ويحتوي على تمهيد وثلاثة فصول:
التمهيد: في أنواع الشبهات وأسبابها والجواب الإجمالي عنها.
الفصل الأول: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة الصحيحة.
الفصل الثاني: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة غير الصحيحة.
الفصل الثالث: في مناقشة ردودهم وإجاباتهم عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
الفصل الأول في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة الصحيحة
ويحتوي على مبحثين:
المبحث الأول: ما احتجوا به من القرآن.
المبحث الثاني: ما احتجوا به من السنّة الصحيحة.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
تمهيد
إن الشيطان لبس على كثير من الناس فأوقع في قلوبهم الشبهات التي أظهر لهم أنها تدل على جواز دعاء الموتى والغائبين والاستغاثة من دون الله تعالى.
وقد سعى بعض أهل الضلال بترويج تلك الشبه، فألفوا فيها رسائل تدافع عن صنيع القبوريين وأعمالهم الشركية، وتبحث لهم عن الشبهات ولو كانت أوهى من خيط العنكبوت.
فاغتر بتلك الرسائل بعض الناس وظن أن فيها حججًا وبراهين وإنما هي في الحقيقة أوهام وظنون، وخيالات، وزبالة أفكار في مقابلة ومعارضة الآيات البينات والحجج القاطعات المانعة من الدعاء غير المشروع.
وقد ظهر لي بالتتبع أنه لا يوجد لديهم دليل صحيح صريح، وإنما يوجد لهم دليل صحيح غير صريح، أو صريح ضعيف، أو مكذوب، ثم إن أغلب تلك الشبهة إنما تدل على جواز التوسل بالذوات، وأما ما يدل على جواز دعاء الموتى فقليل جدًا، ولكن هؤلاء يفسرون التوسل بما يشمل الطلب من الموتى كما تقدم (^١). وهذا هو السبب الذي اقتضى مناقشتهم فيما يستدلون به على التوسل. والسبب الثاني أن التوسل هو السبب الرئيسي الذي جر إلى فتح باب الشرك ودعاء غير الله تعالى على
_________________
(١) تقدم ص: ٦٣٠.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
مصراعيه كما تقدم.
فلهذا فمناقشتهم في أدلتهم في التوسل مهمة جدًا لأن الخلاف فيه خلاف في أصل من أصول العقيدة، ألا وهو إخلاص الدعاء الله تعالى وليس خلافًا فرعيًا لا يمس العقيدة حتى نتركهم فيما ذهبوا إليه أو نعذرهم فيما اجتهدوا فيه إن كان هناك اجتهاد.
فلهذا فإني أرى أن مناقشتهم في أدلتهم التي استدلوا بها على جواز التوسل من ضروريات البحث في هذه الرسالة، كما أن مناقشتهم فيما استدلوا به على جواز الاستغاثة بغير الله ضرورة، فكلاهما سواء لأن مآلهما واحد، ولهذا فإني عند ذكر احتجاجهم أجمع بين استدلالهم على التوسل وبين استدلالهم على الاستغاثة، فأناقش كليهما بدون تفريق، وقد أخص واحدًا منهما على حسب ما يقتضيه المقام.
وهذه الشبهات قد لا يدرك مدى الحاجة إلى بيانها وكشف زيفها من يعيش في مجتمع انتشرت فيه العقيدة السلفية الصحيحة، وإنما يدرك ذلك من يعيش في بعض البلاد التي يوجد فيها من يدعو إلى دعاء الموتى والغائبين، ويلبس على العوام بتلك الشبه ويعارض بها الداعين إلى إخلاص نوعي الدعاء الله تعالى.
فالدعاة إلى التوحيد الخالص يحتاجون في مثل تلك البلاد إلى معرفة هذه الشبه وكيفية مناقشتها، حتى يستطيعوا دحضها وإبطالها فبذلك تقوم الحجة وتبرأ الذمة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
ومما ينبغي أن يعلم أن أصحاب هذه الشبه يتبع بعضهم بعضًا في الاحتجاج بها، ويقلد لاحقهم سابقهم بدون تبصر ولا بحث عن أدلة حتى إن بعض معاصريهم كان ينتحل كلام من سبقه من أهل مشربه بحروفه.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وهذا هو الذي اقتضى تتبع من احتج بهذه الشبه حتى يتضح تقليدهم الأعمى.
أنواع الشبهات التي احتجوا بها:
يمكن حصر تلك الشبه في أنواع ثلاثة:
النوع الأول (^١):
نصوص صحيحة مجملة غير صريحة لم يفهموها فهمًا صحيحًا ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها من غير فهم لمعناها، إما لجهلهم الحاصل لهم من قصورهم في أدوات الفهم أو في مقاصد الشريعة، أو للهوى الذي يُعْمِيهم عن معناها الحقيقي الذي يوافق المحكم، وهذا ما نتكلم عليه -إن شاء الله تعالى- في الفصل الأول.
النوع الثاني:
أدلة غير صحيحة، وقد تكون صريحة فيما يحتجون بها، وربما تكون غير صريحة، فهم يحتجون بها مع عدم صحتها؛ لأنَّه لا يهمهم صحتها ما دامت توافق أهواءهم ورغباتهم ومألوفاتهم.
وهذا النوع الثاني سنتكلم عليه -بعون الله- في الفصل الثاني.
النوع الثالث:
إجاباتهم عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع، وشبهاتهم التي يوردونها على الأدلة الصحيحة، ومرادهم بها دفع دلالتها الصريحة على منع الدعاء غير المشروع، وأن تلك الأدلة لا تنطبق عليهم.
وهذا النوع الثالث سنتكلم عليه في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) انظر عن النوع الأول والثاني: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ١/ ٣١٧، ومصباح الظلام: ٣٠٥، وانظر أيضًا ما تقدم ص: ٤٤٦.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وقبل الخوض في الجواب التفصيلي عن هذه الشبهات نتكلم بإيجاز عن الأسباب الرئيسية الباعثة لإثارة هذه الشبهات، والله الموفق.
الأسباب الباعثة على إثارة هذه الشبهات:
الأسباب (^١) الرئيسية لإثارة هذه الشبهات ثلاثة:
السبب الأول: الجهل:
وهو إما جهل بأدوات الفهم، أو جهل بمقاصد الشريعة، وذلك لأن الجهل إنما يحصل في مسائل الدين "إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب، والعلم بمقاصدها، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية وإما لعدم الأمرين جميعًا" (^٢).
فعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب يجعل الإنسان يفهم من الآيات والأحاديث الصحيحة غير ما تدل عليه فيستدل بها على حكم لا تدل عليه.
وعدم الرسوخ في قواعد الأحكام، ومقاصد الشريعة، يجعله يحتج لنفسه "بأدلة فاسدة وبأدلة صحيحة اقتصارًا بالنظر على دليل مَّا، واطراحًا للنظر في غيره من الأدلة الأصولية والفروعية العاضدة لنظره، أو المعارضة له" (^٣).
فيأخذ ببعض الأدلة دون الإحاطة بباقي الأدلة، ودون النظر إلى مقاصد الشريعة التي جاءت متكاملة متناسقة متعاضدة فيأتي هذا الجاهل إلى دليل مَّا فيأخذ بظاهره دون الإحاطة بمراميه ومقاصده، ودون النظر
_________________
(١) انظر شرحًا وافيًا لهذه الأسباب في الاعتصام للشاطبي: ٢/ ٢٩٣ - ٣٦٢، وفي: ١/ ٢٢٠ - ٢٨٥.
(٢) المرجع السابق: ١/ ٢٢٠.
(٣) المرجع نفسه: ١/ ٢٢٢.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
إلى ملابساته وما يكتنفه من أدلة أخرى من عمومات الكتاب والسنة.
السبب الثاني (^١): تحسين الظن بالعقل:
إن الله سبحانه جعل للعقول في إدراكها حدًا لا تتعداه، فالعقول مداركها محدودة ومتناهية، ولا تحيط بالشيء من جميع الجوانب، فلا يمكن أن تستقل بإدراك مصالحها الدنيوية فضلًا عن الأخروية، فلهذا وغيره لا يمكن أن يجعل العقل حاكمًا بإطلاق بل الحاكم بإطلاق هو الشرع، ومع هذا فإن العقل السليم لا يخالف النص الصريح الصحيح بل يعاضده ويناصره، ولا تأتي الشريعة بما يناقض العقل، ولكن قد تأتي بما تحار فيه العقول.
وهذا هو حقيقة العقل مع الشرع فهو تابع ومنقاد للشرع، فهو معه كالعامي مع العالم (^٢) وأما عدم إدراك هذه الحقيقة لمقدار العقل، ورفعه فوق منزلته، فينشأ عنه مفاسد، منها تحسين الظن بالعقل حتى يعارض النصوص الواضحة بالشبهات التي هي من زبالة الأفكار وحثالة الأوهام، فيترك النص الواضح الجلي لما يتصور في عقله القاصر من شبهات وهمية واعتراضات خيالية التي هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
السبب الثالث: اتباع الهوى:
فاتباع الهوى من الأسباب الرئيسية لمعارضة أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، وهو ملازم لمن يترك الاعتصام بهما، ومن هنا سمي من يترك الاعتصام بهما -في الأحاديث وكلام السلف- بأهل الأهواء لأنهم "اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها
_________________
(١) المرجع نفسه: ٢/ ٣١٨.
(٢) درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ٣٢٧، وشرح الطحاوية: ٣٩٠ - ٣٩١، والفتاوى: ٣/ ٣٣٩، وانظر ما تقدم ص: ٣٧٠.
[ ٢ / ٦٨١ ]
حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك" (^١).
فمن هنا اشتق لهم الاسم مما غلب عليهم وهو الهوى فسمّوا أهل الأهواء (^٢).
ولكونهم متبعين لأهوائهم تركوا الأصول الواضحة المحكمة التي تمنع من الدعاء غير المشروع وأخذوا بالمشتبهات، وحرفوا الأدلة الصحيحة عن مدلولاتها وأولوها إلى غير مقصودها، كما لجأوا إلى الأدلة الواهية من الموضوعات والحكايات والمنامات، فنسأل الله تعالى أن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.
الجواب الإجمالي عن هذه الشبهات:
١ - الجواب الأول (^٣):
إن هذه الشبهات التي احتجوا بها ما صح منها يعد من المتشابهات والواجب في مثل هذا رد المتشابهات إلى المحكمات، وهذا هو شأن الراسخين في العلم.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
فالآيات والأحاديث الدالة على منع الدعاء غير المشروع محكمات
_________________
(١) الاعتصام: ٢/ ١٧٦، والفتاوى: ١٠/ ٥٦٨.
(٢) الاعتصام: ١/ ١٤٤.
(٣) انظر عن هذا الجواب: الاعتصام: ١/ ٢٢٠ - ٢٢٦، والنبذة الشريفة ضمن الرسائل النجدية: ٤/ ٦١٩، وكشف الشبهات ص: ١٦٠.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
فهي صريحة في دلالتها، قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة، وذلك أن القرآن الكريم كله في التوحيد وبيان ما يناقضه أو يناقض كماله من الذرائع والوسائل، وبيان جزاء أهل التوحيد وأهل من اتصف بضده في الدنيا والآخرة (^١).
وقد تقدم أنه لم يرد في القرآن الكريم في نوع من أنواع الشرك والكفر -مثل ما ورد في الدعاء بنوعيه- مما يدل على التحذير منه وكفر من ارتكبه، ومثل القرآن السنة النبوية التي تشرح القرآن وتبينه، فإذا كان الأمر كذلك فالواجب أن يرد ما يشتبه أنه يخالف هذا المحكم البين إليه لا أن يؤخذ بالمتشابهات ويتعسف في تأويل المحكمات كما هو صفة الذين في قلوبهم زيغ، وقد حذر الرسول ﷺ من الذين يتبعون المتشابهات فقال في حديث عائشة ﵂: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" (^٢).
٢ - الجواب الثاني:
إن هؤلاء الذين يحتجون بهذه الشبهات لا يقبلون في باب العقائد -حسب زعمهم- إلّا القطعي من الأدلة، إذ من أصولهم (^٣) المقررة لديهم أن غير قطعيِّ الثبوتِ والدلالةِ -يريدون بذلك ما لم يكن متواترًا صريح الدلالة- لا يقبل، فالأحاديث المشهورة الصحيحة الثابتة الصريحة الدلالة-
_________________
(١) مدارج السالكين: ٣/ ٤٥٠، وشرح الطحاوية: ٣٨، وتيسير العزيز: ٣٨ - ٣٩، وفتح المجيد: ١٥.
(٢) أخرجه البخاري: ٨/ ٢٠٩ رقم ٤٥٤٧، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٣ رقم ٢٦٦٥، وأبو داود: ٥/ ٦ رقم ٤٥٩٨.
(٣) انظر شروطهم العشرة لإفادة الدليل النقلي لليقين، والخلاف في إفادته اليقين أو عدم الإفادة في: المحصل للرازي: ٧١، والمواقف للإيجي: ٤٠، وأصول الدين للبغدادي: ١٢ - ١٣، ويراجع شرح المقاصد للتفتازاني: ١/ ٦، وشرح العقائد النسفية له أيضًا: ١٠١.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
يردونها في باب العقائد بهذه القاعدة المقررة لديهم ولكنهم تناقضوا -في هذه المسألة التي معنا- لاحتجاجهم إما بما هو ليس صريح الدلالة أو بما هو غير ثابت أصلًا، وهكذا شأن من لم يعتصم بالكتاب والسنّة فلا بد أن يتناقض.
قال ابن عبد البر ﵀ في معرض رده على من احتج بحديث ضعيف في مسألة الاستواء: "وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا أو أنصفوا؟ " (^١).
وقد تنبه بعض علماء الحنفية إلى هذا الذي يلزم من استدل بهذه الحجج المتشابهات من التناقض فمنع من التوسل بالذوات بهذه الحجة كما تقدم (^٢)، وهذا هو اللازم لكل من يريد أن لا يتناقض في قواعده التي أَصَّلَها وقررها بنفسه، فعليه أن يلتزم بها سواء كانت له أو عليه.
٣ - الجواب الثالث:
إن النصوص التي استدلوا بها إما نصوص صحيحة ولكنها غير صريحة، وإما نصوص صريحة ولكنها ضعيفة أو موضوعة مكذوبة وليس لديهم دليل صحيح ثابت صريح، ففي الأدلة الصحيحة -نطالبهم بدلالتها الصريحة على مرادهم، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا.
وفي الأدلة غير الصحيحة نطالبهم بإثبات صحتها، فإذا لم يثبتوا صحتها وثبوتها -يسقط احتجاجهم بها ولا يلتفت إليه.
٤ - الجواب الرابع:
إننا لو سلمنا دلالة تلك الأدلة التي ساقوها -على ما احتجوا به-
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر: ٧/ ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) انظر ما تقدم نقله ص: ٦٥٣.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
دلالة صريحة تكون تلك الأدلة معارضة للأدلة الأخرى الدالة على المنع أليس الواجب في هذه الحالة -الجمع إن أمكن- ثم الترجيح-؟؟
فإذا اخترنا الجمع وذهبنا إليه فإننا نجد أن تلك الأدلة التي احتجوا بها الصحيح منها يدل على ما يوافق الأدلة المانعة من الدعاء غير المشروع، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك عند المناقشة التفصيلية.
وإذا لم يمكن الجمع نذهب إلى الترجيح، وقد أشرنا أن الأدلة الدالة على المنع من الدعاء غير المشروع أقوى ثبوتًا ودلالة لأنها قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وأما الأدلة التي احتجوا بها فهي ما بين صريح غير صحيح الدلالة وما بين ضعيف أو مكذوب صريح الدلالة.
هذا بعض ما يجاب به عن شبههم إجمالًا، وبعد أن رأينا أنه يمكن الاكتفاء بهذه الأجوبة الإجمالية لقوتها ووضوحها لمن يريد الحق ويتحراه وينشده، فإننا نشرع في الإجابة التفصيلية زيادة في البيان ورغبة في إقناع من بقيت عنده شبهة أو شك فيما يتعلق بهذا الباب.
وإليك مناقشة بعض الآيات التي احتجوا بها أولًا، ثم بعض الأحاديث الصحيحة ثم الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة، ثم الحكايات والنظريات القياسية، ثم ردودهم وإجاباتهم فهذا أوان الشروع في ذلك وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
المبحث الأول في مناقشة بعض ما احتجوا به من كتاب الله العزيز
لقد تعلق المجيزون للدعاء غير المشروع بعدة آيات زعموا أنها تدل لهم، فنحن نورد هنا تسع آيات من أهم الآيات التي استدلوا بها مبينين ما وجهة نظرهم ثم نناقشهم حسب يسره الله تعالى.
الآية الأولى:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩].
استدل بهذه الآية بعضهم (^١) على التوسل بالذوات لأن اليهود استفتحوا بالنبي ﷺ قبل وجوده أي توسلوا به واحتج هؤلاء على هذا بما رواه عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال:
"كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر،
_________________
(١) احتج به داود بن جرجيس في المنحة الوهبية: ٣١، وكما في منهاج التأسيس: ٣٩٣، والغماري في إتحاف الأذكياء: ٧ - ٨، وفي الرد المحكم: ١٥٦، والعزامي في فرقان: القرآن ١١٩، وصاحب المفاهيم: ٥١.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
فعاذت اليهود بهذا الدعاء: "اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلَّا نصرتنا عليهم" قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به فأنزل الله وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد على الكافرين" (^١).
الجواب عن هذا من ناحيتين: إحداهما: ناحية الإسناد، وثانيتهما: ناحية المتن.
أما ناحية الإسناد: فنقول وبالله التوفيق:
إن عبد الملك بن هارون قال فيه ابن معين: كذاب، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث، وقال ابن حبان: يضع الحديث، وقال أحمد ضعيف الحديث، وقال الدارقطني عن أبيه: وأبوه أيضًا متروك أي فهما متروكان، وقال السعدي: دجال كذاب، وقال ابن عدي: له أحاديث غرائب عن أبيه عن جده عن الصحابة مما لا يتابعه عليه أحد، وقال الحاكم: روي عن أبيه أحاديث موضوعة (^٢).
وأبوه هارون بن عنترة قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جدًا يروي المناكير الكثيرة حتى يسبق إلى قلب المستمع لها أنه المتعمد لذلك من كثرة ما روى مما لا أصل له، لا يجوز الاحتجاج به بحال وقد تقدم قول الدارقطني فيه، ولكن وثقه بعضهم، وقال الذهبي: الظاهر أن النكارة من الراوي عنه (^٣).
_________________
(١) أخرجه الآجري في الشريعة: ٤٤٧ - ٤٤٨، والحاكم: ٢/ ٣٦٣، ومن طريقه البيهقي في الدلائل: ٢/ ٧٦ - ٧٧، كلهم من طريق عبد الملك بن هارون.
(٢) تاريخ يحيى بن معين: ٣/ ٣٥٠ رقم ١٦٨٨، والضعفاء الصغير للبخاري: ٧٣ رقم ٢١٨، والعلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد: ٢/ ٣٩٥، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٥/ ٣٧٤، وأحوال الرجال للسعدي الجوزجاني: ٦٨ رقم ٧٧، والكامل لابن عدي: ٥/ ١٩٤٢، والمجروحين لابن حبان ٢/ ١٣٣، والمدخل للحاكم: ١/ ١٧٠ رقم ١٢٩، والميزان: ٢/ ٦٦٦، والضعفاء للدارقطني ص: ٢٨٩ رقم ٣٦٢.
(٣) المجروحين: ٣/ ٩٣، الميزان: ٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥، والضعفاء للدارقطني رقم ٣٦٢.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وقد ضعف الحفاظ هذه الرواية:
فقد قال الحاكم بعد أن أخرج الحديث: "أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير وهو غريب من حديثه" وتعقبه الذهبي بقوله: "لا ضرورة في ذلك، فعبد الملك متروك هالك" (^١).
وقال الحافظ ابن حجر تعقيبًا على كلام الحاكم: "وأي ضرورة تحوج إلى إخراج من يقول فيه يحيى بن معين: كذاب في المستدرك على البخاري ومسلم؟ وما هذا إلا اعتذار ساقط" (^٢)، وضعف إسنادها أيضًا السيوطي (^٣).
ثم إن الحاكم نفسه قد قال في عبد الملك: روى عن أبيه أحاديث موضوعة كما سبق، فكيف يخرج له بعد هذا في المستدرك؟ وما هذا إلا من تناقضاته، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر قول ابن معين السابق: "وهذا الحديث من جملتها" (^٤) وبهذا نصل إلى سقوط هذه الرواية من ناحية الإسناد.
ومع وضوح سقوط هذه الرواية من جهة الإسناد حاول الغماري تقويتها مع اعترافه بضعفها فذكر أن للأثر طرقًا، فقد أخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس نحوه.
كما أخرج أبو نعيم أيضًا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به (^٥).
_________________
(١) المستدرك: ٢/ ٢٦٣.
(٢) العجاب في بيان الأسباب للحافظ: ل ١٨/ ب وعنه في تحفة القاري في الرد على الغماري: ٤٥.
(٣) الدر المنثور: ١/ ٨٨.
(٤) قاعدة في التوسل: ١١٥.
(٥) الرد المحكم: ١٥٦، وهذه الطرق ذكرها السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٨٨ نقلًا عن دلائل النبوة لأبي نعيم ولم أجدها في المطبوع من الدلائل.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
الجواب عن هذا أن هذه الطرق الثلاثة لا تزيد هذا الأثر قوة لأنها في غاية الضعف والوهن لأن عطاء هو الخراساني فعطاء الذي يروي التفسير عن ابن عباس هو الخراساني كما ذكره الحافظ (^١).
وعطاء الخراساني مختلف فيه ومع هذا لم يسمع من ابن عباس كما قاله أحمد ويحيى بن معين وغيرهما (^٢).
والضحاك هو ابن مزاحم وثقه الجمهور وضعفه القطان، واتفق كل علماء الجرح على أنه لم يسمع من ابن عباس شيئًا ولم يره (^٣).
وأما الكلبي عن أبي صالح فالكلبي كذبه كثيرون وقد قال هو عن نفسه لسفيان الثوري: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب، فهو اعترف بكذبه وقال الحافظ: متهم بالكذب ورمي بالرفض (^٤).
وكذلك شيخه أبو صالح وهو باذام مولى أم هانئ قال فيه الحافظ: ضعيف يرسل وضعفه كثيرون، ثم إنه لم يسمع من ابن عباس أيضًا (^٥).
وبهذا عرفنا أن هذه الطرق كلها في غاية الضعف والوهن فلا تزيد الأثر إلا وهنًا على وهن، وقد يكون فيها علل أخرى ولكن لم نستطع الكشف عنها لأن السيوطي في الدر المنثور لم يسق الإسناد ولم أجدها في دلائل النبوة لأبي نعيم المطبوع وإنما الذي في المطبوع: ص ١٩ رواية سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس وستأتي، ولعله حذف من المطبوع أو وهم السيوطي في إسناده إلى الدلائل والله أعلم.
ثم هاهنا أمر مهم وهو أن ما زعمه الغماري من تقوية الأثر بطريق عطاء والضحاك فيه نظر واضح وهو أن الغماري اعتمد في هذه الروايات
_________________
(١) فتح الباري: ٨/ ٦٦٧، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٢١٣.
(٢) المراسيل لابن أبي حاتم: ١٥٧ رقم ٢٩٤، وجامع التحصيل: ٢٩٠ رقم ٥٢٢.
(٣) المراسيل لابن أبي حاتم: ٩٤ - ٩٧ رقم ١٥٢، والميزان: ٢/ ٣٢٥، وجامع التحصيل: ٢٤٢ رقم ٣٠٤.
(٤) الميزان: ٣/ ٥٥٧، والتقريب رقم ٥٩٠١.
(٥) الميزان: ١/ ٢٩٦، وجامع التحصيل: ١٧٧ رقم ٥٥، والتقريب: رقم ٦٣٤.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
فيما يظهر على السيوطي في الدر المنثور، ولكن الطبري وابن أبي حاتم أخرجا عن الضحاك عن ابن عباس ما يخالف ذلك.
كما أخرج الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء قوله: "كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي ﷺ " (^١).
وأخرج هو وابن أبي حاتم عن الضحاك عن ابن عباس قوله: "كانوا يستظهرون يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم وليسوا كذلك يكذبون" (^٢).
فهذه الرواية التي توافق رواية الجماعة أولى على فرض ثبوت طريقة أبي نعيم عنهما، فتبين بهذا أنه لا يوجد ما يصلح للتقوية إلا طريق الكلبي وقد عرفت أنه متهم.
ثم إن هذه الرواية لو كانت ضعيفة فقط فهي مخالفة للرواية الصحيحة فهي في اصطلاح المحدثين منكرة فهي إن سلمت من الوضع لا تسلم من كونها منكرة لهذه المخالفة وإليك هذه الرواية الصحيحة التي خالفتها هذه الرواية.
وهي ما رواه محمد بن إسحاق صاحب السيرة قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ﷺ منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وثن، فكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبيًا مبعوثًا الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروا به، ففينا والله وفيهم أنزل الله ﷿: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري: ١/ ٤١٢.
(٢) تفسير الطبري: ١/ ٤١٢، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٥ رقم ٩٠٩، وعزاه إلى ابن أبي حاتم ابن تيمية في قاعدة التوسل: ١١٤، وذكره ابن كثير عن الضحاك عن ابن عباس بدون عزو: ١/ ١٢٤.
(٣) السير والمغازي رواية يونس: ٨٤، وسيرة ابن هشام: ١/ ٢١١، والطبري: ١/ ٤١٠، ودلائل النبوة للبيهقي: ٢/ ٥ - ٧٦، وعزاه في الدر: ١/ ٨٧ إلى ابن المنذر وإلى أبي نعيم في الدلائل.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
وهذه الرواية إسنادها لا يقل عن رتبة الحسن لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث فزال ما يخشى من التدليس، والكلام فيه معروف والذي عليه أكثر النقاد أنه حسن الحديث إذا صرح بالسماع لاسيما في المغازي والسير كالذي نحن فيه (^١).
وأما عاصم بن عمر فمن رجال الجماعة قال فيه الحافظ: ثقة عالم بالمغازي وهو تابعي من الرابعة (^٢).
والشيوخ الذين حدث عنهم من الصحابة ولا تضر جهالتهم؛ لأن الصحابة كلهم عدول فهم أيضًا آل من الأنصار ﵃.
فالحديث له حكم الرفع لأنَّه حكاية عن وقائع حدثت في عهد النبوة وكانت سببًا لنزول الآية (^٣).
ويؤيد هذه الرواية الصحيحة ثلاث طرق أخرى ومراسيل عن التابعين، وإليك بيان تلك الطرق.
١ - طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس:
أخرجه ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه … وفيه قول معاذ بن جبل وغيره لهم: اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ وتخبروننا أنه مبعوث … إلخ (^٤). وهذه الطريقة وإن كان فيها ضعف (^٥) لكنها تتقوى بالأولى.
_________________
(١) انظر الميزان: ٣/ ٤٦٨ - ٤٧٥.
(٢) التقريب: رقم ٣٠٧١.
(٣) انظر تحقيق أحمد شاكر للطبري: ٢/ ٣٣٣.
(٤) أخرجه الطبري: ١/ ٤١٠ - ٤١١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٧٦ رقم ٩١١، وأبو نعيم في الدلائل: ١٩، وعزاه في قاعدة التوسل إلى ابن أبي حاتم: ١١٤، وعزاه في الدر المنثور: ١/ ٨٨، إلى ابن المنذر أيضًا.
(٥) فقد قال الحافظ في محمد بن أبي محمد: مجهول، تفرد عنه ابن إسحاق: التقريب رقم ٦٢٧٦.
[ ٢ / ٦٩١ ]
٢ - طريق عطية العوفي عن ابن عباس وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا" يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب" (^١)، وهذه الطريقة فيها ضعف (^٢) أيضًا.
٣ - طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قال: "كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم وكانوا يجدون محمدًا ﷺ في التوراة فيسألون الله تعالى أن يبعثه نبيًا فيقاتلون معه العرب" (^٣).
وهذا الإسناد كثيرًا ما يروي به السدي تفسير الصحابة ولكن فيه كلام (^٤).
والحاصل أن هذه الروايات الثلاثة تؤيد رواية ابن إسحاق الحسنة فترتفع من الحسن إلى الصحة، ثم يقوي هذه الرواية الصحيحة مراسيل التابعين الذين فسروا هذه الآية فمنهم قتادة وأبو العالية وعلي الأزدي وابن زيد ومجاهد وتقدم عن عطاء والضحاك، فقد قال الثلاثة الأول أنهم كانوا يقولون: "اللهم ابعث هذا الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم … " (^٥).
وقال ابن زيد كانت يهود يستفتحون على كفار العرب يقولون: أما
_________________
(١) أخرجه ابن جرير: ١/ ٤١١.
(٢) لأن العوفي ضعفه أكثر النقاد وهو شيعي مدلس. اهـ. الميزان: ٣/ ٧٩ - ٨٠.
(٣) أخرجه البيهقي في الدلائل: ٢/ ٥٣٦، وأخرجه الطبري من قول السدي: ١/ ٤١١ - ٤١٢.
(٤) قال أحمد في السدي وهو الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن: إنه ليحسن الحديث إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا واستكلفه، التهذيب: ١/ ٣١٤، وانظر تهذيب الكمال: ٣/ ١١٣٦ الهامش.
(٥) أخرج هذه الروايات عن هؤلاء الثلاثة -قتادة وأبي العالية وعلي الأزدي-، ابن جرير بإسناده إليهم: ١/ ٤١١، وأخرج ابن أبي حاتم طريق أبي العالية: ١/ ٢٧٦ رقم ٩١٢، وعزاه إلى ابن أبي حاتم ابن تيمية في قاعدة التوسل: ١١٥، وعزا في الدر: ١١/ ٨٨ رواية قتادة إلى عبد بن حميد وأبي نعيم.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى -أحمد- لكان لنا عليكم" (^١).
وقال مجاهد: "يستفتحون بمحمد ﷺ تقول: إنه يخرج" (^٢).
وهناك رواية أخرى من طريق معمر عن قتادة قال: "كانوا يقولون إنه سيأتي نبي" (^٣)، وبهذه الطرق اتضح جليًا أن الرواية المعروفة المحفوظة عن ابن عباس هي رواية ابن إسحاق وقد أيدته هذه الروايات الكثيرة المستفيضة، وبهذا يعلم نكارة رواية عبد الملك بن هارون لمخالفتها لهذه الروايات المعروفة مع ما في عبد الملك من تهمة الوضع وبهذا نصل إلى بطلان ما احتجوا به سندًا.
وأما ناحية المتن فنقول وبالله التوفيق:
إن هذا الأثر منقوض من جهة المعنى بعدة أوجه:
١ - إن هذا الأثر يدل على أن الآية نزلت في يهود خيبر الذين يقاتلون غطفان، وهذا يخالف ما اتفق عليه أهل التفسير والسير من أن الآية نزلت في يهود المدينة وهم بنو قينقاع وقريظة والنضير، وهم الذين كانوا يخبرون الأوس والخزرج بقرب بعثة نبي جديد، وهذه المخالفة تدل على كذب هذه الرواية.
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر هذه المخالفة: "فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب" (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير: ١/ ٤١٢.
(٢) أخرجه ابن جرير: ١/ ٤١٢.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٥ رقم ٩١٠ وعزاه إليه شيخ الإسلام في قاعدة التوسل: ١١٤.
(٤) قاعدة في التوسل: ١١٥، أو الفتاوى: ١/ ٣٠٠.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
٢ - إن هذا يخالف ما ثبت تاريخيًا ودل عليه القرآن الكريم، وهو أن اليهود لم ينتصروا منذ أن خالفوا أنبياءهم وكتب الله عليهم الذلة والمسكنة، فلم يعرف في التاريخ غلبة اليهود للعرب ولا لغيرهم بل هم دائمًا مغلوبون، أو كانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقًا فلم يكونوا ينتصرون، بمجردهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم (^١).
فهذه الرواية تدل على انتصار اليهود على العرب وهذا لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوافر دواعي الصادقين على نقله.
٣ - ثم إن هذه الرواية لو صحت -مع أن دون ذلك خرط القتاد- لا يستقيم الاحتجاج بها لأمرين وهما:
أ - إن هذه الحكاية عن فعل اليهود الذين كانوا قبل مبعث النبي ﷺ وقد وصفهم الله تعالى بالتحريف والتبديل فيمكن أن يكون هذا الدعاء بهذا الأسلوب التوسلي من بدعهم وتحريفهم، ويقوي هذا التحريف أن الله تعالى لم يذكر لنا عن موسى وبقية أنبياء بني إسرائيل مثل هذا التوسل المبتدع.
ولا يقال إن الله تعالى قد أقرهم على هذا التوسل المبتدع؛ لأن الله تعالى إنما ذكر هذا احتجاجًا عليهم باعترافهم بهذا النبي الكريم قبل مبعثه.
ويدل على هذا أن الله تعالى ذكر في النصارى أنهم ابتدعوا الرهبانية ومع ذلك لم يحافظوا عليها قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
فكما أن احتجاج الله على النصارى بما ابتدعوه من الرهبنة لا يدل (^٢)
_________________
(١) انظر: الرد على البكري: ٥٨، وقاعدة في التوسل: ١١٦ - ١١٧.
(٢) يراجع في هذا الاعتصام في مواضع منها: ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، ٣٣٩.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
على إقرارهم على هذا العمل، فكذلك احتجاج الله تعالى على اليهود بما ابتدعوه من التوسل بالذات -لا يدل على إقرار الله تعالى لهم.
ب - إن هذا (^١) لو ثبت أنه من شريعة موسى -مع أنه لا يمكن إثبات أنه من شريعة موسى- فلا يصح دليلًا أيضًا لأن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا فيما ورد شرعنا بموافقته.
وقد أخبرنا الله تعالى عن سجود إخوة يوسف وأبويه له، وعن قول الذين غلبوا على أمرهم ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١].
والسجود لغير الله، واتخاذ المساجد على القبور لا يجوز في شرعنا، وهذا التوسل بالذوات لو ثبت يكون مثل هذا فلا يجوز في شرعنا.
والحاصل أن التفسير الصحيح للآية هو أن اليهود كانوا يستفتحون أي يطلبون الفتح وهو النصر كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] أي يطلبون من الله النصر بالتعجيل بإرسال الرسول الذي يقاتلون معه حتى ينتصروا، فالذي يطلبونه هو تعجيل إرسال الرسول الذي يجدونه عندهم في التوراة ويجدون انتصاره على المشركين، أو المعني أنهم كانوا يخبرون الذين يحاربونهم أنه قد قرب زمن بعثة نبي فسوف ننتصر معه عليكم.
فالآية يدور معناها بين الإخبار بقرب بعثته وبين سؤال الله تعالى أن يعجّل ببعثته.
الآية الثانية:
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ [البقرة: ٢٤٨].
_________________
(١) انظر الإشارة إلى هذا الوجه في قاعدة التوسل: ١١٦.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
استدل بهذه الآية بعضهم على التوسل بآثار الأنبياء؛ لأن هؤلاء كانوا ينصرون على الأعداء بسبب تقديمهم للتابوت.
وأن "هذا في الحقيقة ليس إلا توسلًا بآثار أولئك الأنبياء، إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم إلا ذلك، والله ﷾ راض عن ذلك بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت، ولم ينكر عليهم ذلك الفعل" (^١).
والجواب عن هذه الشبهة -بعون الله وتوفيقه- بعدة وجوه:
١ - إن هذه (^٢) الآية ليس فيها ما يدل على أنهم يتوسلون بالتابوت، وإنما غاية ما في الآية أن مجيء التابوت جعل آية وعلامة على صحة ملك طالوت، وذلك دليل على صدق ما أخبرهم به رسولهم من أن الله ملك طالوت عليهم، وهذا واضح من الآية وقد فسر هذه الآية على هذا المعنى جمهور المفسرين. قال ابن جرير رحمه الله تعالى في معنى السكينة بعد أن ذكر ما قيل في معنى السكينة من الأقاويل الواردة في تفسيرها عن السلف، قال: أولى الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء ابن أبي رباح من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها، وذلك لأن السكينة في كلام العرب الفعيلة من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه فهو يسكن سكونًا وسكينة، ثم ذكر رحمه الله تعالى أن السكينة تحتمل أن تكون كل ما ذكر لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس وتثلج بها الصدور (^٣).
_________________
(١) مفاهيم ص: ٦٤ ولم أطلع من سبقه إلى الاستدلال بالآية على هذا الفهم، اللهم إلا ما ذكره الكليني في الكافي أن آيات الأنبياء عصا موسى وحجره وقميص يوسف وخاتم سليمان آلت إلى أئمة الشيعة وأن سلاح النبي ﷺ آل إليهم أيضًا وأن هذا السلاح مثل التابوت في بني إسرائيل انظر الكافي: ١/ ١٨٠ - ١٨٥.
(٢) انظر الإشارة إلى هذا الوجه والثالث في مفاهيمنا ص: ٧٢.
(٣) ابن جرير ٢/ ٦١١ - ٦١٣.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
٢ - وأما ما روي في القصة أنهم كانوا إذا لقوا عدوًا لهم قدموه أمامهم، وزحفوا معه فلا يقوم لهم معه عدو ولا يظهر عليهم أحد حتى إذا كثر اختلافهم على أنبيائهم سلبوا …
فهذا من الأخبار الإسرائيليات فلا نصدقه ولا نكذبه ولا نستطيع أن نحتج به على أمر شرعي لاسيما وهو يتعلق بأصل الدين وبتوحيد العبادة الله تعالى.
٣ - إن هذا لو ثبت يكون من باب التبرك وليس من باب التوسل وبينهما فرق كما تقدم (^١).
٤ - ولو ثبت أنهم توسلوا بالتابوت -مع أن دون ذلك خرط القتاد- فلا يصح الاحتجاج بهذه القصة الأمور:
أ - إنها شرع من قبلنا وليس شرعًا لنا إلا فيما أقرته شريعتنا، وهذه المسألة جاءت مخالفة له فقد نهينا عن تتبع آثار الأنبياء.
ب - إن البقية التي في التابوت هي من آثار موسى مثل عصاه ورضاض الألواح، وقيل: عصا موسى وعصا هارون وشيء من الألواح، وقد ثبت التبرك بأثر نبينا ﷺ، ويمكن أن يحمل هذا على مثل ذلك، ولكن لا يقاس على الأنبياء غيرهم لأنَّه قياس مع الفارق.
ج - إن مما يقوي أننا لا نتبع شرع من قبلنا في مثل هذا ما روي عن عمر بن الخطاب حيث زجره الرسول ﷺ عندما رأى في يده صحيفة من التوراة (^٢).
د - إن تتبع الآثار هو سبب ضلال الأمم السابقة وهلاكهم، قال عمر
_________________
(١) تقدم ص: ٦٥٧.
(٢) أخرجه أحمد: ٣/ ٣٨٧، والبزار كما في كشف الأستار: ١/ ٧٨ - ٧٩ من حديث جابر بن عبد الله قال الحافظ: ورجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفًا "الفتح: ١٣/ ٣٣٤"، وللحديث شواهد يتقوى بها منها حديث عمر وعبد الله بن ثابت وأبي الدرداء. انظر مجمع الزوائد: ١/ ١٧٣ - ١٧٤.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
﵁: "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار نبيهم فيتخذونها كنائس وبيعًا" (^١).
هـ -ويمكن أن يشرع لهم في دينهم تعظيم ذلك التابوت والاستنصار به كما أنه شرع لنا تعظيم الكعبة والحجر الأسود، ولا يقاس على ذلك كما هو معلوم.
الآية الثالثة:
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].
هذه الآية قد اسْتُدِلَّ بها (^٢) على جواز السؤال بالمخلوق والإقسام به، فيجاب عن ذلك بأنه قد ورد في "الأرحام" قراءتان (^٣)، نصب الأرحام عطفًا على لفظ الجلالة وهذه القراءة هي قراءة العامة.
والقراءة الأخرى جر الأرحام عطفًا على الضمير في به وهذا جائز على القول الصحيح كما قال ابن مالك:
وعود خافض لدى عطف على … ضمير خفض لازمًا قد جعلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى … في النظم والنثر الصحيح مثبتًا (^٤)
فعلى قراءة العامة ليست الآية مما نحن فيه، وهذه القراءة رجحها الطبري والبغوي وغيرهما لأن العطف على الضمير المجرور لا يكاد يوجد في كلام العرب إلا قليلًا ومعنى الآية على هذه القراءة: اتقوا الله واتقوا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٢/ ٣٧٦، وابن وضاح في البدع ص ٤١، وقال الألباني: وسنده صحيح على شرط الشيخين. اهـ. تحذير الساجد: ١٣٧.
(٢) احتج بهذه الآية عثمان الناصري تلميذ ابن جرجيس كما في مصباح الظلام ص: ٢٩٧ واستدل بها صاحب البصائر: ٣٨٠ على التوسل بالأحياء.
(٣) انظر عن القراءتين: البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة ص: ٧٣، وابن جرير: ٤/ ٢٢٦، ومعالم التنزيل: ١٠/ ٣٨٩ العامة قرأوا بالنصب وقرأ حمزة بالخفض.
(٤) الألفية مع شرح ابن عقيل: ٢/ ٢٣٩.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
الأرحام أن تقطعوها أو اتقوا الله في الأرحام كما نقله ابن جرير عن كثير من مفسري السلف (^١).
أما على قراءة الجر وهي أيضًا جائزة في اللغة على القول الصحيح كما ذهب إليه ابن مالك -يكون المعنى- واتقوا الله الذي إذا تساءلتم بينكم، قال السائل للمسؤول: أسألك به وبالرحم وهذا ليس من باب الإقسام على المخلوق بالمخلوق، بل هو من باب طلب إيفاء حق الرحم فهو تذكير لما يستحقه من صلة الرحم أو يقال: هو إخبار عما كانوا يقولونه، ولا يدل على جوازه في الشرع، والأول أولى.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذا إخبار عن سؤالهم، وقد يقال إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلًا على جوازه فمعنى قوله: أسألك بالرحم ليس إقسامًا بالرحم -والقسم هنا لا يسوغ- لكن بسبب الرحم أي لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقًا.
ومن هذا الباب ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن ابن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه، وليس هذا من باب الإقسام، فإن الإقسام بغير جعفر أعظم بل من باب حق الرحم لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر، وجعفر حقه على عليّ" (^٢).
ومما يؤيد أن الآية على قراءة الجر ليست من باب الإقسام ما تقدم (^٣) من النهي عن الحلف بغير الله تعالى واتفاق العلماء على عدم جواز الإقسام بغير الله تعالى.
فلا يمكن حمل معنى الآية على أمر ورد النهي عنه واتفق العلماء على منعه.
_________________
(١) تفسير ابن جرير: ٤/ ٢٢٧.
(٢) قاعدة في التوسل: ١/ ٣٣٩، واقتضاء الصراط: ٤٢١ - ٤٢٢.
(٣) تقدم ص: ٥٠٦.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
الآية الرابعة:
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]، استدل بهذه الآية جماعة (^١) على جواز طلب الدعاء من الرسول ﷺ وقالوا: الآية وإن وردت في أقوام معينين في حالة الحياة تعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت، فتعم الحالتين الحياة والموت وقالوا: ويؤيد هذا حكاية العتبي وحكاية مالك مع المنصور وستأتي مناقشة هاتين الحكايتين إن شاء الله تعالى في مبحث الحكايات.
الجواب: إن هذه الآية لا تدل على ما ادعوه لوجوه:
١ - أن الآية خاصة بحياة النبي ﷺ وذلك لأن الآية نزلت فيمن ترك الرسول ﷺ وذهب إلى الطاغوت وتحاكم إليه، فهذا أساء إلى الرسول ﷺ وترك حقًا من حقوقه واعتدى على حق الرسول ﷺ وهو التحاكم إليه.
فهذا لا تتحقق توبته إلا بالمجيء إلى الرسول ﷺ والاعتراف بالخطأ بترك التحاكم إليه، ويدل على ذلك أن "لو" من حروف الشرط. وحرف الشرط يدل على أن وجود الجواب يتوقف على وجود الشرط، ففي هذه الآية قد اشترط الحصول التوبة مجيئهم إلى الرسول ﷺ واستغفارهم الله واستغفار الرسول ﷺ لهم، ومثل هذا الشرط لم يأت في الكتاب والسنّة لغير هذا الذنب فدل ذلك على أن ذنب التحاكم إلى غير الرسول ﷺ مع وجوده ليس إساءة إلى الله، فقط بل فيه اعتداء على حقوق الرسول ﷺ ولذا اشترط مجيئهم إلى الرسول ﷺ (^٢).
_________________
(١) منهم السبكي في شفاء السقام: ٨٦ - ٨٧، ١٨٢، وذكر شيخ الإسلام أن منهم من يتأولها كما في قاعدة التوسل ١٩، ودحلان في خلاصة الكلام: ٢٤٧، والدرر ص: ٢٢، والغماري في الرد المحكم: ٤٤، والعزامي في البراهين: ٤١٤.
(٢) تفسير المنار: ٥/ ١٩٠ - ١٩١.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
٢ - ثم الخطاب في جاؤوك، يدل على حال الحياة لأنه لا يقال لمن جاء إلى قبر رسول الله ﷺ إنه جاء الرسول ﷺ وإنما يقال جاء قبر الرسول ﷺ.
٣ - قوله: "استغفر لهم" يدل على حال الحياة، لأن استغفار الرسول ﷺ لمن أتاه إنما يتحقق في حياته صلوات الله وسلامه عليه، وأما أنه يستغفر بعد موته لمن أتاه فهذا يحتاج إلى نص صحيح صريح وليس هناك نص صريح صحيح، وسيأتي مناقشة حديث عرض الأعمال الذي يدل على الاستغفار مع أن حديث العرض لو صح إنما يدل على عرض جميع أعمال الأمة وليس لمن جاءه فقط.
٤ - إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفهموا من الآية العموم مع أنهم أعلم الناس بمعاني القرآن ومراد الله تعالى به، إذ لو فهموا من الآية عمومها لحالتي الحياة والموت لطلبوا من النبي الله ﷺ بعد موته الاستغفار لهم وحل مشكلاتهم، فقد اختلفوا بعد لحوقه بالرفيق الأعلى - مباشرة في أمور مهمة للغاية مثل اختلافهم في محل دفنه وفي ميراثه وفي الخلافة، وحصلت لهم كروب وحروب مثل وقعة الجمل وصفين، وفي هذا ظلم بعضهم لنفسه، ومع هذا لم يأتوا إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه ولم يطلبوا منه لا استغفارًا ولا غيره، وقد كانوا في حياته يراجعونه فيما هو أقل من هذا بكثير فكان الرجل منهم يراجعه فيما يقع بينه وبين أهله، فلو فهموا العموم لأتوه ولو أتوه لنقل إلينا لأنه مما تتوافر الهمم على نقله - فدل تركهم الدائم على أنهم لم يفهموا من الآية العموم.
وقد سبق لنا (^١) أن الترك الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع سنة، وقد حصل هنا المقتضي وهو ظلم بعضهم لنفسه ولا مانع من الإتيان، فدل هذا على أن ترك المجيء سنة، فعلى هذا فلو قلنا: إن الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وأغفلوه حتى جاء
_________________
(١) سبق ص: ٦٠٦.
[ ٢ / ٧٠١ ]
المتأخرون وعملوا به وهذا لا يقول به من يعرف البون الشاسع بين السلف والمتأخرين في الحرص على الخير، ومن المعلوم "أنه لا يجوز إحداث تأويل في آية، أو سنة، لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بيّنوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه" (^١). وبهذا اتضح أن من قال: إنها تدل على العموم فقد خالف بذلك "إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم" (^٢).
٥ - ثم إن المجيء إليه ﷺ في حياته لو دُعِيَ إليه مسلم ظلم نفسه ليستغفر له -وجب عليه المجيء مع القدرة لأن المنافقين هم الذين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥].
ولا يمكن أن نقول: كذلك فيمن دعي إلى قبره "ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق" (^٣).
ونكتفي بهذا القدر لأن كثيرًا من المحققين المحققين (^٤) قد بيّنوا عدم الآية على ما زعم هؤلاء بأوجه كثيرة فلا حاجة للتطويل.
الآية الخامسة:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
_________________
(١) الصارم: ٣٢١.
(٢) قاعدة في التوسل: ١٩.
(٣) الصارم: ٣٢١.
(٤) منهم: الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي من ص: ٣١٩ - ٣٢٣، ومنهم الشيخ بشير السهسواني في صيانة الإنسان بين ذلك في ١٦ وجهًا من ص: ٢٨ - ٤٧، وذكر بعض الأوجه أيضًا شيخ الإسلام في قاعدة في التوسل ص: ١٩.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥].
قد استدل بهذه الآية بعضهم على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم على الله تعالى بهم وعلى الطلب من الموتى والغائبين دعاء الله تعالى.
وقالوا: إن الوسيلة في الآية عامة تشمل التوسل بالذوات الفاضلة (^١)، وفسر بعض هؤلاء المستدلين الوسيلة في الآية بأنها "كل ما جعله الله سببًا في الزلفى عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه، والمدار فيها على أن يكون للوسيلة قدر وحرمة عند المتوسل إليه" (^٢).
الجواب عن هذه الآية على وجوه:
أ - إننا قد ذكرنا فيما مضى (^٣) معنى التوسل في اللغة والشرع وعبارات السلف، وليس من معناه اللغوي ولا الشرعي التوسل بهذا المعنى المحدث الذي هو التوسل بالذات، فلا يجوز حمل الآية على المعنى الذي لم يكن متعارفًا عليه وقت النزول، فلهذا لم نجد أحدًا من مفسري السلف فسر الآية بالتوسل بالذوات وستأتي قريبًا عباراتهم
_________________
(١) استدل بهذه الآية كثيرون: منهم داود بن جرجيس في المنحة الوهبية ص: ٢٥، ٣٠، وكما في تحفة الطالب والجليس: ١١٩ - ١٢١، ومنهاج التأسيس ص: ٣٤٨، والتيجاني كما في جواهر المعاني: ١/ ٢١٧، والكوثري في المقالات: ٣٧٨ - ٣٧٩، وذكر الألوسي في روح المعاني: ٦/ ١٢٤ - ١٢٥ استدلال بعضهم بالآية على الاستغاثة والتوسل والإقسام، وممن احتج بها على جواز التوسل والاستغاثة سلامة القضاعي العزامي في البراهين الساطعة: ٣٩٢، وانتحل كلامه بحروفه صاحب المفاهيم ص: ٥٤، ومنهم النبهاني فقد نقل عن الرملي الشافعي وعبد الغني النابلسي والوفائي الأزهري أنهم استدلوا بالآية على جواز الاستغاثة بالأنبياء والأولياء بعد موتهم، انظر شواهد الحق: ١٤١ - ١٤٢.
(٢) انظر كلام سلامة العزامي في البراهين: ٣٩٢ - ٣٩٣، وعنه صاحب المفاهيم منتحلًا ص: ٥٤.
(٣) تقدم ص: ٦٢٦.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وألفاظهم، فعلى هذا يكون تفسير الوسيلة في الآية بالتوسل بالذات -من التفسير بالرأي المجرد وهو مذموم كما هو معروف، ولهذا لم نجد أيضًا أحدًا ممن ألف في تفسير القرآن الكريم أو شرح معاني غريبه -ذكر هذا المعنى الذي هو التوسل بالذوات، وهذا كله يدل على أن الوسيلة في الآية هو التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي يكتسبها الإنسان بنفسه لا بأمر خارج عنه أجنبي لا علاقة له به.
ب - إن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أمر بطلب الوسيلة إلى الله تعالى والأمر للوجوب إن لم يصرف بدليل آخر فلو قلنا: إن الوسيلة هنا تشمل التوسل بالذوات، لزم أن التوسل بالذوات واجب إذ لا صارف لهذا الأمر، وقد أجمع المسلمون على أن التوسل بالذوات غير واجب وإنما الخلاف في الجواز وعدمه ولم يقل باستحبابه إلا بعض المتأخرين بدون دليل، ولو طلبوا بالصارف الذي صرفه عن الوجوب لم يجدوا فثبت بهذا أنه غير مراد من الآية وليس داخلًا في عمومها.
ج - إن هذا الأمر بطلب الوسيلة كان ينبغي للنبي ﷺ أن يبيّنه للأمة إما بقوله أو عمله وذلك عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ولم يثبت عن النبي ﷺ في حديث صحيح أو حسن أنه توسل بذاته الشريفة أو بالأنبياء أو الملائكة المقربين أو بصحابته في أدعيته الكثيرة المتواترة، والتي صنفت فيها المجلدات والتي فيها جميع أنواع صيغ الدعاء بأساليب شتى، فكيف يعقل ترك النبي ﷺ لبيان هذا الأمر الإلهي؟
د - إن الصحابة لم يطبقوا هذا الأمر الإلهي بالتوسل بالذوات في حياة النبي ﷺ وقت وقوعهم في الشدائد والعظائم، فلم ينقل أن السرايا والمسافرين منهم توسلوا به، فلو كانت الآية تعني ابتغاء الوسيلة بذوات الأنبياء لرأينا في أدعية الصحابة التي نقلت بألفاظ كثيرة، وفي مناسبات شتي، توسلهم بالنبي ﷺ، وبكبار الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وباقي العشرة وأصحاب بدر وبيعة الرضوان، فكيف فاتهم هذا الفهم
[ ٢ / ٧٠٤ ]
لعموم الآية وأدركه المتأخرون؟
وقد ذكرنا فيما مضى أن الترك (^١) الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع سنة متبعة كما قرره العلماء المحققون.
هـ - إن الوسيلة التي أمرنا بابتغائها من العبادات والطاعات بلا شك ولا ريب والعبادات مبناها على التوقيف، ولم يأت نص صحيح صريح في كون التوسل بالذوات من الطاعات التي يتقرب بها إلى الله تعالى فإذا لم يأت نص فهو من البدعة وليس من الطاعات التي شرع لنا التعبد بها والتي أمرنا بابتغاء الوسيلة إلى الله بها.
و- الآية تدل على عكس فهم هؤلاء، لأن فيها تقديم المعمول وهو يفيد الحصر فقد قدم الجار والمجرور وهو "إليه" على المتعلق به وهو "الوسيلة"، أي اطلبوا القربة إلى الله وحده لا إلى غيره، فالتوسل البدعي توجه إلى غير الله وتعليق للقلب بغير الله، وليس فيه حصر التوجه والتعلق على الله الذي تفيده الآية بتقديم الجار والمجرور، ويدل على أن التوسل البدعي ليس فيه حصر التوجه ما خافه الإمام النووي ﵀ من التوسل بالأعمال الصالحة، فإنه ذكر حديث الغار وتوسل الثلاثة بأعمالهم وإن العلماء استحبوا لمن وقع في شدة أن يدعو بصالح عمله عملًا بحديث الغار، ثم قال ﵀: "وقد يقال في هذا شيء لأن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى، ومطلوب الدعاء الافتقار"، ثم أجاب عن الاستشكال بأن النبي ﷺ صَوَّبَ أعمالهم فدل على جوازه (^٢).
فإذا كان مثل النووي ﵀ يخاف في التوسل المشروع عدم حصر الافتقار في الله تعالى، فكيف يكون الأمر في التوسل المبتدع؟ لا شك أن ترك الافتقار المطلق فيه أولى وأظهر.
_________________
(١) سبق ص: ٦٠٦.
(٢) الأذكار: ٣٥٥.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
ز - إن لفظ الوسيلة الذي ورد في هذه الآية هو مثل لفظ الوسيلة
الذي ورد في آية الإسراء ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧].
ففي هذه الآية لا يمكن تفسير الوسيلة بما يشمل التوسل بالذوات لأن ذلك خلاف سياق الآية، فالآية تبين أن المدعوين أنفسهم يطلبون إلى الله الزلفى والقربة، ويرجون رحمته ويخافون عذابه فكيف أنتم تدعونهم مع هذا؟، بل اللائق بكم أن تدعوا وتطلبوا الزلفى إلى الله كما هم يطلبونها من الله تعالى وحده وهذا واضح من الآية بحمد الله تعالى فهي في نفي الواسطة إلى الله تعالى فيشمل ذلك التوسل البدعي، فكما أن الوسيلة في آية الإسراء لا تعم التوسل البدعي فكذلك لا تعمه في آية المائدة وخير ما فسر القرآن بالقرآن، ومن فرق بين المتماثلين فعليه البيان والبرهان، ولا برهان له إلا الاحتمالات الواهية والظنون الكاذبة.
ح - إن الوسيلة التي أمرنا بابتغائها لا بد أن يبينها الله لنا في كتابه لأنها مما يقربنا إليه وهي من الدين، وقد قال تعالى في أول هذه السورة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإذا لم يرد في القرآن الكريم كله التوسل بالذوات ولا مرة واحدة، ولم يحك الله لنا هذا التوسل في أدعية الأنبياء والصالحين وابتهالاتهم ومناجاتهم مع الله تعالى وهي كثيرة جدًا في القرآن الكريم، دل ذلك على أن هذا التوسل ليس مما يقربنا إلى الله تعالى وليس من الدين في شيء وليس من أدعية الأنبياء والصالحين، فثبت أنه محدث في الدين وأنه ليس مرادًا من الآية.
