرسطو وأتباعه:
ذهبوا إلى أن الله تعالى لا يدعى، لأنه عندهم "لا يفعل شيئًا ولا يريد شيئًا، ولا يعلم شيئًا، ولا يخلق شيئًا، فعلى أي شيء يشكر أم على أي شيء يحمد ويعبد؟ " (^١) وعلى أي أساس يطلب منه قضاء الحاجات ونيل الرغبات، ودفع الكربات؟ إذا الله عندهم "لا يحدث شيئًا بمشيئته واختياره، بل لا سبب للحوادث إلا حركة الفلك فلهذا لم يثبتوا لله تعالى إجابة سائل ولا إحداث أمر" (^٢).
فإذا كان الله لا يستطيع الإجابة ولا إحداث أي أمر فليس هناك فائدة في دعائه.
٣ - الاتجاه الثالث: مذهب ابن عربي وطائفته:
ذهبوا إلى القول بأنه يستحيل من العبد أن يدعو الله - تعالى الله عما يقولون - لاعتقادهم أحدية العين، فالداعي هو المدعو، فكيف يدعو نفسه؟ (^٣).
ويقول ابن الفارض (^٤) مثبتًا لأحدية الداعي والمدعو:
_________________
(١) جامع الرسائل: ١/ ١٠٤، وانظر بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥١، والفتاوى: ٨/ ١٩٥.
(٢) الرد على البكري: ٦٣.
(٣) جامع الرسائل: ١/ ١٠٥، وانظر فصوص الحكم لابن عربي: ١/ ١٨٣ - ١٨٤، وانظر التعليق عليه لأبي العلا عفيفي: ٢/ ٢٦٥، ويراجع فصوص الحكم أيضًا: ١/ ٦٠ - ٦١.
(٤) ابن الفارض هو عمر بن علي بن مرشد الحموي المصري صاحب الاتحادية ت ٦٣٦ هـ، قال الذهبي: فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده فما في العالم زندقة وضلال، السير: ٢٢/ ٣٦٨.
[ ١ / ٣١٤ ]
فإن دُعِيَتْ كنتُ المجيبَ وإن أكن … منادى أجابت من دعاني ولبتِ
فقد رفعت تاء المخاطب بيننا … وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي (^١)
فهذان الاتجاهان اشتركا مع الطائفة الأولى في أن الله - تعالى عما يقول هؤلاء - لا يجيب الدعاء وأنه من أجل هذا فلا يدعى، ولكن اختلفوا في تعليل ذلك وتوجيهه.
فالعلة عند الاتجاه الأول: هو الاحتجاج بسبق المشيئة والعلم والقضاء والقدر، وعند الثاني: عدم علم الله للدعاء وعدم قدرته، وعند الثالث: اتحاد الداعي والمدعو وكونهما شيئًا واحدًا. لكن الاتجاهان الأخيران أثبتا تأثير الدعاء على وجه يطابق عقيدة القائلين بالاتجاهين.
سبب تأثير الدعاء عند أرسطو وأتباعه:
فهؤلاء لما رأوا تأثير الدعاء وتحققوا من ذلك لم يمكنهم إنكار هذا الأمر الذي شهدت به تجارب الأمم وأقرت به الفطر والعقول، ولكنهم لجأوا إلى تفسير ذلك بما يوافق عقيدتهم فزعمت طائفتهم من الملاحدة والصابئين والمتفلسفة المشائين أتباع أرسطو ومن تبعه من متفلسفة أهل الملل كالفارابي وابن سينا ومن سلك سبيلهما ممن خلط ذلك بالكلام والتصوف والفقه زعموا أن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم، لا يكون الله يجيب الداعي، فتأثير الدعاء عندهم إنما هو من تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك علمًا مفصلًا أو قدرة على تغيير العالم، أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ما فعل لأمكنه ذلك، بل العالم عندهم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه فلهذا فالله تعالى على رأيهم لا يستطيع التأثير في العالم، وإنما هو علة العلل كما يسمونه، وهكذا يزعمون في تأثير سائر الممكنات المخلوقات من القوى الفلكية والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية، فالدعاء عند هؤلاء
_________________
(١) ديوان ابن الفارض ص: ٤٢.
[ ١ / ٣١٥ ]
سبب تأثيره إنما هو من قوة النفوس وليس من الله "فهم لا يقصدون الله أن يفعل شيئًا ولا يطلبون منه شيئًا ولكن يقوون نفوسهم قوة يزعمون أنهم يفعلون بها" (^١).
وهؤلاء أعظم شركًا وغلوًا في الضلال والغي من مشركي العرب الذين يعتقدون الوساطة والشفاعة لأصنامهم.
قال شيخ الإسلام في تفضيل أهل الكتاب والمشركين على الفلاسفة الملاحدة: "فمشركو العرب مع أهل الكتاب يدعون الله، ويقولون: إنه يسمع دعاءهم ويجيبهم، وهؤلاء - يعني الفلاسفة - عندهم لا يعلم شيئًا من جزئيات العالم، ولا يسمع دعاء أحد ولا يجيب أحدًا، ولا يُحْدِث في العالم شيئًا ولا سبب للحدوث عندهم إلا حركات الفلك، والدعاء عندهم يؤثر، لأنه تصرف النفس الناطقة في هيولى (^٢) العالم" (^٣).
وهؤلاء قالوا أيضًا في تعليل وتجويز دعاء غير الله تعالى وتأثيره وزيارة القبور الزيارة الشركية: إن الأرواح المعظمة المفارقة للجسد، أو الجواهر العلويات كالشمس والقمر وسائر الكواكب، يفيض عليها من جهة الرب، فإذا اتصل بها أحد بدعائها أو الاستشفاع بها، أو زيارة هياكلها أو قبورها وأضرحتها فاض على هذا الداعي أو الزائر منها ما فاض عليها من جهة الرب من غير فعل من تلك الأرواح والجواهر ومن غير سؤال منها ويمثلون ذلك بالشمس إذا طلعت على مرآة فانعكس الشعاع الذي على المرآة على موضع آخر فأشرق بذلك الشعاع، فهذا الشعاع حاصل
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥١، والفتاوى: ٨/ ١٩٥، والرد على المنطقيين: ١٠٣ - ١٠٥، ٥٣٥ - ٥٣٧، والرد على البكري ص: ٢٦٨، وقاعدة التوسل: ٢٥، ومصباح الظلام: ١٧٦.
(٢) الهيولى: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة، وفي الاصطلاح جوهر في الجسم قابل لما يعرف لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية. اهـ. التعريفات ص: ٢٥٧.
(٣) الفتاوى: ١٧/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والرد على المنطقيين: ٥٣٥ - ٥٣٧.
[ ١ / ٣١٦ ]
بمقابلة المرآة والذي للمرآة حاصل بمقابلة الشمس.
فكذلك الداعي المستشفع إذا توجه إلى شفيعه أشرق عليه من جهته مقصود الشفاعة وذلك المدعو الشفيع أشرق عليه من جهة الحق.
فلهذا يرى هؤلاء دعاء الموتى عند القبور وغير القبور ويتوجهون إليهم ويقولون: إن أرواحنا إذا توجهت إلى روح المقبور في القبور اتصلت به ففاضت عليها المقاصد من جهته، ومن هنا يفضلون الدعاء والصلاة عندها على الدعاء والصلاة في المساجد (^١).
كما يقولون في الزيارة الشركية: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها (^٢).
وأما ابن عربي وشيعته فقد فسروا سبب تأثير الدعاء بأن الداعي هو المدعو فلا بد أن يلبي رغبات نفسه، قال ابن عربي: "فما يطلب الحق من العبد بأمره هو بعينه يطلبه العبد من الحق بأمره، ولهذا كان كل دعاء مجابًا ولا بد وإن تأخر" (^٣).
والحاصل أن هذين المذهبين يريان تأثير الدعاء إلا أنهما يفسران ذلك على طريقة تناسب عقيدتهما الباطلة.
وإني أرى أن هذين المذهبين لا يستحقان المناقشة الطويلة ففي حكايتهما ما يغني عن الرد عليهما لوضوح بطلانهما ومناقضتهما للشرائع
_________________
(١) الرد على المنطقيين: ١٠٣ - ١٠٥، ٥٣٥، والرد على البكري: ٦٢ - ٦٣، ٢٦٧، وقاعدة التوسل ص: ٢٥، وملحق المصنفات: ٩٧، والرد على من قال بقول الفلاسفة في دعاء الموتى للشيخ عبد الرحمن بن حسن ضمن مجموعة الرسائل: ٤/ ٣٨٣، وانظر إتحاف السادة: ٥/ ٥١ - ٥٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٩ - ١٧٠، وراجع حاشية قاعدة في التوسل ص: ١٥٦ تحقيق الشيخ ربيع للاطلاع على ما نقله عن كتاب المضنون به على غير أهله: ٢/ ١٥١.
(٢) الرد على البكري ص: ٢٦٨.
(٣) فصوص الحكم: ١/ ١٤٧.
[ ١ / ٣١٧ ]
السماوية جميعًا مناقضة واضحة لا تلتبس على من عرف مبادئ الإسلام، ولهذا نكتفي بهذا وسوف لا نعرج عليهما في مناقشة الشبه (^١).
هذا ومما ينبغي أن يعلم أن الدعاء من الأسباب وأن الناس قد افترقوا في الأسباب إلى ثلاث فرق رئيسية: مغضوب عليهم، وضالون، ومهتدون.
فالمغضوب عليهم يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة ويقولون: الدعاء المشروع قد يؤثر وقد لا يؤثر، ويتصل بذلك الكلام في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء ﵈.
والضالون يتوهمون في كل ما يتخيل سببًا، والمتكايسون من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية وقوى نفسانية وأسباب طبيعية.
فأما المهتدون فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع إذ الجميع خلق الله لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير ومن أنه كل يوم هو في شأن ومن أن إجابته لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفس العبد وتصرف جسمه وروحه وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه وأوليائه (^٢).
ب - المذهب الثاني (^٣):
قالت طائفة من الصوفية: إن الدعاء لا يجلب به منفعة، ولا يدفع به مضرة، وإنما هو عبادة محضة تعبدية غير معقول المعنى، كبعض أعمال العبادات الأخرى مثل رمي الجمار وغيره، ولا أثر للدعاء في
_________________
(١) انظر مناقشة الفلاسفة في الرد على البكري ص: ٢٧٠ - ٢٧٦.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٦١ - ٣٦٢.
(٣) انظر عن هذا المذهب: جامع الرسائل لابن تيمية: ١/ ٨٧، والتحفة العراقية: ٤٧، والفتاوى: ٨/ ١٩٢، ٥٣٠ - ٥٣١، وزاد المعاد: ٣/ ٤٨١، ومدارج السالكين: ٣/ ١٠٤، والجواب الكافي: ١٤، والآداب الشرعية: ٢/ ٢٨٨.
[ ١ / ٣١٨ ]
حصول المطلوب، وجودًا وعدمًا، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بغيره.
وقالوا: إن الدعاء عند أهل التسليم والتفويض - يعنون أنفسهم - على وجهين:
"أحدهما: يريد بذلك تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء، لأن الدعاء ضرب من الخدمة، يريد أن يزين جوارحه بهذه الخدمة.
والوجه الثاني: أن يدعو ائتمارًا لما أمره الله تعالى بالدعاء" (^١)، فالدعاء عندهم لإظهار العبودية وامتثال الأوامر الإلهية فقط، وليس له تأثير في حصول المطلوب، فهؤلاء على اتجاهين:
١ - فمنهم من يجعل الدعاء من حظ العامة، وأن مقامات الخواص ترك الدعاء والتوكل نظرًا للقدر (^٢).
٢ - ومنهم من يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، يجعله عديم الفائدة إذ هو مضمون الحصول، فلا يجوز الدعاء بهذا إلَّا تلاوة لا دعاء ويعلل ذلك بأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه لأن الداعي بين الخوف والرجاء، والشك في وقوع ذلك شك في خير الله (^٣).
وقد جوز بعضهم الدعاء بالآية السابقة إن أراد بالخطأ العمد وبما لا يطاق الرزايا والمحن (^٤).
وقد رويت عن هؤلاء أقوال كثيرة في تقرير هذا المذهب، من ذلك ما قاله بعضهم عندما طلب منه أن يدعو: "أخشى أني إن دعوت أن يقال
_________________
(١) اللمع للطوسي: ٣٣٣.
(٢) الفتاوى: ١٠/ ٣٥، و٨/ ٢٨٤، وبدائع الفوائد: ٢/ ٢٤٠.
(٣) مدارج السالكين: ٢/ ١١٨، والفتاوى: ٨/ ٢٨٧.
(٤) ذهب إلى هذا القرافي في الفروق: ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٨، وحاشية ابن عابدين على الدر: ١/ ٥٢٢، وانظر ما سيأتي في ص: ٤٠٥ - ٤٠٧.
[ ١ / ٣١٩ ]
لي: إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا وإن سألت ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا، وإن رضيت أجرينا لك الأمور، ما قضينا لك به في الدهور" (^١).
وقال آخر: "من عرف الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله" (^٢).
وروي عن الجنيد أنه دخل عليه جماعة فقالوا: "أين نطلب الرزق؟ فقال: إن علمتم في أي موضع هو، فاطلبوه منه، قالوا: فنسأل الله تعالى ذلك، فقال: إن علمتم أنه ينساكم فذكروه فقالوا: ندخل البيت فنتوكل فقال: التجربة شك قالوا: فما الحيلة؟ فقال: ترك الحيلة" (^٣).
وقال آخر: "طلبك منه اتهام" (^٤).
ومن أقوال هؤلاء في كون الدعاء من حظ العامة ما حكاه القشيري في رسالته من أنه "قيل: دعاء العامة بالأقوال، ودعاء الزهاد بالأفعال، ودعاء العارفين بالأحوال … وقيل: ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك" (^٥).
وبلغ الحال ببعضهم إلى أن قال: "الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة" (^٦)، فهذا في غاية الشناعة ومع ذلك حاول بعضهم تأويله (^٧)
_________________
(١) الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٣٣، وإتحاف السادة المتقين: ٥/ ١٧٧، والأزهية: ٤٥.
(٢) اللمع للطوسي: ٣٣٢، وتلبيس إبليس: ٣٣٧، ونسبه إلى أبي العباس بن عطاء.
(٣) الرسالة القشيرية: ١/ ٤٢٧.
(٤) العلم الشامخ: ٤٠، ٤٦٠، نسبه إلى ابن عطاء.
(٥) رسالة القشيري: ٢/ ٥٣٣.
(٦) رسالة القشيري: ٢/ ٥٤٥، والعلم الشامخ ص: ٣٨.
(٧) فقد حاول القشيري تأويله إلى أنه يشير إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار وأوله صاحب عوارف المعارف إلى أنه مشغول بالعبودية وتام الثقة بربه وبعلمه. اهـ. انظر الرسالة ص: ٥٤٥، والعلم الشامخ: ٣٨.
[ ١ / ٣٢٠ ]
مع أنه صريح في مراد القائل لا يقبل التأويل، وتتلخص شبههم الرئيسية في ثلاث:
١ - الاستدلال بعموم علم الله تعالى وأن السؤال مع العلم والقدر لا حاجة إليه.
٢ - الاستدلال بما روي من أن إبراهيم الخليل عندما ألقي في النار قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي (^١).
٣ - أن سؤال الله تعالى فيه سوء الأدب واتهام للرب بعدم إعطائه للعبد ما يستحقه، وأنه لذلك ليس من مقامات الخواص.
وأصل شبهة أصحاب المذهب الأول والمذهب الثاني أنهم لما أثبتوا أن الله إذا قضى شيئًا فلا بد أن يكون وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما سبق به علمه فهو كائن لا محالة صاروا يظنون ما يوجد بسبب يوجد بدونه، وما يوجد مع عدم المانع يوجد مع المانع، وأن كون الأمور مقدرة مقضية يمنع أن تتوقف على أسباب مقدرة أيضًا تكون من العبد، وهذا غلط عظيم ضلت فيه طوائف، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى القول بأنه لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها فإن من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن ولم يعمل، ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن وعمل (^٢).
وكذلك قول من قال: إن الدعاء لا يؤثر شيئًا، والتوكل لا يؤثر شيئًا هو من هذا الجنس لكن إنكار ما أمر به من الأعمال كفر ظاهر، بخلاف إنكار تأثير الدعاء أو التوكل إذ ليس تعليق المقاصد بالدعاء والتوكل
_________________
(١) ذكره البغوي في التفسير: ٣/ ٣٥٠، حكاية عن كعب الأحبار، وسيأتي الكلام عليه ص: ٣٣٧، وانظر الاستدلال بهذه الحكاية في تفسير الرازي: ١٤/ ١٣٥، وروح المعاني: ٢/ ٨٢، وفي الرسالة القشيرية: ١/ ٤٢٠.
(٢) جامع الرسائل: ١/ ٩٢ - ٩٣، والتحفة العراقية: ٤٧، والفتاوى: ١٠/ ٢٢، ٨/ ١٣٨.
[ ١ / ٣٢١ ]
كتعليق سعادة الآخرة بالإيمان، ولكن الأصل واحد وهو النظر إلى المقدور مجردًا عن أسبابه ولوازمه (^١).
فهؤلاء رَكَّبُوا من هذا الأصل مقدمتين فاسدتين وهما:
أن الشيء المطلوب المدعو به إن قدر فلا بد أن يحصل سواء دعا به أم لا فيكون الدعاء من باب تحصيل الحاصل وإن لم يقدر فلا يحصل سواء دعا به أم لا فلا فائدة في الدعاء في الحالين.
حاصل شبههم تدور على الأمور التالية:
١ - الاحتجاج بالمشيئة الإلهية وأن المطلوب إذا قضي إلى آخر المقدمتين.
٢ - الاحتجاج بعلم الله تعالى وأن المطلوب إذا علمه الله فلا بد أن يحصل .. إلخ. وقووا هذه الشبهة بما روي عن إبراهيم الخليل ﵇ من قوله: (حسبي من سؤالي علمه بحالي).
٣ - الاحتجاج بأنه ليس من مقامات الخواص لأن في ذلك سوء الأدب واتهامًا لله تعالى وشكًا في وقوع أرزاقه، وما قدره الله تعالى.
فعلى هذه الأمور تدور شبهاتهم وإليك مناقشة هذه الشبهات الثلاثة:
مناقشة الشبهة الأولى:
وهي قولهم: "إن المشيئة الإلهية إذا اقتضت … إلخ"، فالجواب عنها على تسعة أوجه:
الأول: أن الحصر في المقدمتين غلط لوجهين:
١ - لأنه بقيت مقدمة ثالثة أخرى، وهي أنه إن قضى الله بحصول هذا الشيء المطلوب عند حصول سببه من الدعاء أو التوكل أو غيرهما
_________________
(١) جامع الرسائل: ١/ ٩٤، والفتاوى: ٨/ ١٧٦.
[ ١ / ٣٢٢ ]
فإنه يحصل عند وجود هذا السبب فإذا لم يحصل السبب امتنع المسبب (^١).
٢ - لو سلمنا جدلًا أن الدعاء لا تأثير له في المطلوب لا نسلم أنه لا فائدة فيه بل فيه فوائد أخر غير حصول المطلوب من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة كما نبه على ذلك النبي ﷺ بقوله: "ما من مؤمن ينصب وجهه لله ﷿ يسأله مسألة إلا أعطاه إياها إما عجلها له في الدنيا وإما ادخرها له في الآخرة ما لم يعجل … " (^٢).
ولو لم يكن في الدعاء من الفوائد إلا معرفة الداعي بربه وإقراره به وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه، وما يتبع من العلوم العلية والأحوال الزكية التي هي من أعظم المطالب، لكفى ذلك في فوائد الدعاء فكيف وفيه فوائد أخرى من تحقيق المطلوب ودفع المكروه؟ ومن فوائده التي هي أهم من مطلوب العبد أنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات والغالب على الخلق أنهم لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله ﷿ إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض، فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد القلب إلى الله ﷿ بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات، ومن تلك الفوائد أنه يعطي سكينة في نفسه، وانشراحًا في صدره وصبرًا يسهل معه احتمال ثقل الواردات عليه، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة دعائه (^٣).
_________________
(١) انظر في هذا الجواب: مدارج السالكين: ٢/ ١١٩، وزاد المعاد: ٣/ ٤٨١ و٤/ ١٦، والجواب الكافي: ١٥، وشرح الطحاوية: ٤٦٠، والفتاوى: ٨/ ١٣٩، وفيض القدير: ٢/ ٥٤١.
(٢) تقدم تخريجه ص: ٢٢٨.
(٣) شأن الدعاء: ١٣، وإحياء علوم الدين: ١/ ٣٩٠، وشرح الطحاوية: ٤٦١، وتفسير الرازي: ١٤/ ١٣٥، والأزهية ص: ٣٥ - ٣٩.
