روي عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هذا
_________________
(١) انظر الاستشهاد بالآية في المحكم: ٧/ ٣٣٦، اللسان: ١/ ٥٢٨.
(٢) الطبري: ١٨/ ٣٧، ونسبه في الدر أيضًا إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر: ٥/ ١٢.
(٣) جمهرة اللغة لابن دريد: ١/ ٣٣٠، الصحاح: ٤/ ١٦٤٣، والنهاية: ١/ ١٦٧، واللسان: ١/ ٣٧٥.
(٤) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٢٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
الإخلاص يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مدًا" (^١).
ويظهر من تتبع إطلاقات الابتهال أنه خاص بالدعاء المبالغ فيه والذي اجتهد الداعي فيه وبالغ كما يستفاد ذلك من عبارات اللغويين التي تقدمت.
ومن صور المبالغة والاجتهاد وآدابه مد اليدين جميعًا. فيكون الابتهال خاصًا بصفة معينة من صفات الدعاء.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٨٣ رقم ٢٠٨، وقد تقدم بقية تخريجه ص: ٩٤.
[ ١ / ١٠٣ ]
الفصل الثاني في أنواع الدعاء وأقسامه
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في أقسام الدعاء باعتبار معناه.
المبحث الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه ومتعلقه.
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه.
المطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقه.
[ ١ / ١٠٥ ]
المبحث الأول في أقسام الدعاء باعتبار معناه
اتجه العلماء في تقسيم الدعاء باعتبار معناه إلى أربع اتجاهات حسب ما أمكن الاطلاع عليه:
أ - الاتجاه الأول: أن الدعاء ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
١ - دعاء توحيد وثناء.
٢ - دعاء أمر أخروي.
٣ - دعاء حظ دنيوي.
ب - الاتجاه الثاني: أن الدعاء ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أنواع:
١ - دعاء مسألة.
٢ - دعاء ثناء.
٣ - دعاء تعبد.
جـ - الاتجاه الثالث: أن الدعاء ينقسم إلى نوعين:
١ - دعاء عبادة.
٢ - دعاء عادة.
د - الاتجاه الرابع: أن الدعاء يتنوع إلى نوعين:
١ - دعاء مسألة.
[ ١ / ١٠٧ ]
٢ - دعاء عبادة.
فهذه الاتجاهات الأربع تكون القسمة فيها باعتبار الاتجاهين الأولين ثلاثية، وباعتبار الاتجاهين الأخيرين ثنائية.
ثم هذه الاتجاهات الأربع ليس بينها كبير اختلاف وتباين، لكن بعضها أدق من بعض في الشمول والاستيعاب، فبعضها أدق من بعض وأحكم وأشمل وأعم.
وسنذكر ما في كل اتجاه من عدم الشمول والدقة ثم نبيّن الاتجاه الدقيق وبالله التوفيق وعليه التكلان ..
أ - الاتجاه الأول: أن الدعاء ثلاثة أنواع:
١ - النوع الأول: دعاء توحيد وثناء.
٢ - النوع الثاني: دعاء أمر أخروي.
٣ - النوع الثالث: دعاء أمر دنيوي.
فأول من وقفت على كلامه ممن ذهب إلى هذا الاتجاه هو أبو إسحاق الزجاج (^١) فإنه قال: "معنى دعاء الله ﷿ على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وكقولك: ربنا لك الحمد، [إذا قلته] فقد دعوته بقولك: ربنا ثم أتيت بالثناء والتوحيد. ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] فهذا ضرب من الدعاء.
وضرب ثان: هو مسألة الله العفوَ والرحمةَ وما يقرب منه كقولك: اللهم اغفر لنا.
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص: ٢٩.
[ ١ / ١٠٨ ]
وضرب ثالث: هو مسألته [الحظ] من الدنيا كقولك: اللهم ارزقني مالًا وولدًا وما أشبه ذلك. وإنما سمي هذا أجمعُ دعاءً، لأن الإنسان يصدر في هذه الأشياء بقوله: يا الله، يا رب ويا حي فلذلك سُمي دعاءً" (^١).
وهذا التقسيم الذي ذكره الزجاج يرجع في الحقيقة إلى نوعين فقط وذلك لأن الضرب الثاني والثالث كلاهما سؤال الله تعالى والطلب منه إلا أن أحدهما يتعلق بحظ من حظوظ الدنيا والآخر يتعلق بالآخرة، وهذا التعلق لا يخرجهما عن كونهما نوعًا واحدًا، ويدل على هذا أن ابن سيده ذكر أن الدعاء على وجهين: الأول طلب في مخرج اللفظ، والمعنى على التعظيم والمدح، والثاني الطلب لأجل الغفران أو عاجل الإنعام (^٢).
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن تقسيم الدعاء إلى نوعين فقط - وهو الذي سيأتي بعد هذا - أدقُّ وأوجزُ وأخصرُ، وإن هذا التقسيم ليس دقيقًا، ثم إن قول الزجاج: فضرب منها توحيده والثناء عليه وتمثيله له بما يشتمل على الذكر والتهليل والتحميد لا يشمل أنواع العبادات الأخرى مع أنه يطلق على جميع أنواع العبادات.
ويؤكد تعليله تسميتها دعاء بأن في أولها الدعاء الذي هو النداء بقوله: يا الله يا رحمن أنه يريد حصر إطلاق الدعاء على نوع خاص من العبادة وهو ما كان من باب الثناء والذكر وهذا دليل آخر على عدم دقة هذا التقسيم وأبو إسحاق الزجاج نفسه ذكر في موضع آخر (^٣) أن الدعاء معناه العبادة ولم يقيده بالثناء والذكر.
_________________
(١) معاني القرآن: ١/ ٢٥٥، وتهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ١١٩، ولسان العرب: ٣/ ١٣٨٥، وما بين المعكوفتين ليس في كتاب الزجاج المطبوع وإنما هو زيادة من المرجعين الآخرين، وقوله: فلذلك، في الأصل: فكذلك.
(٢) المخصص: ١٣/ ٨٨.
(٣) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣٤٤.
[ ١ / ١٠٩ ]
ب - الاتجاه الثاني: أن الدعاء على ثلاثة أنواع أيضًا:
١ - النوع الأول: دعاء مسألة.
٢ - النوع الثاني: دعاء ثناء.
٣ - النوع الثالث: دعاء تعبد.
فأول من وقفت على كلامه ممن ذهب إلى هذا الاتجاه هو ابن القيم ﵀ فإنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال ﵀: "الدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد" (^١).
فالمراد بدعاء المسألة هو "طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه" (^٢).
والمراد بدعاء الثناء هو ذكر أسماء الرب ﵎ وصفاته، والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه إما إنشاء وإما إخبارًا (^٣).
والمراد بدعاء التعبد هو سائر أنواع العبادات القلبية والبدنية والمالية فإن فيها نوعًا من الطلب والسؤال كما سيأتي.
فهذا التقسيم هو مثل التقسيم الأول يرجع في الحقيقة إلى نوعين فقط. فدعاء الثناء، ودعاء التعبد، يعدان قسمًا واحدًا وليسا قسمين ويدل لذلك أن ابن القيم نفسه ذكر في الآية السابقة في موضع آخر (^٤) أن الدعاء فيها مرتبتان، دعاء ثناء وعبادة، ودعاء طلب ومسألة فجعل دعاء الثناء والعبادة نوعًا واحدًا كما أنه ذكر في موضع آخر أن الدعاء نوعان دعاء ثناء ودعاء مسألة (^٥).
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٤٢٠.
(٢) بدائع الفوائد: ٣/ ٢.
(٣) الوابل الصيب: ١٧٨ - ١٨٠.
(٤) بدائع الفوائد: ١/ ١٦٤.
(٥) زاد المعاد: ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
[ ١ / ١١٠ ]
ويمكن أن يقال: إنما ذكر دعاء الثناء مفردًا عن دعاء التعبد لأن الثناء على المدعو يدل على الطلب والمسألة أكثر من دلالة أنواع العبادات الأخرى، لأن الداعي ربما يتعرض لحوائجه بالمدح والثناء لمن يريد منه النوال والعطاء، فالعبادات الأخرى وإن كانت تستلزم الطلب والسؤال إلا أن دلالتها أقل من دلالة الثناء على الطلب. وتقدم (^١) ما يزيد هذا وضوحًا في كلام سفيان بن عيينة ﵀.
جـ - الاتجاه الثالث: أن الدعاء على نوعين:
١ - النوع الأول: دعاء عبادة.
٢ - النوع الثاني: دعاء عادة.
فأول من وقفت على كلامه في ذلك هو الشيخ محمد رشيد رضا (^٢)، ثم الشيخ أبو السمح محمد عبد الظاهر (^٣) رحمهما الله تعالى.
قال الشيخ محمد رشيد: "إن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء العادة، فالثاني ما يطلبه الناس بعضهم من بعض مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم، ودعاء العبادة: هو طلب ما وراء الأسباب مما لا يقدر عليه إلا رب العباد" (^٤) وذكر نحوه الشيخ أبو السمح (^٥).
ويلاحظ على هذا التقسيم أنه غير شامل إذ لا يشمل دعاء التعبد والثناء فدعاء العبادة على هذا التفسير راجع إلى دعاء المسألة إلَّا أنه خاص
_________________
(١) ص: ٧٥.
(٢) هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد القلموني البغدادي الأصل الحسيني، مفسر أديب سياسي، له جهود في خدمة الإسلام ونشر العقيدة الصحيحة لاسيما ما يتعلق بتوحيد الألوهية، وقد أصدر مجلة المنار في مصر، (ت ١٣٥٤ هـ)، انظر معجم المؤلفين: ٩/ ٢١٠.
(٣) هو خطيب وإمام الحرم المكي، ومدير دار الحديث المكية، (ت ١٣٩٣ هـ).
(٤) تعليق الشيخ محمد رشيد على صيانة الإنسان ص: ٣٧٤.
(٥) انظر حياة القلوب بدعاء علام الغيوب ص: ٣١.
[ ١ / ١١١ ]
بسؤال الله تعالى فهو تقسيم لدعاء المسألة إلى كونه عبادة إذا كان فيما وراء الأسباب وكونه عادة إذا كان في الأمور العادية التي هي مرتبطة بالأسباب، وقد ذكر العلماء ما يشبه هذا في الاستغاثة الجائزة وغير الجائزة كما سيأتي (^١) إن شاء الله تعالى.
د - الاتجاه الرابع: أن الدعاء على نوعين:
١ - النوع الأول: دعاء مسألة.
٢ - النوع الثاني: دعاء عبادة.
فأول من رأيت قد صرح بهذا الاتجاه هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه ابن القيم وغيره.
وأما شيخ الإسلام فقد ذكر هذا التقسيم في عدة مواضع من كتبه، فمن ذلك قوله: "لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين دعاء العبادة ودعاء المسألة … " (^٢) ويسميه في مواضع دعاء العبادة، ودعاء المسألة والاستعانة (^٣).
وأما ابن القيم فإنه ذكر هذا التقسيم في عدة مواضع من كتبه أيضًا منها قوله في جلاء الأفهام: "والدعاء نوعان دعاء عبادة ودعاء مسألة، والعابد داع، كما أن السائل داع" (^٤)، وقوله في بدائع الفوائد في تفسير آية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ..﴾ [الأعراف: ٥٥]: "هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء، دعاء العبادة ودعاء المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما" (^٥).
_________________
(١) يأتي في ص: ٤٩١.
(٢) الفتاوى: ١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨، ونحوه في الفتاوى: ١٥/ ١٠، واقتضاء الصراط: ٤١١.
(٣) الفتاوى: ١/ ٦٩ و٢/ ٤٥٦.
(٤) جلاء الأفهام ص: ١٨.
(٥) بدائع الفوائد: ٣/ ٢، وسياقه في هذا الموضع مأخوذ من كلام شيخه ابن تيمية في الفتاوى، قارن بين الموضعين الفتاوي: ١٥/ ١٠ - ٢٨.
[ ١ / ١١٢ ]
وقال في البدائع في موضع آخر: "فالتشهد يجمع نوعي الدعاء دعاء الثناء والخير، ودعاء الطلب والمسألة" (^١).
وإنما قيدنا في بداية الكلام بأن هؤلاء هم أول من صرح بهذا التقسيم لأن هذا التقسيم موجود قبل هؤلاء في ضمن كلام من سبقهم من السلف وذلك لدلالة القرآن والسنة عليه، فالسلف فهموا هذا التقسيم من الكتاب والسنة، فمن العلماء الذين أشاروا إلى ذلك بدون تصريح للتقسيم:
١ - سفيان بن عيينة عندما سئل عن معنى دعاء يوم عرفة كما مر (^٢).
٢ - ابن جرير فإنه ذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وجهين أحدهما: مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى الإجابة الوفاء بما وعدهم على العمل من الأجر واستدل على ذلك بحديث: "الدعاء هو العبادة" ثم قال: "فأخبر ﷺ أن دعاء الله إنما هو عبادته ومسألته بالعمل له والطاعة، ثم نقل عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، اعملوا وأبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله" (^٣).
وقال أيضًا: "والدعاء لله يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولًا وعملًا، وقد يكون بالعمل له بالجوارح" (^٤).
٣ - البغوي فإنه قال: "قيل: معنى الدعاء هاهنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب" (^٥).
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٢/ ١٩٠.
(٢) مر ص: ٥٣.
(٣) تفسير ابن جرير: ٢/ ١٦٠ - ١٦١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٢ - ١٤.
(٤) تفسير ابن جرير: ٧/ ٢٠٥.
(٥) معالم التنزيل: ١/ ١٥٦.
[ ١ / ١١٣ ]
وهذا التقسيم الرابع هو التقسيم الأحسن والأدق، لأنه أشمل وأعم، كما أنه أوجز وأخصر، فلهذا فهو أدق وأحكم، أما كونه أشمل وأعم، فلأنه يدخل فيه جميع أنواع الدعاء، فلم يخرج عنه شيء لم يشمله، وأما كونه أوجز وأخصر فواضح لكون القسمة فيه ثنائية، وأما كونه أدق وأحكم فلسلامته من الاعتراضات التي في التقسيمات الأخرى.
وجه انقسام الدعاء إلى نوعين:
قد ذكرنا في تعريف الدعاء أن معناه هو الرغبة والقصد والتوجه إلى المدعو وهذا القصد والتوجه إلى المدعو يكون "تارة لذاته، وتارة لمسألته أمرًا منه، وهذا كالشخص يدعو غيره، ويطلبه، ويقصده، تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه" (^١).
فالقصد إلى المدعو لذاته هو المسمى بدعاء العبادة والثناء، والقصد إلى المدعو لمسألته هو المسمى بدعاء المسألة، وهذا هو وجه انحصار وانقسام الدعاء إلى نوعين فقط.
ثم إن كلا النوعين من دعاء الثناء والذكر والعبادة ودعاء المسألة والطلب فيه خاصية وفائدة لا تكون في النوع الآخر ففي الثناء والعبادة تمتلئ القلوب بعظمة الله وجلاله وفي السؤال والطلب تمتلئ بالرغبة والانطراح بين يدي الله تعالى.
قال الإمام الدهلوي ﵀: واعلم أن الدعوات التي أمرنا بها النبي ﷺ على قسمين:
أحدهما: ما يكون المقصود منه أن تملأ القوى الفكرية بملاحظة جلال الله وعظمته، أو يحصل حالة الخضوع والإخبات، فإن لتعبير اللسان عما يناسب هذه الحالة أثرًا عظيمًا في تنبه النفس لها وإقبالها عليها.
والثاني: ما يكون فيه الرغبة في خير الدنيا والآخرة والتعوذ من
_________________
(١) انظر الفتاوى: ١٥/ ١٠، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٨.
[ ١ / ١١٤ ]
شرهما لأن همة النفس وتأكد عزيمتها في طلب شيء يقرع باب الجود بمنزلة إعداد مقدمات الدليل لفيضان النتيجة، وأيضًا فإن الحاجة اللذاعة لقلبه، توجهه إلى المناجاة، وتجعل جلال الله حاضرًا بين عينيه، وتصرف همته إليه، فتلك الحالة غنيمة المحسن" (^١).
ثم إنَّ كلا النوعين من خصائص الله تعالى فلا يليقان بأن يصرفا لأحد كائنًا من كان سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا فالله هو المدعو دعاء المسألة للنفع والضر كما أنه هو المدعو المعبود للرجاء والخوف (^٢).
فهذان النوعان مختصان به ﵎ ولا يصلحان أن يصرفا لغيره.
قال شيخ الإسلام ﵀: وكلا نوعي الدعاء مختصان بالله تعالى حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك وذلك من معنى أنه الأحد الصمد فإن كونه أحدًا يوجب أن لا يشرك به في العبادة ولا الاستغاثة فلا يدعى غيره.
والاسم الصمد جاء معرفًا يبين أنه هو الصمد الذي يستحق أن يصمد إليه بكلا نوعي الصمد، وهذان الاسمان الأحد والصمد لم يذكرا في القرآن إلا في هذه السورة - يعني سورة الإخلاص -. والله هو المقصود لذاته ولما يطلب منه فهو مقصود مدعو لنفسه كما أنه مقصود مدعو لما يسأل عنه ويطلب منه وهو الصمد في الأمرين لا يصلح لغيره أن يكون هو المعبود ولا أن يكون هو المتوكل عليه المستعان به المسؤول منه (^٣).
تلازم نوعي الدعاء:
قد ذكرنا أن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهذا
_________________
(١) حجة الله البالغة: ٢/ ٧٤.
(٢) بدائع الفوائد: ٣/ ٢، والفتاوى: ١٥/ ١٠.
(٣) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
[ ١ / ١١٥ ]
التقسيم معناه أن الدعاء يراد به تارة دعاء المسألة، وتارة دعاء العبادة، وليس معنى هذا أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام (^١) أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي يكون فيه أظهر بدلالة المطابقة.
فإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن (^٢) لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة ومخها وروحها وحقيقتها. فالآيات التي ورد فيها الدعاء مرادًا به دعاء المسألة - تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة -.
وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام (^٣) وذلك لأن العابد لله تعالى كالذي يذكر الله مثلًا فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال (^٤).
فالعابد لله سبحانه سائل لله تعالى، يسأله الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فإنه يعبد الله خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمته، ولا يخلو العابد في قرارة نفسه من الخوف والرجاء، لا كما يزعمه بعض المتصوفة "إنه
_________________
(١) دلالة اللفظ على تمام ما وضع له تسمى مطابقة، وعلى جزئه تضمنًا، وعلى الخارج التزامًا، قال صاحب السلم: دلالة اللفظ على ما وافقه .. يدعونها دلالة المطابقة، وجزئه تضمنًا وما لزم .. فهو التزام إن يعقل التزم. اهـ. إرشاد الفحول ص: ١٧، وسلم المنورق ضمن مجموع المتون: ٢٧٣، ومنهاج السنة: ٥/ ٤٥٢ - ٤٥٤.
(٢) مجموع الفتاوى: ١٥/ ١٠، ١٠/ ٢٤٣، وجلاء الأفهام ص: ٨١.
(٣) الفتاوى: ١٥/ ١١، بدائع الفوائد: ٣/ ٣، ونحوه في اقتضاء الصراط: ٤١١.
(٤) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٣٧.
[ ١ / ١١٦ ]
يعبد الله لا خوفًا من النار ولا طمعًا في الجنة وإن هذا المقام نقص، وإنما الكمال في عبادة الله لذاته" (^١) وهذا باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة ولواقع عباد الله الصالحين من الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة.
ولهذا فالعبادة تستلزم السؤال والطلب، فإذا أريد من الدعاء دعاء العبادة فإنه يدل على دعاء المسألة استلزامًا.
فالعابد لا بد أن يطلب غرضًا ما عاجلًا أو آجلًا، فلا يخلو في قرارة نفسه من رغبة أو رهبة.
وبما تقدم تبين أن نوعي الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ذكر أحدهما دخل معه الآخر إما تضمنًا وإما التزامًا، وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - المراد بها العبادة فقط وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة، هكذا زعموا وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله تعالى - بالعبادة. ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث إن مفهومها عندهم لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، وأما الدعاء والاستغاثة، والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة، هكذا زعموا وهذا الزعم الذي زعموه ستأتي مناقشته (^٢) إن شاء الله تعالى.
ضوابط معرفة نوعي الدعاء:
قد ورد إطلاق الدعاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه:
١ - أن يراد منه دعاء المسألة.
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٦٩١.
(٢) سيأتي ص: ٨٧٧.
[ ١ / ١١٧ ]
٢ - أن يراد منه دعاء العبادة.
٣ - أن يراد منه مجموعهما.
فهذه الأوجه الثلاثة هي التي تدور عليها إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم إما أن يراد منه أحدهما أو يراد منه ما يشمل النوعين (^١).
وهذه الاستعمالات الثلاث كثيرة في القرآن الكريم قد ورد بكل منها عدة آيات، وفيما يلي بيان لتلك الاستعمالات مع المحاولة لجعل ضوابط تعرف بها تلك الآيات مع أن هذه الضوابط ليست ضوابط بالمعنى الصحيح الذي لا يمكن تخلفه أو انفكاكه بل هو تقريبي وذلك لأن الأمر يتطلب استقراءً تامًا في كتاب الله تعالى ودراسة كل آية دراسة وافية، وما قال فيها علماء التفسير.
بعض الآيات التي تكون دلالتها على دعاء المسألة أقوى:
ويمكن تقسيم تلك الآيات إلى أربع مجموعات:
١ - المجموعة الأولى: الآيات التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في وقت الشدائد والمصائب والاضطرار، وعن كشف الله تعالى لتلك الشدائد.
٢ - المجموعة الثانية: الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم من الأنبياء التوسل لهم إلى الله بالدعاء.
٣ - المجموعة الثالثة: الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وابتهالاتهم.
٤ - المجموعة الرابعة: الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله لدعاء من دعاهم.
ففي هذه المجموعات تكون دلالة الآيات على دعاء المسألة أظهر،
_________________
(١) انظر الفتاوى: ١٥/ ١٠، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.
[ ١ / ١١٨ ]
وقد تكون الدلالة على المسألة واضحة صريحة حتى تعد نصًا فيها كما في المجموعة الثانية والثالثة، ومع هذا فهي دالة على دعاء العبادة بطريق التضمن فهي تدل على دعاء المسألة مطابقة، وعلى دعاء العبادة تضمنًا.
ومن هنا نجد من العلماء من يحمل تلك الآيات على دعاء العبادة مع ظهورها في المسألة وذلك لتداخل النوعين من حيث التلازم وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر.