فثبت بما تقدم - ولله الحمد - أن معنى الآية: ليس في التوسل بذوات الصالحين وإنما معناها تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه كما
[ ٢ / ٧٠٦ ]
قاله قتادة وأبو وائل وعطاء ومجاهد والحسن وعبدالله بن كثير (^١)، وقاله حذيفة أيضًا (^٢) ويرجع إلى هذا المعنى تفسير (^٣) عبد الرحمن بن زيد الوسيلة بالمحبة، أي تحببوا إلى الله أي تقربوا إلى الله بطلب رضاه ومحبته، وكذلك تفسير السدي (^٤) بالمسألة والقربة لأن المعنى اطلبوا منه المسألة والقربة ولا تسألوا غيره.
وكذلك ما روي عن ابن عباس (^٥) أنه فسرها بالحاجة، أي اطلبوا منه الحاجة ولا تطلبوا من غيره، قال الألوسي: "وكأن المعنى حينئذ اطلبوا متوجهين إليه حاجتكم فإن بيده عز شأنه مقاليد السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره فتكونوا كضعيف عاذ بقرملة" (^٦).
فكل هذه المعاني في إخلاص الطاعة لله وإفراده بالمحبة والسؤال والحاجة وليس فيها ما يدل على طلب الحاجة من الله بواسطة الذوات، ثم إن هذه المعاني متقاربة فلذا قال ابن كثير بعد أن حكى تفسيرها بالقربة: "وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه (^٧).
_________________
(١) أخرج ذلك الطبري بأسانيده عنهم: ٦/ ٢٢٦، كما أخرجه عن قتادة، عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور: ٢/ ٢٨٠.
(٢) أخرجه الحاكم: ٢/ ٧٨، وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) و(^٤) أخرجهما الطبري بإسناده إليهما: ٦/ ٢٢٧.
(٤) رواه ابن الأنباري في الوقف والطبراني في الكبير في سؤال نافع بن الأزرق لابن عباس وفيه: "أخبرني عن قوله تعالى وابتغوا إليه الوسيلة، قال: الوسيلة الحاجة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟، قال: نعم أما سمعت عنترة وهو يقول: إن الرجال لهم إليك وسيلة … أن يأخذوك تكحلي وتخضبي انظر الاتقان: ١/ ١٥٨، والمنار: ٦/ ٣٠٥، ومسائل نافع تحقيق محمد عبد الباقي: ٢٩٠.
(٥) روح المعاني: ٦/ ١٢٤ وقوله: كضعيف عاذ بقرملة: القرملة واحدة القرمل وهو نبات أو شجر صغار ضعاف لا شوك له، وهو مثل يقال لمن يستعين بمن لا دفع له، وبأذل منه. اهـ. اللسان مادة قرمل: ٦/ ٣٦٠٧.
(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٢.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
ويدل على أن هذه المعاني مآلها واحد أن ابن جرير الطبري فسر الوسيلة بالقربة ثم قال: "وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل"، ثم ساق أقوال من فسرها بالقربة والمسألة والمحبة استدلالًا على أنها مثل تفسيره (^١).
وصنع القرطبي مثل صنع الطبري أيضًا (^٢).
وذلك أن مفسري السلف قد يقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم له اختلافًا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن (^٣).
وبما تقدم من تفسير السلف وعلماء التفسير للوسيلة في الآية بما حاصله التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، يعلم ما في قول بعضهم في تعريف الوسيلة: "كل ما جعله الله سببًا في الزلفى عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه". ثم هنا أمر آخر وهو أن الخلاف في جعل الله التوسل بالذوات سببًا للزلفى عنده، فهو مورد النزاع فيحتاج إلى دليل خارجي يثبت أنه سبب للزلفى ووصلة إلى قضاء الحاجات، لأن الأسباب الشرعية لا بد من ثبوتها بالأدلة وإلا لجعل الناس أسبابًا للقربات من عند أنفسهم وادعوا أنها أسباب (^٤).
_________________
(١) الطبري: ٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٢) القرطبي: ٦/ ١٥٩.
(٣) تفسير ابن كثير وانظر مقدمة تفسيره: ١/ ٥، والفتاوى: ١٣/ ٣٣٣، وما بعدها و٥/ ١٦٠ - ١٦٣.
(٤) ومما ينبغي أن يعلم في الأسباب ثلاثة أمور: أ - السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بد له من أسباب أخر وصرف الموانع. ب - لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم. جـ - الأعمال الدينية لا يتخذ منها شيء سببًا إلا بالشرع لأن العبادة توقيفية، انظر الفتاوى: ١/ ١٣٧، والرد على البكري: ٨٦ - ٨٧ و٢٣٠.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
والأسباب الشرعية للتقرب إلى الله ولقضاء الحاجات معروفة في الكتاب والسنّة، والتوسل البدعي ليس منها، فمن ادعى أنه منها فعليه البيان بالأدلة الثابتة الصحيحة التي تدل على أن الله تعالى جعل التوسل بالذوات سببًا لقضاء الحاجات، ولا يقبل ذلك بالادعاء لأنه أمر شرعي تعبدي فلا بد من النص الواضح على أنه سبب، ولا يكفي في كون الشيء سببًا يتوسل به إلى الله تعالى أن يكون له قدر وحرمة عند المتوسل إليه، وذلك لأن المتوسل إليه إذا لم يأمرنا بأن نتقرب إليه بذلك الذي له قدر وحرمة عنده يكون التوسل إليه من إساءة الأدب إليه، ومن الافتئات عليه لاسيما وقد بيّن لنا ما نتوسل به إليه وسكت عن هذا من غير نسيان، ثم إن فيه اتهامًا له بعدم النصح لنا بعدم البيان لما فيه الخير لنا أو التقصير في ذلك وحاشا الشارع الحكيم من ذلك.
ثم إن هذا الكلام فتح لباب الشرك الذي أمرنا بسد الذرائع إليه، إذ أصل شرك العالم هو بسبب ادعاء الواسطة بين الله وبين خلقه وادعاء الحرمة والقدر عند الله للمعبودين، فثبت بهذا أن المدار في جواز التوسل وعدمه ليس على الحرمة والقدر، وإنما المدار على الشرع، فما أجازه الشرع وجعله سببًا للتوسل جاز، وما لم يرد في الشر، لا يكون سببًا للتوسل لأن المدار على الاتباع لا على القياس والاستحسان.
ط - ويقال أيضًا: إن الآية الكريمة تحث على تقوى الله تعالى والتقرب إليه بما يرضاه من الأعمال الصالحة، كما تحث على الجهاد في سبيله، وهذه الأمور كلها الهدف منها النفع الأخروي الآجل، وليس في سياق الآية ما يدل من قريب ولا من بعيد على طلب النفع الدنيويّ العاجل، أو التقرب إليه بالذوات لطلب النفع العاجل، فالآية فيما هو أسمى من ذلك الذي هو الأمر الأخروي فقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يكتنفه الأمر بالتقوى والأمر بالجهاد ثم هو مذيل بتعليل ذلك بأنه يؤدي إلى الفلاح، وهذا السياق كله يدل على أن المقصود من الآية الأمر الأخروي والله أعلم.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
ويؤيد هذا الوجه الأخير ما ذكره شيخ الإسلام من أن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ معطوف على قوله: ﴿اتقوا الله﴾ وأنه من باب عطف الخاص على العام فيكون ابتغاء الوسيلة من تمام تقوى الله تعالى، وأن الفائدة من ذكر الخاص بعد العام هو ما في الخاص من مزية تستحق التنويه بها (^١).
ولا يمكن لأحد أن يدعي أن التوسل بالذوات له مزية على غيره من أنواع الطاعات التي يحصل بها تقوى الله تعالى.
الآية السادسة:
قوله تعالى في قصة سليمان ﵇: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ [النمل: ٣٨].
استدل بها بعضهم (^٢) على جواز طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من المخلوق.
الجواب عن هذا على وجوه:
١ - إن سليمان ﵇ عندما طلب من الملأ الذين معه - كان فيهم الجن والشياطين وهم آتاهم الله تعالى قدرة يستطيعون إحضار مثل هذا وقد سخرهم الله له. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ …﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ [ص: ٣٧]، فهو قد طلب منهم ما يقدرون عليه فلم يطلب ما لا يقدرون عليه.
٢ - ثم (^٣) إن القصة من أدلة التوحيد لأن الرجل الذي عنده علم من
_________________
(١) العبودية ص: ٨٠.
(٢) استدل بها ابن جرجيس في المنحة الوهبية ص: ٣٠، وكما في القول الفصل: ٢٤، وتحفة الجليس: ٣٩ - ٤٢، والعزامي في: البراهين: ٤٠٧، وعنه منتحلًا بدون إشارة صاحب المفاهيم: ٩٥.
(٣) انظر هذه الأجوبة الثاني والثالث والرابع في تحفة الطالب: ٣٩ - ٤٢، والقول الفصل: ٢٥ - ٢٨.
[ ٢ / ٧١٠ ]
الكتاب توسل إلى الله بتوحيده وإلاهيته وكرر ذلك في دعائه، وقد روي (^١) أنه يعرف الاسم الأعظم فهو طالب من الله راغب إليه سائل له، وقد روي أنه قال: "يا ذا الجلال والإكرام" أو قال: "يا إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها"، وقيل إنه توضأ وصلى ركعتين ودعا الله تعالى ولم يدع سليمان ولا توسل به ولا بالأنبياء السابقين بل توجه إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة.
٣ - ثم إن سليمان ليس داعيًا بل هو آمر وقد ذكرنا الفرق بين المعنيين فيما تقدم (^٢)، وذلك لأن سليمان ﵇ ملك يأمر رعيته بما يقدرون عليه وهكذا حال الملوك وغيرهم، خصوصًا إذا كان مما يحبه الله ويرضاه …
٤ - ثم إن هذا من باب طلب الدعاء من الحي الحاضر لا سيما إذا كان معروفًا بإجابة الدعاء، فإن الرجل قيل: إنه كان يعرف الاسم الأعظم الذي إذا دعى الله به أجاب ولا يشترط في طلب الدعاء أن يكون المطلوب منه أفضل من الطالب، كما في طلب النبي ﷺ من عمر إشراكه في الدعاء وطلب عمر من العباس الاستسقاء وأمر النبي الله ﷺ لعمر بطلب الاستغفار من أويس القرني (^٣)، وبهذا علم أن هذا ليس من الطلب من الغائب ولا من الميت وإنما من الحاضر.
٥ - ثم إن هذا الأمر من سليمان يمكن أن يكون بوحي من الله ﷾ لأنه نبي يعمل ما يعمله بالوحي، وقد يريد الله تعالى إظهار فضل أتباع نبيه سليمان ﵇ وإظهار كرامتهم عند الله تعالى، فيأمر سليمان بأن يأمر الحاضرين بالتسابق في تقديم الدعاء إلى الله تعالى فمنهم
_________________
(١) انظر هذه الروايات التي في هذه القصة تخريجها في تفسير الطبري: ١٩/ ١٦٣، والدر المنثور: ٥/ ١٠٩.
(٢) سبق ص: ١٨.
(٣) قد أخرجت هذه الأحاديث في ص: ٥٠١، ٧٢٠، وحديث أويس في مسلم برقم ٢٥٤٢.
[ ٢ / ٧١١ ]
الجن والشياطين ومنهم الإنس، ففي قبول الدعاء من أتباع النبي كرامة لهذا التابع كما أنه من جهة معجزة للرسول المتبوع.
فهذه القصة تحتمل أن تكون بوحي فلهذا لا يمكن القياس عليها.
٦ - ثم إن هذه القصة قد وقعت في شريعة غير شريعتنا، ومن المعلوم أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا فيما وافق شرعنا، وقد علم قطعًا في شرعنا أنه لا يجوز طلب ما لا يقدر عليه إلا الله إلا من الله تعالى.
الآية السابعة:
قوله تعالى في حق موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥].
احتجوا (^١) بهذه الآية على جواز الاستغاثة بالأموات والغائبين، كما احتجوا أيضًا بالأحاديث الواردة في مطلق الاستغاثة والإعانة، مثل ما ورد في حديث (^٢) الشفاعة الكبرى: "فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ (^٣) وحديث (^٤) ابن عباس في قصة هاجر من قولها: "أغث إن كان عندك غواث" (^٥)، وما روي (^٦) أن جبريل قال لإبراهيم عليهما
_________________
(١) انظر الاحتجاج بهذه الآية: في الأزهية في أحكام الأدعية نقلًا عن الجزري ص: ١٧٤.
(٢) انظر الاستدلال به في شفاء السقام: ١٩٠، وشواهد الحق نقلًا عن الجوهر المنظم ص: ١٣٨، والدرر ص: ١٨، والبراهين: ٤١٧، وعنه منتحلًا في مفاهيم: ٥٤، والمقالات للكوثري ص: ٣٩٥.
(٣) أخرجه البخاري: ٣/ ٣٣٨ رقم ١٤٧٥ من حديث ابن عمر، وانظر رقم ٣٣٤٠ من حديث أبي هريرة ومسلم من حديث أبي هريرة رقم ١٩٤ ومن حديث أنس ١٩٣.
(٤) انظر الاحتجاج به في شفاء السقام: ١٨٨، وفي الأزهية ص: ١٧٥.
(٥) أخرجه البخاري: ٦/ ٣٩٦ رقم ٣٣٦٤ من حديث ابن عباس.
(٦) انظر ذكر احتجاجهم بهذا الحجة - في كشف الشبهات -: مؤلفات الشيخ: ١/ ١٧٨.
[ ٢ / ٧١٢ ]
السلام لما ألقي في النار ألك حاجة فقال أما إليك فلا (^١).
قالوا: وهذه الأمور فيها الاستغاثة بغير الله تعالى.
الجواب (^٢):
١ - إن هؤلاء الذين يذكرون ما تقدم على أحد احتمالين: إما أنهم لم يفهموا الاستغاثة الممنوعة من المباحة ولم يستطيعوا التمييز بينهما، وإما أنهم يتعمدون التشويش وتلفيق الحجج والشبهات، وعلى كل فنقول جوابًا لهذا ولذاك سائلين الله تعالى التوفيق.
٢ - إن الاستغاثة على قسمين جائزة وممنوعة.
فالجائزة: الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه، وهي ما كان "في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال، أو إدراك عدو، أو سبع أو نحوه، كقولهم يا لَزَيْدٍ يا للمسلمين كما ذكروا ذلك في كتب النحو" (^٣).
وأما القسم الممنوع فهو أن يستغاث بالمخلوق الحاضر فيما لا يقدر، وكذلك بالغائب أو الميت فيما يقدر عليه حيًا ولا فيما لا يقدر.
فالاستغاثة الممنوعة محصورة بالاستغاثة بالقوة والتأثير الغيبي أو في الأمور المعنوية من الشدائد، كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه (^٤).
_________________
(١) انظر ما تقدم ص: ٣٣٧.
(٢) انظر الجواب عن هذه الشبهة: في الرد على البكري: ٦٧، وكشف الشبهات: ١/ ١٧٨، وتطهير الاعتقاد ٢٧، والدر النضيد: ٢٤، وتيسير العزيز: ٢٣٤، وعقيدة الشيخ محمد: ٤٦٤.
(٣) تيسير العزيز: ٢٣٤.
(٤) القول الفصل: ٥١ والانتصار لحزب الله: ٤٥ - ٤٦، وأصل الكلام لصنع الله الحلبي.
[ ٢ / ٧١٣ ]
فهذه الاستغاثة من خصائص الله تعالى لا يطلب فيها غيره، والسبب في منع الاستغاثة بغير الله في هذا لأن "ما لا يقدر عليه من الأمور العامة الكلية كهداية القلوب ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة والفوز بالجنة والإنقاذ من النار ونحو ذلك غايةٌ في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل وإظهار الفاقة والعبودية ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق أو يقصد به غير الله" (^١).
وقد تقدم (^٢) ذكر ما يبين في مبحث مراتب الدعاء غير المشروع، فاتضح مما سبق أن ما استدلوا به كله من القسم الأول الجائز فإن موسى ﵇ في المثال الأول قادر على إغاثة الرجل الذي استغاث به وهو حي حاضر، ومثل ذلك ما ورد في أحاديث الشفاعة فإن الأنبياء حاضرون مع الناس فيطلبون منهم الدعاء والشفاعة، وذلك في مقدورهم، ومما يدل على ذلك دلالة واضحة أن الناس يذهبون إليهم واحدًا بعد واحد، فلو كان من الاستغاثة المدعية لما تجشموا الذهاب في ذلك الموقف الحرج بل اكتفوا بذكر أسمائهم أو ندائهم والصراخ بأسمائهم بدون أن يحضروا عندهم ويتجشموا الذهاب إليهم.
فدل هذا على أن هذه الاستغاثة من باب طلب الدعاء من الحي الحاضر، ومن النوع استغاثة هاجر فإنها لما سمعت صوتًا طلبت من صاحب الصوت أن يغيثها وهو حاضر قريب إليها.
وأما ما روي في قصة إبراهيم على فرض صحته فإنه أيضًا من هذا النوع، فإن جبريل شديد القوى كما وصفه الله يقدر على إغاثة إبراهيم وإلقائه خارج النار، أو إلقاء النار في مكان بعيد.
_________________
(١) تحفة الطالب والجليس: ١٠٤.
(٢) تقدم ص: ٤٩٤.
[ ٢ / ٧١٤ ]
الآية الثامنة:
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤، الشورى: ٢٢].
استدل (^١) بهذه الآية بعضهم على جواز دعاء الأولياء في قبورهم، أي أن الأولياء إذا أرادوا شيئًا في قبورهم وطلبوه من الله فلا بد أن يحصل ويتحقق فإذا كان الأمر كذلك فإذا دعاهم أحد فإنهم يشاءون له الإجابة.
الجواب عن هذا بوجوه:
١ - يلزم على تفسير الآية بقول هؤلاء الذين فسروها بالمشيئة المطلقة للأولياء أن الأولياء في قبورهم لهم التصرف المطلق في الكون، فهم لا يشاؤون أيّ شيء إلا كان، ولا يقول بهذا مسلم لأن المشيئة المطلقة ليست إلا الله تعالى.
٢ - إن الآية ليست في الأولياء فقط بل تشمل جميع المؤمنين كما يدل عليه أول الآية في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الآية: ٢٢]، وفي سورة الزمر أيضًا في جميع المؤمنين كما رجحه ابن جرير الطبري مستدلًا بمقابلة هذه الآية بالآية التي قبلها ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ [آية: ٣٢]، وبقوله: ﴿أولئك المتقون﴾ [آية: ٣٣]، وبقراءة من قرأ (والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به) (^٢).
فإذا ثبت أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الموضعين عام لكل المؤمنين يلزم على قولهم أن كل المؤمنين لهم المشيئة المطلقة في القبور ويتصرفون في الإجابة فيجوز دعاؤهم لقضاء الحاجات وتفريج الكربات.
_________________
(١) انظر ذكر احتجاج بعض الناس بهذه الآية في الرسائل الشخصية: مؤلفات الشيخ: ٥/ ٢٠٥، وقطف الثمر ص: ١٠٥.
(٢) تفسير ابن جرير: ٢٤/ ٤، وعنه نقل الحافظ في الفتح مقررًا: ١٣/ ٣٩٥.
[ ٢ / ٧١٥ ]
وهؤلاء يخصون الدعاء بالأولياء فقط ولا يقولون بذلك في عامة المؤمنين.
٣ - إن هذا التفسير خلاف الأدلة الصحيحة، فقد دلت النصوص الصحيحة أن الميت ليس له تصرف في الأمور الدنيوية، وليس لمشيئته تأثير على ما يجري في الدنيا.
٤ - سياق الآية يدل على أنها جزاء في الجنة وليس في القبور، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ في آية الشورى، كما يدل على ذلك مقابلة هؤلاء الصنف المصدقين بالمكذبين الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ فكما أن هذا يقع في الآخرة فكذلك الآخر.
٥ - ثم لو سلمنا جدلًا أن المراد من الآية أن لهم المشيئة المطلقة في القبر يلزمنا أنهم يعلمون ما يجري في الدنيا وهذا يخالف النصوص وتأتي تلك النصوص في حديث عرض الأعمال.
٦ - إن التفسير الصحيح للآية هو ما تدل عليه آيات أخر مثل هذه الآية تمامًا وهي واضحة أن هذه المشيئة هي في الجنة وأنهم ما يشاءون ويشتهون شيئًا إلا حصل لهم، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣١ - ٣٥] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ [الفرقان: ١٥، ١٦].
فهاتان الآيتان في الجنة بدون شك ولا ريب، فكذا الآية التي احتجوا بها، فكل هذه الآيات في الجنة لا في البرزخ، ومثل هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١].
فتبين مما سبق أن المراد من الآية ليس مشيئة مطلقة وإنما هي مشيئة
[ ٢ / ٧١٦ ]
خاصة بما يشتهونه في الجنة، ودل على هذه الآيات الأخرى والسياق وأقوال المفسرين.
فقد فسر ابن جرير (^١) وابن كثير (^٢) والقرطبي (^٣) وغيرهم الآية بالطلب في الجنة بعد قيام الساعة، ولم نطلع على أحد فسرها بما يدل على الطلب أيام البرزخ في القبر، فيكون تفسيرها بذلك من التفسير بالرأي المذموم الذي نهينا عنه كما يكون أيضًا مخالفًا لسياق الآية.
قال الشيخ محمد صديق حسن خان ﵀ في رد هذه الشبهة: "إن ذلك وعد لهم والله لا يخلف الميعاد وهذا لهم في الآخرة كما صرحت به الآيات والأحاديث ودعوى العموم بعيدة محالة، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن … " (^٤).
الآية التاسعة:
قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
قد احتجوا بهذه الآية على دعاء الموتى وندائهم بالحوائج، وقالوا هي الأرواح الفاضلة فإنها إذا فارقت البدن يظهر لها آثار في أحوال هذا العالم فهي المدبرات أمرًا، فإن الإنسان قد يرى شيخه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها (^٥).
_________________
(١) الطبري: ٥/ ٢٤، ٢٦/ ٢٢.
(٢) ابن كثير: ٤/ ٥٣، ١١١.
(٣) الجامع للأحكام: ١٥/ ٢٥٧، ١٦/ ٢٠.
(٤) قطف الثمر: ١٠٥.
(٥) انظر هذا القول في تفسير الرازي: ٣٠/ ٣٢، وأساس التقديس ص: ٧٧، وقد نقل الكوثري في المقالات ص: ٣٨٢ قول الرازي من تفسيره ومن المطالب العالية وامتدحه، وانظر روح المعاني: ٣٠/ ٣٠ - ٣٢، وقد احتج بالآية داود بن جرجيس كما في تحفة الطالب ص: ٥٨.
[ ٢ / ٧١٧ ]
الجواب:
١ - إن هذا التفسير من التفسير بالرأي المجرد المذموم لأنه لم يرد عن مفسري السلف ولا يدل عليه نظم القرآن وسياقه.
٢ - قد فسر علماء التفسير من السلف المدبرات بالملائكة ولم يختلفوا في ذلك، وإنما اختلفوا في تفسير النازعات والناشطات والسابحات والسابقات، وأما المدبرات فلم يختلفوا في تفسيرها بالملائكة، قال ابن كثير ﵀: "قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي هي الملائكة، زاد الحسن تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها ﷿ ولم يختلفوا في هذا" (^١)، فعلى هذا فلا يجوز إحداث تفسير لم يذهبوا إليه لأن ذلك يعد مخالفة لاتفاقهم.
٣ - ثبت أن المراد من المدبرات هي الملائكة التي تدبر الأمور الكونية بأمر الله تعالى، ومع تدبيرها للكون لا يجوز دعاؤهم ولا الاستغاثة بهم.
لأننا نعلم أن الملائكة يدعون لنا بالاستغفار ومع ذلك لا نطلب منهم ذلك، لأن ذلك إنما يكون منهم بالأمر الكوني لا يزيد بسؤال سائل (^٢)، وفي هذا رد لما نقل عن بعضهم من القول بأن رفع اليدين إلى السماء في الدعاء لأجل دعاء الملائكة (^٣) فالملائكة لا يدعون من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.
وجاء تفسيرها بالملائكة كما سيأتي (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٦٦، وانظر أيضًا الدر المنثور: ٦/ ٣١٠ - ٣١١، وقال ابن القيم: نقلًا عن ابن عطية: إنه لا يحفظ خلافًا في أنها الملائكة: مفتاح دار السعادة: ٢/ ٦١٧، والإغاثة: ٢/ ٩٥ - ٩٦.
(٢) انظر ما سيأتي نقله في ص: ٧٧٧.
(٣) انظر ما تقدم نقله عن الرازي من تأسيس التقديس ص: ٢٨٦.
(٤) سيأتي ص: ٨٩٠.
[ ٢ / ٧١٨ ]
٤ - ثم إن القول بأن أرواح الموتى هي المدبرة للأمور فيه خطورة بالغة وفتح لباب الشرك على مصراعيه، وهل عبدت الأصنام إلا بمثل هذا، بل لا يعتقد أكثر عباد الأصنام لها التدبير استقلالًا كما سيأتي (^١)، فاعتقاد التدبير للأموات من أشنع المسائل التي صرّح بها بعض من ينتسب إلى الإسلام وهي من أقوال الصابئة وبعض الفلاسفة الذين يعتقدون تأثيرًا وارتباطًا لأرواح الموتى بالأحياء، ولا يتصور من مسلم أن يتفوه بمثل هذا مع وضوح مناقضته لبديهيات الإسلام، فالقول بهذا مع مناقضته للإسلام "رجوع إلى عبادة الملائكة والنجوم والأنفس المفارقة وهذا حقيقة دين الصابئة" (^٢).
وبهذه الآية نصل إلى الانتهاء من ذكر أهم الآيات التي احتجوا بها والإجابة عليها بما يوضح أنها لا تدل على مقصودهم بل هي على نقيض قصدهم.
ومن هنا نقول: إننا لم نجد لهم دليلًا صريحًا من الكتاب العزيز يدل لما ذهبوا إليه من جواز دعاء غير الله تعالى من الأموات والغائبين أو التوسل بهم.
والآن نبدأ في عرض ما بقي من حججهم من السنة الصحيحة والإجابة عليها وبالله التوفيق.
_________________
(١) ص: ٨٩٣.
(٢) تحفة الطالب ص: ٥٨.
[ ٢ / ٧١٩ ]
المبحث الثاني في مناقشة بعض ما احتجوا به من السنة الصحيحة
ومن الأحاديث الصحيحة التي استدلوا بها:
١ - ما رواه أنس بن مالك ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون" (^١).
قد احتج بهذا الحديث طائفة (^٢) ممن أجازوا السؤال بالذوات، والاستشفاع بها، أو استحبوا ذلك ومنهم من احتج به على جواز الاستغاثة بغير الله تعالى.
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٢/ ٤٩٤ رقم ١٠١٠ و٧/ ٧٧ رقم ٣٧١٠، وابن سعد في الطبقات: ٤/ ٢٨ - ٢٩، والفسوي في المعرفة والتاريخ: ١/ ٥٠٤، وابن حبان في صحيحه "الإحسان": ٤/ ٢٢٨ رقم ٢٨٥٠، وابن خزيمة في صحيحه: ٢/ ٣٣٧ رقم ١٤٢١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٢٥٢ رقم ٩٦٥، و٣/ ٣٣٣ رقم ٢٢١١.
(٢) وممن احتج به ابن الحاج في المدخل: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وابن حجر الهيتمي كما في شواهد الحق: ١٣٧ - ١٣٨، والسمهودي في وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٥، وزيني دحلان في الدرر السنية ١١ - ١٣، وفي خلاصة الكلام: ٢٤٣ - ٢٤٤، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٧١، والكوثري في محق التقول في مسألة التوسل ضمن المقالات: ٣٨٠، ٣٨٨ والنبهاني في شواهد الحق: ١٣٧ - ١٣٨، والغماري في إتحاف الأذكياء: ١٥ - ١٦، والرد المحكم: ١٦٢ - ١٦٤، والداجوي كما في البصائر: ٩١، والعزامي في البراهين: ٤٣٢ - ٤٣٥، وعنه بدون إشارة صاحب المفاهيم: ٦٩ - ٧١، والبوطي في: السلفية مرحلة: ١٥٤.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
الجواب كالآتي:
إن هذا الحديث ليس من التوسل بالذوات والسؤال بها.
وإنما هو من التوسل المشروع وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر، ويدل على ذلك أمور:
١ - إن علماء السلف فهموا من هذا الحديث التوسل المشروع، ويدل لذلك صنيع الإمام البخاري (^١) رحمه الله تعالى فقد بوّب لهذا الحديث بقوله:
"باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا" وأورد تحت هذا الباب هذا الحديث وحديث ابن عمر ﵄.
ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقد اعترض (^٢) على البخاري بعضهم، لإيراد هذين الحديثين تحت الباب المذكور لأن الحديثين في نظر المعترض ليس فيهما ما يدل على طلب الاستسقاء من الإمام، وعند التأمل يظهر دقة استنباط البخاري وصحته وأن الحديثين يدلان على سؤال الناس الإمام الاستسقاء ولا صحة لاعتراض من اعترض عليه، والسبب في هذا الاعتراض أن لفظ التوسل قد دخل فيه لبس وخلط فمفهومه في لغة الصحابة غير مفهومه عند المتأخرين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
"ولفظ التوسل والاستشفاع ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول
_________________
(١) انظر البخاري مع الفتح: ٢/ ٤٩٤، ومثل البخاري الطبراني في الدعاء إذ عقد بابًا بعنوان "باب ما ينبغي للإمام من استحضار الصالحين عند الاستسقاء: ٢/ ١٢٥٢، رقم الباب ١٦٠".
(٢) انظر هذا الاعتراض في الفتح: ٢/ ٤٩٤.
[ ٢ / ٧٢١ ]
وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم" (^١).
وذلك لأن التوسل والتوجه ونحوهما لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته ﷺ من أعظم الوسائل عند الله ﷿.
وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته (^٢)، فالمعنى الصحيح لقول عمر ﵁: "كنا نتوسل بنبينا فتسقينا" -كنا نطلب منه الدعاء والشفاعة ونطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته "ونحن نقدمه بين أيدينا شافعًا وسائلًا لنا -بأبي هو وأمي ﷺ فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به، والناس يدعون معه" (^٣).
وليس معناه أننا نذكر اسمه في الدعاء مع غيبته كأن يقال: اللهم إنا نسألك بحرمة نبيك وجاهه. .. إلخ.
٢ - إن الثابت في الأحاديث الصحاح أن الصحابة كان توسلهم في حياة النبي ﷺ في الاستسقاء وغيره -بطلب الدعاء منه، وذلك كما في حديث أنس وعائشة ﵄، بل قد ثبت أن الكفار كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ فكانوا يطلبون منه الدعاء ليسقيهم الله تعالى، كما في حديث ابن مسعود ﵁.
فحديث أنس هو ما رواه البخاري ومسلم عن أنس، أن رجلًا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا فقال:
يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا
_________________
(١) قاعدة في التوسل: ٧٩ - ٨٠، ومع الفتاوى: ١/ ٢٤٦.
(٢) المرجع نفسه: ١٥٢، أو الفتاوى: ١/ ٣٤٤.
(٣) قاعدة في التوسل: ١٢٦، أو الفتاوى: ١/ ٣١٤ - ٣١٥.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئًا … (^١).
وأما حديث عائشة ﵂ فهو قولها:
"شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه قالت: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم … " (^٢).
فقد صرح في الحديث أنهم شكوا إليه تأخر المطر وهذه الشكوى لأجل أن يدعو النبي ﷺ.
فالصحابة لم يكونوا يتوسلون بذكر اسمه فقط بدون أن يدعو لهم النبي ﷺ وبدون أن يعلمه وبدون أن يحضروا عنده.
وأما توسل الكفار واستشفاعهم بالنبي ﷺ فقد أخرجه البخاري تحت باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط من طريق مسروق قال: أتيت ابن مسعود فقال:
"إن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الأرحام، وإن قومك هلكوا فادع الله … فدعا
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٢/ ٤١٢ رقم ٩٣٢، ومواضع أخر ومسلم: ٢/ ٦١٢ رقم ٨٩٧.
(٢) أخرجه أبو داود: ١/ ٦٩٢ رقم ١١٧٣، وابن حبان [موارد] ص: ١٦٠ رقم ٦٠٤، والحاكم: ١/ ٣٢٨، والطحاوي: ١/ ١٩٢، والطبراني في الدعاء: ٣/ ١٧٦٩ - ١٧٧٣ رقم ٢١٧٠ - ٢١٧٤ ورقم ٢١٨٥، وقد قال فيه أبو داود: حديث غريب إسناده جيد، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي وقد حسنه الألباني في الإرواء: ٣/ ١٣٥ رقم ٦٦٨.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
رسول الله ﷺ فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعًا وشكا الناس كثرة المطر فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانحدرت السحابة عن رأسه فَسُقُوا الناسُ حولهم" (^١).
فدلت هذه الأحاديث على أن التوسل المعهود في حياة النبي ﷺ هو المجيء إليه وطلب الدعاء منه وهذا يفسر التوسل الوارد في كلام عمر ﵁: "كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا" فكما أن قوله الأول نتوسل إليك بنبينا يحمل على هذا كما دلت عليه هذه الأحاديث، يحمل قوله: "وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" على التوسل المعهود بينهم وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر الذي يدعو، قال شيخ الإسلام: والصحابة ﵃ "كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي ﷺ واستسقاءه، لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته ﷺ سأل الله تعالى بمخلوق لا به ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره" (^٢).
٣ - ويدل لهذا أيضًا ما رواه عبد الرزاق من طريق عكرمة عن ابن عباس: "أن عمر استسقى بالمصلى فقال للعباس: قم فاستسق فقام العباس فقال: اللهم إن عندك سحابًا وإن عندك ماء .. اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم إنا شفعنا إليك عمن لا منطق له عن بهائمنا، وأنعامنا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك لا شريك لك … " (^٣).
ففي هذا تصريح بطلب عمر من العباس ﵄ الدعاء،
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ٢/ ٥١٠ رقم ١٠٢٠. وانظر خبر مجيء أبي سفيان إلى النبي ﷺ في دلائل البيهقي: ٢/ ٣٢٩، ولحديث ابن مسعود شاهد من حديث كعب بن مرة أخرجه ابن أبي شيبة برقم ٩٢٧٤، والطبراني في الدعاء برقم ٢١٩١.
(٢) قاعدة في التوسل ص: ٦٥.
(٣) مصنف عبد الرزاق: ٣/ ٩٢ - ٩٣، عن إبراهيم بن محمد وهو ابن أبي يحيى عن حسين بن عبد الله وهو الهاشمي عن عكرمة عن ابن عباس به وإسناده ضعيف لضعف ابن أبي يحيى، والهاشمي.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
وهو التوسل المشروع ولم يكتف عمر بذكر اسم العباس في الدعاء فقط، بل طلب منه الدعاء، ثم إن قول العباس فشفعنا في أنفسنا إلخ يدل على أن كل الحاضرين مشتركون في الدعاء وأنهم يشفعون في أنفسهم وأهليهم كما يشفعون عن البهائم.
ثم إن قوله لا نرغب إلّا إليك يؤكد إفراد الله تعالى بالرغبة والسؤال وهذا كله يدل على أن التوسل الوارد في قول عمر معناه طلب الدعاء من الحي الحاضر.
٤ - كما يشهد لذلك أيضًا ما ورد في بعض طرق الحديث عن أنس قال: "كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به، فيستسقي لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر" (^١).
فهذا واضح في طلب الدعاء منه ﷺ، وكذلك العباس إنما طلب منه عمر الدعاء فكلمة استسقوا السين والتاء فيها للطلب أي طلبوا منه الدعاء بالسقيا.
٥ - ومما يشهد لذلك أيضًا صيغة ما دعا به العباس حين طلب منه عمر فإنه قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث" (^٢).
فلو كان توسل عمر بالذات لما دعا العباس ولسكت لأنَّه يكفي توسل عمر بذاته بل يكفي عدم حضور العباس معهم بذاته، فيكتفي بذكر
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (الإحسان: ٤/ ٢٢٨) والإسماعيلي كما في الفتح: ٢/ ٤٩٥، والإسناد صحيح لاتحاد مخرج الإسناد مع إسناد البخاري.
(٢) أخرجه الطبراني في الدعاء من طريق الزبير بن بكار: ٣/ ١٧٩٥ رقم ٢٢١١. وعزاه الحافظ في الفتح إلى الزبير بن بكار في الأنساب (الفتح: ٢/ ٤٩٧)، وأخرجه الحاكم: ٣/ ٣٣٤ من طريق الزبير أيضًا، مختصرًا وسكت عنه وقال الذهبي: داود متروك وسيأتي بعد قليل بيان ما في هذا الأثر من علل ص: ٧٢٩.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
اسم العباس في الدعاء بدون أن يدعو العباس وبدون أن يحضر كما يفعله المتأخرون.
٦ - إن هذا التوسل لو كان توسلًا بالذات لما عدل عمر والصحابة عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس، وكان يمكنهم أن يأتوا قبر النبي ﷺ فيتوسلوا به أو يقولوا وهم في الصحراء: اللهم إنا نسألك بجاه نبيك أو نحوه ولكنهم عدلوا عن هذا إلى التوسل بالعباس.
ولا شك أنهم أعلم منا بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وغيرها وما هو أقرب إلى الإجابة.
فدل هذا العدول عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول على أن التوسل بالأفضل لم يكن ممكنًا (^١).
وقد ذكرنا فيما سبق (^٢) أن من القواعد الأصولية المقررة أن الترك الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع -يدل على أن الترك سنة وأن خلافه بدعة.
ومما يدل على أن الصحابة يرون أن ترك التوسل بالنبي ﷺ هو السنة أنهم لم يكونوا في حياته يتوسلون بغيره مع حضوره معهم، فلو كان التوسل به مشروعًا بعد موته لما عدلوا عنه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
"فلو كان توسلهم به في مماته كتوسلهم به في حياته لكان توسلهم به أولى من توسلهم بعمه العباس ويزيد وغيرهم.
فهل كان فيهم في حياته من يعدل عن التوسل به والاستشفاع إلى التوسل بالعباس وغيره؟ وهل كانوا وقت النوازل والجدب يَدَعُونه، ويأتون
_________________
(١) قاعدة في التوسل: ١٣١.
(٢) سبق ص: ٦٠٦.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
العباس أم هل يفعل هذا مؤمن؟ فلو كان التوسل به في مماته كما كان في حياته لزم أن يكون المهاجرون والأنصار إما جاهلين بهذه التسوية وهذا الطريق أو أنهم سلكوا في مطلوبهم أبعد طريق، وكلاهما لا يصفهم به إلا من كان من جنس الرافضة الأراذل القادحين في أولئك الأفاضل. ثم سلف الأمة وأئمتها سلكوا سبيل الصحابة في التوسل في الاستسقاء بالأحياء الصالحين الحاضرين.
ولم يذكر أحد منهم ذلك التوسل بالأموات لا من الرسل ولا من الأنبياء ولا من الصالحين" (^١).
وأما جواب من (^٢) قال: إن عمر ﵁ فعل ذلك للإشارة إلى جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.
فيقال في (^٣) جوابه:
١ - إنه يمتنع في العادة أن يلجأ المضطر في حالة الشدة إلى المشكوك فيه مع وجود من يتيقن إجابة دعائه، فالمضطر يلجأ إلى أعظم من يخلصه وينسى غيره.
ويدل لهذا صنيع المشركين في الشدة. قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
قال شيخ الإسلام على لسان الصحابة: "فلم نعدل عن الأمر المشروع … وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله بأضعف السببين، مع القدرة على أعلاهما ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب" (^٤).
_________________
(١) الرد على البكري: ١٢٦ - ١٢٧.
(٢) قد أجاب بهذا دحلان في الخلاصة: ٢٤٤، وفي الدرر: ١٣، والكوثري في محق التقول: ٣٨٨ والغماري في الإتحاف ١٦، والرد المحكم: ١٦٢.
(٣) التوسل وأنواعه ص: ٦٥.
(٤) قاعدة في التوسل: ٦٥، وضمن الفتاوى: ١/ ٢٢٥.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
٢ - ثم إن بيان الجواز يكفي فيه المرة الواحدة وقد تكرر من عمر هذا كما تدل عليه كلمة "كان".
٣ - ثم إن هذا العدول ليس من عمر فقط بل فعله معاوية أيضًا حيث استسقى بيزيد بن الأسود، فقد روي عن سليم بن عامر الخبائري.
"أن السماء، قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس فأقبل يتخطى الناس فأمره معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه فقال معاوية: "اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم.
فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم" (^١).
وقد صحح إسناد هذا الأثر الحافظ في التلخيص والإصابة (^٢)، وكذلك فعل الضحاك بن قيس استسقى بيزيد بن الأسود (^٣)، فلا يمكن أن يقال: إن معاوية والضحاك فعلا أيضًا لبيان الجواز، فاجتماع هؤلاء الثلاثة إلى العدول عن النبي ﷺ وعدم إنكار أحد من الصحابة عليهم يدل على أن العدول هو المشروع.
وهناك رواية أخرى في استسقاء معاوية بأبي مسلم الخولاني (^٤).
_________________
(١) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ: ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه ١/ ٦٠٢ رقم ١٧٠٣، وابن سعد في الطبقات: ٧/ ٤٤٤. وذكره الذهبي في السير: ٤/ ١٣٧، ونسبه الحافظ في التلخيص إلى اللالكائي وغيره.
(٢) انظر: تلخيص الحبير: ٢/ ١٠١، والإصابة: ٦/ ٦٩٨.
(٣) المعرفة والتاريخ: ٢/ ٣٨١، وأبو زرعة: ١/ ٦٠٢ رقم ١٧٠٤، وذكر في الإرواء: ٣/ ١٤٠، أن رجاله ثقات لكنه منقطع.
(٤) أخرجها أحمد في الزهد: ٣٩٢، قال الألباني: وسنده منقطع "الإرواء: ٣/ ١٤١".
[ ٢ / ٧٢٨ ]
وأما من (^١) أجاب عن عدول عمر ﵁ إلى العباس بأن ذلك - مبالغة من عمر في التوسل برسول الله ﷺ ما استطاع وذلك لقرابته من رسول الله ﷺ، فيقال في جوابه:
إن هذا يمكن أن يكون سببًا في تخصيص العباس دون غيره من الصحابة ولا يكون سببًا للعدول (^٢).
ثم يعترض عليه بأن التعليل بالقرابة لا يمكن في صنيع معاوية والضحاك فليست العلة مطردة. وكذلك إجابة (^٣) من أجاب بأن ذلك للاقتداء بالنبي ﷺ في إكرام العباس وإجلاله، واحتج بما روي من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال:
"استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فخطب عمر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ واتخذوه وسيلة إلى الله … " (^٤).
وهذه الرواية فيها عدة علل (^٥) وعلى فرض ثبوتها فإنما تدل على سبب التخصيص فقط، ولا تدل على سبب العدول المتنازع عليه.
كما أن هذا يعترض عليه بقصة معاوية والضحاك -فلا يمكن أن
_________________
(١) ممن أجاب بهذا السمنودي في سعادة الدارين: ١٧٥، والغماري في الرد: ١٦٣، والعزامي في البراهين: ٤٣٤، وعنه انتحل صاحب المفاهيم: ٧٠، ومنهم أيضًا الكوثري في محق التقول: ٣٨٨، والهرري في الصراط المستقيم: ٥٥.
(٢) التوسل أنواعه: ٧٢.
(٣) منهم الغماري في الإتحاف: ١٦، والرد المحكم: ١٦٢.
(٤) تقدم تخريجه ص: ٧٢٥.
(٥) انظر الكلام عليها في التوسل أنواعه: ٧١ - ٧٢. قال الألباني ما حاصله:
(٦) داود ضعيف، والذهبي قال: داود متروك.
(٧) ساعدة بن عبيد الله المزني لم أجد له ترجمة.
(٨) الاضطراب في السند مرة عن زيد عن أبيه من طريق هشام بن سعد، ومرة عنه عن ابن عمر وهشام أقوى من داود.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
يقال فيه: إن ذلك للقرابة أو للاقتداء بالنبي ﷺ.
ثم إن قول عمر في هذه الرواية على فرض صحتها -وأنَّى لها الصحة؟ -: "واتخذوه وسيلة إلى الله" أي اجعلوه يدعو لكم، وليس معناه: اذكروا اسمه فقط، فلا حجة فيه كما ادعاه بعضهم (^١).
وأما من (^٢) أجاب بأن عمر إنما عدل إلى العباس ﵄ خوفًا على ضعفاء المسلمين وعوامهم.
١ - فيقال: هذا الظن لا دليل عليه لأن الاطلاع على مقاصد عمر ﵁ من الغيب، ولم يرد في لفظ الحديث ما يدل عليه.
٢ - ثم هل يقال مثل هذا في معاوية والضحاك، هل العلة في الكل الخوف؟
٣ - ثم لو سلم ذلك فيقال إذا كان الخليفة الملهم ﵁ يخاف على الذين في القرن الأول المفضل مع قوة نور النبوة، فكيف لا يخاف على الخلوف الذين بعدوا عن نور النبوة وعادوا إلى الجاهلية الأولى؟
فلا بد من القول إما بأن المتأخرين أعلم منهم وأفقه .. إلخ، فلا يخاف عليهم، وإما بأن الخوف في المتأخرين أشد وأنهم أولى بأن يبتعدوا عما يزلزل إيمانهم بالله تعالى من ذرائع الشرك ووسائله، ومن تلك الذرائع التوسل بالذوات الذي باسمه أجاز من أجاز الاستغاثة بغير الله تعالى.
وأما قول الكوثري: إن قول عمر: كنا نتوسل إليك بنبينا غير خاص بعهده ﷺ، بل يشمله وما بعده إلى عام الرمادة والتقييد تقييد بدون مقيد (^٣).
_________________
(١) انظر ما ادعاه الكوثري في المقالات: ٣٨٦.
(٢) قد أجاب بهذا دحلان في الخلاصة: ٢٤٤، والدرر: ١٣، ويوسف الدجوي كما في كتاب التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: ٢٧٢، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٧٥.
(٣) محق التقول: ضمن المقالات: ٣٨٨.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
وقوله أيضًا: إن قوله: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا إنشاء للتوسل بذات العباس وليس خبرًا وكذلك كنا نتوسل إليك بنبينا إنشاء وليس خبرًا، أو أنه منصب على ما قبل هذا القول، فالصحابة على هذا كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ في حياته، وبعد لحوقه بالرفيق الأعلى.
وأما قصر ذلك على ما قبل وفاته ﷺ تقصير عن هوى، وتحريف لنص الحديث وتأويل بدون دليل (^١).
فهذا القول الذي زعمه الكوثري باطل وافتراء على الصحابة بل هو الأنسب بأن يوصف بما قاله من كونه تقصيرًا عن هوى وتحريفًا وتأويلًا بلا دليل، وهذا ليس تحاملًا عليه ولكن لما ثبت وورد في طرق الحديث من التقييد بعهد النبي ﷺ نصًا مصرحًا به.
فقد أخرج الحديث نفسه ابن حبان والإسماعيلي في مستخرج البخاري مقيدًا وإليك لفظه: "عن أنس قال: كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا بالنبي ﷺ فيستسقى لهم، فيسقون، فلما كان بعد وفاة النبي ﷺ في إمارة عمر قحطوا فخرج عمر بالعباس يستسقي به فقال: "اللهم إنا كنا إذا قُحِطنا على عهد نبيك ﷺ واستقينا به فسقيتنا به، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك ﷺ فاسقنا، قال فسقوا" (^٢). فتبين بهذا أنه جاء مقيدًا بعهده ﷺ وأنَّه خبر لا إنشاء، وفائدة الخبر هو ذكر إجابة الله لهم سابقًا وأنَّه لا يخيبهم كما قال زكريا ﵇: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤].
وأما القول بأن قول عمر كنا نتوسل بنبينا إذا قلنا توسل بالذات لا يحتاج إلى تقدير، وأما إذا قلنا إنه توسل بدعائه فيحتاج إلى تقدير مضاف محذوف ولا حاجة إلى الحذف والقول به بدون أي حاجة (^٣).
_________________
(١) المرجع نفسه: ٣٨٠.
(٢) أخرجه ابن حبان: الإحسان ٤/ ٢٢٨ رقم ٢٨٥٠، والإسماعيلي كما في الفتح: ٢/ ٤٩٥.
(٣) محق التقول ضمن المقالات: ٣٨٨.
[ ٢ / ٧٣١ ]
فيقال: بأنه لا حاجة إلى تقدير مضاف لأن معنى التوسل والتوجه والاستشفاع في عرف الصحابة ولسانهم هو التوسل بالدعاء، ولا يفهمون منه غير هذا كما تقدم بيان ذلك فلا نقدر أَيَّ محذوف.
أو يقال: "بأنه لا بد من تقدير مضاف إما بدعاء أو بذات نبينا والأدلة تؤيد تقدير بدعاء نبينا" (^١).
والجواب الأول أولى لأن هذا التوهم لحاجة الكلام إلى التقدير إنما وقع عندما حصل خلط ولبس في معنى التوسل، وأما الأوائل فلا يفهمون منه إلا التوسل بالدعاء.
وبهذا اتضح أن الحديث إنما يدل على التوسل بدعاء الحي الحاضر ولا يدل على التوسل بذوات الموتى أو الغائبين.
ومن الأحاديث الصحيحة التي استدلوا (^٢) بها على نفع الأموات وجواز دعائهم ما ورد في أحاديث الإسراء من قوله ﷺ: "مررت على موسى يصلي في قبره"، ومراجعته للنبي ﷺ في تخفيف الصلاة.
وحديث صلاة موسى في قبره أخرجه مسلم (^٣)، وأما حديث المراجعة فمتواتر من طرق كثيرة في أحاديث الإسراء (^٤).
ولكن صلاة موسى، وقصة مراجعته، وكذلك صلاة الأنبياء خلف
_________________
(١) التوسل أنواعه: ٥٥، ونحوه في البصائر: ٣٣٧، وروح المعاني: ٦/ ١٢٦.
(٢) احتج به داود بن جرجيس في المنحة الوهبية ص: ٥، وتلميذه كما في مصباح الظلام ص: ٢٤٥، وصاحب المفاهيم: ١٦٩ - ١٧٠، وانظر جلاء العينين ص: ٤٤١.
(٣) صحيح مسلم: ٤/ ١٨٤٥ رقم ٢٣٧٥، ١/ ١٥٧ رقم ١٧٢، ومع إخراج مسلم له قال ابن القيم مظهرًا عدم طمأنينته من صحته في النفس منه حسيلة هل قاله: والحق ما قال ذو الفرقان". اهـ. النونية مع شرح الهراس: ١/ ٢٩٣.
(٤) وانظر تفسير ابن كثير: ٣/ ٢ - ٢٤، فهو أوسع من وقفت على كلامه في إيراد طرق تلك الأحاديث وفيها المراجعة.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
الرسول ﷺ، كل هذا لا يدل إلَّا على حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية لا نعلم حقيقتها وكيفيتها، وثبوت هذه الحياة لا يستلزم جواز دعائهم ولا الاستغاثة بهم لأوجه:
١ - الأنبياء في حال حياتهم الدنيوية لا يجوز دعاؤهم ولا الاستغاثة بهم إلا فيما يقدرون عليه، فمن باب أولى إذا انتقلوا من هذه الدار أن لا يجوز ذلك.
٢ - الغائب عن النبي ﷺ في حال حياة النبي ﷺ لا يمكن أن يطلب منه الدعاء والشفاعة والاستغاثة فمن باب أولى في حال وفاته صلوات الله وسلامه عليه.
٣ - إن دعاء الأنبياء -وإن كانوا أحياء في قبورهم- يستلزم اعتقاد أنهم يعلمون بمن يدعوهم ويستغيث بهم، ويسمعون نداءه واستغاثته والعلم المحيط والسمع المحيط من خواص الله تعالى.
٤ - ولو فرضنا علمهم وسمعهم لذلك فلا يجوز دعاؤهم لأن الأنبياء كانوا يحذرون من يفعل ذلك معهم في حال حياتهم بل يحذرون مما هو أقل من ذلك، فقد ورد عن نبينا ﷺ قوله لمن قال له: ما شاء الله وشئت: "أجعلتني الله ندًا" (^١)، ولما سمع قول الفتاة في العرس: "وفينا نبي يعلم ما في غد" نهاها (^٢).
٥ - ثم ما يفعلونه في الحياة البرزخية من الأمر الكوني فلا يزيد بسؤال السائل، وذلك مثل دعاء حملة العرش والملائكة للمؤمنين فلا يجوز مع علمنا بأن الملائكة يدعون لنا أن ندعوهم وكذلك الأنبياء بعد مماتهم، وسيأتي بيان هذا (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه: ٤٥٥.
(٢) تقدم تخريجه: ٤٩٥.
(٣) سيأتي ص: ٧٧٧.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
ومن تلك الأحاديث الصحيحة التي استدلوا بها "اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي ﷺ أعوذ بك من النار".
استدل به بعضهم (^١) على التوسل وزعم أن "تخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم فكأنه يقول: "اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل … إلخ".
الجواب:
١ - الحديث ليس فيه توسل بالذوات، وإنما هو توسل بصفة من صفات الله وهي ربوبيته لهؤلاء الملائكة، فهو يدعو رب هؤلاء ولم يدع هؤلاء كما أنه لم يدع بهؤلاء، والحكمة في التوسل بربوبية الله لهؤلاء الثلاثة كما قال ابن القيم: إن الله وكلهم بالحياة فجبريل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل بالمطر وبه حياة الأبدان، وإسرافيل بالنفخ في الصور وبه حياة العالم وعود الروح إلى الجسد، فالتوسل إليه سبحانه في حياة القلب بالهداية بربوبيته لهؤلاء الموكلين بالحياة له مناسبة وتأثير في حصول المطلوب (^٢).
٢ - ثم إن الحديث باللفظ الذي استدلوا به ضعيف (^٣) ولكن الحديث جاء من طريق صحيح وفيه ما يدل على أن المراد بالإضافة إلى هؤلاء هو التوسل بربوبية الله لهم وهو ما روي من طريق عائشة ﵂ قالت: "كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت
_________________
(١) قد استدل به دحلان في الدرر ٣٠، وخلاصة الكلام: ٢٥٢، والعلوي في مفاهيم: ٦٨ - ٦٩، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٨٥ - ١٨٦.
(٢) زاد المعاد: ٤/ ٢٠٥، وإغاثة اللهفان: ٢/ ٩٦، ومفتاح السعادة: ١/ ١٠٨.
(٣) فقد أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص: ٥٢ رقم ١٠٣، والحاكم: ٣/ ٦٢٢، وسكت عليه هو والذهبي وقد ضعفه الألباني في الصحيحة: ٤/ ٥٩، وقد حسنه الحافظ في نتائج الأفكار: ١/ ٣٨٣ وكأنه حسنه لشواهده، والله أعلم.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (^١).
ففي هذا الحديث جاء قوله: "فاطر السموات … " فلا يمكن ادعاء أنه من باب التوسل بالذوات.
فدل هذا الحديث على أن هذا الدعاء توسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا من ربوبيته لملائكته المقربين وخلقه السموات والأرض وعلمه للغيب والشهادة وأما تأويل ذلك إلى التوسل البدعي وادعاء أنه أراد اللهم إني أتوسل إليك بهؤلاء ادعاء باطل لا دليل عليه، ولا قرينة لفظية ولا معنوية تدل عليه، وهل الرسول ﷺ عجز أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بجبريل بدل أن يقول: اللهم رب جبريل … وهو أفصح الخلق صلوات الله وسلامه عليه؟.
ثم إن قوله: "ومحمد النبي ﷺ" يلزم منه على ادعاء أنه توسل بالذوات -توسل النبي ﷺ بذاته- فيلزم الدور.
ويلزم (^٢) هؤلاء أيضًا التوسل بالمخلوقات الحقيرة أو الشياطين فإنه قد ورد إضافة الرب إلى الشياطين، ففي حديث بريدة بن الحصيب ﵁ مرفوعًا: "إذا أويت إلى فراشك: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت: كن لي جارًا من شر خلقك … " (^٣)، وفي حديث صهيب نحوه (^٤).
حديث الضرير:
وهو ما رواه أبو جعفر عمير بن يزيد عن عمارة بن خزيمة عن
_________________
(١) صحيح مسلم: ١/ ٥٣٤ رقم ٧٧٠.
(٢) انظر البصائر ص: ٤٣٧.
(٣) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٣٩ رقم ٣٥٢٣، وقد ضعفه في ضعيف الجامع: ١/ ١٥٨.
(٤) أخرجه النَّسَائِي في عمل اليوم ص: ٣٦٧ رقم ٥٤٣ - ٥٤٧، وابن السني برقم ٥٢٤، وابن حبان رقم ٢٣٧٧، والحاكم: ١/ ٤٤٦ وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
عثمان بن حنيف: "أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخرت ذلك فهو خير"، وفي رواية: "وإن شئت صبرت فهو خير لك" فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:
"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربك في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فَشَفْعْهُ فِيَّ وشَفِّعْنِي فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ".
قد استدل بهذا الحديث طائفة (^١) ممن أجازوا السؤال بالذوات الفاضلة.
كما استدل به الذين أجازوا نداء الموتى والاستغاثة بهم وقالوا: إن فيه نداء النبي ﷺ، وهو غائب، واحتجوا في هذا بقصة تعليم عثمان للرجل التي في بعض طرق الحديث.
وقد ذكر بعض (^٢) هؤلاء الذين استدلوا بهذا الحديث أن هذا الحديث أصرح حديث وأصح حديث في الباب وحجة قاصمة.