[ ١ / ٣٢٣ ]
حاصل هذين الوجهين السابقين هو أن هناك خللًا في الحصر في المقدمتين إذ هناك مقدمة ثالثة.
كما أن هناك خللًا في المقدمة الثانية لأنه لا يلزم من عدم تأثير الدعاء في المطلوب عدم فائدته مطلقًا.
الثاني (^١): قد أجاب النبي ﷺ عن هذه الشبهة عندما سئل عنها لما قال: "ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة أو النار، قالوا: أو لا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسييسر إلى عمل أهل الشقاء" وهذا الحديث قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من عدة طرق (^٢).
فتبين بهذا أن ما سبق به الكتاب سبق بالأسباب التي تفضي إليه، فالسعادة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما يصير به سعيدًا، والشقاوة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما يصير به شقيًا، فالقدر يتضمن الغاية وسببها، لم يتضمن غاية بلا سبب، كما تضمن أن هذا يولد له بأن يتزوج ويطأ المرأة، وهذا ينبت أرضه بأن يزرع ويسقي الزرع، وأمثال ذلك.
ويقوي هذا أيضًا ما روي أنه قيل للنبي ﷺ: يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقيها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: هي من قدر الله (^٣).
_________________
(١) انظر الجواب هذا في منهاج السنّة: ٥/ ٣٦٢.
(٢) أخرجه البخاري من حديث علي بن أبي طالب: ١١/ ٤٩٤ رقم ٦٦٠٥، ومسلم: ٤/ ٢٠٣٩ رقم ٢٦٤٧، وله شاهد من حديث عمران بن الحصين أخرجه البخاري: ١١/ ٤٩١ رقم ٦٥٩٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٤١ رقم ٢٦٤٩، ومن حديث جابر أخرجه مسلم القدر: ٤/ ٢٠٤٠ رقم ٢٦٤٨.
(٣) أخرجه الترمذي: ٤/ ٣٩٩ رقم ٣٠٦٥، وابن ماجه: ٢/ ١١٣٧ رقم ٣٤٣٧، وأحمد في المسند: ٣/ ٤٢١ وكلهم من طريق الزهري عن أبي خزامة عن أبيه وقد اختلف فيه كما في الإصابة: ٧/ ١٠٦ هل هو تابعي أم صحابي والراجح أنه صحابي، وأخرجه الحاكم من طريق الزهري أيضًا فجعله من مسند حكيم بن حزام =
[ ١ / ٣٢٤ ]
فبيّن ﷺ أنه يرد قدر الله بقدر الله إما دفعًا لما انعقد سببه ولَّما يقع، وإما رفعًا لما وجد، وأن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من قدر الله ليس القدر مجرد دفع المكروه بلا سبب (^١).
ولم يخرج شيء في الوجود عن قدر الله، وإنما يرد القدر بالقدر وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، والكل من قدر الله: الدافع، والمدفوع، والدفع (^٢).
الثالث (^٣): أن العبد لا يدري ماذا قدر الله له، فإنه لا يدري هل الله علق نيل مرغوبه والوصول إلى محبوبه، أو علق دفع المضار عنه، ورفع البلايا والمَصائب، علق هذه الأمور على دعائه والابتهال إليه، أم لا؟.
فما دام لا يعرف ذلك فما عليه إلا الاجتهاد وبذل المستطاع في رجاء رحمة الله واستجلاب الخير واستدفاع الشر بما جعله الله سببًا لذلك.
ومبنى العبادات والطاعات على الخوف والرجاء "دون اليقين الذي يقع معه طمأنينة النفس فيفضي بصاحبه إلى ترك العمل والإخلاد إلى دعة العطلة".
والله ﷾ "قد لطف بعباده فعلل طباعهم البشرية بوضع هذه الأسباب ليأنسوا بها فيخفف عنهم ثقل الامتحان الذي تعبدهم به، وليتصرفوا بذلك بين الرجاء والخوف، وليستخرج منهم وظيفتي الشكر والصبر في طوري السراء والضراء والشدة والرخاء، ومن وراء ذلك علم الله تعالى فيهم".
_________________
(١) = وذكر الاختلاف فيه على الزهري وصححه ووافقه الذهبي: المستدرك: ١/ ٣٢.
(٢) جامع الرسائل: ١/ ٩٤، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٣٢.
(٣) زاد المعاد: ٤/ ١٦، ومدارج السالكين: ١/ ٢٠٠، والفتح: ١١/ ١٤٩.
(٤) انظر هذا الوجه في شأن الدعاء للخطابي: ٩ - ١٢، والمنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٤٠ - ٥٤١.
[ ١ / ٣٢٥ ]
فالحاصل أن العبد لا يدري هل الأمر معلق بالدعاء إن اجتهد وابتهل في الدعاء يعطى، وإن لم يجتهد في الدعاء فلا يعطى؟، لذا عليه الاجتهاد بالدعاء لاحتماله أن مطلوبه معلق على الدعاء.
ويزيد هذا الوجه وضوحًا الوجه التالي:
الرابع: أن الله ﷾ أمرنا أن نعمل ونكد ونجتهد ونحرص وأن ندفع قدره بقدره فالعبد مأمور بأن يزيل الشر بالخير ويزيل الكفر بالإيمان والبدعة بالسنة والمعصية بالطاعة من نفسه ومن عنده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد بحسب الإمكان وإن كان كل ذلك بقدر الله (^١)، ولهذا قال عمر بن الخطاب لأبي عبيدة ﵄ عندما هم بالرجوع من الطريق لسماعه بوقوع الطاعون بالشام فقال له أبو عبيدة بن الجراح ﵁: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان إحداهما مخصبة والأخرى جَدِبَة أليس إن رعيت الخَصِبَة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله (^٢)؟ فالعبد يدفع قدر الله تعالى بقدر الله تعالى، لأن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد، ولهذا لما سمع بعض الصحابة إخبار النبي ﷺ بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب قال: "ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن" (^٣).
وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة
_________________
(١) الفتاوى: ٨/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٨٩٤ رقم ٢٢.
(٣) لم أجد هذا الأثر بهذا اللفظ ولكن هناك عدة روايات بمعناه فقد روي عن عمر من حديث أبي هريرة وعن سراقة، وابن عباس. حديث عمر أخرجه ابن أبي عاصم عن أبي هريرة في السنة: ٢/ ٧٢ رقم ١٦٥ وصححه الألباني وفيه قال - أي عمر - فالآن نجتهد والآجري ص: ١٧٠، وابن حبان رقم ١٨٠٧ وحديث سراقة أخرجه ابن أبي عاصم رقم ١٦٧، والطبراني في الأوسط كما في المجمع: ٧/ ١٩٥، وفيه قال سراقة: الآن نجتهد وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، =
[ ١ / ٣٢٦ ]
علومهم، فإن النبي ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أُقْدِر عليه ومُكِّن منه وهيء له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما زاد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه (^١).
وقد فَطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مَرامُ معاشهم ومصالحهم الدنيوية، بل فطر الله سائر الحيوانات على الحرص على المنافع وهداها لمصالحها المعاشية بما يحفظها ويقيمها سواء كان الحيوان ناطقًا أو بهيمة أو طيرًا أو دواب فقد هدى الذكر للأنثى وهداهما إلى التقام الثدي عند الخروج من بطن الأم وتمييز الأم من غيرها وإلى المرعى النافع دون الضار، وهدى بعض الحيوانات إلى ما يعجز عنه البشر كهداية النحل إلى الأفعال العجيبة والبالغة الغاية في الدقة، وكهداية النمل إلى الطرق والحيل التي فيها معاشها مع كونها من أصغر الحيوانات، وهداية الهدهد، والحمام والذئب والثعلب إلى ما هو أعجب من الأعمال والحيل التي يعملها الإنسان، وقد قال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] (^٢).
_________________
(١) = وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأصل الحديث في مسلم: ٤/ ٢٠٤٠، وحديث ابن عباس أخرجه البزار كما في كشف الأستار: ٤/ ١٩، والطبراني كما في المجمع: ٧/ ١٩٥، وقال الهيثمي: ورجال الطبراني ثقات وفيه قال القوم بعضهم لبعض: فالجد إذًا.
(٢) شفاء العليل: ٥٦.
(٣) يراجع شفاء العليل من ١٤٤ - ١٧١ فإنه ذكر أمور كثيرة وضرب أمثلة رائعة في الموضوع، وبدائع الفوائد: ٢/ ٣٥ - ٣٦.
[ ١ / ٣٢٧ ]
والمسلم مأمور أن يفعل ما أمر به ويدفع ما نهى الله عنه وإن كانت أسبابه قد قدرت فيدفع قدر الله بقدر الله، فالعبد له مع المقدور حالان: حال قبل وقوع المقدور، فعليه قبل وقوعه أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه ويجتهد في دفعه فإذا قدر المقدور بغير فعله واختياره فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله تعالى على توفيقه وإن كان ذنبًا استغفر الله منه (^١).
ويدل لهذا قول رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء الله فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (^٢) ففي هذا الحديث الأمر بالحرص على ما ينفع الإنسان والاستعانة بالله على ذلك وعدم العجز وهذا قبل الوقوع ثم الأمر بالصبر.
ثم إن دفع القدر بالقدر نوعان:
أحدهما: دفع القدر الذي انعقدت أسبابه - ولَمَّا يقع - بأسباب أخرى من القدر تقابله فيمتنع وقوعه كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد ونحوه.
الثاني: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بقدر التداوي ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان.
فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز والله تعالى يلوم على العجز فإذا غُلِبَ العبدُ، وضاقت به
_________________
(١) شأن الدعاء للخطابي: ١٣٢، والفتاوى: ٨/ ٧٦، ومدارج السالكين: ٢/ ٢٢٣، وزاد المعاد: ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وإغاثة اللهفان: ١/ ٢٤، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٦، ٧٨، ٢٣٢، وطريق الهجرتين ص: ٣٨، والتدمرية ص: ٦٢.
(٢) رواه مسلم: ٤/ ٢٠٥٢ رقم ٢٦٦٤.
[ ١ / ٣٢٨ ]
الحيل، ولم يبق له مجال فهنالك الاستسلام للقدر، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء (^١).
الخامس: إن هذه الشبهة كما قال ابن الجوزي: "رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاؤوا به لأنه إذا قال في القرآن: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال القائل: لماذا إن كنت سعيدًا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيًا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة؟ وما يفضي إلى رد الكتب وتجهيل الرسل محال باطل" (^٢).
السادس: إن هذه الشبهة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين ومخالفة لصريح المعقول، ومخالفة للحس والمشاهدة (^٣). وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان دلالة هذه الأمور على تأثير الدعاء وفي هذا القول رد لتلك الدلالة، وبهذا يتضح مخالفة هذه الشبهة لهذه الأدلة المذكورة كما أن في هذا القول ردًا للأسباب وقد دلت الأدلة المذكورة على مشروعيته فمن لم يأخذ بالأسباب فقد خالف تلك الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس.
السابع: إن هذه الشبهة فيها إبطال للحكم الربانية والعلل الإلهية حيث رتب الله ﷾ المسببات على الأسباب والمعلولات على العلل وربط بعضها ببعض على نظام دقيق يكفل ببقاء الكون ونظامه فمن أنكر هذا فقد خالف الحكمة في وضع الدنيا فإن الله تعالى وضع الأشياء على حكمة فوضع للآدمي يدًا يدافع بها ولسانًا ينطق به، وعقلًا يهديه إلى دفع المضار واجتلاب المصالح، وجعل الأغذية والأدوية لمصلحة الآدميين فمن أعرض عن استعمال ما خلق له وأرشد إليه فقد رفض أمر
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٢٠٠، ومنهاج السنة النبوية: ٣/ ٢٣٢، وطريق الهجرتين، ص: ٣٨.
(٢) تلبيس إبليس: ٣٦٥.
(٣) منهاج السنة النبوية: ٥/ ٣٦٢، وانظر شفاء العليل: ٣٩٦.
[ ١ / ٣٢٩ ]
الشرع وعطل حكمة الصانع" (^١).
الثامن: إن هذه الشبهة فيها إلغاء للأسباب، وهو نقص في العقل، قالت طائفة من العلماء (^٢): "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع" (^٣).
وإنما كان الالتفات إلى الأسباب شركًا، لأن معنى الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا لأنه لا يوجد سبب مستقل بمطلوب، بل لا بد من انضمام أسباب أخر إليه، وما ثَمَّ علة تامة إلا مشيئة الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا بد أيضًا من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود، فكل سبب فله شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده لم يحصل مسببه فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيده إن لم تصرف المفسدات، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع، وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي فليس في الوجود شيء واحد هو المقتضي بنفسه.
وأما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها وسبب تام يستلزم مسببه فهذا باطل (^٤).
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٢) نسبه في منهاج السنة: ٥/ ٣٦٦ إلى الغزالي وابن الجوزي.
(٣) الفتاوى: ٨/ ١٦٩، ١٧٠، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٦٦، والآداب الشرعية: ٢/ ٢٨٦.
(٤) الفتاوى: ٨/ ١٦٧، ١٦٩، ١٣٣، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧.
[ ١ / ٣٣٠ ]
هذا ومما ينبغي أن يعلم أنه بعد انتفاء المانع ووجود المقتضي فلا بد من تسخير مسبب الأسباب وخالق الأسباب كلها سواء كانت حركة حي باختياره وقصده، كما يحدثه تعالى بحركة الملائكة والجن والإنس والبهائم، أو حركة جماد بما يجعل الله فيه من الطبع أو بقاسر يقسره كحركة الرياح والمياه فالله خالق ذلك كله فإنه لا حول ولا قوة إلا به وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فالرجاء يجب أن يكون كله للرب والتوكل عليه والدعاء له فإنه إن شاء ذلك ويسره كان وتيسر ولو لم يشأ الناس، وإن لم يشأه ولم ييسره لم يكن وإن شاءه الناس (^١).
وإنما كان محو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصًا في العقل، كما أنه قدح في الشرع لأن في ذلك مخالفة لما تشهد له العقول والفطر السليمة كما أن فيه مخالفة لما شرعه الله تعالى من طلب الأسباب، فمن رفض الأسباب صار مخالفًا لما يقتضيه العقل والشرع فهو نقص في العقل، كما أنه قدح في الشرع لأن الشارع جعل أفعال العباد سببًا لما نيط بها فهي سبب في وجود ما علق عليها والعقل السليم لا ينكر ذلك لأنه أمر مشاهد محسوس وإنما ينكر ذلك العقل الذي أصابه خلل من مرض الجهل والشبهات، إذ العقل السليم يعرف أن ما أمر الله به من العبادات والدعوات والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب فيما نيط بها من العبادات، وكذلك ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي من أعظم الأسباب لما علق بها من شقاوات، وكذلك الدعاء والتوكل من أعظم الأسباب لما جعله الله سببًا له فمن قال: ما قدر لي فهو يحصل لي دعوت أو لم أدع، وتوكلت أو لم أتوكل فهو بمنزلة من يقول: ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي آمنت أو لم أؤمن وأطعت أم عصيت، ومعلوم أن هذا ضلال وكفر وإن كان الأول ليس في مثل هذا الضلال (^٢).
_________________
(١) الفتاوى: ٨/ ١٦٦.
(٢) الفتاوى: ٨/ ١٧٥ - ١٧٧، ويراجع زاد المعاد: ٢/ ٣٦٣، وشفاء العليل: ٣٩٦.
[ ١ / ٣٣١ ]
فتبين بهذا التقرير أن نفي الأسباب نقص واضح في العقل، وقدح في الشرع.
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ أن الإعراض عن الأسباب إنما كان قدحًا في الشرع لأنه ترك لما أمر الله به ولأنه طلب لتعاطي رتبة تَرْقَى على رتبة الأنبياء لأن موسى ﵇ لما قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] خرج ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه أجر نفسه ثمان سنين … (^١).
ومما يدل على أن إنكار الأسباب قدح في الشرع ما ثبت من إنكار الله تعالى في كتابه العزيز على من ظن أن وجود الأسباب كعدمها، وأنه لا فرق بين ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وأبغضه، فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٢٨٥.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].
فقد أنكر الله تعالى في هذه الآيات على من ظن أن وجود الأسباب كعدمها (^١)، فثبت بهذا كون إنكار الأسباب قدحًا فيما جاءت به الشريعة.
التاسع (^٢): إن هذا القول يلزم القائل به أمور في غاية الشناعة:
أحدها: أن لا يعمل الأسباب التي توصله إلى منافعه الدنيوية فيلزمه أن يترك الأكل والشرب ويقول: إن قضى لي الشبع والري فلا بد أن يصل إليَّ سواء أكلت وشربت أو تركت، وعليه أن لا يلبس إذا برد ولا يتزوج وأن لا يأتي أهله إذا أراد الولد وأن لا يتداوى إذا مرض، وأن يلقى الكفار بدون سلاح، وإذا أراد الحج أن لا يسافر ولا يتحرك بل يجلس في بيته، وإذا أراد أن يتحصل على الزرع فعليه أن لا يحرث ولا يزرع.
فهذه الأمور الشنيعة قد التزم ببعضها بعض أهل الضلال من هؤلاء، فقد قال العز بن عبد السلام ﵀: ولقد قال بعض مشايخ الضلال منهم: "لا يجوز التداوي لأنه شرك واعتماد على الأسباب فكان جوابه: أن لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يركب ولا يدفع عن نفسه من أراد قتله ولا عن أهله من قصدهم بالزنا والفواحش فبهت الذي فجر والله لا يهديه وأمثاله إلى الحق والصواب" (^٣).
ثانيها (^٤): أن لا يطالب بشيء إذا أفسدوا عليه أمواله أو قتلوا أولاده، أو ضربوه أو سبوه أو اعتدوا على عرضه وحرمته وعليه أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ولا يذمه، ولا يلتزم بهذا من له أدنى
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٢٨، وجواب أهل العلم والإيمان: ١٧٣.
(٢) انظر هذا الوجه في فتاوى العز بن عبد السلام: ٩٩، وزاد المعاد: ٤/ ١٥ - ١٦، و٣/ ٤٨١، وتفسير الرازي: ١٤/ ١٣٥، وتلبيس إبليس: ٢٨٧.
(٣) فتاوى العز بن عبد السلام: ٩٩.
(٤) انظر هذا الوجه في منهاج السنة: ٣/ ٢٣، ٥٥، ٥٦، ٥٧، وزاد المعاد: ٤/ ١٦، والتدمرية ص: ٦١.
[ ١ / ٣٣٣ ]
مسكة من عقل بل فطر الله الحيوان على حب الانتقام والجزاء عند الاعتداء عليه، فهذا أمر ممتنع في الفطرة لا يمكن أحدًا أن يفعله فهو ممتنع طبعًا محرم شرعًا، ففي هذا مخالفة لسنة الله الكونية والشرعية.
ثالثها (^١): أن لا يقول بمعاقبة الكفار ولا بجهادهم وقتالهم ولا بإقامة الحدود ولا يلوم إبليس ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ولا ينكر أي منكر وقع في الأرض ولا أي فساد في المجتمع.
رابعها: أن يقول: لا حاجة بنا إلى الطاعة والإيمان لأن ما قضاه الله من الثواب والعقاب لا بد وما يدري هذا القائل الأخرق الأحمق أن الله قد رتب مصالح الدنيا والآخرة على الأسباب بناء على ما سبق به القضاء لا بغيره (^٢). ومع وضوح شناعة هذا اللازم قد التزم به بعضهم حتى قال: "لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها فإن من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن" (^٣).
والحاصل أن الاحتجاج بالقضاء والقدر ليس حجة مقبولة فإن القدر يؤمن به ولا يحتج به، فإن المحتج به فاسد العقل والدين ولا بد أن يتناقض ولا يستطيع أحد أن يلتزم بما يترتب عليه من المفاسد الشنيعة فلهذا كان الاحتجاج بالقدر باطلًا بطلانًا ضروريًا مستقرًا في جميع الفطر والعقول، وهذا أمر جبل الله عليه الناس كلهم مسلمهم وكافرهم لا يحتجون به، ولكون الاحتجاج به باطلًا في فِطَر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة من الأمم ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزمًا مع الآخر نوعًا من الشرع (^٤).
_________________
(١) انظر هذا الوجه في الفتاوى: ٢/ ٣٢٣، ومنهاج السنّة: ٣/ ٨١.
(٢) العز بن عبد السلام، فتاويه: ٩٩، وانظر هذا الإلزام في تفسير الرازي أيضًا: ١٤/ ١٣٥.
(٣) جامع الرسائل: ١/ ٩٢.
(٤) منهاج السنة: ٣/ ٦٥، ٦٦، ٨٤، ١٥٠، ٢٣٠ - ٢٣١، والفتاوى: ٢/ ٣٢٣، والتدمرية ص: ٦١.