أمثلة المجموعة الأولى:
وهي التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في الشدائد، وكشف الله لها: منها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]، فهذه الآية أظهر في دعاء المسألة لأن المضطر يحتاج إلى نيل مطلوبه العاجل أكثر من احتياجه إلى الأجر والثواب في الآخرة فإن الإجابة تكون على دعاء المسألة بنيل المطلوب، وفي دعاء العبادة بالأجر والثواب، ومما يؤيد كونها في دعاء المسألة قوله: "ويكشف السوء" فكشف السوء هو مطلوب السائل المضطر فهو به أنسب وأليق. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
قال الدهلوي ﵀: "وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة، لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ﴾ " (^١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة" (^٢). ومن ذلك قوله تعالى:
_________________
(١) حجة الله البالغة: ١/ ٦٢.
(٢) تحفة الطالب والجليس: ١٠٣.
[ ١ / ١١٩ ]
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، فهذا "ظاهر في دعاء المسألة لمناسبة الحال والواقع" (^١).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨].
وقوله جل شأنه: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩].
أمثلة المجموعة الثانية:
وهي الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم عن أنبيائهم دعاء الله لهم والتوسل لهم: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا …﴾ [البقرة: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
أمثلة المجموعة الثالثة:
وهي الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وسؤالهم له: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
_________________
(١) المرجع السابق: ١٠١.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقوله جل شأنه: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
وقوله عز من قائل: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ ..﴾ إلى قوله: ﴿.. قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩].
وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ..﴾ إلى قوله: ﴿.. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣ - ٤].
فهذا في دعاء المسألة أظهر، والمعنى إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه (^١).
أمثلة المجموعة الرابعة:
وهي الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله دعاء من دعاهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، فسياق الآيات يدل على أن المراد بالدعاء دعاء المسألة فهو صريح في دعاء المسألة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤]، فهذا أظهر في دعاء المسألة يبكتهم الله ﷿ ويخزيهم يوم القيامة بأمرهم بطلب من شركائهم فلا يستجيبون لدعوتهم، وليس المراد اعبدوهم وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف: ٥٢] (^٣).
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٤، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.
(٢) النبذة الشريفة ضمن مجموعة الرسائل: ٤/ ٦٠٠.
(٣) الفتاوى: ١٥/ ١٥، وبدائع الفوائد: ٣/ ٦.
[ ١ / ١٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٨].
أمثلة للآيات التي يراد بها دعاء العبادة وهي فيه أظهر:
فقد ورد في القرآن الكريم استعمال الدعاء بمعنى العبادة وكثر ذلك (^١) حتى ادعى بعضهم أن ذلك هو المراد في كل ما ورد في القرآن كما سيأتي (^٢) فلهذا نورد بعض الأمثلة لهذا الاستعمال، ونشير إلى ما يمكن اعتباره ضابطًا لهذا الاستعمال، ثم نشير إلى السبب في العدول من العبادة إلى الدعاء مع أنه لو عبر بالعبادة بدل الدعاء لكان أوضح في المراد. فمن الآيات التي تكون في دعاء العبادة أظهر، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦، وغافر ٦٦] فالدعاء هنا أظهر في العبادة بدليل اقترانه بقوله: "أَن أَعبد".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ..﴾ إلى قوله: ﴿.. إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٦، ١١٧].
وقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] تقدم (^٣) تفسير الأزهري للآية بأن معناها أتعبدون ربًا سوى الله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].
_________________
(١) فتح القدير للشوكاني: ٤/ ٤٩٨.
(٢) يأتي في ص: ٨٧٧.
(٣) ص: ٣٠.
[ ١ / ١٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].
فهذا في دعاء العبادة: "والمعنى اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره" (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. "فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة، وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السموات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب" (^٢).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطًا للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر فقال: "وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن (^٣) دعاء المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر، لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم.
الثاني:: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى:
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ١٤، وبدائع الفوائد: ٣/ ٥ - ٦.
(٣) قوله: "المتضمن يريد به المستلزم، وكأنه ما أراد التقيد باصطلاح المناطقة وإنما أولنا هذا لأن الشيخ نفسه ﵀ يقرر أن هذا من باب التلازم وليس من باب التضمن كما تقدمت الإشارة إلى كلامه ص: ٨٧.
[ ١ / ١٢٣ ]
﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢]، وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها.
الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة" (^١).
ويأتي هنا سؤال مهم جدًا وهو أنه إذا كان المراد بالدعاء في الآيات التي ذكر فيها دعاء المشركين لأوثانهم، العبادة المستلزمة للسؤال والطلب فما هو السر وما هي الحكمة في العدول في كلام الله تعالى الحكيم من العبادة إلى الدعاء فهل هناك أسرار وحكم ونكات؟؟ فالجواب: إن المسلم لا بد له أن يعتقد أن من كلام الله تعالى له أسرار وفوائد وحكم وهذا العدول لا بد أن يكون فيه سر وإن كنا لا نستطيع الجزم بعين السر، وهذا هو معتقد المسلم الإجمالي، وأما تفصيلًا فقد يكون العالم يظهر له مَّا فيذكره بدون ادعاء أنه عين ما أراده الله من ذلك، فالجزم سوء أدب، فعلى هذا فنذكر بعض ما قاله العلماء في سر العدول عن التعبير بالعبادة إلى التعبير بالدعاء.
١ - قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله بعد أن ذكر أن الدعاء عماد الدين قال: "وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة، دالة على الطلب والمسألة على اختلاف المطلوب والمسؤول، وكأن هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة، في أكثر موارد القرآن والسنة"، ثم ذكر أنه يشهد لهذا حديث أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وجواب ابن عيينة عن ذلك (^٢).
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.
(٢) تحفة الطالب والجليس: ٩٨ - ٩٩، أو دلائل الرسوخ: ٧٣.
[ ١ / ١٢٤ ]
٢ - وقال الشيخ حسين بن مهدي النعمي ﵀ بعد أن أورد سؤالًا هل سجل الله تعالى على الوثنية بالسجود لغيره كما سجل بدعائهم غيره؟؟ قال: "وكأنه -والله أعلم- لما كان الدعاء هو العبادة أو مخها، والسجود إنما هو كأنه عبارة عن بعض معاني الدعاء، وهو المعنى الأشمل الأكمل في هذا الباب كان قبلة القصد، وعمدة المنتحى، وقاعدة المرمى، ومع التأمل أيضًا كأن الدعاء بعض معاني السجود، وكأنهما أيضًا لتلاقي حاصلهما فرسا رهان" (^١).
٣ - ويمكن أن يقال في سر العدول أيضًا: إن أغلب عبادة المشركين لأوثانهم إنما هو بالدعاء والطلب كما هو مشاهد اليوم بين من يعبد القبور، فإن أغلب أعمالهم نحوها الاستغاثة والاستمداد والاستشفاع، فهذه الأعمال التي هي من أنواع الدعاء، أكثر وقوعًا وانتشارًا من الأعمال الأخرى كالنذر والذبح.
فلكون دعاء غير الله تعالى أكثر وقوعًا من غيره من أنواع الشرك الموجود عندهم، صار أهم من غيره، وانصب توجيه الإنكار عليه دون غيره من أنواع العبادات.
ومن هنا نستطيع أن نعرف أيضًا السبب في أن القرآن الكريم لم يكثر من النهي عن السجود لغيره تعالى والنذر، والذبح، وأنواع العبادات، مثل ما أكثر من النهي عن دعاء غيره تعالى فإننا إذا تتبعنا الآيات التي نهت صراحة عن السجود لغيره تعالى لا نجد إلا آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. بينما نجد الآيات الكثيرة المتنوعة الأساليب التي نهت عن دعاء غير الله تعالى كثيرة جدًا. فالسبب في هذا والله أعلم هو أن دعاء غير الله تعالى الأكثر وقوعًا وانتشارًا من السجود كما أن الدعاء هو المعنى الأشمل
_________________
(١) معارج الألباب: ١٨٧ - ١٨٨.
[ ١ / ١٢٥ ]
الأكمل وهو لب العبادة ومخها فصار هو الأهم.
أمثلة للآيات التي يراد بالدعاء فيها مجموع الأمرين: دعاء العبادة ودعاء المسألة:
وهذه الآيات تختلف فيها وجهات النظر فمن هنا نجد من المفسرين من يفسرها بالمسألة ومن يفسرها بالعبادة وهذا الخلاف منهم يدل على أن الآية تحتمل الأمرين فلو لم تحتمل لما اختلفوا والذي يحل هذا الاختلاف هو حمل الآية على الحقيقة المتضمنة للأمرين جميعًا وبهذا يرتفع الخلاف، وتكون الآية صالحة للأمرين.
فمن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦].
فهذه الآية فسرت بنوعي الدعاء (^١)، قيل في قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أعطيه إذا سألني، وقيل: "أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني، فيكون معنى الدعاء مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى الإجابة من الله التي ضمنها له الوفاء له بما وعد العاملين له بما أمرهم به" (^٢) فعلى القول الثاني يكون معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة، الثواب (^٣).
فهذه الآية تحتمل المعنيين فلهذا فسرت بهما، فيكون الراجح فيها أنها في مجموع المعنيين فالمراد بالدعاء فيها المعنى الشامل العام المشترك الذي يصدق على النوعين.
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣ وجلاء الأفهام ص: ٨١، وزاد المعاد: ١/ ٢٣٥.
(٢) ابن جرير الطبري: ٢/ ١٦٠.
(٣) انظر تفسير البغوي: ١/ ١٥٦، ونحوه في القرطبي: ٢/ ٣٠٨.
[ ١ / ١٢٦ ]
ومن تلك الآيات أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
فقد فسرت هذه الآية بالمعنيين (^١) فقد ورد في تفسيرها بالعبادة حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" وقرأ رسول الله ﷺ: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم … " وهذا هو من البيان الذي أمر النبي ﷺ بتبيينه للناس، ويؤيد هذا أيضًا قوله في آخر الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ كما يؤيده قول الحسن البصري فقد روي عنه أنه قال في هذه الآية: "ادعوني أستجب لكم قال: اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله (^٢).
وفسرت أيضا بدعاء المسألة وفسر قوله: "عن عبادتي أي عن دعائي، وإلى هذا ذهب السدي (^٣)، وقال السبكي: الأولى حمل الدعاء على ظاهره وأما قوله عن عبادتي فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عنها استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا ومن فعل ذلك فقد كفر" (^٤). ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ فالأرجح أنه إضافة المصدر إلى فاعله أي لولا دعاؤكم إياه فعلى هذا فالمراد به نوعا الدعاء أي ما يعبأ بكم ربي لولا أنكم تعبدونه أو لولا أنكم تدعونه دعاء
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣، وجلاء الأفهام ص: ٨١، وتفسير البغوي: ٤/ ١٠٣.
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد رواية نعيم بن حماد ص: ١٨ رقم ٧٦، ومن طريقه ابن جرير: ٢/ ١٦١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٩ رقم ٩.
(٣) ابن جرير ٢٤/ ٧٩، وزاد المسير: ٧/ ٢٣٤.
(٤) فتح الباري: ١١/ ٩٥، والزرقاني: ٢/ ٣٢.
[ ١ / ١٢٧ ]
مسألة، وقد ورد (^١) تفسير الدعاء في الآية بالإيمان والعبادة والمسألة، وهذا يدل على أن الآية تحتمل المعنيين وأنها مشتركة ولكن شيخ الإسلام (^٢) يرى أنها في العبادة أظهر مع دلالتها على المسألة فتكون من الوجه الثاني المتقدم.
ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]، فقد فسر قوله تعالى له دعوة الحق بتوحيد الله وشهادة أن لا إله إلا الله، روي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة أي لله من خلقه الدعوة التي هي الحق فهذه الدعوة خاصة به فليست تنبغي لغيره (^٣).
فعلى هذا فمعنى الدعوة العبادة وأهم العبادات التوحيد أي فالله الحق هو الذي يوحد ويفرد بالعبادة.
وفسر أيضًا بالدعاء والسؤال والتضرع، أي الله مختص به الدعاء الحق والتضرع الثابت الواقع في محله المجاب عند وقوعه … فإجابة الدعاء له تعالى دون غيره، ويؤيد هذا الوجه تمام الآية (^٤) ولهذا يرى بعضهم أن هذه الآية نص في دعاء المسألة (^٥) لكن مفسرو السلف علي وابن عباس وغيرهما فسروا بما يفيد دلالتها على العبادة.
_________________
(١) تفسير البغوي: ٣/ ٣٧٩، وابن جرير: ١٩/ ٥٥، وانظر ما تقدم في ص ٤٢ - ٤٣.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ١٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.
(٣) تفسير ابن جرير أخرجه عن علي وابن عباس وقتادة وابن زيد ١٣/ ١٢٨، وزاد المسير: ٤/ ٣١٧، وابن كثير: ٢/ ٥٠٧.
(٤) روح المعاني: ١٣/ ١٢٣.
(٥) انظر القول الفصل النفيس: ٧٨، ٨٩.
[ ١ / ١٢٨ ]
ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فالدعاء بالأسماء الحسنى يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة (^١)، ففي السؤال والطلب يدعى الله تعالى بأسمائه وصفاته التي تتناسب مع المطلوب نحو يا غفار اغفر لي، وفي العبادة يعبد الله تعالى ويمدح ويثني عليه ويذكر بأسمائه الحسنى وصفاته العليا كما أنه يعبد أيضًا "باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها وتمتلئ بأجل المعارف فمثلًا أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلوب تعظيمًا الله وإجلالًا له وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة الله وشوقًا له وحمدًا له وشكرًا … فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته وتعبده بها الله لا يحصل العبد في الدنيا أجل ولا أفضل ولا أكمل منها وهي أفضل العطايا من الله لعبده وهي روح التوحيد وروحه، ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخاص والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكمل من الموحدين، وإثبات الأسماء والصفات هو الأصل لهذا المطلب الأعلى" (^٢).
ويشبه هذه الآية الحديث الوارد في إحصاء الأسماء الحسنى فقد فسر بالمسألة بها وبالتعبد بها.
فقد فسر إحصاء الأسماء الحسنى الوارد في حديث: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" (^٣) بالتعبد بها بحسن المراعاة لها والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم فيخطر بقلبه الرحمة ويعتقدها صفة الله ﷿
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٤١٨.
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد للسعدي: ١٣٣ - ١٣٤.
(٣) سيأتي تخريجه ص: ٢٠٣.
[ ١ / ١٢٩ ]
فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته … وإذا قال: السميع البصير علم أنه لا يخفى على الله خافية وأنه بمرأى منه ومسمع فيخافه في سره وعلنه ويراقبه في كافة أحواله" (^١).
إطلاق الدعاء على النوعين:
إذا أطلق الدعاء وأريد منه ما يشمل النوعين فهل هو من باب استعمال المشترك (^٢) في معنييه كليهما أو حقيقة (^٣) هو في أحدهما مجاز في الآخر أو هو حقيقة في القدر المشترك بينهما فيكون من باب الأسماء المتواطئة (^٤).
فهذه الاحتمالات ثلاث فالاحتمالان الأولان فيهما خلاف طويل بين الأصوليين في جوازهما. فبالنسبة إلى استعمال المشترك في معنييه كليهما
_________________
(١) شأن الدعاء: ٢٧ - ٢٨، وانظر طريق الهجرتين: ٤٣ - ٤٥، والفتح: ١١/ ٢٢٥ - ٢٢٧ و١٣/ ٣٧٨.
(٢) المشترك: ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير كالعين لاشتراكه بين المعاني: الباصرة والجارية والشمس … ومعنى الكثرة ما يقابل الوحدة لا ما يقابل القلة، فيدخل فيه المشترك بين المعنيين فقط كالقرء والشفق. اهـ. التعريفات: ٢١٥.
(٣) الحقيقة كلمة استعملت فيما وضعت له، والمجاز كلمة استعملت في غير ما وضعت له لقرينة وسيأتي تعريف المجاز بتوسع في مبحث شبهة المجاز العقلي إن شاء الله تعالى ص: ٩١٢.
(٤) المتواطئ: هو الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية كالإنسان والشمس، فإن الإنسان له أفراد في الخارج وصدقه عليها بالسوية والشمس لها أفراد في الذهن وصدقها عليها أيضًا بالسوية. اهـ. التعريفات ص: ١٩٩، وقال الآمدي ما ملخصه: إن الكلي ما يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون سواء وقعت الشركة بالفعل كاسم الكوكب أو لم تقع كالشمس والقمر وإن هذه الأسماء الكلية إذا كان لا اختلاف في مدلولها بشدة ولا ضعف ولا تقدم ولا تأخر فهي متواطئة كالإنسان والفرس وإلا فمشككة كالوجود والأبيض. اهـ. الإحكام: ١/ ١٨ - ١٩، وانظر تعريفه أيضًا في مناقشة شيخ الإسلام في العقود الدرية: ٧١ - ٧٥، والفتاوى: ١١/ ١٤٢ - ١٤٥.
[ ١ / ١٣٠ ]
ذهبت طائفة من العلماء إلى جوازه وذهب آخرون إلى امتناعه مطلقًا، وذهبت طائفة أخرى إلى امتناعه في الإثبات دون النفي (^١).
واختلفوا أيضًا في الجمع بين الحقيقة والمجاز، ذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، وأجاز ذلك بعض الشافعية وبعض المعتزلة، وقال آخرون: يجوز ذلك عقلًا لا لغة (^٢).
وعلى كل من الاحتمالين اعتراضات ومناقشات طويلة من المجيزين والمانعين في كتب أصول الفقه (^٣).
القول الراجح:
الراجح أن استعمال الدعاء في معنييه من باب الأسماء المتواطئة، فيكون قد استعمل في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا (^٤). فإن الراجح في الألفاظ الدالة على معنيين فصاعدًا أنها من باب الأسماء المتواطئة وليست من باب استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه ولا من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وذلك لأن كونها من المتواطئة أسلم من الاعتراض كما أنه أدق نظرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدًا فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو
_________________
(١) الإحكام للآمدي: ١/ ٢٠ - ٢٣، وفواتح الرحموت: ١/ ١٩٨ - ٢٠١، وإرشاد الفحول ص: ٢٠ - ٢١، وجمع الجوامع: ١/ ٢٩٤.
(٢) إرشاد الفحول ٢٨، وفواتح الرحموت ١/ ٢١٦، المسودة: ١٦٦ - ١٦٩، وجمع الجوامع: ١/ ٢٩٨.
(٣) المصادر السابقة تحت الرقمين السابقين، وانظر أيضًا أصول السرخسي: ١/ ١٧٣ وما بعدها، والفتاوى: ٢٠/ ٤٣٨ وما بعدها، وزاد المعاد ٥/ ٦٠٦ - ٦٠٧ فقد ذكر في إبطال المسألة الأولى خمسة وجوه، وجلاء الأفهام: ٨٤ - ٨٥ ذكر فيه وجهين من المحاذير في المسألة الأولى.
(٤) الفتاوى: ١٥/ ١١، وجلاء الأفهام: ٨١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.
[ ١ / ١٣١ ]
حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهي الأسماء المتواطئة، وهي الأسماء العامة كلها، وعلى الأول يلزم المجاز، وعلى الثاني يلزم الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل، فوجب أن يجعل من المتواطئة، وبهذا يعرف عموم الأسماء كلها" (^١).
ومثل كلمة الدعاء الكلمات الواقعة في القرآن الدالة على معنيين فأكثر فهي من هذا القبيل فمن تلك الكلمات كلمة "دلوك" في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فسر الدلوك بالزوال، وفسر بالغروب، وليس بقولين بل اللفظ يتناولها معًا فإن الدلوك هو الميل، ودلوك الشمس، ميلها ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى، فمبتدأه الزوال، ومنتهاه الغروب، واللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار (^٢). إذا أطلق الدعاء على النوعين فإنه يطلق عليهما لتضمنه القدر المشترك الذي يتحقق في النوعين، وهذا القدر المشترك الذي يصدق على النوعين ما هو؟.
وفي الحقيقة يصعب التحديد بالدقة القدر المشترك الصادق على النوعين وذلك لأنه أمر كلي لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن، والتعبير عن ذلك الكلي صعب ويمكن أن نقول: إن القدر المشترك بين نوعي الدعاء هو: "الرغبة إلى الله تعالى للنفع والضر، والابتهال إليه، والتقرب إليه بكل ما يحبه ويرضاه" فهذا القدر المشترك يصدق على النوعين.
كما أنه يمكن أن نقول: إن هذا هو تعريف الدعاء العام الشامل للنوعين وقد تقدم، وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا القدر المشترك في تعريف الصلاة بمعنى الدعاء فذكر أن المعنى العام هو: "دعاء الله أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع" (^٣).
_________________
(١) الإيمان: ٩٧ - ٩٨.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ١١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.
(٣) الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٢١٥.
[ ١ / ١٣٢ ]
وسبب الصعوبة في تحديد القدر المشترك يعود إلى أنه أمر ذهني لم يحتج أهل اللغة إلى التعبير عنه، قال شيخ الإسلام: "والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلي عام، لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن، وهو مورد التقسيم بين الأنواع، لكن ذلك المعنى العام الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه، لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج، وإلى ما يوجد في القلوب في العادة، وما لا يكون في الخارج إلاَّ مضافًا إلى غيره لا يوجد في الذهن مجردًا" (^١).
وأما إذا أطلق وأريد منه أحد النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد نحو الدعاء مرادًا به دعاء المسألة أو الإضافة نحو دعاء العبادة أو دعاء المسألة.
فهذا أيضًا لا يخرجه عن أن يكون متواطئًا، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنى به قاضي بلده، لكون اللام فيه للعهد، وأما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص فعلى كونه مخصصًا بقرينة لفظية فهو من الأسماء المتواطئة وأما على كونه مخصصًا بغلبة الاستعمال فهو لفظ مشترك (^٢).
ويمكن أن يقال في الدعاء عند الإطلاق أنه يراد به دعاء المسألة لغلبة الاستعمال فيه كما أشار إليه صاحب فتح المجيد بقوله: "إنّ الدعاء أكثر ما يستعمل في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم" (^٣).
أي نوعي الدعاء أفضل:
إذا تقرر أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة يأتي سؤال
_________________
(١) الإيمان: ٩٨.
(٢) العقود الدرية ص: ٧٤.