ولتشبث هؤلاء بهذا الحديث واعتنائهم به ظنًا منهم أنهم وجدوا الدليل القوي فيما ذهبوا إليه -لا بد من دراسة هذا الحديث سندًا ومتنًا ومناقشة ما ادعوه ليعلم عدم دلالة الحديث على دعواهم بل دلالته على نقيضها.
_________________
(١) منهم السبكي في شفاء السقام: ١٧٥ - ١٧٩، والسمهودي في الوفا: ٤/ ١٣٧٢، والزركشي في الأزهية ص: ١٧٢، والهيتمي كما في شواهد الحق: ١٣٧، ودحلان في خلاصة الكلام: ٢٤١، ٢٥٨، والدرر: ٨، ٣٥، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٧٩ - ١٨٠، وعثمان بن منصور تلميذ ابن جرجيس كما في مصباح الظلام: ٢٩٦، والكوثري في محق التقول: ٣٧٩، ٣٨٩، والعزامي في الفرقان: ١١٩، ١٢٦، والغماري في الإتحاف: ٤ - ٥، والهرري في الصراط لمستقيم: ٥٤ - ٥٥ والبوطي في السلفية مرحلة ص: ١٥٤.
(٢) وهو السمنودي في سعادة الدارين: ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
دراسة الإسناد:
قد اشتهر هذا الحديث عن أبي جعفر.
فقد رواه عنه أربعة: شعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وهشام الدستوائي، وروح بن القاسم.
فهؤلاء الأربعة وإن اتفقوا في الرواية عن أبي جعفر إلا أنهم اختلفوا في شيخ أبي جعفر، فشعبة وابن سلمة روياه عن أبي جعفر عن عمه عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حُنَيْف.
وأما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فروياه عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، وسيأتي الكلام على هذا الاختلاف في الإسناد والمتن إن شاء الله تعالى.
فأقوى هذه الطرق طريق شعبة لأنَّه أحفظهم وأتقنهم، وقد رواه عن شعبة ثلاثة عثمان بن عمر وروح بن عبادة، وغندر.
فأما رواية عثمان فقد أخرجها الترمذي (^١) والنسائي (^٢) كلاهما عن محمود بن غيلان.
وأخرجه أحمد (^٣) وعبد بن حميد (^٤) وابن ماجه (^٥) عن أحمد بن منصور بن يسار. وابن خزيمة (^٦) عن محمد بن بشار وأبي موسى.
والطبراني عن إدريس بن جعفر العطار (^٧)، والحاكم من طريق
_________________
(١) الترمذي: ٥/ ٥٦٩ رقم ٣٥٧٨.
(٢) عمل اليوم والليلة ٤١٧ رقم ٦٥٩.
(٣) المسند: ٤/ ١٣٨.
(٤) المنتخب: ١/ ٣٤١ رقم ٣٧٩.
(٥) ابن ماجه: ١/ ٤٤١ رقم ١٣٨٥.
(٦) صحيح ابن خزيمة: ٢/ ٢٢٥ رقم ١٢١٩.
(٧) الدعاء للطبراني: ٢/ ١٢٨٩ رقم ١٠٥١، والمعجم الكبير: ٩/ ١٩ رقم ٨٣١١.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
الحسن بن مكرم (^١)، ومن طريق العباس بن محمد الدوري (^٢)، والبيهقي عن الحاكم بطريق الدوري (^٣).
وأخرجه البيهقي أيضًا من طريق محمد بن يونس (^٤)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير على صورة التعليق عن شيخه علي وهو ابن المديني (^٥).
كل هؤلاء -وهم: محمود بن غيلان وأحمد وابن حميد وابن يسار وابن بشار وأبو موسى والعطار وابن مكرم والدوري وابن يونس وابن المديني- عن عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف به.
وأما رواية روح بن عبادة:
فقد أخرجها أحمد ثنا روح قال: ثنا شعبة به (^٦).
والبيهقي في الدعوات من طريق أحمد بن الوليد، ثنا روح (^٧).
وقال البيهقي في الدلائل: ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة (^٨).
وأما رواية غندر محمد بن جعفر، فقد أخرجها الحاكم من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة به (^٩).
_________________
(١) المستدرك: ١/ ٥١٩.
(٢) المرجع نفسه: ١/ ٣١٣.
(٣) دلائل النبوة: ٦/ ١٦٦.
(٤) المرجع نفسه: ووقع عنده اسم عمارة عامر بن خزيمة.
(٥) التاريخ الكبير للبخاري: ٦/ ٦١٠.
(٦) المسند: ٤/ ١٣٨.
(٧) الدعوات للبيهقي: ل ٢٢/أ.
(٨) الدلائل للبيهقي: ٦/ ١٦٧.
(٩) المستدرك: ١/ ٥١٩ ولم أجد هذه الطريقة في المسند.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وأما بالنسبة إلى لفظ الحديث فقد اتفقت رواية شعبة في قوله: "اللهم فشفعه فيّ" ثم اختلفت في قوله: "وشفعني فيه" فبعضهم شك في زيادتها.
وأما طريق حماد بن سلمة، فقد أخرجه الإمام أحمد ﵀ عن مؤمل وهو ابن إسماعيل قال: ثنا حماد يعني ابن سلمة، قال: ثنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف به (^١)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير تعليقًا عن شيخه شهاب بن عباد عن حماد به (^٢)، وأخرجه أيضًا النَّسَائِي عن محمد بن معمر قال: حدثنا حبان قال: حدثنا حماد به (^٣)، وأخرجه ابن أبي خيثمة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة به (^٤).
وأما طريق هشام بن أبي عبد الله الدستوائي فأخرجه النَّسَائِي عن محمد بن المثنى قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه به (^٥)، وأخرجه البخاري في التاريخ تعليقًا عن شيخه محمد بن المثنى به (^٦).
ولفظ هشام الدستوائي: "فشفعه فيّ وشفعني في نفسي"، ولفظ حماد بن سلمة عند النَّسَائِي: "اللهم شفع فيَّ نبيي وشفِّعْنِي في نفسي".
وأما طريق روح بن القاسم فقد روى عنه راويان:
شبيب بن سعيد الحبطي، وعون بن عمارة البصري.
_________________
(١) المسند: ٤/ ١٣٨.
(٢) التاريخ الكبير للبخاري: ٦/ ٢٠٩.
(٣) عمل اليوم والليلة: ٤١٧ رقم ٦٥٨.
(٤) هكذا ساق إسناده شيخ الإسلام في قاعدة في التوسل ص: ٩٨.
(٥) عمل اليوم والليلة: ٤١٨/ ٦٦٠.
(٦) التاريخ الكبير: ٦/ ٢١٠.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
رواية شبيب بن سعيد:
فقد روى عنه ثلاثة: ولداه أحمد وإسماعيل ابنا شبيب، وعبد الله بن وهب.
وأما رواية أحمد بن شبيب:
فلها أربعة طرق، وقد أخرجها ابن السني من طريق العباس بن فرح الرياشي، والحسين بن يحيى الثوري (^١).
والحاكم من طريق أبي عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ (^٢).
ومن طريق الحاكم البيهقي (^٣).
ثلاثتهم -العباس الرياشي، والحسين الثوري، والصائغ- عن أحمد بن شبيب بن سعيد به، بدون ذكر القصة في أول الحديث.
وخالف هؤلاء الثلاثة يعقوب الفسوي، فزاد في أول الحديث قصة أخرجها في تاريخه فقال: ثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، ثنا أبي عن روح بن القاسم إلخ وذكر القصة (^٤).
ومن طريقه البيهقي في الدلائل (^٥)، ومن طريقه أيضًا عبد الغني المقدسي في كتاب الترغيب في الدعاء (^٦).
وأما رواية إسماعيل بن شبيب:
فقد أخرجها البيهقي من طريق أبي عروبة عن العباس بن الفرج ثنا
_________________
(١) عمل اليوم والليلة: ٢٩٦ رقم ٦٢٨.
(٢) المستدرك: ١/ ٥٢٦.
(٣) الدلائل: ٦/ ١٦٧.
(٤) انظر تاريخ الفسوي: ٣/ ٢٧٢، اقتبسه المحقق من البداية: ٦/ ١٦٢، وتاريخ الإسلام: ١/ ٢١٩.
(٥) الدلائل: ٦/ ١٦٨.
(٦) الترغيب في الدعاء والحث عليه رقم الحديث ٥٩.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
إسماعيل بن شبيب وذكر القصة (^١).
ولكن هذه الرواية فيها احتمال خطأ أحد الرواة لأن ابن السني أخرجها من هذه الطريقة فجعلها من رواية أحمد لا إسماعيل وليس فيها كما تقدم.
أما رواية عبدالله بن وهب:
فقد أخرجها البخاري في تاريخه عن شيخه عبد المتعال بن طالب حدثنا ابن وهب عن أبي سعيد وهو شبيب عن روح بن القاسم به ولم يسق لفظه (^٢) وأخرجها الطبراني في كتبه الدعاء (^٣)، والمعجم الصغير (^٤)، والمعجم الكبير (^٥) عن طاهر بن عيسى عن أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن أبي سعيد المكي وهو شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف وزاد قصة في أوله وهي:
"إن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ايت الميضأة فتوضأ ثم ايت المسجد فصل فيه ركعتين، وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان ﵁، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: حاجتك، فذكر حاجته،
_________________
(١) الدلائل: ١٦٧/ ٦.
(٢) التاريخ الكبير: ٦/ ٢١٠.
(٣) الدعاء: ٢/ ١٢٨٧ رقم ١٠٥٠.
(٤) المعجم الصغير: ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٥) المعجم الكبير: ٩/ ١٧ رقم ٨٣١١.
[ ٢ / ٧٤١ ]
وقضاها له، وقال له: ما فهمت حاجتك حتى كان الساعة، وقال له: ما كان لك من حاجة فسل، ثم إن الرجل خرج من عند عثمان فأتى عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر إلي في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: ما كلمته فيك، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فذكر الحديث وفي آخره، قال ابن حنيف: والله ما تفرقنا حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط".
رواية عون بن عمارة البصري:
أخرجه الحاكم من طريق العباس الدوري ثنا عون بن عمارة البصري ثنا روح بن القاسم به بدون القصة (^١).
فتكون رواية عون بن عمارة المجردة عن القصة راجحة على رواية شبيب بن سعيد التي فيها القصة لموافقتها لرواية الجماعة، وإن كان ضعيفًا ولأنه قد اختلف على شبيب في زيادة القصة، وقد يقال: إن عونًا قد اختلف عليه فقد أخرج الطبراني في الدعاء هذا الحديث من طريقه عن روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله ﵁ فذكر القصة، وقال الطبراني: "وَهِمَ عون في الحديث وهمًا فاحشًا" وأبدى محقق كتاب الدعاء احتمال كون الوهم من شيخ الطبراني وليس من عون بدليل رواية الحاكم السابقة (^٢).
الخلاصة:
١ - أن أقوى الطرق طريق شعبة لكونه أحفظ من روى هذا الحديث عن أبي جعفر، ولأنه لم يختلف عليه فيه.
٢ - أن شعبة وحماد بن سلمة اتفقا على أن شيخ أبي جعفر هو عمارة بن خزيمة بن ثابت.
_________________
(١) المستدرك: ١/ ٥٢٦.
(٢) الدعاء: ٢/ ١٢٩٠ رقم ١٠٥٣.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
٣ - وخالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فجعلا شيخ أبي جعفر أبا أمامة بن سهل بن حنيف.
٤ - اتفقت رواية شعبة وابن سلمة وهشام الدستوائي في عدم زيادة القصة في أول الحديث.
٥ - اختلف على روح بن القاسم بذكر القصة في أوله وعدم ذكرها فروى عنه عون بن عمارة البصري بدون القصة مثل الجماعة، وروى عنه شبيب بن سعيد فاختلف عليه فروى عنه ابنه أحمد بدون القصة في أكثر الروايات عنه، وانفرد يعقوب الفسوي عنه بزيادة القصة في أولها.
وروي عن شبيب ابنه إسماعيل وابن وهب بزيادة القصة، فاتضح من هذا أن زيادة القصة في أول الحديث منكرة وذلك للآتي:
١ - ضعف المتفرد بها وهو شبيب (^١).
٢ - مخالفته للثقات الذين لم يذكروها.
٣ - اضطرابه فيها حيث يزيد مرة ولا يزيد مرة أو يقال: الاختلاف عليه فيها.
وقد ذكر شيخ الإسلام (^٢) ابن تيمية ما في هذه الزيادة من علل ونقدها سندًا ومتنًا، وإليك خلاصة كلامه في ذلك، فقد ذكر أربعة علل تتعلق بالإسناد فقال: فهذه الزيادة فيها عدة علل:
١ - انفراد هذا بها عمن هو أكبر وأحفظ منه:
_________________
(١) قد ذكر النقاد ضعف شبيب إلا في حال روايته نسخة يونس بن زيد الأيلي برواية ابنه أحمد ففي هذه الحالة أحاديثه مستقيمة، ففي غير تلك الحالة روايته ضعيفة لا سيما رواية ابن وهب عنه كما هنا انظر الكلام عليه في الكامل لابن عدي: ٤/ ١٣٤٦، والميزان: ٢/ ٢٦٢، وقاعدة في التوسل: ٩٦ - ٩٨، ومقدمة الفتح: ٤٠٩، والتوسل أنواعه: ٩٣.
(٢) انظر قاعدة في التوسل: ١٠٠ - ١٠٥.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
٢ - وإعراض أهل السنن عنها.
٣ - واضطراب لفظها.
٤ - وأن راويها عرف له عن روح هذا أحاديث منكرة.
ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجّة فيها.
ثم أجاب رحمه الله تعالى على فرض صحتها:
١ - بأن الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على فهمه بل على خلافه لأن قوله: "فشفعه فيّ" لا يستقيم فيمن لم يشفع له الرسول الله ﷺ لو لم يدع له، لأن الشفاعة إنما تكون في حياته ﷺ لمن أتى إليه ودعا له الرسول ﷺ.
٢ - ثم إن مثل هذا الأمر لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات - إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه - وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول، مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، وغسل أبي هريرة إلى العضد، وغير ذلك مما فعله آحاد الصحابة ولم يجمعوا عليه.
٣ - وأما قول من قال من العلماء: إن قول الصحابي حجة فمقيد بما إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولم يعرف نص يخالفه أو اشتهر ولم ينكروه، وأما إذا كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في السنة بلا ريب عند أهل العلم.
٤ - ثم إنه لو ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه يستحب التوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا وشافعًا- يرد أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته لأنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء فلما مات لم يتوسلوا به وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره بالتوسل بذاته لا بشفاعته، ولم يأمر
[ ٢ / ٧٤٤ ]
بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمّن للتوسل بشفاعته- كان ما فعله عمر هو الموافق للسنة، وكان المخالف لعمر محجوجًا بسنة رسول الله ﷺ وكان الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ حجة عليه لا له.
رجال الإسناد:
ليس في رجال الإسناد من يحتمل أن يكون فيه كلام إلا أبا جعفر وهو الخطمي، كما جاء مصرحًا به في مصادر كثيرة التي أخرجت الحديث والتي تقدمت الإشارة إليها (^١).
كما يؤيد ذلك أن أبا جعفر الذي يروي عنه شعبة ويروي عن عمارة بن خزيمة هو الخطمي (^٢) واسمه عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الأنصاري المدني البصري الخطمي، وقد وثقه ابن معين والنسائي وابن مهدي وابن نمير والعجلي والطبراني، وقال أبو الحسن ابن المديني هو مدني قدم البصرة، وليس لأهل المدينة عنه أثر ولا يعرفونه (^٣).
وقال الحافظ فيه: صدوق الحافظ السادسة (^٤)، وهذه العبارة من الحافظ تدل على أن حديثه في مرتبة الحسن، وبهذا يعرف عدم صحة قول من ذهب إلى أن أبا جعفر ليس الخطمي وأنه الرازي وهو ضعيف (^٥).
_________________
(١) نذكر بعضها على سبيل الأمثلة: مسند أحمد: ٤/ ١٣٨، وفيه الخطمي وفي رواية أبو جعفر المديني وهو الخطمي، ومنها عمل اليوم للنسائي ص: ٤١٨، وسماه أبا جعفر عمير بن يزيد بن خرشة وصحيح ابن خزيمة: ٢/ ٢٢٥، وعنده أبو جعفر المديني، والدعاء للطبراني وعنده الخطمي في: ٢/ ١٢٨٨ و١٢٨٩.
(٢) انظر العلل للإمام أحمد: ١/ ١٨٨، والكنى للدولابي: ١/ ١٣٦، والتهذيب: ٨/ ١٥١.
(٣) تهذيب التهذيب: ٨/ ١٥١.
(٤) التقريب رقم ٥١٩٠.
(٥) قد جاء في بعض نسخ الترمذي أنه ليس الخطمي واغتر بهذا السهسواني في صيانة الإنسان ص: ٣٧٦ وأشار الصنعاني في تطهير الاعتقاد إلى أن في إسناده مقالًا ص: ١٩ وممن مال إلى أنه غير الخطمي الشقيري في السنن والمبتدعات ص: ١٢٥ - ١٢٦.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
أقوال النقاد في الحديث:
قد رجع أبو زرعة الرازي رواية شعبة عن أبي جعفر عن عمارة عن عثمان، على رواية الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان لكون شعبة أحفظ (^١) لكن خالفه ابن أبي حاتم فرجح رواية الدستوائي فقال في ترجيحه تابع هشامًا الدستوائي روح بن القاسم وهو ممن يجمع حديثه ثقة، وهو أشبع متنًا، فروايتهما أصح (^٢).
وقال علي بن المديني: "وما أرى روح بن القاسم إلا قد حفظه" (^٣)، فعلى قول ابن المديني وابن أبي حاتم تكون رواية الدستوائي وروح بن القاسم أرجح لتقوية رواية أحدهما بمتابعة الآخر، ولكن يعترض على هذا بأن شعبة أيضًا توبع، تابعه حماد بن سلمة، ثم إن شعبة أقوى من الدستوائي وروح بن القاسم فتساوت الروايتان فلا يمكن ترجيح إحداهما على الأخرى، فيحتمل أن هذا الاختلاف من أبي جعفر فهو الذي اضطرب فيه فمرة روى هكذا ومرة هكذا، وإن كان الأمر كذلك دل على ضعف حفظه.
وأبدى الحافظ ابن حجر احتمال كون أبي جعفر روى بطريقين (^٤)، ولكن هذا الاحتمال لا يلجأ إليه إلا عند التأكد من كون الراوي المختلف عليه حافظًا ضابطًا، وأبو جعفر ليس من الحفاظ المتقنين ويدل على ذلك هذا الاضطراب في اسم شيخه، وفي المتن حيث يقول مرة: فشفعني في نفسي، ومرة وشفعني فيه، ومرة فشفعه فيّ.
والحاصل: أن الحديث فيه الأمور التالية:
١ - اضطراب أبي جعفر في اسم شيخه فيما يتعلق بالسند وكذلك
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم: ٢/ ١٨٩.
(٢) المرجع نفسه: ٢/ ١٩٠.
(٣) الدعاء للطبراني: ٢/ ١٢٩٠ رقم ١٠٥٢.
(٤) نتائج الأفكار وعنه في الفتوحات الربانية: ٤/ ٣٠٢.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
في المتن تارة يقول فشعفه فيّ وتارة يقول: فشفعني فيه، ومرة وشفعني في نفسي وتارة يذكر الوضوء والصلاة وتارة لا يذكر، وهذا يدل على أقل تقدير على عدم ضبطه للقصة، أو روايته لها بالمعنى.
٢ - ليس قويًا يعتمد عليه فيما انفرد به من السنن التي لم يشاركه فيها غيره، لأنه ليس من الحفاظ المتقنين الذين يقبل ما تفردوا به، ويدل على ذلك أن الحافظ ابن حجر قال فيه: صدوق، وهذه المرتبة هي مرتبة الحسن وهو من ليس تام الضبط.
٣ - تفرده (^١) بقصة وقعت بمحضر الصحابة وتعد من أقوى المعجزات الدالة على صدقه ﷺ، ومثل هذا مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله.
فهذه الأمور تجعل في النفس في صحة هذا الحديث وفي ضبط أبي جعفر لألفاظه شيئًا والله أعلم.
الكلام على حديث الأعمى من جهة المعنى:
فحديث الأعمى -إن ثبت- يدل على التوسل المشروع وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر، لأن ألفاظ الحديث: "تدل على أن ذلك مشروع إذا كان -الرسول ﷺ حيًا مسؤولًا سائلًا لله" (^٢) ولا تدل على التوسل به إذا لم يكن سائلًا وإليك تفصيل هذا:
أ- إن الأعمى (^٣) جاء إلى النبي ﷺ طالبًا منه الدعاء له، فلو كان يكفي مجرد التوسل بذكر اسم الرسول ﷺ لجلس في بيته وقال: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد أن ترد علي بصري، أو مثل هذا ولم يتعب نفسه بالمجيء والحضور إلى النبي ﷺ.
_________________
(١) أشار إلى هذا الثالث محمد طاهر في البصائر ص: ٣٣٢، ٣٣٤.
(٢) الرد على البكري: ١٢٧.
(٣) انظر معارج القبول: ١/ ٤٨٣.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
ب - إنه لم يكتف بالحضور فقط بل طلب صراحة من النبي ﷺ الدعاء له فقال: "ادع الله أن يعافيني".
ولم يفعل مثل ما يفعله بعض المريدين مع شيوخهم حيث يعتقدون أن الشيخ مطلع على الأسرار وأنه يعرف حوائج المريدين، فلا حاجة لإخباره ولا للطلب منه، ومثل ذلك ما يفعله بعض القبوريين الذين يقولون للولي عند زيارته: "العارف لا يعرف" (^١).
جـ - وعده (^٢) ﷺ إياه بالدعاء إن لم يصبر، "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، والرسول ﷺ خير من وفي بما وعد، فلا يقال: لم يثبت في ألفاظ الحديث أنه دعا له.
د - إصرار (^٣) الأعمى على الدعاء فقد ورد في بعض طرقه أنه قال: "ادع الله لي مرتين أو ثلاثًا" (^٤) وفي رواية: "ألا تصبر؟، قال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي … " (^٥).
فبعد هذا الإصرار على الدعاء لا بد أن النبي ﷺ أن يفي له بما وعد وهو الدعاء له.
هـ - ما ورد في لفظ الدعاء الذي علمه النبي ﷺ: "اللهم شفع في نبيي … " (^٦) وفي رواية: "اللهم شفعه فيّ" (^٧)، وهذا يدل علي أن النبي ﷺ شفع له، ودعا الله له. وإلا فكيف يطلب الأعمى من الله تعالى قبول شفاعة النبي ﷺ إذا لم تحصل الشفاعة ولم تقع من النبي ﷺ؟.
_________________
(١) اعترف بهذه الحقيقة الغماري في الرد المحكم ص: ٢٧١.
(٢) انظر التوسل أنواعه ص: ٧٦.
(٣) انظر التوسل أنواعه ص: ٧٦.
(٤) عمل اليوم والليلة للنسائي: ٤١٧ رقم ٦٥٨، والتاريخ الكبير للبخاري: ٦/ ١٠٩.
(٥) عمل اليوم والليلة لابن السني: ٢٩٦ رقم ٦٢٨.
(٦) النسائي، عمل اليوم والليلة: ٤١٧ في رواية حماد بن سلمة.
(٧) عند النسائي وغيره في رواية شعبة والدستوائي.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
وـ ما ورد في الروايات من قوله "وتشفعني فيه" (^١). إذ يطلب الأعمى أن يقبل الله تعالى شفاعته التي يطلب فيها من الله تعالى قبول شفاعة النبي ﷺ في حاجة الأعمى، وليس المراد أنه يشفع للنبي ﷺ في حاجة للنبي، وإنما المراد أنه يدعو الله تعالى أن يقبل شفاعة النبي ﷺ فيه فهو كالشفاعة في الشفاعة (^٢)، فهذا يدل على أن النبي ﷺ قد شفع له ودعا له.
ز - إن العلماء فهموا من هذا الحديث التوسل بدعاء النبي- ﷺ، ولهذا: "ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره" (^٣).
ح - قد ثبت بهذه الأدلة دعاء الرسول ﷺ للأعمى، فإذا ثبت دعاؤه له فلا يمكن أن يقاس عليه من لم يدع الرسول ﷺ له، إذ من شرط القياس المماثلة ولا توجد هنا مماثلة، إذ الفرق "ثابت شرعًا وقدرًا بين من دعا له النبي ﷺ، وبين من لم يدع له فلا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخرة" (^٤).
ط - وقد دل عمل الصحابة ومن بعدهم على الفرق المذكور لأنه "لو كان كل أعمى توسل به وإن لم يدع له الرسول ﷺ بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، وأن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي ﷺ وإلى زمننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى،
_________________
(١) عند أحمد: ٤/ ١٣٨، والبيهقي في الدعوات: ل ٢٢ في رواية روح عن شعبة المتقدمة.
(٢) قاعدة في التوسل: ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٣) قاعدة في التوسل ضمن المجموع: ١/ ٢٦٦.
(٤) الرد على البكري: ١٢٩، وقاعدة في التوسل: ١٣٣.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
فعدولُهم عن هذا إلى هذا - مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فإنهم أعلم منا بالله ورسوله، وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء، وينفع، وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره … - دليلٌ على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه" (^١).
وقد ذكرنا فيما مضى (^٢) أن الترك الراتب سنة متبعة وأن خلافه بدعة.
ي - لو سلمنا دلالته على التوسل بالذات الغائبة - لا نسلم أنه عام في كل الأحوال والأشخاص بل هو قضية عين (^٣) عموم لها فهو خاص بمن دعا له الرسول الله ﷺ وهو هذا الأعمى الذي جاءه وطلب منه الدعاء.
ولو تنازلنا وقلنا: إنه ليس خاصًا بهذا الأعمى أو بمن دعا له في حياته - لا نسلم أنه يعم غير النبي ﷺ فهو خاص به، لأنه لا يمكن قياس غير النبي ﷺ على النبي ﷺ وإلى هذا ذهب العز بن عبد السلام ﵀ على فرض صحة الحديث (^٤).
ك - ثم لو سلمنا دلالته على العموم - وهيهات ذلك - فهو حديث عن قواعد الشرع فلا يعمل به لمخالفته للقطعيات من نصوص الكتاب والسنّة (^٥).
ل - ثم لو سلمنا دلالته على التوسل بالذوات تنازلًا مع المخالف-
_________________
(١) الرد على البكري: ١٣٠، وقاعدة في التوسل ص: ١٣٤، ومع الفتاوى: ١/ ٣٢٦.
(٢) تقدم ص: ٦٠٦.
(٣) الرد على البكري: ١٢٩.
(٤) فتاوى العز بن عبد السلام ص: ١٢٦ - ١٢٧، والأزهية: ١٧٣ - ١٧٤.
(٥) ذكر نحو هذا الشيخ حمد بن معمر في النبذة الشريفة ضمن الرسائل النجدية: ٤/ ٦٢٢، وقد تقدم كلام علماء الأحناف في هذا ص: ٦٥٣.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
لا نسلم دلالته على الاستغاثة ونداء الموتى ودعائهم، لأن هذا الحديث غاية ما يدل عليه أن الأعرابي طلب من النبي ﷺ أن يدعو مع حضوره في حياته ﷺ، فأين هذا من دعاء الأموات والالتجاء إليهم في الشدائد؟ ومن هنا يعلم أننا لو تنازلنا وقلنا: إن الحديث يدل على جواز التوسل بالنبي ﷺ في مغيبه فلا يدل على جواز دعائه والاستغاثة به والاستنجاد به وذلك لأن "الفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين: المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره لا على سبيل الطلب منه، وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه" (^١).
والذي يستحق السؤال والاستغاثة والتوكل هو الله وحده، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ولا يمكن أن يدعى ويسأل غير الله تعالى، كما لا يمكن قياس سؤاله ﷺ ودعائه على السؤال به والتوسل به فالفرق شاسع بين البابين.
وأما تعليمه ﷺ الأعمى الدعاء فلا ينافي دعاءه ﷺ له، لأن دعاء الأعمى ووضوءه وصلاته من التوسل بالأعمال الصالحة، ويكون دعاء النبي ﷺ له من التوسل بدعاء الحي الحاضر "فحصل الدعاء من الجهتين" (^٢).
وبهذا تسقط دعوى من يقول: إن الرسول ﷺ لم يدع للأعمى وإنما أرشده إلى الصلاة والتوسل به فقط (^٣).
وأما قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد" فليس معناه بذات أو جاه نبيك وذلك لأن معنى التوسل والتوجه في لسان
_________________
(١) الفتاوى: ٣/ ٢٧٦.
(٢) الرد على البكري: ١٢٩.
(٣) انظر هذه الدعوى في الرد المحكم للغماري: ١٥٦.
[ ٢ / ٧٥١ ]
الشرع وسلف هذه الأمة هو التوسل بالدعاء، وقد تقدم شرح ذلك (^١).
أو نقول: إنه لا بد من التقدير إما أن يقدر بذات أو بدعاء والأدلة تدل على أن المقدر، دعاء، وهذا الجواب الثاني - وإن ذكره بعض العلماء (^٢) - لكن الجواب الأول أولى لأن أصل وضع الكلمة لا يحتاج إلى تقدير مضاف محذوف، والأصل عدم التقدير، وأما قوله: "وشفعني في نفسي" فأقوى الطرق ليس فيه هذا اللفظ وهي رواية شعبة، وأقواها رواية فشفعه فيّ وشفعني فيه، لورودها في طريق شعبة القوية.
وأما على تقدير كونها محفوظة فمعناه "إنه طلب أن يكون شفيعًا لنفسه مع دعاء النبي ﷺ، ولو لم يدع له النبي ﷺ كان سائلًا مجردًا كسائر السائلين، ولا يسمى مثل هذا شفاعة، وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا فيكون أحدهما شفيعًا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره" (^٣).
وأما توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ في قول الأعمى: "إني توجهت بك إلى ربي" وفي رواية: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي". فليس فيه دليل على نداء الغائب والاستغاثة به وذلك:
١ - لأن النبي ﷺ كان حاضرًا عند الأعمى، كما يدل على ذلك سياق الرواية، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر، فصلى فدعا فيه بهذا الدعاء.
وأما ما ورد في بعض رواية شبيب عن روح بن القاسم من زيادة
_________________
(١) انظر ص: ٦٢٨.
(٢) قد ذكر هذا الجواب الشيخ محمد طاهر في البصائر ص: ٣٣٧، والشيخ الألباني في التوسل ص: ٨١، والألوسي في روح المعاني: ٦/ ١٢٦، وعنه في جلاء العينين ص: ٥٦٧، وقد تقدم نحو هذا في ص: ٧٣٢.
(٣) قاعدة في التوسل: ١٠٠.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
القصة والقول في آخرها، قال ابن حنيف: والله ما تفرقنا حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.
فقد ذكرنا أن هذه الرواية منكرة وبيّنا ما فيها من العلل، فتبين بهذا أنها لا يقوم بها حجة.
٢ - ثم لو سلمنا صحتها -يكون معنى الخطاب والنداء هو خطاب ونداء استحضار-: "يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب الشهوده بالقلب كما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب" (^١).
٣ - وأما الإجابة (^٢) بأن الخطاب والنداء لم يثبت في طرق الحديث ففيه نظر، فأكثر طرق الحديث إما فيها النداء بيا محمد أو فيها الخطاب بقوله: "إني توجهت بك إلى ربي" فإذا ثبت أصل الحديث فالخطاب ثابت ولكن قد عرفت أن أصل الحديث في ثبوته تردد، واحتمال رواية هذا الحديث بالمعنى وارد بسبب ما نراه من الاختلاف في ألفاظه.
وأما ما ورد في بعض طرق حديث حماد بن سلمة فيما رواه ابن أبي خيثمة حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا حماد بن سلمة "اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصري"، وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك أو قال: "افعل مثل ذلك" فهذه الرواية فيها عدة علل:
أ - تفرد حماد (^٣) بن سلمة بها من بين سائر من روى هذا الحديث أحفظ وأقوى منه فهو لو خالف واحدًا منهم يعتبر شاذًا فكيف وقد خالف جميعهم؟
_________________
(١) اقتضاء الصراط ص: ٤١٦، والقول الفصل: ١١٦ و١٤٥.
(٢) وقد ذكرت هذه الإجابة في النبذة الشريفة ضمن الرسائل النجدية: ٤/ ٦٢٢، ومصباح الظلام ص: ٢٠٨.
(٣) انظر قاعدة في التوسل ص: ٩٩.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
وأما الإجابة (^١) عن هذا التفرد بأنه من زيادة الثقة وهي مقبولة فسيأتي أن هذا ليس مطردًا (^٢).
ب - ومما يقوي شذوذ هذه الزيادة أن الرواة عن حماد بن سلمة لم يتفقوا على ذكرها فقد روى عنه ثلاثة: مسلم بن إبراهيم، ومؤمل بن إسماعيل، وحبان بن هلال، فرواية مسلم عند ابن أبي خيثمة ورواية مؤمل عند أحمد ورواية حبان عند النسائي، ولم تذكر هذه الزيادة إلا في رواية مسلم بن إبراهيم فهي أيضًا شاذة عن حماد بن سلمة.
جـ - ويحتمل أن هذه الزيادة رويت بالمعنى فحصل فيها تغيير، قال شيخ الإسلام: "واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى" (^٣).
د - ويحتمل أيضًا أن هذه الزيادة قد تكون مدرجة من كلام عثمان بن حنيف لا من كلام النبي ﷺ، ويدل على ذلك لفظ هذه الزيادة إذ وردت بلفظ: "وإن كانت حاجة فعل ذلك" والمفترض أنها إذا كانت من كلام النبي ﷺ أن تكون بلفظ الخطاب: "وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك" (^٤).
وقد اتضح مما سبق - ولله الحمد - أن حديث الأعمى - على فرض ثبوته - لا يدل على التوسل بالذوات وإنما يدل على التوسل بدعاء الحي الحاضر.
وقد تقدم (^٥) ذكر استدلالهم بحديث الشفاعة الكبرى وبحديث هاجر: "أغث إن كان عندك غواث"، وبينا عدم دلالتهما على مرادهم بما لا يدع مجالًا للشك.
_________________
(١) الرد المحكم: ١٥٥.
(٢) يأتي ص: ٧٦٥.
(٣) قاعدة في التوسل: ٩٩.
(٤) المرجع السابق في المكان نفسه.
(٥) ص: ٧١٢.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
ومن هنا نقول: لم نجد لهم دليلًا صريحًا من السنة الصحيحة يدل على جواز دعاء الأموات أو الغائبين أو التوسل بذواتهم.
وبعد أن أنهينا الكلام على الأدلة الصحيحة ندخل في ذكر أدلتهم غير الصحيحة ومناقشتها وبالله التوفيق وهو المستعان.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
الفصل الثاني
في مناقشة ما احتجوا به
من الأدلة غير الصحيحة
ويحتوي على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأحاديث الضعيفة.
المبحث الثاني: الأحاديث الواهية والموضوعة.
المبحث الثالث: الحكايات والنظريات.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
المبحث الأول في الأحاديث الضعيفة
احتج من يجيز الدعاء غير المشروع بأحاديث ضعيفة جدًا، وغالبها خارجة عن الموضوع، والباقي لا يمكن انجباره للضعف الشديد الذي فيه، وسأذكر هنا أهم حديث ضعيف احتجوا به وأناقشه وبالله التوفيق وهو:
حديث عرض الأعمال على النبي ﷺ-:
وهو ما روي مرفوعًا: "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض أعمالكم علي، فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم".
فهذا الحديث قد احْتُجَّ (^١) به على جواز دعاء النبي ﷺ والطلب منه
_________________
(١) قد احتج به جماعة منهم الهيتمي كما في الدرر السنية ص: ٢٥، ودحلان في الخلاصة: ٢٤٧، والدرر: ٢٥، وعثمان بن منصور تلميذ ابن جرجيس كما في مصباح الظلام: ٢٠٦، والنبهاني في شواهده ص: ١٣٨، والعزامي في البراهين: ٤٢١، والغماري في الرد المحكم: ١٨١ - ١٨٦، وعنه نقل في المفاهيم منتحلًا: ١٧٢ - ١٧٣، كما احتج به أيضًا في ص: ٥٧. وللغماري أيضًا رسالة خاصة بهذا الحديث سماها "نهاية الآمال في صحة وشرح حديث عرض الأعمال". حاول فيها تصحيح الحديث وتقويته، وادعى في مقدمتها أن الألباني خالف الصناعة الحديثية في تضعيفه للحديث ولكنه لم يستطع أن =
[ ٢ / ٧٥٩ ]
لعلمه بذلك، ثم لم يكتف هؤلاء بالنبي ﷺ، بل عدوا الحكم إلى غيره لأن هذا الحديث هو عمدة من يدعي أن الموتى يعلمون بندائهم ودعاء الأحياء لهم، لأن شفاعتهم ووساطتهم للسائلين فرع عن علمهم بسؤالهم وحوائجهم.
وقد بلغ الأمر ببعضهم إلى القول بأن "مخاطبته ﷺ بعد موته أبلغ، لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره" (^١).
فادعى أن الخطاب بعد الموت أبلغ من الخطاب في الحياة وهذه مبالغة وغلو شديد.
هذا وإن عرض الأعمال لم يقتصروا فيه على النبي ﷺ كما قلنا بل جاوزوا به إلى غيره، فالروافض قالوا بعرض الأعمال على أئمتهم، فقد روى الكليني في كافيه الذي هو عمدة عندهم: أن قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أنهم الأئمة (^٢).
وروي أيضًا عن علي الرضا أحد الأئمة عندهم أنه قال له أحدهم: "ادع الله لي ولأهل بيتي فقال: أو لست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض على في كل يوم وليلة، قال: فاستعظمت ذلك فقال لي: أما تقرأ كتاب الله ﷿: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: هو والله علي بن أبي طالب ﵇" (^٣).
وقد عقد الصفار (^٤) عدة أبواب (^٥) في إثبات عرض الأعمال على
_________________
(١) = يناقش الشيخ الألباني فيما ذكره من الشذوذ الذي في الحديث، هذا وسوف أناقش ما ورد في هذه الرسالة من النقاط المهمة إن شاء الله تعالى.
(٢) انظر كلام عثمان بن منصور تلميذ ابن جرجيس في مصباح الظلام: ٢٠٦.
(٣) الكافي: ١/ ١٧١، ونحوه في بصائر الدرجات: ٤٤٢، ٤٤٧، ٤٤٨، ٤٥٠.
(٤) الكافي: ١/ ١٧١، والبصائر ص: ٤٤٩.
(٥) هو محمد بن الحسن بن فروخ أبو جعفر وادعوا أنه تلميذ للحسن العسكري (ت ٢٩٠ هـ)، انظر معجم المؤلفين: ٩/ ٢٠٨ ومقدمة البصائر.
(٦) قد عقد باب الأعمال تعرض على رسول الله ﷺ والأئمة ﵈ من ص: ٤٤٤ - ٤٤٦، ثم باب عرض الأعمال على الأئمة: ٤٤٧ - ٤٤٨، ثم باب عرض =
[ ٢ / ٧٦٠ ]
الأئمة في كتابه بصائر الدرجات، الذي يعتبر من أهم مصادرهم الأصلية، ثم ساق عجائب وغرائب، في تلك الأبواب، فانظر إلى مدى ما وصل إليه اعتقاد عرض الأعمال، لأنه لو اقتصر على النبي ﷺ لكان الأمر أخف، ولكن ادعى ذلك هؤلاء لأئمتهم كما ترى، وادعى آخرون من المريدين لشيوخهم.
فعقيدة عرض الأعمال على الأموات هي أصل لدعائهم، لأن الواحد من هؤلاء الذين يدعون الأموات لو تصور أن مدعوه لا يعلم بأعماله لم يدعه، ولم يطمع في أنه يشفع له عند الله تعالى ويتوسط له فكل ذلك فرع عن تصوره بعلمه ومعرفته به وبأحواله.
هذا ومناقشة حديث العرض من ناحيتين ناحية الإسناد وناحية المتن:
مناقشة الحديث من ناحية الإسناد:
قد أخرج هذا الحديث البزار في مسنده فقال: "حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبدالله بن السائب، عن زاذان عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إن الله ملائكة سياحين يبلغون عن أمتي السلام"، قال: وقال رسول الله ﷺ: "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم … ".
قال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد" (^١).
هذا الحديث يشتمل على شطرين وقد رواه كثيرون فاقتصروا على الشطر الأول، وخالفهم عبد المجيد بن أبي رواد فزاد الشطر الثاني.
فالشطر الأول قد روي عن سفيان وهو الثوري بهذا الإسناد من
_________________
(١) = الأعمال على الأئمة الأحياء: ٤٤٩ - ٤٥٠، ثم باب الأئمة تعرض عليهم الأعمال في أمر العمود الذي يرفع للأئمة وما يصنع بهم في بطون أمهاتهم: ٤٥١ - ٤٥٤.
(٢) كشف الأستار: ١/ ٣٩٧ رقم ٨٤٥.
[ ٢ / ٧٦١ ]
طرق متعددة، فهو مشهور مستفيض عن الثوري قد رواه عنه عدد كثير اطلعنا على رواية نحو عشرة منهم، وهم: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبدالله بن المبارك، ومعاذ بن معاذ، وعبد الرزاق بن همام وعبدالله بن نمير، ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو إسحاق الفزاري، وفضيل بن عياض.
وإليك تفصيل هذه الطرق ومن أخرجها:
طريق عبد الرحمن بن مهدي: أخرجه أحمد في المسند (^١).
طريق القطان: أخرجه إسماعيل القاضي (^٢).
طريق وكيع: أخرجه ابن أبي شيبة (^٣)، وأحمد (^٤)، والنسائي (^٥)، وابن حبان (^٦).
طريق ابن المبارك: أخرجه النسائي (^٧).
طريق معاذ بن معاذ: أخرجه أحمد (^٨)، والنسائي (^٩).
طريق عبد الرزاق: أخرجه هو في مصنفه (^١٠)، ومن طريقه النسائي والطبراني (^١١).
طريق عبدالله بن نمير: أخرجه أحمد (^١٢).
_________________
(١) المسند: ١/ ٤٤١.
(٢) فضل الصلاة على النبي ﷺ: ٣٤ رقم ٢١.
(٣) المصنف: ١١/ ٤٧٤ رقم ١١٧٧٠.
(٤) المسند: ١/ ٤٤١.
(٥) سنن النسائي: ٣/ ٣٧ رقم الباب ٤٦.
(٦) موارد الظمآن ص: ٥٩٤ رقم ٢٣٩٣.
(٧) عمل اليوم والليلة للنسائي: ١٦٧ رقم ٦٦.
(٨) المسند: ١/ ٤٥٢.
(٩) سنن النسائي: ٣/ ٣٧ رقم الباب ٤٦.
(١٠) المصنف: ٢/ ٢١٥ رقم ٣١١٦، ومن طريق الدبري عنه في سير أعلام النبلاء: ١٧/ ١٠٥.
(١١) سنن النسائي: ٣/ ٣٧ رقم الباب ٤٦، والمعجم الكبير: ١٠/ ٢٧١ رقم ١٠٥٢٩.
(١٢) المسند: ١/ ٣٨٧.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
طريق الفريابي: أخرجه الدارمي (^١).
طريق أبي إسحاق الفزاري: أخرجه الحاكم (^٢)، والطبراني (^٣)، وأبو نعيم (^٤).
طريق فضيل بن عياض أخرجه الطبراني (^٥).
وقد روى أبو إسحاق الفزاري هذا الحديث عن الأعمش والثوري فيكون الأعمش متابعًا للثوري.
وقد ذكر الدارقطني أن ممن رواه من أصحاب الثوري، فضيل بن عياض وغيره.
كما ذكر ممن تابع الثوري -الأعمش والحسين الحلقاني ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والعوام بن حوشب وشعبة كل هؤلاء تابعوا الثوري فرووه عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن ابن مسعود (^٦) به واقتصروا على الشطر الأول.
والحاصل أن الذين عرفنا أسماءهم ممن روى هذا الحديث عن الثوري مقتصرين على الشطر الأول، هم عشرة وهم ثقات أثبات، وهم أوثق أصحاب الثوري، بل أوثق تلك الطبقة على الإطلاق، وخالفهم عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فزاد الشطر الثاني: "حياتي خير لكم … ".
_________________
(١) مسند الدارمي: ٢/ ٢٢٥ رقم ٢٧٧٧.
(٢) المستدرك: ٢/ ٤٢١.
(٣) المعجم الكبير: ١٠/ ٢٧٠ رقم ١٠٥٢٨ فجعله عن الأعمش.
(٤) أخبار أصبهان: ٢/ ٢٥.
(٥) المعجم الكبير: ١٠/ ٢٧١ رقم ١٠٥٣٠.
(٦) الصارم المنكي: ١٩٣ نقلًا عن العلل للدارقطني. وقد أخرج الطبراني في الكبير طريق الفزاري عن الأعمش برقم ١٠٥٢٨ كما تقدم.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
فهذه الزيادة شاذة، أو منكرة، فعلى قول من وثق عبد المجيد فهي شاذة، وعلى قول من ضعفه فهي منكرة وذلك لتفرده بها ومخالفته بذلك الثقات، مع أنه مختلف فيه فقد وثقه بعضهم وضعفه بعضهم، وهم كثيرون وممن وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود.
وهؤلاء الذين وثقوه بينوا مع ذلك أنه مبتدع داعية في الأرجاء.
وممن ضعفه الحميدي وأبو حاتم وعبد الرزاق والدارقطني ومحمد بن يحيى وابن سعد والساجي وابن حبان، وبين هؤلاء الذين ضعفوه أنه روي أحاديث عن ابن جريج لم يتابع عليها، وروي عن مالك أحاديث أخطأ فيها، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك (^١).
وهذا الجرح المفسر مقدم على التوثيق مع أن الذين وثقوه بينوا أنه داعية إلى الإرجاء.
وأيضًا فلو قلنا: إنه ثقة يكون هذا الحديث شاذًا لأنه من مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه ضبطًا واتقانًا وعددًا.
كل واحد منهم أعلى مكانة من عبد المجيد، ويعرف هذا بالرجوع إلى تراجمهم، وفيهم من هو في أعلى درجات الحفظ والإتقان باتفاق المحدثين، كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان ووكيع بن الجراح وابن المبارك وأبي إسحاق الفزاري فهؤلاء أئمة الحديث ورؤساء تلك الطبقة وأخص أصحاب الثوري.
_________________
(١) انظر العلل لأحمد: ٢/ ١١٣، وتاريخ يحيى: ٣/ ٦١ رقم ٣٢٥، وأحوال الرجال: ١٥٣ رقم ٢٦٩، والضعفاء الصغير للبخاري رقم ٢٣٩، والمجروحين: ٢/ ١٦٠، والكامل: ٥/ ١٩٨٢، والجرح والتعديل: ٦/ ٦٤، والميزان: ٢/ ٦٤٨، والمغني: ٥٧٠، والتهذيب: ٦/ ٣٨١، وانظر ما ذكره المروذي في العلل ومعرفة الرجال عن أحمد، في ترجمة عبد المجيد: أن أبا عبدالله يحدث عن المرجيء إذا لم يكن داعية أو مخاصمًا. اهـ. العلل ومعرفة الرجال ص: ١٢٤ رقم ٢١٣.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
فلو خالف عبد المجيد واحدًا من هؤلاء -يعد شاذًا فكيف وقد خالف جميعهم؟ فهو شاذ بدون أدنى شك، بل يمكن اعتبار هذه الزيادة منكرة باعتبار الكلام الذي في عبد المجيد.
وربما يقول قائل: إن هذه الزيادة تعد من زيادة الثقة باعتبار قول من وثق عبد المجيد فلا بأس بها. فنقول جوابًا لهذا الادعاء المفترض:
هذه القاعدة ليست مطردة عند نقاد الحديث، وإنما كانوا ينظرون إلى القرائن والأحوال (^١).
فالذي يدل عليه كلام الحفاظ مثل أحمد وغيره أن زيادة الثقة إن لم يكن مبرزًا في الحديث والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عن أحمد روايتان (^٢).
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن العلائي قوله: "وكلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث" (^٣).
ووجه عدم قبول زيادة الثقة مطلقًا -هو لأجل ما يحصل من غلبة الظن أن الثقة الواحد الزائد هو الذي أخطأ، حيث إن مخرج الحديث واحد فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في
_________________
(١) انظر في هذا البحث الكتب التالية: النكت لابن حجر: ٢/ ٦٠٣ - ٦١٣ و٦٨٦ - ٧٠٢، وتوضيح الأفكار: ١/ ٣٣٩، ٣٤٣، وفتح الباري: ١٠/ ٢٠٣، وشرح علل الترمذي: ٣٠٦ - ٣١٦، ومقدمة الإلزامات والتتبع للشيخ مقبل: ١١ - ٢٢.
(٢) شرح علل الترمذي: ٣٠٩.
(٣) النكت على ابن الصلاح: ٢/ ٦٠٤، وفتح المغيث: ١/ ٢١٧، وتوضيح الأفكار: ١/ ٣٤٤.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
الضبط والاتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد، فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو كثرتهم، أو لهما معًا كما هنا؟ ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته كالزهري وأضرابه مثل الثوري كما هنا.
بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة (^١).
فحاصل كلام الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا متقنًا حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر منه عددًا أو كان فيهم من هو أحفظ منه أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقًا فإن زيادته لا تقبل (^٢).
فاتضح مما سبق أن هذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة رقم ٩٧٥، وفي ضعيف الجامع رقم ٢٧٤٥ و٢٧٤٦، وقال: "فاتفاق جماعة من الثقات على رواية الحديث عن سفيان دون آخر الحديث: "حياتي … " ثم متابعة الأعمش له على ذلك، مما يدل عندي على شذوذ هذه الزيادة لتفرد عبد الحميد بن عبد العزيز بها، لاسيما وهو متكلم فيه من قبل حفظه … ثم نقل الكلام فيه وقال:
"وإذا عرفت ما تقدم فقول الحافظ الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٤ رواه البزار ورجاله رجال الصحيح فهو يوهم أنه ليس فيهم من هو متكلم فيه.
ولعل السيوطي اغتر بهذا حين قال في الخصائص الكبرى: ٢/ ٢٨١، سنده صحيح، ولهذا فإني أقول: إن الحافظ العراقي -شيخ الهيثمي- كان أدق في التعبير عن حقيقة إسناد البزار حين قال عنه في تخريج الإحياء: ٤/ ١٢٨:
_________________
(١) النكت: ٢/ ٦٨٨.
(٢) النكت: ٦٩٠.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
"ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه بعضهم".
قلت: وأما قوله هو أو ابنه في طرح التثريب في شرح التقريب: ٣/ ٢٩٧: "إسناده جيد" فهو غير جيد عندي، وكان يكون كذلك لولا مخالفة عبد المجيد للثقات على ما سبق فهي علة الحديث (^١) ".
وقد أشار إلى هذه العلة البزار (^٢) والحافظ ابن كثير (^٣). وقد سبقا الألباني.
ولهذا فاتهام الألباني (^٤) بعدم الإنصاف مردود بقول هذين الحافظين.
هذا وفي الحديث علة أخرى وهي أن عبد المجيد قد وصفه كثير من النقاد بأنه داعية إلى الإرجاء وأنه غال في ذلك.
وهذا الحديث يؤيد مذهبه لأنه يدل على أن النبي ﷺ يستغفر لأمته ومن يستغفر له الرسول ﷺ دائمًا فلا يخاف عليه من المعاصي ما دام يشهد بالإسلام، وهذا المعنى يقوي مذهب الإرجاء.
وقد ذهب علماء الجرح والتعديل إلى أن الداعية لا يقبل حديثه فيما يؤيد مذهبه لا سيما إذا كان غاليًا في هواه، وهذا المذهب هو الصحيح في رواية المبتدع (^٥).
_________________
(١) السلسلة الضعيفة: ٢/ ٤٠٤.
(٢) حيث قال: "لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه انظر كشف الأستار: ٣، والبداية: ٥/ ٢٤١.
(٣) البداية: ٥/ ٢٤١، فقد نقل كلام البزار مقررًا له وذكر أن أوله يروى من طرق متعددة.
(٤) انظر ما قاله الغماري في مقدمة نهاية الآمال ص: ٨.
(٥) انظر في هذه المسألة الكتب التالية: أحوال الرجال للجوزجاني ص: ٣٢، والكفاية ص: ١٩٥، ومقدمة ابن الصلاح: ١١٥، وشرح علل الترمذي: ٨٣ - ٨٦، وشرح النخبة ص: ٥٠، وتدريب الراوي: ١/ ٣٢٥، وتوضيح الأفكار: ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ومال المعلمي في التنكيل: ١/ ٤٢ - ٥٢، إلى القبول.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
كما أن في الحديث علة أخرى وهي أن هذا الحديث روي عن ابن مسعود مرفوعًا في عرض الأعمال على الله تعالى.
وهو ما رواه ابن عدي من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال:
"تعرض أعمال بني آدم في كل يوم اثنين، وفي كل يوم خميس فيرحم المترحمين ويغفر للمستغفرين ويترك أهل الحقد بغلهم".
أخرجه ابن عدي في ترجمة عبيد الله بن زحر مشيرًا إلى أنه مما أنكر عليه حيث قال في آخر كلامه: "ولعبيد الله بن زحر غير ما ذكرت من الحديث ويقع في أحاديثه ما لا يتابع عليه" (^١).
وقد وثقه بعضهم وضعفه بعضهم حتى قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيدالله وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن - لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم (^٢).
وهذه الطريقة وإن كانت ضعيفة لكنها يمكن أن يعل بها الحديث، إذ هذه الطريقة واردة في حق الله تعالى، والسابقة في حق الرسول ﷺ.
هذا وللحديث طريقان آخران:
أ - أحدهما: عن أنس وله عنه طريقان فيهما كذابان:
أولاهما: طريق أبي سعيد الحسن بن علي العدوي ثنا خراش ثنا مولاي أنس قال رسول الله ﷺ: "حياتي خير لكم، وموتي خير لكم، أما حياتي فأحدث لكم وأما موتي فتعرض علي أعمالكم عشية الاثنين
_________________
(١) الكامل: ٤/ ١٦٣٢ - ١٦٣٣.
(٢) المجروحين: ٢/ ٦٢ - ٦٣، والميزان: ٣/ ٧.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
والخميس، فما كان من عمل صالح حمدت الله عليه، وما كان من عمل سيئ، استغفرت لكم" (^١).
فالعدوي الحسين بن علي كذاب اتهمه بالكذب ابن عدي (^٢) وابن حبان (^٣) وقال الدارقطني: كذاب على رسول الله ﷺ يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل (^٤).
وخراش بن عبدالله قال ابن عدي: مجهول (^٥) وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا للاعتبار ثم ذكر حديثًا من روايته فقال مع أشياء تشبه هذا إذا تأملها من هذا الشأن صناعته علم أنه كان يضع الحديث (^٦).
فبهذا يعرف أن هذه الطريقة موضوعة فلا يفرح بها (^٧).
ثانيهما: طريق يحيى بن خدام حدثنا محمد بن عبد الملك بن زياد أبو سلمة الأنصاري ثنا مالك بن دينار عن أنس به نحوه وفيه: "تعرض علي أعمالكم كل خميس" (^٨). فهذه الطريقة أيضًا موضوعة لأن الأنصاري أبا سلمة قال فيه العقيلي: منكر الحديث (^٩). وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به بحال (^١٠).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل: ٣/ ٩٤٥.
(٢) المرجع نفسه: ٣/ ٩٤٦.
(٣) المجروحين: ١/ ٢٤١.
(٤) سؤالات السهمي رقم ٢٨٤ ص ٢١١.
(٥) الكامل: ٣/ ٩٤٦.
(٦) المجروحين: ١/ ٢٨٨.
(٧) السلسلة الضعيفة: ٢/ ٤٠٦.
(٨) المرجع السابق ونسبه إلى أبي طاهر المخلص في الثاني من العاشر من حديثه: ق ٢/ ٢١٢.
(٩) الضعفاء: ٤/ ٩٦.
(١٠) المجروحين: ٢/ ٢٦٦ وسماه محمد بن عبدالله بن زياد وكذلك العقيلي.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وقال ابن طاهر: "كذاب وله طامات" (^١)، وقال الذهبي: متهم (^٢).
وأما يحيى بن خدام فقال الذهبي: صدوق إن شاء الله ما علمت به بأسًا إلا قول أبي أحمد الحاكم الحافظ في الكنى في ترجمة أبي سلمة وروى عنه يحيى بن خدام أحاديث منكرة فالله أعلم الحمل فيها على أبي سلمة أو على ابن خدام (^٣).
ب - وثانيهما: حديث عن التابعي بكر بن عبدالله المزني مرسلًا، وله عنه ثلاث طرق:
الأولى: عن غالب القطان عنه أخرجه ابن سعد من طريق (^٤) وإسماعيل القاضي (^٥) قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: ثنا حماد بن زيد قال: حدثنا غالب القطان به.
وقد صحح هذا الإسناد ابن عبد الهادي إلى بكر المزني (^٦).
الثانية: عن كثير بن يسار أبي الفضل عنه، أخرجه إسماعيل القاضي (^٧) حدثنا الحجاج بن منهال قال: ثنا حماد بن سلمة عن كثير أبي الفضل به.
الثالثة: عن جسر بن فرقد عنه، أخرجه الحارث بن أبي أسامة عنه في مسنده (^٨) من طريق جسر بن فرقد عن بكر به، وهذا إسناد ضعيف
_________________
(١) الميزان: ٣/ ٥٩٨.