[ ١ / ٣٣٤ ]
هذا وقد تبين مما سبق بطلان هذه الشبهة وفسادها وما تؤدي إليه من لوازم في غاية الشناعة، وهذا عاقبة من يترك منهج الكتاب والسنة وآثار السلف ويتبع زبالة الأفكار، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والاتباع إنه المستعان وولي ذلك والقادر عليه.
مناقشة الشبهة الثانية وهي: استدلالهم بعلم الله تعالى على عدم طلب الدعاء:
قد أكثر الصوفية من الاستدلال والاحتجاج بعلم الله تعالى على عدم الحاجة إلى الدعاء حتى عد بعضهم هذا الأمر أصلًا من أصول طريقتهم، فقد روى الطوسي (^١) الصوفي عند ذكر أصول طريقتهم عن بعضهم أنه قال: "أصلنا السكوت، والاكتفاء بعلم الله ﷿" (^٢).
وهذا يدل على مدى اعتمادهم في عدم الحاجة إلى الدعاء على العلم، وقد تقدم نقل بعض كلامهم، كما يؤكد هذا ما ذكرناه من تعلقهم بما روي عن إبراهيم الخليل ﵇: "حسبي من سؤالي علمه بحالي".
وأصل شبهتهم ظنهم أن مجرد علم الله بالشيء يكفي في وجوده ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب.
وهذا الظن باطل من أساسه وغير صحيح، وهو جهل بحقيقة علم الله تعالى وما يقتضيه فإن علم الله بالشيء لا يقتضي عدم طلبه من الله تعالى، قال ابن الجوزي: "هذا سد لباب السؤال والدعاء، وهو جهل بالعلم" (^٣).
_________________
(١) هو عبد الله بن علي أبو نصر السراج الزاهد شيخ الصوفية وصاحب كتاب اللمع، ت ٣٧٨ هـ، العبر: ٢/ ١٥١.
(٢) اللمع ص: ٢٨٩، ذكره عن أبي عثمان الصوفي.
(٣) تلبيس إبليس: ٣٣٧.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وإنما صار هذا الظن جهلًا بالعلم لوجهين ذكرهما شيخ الإسلام:
أحدهما: أن العلم يطابق المعلوم، ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب لأن ذلك هو الواقع فمن قال: إنه يعلم شيئًا بدون الأسباب فقد قال على الله الباطل، وهو بمنزلة من قال: إن الله يعلم أن هذا الولد ولد بلا أبوين وأن هذا النبات نبت بلا ماء.
ثانيهما: أن العلم ليس موجبًا بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء، بل هو مطابق له على ما هو عليه لا يكسبه صفة ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا، كالموجودات التي كانت قبل وجودنا مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته فإن هذا العلم ليس مؤثرًا في وجود المعلوم باتفاق العلماء، وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرفنا صفته وقدره فإن الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممن له شعور وعلم، إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم (^١).
والحاصل أن علم الله بما سيكون لا يكون هو المؤثر في وجوده بدون الأسباب التي علمها الله وجوده بها فإن ذلك يخالف الواقع الذي علمه الله تعالى لأنه يعلم الأشياء على ما هي عليه فإذا كانت تقع بسبب، علمها تقع بسبب لا بدون سبب، فإذا حصل الدعاء من العبد علمنا أن المعلوم لله تعالى والذي قدره الله تعالى هو الدعاء، وإذا لم يحصل الدعاء من العبد علمنا أن المعلوم لله تعالى والذي قدره الله تعالى هو عدم الدعاء (^٢).
وأما مناقشة استدلالهم بما روي عن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا السلام فتتلخص في ناحيتين:
_________________
(١) الفتاوى: ٨/ ٢٨٠، وجامع الرسائل: ١/ ١٧٢.
(٢) الفتاوى: ٨/ ١٩٥ - ١٩٦.
[ ١ / ٣٣٦ ]
أ - ناحية الإسناد:
قد ذكره البغوي في تفسيره بصيغة تشعر بالضعف حيث قال: "وروي عن أبي بن كعب" فذكره (^١) بدون إسناد ولم نطلع له على إسناد لا ضعيف ولا قوي ومن هنا قال ابن تيمية ﵀:
"ليس له إسناد معروف وهو باطل" (^٢).
ونقل صاحب تنزيه الشريعة عن ابن تيمية أنه قال: "موضوع" وأقره (^٣)، وقال الألباني: "لا أصل له" (^٤)
ب - من جهة المعنى:
١ - إن الذي ثبت في الصحيح (^٥) عن ابن عباس أنه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل" قال ابن عباس قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وهذا لا يقتضي امتناعه عن سؤال الله تعالى كما هو ظاهر.
٢ - يناقضه ما ذكره الله تعالى عنه في كتابه من دعواته وابتهالاته ولجوئه إلى الله تعالى في الشدائد مثل ما حكى عنه من دعائه عند فراق زوجه وولده الوحيد ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ …﴾ الآيات [إبراهيم: ٣٧ - ٤١]، ومن الأدلة على وضع الحديث مخالفته للقطعي من الكتاب والسنة أو المعقول الصريح، قال ابن الجوزي: "ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول،
_________________
(١) معالم التنزيل: ٣/ ٢٥٠.
(٢) قاعدة في التوسل ص: ٣٥.
(٣) تنزيه الشريعة: ١/ ٢٥٠.
(٤) السلسلة الضعيفة: ١/ ٢٨ رقم ٢١.
(٥) أخرجه البخاري: ٨/ ٢٢٩ رقم ٤٥٦٣.
[ ١ / ٣٣٧ ]
أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع" (^١).
٣ - يناقضه أيضًا ما روي عنه أنه قال: "اللهم إنك واحد في السماء، وأنا في الأرض واحد أعبدك" (^٢) وهذا تعرض للسؤال وإخبار عن حاله، وهو أبلغ السؤال كما تقدم.
٤ - ثم كيف يقول الخليل ﵇: "حسبي من سؤالي علمه بحالي، والله بكل شيء عليم وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابًا لما يرتبه عليها من إثابة العابدين وإجابة السائلين وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تقضي بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته" (^٣).
مناقشة الشبهة الثالثة: وهي قولهم أن فيه سوء الأدب واتهام الله تعالى بعدم إعطائه لعبده ما يستحق وإن ترك الدعاء من مقام الخواص:
الجواب: إنه يلزم على هذا القول أن الأنبياء أساؤوا الأدب مع الله تعالى وأنهم اتهموه وقد طلبوا من الله تعالى حوائج الدنيا والآخرة وقد حكى الله لنا ابتهالاتهم ومناجاتهم التي استغاثوا فيها بالله تعالى وطلبوا حوائج الدنيا والآخرة.
_________________
(١) تدريب الراوي: ١/ ٢٧٧، وفتح المغيث: ١/ ٢٦٩.
(٢) أخرجه عثمان الدارمي في النقض على المريسي ص: ٩٥، وأبو نعيم في الحلية: ١/ ١٩، ومن طريقه ابن قدامة في العلو: رقم ٤٢، ونسبه ابن كثير في التفسير: ٣/ ١٨٤، وابن القيم في تهذيب السنن: ٧/ ١١٣ إلى مسند الحسن بن سفيان والهيثمي في الزوائد: ٨/ ٢٠١، إلى البزار، قال الذهبي في العلو ص ٢١: حسن الإسناد.
(٣) قاعدة في التوسل: ٣٦.
[ ١ / ٣٣٨ ]
قال المقبلي اليمني ﵀ في رد هذا القول: إنه "بدعة خلاف صرائح الكتاب والسنة فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يتحاموا طلب الحوائج وأثنى الله عليهم لنقتدي بهم وعلمنا أيضًا في آيات كثيرة طلب الحوائج.
فهذه الدعوى من المتصوفة وإن كان ظاهرها أنها خصلة جميلة فهي دعوى كاذبة لأنه لا أحد أعرف في الوثوق بربه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
وهكذا تكون البدع التي يغتر بها حسنة الظاهر قبيحة المخبر وما يعقلها إلا العالمون" (^١).
فتبين بهذا أنه ليس في الدعاء سوء الأدب ولا اتهام الله تعالى بل هو دأب عباد الله الصالحين ومقام خواص عباد الله من النبيين والصديقين والشهداء، لكن إذا دعا الرجل بما فيه حظ النفس يمكن اعتباره من حظ العامة.
قال شيخ الإسلام ﵀ ما معناه: يمكن أن الدعاء من حظوظ العامة إذا كان الذي دعا به من الأمور المباحة التي فيها حظوظ للنفس، وأما إذا كان يدعو بالاستعانة على طاعات الله وعلى الاستقامة والنصر على أعداء الله والتمكن في الدعوة إلى الله فلا، ففي هذه الحالة فالدعاء إما واجب أو مستحب، وأما إذا دعا الله في حصول المحرمات فهو من الظالمين لأنفسهم (^٢).
مناقشة تعلق بعضهم بأن الدعاء لا يجوز بما ثبت أنه مضمون الحصول كدعاء آخر البقرة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا …﴾.
الجواب: إن أحسن الدعاء ما ورد في القرآن والسنة فكيف ينهى
_________________
(١) العلم الشامخ ص: ٣٨ - ٤٠، وذكر نحوه في ص: ٤٦٠.
(٢) الفتاوي: ١٠/ ٣٦، ١٨ و٥٩٦.
[ ١ / ٣٣٩ ]
عنه، ثم لو كان الدعاء بتحصيل ما هو مضمون الوقوع ممنوعًا لما ساغ الدعاء بالصلاة على النبي ﷺ ولا بالوسيلة له ولا بلعن الشياطين ونحو ذلك مما فيه إظهار العجز والعبودية أو الرغبة بحب النبي ﷺ أو حب الدين أو النفرة عن فعل الكافرين (^١). ثم إنه يمكن حمله على طلب مثله أو الإجابة بإعطاء العوض في الدنيا والآخرة (^٢).
وسيأتي مزيد مناقشة لهذا القول إن شاء الله تعالى (^٣).
ج - المذهب الثالث:
إن الدعاء علامة وأمارة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول، وجعلوا ارتباطه المطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق وبمنزلة رؤية الغيم الأسود البارد في زمن الشتاء وإن ذلك دليل وعلامة على أنه ممطر وقالوا مثل ذلك في حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب لذلك. وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والإزهاق مع القتل ليس شيء من ذلك سببًا البتة ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي لا التأثير السببي (^٤).
وهذا القول "هو قول من ينفي الأسباب في الخلق والأمر ويقول: إن الله يفعل عندها لا بها، وهو قول طائفة من متكلمي أهل الإثبات للقدر كالأشعري وغيره وهو قول طائفة من الفقهاء والصوفية" (^٥).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين على الدر: ١/ ٥٢٢.
(٢) أنوار البروق: ٤/ ٢٧٤.
(٣) سيأتي ص: ٤٠٦.
(٤) جامع الرسائل: ١/ ٨٨، واقتضاء الصراط: ٣٥٨، والفتاوي: ٨/ ١٩٢، ٥٣١، والجواب الكافي: ١٥.
(٥) جامع الرسائل: ١/ ٨٧.
[ ١ / ٣٤٠ ]
مناقشة هذا المذهب:
ذكرنا فيما مضى أن إنكار الأسباب مضلة في الفكر ونقصان في العقل وأن الله سبحانه قد أنكر على من سوى بين وجود الأسباب وعدمها بما فيه الكفاية وفي ذلك رد على هذا القول، إلا أن هذا القول لم ينكر في الظاهر وجود الأسباب وإن كان في الحقيقة يؤدي إلى إنكارها ويؤول إلى الجبر لأنه يقول أن الأشياء توجد عند الأسباب لا بها، فالأشياء توجد مقترنة بالأسباب لا بالأسباب.
وهذا هو الرأي المعروف بكسب الأشعري (^١).
وقد اختلف الناس في الأسباب من قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات على أربعة أقوال:
١ - قول من ينكر الأسباب بالكلية وأنها ليست أسبابًا وأن وجودها كعدمها وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي كاقتران الدليل بالمدلول، فهذا هو قول الأشعري ومن تبعه من أهل الكلام.
٢ - قول الطبعيين الذين يجعلونها عللًا مقتضية مؤثرة بنفسها.
٣ - قول المعتزلة الذين يفرقون بين أفعال الحيوان وغيرها.
٤ - القول الرابع قول أهل السنة والجماعة الذين يعترفون بالأسباب وأن الله ربط الأسباب بالمسببات "وأن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار وقدرته مؤثرة في مقدورها كما تؤثر القوى والطبائع، وغير ذلك من الشروط والأسباب" (^٢).
فالأقوال الثلاثة الأول باطلة، فأما بطلان قول الطبعيين والمعتزلة
_________________
(١) انظر معنى الكسب عندهم في أصول الدين للبغدادي ص: ١٣٣ - ١٣٤، ومحصل الرازي ص: ٢٨٧، والمواقف للأيجي: ٣١١ - ٣١٢، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٠٩.
(٢) منهاج السنة: ٣/ ١٠٩، ١٢، والفتاوى: ٨/ ١٧٥، ١٣٧ - ١٣٨.
[ ١ / ٣٤١ ]
فواضح وأما بطلان قول الأشعري ومن تبعه فكذلك لأنه مخالف للحس والعقل ولفظ القرآن وهو أحد عجائب الدنيا الغريبة والتي هي غير معقولة لا يصدقها العقل وأنشد في ذلك بعضهم:
مما يقال ولا حقيقة تحته … معقولة تدنو إلى الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال عند … البهشمي وطفرة النظام (^١)
أما كونه مخالفًا للحس والعقل فلأن الحس والعقل يشهدان بأنها أسباب ويعلمان الفروق بين الجبهة وبين العين في اختصاص أحدهما بقوة ليست في الآخر وبين الخبز والحصى في أن أحدهما يحصل به الغذاء دون الآخر (^٢).
وعند التأمل فقول الأشاعرة بالكسب يؤول إلى الجبر فلا فرق في الحقيقة بين الجبر وبين الكسب المزعوم.
ذكر الألوسي ﵀ أن الضرورة تكذب قول الجبرية القائلين بأن أفعال العباد كحركة المرتعش وأن القول بأن لهم قدرة غير مؤثرة كاليد المشلولة كما هو الشائع من مذاهب الأشاعرة يؤول إلى قول الجبرية إذ لا فرق بين قدرة لا أثر لها وبين عدم القدرة بالكلية إلا بما هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وأن القول بأن لهم قدرة مستقلة يفعلون بها ما شاؤوا كما هو قول المعتزلة، ترده النصوص القواطع، وأن صدور الفعل من العباد يستدعي قدرة يكون بها الإيجاد، وأن تفسير ذلك بالكسب لا يرتضيه المنصف العاقل، وأن القول بأن للعباد قُدَرًا مؤثرة بإذن الله وإعانته هو اللبن السائغ الذي يخرج من بين فرث ودم بلا جبر ولا تفويض (^٣). وهذا الكلام الذي ذكره الألوسي ﵀ هو الحق الذي لا مرية فيه، وهو الذي يجب قبوله على المنصف، وقد
_________________
(١) منهاج السنة: ١/ ٤٥٩.
(٢) الفتاوى: ٨/ ١٧٥.
(٣) روح المعاني: ١/ ٨٧.
[ ١ / ٣٤٢ ]
اعترف كبار الأشاعرة بأن الكسب اسم بلا حقيقة.
قال الرازي بعد أن أورد إشكالات في معنى الكسب: وعند هذا التحقيق يظهر أن الكسب اسم بلا مسمى" (^١).
وأما مخالفته للقرآن فلأن الله تعالى صرح في القرآن بأنه يفعل بهذه الأسباب لا عندها، قال تعالى:
١ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩].
٣ - وقال سبحانه ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].
٤ - وقال جل وعلا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].
٥ - وقال عز من قائل: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢].
وقال ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة: "إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإن الله جاعل بصلاتي عليهم نورًا" (^٢).
_________________
(١) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص: ٢٨٨.
(٢) أخرجه البخاري: ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥ رقم ١٣٣٧، ومسلم: ٢/ ٦٥٩، وأبو داود: ٣/ ٥٤١ رقم ٣٢٠٣، وابن ماجه: ١/ ٤٨٩ رقم ١٥٢٧، وأحمد في المسند: ٢/ ٣٨٨.
[ ١ / ٣٤٣ ]
فمن قال يفعل عندها لا بها فقد خالف لفظ القرآن والسنة (^١).
وقد عرفت بهذا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الحق لموافقته للكتاب والسنة والعقل والحس.
ثم إن معنى إثبات أهل السنة والجماعة للأسباب ليس معناه أنها هي المؤثرة بنفسها وأنها علل مقتضية لا يتخلف عنها معلولها كما هو مذهب الطبعيين بل هم يقولون: إن الله جعلها أسبابًا لمسبباتها، وإنه لا بد من صرف الله عنها الموانع ثم إنه لا بد من تسخير الله تعالى لتلك الأسباب وإبقاء مفعوليتها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وليس من الأسباب ما هو مستقل بوجود المسبب لكن له شريك فيه وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده، لم يحصل مسببه، ومن هنا لا يوجد ما هو علة تامة تستلزم معلولها إلا مشيئة الله تعالى فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (^٢).
وهذا الكلام من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حقيقة الأسباب وأنه ليس في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها ولا سبب تام يستلزم مسببه يرد على ما زعمه البوطي وشنع به على شيخ الإسلام من أنه بإثباته القوة التي وضعها الله في الأشياء جنح إلى رأي الفلاسفة وقلدهم وخالف أهل السنة والجماعة (^٣) - أي الأشاعرة - وأنه تناقض.
وحاصل شبهاته تدور على الآتي:
_________________
(١) انظر في هذا الفتاوى: ٨/ ١٧٥، ١٣٧، ١٣٨، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٦٣ - ٣٦٦، و٣/ ١١٣ - ١١٤.
(٢) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧، وانظر أيضًا الفتاوى: ٨/ ١٦٧، ومنهاج السنة: ٣/ ١١٥، وجامع الرسائل: ٢/ ٢١٠، والتدمرية ص: ٥٧.
(٣) السلفية مرحلة: ١٧٣ - ١٧٤.
[ ١ / ٣٤٤ ]
١ - أن إثبات الأسباب يتنافى مع صفات الربوبية والألوهية (^١).
٢ - أننا لم نصل إلى الآن إلى الكشف عن تلك القوة المودعة، كما أن الله لم يخبرنا عنها (^٢). فإذا هي خيالات وأوهام، وسمى هذه الشبهة منطق العلم (^٣).
٣ - يؤول ما ورد من حروف السببية والتعليل في كتاب الله تعالى لئلا يتعارض مع النصوص الأخرى (^٤).
مناقشة هذه الشبهة:
أقول وبالله التوفيق: إن هذه المسألة مبنية على مسألة قدرة العبد وهي المعروفة بكسب الأشعري التي هي إحدى محالات علم الكلام.
فلهذا لا نطيل الكلام عليها وإنما نشير إلى ما يتعلق بالموضوع:
١ - إن ما زعمه من التنافي مع صفات الربوبية والألوهية غير وارد أصلًا وذلك لأنه إنما يرد لو أثبتنا أسبابًا وعللًا مستقلة وقد علمت أن الشيخ ﵀ يقول ما نصه: "وأما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها وسبب تام يستلزم مسببه فهذا باطل" (^٥).
ويقول أيضًا: "إنه ليس في الوجود سبب يستقل بحكم، بل كل سبب فهو مفتقر إلى أمور أخرى تضم إليه، وله موانع وعوائق تمنع موجبه وما ثَمَّ سبب مستقل إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن" (^٦) ويقول أيضًا: "وهو - أي الله - وإن كان قد خلق ما خلقه بأسباب
_________________
(١) السلفية مرحلة: ١٧٦، ١٨٤، الأولى أن يقتصر على صفات الربوبية راجع ما تقدم ص: ٢٥٣.
(٢) المصدر نفسه: ١٨٢.
(٣) المصدر نفسه: ١٨٤.
(٤) المصدر نفسه: ١٧٧.
(٥) الفتاوى: ٨/ ١٦٧.
(٦) منهاج السنة النبوية: ٥/ ٣٦٧، ونحوه في: ٣/ ١١٥، ونحوه في: ٣/ ١٢، ونحوه في الفتاوى: ١/ ١٣٧، وقاعدة التوسل: ١٢١ - ١٢٢، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٠٨. ٣٤٥
[ ١ / ٣٤٥ ]
فهو خالق السبب والمقدر له وهو مفتقر إليه كافتقار هذا وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضر" (^١).
كما أنه يبين أن تأثير الأسباب مشروط بشرطين وهما:
١ - وجود المقتضي. ٢ - عدم الموانع.
ثم مع هذين الشرطين يشترط شرطًا آخر وهو الأهم وهو أنه لا بد من تسخير مسبب الأسباب وإبقائه لها وتيسيره ذلك، وبهذا تبين أنه لا منافاة بين الأسباب وصفات الربوبية.