(٣) فتح المجيد ص: ١٨٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
مهم لمن يعتني بالعبادة ويتخيرها أي النوعين أفضل؟ وهذا سؤال لأن مهم المؤمن يحتاج إلى فقه ومعرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها حتى لا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيفوت إبليس الفضل الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها وإن كان ذلك وقته فتفوته مصلحته بالكلية لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا (^١).
فالعلماء قد اختلفوا في الجواب على ثلاثة أقوال:
١ - أن دعاء العبادة أفضل.
٢ - أن دعاء المسألة أفضل.
٣ - التفصيل والقول بأن ذلك يختلف بحسب الأشخاص والأحوال.
أدلة الفريق الأول (^٢):
أ - قوله ﷺ: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (^٣).
ب - وقوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل؟، قال: ما اصطفى الله لملائكته (^٤).
جـ - إن دعاء العبادة حق الرب ووصفه، ودعاء المسألة حظ العبد ومصلحته، فالشيء يشرف بحسب متعلقه.
إن دعاء العبادة لا يكون إلا من مخلص وأما دعاء المسألة فيكون من
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٨٩.
(٢) انظر هذه الأدلة في مدارج السالكين: ١/ ٧٥ - ٧٧، وبدائع الفوائد: ٢/ ١٩٠، والوابل الصيب، ١٨٢ والفتاوي: ٢٢/ ٣٧٩ - ٣٨٩ وانظر في الاختلاف في قيام الدعاء مقام الفاتحة، روضة الطالبين: ١/ ٢٤٦، وذكر في الأزهية ص: ٥٠ أنه مذهب ابن عيينة واختاره ابن الصباغ الشافعي، ونحوه في الدعاء المأثور ص: ١٤٣.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٠، ومسلم: ٣/ ١٦٨٥ رقم ٢١٣٧.
(٤) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٣ رقم ٢٧٣١.
[ ١ / ١٣٤ ]
مخلص ومن غير مخلص لأن الله تعالى يسأله من في السموات والأرض والكفار يسألون الله فيجيبهم.
هـ - ولأن العبادة شكر لنعمة الله تعالى والله يحب أن يشكر، وأما الدعاء فهو طلب لفعله وتوفيقه، ويحصل بالشكر لله وعبوديته التوفيق والإعانة، فكان الأولى الالتزام بالشكر حتى يحصل له الأمران ويشير إلى هذا قوله ﷺ في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (^١).
ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته.
و- ثم إن العبادة هي الغاية المطلوبة لذاتها وهي التي خلقنا من أجلها، والسؤال وسيلة إليها والمقاصد والغايات أشرف من الوسائل.
ز - إن العلماء يختلفون في العاجز عن الفاتجة هل يقوم الدعاء المحض وهودعاء المسألة مقام الذكر·
إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على فضل دعاء الثناء والعبادة.
أدلة الفريق الثاني:
أ - قوله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" وسيأتي توجيه وجه الاستدلال ومناقشته.
ب - وصفه ﷺ الدعاء بأنه مخ العبادة وأن ذلك لكونه يستدعي مزيد حضور قلبي دون سائر العبادات التي يغلب على المتعبد بها الغفلة والسهو.
جـ - إن الدعاء فيه غاية التذلل والخضوع وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية.
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص: ٣٨٥.
[ ١ / ١٣٥ ]
د - إن كل داع عابد ولا ينعكس.
هذه هي أهم العلل التي فضلوا من أجلها الدعاء على غيره من أنواع العبادات كما ذكرها الزبيدي مؤيدًا بها هذا القول (^١).
ويمكن أن يستدل لهم بالأحاديث التالية زيادة على الحديثين الماضيين:
١ - قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (^٢).
٢ - حديث ابن عباس مرفوعًا: "أفضل العبادة الدعاء" وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية (^٣).
٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ: "أي العبادة
_________________
(١) إتحاف السادة: ٥/ ٤.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ٧١٢،٧١٣، والترمذي: ٥/ ٤٥٥ رقم ٣٣٧٠، وابن ماجه: ٢/ ١٢٥٨ رقم ٣٨٢٩، وأحمد في المسند: ٢/ ٣٦٢، والحاكم: ١/ ٤٩٠، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٨ رقم ٢٨، وفي الأوسط: ٣/ ٢٥٢ رقم ٢٥٤٤، وابن حبان "موارد رقم ٢٣٩٧" والبيهقي في الدعوات رقم ٣، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء رقم "١"، وابن عدي في الكامل: ٥/ ١٧٤٢ كلهم من طريق عمران بن دوار القطان عن قتادة بن أبي الحسن عن أبي هريرة به، قال الحافظ في عمران صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج، وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ثم ذكر الحاكم بعد تصحيحه بأن أحاديث الدعوات يتساهل فيها لأنها من فضائل الأعمال وروى ذلك بإسناده عن ابن مهدي، وقال ابن القطان: رواته كلهم ثقات وما موضع في إسناده ينظر فيه إلا عمران، إتحاف السادة: ٥/ ٢٩، وفيض القدير: ٥/ ٣٦٦ وقد حسن الحديث أيضًا الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجة: ٢/ ٣٢٤ رقم ٣٠٨٧.
(٣) أخرجه الحاكم: ١/ ٤٩١، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الصحيحة: ٤/ ١٠٦ رقم ١٥٧٩، وصححه في صحيح الجامع: ١/ ٣٦٧ رقم ١١٣٣، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في الكامل: ٥/ ١٧٤٣ وضعفه.
[ ١ / ١٣٦ ]
أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه (^١).
٤ - وحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج" (^٢).
مناقشة أدلة الفريق الثاني:
ذكر وجه الحصر في قوله ﷺ: "الدعاء هو العبادة":
هذا الحديث إفادة الحصر من عدة وجوه.
١ - تعريف طرفي المبتدأ والخبر.
٢ - ضمير الفصل.
٣ - الجملة الإسمية التي تدل على الاستمرار والدوام.
وقد ذكر العلماء في توجيه هذا الحصر عدة أوجه:
الوجه الأول:
وهو ما ذكره الخطابي، وقد تبع الخطابي كثير ممن جاء بعده، قال الخطابي ﵀: "إنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة كقولهم: الناس بنو تميم، والمال الإبل، يريدون أنهم أفضل الناس أو أكثرهم عددًا أو ما
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ٢/ ١٧٩ رقم ٧١٥، والحاكم: ١/ ٥٤٣، وأبو نعيم في أخبار أصبهان: ١/ ٢١١، وقد صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: مبارك واه، ومبارك هذا هو مبارك بن حسان السلمي قال فيه الحافظ: لين الحديث. اهـ. التقريب: ٦٤٦٠.
(٢) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٦٥ رقم ٣٥٧١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٥ رقم ٢٢، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء رقم ١١، والحديث في إسناده حماد ابن واقد العيشي، قال فيه الحافظ: ضعيف، التقريب رقم ١٥٠٨، وقد حَسَّن مع ذلك إسناده فيما حكاه عنه السخاوي في المقاصد الحسنة ص: ٩٩ رقم: ١٩٥، وقد ضعف الحديث الألباني، انظر الضعيفة: ١/ ٤٩٩ رقم ٤٩٢. والشطر الأخير من الحديث رواه البزار كما في كشف الأستار: ٤/ ٣٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١٠/ ١٤٧، وفيه من لم أعرفه، وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ٢/ ٢٤٥ رقم ١٢٨٣.
[ ١ / ١٣٧ ]
أشبه ذلك، وأن الإبل أفضل أنواع الأموال وأنبلها، وكقول النبي ﷺ: "الحج عرفة" يريد أن معظم الحج الوقوف بعرفة، وذلك لأنه إذا أدرك عرفة فقد أمن فوات الحج ومثل هذا في الكلام كثير" (^١).
ويؤيد هذا الوجه ما ورد في معنى هذا الحديث من حديث أنس مرفوعًا: "الدعاء مخ العبادة" (^٢) فمُخ الشيء خالصه ولبه ووجه تخصيص الدعاء بذلك: "أنه لما كان المُخ من أعضاء الحيوان هو المغذي لها والمقوم لاستدامة بقائها شبه الدعاء به لأنه يعمل هذا العمل، وذلك لأنه يشتمل على حضور قلبي لا يوجد في غيره فهو يستدعي مزيد حضور في قلب الداعي" (^٣).
فالحصر على هذا الوجه حصر إضافي وليس حقيقيًا فكأن العبادات الأخرى ليست عبادة فهو لكماله المطلق، وكونه غاية في التذلل والخضوع، صار كأنه الوحيد في استحقاق هذا الاسم وأن غيره لا يطلق عليه هذا الاسم، فهو الفرد الكامل من أنواع العبادات ومن هنا استدل بهذا الحديث القائلون بأفضلية الدعاء المطلقة على سائر أنواع العبادات.
الوجه الثاني:
أن الغرض من العبادة طلب الثواب عليها، وهذا هو المطلوب (^٤).
_________________
(١) شأن الدعاء للخطابي ص: ٥ - ٦، وانظر فتح الباري: ١١/ ٩٤، ونسبه إلى الجمهور، وتفسير الرازي: ٥/ ١٠٦، وإتحاف السادة نقلًا عن الخطابي: ٥/ ٢٩، والرسائل الشخصية: ١٠٥، وتحفة الطالب ص: ٩٨، ومصباح الظلام ص: ١٩٩، وعون المعبود: ٤/ ٣٥٢، وفيض القدير: ٣/ ٥٤٠، والأزهية ص: ٣٠ نقلًا عن الخطابي.
(٢) تقدم تخريجه ص: ٥٩.
(٣) إتحاف السادة: ٥/ ٤.
(٤) النهاية لابن الأثير: ٤/ ٣٠٥ مادة مخ والرسائل الشخصية من مؤلفات الشيخ ص: ١٠٥.
[ ١ / ١٣٨ ]
بالدعاء أيضًا فكل من العبادة والدعاء طلب، فالداعي دعاء المسألة يطلب جلب منفعة أو دفع مضرة، والعابد كذلك يطلب جلب الثواب ودفع العقاب فالغرض منهما شيء واحد، وقد تقدم بيان تضمن كل منهما للطلب.
فعلى هذا فالحصر حقيقي فجميع أنواع العبادات هي دعاء الله تعالى وسؤال له لمرضاته وجناته وللنجاة من غضبه وعقابه.
الوجه الثالث:
أن العبادة في الحديث على معناها اللغوي الذي هو التذلل والخضوع فمعنى "الدعاء هو العبادة"، أن الدعاء الذي هو طلب قضاء حوائج من الله تعالى هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله تعالى والاستكانة له وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه (^١).
الوجه الرابع:
أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب، لأنه إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته كريم لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخره لنفسه ويمنعه من عباده، وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها (^٢).
الوجه الخامس:
إن الدعاء امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو مأمور به والمأمور به عبادة (^٣). ويؤيد هذا الوجه قراءة النبي ﷺ للآية.
والذي يظهر والله أعلم أنه لا حاجة إلى تأويل معنى الحديث
_________________
(١) فتح الباري: ١١/ ٩٥، نقلًا عن الطيبي ونحوه في فيض القدير: ٣/ ٥٤٠.
(٢) تحفة الأحوذي: ٩/ ٣١٢.
(٣) انظر النهاية لابن الأثير: ٤/ ٣٠٥، وعون المعبود: ٤/ ٣٥٣، وفيض القدير: ٣/ ٥٤٠.
[ ١ / ١٣٩ ]
واستشكاله وذلك لما تقدم في مبحث التعريف أن الدعاء يطلق على العبادة لغة وشرعًا وأن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، والعبادة مستلزمة للسؤال والطلب.
والشارع الحكيم قد بيّن البيان الشافي ولا حاجة بعد بيان الشارع إلى بيان آخر وقد ذكرنا إطلاق القرآن الدعاء على العبادة، والعبادة على الدعاء.
والرسول ﷺ بين أن الدعاء هو العبادة، فهذا من البيان الذي أمر بتبيينه للناس. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
وقد ذكر ابن القيم (^١) ﵀ بيان الرسول ﷺ للقرآن وذكر أنه على أوجه، ثم ذكر أن من تلك الأوجه: "بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك" وضرب أمثلة لذلك وذكر من تلك الأمثلة هذا الذي نحن فيه فقال: "وكما فسر الدعاء في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بأنه العبادة".
والحاصل أن الحديث لا يدل صراحة للقائلين بأفضلية دعاء المسألة لاحتماله للأوجه المذكورة ولا يمكن الاستدلال به إلا على الوجه الأول فقط، وأما على الأوجه الأخرى الباقية فلا يصح الاستدلال به.
ومن المعلوم أن الدليل إذا دخله الاحتمال سقط به الاستدلال ومن هنا تتلخص مناقشة أدلتهم في الآتي:
١ - أن الاستدلال بحديث "الدعاء هو العبادة" لا يتم لاحتماله للأوجه الأخرى المذكورة ففي بعض الأوجه أن الدعاء والعبادة سيان في المفهوم فلا يتم الاستدلال به.
٢ - ثم هو معارض بالأحاديث المصرحة بفضل الأذكار على غيره
_________________
(١) أعلام الموقعين: ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
[ ١ / ١٤٠ ]
نحو أفضل الكلام بعد القرآن أربع: سبحان الله والحمد لله .. ونحو قوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل قال: "ما اصطفى الله لملائكته"، مما اسْتَدَلَّ به مَنْ فَضَّلَ دعاء العبادة.
وأما ما ادعى من المزايا الأخرى من مزيد الحضور القلبي والتذلل والخضوع فنقول: إن المزايا والفضائل والخصائص لا تقتضي الأفضلية المطلقة كما قال العلماء (^١) وبيّنوا ذلك في الأحاديث التي تتعلق بمناقب الصحابة وفضائلهم في نحو قوله ﷺ: "أمين هذه الأمة أبو عبيدة" (^٢) فتخصيصه بالأمانة لا يقتضي أفضليته على الخلفاء الأربعة، فكذلك ما نحن فيه.
٣ - وأما ما ادّعى من عدم انعكاس إطلاق الدعاء على العبادة فغير مسلم لما علم من تلازمهما وأن كل عابد داع وقد تقدم ذلك مفصلًا.
٤ - وأما قوله ﷺ: "ليس شيء أكرم على الله"، فعلى فرض صحة الحديث فهو أيضًا من باب الخصائص والمزايا فكونه أكرم لا يدل على الأفضلية المطلقة.
وقد أجاب بعضهم (^٣) بأن المراد أكرم على ما سواه من العبادات القولية لأن سوق كل شيء يعتبر في بابه فلا يرد أن الصلاة أفضل من العبادات البدنية.
ويعترض عليه بأن الإشكال باق بنحو: "أفضل الأذكار قول لا إله إلا الله" وأحب الأذكار "سبحان الله".
_________________
(١) انظر منهاج السنة: ٤/ ٦٠٧، وقال الحافظ ابن حجر: "لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق كحديث أقرؤكم أبي وأقرضكم زيد ونحو ذلك"، فتح الباري: ٧/ ١٠٨.
(٢) أخرجه البخاري: ٧/ ٩٢ - ٩٣ رقم ٣٧٤٤، ومسلم: ٤/ ١٨٨١ رقم ٢٤١٩.
(٣) انظر حاشية السندي على ابن ماجه: ٢/ ٤٢٩.
[ ١ / ١٤١ ]
وأجاب بعضهم بأن معنى أكرم أسرع قبولًا وأنفع تأثيرًا فيكون من باب الخصائص والمزايا وبأنه يمكن أن يكون معنى الدعاء هنا الدعوة إلى الله تعالى وهو معنى صحيح قد ورد للدعاء، كما تقدم في التعريف.
وبهذا نقول: إن الاستدلال بالحديث على الأفضلية لا يتم لهذه الاحتمالات المذكورة، وهذا وقد بقي الجواب عن الأحاديث الثلاثة الأخيرة فهي نص في محل النزاع، ويمكن أن يقال في الجواب عنها أن المراد بالدعاء فيها هو العبادة بالمعنى الشامل كما هو لفظ الحديث الثالث فليست نصًا في محل النزاع.
أو يقال: إن هذه الأفضلية المذكورة في هذه الأحاديث مقيدة ببعض الأحوال وليست أفضلية مطلقة في جميع الأحوال والأشخاص كما يتضح هذا مما سيأتي في القول الثالث والله أعلم.
القول الثالث:
وهو القول الراجح: إن الأفضل يتنوع باعتبارات ومع ذلك إذا نظر بدون اعتبار فدعاء العبادة أفضل، فجنس الدعاء الذي هو ثناء وعبادة أفضل من جنس الدعاء الذي هو سؤال وطلب وإن كان المفضول قد يفضل على الفاضل في موضعه الخاص بسبب وبأشياء أخرى، فالمفضول له أمكنة وأزمنة وأحوال يكون فيها أفضل من الفاضل (^١).
قال ابن القيم ﵀: جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا، وقراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، هذا من حيث النظر إلى الكل مجردًا، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى
_________________
(١) الفتاوى: ١٠، وجواب أهل العلم والإيمان: ١٣١.
[ ١ / ١٤٢ ]
الفاضل وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة، وكذلك التسبيح والتحميد والتشهد والذكر عقيب السلام من الصلاة، أفضل من القراءة.
وهكذا الأذكار المقيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن مثاله أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة واستغفارًا أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار، والدعوات التي تحصنه وتحوطه.
وكذلك أيضًا قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها بقراءة أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء لها اجتمع قلبه كله على الله تعالى، وأحدث له تضرعًا وخشوعًا وابتهالًا، فهذا قد يكون اشتغاله بالدعاء -والحالة هذه- أنفع، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجرًا (^١).
والحاصل أن "الأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه" (^٢).
وقد ذكر شيخ الإسلام ضابطًا لتفاضل العبادات وتنوع ذلك ثم ذكر الأفضل المطلق فقال ﵀: "إن الأفضل يتنوع:
١ - تارة بحسب أجناس العبادات كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء.
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٨٢ - ١٨٨، ومدارج السالكين ١/ ٨٨ - ٩٠، وزاد المعاد: ١/ ٢٠٦، وقريب من كلام ابن القيم كلام العز بن عبد السلام في قواعده: ٢/ ١٦٨ - ١٦٩ و١٩٠ - ١٩١، والزرقاني على الموطأ ٢/ ٣٢، والزركشي في الأزهية ص: ٥١.
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٨٩.
[ ١ / ١٤٣ ]
٢ - وتارة يختلف باختلاف الأوقات كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة.
٣ - وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر، كما أن الذكر والدعاء في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة، وكذلك الذكر والدعاء في الطواف مشروع، وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف.
٤ - وتارة باختلاف الأمكنة: كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة وعند الجمار وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة ونحوها، والطواف بالبيت للوارد أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل.
٥ - وتارة باختلاف مرتبة جنس العبادة، فالجهاد للرجال أفضل من الحج وأما النساء فجهادهن الحج، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها لأبويها، بخلاف الأيمة فإنها مأمورة بطاعة أبويها.
٦ - وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه، فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل، وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس ويتبعون أهواءهم فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبة له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربه، يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ويأمرهم بمثل ذلك، والله بعث محمدًا بالكتاب والحكمة وجعله رحمة للعباد وهديًا لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له فعلى المسلم أن يكون ناصحًا للمسلمين يقصد لكل إنسان ما هو أصلح له.
وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات البدنية -كالصلاة والصيام- أفضل له.
والأفضل المطلق ما كان أشبه بحال النبي ﷺ باطنًا وظاهرًا فإن خير الكلام كلام، الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ (^١).
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٩، و٢٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، والرد على الإخنائي ص: ١١٥ وعنه في الصارم المنكي: ١٣٤، ونحوه في قاعدة التوسل: ٣٦.
[ ١ / ١٤٤ ]
والحاصل أن الأفضلية تتنوع وأن الشخص الواحد يكون هذا له تارة أفضل وتارة هذا أفضل، ومعرفة أن هذا أفضل له ومعرفة حال كل الأشخاص وبيان الأفضل لكل أحد لا يمكن استقصاؤه ولا ضبطه بل لا بد في ذلك من هداية يهدي الله بها عبده إلى ما هو أصلح له وما صدق الله عبده إلا صنع له (^١).
ثم إذا عرفنا هذا فلا بد من الإشارة إلى أن الأعمال المتحدة في
الجنس تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، وتتفاضل أيضًا بتجريد المتابعة فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلًا لا يحصيه إلا الله (^٢).
_________________
(١) الفتاوى: ٢٢/ ٣٠٩، وجواب أهل العلم والإيمان: ١٣٨.
(٢) المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص: ٣٣، ونحوه في سير أعلام النبلاء: ١١/ ٤٢٠.
[ ١ / ١٤٥ ]
المبحث الثاني في أقسام الدعاء باعتبار صيغه ومتعلقاته
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه:
ينقسم الدعاء باعتبار صيغه إلى نوعين: طلبية وخبرية:
فالمراد بالصيغة الطلبية ما يراد منها إنشاء الدعاء وهو ما يقابل الإخبار، وقد سبق لنا بحمد الله في التعريف أن الدعاء طلب خاص وهو طلب الأدنى من الأعلى بلا غضاضة، وليس هو طلبًا مطلقًا، والطلبية تتنوع إلى نوعين (^١) أيضًا:
الأول: طلب حصول الفعل وذلك في الإيجاب، وتكون الصيغة في هذا بافعَل ونحوه مثاله: ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا الأبرار [آل عمران: ١٩٣].
الثاني: طلب عدم الوقوع، وذلك في النفي وتكون صيغته لا تفعل ونحوه مثاله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
وقد يجتمع النوعان في مثال واحد نحو: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
_________________
(١) انظر إتحاف السادة للزبيدي: ٥/ ٢٧.
[ ١ / ١٤٦ ]
﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨].
وبقي نوع آخر وهو أن تكون الجملة خبرية ولكنها متضمنة للإنشاء لقصد المتكلم منها الإنشاء وذلك نحو السلام عليكم، ففي هذه الحالة تكون الجملة الدعائية متضمنة للإنشاء والإخبار فجهة الخبرية فيها لا تناقض جهة الإنشائية وذلك لأن المعنى كان حاصلًا قبل الإنشاء من غير جهة المتكلم، وليس للمتكلم إلا دعاؤه بحصوله، ومحبته، ففي السلام عليكم السلامة المطلوبة لم تحصل بفعل المُسَلَّم وليس للمسلم إلا الدعاء بها ومحبتها، فإذا قال السلام عليكم تضمن الإخبار بحصول السلامة، والإنشاء للدعاء بها وإرادتها وتمنيها (^١).