(٢) ديوان الضعفاء: رقم ٣٨٠٣.
(٣) الميزان: ٤/ ٣٧٢.
(٤) الطبقات لابن سعد:
(٥) فضل الصلاة على النبي ﷺ: ٣٦/ ٢٦.
(٦) الصارم المنكي: ١٩٣.
(٧) فضل الصلاة: ٢٧.
(٨) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: ل ١١٣ / ب، والمطالب العالية: ٤/ ٢٣.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
لاتفاقهم على ضعف جسر بن فرقد (^١) وبهذا نعلم مدى عدم صحة ما قاله بعضهم: رواه أيضًا الحارث بن أسامة في مسنده بسند صحيح (^٢). فكيف يكون السند صحيحًا وفيه من اتفق النقاد على تضعيفه؟
والحاصل أن الحديث بجميع طرقه ضعيف، وأحسنها مرسل بكر بن عبدالله المزني، ومن المعروف أن المرسل من أقسام الضعيف لا يحتج به، ولا يمكن تقويته بالطريقين الآخرين لشدة ضعف حديث أنس، حيث إن فيه وضاعًا ولنكارة حديث ابن مسعود.
وهذا هو الذي تقتضيه الصناعة الحديثية لا ما ادعاه الغماري من أنها تقتضي تصحيحه وأن من ضعفه ليس بمنصف (^٣).
وأما من ناحية المتن فمن وجوه:
أ - إنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين والخميس، فقد روى أبو هريرة مرفوعًا: "تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله ﷿ في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا (^٤) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا" (^٥).
وفي حديث أسامة بن زيد ﵄: "ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (^٦).
_________________
(١) الميزان: ١/ ٣٩٨، والمجروحين: ١/ ٢١٧.
(٢) ذكره الغماري في الرد المحكم: ١٨٢، وعنه منتحلًا صاحب المفاهيم: ١٧٣.
(٣) مقدمة نهاية الآمال: ٨.
(٤) اركوا: يقال: ركاه يركوه إذا أخره، النهاية: ٢/ ٢٦١.
(٥) مسلم: ٤/ ١٩٨٧ رقم ٢٥٦٥/ ٣٦، وأحمد في المسند: ٢/ ٢٦٨، ٣٢٩، ٤٨٤، والدارمي رقم ١٧٥٨.
(٦) المسند: ٥/ ٢٠٠، ٢٠١، ٢٠٥، ٢٠٩، وأبو داود: رقم ٢٤١٩ (٧/ ١٠٠)، والدارمي: رقم ١٧٥٧، وقد صحح الحديث الألباني في الإرواء: ٤/ ١٠٢ رقم ٩٤٨.
[ ٢ / ٧٧١ ]
فإذا ثبت بهذا عرض الأعمال على الله ﷾ كل خميس واثنين يكون القول بثبوت هذا العرض على النبي ﷺ تشريكًا للمخلوق بالخالق، وتشبيهًا للمخلوق بالخالق، مع أن النبي ﷺ نفسه في حياته كان يحب أن تعرض أعماله على الله وهو صائم فكيف يقال: إن الأعمال تعرض عليه ﷺ؟
وعلى هذا فيحتمل أن بعض الرواة جعل للنبي ﷺ ما ورد في حق الله تعالى، ويقوى هذا الاحتمال ما تقدم من أن حديث ابن مسعود في عرض الأعمال على النبي ﷺ قد ورد في لفظ بعرض الأعمال على الله، وإن كانت الرواية ضعيفة، لأن الحديث طرقه لا تخلو من ضعف فيمكن إعلال بعضها ببعض.
ب - إن النبي صلوات الله وسلامه عليه لما كان في الحياة الدنيوية لم يكن يعلم بأحوال من غاب عنه إلا عندما يوحى إليه.
وقد أمره الله تعالى أن يبين للناس أنه لا يعلم الغيب إلا في الأمور التي أوحى إليه فيها، وأما العلم بكل الأشياء من جميع المغيبات وجميع أحوال من غاب عنه من أصحابه - فهذا هو الذي أمره الله أن يبين للناس أنه لا يعلمه-، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والأحاديث الدالة على هذا كثيرة، منها قصة الإفك، فلم يعلم النبي ﷺ براءة عائشة ﵂ إلا بعد نزول القرآن، وقصة ضياع عقد عائشة حيث أمر بطلبه مع وجوده تحت البعير الذي تركبه عائشة ﵂ (^١).
والحاصل أنه إذا كان صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم الغيب إلا ما
_________________
(١) البخاري: ١/ ٤٣١ رقم ٣٣٤، ومسلم: ١/ ٢٧٩ رقم ٣٦٧.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
علّمه الله في الدنيا، فكيف نقول بعلمه في البرزخ؟ إلا على قول الغلاة الذين قالوا: إن علم الله تعالى وعلم النبي ﷺ، متساويان، وأن آية سورة الأعراف الماضية إنما كانت في أول الأمر قبل أن يوحى إليه بجميع الغيب (^١).
فعلى هذا القول فقط يمكن الادعاء، وبطلان هذا القول واضح لا شك فيه وكذلك ما يلزم منه هذا القول فهو باطل.
جـ - إن هذا الحديث يخالف الأحاديث الصحيحة الثابتة، منها حديث الحوض المتواتر حيث ورد فيه: "ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي" (^٢). وفي رواية أبي هريرة عند البخاري: "إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك" (^٣).
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على عدم علم النبي ﷺ بما أحدثه هؤلاء بعده صلوات الله وسلامه عليه، فيناقض حديث عرض الأعمال
_________________
(١) انظر ما ادعاه الصاوي على الجلالين: ٢/ ٩٧، والبريلوية: ٨٧، وغاية الأماني: ١/ ٣٥.
(٢) البخاري: ١١/ ٤٦٤ رقم ٦٥٨٢، ومسلم: رقم ٢٣٠٤ من حديث أنس ومن حديث ابن مسعود، والبخاري: رقم ٦٥٧٦، ومسلم: رقم ٢٢٩٧، ومن حديث أبي سعيد، البخاري: رقم ٦٥٨٤، ومسلم: ٢٢٩١، ومن حديث أسماء بنت أبي بكر: البخاري: ٦٥٩٣، ومسلم: ٢٢٩٣، ومن حديث عائشة: مسلم: ٢٢٩٤، ومن حديث أم سلمة: مسلم: ٢٢٩٥، ومن حديث حذيفة: مسلم: ٢٢٩٧، فالحديث متواتر يفيد العلم القطعي كما صرح بذلك الحافظ في الفتح: ١١/ ٤٦٧، ومع هذا نازع الغماري في تواتره بل زعم أن حديث العرض أكثر منه ومع طريقًا لأنه على حد زعمه جاء من ٢٠ طريقًا ولم يستطع أن يذكر تلك الطرق بل أحال على أخيه في هذا الادعاء كما ادعى أن حديث الحوض يخالف الكتاب والسنة. وهذا من الهوى والتعصب حيث وصل إلى حد يجعل الحديث المتواتر ضعيفًا والضعيف متواترًا.
(٣) البخاري: ١١/ ٤٦٤ رقم ٦٥٨٥.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
الذي يدل على علمه بأعمال أمته، فهذا ضعيف وذاك متواتر، ومن المعروف أن القطعي لا يعارض بالضعيف وإنما يكون مردودًا.
د - إن العرض إنما ثبت في الصلاة على النبي ﷺ خاصة دون سائر الأعمال كما في حديث أوس بن ثابت ﵁، قال: قال النبي ﷺ: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي، قال: فقالوا: يا رسول الله فكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟، قال: يقولون بليت، قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء ﷺ" (^١).
وإذا ثبت عرض الصلاة على النبي ﷺ فيقال: لماذا خص الصلاة إذا كانت كل الأعمال تعرض عليه فيكون التخصيص بدون فائدة؟
فعلى هذا يحتمل أن بعض الرواة ظن عموم عرض الأعمال استنباطًا من عرض الصلاة فروى بالعموم.
ومما يقوي هذا الاحتمال أن حديث ابن مسعود السابق اتفق أغلب الرواة على رواية عرض الصلاة فقط، وانفرد عبد المجيد بن عبد العزيز
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٨، وأبو داود: ١/ ٦٣٥ رقم ١٠٤٧، ٢/ ١٨٤ رقم ١٥٣١، والنسائي: ٣/ ٧٥، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة رقم ٢٢، وابن ماجه: ١/ ٥٢٤ رقم ٥٥٠، والدارمي: ١/ ٣٠٧ رقم ١٥٨٠، والحاكم في المستدرك: ١/ ٢٧٨، وصححه ووافقه الذهبي، وقد اختلف في الحديث فمنهم من صححه ومنهم من قال: إن فيه علة خفية. انظر القول البديع ص: ١٥٩، وجلاء الأفهام: ٣٦ - ٤١، وتعليق الألباني على فضل الصلاة ص: ٣٥، وللحديث شواهد كثيرة منها حديث ابن مسعود المتقدم: "إن الله ملائكة … إلخ" وغير ذلك من الشواهد الكثيرة انظرها في المراجع السابقة، القول البديع وجلاء الأفهام وتعليق الألباني. وقال ابن عبد الهادي: رواته كلهم مشهورون بالصدق والأمانة والثقة والعدالة، ولذلك صححه جماعة من الحفاظ كأبي حاتم ابن حبان، والحافظ عبد الغني المقدسي وابن دحية، ولم يأت من تكلم فيه وعلله بحجة بيّنة. اهـ. الصارم ص: ٢٠٠.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
برواية عرض الأعمال عامة، وقد قال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن أورد نصوصًا في عرض الصلاة على النبي ﷺ: "فهذه النصوص التي ذكرنا تدل على أنه يسمع سلام القريب، ويبلغ سلام البعيد وصلاته، لا أنه يسمع ذلك من المصلي والمسلم، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى والأحرى، والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام ولم يدل على أنه يبلغه غير ذلك" (^١).
وقال ﵀ أيضًا: "وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد، فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق أصوات العباد كلهم … " (^٢).
هـ - ثم إنه لو ثبت عرض الأعمال لا يصح الاستدلال به علي جواز الدعاء بالرسول ﷺ أو دعائه، وذلك لأمور:
١ - إنه ﷺ كان يستغفر لأمته في حياته فلم يكن الصحابة يسألون الله تعالى بذلك الاستغفار، ولم يدعوا الرسول ﷺ به مع أنه أبلغ وأقطع من استغفاره بعد موته.
٢ - الدعاء عبادة، ولم يشرع لنا هذا الدعاء لأنه لو شرع لسبقنا إليه خير القرون، ومن قال بمشروعيته فقد جهلهم (^٣).
_________________
(١) الرد على البكري: ٣٤، وانظر أيضًا الرد على الأخنائي: ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٢) الرد على الأخنائي: ٢١٠ - ٢١١.
(٣) مصباح الظلام ص: ٢٠٩، وهذه مفاهيمنا: ٨٨.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
٣ - إن عرض الأعمال على فرض ثبوته يكون مثل ما كان يقع في حياة النبي ﷺ من الأخبار التي تصله عن بعض الصحابة الذين غابوا عنه، إما في سرية أو تجارة أو الذين هاجروا إلى الحبشة أو المدينة وهو في مكة، ولم يثبت أن أحدًا من هؤلاء الصحابة ممن وقعوا في الشدة والكرب أنهم استغاثوا بالنبي ﷺ، فقد وقع كثير منهم في الشدة كما في قصة خبيب بن عدي، وأصحاب بئر معونة (^١)، والمهاجرين إلى الحبشة الذين طال مكثهم هناك أكثر من عشر سنوات ومرت عليهم ظروف قاسية (^٢). لم ينقل أنهم استغاثوا بالنبي ﷺ ولا توسلوا بجاهه، وقد قال خبيب بن عدي عندما أرادوا قتله:
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا … قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
إلى أن قال:
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي … وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي … فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعي" (^٣).
ولم يقل خبيب: إلى رسول الله أشكو بل إلى الله أشكو بصيغة الحصر بتقديم الجار والمجرور. وقد أُقِرُّوا على هذا من الرسول الكريم ﷺ.
ولو تتبع ما وقع للصحابة من الشدائد في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته لطال البحث.
والمقصود أنهم لم يدعوا باستغفار الرسول ﷺ ولا توسلوا بذلك.
٤ - ثم إن الله ﷾ حذر من دعاء الملائكة والأنبياء في
_________________
(١) البخاري، المغازي: ٧/ ٣٧٨ - ٣٨٦.
(٢) البخاري، المغازي: ٧/ ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٣) سيرة ابن هشام: ٢/ ١٧٦، وقال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها، ولكن قد ثبت بعض الأبيات في الصحيح، انظر البخاري مع الفتح: ٧/ ٣٧٩، وقد ذكر الحافظ أن عند أبي الأسود عن عروة زيادة في البيت فذكر البيتين الأولين، انظر الفتح: ٧/ ٣٨٤.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧]، فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم، وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قُدِّرَ أنهم تعرض عليهم أعمال الأحياء وأنهم يدعون لذلك فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ولم يفعل ذلك أحد من السلف، لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يفضي إلى الشرك لأنهم لا يقرون أحدًا على الشرك.
ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته، فإنه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم فما يفعلونه بعد الموت فهو أمر محدود يفعلون منه ما أمر الله به، لا يزداد بسؤال السائلين فليس في سؤالهم إياه منفعة بل مضرة (^١).
ثم إنهم إذا شفعوا لعبد بعد إذن الله لهم - شفعوا رغبة في رضا الله تعالى وطاعة له فقط (^٢).
وأما تأييد الحديث (^٣) بما ثبت من شهادته ﷺ على أمته يوم القيامة بالقول بأن ذلك يستلزم علمه بأعمالها - فمنقوض من وجوه:
١ - إن شهادته ﷺ لا يلزم أن تكون على أعمالهم بالتفصيل وإنما
_________________
(١) الرد على البكري: ١١٥ - ١١٦ و٢٣٤ - ٢٣٥، ٢٦٢، وقاعدة في التوسل: ١٣٦ - ١٣٧ و١٥١، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٥٤، والفتاوى: ٢٧/ ٨١.
(٢) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١٠١.
(٣) انظر نهاية الآمال: ١٩ - ٢٣، والرد المحكم: ١٨٣، وعنه في مفاهيم منتحلًا: ١٧٣.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
هي خاصة بالشهادة بإيمانهم به وبما جاء به وبأنه بلغهم، كما قاله ابن جرير ونقله أيضًا عن عطاء وقتادة (^١)، وهذا هو قول المفسرين.
٢ - إن هذه الشهادة قد جاء تفسيرها مرفوعًا من حديث ابن مسعود: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: "شهيدًا عليهم ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد" (^٢).
فعلى هذا التفسير فهي خاصة بدوام النبي ﷺ في الأمة ولا تشمل ما بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه.
٣ - هذه الشهادة التي ثبتت للرسول ﷺ مثل شهادة باقي الأنبياء على أممهم، وقد صرح في قصة عيسى أنها شهادة مقيدة بدوام عيسى ﵇ في قومه ولا تعم ما بعد الموت، قال تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧].
_________________
(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٠، ١١ و١٧/ ٢٠٨.
(٢) أخرجه الحميدي: ١/ ٥٦ برقم ١٠٢ عن ابن عيينة عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه عن ابن مسعود به، وابن جرير: ٥/ ٩٢، ٩٣ من طريقين عن ابن عيينة، والمسعودي مختلط ورواه عنه ابن عيينة ولم يذكروه فيمن سمع منه قبل الاختلاط كما في الكواكب: ٢٨٥ - ٢٨٩، فالإسناد ضعيف ولكن المسعودي قد توبع فقد أخرجه أبو يعلى في مسنده: ٨/ ٤٣٦ برقم ٥٠٢٠ من طريق مسعر حدثني معن عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه فهذا يمكن أن يتقوى به الحديث إلا أنه خالف في جد جعفر فجعله أمية وهو الضمري وهو ثقة وأما ابن حريث فمقبول وفيه اختلاف آخر فقد رد في إحدى طريقيه عند ابن جرير مرسلًا ولعل هذا الاختلاف من المسعودي، ومعن أقوى من المسعودي، فالحديث من رواية جعفر بن عمرو بن أمية الضمري ويشهد لصحة الحديث آية المائدة في قصة عيسى، وقد ذكر الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد: ٧/ ١٩ وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، هذا وقد روى ابن مسعود حديثًا آخر يتعلق بهذه الآية وهو متفق عليه، البخاري: ٤٥٨٢، ومسلم: ٨٠٠.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
٤ - هذه الشهادة مثل شهادة هذه الأمة على الأمم السابقة، ولم يلزم من ذلك اطلاع هذه الأمة على تفاصيل أحوال الأمم السابقة كما هو واضح.
٥ - هذه الشهادة جاء تفسيرها وبيان كيفيتها في الأحاديث الصحيحة منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط: العدل" (^١). فقد صرح في هذا الحديث بأن هذه الأمة ونبيها يشهدون لنوح ﵇ بالتبليغ فقط وعلى هذا تكون شهادة النبي ﷺ لهذه الأمة أيضًا بتبليغها وإيمانها فقط، وليس على جميع أعمال الأمة والله أعلم، فاتضح مما سبق أن شهادته ﷺ على أمته لا تقتضي ولا تستلزم أن تعرض أعمالهم عليه.
وأما الأثر الذي استدل به (^٢) الغماري لتقوية الحديث وهو ما رواه ابن المبارك أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: "ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي ﷺ أمته غدوة وعشيًا، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم. يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ (^٣).
فقد قال ابن كثير ﵀: "إنه أثر، وفيه انقطاع، فإن فيه رجلًا مبهمًا لم يسم وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه" (^٤) أي فهو
_________________
(١) البخاري: ٨/ ١٧١ رقم ٤٤٨٧، ٧٣٤٩.
(٢) نهاية الآمال: ٢٢، والرد المحكم: ١٨٣، وعنه صاحب المفاهيم منتحلًا: ١٧٣.
(٣) الزهد لابن المبارك، ونسبه إليه ابن كثير: ١/ ١٩٩، والحافظ في الفتح: ٩/ ٩٩.
(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٩.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
ضعيف لوجود هذه العلل من جهالة الرجل الأنصاري، وكونه مقطوعًا أي من كلام التابعي لم يرفعه، حتى تقول: إنه مرسل يحتج به عند بعضهم، ثم هو معارض بالأدلة القطعية مثل ما سبق في حديث الحوض حيث صرح هنا بأنه يعرفهم بأسمائهم وأعمالهم مع أنه يقال له: لا تدري ما أحدثوا بعدك. وعبارة ابن كثير المتقدمة أدق من قول الحافظ ابن حجر في أثر سعيد بن المسيب إنه مرسل (^١).
فقد تعلق الغماري بعبارة الحافظ بأنه مرسل، والصحيح ما قاله ابن كثير من أنه ليس مرسلًا لأنه لم يرفعه فلا ينفع القول بأن مراسيل ابن المسيب قوية.
ثم هذا الأثر في هذه الآية معارض بثلاثة أحاديث مرفوعة وردت في تفسير الآية وهي:
١ - حديث ابن فضالة، فقد أخرج الطبراني وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة الظفري عن أبيه "أن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئًا فقرأ، فأتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى حتى ضرب لحياه ووجنتاه، فقال: يا رب هذا على من أنا بين ظهرانيه فكيف بمن لم أره؟ " (^٢).
٢ - حديث عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه قال: "كان إذا قرأ هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا …﴾ بكى رسول الله ﷺ: وقال: "يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهرانيه فكيف بمن لم أره؟ " (^٣).
٣ - حديث ابن مسعود الذي تقدم (^٤).
_________________
(١) الفتح: ٩/ ٩٩.
(٢) مجمع الزوائد: ٧/ ٤، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) مجمع الزوائد: ٧/ ٤، وقال: رواه الطبراني، وعبد الرحمن بن لبيبة لم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
(٤) تقدم ص: ٧٧٨.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
٤ - ويؤيد هذه الأحاديث ما ورد في عيسى من قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ الآية [المائدة: ١١٧]، وأما ما قاله الحافظ ابن حجر ﵀ بعد ذكره لأثر سعيد بن المسيب: "ففي هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة والله أعلم" (^١) فقد سبق أنه ليس مرسلًا وإنما هو مقطوع، ويعترض عليه بما سبق بيانه من الأدلة القاطعة على عدم العرض، فلو صحت أحاديث العرض يمكن أن يلجأ إلى الجمع، وأما ما دام أنها ضعيفة فلا يمكن أن تعارض الأدلة الصحيحة كما هو معروف في فمن المصطلح من أنه لا يعل الصحيح بالضعيف، كما أن الأحاديث الواردة في تفسير الآية أقوى بمجموعها من أثر ابن المسيب.
وقد ذهب ابن كثير (^٢) إلى ترجيح حديثي ابن فضالة وابن مسعود على أثر سعيد بن المسيب، وهذا الذي ذهب إليه ابن كثير هو الراجح لما تقدم من الأدلة الكثيرة الشاهدة له والله أعلم ..
وبهذا اتضح سقوط احتجاجهم بحديث العرض وعليه نقتصر لأنَّه أهم حديث ضعيف يدل لقولهم، والآن نبدأ في مناقشة الأحاديث الواهية والموضوعة وبالله التوفيق ومنه نستمد العون والسداد.
_________________
(١) الفتح: ٩/ ٩٩.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٩.
[ ٢ / ٧٨١ ]
المبحث الثاني الأحاديث الواهية والموضوعة
ومن الأحاديث الواهية التي احتجوا بها (^١):
ما روي عن سواد بن قارب من أنه أنشد بين يدي رسول الله ﷺ أبياتًا منها:
فأشهد أن الله لا رب غيره … وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة … بمغن فتيلًا عن سواد بن قارب
قالوا: لم ينكر عليه رسول الله ﷺ قوله أدنى المرسلين وسيلة، ولا قوله وكن لي شفيعًا.
الجواب عن هذين البيتين من ناحيتين:
أولًا: ناحية الإسناد:
قد روي خبر سواد بن قارب في صحيح البخاري في سؤال عمر بن الخطاب له عن إسلامه وما كانت تأتي به الجن وإخبارها له ببعثة النبي ﷺ
_________________
(١) انظر الاحتجاج به في الدرر السنية ص: ٢٩ وفي الخلاصة: ٢٥١، والبراهين: ٤١٠، ومفاهيم: ٧٩، وانظر ذكر احتجاجهم به في الرسائل الشخصية: مؤلفات الشيخ: ٥/ ٢٠٦.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
ولا يوجد في الصحيح محل الشاهد، وأما الطرق التي فيها محل الشاهد فكلها واهية جدًا، وهذه الطرق هي نحو ستة طرق، وإليك بيانها:
أ - ما روي من طريق علي بن منصور الأنباري عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن محمد بن كعب القرظي قال: "بينما عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم جالس … فذكر سؤال عمر عن كهانته في الجاهلية وفي آخره أنه أتى النبي ﷺ فأنشده شعرًا وفيه البيتان (^١)، وهذا الإسناد فيه عدة علل:
١ - علي بن منصور مجهول كما قاله الذهبي (^٢).
٢ - عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي متفق على تركه كما قاله الذهبي أيضًا (^٣).
٣ - الانقطاع بين محمد بن كعب القرظي وعمر بن الخطاب إذ ولادة محمد بن كعب في سنة ٤٠ على الصحيح كما قاله الحافظ (^٤)، فلم يدرك قصة عمر مع سواد بن قارب ﵄.
ولهذا قال الحافظان الذهبي وابن كثير رحمهما الله تعالى أن هذا الطريق منقطع (^٥)، وذكر الهيثمي هذا الطريق وطريقًا آخر ثم قال: "وكلا الإسنادين ضعيف" (^٦).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٦٠٨ - ٦١٠، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢٥٣، وأخرجه أبو يعلى في معجمه ص: ٢٦٣ رقم ٣٢٩، وعزاه إليه ابن كثير في البداية: ٢/ ٣٠٩، والطبراني في الكبير: ٧/ ١٠٩ - ١١١ رقم ٦٤٧٥، والأحاديث الطوال: ٢٥/ ٢٥٦ - ٢٥٩، وأبو نعيم في الدلائل: ١/ ٣١ - ٣٢، والأصبهاني في دلائل النبوة ص: ١٣١ - ١٣٢ رقم ١٤٤.
(٢) و(^٣) السيرة النبوية للذهبي: ١٣١.
(٣) التقريب: ٦٢٥٧.
(٤) تلخيص المستدرك للذهبي: ٣/ ٦٠٩، والسيرة النبوية له ص: ١٣١، والبداية: ٢/ ٣١٠.
(٥) مجمع الزوائد: ٨/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
فتبين مما سبق أن هذه الطريقة واهية جدًا لاجتماع هذه العلل الثلاثة فيها، إذ الواحدة منها كافية لإسقاطه عن الاعتبار فكيف وهي مجتمعة؟
ب - ما روي من طريق سعيد بن عبيد الله الوصافي عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي وهو الباقر قال: دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب به وفيه قوله: وإنك أدنى المرسلين وسيلة، وليس فيه فكن لي شفيعًا (^١)، وهذه الطريقة فيها عدة علل أيضًا.
١ - سعيد بن عبيد الله الوصافي ضعفه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات (^٢). ومن المعروف تساهل ابن حبان في توثيق المجاهيل.
٢ - أبوه عبيد الله الوصافي تركه الفلاس والنسائي وابن حبان، وضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم (^٣).
٣ - الانقطاع بين أبي جعفر الباقر وعمر بن الخطاب فإن أبا جعفر وُلِدَ وَالِدُه الذي هو زين العابدين بعد وفاة عمر فضلًا عنه (^٤).
فتبين بهذا أن هذا الطريق ضعيف جدًا لا يصلح للاعتبار والاعتضاد، وبما تقدم يعلم أن قول الحافظ في الفتح: وهما طريقان مرسلان يعضد أحدهما الآخر (^٥). فيه نظر إذ أن كلًا منهما إسناده ضعيف جدًا فكيف يصلح للاعتضاد؟ إلا إن أراد الحافظ أصل القصة لورودها في
_________________
(١) أخرجه الخرائطي في هواتف الجان ص: ١٤٨ رقم ٣، وعزاه الحافظ في الفتح: ٧/ ١٧٩، إلى ابن أبي خيثمة وغيره كما عزاه في الإصابة إلى ابن أبي خيثمة ومحمد بن هارون الروياني: ٣/ ٢١٩ رقم ٣٥٨٥، كما عزاه ابن كثير في البداية إلى الخرائطي: ٢/ ٣١١.
(٢) الجرح والتعديل: ٤/ ٣٨، وثقات ابن حبان: ٨/ ٢٦٤، والميزان: ٢/ ١٥٠، والمغني: ١/ ٣٨٠.
(٣) الكامل: ٤/ ١٦٣٠، والمجروحين: ٢/ ٦٣، والميزان: ٣/ ١٧، والتهذيب: ٧/ ٥٥.
(٤) قال الذهبي في زين العابدين: ولد في سنة ثمان وثلاثين ظنًا وكان يوم كربلاء ٢٣ سنة. اهـ. سير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٨٦.
(٥) الفتح: ٧/ ١٧٩.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
الصحيح دون الزيادة التي في الطريقين المرسلين.
جـ - ما روي من طريق زياد بن يزيد بن بادويه أبو بكر القصري قال: حدثنا محمد بن تراس الكوفي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال: بينما عمر إلخ .. وفيه البيتان، وفيه أنك أدنى المرسلين شفاعة بدل وسيلة (^١). فهذا الإسناد فيه عدة مقادح:
١ - أبو بكر القصري زياد بن يزيد مجهول.
٢ - محمد بن تراس الكوفي كذلك مجهول، قال ذلك فيهما الذهبي وسيأتي نص كلامه.
٣ - أبو بكر بن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه (^٢).
٤ - وأبو إسحاق هو السبيعي، ثقة إلا أنه مدلس وقد اختلط (^٣) ولم يصرح بالسماع، كما أن سماع أبي بكر بن عياش منه ليس بالقوي كما قاله أبو حاتم (^٤)، وهذه العلل الثلاث الأخيرة ربما يستغنى عنها لأن الحمل على الضعيف أولى من الحمل على الثقة ولهذا لم يتعرض لها الذهبي، بل حمل على العلتين الأوليتين فقال: "هذا حديث منكر بالمرة، ومحمد بن تراس وزياد مجهولان لا تقبل روايتهما وأخاف أن يكون موضوعًا على أبي بكر بن عياش، ولكن أصل الحديث مشهور" (^٥).
يريد قصة سواد بن قارب مع عمر بن الخطاب ﵄ وليس في أصل الحديث البيتان المذكوران.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل: ٢٢/ ٢٤٨ - ٢٥١، وعزاه إليه ابن كثير في التفسير: ٤/ ١٦ - ١٦٨، ووقع في إسناده تصحيف وعزاه في البداية: ٢/ ٣١٢ إلى ابن عساكر أيضًا.
(٢) التقريب: رقم ٧٩٨٥.
(٣) الكواكب النيرات: ٤١ ص ٣٤١.
(٤) علل ابن أبي حاتم: ٣٥١، وتهذيب التهذيب: ١٢/ ٣٧، وهامش الكواكب النيرات ص: ٣٥٦.
(٥) السيرة النبوية للذهبي ص: ١٣٠.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وهذه الطريقة لا تصلح للاعتبار فقد خاف الذهبي أن تكون موضوعة.
د - ما روي من طريق الفضل بن عيسى القرشي عن العلاء بن زيدل عن أنس بن مالك فذكر القصة بطولها وفي آخرها قوله:
فكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب (^١)
وهذه الطريقة فيها العلاء بن زيدل، قال فيه ابن المديني: يضع الحديث، وقال البخاري والعقيلي وابن عدي: منكر الحديث، وقال ابن حبان والحاكم: روى عن أنس نسخة موضوعة (^٢).
وهذه الطريقة في غاية الضعف لا تصلح للاعتضاد كما هو واضح.
هـ - ما روي من طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن عمر بن حفص، وفيه قوله: وكن لي شفيعًا (^٣). والكلبي متهم بالكذب (^٤).
و- ما روي من طريق الحسن بن عمارة عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: دخل سواد بن قارب على عمر فذكر الحديث بطوله (^٥).
فهذه الطريقة أيضًا في غاية الوهن فالحسن بن عمارة قال فيه الحافظ: متروك (^٦).
فتبين مما سبق أن هذه الطرق كلها واهية جدًا لأنها لا تخلو من كذاب، أو متروك، أو مجهول، فمن هنا يعرف أنه لا يصلح الاحتجاج
_________________
(١) عزاه الحافظ في الإصابة: ٢/ ٢١٩، وفي الفتح: ٧٢/ ١٧٩، إلى ابن شاهين.
(٢) الكامل: ٥/ ١٨٦٢، والمجروحين: ٢/ ١٨٠، والميزان: ٣٠/ ٩٩، والتهذيب: ٨/ ١٨٣.
(٣) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية بدون عزو: ٢/ ٣١٢.
(٤) التقريب: رقم ٥٩٠٠
(٥) عزاه الحافظ في الإصابة: ٣/ ٢٢٠ إلى الحسن بن سفيان.
(٦) التقريب: رقم ١٢٦٤.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
بما ورد فيها من البيتين المذكورين، إذ يعد زيادة البيتين رواية منكرة لعدم وقوعها في روايات الثقات الذين رووا أصل القصة ولم يذكروا البيتين.
هذا ما يتعلق بناحية الإسناد.
ثانيًا: ناحية المتن:
وأما ما يتعلق بالمتن فنقول وبالله التوفيق: إنه لو صحت هذه الطرق فلا دليل على المدعي لأمور (^١):
فإن قوله: وإنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يحتمل في معناه أوجهًا:
أظهرها: أنه ﷺ أقرب المرسلين إلى الله منزلة ورتبة وقدرًا وقد تقدم ذكر معنى الوسيلة وأنها تطلق على المنزلة (^٢).
وثانيها: أنه وسيلة إلى الله في التبليغ والرسالة وأن شريعته أقرب إلى الله تعالى من شرائع المرسلين.
وثالثها: أنه وسيلة في الدعاء للناس حال حياته على معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ …﴾ [النساء: ٦٤].
ومثل ذلك كونه وسيلة في الشفاعة العظمى يوم القيامة ..
ولا يفهم منه أنه وسيلة بعد الممات في الحياة البرزخية مع تلك الاحتمالات الظاهرة فمن ادعى فعليه البرهان، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال لاسيما أن تلك الاحتمالات أظهر من الاحتمال المدعي.
وأما قوله: وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة، فعلى تقدير ثبوته
_________________
(١) انظر في هذا: مصباح الظلام ص: ٢٢٠، وصيانة الإنسان: ٢٨٧ - ٢٨٩، والبصائر ص: ٣٥٦.
(٢) تقدم ص: ٦٢٧.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
ومن الأحاديث الواهية التي احتجوا بها
فمعناه طلب الدعاء منه ﷺ بالشفاعة يوم القيامة بعد الإذن.
وهذا طلب من الرسول ﷺ ما يقدر عليه وهو الدعاء فلا يمكن أن يدعي أنه يدل على طلب الشفاعة أو الدعاء منه في الحياة البرزخية.
ومن الأحاديث الواهية التي احتجوا بها (^١): خبر مازن بن الغضوب أو الغضوبة وهو ما روي من طريق هشام بن الكلبي عن أبيه قال: حدثني عبد الله العماني قال مازن بن الغضوبة فذكر حديثًا طويلًا وفيه أنه أنشد رسول الله ﷺ:
إليك رسول الله خبت مطيتي … تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا … فيغفر لي ذنبي وأرجع بالفلج (^٢)
الإسناد فيه:
هشام بن محمد بن السائب الكلبي متروك رافضي (^٣)، وأبوه الكلبي كذلك متروك رافضي وقد تقدم (^٤) آنفًا.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وكلاهما متروك (^٥). وعلى كل فالحديث ضعيف جدًا.
ولو صح فالمعنى واضح لا غبار عليه فهو في طلب الشفاعة من الرسول ﷺ في مغفرة الذنب مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، وذلك في حياة النبي ﷺ وهذا ليس من مورد النزاع.
_________________
(١) احتج به دحلان في الدر.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ٢٠/ ٣٣٧ - ٣٣٩، والأحاديث الطوال: ٢٥ رقم ٦٢، والخطابي في غريب الحديث: ١/ ٤٤٧، وأبو نعيم في الدلائل ص: ٣٢ - ٣٣، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢٥٨، وعزاه الحافظ في الإصابة: ٥/ ٧٠٤ رقم ٧٥٩١ إلى ابن السكن وابن قانع.
(٣) قال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن عساكر رافضي ليس بثقة، الميزان: ٤/ ٣٠٤.
(٤) تقدم ص: ٧٨٦.
(٥) مجمع الزوائد: ٨/ ٢٤٨.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
توسل آدم بالنبي ﷺ:
وهو ما روي من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري حدثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر مرفوعًا: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال: غفرت لك، ولولا محمد لما خلقتك" (^١).
قد احتج جماعة بهذا (^٢) الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ وقالوا: إن هذا توسل بذاته ولا يمكن القول بأن هذا توسل بدعائه لكونه قبل وجوده.
مناقشة هذا الحديث سندًا:
قد تكلم كبار نقاد الحديث وجهابذاته على هذا الحديث فحكموا بوضعه وبطلانه فمن الحفاظ الذين حكموا بوضعه وبطلانه:
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الصغير: ٢/ ٨٢ - ٨٣، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٦١٥، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٤٨٩. وقد ساق في المعجم الصغير إسناده هكذا (حدثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري حدثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد) ولعله خطأ مطبعي.
(٢) ممن احتج به البكري كما في الرد على البكري ص: ٤، والسبكي في الشفا: ١٧٢، والزركشي في الأزهية ص: ١٧٣، والهيتمي كما في شواهد الحق: ١٣٧، والسمهودي في الوفا: ٤/ ١٣٧١، ودحلان في الخلاصة: ٢٤٢، والدرر ٩، والسمنودي في سعادة الدارين ص: ١٥٧، والعزامي في البراهين: ٣٩٤، والفرقان: ١١٧، والكوثري في محق التقول: ٣٩١، وابن جرجيس كما في منهاج التأسيس ص: ٣٩١، والغماري في الإتحاف: ٥ - ٧، والرد المحكم: ١٢١، ١٤١، والعلوي في مفاهيم ص: ٤٦ - ٤٧، والبوطي في السلفية: ١٥٥.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
١ - الذهبي فقد حكم بوضعه وبطلانه (^١).
١ - وابن حجر حكم ببطلانه (^٢).
٣ - وابن تيمية حكم بوضعه وبأنه لا أصل له (^٣).
٤ - وابن عبد الهادي (^٤).
٥ - والألباني (^٥).
وعِيْبَ على الحاكم إخراج هذا الحديث وقوله: "صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب" (^٦) مع أن الحاكم نفسه ذكر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه "المدخل" في المجروحين وقال: "روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصناعة أن الحمل فيها عليه" (^٧).
وأما محاولة (^٨) تقوية عبد الرحمن بن زيد بأنه لم يتهم بالكذب فيرده كلام الحاكم نفسه السابق من أنه روى أحاديث موضوعة فهذه محاولة يائسة.
_________________
(١) تلخيص المستدرك: ٢/ ٦١٥ قال: قلت: بل موضوع وعبد الرحمن واه، وقال في الميزان: ٢/ ٥٠٤ في ترجمة عبد الله بن مسلم الفهري: روى خبرًا باطلًا فيه (يا آدم لولا محمد ما خلقتك).
(٢) اللسان: ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٣) الرد على البكري ص: ٤ - ٢١ و٥٩، ومنهاج السنة: ٧/ ١٣١.
(٤) الصارم المنكي ص: ٣٦.
(٥) السلسلة الضعيفة: ١/ ٣٨/ ٢٥، والتوسل أنواعه وأحكامه ص: ١٠٢ - ١١٤.
(٦) المستدرك: ٢/ ٦١٥.
(٧) المدخل ص: ١٥٤، وانظر اللسان في ترجمة الحاكم حيث نص على وهم الحاكم، ونص على عبد الرحمن بن زيد. اللسان: ٥/ ٢٣٣، وانظر أيضًا الميزان: ٣/ ٦٠٨، والتذكرة: ٣/ ١٠٤٢ - ١٠٤٥. ويراجع للتوسع في الكلام على الحديث السلسلة الضعيفة: ١/ ٣٨ - ٤٥، والتوسل أنواعه: ١٠٢ - ١١٤، ومفاهيمنا: ٢٠ - ٣٠.
(٨) انظر هذه المحاولة من الكوثري في المقالات: ٣٩١، والغماري في الرد المحكم ص: ١٣١.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
وكذلك تأييده (^١) بالحكاية المكذوبة عن مالك وسيأتي مناقشتها قريبًا.
هذا من ناحية السند، ومن ناحية المتن فالحديث منقوض بأوجه:
١ - إن الراجح في تفسير الكلمات التي تلقاها آدم ما ورد في آية أخرى ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وهذا ما رجحه إمام المفسرين الطبري (^٢) ﵀، وأولى ما يفسر القرآن بالقرآن فإذا وجد فلا يعدل عنه.
٢ - قد ذكر ابن جرير وأبو حاتم الأقوال الواردة في تفسير الكلمات وليس فيها هذا المزعوم، وقد نص ابن أبي حاتم بأنه قد اختلف في تفسير الآية على ستة أوجه، ثم ذكرها واحدة تلو الأخرى ولم يذكر هذا (^٣).
٣ - إن التفسير الذي ورد عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يخالف هذا.
فقد أخرج الطبري عن يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية، قال: لقاهما هذه الآية: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (^٤).
فلو كان عند عبد الرحمن بن زيد حديث مرفوع في تفسير الآية لما عدل عنه إلى غيره.
٤ - ثم إن في الرواية أن آدم هو الذي اطلع بنفسه على اسم
_________________
(١) انظر المقالات ص: ٣٩١
(٢) ابن جرير الطبري: ١/ ٢٤٥.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٥ - ١٣٧.
(٤) تفسير الطبري: ١/ ٢٤٣.
[ ٢ / ٧٩١ ]
النبي ﷺ والآية تدل على أنه تلقى الكلمات من الله تعالى، فهذه الرواية المكذوبة تخالف الآية.
٥ - لو كان آدم ﵇ قد قال هذا وحصلت له التوبة به لكانت أمة محمد ﵊ أحق به منه.
وقد علم كل عالم بالآثار أن النبي ﷺ لم يأمر أمته به، ولا نقل عن أحد من الصحابة الأخيار، ولا نقله أحد من العلماء الأبرار (^١).
٦ - إن التوبة تكون بالاعتراف بالذنب والإقرار له والاستغفار، ويتضمن ذلك قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.
وإذا حصلت المغفرة بالتوبة حصل المقصود بها لا بغيرها (^٢).
٧ - إن من المعلوم بالاضطرار أن الكفار والفساق لا يحتاج أحدهم إذا تاب إلى الله بالإقسام بأحد فكيف يحتاج آدم إلى ما لا يحتاج إليه أحد من المذنبين؟ (^٣).
٨ - ثم إنه لو ثبت لم يكن فيه حجة. لأنَّه شرع من قبلنا، وليس شرعًا لنا إلا إذا ورد شرعنا بموافقته ومن المعلوم أن شرعنا لم يرد بالإقسام بالمخلوق على الخالق في التوبة وغيرها.
٩ - إن (^٤) هذه الرواية تخالف القطعي من خلق آدم وبنيه لأجل العبادة لا لأجل محمد ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقد ذكر علماء علوم الحديث أن علامات وضع الحديث من مخالفته للقطعي كما تقدم (^٥).
_________________
(١) و(^٢) انظر الوجه الخامس والسادس في الرد على البكري ص: ١١، وانظر الخامس أيضًا في منهاج السنة: ٧/ ١٣٢.
(٢) انظر الوجه السابع في منهاج السنة: ٧/ ١٣١.
(٣) انظر الإشارة إلى هذا الوجه في البصائر ص: ٣٥٢، والتوسل أنواعه: ١٢٥.
(٤) تقدم ص: ٣٣٧.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
١٠ - ومما يقوي وضع الحديث وبطلانه أن بعض الشيعة ذكروا بأسانيدهم عن أبي عبد الله (جعفر الصادق)، أن الله عرض على آدم في الميثاق ذريته وفيهم النبي ﷺ وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين فحسدهم، وفي رواية عندهم لم يقر بالولاية لهم فطرد لهذا من الجنة، فلما تاب من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين -غفر الله له- وذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (^١).
والظاهر أن بعض الضعفاء نقل عن هؤلاء الروافض هذا الذي عندهم من توسل آدم بحق هؤلاء الخمسة، فقصره على النبي ﷺ، ومثل هذا الصنيع معروف من الذين يسرقون الأحاديث فيركبون لها أسانيد أو متونًا بزيادة أو نقصان تعمية وإخفاء.
ومن العجب أن هؤلاء الذين ادعوا توسل آدم بالنبي ﷺ لم يقتصروا عليه، بل ما نجا نوح في السفينة ولا إبراهيم في النار إلا بالدعاء به وهذا عين ما تزعمه الروافض في أئمتهم.
قال زيني دحلان في المواهب: ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
به قد أجاب الله آدم إذا دعا … ونجى في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره … ومن أجله نال الفداء ذبيح" (^٢).
حديث فاطمة بنت أسد:
وهو ما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما ماتت فاطمة
_________________
(١) تفسير العياشي: ١/ ٤١، وتفسير الصافي، الكاشاني: ١/ ٨٢ - ٨٣، والطبرسي: ١/ ٨٩، ٨٧، ٨٨. وانظر نحوه في الكافي: ٢/ ٦، وفي: ٤/ ٣٩٣ ط حـ. وانظر كلام ابن الجوزي في وضع حديث سؤال آدم بمحمد وعلي في الموضوعات: ٢/ ٣.
(٢) خلاصة الكلام: ٢٥٠.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
بنت أسد أم علي ﵂ دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيبًا وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة"، ثم أمر أن تغسل ثلاثًا ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه، فألبسها إياه، وكفنها ببرد فوقه ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه، وقال: "الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين" وكبر عليها أربعًا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر ﵄.
فقد احتجوا (^١) بهذا الحديث على جواز التوسل بالذوات.
والجواب عن هذا الحديث من ناحيتين:
أ - ناحية الإسناد: روي هذا الحديث عن أنس وابن عباس وجابر ﵃ وروي مرسلًا عن محمد بن الحنفية، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب.
١ - حديث أنس أخرجه الطبراني في الكبير (^٢) والأوسط (^٣)، ومن
_________________
(١) قد احتج به السمهودي في وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٣، ودحلان في الخلاصة ص: ٢٤١، والدرر ٧ - ٨، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٥٦، والعزامي في البراهين: ٣٩٣، والفرقان: ١٢٠، والكوثري في محق التقول: ٣٧٩، ٣٩١ والغماري في الإتحاف: ٢ - ٤، والرد المحكم: ١٩٣، والبوطي في السلفية مرحلة: ١٥٥، والعلوي في مفاهيم ص: ٦٥.
(٢) المعجم الكبير: ٢٤/ ٣٥١ رقم ٨٧١.
(٣) الأوسط: ١/ ١٥٢ رقم ١٩١.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
طريقه أبو نعيم في الحلية (^١) عن أحمد بن حماد -زغبة- (^٢) حدثنا روح بن صلاح حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس، وهذا الإسناد فيه عدة علل:
أ - روح بن صلاح قد اختلفوا فيه وثقه ابن حبان والحاكم، وضعفه ابن عدي وقال بعد أن ساق له حديثين: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي بعض حديثه نكرة، وقال ابن ماكولا: ضعفوه، وقال ابن يونس: رويت له مناكير، وقال الدارقطني: ضعيف في الحديث (^٣).
فالجرح هنا مقدم لأمرين:
١ - إن الذين ضعفوه الدارقطني، وابن عدي، من المعتدلين (^٤)، وأما الذين وثقوه ابن حبان والحاكم فمعروفون بالتساهل (^٥).
٢ - الجرح هنا مفسر وهو روايته المناكير.
ب - تفرده بهذا الحديث حيث لم يرو عن سفيان غيره، والتفرد عن مثل سفيان الثوري علة؛ لأن الشيخ إذا كان ممن يجمع حديثه كالثوري وانفرد أحد تلامذته عنه بحديث ولم يكن من الحفاظ المتقنين فإنه يرد ويعد منكرًا (^٦)، وهنا انفرد روح بهذا دون بقية أصحاب سفيان وليس هو من الحفاظ المتقنين، وقد أشار إلى هذه العلة الطبراني فقال: لم يرو هذا الحديث عن عاصم الأحول إلا سفيان الثوي تفرد به روح بن صلاح (^٧)
_________________
(١) الحلية: ٣/ ١٢١.
(٢) وقع في المعجمين المطبوعين عن ابن رغبة وهو خطأ لأن زغبة لقب له كما في التقريب.
(٣) الثقات: ٨/ ٢٤٤، والكامل: ٣/ ١٠٠٦، والميزان: ٢/ ٥٨، واللسان: ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٤) ذكر من يعتمد قوله ص: ١٥٩، وفتح المغيث: ٣/ ٣٥٩.
(٥) المرجعان السابقان والصارم ص ٩٥، ٣٦، واللسان: ١/ ١٤، والتنكيل: ١/ ٦٦ وما بعدها و٤٣٧ - ٤٣٨، والرد على التعقب الحثيث: ١٨ - ٢١.
(٦) مقدمة صحيح مسلم: ١/ ٧، وانظر ما تقدم في ص: ٧٦٥.
(٧) الأوسط: ١/ ١٥٣.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
كما أشار إلى ذلك أبو نعيم، فقال: غريب من حديث عاصم والثوري لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح تفرد به (^١).
وقد أعل هذا الحديث بهاتين العلتين الشيخ الألباني (^٢) حفظه الله
ج - ثم إن في النفس شيئًا من سماعه من سفيان الثوري لأن صلاحًا توفي ٢٣٣ وهو مصري، ووفاة الثوري عام ١٦١ وبين الوفاتين ما يقارب ٧٤ سنة فلا بد لصحة سماعه من الثوري أن يكون سنه نحو عشرين سنة قبل وفاة الثوري حتى يمكن طلبه للعلم وسماعه من كبار الشيوخ.
ويقوي هذا أن ابن حبان عندما ذكره في الثقات قال: روح بن صلاح من أهل مصر يروي عن يحيى بن أيوب وأهل بلده (^٣).
فخص روايته عن أهل بلده، والثوري كوفي، كما أنه لم يذكره المزي في تهذيبه في تلاميذ الثوري مع محاولته الاستقصاء.
٢ - حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الأوسط (^٤)، وابن عبد البر (^٥) تعليقًا من طريق سعدان بن الوليد السابري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه، واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه؟ فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها.
وفي هذا الإسناد سعدان بن الوليد السابري، وهو مجهول، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعدان بن الوليد، ولم أعرفه
_________________
(١) الحلية: ٣/ ١٢١.
(٢) في السلسلة الضعيفة: ١/ ٣٢ رقم ٢٣، والتوسل أنواعه: ١٠٩.
(٣) الثقات لابن حبان: ٨/ ٢٤٤.
(٤) كما في مجمع الزوائد: ٩/ ٢٥٧.
(٥) الاستيعاب لابن عبد البر: ٤/ ١٨٩١ رقم ٤٠٥٢.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
وبقية رجاله ثقات (^١).
٣ - حديث جابر أخرجه ابن شبة (^٢) من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جده عبد الله بن عقيل عن جابر به.
وهذه الطريقة ضعيفة جدًا لأن فيها القاسم بن محمد الهاشمي، قال فيه أبو حاتم: متروك وقال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: أحاديثه منكرة (^٣).
٤ - مرسل محمد بن الحنفية: أخرجه ابن شبة (^٤) من طريق عبد العزيز، وهو ابن محمد الدراوردي عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن أبي طالب به.
وليس فيه التوسل المذكور إلا أن فيه أنه قرأ فيه القرآن.
وهذا الإسناد فيه عبد العزيز وهو الدراوردي وهو مختلف فيه (^٥) وهو مرسل أيضًا.
٥ - مرسل محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:
أخرجه ابن أبي عاصم (^٦) ومن طريقه ابن الأثير (^٧) من طريق عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله ﷺ كفن فاطمة بنت أسد في قميصه، واضطجع في قبرها وجزاها خيرًا.
فعبد الله بن محمد هو العلوي، قال فيه الحافظ: مقبول (^٨) ووالده
_________________
(١) مجمع الزوائد: ٩/ ٢٥٧.
(٢) تاريخ المدينة: ١/ ١٢٤.
(٣) الميزان: ٣/ ٣٧٩.
(٤) تاريخ المدينة: ١/ ١٢٣.
(٥) قد ذكروا أنه إذا حدث من حفظه يهم، انظر الميزان: ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤.
(٦) كما في الإصابة: ٨/ ٦٠.
(٧) أسد الغابة: ٦/ ٢١٧ رقم ٧١٦٨.
(٨) التقريب: رقم ٣٥٩٥.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
محمد بن عمر قال فيه أيضًا: صدوق من السادسة، وروايته عن جده مرسلة (^١).
فإذا كانت روايته عن جده علي بن أبي طالب مرسلة فكيف بروايته المرفوعة؟ فهي معضلة.
والحاصل أنه قد تحصل لنا أن الحديث قد روي من خمسة طرق، ثلاثة موصولة ومرسلان فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف، ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إلا في طريقة واحدة وهي طريق أنس، فهذه الأحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لأن الكل ضعيف فيعل بعضه ببعض.
ولكن هذه الطرق الضعيفة تدل على أنه ﷺ لم يدع بالدعاء المزعوم، فتكون زيادة الدعاء الذي فيه التوسل منكرة.
هذا على فرض تقوية هذه الطرق مع أنها ضعيفة جدًا لا يمكن تقويتها بمجيئها من عدة طرق، فلا يزيد بعضها بعضًا إلا وهنًا وضعفًا.
هذا ما يتعلق بأسانيد هذا الحديث.
وأما من ناحية المتن فهو منقوض من عدة وجوه أيضًا:
أ - إن في (^٢) هذا الحديث مبالغة وإطراء متجاوزًا المألوف في ذلك العهد النبوي.
ب - إن (^٣) فيه ركاكة الألفاظ.
جـ - هذا الحديث يخالف هديه وسنته في غسل جنازة المرأة وذلك في أمور:
١ - سكبه بيده الشريفة لم يرد إلا في هذه القصة، وأما الذي ورد
_________________
(١) المرجع نفسه: رقم ٦١٧٠.
(٢) و(^٣) أشار إليهما عبد الرحمن الدوسري، انظر هامش صيانة الإنسان: ١٢٩.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
في غسل بنته زينب أنه أمرهن بالغسل، ولم يسكب بنفسه، فقد روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: "دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، فإذا فرغتن فآذنني، قالت: فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه فقال: أشعرنها إياه ولم يزد على ذلك. . ." (^١).
٢ - ثم إلباسه إن كان بيده ففيه مخالفة هديه في كفن المرأة الذي دل عليه الحديث السابق.
٣ - إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والاضطجاع فيه كلها لم تعهد إلا في هذا الحديث الضعيف، مخالفًا هديه ﷺ المشهور عنه وهو من المبالغة والإطراء.
٤ - ثم لفظُ الدعاء الذي بدأ بلفظ الغيبة ثم الخطاب بعيدٌ عن الأسلوب المعهود في الدعوات المأثورات "اللهم أنت … " ولم نر في غير هذا الدعاء (الله الذي. . .).
٥ - ومما يدل على ضعفه أن الراوي اعترف بأن النبي ﷺ لم يفعل هذه الأفعال إلا في هذه المرة، ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره، وهيهات.
د - يمكن أن يكون هذا من وضع الغلاة في علي ﵁ ليرفعوا من شأنه وشأن أسرته بمثل هذه المبالغات، وأن بعضهم سرق ذلك منهم، ويؤيد ما نقول من المبالغة واحتمال أن بعضهم أخذه من الشيعة، أن الكليني روى بسنده عن أبي عبد الله ما يشبه هذه الروايات مع بعض الاختلاف وذكر أنه أدخلها القبر واضطجع فيه ثم زاد "أنه انكب عليها طويلًا يناجيها ويقول لها ابنك ابنك، ثم خرج وسوى عليها ثم
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ٣/ ١٣٣ رقم ١٢٦١، ومسلم: ٢/ ٦٤٦ رقم ٩٣٩.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
انكب على قبرها فسمعوه يقول: لا إله إلا الله اللهم إني استودعها إياك، ثم ذكر أنهم سألوه عن سبب الانكباب فأجاب بأنها سئلت عن ربها ورسولها فأجابت وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها، فقلت ابنك ابنك" (^١)، وهذا واضح أنه من وضع الشيعة.
من الأحاديث الموضوعة التي استدلوا بها حديث دعاء حفظ القرآن وعيسى وهو:
" اللهم إني أسألك بمحمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى كلمتك وروحك، وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد. . .".
استدل به بعضهم (^٢) على جواز التوسل المبتدع.
وهذا الحديث قد روي من حديث أبي بكر الصديق وابن مسعود وابن عباس ومرسل الزهري.
أ - حديث أبي بكر الصديق أخرجه أبو الشيخ في كتاب ثواب (^٣) الأعمال وأبو العباس ابن إبراهيم بن تركمان في كتاب الدعاء (^٤). كلاهما من طريق الحسن بن عرفة العبدي حدثنا زيد بن الحباب العكلي حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني عن أبيه أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ فقال: إني أتعلم القرآن فيتفلت مني فقال النبي ﷺ قل: "اللهم. . .".
وهذا الحديث بهذا الإسناد موضوع كما أشار (^٥) إلى ذلك شيخ
_________________
(١) الكافي: ١/ ٣٧٧.
(٢) قد استدل به الغماري في إتحاف الأذكياء ص: ٥، وسبقه إلى الاستدلال به السمنودي في سعادة الدارين ص: ١٨٦.
(٣) عزاه إليه شيخ الإسلام في قاعدة التوسل: ٨٣، والسيوطي في اللآلي: ٢/ ٣٥٧.
(٤) نسبه إليه السيوطي في اللآلي: ٢/ ٣٥٧.
(٥) قاعدة في التوسل ص: ٨٣ - ٨٤، والموضوعات: ٣/ ١٧٤ - ١٧٥.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
الإسلام ابن تيمية وابن الجوزي لأن فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة وقد تقدم بيان أنه وضاع (^١).
٢ - ثم إن أباه ضعفه الدارقطني أيضًا فقال: "وأبوه أيضًا متروك" (^٢).
٣ - ثم الانقطاع بين هارون بن عنترة وبين الصديق كما في بعض الطرق فعلى هذا فهو إعضال كما عبر به السيوطي (^٣). أو بين جد عبد الملك وهو عنترة الشيباني وبين الصديق. فعلى هذا يكون انقطاعًا كما عبر به أبو موسى المديني (^٤).
٤ - وقد حكم نقاد الحديث بوضع هذا الحديث منهم ابن الجوزي وشيخ الإسلام (^٥) والسيوطي (^٦) وابن عراق (^٧).
حديث ابن مسعود:
أخرجه الخطيب في الجامع من طريق موسى بن إبراهيم المروزي نا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود مرفوعًا وفيه: "أسألك بحق محمد رسولك ونبيك وإبراهيم خليلك. . ." (^٨).
وهذا حديث موضوع أيضًا، قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة
_________________
(١) تقدم ص: ٦٨٧.