وقد مثل البوطي بصفة القيومية وزعم أننا لو قلنا بالسببية الحقيقية للزم "أن الأشياء بعد أن أودعت فيها قواها المزعومة أصبحت تؤدي مهماتها استقلالًا ودونما حاجة إلى عون مستمر فتصبح كجهاز العقل الآلي المعروف اليوم" (^٢).
وقد عرفت أن هذا إنما يلزم لو قلنا: إنها سبب تام مستقل إلخ، ولم يدع ذلك أحد ممن هو يرد عليه.
٢ - إن ما ادعاه أن من حروف السببية والتعليل في كتاب الله تعالى مؤولة لأن هناك نصوصًا صريحة محذرة من أن تفهم معاني هذه الحروف على حقيقتها في حق الله تعالى (^٣) .. هذا الكلام فيه وجوه:
١ - أنه ظن أن الآيات التي تدل على السببية والتعليل - وهي أكثر من ألف موضع في القرآن كما قاله ابن القيم (^٤) - تتعارض وتتنافى مع الآيات التي تدل على تفرد الله بالخلق والإيجاد وهي أيضًا كثيرة.
_________________
(١) العبودية ص: ١١٧ - ١١٨.
(٢) السلفية: ١٧٧.
(٣) السلفية مرحلة: ١٧٧.
(٤) الجواب الكافي ص: ١٦، وذكر في شفاء العليل ص: ٣٩٧ أن ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لو تتبع لزاد على عشرة آلاف موضع وأن ذلك حقيقة وليس مبالغة.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وهذا الظن باطل لا أساس له لأننا كما تقدم لا نرى سببًا تامًا ولا علة تامة وإنما هي أسباب جعلها الله تعالى، إن شاء أبقى سببيتها وإن شاء سلبها السببية وأبطل مفعولها، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
٢ - أن البوطي نفسه ذكر في أول كتابه الذي زعم فيه هذا الكلام السابق اتفاق علماء اللغة على أن الحقيقة لا يعدل عنها إلا لضرورة في الكلام، ولا ضرورة هنا تلجئ إلى تأويل أكثر من ألف موضع في القرآن الكريم.
٣ - ثم إنه استدل بما وقع لمريم في قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ وأن هذا التساقط ليس من قوة الهز وإنما هو من الله تعالى.
الجواب: أننا لم نزعم أن الأسباب لازمة ولا يَحْرِقُها الله تعالى وقد علم أن العلماء سموا مثل هذا خوارق العادة فالله سبحانه يخرق الأسباب والعادات إن شاء وإن شاء أبقاها على عادتها.
٤ - وأما ما زعم من أن القوة لو كانت موجودة لرأيناها أو لاخبرنا الله بها … إلخ.
فمن المعلوم عقلًا عدم الملازمة بين وجود الشيء وبين رؤيته كما في الروح والنفس والحرارة والبرودة، وأما إخبار الله تعالى بذلك فقد حصل ففي أكثر من ألف موضع ذكر ما يفيد ذلك.
٥ - وأما ما زعمه من تناقض ابن تيمية (^١) فذلك إنما حصل للبوطي هذا الظن من عدم استيعابه لكلام الشيخ أو من سوء الظن أو غير ذلك، وأما لو أطراف كلامه وتتبعه في مظانه لعلم يقينًا أنه ليس هناك تناقض وقد نقلت فيما مضى ما يفيد ذلك ولله الحمد.
_________________
(١) السلفية مرحلة: ١٨٤.
[ ١ / ٣٤٧ ]
المذهب الرابع (^١): أن الدعاء يرد القضاء ويغيره من قضاء إلى قضاء:
وقد استدل هؤلاء بأدلة كثيرة أقواها الأحاديث المصرحة برد الدعاء للقضاء، ثم أحاديث الاستعاذة من سوء القضاء، فمن الأحاديث التي تدل على رد الدعاء للقضاء:
١ - حديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلّا البر" (^٢).
٢ - وحديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزيد في العمر إلّا البر، ولا يرد القدر إلَّا الدعاء، وإنَّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" (^٣).
_________________
(١) انظر عن هذا المذهب: شأن الدعاء للخطابي ص: ٧، وقطر الولي للشوكاني: ٤٧٩ - ٤٩٨، وقد نصر فيه هذا المذهب وقواه كما فعل ذلك في رسالتين مستقلتين: إحداهما: في أن إجابة الدعاء لا ينافي القضاء طبعت ضمن مجموع للشوكاني باسم أمناء الشريعة، من ص ١٣٠ - ١٣٥. وثانيتهما: سماها باسم تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصه من الدلائل، طبعت مع المجموع المذكور من ص ١١٢ - ١٢٨، وقد تعسف الشوكاني ﵀ في تقوية هذا المذهب في هذه الرسائل وعليه مآخذ كثيرة في رده على الجمهور وكثير من تلك المآخذ يفهم مما ذكرناه فيما سبق.
(٢) أخرجه الترمذي: ٤/ ٤٤٨ رقم ٢١٢٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٢٩٩ رقم ٣٠، وفي الكبير: ٦/ ٣٠٨، وحسنه الترمذي وقال الألباني بعد أن أطال الكلام عليه: "والخلاصة: إن الحديث حسن كما قال الترمذي بالشاهد من حديث ثوبان … " الصحيحة: ١/ ٢/ ٧٨ رقم ١٥٤ وحسنه أيضًا في صحيح الجامع: ٦/ ٢٣٠ رقم: ٧٥٦٤.
(٣) أخرجه ابن ماجه: ٢/ ١٣٣٤ رقم ٢٢، وأحمد في المسند: ٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٠/ ٤٤١ رقم ٩٩١٦، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٩ رقم ٣١، والحاكم: ١/ ٤٩٣، وصححه ووافقه الذهبي واعترض عليهما الألباني بجهالة أحد رواته كما في الصحيحة: ١/ ٢/ ٧٨.
[ ١ / ٣٤٨ ]
٣ - وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء والبلاء ليعتلجان إلى يوم القيامة" (^١).
ومن الأحاديث التي تدل على الاستعاذة من شر القضاء:
١ - ما ورد في حديث القنوت: "وقني شر ما قضيت" (^٢).
٢ - وما ورد في حديث أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء" (^٣).
مناقشة هذه الأدلة:
الجواب عن هذا:
١ - إن هذه الأحاديث لو فرضنا أنها تكون معارضة لما يدل على
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٠ رقم ٢٢، والحاكم: ١/ ٤٩٢، والبزار كما في كشف الأستار: ٣/ ٢٩ رقم ٢١٦٥، والحديث صححه الحاكم وقال الذهبي: زكريا - وهو ابن منظور - مجمع على ضعفه وقال الهيثمي: وفيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري وضعفه الجمهور المجمع: ٧/ ٢٠٩" وقد حسنه الألباني كما في صحيح الجامع: ٦/ ٢٤١ رقم ٧٦١٦، وله شاهد من حديث معاذ أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٤، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٠ رقم ٣٢، قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني، وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ، ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ضعيفة" المجمع: ١٠/ ١٤٦، وله شاهد آخر من حديث ابن عمر أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٥٢ رقم ٣٥٤٨، والحاكم: ١/ ٤٩٣، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي وهو ضعيف من قبل حفظه، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن عبد الرحمن واه.
(٢) أخرجه أحمد: ١/ ١٩٩، ٢٠٠، وأبو داود: ٢/ ١٣٣ رقم ١٤٢٥، والترمذي: ٢/ ٣٢٨ رقم: ٤٦٤، والنسائي: ٣/ ٢٠٦، وانظر الكلام على طرق هذا الحديث في تلخيص الحبير: ١/ ٢٤٧ - ٢٥٠، وإرواء الغليل: ٢/ ١٧٢، وقد صححه الألباني فيه.
(٣) أخرجه البخاري: ١١/ ١٤٨ رقم ٦٣٤٧، ومسلم: ٤/ ٢٠٨٠ رقم ٢٧٠٧.
[ ١ / ٣٤٩ ]
عدم تغيير ما سبق به القضاء، لكانت النصوص القطعية الدالة على عدم التغيير أقوى وأرجح، هذا على فرض الترجيح.
٢ - الصحيح أنه ليس هناك تعارض فالجمع ممكن جدًا لأن هذا - كما تقدم - من رد القضاء بالقضاء والكل من قضاء الله وقدره، الرد والراد والمردود.
ولا يخرج شيء من قدر الله تعالى فالله الذي قدر البلاء هو الذي قدر دفعه بالدعاء أو غير ذلك من الأسباب، فالقضاء والقدر شامل للجميع وقد تقدم بيان ذلك بما فيه الكفاية.
٣ - ليس في هذه الأحاديث ما يدل صراحة على أن الدعاء ليس داخلًا في القضاء، ويحمل رد القضاء بالدعاء الوارد في هذه الأحاديث على معنى أن الدعاء قد سبق به القضاء فهو سبب علق عليه المسبب في القضاء السابق أولًا وليس معناه أن الدعاء يأتي بقضاء جديد لم يسبق به القضاء، وذلك لما يلزم - لو ثبت ذلك - من عدم شمول القضاء لكل شيء، وهذا يتنافى مع النصوص الكثيرة الدالة على شمول القضاء.
وبهذا تبين أن الدعاء لا يرد القضاء بمعنى أنه لا يأتي بقضاء جديد لم يسبق.
المذهب الخامس: التفريق بين الأمور:
قال أصحاب هذا المذهب: "إن الدعاء يكون مشروعًا نافعًا في بعض الأشياء دون بعض" (^١).
وقالوا بعدم مشروعية الدعاء بطول العمر أو البقاء، وعللوا ذلك بأنه أمر قد فرغ منه، واستدلوا بما رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ: "اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي
_________________
(١) شرح الطحاوية ص: ٩١.
[ ١ / ٣٥٠ ]
أبي سفيان وبأخي معاوية"، قال: فقال النبي ﷺ: "قد سألت الله لآجالٍ مضروبةٍ، وأيام معدودةٍ، وأرزاقٍ مقسومةٍ، لن يعجل شيئًا قبل حله أو يؤخر شيئًا حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر، كان خيرًا وأفضل" (^١).
واستدل لهم أيضًا بأن النبي ﷺ لم يقبل طلب الأنصار بالدعاء لهم برفع الحمى، فقال لهم: "أو تصبرون؟ " (^٢).
وقد روى هذا المذهب عن الإمام أحمد ﵀ فقد روي عنه أنه كان يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر فرغ منه، وقال غيره: "إن الدعاء بطول البقاء محدث" (^٣).
وقد ورد عن أحمد الدعاء للمتوكل بطول البقاء (^٤) فهذا فيه نوع تناف مع ما روي عنه من كراهية الدعاء له بطول العمر وتعليله ذلك بأنه مفروغ منه.
وأيد هذا المذهب شارح الطحاوية (^٥) وذهب إلى أن الدعاء لا تأثير له في زيادة العمر بخلاف صلة الرحم ويمكن أن يعد من هذا المذهب ما ذهب إليه القرافي من عدم الدعاء بالأمر المقطوع فيه كرفع الخطأ والنسيان. وسيأتي (^٦) مناقشة القرافي في هذا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٥١ رقم ٢٦٦٣، وأحمد في المسند: ١/ ٣٩٠، ٤١٣، ٤٣٣، ٤٤٥.
(٢) سيأتي تخريجه ص: ٣٨٤.
(٣) غذاء الألباب: ١/ ٢٩٦، وشرح الطحاوية: ٩١.
(٤) أخرجه عنه ابنه في كتاب السنة: ١/ ١٤٠ رقم ١٠٨، وذكره الذهبي في السير: ١١/ ٢٨٧.
(٥) انظر شرح الطحاوية: ٩٠.
(٦) سيأتي ص: ٤٠٦.
[ ١ / ٣٥١ ]
مناقشة من يفرق في الدعاء بين الأشياء:
١ - إن التفريق لا دليل عليه إذ الحجة بأنه أمر قد فرغ منه، فهذه الحجة موجودة في كل الأشياء فالكل مقدر قد فرغ منه (^١).
٢ - قد ثبت عن النبي ﷺ دعاؤه لبعض أصحابه بطول العمر، من ذلك دعاؤه ﷺ لأنس بطول العمر بقوله ﷺ: "اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه" (^٢).
وقد بوب البخاري في كتاب الدعوات فقال: باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله، فأورد دعاء النبي ﷺ لأنس (^٣).
والظاهر أن البخاري يشير بهذا التبويب إلى الرد على من قال بعدم الدعاء بطول العمر والله أعلم.
وقد دعا النبي ﷺ أيضًا لأبي اليَسَر كعب بن عمرو بطول العمر فقال: "اللهم أمتعنا به" وكان يحدث بهذا الحديث ويبكي ثم يقول: أمتعوا بي لعمري كنت آخرهم (^٤). وروي أيضًا أنه ﷺ دعا بطول العمر لأم قيس ابنة محصن أخت عكاشة، قال الراوي: "ولا نعلم امرأة عمرت ما عمرت" (^٥).
_________________
(١) غذاء الألباب: ١/ ٢٩٧.
(٢) أخرجه ابن سعد: ٧/ ١٩، وإسناده صحيح كما قاله الحافظ في الفتح: ٤/ ٢٢٩، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ٦٥٣.
(٣) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٤٤، وليس في حديث أنس الذي ساقه البخاري التصريح بالدعاء بطول العمر، ولكن البخاري يشير بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه من الدعاء له بطول العمر كما قاله الحافظ في الفتح: ١١/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٤) أخرجه ابن إسحاق في السيرة كما في سيرة ابن هشام: ٣/ ٣٣٥، ومن طريقه الإمام أحمد في المسند: ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وفي إسناده راو مبهم، وانظر كونه آخر أهل بدر وفاة (ت ٥٥ هـ): في الكنى للدولابي: ١/ ٦٢، والإصابة: ٧/ ٤٦٨، والتهذيب: ٨/ ٤٣٨، والبداية: ٨/ ٨١.
(٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد: ٢/ ١٠٧ رقم ٦٥٢، وأحمد في المسند: ٦/ ٣٥٥، والنسائي في السنن: ٤/ ٢٤ رقم الباب ٢٩، وفي إسناده أبو الحسن مولى =
[ ١ / ٣٥٢ ]
٣ - قد ثبت عن بعض الصحابة الدعاء بطول العمر، فقد دعا سعد بن أبي وقاص ﵁ بطول العمر على الرجل الذي قال: "إن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال الراوي: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن" (^١).
فتبين مما تقدم ثبوت الدعاء بطول العمر وأنه مشروع لا محذور فيه.
وأما ما استدل به القائلون بالتفريق بين الأشياء في الدعاء من قول النبي ﷺ للأنصار: أوَ تصبرون؟، فيمكن أن يجاب عنه بأنه "سؤال كشف وتعليم، فأوحى الله إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت، وأخر الدعاء، ويحتمل أنه رأى بهم جزعًا وقلة صبر فأمرهم به" (^٢).
ومما يبين هذا أن النبي ﷺ قد دعا برفع الحمى عن المدينة عند قدومه إليها وإصابة أبي بكر وبلال ﵄ بالحمى فقال ﷺ: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا، وفي مدنا وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة" (^٣).
ويمكن أن يجاب أيضًا عن حديث أم حبيبة ﵂ بأنه ﷺ علم بالوحي بأنه لا يزاد في أعمار هؤلاء الذين دعت لهم أم حبيبة أو يقال: إنه رأى حرصها الشديد على ذلك فمنعها، أو أنه ﷺ أرشدها إلى
_________________
(١) = أم قيس قال الحافظ فيه: جهله ابن القطان. اهـ. التهذيب: ٢/ ٧٤.
(٢) أخرجه البخاري: ٢/ ٢٣٦ رقم ٧٥٥.
(٣) إتحاف السادة: ٥/ ١١٨، والأزهية: ٤٩ - ٥٠.
(٤) أخرجه البخاري: ٤/ ٩٩ رقم ١٨٨٩، ومسلم ٢/ ١٠٠٣ رقم ١٣٧٦.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الأفضل وهو طلب الأمر الأخروي من الاستعاذة من النار، أو عذاب القبر دون النفع الدنيوي من التمتع بهؤلاء الذين ذكرتهم، ويدل لهذا قوله: "كان خيرًا وأفضل" فإن اسم التفضيل يدل على المشاركة والزيادة فأصل الخيرية والفضل ثابت لما دعت به والله أعلم.
وأما التفريق بين صلة الرحم وبين الدعاء بأن الأول يزيد في العمر دون الثاني فيعترض عليه بأن كليهما سببان متماثلان، فأما أن نمنع تأثيرهما في المسببات أو نجيز تأثيرهما كباقي الأسباب الشرعية، ولا يجوز أن نفرق بين متماثلين بدون دليل واضح ولا يقال إن النص ورد في صلة الرحم بزيادة العمر لأننا نقول: إنه قد ورد النص أيضًا بالدعاء بطول العمر وثبت تأثيره في ذلك كما في دعاء النبي ﷺ لأنس وأبي اليسر وأم قيس ودعاء سعد بن أبي وقاص على الرجل، فكل هذا يدل على أنه لا فرق بين الأمرين والله أعلم.
[ ١ / ٣٥٤ ]
المبحث الثاني في الصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة وهو:
المذهب السادس: وهو الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة:
وهو الصواب (^١) الذي دل عليه الكتاب والسنة، والفطرة والعقل السليم وتجارب الأمم والواقع التاريخي، والمشاهدة والحس وهو أن الدعاء سبب من الأسباب وأن له تأثيرًا في المطلوب المسؤول كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وهذا يعترف به جماهير بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجرمين والمشركين (^٢). ولم يشذ عن هذا إلا طوائف.
بل هو شبه اتفاق بين أهل الملل وأساطين الفلاسفة حتى يذكر عن بطليموس (^٣) أنه قال:
"واعلم أن ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون اللغات، على اختلاف الحاجات، يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات" (^٤)، فهذا
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٥٨، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٦٢، ٣/ ٢١٣ - ٢١٤، وزاد المعاد: ٣/ ٤٨١.
(٢) الفتاوى: ٨/ ١٩٥.
(٣) هو القلوذي العالم المشهور صاحب كتاب المجسطي في الفلك إمام في الرياضة من فلاسفة اليونان، انظر الفهرست لابن النديم ص: ٣٥ - ٣٨.
(٤) الرد على المنطقيين ص: ٢٧٢، ومنهاج السنة النبوية: ٥/ ٤٤٦، ونقل ابن مفلح =
[ ١ / ٣٥٥ ]
الفيلسوف يعترف ويقر بتأثير الدعاء لكنه يفسر ذلك التأثير على وجه يوافق عقيدته بتأثير الكواكب.
والدعاء مثل سائر الأسباب كالتوكل والصدقة … سبب لجلب المنافع ودفع المضار (^١).
ثم الدعاء - مع ثبوت كونه سببًا - داخل في القضاء، ولا يخرج عن القضاء فإن الدعاء من جملة ما سبق به القضاء لأن الله سبحانه أحاط بكل شيء علمًا وقدر كل شيء تقديرًا ولا يمكن أن يخرج شيء عن قضائه، فلهذا فالدعاء نفسه داخل في القضاء فإذا قدر الدعاء وأنه سبب لكذا فلا بد أن يدعو الرجل وأن يتسبب ذلك فيما جعله الله سببًا فالدعاء سبب لجلب النفع كما أنه سبب لدفع البلاء فإذا كان أقوى منه دفعه وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه، لكن يخففه ويضعفه، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب.
ولهذا أمر ﷺ عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئة الله تعالى وقدرته من الصلاة، والدعاء، والذكر والاستغفار والتوبة، والإحسان بالصدقة والعتاقة، فإن هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه كما في الحديث: "إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان" (^٢)، وهذا كما لو جاء عدو فإنه يدفع بالدعاء وفعل الخير وبالجهاد له وإذا هجم البرد يدفع باتخاذ الدفء، فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء (^٣).
_________________
(١) = عن شيخه ابن تيمية أنه قال: "وأقر أولهم وآخرهم أن الله تعالى يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه". اهـ. الفروع: ٦/ ١٧٨.
(٢) الفتاوى: ١٠/ ٥٥٠.
(٣) تقدم تخريجه ص: ٣٤٩.
(٤) منهاج السنة ٥/ ٤٤٥، والرد على المنطقيين: ٢٧١ - ٢٧٢، والفتاوى: ٨/ ١٩٦، وزاد المعاد: ٤/ ١٨٢، والجواب الكافي: ١٥.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ويدل على دفاع العدو بالدعاء مع الجهاد قوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "هل تنصرون إلا بضعفائكم" ولفظ النسائي: "إنما نصر الله هذه الأمة بضعفتهم بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم" (^١).