ثم إن السبب في إطلاق الجملة الخبرية على الطلبية، تلازمهما لأنه إذا استعملت الخبرية في الطلب فإنها إنما استعملت في لازمها وجعل اللازم لقوة الطلب والإرادة له كأنه موجود محقق مخبر عنه فكان هذا طلبًا مؤكدًا ولهذا يكثر ذلك في الدعاء الذي يجتهد فيه الداعي (^٢).
والخبرية تتنوع إلى ثلاثة أنواع (^٣):
النوع الأول:
ما كان الدعاء بجملة خبرية أو عدة جمل خبرية تصف حال الداعي وتصف فقره، وحاجته، وتضرعه وتذلله بين يدي الله تعالى نحو قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] فقد وصف نفسه بالفقر إلى ما أنزل الله إليه من الخير، وهو متضمن
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) الفتاوى الكبرى: ٥/ ١٨٤.
(٣) انظر عن هذه الأنواع وشرحها: الفتاوى: ١٠/ ٢٤٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٦ -، ٢٧ وجلاء الأفهام ٧٩، والوابل: ١٨٢ - ١٨٦، ونحوه في شرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٤٢، والأزهية: ٩٥.
[ ١ / ١٤٧ ]
لسؤال الله إنزال الخير إليه وهذا تعرض للسؤال والطلب بدون تصريح بذلك وهذا من حسن الأدب في الطلب.
النوع الثاني:
ما كان الدعاء بجملة خبرية أو جمل خبرية تصف حال المسؤول وتثني عليه بكرمه وجوده وتفضله وإنعامه وغوثه وإجابته للدعاء وغير ذلك. وقد تقدم بحمد الله وتوفيقه وجه كون ثناء المسؤول ومدحه ثناء وطلبًا وقول ابن عيينة وغيره في ذلك بما فيه الكفاية.
النوع الثالث:
ما كان الدعاء بجملة خبرية أو عدة جمل خبرية تصف حال المسؤول وحال السائل، فهذا النوع يجمع بين النوعين السابقين نحو دعوة ذي النون ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
أي هذه الصيغ أكمل؟:
فهذه الأنواع لكل نوع منها خاصة (^١) لا تكون للنوع الآخر ويكون كل نوع منها أنسب للسائل من النوع الآخر، وهذا النوع الآخر، يكون أنسب لسائل آخر وهكذا.
وهذا يحتاج إلى فقه، وتمييز بين الحالات وتنزيل كل حال منزلته التي تليق به مثال ذلك دعوة ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، حيث كانت بصيغة الخبر بوصف حال المسؤول بالتفرد بالألوهية، ووصفه بالتنزيه والتعظيم، ووصف حال السائل بالاعتراف بالظلم وبأن ما أصابه كان بذنبه.
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٧.
[ ١ / ١٤٨ ]
ولم تكن بصيغة الطلب الصريح لاستشعاره أنه مسيء ظالم وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه (^١) بدون أن يصرح بطلبه. فهذه الأنواع كل منها أبلغ من الآخر من جهة، ففي حال الخبر بوصف الحاجة والافتقار، يكون من السؤال بالحال، وهو أبلغ من جهة العلم والبيان، ومن جهة حسن الأدب في السؤال، فقول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه أنا جائع، أنا مريض فيه حسن أدب في السؤال، وفيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال.
وأما قوله أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو بصيغة الطلب، طلب جازم من المسؤول، ففيه الرغبة التامة والسؤال المحض، بصيغة الطلب، وهذا أظهر من جهة القصد، والإرادة فلهذا كان غالب الأدعية من هذا النوع الذي هو الطلب الصريح، لأن السائل يتصور مقصوده ومراده فيطلبه، ويسأله، فهو سؤال بالمطابقة والقصد الأول، وتصريح به باللفظ، وإن لم يكن فيه وصف لحال السائل والمسؤول (^٢).
والأكمل المطلق ما كان جامعًا بين الأنواع كلها من وصف حال السائل ووصف حال المسؤول، ثم الطلب الصريح، فإنه يتضمن الخبر والعلم المقتضي للسؤال والإجابة، ويتضمن القصد والطلب الذي هو نفس السؤال، فيتضمن السؤال والمقتضي له والإجابة (^٣).
قال ابن القيم: "إن الدعاء الذي يتقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه، كان أبلغ في الإجابة وأفضل، فإنه يكون قد
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٨.
(٢) يراجع الفتاوى: ١٠/ ٢٤٦.
(٣) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٦، وجلاء الأفهام: ٧٩، والوابل الصيب: ١٨٣، وإتحاف السادة المتقين: ٥/ ٤٢، والأزهية ص: ٩٥.
[ ١ / ١٤٩ ]
توسل إلى المدعو بصفات كماله وإحسانه، وفضله، وعَرَّض بل صرح بشدة حاجته وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المقتضى منه، وأوصاف المسؤول مقتضى من الله، فاجتمع المقتضى من السائل، والمقتضى من المسؤول في الدعاء، وكان أبلغ وألطف موقعًا، وأتم معرفة وعبودية، وأنت ترى في الشاهد -والله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده، وبره، وذكر حاجته هو، وفقره، ومسكنته، كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته، فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا تنكر ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صبر معه ونحو ذلك كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء: أعطني كذا وكذا" (^١).
وهكذا كانت عامة أدعية النبي ﷺ فهي في الغالب تجمع هذه الأنواع كلها فلهذا ينبغي للعاقل أن لا يعدل عنها إلى غيرها، وذلك لأنه ﷺ أعطي جوامع الكلم فلا يمكن لغيره أن يأتي بمثل أدعيته ﷺ.
مثال ذلك: قوله ﷺ لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما قال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (^٢) فقد جمع ﷺ في هذا الدعاء هذه الصيغ كلها من وصف حال السائل بالظلم، ووصف الله بالتفرد بالمغفرة ثم الطلب للمغفرة والرحمة.
قال شيخ الإسلام ﵀: فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٨٥.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٢/ ٣١٧ رقم ٨٣٤، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٨ رقم ٢٧٠٥.
[ ١ / ١٥٠ ]
المقتضي للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب" (^١).
المطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقاته:
ينقسم الدعاء باعتبار متعلقاته إلى ثلاثة أقسام:
١ - أقسام الدعاء باعتبار الداعي.
٢ - أقسام الدعاء باعتبار المدعو المطلوب منه.
٣ - أقسام الدعاء باعتبار الشيء المطلوب.
وجه الحصر في هذه الأقسام الثلاثة:
وجه الحصر في هذه الأقسام هو أن متعلق الدعاء ثلاثة:
١ - الداعي الطالب للحاجة.
٢ - المدعو المطلوب منه.
٣ - المدعو به المطلوب.
وكل هذه الأقسام الثلاثة تنقسم إلى أربعة أقسام، وإليك تفصيل هذه الأقسام:
أقسام الدعاء باعتبار الداعي:
قد سبق أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء استعانة، فالداعي إما أن يتصف بهما معًا أو يتصف بأحدهما دون الآخر، أو يتركهما جميعًا، فهذه أربعة أقسام وهي القسمة الممكنة في العقل.
وقد جمع الله بين هذين الأصلين العبادة والاستعانة اللذين أحدهما غاية العبد التي خلق من أجلها والآخر وسيلة إليها في مواضع (^٢) من
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٧، وانظر جلاء الأفهام: ٧٩ - ٨٠، والوابل الصيب: ١٨٦.
(٢) انظر في هذا: جامع الرسائل: ١/ ٩١، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٩٤، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٥ - ١٦٦، والفتاوى: =
[ ١ / ١٥١ ]
كتابه، منها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى حكاية عن العبد الصالح شعيب ﵇ قوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، وقول إبراهيم والذين معه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقوله سبحانه إذ أمر رسوله ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، كما أمره بهما في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
ومع كون هذين الأصلين يوجدان في البشر إلا أن الأصل الذي هو الاستعانه هو الأكثر فيهم لأن علم النفوس البشرية بحاجتها وفقرها إلى الرب قبل علمها بحاجتها وفقرها إلى الإله المعبود، كما أن قصدها لدفع حاجاتها العاجلة قبل الآجلة، ولهذا كان إقرارهم بالربوبية أسبق من الألوهية كما هو معروف من دعوة الرسل ومن الإخلاص في وقت الشدائد (^١).
وهذان الأصلان كلاهما ملازمان للإنسان، وذلك لأن الإنسان حساس متحرك بالإرادة فهو همام حارث بل كل حي له إحساس وعمل بإرادة ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله.
فلهذا فلا بد لكل إنسان من إرادة ولا بد لكل مريد من مستعان به مدعو ومسؤول يستعان به على تحصيل المراد المطلوب.
_________________
(١) = ١٤/ ٨ - ٩، والتدمرية ص: ٦٣، ومدارج السالكين: ١/ ٧٥، وإغاثة اللهفان: ١/ ٢٣ - ٢٤، وذكر أنها سبعة مواضع ونحوه في طريق الهجرتين ص: ٥٦ - ٢٥٦.
(٢) الفتاوى: ١٤/ ١٤، والعبودية: ١٠٨ - ١٠٩.
[ ١ / ١٥٢ ]
وهذا المستعان به إذا كان مستعانًا به لذاته فلا بد أن يذل له الطالب السائل ويحبه، ويعتمد عليه ويرجوه ويخافه وينقاد له، فيكون هو الغاية المطلوبة لهذا الإنسان، فيكون هو معبوده ومقصوده والمستعان به (^١).
فتبين بهذا العلاقة التي بين العبادة والاستعانة، وأنه لا بد لكل إنسان في كل وقت وحال من منتهى يطلبه وهو إلهه ولا بد له أيضًا من منتهى يطلب منه ويستعين به وذلك صمده الذي يصمد إليه في سؤاله واستعانته (^٢).
ومن هنا يظهر لنا تلازم العبادة والاستعانة للإنسان وأن أحدهما وسيلة والآخر غاية، ثم الإنسان في هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة الممكنة، إما أن يأتي بهما جميعًا وإما أن يأتي بالعبادة فقط وإما أن يأتي بالاستعانة فقط وإما أن يتركهما جميعًا (^٣).
فهذه الأحوال الأربعة هي القسمة الممكنة في الإنسان، وهي أيضًا متفاوتة:
القسم الأول:
وهو أجلّها وأفضلها وهم أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادةُ الله غايةُ مرادهم، وطلبهم أن منه يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها نهاية مقصودهم، ولهذا كان من أفضل ما يُسأل الربُّ ﵎ الإعانةُ على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحبه معاذ بن جبل ﵁ فقال: "يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنسَ أن تقول دبر كل صلاة اللهم
_________________
(١) كتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٥٨ - ١٥٩، أو الفتاوى: ١/ ٣٤، والعبودية ص: ١١٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ٣٥، ٢٢ وطريق الهجرتين ص: ٥٥.
(٢) كتاب التوحيد ١٦٠، أو الفتاوى: ١/ ٣٦، وإغاثة اللهفان: ١/ ٣٥، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٩٣، والعبودية: ١٠٨ - ١٠٩.
(٣) كتاب التوحيد: ١٦٥.
[ ١ / ١٥٣ ]
أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (^١)
فأنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه (^٢).
القسم الثاني: وهو شر الأقسام:
وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة، ولا استعانة، فلا هو مع الشريعة الأمرية، ولا مع القدر الكوني (^٣).
وهؤلاء "فريقان: أهل دنيا، وأهل دين، فأهل الدين منهم هم أهل الدين الفاسد الذين يعبدون غير الله، ويستعينون غير الله بظنهم وهواهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
وأهل الدنيا منهم الذين يطلبون ما يشتهونه من العاجلة بما يعتقدونه من الأسباب" (^٤).
فهؤلاء أهل الدنيا يظنون أن الأسباب هي القادرة وحدها على تحصيل مسبباتها فلهذا فلا يطلبون العون من خالق الأسباب لهذا الظن الفاسد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٨٠ رقم ١٥٢٢، والنسائي: ٣/ ٤٥، وأحمد في المسند: ٥/ ٢٤٥، ٢٤٧، وابن خزيمة في صحيحه: ١/ ٣٦٩ رقم ٧٥١، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ٣٠٤ رقم ٠٧٨٤٦
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٧٨، وتجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص: ٣٧ وهو منقول من ابن القيم بدون الإشارة إليه، وانظر ما يتعلق بالأدعية الواردة في طلب الإعانة على مرضاة الله في الاحتجاج بالقدر لابن تيمية: ٤٥ - ٤٨.
(٣) مدارج السالكين: ١/ ٧٨، وتجريد التوحيد المفيد: ٣٨ والفتاوى: ١٠/ ٦٧٢، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٩، والتدمرية: ٦٤.
(٤) كتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٩ - ١٧٠.
[ ١ / ١٥٤ ]
القسم الثالث:
له من نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان: (^١)
أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق وإرسال الرسل وتمكينه من الفعل فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة ولكنهم لا يطلبون من الله الإعانة عليها، ولا يطلبون منه صلاح قلوبهم ولا هدايتها، فلهذا هم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة.
النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، فلم تنفذ قوى بصائرهم من السبب إلى المسبب، فضعفت عزائمهم، وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من الاستعانة.
ومشكلة أهل هذا القسم أنهم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة شاهدين لإلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه، ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر، والتوكل والاستعانة. وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره، يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان، لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوي العبد وتيسر عليه الأمور ولهذا قال بعض السلف: "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله (^٢) " (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٨١، وتجريد التوحيد المفيد: ٤٠، والفتاوى: ١٣/ ٣٢٣، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) هذا الأثر قد روي مرفوعًا من طريق ضعيف رواه كذلك ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل ص: ٦٠ رقم ٩، والحاكم: ٤/ ٢٧٠، وضعفه الذهبي في تلخيصه، وانظر بقية الكلام على طرقه في تخريج الدوسري لكتاب التوكل لابن أبي الدنيا ص: ٦٠.
(٣) الفتاوي: ١٠/ ٣٢ - ٣٣، والتدمرية: ٦٤.
[ ١ / ١٥٥ ]
القسم الرابع:
من
لا يعبد الله تعالى، ولكنه يستعين به على أهوائه وحظوظ نفسه وشهواته، وأغراضه، ويطلبها منه، وينزلها، به فتقضى له، ويسعف بها، سواء كانت أموالًا أو رياسة أو جاهًا عند الخلق أو أحوالًا من كشف، وقوة، وتمكين، ولكن لا عاقبة له (^١)
وهؤلاء يشهدون ربوبية الله للخلق وافتقارهم إليه ويستعينون به غير ناظرين إلى الأمر والنهي ومرضاة الله ومحبته وغضبه، وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة.
وليس الكلام في الكفار والظلمة المعرضين عن الله فإن هؤلاء دخلوا في القسم الثاني الذين لا عبادة لهم ولا استعانة، ولكن الكلام في قوم عندهم توجه إلى الله وتأله ونوع من الخشية والذكر والزهد، ولكن يغلب عليهم التوجه بإرادة أحدهم وذوقه ووجده، لا بالأمر الشرعي وهم أصناف:
منهم المعرض عن التزام العبادات مع ما يحصل له من الشياطين من كشف له أو تأثير، وهؤلاء كثيرًا ما يسلبون أحوالهم، وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق، بل كثير منهم يرتد عن الإسلام لأن العاقبة للتقوى، وهم لا تقوى لهم (^٢).
ومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة والصيام والحج، وترك المحرمات، لكن في أعمال القلوب لا يلتزم الأمر الشرعي، بل يسعى لما يحبه ويريده والله تعالى قال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠].
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٨٢، وتجريد التوحيد: ٤١، والفتاوي: ٣/ ١٢٥، وكتاب التوحيد مع إخلاص العمل ص: ١٦٨.
(٢) الفتاوى: ١٠/ ٣٣ - ٣٤، و١٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥.
[ ١ / ١٥٦ ]
وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته، كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه، وذلك أن الله سبحانه يعطي السلطان والمال للبر والفاجر، فقد يعطي أحد هؤلاء تصرفًا إما بقهر عدوه، وإما بنصر وليه كما تعطي الملوك وقد يعطي نوعًا من له، المكاشفة إما بإخبار الجن له، وقد يعرف أنه من الجن وقد لا يعرف، وإما بغير ذلك (^١).
أنواع الدعاء باعتبار متعلقه الذي هو المدعو:
فالدعاء باعتبار تعلقه بالمدعو يتنوع إلى أربعة أنواع أيضًا وذلك لأن المدعو بدعاء المسألة يكون تارة هو المدعو بدعاء العبادة، فيكون هو المسؤول وهو المعبود معًا وهذا المدعو المسؤول إما هو الله أو غيره أو يختلفان، فهذه أربعة (^٢) أنواع وإليك تفصيلها:
١ - أن يعبد غير الله ويستعين به ويدعوه من دون الله تعالى، وهذا أشر الأقسام. وذلك كالذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك ويطلبون منهم الحاجات ويفزعون إليهم في النوائب.
٢ - أن يعبد الله ولكنه يستعين بغيره مثل كثير من أهل الدين يقصدون طاعة الله ورسوله، ولكن تخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم من الملوك والأغنياء والمشايخ، فيصرفون استعانتهم لهؤلاء ويرجونها منهم.
٣ - أن يستعين بالله ويدعوه ويخلص له في الدعاء والاستعانة ولكنه
_________________
(١) الفتاوى: ١٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥، ومدارج السالكين: ١/ ٧٩.
(٢) انظر في هذه الأنواع: كتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٠ - ١٦١، أو الفتاوى: ١/ ٣٦.
[ ١ / ١٥٧ ]
يعبد غيره كالذين يستعينون بالله ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجأون إليه ولكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته. وهذا كما يحصل من المشركين الأوائل عند الشدائد حيث كانوا يدعون الله تعالى في الشدائد مع عبادتهم للأصنام في الرخاء.
٤ - أن لا يعبد إلا الله ولا يستعين إلا به ولا يدعو غيره وهم أهل التوحيد الخالص الذين أخلصوا دينهم الله.
ويتنوع الدعاء باعتبار المدعو أيضًا إلى أربعة أنواع أخرى وهي:
١ - أن يسأل الله تعالى فقط.
٢ - أن يسأل المخلوق فقط.
- أن يسألهما جميعًا.
٤ - أن يسأل سؤالًا مطلقًا ولا يعين فيه المسؤول.
وسيأتي (^١) ما يتعلق بهذه الأقسام من ناحية الحكم إن شاء الله تعالى.
أنواع المدعو به:
تدور مطالب جنس البشر وأمنياتهم وأدعيتهم وأسئلتهم على أربعة مطالب فهي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين:
الأول: خير موجود بالفعل، فهذا يطلب دوامه وثباته، وأن لا يسلب ولا يزول.
والثاني: خير، معدوم، فهذا يطلب وجوده، وحصوله ووقوعه.
والثالث: شر موجود بالفعل، فهذا يطلب رفعه وإزالته، أو تخفيفه على الأقل.
_________________
(١) سيأتي ص: ٤٨٣ - ٥١٦، وانظر الرد على البكري ٣٥ - ٣٦ و٥٥ و١٢١، وجلاء العينين: ٥٣٩ - ٥٤٠.
[ ١ / ١٥٨ ]
والرابع شر معدوم يخاف من وقوعه فهذا يطلب بقاؤه على العدم وأن لا يوجد.
وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، فهذا الطلب لدفع الشر الموجود فإن الذنوب والسيئات شر، ثم قال: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه فهذا قسمان.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه، ثم قال: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم وهو خزي يوم القيامة.
فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة، ودوام الإسلام إلى الموت، ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة، وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله وأن لا يخزيهم يوم القيامة (^١)
فهذه هي مطالب الإنسان التي يريدها ويتمناها ويسألها من ربه ولا تخرج مطالبه في الجملة عن هذه الأنواع الأربعة.
وقد تقدم لنا (^٢) أن الدعاء يطلق على الأنواع الأربعة، وأن الاستعاذة والاستجارة والاستغفار لا تطلق إلّا على جانب الشر، أي النوع الثالث والرابع، وأن اللياذ لا يطلق إلا على جانب الخير أي الأول والثاني عند بعض العلماء وعند البعض يُطلق على جانب الشر، وأما السؤال فيطلق في جانب الخير فقط.
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨، وطريق الهجرتين ص: ٥٥.
(٢) تقدم ص: ٨٨ - ٩٨.
[ ١ / ١٥٩ ]
الفصل الثالث في آداب الدعاء والإجابة وأنواعها
ويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: في آداب الدعاء العدمية التي يطلب انتفاؤها وعدمها.
- المبحث الثاني: في آداب الدعاء الثبوتية التي يطلب ثبوتها ووجودها.
- المبحث الثالث: في الإجابة وأنواعها.
[ ١ / ١٦١ ]
التمهيد
ويشتمل على تنبيهين:
١ - التنبيه الأول: في السبب المانع من التوسع في هذا الفصل:
إن آداب الدعاء وما ينبغي أن يتصف به الداعي من الصفات والأحوال كثيرة جدًا وقد توسع العلماء في ذكر ذلك حيث ذكروا الآداب التي ينبغي للداعي أن يلتزم بها وبينوا ما في ذلك من الأسرار والحكم كما بيّنوا كل خصلة من خصال تلك الآداب، بيّنوا دليلها من الكتاب والسنة وآثار السلف، كما بيّنوا أوقات الدعاء التي ترجى فيها الإجابة والأماكن الفاضلة التي هي أرجى من غيرها، وبيّنوا الأحوال والأوصاف التي هي أرجى من غيرها، كما بيّنوا ألفاظ الأدعية الواردة المطلقة منها والمقيدة بزمان أو مكان أو حال وشرحوا معانيها وما تحمل من أسرار وحكم وابتهالات وعبر ودروس وتنزيه وتقديس الله تعالى، وكذلك بيّنوا ما يتعلق بالإجابة وما يلزم لها وموانعها.
كل ذلك بأدلة ثابتة من الكتاب والسنّة وآثار السلف وأقوال العلماء.
فمن العلماء من أفرد هذه الأمور بمؤلف مستقل، وهم كثيرون جدًا (^١).
ومنهم من ذكر هذه الأمور في ضمن كتابه المشتمل على موضوعات
_________________
(١) قد تتبعت المؤلفات في الأدعية إلى القرن السادس فبلغت نحو ٦٠ مؤلفًا مستقلًا، وأما بعد القرن السادس فهي كثيرة جدًا، يصعب استقصاؤها.
[ ١ / ١٦٣ ]
شتى كأصحاب الكتب الستة وغيرها من السنن والمعاجم والمسانيد.