(٢) الضعفاء والمتروكون للدارقطني: ٢٨٩/ ٣٦٢، ونقل في الميزان في ترجمة ابنه تضعيف الدارقطني له وفي ترجمة الأب قول الدارقطني: يحتج به. وكذلك في التهذيب: ١١/ ١٠ فليحرر.
(٣) اللآلي: ٢/ ٣٥٧.
(٤) نقله عنه شيخ الإسلام في قاعدة التوسل ص: ٨٤.
(٥) الموضوعات: ٣/ ١٧٤ - ١٧٥، وقاعدة في التوسل: ٨٣ - ٨٤.
(٦) اللآلي: ٢/ ٣٥٧.
(٧) تنزيه الشريعة: ٢/ ٣٢٢.
(٨) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: ٢/ ٢٦١/ ١٧٩٣.
[ ٢ / ٨٠١ ]
موسى بن إبراهيم بعد أن نقل عن يحيى تكذيبه وعن الدارقطني وغيره أنه متروك.
قال: فمن بلاياه، قال: حدثنا وكيع عن عبيدة فذكر ما تقدم (^١) وزاد في تنزيه الشريعة نقلًا عن الذهبي قوله: "فإما وضعه أو سرقه ممن وضعه وركب له إسنادًا والله أعلم (^٢) ".
وأخرجه ابن الجوزي أيضًا من طريق عمر بن الصبح عن أبي عبد الله الشامي ومحمد بن أبي عائشة السندي عن يزيد بن عمر عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود مرفوعًا.
قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع والمتهم به عمر بن الصبح (^٣).
وقال شيخ الإسلام في هذه الطريقة: إنها أضعف من الطريق الأول (^٤). وعمر بن صبح قال فيه ابن حبان: كان ممن يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب لأهل الصناعة فقط (^٥).
حديث ابن عباس:
أخرجه الطبراني في الدعاء (^٦) من طريق موسى بن عبد الرحمن
_________________
(١) الميزان: ٤/ ١٩٩.
(٢) تنزيه الشريعة: ٢/ ٣٢٢، ولعل هذه الجملة سقطت من النسخة المطبوعة من الميزان.
(٣) الموضوعات: ٣/ ١٧٥، ووقع في الإسناد في النسخة المطبوعة خطأ والتصويب من اللآلي.
(٤) قاعدة في التوسل: ٨٨، يعني بالأول طريق موسى بن عبد الرحمن المروزي.
(٥) المجروحين: ٢/ ٨٨.
(٦) الدعاء للطبراني: ٣/ ١٤٢٢ رقم ١٣٣٤.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
الصنعاني المفسر، حدثني ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس (ح) وحدثنا (^١) مقاتل بن حيان عن مجاهد عن ابن عباس، وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين قال فيه ابن حبان: دجال يضع الحديث، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتابًا في التفسير جمعه من عطاء كلام الكلبي ومقاتل بن سليمان وألزقه بابن جريج عن عن ابن عباس، ولم يحدث به ابن عباس ولا عطاء سمعه ولا ابن جريج سمع من عطاء (^٢).
وقال ابن عدي: منكر الحديث (^٣).
وقال الذهبي: مشهور هالك (^٤). وقال فيه أيضًا: دجال (^٥).
مرسل الزهري:
وهو ما روي من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري، حدثنا أبو الأشعث حدثنا زهير بن العلاء العتبي (^٦) حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري ورفع الحديث قال: "من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره في آخر الآيام السبعة على هؤلاء الكلمات. . ." (^٧).
_________________
(١) قوله وحدثنا معطوف على حدثني ابن جريج فيكون من كلام الصنعاني وليس من كلام الطبراني كما ظنه محقق كتاب الدعاء فحكم على الإسناد بالانقطاع.
(٢) المجروحين: ٢/ ٢٤٢.
(٣) الكامل: ٦/ ٣٣٤٨.
(٤) المغني للضعفاء: ٢/ ٣٣٤.
(٥) ديوان الضعفاء ص: ٣١١ رقم ٤٢٩١.
(٦) هكذا في الأصل والذي في تهذيب الكمال: ١/ ٤٨٨، زهير بن العلاء القيسي.
(٧) عزاه شيخ الإسلام في القاعدة ص: ٨. إلى أبي الشيخ الأصبهاني كما عزاه إلى أبي موسى المديني في أماليه وأبي عبد الله المقدسي وذكر أن إخراج هؤلاء لهذا الحديث الموضوع على عادة المتقدمين من ذكر جميع ما في الباب من دون تقيد بالصحيح ولا يدل على أنهم يعتقدون ثبوته وإنما هم يجعلون العهدة على الناقل لذكرهم الإسناد.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
وهذا مرسل أيضًا موضوع. فإن زهير بن العلاء قال فيه أبو حاتم: أحاديثه موضوعة (^١).
وقال شيخ الإسلام بعد أن ساق إسناد مرسل الزهري: "وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء" (^٢).
ثم إن العلماء ذكروا أن مراسيل الزهري من أضعف المراسيل قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنَّه حافظ كلما قدر أن يسمي سمي، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه وقال فيه وفي مرسل قتادة: هو بمنزلة الريح (^٣) وقال ابن معين: مراسيل الزهري ليس بشيء (^٤).
والحاصل أن هذا الحديث موضوع بكل طرقه لأن في كل الطرق أحد الوضاعين.
وقد أصاب ابن الجوزي في حكمه عليه بالوضع (^٥) وتبعه السيوطي (^٦) وابن عراق (^٧)، وقبلهما شيخ الإسلام (^٨).
هذا ما يتعلق بالإسناد.
وأما من ناحية المتن ففي بعض طرقه أنه يكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحفة قوارير بعسل وزعفران وماء مطر.
_________________
(١) الميزان: ٢/ ٨٣، والمغني: ١٠/ ٣٥١، وأبو الأشعث هو أحمد بن المقدام وثقوه إلا أن أبا داود تركه لمزاح فيه الميزان: ١/ ١٥٨ ولم أطلع على ترجمة الجوهري ويوسف بن يزيد.
(٢) قاعدة في التوسل ص: ٨٨.
(٣) جامع التحصيل ص: ٨٧.
(٤) المراسيل لابن أبي حاتم ص ٣، وتقدمه الجرح والتعديل ص: ٢٤٦.
(٥) الموضوعات: ٣/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٦) اللآلي المصنوعة: ٢/ ٣٥٧.
(٧) تنزيه الشريعة: ٢/ ٣٢٢.
(٨) قاعدة في التوسل: ٨٧ - ٨٩.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
وهذا دليل آخر على وضعه.
فكتابة القرآن والأدعية بالزعفران والعسل من التلاعب بالقرآن الكريم، ولم يعهد في شيء من الأحاديث الصحيحة كتابة الرقى بهذه الكيفية، وإنما يفعل هذا المشعوذون الدجالون الأكالون لأموال ضعفاء العقول، وقد يكون هذا من وضع بعض أهل الأهواء فقد روى الكليني في الكافي هذا الدعاء عن أبي عبد الله الصادق بهذه الكيفية (^١)، فكتابة الحروز والاعتقاد بالخرافات منتشر بين هؤلاء ثم تتسرب هذه الاعتقادات إلى عوام المسلمين بطريق المتصوفة، كما أن الوضاعين للحديث يسرقون هذه الأحاديث التي عندهم ثم يركبون لها أسانيد أخر.
ومن الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها ما روي مرفوعًا: "إذا كانت لكم إلى الله حاجة فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم".
قد احتج بهذا الحديث الموضوع بعضهم (^٢) على جواز التوسل بالنبي ﷺ وهذا الحديث حكم عليه الحفاظ بالوضع والبطلان، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث" (^٣). وقال أيضًا: "وهو كذب موضوع من الأحاديث المشينات التي ليس لها زمام ولا خطام" (^٤).
وقال الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى-: "لا أصل له" (^٥).
_________________
(١) الكافي: ٢/ ٤١٩، ونحوه في المصباح للكفعمي ص: ١٩٧.
(٢) قد احتج به العزامي في البراهين: ٤٣٧، وصاحب بغية المستفيد كما في التيجانية ص: ١٦٩، وذكر شيخ الإسلام أنهم يروونه في التوسل كما في الاقتضاء: ٤١٥، والرد على البكري: ٤٥.
(٣) الرد على البكري ص: ٤٥، والقاعدة الجليلة ص: ١٢٩، ١٤٧، والفتاوى: ١/ ٣٤٦، ٣١٩.
(٤) الرد على البكري: ١١ - ١٢، واقتضاء الصراط: ٤١٥، والفتاوى: ١٢٦/ ٢٧ و٢٤/ ٣٣٥.
(٥) السلسلة الضعيفة: ١/ ٣٠/ ٢٢.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وقال الألوسي: لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو شيء في كتب الحديث (^١).
وقد أراد سلامة العزامي أن يقويه بأنه ثابت المعنى وإن لم يرد التصريح بخصوص هذا اللفظ وأن المختار جواز الرواية بالمعنى متى صح فهم الراوي وحسنت معرفته بالعربية (^٢)، ويلزم على قوله هذا صحة رواية الأحاديث الموضوعة إذا صح معناها واستقامت ألفاظها، والقول بهذا في غاية الخطورة لأمور:
١ - إن هذا ليس من رواية الحديث بالمعنى في شيء؛ لأن ذلك حيث يثبت الحديث لكن الراوي لا يستحضر لفظه فيجوز له روايته بالمعنى، وأما هذا الحديث المزعوم فلم يرد بهذا اللفظ ولا بمعناه حتى يصح روايته بالمعنى.
٢ - إن هذا الكلام قول من يقول: إنه يجوز نسبة كل كلام حسن إلى رسول الله ﷺ.
وهذا المذهب هو مذهب الكرامية وهم يجيزون الوضع في الترغيب والترهيب (^٣).
٣ - إن هذا خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم كما قاله النووي (^٤). وذلك لأنَّه داخل في عموم قوله ﷺ: "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (^٥). وفي رواية: "من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" أخرجها البخاري من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ (^٦).
٤ - إن هذا الحديث بعد ثبوت وضعه لا يجوز الاستدلال به بأي
_________________
(١) روح المعاني: ٦/ ١٣٧ ولعله نقله عن شيخ الإسلام.
(٢) البراهين الساطعة: ٤٣٧.
(٣) الموضوعات لابن الجوزي: ١/ ٩٦، وفتح المغيث: ١٢/ ٢٦٤، والوضع لفلاتة: ١/ ٣١٠ - ٣١٦.
(٤) تقريب الإرشاد: ١/ ٢٨٤.
(٥) حديث متواتر كما في الفتح: ١/ ٢٠٣.
(٦) البخاري: ١/ ٢٠١ رقم ١٠٩.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
حال لا بلفظه ولا بمعناه، والعلماء الذين أجازوا العمل بالضعيف لا يجيزون العمل بالموضوع بأي حال.
٥ - هذا الحديث يشبه ما يأمر به الصوفية مريديهم من أن يتوسلوا بجاههم أو جاه غيرهم وقد يصل الحال ببعضهم إلى الأمر بدعائه أو بدعاء قبره بعد الوفاة (^١).
ومما يشبه هذا الحديث الموضوع ما نقل عن الشاذلي أنه قال: "إذا عرضت لكم إلى الله حاجة فتوسلوا إليه بالإمام أبي حامد" (^٢).
ومما ينبغي أن يعلم أن الحكم بوضع هذا الحديث ليس معناه نفي جاهه ﷺ فإن جاهه ﷺ ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى موسى بقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقال في عيسى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله ﷿ فكيف بسيد ولد آدم صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب الكوثر والحوض المورود وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا، ذو الجاه العظيم ﷺ وآله؟ ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع أحد إلا بإذنه (^٣).
من الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها:
" إذا أعيتكم الأمور -أو إذا تحيرتم في الأمور- فعليكم بأصحاب القبور، أو فاستعينوا بأهل القبور".
قد احتج به بعضهم (^٤) على الاستغاثة بأصحاب القبور عند
_________________
(١) انظر ما تقدم ص: ٤٧٠.
(٢) أبو الحسن الشاذلي ص: ٥٣.
(٣) قاعدة في التوسل: ١/ ٣١٩ - ٣٢٠.
(٤) قد احتج به البريلوي في الأمن والعلى ص: ٤٤ كما ذكره الشيخ إحسان في البريلوية ص: ٦٠، واحتج به أيضًا الملا الداجوي كما في إرشاد الناظر ص: ٣٣، ٣٠٩، ٣١٠، وأيده بآية: ﴿وَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.=
[ ٢ / ٨٠٧ ]
المدلهمات وحدوث النائبات، وهذا الحديث موضوع باتفاق أهل الحديث.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة" (^١).
وقال أيضًا: "هذا مكذوب باتفاق أهل العلم لم يروه عن النبي ﷺ أحد من علماء الحديث" (^٢).
كما أن شيخ الإسلام عده من الأحاديث المكذوبة التي هي من جنس أكاذيب الرافضة (^٣).
وذكره ابن القيم من الأحاديث المكذوبة التي وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ وهي تناقض دينه وما جاء به (^٤).
ومن الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها:
" لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه" وفي لفظ: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به".
هذا الحديث من الأحاديث المشتهرة على الألسنة التي يستدلون بها على جواز دعاء غير الله تعالى، ولشهرته على الألسنة وضعه السخاوي في المقاصد الحسنة (^٥).
وقد حكم الحفاظ عليه، بالوضع، فممن حكم عليه بالوضع شيخ الإسلام (^٦).
_________________
(١) =وانظر في حكاية استدلالهم به: معارج الألباب: ٢٠٣، وكتب شيخ الإسلام الآتية في الأرقام التالية.
(٢) قاعدة في التوسل ص: ١٥٢، أو المطبوعة ضمن الفتاوى: ١/ ٣٥٦.
(٣) الرد على البكري: ٣٠٢ - ٣٠٣، ونحوه في اقتضاء الصراط: ٣٣٧.
(٤) منهاج السنة: ١/ ٤٨٣.
(٥) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧.
(٦) انظر المقاصد الحسنة ص: ٣٤١ رقم ٨٨٣.
(٧) منهاج السنة: ١/ ٤٨٣، ونقل حكمه هذا في المقاصد: ٣٤١، وفي الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة ص: ١٠٧ رقم ١٨٨.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وابن القيم فقد ذكره من جملة الأحاديث الموضوعة التي بسببها انتشر الشرك وأنَّه من وضع المشركين عباد الأوثان (^١).
كما ذكره من الأحاديث التي وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية والتي تناقض دين الإسلام، والله بعث رسوله ﷺ بقتل من حسن ظنه بالأحجار (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر: لا أصل له (^٣).
ونقل السخاوي كلام شيخ الإسلام والحافظ فأقره (^٤).
ونقل الملا علي القاري كلام السخاوي وابن تيمية فأقره (^٥).
وحكم عليه بالوضع الشيخ الألباني أيضًا (^٦).
ثم إن هذا الحديث وأمثاله هو الذي بسببه صار كثير من الناس يحسنون الظن بالكهنة والمشعوذين والدجالين، ولو كان مشركًا كافرًا مجاهرًا بذلك، ومع هذا يزورونه وينذرون له ويلتمسون دعاءه وبركته (^٧) تحسينًا للظن.
وبهذا القدر نكتفي في مناقشة أدلتهم من الأحاديث الواهية والموضوعة، ونبدأ في مناقشة شبههم من الحكايات والمنامات والعقليات، وبالله نستعين وعليه نتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) المنار المنيف ص: ١٣٩ رقم ٣١٩.
(٢) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧.
(٣) المقاصد الحسنة ص: ٣٤١ رقم ٨٨٣.
(٤) المرجع نفسه ص: ٣٤١.
(٥) المصنوع من معرفة الحديث الموضوع ص: ١٤٧ رقم ٢٤٨.
(٦) السلسلة الضعيفة: ١/ ٤٥٢ رقم ٤٥٠.
(٧) انظر زاد المعاد: ٥/ ٧٨٧.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
المبحث الثالث في الحكايات والمنامات والنظريات
تمهيد في الجواب الإجمالي:
ومما لا شك فيه أن الحكايات لها أثر كبير في انتشار الأدعية الشركية والبدعية، وقد كان كثير من الناس يصدق تلك الحكايات والمنامات ويحتج بها على صحة تلك الأدعية الباطلة ومشروعيتها، كما أن كثيرًا من سدنة الأضرحة يختلقون تلك الحكايات ليكثر سواد الزائرين ضعفاء العقول. وقد تقدم ذكر (^١) أثر الحكايات والسدنة في انتشار الأدعية الشركية والبدعية. والمقصود هنا مناقشة احتجاجهم بتلك الحكايات وبيان عدم حجيتها، وقبل الخوض في ذكر بعض تلك الحكايات نذكر الجواب الإجمالي عن الاحتجاج بالحكايات والنظريات، فنقول وبالله التوفيق:
١ - الجواب الإجمالي:
أ - إن الله ﷾ أكمل دينه وأتم شرعه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فلا يقبل في دين الله تعالى إلا ما دل عليه الكتاب والسنة أو أجمعت عليه الأمة.
_________________
(١) ٤٤٧، ٤٧٠.
[ ٢ / ٨١٠ ]
وأما الحكايات والمنامات فليست من الأدلة الشرعية عند أهل العلم، وكذلك القياس لا يدخل في العبادات لكون مبناها على التوقيف "وإنما المتبع عند علماء الإسلام في إثبات الأحكام هو كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ وسبيل السابقين الأولين، ولا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصًا أو استنباطًا بحال" (^١).
ب - إن أغلب هذه الحكايات والمنامات لا تصح عمن نقلت عنه وإنما هي من اختلاق الدجالين الأكالين لأموال الناس، الذين لا يهمهم إلا قبض النذور والدجل على ضعاف العقول واختلاق الإفك والكذب والزور.
قال شيخ الإسلام ﵀: "المنقول في ذلك إما أن يكون كذبًا على صاحبه مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي ﵀" فذكر الحكاية التي تأتي والتي تقول: إنه يتبرك بقبر أبي حنيفة. ثم قال: "وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف"، ومن المعلوم أننا لا نقبل مثل هذه الحكايات المجهولة الإسناد في الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ فكيف بالمنقول عن غيره؟ (^٢).
جـ - ثم إن هذه الحكايات لو صحت إلى أصحابها فلا يمكن أن تكون حجة أيضًا لعدة وجوه:
١ - يحتمل أنها فهمت عنهم فهمًا غير صحيح، فآفة الأخبار رواتها، فيمكن أن تلك الحكايات دخل فيها زيادة أو نقصان أو تأويل على وجه لم يرده أصحابها.
فيحتمل أن صاحب الحكاية قالها أو فعلها "بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه" (^٣).
_________________
(١) اقتضاء الصراط ص: ٣٤٤، ٣٥٢، ومصباح الظلام: ٣٠٣، والصارم ٣٢٣.
(٢) اقتضاء الصراط: ٣٤٣ - ٣٤٤، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٥١ و٣/ ٤٩١، وقاعدة في التوسل: ١٥٤.
(٣) اقتضاء الصراط: ٣٤٤، ٣٤٥.
[ ٢ / ٨١١ ]
٢ - كما يحتمل أن صاحبها قد اجتهد وأخطأ لأنها محكية عن غير معصوم، والحكايات كما قال ابن كثير ﵀: "قصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره لأنَّه يجوز عليه الخطأ" (^١) وقال شيخ الإسلام في معرض بيان حجة هؤلاء: "إن عمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، إما أن يكون كذبًا عليه وإما أن يكون غلطًا منه، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى" (^٢).
٣ - كما يحتمل أنها من تخييل الشيطان لهم فإنه كثيرًا مَّا يلبس على الصالحين بتخييل الحكايات والكرامات لهم، وقد يقضي بعض حوائج من استغاث بالأموات وقد يتراءى لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، وقد تقدم ذكر (^٣) هذا، وقال الصغاني بعد ذكر الأدعية المبتدعة: "والشيطان في أكثر الأحيان يظهر لتلك الأسماء تأثيرات ومنافع لأجل تغرير الجهال وافتتانهم" (^٤).
والحاصل أن تلك الحكايات إن صحت عن أصحابها فلا يستقيم الاحتجاج بها، بل ينبغي الرد عليهم وبيان الحق في ذلك بدون محاباة لهم، قال ابن الجوزي في معرض رده على حكايات الصوفية: "وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم، فإن كان ذلك صحيحًا عنهم توجه الرد عليهم بدون محاباة في الحق، وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر" (^٥).
_________________
(١) البداية والنهاية: ١/ ٣١١ في مبحث قصة الخضر.
(٢) الرد على البكري ص: ٣٥٢، والعبودية: ١٣٠ و١٣٥ و١٤٤.
(٣) تقدم ص: ٤٤٧، وانظر روح المعاني: ٦/ ١٢٩.
(٤) موضوعات الصغاني.
(٥) تلبيس إبليس: ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٢ / ٨١٢ ]
د - ثم إن مثل (^١) هذه الحكايات موجود عند اليهود والنصارى والمشركين بكثرة، فهل يمكن أن نقبل منهم هذا في صحة مذهبهم؟ فكذلك فيما نحن بصدده لا يمكن أن نقبل الاحتجاج بمثل هذا.
هـ - ثم إن هذه الحكايات -لو صحت من هؤلاء- تكون معارضة للقطعيات من الكتاب والسنة فتكون مردودة.
و- إن العلماء (^٢) رحمهم الله تعالى بينوا حكم مثل هذه الحكايات والمنامات وأنَّه لا يجوز إثبات حكم شرعي بالمنامات، حتى في رؤية النبي ﷺ الذي لا يتمثل به الشيطان كما ورد في الحديث (^٣). وعللوا ذلك بأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي.
والحاصل أن شرع الله تعالى كامل وواضح وهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ضوئهما، وأما الحكايات والمنامات وكذا القياس في العبادات فخارجة عن شرع الله تعالى ودينه.
ز - إن أغلب تلك الحكايات تدور على أن الله قد استجاب لفلان عندما استغاث بالولي أو عندما دعا عند قبره إلى مثل هذه الحكايات.
فهي تدور على الاستدلال بوقائع أجاب الله فيها الدعاء مع مخالفتها للشرع، وهذا لا يستقيم الاحتجاج به الأمور:
١ - إننا قد ذكرنا فيما تقدم (^٤) أن إجابة الدعاء من مقتضى ربوبية الله تعالى، فلهذا إن الله ﷾ قد يجيب الدعاء غير المشروع
_________________
(١) انظر هذا الوجه في اقتضاء الصراط: ٣٤٤، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٣، والجواب الباهر: ٦٢، وقاعدة في التوسل: ١٥٧.
(٢) انظر شرح النووي لمسلم: ١/ ١١٥، وفتح الباري: ١٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥ و٣٨٩.
(٣) أخرجه البخاري: ١٢/ ٣٨٣ من حديث أبي هريرة وأنس وأبي قتادة وأبي سعيد من رقم ٦٩٩٣، إلى ٦٩٩٧، ومسلم من حديث أبي هريرة وأبي قتادة وجابر: ٤/ ١٧٧٥ رقم ٢٢٦٦ - ٢٢٦٨.
(٤) تقدم ص: ٢٣٣، ٢٤٨.
[ ٢ / ٨١٣ ]
فيجيب الله تعالى أحيانًا دعاء المشركين، وقد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦] (^١).
٢ - إن الاستجابة (^٢) التي تحصل في الدعاء غير المشروع قد يكون سببها اضطرار صاحبها واشتداد حاجته فيكشف الله عنه كربته لأن الله سبحانه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠]، وقد يكون سببها حسنة تقدمت منه جعل الله إجابة دعوته شكرًا لحسنته، وقد يكون سببها أن صاحبها دعا بحرقة وانكسار وذلة وصدق لجأ فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لكون دعائه مشروعًا، أو أن الله يجيبه لمحض فضله ورحمته، أو أن الله يجيبه لكونه وافق ما قدره الله تعالى أو وافق وقت الإجابة، لا لأجل مشروعية دعائه.
٣ - وقد يكون (^٣) استدراجًا له، وفي ذلك هلاكه الأبدي، "فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة".
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
٤ - إن تأثير الدعاء (^٤) غير المشروع لا يدل على إباحته فضلًا عن مشروعيته، فنحن نعلم أن السحر يؤثر حقيقة كما هو المذهب
_________________
(١) اقتضاء الصراط: ٣٤٤ - ٣٤٥، ٣٢١، ٤١٣.
(٢) المرجع نفسه: ٣٤٨، ٣٢٠، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧، والجواب الكافي ص: ١٣، وتحفة الذاكرين: ١٧٧.
(٣) اقتضاء الصراط: ٣٤٨، ٤١٤، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧، وتحفة الذاكرين ص: ١٧٧، وروح المعاني: ٦/ ١٢٩، وعنه في جلاء العينين ص: ٥٧٤.
(٤) اقتضاء الصراط: ٣٤٩.
[ ٢ / ٨١٤ ]
الصحيح (^١)، وهو كفر فلا ملازمة بين التأثير وبين المشروعية كما هو واضح.
٥ - إن (^٢) فساد هذه الأدعية يربو على مصلحتها، ونفعها قليل وإنما يستجاب لهم في النادر، ولا يبارك لهم حتى في نفس ذلك المطلوب، فهي فتنة في حق من لم يهده الله ولم يفرق بين الأمر الشرعي والأمر الكوني. فتبين بهذا أنه لا ملازمة بين إجابة الدعاء وحصول المقصود به وبين كونه مشروعًا، قال شيخ الإسلام ﵀: "وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود مما يدل على أنه سائغ في الشريعة … فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحًا، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. . ." (^٣).
الجواب التفصيلي لبعض تلك الحكايات:
فمن تلك الحكايات التي يستدلون بها ويحتجون بها ويَدَّعُوْنَ وقوعَ الاستغاثة بالأموات في الصدر الأول.
أثر مالك الدار:
وهو ما روي عن مالك الدار -وكان خازن عمر على الطعام- قال: "أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنكم مسقون وقل له: عليك الكيس
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٤٧، وفتح الباري: ١٠/ ٢٢٢، وتيسير العزيز: ٣٨٢.
(٢) اقتضاء الصراط: ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٤٦.
(٣) قاعدة في التوسل: ٩١ - ٩٢، أو الفتاوى: ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، وانظر الرد على البكري ص: ٢٣٠.
[ ٢ / ٨١٥ ]
الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر ﵁، ثم قال:
"يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه"، وروى سيف بن عمر التميمي في الفتوح أن الذي رأى المنام هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة.
قد استدل بهذا الأثر جماعة (^١) على جواز طلب الدعاء من الرسول ﷺ بعد وفاته وقاسوا عليه غيره.
الجواب عن هذا من وجهين:
أ - الوجه الأول ما يتعلق بالإسناد.
قد روي هذا الأثر من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار به أخرجه ابن أبي شيبة وغيره (^٢).
قد حكم على إسناد هذا الأثر الحافظ ابن كثير بالصحة حيث ذكر هذا الأثر من طريق البيهقي ثم قال: "وهذا إسناد صحيح" (^٣).
وأدق منه عبارة الحافظ ابن حجر فإنه قال: "روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار" (^٤).
_________________
(١) منهم السبكي في شفاء السقام: ١٨٤ - ١٨٥، استدل به على جواز التوسل في البرزخ والهيتمي في الجوهر المنظم كما في شواهد الحق ص: ١٣٨، ودحلان في الخلاصة: ٢٤٢، ٢٥٨، والدرر: ٩، ٣٥، وعثمان بن منصور كما في مصباح الظلام: ٣٠٢، والعزامي في البراهين: ٤١١، والفرقان: ١٢٥، والكوثري في محق التقول: ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٩ والسمهودي في الوفاء: ٤/ ١٣٧٤، والغماري في إتحاف الأذكياء ص: ١٠، والرد المحكم ص: ٧٦، ١٩٧، والهرري في الصراط المستقيم: ٥٣، وصاحب المفاهيم: ٦٦ - ٦٧، والبوطي في السلفية: ١٥٥.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١١/ ٣١ - ٣٢ رقم ١٢٠٥١، والبيهقي في دلائل النبوة /، وابن أبي خيثمة في التاريخ والمعرفة.
(٣) البداية والنهاية: ٧/ ٢٣ - ٩٤.
(٤) فتح الباري: ٢/ ٤٩٥.
[ ٢ / ٨١٦ ]
فإن عبارة الحافظ إنما تفيد صحة الإسناد إلى أبي صالح السمان فقط، وذلك لأن مالك الدار مجهول الحال، وقد قال فيه كل من الحافظ المنذري والحافظ الهيثمي: لا أعرفه (^١).
وهذه الجهالة هي علة هذا الأثر كما ذكرها الشيخ الألباني -حفظه الله- وقال: "إن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ١ - ٢١٣) ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه -مع سعة حفظه واطلاعه- لم يحك فيه توثيقًا فبقي على الجهالة" (^٢).
ولكن يمكن أن يقال: إنه غير مجهول، فقد ذكره ابن حجر في الإصابة في القسم الثالث وهم الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقد أدركوا الجاهلية ولكن لم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا به ﷺ، وهم المخضرمون (^٣)، وقال: "له إدراك، وسمع من أبي بكر الصديق، وروى عن الشيخين ومعاذ وأبي عبيدة وروى عنه أبو صالح السمان وابناه عون وعبد الله ابنا مالك" (^٤) فهؤلاء ثلاثة رووا عنه، ثم ذكر الحافظ قصة مروية من طريق عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي عن مالك الدار، فهؤلاء أربعة من الرواة رووا عنه، فبهذا ترتفع عنه الجهالة، ويؤيد ذلك أن ابن سعد ذكره في الطبقة الأولى من التابعين في أهل المدينة، وقال: "كان معروفًا" (^٥).
_________________
(١) انظر الترغيب للمنذري: ٢/ ٤٢، ومجمع الزوائد: ٣/ ١٢٥، والتوسل أنواعه: ١٣١.
(٢) انظر التوسل أنواعه ص: ١٣٠.
(٣) انظر مراد الحافظ بالقسم الثالث وتفسيره بهذا في مقدمة الإصابة: ١/ ٤.
(٤) الإصابة: ٦/ ٢٦٨.
(٥) طبقات ابن سعد: ٥/ ١٢.
[ ٢ / ٨١٧ ]
وقال أبو عبيدة: "ولاه عمر كيلة عيال عمر، فلما قدم عثمان ولاه القسم، فسمي "مالك الدار" وقال إسماعيل القاضي عن علي بن المديني: "كان مالك الدار خازنًا لعمر" (^١).
وذكره خليفة في حلفاء بني عدي وقال: "مولى عمر بن الخطاب" (^٢).
ويقال في سكوت ابن أبي حاتم (^٣) والبخاري (^٤) إن ذلك لا يستلزم جهالته، لا سيما إذا عرفه غيرهما.
ولكن يمكن أن يقال: إن ما سبق يفيد أنه ترتفع عنه جهالة العين فقط ولم ترتفع جهالة الحال إلا أنه يقال: إن قول ابن سعد وكان معروفًا يفيد رفع جهالة الحال لكنه غير صريح في التوثيق.
ولو سلمنا أنه مجهول الحال فقط يمكن أن يقال: إن مجهول الحال إنما يقبل حديثه عند الجمهور إذا لم يأت بما ينكر عليه، كما ذكره الذهبي (^٥).
وهنا قد أتي بما ينكر عليه، وتفرد بحادثة تتوافر الهمم على نقل مثلها. فتحصل من هذا أن علة هذا الأثر هو تفرد مالك الدار مع كونه مجهول الحال -بحادثة تعد من أهم الحوادث العظيمة- وهي مما تتوافر الهمم على نقله.
وأما إعلاله (^٦) بعدم علم سماع أبي صالح السمان من مالك الدار، وكذلك إدراكه له فقد يقال فيه: إنه سمع من بعض كبار الصحابة كسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وغيرهما، واللقاء ممكن لأن كليهما مدنيان ولا تضر
_________________
(١) الإصابة: ٦/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٢) طبقات خليفة ص: ٢٣.
(٣) الجرح والتعديل: ٨/ ٢١٣ رقم ٩٤٤.
(٤) التاريخ الكبير: ٧/ ٣٠٤ رقم ١٢٩٥.
(٥) الميزان: ٣/ ٤٢٦.
(٦) انظر احتمال إعلال الأثر بهاتين العلتين في مفاهيمنا ص: ٦١ - ٦٢.
[ ٢ / ٨١٨ ]
عنعنته لأنَّه لم يوصف بالتدليس، فالإسناد على شرط مسلم في الاقتصار على إمكان اللقاء مع المعاصرة، ولكن لا يزال احتمال عدم السماع واردًا ما دام أننا لم نعلم تاريخ وفاة مالك، ولم يصرح أبو صالح بالسماع.
وأما إعلاله (^١) بعنعنة الأعمش لكونه مدلسًا فقد يقال: إن الحافظ الذهبي ذكر أن الأعمش إذا روى عن كبار شيوخه الذين أكثر عنهم كأبي صالح السمان -كما هنا- وأبي وائل وإبراهيم النخعي، فإن روايته هذا المصنف تحمل على السماع (^٢).
فتبين من هذا أن أقوى العلل التي في الأثر تفرد مالك الدار بهذه الحادثة العظيمة مع جهالة حاله.
الوجه الثاني: ما يتعلق بالمتن:
أ - إن الذي يظهر -والله أعلم- أنه قد حصل زيادة في القصة وتغيير، ومما زيد فيها قصة مجيء الرجل إلى القبر، وهذه الزيادة ضعيفة منكرة، وإنما الذي يمكن أن يتقوى من الأثر هو رؤية الرجل المنام.
ويدل على هذا عدة أمور:
١ - إن الإمام البخاري ﵀ ذكر هذا الأثر فاقتصر على قول عمر ﵁: "يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه" (^٣) ولم يذكر مجيء الرجل إلى القبر، فهذا يدل على أن ذلك مما زيد في الرواية.
٢ - ومما يدل أيضًا على أن قصة مجيء الرجل إلى القبر ضعيفة ما رواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر بن راشد عن إسماعيل أبي المقدام عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أصاب الناس سنة، وكان رجل
_________________
(١) انظر احتمال إعلال الأثر بهاتين العلتين في مفاهيمنا ص: ٦١ - ٦٢.
(٢) الميزان: ٢/ ٢٢٤.
(٣) التاريخ الكبير: ٧/ ٣٠٤ رقم ١٢٩٥.
[ ٢ / ٨١٩ ]
في بادية فخرج فصلى بأصحابه ركعتين، واستسقى ثم نام فرأى في المنام أن رسول الله ﷺ، أتاه وقال: اقرئ عمر السلام وأخبره أن الله قد استجاب لكم وكان عمر قد خرج فاستسقى أيضًا، وأمره فليوف العهد وليشد العقد، قال: فانطلق الرجل حتى أتى عمر فقال: استأذنوا لرسول رسول الله ﷺ قال: فسمعه عمر فقال: من هذا المفتري على رسول الله؟ فقال الرجل: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين فأخبره الخبر، فبكى عمر" (^١).
وهذا الإسناد رجاله ثقات وابن عمير ثقة من أوساط التابعين من الثالثة (^٢) ويمكن ادعاء لقائه عمر وأن فيه انقطاعًا والله أعلم.
وفي إسماعيل أبي المقدام كلام لا يضر لأن معمرًا عندما سئل عنه أشار إلى أنه لم يكثر من الرواية عنه لعدم إتيانه بالكلام على وجهه (^٣)، وهنا من رواية معمر انتقى من أحاديثه ما أتى به على وجهه.
فهذا الأثر يبين أن الرجل فعل المشروع وهو الخروج إلى الصحراء ثم الصلاة وطلب السقيا من الله تعالى، ولم يأت القبر، والذي رآه في المنام بعد فعل المشروع لا مانع منه من ناحية الشرع.
وهذا يدل على أن الرواية التي فيها أنه أتى القبر غير صحيحة ولا يقال: إن هذه القصة غير تلك القصة وذلك لأن الحمل على التعدد شأن غير المحققين من المحدثين، الذين كلما رأوا اختلافًا في ألفاظ الحديث أو نوع اختلاف في المعنى حملوه على التعدد، وأما المحققون فلا يرون ذلك كما ذكره ابن القيم (^٤) ﵀.
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق: ٣/ ٩٣ - ٩٤.
(٢) التقريب: رقم ٣٤٥٥.
(٣) قد ذكر محقق كتاب الأسامي والكنى لأحمد - عبد الله الجديع كلامًا نفيسًا فراجعه رقم ٢٦٨.
(٤) زاد المعاد: ٣/ ٤٢، وشرح الطحاوية ص: ١٨٦.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
٣ - ومما يؤيد أثر عبدالله بن عبيد بن عمير رواية سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الأنس، فكان الناس بذلك حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله ﷺ: "لقد عهدتك كيسًا وما زلت على ذلك فما شأنك؟ قال: متى رأيت هذا؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم قام، فقال: أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرًا غيره خير منه؟ فقالوا: اللهم لا، فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية. قالوا: صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين … وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيًا فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال:
"اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا … " (^١).
فهذا الأثر - وإن كان ضعيفًا لأن سيف بن عمر قال فيه الحافظ: ضعيف الحديث عمدة في التاريخ أفحش ابن حبان القول فيه (^٢) -إلا أنه يدل على أن ما يتوهم من عبارة الحافظ في الفتح (^٣) من أن الرجل الذي أتى القبر هو بلال بن الحارث المزني - كما رواه سيف في الفتوح - غير صحيح لأن الحافظ لم ينقل لنا لفظ الأثر عند سيف كما هو، وفي الحقيقة الأثر يدلّ بوضوح وجلاء على أن بلالًا لم يأت القبر وإنما رأى
_________________
(١) أخرجه الطبري: ٣/ ٩٨، في حوادث سنة ١٨، وذكره ابن كثير في البداية: ٧/ ٩٣.
(٢) التقريب: رقم ٢٧٢٤.
(٣) فتح الباري: ٢/ ٤٩٦.
[ ٢ / ٨٢١ ]
رؤيا في المنام، وهو يؤيد ما تقدم من أثر ابن عمير وبهذا تسقط دعوى أن الرجل الذي أتى القبر صحابي وأن الحافظ صححه.
٤ - ويشهد له أيضًا ما رواه سيف أيضًا عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلًا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة.
وفيه أنه ذبح الشاة ورأى في المنام الرسول ﷺ وأمره بإتيان عمر (^١) …
فهذه الرواية -وإن كانت ضعيفة- إلا أنها تدل كسابقتها على أن الرجل لم يأت القبر وإنما رأى المنام فقط.
ب - وأما لو قلنا: إن الرواية لم يحصل فيها زيادة فنقول في الجواب:
١ - إنها على فرض صحتها لا يصح الاستدلال بها لأن الرجل الذي فعل لم يعرف من هو؟ وحتى لو عرف فلا حجة في فعل آحاد الصحابة إذا خالف السنة كما هنا وقد تقدم ذلك (^٢)، ولا يقال إن عمر (^٣) أقره لأنه ربما لم يخبره بالمجيء إلى القبر وإنما أخبره بالرؤيا فقط وليس في الرواية أنه أخبره بالمجيء إلى القبر.
٣ - إن مجيء الرجل إلى القبر يخالف السنة التي شرعها رسول الله ﷺ وهي الخروج إلى الصحراء للاستسقاء.
وهكذا فعل الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة فلم ينقل أنهم يستسقون بالمجيء إلى القبر.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تاريخه: ٣/ ٩٩، وذكره ابن كثير في البداية: ٧/ ٩٣ - ٩٤، ولكن هذه الرواية فيها نكارة من جهة أخرى إذ فيها أن الرجل قال مناديًا: يا محمداه إلا أن يحمل على ما تقدم في ص: ٧٥٣ من أن مثل هذا النداء لا يقصد به الا سماع، وقد عرفت أن الأثر ضعيف.
(٢) تقدم: ٧٤٤.
(٣) مصباح الظلام ص: ٣٠٤.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
٤ - إنها لو صحت يدل قوله ﷺ: "عليك الكيس الكيس" على أنه ﷺ أمر عمر بالمشروع وهذا هو الذي فهمه عمر من الرؤيا، حيث أسرع في الاستسقاء بالناس على الوجه المشروع.
٥ - ثم إن الرؤيا ليست من الأدلة الشرعية كما هو معروف ولا يقال (^١) يستدل بإقرار النبي ﷺ على فعله حيث لم يؤنبه في المنام - لأنه ﷺ كان في الدنيا ربما يعطي السائل المسألة وهو كاره له، وقد قال في حديث عمر بن الخطاب ﵁: "إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل" (^٢).
وقد علم أن الدعاء غير المشروع قد يجاب لأسباب ككون الداعي مضطرًا أو ما يخشى عليه من الفتنة إذا لم يستجب له (^٣)، فلهذا فهذه الرؤية على فرض وقوعها - بعد الذهاب إلى القبر - لا تدل على تحسين النبي ﷺ وإقراره لعمل الرائي من المجيء إلى القبر والطلب منه الاستسقاء.
أثر فتح الكوة:
وهو ما روى أن أهل المدينة قحطوا قحطًا شديدًا فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوًا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطروا مطرًا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق.
قد احتج (^٤) به على جواز التوسل بالذوات ..
_________________
(١) المرجع السابق: ٣٠٣.
(٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٣٠ رقم ١٠٥٦.
(٣) اقتضاء الصراط ص: ٣٧٤، وانظر ص: ٨١٤.
(٤) احتج به جماعة منهم البكري كما في الرد على البكري ص: ٢٧، والسبكي في شفائه ص: ١٨٣، والسمنهودي في وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٤، ودحلان في الدرر: ٢٢، وخلاصة الكلام: ٢٤٦، والعزامي في الفرقان: ١٢٥، والبراهين: ٤١٢، والغماري في الإتحاف ١٠، والرد المحكم: ٧٦ و١٩٧، والعلوي في المفاهيم: ٦٦ - ٦٧.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
الجواب عن هذا الأثر من وجهين:
الوجه الأول: ما يتعلق بنقد الإسناد:
أخرج هذا الأثر الدارمي في سننه (^١): حدثنا أبو النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبدالله قال: قحط أهل المدينة .. إلخ.
فهذا الإسناد فيه عدة علل:
١ - سعيد بن زيد فيه ضعف (^٢).
٢ - إن أبا النعمان محمد بن الفضل وهو الملقب بعارم قد اختلط، ولم يذكر الدارمي فيمن سمع منه قبل الاختلاط (^٣).
٣ - إن الأثر لو صح فهو موقوف، فلا حجة فيه لأنه يمكن أن يكون من قبيل الاجتهادات التي تقع من آحاد الصحابة، وقد تقدم أن فعل الصحابي إذا خالف السنة لا يحتج به (^٤).
وقد ذكر هذه العلل الثلاث (^٥) الشيخ الألباني - حفظه الله - وبقي في الأثر علتان أخريان رابعة وخامسة (^٦)، وهما:
٤ - إن عمرو بن مالك النكري قال فيه ابن عدي في ترجمة أبي
_________________
(١) ١/ ٤٣ رقم ٩٣.
(٢) فقد ضعفه يحيى القطان والسعدي والدارقطني، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس كان يحيى بن سعيد لا يستمرئه. (انظر أحوال الرجال رقم ١٨٣، والكامل: ٣/ ١٢١٢، والميزان: ٢٨/ ١٣٨٢، والتهذيب: ٤/ ٣٣).
(٣) انظر عن اختلاطه ومن روى عنه قبل الاختلاط في: الكواكب النيرات: رقم ٥٢ ص ٣٨٢ - ٣٩٣.
(٤) تقدم ص: ٧٤٤.
(٥) التوسل وأنواعه ص: ١٣٩.
(٦) وقد ذكر العلة الخامسة شيخنا الشيخ حماد الأنصاري في تحفة القاري: ٥٢.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
الجوزاء: "حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة" (^١).
وهذا الأثر من روايته عنه فيكون غير محفوظ.
وقال البخاري أيضًا في أبي الجوزاء: "في إسناده نظر" (^٢).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن كلام البخاري هذا يحمل على رواية خاصة وهي رواية عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء والنكري ضعيف عنده (^٣)، أي البخاري، وقال ابن حبان في ترجمة ابنه يحيى بن عمرو بن مالك النكري: "كان منكر الرواية عن أبيه -يريد يحيى- ثم قال: ويحتمل أن يكون السبب في ذلك منه أو من أبيه أو منهما معًا، ولا نستحل أن يطلق الجرح على مسلم قبل الاتضاح، بل الواجب تنكب كل رواية يرويها عن أبيه لما فيها من مخالفة الثقات والوجود من الأشياء المعضلات، فيكون هو وأبوه جميعًا متروكين من غير أن يطلق وضعها على أحدهما " (^٤).
فيفهم من هذا أن ابن حبان متوقف فيه لا يوثقه ولا يجزم بجرحه ومع هذا فقد ذكره في الثقات وقال: "ويعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه (ت ١٢٩ هـ) يخطئ ويغرب" (^٥).
ولكن هذا ليس توثيقًا مطلقًا فإنه إنما يفيد أنه يعتبر به في المتابعات والشواهد ولا يفيد أنه يقبل تفرده.
_________________
(١) الكامل: ١/ ٤٠٢، والتهذيب: ١/ ٣٨٤، وفي الكامل المطبوع تصحيف والتصويب من التهذيب.
(٢) التاريخ الكبير: ١/ ١٧٢، والعقيلي: ١/ ١٢٤، والكامل: ١/ ٤٠٢، والتهذيب: ١/ ٣٨٤.
(٣) التهذيب: ١/ ٣٨٤.
(٤) المجروحين: ٣/ ١١٤، وعنه في الأنساب للسمعاني: ١٣/ ١٧٥.
(٥) الثقات لابن حبان: ٧/ ٢٢٨، والأنساب: ١٣/ ١٧٥، والتهذيب: ٨/ ٩٦. وزاد في النقل عن ابن حبان قوله: "يخطئ ويغرب" وهذا غير موجود في النسخة المطبوعة من الثقات.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^١) مما يوحي إلى جهالة حاله عنده.
لكن ابن معين قال فيه: ثقة (^٢).
ووثقه الذهبي أيضًا (^٣).
وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق له أوهام" (^٤).
فتبين مما سبق أن النكري روايته عن أبي الجوزاء كما هنا، غير محفوظة كما قاله ابن عدي، وأنه ضعيف عند البخاري كما قاله الحافظ، ويعتبر به فقط عند ابن حبان على ما قاله في الثقات، ويتوقف في أحاديثه على ما مال إليه في المجروحين إذا كان من رواية ابنه عنه. ولم نجد له توثيقًا من المتقدمين إلا ابن معين، فيعارض هذا التوثيق بجرح البخاري وابن حبان وابن عدي وهم أكثر عددًا منه، وجرح بعضهم مفسر لاسيما إذا روي عن أبي الجوزاء، كما هنا فيقدم على توثيق ابن معين والذهبي وابن حجر.
فتحصل من هذا أنه لا يقبل فيما تفرد به لاسيما عن أبي الجوراء كما هنا وإنما يعتبر به في المتابعات والشواهد.
٥ - الانقطاع بين عائشة ﵂ وبين أبي الجوزاء أوس بن عبدالله الربعي فقد قال البخاري: "في إسناده نظر" (^٥).
_________________
(١) الجرح والتعديل: ٦/ ٢٥٩ رقم ١٤٢٧.
(٢) سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين: رقم ٧١٠ ص ٤٤٥.
(٣) الميزان: ٣/ ٢٨٦ رقم ٦٤٣٦، والمغني: ٢/ ٧٢ رقم ٤٧٠١.
(٤) التقريب: رقم ٥١٠٤.
(٥) التاريخ الكبير: ١/ ١٧٢، والعقيلي: ١/ ١٢٤، والكامل: ١/ ٤٠٢. وقد قال الذهبي: إن البخاري لا يقول فيه نظر إلا فيمن يتهمه "الميزان: ١/ ٤١٦" ولكن هذا ليس مطردًا كما هنا، فلهذا أول كلامه ابن عدي انظر في هذا المبحث: دراسات في الجرح والتعديل للأعظمي ص: ٢٦٠.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
وقد حمل ابن عدي كلام البخاري هذا على أنه يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده (^١).
وقال ابن عدي أيضًا: وأبو الجوزاء روى عن الصحابة ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم وأرجو أنه لا بأس به ولا يصحح روايته عنهم أنه سمع منهم (^٢).
وممن ذكر عدم سماعه عائشة الحافظ ابن عبدالبر، قال أبو عن زرعة ابن الحافظ العراقي: "وذكر ابن عبد البر في التمهيد أنه لم يسمع من عائشة وحديثه عنها مرسل" (^٣) ونقله عن ابن عبدالبر أيضًا الحافظ في التهذيب فأقره (^٤).
فهؤلاء الحفاظ البخاري وابن عدي وابن عبد البر والعراقي وابن حجر يقررون عدم سماعه عائشة، فاتضح بهذا أن فيه انقطاعًا.
وبهذه العلل الخمس يتبين ضعف إسناد الأثر ضعفًا شديدًا لأن الواحدة منها تكفي لرده فكيف وهي مجتمعة؟؟
الوجه الثاني: ما يتعلق بنقد المتن:
وأما ما يتعلق بنقد متن هذا الأثر فعلى وجوه:
١ - إن هذا (^٥) الأثر يخالف ما ثبت من الصحابة باتفاق أهل العلم من استسقائهم بالدعاء المشروع إما في المسجد في خطبة الجمعة ونحوها، وإما بالخروج إلى الصحراء وهذا ثابت عنهم قطعًا.
_________________
(١) الكامل: ١/ ٤٠٢، ومقدمة الفتح: ٣٩١ - ٣٩٢، والتهذيب: ١/ ٣٨٤.
(٢) الكامل: ١/ ٤٠٢.
(٣) تحفة المراسيل: ل ٣/ أ.
(٤) التهذيب: ١/ ٣٨٤.
(٥) انظر هذا الوجه الأول في الرد على البكري ص: ٢٧.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
ومن المعلوم أن من علامة وضع الحديث مخالفته للقطعي (^١).
٢ - ومما يبين (^٢) كذب هذه الرواية أنه لم يكن في حياة عائشة للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا على ما كان على عهد النبي ﷺ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد (^٣)، ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد وأدخلت الحجر في المسجد، ثم بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدارًا عاليًا، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف، وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بيّن.
٣ - ولو صح (^٤) هذا الأثر - لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه فأين هذا من هذا؟؟
حكاية الإمام مالك مع المنصور:
وهب ما روي من طريق يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، … فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبدالله، أأستقبل القبلة
_________________
(١) انظر ما تقدم: ص ٣٣٧.
(٢) انظر هذا الوجه الثاني في الرد على البكري: ٦٧ - ٦٨ و٢٨ - ٢٩.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٤ رقم ٢، ومن طريقه البخاري: ٢/ ٦ رقم ٥٢٢، ومسلم: ١/ ٤٢٦ رقم ٦١١.
(٤) انظر هذا الوجه الثالث في الرد على البكري ص: ٦٨ و٢٩.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ؟ فقال: ولِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعك الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ (^١) [النساء: ٦٤] وقد احتج بهذه الحكاية جماعة (^٢) على جواز التوسل بالذوات.
مناقشة هذه الحكاية رواية ودراية:
فأما رواية فإن في إسناد هذه الحكاية العلل التالية:
العلة الأولى: محمد بن حميد الرازي راوي الحكاية عن مالك متهم بالكذب، قال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزقاني: رديء المذهب، غير ثقة، وقال إسحاق بن منصور الكوسج: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان، وقال صالح بن محمد: كل شيء يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه، وقال أبو زرعة وابن وارة: صح عندنا أنه يكذب، وقد وثقه أحمد وابن معين، والراجح عدم توثيقه، وأما الذين وثقوه فعذرهم أنهم لم يعرفوه، قال ابن خزيمة عندما قيل له: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن
_________________
(١) أخرجه بإسناده القاضي عياض في الشفا: ٢/ ٥٩٥ - ٥٩٦.
(٢) منهم البكري كما في الرد على البكري ص: ٢٤، والسبكي في شفاء السقام ص: ٨٤، ١٦٤، والسمهودي في وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٦، ودحلان في الدرر: ١٠، والخلاصة: ٢٤٢، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٥٩، والكوثري في محق التقول ضمن المقالات: ٣٩١، والعزامي في الفرقان: ١١٨، والغماري في الرد المحكم: ٩٠، ١٩٧، وقد اعترف بضعف إسنادها إلا أنه قال: فقد تلقاها أهل المذهب بالقبول وعملوا بمقتضاها، كما احتج به الغماري في إتحاف الأذكياء: ١١ - ١٢، وقد اغتر بهذه الحكاية بعض من ليس على مذهب القبوريين. انظر المغني لابن قدامة: ٣/ ٥٥٨.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
أحمد قد أحسن الثناء عليه، قال: إنه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلًا (^١).
والسبب في هذا أن الذين كذبوه هم أهل بلده من الخراسانيين الذين خبروا حاله عن كثب، ولعله عندما اجتمع بأحمد وابن معين ببغداد اختار لهم أحاديثه الصحيحة، ويدل لذلك قول ابن معين عندما سأل أبا حاتم الرازي: أي شيء تنقمون عليه؟ فأخبره السبب، فذكر ابن معين أنه عندما قدم أخذوا منه كتاب يعقوب القمي ففرقوا الأوراق وسمعوه (^٢)، فهذا يدل على الرجوع عن توثيقه، وهناك رواية تدل على رجوع أحمد عن توثيقه ذكرها ابن حبان من طريق صالح بن أحمد أبيه (^٣).
وبهذا نصل إلى أن جرحه مقدم على توثيقه للأمور التالية:
١ - إنه جرح مفسر.
٢ - إن الذين جرحوه، بعضهم من أهل بلده وهم أخبر بحاله.
٣ - ثم هناك ما يدل على أن الذين وثقوه رجعوا عن توثيقه عندما أخبروا بحاله الحقيقي.
وبهذا يسقط اتهام الكوثري لابن عبد الهادي بإهمال كلام من أثنى عليه، وأنه يذكر الجرح ويغفل التعديل في الأدلة التي تساق ضد شذوذ شيخه (^٤)، يعني ابن تيمية، هكذا زعم الكوثري، ولكن هذه التهمة ساقطة لأن ابن عبد الهادي من النقاد الكبار، يعرف أن ثناء من أثنى عليه لا قيمة له مع ثبوت الجرح المفسر فيتركه.
_________________
(١) أحوال الرجال: رقم ٣٨٢، والجرح والتعديل: ٧/ ٢٣٢، والكامل: ٦/ ٢٢٧٧، والمجروحين لابن حبان: ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤، وتاريخ بغداد: ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٤، والميزان: ٣/ ٥٣٠، والتهذيب: ٩/ ١٢٧ - ١٣١، والسير: ١١/ ٥٠٣.
(٢) الجرح والتعديل: ٧/ ٢٣٢.
(٣) المجروحين: ٢/ ٣٠٤.
(٤) المقالات ص: ٣٩٢.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
ثم إن الكوثري نفسه رجح عدم توثيقه في مكان آخر فقال في المقالات: محمد بن حميد الرازي مختلف فيه، وقد كذبه كثيرون أشنع تكذيب (^١).
كما قال في موضع آخر: "لا يحتج به عند كثيرين" (^٢).
وما هذا إلا من التناقض العجيب الذي يقع فيه من يتبع الهوى.
العلة الثانية: الانقطاع بين ابن حميد هذا وبين مالك بن أنس الإمام فإنه لم يسمع من مالك ولم يلقه (^٣) ويدل على هذا أمور:
١ - أن مولده كما قال الذهبي في حدود الستين ومئة (^٤) وتوفي مالك عام ١٧٩ هـ.
٢ - ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه كما قاله شيخ الإسلام (^٥).
٣ - ويؤكد هذا أن أبا جعفر المنصور قد حج عدة مرات: في عام ١٤٠ هـ و١٤٤ و١٤٧ و١٥٢، وهذه الأعوام هي التي يمكن أن يجتمع بمالك في المدينة، وأما حجته الأخيرة وهي عام ١٥٨ فقد توفي في الحج ولم يصل المدينة (^٦)، ولا يمكن لابن حميد أن يحضر المناظرة في هذه الأعوام التي أشرنا إليها، لأنه لا يمكن أن يحضر المدينة في آخر قدمة قدمها المنصور وهو عام ١٥٢ لأمرين:
الأول: أنه لم يولد إلا في حدود الستين كما قاله الذهبي، فهذه المناظرة على فرض صحتها قبل ولادته.
_________________
(١) المقالات ص: ٤٥٦.
(٢) المصدر نفسه ص: ٥٨.
(٣) الصارم ص: ٢٥٥.
(٤) سير أعلام النبلاء: ١١/ ٥٠٣.
(٥) قاعدة في التوسل: ٦٧.
(٦) انظر البداية: ١٠/ ١٢٥.
[ ٢ / ٨٣١ ]
الثاني: لو فرضنا ولادته لا يمكن حضوره المناظرة لأنه لم يرحل إلا وهو كبير، وهو في خراسان، والقصة في المدينة.
وقد حاول الكوثري نفي هذا الانقطاع بأن عمر ابن حميد عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشرة سنة، وهذا الذي قاله يشهد عليه لا له، لأن المناظرة على فرض وقوعها حصلت على أكبر تقدير عام ١٥٢ هـ، وبين هذا التاريخ ووفاة مالك عام ١٧٩ هـ سبع وعشرون سنة، وباعترافه هذا فابن حميد ولد بعد المناظرة قطعًا، وليس من أهل المدينة ولم يرحل إلا بعد ما كبر وتوفي عام ٢٤٨ هـ.