والحاصل أن من جملة القضاء ردَّ البلاء بالدعاء، فالدعاء داخل تحت القضاء وليس خارجًا عنه، فالدعاء سبب لرد البلاء، واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فالله تعالى هو الذي قدر الأمر، وقدر سببه (^٢).
دلالة الكتاب على ذلك:
أ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وجه الاستدلال بالآية:
١ - إن الله تعالى قد علق في هذه الآية الإجابة بالدعاء تعليق المسبب بالسبب (^٣) فلو كانت الاستجابة تقع بدون سبب الدعاء لكان تعليق الإجابة بالدعاء لا فائدة فيه فيكون عبثًا، حاشا كلام الله من ذلك.
٢ - هذه الصيغة تدل على الشرط والجزاء فإن جواب الأمر يجزم إن قصد الجزاء وتَسَبُّبُ الفعل عن الطلب السابق وإن اختلفوا هل الجازم حرف شرط محذوف مع فعله أو الجملة السابقة لنيابتها عن حرف الشرط أو لتضمنها معنى حرف الشرط (^٤).
_________________
(١) البخاري: ٦/ ٨٨ رقم ٢٨٩٦، والنسائي: ٦/ ٣٧ رقم الباب ٣٧.
(٢) الأذكار: ٣٥٤، والإحياء: ١/ ٣٠.
(٣) الفتاوى: ٨/ ١٩٣.
(٤) حاشية الخضري: ٢/ ١١٧.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فهذا يدل على أن هذه الصيغة صيغة شرط وجزاء، والشرط والجزاء يتلازمان فلو كان وجود الدعاء وعدمه سواء لزم أنه لا فائدة في اشتراطه في وقوع الإجابة فيكون اشتراطه عبثًا، حاشا كلام الله من ذلك.
٣ - هذه الآية تدل على الوعد بالإجابة عند وجود الدعاء فلو كان وجوده وعدمه سواء لزم أنه لا حاجة إلى هذا الوعد الذي هو من الله الذي لا يخلف الميعاد.
٤ - إن الله سبحانه قد أمر في الآية بالدعاء، وأوامر الله لا تخلو من فوائد …
٥ - ثم إن الوعيد الشديد لمن تكبر عن الدعاء يدل على أهمية الدعاء وأنه ذو شأن عظيم، ولا يمكن أن يتوعد عليه إلا وله فائدة.
ب - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وجه الدلالة من الآية:
١ - هذه الآية نزلت بسبب السؤال (^١) عن الدعاء، فلو كان الدعاء غير نافع، لبينت الآية ذلك لأن هؤلاء السائلين كانوا محتاجين إلى معرفة ذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
٢ - الآية رتبت الإجابة على الدعاء بإذا الشرطية التي تدل على التحقيق ولها جواب مقدر، والجواب يترتب على الشرط وجودًا وعدمًا.
٣ - وهذا وعد صريح بإجابة الدعاء، والله لا يخلف الميعاد، وقد علق هذا الوعد على الدعاء بإذا التحقيقية.
_________________
(١) روي في سبب نزولها أن سائلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟، وقيل غير ذلك، انظر تفسير الطبري: ٢/ ١٥٨، ومعالم التنزيل: ١/ ١٥٥، والدر المنثور: ١/ ١٩٤.
[ ١ / ٣٥٨ ]
جـ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
إن الله ﷾ نهى في هذه الآية عن الحسد وتمني زوال نعمة الغير وأمر بسؤاله من فضله فدل على أنه بسبب السؤال يعطي مثل ما أعطى لذلك الذي فضله وربما يعطي أكثر، فلو كان الدعاء والسؤال لا أثر له في إعطاء السائل ما تمناه وسأله، للزم أنه لا فائدة في الأمر به في هذا المقام، وهذا يخالف ما يقتضيه سياق الآية.
د - قال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
فبينت الآية أن الإيتاء والإعطاء يكون من المسؤول المطلوب فلو كان السؤال ليس له أثر سببي في الإيتاء لم يعلق به الإيتاء لاسيما أن سياق الآيات في ذكر نعم الله على عباده ومن ذلك نعمة إجابة الدعاء وإعطاء المسؤول.
هـ - قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
فالآية صريحة الدلالة على أن دعاء المضطر هو السبب في إجابة سؤاله وكشف السوء عنه، وهذا من آيات الله العظيمة الدالة على وحدانيته وتفرده بالربوبية والألوهية، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].
و- قد وردت آيات كثيرة جدًا ذكر الله فيها ما وقع لأنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين من المحن والبلايا والشدائد العظام فاستغاثوا بربهم، وتضرعوا له، وابتهلوا إليه فاستجاب الله لهم وكشف عنهم تلك المحن بعد دعائهم.
وقد حكى الله لنا ألفاظ دعواتهم وصيغ ابتهالاتهم لنقتدي بهم ونأخذ
[ ١ / ٣٥٩ ]
العبر والدروس، ومن تلك الدروس التي نأخذها تأثير الدعاء وفائدته العظيمة في جلب المنافع ودفع المضار وأنه سمة العبودية وأنه الغذاء الروحي لاسيما عند نزول الشدائد المدلهمة، ونسوق إن شاء الله تعالى جملة مما حكى الله لنا من تلك الأدعية المباركة.
ومما حكى الله لنا عن نوح ﵇ مما يدل على تأثير الدعاء:
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥]. ما أصرحها في تأثير الدعاء وأوضحها وأبينها من حجة قاطعة وما أبلغها من برهان ساطع!! ومثلها قوله تعالى في قصة نوح أيضًا: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٦، ٧٧]، ودلالة الآية على تأثير الدعاء من أوجه:
١ - الأول: إلغاء السببية، وهي موضوعة في اللغة العربية للترتيب والتعقيب فالمعطوف بها مرتب على المعطوف عليه ترتب المسبب على سببه والمعلول على علته.
وقد ذكر علماء اللغة إفادتها للسببية لاسيما في عطف الجمل والأوصاف.
قال ابن هشام (^١) النحوي بعد أن ذكر أنها ترد على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون عاطفة، وتفيد ثلاثة أمور أحدها الترتيب …
الأمر الثاني: التعقيب
والأمر الثالث: السببية .. وذلك غالب في العاطفة جملة أو صفة، فالأول نحو ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] ونحو: ﴿فَتَلَقَّى
_________________
(١) هو عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاري الحنبلي النحوي أتقن العربية ففاق الأقران بل الشيوخ (ت ٧٦١ هـ)، الدرر الكامنة: ٢/ ٣٠٨، وبغية الوعاة: ٢/ ٦٨.
[ ١ / ٣٦٠ ]
آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧].
والثاني نحو ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٥] (^١).
٢ - الثاني: كلمة استجبنا إذ استجابة النداء من الله تعالى تكون بإعطاء السؤال إذ الاستجابة نوعان كما تقدم (^٢).
٣ - الثالث: كلمة نجينا المعطوفة فالاستجابة والإنجاء من الكرب العظيم والنصر كل هذا مترتب على ندائه ودعائه الله تعالى ترتب المسبب على السبب والمعلول على العلة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].
تدل الآيتان على المقصود من عدة أوجه:
منها العطف بالفاء السببية في الموضعين فاستجبنا، فكشفنا ودلالة استجبنا وكشفنا اللغوية ودلالة السياق هذه الدلالات الواضحة على تأثير الدعاء لا ينكرها إلا من طمس الله بصيرته وختم على قلبه. وقوله تعالى فيما حكاه لنا من استغاثة المؤمنين من الأمم السابقة: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٤٩، ٢٥٠].
وقال أيضًا في آية أخرى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
_________________
(١) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ٢١٣ - ٢١٦، وانظر نحوه في حاشية الخضري على ابن عقيل: ٢/ ٦٢.
(٢) تقدم ص: ٢٢٢.
[ ١ / ٣٦١ ]
فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ [آل: عمران: ١٤٧، ١٤٨].
ومثل استغاثة هؤلاء المؤمنين من الأمم السابقة في طلب النصر على الأعداء ما وقع من استغاثة النبي ﷺ وأصحابه يوم بدر ومناشدتهم لربهم في النصر على كفار قريش قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال ٩].
فهذه الآية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار على أن الاستغاثة هي السبب في استجابة الله للمؤمنين ونصرهم على عدوهم وتأييدهم وإمدادهم بملائكته.
وقوله تعالى فيما حكى الله لنا عن ابتهالات يونس ودعواته:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
فدلت الآيتان على أن الدعاء هو السبب في نجاته من عدة أوجه، منها الفاء السببية، ومنها: كلمتا: استجبنا ونجينا كما دلت على أن هذا ليس خاصًّا به بل المؤمنون عامة إذا وقعوا في شدة واستغاثوا بربهم فهو ينجيهم، كما دلت أيضًا على أنه لولا الدعاء لما نجا من هذا الكرب العظيم ولبقي في بطن الحوت، وقد صرحت بذلك آية أخرى قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]، فكلمة لولا في مثل هذا الموضع تدل على امتناع الجملة الثانية لوجود الأولى (^١). وهذا صريح قاطع في أن الدعاء هو السبب في نجاته ولو لم يحصل الدعاء لما نجا ولبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة.
_________________
(١) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ص: ٣٥٩ وانظر أيضًا الجواب الكافي ص: ١٧
[ ١ / ٣٦٢ ]
وقوله تعالى مبينًا حالة يوسف ﵇ وما حصل له من المحن: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤] فدلالتها على تأثير الدعاء من وجوه كثيرة منها الفاء المعقبة السببية وكلمة استجاب والفاء السببية أيضًا في "فصرف"، وتذييل الآية بالسميع العليم أي أنه يسمع التجأ إليه وقصد بابه ويعلم حاله وتضرعه وافتقاره فيرحمه فينقذه من الشدة.
وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٨ - ٣٩].
فقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يدل على أن الله يسمع ويجيب.
وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٢ - ٣].
دلت الآية على أن الرحمة حصلت له حين ندائه لا قبله مما يدل على توقف الرحمة على النداء توقف المسبب على السبب، ويدل قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ على أن الله لم يخيبه فيما مضى بل يقضي له حاجته ويبلغه إلى سُوءلِهِ.
وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء ٨٩ - ٩٠]. ففي هذا ترتيب للاستجابة على النداء، كما أن فيه تعليلًا للاستجابة بكونهم مسرعين في الخيرات، وداعين رغبة ورهبة.
وقوله تعالى في قصة تضرع موسى وابتهاله إلى الله: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ إلى أن أجابه الله بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ
[ ١ / ٣٦٣ ]
سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦)﴾ [طه: ٢٥ - ٣٦] ما أوضحها في الدلالة على تأثير الدعاء في الإجابة!!
وقوله تعالى في قصة موسى وهارون في استغاثتهما بالله في إنقاذهما والمؤمنين من طغيان فرعون وملئه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، فصرحت الآيتان بإجابة دعوتهما واستغاثتهما بالله تعالى وأن ذلك عقب ابتهالهما إلى الله تعالى فدل هذا على ترتب الإجابة على الدعاء ترتب المسبب على السبب.
ز - وقد دل القرآن على أن حصول الدعاء سبب في كشف البلايا والمصائب ومنع وقوع العذاب والهلاك وأن ترك الدعاء سبب في وقوع العذاب والهلاك وهذا صريح في تأثير الدعاء في منع وقوع العذاب وكذلك العكس، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤٣].
قال ابن كثير ﵀: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ (٤٢)﴾ يعني الفقر والضيق في العيش "والضراء" وهي الأمراض والأسقام والآلام لعلهم يتضرعون أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي فهلا إذا ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا. (^١).
فمعنى هذا أنهم لو دعوا الله وتضرعوا لارتفع العذاب عنهم كما
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٢.
[ ١ / ٣٦٤ ]
حصل لقوم يونس، ولكنهم لم يدعوا الله ولم يتضرعوا إليه، فوقع العذاب فهذا صريح في تأثير الدعاء في ذلك كما هو صريح من قوله تعالى في أول هذه الآيات ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ﴾ إذ هو واضح في أن الدعاء هو السبب للكشف، فالفاء للسببية.
ومثل هذه الآية السابقة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧]، فإنه يدل - على تفسير الدعاء بدعاء المسألة - على أن الله تعالى لا يعبأ بعباده لولا دعاؤهم له فدل على أن الدعاء له أثير عظيم.
ح - ثم إن الله ﷾ وصف الأصنام بأنها لا تسمع نداء من دعاها فلا تجيب دعاء فدل هذا على أن الله بخلافها فهو يسمع نداء من استغاث به فيجيب، له قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢)﴾ [الشعراء: ٧٢]، كما أن إبراهيم قال في وصف الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ إبراهيم: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ [الرعد: ١٤].
ط - وقد ذكر الله تعالى أن الاستغفار والتوبة سببان لنزول المطر وللإمداد بالأموال والبنين ولكثرة البساتين والأنهار كما أنهما سببان للعيش والتمتع بالمتاع الحسن في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
قال: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢].
وقال: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].
[ ١ / ٣٦٥ ]
وذكر الله أيضًا أن الاستغفار يمنع من نزول العذاب، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]، فدلت هذه الآيات على أن الاستغفار والتوبة من جملة الأسباب المشروعة، وتقدم (^١) أن الاستغفار نوع من أنواع الدعاء فثبت أن كليهما من الأسباب، وقد كان لهما الأثر العظيم في هذه الأمور المذكورة في الآيات السابقة فلولاهما لما حصلت هذه الأشياء، فدل على أنهما سببان في ذلك وأن وجودهما ليس كعدمهما.
والحاصل أن القرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل في ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال ترتب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب، وهذا بمختلف الصيغ والأساليب المتنوعة الكثيرة في مواضع كثيرة، وهذه المواضع تزيد في القرآن الكريم على ألف موضع كما قاله (^٢) ابن القيم ﵀، بل ذكر ابن القيم في موضع آخر أن ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لو تتبع لزاد على عشرة آلاف موضع، وأن ذلك حقيقة وليس مبالغة (^٣).
وأما السنة الدالة على تأثير الدعاء فأكثر من أن تحصر فقد تواتر عنه إلا الله ﷺ أمران: الأول: فعله للدعاء، والثاني: حثه ﷺ وترغيبه في الدعاء، وقد ذكر تواتر الأمرين عنه الكتاني (^٤) في رسالته في الأحاديث المتواترة (^٥).
_________________
(١) كما تقدم ص: ٩٤.
(٢) الجواب الكافي: ١٦ - ١٧.
(٣) شفاء العليل: ٣٩٧
(٤) هو محمد بن جعفر بن إدريس بن محمد الزمزمي محدث له الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة وغيرها (ت ١٣٤٥ هـ) له ترجمة في أوائل الرسالة المستطرفة ومعجم المؤلفين: ٩/ ١٥٠.
(٥) نظم المتناثر ص: ١١٣.
[ ١ / ٣٦٦ ]
فلهذا نكتفي بإيراد بعض الأحاديث الدالة على المراد، من ذلك:
١ - قوله ﷺ فيما رواه أنس ﵁: "لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، هذا لفظ مسلم، وفي البخاري: لكل نبي سأل سؤالًا - أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها - فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (^١).
٢ - حديث أنس بن مالك الآخر، قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكراع وهلك الشاء، وفي رواية وجاع العيال وفي رواية أخرى هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يسقينا، فمد يديه ودعا، وفي رواية وما نرى في السماء قزعة فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء ذلك الرجل أو غيره في الجمعة المقبلة فقال: تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله يمسكها فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت" (^٢).
٣ - حديث النزول، وهو حديث مشهور مستفيض متواتر (^٣)، ومن طرقه ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني
_________________
(١) رواه البخاري بصيغة التعليق جازمًا به: ١١/ ٩٦ رقم ٦٣٠٥، ومسلم: ١/ ١٩٠ رقم ٢٠٠، من طريق قتادة وسليمان التيمي عن أنس وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري رقم ٦٣٠٤، ومسلم رقم ١٩٩، ومن حديث جابر أخرجه مسلم برقم ٢٠١.
(٢) أخرجه البخاري في ١٥ موضعًا، انظر الإشارة إليها في البخاري مع الفتح: ٢/ ٤١٣ رقم ٩٣٢، ومسلم: ٢/ ٦١٢ برقم ٨٩٧.
(٣) قد ذكر الكتاني ممن حكم بتواتره أبا زرعة والسخاوي وابن عبد الهادي وذكر الكتاني أيضًا ٢٣ صحابيًا ممن روى أحاديث النزول، انظر نظم المتناثر ص: ١١٥، والصارم المنكي ص: ٢٢٠.
[ ١ / ٣٦٧ ]
فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (^١).
دلالة الفطرة على تأثير الدعاء:
الإنسان من طبيعته أنه إذا كان في سعة وعافية نسي ربه وتمرد وعصى، وإذا وقع في شدة وضيق تحركت فطرته ومشاعره واتجه إلى الله ونسي ما كان يدعو من قبل وهنا يوقن أنه لا منقذ إلا الله، وتنكشف عنه الحجب ويزول الرين، وتذهب الغشاوة وينطرح بين يدي الله منكسرًا متواضعًا مبتهلًا متضرعًا باكيًا ويجأر إلى الله كاشف السوء مجيب المضطرين غياث المغيثين منقذ الهالكين، وجابر المنكسرين، ومنقذ الغرقى وسامع النجوى.
فكم من ملحد نزلت به ضائقة آب إلى الله (^٢)، وكم من شارد فاسق وقع في مأزق تاب إلى الله ورجع إلى طاعته.
فالفطرة خير شاهد وأقوى دليل وأنصع برهان، وأوضح حجة لأنها تحتاج إلى تركيب مقدمة وإقامة أدلة جدلية واستنتاج، ودليلها لا يمكن مقاومته ولا دفعه بالشبهات والوساوس، ألا ترى الإنسان إذا ما وقع في مصيبة يتجه مباشرة إلى السماء ويرفع يديه قائلًا: يا رب يا رب.
وهذه الحالة تهجم عليه وتسيطر على تفكيره وشعوره، وتجعله يشعر أنه لا منقذ ولا منجي ولا مغيث إلا الله ﷾.
فلو لم تدل الفطرة على تأثير الدعاء لما اتجهت إلى الدعاء ولكانت تلجأ إلى وسائل أخرى للاستغاثة والاستعانة.
وقد ذكر الله ﷾ طبيعة الإنسان هذه في عدة آيات، منها:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا
_________________
(١) أخرجه البخاري مع الفتح: ٣/ ٢٩ رقم ١١٤٥، ومسلم: ١/ ٥٢١ رقم ٧٥٨.
(٢) انظر الإشارة إلى هذا في: العقيدة في الله لعمر الأشقر ص: ٦٧.
[ ١ / ٣٦٨ ]
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فصلت: ٥١].
وقال ﷻ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].
فالإنسان في مثل هذه الشدائد ينسى تلك الأشياء التي كان يتعلق بها ويرجع إلى ربه فتحصل له معرفة قوية من أقوى ما يكون من المعارف، فإن المعارف التي تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي الذي ينزاح عن النفوس في مثل هذه الحال" (^١) وقد تقدم ما يتعلق بهذا (^٢).
_________________
(١) الفتاوى: ٨/ ١٩٤.
(٢) تقدم ص: ٢٤٦.
[ ١ / ٣٦٩ ]
دلالة العقل السليم على تأثير الدعاء:
فالعقل السليم يدل على تأثير الدعاء لأن العقل دل على وجود الله تعالى وأنه الفعال لما يريد وأنه لا معقب لحكمه.
فإذا سلم العقل هذا فلا يمتنع من أن الفاعل المختار يجعل الأشياء مرتبطة بأسبابها وعللها ويرتب مصالح العباد في دنياهم وأخراهم على الأسباب وينظم الكون بأجمعه ويربط بعضه ببعض على أسباب وعلل إذا وجدت وجدت مسبباتها ومعلولاتها فالعقل يسلم بهذا ولا ينكر بل يعترف.
ومن المعلوم أن الشرع لا يأتي بما يحيله العقل السليم الذي لم تدنسه لوثة الشبهات والشهوات وإن كان الشرع قد يأتي بما يحار فيه العقل ويعجز عن إدراكه مفصلا (^١).
وأن العقل البشري قاصر الإدراك لا يحيط حتى بالمحسوسات فكيف بالأمور المعنوية التي ليست تحت التجربة والمشاهدة.
ثم إن العقل يرى آثار الأدعية وإجابتها وما يحصل بالدعوات من كشف الكربات ونيل الرغبات ويرى ترتب ذلك كله على الدعاء ترتبًا متكررًا وواقعًا، فلا يرى لهذا عللًا غير الدعاء فلا بد أن يصدق ذلك.
دلالة الواقع التاريخي:
فقد استفاض في التاريخ وتواتر إجابة الله تعالى لنداء المضطرين وابتهالات المنكسرين، وتضرع المساكين واستغاثة المستغيثين، وتملق الخاشعين.
وقد ثبت على مدى التاريخ ما يفيد بالمجموع تواتر ذلك وإن لم يتواتر أفراد تلك الوقائع.