فهذا هو أحد الأسباب التي منعتني من استقصاء ما في هذا الفصل من الكلام والسبب الثاني: أن المسائل المتعلقة بهذا الفصل هي من المسائل التي يتفق عليها كثير من علماء المسلمين، والاختلاف والمناقشة فيها قليلة إذا قارنا بما يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني والثالث والرابع.
ومن هنا لم أتوسع في هذا الفصل ولكن مع هذا العذر فإني أرى لزامًا عليّ أن أبيّن بعض آداب الدعاء بالإيجاز والاختصار بدون استقصاء والله المستعان وعليه التكلان.
التنبيه الثاني: في عبارات المؤلفين وتسمياتهم لهذه الآداب:
إن العلماء الذين تكلموا عن هذه الآداب قد اختلفت عباراتهم وإطلاقاتهم، فمنهم من سمى هذه الآداب شروطًا (^١)، ومنهم من سماها آدابًا (^٢)، ومنهم من سمى بعضها أركانًا (^٣)، ومنهم من سمى بعضها شروطًا
_________________
(١) فممن سماها شروطًا: ابن جماعة محمد بن إبراهيم الكناني المتوفى سنة ٧٣٣ هـ، فقد قال في ذلك شعرًا: قالوا شروط الدعاء المستجاب لنا … عشر بها بشر الداعي بإفلاح طهارة وصلاة معها ندم … وقت، خشوع، وحسن الظن يا صاح وحل قوت ولا يدعى بمعصية … اسم يناسب مقرون بإلحاح ذكره عنه السبكي في طبقات الشافعية: ٩/ ١٤٢، وسمى الحافظ ابن حجر: طيب المطعم وعدم الاستعجال وعدم الإثم والقطيعة شرطًا كما في الفتح: ١١/ ٩٦، ومنهم أيضًا القرطبي في جامع الأحكام: ٢/ ٣١١، ومنهم سهل بن عبد الله التستري فإنه قال شروط الدعاء سبعة كما في الجامع للقرطبي: ٢/ ٣١١، ومنهم الرازي في التفسير: ١٤/ ١٤١.
(٢) وممن سماها آدابًا: الغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦١ - ٣٦٥، وابن الجزري في عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٣.
(٣) منهم ابن عطاء الله الإسكندراني فإنه قال: "للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات … فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله … كما في نبذة في الدعاء لليافعي ص: ٢١، وجامع الأحكام للقرطبي: ٢/ ٣١١، ومنهم الحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٢ على ما في النسخة المطبوعة.
[ ١ / ١٦٤ ]
وبعضها سننًا (^١)، ومنهم من سمى بعضها شروطًا وبعضها آدابًا (^٢).
هذا ومما ينبغي التفطن له أن هذه الآداب ليست على مرتبة واحدة بالنسبة لأهميتها للدعاء فبعضها أهم من بعض فهذا هو السبب لاختلاف عبارات المؤلفين فيها، ومما يدل على تفاوت مراتب تلك الآداب أن بعض ما ورد من الأحاديث ربما يدل بظاهره على أن بعض تلك الآداب شرط حقيقي مثل ما يأتي في التلبس بالحرام.
وقد ذكر الزبيدي هذه المسألة عندما عنون الغزالي: "آداب الدعاء" قال الزبيدي: وقد ذكر فيها ما يصلح أن يكون شرطًا له، ولم يميز المصنف بين الأدب والشرط هنا كما فعل الحليمي في المنهاج وغيره ونحن نشير إلى ذلك (^٣) ونقل عن ابن الجزري بعض الآداب ثم قال: "وبعض ذلك يعد شرطًا" (^٤)، ثم عندما ذكر المصنف التوبة ذكر حديث الرجل يطيل السفر … فأنّى يستجاب له، قال: "ويؤخذ من هذا الحديث أن هذا شرط لا أدب. قال الطرطوشي: من آدابه أكل الحلال ولعله من شروطه" (^٥).
_________________
(١) منهم الخطابي في كتابه شأن الدعاء ص: ١٣ فإنه قال فإن من شرائط صحته أن يكون ذلك من العبد بإخلاص نيته وإظهار فقر ومسكنة، فذكر أمورًا ثم قال: "ومن سنته أن يرفع إلى الله ﷿ يديه باسطًا كفيه. . .".
(٢) منهم الحليمي في كتابه المنهاج في شعب الإيمان حيث ذكر ١١ شرطًا في: ١/ ٥٢٢، ٥٢٤ - ٥٣٠، ثم عد خصالًا أخرى تبلغ ١٥ خصلة فسماها آدابًا: ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤ و٥٣٠ - ٥٣٩. ومما ينبغي التنبيه عليه أن الذي في النسخة المطبوعة وهي سقيمة جدًا وفيها تحريف وتصحيف أن الحليمي سماها أركانًا بدل الشروط لكن الزركشي والزبيدي نقلا عن الحليمي هذه الشروط وذكرا أنه سماها شروطًا وهذا يؤيد احتمال التحريف، انظر الأزهية ٥٧، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٤، ٤٤، وممن سلك هذا المسلك الطرطوشي في كتابه الدعاء ص ٤٤، ٥٧.
(٣) إتحاف السادة: ٥/ ٣١.
(٤) المرجع نفسه: ٥/ ٤٤.
(٥) المرجع نفسه: ٥/ ٤١، وانظر كلام الطرطوشي في كتابه الدعاء المأثور وآدابه ص: ٥٧.
[ ١ / ١٦٥ ]
وأما الحليمي فقد ذكر بعض هذه الآداب وسماها أركانًا، والركن ما لا يتم الشيء إلا به وهو أهم من الشرط لأن الشرط خارج الماهية، وأما الركن فداخل في الماهية لكن الذي في شرح الإحياء للزبيدي وفي الأزهية للزركشي (^١) يفيد أن الحليمي عبر بالشروط لا بالأركان وهو الأقرب.
وقد عد الحليمي أحد عشر شرطًا (^٢) فالبعض من هذه الشروط التي ذكرها يمكن أن يعد من قبيل الشرط الحقيقي والبعض الآخر من قبيل الآداب، فالذي يعد من الشروط هو ألا يكون المسؤول بالدعاء ممتنعًا عقلًا ولا عادة كإحياء الموتى ورؤية الله في الدنيا وهذا يمكن عده شرطًا كما سيأتي في مبحث الاعتداء وأما غير ذلك مما سماه شرطًا أو ركنًا فكله من الآداب.
والذي يظهر بعد تأمل ما ذكروه من الشروط أو الآداب أن الأولى تسميتها آدابًا، وأما تسميتها شروطًا فمن باب المسامحة في التعبير أو من باب التغليب لأن بعضها يمكن أن يعد شرطًا بالمعنى الاصطلاحي كبعض الأمثلة التي تذكر في الاعتداء، والذي يرجح تسميتها آدابًا عدة أمور:
الأول: إن حد الشرط المصطلح عليه لا ينطبق عليها إذ معنى الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود (^٣) كالوضوء للصلاة.
ومن المعروف أن هذه الآداب لا يلزم من عدم بعضها عدم إجابة الدعاء ويوضح هذا الأمرُ التالي:
_________________
(١) الأزهية ص: ٥٧، وإتحاف السادة: ٥/ ٤٤.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣، وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٤٤.
(٣) انظر عن هذا في كتب الأصول: روضة الناظر: ١/ ١٦٢، والأحكام للآمدي: ١/ ١٢١، والأحكام لابن حزم: ١/ ٤٤.
[ ١ / ١٦٦ ]
الثاني: إن إجابة الدعاء من مقتضى ربوبية الله تعالى لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فهو يربيهم بالنعم، ومنها إجابة دعائهم وقضاء حوائجهم.
وهذا يقتضي أن الله ﷾ يجيب دعاء الفاسق والعاصي والكافر فليس شرطًا أن يكون الداعي من المخلصين.
فمن هنا نقول: إن الإخلاص لله تعالى في الدعاء من الآداب المهمة لرجاء قبول الدعاء ومع هذا فقد يجيب الله تعالى في النادر لمن دعا غيره أو دعا دعاء بدعيًا كمن يدعو عند الأضرحة بخشوع واضطرار، وذلك إما استدراجًا وابتلاء وإما لاضطراره أو خشوعه وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالي (^١).
ومن ذلك التوبة فهي من أهم الآداب التي تطلب للداعي ومع ذلك فقد يقبل الله دعاء العاصي والفاسق والكافر بل إبليس لما دعا الله تعالى أجابه الله، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
ومن آكد الآداب عدم التلبس بالحرام، لأن التلبس بالحرام من موانع الإجابة ولكن قد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه كما قاله ابن رجب ﵀ (^٢)، ونحوه قول الشوكاني: "إن ملابسة المعصية مقتضية لعدم الإجابة إلا إذا تفضل الله على عبده، وهو ذو الفضل العظيم" (^٣).
الثالث: إن بعض العلماء أشاروا إلى عدم لزوم بعضها لإجابة الدعاء، وأن الدعاء جائز بدونها، وأنها آداب مكملة، وأنها أرجى للإجابة وهؤلاء إنما ذكروا ذلك في بعضها، وما لم يذكروا فيه فهو مثل الذي ذكروا، لأنها من باب واحد إلّا أن بعض ما ذكر فيما يتعلق بالشرط الذي
_________________
(١) سيأتي ص ٨١٤.
(٢) جامع العلوم والحكم ص: ١٠٠.
(٣) تحفة الذاكرين ص: ٤٤.
[ ١ / ١٦٧ ]
هو عدم الاعتداء قد يعد من الشرط الحقيقي وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى.
ومن هؤلاء العلماء البخاري فيما يتعلق باستقبال القبلة، فإنه عقد أولًا باب الدعاء غير مستقبل القبلة فأورد ما يدل على ذلك وهو حديث أنس بن مالك في استسقاء النبي ﷺ في خطبة الجمعة، ثم عقد ثانيًا باب الدعاء مستقبل القبلة فذكر حديثًا يدل على ذلك (^١).
ومنهم أبو عبد الله الحليمي فإنه ذكر الآداب التي للدعاء والأحوال والمواطن ثم قال: "إنها أسباب تقوي الرجاء بالله جل ثناؤه وفي إجابة الدعاء، لا أن الدعاء لا يقبل إلَّا عندها فمن عرضت له حاجة في غيرها فلا ينبغي له أن يمتنع من الدعاء خيفة الرد، بل يدعو قوى الرجاء، حسن الظن بالله تعالى فإنه يستجيب دعاءه بجوده وكرمه" (^٢).
ومنهم القرطبي فإنه ذكر الاختلاف في رفع اليدين في الدعاء ثم قال: "قلت: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله ﷿، والتذلل له والخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي ﷺ حسبما ورد في الأحاديث، وقد قال تعالى: ا ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولم يزد صفة من رفع يدين وغيرها وقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر، وقد دعا النبي ﷺ في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة" (^٣).
ونحو كلام القرطبي هذا ما ذكره المناوي من أن عدم رد الله تعالى
_________________
(١) انظر البخاري مع الفتح: ١١/ ١٤٣ - ١٤٤ باب رقم ٢٤ ورقم ٢٥.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥٤٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٥.
[ ١ / ١٦٨ ]
للدعاء لا يتوقف على الرفع إذا توافرت الشروط (^١) ويريد بهذا أن الرجل لو لم يرفع يديه ولكنه خشع وأخلص .. إلخ، قد تجاب دعوته وأن الإجابة ليست متوقفة على الرفع وكأن المناوي يرى أن بعضها شرط حقيقي والله أعلم.
_________________
(١) فيض القدير: ٢/ ٢٢٩.
[ ١ / ١٦٩ ]
المبحث الأول في آداب الدعاء العدمية
للدعاء آداب كثيرة تتنوع إلى عدة أنواع باعتبارات شتى ونظرات مختلفة، فيمكن تقسيمها باعتبار إلى ظاهرية وباطنية، وباعتبار إلى عدمية ووجودية، أو يقال إلى سلبية وإيجابية، وباعتبار آخر إلى آداب تتعلق بالداعي وأخرى بالدعاء وأخرى بالمدعو فيه، ولاختلاف هذه الاعتبارات اختلفت عبارات العلماء في تقسيمها.
فقد قسمها القرطبي بالنظر إلى ما يطلب للداعي أو للدعاء أو المدعو به، فذكر مما يطلب للداعي:
"أن يكون عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره" (^١).
فهذا الشرط داخل في الإخلاص في التقسيم الذي ذكرناه فإن هذا العلم يقتضي أن يخلص الداعي في دعائه وأن لا يدعو إلا الله تعالى على وفق سنة نبيه ﷺ.
ثم ذكر من الشروط في الداعي:
- أن يدعو بنية صادقة وحضور قلب.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١١ - ٣١٢.
[ ١ / ١٧٠ ]
- وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام.
- وأن لا يمل من الدعاء.
وذكر من شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا بأن لا يكون فيه إثم أو قطيعة رحم.
وذكر من شروط الدعاء أن يكون سليمًا من اللحن.
وقد أشار الغزالي في الإحياء وتابعه شارحه الزبيدي إلى انقسامها إلى ظاهرية وباطنية حيث قال الغزالي عند ذكر التوبة: "وهو الأدب الباطن" (^١)، وقال الزبيدي عند قول الغزالي وهي عشرة: "تسعة منها ظاهرة والعاشر أدب باطني" (^٢).
وأما الزركشي فقد قسمها أيضًا إلى ظاهرة وباطنة ثم ذكر من الباطنة التوبة وحضور القلب والثقة بالله، والخيفة، والتضرع، وقرع النفس بالتخويف والتفويض إلى الله، وقطع النظر عمن سواه، واجتناب المحرمات، والتعفف عن الشبهات، وتجنب اليأس من الإجابة.
ثم ذكر الآداب الظاهرة فذكر الصدقة والصوم والطهارة والصلاة واستقبال القبلة والتطيب بالطيب وخفض الصوت ورفع الأيدي والتعميم وتقديم الثناء والصلاة على النبي ﷺ (^٣).
الآداب العدمية:
وهذه التقسيمات السابقة متداخلة وليس بينها تناف وتضاد وإنما هي اصطلاحات فقط، فلهذا يمكن لنا تقسيمها إلى الآداب العدمية والآداب الثبوتية، ونبدأ بذكر آداب الدعاء العدمية قبل الثبوتية وذلك لأن التخلية
_________________
(١) الإحياء: ١/ ٣٦٥.
(٢) إتحاف السادة: ٥/ ٣١.
(٣) انظر الأزهية: ١٠٨ - ١٠٩.
[ ١ / ١٧١ ]
قبل التحلية، ولأن هذه الآداب العدمية أهم من أكثر الآداب الثبوتية لأن العدمية ورد فيها ما يدل على أنها سبب لمنع قبول الدعاء وأن الدعاء يرد بها، وأما الثبوتية فالوارد في أغلبها إنما هو الحث عليها والأمر بها. وقد علم أن باب المنهيات أشد من باب المأمورات كما يدل عليه حديث: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" (^١).
فالآداب العدمية خمسة:
١ - عدم الاعتداء.
٢ - عدم التلبس بالحرام.
٣ - عدم الاستعجال.
٤ - عدم التعليق.
٥ - عدم الغفلة.
ثم إن هذه الآداب العدمية: الخصلة الواحدة منها لها اعتبارات عدة، فباعتبار هي سبب لمنع إجابة الدعاء حيث يعتبر وجودها سببًا لمنع إجابة الدعاء، وباعتبار آخر فهي سبب لإجابة الدعاء وذلك باعتبار عدمها.
ولهذا عدها بعضهم في موانع الإجابة ولم يعدها في آداب الدعاء (^٢)، والحاصل أن هذه اعتبارات واصطلاحات ولا مشاحة في الاصطلاح.
وبعد هذا الإجمال إليك هذه الآداب مفصلة بإيجاز.
من آداب الدعاء: عدم الاعتداء:
تعريف الاعتداء:
هذه المادة تدل على "تجاوز في الشيء وتقدم لما ينبغي أن يقتصر
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١٣/ ٢٥١ رقم ٧٢٨٨، ومسلم: ٢/ ٩٧٥ رقم ١٣٣٧.
(٢) انظر جوامع العلوم ص: ١٠٠ ذكر أن التلبس بالحرام من موانع الإجابة.
[ ١ / ١٧٢ ]
عليه والتعدي: تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه والاعتداء مشتق من العدوان" (^١).
وقد حذر الله تعالى من الاعتداء عمومًا في كل شيء، ونهى عن الاعتداء في الدعاء خصوصًا، فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
فالاعتداء في الآية وإن كان يشمل كل اعتداء إلا أنه لوروده بعد الأمر بالدعاء يدل بصفة خاصة على أهمية عدم الاعتداء في الدعاء، وأن الدعاء الذي يتضمن الاعتداء لا يحبه الله ولا يرضاه فهو إذن لا يستجيب له، هذا ويشمل الاعتداء في الدعاء أمورًا منها:
أ - الشرك بالله تعالى في الدعاء فإن أعظم العدوان هو الشرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها فهذا العدوان داخل دخولًا أوليًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٢).
فصرف الدعاء الذي هو من أهم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى إلى التقرب به لعبد فقير لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فهذا الصرف "من أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان" (^٣).
فمن اعتدى في الدعاء بدعائه لغير الله تعالى سواء دعاه مستقلًا أو دعاه ليكون واسطة فقد ارتكب إثمًا عظيمًا وأبعد نفسه عن رحمة الله تعالى بصرفه لخالص رجائه ورغباته وتوجهاته لغير الله تعالى، فالذين يدعون غير الله تعالى ويرجون قبول دعائهم فقد ضلوا الطريق الصحيح لقبول الدعاء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٣٤٩.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.
(٣) الرد على البكري ص: ٩٥.
[ ١ / ١٧٣ ]
ب - من الاعتداء الذي تشمله الآية الابتداع في الدعاء، فإن الدعاء عبادة وهي توقيفية، فمن ابتدع عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فقد اعتدى طوره واعتدى على حق الله الذي هو التشريع.
ثم إنه عَبَدَ الله بما لم يشرعه وتقرب إليه بما لم يأذن به وسأل الله تعالى بما لم يأذن له بسؤاله به (^١).
جـ - من الاعتداء في الدعاء: سؤال الله تعالى ما لا يجوز له سؤاله (^٢)، وهذا يتصور في أشياء:
١ - سؤاله ما لا يليق به مثل منازل الأنبياء، وقد فسر بعض السلف الآية بذلك (^٣).
ويدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء" (^٤).
وإنما أنكر عبد الله بن مغفل على ابنه هذا الدعاء لأن ابنه طمع فيما لا يبلغه عمله حيث سأل منازل الأنبياء، وهذا اعتداء في الدعاء لما فيه من تجاوز الأدب ويحتمل أنه إنما نهاه لأنه سأل شيئًا معينًا (^٥)، ويمكن أنه
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.
(٢) قال القرطبي: "ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا"، الجامع: ٢/ ٣١١.
(٣) أخرجه الطبري بإسناده عن أبي مجلز لاحق بن حميد: ٨/ ٢٠٧، وذكره البغوي: ٢/ ١٦٦، وانظر بغية المرتاد ص: ٣٩٠.
(٤) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٨٧، وأبو داود: ١/ ١٦٩ رقم ٩٦، وابن ماجه: ٢/ ١٢٧١ رقم ٣٨٦٤، وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق إسناده: "وهو إسناد حسن لا بأس به"، التفسير: ٢/ ٢٢٢، وصححه الألباني في الإرواء: ١/ ١٧١، وصحيح ابن ماجه: ٢/ ٣٣١ رقم ٣١١٦.
(٥) عون المعبود: ٢/ ١٦٩.
[ ١ / ١٧٤ ]
نهاه لكونه من تكثير الكلام بدون فائدة (^١).
فإذا كان هذا الصحابي الجليل ينكر على من يسأل الله تعالى ويخلص له تعالى في سؤاله إلا أنه يسيء في طلب ما لا يليق به ويعد هذا اعتداء فكيف لو رأى من يدعو غير الله تعالى ويستغيث به ويجعل هجيراه ليل نهار نداء اسم الولي إن قام وإن قعد؟ فلا شك أن هذا اعتداء فوق ذلك بكثير، وأي اعتداء أكبر من صرف خالص حق الله تعالى لعبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره؟
٢ - سؤال الله تعالى المعونة على الحرام (^٢).
فهذا من الاعتداء في الدعاء فالله لا يحب الحرام ولا الفحشاء فكيف يطلب معاونته على ذلك؟ وقد ورد ما يدل على أن الدعاء الذي يتضمن إثمًا أو قطيعة رحم مردود لا يقبل، قال النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم ما لم يستعجل … إلخ" (^٣).
فجميع أنواع الحرام داخلة في هذا الحديث: "فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم" (^٤).
فمن دعا بإثم أو قطيعة رحم فقد اعتدى على غيره وظلمه، فهذا داخل في الاعتداء المنهي عنه في الدعاء.
ويدخل في هذا: "أن يسأل ما فيه ظلم لغيره" (^٥).
_________________
(١) انظر ما سيأتي ص: ١٨٠.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ٢٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣، وانظر المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٥، والأزهية: ٥٨.
(٣) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٦ رقم ٢٧٣٦.
(٤) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١١.
(٥) الرد على البكري ص: ٩٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
ومن هذا الباب الدعاء على المؤمنين باللعنة والخزي ونحو ذلك، فقد قال بعض السلف في تفسير المعتدين: "هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل فيقولون: اللهم اخزهم .. اللهم العنهم" (^١).
وذكر ابن الصلاح ﵀ أن كون الدعاء على الشخص اعتداء مشروط بما "إذا كان قصده بالدعاء على فلان غير صحيح فإن كان صحيحًا بأن كان في قصر عمره مثلًا صلاح للمسلمين لظلمه أو نحو ذلك فليس اعتداء" (^٢).
ومن هذا الباب تحجير رحمة الله وتضييقها، وذلك بطلبها لنفسه خاصة ومنعها لغيره من المسلمين، ومن ذلك قول الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا"، فقال له النبي ﷺ: "لقد تحجرت واسعًا" (^٣) يريد رحمة الله (^٤).
ومثل الدعاء على المؤمنين الدعاء على نفسه وأهله وعلى أمواله فقد نهينا عن ذلك، قال رسول الله ﷺ: "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم" (^٥).
فالذي يدعو على نفسه أو أهله أو ماله فقد اعتدى على حق نفسه ثم إن نفسه ملك الله تعالى فلا يجوز له أن يتعدى فيها ما شرعه الله.
_________________
(١) نقله البغوي عن عطية ولعله العوفي: ٢/ ١٦٦، ونقل ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه كما في روح المعاني: ٨/ ١٤٠.