العلة الثالثة: إن في الطريق إلى ابن حميد من ليس بمعروف كما قاله شيخ الإسلام (^١).
وقال ابن عبد الهادي: "إسناد مظلم منقطع وهو مشتمل على من يتهم بالكذب، وعلى من يجهل حاله" (^٢).
العلة الرابعة: إن مالكًا ﵀ لو ثبت عنه -وهيهات ذلك- لم يسندها فهي مقطوعة فليس في ذلك حجة بل الحجة فيما ثبت بالكتاب والسنة.
العلة الخامسة (^٣): إن محمد بن حميد تفرد برواية هذه الحكاية عن مالك، حيث لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه وهو ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته؟ وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون ضعفوا روايتهم وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه كثيرة رواها واحد من الخراسانيين
_________________
(١) قاعدة في التوسل ص: ٦٧.
(٢) الصارم ص: ٢٥٨.
(٣) انظر هذا الوجه في قاعدة التوسل: ٦٧ - ٦٨.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟؟
وقد قال الخطابي في مثل هذا: "فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه -أي في الفقه- إلا ما كان من رواية ابن القاسم والأشهب وضربائهم من تلاد أصحابه، فإذا جاءت رواية عبدالله بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلًا … فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم في الأمر الأهم والخطب الأعظم؟ " (^١).
ويؤيد هذا الوجه أن من القواعد المقررة عند النقاد أن الشيخ إذا كان ممن يجمع حديثه ويشترك في الأخذ عنه كثيرون من الحفاظ المتقنين وذلك كمالك والثوري وشعبة والأعمش، ثم انفرد عن هؤلاء التلاميذ الحفاظ أحد من الرواة ولم يكن من الحفاظ المتقنين، فإن روايته ترد كما ذكره مسلم في مقدمة صحيحة (^٢) وغير واحد من النقاد (^٣).
مناقشة هذه الحكاية دراية:
١ - إن هذه (^٤) الحكاية تخالف ما ثبت عن مالك ﵀ من نهيه عن الوقوف عند قبر النبي ﷺ.
وهذا ثابت عن مالك بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره مثل العتبي. فقد ذكروا عن مالك أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك (^٥). وقد حاول الكوثري تضعيف (^٦) رواية إسماعيل القاضي بحكاية
_________________
(١) معالم السنن: ١/ ٤.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ص: ٧.
(٣) انظر ما تقدم ص: ٧٦٥.
(٤) انظر هذا الوجه في الرد على البكري: ٢٥، وقاعدة في التوسل: ٦٨ - ٧٠، ١٥٠.
(٥) انظر مصادر هذه الرواية عن مالك في ص: ٥٤٧، ٦١١، ٦١٥.
(٦) المقالات ص: ٣٩٣، فقد زعم أن إسماعيل القاضي لم يسندها وأنه عراقي وأن رواية المدنيين والمصريين تخالفه، فأما زعمه بأنه لم يسنده فهذا تخمين وظن فإنه =
[ ٢ / ٨٣٣ ]
ابن حميد هذه وأن ابن وهب روى ما يخالفها وقد تقدم (^١) أن رواية ابن وهب لا تخالف الرواية المشهورة. كما حاول الغماري الجمع بين الروايتين نقلًا عن غيره: بأن المنع من الدعاء عند القبر للعوام الذين يخاف عليهم سوء الأدب. وأن هذه الحكاية فيمن يعلم آداب الدعاء كالمنصور (^٢).
وهذا الجمع غير صحيح لأن هذه الحكاية غير ثابتة عنه حتى يجمع بينهما وبين ما ثبت مما يخالفها، ثم إن منع مالك عام يشمل الجميع فمن تأمل الألفاظ الواردة عن مالك في النهي عن الوقوف، يعرف أنه يمنع الوقوف عند القبر للدعاء مطلقًا، وأحكام الشريعة الغراء تأتي عامة شاملة لا تخص طائفة دون طائفة
٢ - إن مالكًا (^٣) ﵀ كان من أبعد الناس عن البدع، وقد كره قول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ (^٤) وكره تتبع (^٥) الآثار التي بالمدينة حتى كره زيارة قباء مع وروده، وكل ذلك للمحافظة على السنة، فإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن أن يأمر بما لم يثبت بالسنة من الدعاء عند القبر.
٣ - إن (^٦) هذه الرواية تخالف ما ثبت عن السلف، فالآثار الواردة
_________________
(١) = لم ينقله عن كتاب المبسوط فإنه لم يذكر أنه رآه وقد نقل ابن تيمية وابن عبد الهادي عن الكتاب مباشرة وذكرا ما يفيد أنه أسنده، وأما زعمه أنه عراقي فهو أيضًا غير صحيح لأن إسماعيل لم ينفرد بهذا بل معه العتبي وغيره كما أن رواية ابن وهب المصري لا تخالفه كما نقل عنه ابن القار المصري كراهته التردد لأهل المدينة. انظر قاعدة التوسل ص: ٦٩.
(٢) تقدم ص: ٦١٣.
(٣) الرد المحكم: ٩١، ووفاء الوفاء للسمهودي: ٤/ ١٣٧٧.
(٤) انظر هذا الوجه في الرد على البكري ص: ٢٦ - ٢٧.
(٥) تقدم ص: ٥٤٧.
(٦) ذكره ابن وضاح في البدع ص: ٤٥.
(٧) انظر في قاعدة التوسل ص: ١٥١.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
عنهم تدل على أن هذا ليس من عملهم ولا عاداتهم، فلو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا أسبق إلى ذلك لحرصهم على الخير.
٤ - إن لفظ (^١) الرواية فيها ركاكة من الناحية اللغوية في قوله: "استشفع به فيشفعك الله" لأن الاستشفاع به معناه في اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع به يوم القيامة، وإذا كان المراد به الاستشفاع منه أي طلب شفاعته فإنما يقال: "استشفع به فيشفعه الله فيك" ولا يقال فيشفعك الله فيه.
وهذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، فيقول أحدهم اللهم إنا نستشفع إليك بفلان أي نتوسل به وهذا ليس لغة السلف ولا لغة العرب.
٥ - ثم إن عقد المناظرة بين العلماء والخلفاء غير معروف في التاريخ غالبًا لأن المناظرة إنما تعقد بين العلماء، وقد تكون في بعض الأحيان القليلة بحضور بعض الخلفاء وإشرافهم.
وقد ذكر العلماء المناظرة بين مالك وأبي حنيفة وبين مالك وأبي يوسف بحضور بعض خلفاء بني العباس.
٦ - ثم لو صحت (^٢) هذه الحكاية يمكن أن يكون مالك نهى عن رفع الصوت في مسجده ﷺ، ويكون مالك آمرًا بما أمر الله به من توقيره وتعزيره ﷺ، لكن وقع تحريف في ألفاظ الحكاية.
فعلي فرض صحتها ليس معنى التوسل الذي في الحكاية هو التوسل في الدنيا بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها مع أن أصلها ضعيف.
والحاصل (^٣) أن هذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون في غاية
_________________
(١) انظر هذا الوجه في قاعدة التوسل ص: ٧٥ - ٨٠.
(٢) انظر هذا الوجه في قاعدة ص: ٧٦ - ٧٧ و٦٦.
(٣) الصارم: ٢٥٩.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
الضعف والوهن مكذوبة على مالك أو تكون مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، فعلى كل تقدير فليس فيها حجة.
حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة رحمهما الله تعالى:
وهي ما روي من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: "إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم -يعني زائرًا- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى" (^١).
١ - وقد احتج بهذه الحكاية جماعة (^٢) على التوسل بالذوات والدعاء عند القبور.
وسند هذه الحكاية ضعيف وليس بصحيح كما زعمه بعضهم (^٣) وذلك لأن فيه عمر بن إسحاق بن إبراهيم، وهو غير معروف (^٤). ثم إنه يظهر جليًا كذب هذه الحكاية من جهة المعنى، قال شيخ الإسلام ﵀: هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا.
٢ - وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من
_________________
(١) تاريخ بغداد: ١/ ١٢٣.
(٢) منهم دحلان كما في الخلاصة: ٢٥٢، والدرر: ٣٠، والكوثري في المقالات ص: ٣٨١، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٨٧، والغماري في الرد المحكم ص: ٧٦، ١٩٨.
(٣) وهو الكوثري في المقالات ص: ٣٨١.
(٤) السلسلة الضعيفة: ١/ ٣١، وقال المعلمي: السند إلى الشافعي فيه مجاهيل.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده؟
٣ - ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وغيرهما، لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره.
٤ - ثم قد تقدم (^١) عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها (^٢).
٥ - ومما يؤكد كذب هذه الحكاية ما ذكر من مجيء الشافعي إلى قبر أبي حنيفة كل يوم، وهذه مبالغة مكشوفة، إذ لا يتصور في العقل أن الشافعي ليس له عمل كل يوم إلا التردد إلى المقبرة، والوقوف لديها.
حكاية التوسل بقبر موسى الكاظم:
وهي ما روي عن الحسن بن إبراهيم الخلال يقول: "ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله لي ما أحب" (^٣).
احتج بهذه الحكاية جماعة (^٤) على جواز التوسل بالذوات والدعاء عند القبور.
الجواب:
إن الحكايات والمنامات لا تقوم بها حجة في شرع الله الذي أكمله الله وأتمه على لسان نبيه ﷺ، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
_________________
(١) تقدم ص: ٦١٨.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم: ٣٤٣.
(٣) أخرجه الخطيب في التاريخ: ١/ ١٢٠.
(٤) منهم السمنودي في سعادة الدارين: ١٨٧، والغماري في الرد المحكم: ٧٦، ١٩٨، والكوثري في المقالات: ٣٨١.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
وهذه الحكاية تؤكد ما سبق عند ذكر أسباب انتشار دعاء غير الله تعالى من أن الشيعة لهم أثر في نشر ذلك، إذ موسى الكاظم رحمه الله تعالى يَدَّعُون أنه من أئمتهم الإثني عشر، فاقتدى بهم جهال أهل السنة في التردد على مقبرتهم والدعاء عندها أو دعائها.
شبهة (^١) الوساطة والشفاعة:
ولهؤلاء المدافعين عن دعاء الموتى والاستغاثة بهم شبه نظرية أرادوا بها إثبات مشروعية نداء الأموات من دون الله تعالى والاستغاثة بهم، وهذه الشبه النظرية هي من باب قياس الخالق بالمخلوق مع عدم المماثلة، ومن تلك الشبه شبهة الوساطة والشفاعة:
إذ قالوا نحن مذنبون بعيدون عن الله تعالى وليس لنا قدر ولا جاه عند الله فلذا نجعل أحبابه وأولياءه وسطاء بيننا وبينه، لما نعلم من أن لهم عند الله جاهًا ومنزلة وقدرًا فلا يرد شفاعتهم ووساطتهم، كما أن الملوك يتشفع لديهم بالمقربين لديهم من الوزراء والندماء وفي ذلك سلوك للأدب مع الله تعالى لعدم، أهليتنا لخطاب الله تعالى وعدم معرفتنا لآداب خطابه، كما أن ذلك في سرعة لقضاء حوائجنا (^٢).
الجواب من وجوه:
الوجه الأول:
إن هذه العقيدة هي عقيدة المشركين، فهم لا يعتقدون غير الوساطة والشفاعة لمعبوديهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا
_________________
(١) انظر الاحتجاج بهذه الشبهة في: شواهد النبهاني ص: ١٤٧، والخلاصة: ٢٥٦، والبراهين ص: ٤٠٨ - ٤١١، وعنه منتحلًا في مفاهيم ص: ٧٨ - ٨٠. وانظر في ذكر احتجاجهم بهذه الشبهة، تلبيس إبليس: ٣٩٣، ومؤلفات الشيخ: ١/ ١٥٥ - ١٦٥، ٣٦٧، ومصباح الظلام: ١٧٤، ١٧٦، وتطهير الجنان: ٥٦، وروح المعاني: ١٧/ ٢١٢.
(٢) تفسير الرازي: ٢٦/ ٢٤١.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
﴿يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: "وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا: إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله، مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر فهذا هو المراد من قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (^١).
فهذه الآية نص قاطع في أن عبادتهم لغير الله ليست إلا لشيء واحد وهو طلب القربى والزلفى إلى الله تعالى وذلك لأن الآية وردت بصيغة القصر والحصر وهي النفي والاستثناء ففي الآية حصر غرض عبادة الأولياء في التقريب إلى الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣].
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨].
والقربان: ما يتقرب به إلى المعبود كما هو معروف وفسره به العلماء.
وإنما قيل للآلهة قربانًا لما أنها غير مقصودة لذواتها ألا تراه يقول في غير هذا الموضع (شفعاء) ويحكى ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^٢).
وقال تعالى في قصة صاحب آل يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [يس: ٢٣].
فهذه الآيات قد دلت على أن مقصود المشركين الأوائل هو الشفاعة والوساطة لا غير.
_________________
(١) تفسير الرازي: ٢٦/ ٢٤١.
(٢) معارج الألباب: ١٨٥.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
ثم إن الذين يدعون الملائكة والصالحين على عدة (^١) أنواع وكلهم مجمعون على اعتقاد الشفاعة وهم أربع فرق:
١ - ففرقة قالت: ليس لنا أهلية مباشرة دعاء الله ورجائه بلا واسطة تقربنا إليه وتشفع لنا لعظمته، فتوهموا أن عبادة الواسطة أشد في تعظيم الله من عبادته.
٢ - وفرقة قالت: الأنبياء والملائكة ذو وجاهة عند الله ومنزلة عنده، فاتخذوا صورهم من أجل حبهم لهم ليقربوهم إلى الله زلفى.
٣ - وفرقة جعلتهم قبلة في دعائها وعبادتها.
٤ - وفرقة اعتقدت أن لكل صورة مصورة على صورة الملائكة والأنبياء وكيلًا موكلًا بأمر الله، فمن أقبل على دعائه ورجائه وتبتل إليه قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله وإلا أصابته نكبة بأمره تعالى.
والحاصل أن المشركين بأصنافهم من عبدة الملائكة والأنبياء والكواكب والأوثان والفلاسفة الذين يعتقدون في العلويات، كلهم يقصدون من دعائهم لمعبوديهم التقريب والوساطة، وإنما يدعون الأصنام والأوثان والهياكل باعتبار أنها تماثيل للصالحين وهي من وسائل التقريب فقط، وهذا حاصل عقيدتهم ومنتهى مزاعمهم، فلم يقولوا: إن المطلوب الذي يطلبونه صار رهينًا في أيدي الوسائط والشفعاء وأنهم مسلطون على الرفع والوضع والنفع والدفع والعطاء والمنع، ويدل على ذلك التعبير القرآني بالشفعاء والقربان والحكاية عنهم بيقربونا، وأن مصب إنكار الأنبياء عليهم هو اتخاذهم للشفعاء (^٢).
هذه الشبهة جاءت إليهم من قبل تعظيمهم في الظاهر الله تعالى وهي
_________________
(١) تفسير الرازي: ٢٦/ ٢٤١ و١٧/ ٦٣ و٢٧/ ١٣٠ و١٣/ ٣٧ - ٣٩، والهدية السنية ص: ١٤، وتلبيس إبليس ص: ٥٠، ٣٧، والواسطة بين الحق والخلق ضمن الفتاوى: ١/ ١٣٥.
(٢) معارج الألباب: ١٨٧.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
من كيد الشيطان. قال عبد الرحمن بن مهدي: "قد هلك قوم من هذا الوجه قالوا: الله أعظم من أن ينزل كتابًا أو يرسل رسولًا وثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم قال: فهل هلكت المجوس إلا من جهة التعظيم، قالوا: الله أعظم من أن نعبده نحن ولكن نعبد من هو أقرب إليه منا فعبدوا الشمس وسجدوا لها فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^١)
وقد اتضح مما سبق أن هؤلاء الذين يدعون الأموات لا فرق بينهم وبين المشركين السابقين، لاعتقاد الكل الشفاعة والوساطة دون الخلق والإيجاد.
قال الرازي بعد أن ذكر عقيدة السابقين في الأصنام التي وضعت على صور الأنبياء والأكابر، قال: "ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله" (^٢)
الوجه الثاني:
إن هذا الاعتقاد بالوساطة فيه مفاسد ومحاذير تهدم العقيدة وتزلزل أركانها من ذلك إساءة الظن بالله تعالى.
والاعتقاد بالوساطة يستلزم إساءة الظن بالله تعالى، وبعلمه وسمعه وجوده وكرمه وذلك أن الذي ظن أن الرب ﷾ لا يسمع له ولا يستجيب له إلا بواسطة تطلعه على ذلك، أو تسأل ذلك منه فقد ظن بالله ظن السوء، فإنه إن ظن أنه لا يعلم أو لا يسمع إلا بإعلام غيره له وإسماعه، فذاك نفي لعلم الله وسمعه وكمال إدراكه وكفى بذلك ذنبًا، وإن
_________________
(١) إبطال التأويل لأبي يعلى ق ١٦/ ب، وعلاقة الإثبات والتفويض لرضا نعسان ص: ٧.
(٢) تفسير الرازي: ١٧/ ٦٣.
[ ٢ / ٨٤١ ]
ظن أنه يسمع ويرى ولكن يحتاج إلى من يلينه ويعطفه عليه فقد أساء الظن بإفضال ربه وبره وإحسانه وسعة جوده.
وقد قال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧] أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا عبدتم معه غيره وظننتم أنه يحتاج في الاطلاع على ضرورات عباده لمن يكون بابًا للحوائج إليه، وهذا بخلاف الملوك فإنهم محتاجون إلى الوسائط لعجزهم وقصور علمهم، فأما من لا يشغله سمع عن سمع وسبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة فما تصنع الوسائط عنده؟
فمن اتخذ واسطة بينه وبين الله تعالى فقد ظن به أقبح الظن، ومستحيل أن يشرعه لعباده بل ذلك يمتنع في العقول والفطر (^١).
لأنه قد ثبت في العقول والفطر أن الله سبحانه هو المدبر لأمور الخلائق بدون الاستغاثة بأحد، وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأنه "يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين" (^٢).
وأي عقل سليم يترك هذا الرب الجليل ويترك الالتجاء إلى بابه ويطلب الوسطاء فإنه عقل مختل.
٣ - ومن المحاذير التي في ذلك تشبيه الخالق بالمخلوق:
وقد اعترفوا بهذا التشبيه في تجويزهم الوساطة وعللوا جوازها بأن الناس جبلوا على معرفة "أن إكرام عبيد السلطان وأتباعه وتعظيمهم هو من
_________________
(١) تجريد التوحيد: ٣١ - ١٣، والجواب الكافي: ١٤٣، وإغاثة اللهفان: ١/ ٥٠، والواسطة ضمن الفتاوى: ١/ ١٢٦، والفتاوى: ٢٧/ ٧٤، والمدارج: ٣/ ٢٧.
(٢) الواسطة بين الحق والخلق، وضمن الفتاوى: ١/ ١٢٧.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
أحسن وجوه التقرب إليه لقضاء حوائجهم عنده، وكلما كان ذلك العبد أو التابع أقرب له وأحب إليه كان إكرامه وتعظيمه والتوسل به إليه أقرب في نجاح الحاجة وحصول المقصود … " (^١).
ولا يخفى ما في هذا التشبيه من المفاسد العظيمة فالله ﷾ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يمكن أن يشبه بالملوك والرؤساء وقد علم أن الوسائط بين الملوك والناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة، وكلها مستحيلة في حق الله تعالى والوجوه الثلاثة هي:
١ - لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه.
٢ - أو يكون الملك عاجزًا عن تدبير الرعية فيحتاج إلى مساعد.
٣ - أو يكون الملك لا يريد الخير لرعيته فيحتاج إلى من يحركه وينصحه (^٢)، وهذه الأوجه الثلاثة مستحيلة في حق الله تعالى، والاعتقاد بالوساطة يستلزم هذه الأوجه.
٤ - ثم من المحاذير التي في اعتقاد الوساطة أن ذلك الاعتقاد يلزم منه الخضوع والتذلل، والتأله من العبد لتلك الوسائط حتى ترفع أمره إلى الله تعالى.
وهذا التأله قبيح في الشرع والعقل صرفه لغير الله تعالى (^٣).
فلو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب من يطلب الشفاعة والوساطة بسبب قسمته ذلك بينه ﷾ وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من يطلب شفاعته - لكفى في شناعة اعتقاد الوساطة (^٤).
_________________
(١) شواهد الحق: ١٤٥.
(٢) الواسطة بين الحق، وضمن الفتاوى: ١/ ١٢٦ - ١٢٧.
(٣) تجريد التوحيد: ٣٣.
(٤) إغاثة اللهفان: ١/ ٥٠.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
٥ - ومن المحاذير التي في ذلك أنه قول على الله بغير علم، حيث زعم هؤلاء أن الله وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل شيئًا بدون وساطتهم، فحولوا بذلك قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه ووجهوها إلى القبور وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ثم سموا هذا توسلًا إليه فهم يتقربون إليه بالشرك به ودعاء غيره من دونه أو معه (^١).
وهذا كله يدل على فساد قياس الذين قاسوا الخالق بالمخلوق الملك أو الرئيس فالملك يقبل الشفاعة تارة لحاجته إلى من يشفع إليه، وتارة لخوفه منه، وتارة لجزاء إحسانه ومكافأة له حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته وخدمه فإنه محتاج إليهم لأنه لو لم يقبل شفاعتهم لتضرر بذلك.
وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة أو حياء أو مودة أو غير ذلك، وهذا بخلاف الشفاعة عند الله فإنه سبحانه لا يخاف أحدًا ولا يرجوه ولا يحتاج إلى أحد (^٢).
الوجه الثالث:
إن الله ﷾ لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار والله قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
قال بعضهم: والسر في أن الله لم يقل: فقل إني قريب الآية، كما هو عادة أساليب القرآن في الجواب عن الأسئلة الموجهة للرسول ﷺ، السر في ذلك الإشارة إلى عدم الوساطة في الدعاء حيث لم يجعل الله الوساطة في الجواب على السؤال فكيف بالوساطة في الدعاء نفسه؟ (^٣).
_________________
(١) تفسير المنار: ٢/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) الواسطة ضمن الفتاوي: ١/ ١٢٩، والفتاوى: ٢٧/ ٧٣، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٧٣.
(٣) تفسير الرازي: ٥/ ١٠٦، والأزهية: ٥/ ٢٨، وإتحاف السادة: ٥/ ٢٨.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
وهذا مما يعلم فساده بالضرورة من دين الإسلام فإنه لا يوجد في الإسلام وساطة بين الله وبين خلقه، "في الخلق والتدبير، والرَّزْقِ والإحياء والإماتة، وسماع الدعاء وإجابة الداعي، بل الرسل كلهم وأتباع الرسل متفقون على أنه لا يعبد إلا الله وحده فهو الذي يسأل ويعبد، وله يصلى ويسجد، وهو الذي يجيب دعاء المضطرين ويكشف الضر عن المضرورين، ويغيث عباده المستغيثين ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^١) [فاطر: ٣] ".
ومن هذا يتبين أن المسلمين بل الحنفاء جميعًا "ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في العبادة والدعاء والاستغاثة بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة" (^٢).
والوساطة التي جعلها الله تعالى للأنبياء إنما هي في (^٣) تبليغ رسالته وأمره ونهيه ووعده ووعيده كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] و[الكهف: ٥٦].
وقال نوح ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١].
ومثل هذا ما أمر الله به خاتم رسله أن يقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ …﴾ [الأنعام: ٥٠].
الوجه الرابع
ثم إن هذه الشفاعة والوساطة التي يريدها هؤلاء من الأنبياء
_________________
(١) الرد على المنطقيين: ٥٣٧.
(٢) الرد على البكري: ٣٠٠ - ٣٠١.
(٣) انظر في هذا: الرد على المنطقيين: ٥٣٧ - ٥٣٨، والرد على البكري: ٣٠١، والواسطة بين الحق ص:، وضمن الفتاوى: ١/ ١٢٢ - ١٢٣، وملحق المصنفات ص: ٩٧، وتطهير الجنان: ٥٩.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
والصالحين لا يتصور من عباد الله الصالحين أن يشفعوا فيها ويطلبوا من الله ذلك، لأنهم ممتثلون لأمر الله تعالى فلا يفعلون ما لا يرضاه الله تعالى من الإشراك به.
فإذا دعاهم رجل وتوسط بهم فهم لا يرضون ذلك فيتبرؤون منه ومن دعائه.
ولقد نهى الله تعالى النبي ﷺ والمؤمنين من الاستغفار للمشركين فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [براءة: ١١٣].
وقال في دعوة نوح لابنه: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ (^١) [هود: ٤٦].
فتحصل من هذا أن الداعي إن كان مستحقًا للعقاب ورد الدعاء، فالنبي أو الصالح لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة (^٢).
ثم إن الأنبياء والصالحين إنما يشفعون يوم القيامة بعد الإذن وهم يفعلون ذلك طاعة لربهم ورغبة في رضاه، فهم يشفعون لمن أذن لهم فيه وإن لم يطلب منهم (^٣).
الوجه الخامس: إن قولهم: نحن بعيدون عن الله ومذنبون .. إلخ.
قول باطل من أقوال المشركين فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
وقد روي (^٤) في سبب نزولها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، ربنا
_________________
(١) يراجع الواسطة ضمن الفتاوى: ١/ ١٣١.
(٢) الفتاوى: ٢٧/ ٧٥.
(٣) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١٠١ - ١٠٢.
(٤) انظر ما تقدم في ص: ٢٦٨.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقد أمر الله تعالى العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته فيها بقولهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^١).
فالعباد يخاطبون الله ﷻ في صلواتهم ودعواتهم بدون حجاب ولا واسطة توصل خطابهم إليه.
الوجه السادس: شواهد الحال تكذب دعواهم فإن نية الشفاعة والوساطة "على فرضها بعيدة الخطورة في البال، وشواهد هذا ظاهرة في حالاتهم تلك، بحيث إن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة وأقطار متباعدة، ونواحي متباينة -لما كانوا قد نشأوا لا يعرفون إلا ما وجدوا عليه من قبلهم من الآباء والشيوخ من هذه العقائد الوثنية والمفاسد - فتجدهم إذا شكى أحدهم على الآخر نازلة نزلت فلعله لا يخطر له في بال إلا: هل قد ذهبت إلى الولي … " (^٢).
فقولهم: إننا نقصد بدعائهم التوسط والشفاعة والتوسل -بعيد عن واقع أحوالهم فالذي تدل عليه أحوالهم وأقوالهم أنهم يريدون من الولي الإجابة والإغاثة، إذ يرون له التصرف المطلق والعلم المحيط وغير ذلك.
وإن كان هذا ليس عامًا في الجميع لأنه يكفي في المنع أن يحصل من البعض.
بقية شبهة الشفاعة والوساطة:
ثم إنهم استدلوا على جواز طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين بل على جواز الاستغاثة ودعاء الموتى والغائبين بما ورد في أحاديث الشفاعة المتواترة من طلب الناس الشفاعة من الأنبياء يوم القيامة، وقاسوا على ذلك طلب الشفاعة منهم أو من الصالحين في حال مماتهم ومغيبهم
_________________
(١) الفتاوى: ٢٧/ ٧٤.
(٢) معارج الألباب: ١٧١.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
والاستغاثة بهم (^١).
واستدلوا (^٢) بأحاديث فيها طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ الدعاء والشفاعة لهم يوم القيامة. مثل حديث ابن عباس ﵄ في حديث طويل أن عكاشة بن محصن قال للنبي ﷺ: "ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت منهم" (^٣).
وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بِوَضُوْئِه وحاجته، فقال لي: "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة قال: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (^٤).
الجواب:
١ - إن أحاديث الشفاعة يوم القيامة ليست مما نحن فيه لأن ذلك من سؤال الحي ما يقدر عليه، فيوم القيامة يجمعهم الموقف بعد أن أحياهم الله فليس هو من سؤال الغائب ولا الميت.
ثم إن الأحاديث الأخرى ليست مما نحن فيه أيضًا لأنها تدل على جواز سؤال النبي ﷺ في حياته ما يقدر عليه - وهو الدعاء، فهو يقدر على دعاء الله تعالى.
_________________
(١) فممن احتج بذلك السبكي في شفاء السقام: ١٩٠ و٢٥٣، والنبهاني في شواهد الحق فإنه ساق أربعين حديثًا في الشفاعة من ١٢٦ - ١٣٥، وداود بن جرجيس كما في مصباح الظلام: ٣٦١، والعزامي في البراهين: ٤١٧، وانتحله صاحب المفاهيم: ٥٤.
(٢) انظر الاستدلال بهذه الأحاديث في شفاء السقام: ١٨٦، ومصباح الظلام: ٣٢٩، ومفاهيم: ٨٠ - ٨٩. وانظر الاستدلال بحديث ربيعة أيضًا في وفاء الوفاء للسمهودي: ٤/ ١٣٧٤.
(٣) أخرجه البخاري: ١١/ ٤٠٥ رقم ٦٥٤١، ٦٥٤٢، ومسلم: ١/ ١٩٩ رقم ٢٢٠.
(٤) رواه مسلم: ١/ ٣٥٣ رقم ٤٨٩.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
ويدل لهذا قول عكاشة ﵁: "ادع الله أن يجعلني منهم" فهو إنما طلب الدعاء وهو أمر مشروع، وهو مثل طلب الاستغفار منه ﷺ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤].
٢ - ثم إنه لا يمكن القياس على هؤلاء الذين طلبوا الشفاعة من الرسول ﷺ في حياته للفارق بينهم ومن بعدهم، إذ هو ﷺ يمكن أن يعلم من يشفع له ومن لا يشفع له فلهذا وافق في عكاشة وأغلق الباب على الذي بعده.
٣ - ثم إن الرسول ﷺ ذكر في حديث ربيعة الأسلمي ما يشير إلى ما يكون سببًا للدخول في شفاعة النبي ﷺ، وهو الإيمان الخالص والعمل الصالح كما في حديث أبي هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصًا قلبه" (^١).
فهذا هو السبب الذي يقتضي الشفاعة فلهذا قال لربيعة الأسلمي فأعنّي بكثرة السجود، فعلى هذا فالذي لا يسجد ولا يؤمن بل يشرك بدعاء غير الله تعالى كيف يعين النبي ﷺ على شفاعته، بل هو إنما يعين الشيطان على إضلاله وإغوائه نسأل الله السلامة.
٤ - ثم في بعض طرق حديث ربيعة ما يشعر بأنه إنما طلب الدعاء له بالشفاعة ولم يطلب الشفاعة. (^٢).
ومن جملة شبههم القياسية ما ذكروه من قياس الذوات على الأعمال حيث قالوا:
"إذا جاز السؤال بالأعمال، وهي مخلوقة، فالسؤال بالنبي ﷺ أولى" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١/ ١٩٣ رقم ٩٩، وانظر مصباح الظلام: ٣٣٢.
(٢) الطبراني …
(٣) شفاء السقام ص: ١٧٤. وانظر قريبًا منه في مصباح الظلام: ١٨٠، ١٨٩ من استدلال تلميذ ابن جرجيس، وفي جلاء العينين نقلا عن السمهودي ص: ٥٠٠.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
فهذه الشبهة المبنية على أساس جامع الاشتراك بين الأعمال والذوات الفاضلة في كونهما مخلوقين هي من أضعف الشبه، وذلك لأن القياس لا يدخل في باب العبادات إذ مبناها على التوقيف، والاتباع (^١).
وهذا القياس فاسد من ناحية أخرى أيضًا وهي أنه قياس مع الفارق وذلك لأن علة صحة التوسل بالأعمال كونها من كسب الإنسان وعمله يرجو عليه الجزاء والثواب في الدنيا والآخرة، وهذا الذي جعلها سببًا للوسيلة وهذه العلة مفقودة في الذوات الفاضلة لأنها أجنبية عن المتوسّل بها، فبهذا يتضح أن هذا القياس قياس مع الفارق وهو فاسد الاعتبار كما هو مقرر في علم الأصول.
ومن شبههم القياسية قياس حال الموت على حال الحياة، قال بعضهم:
"ولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل، والاستغاثة به ﷺ بعد وفاته إلا قياسه على التوسل، والاستغاثة به في حياته الدنيا، لكفى فإنه حي الدارين دائم العناية بأمته، متصرف بإذن الله في شؤونها خبير بأحوالها … " (^٢).
وهذا القياس الذي ذكروه فاسد الاعتبار من وجوه:
١ - إن الفرق بين الحياة والموت واضح وضوح الشمس في رائعة النهار، وهذه قضية مسلمة منطقية لا جدال فيها بين العقلاء، ومن شرط القياس المماثلة فلا مماثلة بين الحالتين.
٢ - ثم إن النبي ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين كانوا في حياتهم
_________________
(١) مصباح الظلام: ١٨١.
(٢) البراهين الساطعة ص: ٤٢١، وهذا الكلام مع خطورته قد انتحله العلوي في كتابه مفاهيم ص: ٩١، ففي هذا الكلام ما يشير إلى اعتقاد التصرف المطلق. انظر مفاهيمنا: ١٢٣.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
يدعون الله تعالى لمن توسل بدعائهم وطلب منهم الدعاء حيث يسمعون كلامه ويعرفون مراده، وأما في دار البرزخ فلا يمكن ادعاء ذلك وحتى لو حصل منهم الدعاء فرضًا فإنما هو بأمر كوني لا يزيد بسؤال سائل كما تقدم بيانه (^١).
٣ - ثم إنه لا يمكن لأحد أن أن الأحكام التي كانت للنبي ﷺ في حال حياته مستمرة له بعد وفاته، فقد كان في حياته يصلي خلفه فهل يمكن لأحد الآن أن يصلي متجهًا إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه؟
وكذلك كان في حياته يطلب منه أن يفتي ويقضي فهل يمكن الآن أن يطلب منه ذلك (^٢)؟
٤ - ثم إن الصحابة في حياته لم يكونوا يستغيثون به في مغيبه ولا يتوسلون بذكر اسمه وجاهه وإنما كانوا يطلبون الدعاء منه إذا كانوا في مجلسه فقط، فمن باب أولى أن لا يستغاث به بعد الموت، "والدعاء داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى، وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا على ما جرت به العادة، فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم: "اللهم أخبر عنا رسولك كما قال عاصم بن ثابت … " (^٣).
٥ - ثم إنه ﷺ (^٤) وكذلك الأنبياء والصالحون عندما كانوا في الحياة لا يمكن أن يشرك بهم من دون الله تعالى، وأما بعد وفاتهم فيمكن أن يشرك بهم فيمنع القياس من هنا. وقد فند هذه الشبهة الشيخ أبا بطين
_________________
(١) تقدم ص: ٧٧٧.
(٢) انظر الرد على البكري ص: ١١٥، و٦٩ - ٧٠، وقاعدة في التوسل: ١٥١ - ١٥٢، ومع الفتاوى: ١/ ٣٥٥.
(٣) انظر ما تقدم ص: ٧٧٦.
(٤) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١٠٤.
[ ٢ / ٨٥١ ]
بعدة وجوه قوية (^١) منطقية لا يمكن لمبتدع الإجابة عنها، فلنقتصر على هذه الأوجه التي ذكرناها ففيها الكفاية لمن يريد الحق.
_________________
(١) انظر تأسيس التقديس ص: ٥٤ - ٦٠.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
الفصل الثالث
في مناقشة ردودهم وإجاباتهم
عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع
ويحتوي على تمهيد، وتسع شبه.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
تمهيد
إن الذين أباحوا دعاء الموتى والغائبين لما رأوا كثرة الأدلة الدالة على منع دعاء غير الله تعالى ودلالتها الواضحة الصريحة وعجزوا عن معارضتها، بحثوا عن شبهات يمكن أن يدفعوا بها دلالة تلك الأدلة على واقعهم المرير وعملهم المشين.
ومقصدهم بذلك ادعاء أن تلك النصوص لا تنطبق على أعمالهم الشركية -وهيهات ذلك- كما أن مقصودهم إخضاع النصوص الشرعية لتوافق ما عليه عباد القبور وسدنة الأضرحة، وهؤلاء المبيحون لدعاء الموتى ينسبون إلى العلم ومعدودون من أهله.
وكان الواجب عليهم النصح الله ولرسوله ولهؤلاء الداعين للأموات من عوام المسلمين، فاستبدلوا بهذا الواجب البحث عن الشبهات التي يمكن أن تدفع عنهم دلالة النصوص الشرعية على واقعهم الشركي، فأتوا بهذه الشبهات التي نناقشها -إن شاء الله تعالى- في هذا الفصل.
والفرق بين هذه الشبهات والتي مرت في الفصلين السابقين هو أن المراد من هذه الشبهات هو منع دلالة النصوص المحرمة لدعاء غير الله تعالى على أعمال القبوريين، وصرفها إلى غيرهم والإجابة اليائسة المستميتة عن النصوص الواضحة المانعة لأعمالهم فهذه الشبهات تتعلق بما يسمى في علم الأصول بتحقيق المناط.
وأما المراد من الشبهات السابقة فهو إثبات مشروعية تلك الأعمال.
ومما ينبغي أن يعلم أن أغلب هذه الشبهات التي في هذا الفصل
[ ٢ / ٨٥٥ ]
إنما أثيرت بعد انتشار دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فلما رأوا انتشارها الواسع أرادوا معارضة هذه الدعوة السلفية المباركة بهذه الشبهة الواهية.
فلهذا لا نجد هذه الشبهات في كلام من سبق هؤلاء ممن هو على مشربهم بخلاف الشبهات التي سبقت في الفصلين السابقين.
ومن هنا رد عليهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتبه ورسائله، كما رد عليهم آخرون ممن جاء بعده فجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء .. وهذه المناقشات التي ستأتي إن شاء الله تعالى مجموعة مما تفرق في كلام هؤلاء المحققين السابقين، وإن كان هناك إضافة فقليلة لا تستحق الذكر، والغرض مشاركة هؤلاء في هذا الصنيع المبارك لعل الله ينفع به من يشاء من عباده وهو وحده المرجو لذلك، وهو المستعان وهو ولي التوفيق.
الشبهة الأولى (^١):
قولهم: إن تلك النصوص فيمن لا يعترف بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، أي الذي لا يعترف بتوحيد الربوبية، وأما من اعترف بذلك فلا تشمله تلك النصوص ولو دعا غير الله تعالى واستغاث به، وذبح له، ونذر له.
وقالوا: إن من أقر بالربوبية فقد أقر بالألوهية، فعلى هذا فالآيات والأحاديث لا تشمل المسلمين من هذه الأمة المحمدية المرحومة الذين يعترفون بربوبية الله تعالى وأنه الخالق … إلخ.
_________________
(١) انظر الاحتجاج بهذه الشبهة في الدرر السنية: ٤٠ - ٤١، ٣٢، ٣٥، وخلاصة الكلام ص:، وشواهد الحق: ١٤٢ - ١٤٩، ١٥٣، وفرقان القرآن للعزامي ص: ١٢٧ - ١٢٨، ومفاهيم ٢٦، ويراجع في الجواب إلى مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات: ١٦١، والدر النضيد: ١٦، ١٩.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
الجواب:
حاصل شبهتهم ادعاء الفرق بينهم وبين المشركين الأوائل في اعتقاد الربوبية، وفحوى كلامهم أن الأوائل لا يعترفون بتوحيد الربوبية، بل صرح بذلك بعضهم كما سيأتي.
والصواب الذي لا مرية فيه أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ووردت فيهم تلك النصوص - يعترفون بالربوبية - وإليك الأدلة القاطعة:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].
٢ - وقال عز من قائل: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
٣ - وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ …﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨].
٥ - وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩].
٦ - وقال عز من قائل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
[ ٢ / ٨٥٧ ]
٧ - وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ …﴾ إلى آخر تلك الآيات [النمل: ٦٠ - ٦٤].
٨ - قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، فقد اتفقت أقوال مفسري السلف (^١) على أن من إيمانهم قولَهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، وعلى أن شركهم هو عبادتهم غيره ويوضح ذلك ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه قال: "إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه وهو مشرك في عبادته" (^٢).
٩ - ومن الأدلة القطعية على اعترافهم بتوحيد الربوبية، ما ذكره الله عنهم في وقت الشدائد والتطام الأمواج من إخلاص الدعاء الله رب العالمين قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقال:؟ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣، ٥٤].
قال قتادة بن دعامة ﵀ في تفسير هذه الآية: "الخلق كلهم يقرون الله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك" (^٣).
١٠ - الآيات التي تحدثت عن المشركين بأنهم يتخذون مع الله شركاء ووصفتهم بالشرك أو باتخاذهم وجَعْلِهم مع الله آلهة أخرى.
_________________
(١) نقل ذلك عنهم ابن: جرير ١٣/ ٧٧ - ٧٩، وقد علق البخاري بصيغة الجزم قول عكرمة وذكر الحافظ أن أسانيد ابن جرير عن عطاء ومجاهد صحيحة. انظر الفتح: ١٣/ ٤٩٤.
(٢) ابن جرير: ١٣/ ٧٨.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم، انظر الدر المنثور: ٤/ ١٢٠.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وذلك لأن الشرك مأخوذ من الشركة فيفيد إقرارهم بالربوبية إلا أنهم يجعلون معه شريكًا في العبادة، كشريكين في شيء مثلًا مع أنهم ما كانوا يساوون آلهتهم بالله في كل شيء بل في المحبة والخضوع لا في الخلق والإيجاد والنفع والضر (^١)، فتلك الآيات تدل على أنهم لم يزعموا إلا الشراكة. والآيات التي وردت بالصفة المذكورة كثيرة جدًا ويمكن الإشارة إلى بعضها، منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٤]، ولو قيل يفهم من الآية أن فريقًا منهم يشرك بالرب بعد كشف الضر لاستقام، ومن المعلوم أنه يوجد فيهم حنفاء موحدون.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ …﴾ إلى قوله: ﴿… وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢]، فإن قوله: ﴿كما يقولون﴾ صريح في أنهم إنما يدعون الشراكة لا الاستقلال كما هو واضح بين.
١٢ - الآيات التي فيها اعتراف المشركين بالمشيئة المطلقة الله تعالى والتي فيها الاحتجاج بالقدر مثل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٢٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، ففي هذه الآيات اعتراف منهم
_________________
(١) تطهير الجنان والأركان: ١٧ - ١٨ لأحمد آل بوطامي، وتطهير الاعتقاد للصنعاني: ٦.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
بالمشيئة الكونية الله تعالى وإن كان احتجاجهم وزعمهم الجبر غير صحيح.
١٢ - الآيات التي وصف الله المشركين فيها بأنهم جعلوا الملائكة بنات لله تعالى، فهم يعبدون الملائكة على أنها بنات الله تعالى، وتقرب إليه، لا على أنها خالقة الكون، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ …﴾ إلى قوله: … ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ١٥ - ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٠ - ١٥٣].
قال المعلمي رحمه الله تعالى: إن أول ما سرى إلى العرب نسبة الولد إليه تعالى كانوا يقولون: الملائكة بنات الله على معنى أنهم مقربون إليه ولم يقولوا: أبناء الله خشية إيهام أن يكونوا نظراءه فقالوا: بنات الله لأن الإناث عندهم ضعيفات (^١).
١٣ - الآيات التي وردت بصيغة الاستفهام التقريري، نحو قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣].
وقوله سبحانه ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].
وقوله جل شأنه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].
وقوله تقدست أسماؤه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
_________________
(١) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١١١.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]. فالاستفهام في هذه الآيات استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرون (^١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، قال مقاتل في تفسير هذه الآية: فسألهم النبي ﷺ فسكتوا أي لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها، وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله لا لأنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (^٢) [النحل: ٥٣، ٥٤].
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦]. قال شيخ الإسلام: "وهذا استفهام إنكار بمعنى النفي، أي ما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فإنهم مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه وإنما كانوا يجعلونهم شفعاء ووسائط" (^٣).
١٤ - الآيات التي تدل (^٤) على أن المشركين إنما أنكروا على الرسل الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة لا أصل العبادة ولا الإقرار بالربوبية، منها قوله تعالى في قصة هود: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقول قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. . .﴾ [الزمر: ٤٥]، ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦].
_________________
(١) تطهير الاعتقاد للصنعاني: ٧، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٦٧١، والدر النضيد: ١٧.
(٢) تفسير أبي حيان، البحر المحيط:، وعنه في القول النفيس: ١٠٢ - ١٠٣.
(٣) قاعدة التوسل: ١٢٤، وضمن الفتاوى: ١/ ٣١١.
(٤) انظر الإشارة إلى هذا في تطهير الاعتقاد: ١٢ - ١٣.
[ ٢ / ٨٦١ ]
١٥ - الآيات الدالة على أنهم إنما يريدون من الأصنام الشفاعة والتقريب فقط، ومن تلك الآيات ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣].
١٦ - الآيات الدالة على أنهم يعبدون الله تعالى ويعبدون معه آلهة أخرى، فمن تلك الآيات قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦].
فالاستثناء في هذه الآيات يدل على أنهم يعبدون الله تعالى مع عبادتهم للآلهة، وهذا هو الذي أوجب الاستثناء وإلا فلو كانوا لا يعبدون الله فضلًا عن كونهم يعتقدون ربوبيتها فلا حاجة إلى هذا الاستثناء.
والخلاصة أن القرآن الكريم قد دل دلالة قطعية وصريحة على أن المشركين لم يكونوا يشركون في الربوبية وإنما كان شركهم في الألوهية ومع هذه الدلالة الواضحة أنكر ذلك بعضهم فلهذا نتبع هذا بالإشارة إلى أقوال العلماء الذين ذكروا ذلك، وقبل ذلك نذكر بعض الأدلة من غير القرآن فنقول وبالله التوفيق:
ومما يدل على أن المشركين يعترفون بتوحيد الربوبية، ما وجد في حكاياتهم وقصصهم من اعتقادهم بالربوبية ويشهد بذلك أشعارهم وما نقل عن حكمائهم وحنفائهم كخطب قس بن ساعدة وزيد بن عمرو وأبي ذر الغفاري قبل إسلامه (^١).
_________________
(١) انظر أخبار هؤلاء الحنفاء في سيرة ابن إسحاق رواية يونس: ١١٥ - ١١٩، وحجة الله البالغة: ١/ ١٢٤ - ١٢٧.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
كما يدل على ذلك اعتقادهم بأنهم كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل وكانوا يعترفون برسالتهما وإن حصل لهم فيها خبط (^١).
كما يدل لذلك ما كانوا يقولونه في تلبيتهم. قال ابن عباس ﵄: "كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ: "ويلكم قد قد" فيقولون: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك يقولون: هذا وهم يطوفون بالبيت" (^٢).
الاستشهاد بأقوال العلماء الذين صرحوا باعتراف المشركين بالربوبية:
هذه المسألة واضحة جدًا لا تحتاج إلى تطويل لولا أن بعض الناس ظنوا أن المشركين لا يعترفون بالربوبية -مع وضوح الأدلة- فاقتضى الأمر إلى الاستشهاد بأقوال العلماء الذين صرحوا بذلك، فالعلماء الذين صرحوا بذلك كثيرون، نقتصر على الإشارة إلى بعضهم فنقول وبالله التوفيق:
١ - فمن العلماء الذين صرحوا بذلك الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٦٧ هـ) فإنه ذكر الفطرة التي فطر الناس عليها ثم قال: "فلست واجدًا أحدًا إلا وهو مقر بأن له صانعًا ومدبرًا، وإن سماه بغير اسمه أو عبد شيئًا دونه ليقربه منه عند نفسه، أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوًا كبيرًا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ " (^٣).
٢ - الإمام أبو الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) فإنه قال: إن الله بعث محمدًا ﷺ إلى سائر العالمين، وهم أحزاب وفرق منهم كتابي وبرهمي ودهري، ووثني ومجوسي "وصاحب صنم يعتكف عليه، ويزعم أن له ربًا
_________________
(١) انظر زعمهم ذلك في سيرة ابن إسحاق: ١٢٠.
(٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٨٤٣ رقم ١١٨٥.
(٣) مختلف الحديث: ١٢٩.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه" (^١) فبين الأشعري أن أهل الأصنام مقرون بالرب تعالى.
٣ - الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) فإنه ذكر في مسألة الفرق بين الكفر والشرك، أن المشركين واليهود والنصارى والمجوس والبراهمة مقرون بالله تعالى فلم ينكره جملة ويجحده إلا الدهرية فقط (^٢).
٤ - الشهرستاني محمد بن عبد الكريم المتكلم (ت ٥٤٨ هـ)، فقد ذكر أن تعطيل العالم عن الصانع لا يعرف قائله إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية ثم ذكر مجمل مقالتها في تفسير خلق العالم، ثم ذكر أن هذا القول لا يدل على إنكار قائله بالصانع، ثم ذكر أن الفطرة الضرورية دلت على الصانع، ثم ذكر أنه لهذا لم يرد التكليف بمعرفة الصانع وأن هذا هو السبب في كون محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ونفي الشريك، ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]، وغير ذلك من الآيات (^٣).
٥ - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (ت ٤٥٨ هـ): "فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا وإن سماه بغير اسمه. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ " (^٤).
٦ - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، فقد ذكر الفلاسفة ثم قال: "وما قد حكى لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال، فإن أكثر القوم يثبتون الصانع، ولا ينكرون النبوات، وإنما أهملوا
_________________
(١) رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري ص: ٧٩ - ٨٠.
(٢) المحلى: ٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٣) نهاية الإقدام: ١٢٣ - ١٢٤، وعنه في درء تعارض العقل: ٧/ ٣٩٦ - ٣٩٨.
(٤) درء تعارض العقل والنقل: ٨/ ٣٥٩.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
النظر فيها، وشذ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة" (^١).
وذكر ابن الجوزي أيضًا أن كثيرًا من أهل الهند يعتقدون الربوبية وأن لله ملائكة (^٢).
٧ - الفخر الرازي محمد بن عمر (ت ٦٠٤ هـ). فقد ذكر إقرار المشركين بالربوبية في تفسيره في مواضع منه (^٣)، منها قوله: "اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكًا يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، وهذا مما لم يوجد إلى الآن، لكن الثنوية يثبتون إلهين، أحدهما حكيم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما الاشتغال بعبادة غير الله ففي الذاهبين إليه كثرة. . ." (^٤).
٨ - أبو محمد العز بن عبد السلام: (ت ٦٦٠ هـ) فقد ذكر في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، أنه لا يمكن أن يقال: "إنهم كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله، لأنه ليس الأمر كذلك بل قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^٥) [الزمر: ٣]، وذكر العز أيضًا أن السجود للصنم قد يقصد به التقرب إلى الله تعالى واستدل على ذلك بآية الزمر (^٦).
٩ - ابن منظور محمد بن مكرم أبو الفضل اللغوي (ت ٧١١ هـ)، فإنه ذكر في مادة "شرك" حديث تلبية الجاهلية وقولهم: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك ثم قال: اللهم إنا نسألك صحة التوحيد والإخلاص في
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٤٩.
(٢) المصدر نفسه ص: ٦٠.
(٣) انظر تفسير الرازي: ١٣/ ٣٧ - ٣٩، و٢٦/ ٢٤١ و٢٧/ ١٣٠ و٩/ ٦٣، ١٧/ ٦٣.
(٤) المصدر السابق: ١٣/ ٣٧، ونحوه في: ٢/ ١٢٢.
(٥) الفوائد في مشكل القرآن ص: ٩٠.
(٦) انظر الإعلام بقواطع الإسلام ص: ١٩ - ٢٠، والفروق للقرافي. . .
[ ٢ / ٨٦٥ ]
الإيمان، انظر إلى هؤلاء لم ينفعهم طوافهم ولا تلبيتهم ولا قولهم عن الصنم هو لك ولا قولهم تملكه وما ملك، مع تسميتهم الصنم شريكًا بل حبط عملهم بهذه التسمية، ولم يصح لهم التوحيد مع الاستثناء ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^١).
١٠ - شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قرر هذه المسألة بأدلة مختلفة وذكرها في مواضع كثيرة من كتبه (^٢) نذكر بعضها، فمنها: ما ذكره من أن المتكلمين غاية أمرهم إثبات واجب الوجود "وهذا حق لم ينازع فيه لا معطل ولا مشرك"، لأن الناس متفقون على إثباته إلا ما يحكى عن بعضهم أنه قال: إن العالم حدث بنفسه وهذا لا يعرف قائله وإنما هو يقدر تقديرًا، وهو مما يخطر في قلوب الناس فقط وليس قولًا معروفًا لطائفة معينة" (^٣).
وقال أيضًا: ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته بل عامة المشركين بالله مقرون بأنه ليس شريكه مثله" (^٤).
_________________
(١) لسان العرب: ٤/ ٢٢٤٩ مادة شرك.
(٢) انظر بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٦، ومنهاج السنة: ١/ ٢٠٣، ٢٢٩، ٣/ ٢٩٢ - ٢٩، ٣٣٠، ودرء تعارض العقل: ٧/ ٣٩١، ٣٩٦، وبغية المرتاد: ٣٦٠، ٣٦٨، ٣٧٣، والتدمرية ص: ٤٩، والرد على المنطقيين: ٢٩٣، وقاعدة في التوسل: ١٥ - ١٧ و١٢٤، والفتاوى: ٥/ ٥٤٨ - ٥٤٩ و٣/ ٩٦ - ٩٧ و٧/ ٧٥ - ٧٧ و١٠/ ٦٦٩، ١٥٦ - و١/ ٩٢ و٢/ ٣٧ - ٣٨، والرد على البكري: ١٧٨ - ١٧٩، وموافقة صحيح المنقول: ١/ ١٧٤ - ١٧٥، وجامع الرسائل: ٢/ ٥١ - ٥٣، والتسعينية ضمن الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥٠.
(٣) منهاج السنة: ٣/ ٣٩٥ - ٤٥٦.
(٤) الفتاوى: ٣/ ٩٦، ونحوه في: ٧/ ٧٥.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
وقال أيضًا: "وإثبات توحيد الربوبية لم ينازع في أصله أحد من بني آدم وإنما نازعوا في بعض تفاصيله. . . " (^١).
وقد نبه شيخ الإسلام ﵀ على أن هذا الموضع عظيم ينبغي معرفته لالتباسه على بعض الطوائف حتى وقعوا فيما ينافي الإسلام (^٢).
١١ - ابن القيم شمس الدين أبو عبد الله (ت ٧٥١ هـ) فإنه قال بعد أن ذكر اللات والعزى ومناة: "ولم يكن أحد من أرباب الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم اليوم عند طواغيتهم" (^٣).
١٢ - ابن أبي العز الحنفي علي بن علي (ت ٧٩٢ هـ) فقد ذكر توحيد الربوبية ثم ذكر أنه لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم وذكر أنه مفطور في البشر (^٤).
١٣ - المقريزي أحمد بن علي (ت ٨٤٥ هـ) فإنه ذكر قول المشركين في النار ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] ثم قال: "ومعلوم قطعًا أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونه ربهم وخالقهم، فإنهم كانوا كما أخبر الله عنهم مقرين بأن الله تعالى وحده هو ربهم وخالقهم. . ." (^٥).
_________________
(١) الفتاوي: ٢/ ٣٧ - ٣٨.
(٢) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥٠.
(٣) زاد المعاد: ٣/ ٥٠٦ وقال ابن القيم أيضًا في المقارنة بين النصارى والمشركين: إن المشركين يأنفون من وصف آلهتهم بما يصف النصارى الله به والله أعظم في قلوبهم من ذلك "وإنما شرك القوم أنهم عبدوا من دونه آلهة مخلوقة. . . وزعموا أنها تقربهم إليه لم يجعلوا شيئًا من آلهتهم كفوًا له ولا نظيرًا ولا ولدًا. . .". اهـ. إغاثة اللهفان: ٢/ ٢٠٨، ونحوه في مفتاح دار السعادة: ١/ ١٢١، وطريق الهجرتين ص: ٤٥.
(٤) شرح الطحاوية: ١٦ - ٢٠.
(٥) تجريد التوحيد ص: ١٥.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
١٤ - القاري علي بن سلطان الهروي الحنفي (ت ١٠١٤ هـ) فقد ذكر أن توحيد الألوهية يستلزم توحيد الربوبية دون العكس لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. . .﴾ (^١).
١٥ - الدهلوي أحمد بن عبد الرحيم (ت ١١٧٦ هـ)، فقد ذكر هذه المسألة وقررها في عدة مواضع من كتبه (^٢) بتقرير حسن.
١٦ - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ) فإنه قد ذكر هذا الأصل وقرره في مواضع (^٣) من كتبه ورسائله على أحسن الوجوه.
١٧ - ابن عابدين محمد بن عمر الحنفي (ت ١٢٥٢ هـ) فقد ذكر في حاشيته على رد المحتار تعقيبًا على كلام المؤلف أن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى كما لا يخفى، ثم ذكر أن عبدة الأوثان كانوا يقرون بالله تعالى، قال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. .﴾ الآية، ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^٤) [الصافات: ٣٥].
١٨ - ثم هناك علماء كثيرون (^٥) صرحوا بهذا فنكتفي بهذا القدر.
_________________
(١) شرح الفقه الأكبر ص: ٥١.
(٢) انظر الفوز الكبير ص: ٢٣ - ٢٦، وحجة الله البالغة ١/ ٥٩ - ٦١ و١٢٥، والبدور البازغة ص: ١٢٤، ١٨٨، كما في البصائر: ٢٧٣، ٢٧٤.