_________________
(١) انظر درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ٣٢٧، والفتاوي: ٣/ ٣٣٩، و٥/ ٢٩ - ٣٠، وشرح الطحاوية ص: ٣٩٠ - ٣٩١ وانظر ما سيأتي ص: ٦٨١.
[ ١ / ٣٧٠ ]
ولا مانع من إيراد بعض تلك الوقائع التاريخية على سبيل التمثيل لا الحصر وإليك ذلك:
أ - ما ذكر الله تعالى في القرآن الكريم من قصص أنبيائه ورسله مثل نداء، نوح، وإبراهيم وأيوب ويونس وغيرهم ﵈، وقد سبق ذكر ذلك ولله الحمد.
ب - ما ثبت في السنة الصحيحة من ذلك وإليك بعض الأمثلة:
١ - قصة (^١) أصحاب الغار الذين توسلوا بصالح أعمالهم بعد أن انطبقت عليهم الصخرة فأنقذهم الله فخرجوا سالمين.
٢ - قصة أويس القرني حيث روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم (^٢).
٣ - قصة (^٣) جريج الراهب الذي دعا الله تعالى وصلى لما اتهم فأنطق الله الغلام فبرأه.
جـ - ما حفظه التاريخ الموثق من إجابة الله تعالى للمستغيثين به، ولا نستطيع أن نذكر كل ما حصل من ذلك لأنه أمر يتجدد كل لحظة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩] ويكفي لمعرفة ما وقع من ذلك الاطلاع على الكتب المصنفة في الفرج بعد الشدة (^٤) وغيرها كالكتب التاريخية.
_________________
(١) أخرجها البخاري من حديث ابن عمر في عدة مواضع من صحيحه، انظر البخاري مع الفتح: ٤/ ٤٠٨ رقم ٢٢١٥، و٥/ ١٦ رقم ٢٣٣٣ و٦/ ٥٠٥ رقم ٣٤٦٥، ورقم ٥٩٧٤، وأخرجها مسلم: ٤/ ٢٠٩٩ رقم ٢٧٤٣.
(٢) أخرجه مسلم: ٤/ ١٩٦٨ رقم ٢٥٤٢
(٣) أخرجها البخاري: ٦/ ٤٧٦ رقم ٣٤٣٦، ومسلم: ٤/ ١٩٧٦ رقم ٢٥٥٠.
(٤) والكتب التي ألفت في الفرج بعد الشدة كثيرة منها: لابن أبي الدنيا، وللمدائني، وللأزدي، وللتنوخي. انظر مقدمة كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي: ١/ ٥٢.
[ ١ / ٣٧١ ]
ففي هذه الكتب وقائع كثيرة جدًّا فيها بيان أخبار الذين وقعوا في كرب وشدة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وانقطعت بهم الحيل فالتجأوا إلى الله تعالى بصدق وإخلاص فجاءهم الفرج بعد الشدة والسعة بعد الضيق والسرور والفرح بعد الغم والهم.
ولا يزال التاريخ إلى الآن يشهد بذلك فكم يقع يوميًا من ذلك ولا ينكر هذا إلا معاند مكابر.
وليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل
تجارب الأمم:
وقد دلت تجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته والالتجاء إليه والانطراح بين يديه والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل طاعته والتقرب إليه بأنواع الطاعات، والرغبة إليه والاستعانة به والإحسان إلى خلقه فهذا مجرب عند جميع الأمم على مدى التاريخ (^١)، وهو أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به، لأنهم جربوه (^٢).
ومن هنا كان اعتقاد تأثير الدعاء من الأصول المسلمة المقررة لدى مشركي العرب وغيرهم فلهذا أتى الدين الإسلامي بتقرير ذلك وتأكيده ولكنه نقحه وهذبه من الشوائب التي زادوها من الشرك فيه، وصرفه لمن لا يستحق.
قال الدهلوي ﵀ بعد أن ذكر الأصول المسلمة لدى المشركين: "ومنها … أن هنالك لأدعية الملائكة المقربين وأفاضل
_________________
(١) انظر الجواب الكافي ص: ١٦.
(٢) الوابل الصيب: ٥٧، وبدائع الفوائد: ٢/ ٢٤٢، واقتضاء الصراط: ٣٦٤.
[ ١ / ٣٧٢ ]
الآدميين تأثيرًا بوجه من الوجوه، لكن صار في أذهانهم متمثلًا بشفاعة ندماء الملوك إليهم" (^١).
ويدل على اعتقاد المشركين بتأثير الدعاء أدلة كثيرة، نكتفي منها بمثالين:
المثال الأول: قصة قريش مع رسول الله ﷺ في رميهم الأذى على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي عند الكعبة قال عبد الله بن مسعود ﵁: "فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم … ثم قال: "اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته"، وفي رواية للبخاري: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة" (^٢).
وهذا يدل على أن قريشًا تعتقد أن الدعاء مجاب في البلد الحرام، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويمكن أن يكون ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم ﵇ (^٣).
والمثال الثاني: قصة قتل خبيب بن عدي فإنه لما أرادوا قتله، صلى ركعتين ودعا عليهم: اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تبق أحدًا" فلما سمعوا دعاءه هذا ألقى أبو سفيان ابنه معاوية على الأرض، فَرَقًا من دعوة خبيب وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه، فاضطجع لجنبه زالت عنه (^٤).
_________________
(١) حجة الله البالغة: ١/ ١٢٥.
(٢) أخرجه البخاري مع القصة: ١/ ٣٤٩ رقم ٢٢٠، ومسلم: ٢/ ١٤١٨ رقم ١٧٩٤.
(٣) فتح الباري: ١/ ٣٥١.
(٤) أصل القصة في الصحيح انظر البخاري: ٧/ ٣٧٩، وأما إلقاء أبي سفيان معاوية فأخرجه ابن إسحاق في سيرته انظر سيرة ابن هشام: ٣/ ١٧٣، والفتح: ٧/ ٣٧٣.
[ ١ / ٣٧٣ ]
دلالة المشاهدة والحس:
إن المشاهدة لتأثير الدعاء لمن أكبر الأدلة وأصدقها برهانًا وأقواها حجة، فنحن رأينا وشاهدنا في أنفسنا ومن حولنا تأثير الدعاء، فمن منا لا يقع في شدة وكرب وضيق ثم يستغيث بربه فلا يرى أثر ذلك؟ فنحن نشاهد في حياتنا وأيامنا القصيرة وقائع لنا ولغيرنا يحصل فيها إجابة الدعاء بعد يأس وقنوط من المخلوقات، وبعد انقطاع السبل والحيل، فهذا يكفي وحده للدلالة لكن الإنسان يجادل، ويكابر قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ الكهف: ٥٤] ولا يعترف ولا يعتبر بما وقع له أو لغيره بل يحاول أن يتناسى ذلك، ولا يأخذ منه أي عبرة ودرس، ويصل به الأمر إلى إنكار مشاهداته وإحساساته لاسيما إذا تأثر بلوثة الشبهات والأفكار المنحرفة .. فنسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل.
وبهذا نصل إلى أن الحق الذي لا مرية فيه أن الدعاء سبب من الأسباب وأن له تأثيرًا في جلب المنافع ودفع المضار كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وأنه لا منافاة بين القدر والدعاء، فالدعاء من جملة ما سبق به القضاء وتضمنه القدر السابق.
الجواب عن الاعتراض بأن الدعاء قد أثر في الله تعالى:
فإذا ثبت - ولله الحمد - بالأدلة الصحيحة أن الدعاء له أثر عظيم في المطلوب من جلب نفع ودفع ضر.
فلا يتوهمن (^١) متوهم أن ذلك تأثير من العبد السائل في الله المسؤول، تعالى عن ذلك وتقدس.
وذلك لأن الله سبحانه هو الذي حرك العبد إلى الدعاء ويسره له وهو
_________________
(١) انظر في هذا اقتضاء الصراط: ٣٥٩ والفتاوى: ١٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣، وشرح الطحاوية: ٤٦١، والجواب الكافي: ١٥: والتمهيد ٥/ ٣٤٦، والفتح: ١١/ ٩٨، والرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧.
[ ١ / ٣٧٤ ]
الذي قذف في قلب العبد الحركة إلى الدعاء وألهمه التضرع والابتهال والانطراح بين يديه ووفقه لذلك وصرف عنه الموانع من استكبار وإلحاد وكسل وغير ذلك، فهذا الخير والتوفيق منه ولولا هذا الإلهام لما دعا العبد، وقد قال عمر ﵁: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه".
وأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه فقال:
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه … من جود كفيك ما علمتني الطلبا
فإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له.
كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة، والمشيئة الإلهية هي التي اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعلم، فعلم بهذا أن إلهام الله لعبده الدعاء هو السبب الرئيسي في القضية فلهذا قال عمر ﵁ ما تقدم، وقال أبو حازم الأعرج: "لأن أحرم الدعاء أشد علي من أن أحرم الإجابة" (^١).
فمبدأ الأمور من الله وتمامها من الله تعالى قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة ٥]، فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير الأمر ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره ..
وقد قال مطرف بن عبد الله بن الشخير أحد أئمة التابعين: نظرت في
_________________
(١) الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧، ونحوه في: ٢/ ٥٣٤.
[ ١ / ٣٧٥ ]
هذا الأمر فوجدت مبدأه من الله وتمامه على الله ووجدت ملاك ذلك الدعاء (^١).
ومما يدل على هذا حديث ابن عمر مرفوعًا: "من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة" (^٢).
وهذا الذي تقدم مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
ولكنه يناقض قول القدرية: "فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يُحْدِث ويخلق أفعاله بدون مشيئة الله، وخلقه لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلًا لما لم يكن فاعلًا له فبدعائه جعله مجيبًا له وبتوبته جعله قابلًا للتوبة" (^٣).
وهؤلاء القدرية فروا من القول بالقدر ظنًا منهم بأنه يستلزم الظلم للعبد، ولكنهم وقعوا في هذا اللازم الذي في غاية الشناعة وهكذا كل من يترك الكتاب والسنة لما يتخيله بعقله القاصر فإنه لا بد أن يقع في محذور شر من المحذور الذي فر منه أو مثله، فمن ذلك المعطلة الذين فروا من إثبات صفات الله تعالى فرارًا من التشبيه بالمخلوق فوقعوا في التشبيه بالمعدوم فوقعوا في شر مما فروا منه قال شيخ الإسلام ﵀: وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره بل وفي شر منه مع ما يلزمهم من التحريف والتعطيل (^٤).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد رقم ١٢٥٧، وأبو نعيم في الحلية: ٢/ ٢٠٨.
(٢) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٥٢ رقم ٣٥٤٨، والحاكم: ١/ ١٤٩٠، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: المليكي ضعيف وقال الحافظ في إسناده لين، الفتح: ١١/ ١٤١.
(٣) الفتاوى: ١٤/ ٣٨٣.
(٤) التدمرية ص: ٧.
[ ١ / ٣٧٦ ]
والذي يعصم من مثل هذه المحاذير هو الاعتصام بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح في فهمهما ونسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاتباع ويجنبنا الابتداع.
[ ١ / ٣٧٧ ]
الفصل الثالث في حكم الدعاء الشرعي
يشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في أقوال العلماء في حكم الدعاء.
المبحث الثاني: في كون الراجح جريان الأحكام الخمسة فيه.
[ ١ / ٣٧٩ ]
المبحث الأول في أقوال العلماء في حكم الدعاء
أقوال العلماء في حكم الدعاء:
اختلف العلماء في حكم الدعاء فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالاستحباب، ومن قائل غير ذلك .. وإليك تفصيل ذلك:
١ - قال بعضهم: إن الدعاء واجب، بل هو من أهم الواجبات، وأعظم المفروضات (^١). ويدل لهذا القول عدة أدلة نذكر منها ما يأتي:
أ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وجه الدلالة:
١ - الأمر في قوله: ﴿ادْعُونِي﴾ والأمر للوجوب، ولا صارف له (^٢).
٢ - الآية تدل على أن ترك العبد دعاء ربه من الاستكبار وهو كفر، وتجنب ذلك واجب لا شك فيه (^٣).
_________________
(١) تحفة الذاكرين ص: ٢٨، والأزهية ص: ٣٣، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٠.
(٢) النبذة الشريفة لابن مُعَمَّر ضمن المسائل النجدية: ٤/ ٥٩٥.
(٣) تحفة الذاكرين ص: ٢٨.
[ ١ / ٣٨١ ]
ب - قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ولا صارف لهذا الأمر عن الوجوب.
جـ - قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] ولا صارف له أيضًا.
د - قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] "وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، فالاستغاثة بالله واللجأ إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم".
هـ - قوله ﷺ: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (^١).
وهذا دليل واضح على الوجوب لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه (^٢). وذلك لأن الغضب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم (^٣).
وقد ذهب إلى الوجوب الشوكاني (^٤) ونسبه الزركشي (^٥) إلى بعض الأئمة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٥٦ رقم ٣٣٧٣، وابن ماجه ٢/ ١٢٥٨ رقم ٣٨٢٧، وأحمد: ٢/ ٤٤٢، ٤٤٣، والبخاري في الأدب المفرد رقم ٦٥٨، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٦ رقم ٢٣، وفي الأوسط: ٣/ ٢١٦ رقم ٢٤٥٢، والحاكم: ١/ ٤٩١، كلهم من طريق أبي المليح صبيح عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة به، قال الحافظ في الفتح: ١١/ ٩٥ "وهذا الخوزي مختلف فيه ضعفه ابن معين وقواه أبو زرعة"، وقال ابن كثير في التفسير: ٤/ ٨٥ "تفرد به أحمد وهذا إسناد لا بأس به" وقد وَهَّم ابنُ حجر ابن كثير في قوله بتفرد أحمد بالحديث في الفتح: ١١/ ٩٥، وقد حسن الحديث الألباني في الضعيفة: ٢٩، وفي صحيح ابن ماجه: ٢/ ٣٢٤ رقم ٣٠٨٥.
(٢) تحفة الذاكرين: ٢٨.
(٣) جلاء الأفهام: ٢١٣.
(٤) تحفة الذاكرين: ٢٨.
(٥) الأزهية: ٣٣، وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٣٠. ٣٨٢
[ ١ / ٣٨٢ ]
وقد صرح الخطابي بالوجوب إلا أن كلامه يحتمل أنه يريد بالوجوب التأكد والاستحباب لوقوعه في مقابل القائلين بعدم نفع الدعاء (^١).
وذكر ابن القيم أن من الدعاء ما هو واجب (^٢)، وهذا هو الصحيح كما سيأتي.
٢ - وقال آخرون: إن الدعاء مستحب، وقد نسب الإمام النووي هذا المذهب إلى الجمهور فقال: "اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف، أن الدعاء مستحب) (^٣)، ويدل لهذا المذهب الأدلة التي سبق الاستدلال بها في المذهب الأول نظرًا لاشتراك المذهبين في كون الدعاء مشروعًا إلا أن هذا المذهب يحمل تلك الأدلة على الاستحباب كما سيأتي في مناقشة أدلة الوجوب.
وهذا المذهب هو الأقرب إلى الصواب.
٣ - وقالت طائفة: إن الأولى ترك الدعاء والخمود تحت جريان الحكم، والرضا بما سبق به القدر (^٤)، فحكم الدعاء عند هؤلاء أنه خلاف الأولى.
٤ - وقالت طائفة (^٥): يكون صاحب دعاء بلسانه ورضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعًا.
_________________
(١) شأن الدعاء: ٧، ٨.
(٢) جلاء الأفهام: ٢١٣.
(٣) الأذكار: ٣٥٣، وشرح مسلم للنووي: ١٧/ ٣٠.
(٤) الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧، والأذكار: ٣٥٣، وشرح مسلم: ١٧/ ٣٠، والأزهية ٤٥، وفتح الباري: ١١/ ٩٥، وإتحاف السادة: ٥/ ١١٧، وفيض القدير: ١/ ٢٢٨، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ١٩٦، وشرح الزرقاني: ٢/ ٣٢، والآداب الشرعية: ٢/ ٢٨٩.
(٥) انظر عن المذهب الرابع والخامس الكتب التالية: الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨، والأذكار: ٣٥٣، وشرح مسلم: ١٧/ ٣٠، وفتح الباري: ١١/ ٩٥، والأزهية: ٤٧، وشرح الإحياء: ٥/ ١١٧، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ١٩٦، وشرح الزرقاني: ٢/ ٣٢، والآداب الشرعية: ٢/ ٢٨٩.
[ ١ / ٣٨٣ ]
٥ - وآخرون ذهبوا إلى أن الدعاء تارة يكون أفضل وتارة يكون السكوت أفضل وذلك يختلف بحسب الأوقات، والأحوال، وهؤلاء اختلفوا على أقوال:
١ - قيل: ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو لله ﷾ فيه حق، فالدعاء أولى، وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم.
٢ - وقيل: إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أفضل، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم.
وذهب إلى اختيار القول بالإشارة القشيري، واعترض الحافظ عليه بأنه لا يتأتى من كل أحد (^١).
٣ - وقيل لا يدعو إلا بطاعة ينالها أو خوف سخط، فإن دعا بسوى ذلك فقد خرج عن حد الرضا (^٢) أي لا يدعو بما يتعلق بأمور الدنيا.
هذه الأقوال الأربعة الأخيرة، ذهب إليها المتصوفة، وقد استدلوا لما ذهبوا إليه بحجج نذكرها ثم نناقشها بما يسره الله تعالى.
ومن حجتهم حديث ابن عباس ﵄ في المرأة التي كانت تصرع حيث قال لها النبي ﷺ: "إن شئتِ صبرت ولك الجنةُ، وإن شئتِ دعوتُ اللَّهَ أن يعافيَكِ، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكَشَّف فادعُ الله أن لا أَتكشَّفَ، فدعا لها" (^٣).
وحديث جابر ﵁ في شكاية أهل قباء الحمى إلى النبي ﷺ وقوله لهم: "ما شئتم، إن شئتم أن أدعو الله لكم فيكشفها عنكم وإن شئتم أن تكون لكم طهورًا؟، قالوا: يا رسول الله أوَ تفعل؟، قال: نعم، قالوا: فدعها" (^٤).
_________________
(١) الفتح: ١١/ ٩٥.
(٢) الأزهية ص: ٤٧، وإتحاف السادة: ٥/ ١١٧.
(٣) أخرجه البخاري: ١٠/ ١١٤ رقم ٥٦٥٢، ومسلم: ٤/ ١٩٩٤ رقم ٢٥٧٦، وأحمد: ١/ ٣٤٧.
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٣١٦، وأبو يعلى: ٣/ ٤٠٨ رقم ١٨٩٢، و٤/ ٢٠٨ رقم =
[ ١ / ٣٨٤ ]
وحديث: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين" (^١).
_________________
(١) = ٢٣١٩، والحاكم: ١/ ٧٣، وصححه ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح: ٢/ ٣٠٦، وله شاهد من حديث أم طارق، المسند: ٦/ ٣٧٨. وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات "المجمع: ٢/ ٣٠٦".