(٢) فتاوى ابن الصلاح ضمن المجموعة المنيرية: ٤/ ٣٠.
(٣) أخرجه أبو داود: ١/ ٢٦٤ رقم ٣٨٠، والترمذي: ١/ ٢٧٥ رقم ١٤٧، وابن ماجه: ١/ ١٧٦ رقم ٥٢٩، وأصل الحديث مخرج في الصحيحين في قصة بول الأعرابي: البخاري: ١/ ٣٢٢ رقم ٢١٩، ومسلم: ١/ ٢٣٦ رقم ٢٨٤.
(٤) الرد على البكري ص: ٩٤، وانظر عدة الحصن ص: ٤٤، والتحفة ص: ٤٩.
(٥) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٣٠٤ رقم ٣٠٠٩.
[ ١ / ١٧٦ ]
ويدخل في هذا أيضًا الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا فإن العبد عليه أن يطمع في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء وفي عفوه ومغفرته وجوده وفضله فيسأل العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من قول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (^١).
وقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يقولون ذلك عندما يفرغون من أعمال الحج وأن لهم نصيبًا في الدنيا والآخرة بسبب هذا القول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠١ - ٢٠٢].
ولهذا لما عاد النبي ﷺ مريضًا صار كالفرخ من الضعف فسأله: "هل كنت تدعو بشيء؟ " قال: نعم كنت أقول: "اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا" قال رسول الله ﷺ: "سبحان الله، لا تطيقه!! أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ " (^٢).
ويدخل في هذا الدعاء على النفس بالموت لضر نزل به فمن هنا نهي عن الدعاء بالموت وتمنيه فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا" (^٣).
ففي الدعاء على النفس بالموت اعتداء على النفس وهي ليست من حق الإنسان بل هي ملك الله تعالى كما أنه اعتداء على الدعاء المشروع الذي هو طلب العافية في الدنيا والآخرة إلى الدعاء غير المشروع.
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١١/ ١٩١ رقم ٦٣٨٩، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٠ رقم ٢٦٩٠.
(٢) أخرجه مسلم: ٤/ ١٠٦٨، وأحمد في المسند: ٣/ ١٠٧، ٢٢٨، وأخرجه هناد بن السري في الزهد من مرسل الحسن البصري: ١/ ٢٥٤ رقم ٤٤١.
(٣) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٦٥ رقم ٢٦٨٢.
[ ١ / ١٧٧ ]
٣ - سؤاله تعالى ما يناقض حكمته، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به (^١).
ويتصور هذا في عدة أمور قد أكثر بعضهم (^٢) ضرب الأمثلة لهذه الأمور، ونوجزها فيما يلي:
١ - الدعاء بالمحال كالدعاء بدخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنة، والدعاء بمثل هذا يصل حكمه عند بعضهم إلى الكفر لما في ذلك من طلب إكذاب الله تعالى لنفسه (^٣).
٢ - الدعاء بما لا مطمع فيه كمن يدعو بالخلود في الدنيا، وقد علم أن الله استأثر بالبقاء وكتب الفناء على خلقه (^٤).
ومن هذا الباب الدعاء برفع لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب أو يسأله أن يهب له ولدًا من غير زوجة (^٥).
٣ - الدعاء بما يناقض ما علمه الله تعالى نحو السؤال بأن لا يقيم الساعة (^٦).
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٣/ ١٣، والفروق: ٤/ ٢٦٠، وما بعدها، والأزهية: ١٤٤، وحاشية ابن عابدين: ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣.
(٢) وهو القرافي المالكي أحمد بن إدريس، (ت ٦٨٤ هـ)، فقد ذكر في كتابه الفروق: ٤/ ٢٥٩ - ٢٩٧ أمثلة كثيرة وذكر أن أربعة أقسام منها تصل إلى الكفر وأن ١٢ قسمًا محرم ولا يصل إلى الكفر، وفي بعض ما ذكر مآخذ ستأتي الإشارة إلى ذلك في ص: ٤٠٦.
(٣) وقد جعل القرافي الدعاء بنفي ما دل السمع على ثبوته كفرًا لأنه تكذيب لله تعالى، واعترض عليه ابن الشاط بأن هذا تكفير بالمآل وهو أمر مختلف فيه، انظر حواشي الفروق: ٤/ ٢٦٠، وانظر روح المعاني: ٨/ ١٤٠، ١١/ ١٤٨، وابن عابدين: ١/ ٥٢٣، والإعلام بقواطع الإسلام: ٢/ ١٧٧ - ١٨٠.
(٤) شأن الدعاء ص: ١٥.
(٥) الفتاوى: ١٥/ ٢٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.
(٦) الرد على البكري ص: ٩٤، والفتاوى: ١٠/ ٧١٣ و١٤/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
[ ١ / ١٧٨ ]
فالحاصل أن الدعاء المشتمل على سؤال ما هو من خصائص الألوهية كطلب علم الغيب والبقاء في الدنيا أو طلب ما هو من خصائص النبوة كالوحي أو طلب ما يناقض علم الله وشرعه أو خبره يعد مثل هذا من الاعتداء ومن هذا ما يصل إلى الكفر والعياذ بالله، وتعد هذه الأمور من سؤال الرب ﵎ ما لم يكن يفعله (^١).
د - ومن جملة الاعتداء في الدعاء: سوء الأدب في خطاب الله ومناجاته، وذلك بأن يخاطب الداعي "ربه جل ثناؤه بما لو خاطب به كفؤه وقرينه ينسبه إلى قلة الحياء، وسوء الأدب أو ركاكة العقل" (^٢).
وهذا الأمر يتصور في أشياء منها:
١ - رفع الصوت بالدعاء رفعًا يخل بالأدب، قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، (ت ١٥٠ هـ): "من الاعتداء رفع الصوت، والنداء في الدعاء والصياح" (^٣).
وأما الرفع غير المخل بالأدب -إذا كان لقصد التعليم- فجائز كما نقل عن النبي ﷺ أنه جهر في أدعية وذلك لتعليم أصحابه فيكون له أجران أجر الدعاء وأجر التعليم (^٤).
٢ - دعاء الله تعالى بدون تضرع في دعائه تعالى وخطابه، فإن دعاء غير المتضرع يشبه المستغني المدل على ربه، وهذا من أعظم الاعتداء، لمنافاته لدعاء الذليل فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد (^٥).
_________________
(١) الفتاوى: ١/ ١٣٠.
(٢) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٢.
(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٧، والبغوي: ٢/ ١٦٦، وهذا اللفظ من البغوي وفي لفظ الطبري ركاكة.
(٤) قواعد الأحكام: ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٥) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.
[ ١ / ١٧٩ ]
ويدل على كون هذا من الاعتداء في الدعاء أن الله تعالى قال أولًا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ثم عقبه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فدل هذا على أن عدم التضرع اعتداء في الدعاء كما أن عدم الخفية يعد اعتداء.
٣ - تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه، فقد جعله بعض الصحابة من الاعتداء في الدعاء، روى أبو داود وغيره عن ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعني أبي وأنا أقول: "اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وبهجتها، وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء"، فإياك أن تكون منهم، إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر" (^١) (^٢).
وقد علل بعض العلماء نهي سعد لابنه عن هذا بكونه طلبًا لما لا يليق به من منازل الأنبياء ويمكن أن يكون النهي لعدة علل لأن العلل لا تتزاحم فالشيء الواحد قد تكون له عدة علل.
وقد تقدم نقل ما يفيد ذلك في نهي عبد الله بن مغفل لابنه عن نحو ذلك.
٤ - تكلف (^٣) السجع في الدعاء، وتكلف صنعة الكلام له، وفي البخاري عن ابن عباس في وصيته لمولاه عكرمة: "فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب" (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦١ رقم ١٤٨٠، وأحمد: ١/ ١٧١، ١٨٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ٢١٨ رقم ٣٥٦٥.
(٢) الرد على البكري ص: ٩٤ - ٩٥.
(٣) قد عقد البخاري بابًا فقال: باب ما يكره من السجع من الدعاء: "البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٨".
(٤) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٨ رقم ٦٣٣٧.
[ ١ / ١٨٠ ]
والسجع المذموم في الدعاء هو المتكلف فإنه يذهب بالخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظًا فلا بأس به بل هو حسن (^١).
ويدل لذلك ما ورد من الأدعية مسجعًا نحو قوله ﷺ: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع" (^٢).
ومن ذلك قوله ﷺ: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب" (^٣).
وهذا الذي وقع في الأحاديث الصحيحة من السجع كان يصدر من غير قصد إليه. ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام (^٤).
وقد أنكر العلماء الأدعية المسجعة إنكارًا شديدًا وبيّنوا كونها من موانع إجابة الدعاء، قال القرطبي بعد أن ذكر أنواع الاعتداء في الدعاء: "ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظًا مفقرة وكلمات مسجعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسول الله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء" (^٥).
والقرطبي رحمه الله تعالى يشير بهذا إلى ما يصطنعه بعض الناس من الأدعية المبتدعة وتكون في الغالب أحزابًا مجزأة على عدد الأيام والشهور
_________________
(١) شرح النووي: ١٧/ ٤١، وغذاء الألباب للسفاريني: ١/ ٤٠٩، وشرح الإحياء: ٥/ ٣٨.
(٢) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٨٨ رقم ٢٧٢٢.
(٣) أخرجه البخاري: ٦/ ١٢٠ رقم ٢٩٦٦، ومسلم: ٣/ ١٣٦٣ رقم ١٧٤٢.
(٤) فتح الباري: ١١/ ١٣٩.
(٥) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٦.
[ ١ / ١٨١ ]
أو على الحوادث والملمات كما أنها تكون بالسجع المتكلف، ويزداد الأمر سوءًا وخطرًا إذا كانت مشتملة على الاعتداء في المعنى بالاستغاثة بغير الله تعالى ونحو ذلك.
ثم إن الذين يدعون بتلك الأدعية يغنون ويطربون بها وربما تشبه أصواتهم أصوات المغنين، وقد أنكر العلماء هذه الفعلة في الأدعية أيضًا.
قال الكمال ابن الهمام الحنفي (ت ٨٦١ هـ):
ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار لتحريرات النغم إظهارًا للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس فكأنه قال: اعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان (^١).
وممن أنكر ذلك أيضًا المفسر الألوسي فإنه ذكر كراهة رفع الصوت بالدعاء ثم قال: "وترى كثيرًا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء، خصوصًا في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المسجد" (^٢).
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام: ١/ ٢٦١ - ١٦٣، وفيض القدير للمناوي: ١/ ٢٢٩ نقلًا عنه.
(٢) روح المعاني: ٨/ ١٣٩.
[ ١ / ١٨٢ ]
وممن أنكر ذلك قبل هؤلاء أبو بكر الطرطوشي فإنه ذكر أن ذلك ليس من كلام الماضين وأنَّه ينافي مقام الدعاء من التذلل والخشوع إذ السجع تكلف وتصنع واشتغال الخواطر بإقامة الأوزان (^١).
هذا وبعد أن استعرضنا ما ذكره العلماء من معاني الاعتداء ينبغي أن يعلم أنه ليس معنى الاعتداء الإكثار من الدعاء خلافًا لما يتبادر من لفظ الاعتداء لأننا أمرنا بالإكثار من الدعاء (^٢).
عدم التلبس بالحرام (^٣):
من أهم آداب الدعاء أن يكون الداعي مجتنبًا للتلبس بالحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية فلهذا ينبغي له أن يتحرى ويجتهد إذا أراد أن يكون مجاب الدعوة، في أن يكون متلبسًا بالحلال أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية.
فللحلال سر عجيب في قبول الأعمال عند الله تعالى ..
كما أن للحرام منعًا وسدًا وشؤمًا على متناوله، ومن ذلك رد طاعته، وعدم قبول الأعمال، ومن الأعمال المهمة التي ترد بالتلبس بالحرام الدعاء، فقد جاء ذلك مصرحًا في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل
_________________
(١) كتاب الحوادث والبدع ص: ١٢١، والدعاء المأثور ص: ١٤٦.
(٢) شأن الدعاء للخطابي ص: ١٤.
(٣) هذا الأدب دلت عليه الأدلة المذكورة ومع ذلك نشير إلى من ذكر أنه من آداب الدعاء وذلك للاستئناس بأقوال العلماء وكذلك نفعل فيما يأتي من الآداب فمن العلماء الذين ذكروا هذا الأدب الطرطوشي وقال: ولعله من شروطه كما في الأزهية ص: ٧١، والدعاء المأثور ص: ٥٧، والقرطبي في الجامع: ٢/ ٣١١ وجعله من شروط الداعي، وابن الجزري في عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٣ وجعله آكد الآداب.
[ ١ / ١٨٣ ]
يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك" (^١).
وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله وذكر الدعاء كمثال على العمل الصالح الذي لا يقبل مع الحرام وإن أكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء (^٢).
وفي الحديث أيضًا الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بالحلال لمن أراد الدعاء أكثر من غيره (^٣).
وهذا الذي ذكر من أن التلبس بالحلال من أسباب الإجابة كما أن التلبس بالحرام يمنع من الإجابة، ليس معناه أن هذا لازم في كل دعاء وأنَّه لا يقبل أي دعاء إلا ممن يأكل الحلال، وإنما هذا إشارة إلى أن هذا هو الدعاء الأقرب إلى الإجابة وإلى هذا المعنى أشار في الحديث بقوله: "فأنى يستجاب له" أي "كيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه" (^٤).
عدم الاستعجال (^٥):
ومن أهم آداب الدعاء أن لا يستعجل الداعي في دعوته، فيستحسر
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٠٣ رقم ١٠١٥.
(٢) جامع العلوم والحكم: ٩٣، ١٠٠.
(٣) شرح النووي: ٧/ ١٠٠.
(٤) جامع العلوم والحكم ص: ١٠٠.
(٥) ذكره الحليمي ولكنه جعله من الأركان أو الشروط المنهاج: ١/ ٥٢٢، ٥٣٠، والقرطبي: ٢/ ٣١١ وابن الجزري في العدة ص: ٤٤، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٤٩، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
ويسأم ويترك الدعاء، واللائق بالعبد أن يلازم الطلب ولا ييأس ولا يستعجل، فإن العبد لا يعرف المصلحة هل هي في وقوع المطلوب بالسرعة أو في تأخيرها أو دفع بلاء آخر لا يدريه هو أو ادخار الأجر له في الآخرة؟ وليس ذلك من شأن العبد فعليه أن يكل الأمور إلى عالم الغيب والشهادة ويسأل الله تعالى، ثم إن الدعاء عبادة عظيمة، وليس لمجرد قضاء الحاجات السريعة فقط.
وقد ورد النهي عن استعجال الدعاء وأن ذلك من موانع الإجابة فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" وفي لفظ لمسلم: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت فلم أرَ يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدَعُ الدعاء" (^١).
وقال بعضهم: "لا يكن تأخرُ أَمَدِ العطاء مع الإلحاح في الدعاء مُوجبًا ليأسك فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد" (^٢).
ولعل الحكمة في المنع (^٣) من ذلك:
١ - أن هذا القول يدل على تضجر قائله وملله وهذا يؤدي إلى انقطاعه عن الدعاء وتركه له، وفي ذلك ترك لأهم العبادات، وقد أشير إلى هذا في الحديث بقوله: "فيستحسر عند ذلك ويدَع الدعاء".
٢ - أن هذا القول فيه اتهام للرب ﵎ وتبخيل للكريم
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١١/ ١٤٠ رقم ٦٣٤٠، ومسلم: ٤/ ٢٠٩٥ - ٢٠٩٦ رقم ٢٧٣٥، وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٦ رقم ٣٨٥٣.
(٢) الحكم العطائية مع شرحها غيث المواهب العلية ص: ٦٤.
(٣) انظر المنهاج للحليمي: ١/ ٥٣٠، والفتح: ١١/ ١٤٠ - ١٤١، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٩.
[ ١ / ١٨٥ ]
الجواد الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء حيث يظن هذا الداعي أنه قد أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة ولكن الله تعالى لم يستجب له.
٣ - أن الاستعجال والتضجر من التأخر فعل من له حق عند آخر يقتضيه وليس لأحد من الله حق حاصل عنده متأخر عنه فيستعجل به ويتضجر من تأخره مع أن إجابة الدعاء فضل من الله تعالى على العبد الداعي يعطيه إذا شاء تفضلًا وتكرمًا ولكنه يعطيه في الوقت المناسب على الوجه المناسب الذي يريده لا على ما يريده العبد.
هذا ومما ينبغي التفطن له أنه ليس من معنى (^١) الاستعجال: سؤال الداعي ربه أن يعجل له الإجابة.
عدم التعليق (^٢):
من آداب الدعاء المهمة أن لا يعلق الدعاء ولا يتردد، بل عليه العزم والجد والاجتهاد في الطلب من غير ضعف ولا تردد، ولا تعليق على المشيئة، وذلك بأن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، أو أعطني إن شئت.
وإنما لم يحتج إلى التعليق على المشيئة مع أنه مطلوب في كل شيء يقع في المستقبل؛ لأنَّه إنما يحتاج إلى ذلك إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه، ويُعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله سبحانه فإنه لا مكره له فلا فائدة في التعليق (^٣).
وقد أمر النبي ﷺ بالعزم في الطلب، ونهى عن التعليق بالمشيئة فقد روى أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "إذا دعا أحدكم
_________________
(١) انظر تحفة الذاكرين ص: ٥٠.
(٢) ذكره الحليمي في الآداب في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣١، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٦٤، وابن الجزري ص: ٤٤.
(٣) المنتقى للباجي: ١/ ٣٥٦، والفتح: ١١/ ١٤٠، وشرح النووي: ٧/ ١٧.
[ ١ / ١٨٦ ]
فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له" (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له". وفي لفظ لمسلم: "وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". وفي لفظ آخر له أيضًا: "فإن الله صانع ما شاء لا مكره له" (^٢) ففي هذه الأحاديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة: "لا يمنعن أحدًا من الدعاء ما يعلم في نفسه -يعني من التقصير- فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ (^٣).
وقد فسر بعضهم العزم الوارد في هذه الأحاديث بحسن الظن بالله تعالى في الإجابة (^٤). وهو قريب من المعنى الأول، وحسن الظن مطلوب في الدعاء أيضًا لما ورد في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني" (^٥).
ومما ينبغي أن يعلم أن النهي عن التعليق خاص بما هو خير محض من المطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كالعافية والرزق، وأما الأمور التي لا يتحقق العبد مصلحتها وعواقبها فيعلقها على اختيار ربه له الأصلح كما في دعاء الاستخارة الوارد (^٦).
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٩ رقم ٦٣٣٨، ومسلم: ٤/ ٢٠٦٣ رقم ٢٦٧٨.
(٢) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٩ رقم ٦٣٣٩، ومسلم ٤/ ٢٠٦٣ رقم ٢٦٧٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣١٣، وفتح الباري: ١١/ ١٤٠.
(٤) شرح النووي: ١٧/ ٧.
(٥) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٦٧ رقم ٢٦٧٥.
(٦) انظر في هذا الفرق بين المطالب في القول السديد ص: ١٣٦ - ١٣٧.
[ ١ / ١٨٧ ]
والسر في النهي عن التعليق هو أن عدم العزم في السؤال لا يليق بالبائس الفقير ذي الحاجة الشديدة وإنما يليق بمن يمكن الاستغناء له، ولا أحد يستغني عن فضل الله وجوده وكرمه، وأما المضطر فإنه يجزم ويسأل سؤال الفقير المضطر إلى ما سأله (^١).
ثم إن الداعي إذا لم يكن جازمًا لم يكن رجاؤه صادقًا قويًا لأن الباعث على الدعاء هو الرجاء فإذا كان الغالب على قلب الداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صادقًا، فلا يخلص الدعاء ولا يتحقق منه الإلحاح في الطلب لأنَّه لم يتحقق الباعث عليه، والداعي إنما يجاب تصديقًا لرجائه فإذا لم يصدق رجاؤه لم يستوجب أن يجاب (^٢).
وذلك لأن روح الدعاء وسره هو رغبة النفس في الشيء مع تطلعها إلى الملأ الأعلى والطلب بالشك يشتت العزيمة ويفتر الهمة (^٣).
ثم إن عدم الجزم فيه سوء ظن بالله تعالى لأن الداعي إذا لم يدع ربه على يقين أنه يجيبه فعدم إجابته إما لعجز المدعو، أو بخله، أو عدم علمه بالابتهال، وكل هذا محال على الله تعالى (^٤).
عدم الغفلة والتكاسل (^٥):
فالدعاء دواء نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب تبطل قوته، ومن المعلوم أن مقصود مقصود الدعاء هو حضور القلب ولكن الغفلة وضعف حضور القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، هذه الأمور
_________________
(١) المنتقى شرح الموطأ للباجي: ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣١٢.
(٢) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٧، وفيض القدير: ١/ ٢٢٨، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٩.
(٣) حجة الله البالغة: ٢/ ٧٤.
(٤) فيض القدير: ١/ ٢٢٨.
(٥) ذكره ابن القيم في الجواب الكافي وعدَّ وجود الغفلة من موانع الإجابة ص: ٧، والنووي في الأذكار: ٣٥٦.
[ ١ / ١٨٨ ]
تضعف قوة الدعاء وتبطل تأثيره فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًا فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا (^١). ولهذا حث الرسول ﷺ على حضور القلب وحذر من الغفلة وأخبر أنها مانعة من قبول الدعاء، فقال صلوات الله وسلامه عليه: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غَافِل لَاهٍ" (^٢).
هذا إذا كان يمكن للداعي إحضار قلبه فأما إذا كان لا يمكنه ذلك وليس في وسعه إلا الدعاء وهو ساه فالدعاء أفضل من تركه (^٣).
_________________
(١) الجواب الكافي ص: ٧.
(٢) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥١٧ رقم ٣٤٧٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨١٢ رقم ٦٢، والحاكم: ١/ ٤٩٣، وقال: حديث مستقيم تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد أهل البصرة، وتعقبه الذهبي بقوله صالح متروك، وسبقه إلى ذلك المنذري في الترغيب: ٢/ ٢٧٧، وقال النووي: إسناده فيه ضعف، الأذكار ص: ٣٥٦، ولكن الحديث له شاهد بسند ضعيف عند أحمد: ٢/ ١٧٧ من حديث ابن عمر وفيه ابن لهيعة، ولهذا الشاهد قواه الألباني ووضعه في الصحيحة: ٢/ ١٤٣ رقم ٥٩٤، وله شاهد آخر مرسل أخرجه ابن المبارك في الزهد من رواية نعيم من طريق صفوان بن سليم مرفوعًا: "إن القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فادعوا الله … إلخ"، الزهد ص: ٢١ رقم ٨٥. هذا وقد ضعف الحديث الحافظ العراقي وتلميذه الحافظ ابن حجر كما في شرح الإحياء: ٥/ ٣٩، وفيض القدير: ١/ ٢٢٩.