(٣) انظر مؤلفات الشيخ قسم العقيدة: ١٥٥ - ١٥٧، ٢٠٠، و٣٦٥ - ٣٦٧، و٣٩٨ - ٣٩٩، والرسائل الشخصية: ٥/ ١٥١ - ١٥٤ و٤٤ - ٤٥.
(٤) حاشية ابن عابدين على رد المحتار: ٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧، ونحوه في حاشيته على البحر الرائق: ٥/ ١٣٩ وقد نقل ابن عابدين في رسائله ١/ ٣٦٢ عن إبراهيم الحلبي أن غلاة الروافض أسوأ حالًا من المشركين لأنهم اعتقدوا الألوهية في علي، والذين عبدوا الأصنام لم يعتقدوا الألوهية فيها وإنما عبدوها تقربًا إلى الله تعالى الذي هو الإله وإنما سموها آلهة لإشراكهم إياها له تعالى في العبادة.
(٥) قد ذكرنا بعضهم في أثناء ما تقدم منهم قتادة ومقاتل كما تقدم قريبًا ص: ٨٥٨، ٨٦١، ومنهم الكلبي المتخصص في شؤون الجاهلية فقد ذكر في كتابه "الأصنام" أشعارًا وحكايات تدل على ذلك ومن ذلك ما ذكره عن الرجل الذي =
[ ٢ / ٨٦٨ ]
كما اعترف بهذه الحقيقة (^١) كثير من أهل هذا العصر نكتفي منهم بما ذكره محمد عبد الله دراز، من أن المتدينين مهما بلغوا في الخرافة أي مبلغ لا بد أن يعترفوا بالإله الأعظم، وأما الأصنام والأوثان فيزعمون أنها مهبط لقوة غيبية. . . إلخ (^٢).
ولا حاجة إلى إطالة البيان لهذا الواضح البين لولا زعم من يقول (^٣): "إن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم من قولهم مسوغين عبادة الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ".
ثم احتج هذا القائل بشبهة وهي:
١ - أن الله سبحانه قد نهى المسلمين من سب أصنامهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
_________________
(١) = نفرت له الإبل فسب الصنم الذي يريد أن يعبده المسمى بسعد فأنشد: وَهَلْ سَعْدٌ إِلا صَخْرَةٌ بِتَنُوْفَةٍ. . . من الأرضِ لا يُدْعَى لِغَيٍّ ولا رُشْدِ أنظر الأصنام ص: ٣٧ كما ذكر هذه الحكاية ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام: ١/ ٨١، وإغاثة اللهفان: ٢/ ١٥٩، ومنهم الزجاج في معاني القرآن: ١/ ٩٧ - ٩٩، ومنهم الأمير الصنعاني في تطهير الاعتقاد: ٨ - ١٠، والشوكاني في الدر النضيد ١٧، ومحمد صديق حسن خان في الدين الخالص: ١/ ٢٠٩، والسويدي في العقد الثمين: ٦١ وما بعدها والألوسي في روح المعاني: ١٥/ ١١٥، والمعلمي في القائد ص: ١٠٣ فقال: أما مشركو العرب فإنهم قلدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط.
(٢) انظر ما قاله المودودي في المصطلحات الأربعة ص: ١٩، وعبد الحليم محمود في أبو الحسن الشاذلي: ٩٠ - ٩١، وأحمد صبحي منصور في السيد البدوي: ٢١٨، ٢١٩ - ٢٢٠، والشيخ زكريا علي يوسف في الإيمان وآثاره: ٨٩ - ٩٠، وانظر كلام المستشرق/ دوزي في كتاب ابن تيمية والتصوف لمصطفى حلمي: ٧٩
(٣) الدين لمحمد عبد الله دراز: ٤٢ - ٤٣.
(٤) وهو العلوي المالكي في مفاهيمه ص: ٢٦ - ٢٧.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
وزعم أن قول كلمة نقص في الحجارة التي يعبدونها - يتسبب عنه غضبهم غيرة على تلك الحجارة التي يعتقدون من صميم قلوبهم أنها آلهة تنفع وتضر، وأنهم "لو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترؤوا أن يسبوه انتقامًا ممن يسبون آلهتهم، فإن ذلك واضح جدًا في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة".
الجواب عن هذه الشبهة على وجوه:
الوجه الأول (^١):
أن سبهم الذي يخشى أن يقع عند سب آلهتهم هو مقابلتهم لمن سب معبودهم بمثل سبه يريدون محض المجاراة فيتجاوزون الحد فيها، كما يقع كثيرًا من المختلفين في الدين والمذهب، يسب نصراني نبي المسلم فيسب المسلم نبيه ويريد عيسى عليهما الصلاة والسلام، ويسب شيعي -يلاحي سنيًا ويماريه- أبا بكر فيسب عليًا والأول يعلم أن سب عيسى كفر كَسَبِّ محمد عليهما الصلاة والسلام والثاني يعلم أن سب علي فسق (^٢) كسب أبي بكر ﵄، ومثل هذا يقع كثيرًا بل كثيرًا مَّا يتساب أخوان من أهل دين واحد يسب أحدهما أب الآخر أو معبوده فيقابله بمثل سبه، يغيظه بسب أبيه مضافًا إليه، ويعده إهانة له، فيسبه مضافًا إلى أخيه إهانة لأخيه، وهذا كله من حب الذات، والجهل الحامل على المعاقبة على الجريمة بارتكابها عينها يهين والده المعظم عنده ومعبوده الذي هو أعظم منه احتماء لنفسه وعصبية لها، وقد جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "من الكبائر شتم الرجل والديه
_________________
(١) انظر في هذا تفسير المنار: ٧/ ٥٥٣ - ٥٥٤، وروح المعاني: ٧/ ٢٥١.
(٢) ذكر شيخ الإسلام اختلاف العلماء في حكم من سب أحدًا من الصحابة وأن منهم من كفره وحكم بقتله ومنهم من قال لا يكفر ولكنه يعزر ويؤدب ثم مال شيخ الإسلام ﵀ إلى أن الحكم فيه تفصيل وأن منهم من لا يشك في كفره. اهـ. يراجع الصارم المسلول من ص ٥٦٧ - ٥٨٧.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه. . ." (^١).
ومما يشهد لهذا الوجه ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفي محمدًا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فلطم المسلم اليهودي فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ واشتكى فقال النبي ﷺ: «لا تخيروني على موسى» (^٢).
وقال ﵊: "ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى" (^٣)، وكل هذا لئلا يفضي إلى المخاصمة والمنازعة ثم يؤدي ذلك إلى الازدراء والانتقاص للمفضول بدون قصد.
وعلى هذا الوجه المتقدم يحمل قوله تعالى: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، على أن المراد بالعلم المنفي: "العلم الحضوري الباعث على العمل وهو إرادة السب التي يقصد بها إهانة المسبوب، فإن الساب هنا لا يتوجه قصده إلا إلى إهانة مُخَاطَبه الذي سبه" (^٤).
الوجه الثاني:
ليس المراد أنهم يسبونه صريحًا ولكن يخوضون في ذكره فيذكرونه بما لا يليق به ويتمادون في ذلك بالمجادلة فيزدادون في ذكره بما لا يليق بالله تعالى، وقد قال بهذا الوجه الراغب الأصفهاني (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم: ١/ ٩٢ رقم ٩٠، وأحمد ٢/ ١٦٤، ١٩٥، ٢١٤، ٢١٦.
(٢) البخاري ٥/ ٧٠ رقم ٢٤١١، ٦/ ٤٤١ رقم ٣٤٠٨، ومسلم: ٤/ ١٨٤٣ رقم ٢٣٧٣.
(٣) البخاري ٦/ ٤٥٠ رقم ٣٤١٣، ٣٤١٦، ومسلم: ٤/ ١٨٤٦ رقم ٢٣٧٦ - ٢٣٧٧.
(٤) المنار: ٧/ ٥٥٤.
(٥) المفردات ص: ٢٢٠ مادة سب.
[ ٢ / ٨٧١ ]
فالمراد أنهم يقولون ما يستلزم سبه بحيث يفهم ذلك منهم، وإن لم يَعْلَم ذلك قَائِلُه (^١) وليس ذلك غرضه.
الوجه الثالث:
أن معنى سبهم لله تعالى هو سبهم وعيبهم لأمر المسلمين فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به، وقد قال بهذا الوجه ابن الجوزي (^٢).
ويقرب هذا الوجه أن الكفار إذا عيب دينهم فلا بد أن يعيبوا دين المسلمين والشريعة الإسلامية وما جاءت به من العبادات والأحكام، فيؤدي ذلك إلى سب من شرع هذا الدين الحنيف وهو الله تعالى.
الوجه الرابع:
أنهم ربما كان في جهالهم من كان يعتقد بأن إله محمد شيطان يحمله على ادعاء الرسالة، وليس خالق السموات والأرض، فكان يشتم إله محمد على هذا التأويل، وهذا الوجه أبداه الرازي احتمالًا (^٣).
ويؤيد هذا الوجه أن المتخاصم ربما يعتقد أن خصمه لا يعبد الله تعالى بل يعبد إلهًا آخر، لأنه يصف معبوده بما لا يصح أن يوصف به الله تعالى عنده، وقد ثبت عن بعض المختلفين في الأديان وفي مذاهب الدين الواحد وصف ربهم وإلههم بصفات، ورب خصومهم وإلههم بصفات تناقضها، أو تضادها كما يقول مثبتو الصفات ونفاتها بعضهم في بعض، مع أن الجميع يقولون: إنهم يعبدون الله خالق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما (^٤).
_________________
(١) المنار: ٧/ ٥٥٣.
(٢) زاد المسير: ٣/ ١٠٢.
(٣) تفسير الرازي: ٧/ ١٤٧.
(٤) المنار: ٧/ ٥٥٤.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
الوجه الخامس:
أن هؤلاء يعلمون أن الله أجل وأعظم من أصنامهم، ولكن تهوى أنفسهم هذه الأصنام أكثر وتحبها حبًا أفضل من حب الله تعالى في أشياء مخصوصة باعتباراتٍ مخصوصة، وليس تفضيلًا مطلقًا، وقد أشار إلى هذا الوجه شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث ذكر هذه الآية والآية الآتية وقول أبي سفيان الآتي فأجاب بهذا الوجه (^١).
الوجه السادس:
معنى السب لله تعالى هو تماديهم في الشرك به، فالشرك مسبة لله تعالى، وأي مسبة أعظم من عبادة غيره معه أو ادعاء الولد والصاحبة له؟ ويدل على هذا الحديث القدسي، قال تعالى: "يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله إن لي ولدًا. . ." (^٢).
وهذا التمادي في الشرك يحصل من التعصب للآلهة وذلك أن الخصم عندما يسمع سبه وسب معبوده -لا يصغي إلى الحجة ولا يلقي لها بالًا بل يحاول أن يدفع البراهين الساطعة والأدلة الدامغة بدون تأمل ولا روية، ولكن عندما يعلم أن خصمه لا يريد إهانته ولا سب معبوده وإنما يريد الحق والإنصاف- يصغي إلى حجة خصمه وأدلته، ويفكر فيها بجد، وقد يصل في النهاية إلى الاقتناع ولهذا أمرنا الله تعالى بالمجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
هذا وقد بقيت وجوه أخرى ذكرت (^٣) في توجيه الآية مثل أن المراد
_________________
(١) منهاج السنة النبوية: ٥/ ٣٩٧.
(٢) أخرجه البخاري: ٦/ ٢٨٧ رقم ٣١٩٣ من حديث أبي هريرة.
(٣) انظر تفسير الرازي: ٧/ ١٤٧.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
من سب الله سب رسوله، أو أن الآية في القائلين بالدهر ونفاة الصانع، وهذه الوجوه ضعيفة لا تناسب سياق الآية فالوجوه السابقة كافية لمن يريد الحق والله الموفق ..
٢ - كما احتج هذا القائل (^١) أيضًا بآية ثانية زاعمًا أنها تدل على أن الله تعالى أقل في نفوسهم من الحجارة وهي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
الجواب: أن الآية -بحمد الله- تدل على عكس فهم هذا الزاعم وذلك لأن معناها كما قال ابن عباس ومجاهد.
أنهم -يسمون لله جزءًا من الحرث-، ولشركائهم وأوثانهم جزءًا، فما ذهبت به الريح أو سقط من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه وقالوا: الله غني عن هذا، وأما ما ذهب من جزء الله إلى جزء أوثانهم لم يردوه وقالوا: إنها فقيرة ومحتاجة.
وقال السدي: "إذا هلك الذي يصنعون لشركائهم وكثر الذي لله قالوا: ليس بُدٌّ لآلهتنا من نفقة، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا لو شاء أزكى الذي له فلا يردون عليه شيئًا مما للآلهة" (^٢).
هذان التفسيران المأثوران يدلان على أن الله تعالى أعظم في نفوسهم من آلهتهم، لوصفهم الله تعالى بالغنى على التفسير الأول وبالمشيئة المطلقة على الثاني، ولوصفهم أوثانهم بالفقر والحاجة، وعدم المشيئة.
_________________
(١) انظر مفاهيم: ٢٧.
(٢) الطبري: ٨/ ٤١ - ٤٢، والبغوي: ٢/ ١٣٣، وابن كثير: ٢/ ١٧٩، والرازي: ٧/ ٢١٥.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وهذا واضح جدًا فالآية تدل على عكس ما زعمه، ثم إنا لو سلمنا أنها تدل على أن الله أقل من أصنامهم فلا نسلم أنها تدل على عدم اعتقادهم بالربوبية، لما مر في الآية السابقة من الوجه الخامس من أن التفضيل في أشياء مخصوصة ليس تفضيلًا مطلقًا.
٣ - واحتج أيضًا بشبهة أخرى ثالثة وهي قول (^١) أبي سفيان يوم أحد "اعل هبل" وقال: "ينادي صنمهم المسمى بهبل أن يعلو في تلك الشدة رب السموات والأرض ويقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب آلهتهم" (^٢).
الجواب عن هذه الشبهة بوجوه:
١ - إن معنى اعل هبل -ظهر دينك (^٣) - أو أظهر دينك (^٤)، وعلى هذا فهو يخبر بظهور دين هبل على دين المسلمين وليس على خالق السموات والأرض، أو يدعوه بأن يظهر دينه على دين المسلمين ويؤيد الأول تفسير ابن الجوزي له بقوله: "أي علا دينك" (^٥).
٢ - ولو سلمنا أن معناه أن هبل أعلى من إله المسلمين فهو على قصد أن إله المسلمين غير خالق السموات والأرض، فإن المشركين لا يعترفون بأن الله هو الذي أرسل محمدًا لله بل يقولون إنه ساحر وكاذب وشاعر إلى آخر ذلك.
ومن الدلائل الصريحة في ذلك قول سهيل بن عمرو في قصة
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٧/ ٣٤٩ رقم ٤٠٤٣.
(٢) مفاهيم: ٢٧.
(٣) هكذا فسره ابن إسحاق كما في سيرة ابن إسحاق تحقيق سهيل ذكار: ٣٣٣ ونقله عنه في الفتح: ٧/ ٣٥٢، وفسره الكلبي في الأصنام: ٢٨ أي علا دينك.
(٤) نقله هكذا عن ابن إسحاق في الروض الأنف: ٣٠/ ١٧٠، وفي سيرة ابن هشام: ٣/ ٩٣، وفي نسخة لكتاب الأصنام أعل هبل أعل دينَك.
(٥) تلبيس إبليس ص: ٥٧.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
الحديبية عندما أملى الرسول ﷺ على الكاتب وهو علي بن أبي طالب "هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي ﷺ: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله" (^١).
٣ - وإذا كان هناك احتجاج بكلام الكفار في الحرب فيقال لهذا القائل: ماذا تقول في قول أبي جهل يوم بدر: "اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة فكان ذلك استفتاحًا منه فنزلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^٢) [الأنفال: ١٩].
فقد استفتح أبو جهل بالرب دون اللات والعزى وهبل.
الخلاصة:
قد تبين مما سبق أن أكثر الأمم معترفون بتوحيد الربوبية، وخاصة مشركو العرب الذين نزل فيهم القرآن وأنهم إنما أشركوا بصرفهم العبادة لغير الله تعالى بزعمهم الشفاعة والوساطة والتقريب، وأن القول بنفي الربوبية لا يعرف إلا ما يقال احتمالًا وافتراضًا أو من شرذمة قليلة فسدت فطرتها فتنكرت لما تفرضه الفطرة، وتوجبه البديهة وتظاهرت بالإنكار مع أنها في الحقيقة تقر بذلك ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
_________________
(١) البخاري: ٥/ ٣٣١ رقم ٢٧٣١.
(٢) أخرجه أحمد: ٥/ ٤٣١، وابن جرير: ٩/ ٢٠٧، والحاكم: ٢/ ٨٢، ونسبه في الدر المنثور: ٣/ ١٧٥، أيضًا إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وغيرهم كلهم من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صغير وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي كما صححه الشيخ مقبل بن هادي في الصحيح المسند من أسباب النزول: ٧٢ وللحديث شواهد من مراسيل التابعين، انظرها في الدر وابن جرير:
[ ٢ / ٨٧٦ ]
وهذا الاعتقاد بالوساطة للأصنام والأوثان وغيرها - لا يمنع من أنه قد يوجد (^١) بعض الأفراد القليلين الذين قد ينسون الله بالكلية فيقصدون آلهتهم فقط وإن كانوا يعترفون ويعلمون بالنظر البرهاني أن لا بد من الاعتراف بالله تعالى.
ولكن مناقشتنا ليست في هؤلاء القلة وإنما هي في جمهور المشركين الذين نزل فيهم القرآن وقاتلهم رسول الله ﷺ فهؤلاء قطعًا يقرون بالربوبية ويعتقدون في الأصنام الشفاعة والتقريب وهم جَادُّونَ فيما يعتقدونه من ذلك كما دلت عليه الأدلة القاطعة التي ذكرناها ولله الحمد.
الشبهة (^٢) الثانية:
قالوا: إن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم ليس عبادة لهم وبالتالي فليس شركًا ولا تنطبق عليه النصوص الواردة في منع دعاء غير الله تعالى، لأن المراد بالدعاء في تلك الآيات هو العبادة وليس بمعنى السؤال والنداء والطلب.
_________________
(١) انظر ما ذكره ابن الجوزي من تحسين الشيطان لبعضهم أنها الآلهة وحدها "تلبيس إبليس ص: ٦٣" وما ذكره ابن القيم من أن من المشركين من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة أو أكبر الآلهة "الجواب الكافي: ١٣٥"، وما ذكره الدهلوي من أن بعضهم قد ينسى جلال الله بالكلية فلا يعبد إلا الشريك بدون نية الوساطة "حجة الله البالغة: ١/ ٦١ ". ويمكن أن يقال: إن هؤلاء إنما زعموا في معبوداتهم أنها الإله الحق لزعمهم حلول الإله فيها أو سر الإله لا على أنها بذاتها هي الإله الأعظم، انظر بغية المرتاد: ٥٢١، أو أن هذا الكلام افتراض من هؤلاء القائلين إذ لا يعرف القائل به كما أشار إليه ابن تيمية. والله أعلم. أو يقال إن هؤلاء القلة ليسوا من أصحاب الأصنام الذين يناقشهم القرآن، وإنما من بعض الدهرية كما يشير إلى ذلك كلام الأشعري السابق.
(٢) انظر هذه الشبهة في خلاصة الكلام: ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، والدرر السنية ص: ٣٤، وانظر حكاية هذه الشبهة عنهم والجواب عنها في كشف الشبهات ص: ١٦٤، والقول الفصل ص: ٢٩، وجلاء العينين: ٤٤٥.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
وأما الدعاء بمعنى النداء والسؤال فيجوز صرفه لغير الله تعالى، فالممنوع هو دعاء غير الله تعالى بمعنى العبادة لا بمعنى السؤال.
وقالوا: فنحن لم نعبد غير الله تعالى، وإنما المقصود بدعائنا هو التوسل والتشفع فقط لا العبادة.
الجواب عن هذه الشبهة بوجوه:
١ - إن هذا القول يصادم النصوص الواضحة التي سمت دعاء المسألة عبادة وهي كثيرة: فمن ذلك قوله ﷺ: «الدعاء العبادة» (^١).
ومن ذلك بعض الآيات التي وردت فيها كلمة الدعاء ومتصرفاتها وأريد بها دعاء المسألة نصًا، فلا يمكن تأويلها بالعبادة فهي آيات صريحة في موضع النزاع، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
فالمراد بالدعاء في هذه الآيات دعاء المسألة كما هو واضح من سياق الآيات.
ويدل على ذلك في الآية الأولى قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ لأن الكشف هو إجابة الدعاء. كما يدل على ذلك في الآية الثانية قوله: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص: ٥٤.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ لأن كشف الضر أو تحويله هو إجابة الدعاء.
ويدل السياق في الآية الثالثة مع المثل المضروب وكلمة لا يستجيبون على أن المراد بالدعاء دعاء المسألة.
وقد ذكرنا فيما تقدم (^١) أمثلة أخرى مع نقل كلام العلماء في ذلك.
٢ - إن أكثر استعمال الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان العرب ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم (^٢).
وقد تقدم (^٣) بيان ذلك في تعريف الدعاء ولله الحمد.
ومن الأدلة على أن الاستعمال الأكثر للدعاء إنما هو في السؤال والطلب صنيع المؤلفين من المحدثين وغيرهم، حيث يعقدون في كتبهم بباب الدعوات أو كتاب الدعوات أو مثل هذه العبارة ثم يوردون ما يتعلق بدعاء المسألة فقط (^٤).
وأغلبهم لا يتعرضون لدعاء العبادة في تلك الكتب والأبواب.
ومثل هؤلاء آخرون الذين أفردوا كتبًا خاصة بالدعاء وهي كتب كثيرة للمتقدمين (^٥) والمتأخرين لم يذكروا في تلك الكتب إلا مما يتعلق بدعاء المسألة.
فهذا يدل على أن الاستعمال الغالب لكلمة الدعاء في لسان المصنفين من العلماء -إنما هو في دعاء المسألة-.
_________________
(١) تقدم ص: ١١٨.
(٢) فتح المجيد ص: ١٨٠.
(٣) مر في ص: ٢٧.
(٤) انظر القول الفصل النفيس: ٤٧.
(٥) قد ذكرت في ص: ١٦٣ أنها وصلت بعد التتبع حسب الاستطاعة نحو ٦٠ مؤلفًا إلى القرن السادس وأما بعد ذلك فكثيرة جدًا فيصعب حصرها.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
٣ - لو سلمنا أن المراد بالدعاء في الآيات -العبادة- لا نسلم بأن دعاء المسألة لا يدخل في العبادة، فإنه إن لم يكن الدعاء من العبادة فلا عبادة يمكن تصورها، لأن الدعاء يتضمن أنواعًا من العبادات وليس عبادة واحدة فقط، فهو يتضمن الرجاء والخوف والتوكل والتضرع والابتهال والخشية والطمع والتوجه إلى الله والإقبال عليه والانطراح بين يديه وحسن الظن بالله، والمراقبة الله، كما أنه يتضمن سؤاله وذكره وثناءه والتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
فإذا لم تكن هذه الأمور عبادة فلا يمكن أن نتصور عبادة وقد وردت الأدلة الصحيحة بأن الدعاء هو العبادة وأنه مخها وروحها، قال ﷺ في حديث النعمان بن بشير ﵄: الدعاء هو العبادة "فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجلّ العبادات فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادات" (^١).
فتحصل من هذا أن الدعاء داخل في العبادة، وأن الآيات والأحاديث الواردة في العبادة والتحذير من صرفها لغير الله تعالى تشمل وتعم جميع أنواع العبادت ومن أجلها دعاء المسألة، وقد قدمنا تلازم نوعي الدعاء وأن دعاء العبادة يستلزم الطلب والسؤال، فلا ينفع الخصم تأويل معنى الدعاء إلى العبادة وتضييقه لمفهوم العبادة حيث يظن أنها خاصة بالصلاة والصوم والحج.
قال الأمير الصنعاني جوابًا لمن حصرها في الصلاة والصوم إلخ:
"هذا جهل بمعنى العبادة فإنها ليست منحصرة فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقدًا ويصنعون له ما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم
_________________
(١) تيسير العزيز ص: ٢١٩.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
والاستغاثة والحلف والنذر وغير ذلك" (^١).
٤ - وأما ادعاء (^٢) أن هذا الطلب والسؤال الذي يصرف لغير الله ليس بدعاء بل هو نداء فالآيات إنما وردت في التحذير من الدعاء، وأما النداء للغائب فجائز.
فهذا الادعاء غير صحيح لأمور (^٣).
أ - إن الله ﷾ قد سمي النداء دعاء في كثير من الآيات منها ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٢ - ٤].
سمي الله النداء دعاء في هذه الآية لأن مدلولهما واحد من باب الترادف على معنى واحد (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]. فعطف النداء على الدعاء عطف مرادف. وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] وسمي ذلك دعاء في آية أخرى فقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠].
ب - ثم يقال: وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجة وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب بأن الأول يسمى دعاء والثاني نداء؟ (^٥).
ولا فرق بين الأمرين لا في اللغة ولا في الشرع.
ج - ثم يقال أيضًا: وأي فرق بين سؤال الميت حاجة وبين سؤالها
_________________
(١) تطهير الاعتقاد للصنعاني ص: ٣٤.
(٢) يراجع خلاصة الكلام: ٢٥٧.
(٣) القول الفصل: ٢٩، والانتصار لحزب الله ص: ٢٥، وتأسيس التقديس لأبا بطين ص: ٥٠.
(٤) القول الفصل: ٢٩، والانتصار لحزب الله ص: ٢٥.
(٥) الانتصار لحزب الله ص: ٢٥.
[ ٢ / ٨٨١ ]
من صنم ونحوه بأن الثاني يسمى دعاء والأول نداء؟ فإن قال: الكل يسمى نداء لا دعاء، فهذا مشاقة للقرآن ومحادة الله ورسوله (^١)؛ لأنَّه قد وردت آيات كثيرة جدًا تسمي نداءَ ما يعبد من دون الله دعاء وذكرنا أمثلتها في التعريف (^٢) فيما تقدم.
٥ - وأما ادعاء أن دعاء الصالحين لا يسمى عبادة وإنما يسمى توسلًا أو شفاعة أو تبركًا إلى آخر تلك التأويلات فهو قول باطل لأن الأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه (^٣)؛ لأن العبرة بالمقاصد لا بالألفاظ والأسماء، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال ﵊: إنما الأعمال بالنيات" (^٤).
وقد أخبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه سيأتي قوم يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها (^٥).
فالخمر هي من الخمر ولو سموها -زورًا وبهتانًا- شرابًا روحيًا أو غير ذلك الأسماء البراقة الخادعة.
وكذلك دعاء -غير الله تعالى- لا يتغير بتسميته توسلًا وتشفعًا وتبركًا، وكذلك تسمية من يعتقدون فيه أولياء لا تخرجهم عن اسم الأصنام والأوثان، إذ هم معاملون لهم معاملة المشركين للأصنام ويطوفون
_________________
(١) المرجع نفسه ص: ٢٥، وتأسيس التقديس ص: ٥٢.
(٢) تقدم ص: ٣٢.
(٣) تطهير الاعتقاد: ٢٠، والانتصار لحزب الله ص: ١٠.
(٤) البخاري: ٩/ ١ رقم ١، ومسلم: ٣/ ١٥١٥ رقم ١٩٠٧.
(٥) أخرجه أبو داود: ٤/ ٩٣ رقم ٣٦٨٨، وابن ماجه: ٢/ ١٣٣٣ رقم ٤٠٢٠، وأخرجه البخاري عن شيخه هشام بن عمار على صورة التعليق جازمًا به "البخاري مع الفتح: ١٠/ ٥١ رقم ٥٥٩٠" والحديث صحيح بلا شك خلافًا لابن حزم وله شواهد ساقها الحافظ ابن حجر في الفتح: ١٠/ ٥١ - ٥٢.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد (^١).
قال ابن القيم: فالشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا بسجود له هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة أو هذا إكرام لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله، وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة (^٢).
فتبين مما سبق أن ما يفعله عباد القبور من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالذبائح والنذور عبادة منهم للمقبورين وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة.
ومن كيد الشيطان أنه لما علم أن كل من قرأ القرآن أو سمعه ينفر من الشرك ومن عبادة غير الله تعالى ألقى في قلوب الجهال أن ما يفعلونه مع المقربين وغيرهم ليس عبادة لهم وإنما هو توسل وتشفع بهم والتجاء إليهم ونحو ذلك، فسلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب (^٣).
٦ - إن السبب الذي أوقعهم فيما قالوا أنهم ضيقوا مفهوم العبادة وظنوا أنها لا تشمل إلا نحو السجود والركوع.
كما ظنوا أن العبادة لا يكون صرفها لغير الله شركًا إلا إذا اعتقد التأثير من دون الله، وقد صرح بعضهم بذلك. فقال: وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقدون ألوهيته واستحقاقه العبادة، فيرغبون إليه ويخضعون بين يديه فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله
_________________
(١) تطهير الاعتقاد: ٢٢.
(٢) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٣٥.
(٣) الانتصار لحزب الله: ١١ - ١٣.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
تعالى واعتقاد التأثير، وأما النداء لمن لا يعتقد ألوهيته ولا تأثيره فليس بشرك وإن كان لميت أو غائب أو جماد (^١). وقال غيره: إن العبادة هي اعتقاد ربوبية المخضوع له فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما يأتي به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعًا مهما كان المأتي به ولو سجودًا (^٢). وهذا باطل لأمور:
أ - لأن الشرك جعل شريك الله تعالى فيما يستحقه ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع والخوف والرجاء والدعاء …
فمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربه، قد عدل به سواه وجعل له ندًا من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية أو استقلالًا بشيء منها (^٣).
ب - ثم يقال لهم إن ظنكم أن العبادة لا يكون صرفها لغير الله شركًا إلا إذا اعتقد التأثير -يدل على أن الشرك لا يكون إلا اعتقاديًا، وأن اللفظ لا يكون كفرًا إلا إذا طابق الاعتقاد، وهذا يقتضي سد أبواب الشرائع ويخالف ما ذكره الفقهاء في باب الردة من التكفير بألفاظ يذكرها بعض الناس من غير اعتقاد (^٤)، وهذا الجواب على سبيل التنزل معهم وإلا فكثير منهم يعتقدون ما يقولون.
ج - ثم يقال لهؤلاء الذين ضيقوا مفهوم العبادة: إن السجود عبادة ومثله الدعاء والنذر والذبح فما الفارق الذي أباح صرف هذا دون هذا؟ بل الذي ورد في خصوص الدعاء أكثر مما ورد من السجود (^٥).
د - ويقال لهم أيضًا: إن هذا جهل بمعنى العبادة فإنها ليست
_________________
(١) خلاصة الكلام ص: ٢٥٧.
(٢) فرقان الفرقان للعزامي ص: ١١١.
(٣) تحفة الطالب: ٥٩.
(٤) جلاء العينين ص: ٥١٤ - ٥١٥.
(٥) الانتصار لحزب الله: ٢٦.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
منحصرة في السجود والصلاة والصيام إلخ، "بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقدًا ويصنعون له ما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك" (^١).
هـ - ويقال أيضًا لمن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم عبادتهم: "فلأي مقتضى صنعت هذا الصنيع؟ فدعاؤك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك فأنت مصاب بعقلك" (^٢).
٧ - هذا ومما يدل على أن ادعاءهم بأنهم يريدون من الدعاء التوسل .. الخ ليس صحيحًا أن بعض هؤلاء يعترف بأنه لا فرق بين التوسل والاستشفاع بالأولياء، وبين الاستغاثة والدعاء والنداء وطلب تفريج الكربات من الأولياء فالكل من باب واحد لأن المهم هو عدم اعتقاد التأثير المستقل للأولياء.
ومع هذا إذا نوقشوا واحتج عليهم بأن القسم الثاني الذي هو الاستغاثة .. إلخ شرك صريح بدليل الآيات البينات.
قالوا: إنها تؤول إلى التوسل والشفاعة.
فدل هذا على أن هذا الكلام إنما هو تلبيس للحقائق وتسمية للأشياء بغير اسمها وإلا فهم باعترافهم لا يرون فرقًا بين الأمرين، وأن الكل ليس بمحظور بل هو مستحب وأدب من آداب الدعاء.
وهذه عبارات بعضهم تنادي عليهم بذلك:
قال السبكي: "اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل، والاستغاثة،
_________________
(١) تطهير الاعتقاد ص: ٣٤.
(٢) الدر النضيد: ٢١.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
والتشفع بالنبي ﷺ إلى ربه ﷾" (^١).
ثم ذكر أن معنى الاستغاثة طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، وإن كان أعلى منه، فالتوسل والتشفع والتوجه والاستغاثة بالنبي ﷺ وسائر الأنبياء والصالحين ليس لها معنى في قلوب المسلمين غير ذلك … وإذا صح المعنى فلا عليك في تسميته توسلًا أو تشفعًا أو توجهًا أو استغاثة.
ثم ذكر أنه لو سلم أن لفظ الاستغاثة يستدعي النصر على المستغاث منه فالعبد يستغيث بالنبي ﷺ وغيره من الصالحين متوسلًا بهم إلى الله ليغيثه على من استغاث منه، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي ﷺ واسطة بينه وبين المستغيث (^٢)، ويقول أيضًا: "فالله تعالى مستغاث، فالغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي ﷺ مستغاث، والغوث منه تسببًا وكسبًا" (^٣).
فهو يعترف بأن الاستغاثة بالصالحين لا مانع منها، ويعلل ذلك بأن القصد من الاستغاثة بهم كونهم واسطة بين المستغيث بهم وبين الله تعالى.
وقد عرف أن هذا الاعتقاد بالواسطة هو عين ما يعتقده المشركون الأوائل.
كما يري أن إسناد الاستغاثة إلى المخلوق بمعنى أنهم مكتسبون لها ومتسببون فيها لا مانع، فهو يشير بهذا إلى كسب الأشعري المعروف.
فعلى قوله فإسناد الاستغاثة إلى النبي ﷺ في حال مماته كإسناد الاستغاثة إليه في حال حياته؛ لأن الكل من باب الكسب والتسبب، وأما المؤثر الحقيقي في الحالتين فهو الله تعالى.
_________________
(١) شفاء السقام: ١٧١.
(٢) المصدر نفسه: ١٨٣ - ١٨٤.
(٣) المصدر نفسه: ١٨٨.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
وذكر الهيتمي مثل كلام السبكي السابق ولعله نقله منه ومما قاله (^١): "فهو ﷾ مستغاث به حقيقة والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي ﷺ مستغاث به مجازًا (^٢) والغوث منه تسببًا وكسبًا فهو على حد قوله تعالى: وما رميت ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، أي وما رميت خلقًا وإيجادًا إذ رميت تسببًا وكسبًا ولكن الله رمى خلقًا وإيجادًا، وقوله تعالى: فلم تقتلوهم ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧].
وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث باعتبار الكسب أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعًا، فإذا قلت: أغثني يا الله، تريد الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإذا قلت: أغثني يا رسول الله، تريد الإسناد المجازي باعتبار الكسب والتوسط".
ففي هذا الكلام الأمور التالية:
١ - أنه يجوز طلب الاستغاثة من الرسول ﷺ، وكذا من الصالحين، لأنَّه لا فرق ذلك بين عندهم.
٢ - إن المستغاث به الذي هو النبي ﷺ أو الولي، يغيث ويقع الغوث منه في حال مماته مثل ما يقع منه في حال حياته بدون أدنى أي فرق بين الحالتين، وقد علم بالضرورة الفرق بين الحالتين، فعدم الفرق باطل.
٣ - إن إسناد الغوث إلى المخلوق إسناد كسب وتسبب، وليس إسناد إيجاد وخلق، وهذه العقيدة في الإسناد في الأفعال هي عامة عندهم الأفعال الاختيارية، وهو قول الأشعري في مسألة قدرة العبد على
_________________
(١) الدر المنظم بواسطة خلاصة الكلام: ٢٥٣، والدرر السنية: ١٧، والمواهب اللدنية كما في جلاء العينين ص: ٤٩٦، وانظر نحو هذا الكلام في المنحة الوهبية لابن جرجيس ص: ٤، ٢٥، وفي غاية الأماني: ٢/ ٣٤٠ نقلًا عن رجل عراقي.
(٢) فكلمة المجاز في عبارته لا يراد بها المجاز المصطلح عليه عند علماء البلاغة وإنما المراد به الإشارة إلى مذهب الأشاعرة في الكسب، فالإغاثة قد حصلت عندهم حقيقة من النبي ﷺ.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
الفعل وأن ذلك كسب وليس فعلًا وهو يرجع في الحقيقة إلى قول الجبرية كما تقدمت (^١) الإشارة إلى ذلك. فهذا اعتراف منهم بأنهم يعتقدون أن الاستغاثة قد وقعت فعلًا وحصلت من المستغاث به، وأنَّه يقدر على الإغاثة وإن كانوا يؤولون في معنى القدرة، وأن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى.
٤ - إنه لا فرق بين الاستغاثة وبين التوسل والتشفع وأن المراد من الكل هو توسط النبي أو الولي في قضاء الحاجات.
وقد علمنا أن عقيدة التوسط والشفاعة هي التي يعتقدها المشركون.
وقد نقل (^٢) كلام الهيتمي هذا -أحمد زيني دحلان- واحتج به وممن صرح بذلك الدجوي (^٣) فإنه قال:
"والحاصل أنه لا يكفر المستغيث إلا إذا اعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى … فإنه إن اعتقد الإيجاد لغير الله كفر على خلاف للمعتزلة في خلق الأفعال وإن اعتقد التسبب والاكتساب لم يكفر، وأنت تعلم أن غاية ما يعتقد الناس في الأموات هو أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء لا أنهم خالقون موجدون كالإله، إذ لا يعقل أن يعتقد فيهم الناس أكثر من الأحياء، وهم لا يعتقدون في الأحياء إلَّا الكسب والتسبب، فإذا كان هناك غلط فليكن في اعتقاد التسبب والاكتساب لأن هذا هو غاية ما يعتقده المؤمن في المخلوق وإلا لم يكن مؤمنًا والغلط في ذلك ليس كفرًا ولا شركًا" (^٤).
_________________
(١) مر في ص: ٣٤٢.
(٢) خلاصة الكلام: ٢٥٣ - ٢٥٤، والدرر السنية: ١٧ - ١٨.
(٣) هو يوسف بن أحمد المصري المالكي الضرير له عدة مقالات في نشر البدع ورد السنن نشرها في مجلة الأزهر (ت ١٣٦٥ هـ). انظر معجم المؤلفين ١٣/ ٢٧٢.
(٤) التوسل وجهلة الوهابيين: ٢٧٩ - ٢٨٠، وذكر نحوه عنهم في جلاء العينين: ٤٤٩.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وهذا الكلام مع خطورته واعتراف صاحبه بأنه لا يضر قصد الميت للاستغاثة على قضاء الحاجات - قد انتحله بعض المعاصرين (^١).
وممن صرح بعدم الفرق بين الاستغاثة والتوسل وغيرهما الكوثري، فقد ذكر أن الاستغاثة والاستعانة والتوسل من باب واحد (^٢).
هذا ومما يلاحظ على هؤلاء الذين نقلنا كلامهم أنهم احتجوا بمسألة خلق أفعال العباد على المذهب الأشعري، وهذا لا يفيدهم شيئًا بل يبين اعتقادهم ويكشفه على حقيقته لاعتقادهم للموتى ما يعتقدونه للأحياء.
ثم إن مسألة خلق أفعال العباد لا تلازم بينها وبين دعاء الأولياء والصالحين بوجه ما وإنما ظن هؤلاء أن من قال بأن الله يخلق أفعال العباد يبيح ويجيز دعاء الصالحين، ومن قال: إن العبد يخلق أفعال نفسه يحرم عليه ذلك (^٣).
وهذا ظن سيئ لأن كلا الفريقين لا فرق بينهم في منع طلب ما لا يقدر عليه إلا الله من غير الله تعالى، لأن ذلك ليس من باب الكسب المباشر بل يكون من التأثير بالقوة والسلطان الغيبي بدون مباشرة الأسباب؛ لأن من يدعوهم يعتقد أنهم يؤثرون في حاجته بدون مباشرة للأسباب الظاهرة، وهذا من خصائص الله تعالى.
الشبهة الثالثة:
قولهم: إن تلك النصوص إنما وردت في الأصنام فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام، فمن يدعوهم ليس مثل من يدعو الأصنام. والجواب (^٤):
_________________
(١) وهو العلوي في كتابه مفاهيم يجب أن تصحح ص ١٠٥.
(٢) المقالات ص: ٣٩٥.
(٣) تحفة الطالب ص: ٤٨، وغاية الأماني: ٢/ ٣٤٣.
(٤) انظر هذا الجواب في مؤلفات الشيخ: كشف الشبهات: ١٦٢، وتطهير الاعتقاد: ١٤، والدر النضيد: ٢.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
١ - إن المشركين الذين وردت فيهم تلك النصوص ليسوا كلهم يعبدون الأصنام فإن منهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأحجار وهي في الأصل صور رجال صالحين، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم ومن أوضحها قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧].
فهذه الآية في العقلاء بدون شك وإن اختلف المفسرون في تعيينهم:
أ - فقيل الجن، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وفي رواية: "فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون" (^١).
ب - وفي رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنها نزلت في الملائكة ومثله عن عبد الرحمن بن زيد (^٢).
جـ - وفي رواية أنهم عزير وعيسى وأمه والملائكة، روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد (^٣).
_________________
(١) البخاري: ٨/ ٣٩٧ رقم ٤٧١٤، ومسلم: ٤/ ٢٣٢١ رقم ٣٠٣٠، والطبري: ١٥/ ١٠٤.
(٢) الطبري: ١٥/ ١٠٥.
(٣) الطبري: ١٥/ ١٠٥ وابن أبي حاتم، قال ابن تيمية: روى ابن أبي حاتم وغيره بأسانيد ثابتة عن شعبة عن السدي سمع أبا صالح عن ابن عباس به هـ "الرد على المنطقيين: ٥٢٨.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
فهذه الأقوال المنقولة عن السلف في تفسير هذه الآية ليس بينها اختلاف؛ لأنها عامة تشمل كل هذه الأقوال إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم إنه ليس مراد من فسرها بالجن أو الملائكة أنها خاصة بذلك وإنما مراده مجرد التمثيل.
قال شيخ الإسلام: "وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر والسلف ﵃ في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز فيريه رغيفًا فيقول هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه.
وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوًا وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس" (^١).
فمعنى (^٢) الآية أن الذين يدعونهم المشركون هم أنفسهم يتقربون إلى الله بالطاعات ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز دعاؤهم؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢].
وأما القول بأنها لا تعم إلا الذين كانوا أحياء في وقت النزول وهم الملائكة والجن لأنهم هم الذين يتقربون ويرجون ويخافون وقت نزول الآية.
وأما الذين ماتوا مثل عزير ومريم فلا تشملهم (^٣) ففيه نظر؛ لأنَّه يمكن أن يقال: إن الآية تذكر صفتهم في حال حياتهم فقد كانوا يتقربون
_________________
(١) الرد على البكري: ٢٨٦، والفتاوى: ١٥/ ٢٢٦، وعنه في ملحق المصنفات: ١٠٢، والفواكه العذاب: ٣٨.
(٢) انظر الرد على المنطقيين: ٥٢٩.
(٣) ذهب إلى ذلك الإمام الطبري ﵀: ١٥/ ١٠٦.
[ ٢ / ٨٩١ ]
إلى الله تعالى (^١)، ويمكن أن يقال أيضًا: إنهم لا زالوا يتقربون كما ورد أن موسى يصلي في قبره (^٢)، وأما الرجاء والخوف فلا ينقطع إلا بعد دخول الجنة يوم القيامة.
فتبين بهذا أن الآية عامة في المعبودين من العقلاء بدون تخصيص صنف دون صنف.
وقد اتفقت أقوال المفسرين على أن هذه الآية في المدعوين العقلاء وليست في الأصنام وإليك قول الرازي: "اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على المشركين وقد ذكرنا أن المشركين كانوا يقولون: ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى، فنحن نعبد بعض المقربين من عباد الله، وهم الملائكة، ثم أنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالًا وصورة، واشتغلوا بعبادته على هذا التأويل، والله تعالى احتج على بطلان قولهم في هذه الآية فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وليس المراد الأصنام لأنَّه تعالى قال في صفتهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتة" (^٣).
ومما يدل على أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن يعبدون غير الأصنام ما بيّنه الله ﷾ في كتابه من الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالصالحين، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، والشرك بالجن، وأصل ذلك كله الشرك بالشيطان، فقال تعالى في الشرك بالملائكة والأنبياء ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٧٩، ٨٠] وقال
_________________
(١) انظر وجه ذلك في الرد على البكري ص: ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: ١٨/ ١٥٧ رقم ١٧٢، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أنس في: ٤/ ١٨٤٥ رقم ٢٣٧٥.
(٣) تفسير الرازي: ١٠/ ٢٣٢، وانظر فتح القدير: ٣/ ٢٣٧.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال في الشرك بالملائكة والأنبياء والصالحين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
وقال في الشرك بالملائكة والجن: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]. ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، وقال تعالى في الشرك بالشيطان ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ١٠٠].
٢ - ثم لو سلمنا أن تلك النصوص وردت في الأصنام فقط على سبيل التنزل فإننا نقول: إن تلك الأصنام هي تماثيل لقوم صالحين فقد ثبت في ود وسواع ويغوث .. إلخ أنها أسماء رجال صالحين من قوم نوح. كما ثبت أن اللات رجل يلت السويق للحجيج.
وقد تقدم (^١) ذكر ذلك.
وعلى هذا فعبادة الأصنام ترجع في الحقيقة إلى عبادة الصالحين فهي الأساس في العبادة وأصل الفتنة.
وقد ذكر كثير من علماء الإسلام هذا المعنى وبينوا أن عبادة الأصنام ترجع إلى عبادة العقلاء من الملائكة والأنبياء والصالحين أو الكواكب (^٢).
_________________
(١) انظر ص: ٤٦١، ٤٦٤.
(٢) انظر ما ذكره شيخ الإسلام في قاعدة التوسل ص: ١٥٥، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٦١، وما ذكره الرازي في التفسير: ٢٦/ ٢٤١، والمراجع التي تقدمت في هامش ص: ٨٤٠.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
كما أقر بهذا الباحثون المعاصرون كما ذكر ذلك الدكتور محمد عبد الله دراز فإنه قال: "فاعلم أن كلمات الباحثين في نفسيات المتدينين وعقلياتهم قد تطابقت على أنه ليس هناك دين أيًا كانت منزلته من الضلال والخرافة، وقف عند ظاهر الحس، واتخذ المادة المشاهدة معبودة لذاتها وأنَّه ليس أحد من عباد الأصنام والأوثان كان هدف عبادته في الحقيقة هياكلها الملموسة، ولا رأى في مادتها من العظمة الذاتية ما يستوجب لها منه هذا التبجيل والتكريم، وكل أمرهم هو أنهم كانوا يزعمون هذه الأشياء مهبطًا لقوة غيبية أو رمزًا لسر غامض يستوجب منهم هذا التقديس البليغ فهي في نظرهم أشبه شيء بالتمائم والتعويذات التي يتفاءل أو يتبرك بها أو يستدفع بها شيء من الحسد أو السحر … ثم ضرب مثالًا لذلك بالزنوج الذين في جبال النوبة وأنهم يعبدون رجلًا يسألونه دفع البلاء وجلب النفع بالمطر والرزق، ويبالغون في دعائه واسترضائه، فإن لم يحصل مطلوبهم سجنوه وربما قتلوه.
فدل هذا على أنهم يعتقدون فيه علم الأسرار والقدرة على قضاء الحاجات إلى حد محدود، كما هو الحال في المعتقدين في الأولياء والقديسين ولا ذلك يمنع من اعتقادهم في الإله الأعظم" (^١).
٣ - ثم إن تلك النصوص عامة شاملة لجميع المدعوين من دون الله سواء كانوا من الأصنام الجامدات أو العقلاء. لأن تلك النصوص وردت بألفاظ العموم فتشمل الجميع.
وبعض تلك النصوص جاءت بألفاظ خاصة بالعقلاء نحو ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]. وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر، لأن الذين لم يخبر به إلا عن العقلاء ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت (^٢).
_________________
(١) الدين مع الهامش: ٤٢ - ٤٣.
(٢) القول الفصل ص: ٣٦.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
وبهذا يتبين أن النصوص عامة لكل المدعوين من العقلاء وغيرهم، ومن ادعى التخصيص بغير العقلاء فعليه البرهان ولا برهان له يدل على الفرق بين العقلاء وغيرهم "لأن الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر فلا اعتبار بالاسم قط …
وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور … " (^١).
وإنما قلنا بأن الآيات جاءت بألفاظ العموم لأنها جاءت بصيغة الموصول وهي من صيغ العموم (^٢) كقوله: والذين تدعون ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٥٦].
فهذه الموصولات في كلام الله وكلام رسوله واقعة على كل مدعو ومعبود نبيًا كان أو ملكًا أو صالحًا إنسيًا أو جنيًا، حجرًا أو شجرًا متناولة لذلك بأصل الوضع، فإن الصلة كاشفة ومبينة للمراد وهي واقعة على كل مدعو من غير تخصيص، وهي أبلغ وأدل وأشمل من الأعلام الشخصية والجنسية.
_________________
(١) الدر النضيد ص: ١٨.
(٢) انظر في صيغ العموم: الأحكام للآمدي: ٢/ ١٨٣ - ١٨٤، والأحكام لابن حزم: ٣/ ١٢٩، وجمع الجوامع: ١٨/ ٤٠٩، وإرشاد الفحول ص: ١١٥. فقد ذكروا أن أسماء الشرط والاستفهام والموصولات من صيغ العموم.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
وهذا هو الوجه في إيثارها على الأعلام، وشرط الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب، والمعهود عند من يعقل من أصناف بني آدم أن الأنبياء والملائكة والصالحين قد عُبِدوا مع الله وقصدهم المشركون بالدعاء في حاجاتهم (^١).
فتبين مما سبق بطلان القول بأن النصوص واردة في الأصنام، واتضح أنها عامة لكل معبود من دون الله تعالى.
الشبهة (^٢) الرابعة:
قولهم: إن المشركين الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول ﷺ، وينكرون البعث ويكذبون القرآن ونحن نشهد الشهادتين ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم .. إلخ فكيف تجعلوننا مثلهم بمجرد قصدنا الأولياء للشفاعة؟ واحتجوا على هذا بحديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا … وحديث أسامة وغيرهما من الأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله.
جـ (^٣) - الإقرار بالشهادتين والاعتراف بالشريعة الإسلامية لا يغني عن الاحتراز من الوقوع في نواقض الإسلام، ولا يلزم من ذلك بقاء الرجل على الإسلام ولو أتى بالكفريات وبما يناقض الشهادتين، والأدلة على ذلك كثيرة:
١ - إجماع (^٤) العلماء رحمهم الله تعالى على أن من صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء يكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
_________________
(١) تحفة الطالب: ٨٩ - ٩٠.
(٢) انظر في هذا الدرر السنية ص: ٤٠ - ٤١، ومفاهيم: ٧.
(٣) يراجع في الجواب إلى مفيد المستفيد: ٣٠٧، وتطهير الاعتقاد: ٣١، والدر النضيد: ٢١، ٢٣.
(٤) انظر في حكاية الإجماع على ذلك الشفا لعياض: ٢/ ١٠٧٢، وما بعدها ويراجع الروضة للنووي: ١٠/ ٧١، وجلاء العينين: ٤٤٦.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١].
وقد علم أن التوحيد أهم أركان الإسلام فمن أنكره أو أنكر بعض جوانبه فقد كفر.
٢ - وقد وقع في التاريخ الإسلامي ما يدل على إجماع العلماء على تكفير من أنكر بعض الشيء من الدين ومن ذلك:
أ - إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال المرتدين بعد مناقشة عمر لأبي بكر وبيانه له، فلم يحصل بينهم في قتالهم خلاف مع أن بعضهم لا زال يقر بالإسلام.
ب - قد حرق علي ﵁ الذين غلوا فيه وألّهوه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا التابعين وقد أنكر عليه ابن عباس الإحراق بالنار، لا أصل قتلهم (^١).
٣ - فقهاء المذاهب يعقدون أبوابًا في أحكام الردة ولو أن المسلم لا يمكن وقوع الكفر منه لما كانت حاجة إلى عقد تلك الأبواب.
وقد ذكروا في تلك الأبواب ما هو أقل بكثير مما نحن فيه.
٤ - قد وردت آيات تدل على ارتداد من ارتكب بعض الكفريات مع كونهم من أصحاب رسول ﷺ يجاهدون معه ويقاتلون الكفار، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤]. وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا
_________________
(١) انظر ما تقدم ص: ٤٦٥.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فلو كان مجرد الشهادتين يمنع الحكم بالكفر لما كفرهم، وحكم بأنهم كفروا بعد إيمانهم.
٥ - كما أنه قد وردت آيات أخر تبين أن من أشرك يبطل عمله حتى ولو كان من الأنبياء والمرسلين مع أن الله عصمهم، فكيف بغيرهم؟ قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].
٦ - الأنبياء والرسل الكرام وجلة الصالحين كانوا يخافون على أنفسهم الشرك، ولو كان مجرد النطق بالشهادتين يكفي ولا يضر الإتيان بما يناقض ذلك لما خافوا على أنفسهم من الشرك. قال إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]. وقد حذر النبي ﷺ أمته من الشرك فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقيل له: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم (^١).
٧ - ويقال أيضًا في الجواب: "إن الجامع بين المشركين من الأولين والآخرين موجود وهو الشرك، فالحكم في ذلك واحد لا فرق فيه لعدم الفارق ووجود الجامع.
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٤/ ٤٠٣ من حديث أبي موسى، وأخرجه ابن السني ص: ٢٤١ رقم ٢٨٦ من حديث أبي بكر وهناك شاهد آخر من حديث حذيفة وقد صحح الحديث الألباني كما في صحيح الجامع: ٣/ ٣٣٣. وانظر أيضًا النهج السديد ص: ٢٢٢.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
وفي أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: كل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها إلى غيرها.
وهذا باطل، وتعطيل لجريان الأحكام الشرعية على جميع البرية" (^١) لأنَّه يلزم من اعتقاد أن الآيات لا تشمل إلا المشركين الأوائل الذين نزلت فيهم أنها لا حكم لها الآن، فالذي يجب على الإنسان إذا قرأ القرآن أن لا يحسب أن المخاصمة كانت مع قوم انقرضوا، بل الواقع أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم بطريق الأنموذج (^٢) بحكم الحديث: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة … " (^٣).
وأما احتجاجهم بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله فيقال: إن الأحاديث تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا إن تبين منه ما يناقض تلك الكلمة (^٤)، كدعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالأولياء .. إلخ.
وقد ثبت في بعض طرق الأحاديث ما يفيد ذلك وهو قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ في بعض طرقه عند مسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به" (^٥). فقوله ﷺ: "ويؤمنوا بي وبما جئت به" يدل على وجوب الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ، ولا يكفي مجرد الإيمان بالشهادتين فقط.
كما ورد نحوه في حديث آخر وهو ما أخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
_________________
(١) درجات الصاعدين: ٥٩، والدين الخالص: ١/ ٢٣٢.
(٢) الفوز الكبير في أصول التفسير ص: ١١.
(٣) أخرجه البخاري: ٧/ ٤٩٥ رقم ٣٤٥٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٤ رقم ٢٦٦٩.
(٤) تطهير الاعتقاد: ٣٣.
(٥) أخرجه مسلم: ١/ ٥٢ رقم ٢١/ ٣٤.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
"من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" (^١).
فدل على اشتراط الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله وأنَّه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله.
ويدل لذلك أيضًا قوله ﷺ في الحديث الذي احتجوا به "إلا بحقها". وفي رواية: "إلا بحق الإسلام" (^٢).
وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة فلم تنفعهم كلمة الشهادة فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء" (^٣).
وقد صرح بعض العلماء بأن حديث الأمر بالكف بالإقرار بالشهادة خاص بمشركي العرب، وأما من كان يقر بالتوحيد كاليهود فلا يكتفي بقوله: لا إله إلا الله لأنها من اعتقاده، فلا بد من إيمانه بجميع ما جاء به الرسول ﷺ (^٤).
فاتضح بما سبق أن كلمة الشهادتين وإقامة الصلاة .. إلخ إنما يفيد من التزم: بمقتضى ذلك ولم يأت بما يناقضه، وأما من لم يلتزم بذلك وأتى بالنواقض فلا يمنعه.
الشبهة (^٥) الخامسة:
قولهم: إن الشرك لا يقع في الأمة المحمدية الأمة المرحومة خير
_________________
(١) أخرجه مسلم: ١/ ٥٣ رقم ٢٣/ ٣٤، وأحمد: ٣/ ٤٧٢.
(٢) البخاري: ١/ ٧٥ رقم ٢٥، ومسلم: ١/ ٥٢ رقم ٢٠، ٢١، ٢٢.
(٣) تطهير الاعتقاد: ٣٢
(٤) شرح النووي لمسلم: ١/ ٢٠٧.
(٥) انظر عن هذه الشبهة: مفاهيم ص: ٢٧ ودحض شبهات على التوحيد: ٢٥، والبصائر: ٤٧٤.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
الأمم ولا سيما في الجزيرة العربية المطهرة. واحتجوا على هذا بأحاديث:
١ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" (^١).