(٢) قد روي هذا الحديث عن عُمر بن الخطاب وجابر وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وعمرو بن مرة مرسلًا ومالك بن الحويرث موقوفًا. أما حديث عمر فأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ص: ١٠٥ عن شيخه ضرار بن صرد وهو مختلف فيه حيث كذبه ابن معين، وقال الحافظ فيه في التقريب صدوق له أوهام وخطأ، ورمي بالتشيع. ولكنه لم يتفرد فقد تابعه يحيى بن عبد الحميد وهو الحماني وهو متكلم فيه أيضًا وقد أخرج هذه المتابعة القضاعي في مسند الشهاب: ٢/ ٣٢٦ رقم ٨٨٩، كلاهما - أعني ضرار بن صرد والحماني عن صفوان بن الصهباء عن بكير بن عتيق عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده مرفوعًا. وصفوان هذا قال فيه الحافظ: مقبول، واختلف فيه قول ابن حبان. فمثل هذا الحديث يصلح في الشواهد. وأما حديث جابر فقد أخرجه القضاعي في مسنده: ١/ ٣٤٠ رقم ٣٧٨ من طريق الضحاك بن حمرة عن أبي الزبير عنه، والضحاك قال فيه الحافظ: ضعيف "التقريب: ٢٩٦٦". وأما حديث حذيفة فأخرجه أبو نعيم في الحلية: ٧/ ٣١٣. من طريق أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد عن سفيان بن عيينة عن منصور عن ربعي عن حذيفة به، وعبد الرحمن بن واقد قال فيه ابن عدي: حدث بالمناكير عن الثقات وسرق الحديث "الكامل: ٤/ ١٦٢٦"، وقال الحافظ صدوق يغلط "التقريب رقم ٤٠٣٦". وقال الألباني: وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين، فالإسناد حسن عندي لولا ما يخشى من سرقة عبد الرحمن بن واقد أو غلطه"، الضعيفة: ٤/ ٥٠٩. ويمكن أن يقال: إن عبد الرحمن بن واقد لم ينفرد به عن ابن عيينة فإن الحسين بن الحسن المروزي روى أنه سأل ابن عيينة عن معنى الحديث فأجابه بما تقدم في ص: ٧٥ وقد أخرج هذه الرواية الخطابي في شأن الدعاء ص: ٢٠٧، وابن عبد البر في التمهيد: ٦/ ٤٤، والحسين المروزي صدوق كما في التقريب رقم ١٣١٥. =
[ ١ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه الترمذي: ٥/ ١٨٤ رقم ٢٩٢٦، والدارمي في مسنده: ٢/ ٣١٧ رقم ١٣٥٩، وعبد الله أحمد في السنة: ١/ ١٤٩ رقم ١٢٨، وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية ص: ١٣٥ رقم ٢٨٥ و٣٣٩، وابن حبان في المجروحين من طريق أبي يعلى: ٢/ ٢٧٧، والعقيلي في الضعفاء: ٤/ ٤٩، والبيهقي في الاعتقاد ص: ١٠١ - ١٠٢، والخلال في السنة ق ١٨٠/ أ، وابن بطة في الإبانة ق ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨. كلهم من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري به. وقال العقيلي: ولا يتابع عليه يعني محمد بن الحسن الهمداني وقد كذبه بعضهم، وقال الحافظ: ضعيف كما في التقريب رقم ٥٨٢٠، وقال الذهبي: حَسَّن الترمذي حديثه فلم يُحْسِن: ٣/ ٥١٥. وفي الإسناد أيضًا عطية العوفي وهو متكلم فيه أيضًا وبه أعله الحافظ في الفتح: ٩/ ٦٦ فقال: "ورجاله ثقات إلا عطية العوفي ففيه ضعف" واستدرك عليه المباركفوري بمحمد بن الحسن الهمداني في تحفة الأحوذي: ٨/ ٢٨٥. وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الطبراني كما في الفتح: ١١/ ١٣٤ وقد حكم الحافظ على إسناده بأنه لين. وأما مرسل عمرو بن مرة فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٠/ ٢٣٧ رقم ٩٣٢٢، وأما الموقوف على مالك بن الحويرث فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٠/ ٢٣٧ رقم ٩٣٢٠، وفيه ابن الحارث وعزاه في اللآلي: ٢/ ٣٤٣ إلى مصنف عبد الرزاق وابن أبي الدنيا. والحاصل أنه يمكن أن يتقوى الحديث بمجموع هذه الطرق الخمسة: طريق أبي سعيد، وابن عمر وحذيفة وجابر وعمر بن الخطاب، مع مرسل عمرو بن مرة وأثر مالك بن الحويرث. وقد قال الحافظ في حديث ابن عمر: إن إسناده لين كما تقدم. ونقل عنه السيوطي في اللآلي: ٢/ ٣٤٢، أنه قال في حديث عمر: هذا حديث حسن. وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات فلم يصب: ٣/ ١٦٥. ومن هنا يظهر أن الحديث حسن إن شاء الله تعالى بمجموع هذه الطرق لأن الضعف في أغلبها ليس شديدًا كما رأيت والله أعلم. ويؤيد صحة الحديث كثرة استدلال السلف بهذا الحديث والسؤال عن معناه بدون نكير بينهم، ويدل على ذلك قول الحسين المروزي: "ما تركت كبير أحد بالعراق إلا سألت عنه"، انظر ما تقدم في ص: ٧٥ الهامش.
[ ١ / ٣٨٦ ]
مناقشة هذه الأقوال:
مناقشة أدلة الوجوب:
أ - يجاب عن استدلالهم بالآية الأولى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بأمور:
١ - المراد بالدعاء هنا العبادة كما يدل عليه آخر الآية ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ وليس المراد بها دعاء المسألة ويدل على ذلك أيضًا أنه لو كانت الآية في دعاء المسألة لم تتخلف الإجابة كما يدل عليه صيغة الشرط والجزاء وهذا يخالف الواقع ويخالف قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١].
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الآية تشمل النوعين: المسألة والعبادة، وأن الإجابة مشروطة بوجود شروط وفقدان موانع فلا يرد الاعتراض، وقد تقدم بحث ذلك (^١).
وأجابوا عن آخر الآية بأن الوعيد خاص بمن ترك الدعاء للاستكبار وأما من تركه ولم يقصد الاستكبار فهذا لا تشمله الآية (^٢).
وشذت طائفة فقالت: المراد بالدعاء في الآية: ترك الذنوب (^٣).
والحاصل أن الآية ليست نصًا في الوجوب لاحتمال حملها على معنى العبادة كما يدل عليه آخر الآية.
ويمكن الإجابة عن الأمر في الآية الثانية والثالثة والرابعة بأن المقصود هو إخلاص الطلب لله تعالى وأن لا يصرف لغيره وأما أصل نفس الطلب فليس داخلًا فيها.
_________________
(١) تقدم ص: ٢٢٥.
(٢) الفتح: ١١/ ٩٥.
(٣) نقل ذلك الطبري عن سفيان قيل له: ادع الله، قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء، الطبري: ٤/ ٧٩.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وأما الحديث فيجاب بما فيه من الكلام.
ثم يجاب أخيرًا بأنه لم يعهد من السلف من قال بوجوب الدعاء المطلق، فقد حكى شيخ الإسلام أن الدعاء لم يجب منه دعاء مفرد أصلًا إلا أنه وجب ضمن الذكر والثناء مثل دعاء الفاتحة، وما اختلف فيه من الدعاء بعد التشهد، وأما الدعاء المفرد فلم يجب (^١).
مناقشة شبه المذاهب الأخيرة:
هذه المذاهب (^٢) الثلاثة الأخيرة قد ذهب إليها أكثر المتصوفة وظنوا أن الدعاء يتنافى مع الرضا بالقضاء، ولا يمكن الجمع بينهما كما ظنوا أن في الدعاء معارضة لحكم الله وقضائه، ومعاندة له، وأنه ينافي التوكل.
ومن هنا ذهبوا إلى أن الأولى: السكوت عن الدعاء والتسليم للمقدور وتفويض الأمر إلى الله تعالى، وظنوا أن هذا هو الرضا المطلوب شرعًا، وبلغ بهم الأمر إلى ما نقل عن بعضهم أنه قال:
"الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار" (^٣).
وروي عن آخر أنه قال: "الرضا أنه لو جعل الله جهنم عن يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره" (^٤).
وقال بعضهم: "التوكل على الله تعالى بكمال الحقيقة ما وقع لإبراهيم ﵇ في الوقت الذي قال لجبريل ﵇: أما إليك فلا، لأنه غابت نفسه بالله تعالى فلم ير مع الله غير الله ﷿" (^٥).
_________________
(١) الفتاوى: ٢٢/ ٣٨١.
(٢) انظر مدارج السالكين: ٢/ ٢٣٨، ٤٤، ٤٦، والفتح: ١١/ ٩٥.
(٣) الرسالة القشيرية ونسبه إلى أبي سليمان الداراني: ١/ ٤٥٢، والفتاوى: ١٠/ ٦٧٨.
(٤) الرسالة القشيرية ونسبه إلى رويم: ١/ ٤٢٤.
(٥) المرجع نفسه: ١/ ٤٢٠.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وهذا يشير إلى أنهم اعتمدوا في مذهبهم على ما روي عن إبراهيم الخليل ﵇ من قوله: علمه بحالي يغني عن سؤالي وقد تقدم ما فيه.
واستنبط لهم ابن أبي جمرة (^١) دليلًا آخر وهو أن النبي ﷺ أخَّر الدعاء للاستسقاء حتى طلبوه منه، وإنما أخَّر ذلك لأن مقام التفويض أفضل (^٢).
وقد رد الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - على هذا الكلام بقوله: "في هذا نظر، والصواب أن الأخذ بالأسباب والبدار بالدعاء، والاستغاثة عند الحاجة أولى وأفضل، وسيرته ﷺ وسيرة أصحابه ﵃ تدل على ذلك، ولعله إنما أخر الدعاء لأسباب اقتضت ذلك غير التفويض، فلما سأله هذا السائل بادر بإجابته، وذلك عن إذن الله سبحانه وتشريعه، لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والله أعلم" (^٣).
ويمكن أن يجاب عن حديث المرأة التي تصرع وحديث الأنصار في أمرهم بالصبر بأنه رأى منهم الجزع وقلة الصبر فأمرهم بذلك أو أنه أوحي إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت وأخر الدعاء، قاله الزركشي وتبعه الزبيدي (^٤).
ويدل قوله في حديث المرأة: "إن شئت صبرت ولك الجنة" على أن الابتلاء أفضل لها لما يترتب عليه من دخول الجنة فلهذا دعا لها في قضية التكشف مما يدل على أن الدعاء أفضل إذا لم يعارضه ما هو أولى.
_________________
(١) هو عبد الله بن أبي جمرة وصفه ابن حجر بالإمام القدوة الذي شرح البخاري، (ت ٦٩٩ هـ) وهو صوفي كما يظهر من كلامه، انظر الدرر الكامنة: ٢/ ٢٥٤، ومعجم المؤلفين: ٦/ ٤٠.
(٢) نقله عن ابن أبي جمرة في الفتح: ٢/ ٥٠٧، ولم يعترض عليه.
(٣) تعليق الشيخ ابن باز على هامش فتح الباري: ٢/ ٥٠٧.
(٤) الأزهية: ٤٩ - ٥٠، وإتحاف السادة: ٥/ ١١٨.
[ ١ / ٣٨٩ ]
ثم إنه يلزم من كلامهم عدة محذورات، منها:
١ - ترك الدعاء الذي أمرنا الشارع به وهو عبادة من أعلى أنواع العبادات، وقد أرشدنا الله تعالى إلى دعائه ولم يقيده بشيء فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، فليس في هذا تقييد بأن لا يكون من حظ النفس.
والقول بالإشارة القلبية لا يمكن أن يذهب إليه لأنه يحتمل أن تكون لَمَّةً شيطانية فربما يوسوس له الشيطان فيترك طلب ما يكون الأولى له طلبه من المصالح الدنيوية والأخروية.
ثم يفوت العبد بهذه الوساوس الاستعانة بالله والتضرع إليه واللجأ إليه والتملق له إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها الدعاء، ثم إن الإشارة القلبية لا تتأتى من كل أحد (^١).
ثم هو معارض بما ثبت وتواتر من دعائه ﷺ بكشف البلايا كالاستسقاء ونحوه، ويمكن أن يقال أيضًا: إن ذلك خاص بالحمى لأن فيها كفارة كما ورد في أحاديث أخرى، وكذلك خاص بتلك المرأة لما ذكر لها من الأجر وليس ذلك أمرًا عامًا والله أعلم. وأما حديث من شغله ذكري فيحمل على اختلاف الأحوال والأشخاص كما تقدم (^٢) ولا يمكن الاستدلال به على أفضلية السكوت مطلقًا.
أصل شبهتهم:
قد التبست عليهم هذه الشبهة ودخل عليهم إبليس بسببها من جهتين:
إحداهما: ظنهم أن الرضا بكل ما يوجد في الكون أمر يحبه الله ويرضاه وأن هذا من أعظم ما يوصل إلى الله تعالى ومرضاته، فجعلوا
_________________
(١) الفتح: ١١/ ٩٥.
(٢) ص: ١٤٢.
[ ١ / ٣٩٠ ]
الرضا بكل حادث وبكل حال يكون فيها العبد طريقًا إلى الله تعالى.
وثانيتهما: أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع المأمور به إيجابًا أو استحبابًا مثل دعاء الفاتحة والذي في آخر الصلاة، وبين الدعاء غير المشروع كالذي فيه الاعتداء.
وهاتان الجهتان غير صحيحتين لأن الطريق الموصل إلى رضا الله تعالى هو أن ترضيه بفعل ما يحبه ويرضاه من الأعمال الصالحة وليس بالرضا بكل ما يحدث، فإن الله لم يأمر بهذا، ولا رضيه، بل الله سبحانه يكره ويسخط ويبغض على أعيان أفعال موجودة لا يحصيها إلا هو، وولاية الله موافقته بحب ما يحبه وبغض ما يبغضه، وولاية من يواليه وعداوة من يعاديه لا بحب ما يكرهه ويسخطه.
هذا بالنسبة إلى الجهة الأولى ..
ثم إن الرضا الذي هو من طريق الله لا يمكن أن يتضمن ترك واجب أو مستحب فالدعاء الواجب أو المستحب لا يكون تركه من الرضا كسائر الأعمال الصالحات.
فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم أن الرضا مشروع بكل مقدور، ومن جهة أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع وغير المشروع (^١).
ثم يقال ثانيًا: "هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومَقْضِيٌّ، وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، نرضى به كله، والمقضي قسمان، منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به" (^٢).
ثم إن هؤلاء لم يعرفوا أن الدعاء والتوكل والتداوي من الأسباب
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٧١١ - ٧١٤، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦، وشرح الطحاوية ص: ٢٢٧.
(٢) شرح الطحاوية ص: ٢٢٧، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٠٩.
[ ١ / ٣٩١ ]
التي شرعها الله تعالى لا يخرج الأخذ بها من الرضا بقضاء الله تعالى، كما أن من عرض له كلب الجوع لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضا بالقضاء، لأن الله تعالى جعل أسبابًا لدفع الأدواء كما جعل الأكل سببًا لدفع الجوع، وقد كان قادرًا أن يحيي خلقه بغير هذا ولكنه خلقهم ذوي حاجة فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببًا لدفعه عنهم (^١) فكذا الداء العارض والبلاء النازل قد لا يندفعان إلا بالدواء والدعاء.
فتحصل من هذا أن الدعاء والإلحاح على الله في الطلب لا يتنافى مع الرضا ولا مع التوكل، وإنما الذي ينافي الرضا ما لو ألح على الله "متحكمًا عليه متخيرًا عليه ما لم يعلم هل يرضاه أم لا كما يلح على ربه في ولاية شخص أو إغنائه، أو قضاء حاجته، فهذا ينافي الرضا لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك" (^٢).
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٢) مدارج السالكين: ٢/ ٢٣٨.
[ ١ / ٣٩٢ ]
المبحث الثاني في كون الراجح جريان الأحكام الخمسة فيه
الراجح أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة: فتارة يجب، وتارة يستحب، وتارة يباح، وتارة يكره، وتارة يحرم.
فتختلف فيه الأحكام بحسب الاعتبارات. وأما الأصل فيه بدون الاعتبارات الندب والاستحباب كما حكى ذلك النووي عن السلف فيما تقدم، وكما ذكر شيخ الإسلام أنه لم يجب دعاء مفرد أصلًا.
وقال القرافي (^١): "اعلم أن الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى له حكم باعتبار ذاته من حيث هو طلب من الله تعالى، وهو الندب، لاشتمال ذاته على خضوع العبد لربه، وإظهار ذلته وافتقاره إلى مولاه، فهذا ونحوه مأمور به، وقد يعرض له متعلقاته ما يوجبه، أو يحرمه، والتحريم ينتهي إلى الكفر، وقد لا ينتهي" (^٢).
وهذا التفصيل الذي ذكره القرافي هو الذي تدل عليه الأدلة ويجتمع به شملها ويدل على هذا أيضًا قول شيخ الإسلام: "وأما الدعاء فلم يجب منه دعاء مفرد أصلًا"، ثم ذكر دعاء الفاتحة والاستعاذة في التشهد (^٣).
_________________
(١) هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجي الأصل أبو العباس فقيه أصولي (ت ٦٨٤ هـ)، معجم المؤلفين: ١/ ١٥٨.
(٢) الفروق للقرافي: ٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
(٣) الفتاوى: ٢٢/ ٣٨١.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقال أيضًا: "والقاعدة الكلية في شرعنا: أن الدعاء إن كان واجبًا أو مستحبًا فهو حسن يثاب عليه الداعي، وإن كان محرمًا كالعدوان في الدعاء فهو ذنب ومعصية، وإن كان مكروهًا فهو ينتقص مرتبة صاحبه، وإن كان مباحًا مستوي الطرفين فلا له ولا عليه" (^١).
فاتضح من هذا أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة: وإليك تفصيل ذلك:
الدعاء الواجب:
الدعاء الواجب ينقسم إلى قسمين: واجب باتفاق، وواجب مختلف فيه.
فمن الواجب المتفق عليه: دعاء الفاتحة، والتوبة، والاستغفار.
ومن الواجب المختلف فيه: الدعاء الذي في آخر التشهد، ودعاء دخول المسجد والصلاة على النبي ﷺ.
وإليك نبذة في الكلام على هذه الأمور، فنبدأ أولًا بدعاء الفاتحة.
الأول: دعاء الفاتحة:
اتفق العلماء من حيث الجملة - وإن اختلفوا في بعض الصور كالمأموم - على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فهي أعظم سورة في القرآن الكريم كما ثبت ذلك في الحديث (^٢) الصحيح، وقد أوجب الله علينا قراءتها في كل ركعة، وكل مسلم يجب عليه أن يكررها في اليوم والليلة سبع عشرة مرة، هذا في الصلاة المفروضة عدا النوافل والسنن، وأما مع
_________________
(١) الاحتجاج بالقدر ص: ٦٠ - ٦١، وانظر الفتاوى: ١٠/ ٢٧٩.
(٢) فقد روى البخاري عن أبي سعيد المعلي أن النبي ﷺ قال له: "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"، ثم قال له: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته"، الصحيح: ٨/ ١٥٦ رقم (٤٤٧٤).
[ ١ / ٣٩٤ ]
النوافل الرواتب وغيرها فأكثر من ذلك بكثير، وما شرع ذلك إلَّا لحكمة جليلة وسر عظيم، وقد علم أن الصلاة أفضل ما يتقرب به العبد في الجملة: "وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح، أفضل كلمها الطيب القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود" (^١).
والقرآن الذي تجب قراءته على المصلي هو الفاتحة، قال ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتفق عليه: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (^٢).
وقال ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (^٣).
فقد أطلق في هذا الحديث لفظ الصلاة على القراءة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] "أي بقراءتك كما جاء مصرحًا به في الصحيح عن ابن عباس (^٤).
وهكذا قال في هذا الحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل".
_________________
(١) الفتاوى: ١٤/ ٥، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٦٢.
(٢) البخاري: ٢/ ٢٣٧ رقم ٧٥٦، ومسلم: ١/ ٢٩٥ رقم ٣٩٤.
(٣) رواه مسلم: الصلاة ١/ ٢٩٦ رقم ٣٩٥.
(٤) رواه البخاري في تفسير سورة الإسراء: ٨/ ٤٠٤ رقم ٤٧٢٢.
[ ١ / ٣٩٥ ]
ثم بيّن تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة القراءة في الصلاة وأنها من أكبر أركانها إذ أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] والمراد صلاة الفجر كما جاء مصرحًا به في الصحيحين: "إنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (^١) " (^٢).
وهذا كله يدل على فضل هذه السورة وفضل ما اشتملت عليه من الدعاء العظيم، وقد ثبت كما في الحديث السابق أن هذه السورة منقسمة بين الله وبين عبده وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة فإياك نعبد مع ما قبلها لله، وإياك نستعين مع ما بعدها للعبد وله ما سأل.
ولهذا قال من قال من السلف: نصفها ثناء، ونصفها مسألة، وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء، وهما نوعا الدعاء وهما جميعًا مختصان بالله حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك.
وإذا كان الله قد فرض علينا أن نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه، إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف، ودعاء، وسؤال، هو إيجاب لمعناه، ليس إيجابًا لمجرد لفظ لا معنى له، فإن هذا لا يجوز أن يقع، بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب مجرد العبادة والاستعانة، فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب، أو القلب والبدن، بل أوجب الله دعاءه، ومناجاته، وتكليمه، ومخاطبته بذلك، ليكون الواجب من ذلك كاملًا صورة ومعنى بالقلب وبسائر الجسد (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٢/ ١٣٧ رقم ٦٤٨، ومسلم: ١/ ٤٥٠ رقم ٦٤٩.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١١.
(٣) الفتاوى: ١٤/ ٨، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل لله ص: ١٦٥، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧.