(٣) الفتاوى البزازية: ٤/ ٤١، وفتاوى قاضيخان: ٣/ ٤٢٢.
[ ١ / ١٨٩ ]
المبحث الثاني في آداب الدعاء الثبوتية
فالمراد من الثبوتية هي الآداب التي يطلب ثبوتها ووجودها، فلهذا يمكن تسميتها آدابًا وجودية أو إيجابية، بمعنى الإيجاب ضد النفي والسلب، وهذه الآداب الثبوتية كثيرة نقتصر هنا على أهمها وأصحها دليلًا، وهي كالآتي:
١ - الإخلاص.
٢ - التوبة.
٣ - التضرع والخشوع.
٤ - الإلحاح والتكرار.
٥ - الإكثار من الدعاء في الرخاء.
٦ - خفض الصوت.
٧ - التوسل بأسماء الله الحسنى.
٨ - اختيار جوامع الكلم.
٩ - استقبال القبلة.
١٠ - الطهارة.
١١ - الافتتاح بالثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه محمد وعلى آله وصحبه ﷺ.
[ ١ / ١٩٠ ]
١٢ - رفع اليدين.
١٣ - تحري الأوقات الفاضلة.
١٤ - تحري الأماكن الفاضلة.
١٥ - تحري الأحوال الفاضلة.
فهذه هي بعض الآداب الثبوتية إجمالًا وإليك تفصيلها بإيجاز:
الإخلاص في الدعاء (^١):
وهو أهم هذه الآداب وأوكدها لأن عدم إخلاص الدعاء الله تعالى تارة يكون شركًا صريحًا مخرجًا عن الملة، وقد يكون شركًا أصغر فيكون الدعاء محبطًا لا يمكن قبوله واستجابته.
وقد أمر الله تعالى بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥].
وقال عز من قائل: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩].
وقال الحافظ ابن حجر ﵀، وقد دلت الآية يعني بها قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] أن الإجابة مشترطة بالإخلاص (^٢).
وقال ابن مسعود ﵁: "إن الله لا يقبل من مسمع، ولا
_________________
(١) قد ذكره في آداب الدعاء كثيرون منهم الخطابي وجعله من شرائط صحة الدعاء في كتابه شأن الدعاء ص: ١٣، والقرطبي جعله أيضًا من شرط الداعي في أحكام القرآن: ٢/ ٣١١، وابن الجزري في العدة مع التحفة: ٤٣.
(٢) فتح الباري: ١١/ ٩٥.
[ ١ / ١٩١ ]
مراء، ولا لاعب، ولا داع إلا داعيًا دعاء ثبتًا من قلبه" (^١).
والإخلاص في الدعاء يستوجب الاعتقاد بأن المدعو هو القادر وحده على قضاء حاجته كما يستوجب دعاءه بنية صادقة وقد عبر القرطبي عن الإخلاص في الدعاء بقوله: "فمن شرط الداعي أن يكون عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة" (^٢).
وقد تبين من هذا أن الإخلاص لله تعالى وصحة الاعتقاد له أثره الخاص في استجابة الدعاء ومن هنا قيل: "إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد وعن كمال الطاعة لأنَّه عقب آية الدعاء بقوله: "فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي" (^٣).
التوبة (^٤) والرجوع إلى الله تعالى:
فإن المعاصي من الأسباب الرئيسية في منع قبول الدعاء، فينبغي للداعي أن يبادر إلى التوبة والاستغفار قبل دعائه ليكون مؤهلًا لقبول دعوته.
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد برواية نعيم ص: ٢٠ رقم ٨٣ وبوب عليه باب الإخلاص في الدعاء، وأحمد في الزهد ص: ١٥٩، ووكيع في الزهد: ٢/ ٥٧٩، رقم ٣٠٥، وهناد بن السري في الزهد: ٢/ ٤٤٢ رقم ٨٧٤، والبخاري في الأدب المفرد: ٢/ ٦٥ رقم ٦٠٦ وإسناده صحيح كما قاله محقق زهد وكيع الشيخ عبد الرحمن الفريوائي.
(٢) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١١.
(٣) الفتاوى: ١٤/ ٣٣ - ٣٤.
(٤) ذكرها الحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٠، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٥، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٥٤، والزركشي في الأزهية ص: ٧٠ وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٤١ وبدأ الحليمي والزركشي بالتوبة قبل غيرها من الآداب، وابن القيم في الجواب الكافي ص: ١٠، وابن الجزري ص: ٤٤ التحفة، وقد ذكر البخاري باب التوبة في أوائل كتاب الدعاء إشارة إلى كونها من آدابه، انظر الفتح: ١١/ ١٠٢.
[ ١ / ١٩٢ ]
وقد كان الأنبياء يحثون أممهم على التوبة والاستغفار ويخبرونهم أن ذلك سبب لنزول المطر وإدرار السماء والإمداد بالأموال والبنين، وغير ذلك.
قال نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقال هود ﵇: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢].
وقال تعالى في هذه الأمة ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣].
ومما يدل على أن التوبة من الأسباب المهمة لقبول الدعاء ما ورد من الأحاديث التي تدل على أن المعاصي سبب لرد إجابة الدعاء وقد تقدم بعضها عند ذكر التلبس بالحرام.
التضرع (^١) والخشوع والتذلل والرغبة والرهبة:
وهذا هو روح الدعاء ولبه ومقصوده (^٢) فالله ﷾ يحب عبده الذي إذا ابتلاه تضرع إليه وتملق له وتذلل وقرع بابه وأدام ذلك ولا يحب من لا يتضرع ولا يتذلل ويعتدي في الدعاء بعدم التضرع أو رفع الصوت أو غير ذلك.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
_________________
(١) وقد ذكره غير واحد في آداب الدعاء كالخطابي في شأن الدعاء ص: ١٣، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار ص ٣٦٤، وابن الجزري في عدة الحصن ص: ٤٤، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ١٦.
[ ١ / ١٩٣ ]
فأمر الله تعالى بدعائه بتضرع وخفية وحذر من الاعتداء، قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع، بل دعاء هذا كالمستغني المدل على ربه، وهذا من أعظم الاعتداء لمنافاته لدعاء الذليل، فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد" (^١).
وقد وصف الله زكريا ﵇ وأهله بأنهم يدعون الله تعالى رغبة ورهبة فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، هذا والتضرع هو حقيقة الدعاء ولا يخفى على العاقل ما فيه من أثر واضح في إجابة الدعاء ولهذا كان كل من يصدق في رغبته في الدعاء لا بد أن يتضرع حتى ولو كان مشركًا في غير وقت الرغبة الصادقة الملحة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣].
الإلحاح (^٢) والتكرار وعدم الضجر والملل:
ويحصل الإلحاح بتكرار الدعاء مرتين وثلاثًا وأكثر لكن الاقتصار على الثلاث مرات أفضل اتباعًا (^٣) للحديث حيث ورد ما يدل على تكريره للدعاء ثلاث مرات فقد روى ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا (^٤).
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ٢٣.
(٢) ذكره الحليمي وعده من الآداب: ١/ ٥٥٣، ٥٣١، وابن القيم في الجواب الكافي ص: ٥، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٥٤، وبوب البخاري فقال باب تكرير الدعاء: ١١/ ١٩٢، وذكره ابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.
(٣) إتحاف السادة: ٥/ ٣٩.
(٤) أبو داود: ٢/ ١٨٢ رقم ١٥٢٤، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص: ٣٣١ رقم ٤٥٧، وعنه ابن السني ص: ١٧٨ رقم ٣٦٨، وابن حبان: "موارد ٥٩٨ رقم ٢٤١٠" والحديث رجاله ثقات.
[ ١ / ١٩٤ ]
ووقع في حديث عائشة ﵂ في قصة سحره ﷺ: "فدعا ثم دعا ثم دعا" (^١).
وإذا بحثنا عن أدعية النبي ﷺ لا نجد كثيرًا منها فيها التكرار والبسط والتطويل وذكر كل معنى بصريحه نحو قوله ﷺ: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني" (^٢).
ومعلوم أنه لو قيل اغفر لي كل ما صنعت لكان أوجز ولكن في مقام الدعاء والتضرع وإظهار العبودية والافتقار فالتفصيل والبسط أفضل من الإيجاز والاختصار وذلك أن الدعاء عبودية لله وافتقار إليه وتذلل بين يديه، فكل ما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونَوَّعَ جمله كان ذلك أبلغ لعبوديته وإظهار فقره وتذلله وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه، هذا بخلاف المخلوق فإنك كلما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته وثقلت عليه وهنت عنده وكلما تركت سؤاله كنت أعظم عنده ولهذا قال بعضهم:
فالله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب (^٣)
الدعاء (^٤) في الرخاء والإكثار منه في وقت اليسر والسعة:
إن من شأن العبد الصالح أن يلازم الدعاء في حالتي الرخاء والشدة، وأما غير الصالح فإنه لا يلتجيء إلى الله تعالى إلا في وقت الشدة ثم ينساه، وهذا شأن أكثر الناس إلا من عصمه الله، فقد ذكر الله تعالى هذه الطبيعة البشرية في عدة آيات من كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ
_________________
(١) مسلم: ٤/ ١٧١٩ رقم ٢١٨٩، ونحوه في البخاري: ١١/ ١٩٣ رقم ٦٣٩١ ورقم ٥٧٦٣.
(٢) أخرجه مسلم: ١/ ٥٣٦ رقم ٧٧١ من حديث علي.
(٣) جلاء الأفهام: ١٧٥ - ١٧٦.
(٤) ذكره الحليمي من الآداب في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣١، وابن الجوزي كما في: غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.
[ ١ / ١٩٥ ]
الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨].
وقال ﷻ ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩].
وقال ﵎: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فصلت: ٥١].
فقد بيّن الله في هذه الآيات وأمثالها طبيعة ابن آدم في الالتجاء إلى الله في الشدائد ونسيانه في الرخاء.
كما بيّن في آيات أخر مثالًا واقعيًا من تلك الطبيعة البشرية فذكر حالة الذين تضطرب بهم السفن وتتلاطم بهم الأمواج وأنهم يخلصون في هذه الحالة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].
والذي ينبغي أن يكون عليه المسلم أن يلازم الدعاء في الرخاء والشدة وذلك أسرع في إجابة دعائه، كما ورد في حديث ابن عباس المشهور: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد: ١/ ٣٠٧، ٣٠٣، ٣٩٣، والترمذي: ٤/ ٦٦٧ رقم ٢٥١٦، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص: ٢٠٢ رقم ٤٢٥، والحاكم: ٣/ ٥٤١، =
[ ١ / ١٩٦ ]
والمراد بالمعرفة المطلوبة من العبد في الحديث هي: "المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له" (^١)، ومن المعرفة أيضًا إخلاص الدعاء له في حالة الرخاء، وكذلك المراد بمعرفة الله لعبده هو المعرفة الخاصة التي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابته لدعائه وإنجاءه من الشدائد وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه وفي رواية ولئن دعاني لأجيبنه" (^٢).
وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته (^٣).
ومن الأحاديث الدالة على سرعة إجابة دعاء من يلازم الدعاء في الرخاء ما رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب فليكثر الدعاء في الرخاء" (^٤).
_________________
(١) = والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٣ رقم ٤١، ٤٢، والآجري ص: ١٩٨، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٣٨ رقم ٣١٦ - ٣١٨ ويراجع في الكلام على الحديث جامع العلوم: ٧٧٤، ١٧٨، وقد صحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع: ٢/ ٤٤ رقم ٢٩٥٨، وفي ظلال الجنة: ١/ ١٣٨ رقم ٣١٦. وانظر بقية الكلام على هذا الحديث وطرقه في ص: ٥٣٣.
(٢) جامع العلوم: ١٧٨.
(٣) أخرجه البخاري: ١١/ ٣٤١ رقم ٦٥٠٢.
(٤) جامع العلوم: ١٧٩.
(٥) رواه الترمذي: ٥/ ٤٦٢، والحاكم: ١/ ٥٤٤، وابن عدي: ٥/ ١٩٩٠، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٥، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٥/ ٣٠٠ رقم ٦١٦٦.
[ ١ / ١٩٧ ]
خفض الصوت بالدعاء (^١):
من آداب الدعاء المهمة مخافتة الدعاء والإسرار به وعدم الجهر به، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
وروى أبو موسى الأشعري ﵁ أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ:
"أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" (^٢). وقد فسرت عائشة ﵂ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي بدعائك (^٣).
وقال الإمام أحمد ﵀: "ينبغي أن يسر دعاءه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال هذا في الدعاء"، وقال أيضًا: "كانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء" (^٤).
وقال الحسن البصري ﵀: "إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يفعلوه في سر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم عز
_________________
(١) ذكره الحليمي في المنهاج: ١/ ١٢٣، ٥٣٥، وابن تيمية في الفتاوى: ١٥/ ١٥، وابن القيم في بدائع الفوائد: ٣/ ٦، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٣، وعنه في الأذكار ص ٣٥٣، وابن الجزري في العدة ص: ٤٤، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٥، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٥٠.
(٢) أخرجه البخاري: ٦/ ١٣٥ رقم ٢٩٩٢، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٦ رقم ٢٧٠٤.
(٣) أخرجه البخاري في التفسير: ٨/ ٤٠٥ رقم ٤٧٢٣.
(٤) غذاء الألباب للسفاريني: ١/ ٤٠٨، واقتضاء الصراط ص: ٣١١.
[ ١ / ١٩٨ ]
وجل، ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وذلك أن الله تعالى ذكر عبدًا صالحًا ورضي قوله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣] ".
وقد وردت في بعض طرق هذا الأثر زيادة في أوله: "بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا" (^١). ونقل نحو هذا عن ابن عباس في صدقة السر والعلانية ثم قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها (^٢). وهذا الأثر الموقوف على ابن عباس له حكم الرفع.
قال القرطبي: "مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف" (^٣).
وذكر شيخ الإسلام ﵀ عشرة فوائد في إخفاء الدعاء (^٤) أذكرها مع طولها لنفاستها وكونها دررًا من الحكم والأسرار العظيمة التي تضمنه كلامه ﵀.
أحدها: أنه أعظم إيمانًا لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
وثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا ترفع الأصوات عندهم ولله المثل الأعلى.
وثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص: ٤٥ رقم ٤٠، ومن طريقه ابن جرير: ٧/ ٢٠٦، وذكره البغوي في التفسير: ٢/ ١٦٦، وابن تيمية في الفتاوى: ١٥/ ١٥، وابن القيم في بدائع الفوائد: ٣/ ٦، وابن كثير في تفسيره: ٢/ ٢٢١.
(٢) أخرجه ابن جرير: ٣/ ٩٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٣٣٢.
(٤) ذكر ذلك في الفتاوى: ١٥/ ١٥ - ١٩، وساقها ابن القيم قريبًا من عبارة شيخه مع: بعض الزيادات في بدائع الفوائد: ٣/ ٦، وانظر أيضًا قواعد الأحكام للعز: ٢/ ١٧٦ - ١٧٧ - ١٧٨.
[ ١ / ١٩٩ ]
ومقصوده، فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه، وذلت جوارحه، وخشع صوته، حتى إنه ليكاد تبلغ ذلته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق، وقلبه يسأل طالبًا مبتهلًا، ولسانه لشدة ذلته ساكتًا، وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلًا.
ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء فإنَّ رفع الصوت يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه.
وسادسها: أنه دال على قرب صاحبه إلى من يدعوه وهو الله القريب المجيب ولا يكون من نداء البعيد للبعيد حتى يحتاج إلى رفع الصوت.
ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله ﷿: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣]، ففي ذلك استحضار القلب قرب الله ﷿، وأنَّه أقرب إليه من كل قريب فلهذا يخفي دعاءه ما أمكن وإلى ذلك أشار ﷺ بقوله: "اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته".
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص، فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما لو رفع فإنه يضعف.
وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات فإنه إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد حتى يشوش عليه، وربما تعلقت نفس الداعي بمراقبتهم فتتفرق همته فيضعف أثر الدعاء.
وتاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال على الله وعبادته، ولكل نعمة
[ ١ / ٢٠٠ ]
حاسد ولا نعمة أعظم من هذه النعمة والأسلم له إخفاء نعمته عن الحاسد.
وقد قال يعقوب ليوسف ﵉ ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥].
وعاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو ﷾ فهو ثناء على الله مع الطلب منه فهو ذكر وزيادة، وقد أمر الله تعالى بإخفاء الذكر مع في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
هذا آخر الفوائد التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى - وهو كما ترى - يذهب إلى عدم الفرق بين الذكر والدعاء وهذا هو الصواب.
وقد ذهب بعضهم إلى الفرق بين الذكر والدعاء:
فذهب إلى أن الأفضل في الدعاء السر دون الذكر وعلل ذلك بقوله: لأنَّه أقرب إلى الإجابة إلَّا عند الضرورة.
ونقل عن الفتاوى البزازية أن الواعظ إذا جهر بالدعاء لا بأس به نعم إذا تعلموا وجهر يكون جهرهم بدعة.
ثم علل ثانيًا بقول الله تعالى في زكريا إذ نادى ربه نداء خفيًا وأنَّه يستحب في الاستعاذة اتفاقًا لكونها دعاء (^١).
وقد حكى بعض علماء الحنفية أن المستحب عندهم في الأذكار والأدعية الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود كالأذان والخطبة وتكبيرات الصلاة (^٢).
وفي هذا رد على بعض الحنفية الذين يميلون إلى استحباب الجهر
_________________
(١) انظر سباحة الفكر في الجهر بالذكر للكنوي ص: ٤٠، ٤١، وهذا الكتاب يميل إلى إستحباب ما تفعله الصوفية من الجهر بالذكر والاجتماع له وفيه تعسف وانظر ما يرد عليه في الفتاوى البزازية: ٤/ ٤٢.
(٢) المبسوط للسرخسي: ٤/ ٦.
[ ١ / ٢٠١ ]
بالذكر مراعاة لما جرت عليه عادة المتصوفة من الجهر بالذكر والاجتماع عليه.
فتبيّن مما تقدم أن الأفضل هو خفض الصوت ولكن في بعض الأوقات يأتي عارض يجعل الجهر أولى مثل قصد تعليم جاهل أو طرد نحو نعاس أو كسل عن الداعي نفسه أو إدخال سرور على قلب مؤمن أو تنفير مبتدع عن بدعة أو نحو ذلك (^١).
التوسل (^٢) إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا إما في أول الدعاء أو آخره:
كما يقع كثيرًا في الأدعية المأثورة فإنها إما تبتدئ بالتوسل باسم مناسب من أسماء الله الحسنى أو تختم به نحو ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. ونحو: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨]. ونحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ [الأعراف: ١٥١]. ونحو: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ونحو: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨].
وقد أمرنا الله تعالى بالتوسل إليه في الدعاء بأسمائه الحسنى فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والدعاء بالأسماء الحسنى له مرتبتان:
"إحداهما دعاء ثناء وعبادة، والثاني دعاء طلب ومسألة فلا يثني عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسأل إلا بها، فلا يقال: يا
_________________
(١) الفتاوى البزازية: ٤/ ٤٢، والفتاوى الهندية: ٥/ ٣١٨.
(٢) ذكره في المنهاج من الشروط: ١/ ٥٢٢، ٥٣٠، وابن القيم في الجواب ص: ١٠ والزركشي في الأزهية: ٦٩، ٩٣، والزبيدي في إتحاف السادة: ٥/ ٤٢.
[ ١ / ٢٠٢ ]
موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلًا إليه بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل ولا سيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا" (^١).
وقد فسر قوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" (^٢) فسر بالدعاء بها، وهو واحد من مراتب الإحصاء الثلاثة وهي:
الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها، والثانية: فهم معانيها ومدلولها، والثالثة: الدعاء بها. وقد رجح الخطابي هذا المعنى الأخير الذي هو عدُّها للدعاء بها (^٣).
وأما التوسل بدعاء الغير فليس من آداب الدعاء وذلك أن السؤال من الغير فيه نوع افتقار إلى غير الله تعالى ولهذا لم ينقل عن كبار الصحابة أنهم سألوا النبي ﷺ الدعاء لأنفسهم وإنما سأله عمر الدعاء للمسلمين عندما أراد النبي ﷺ ذبح رواحل المسلمين عندما نفدت أزوادهم في غزوة تبوك (^٤).
وأما التوسل بالغائب أو الميت فجدير بالمنع وأحرى. ومن هنا نعرف خطأ من عده من آداب الدعاء كابن الجزري في الحصن (^٥) وسيأتي بيان ما في ذلك بتوسع بحول الله وقوته.
_________________
(١) بدائع الفوائد: ١/ ١٦٤، ٢/ ١٤٣، ومدارج السالكين: ١/ ٤٤٨.
(٢) أخرجه البخاري: ٥/ ٣٥٤ رقم ٢٧٣٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٦٢ رقم ٢٦٧٧.
(٣) بدائع الفوائد: ٢/ ١٤٣ وانظر شأن الدعاء للخطابي: ٢٦ وقد ذكر معنيين آخرين، والفتح: ١٣/ ٣٧٨.
(٤) أخرجه مسلم: ١/ ٥٥ رقم ٢٧.
(٥) عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٤، وقد تبعه الشوكاني كما في التحفة ص: ٤٧، وقبله الزبيدي في الإتحاف: ٥/ ٤٤، وبعده صديق حسن خان في نزل الأبرار ص: ٣٧.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وأما التوسل بالأعمال الصالحة، فقد ورد بكثرة في القرآن الكريم التوسل بالإيمان والأعمال الصالحة، وهذا يدل على استحبابه وذلك نحو: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣].
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].
ومن هذا الباب الحرص على الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة للإجابة أو هي متضمنة للاسم الأعظم (^١) ومن ذلك ما رواه بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" فقال: "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" (^٢).
ومن ذلك ما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين إنه لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" (^٣).
ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يصلي ويقول: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلَّا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم" فقال
_________________
(١) الجواب الكافي ص: ١٠.