٢ - وحديث: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" (^٢) فدعاء النبي ﷺ مجاب فيقتضي ذلك أن قبره لن يعبد.
٣ - وحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها" (^٣).
الجواب عن الحديث الأول بأوجه:
١ - إن معنى الحديث: "إنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر" (^٤) وأن يرتدوا عن الإسلام عن بكرة أبيهم لأن الله تعالى قد وعد باستخلاف المسلمين في الأرض وتمكينه لهم فيها، وأول ما تنطبق عليه تلك الأرض الموعود أهلها بالتمكين فيها جزيرة العرب. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥].
وقد أجاب الله تعالى دعوة النبي ﷺ بأن لا يسلط على أمته عدوًا يستبيح بيضتهم (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٤/ ٢١٦٦ رقم ٢٨١٢، وأحمد في المسند: ٣/ ٣١٣، ٣٥٤، وانظر تخريجه مطولًا في حاشية دحض شبهات ص: ٢٥ - ٢٦، والسلسلة الصحيحة: رقم ١٦٠٨.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤٦، والحميدي: ٢/ ٤٤٥ رقم ١٠٢٥، والجندي في فضائل المدينة ص: ٣٩ رقم ٥١ من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا به، وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٧٢ رقم ٨٥ مرسلًا: ٨٥ عن عطاء بن يسار. والحديث له طرق وهو صحيح انظر النهج السديد: ١١٥.
(٣) أخرجه البخاري: ٣/ ٢٠٩ رقم ١٣٤٤، ومسلم: ٤/ ١٧٩٥ رقم ٢٢٩٦.
(٤) دحض شبهات: ٣٤.
(٥) مسلم: ٤/ ٢٢١٥ رقم ٢٨٨٩ من حديث ثوبان.
[ ٢ / ٩٠١ ]
فكل هذا يدل على أن أهل الجزيرة العربية لا يمكن اجتماعهم على الارتداد عن الإسلام.
٢ - الذي ثبت في لفظ الحديث هو نسبة اليأس إلى الشيطان مبنيًا للفاعل ولم يقل الرسول ﷺ "أيس" بالبناء للمفعول، ولو قدر أنه يئس من عبادته في جزيرة العرب أبد الآبدين فإنما ذلك حسب ظنه وتخمينه لا عن علم؛ لأنَّه لا يعلم الغيب وهذا من مفاتيح الغيب الخمس لأنَّه الأمور المستقبلية (^١). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤].
وهذا الظن منه يخالف ما أخبر به الرسول ﷺ وهو الوجه التالي.
٣ - قد أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في أحاديث صحيحة ومتعددة بوقوع الشرك في أمته، ومن ذلك ما هو خاص بالجزيرة، فمن ذلك قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" (^٢). وذو الخلصة صنم لدوس كانوا يعبدونه في الجاهلية وهو في جنوب الجزيرة.
وقوله: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" (^٣).
واللات كانت بالطائف والعزى كانت بوادي نخلة (^٤) قرب مكة.
_________________
(١) دحض شبهات: ٣٦.
(٢) البخاري: ١٣/ ٧٦ رقم ٧١١٦، ومسلم: ٤/ ٢٢٣٠ رقم ٢٩٠٦، وأحمد في المسند ٢/ ٢٧١ وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة: ١/ ٣٨، وفي الأوائل ص: ٧٦ رقم ٥٨ من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف وفيه: "وهو أول شرك في الإسلام".
(٣) مسلم: ٤/ ٢٢٣٠ رقم ٢٩٠٧ وقد روى ابن وضاح ص: ٨٥ عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى تنصب الأوثان، وأول من ينصبها أهل مضر من تهامة" ونحوه من قول حذيفة ص: ٨٤ - ٨٥.
(٤) انظر كتاب الأصنام للكلبي ص: ١٦، ١٨.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
٤ - والواقع التاريخي يؤيد ذلك ولا يمكن إنكار الأمر الواقع، ومن ذلك:
١ - أن أكثر من في الجزيرة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ، فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان وكثير صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره (^١).
٢ - القرامطة الذين أخذوا الحجر الأسود وقتلوا الحجيج وأجمعت الأمة على كفرهم كانوا في شرق الجزيرة.
٥ - اعتراف كثير من العلماء السابقين بوقوع الشرك في هذه الأمة ونكتفي باعتراف الرازي فإنه ذكر أقوال الكفار في عبادتهم الأصنام والأسباب الباعثة لهم على عبادتها ثم قال: "ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله" (^٢).
وهذا اعتراف من الرازي بأن كثيرًا من أهل زمانه يشتغلون بتعظيم القبور وأنَّه مثل عبادة التماثيل عند المشركين.
وأما قوله ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". فالجواب عنه بوجوه:
١ - إن الرسول ﷺ لو لم يخف وقوع الشرك بقبره لما دعا وهو يدل على إمكان وقوعه، وقد دل الواقع على وقوعه، فكم من مستغيث بقبره داع له؟
٢ - إن الحديث يحمل على إجماع الأمة على جعل قبره وثنًا كما
_________________
(١) دحض شبهات: ٣٩
(٢) تفسير الرازي: ١٧/ ٦٣.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
حصل في الأمم السابقة وهذا لم يحصل -بحمد الله تعالى- فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة.
٣ - أو يقال كما قال بعض العلماء بأن الله أجاب دعوة نبيه بأن حفظ قبره بالحيطان الثلاثة التي بنيت على قبره ﷺ، فلا يستطيع أحد أن يصل إليه حتى ولو أراد عبادته ودعاءه من دون الله تعالى.
٤ - قد حذر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من الشرك بقبره في آخر حياته فقال وهو ينازع: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة: يحذر ما صنعوا" (^١). وقال قبل موته بخمس ليال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (^٢).
وهذا التحذير البليغ منه ﷺ لخوفه أن يتخذ قبره مسجدًا ولو كان ذلك لا يمكن وقوعه لما خاف وحذر منه في مثل تلك الحالة التي يحتاج فيه إلى التحذير من الشيء الأهم والأشد خطرًا.
وأما الجواب (^٣) عن الحديث الثالث وهو قوله ﷺ: "وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي" فعلى وجوه:
١ - إن الحديث خاص بالصحابة الذين خاطبهم الرسول ﷺ كما هو ظاهر الخطاب الموجه إليهم -وليس المقصود من الحديث الأمة المحمدية بأجمعها.
وهذا يقتضيه الجمع بين هذا الحديث والأحاديث الدالة على وقوع الشرك وقد تقدمت الإشارة إليها.
٢ - أو أن هذه الأمة تفتن في أول أمرها بغير الشرك من فتنة الدنيا،
_________________
(١) تقدم تخريج الحديث ص: ٤٥٦.
(٢) تقدم تخريج الحديث ص: ٤٥٧.
(٣) انظر الإشارة إلى هذا الجواب في البصائر للمتوسلين بالمقابر ص: ٣٧٥.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
ولا يمنع وقوع الشرك في آخرها.
٣ - أو أن النبي ﷺ قال هذا قبل أن يوحى إليه بأن الشرك سيقع في طوائف من أمته.
٤ - أو أن الحديث يحمل على أن الشرك لا يقع في جميع الأمة حتى يرجعوا إلى ما كانوا عليه وتجتمع الأمة عليه ولا يمنع من بعضها. والله أعلم.
الشبهة (^١) السادسة:
قول بعضهم: إن أعمال هؤلاء شرك وكفر، ولكنهم لا يعلمون أن ما يفعلونه شرك بل لو عرض أحدهم على السيف لم يقر بأنه شرك بالله تعالى ولا فاعل لما هو شرك، بل لو علم أن ذلك شرك لم يفعله. الجواب:
١ - إن الحكم بالكفر -والعياذ بالله- لا يشترط فيه أن يعلم متلبسه أنه كفر، فقد ذكر الشوكاني أنه تقرر في باب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بأن ما فعله كفر ثم قال: "وعلى كل حال فالواجب على من اطلع على شيء من هذه الأمور الشركيات التي اتصف بها القبوريون أن يبلغهم الحجة الشرعية، ويخبرهم بأن هذا هو عين ما يفعله المشركون في الجاهلية. فإذا علموا بهذا علمًا لا يبقى معه شك ولا شبهة ثم أصروا على ما هم فيه، أخبرهم بأنهم إن لم يتوبوا فقد حلت دماؤهم وأموالهم وانطبق عليهم حكم المشركين" (^٢).
٢ - والعلماء صرحوا بأن كلمة الكفر إذا تكلم بها العبد عمدًا وإن كانت بغير الاعتقاد -كفر- وممن صرح بذلك علماء الحنفية، ففي أغلب كتبهم في أبواب الردة نصوا على ذلك وقالوا: لا يعذر بالجهل، وقالوا:
_________________
(١) انظر في هذه الشبهة والجواب عنها: الدر النضيد: ٢٣.
(٢) الدر النضيد: ٣٤.
[ ٢ / ٩٠٥ ]
إن ذلك هو الأصح عندهم (^١) ومثل الحنفية علماء المالكية فقد صرحوا بأن الجهل لا يعذر به عندهم (^٢)، وذهب إلى ذلك بعض علماء الشافعية فيما إذا تهاون بعدم تعلمه (^٣).
قال الإمام القرافي المالكي بعد أن ذكر الأدعية المحرمة أو المكفرة: "واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذرًا عند الله تعالى؛ لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل ما يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل على الله، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسالته وأوجب عليهم كافة أن يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلًا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين، وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل.
وأما الجهل الذي يمكن رفعه لا سيما مع طول الزمان واستمرار الأيام والذي لا يعلم اليوم يعلم في غد، ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذرًا لأحد، ولذلك ألحق مالك الجاهل في العبادات بالعامد دون الناسي؛ لأنَّه جهل يمكنه رفعه فسقط اعتباره، وكذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي بجواز سؤاله فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهو يدل على أن الأصل في الدعاء التحريم، إلا ما دل الدليل على جوازه، وهذه قاعدة جليلة يتخرج عليها كثير من الفروع الفقهية" (^٤).
_________________
(١) انظر الفتاوى البزازية: ٣/ ٣٤٧، والبحر الرائق: ٥/ ١٣٥، والفتاوى الهندية: ٢/ ٣٧٦، وجلاء العينين ص: ٥١٥.
(٢) انظر الشرح الصغير للدردير: ٤/ ٤٣٩، وشرح عليش على مختصر خليل: ٤/ ٤٧٧.
(٣) انظر العلم الشامخ ص: ٥٩٠، وتنبيه الغبي: ٢٣، والعقد الثمين للفاسي: ٢/ ١٧٦.
(٤) الفروق: ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥، واعترض عليه ابن الشاط في كون أصل الدعاء التحريم بأن الأصل في الدعاء الندب إلا ما دل الدليل على منعه. انظر البروق بهامش الفروق: ٤/ ٢٦٥.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
هذا كلام القرافي المالكي وقد نقل بعض كلامه هذا ابن حجر الهيتمي الشافعي مقررًا له (^١).
٣ - ثم إن العلماء الذين أعذروا بالجهل قيدوه بشرط عدم قيام الحجة، فأما إذا قامت الحجة الرسالية فلم يعذروه، كما أن الجاهل إذا كان معرضًا عن طلب الحق ولا يريد الحق إذا تمكن منه فلا يعذر، فقد ذكروا (^٢) أن من الكفر كفر إعراض، وكفر عناد، وإنما الذي يعذر من يريد الهدى ويؤثره ويحبه ولكنه غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم مرشد وبعضهم إنما أعذر من المسائل الدقيقة الخفية، وأما مثل هذه المسألة التي هي أصل الإسلام فلم يعذروا فيه بالجهل.
وقد تقدمت (^٣) الإشارة إلى هذه المسألة.
٤ - ثم كون الجهل يعذر به على القول به -لا يجعل الشرك أمرًا جائزًا ومباحًا ولا يبيح الدفاع عمن يفعل الشرك ولا السكوت عن إنكاره والرضا به. مثال ذلك لو أن رجلًا كان قريب عهد بالإسلام وشرب الخمر لجهله فهو معذور ولكن هذا لا يبيح لمن يراه أن يسكت عنه ولا أن ينكر على من ينكر عليه، كما أن هذا الشارب للخمر إذا عرف بتحريم الخمر في الإسلام ثم استمر -يكون عاصيًا.
ومثل هذا ما نحن فيه لا يصلح الاعتذار بمسألة الجهل عمن يدعو غير الله تعالى في ديار المسلمين، ويعيش بينهم، كما أنه لا يكون له عذر بعد تعريفه وإقامة الحجة عليه.
٥ - ثم إن العاقل ينبغي له الابتعاد عن الشرك وذرائعه والاحتياط في ذلك حتى ولو كانت المسألة مختلفًا فيها، فإذا كان العلماء في المسائل الخلافية في الفروع يأخذون بالأحوط فكيف يكون الأمر في المسائل
_________________
(١) الإعلام بقواطع الإسلام ص: ٩٨
(٢) طبقات المكلفين ص: ٩٨ - ١٠٣، وكشف الشبهتين ص: ٨٥ - ٨٩.
(٣) تقدم ص: ٥٦٥ - ٥٦٦.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
العقدية التي يدور الأمر فيها بين الخروج عن الملة والارتداد والخلود في النار، وإبانة الزوجة وعدم الإرث وغير ذلك، وبين كونه معصية لا تخرج عن الإسلام؟ فالاحتياط فيها أوجب وأوكد بلا شك ولا ريب.
الشبهة السابعة (^١):
ما قيل إن كفر هؤلاء المعتقدين في الأموات من الكفر العملي لا الكفر الجحودي، وقد قيل مثل ذلك في كفر تارك الصلاة، وكفر تارك الحج وغير ذلك من النصوص التي وردت بالحكم بالكفر، وحملها العلماء على الكفر العملي ولم يحملوها على الكفر الاعتقادي الجحودي.
وذلك لأنهم مؤمنون بالله ورسوله ﷺ وباليوم الآخر لكن زين لهم الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحون ينفعون ويشفعون ويضرون فاعتقدوا ذلك جهلًا كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد لا يجعلون الأولياء آلهة بخلاف الكفار.
الجواب (^٢) عن هذه الشبهة:
إننا نسلم أن الكفر ينقسم إلى قسمين: اعتقادي وعملي. ولكن دعوي أن ما يفعله هؤلاء القبوريون من الكفر العملي في غاية الفساد وذلك للأمور الآتية:
١ - لأن هذا القائل اعترف بكونه يتعلق بالاعتقاد بقوله هؤلاء المعتقدين في الأموات، وهذا من التناقض.
٢ - ثم ما هو الحامل لهؤلاء على دعاء الأموات والاستغاثة بهم وغير ذلك، هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد فهذا لا يمكن
_________________
(١) انظر عن هذه الشبهة رسالة الأمير الصنعاني في شرحه لأبياته في مدح الشيخ رقم المخطوطة: ٧/ ٤٣٩٢ أفلام، والدر النضيد: ٣٢ - ٣٤، ومصباح الظلام: ٣٤٥.
(٢) انظر الدر النضيد: ٣٤ - ٣٥.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
أن يكون عن العقلاء، أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت؟
وإذا ثبت أن الحامل على ذلك هو الاعتقاد فكيف يقال إنه كفر عملي؟
٣ - ثم إنه لا يقبل الاعتذار عنهم بأن هذا الاعتقاد ناشئ عن الجهل وتزيين الشيطان، وذلك لأن طوائف الكفر وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلًا، وهل يمكن أن يقال: إن اعتقاد الكفار اعتقاد علم؟
٤ - قد ثبت أن هؤلاء القبوريين أشد غلوًا في الاعتقاد في الأموات من الكفار، وقد بينّا ذلك فيما سبق (^١).
٥ - ثم قد تقدم (^٢) -بحمد الله تعالى وتوفيقه- بيان استلزام الدعاء للاعتقاد بصفات الربوبية والألوهية وأنَّه لا يمكن تصور الدعاء بدون اعتقاد، وذكرنا الأدلة على ذلك بما لا يدع مجالًا للشك، فلهذا فالقول بأن دعاء غير الله تعالى كفر عملي -يتنافى مع وضع الدعاء وحقيقته ومقتضى معناه، فهو قول غير صحيح.
الشبهة الثامنة (^٣):
قولهم: إن دعاء الصالحين من دون الله تعالى -من الشرك الأصغر كالحلف بغير الله تعالى والطيرة.
فالإجابة عن هذه الشبهة على أوجه:
أ - لا مساواة بين دعاء غير الله تعالى وبين الحلف بغير الله تعالى
_________________
(١) سبق ص: ٥١٧.
(٢) تقدم ص: ٢٤٨ - ٣٠٧.
(٣) انظر عن هذه الشبهة مفيد المستفيد: ٣٠٦، ٢٩٧، وفيه الرد على من زعم أنه قول لابن القيم، ودرجات الصاعدين: ٥٢، والنبذة الشريفة: ٥٩٢، والدين الخالص: ١/ ٢٢٧.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
والطيرة، فهناك فروق كثيرة بين الدعاء، والحلف، كما أن هناك فرقًا بين الدعاء والطيرة، فالفروق التي بين الدعاء والحلف هي:
١ - أن الدعاء من أجلّ العبادات وهو مأمور به شرعًا إما أمر وجوب أو استحباب على ما مر (^١) في حكمه.
وأما الحلف فلم يأمرنا الله به، فهو ليس من العبادات المأمور بها وإنما هو من المباح، وقد استحب إذا كان هناك مصلحة راجحة في التأكيد بالحلف واليمين، ولهذا ورد في القرآن الكريم أَمْرُ الله نبيه بالقسم في أمر الساعة في ثلاثة مواضع (^٢)، ولم يأت في غير ذلك البتة (^٣).
وهذه المواضع الثلاثة كلها فيما يتعلق بالتأكيد على بعث العباد ومعادهم، وأما في غير ما يتعلق بأمر المعاد فلم يرد في القرآن الكريم.
٢ - الدعاء يشتمل على الرغبة والرهبة والرجاء والخوف والتوكل وغيرها من لوازم الدعاء، فمن دعا غير الله فقد أشرك في هذه الأنواع من العبادات وليس كذلك الحلف (^٤).
ب - ويقال لهذا القائل إنه شرك أصغر:
ما الفرق عندك بين السجود لغير الله تعالى وبين الدعاء لغير الله حيث إن الأول شرك أكبر والثاني شرك أصغر عندك، مع أن كليهما قد جاء الأمر بطلبه من العباد، كما أن كليهما من أنواع العبادات، والعبادة صرفها لا يجوز لغير الله تعالى أيًا كانت.
_________________
(١) مر ص: ٣٨١
(٢) وهذه المواضع الثلاثة هي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧].
(٣) النبذة الشريفة: ٦١١، وانظر تفسير ابن كثير: ٢٠/ ٢٢ و٣/ ٢٥ و٤/ ٣٧٤.
(٤) النبذة الشريفة: ٦١٢.
[ ٢ / ٩١٠ ]
مع العلم بأن النهي عن دعاء غير الله تعالى في القرآن أضعاف أضعاف النهي عن السجود لغير الله تعالى، بل لا يعلم نوع من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله تعالى بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه (^١).
ج - قد وقع (^٢) النهي عن الشرك في الدعاء في أول الإسلام وجاءت آيات كثيرة جدًا في التحذير عنه؛ لأن الدعاء لقضاء الحاجات وإغاثة اللهفان وشفاء المريض هو الذي عليه المشركون وهو أصل شركهم والعكوف والذبح ونحوهما فروع عنه.
فلهذا وقع النهي عنه في أول الإسلام بدون تأخير، وأما الحلف بغير الله فلم يرد في القرآن النهي عنه إلا أنه ورد في الأحاديث بعد مدة طويلة وليس في أول الإسلام، وقد وقع من بعض الصحابة ومع ذلك لم يكفرهم الرسول ﷺ.
فقد حلف عمر بأبيه، فقال النبي ﷺ: "لا تحلفوا بآبائكم"، وقال: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (^٣).
ويقال (^٤) في الطيرة مثل هذا الذي سبق، فإنها لم يقع النهي عنها في القرآن وفي أول الدعوة، كما أنها قد يقع شيء منها في قلوب المؤمنين الموحدين، فقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁: "الطيرة شرك وما منا إلا … ولكن الله يذهبه بالتوكل" (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق: ٦٠١ - ٦٠٢.
(٢) انظر درجات الصاعدين: ٥٣، والنبذة الشريفة: ٦١٣، والدين الخالص: ١/ ٢٢٧.
(٣) أخرجه البخاري: ٥/ ٢٨٧ رقم ٢٦٧٩، ومسلم: ٣/ ١٢٦٧ رقم ١٦٤٦.
(٤) النبذة الشريفة ص: ٦١٥.
(٥) أخرجه أحمد في المسند: ١٠/ ٣٨٩، ١٣٨، ٤٤٠، وأبو داود: ٤/ ٢٣٠ رقم ٣٩١٠، والترمذي: ٤/ ١٦٠ رقم ١٦١٤، وابن ماجه: ٢/ ١١٧٠ رقم ٣٥٣٨.
[ ٢ / ٩١١ ]
فتبين مما سبق الفرق الواضح بين من استغاث بغير الله في الشدائد مبتهلًا متضرعًا، وبين من حلف بغير الله يمينًا مجردة لم يقصد تعظيمه كتعظيم الله، أو خطر في قلبه شيء من الطيرة، فالفرق شاسع جدًا ولا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته.
هذا وقد مال الأمير الصنعاني إلى أن الحلف بغير الله يخرج من الملة تمسكًا بظاهر الأدلة (^١)، وذهب الجمهور إلى أنه شرك أصغر، هذا إذا لم يقصد تعظيمه كتعظيم الله وإلا فقد اتفقوا على أنه شرك أكبر، وكذلك الطيرة قد تصل إلى الشرك الأكبر إذا كان يرى المتطير أن ذلك من علم الغيب، وأن الطير تخبره عما هو صائر إليه في المستقبل أو أن الأفلاك تدبر أمر الخلائق (^٢).
الشبهة التاسعة: شبهة المجاز (^٣) العقلي:
قالوا: ينبغي حمل كلام المسلم على محمل حسن، فإذا أسند فعلًا إلى غير الله تعالى وهو مما لا يصح إسناده إلا إلى الله تعالى ينبغي حمله على المجاز العقلي، وهو شائع معروف.
وقالوا: إن القرينة هنا كونه مسلمًا موحدًا، وإن العلاقة في ذلك هي التسبب والشفاعة.
وقبل الخوض في الجواب عن هذه الشبهة نقدم تعريفًا موجزًا للمجاز العقلي.
_________________
(١) تطهير الاعتقاد: ٣١، وسبل السلام: ٤/ ١٤٣٣.
(٢) راجع النبذة ص: ٦١٦، وتحفة الطالب: ١٢٦.
(٣) انظر الاحتجاج بهذه الشبهة في: خلاصة الكلام: ٢٤٥، ٢٥٥، والدرر السنية: ٢٠، وعنهما منتحلًا في المفاهيم: ١٦، والبراهين الساطعة: ٤٠٨، وعنه أيضًا منتحلًا في المفاهيم: ٩٥.
[ ٢ / ٩١٢ ]
تعريف المجاز العقلي:
كلمة المجاز:
هي في الأصل مَفْعل من جاز المكان يجوزه إذا تعداه إلى مكان آخر، سمي بذلك لأنهم جازوا به معناه الأصلي إلى معنى آخر (^١).
وفي الاصطلاح كلمة استعملت في غير ما وضعت له لعلاقة وقرينة مانعة من إرادته (^٢).
وأما المجاز العقلي:
فهو إسناد الفعل أو معناه إلى مُلَابسٍ له -غير ما هو له بتأويل (^٣) فالمراد من معنى الفعل ما يتضمن معنى الفعل من اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر والصفة المشبهة واسم التفضيل.
وللفعل ملابسات شتى منها الفاعل والمفعول والزمان والمكان والسبب (^٤) فإذا أسند الفعل إلى هذه الأمور فقد أسند إلى ما يلابسه.
وقوله بتأويل أي بنصب قرينة صارفة للإسناد عن أن يكون إلى ما هو له (^٥).
وقد عرفه السكاكي بقوله: "هو الكلام المقاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بوساطة وضع، كقولك أنبت الربيع البقل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة" ثم قال شارحًا للتعريف: "وإنما قلت خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول خلاف ما عند العقل لئلا يمتنع طرده بما إذا قال
_________________
(١) شرح الجوهر المكنون ص: ١٣٨، وانظر إرشاد الفحول ص: ٢١.
(٢) شرح الجوهر: ١٣٩، ومفتاح العلوم: ٣٥٩
(٣) التعريفات للجرجاني: ٢٠٣، وشرح الجوهر: ٤٤.
(٤) شرح الجوهر: ٤٤ - ٤٥.
(٥) التعريفات للجرجاني: ٢٠٣.
[ ٢ / ٩١٣ ]
الدهري عن اعتقادِ جهلٍ، أو جاهلٌ غيره: أنبت الربيع البقل رائيًا إنباتَ البقلِ من الربيع فإنه لا يسمى كلامه مجازًا وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر، ولذلك لا تراهم يحملون نحو:
أشابَ الصغير وأفنى الكبيرَ … كَرُّ الغداة ومَرُّ العَشِي (^١)
على المجاز، ما لم يعلموا أو يغلب في ظنهم أن قائله ما قاله عن اعتقاد. . ." (^٢).
ويستفاد من تعريفه وشرحه له أن شرط إطلاق المجاز العقلي أن يكون ظاهر الكلام يفيد خلاف ما عند المتكلم حسب ما يفهمه المخاطب من ظاهر حال المتكلم وكلامه.
ومما يوضح معنى المجاز العقلي معرفة ضده وهو الحقيقة العقلية لأنَّه كما قيل: وبضدها تتميز الأشياء.
فلهذا نشير إلى تعريفها بالإيجاز، ومما قيل في تعريفها:
"إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر" (^٣).
فقولهم "عند المتكلم" يريدون به أن الاعتبار في الحكم هو ما يراه المتكلم في ذلك الحكم ويعتقده، وليس الواقع ونفس الأمر، وقولهم "في الظاهر" إشارة إلى أنه لا يشترط موافقته لاعتقاد المتكلم الحقيقي. فمثلًا لو أخفى المتكلم عقيدته وتظاهر بالإسناد الحقيقي فنحن نعد إسنادًا حقيقية (^٤).
وقد عرف السكاكي الحقيقة العقلية بقوله:
"وهي الكلام المقاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه، كقولك
_________________
(١) البيت للصلتان العبدي وهو قثم بن خبية من شعراء الحماسة. انظر الشعر والشعراء لابن قتيبة: ١/ ٥٠٩، وخزانة الأدب للبغدادي: ١/ ٣٠٨.
(٢) مفتاح العلوم: ٣٩٣، وانظر التلخيص: ٤٧ - ٤٨.
(٣) التلخيص للقزويني: ٤٥.
(٤) انظر شرح الجوهر المكنون: ٤١، والتلخيص: ٤٥.
[ ٢ / ٩١٤ ]
أنبت الله البقل وشفى الله المريض وكسا خدم الخليفة الكعبة … وإنما قلت: ما عند المتكلم من الحكم فيه، دون أن أقول ما في العقل من الحكم فيه، ليتناول كلام الدهري إذا قال: أنبت الربيع البقل رائيًا إنبات البقل من الربيع، وكلام الجاهل إذا قال: شفى الطبيب المريض رائيًا شفاء المريض من الطبيب، حيث عُدَّا منهما حقيقتين مع كونهما غير مفيدين لما في العقل من الحكم فيهما" (^١).
وبعد هذا العرض للتعريف نبدأ في مناقشة الشبهة والجواب عنها بحول الله تعالى وقوته.
ويكون الجواب على طريقتين إحداهما: طريقة من ينفي وجود المجاز في اللغة، وثانيتهما: طريقة من يثبت وجود المجاز في اللغة.
الجواب على طريقة من ينفي المجاز:
اختلف العلماء في وجود المجاز في اللغة وعدمه، وهذا الخلاف جار (^٢) في المجاز العقلي:
١ - فقال قوم: لا يوجد المجاز في اللغة أصلًا.
٢ - وقال آخرون: لا يوجد في القرآن الكريم، ويوجد في اللغة.
٣ - وقالت فرقة ثالثة: بوجوده في القرآن وفي اللغة.
وممن قال بالقول الأول: أبو إسحاق (^٣) الإسفراييني وأبو علي (^٤) الفارسي.
_________________
(١) مفتاح العلوم: ٣٩٩.
(٢) نَصَّ على جريانه في المجاز العقلي البناني في حاشيته على جمع الجوامع: ١/ ٣٠٨.
(٣) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصولي المتكلم الشافعي أحد الأعلام، وصاحب التصانيف، جمع أشتات العلوم (ت ٤١٨ هـ)، العبر: ٢/ ٢٣٤، وطبقات الشافعية: ٤/ ٢٥٦.
(٤) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد واحد زمانه في علم العربية كان عدم المثل. وكان متهمًا بالاعتزال، وفضله بعضهم على المبرد (ت ٣٧٧ هـ)، بغية الوعاة: ١/ ٤٩٦، والعبر: ٢/ ١٤٩.
[ ٢ / ٩١٥ ]
وممن قال بالقول الثاني: الظاهرية وبعض الحنابلة وبعض المالكية وبعض الشافعية.
وممن قال بالثالث: أغلب علماء البلاغة والمتأخرون من الأصوليين والفقهاء (^١).
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية المذهب الأول ونصره بعدة أوجه (^٢)، كما نصره ابن القيم بأكثر من خمسين وجهًا (^٣).
وممن رجح هذا القول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^٤) والدكتور لطفي عبد البديع (^٥).
وهذا المذهب الأول هو الراجح لقوة أدلته، وسلامته من الاعتراضات، وإليك بعض تلك الأدلة والاعتراضات:
١ - إن تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز تقسيم حادث بعد انقضاء القرون المفضلة، لم يتكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء (^٦).
_________________
(١) انظر في حكاية هذه الأقوال ونسبتها إلى أصحابها الكتب التالية: الأحكام للآمدي: ١/ ٤٣، ٤٤، وجمع الجوامع: ١/ ٣٠٨، والبرهان للزركشي: ٢/ ٢٥٥، والأحكام لابن حزم: ٤/ ٢٨، والوصول إلى الأصول: ١/ ٩٧، والمسودة في أصول الفقه: ١٦٥، والتمهيد في أصول الفقه: ١/ ٨٠، والإيمان لابن تيمية: ٨١، ومختصر الصواعق: ٢/ ٥، والمزهر للسيوطي: ١/ ٣٦٤ - ٣٦٦.
(٢) انظر الإيمان من ص: ٧٩ - ١٠٥.
(٣) انظر مختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٢ - ٧٦.
(٤) له رسالة مستقلة في الموضوع سماها منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز وقد طبعت.
(٥) له رسالة مستقلة في الموضوع سماها فلسفة المجاز بين البلاغة العربية والفكر الحديث، والرسالة من منشورات النادي الأدبي بجدة برقم ٣٢.
(٦) الإيمان: ٨٠، ومختصر الصواعق: ٢/ ٣.
[ ٢ / ٩١٦ ]
٢ - ثم إن الذين قسموا لم يستطيعوا أن يفرقوا بينهما بحد صحيح جامع مانع (^١).
٣ - العرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد، فجَعْلُ هذا حقيقةً، وهذا مجازًا ضَرْبٌ من التحكم لأن اسم الأسد وضعٍ للسبع كما وضع للرجل الشجاع (^٢)، فمن زعم أنها استخدمت هذا أولًا في ثم في كذا ثانيًا فقد ادعى دعوى لا برهان عليها ولا يمكن لبشر على وجه الأرض إثبات ذلك، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا بوحي من الله تعالى (^٣).
٤ - بعض الكلمات لها معان كثيرة، من ذلك أن بعض حروف المعاني تدل على عدة معان كمن والباء، وكذلك الأسماء الدالة على عدة معان كالرأس يطلق على رأس الإنسان وأول الدرب ومنبع العين وسيد القوم وأول الشهر وغير ذلك.
٥ - إن بعض الكلمات العربية تدل على المعنى وضده كالجون يدل على السواد وعلى البياض، والقر يدل على الطهر والحيض فأيهما حقيقة وأيهما مجاز؟ (^٤).
٦ - "إن الألفاظ المفردة التي هي من أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد" (^٥).
فيبطل بهذا ادعاء أن الأسد وضع للحيوان المفترس ولم يوضع للرجل الشجاع .. إلخ.
_________________
(١) الإيمان: ٨٧، ٩٧، ومختصر الصواعق: ١/ ١٠ - ٣٠.
(٢) الوصول إلى الأصول: ١/ ٩٩، والمزهر: ١/ ٣٦٥، وفلسفة المجاز: ٢٧.
(٣) مختصر الصواعق: ٢/ ٣٠.
(٤) انظر نحو هذا الاعتراض في الإيمان: ٨٨ - ٨٩.
(٥) دلائل الإعجاز ص: ٤١٥.
[ ٢ / ٩١٧ ]
وذلك لأنَّه لم يوضع ليدل بمفرده وأما إذا وقع في الكلام التام نحو رأيت أسدًا يرمي، فلم يدل إلا على الرجل الشجاع ففي مثل هذا التركيب لا يمكن ادعاء أنه وضع لغير هذا المعنى.
هذا ومما ينبغي أن يفهم أن الذين أنكروا وجود المجاز في اللغة لم ينكروا وجود تلك الأمثلة التي ضربها المثبتون، له، وإنما ذهبوا إلى أن ذلك أسلوب من أساليب اللغة العربية وأن الكل حقيقة، والكلمة إذا استعملت في هذا الأسلوب فهي حقيقة، وإذا استعملت في أسلوب آخر فهي أيضًا حقيقة، ولا يمكن أن نقول: إنها في هذا الأسلوب حقيقية وفي الآخر مجازية. قال الدكتور لطفي عبد البديع:
"إن منازعة القوم في المجاز، إنما كانت منازعة في صحته على أنه خلاف الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه الكلام، وإلا فإن ما أطلق عليه المجاز ثابت في اللغة لا يسع أحدًا إنكاره وهو أكثر من أن يحصى فالعرب كما ذكر ابن فارس قالت استوى فلان على متن الطريق ولا متن لها، وفلان على جناح السفر ولا جناح للسفر وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق وليس لليل لمة ولا للحرب ساق …
ولم يؤثر عن أحد ممن سمعوا هذا الضرب من الكلام قبل ظهور القول بالمجاز بعد القرون الثلاثة الأولى أنه على خلاف الأصل، أو أن ألفاظه استعملت في غير ما وضعت له بحيث ينبغي تأويله لدفع شبهة الكذب عنه والمبالغة" (^١).
وأما على قول من أثبت المجاز في اللغة فالإجابة تكون على وجوه.
وقبل الخوض في تلك الوجوه لا بد من الإشارة إلى أن العلماء من أهل الأصول وأهل البلاغة الذين أثبتوا المجاز اتفقوا على أن الأصل في
_________________
(١) فلسفة المجاز: ٢٥٢ - ٢٥٣، وانظر الوصول إلى الأصول: ١/ ٩٧ - ٩٨.
[ ٢ / ٩١٨ ]
الكلام الحقيقة (^١)، فلا يخرج عنها إلا بدليل قوي يصرفه إلى المجاز.
ومن هنا يمكن لنا الطلب من المخالفين إقامة دليل قوي وصارف واضح للكلام عن الحقيقة، ولن يجدوا إلا الاحتمالات البعيدة والقرائن البعيدة، ومع أنه يمكن أن نكتفي بهذا الأصل ونتمسك به، لكنا لا نكتفي بذلك ونتبرع بالجواب عن هذه الشبهة بوجوه:
أ - إن حد المجاز العقلي الذي أشرنا إليه من قبل- لا ينطبق على دعاء الأموات وندائهم والاستغاثة بهم إذا اعتبرنا حال الداعين واعتقادهم فالإسناد الواقع في كلام من يدعو الأموات -إسناد حقيقي ينطبق عليه حد الحقيقة العقلية، ولا ينطبق عليه حد المجاز العقلي، وذلك لأن علماء البلاغة ذكروا أن العبرة في الإسناد ليكون مجازًا عقليًا -أن يكون الحكم المفاد منه خلاف ما يعتقده المتكلم ولا يشترط أن يكون خلاف الواقع ونفس الأمر، وقالوا: إن قول الدهري: أنبت الربيع البقل لا يسمى مجازًا، وكذلك قول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير … كر الغداة ومر العشي
وكذلك قالوا في نحو شفى الطبيب المريض.
قالوا هذه الأمثلة حقيقة عقلية إذا وقعت ممن يرى تأثير المسند إليه في النسبة وقد تقدم بيان ذلك في التعريف.
فعلى هذا فكثير ممن يدعون الأموات والغائبين، فالإسناد الواقع في كلامهم حقيقة عقلية وليس مجازًا عقليًا، لاعتقادهم التأثير والتصرف في الكون وغير ذلك لمن يدعونهم كما تقدم في مبحث علاقة الدعاء بالعقيدة، فقد بينّا هناك بما لا يدع مجالًا للشك أن كثيرًا منهم يعتقد
_________________
(١) جمع الجوامع مع شرح المحلى: ١/ ٣١٢، والخصائص لابن جني: ٣/ ٤٤٢، والمزهر: ١/ ٣٦١ و٣٥٦، وترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان: ١٥١، والرسالة المدنية ص: ٤٠.
[ ٢ / ٩١٩ ]
التأثير والتصرف وسيأتي قريبًا نقل عباراتهم الصريحة في اعتقاداتهم وقد علم في علم البلاغة أن الكلام يحمل على الحقيقة إذا لم يعلم حال المتكلم، وأما إذا علم حاله كما هنا فيحمل على الحقيقة من باب أولى.
وعلى هذا فتأويلهم لكلام من يصرح بتصرفه في الكون، وإغاثته لمن يستغيث به في البر والبحر، وعلمه بحال المريد وخواطره.
وكذلك تأويلهم لكلام من يدعو الأموات معتقدًا فيمن يدعوه السماع والعلم بحاله وضره ونفعه واستطاعته على الإغاثة .. إلخ فتأويل كلام هؤلاء لا يدخل تحت المجاز العقلي بل هو صريح وواضح أنه من الحقيقة العقلية.
ثم إن بعض علماء البلاغة ذكروا أن تقدير الفاعل الموجد المؤثر في نحو "سرتني رؤيتك" حيث قدر بعضهم "سرني الله وقت رؤيتك" -إن هذا التقدير تقدير لما لم يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض في التراكيب (^١).
ومثل هذا المثال الإسناد الواقع في كلام الداعين لغير الله تعالى لأن المتكلمين به لا يقصدون تقدير الفاعل الذي هو الله تعالى، ولا يتعلق به الغرض في التركيب.
ويزيد هذا الوجه وضوحًا الوجه التالي:
ب - إن كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل (^٢) ومن هذا القبيل تأويل كلام الداعين لغير الله، فإنه يوجد في كلامهم ما يدل صراحة على إخلاص الرجاء والرغبة للمدعو وحده، فلو أولنا كلامهم فقد أبطلنا تلك الدلالة الصريحة على إسناد الرجاء إلى الولي، والتأويل معناه إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاؤه.
_________________
(١) حاشية الجوهر المكنون: ٤٨، ونحوه في التعليق على التلخيص: ٥٠ - ٥١.
(٢) مختصر الصواعق: ١/ ٩١.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
"ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة منها أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه أراد حقيقته وما وضع له؟ " (^١).
وقد علمنا مراد بعض هؤلاء بما صرحوا به في كلامهم أنهم يريدون إسنادًا حقيقيًا فكيف نؤول كلامهم بما يبطل دلالته؟ وسيأتي سرد كلام بعضهم في مبحث صور من الدعاء غير المشروع" وفيه التصريح بإخلاص الاستغاثة بغير الله تعالى.
فتبين من هذا أن الذي يدعي صرف كلامهم عن ظاهره وحقيقته فقد ادعى معرفته لمراد كلامهم ومراد الواضع أيضًا، فإن لم تكن دعواه مطابقة المراد المتكلم والواضع - كان كاذبًا على المتكلم والواضع معًا (^٢) ومراد هؤلاء الداعين للأموات بكلامهم واضح جدًا، قال النعمي:
"والذي يدل عليه سيرهم وأحوالهم القولية والفعلية أن ما يقع منهم عند التطام موج البحر ونازلة باغتة وجزئيات لا تنحصر - ليس من قبيل التوسل، بل لا يتبادر إلى أذهانهم ولا يخطر في أفكارهم إلا الولي وأما الله تعالى فمنسي أو يشرك معه الولي" (^٣).
والذي بقي لله في عقائدهم هو الإمكان فقط دون الأثر (^٤)، ومن هنا نستطيع أن نقول: "إن في هذه الألفاظ ما يتعذر أو يتعسر تأويله أو كلها كذلك" (^٥).
والحاصل أن الحمل على المجاز العقلي إنما يجوز إذا: "لم يصدر
_________________
(١) المرجع نفسه: ١/ ٩٥.
(٢) بدائع الفوائد: ٤/ ٢٠٦.
(٣) معارج الألباب: ١٧٨.
(٤) المرجع السابق: ١٧١.
(٥) العلم الشامخ: ٥٩٠، وتنبيه الغبي: ١٥٩، والعقد الثمين للفاسي: ٢/ ١٧٦.
[ ٢ / ٩٢١ ]
من ذلك المتكلم شيء من الألفاظ والأعمال الكفرية مما هو كفر بواح وشرك قراح. وأما إذا صدر منه شيء من تلك الألفاظ والأعمال فلا يحمل كلامه على المجاز العقلي" (^١).
جـ - إن الأمثلة التي ضربوها للمجاز العقلي مثل أنبت الربيع البقل هي في الأمور الظاهرة التي تكون العلاقة والقرينة واضحة، وتكون تلك القرينة من الأسباب الظاهرة ولها تعلق ومباشرة حقيقية، فأما في الأمور التي يكون التأثير فيها بالقوة الغيبية وبدون مباشرة الأسباب الظاهرة فلا يمكن قياس ذلك على تلك الأمثلة، وذلك لعدم المماثلة المشروطة في القياس.
والمشكلة الرئيسية عند هؤلاء أنهم لم يفرقوا بين الإسناد إلى الأسباب الظاهرة التي هي موجودة في كلام العرب وهي محمولة على السببية، وهو الذي سموه بالمجاز العقلي، وبين الإسناد إلى الأسباب الباطنة التي تأثيرها غير مباشر ويكون بقوة غيبية وتأثير غيبي.
ولنضرب الأمثلة على ذلك، فإذا قال القائل أنبت الربيع البقل يكون القائل قد أسند الإنبات إلى غيره تعالى وهو الربيع، وذلك لأنه سبب ظاهر ومباشر، فهنا الحمل على المجاز واضح وواقع في كلام الناس.
والشرع أباح مثل هذا، لأن استحضار السببية عند التكلم - قريب لا لبس فيه وأما إذا قال القائل: رزقني سيدي فلان الولد وأراد أنه تسبب وتوسط له في ذلك، فقد أسند إلى سبب غير مباشر وإلى تأثير غيبي وليس هناك سبب ظاهر حصل من سيدي فلان حتى يحمل الكلام على المجاز العقلي.
فهذا هو الفرق بين المثالين:
ولكن هؤلاء خلطوا بين المثالين وجعلوا الحكم واحدًا، مع أن
_________________
(١) صيانة الإنسان: ٢٤٥.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
استحضار نية السببية في المثال الثاني غير واضح وليس قريب المأخذ من اللفظ.
قال الإمام الدهلوي ﵀:
"وكذلك الرزق والشفاء على وجهين فقولنا: رزق الأمير الجند المفهوم منه أنه فرق الأموال التي جمعها بالقوة الناسوتية، وقولنا: "شفى الطبيب المريض" اجتهد كلَّ الجهد، وسعى كلَّ السعي بفكره الذي يشابه فكر المريض بتعيين دواء فيه حرًا وبردًا وغيرهما من خواص العالم فأعقبه الصحة.
وقولنا: رزق الله تعالى خلقه، وشفى الله عبده أنه أراد أن يجتمع إليه المال من غير ملابسة بالأعمال الناسوتية ولا مشابهة بالناسوتية فاجتمع أولًا أو أن يزول مرضه ويحدث فيه الصحة فكان كما أراد" (^١).
فالفرق بين المثالين أن الأول يكون تأثير المسند إليه بقوة مناسبة لإنسانيته وبشريته وهي القوة المباشرة الظاهرة وأما الثاني فيكون تأثير المسند إليه بقوة غير مناسبة لبشريته وهى القوة الغيبية وبدون اتصال مباشر ظاهر للأعين والأبصار، والأمثلة التي يدور النقاش فيها من باب المثال الثاني لا الأول كما هو واضح، ويؤيد هذا الوجه ما يلي:
د - ومما يؤيد الفرق بين المثالين أن علماء البلاغة اشترطوا في القرينة أن تكون قريبة المأخذ وواضحة وأن يكون الشبه بين الطرفين جليًا.
وقالوا: إن الأسد لا يطلق على الرجل أبخر الفم مع اشتراكهما في البخر لأن تلك القرينة بعيدة وغير قريبة المأخذ (^٢)، فلا يتبادر الذهن عند إطلاق الأسد على الرجل أن المراد من الإطلاق أنه أبخر الفم بل الذي يتبادر أنه شجاع.
_________________
(١) البدور البازغة ص: ١٢٣، بواسطة البصائر: ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٢) انظر التلخيص: ٣٣٥، وترجيح أساليب القرآن: ١٥٦.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
هـ - ثم "إن العلماء القائلين بالمجاز لم يقولوا بدخول المجاز والتأويل في كل كلام بل قالوا: "المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له" (^١).
وهؤلاء الداعون للأموات كلامهم نص واضح جلي في مرادهم فكيف نؤوله ونطلب له الحيل والمخارج ونجادل عنهم؟ ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩]. والعلماء نصوا على أنه ليس كل كلام قابلًا للتأويل، قال البقاعي ﵀:
"إنه ليس كل كلام يقبل تأويله وصرفه عن ظاهره، وذلك يرجع إلى قاعدة الإقرار بشيء، وتعقيبه بما يرفع شيئًا مَّا من معناه ولا خلاف عند الشافعية في أنه إن كان مفصولًا لا يقبل، وأما إذا كان موصولًا ففيه خلاف، ومن صورة ما لا ينفع فيه الصرف عن الظاهر كما لو أقر ببيع أو هبة ثم قال: كان ذلك فاسدًا فأقررت بظني الصحة فإنه لا يصدق في ذلك" (^٢).
والمجاز العقلي القرينة المدعاة ليست متصلة بالكلام بل هي مفصولة فلا خلاف عند الشافعية في عدم اعتباره في الحكم.
وإذا ثبت أنه لا يقبل كل كلام التأويل فمن العلماء من "غلب جانب الحرمة الله ولرسوله فمنع التأويل مطلقًا" (^٣).
فعلى هذا فلا يقبل التأويل فيما يتعلق بحق الله تعالى ورسوله ﷺ وقال بعضهم مفرقًا بين الكلام الذي يؤول والذي لا يؤول: "إنما نؤول كلام من ثبتت عصمته حتى نجمع بين كلاميه لعدم جواز الخطأ عليه،
_________________
(١) بدائع الفوائد: ١/ ١٥.
(٢) تنبيه الغبي: ٢٢ - ٢٣، ومنع الجواز: ٥٢.
(٣) الشفا لعياض: ٢/ ٩٧٨، وتنبيه الغبي: ٢٣.
[ ٢ / ٩٢٤ ]
وأما من لم تثبت عصمته فجائز عليه الخطأ والمعصية والكفر فنؤاخذه بظاهركلامه، ولا يقبل منه ما أول كلامه عليه مما لا يحتمله، أو مما يخالف الظاهر" (^١).
فعلى هذا فالتأويل خاص بما وقع في الكتاب والسنّة مما ظاهره التعارض والسبب في أن الذين أجازوا التأويل في الكلام عامة قالوا بعدم جواز دخول التأويل فيما هو نص في مراد المتكلم لا يحتمل غيره، لأن ذلك كذب ظاهر على المتكلم وتحميل لكلامه ما لا يحتمله (^٢).
ولا يوجد في العلماء من يجيز تأويل كل كلام بدون قيد ولا شرط.
و- ثم إننا لو أولنا كلام هؤلاء باحتمال المجاز العقلي فماذا نفعل بأعمالهم الشركية فهل يمكن تأويلها أيضًا؟ وإذا قلنا نؤول فبأي شيء نؤول سجودهم على أعتاب الأضرحة وطوافهم بالقباب، وذبحهم للقرابين وبذلهم للنذور؟ "فهل هذه الأعمال أيضًا مؤولة، لوقوعها عمن لا يعتقد التأثير مع أن هذه العبادات من خالص حق الله تعالى، وصرفها لغيره شرك؟ " (^٣).
ز - إن فتح باب التأويل على مصراعيه يؤدي إلى فساد عظيم وخطر جسيم في اللغات والأديان ومصالح الدنيا، فأما فساد اللغات فإن "العبد لا يعلم ما في ضمير صاحبه إلا بالألفاظ الدالة على ذلك فإذا حمل السامع كلام المتكلم على خلاف ما وضع له، وخلاف ما يفهم منه عند التخاطب عاد على مقصود اللغات بالإبطال ولم يحصل مقصود المتكلم ولا مصلحة
_________________
(١) تنبيه الغبي ص: ٦٦ - ٦٧، ١٣٦، ١٩٦، ٢٥٣، والعقد الثمين للفاسي: ٢/ ١٩٠ - ١٩١ وقد ذكر الفاسي عن أبي زرعة ولي الدين ابن الحافظ العراقي أنه قال: " … وأمرنا أن نحكم بالظاهر وإنما يؤول كلام المعصومين" العقد الثمين: ٦/ ٣٥٢.
(٢) الصواعق المرسلة: ١/ ٢١٩.
(٣) صيانة الإنسان: ٢٢٠.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
المخاطب، وكان ذلك أقبح من تعطيل اللسان عن كلامه فإن غاية ذلك أن تفوت مصلحة البيان، وإذا حمل على ضد مقصوده فوت مصلحة البيان وأوقع في ضد المقصود … " (^١) وأما فساد الدين فإن التأويل هو الذي فتح الباب للفرق الزائغة وأصحاب المقاصد السيئة لمحاولة هدم الإسلام تحت ستار التأويل.
ولا يخفى ما فعلته الروافض والجهمية بنصوص الكتاب والسنة الخبرية بدعوى التأويل في أمور العقيدة الهامة، ثم جاءت الباطنية فأعملت معاولها في النصوص المتبقية من الشرائع العملية وأمور المعاد، واحتجت بالحجج التي احتج المأولون السابقون من الجهمية والرافضة الذين أولوا النصوص الخبرية.
فلم يستطع هؤلاء الرد على الباطنية بعد أن تعاونوا في تلك المحاولة اليائسة لهدم الشريعة (^٢).
وأما فساد مصالح الدنيا، فإنه لا يمكن لأمة من الأمم أن تعيش في ظل نظام التأويل فإنه لو فتح الباب للتأويل لا يمكن لأي قاض أن يحكم في قضية مَّا، ولا يمكن لأي فرد في المجتمع أن يثق بكلام الآخر لاحتماله للتأويل، وبهذا ترفع الثقة من بين الناس.
قال الحافظ ابن عبد البر: "ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات" (^٣).
وقال الغزالي: "إن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام بنقل عن صاحب الشرع وبغير ضرورة تدعو إلى ذلك من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ … والباطن لا ضبط له بل
_________________
(١) الصواعق المرسلة: ١/ ١٩١.
(٢) انظر عن هذا الموضوع فضائح الباطنية للغزالي: ٥٣، والصواعق المرسلة: ١/ ١٩٣ - ٢٠٩، والحموية ص: ٢٠.
(٣) التمهيد لابن عبد البر: ٧/ ١٣١.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى" (^١).
وقال شمس الدين الجزري: "ولو فتح باب تأويل كل كلام ظاهره الكفر لم يكن في الأرض كافر" (^٢).
وقال الحافظ الذهبي: وإن فتحنا باب الاعتذار عن المقالات وسلكنا طريق التأويلات المستحيلات، لم يبق في العالم كفر ولا ضلال وبطلت كتب الملل والنحل واختلاف الفرق" (^٣).
وقال ابن رشد في معرض رده على الذين يؤولون أمور المعاد: وأما إذا أوّلت -أي نصوص المعاد- فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة فتتمزق الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها، وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، وهذا كله إبطال للشريعة ومَحْوٌ لها من النفوس من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظيم ما جناه على الشريعة" (^٤).
وقال الألوسي: "ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة لها لأمكن لكل من تكلم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقًا أن يقول: لم تحكمون بردتي؟ فيذكر احتمالًا ولو بعيدًا يخرج به عما كفر به، ولما احتاج إلى توبة ولا توجه عليه لوم" (^٥).
حـ - ولكون التأويل يؤدي إلى هذه المفاسد لم يترك الشارع الحكيم الأمور سدى بل أناط الحكم بظواهر الألفاظ وما تقتضيه بأساليبها التركيبية، وأما ما وراء الألفاظ من السرائر والضمائر فإلى الله تعالى، قال عمر ﵁: "إن أناسًا كانوا يأخذون بالوحي في عهد
_________________
(١) الإحياء: ١/ ٤٩، وتنبيه الغبي: ٦٧.
(٢) تنبيه الغبي: ١٩٦.
(٣) تاريخ الإسلام للذهبي وعنه في العقد الثمين: ٥/ ٣٣٢.
(٤) الكشف عن مناهج الأدلة: ٨١، وفلسفة المجاز: ٦٨.
(٥) جلاء العينين ص: ٥١٥.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة" (^١).
وهذا الذي قاله الفاروق ﵁ تبعه فيه كافة العلماء لم يخالف في ذلك منهم أحد، بل أجمع عليه العلماء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الاجتهاد الصحيح (^٢).
قال ابن حجر الهيتمي الشافعي: "المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله" (^٣).
ويدل لذلك الحديث المتفق عليه عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ: "إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذ منه شيئًا فإنما أقطع له قطعة النار" (^٤).
ط - إن العلماء لم يعذروا في الألفاظ الكفرية بالتورية ولا بالجهل إلا في بعض صور الجهل التام.
فقد قال العلماء: "لو نطق بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرًا وباطنًا" (^٥). وعللوا عدم العذر بحصول التهاون منه (^٦).
فالحكم إنما يتعلق بالتكلم بألفاظ الكفر فمن تلفظ بها فقد كفر ولا يقبل منه ما يدعيه من الجهل أو التأويل إلا في بعض الصور.
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ٥/ ٢٥١ رقم ٢٦٤١.
(٢) مصرع التصوف: ٢٥٢.
(٣) الإعلام بقواطع الإسلام ص: ٨٢.
(٤) أخرجه البخاري: ٥/ ٢٨٨ رقم ٢٦٨٠، ومسلم: ٣/ ١٣٣٧ رقم ١٧١٣.
(٥) تنبيه الغبي: ٢٣، والزواجر عن اقتراف الكبائر: ١/ ٣٢، والإعلام بقواطع الإسلام ص: ١٩.
(٦) تنبيه الغبي: ٢٣.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
قال بعضهم: "وإن كان قائلها -أي كلمة الكفر- لم يرد ظاهرها فهو كافر بقوله، ضال بجهله، ولا يعذر في تأويله لتلك الألفاظ، إلا أن يكون جاهلًا بالأحكام جهلًا تامًا عامًا، ولا يعذر في جهله لمعصيته لعدم مراجعة العلماء والتصانيف على الوجه الواجب من المعرفة" (^١).
ويستفاد من هذا أن الجهل أيضًا ليس بعذر في مثل هذه الأمور الاعتقادية الواضحة، فإن العلماء لم يعذروا بالجهل في باب الكفر إلا في بعض المسائل الدقيقة أو في التي لها شبهة قوية تمنع الحكم حتى تبين وقد تقدمت (^٢) الإشارة إلى ذلك.
ي - الأهم من هذا كله هو أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذا هو حجة من يرى المجاز العقلي ويبيح إسناد الدعاء لغير الله تعالى.
فلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله تعالى على المجاز العقلي، ويمنع من الحكم عليه بالشرك، لكان الله تعالى أعذر المشركين الذين يعتقدون التسبب والوساطة، ولحكم بكفر من يعتقد الاستقلال فقط، وأما من اعتقد أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى وأنها شفعاء عند الله فاستثناهم ولم يحكم بكفرهم، ولكن رأينا أن الله تعالى حكم على الكل بالكفر والشرك في كتابه العزيز، فلا ينفع ادعاء المجاز العقلي ولا الجدال عنهم بمثل هذه التأويلات البعيدة والحيل الفاسدة، قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩].
وقد تقدم سابقًا بما لا يدع مجالًا للشك أن المشركين الأوائل كانوا يقرون بالربوبية والتأثير المطلق الله تعالى، وإنما يعتقدون الشفاعة والوساطة
_________________
(١) العلم الشامخ: ٥٩٠، وتنبيه الغبي: ١٥٩.
(٢) تقدم ص: ٥٦٥ - ٥٦٦، ٩٢٩.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
والتسبب فكما لم ينفعهم ذلك الاعتقاد ولم يعذرهم الله تعالى، فكذلك من دعا غير الله تعالى من الأموات والغائبين وادعى الوساطة والشفاعة والتسبب لا ينفعه ذلك.
مع أننا بينّا أن كثيرًا منهم يعتقد التأثير لا الوساطة فقط، كما بينّا ما في شبهة الوساطة والشفاعة من المحاذير والمفاسد - فلله الحمد وهو المستعان وعليه التكلان.
[ ٢ / ٩٣٠ ]