[ ١ / ٣٩٦ ]
مدى ضرورة الإنسان إلى هذا الدعاء (^١):
الإنسان مضطر دائمًا إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، لأنه يحتاج كل وقت وفي كل لحظة، أن يفعل ما أمره الله به في ذلك الوقت، من علم وعمل، وأن لا يفعل ما نهى عنه، ويحتاج أيضًا إلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة جازمة لترك المحظور، فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله الله مريدًا للعمل بعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديًا، ويحتاج أيضًا إلى أن يجعله الله قادرًا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة والقدرة على ذلك لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك الوقت إلى الصراط المستقيم، وأن يجعله قادرًا على ذلك، ويدخل في هذا من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه، نعم حصل له هدى مجمل بدخوله في دين الإسلام، ولكن هذا المجمل لا يغنيه إن لم يحصل له هدى مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول الخلق، ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم، وإنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الناس المأمورين بهذا الدعاء ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم، فإن
_________________
(١) يراجع في هذا إلى الكتب التالية: جامع الرسائل: ١/ ٩٩ - ١٠٠، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٩٣ - ١٩٥، والفتاوى: ١٤/ ٣٧، ٣٢٠ - ٣٢٢ و١٠/ ١٠٨ - ١٠٩، ومدارج السالكين: ١/ ٩ - ١٠، وإغاثة اللهفان: ١/ ٢٠، ومفتاح السعادة: ١/ ١٠٧، ورسالة الصلاة: ١٤٤ - ١٤٥، وبدائع الفوائد: ٢/ ٣٨، ورتب فيه ابن القيم هذه الأمور التي يحتاج إليها الإنسان إلى سبعة أمور وهي مذكورة هنا بدون تفصيل:
(٢) معرفة كونه محبوبًا للرب، ٢ - أن يحصل له عزم عليه، ٣ - أن يقوم به فعلًا وتركًا، هذه الثلاثة أصول الهداية، وثلاثة أخرى من تمامها:
(٣) الحاجة إلى تفصيلها، ٢ - أن يهتدي إلى جميع الوجوه، لا إلى وجه واحد، ٣ - الدوام والاستمرار. وذكر أمرًا سابعًا وهو التوبة مما مضى.
[ ١ / ٣٩٧ ]
الإنسان خلق ظلومًا جهولًا، فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائمًا إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدلٍ في محبته وبغضه ورضاه، وغضبه، وفعله، وتركه، وإعطائه، ومنعه، وأكله، وشربه، ونومه، ويقظته.
فكل ما يقوله وما يعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم يمن الله عليه العلم المفصل والعدل المفصل، وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم.
وقد قال تعالى لنبيه ﷺ بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢]، فإذا كان هذا حاله في آخر حياته، أو قريبًا منها، فكيف حال غيره؟.
وقال في حق موسى وهرون: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٧، ١١٨].
والمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الأمور الخبرية العلمية الاعتقادية والعملية، مع أنهم كلهم متفقون على أن محمدًا حق، والقرآن حق، فلو حصل لكل منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه لم يختلفوا ثم الذين علموا ما أمر الله به أكثرهم يعصونه ولا يحتذون حذوه، فلو هدوا إلى الصراط المستقيم في تلك الأعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهوا عنه.
والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين كان من أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة مع علمهم بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائمًا في أن يهديهم الصراط المستقيم فبدوام هذا الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله.
ثم ما حصل فيه الهدى في الماضي فهو محتاج إلى حصول الهدى فيه في المستقبل، فالناس كلهم مضطرون إلى هذا الدعاء، ولهذا فرضه الله
[ ١ / ٣٩٨ ]
عليهم في كل صلاة فليسوا إلى شيء من الدعاء أحوج منهم إليه وإذا حصل الهدي إلى الصراط المستقيم، حصل النصر والرزق وسائر ما تطلبه النفوس من السعادة.
فحاجة العبد إلى سؤال هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته وفلاحه بخلاف حاجته إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه فإذا انقطع رزقه مات والموت لا بد منه، فإذا كان من أهل الهداية كان سعيدًا قبل الموت وبعده، وكان الموت موصلًا إلى السعادة الأبدية، وكذلك النصر إذا قدر أنه غلب حتى قتل فإنه يموت شهيدًا، وكان القتل من تمام النعمة.
فتبين بهذا أن الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق بل لا نسبة بينهما لأنه إذا هدي كان من المتقين ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
وكان ممن ينصر الله ورسوله ومن نصر الله نصره الله وكان من جند الله وهم الغالبون، ثم أيضًا إن الهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر، فالهدى التام - وهو أن يهتدي ويأمر غيره ويهديه بقوله وفعله ورؤيته - يتضمن الرزق والنصر لأنه إذا هدي ثم أمر وهدي غيره بقوله وفعله ورؤيته اكتمل له الهدى التام فيحصل له كل مطلوب ومقصود.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن من ضل عن علم فهو شبيه باليهود ومن ضل عن جهل فهو شبيه بالنصارى، ثم قال: "ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق، علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه وإن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته، وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم" (^١).
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٢/ ٣٢.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وبما سبق تقريره يعلم الجواب عما أورده (^١) بعضهم في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ حيث قالوا: المؤمن قد هدي إلى الصراط المستقيم فأي فائدة في طلب الهدى؟
ثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى، أو يقول بعضهم: الزم قلوبنا الهدى، ويقول بعضهم: زدني هدى، وإنما يوردون هذا السؤال لعدم تصورهم الصراط المستقيم الذي يطلب العبد الهداية إليه.
مكانة هذا الدعاء:
فاتضح مما سبق تقريره أن دعاء الفاتحة أفضل دعاء دعا به العبد ربه، وأوجب دعاء، وأنفعه، وأعظمه، وأحكمه، وهو أجل المطالب ونيله أشرف المواهب، وأنجح الرغائب، لأنه جامع لكل مطلوب لأن فيه طلب الإعانة على مرضاة الله فإذا أعين الإنسان على مرضاة الله حصل له كل خير واندفع عنه كل الشرور، وبهذا تجتمع له مصالح الدين والدنيا والآخرة.
وفيه أيضًا طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، فإذا هدي الإنسان إلى الصراط المستقيم في علمه وعمله وأحواله كلها، لم يبق له شيء من المطالب إلا ودخل في ذلك، فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير، والسلامة من كل شر (^٢).
وقد قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: "والهداية لأفضل
_________________
(١) انظر في هذا الإيراد الكتب التالية: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩، وجامع البيان للطبري: ١/ ٧٢، والفتاوى: ١٠/ ١٠٦ - ١٠٧، وبدائع الفوائد: ٢/ ٣٧، ومفتاح دار السعادة: ١/ ١٠٨
(٢) انظر الفتاوى: ١٤/ ٤٠، ٣٢٠ و١٧/ ١٣٢، والاحتجاج بالقدر: ٤٦، ومدارج السالكين: ١/ ١٠، ٢٣، ٢٤، ٥٢، وزاد المعاد: ٤/ ١٧٧ - ١٧٨، ورسالة الصلاة ص: ١٤٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ١٤٧، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ٧١، وتفسير الفاتحة ص: ٥١، وشرح الطحاوية ص: ٥٣٤.
[ ١ / ٤٠٠ ]
الأعمال والأحوال والأقوال في أوقاتها المضروبة لها أفضل ما مَنَّ به الإله ﷾" (^١).
ثم إن هذا الدعاء اشتمل على أكمل صيغ الدعاء من الجمع بين الثناء على المسؤول وإفراده بالطلب وسؤال الحاجة، ففي الفاتحة تعليم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه، وتمجيده وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء (^٢).
فتبين بهذا لماذا كان هذا الدعاء هو المفروض، دون غيره من الأدعية، ولماذا لا يقوم غير الفاتحة مقامها؟
الثاني: التوبة والاستغفار:
قد اتفق العلماء على وجوب التوبة من الذنب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
وقال عز من قائل: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
وقال سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].
ولفظ الأمر في هذه الآيات للوجوب إذ لا صارف له، فثبت بهذا وجوب الاستغفار وقد تقدم في التعريف (^٣) أن الاستغفار نوع من أنواع الدعاء.
_________________
(١) قواعد الأحكام: ٢/ ١٩١.
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٢٣، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٦.
(٣) تقدم ص: ٩٤.
[ ١ / ٤٠١ ]
قال ابن القيم ﵀ في مناقشته لمن أنكر وجوب الصلاة على النبي ﷺ: "إن قولكم: الدعاء لا يجب باطل، فإن من الدعاء ما هو واجب، وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها" (^١).
الدعاء المختلف في وجوبه:
فمن الدعاء المختلف في وجوبه:
١ - الدعاء الذي في آخر الصلاة فقد كان النبي ﷺ يدعو به في صلاته ويأمر به أصحابه.
فقد روى طاوس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" (^٢).
فهذا الدعاء تنازع العلماء في وجوبه فأوجبه طاوس، قال مسلم بن الحجاج بعد إخراجه للحديث: "بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أعد صلاتك لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال" (^٣).
وقد تبع طاوسًا طائفة من الفقهاء وهو قول في مذهب أحمد (^٤).
ويرى ابن حزم أنه يلزم المصلي أن يقوله في التشهدين الأول
_________________
(١) جلاء الأفهام: ٣١٢ - ٣١٣.
(٢) أخرجه مسلم: ١/ ٤١٣ رقم ٥٩٠. وله شاهد من حديث عائشة، أخرجه البخاري: ٢/ ٣١٧ رقم ٨٣٢، ومسلم: ١/ ٤١٢ رقم ٥٨٩، ومن حديث أبي هريرة أخرجه مسلم برقم ٥٨٨.
(٣) صحيح مسلم: ١/ ٤١٣.
(٤) الفتاوي: ١٠/ ٧١٣ و٢٢٠/ ٣٨١، والفتح: ٢/ ٣٢١.
[ ١ / ٤٠٢ ]
والأخير وأن ما ورد في بعض طرق الرواية من تقييد ذلك بالتشهد الأخير لا يخص العموم الوارد في الروايات الأخرى فيشمل اسم التشهد الجميع (^١).
وهذا مردود لمخالفته قاعدة حمل المطلق على المقيد لاسيما مع اتحاد مخرج الحديث (^٢).
وقد عد الحافظ ابن حجر إيجاب ابن حزم له في التشهد الأول إفراطًا (^٣).
والذين لم يقولوا بوجوب هذا الدعاء استدلوا بحديث ابن مسعود في التشهد وفيه: ثم يتخير من الدعاء" (^٤).
قال ابن المنذر: لولا حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من لقلت بوجوبها" (^٥).
ويمكن أن يقال: إن الأمر بالتخيير يحمل على الأدعية التي بعد الاستعاذة فيتخير في الأدعية التي بعدها، وأما الاستعاذة من هذه الأمور الأربعة فلا تخيير فيها (^٦).
هذا ومما لا شك فيه أن هذا الدعاء من أوكد الأدعية وأهمها في التشهد.
قال شيخ الإسلام: ولا ريب أنه أوكد الأدعية المشروعة في هذا الموضع فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أمر بدعاء بعد التشهد إلا بهذا
_________________
(١) المحلى: ٣/ ٢٧١ - ٢٧٢.
(٢) انظر هامش المحلى: ٣/ ٢٧٢.
(٣) الفتح: ٢/ ٣٢١.
(٤) البخاري مع الفتح: ٢/ ٣٢٠ رقم ٨٣١ و٨٣٥، ومسلم: ١/ ٣٠١ رقم ٤٠٢.
(٥) الفتح: ٢/ ٣٢١.
(٦) انظر الإشارة إلى هذا في الفتح: ٢/ ٣١٨.
[ ١ / ٤٠٣ ]
الدعاء، وإنما نقل عنه أنه كان يقول: أدعية مشروعة، وأمره أوكد من فعله باتفاق المسلمين" (^١).
٢ - ومن الدعاء المختلف في وجوبه في وجوبه دعاء دخول المسجد.
فقد ذهب ابن حزم إلى وجوبه وأن من دخل المسجد وتركه فقد عصى الله بتركه مع صحة صلاته (^٢).
والظاهر أنه أوجبه لورود الأمر به حيث ذهب في دعاء الاستفتاح إلى عدم الوجوب وعلل ذلك بقوله:
"وإنما لم نذكر ذلك فرضًا لأنه فعل منه ﵇ ولم يأمر به، فكان الائتساء به حسنًا" (^٣).
فدل هذا التعليل على أن إيجابه لدعاء دخول المسجد للأمر الوارد فيه وهو قوله ﷺ: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك" (^٤).
٣ - ومن الدعاء المختلف فيه الصلاة على النبي ﷺ، فقد ذكر الحافظ ابن حجر (^٥) أن حاصل ما وقف عليه من أقوال العلماء في حكمها عشرة، مذاهب منها الوجوب في الجملة بغير حصر، ومنها أنها تجب في العمرة مرة ومنها أنها تجب في التشهد الأخير، ومنها أنها تجب في
الصلاة من غير تعيين المحل ومنها أنها تجب في كل دعاء.
وقد ذكر ابن القيم (^٦) أدلة بعض هذه المذاهب وناقشها بتوسع وأطال في ذلك.
_________________
(١) بغية المرتاد ص: ٥١٣ - ٥١٤.
(٢) المحلى: ٤/ ٦٠.
(٣) المحلى: ٤/ ٩٧.
(٤) أخرجه مسلم: ١/ ٤٩٤ رقم ٧١٣، والنسائي: ٢/ ٤١، وأخرجه أبو داود: ١/ ٣١٧ رقم ٤٦٥، كلهم من حديث أبي حميد أو أبي أسيد.
(٥) فتح الباري: ١١/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٦) جلاء الأفهام: ٢٢٩ - ٢٤٠، وفي ١٩٣ - ٢١٦.
[ ١ / ٤٠٤ ]
والمقصود هنا بيان أن الصلاة على النبي ﷺ من الدعاء المختلف في وجوبه ولهذا نكتفي بهذا القدر بدون توسع.
وأما الدعاء المستحب فهو كثير جدًّا وغالب الأدعية المأثورة من هذا الباب نحو أدعية النوم والاستيقاظ والدعاء عقب الوضوء، والدعاء بين الأذان والإقامة ودعاء الاستخارة، وقد ورد الأمر بصلاة الاستخارة، وبالدعاء عقبها والعلماء لم يقولوا بالوجوب مع ورود الأمر به (^١). ولعله قد ثبت عندهم الصارف.
وأما الدعاء المحرم فهو يتنوع إلى نوعين:
وذلك أن التحريم تارة من جهة المطلوب، وتارة من جهة نفس الطلب، فالأول مثل أن يسأل الله ما يضره في دنياه أو في آخرته، ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيًا عنه وأما الثاني الذي هو من جهة الطلب فمثل دعاء غير الله تعالى أو دعاء بكلمات فيها اعتداء (^٢) وقد قسم القرافي الدعاء المحرم إلى قسمين:
١ - نوع محرم ينتهي إلى الكفر.
٢ - نوع محرم لا ينتهي إلى الكفر.
ثم هذان النوعان قد قسمهما أيضًا القرافي المالكي إلى أقسام، وقد قسم الذي ينتهي إلى الكفر إلى أربعة أقسام (^٣).
ثم قسم المحرم الذي لا ينتهي إلى الكفر إلى اثني عشر قسمًا (^٤)، وعد كل تلك الأقسام ومثل لها بأمثلة.
ولكن كثيرًا من تلك الأقسام والأمثلة عليها مؤاخذات لأن ذلك
_________________
(١) نيل الأوطار: ٣/ ٨٣.
(٢) انظر اقتضاء الصراط ص: ٣٥٢ - ٣٥٥.
(٣) انظر الفروق: ٤/ ٢٦٠ - ٢٦٥.
(٤) انظر المرجع السابق: ٤/ ٢٦٥ - ٢٩٧.
[ ١ / ٤٠٥ ]
التقسيم عقلي اعتمد فيه القرافي على الاحتمالات العقلية وما يقتضيه التقسيم المنطقي، وكثير منها لا دليل عليها بل في بعضها خالف النصوص القطعية ولهذا رد عليه العلماء وبينوا خطأه فيها (^١).
ومن الأمور التي عليه فيها مؤاخذة ما ذكره بقوله: "القسم الثالث الذي ليس بكفر وهو محرم أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة، الأول أن يقول ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ مع أن رسول الله ﷺ قد قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (^٢).
فقد دل هذا الحديث على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد فيكون طلبها من الله تعالى طلبًا لتحصيل الحاصل فيكون سوء أدب على الله تعالى لأنه طلب عري عن الحاجة والافتقار إليه" (^٣).
وهذا الكلام - كما هو واضح - غير صحيح فكيف يكون ما
_________________
(١) وممن رد عليه ابن الشاط قاسم بن عبد الله (ت (٧٢٣ هـ) في كتابه البروق في تعقب مسائل القواعد والفروق وهو مطبوع بهامش الفروق فقد اعترض على كثير مما أورده القرافي وكذلك الزركشي في كتابه الأزهية في أحكام الأدعية فقد نقل عنه بعض كلامه ثم قال: هذا حاصل ما ذكره القرافي وفيه نظر" الأزهية: ١٤٧، ونحوه في موضع آخر، انظر ص ١٥٠ ولعل ابن القيم أراده عندما قال: ورأيت بعض متعمقي هؤلاء في كتاب له لا يجوز الدعاء بهذا وإنما يجوزه تلاوة لا دعاء مدارج السالكين: ٣/ ١١٨، واعترض عليه أيضًا ابن حجر الهيتمي في الإعلام بقواطع الإسلام: ٢/ ١٧٧ - ١٨٠.
(٢) قد روي الحديث من طريق أبي ذر وثوبان وابن عمر وأبي بكرة وأم الدرداء والحسن البصري مرسلًا، وهذه الطرق لا تخلو من ضعف لكن يقوي بعضها بعضًا ومن هنا قال السخاوي ومجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلًا، ونقل عن النووي تحسينه المقاصد ص: ٢٣٠ رقم ٥٢٨" وقد صححه أيضًا الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ١٧٩ رقم ٣٥٠٩، وفي الإرواء: ١/ ١٢٤ رقم ٨٢.
(٣) الفروق: ٤/ ٢٧٤.
[ ١ / ٤٠٦ ]
حكاه الله تعالى عن الرسول والمؤمنين أنهم يقولونه محرمًا ويكون الدعاء به لا فائدة فيه؟ ثم من الذي قال من السلف بهذه القاعدة التي تخالف الكتاب والسنة وعمل المسلمين؟ فإن المسلمين ما زالوا يدعون بهذا الدعاء في ابتهالاتهم إلى الله تعالى وهو من أفضل الدعوات" (^١).
ثم إن القاعدة التي وضعها منقوضة بمثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران ١٩٤]، وقول الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ [غافر: ٨] وبمثل طلب الوسيلة للنبي الله والصلاة والسلام عليه وعلى الأنبياء (^٢).
وورد في حديث أبي ذر مرفوعًا: "إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم فإنها صلاة وقرآن ودعاء" (^٣).
وأما الدعاء المكروه:
فهو مثل الدعاء الذي يشتمل على السجع المتكلف، والتشدق، والتشهق.
وكالدعاء الذي فيه الاعتداء كقول الرجل: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض في يمين الجنة".
وقد تقدم بيان أنواع الاعتداء في الدعاء فبعض أنواع الاعتداء محرم وبعضها مكروه (^٤).
_________________
(١) مدارج السالكين: ٣/ ١١٩.
(٢) انظر حاشية ابن عابدين على الدر: ١/ ٥٢٢.
(٣) أخرجه الحاكم: ١/ ٥٦٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: كذا قال ومعاوية - يعني ابن صالح - لم يحتج به البخاري قال: ورواه ابن وهب عن معاوية مرسلًا ويؤيده ما أخرجه الفريابي في الذكر وابن الضريس في فضائل القرآن، وأبو عبيد عن ابن المنكدر مرسلًا في فضائل القرآن - بلفظ: "إنهن قرآن وإنهن دعاء انظر الدر المنثور: ١/ ٣٧٨، والأزهية: ١٤٨.
(٤) وقد ذكر القرافي خمسة أسباب للدعاء المكروه:
(٥) الأماكن كالحمامات، ٢ - =
[ ١ / ٤٠٧ ]
وأما الدعاء المباح:
فهو كالدعاء الذي لطلب الفضول التي لا معصية فيها (^١) إذا لم يكن طلبه لهذا المباح للاستعانة به على طاعة الله لأنه إن قصد بطلب المباح الاستعانة به على طاعة الله وعبادته يكون دعاؤه من باب المندوب ولم يكن من المباح (^٢).
والحاصل أنه قد اتضح مما سبق أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة وأن منه ما هو محرم وهذا المحرم منه ما ينتهي إلى الكفر ومنه ما لا ينتهي، وتفصيل ما هو محرم وينتهي إلى الكفر والذي لا ينتهي هو الذي نبحث عنه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) = الهيئات كالدعاء مع النعاس، ٣ - الخوف من تسببه للكبر والخيلاء، ٤ - كون متعلقه مكروهًا كالدعاء بالإعانة على اكتساب الرزق بالحجامة، ٥ - عدم تعينه للقربة والطاعة كالذي يجري على اللسان بدون قصد. وهذا الأخير يعترض عليه بمثل تربت يداك.
(٢) الفتاوى: ١٠/ ٧١٤.
(٣) المرجع نفسه: ١٠/ ٢٧٩.
[ ١ / ٤٠٨ ]