(٢) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٦ رقم ١٤٩٣، والترمذي: ٥/ ٥١٥ رقم ٣٤٧٥، والنسائي: ٣/ ٤٥ باب ٥٨، وأحمد: ٥/ ٣٦٠، وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٧ رقم ٣٨٥٧، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٢٧١ رقم ٩٤٠٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٣٢ رقم ١١٤، وابن حبان [موارد] ص: ٥٩٢ رقم ٢٣٨٣، والحاكم: ١/ ٥٠٤، وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) تقدم ص: ٧٤.
[ ١ / ٢٠٤ ]
النبي ﷺ: "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى" (^١).
ومن ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" (^٢).
اختيار (^٣) جوامع الكلم وأحسن الكلام وأحسن الألفاظ وأنبلها وأجمعها للمعاني وأبينها:
قد حث رسول الله ﷺ ورغب في ذلك، قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك" (^٤).
والسبب في ذلك ما ذكره الخطابي من أن الدعاء مناجاة العبد لسيد السادات الذي ليس له مثل ولا نظير ولو تقدم بعض خدم ملوك أهل الدنيا إلى صاحبه ورئيسه في حاجة يرفعها إليه لتخير له محاسن الكلام ولتخلص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته ولم يسلك هذه الطريقة، أوشك أن ينبو سمعه عن كلامه وألا يحظى بطائل من حاجته من عنده هذا ولله المثل الأعلى، فما ظنك برب
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٧ رقم ١٤٩٥، والنسائي: ٣/ ٤٤ رقم الباب ٥٨، والترمذي: ٥/ ٥٥٠ رقم ٣٥٤٤، وأحمد: ١٢٠٣، وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٨ رقم ٣٨٥٨، وابن حبان: [موارد]: ٥٩٢ رقم ٢٣٨٢، والحاكم: ١/ ٥٠٣ - ٥٠٤ وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) تقدم تخريجه ص: ٧٤.
(٣) ذكر هذا الخطابي في شأن الدعاء ص: ١٤، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٢.
(٤) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٢ رقم ١٤٨٢، وابن أبي شيبة: ١٠/ ١٩٩ رقم ٩٢١٤، والحاكم: ١/ ٥٣٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٧ رقم ٥٠، وأحمد: ٦/ ١٨٩، وابن حبان موارد: رقم ٢٤١٢ ص ٥٩٨، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني كما في صحيح الجامع: ٤/ ٢٦٤ رقم ٤٨٢٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
العزة سبحانه وبمقام عبده الذليل بين يديه ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كنه الثناء عليه، وهذا رسوله وصفيه ﷺ قد أظهر العجز والانقطاع دونه فقال في مناجاته: "وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (^١).
ويدخل في هذا مراعاة الإعراب في الأدعية لأنَّه بالإعراب يستقيم المعنى وبعدمه يختل ويفسد وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر إن اعتقد صاحبه، وقد أخرج الخطابي بإسناده عن الأصمعي أنه مر برجل يقول في دعائه يا ذو الجلال والإكرام فقال: ما اسمك؟ قال ليث، فأنشأ يقول:
ينادي ربه باللحن ليث … لذاك إذا دعاه لا يجيب (^٢)
والحاصل أنه ينبغي التحفظ من الخطأ في في الدعاء لأن تعظيم الله تعالى واجب على العبد بكل حال وهو في حال مسألته والرغبة أوجب وألزم (^٣).
ولكن هذا في القادر الذي يستطيع الإعراب والإفصاح وأما العاجز فلا بأس بأن يدعو بما يستطيع. قال ابن الصلاح ﵀: "ثم إن الدعاء الملحون ممن لا يستطيع غير الملحون لا يقدح في الدعاء ويعذر فيه" (^٤).
استقبال القبلة (^٥):
وذلك لأن القبلة هى الجهة الفاضلة التي ينبغي أن يتجه إليها في
_________________
(١) أخرجه مسلم: ١/ ٣٥٢ رقم ٤٨٦.
(٢) شأن الدعاء للخطابي: ١٥ - ١٦، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١٢.
(٣) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٩.
(٤) فتاوى ابن الصلاح ضمن المجموعة المنيرية: ٤/ ٣٠، وشرح الإحياء: ٥/ ٥٤، والأزهية: ٦٨.
(٥) ذكره الخطابي في شأن الدعاء: ١٣ وجعله من الشرائط والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣، والزركشي في الأزهية ص: ٧٢ والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار: ٣٥٣، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، وابن الجزري في العدة ٤٣، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٥.
[ ١ / ٢٠٦ ]
العبادات وهي أيضًا قبلة للدعاء كما أنها قبلة للصلوات وليست السماء قبلة للدعاء كما زعم ذلك بعضهم وستأتي مناقشة ذلك في مبحث العلو إن شاء الله.
وقد ورد في ذلك عدة أحاديث من ذلك حديث ابن مسعود ﵁ في إلقاء قريش الأذى على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي وفيه: "استقبل النبي ﷺ الكعبة فدعا على نفر من قريش" (^١).
وحديث عمر ﵁: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه" (^٢).
وحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الاستسقاء قال: "إن النبي ﷺ خرج إلى المصلى يصلي وإنه لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه" (^٣).
ولكن مع ثبوت هذه الأحاديث التي تدل على مشروعية استقبال القبلة وأفضليته للدعاء فالذي ينبغي أن يعلم أنه ليس بلازم في الدعاء، فقد ورد ما يدل على أن النبي ﷺ دعا غير مستقبل القبلة في بعض الأحيان ولهذا عقد البخاري ﵀ في صحيحه باب (^٤) الدعاء غير مستقبل القبلة وأورد فيه حديث الاستسقاء في خطبة الجمعة. ومن المعلوم أن الخطيب يكون مستدبرًا للقبلة في حال الخطبة وذلك للإشارة إلى أن الاستقبال ليس بلازم وإن كان أفضل وأرجى للقبول.
الطهارة قبل الدعاء (^٥):
وهذا من الآداب التي ينبغي للداعي أن يتصف بها فاللائق بمن يريد
_________________
(١) البخاري: ٧/ ٢٩٣ رقم ٣٩٦٠ ورقم ٢٤٠، ومسلم: ٣/ ١٤٢٠ رقم ١٧٩٤.
(٢) مسلم: ٣/ ١٣٨٣ رقم ١٧٦٣.
(٣) أخرجه البخاري: ٢/ ٥١٥ رقم ١٠٢٨ و١١/ ١٤٤ رقم ٦٣٤٣.
(٤) انظر ذلك في البخاري مع الفتح الدعوات: ١١/ ١٤٣.
(٥) ذكرها الخطابي وعدها من الشروط: شأن الدعاء ص: ١٣، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، والزبيدي في إتحاف السادة: ٥/ ٤١، وابن الجزري في العدة ص: ٤٣، والزركشي في الأزهية ص: ٧١.
[ ١ / ٢٠٧ ]
خطاب الله ومناجاته أن يكون على أحسن الأحوال ومن ذلك الطهارة الظاهرة بالوضوء والطهارة الباطنة بالتوبة والاستغفار حتى يكون مؤهلًا لخطاب الله تعالى ومناجاته.
وقد ورد ما يدل على استحباب الوضوء للدعاء في حديث أبي موسى الأشعري في قصة استشهاد أبي عامر وطلبه من النبي ﷺ الاستغفار فلما وصل إلى النبي ﷺ وفاته وطلبه منه الاستغفار دعا بماء فتوضأ ثم دعا له (^١).
وهذا الوضوء ليس بلازم إذ المضطر قد لا يسعفه الوقت للاستعداد بالوضوء فيتجه إلى الله تعالى بالسرعة فيجيبه الله على حسب قوة إخلاصه ورجائه وتضرعه وخشوعه.
ثم إن الوضوء للدعاء ليس صفة دائمة في جميع الدعوات التي نقلت عن النبي ﷺ فقد كان كما قالت عائشة ﵂: "يذكر الله في جميع أحيانه" (^٢).
والدعاء نوع من الذكر كما تقدم وذلك كالدعاء عند الخروج من الخلاء فإنه لا يؤخره حتى يتوضأ بل يقوله مباشرة عند الخروج.
افتتاح الدعاء (^٣) بالثناء على الله تعالى بالمحامد التي تليق بجلاله وبذكر جوده وكرمه ثم بالصلاة والسلام على نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه:
وذلك أن الأدب في خطاب العظماء أنه يقدم ثناؤهم وذكر جودهم وفضلهم على خطابهم بالحاجة وقد قال الشاعر:
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٨/ ٤١ رقم ٤٢٢٣.
(٢) أخرجه مسلم: ١/ ٢٨٢ رقم ٣٧٣.
(٣) ذكره الخطابي في شأن الدعاء ص: ١٣، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٥، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٥٤، وابن القيم في الوابل: ١٨٢، والجواب: ١٠، وابن عبد السلام في قواعده: ٢/ ١٦٨، والزركشي في الأزهية: ٨٠ - ٨٣، وابن الجزري في العدة: ٤٣.
[ ١ / ٢٠٨ ]
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … ثناؤك إن شيمتك الوفاء
ولله المثل الأعلى فالذي يريد دعاءه عليه أن يقدم بين يدي حاجته الثناء وهذا من التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
وإذا تأملنا الأدعية الواردة في القرآن والسنة نجد كثيرًا منها تبتدئ بالثناء على الله تعالى بجميل أوصافه، فمن ذلك الدعاء الذي حكاه الله عن عباده أولي الألباب في آخر سورة آل عمران فقد بدئ بالثناء على الله بالتنزيه وعدم العبث: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ …﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٤]، ومن ذلك دعاء الفاتحة الذي هو أفضل دعاء فقد بدئ بالثناء على الله، ومن ذلك دعاء يوسف الذي حكاه الله في آخر سورة يوسف آية ١٠١: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ …﴾ ودعاء الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا …﴾ [غافر: ٧].
ومن ذلك الدعاء الذي كان النبي ﷺ يقوله في قيام الليل: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض" … إلى أن قال بعد ثناء طويل: "فاغفر لي ما قدمت … " (^١).
قال الحافظ في شرحه لهذا الحديث: وفيه استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب اقتداء بالنبي ﷺ (^٢).
وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي نوع من أنواع الدعاء إذ الدعاء نوعان:
أحدهما: سؤال العبد حوائجه ومهماته، وهذا إيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
والثاني: سؤال العبد ربه أن يصلي على خليله وحبيبه ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحب ذلك، فالمصلي عليه قد صرف
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ٣/ ٣ رقم ١١٢٠.
(٢) الفتح: ٣/ ٥.
[ ١ / ٢٠٩ ]
سؤاله ورغبته إلى محاب الله ورسوله وآثر ما يحبه الله ورسوله على محاب نفسه. فهذا جزاؤه من جنس عمله.
ومثال هذا ما يوجد عند الناس بما يفعلونه عند ملوكهم إذا أرادوا التقرب إليهم أثنوا على من يحبونه وسألوا منه أن ينعموا عليه وبذلك يتوسلون إلى القرب عندهم والحظو لديهم (^١).
ثم إن الصلاة على النبي ﷺ هي دعاء له فكلما صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشرًا: "وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: آمين ولك بمثله فدعاؤه للنبي ﷺ أولى بذلك" (^٢).
فتبيّن بهذا أن الصلاة على النبي ﷺ فيها معنى الدعاء فكيف إذا تقدمت أمام الدعاء فصارت له كالمفتاح كما أن مفتاح الصلاة الطهور؟ (^٣).
وقد اتفق العلماء على استحبابها في الدعاء حتى حكى الزمخشري أن بعض العلماء أوجبها في كل دعاء (^٤).
وقد ورد الحث على تقديم الثناء والصلاة والسلام على النبي ﷺ في أحاديث متعددة، منها: حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: "سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: "عجل هذا"، ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بعد بما شاء" (^٥).
_________________
(١) جلاء الأفهام: ٢٧٠، وبدائع الفوائد: ٢/ ١٩٠.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل ص: ٧١ رقم ٢١٤.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل ص: ٢٢٧.
(٤) الفتح: ١١/ ١٥٣.
(٥) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٢ رقم ١٤٨١، والنسائي: ٣/ ٣٨ باب ٤٨، والترمذي: ٢/ ٤٨٨ رقم ٥٩٣ و٥/ ٥١٦ رقم ٣٤٧٧ وابن خزيمة: ١/ ٣٥١ رقم ٧٠٩، وابن حبان [موارد] رقم ٥١٠، والحاكم: ١/ ٢٦٨، وصححه ووافقه الذهبي وقد صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان كما في الفتح ١١/ ١٦٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ١/ ٢٣٧ رقم ٦٦١.
[ ١ / ٢١٠ ]
وروي عنه ﷺ أنه قال: "كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي ﷺ " (^١).
من آداب الدعاء (^٢): رفع اليدين:
١ - ذهب أكثر العلماء إلى استحباب رفع اليدين في الدعاء ويدل لهم أحاديث كثيرة جدًا أفردها المنذري في جزء (^٣) وكذلك السيوطي في رسالة سماها "فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء"، وادعى في أولها تواترها وأنَّه وقعت له منها نيف وأربعون حديثًا (^٤).
وذكر في تدريب الراوي أن من المتواتر ما تواتر معناه، ومثل له بأحاديث رفع اليدين في الدعاء ثم قال: "فقد ورد عنه ﷺ نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء وقد جمعتها في جزء لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع" (^٥). وممن أقر بتواتره صاحب نظم المتناثر (^٦).
_________________
(١) روي عن علي وعبد الله بن بسر ومعاذ، فأما حديث على فقد روي مرفوعًا وموقوفًا وذكر فيه ابن القيم ثلاث علل في جلاء الأفهام: ١١ - ١٢، وحديث عبد الله بن بسر أخرجه النَّسَائِي في الخصائص كما في جلاء الأفهام: ٢٢٦، وحديث معاذ أخرجه ابن حبان كما أشار إليه في صحيح الجامع وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٤/ ١٧٣.
(٢) قد بوّب البخاري في صحيحه لهذه المسألة فقال: باب رفع الأيدي في الدعاء. البخاري مع الفتح: ١١/ ١٤١، والخطابي جعله من سننه ص: ١٣، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٤، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٢، وعنه النووي في الأذكار: ٣٥٧، والزركشي في الأزهية: ٧٣، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٥٣.
(٣) انظر عن جزء المنذري الفتح: ١١/ ١٤٢.
(٤) طبعت الرسالة بتحقيق محمد شكور المياديني بمكتبة المنار في الأردن عام ١٤٠٥ هـ وجملة الأحاديث الموصولة فيها ٤٧ والمرسلة ٩ والموقوفة ٣ والمجموع ٥٩.
(٥) تدريب الراوي: ٢/ ١٨٠.
(٦) انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني: ١١٣.
[ ١ / ٢١١ ]
وقال النووي: "قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين أو أحدهما" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما رفع النبي ﷺ بالدعاء فهو في الحديث أكثر من أن يبلغه الإحصاء" (^٢) وذكر أيضًا أن الرفع تواترت به السنن (^٣).
٢ - وقالت طائفة: يكره رفع اليدين في الدعاء وإنما يشير بأصبع واحدة.
٣ - وقيل: إن الرفع خاص بالاستسقاء.
٤ - وقيل: إنه خاص بالاستسقاء والنازلة (^٤).
ويستدل لهذين المذهبين الأخيرين بحديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه" (^٥).
ويقاس على الاستسقاء النازلة على رأي المذهب الأخير. واستدل (^٦) للمذهب الثاني بما رواه مسلم عن عمارة بن رُؤَيْبَة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبحة (^٧).
_________________
(١) شرح مسلم للنووي: ٦/ ١٩٠.
(٢) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٤.
(٣) الفتاوى: ٥/ ٢٦٥.
(٤) يراجع في حكاية هذه الأقوال إلى: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥، والفتح: ١١/ ١٤٣.
(٥) البخاري: ٢/ ٥١٧ رقم ١٠٣١.
(٦) الجامع للقرطبي: ٧/ ٢٢٥.
(٧) أخرجه مسلم: ٢/ ٥٩٥ رقم ٨٧٤.
[ ١ / ٢١٢ ]
والصواب مذهب الجمهور لأن القاعدة المعروفة أنه عندما يظهر ما يشبه التعارض بين النصوص أن يجمع بينها أولًا إن أمكن، ثم يرجح بينها إن لم يمكن الجمع وقد أمكن هنا الأمران (^١) الجمع والترجيح.
أ - فأما الجمع بينها فيمكن أن يقال فيه: إن حديث أنس في الاستسقاء يحمل على أن المنفي فيه صفة خاصة لا أصل الرفع وذلك لأن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وأما في غيره فإلى حذو المنكبين فقط أو أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي غيره يليان السماء لأنَّه ورد في مسلم: "عن أنس أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء" (^٢).
وأما حديث عمارة بن رُؤَيبة فخاص برفع اليدين على المنبر في خطبة الجمعة كما هو ظاهر سياق الحديث فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيته (^٣).
ب - وأما إذا قلنا: إن الجمع لا يمكن فننتقل إلى الترجيح، وجانب الإثبات أرجح لأمرين:
١ - إن أحاديث الإثبات متواترة وحديث النفي غير متواتر، فالمتواتر مقدم على غيره.
٢ - إن أحاديث الرفع مثبتة فالصحابة الذين رووها أخبروا عن شيء عاينوه وشاهدوه أو سمعوه من النبي ﷺ، فالمثبت مقدم على النافي والحافظ حجة على من لم يحفظ لاسيما والمثبتون جماعة والنافي واحد، ولعله لم ير ذلك أو لم يحضره أو حضر ولم يتفطن.
_________________
(١) انظر عن هذين الأمرين: شرح النووي لمسلم: ٦/ ١٩٠، والفتح: ٢/ ٥١٧، ٤١٣، ١١/ ١٤٢.
(٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٦١٢ رقم ٨٩٦.
(٣) الفتح: ١١/ ١٤٣، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٥.
[ ١ / ٢١٣ ]
مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء:
قد اختلف الفقهاء في ذلك فمنهم من استحب (^١) ذلك ومنهم من كره ذلك (^٢) وعده بدعة، واستدل القائلون بالاستحباب بأحاديث كلها واهية فلم يسلم طريق من تلك الطرق من ضعف شديد، بين ذلك الشيخ الألباني والشيخ بكر أبو زيد حفظهما الله تعالى (^٣).
ولكن الحافظ ابن حجر حَسَّن إسناد حديث ابن عباس (^٤) وقال في الأحاديث الواردة في مسح الوجه: إن مجموعها يقضي بأنه حسن (^٥).
وهذا فيه نظر لأن تقويتها يمكن لو أن هناك طريقًا ليس فيه ضعف شديد وهذا الأمر لا يوجد هنا إذ الطرق كلها واهية إذ لم يسلم طريق من ضعف شديد.
واحتج القائلون بالبدعية بأمرين:
١ - إن المسح عبادة وهي توقيفية ولم يثبت بطريق يمكن الأخذ به.
٢ - إن أحاديث رفع الأيدي في الدعاء متواترة فلم يرد فيها أنه مسح الوجه بعد الرفع إلا في أحاديث ضعيفة جدًا، فهذا يدل على نكارة تلك الأحاديث أو شذوذها.
_________________
(١) منهم الحليمي في المنهاج: ٥٣٥١/ ٥٢٣، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٣، وابن الجزري في العدة ص: ٤٤.
(٢) منهم الإمام مالك وابن المبارك، وأحمد، والبيهقي، والعز ابن عبد السلام، والنووي في قول، وابن تيمية، وابن عرفة، والفيروز أبادي، نقل عن هؤلاء الشيخ بكر أبو زيد في رسالته ص: ٥٣ - ٥٧.
(٣) أورد الشيخ الألباني الأحاديث المتعلقة بالمسح وبين ضعفها في كتابه إرواء الغليل: ٢/ ١٧٨ - ١٨٢، وللشيخ بكر أبو زيد رسالة مستقلة في الموضوع سماها جزء في مسح الوجه بعد رفعهما للدعاء وهي من الأجزاء الحديثية التي يصدرها تباعًا الشيخ بكر أبو زيد، وهذا الجزء هو الثاني منها ونشرته دار الرشد بالرياض عام ١٤٠٤ هـ.
(٤) انظر فض الوعاء: ٧٤ نقلًا عن نتائج الأفكار لابن حجر.
(٥) بلوغ المرام مع سبل السلام: ٤/ ١٦٣٠.
[ ١ / ٢١٤ ]
ومن هنا قال العز ابن عبد السلام: لا يفعله إلا جاهل (^١).
وقال النووي: لا يندب (^٢).
وقال شيخ الإسلام: وأما رفع النبي ﷺ في الدعاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة، والله أعلم (^٣) أي أن هذه الأحاديث التي فيها المسح تعد منكرة فلا تصلح دليلًا.
تحري الأوقات الفاضلة (^٤):
قد فضّل الله الأوقاتَ بعضها على بعض فجعل بعضها نفحات لرحمته وجوده وكرمه فينبغي للإنسان أن يترصد تلك الأوقات الفاضلة فيدعو الله فيها فهي أرجى للإجابة من غيرها، ومن تلك الأوقات:
١ - الأسحار. فقد وردت أحاديث وآثار تدل على قبول الدعاء في جوف الليل عمومًا وفي الأسحار خصوصًا، ووصف الله عباده المتقين بأنهم يستغفرون بالأسحار ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨] والاستغفار نوع من الدعاء كما تقدم.
ومن الأحاديث التي وردت في قبول الدعاء في الأسحار ما رواه أبو هريرة ﵁ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني
_________________
(١) فتاوى العز ابن عبد السلام الموصلية نقل عن هذه الفتاوى، الزركشي في الأزهية ص: ١٠٦، والمناوي في فيض القدير: ١/ ٣٦٩ ولم أجد هذا النص في فتاوى العز المطبوعة.
(٢) شرح المهذب: ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢، والفتوحات الربانية: ٢/ ٣١١.
(٣) الفتاوى: ٢٢/ ٥١٩.
(٤) انظر في هذا المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٥، والفتاوى: ١٠/ ٦٦٠ - ٦٦٢، والجواب الكافي: ١٠، والإحياء: ١/ ٣٦١، والأزهية: ١٠٧ - ١١٠.
[ ١ / ٢١٥ ]
فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (^١).
٢ - يوم الجمعة:
ففي يوم الجمعة ساعة يستجاب فيها للعبد، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه" (^٢).
وقد اختلف في تعيين هذه الساعة على نحو أربعين (^٣) قولًا وأقوى هذه الأقوال قولان:
أحدهما: ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى الفراغ الصلاة.
وثانيهما: ما بعد صلاة عصر يوم الجمعة إلى الغروب.
فهاتان الساعتان قد صح في كل منهما ما يدل على أنه يستجاب فيه الدعاء، وبذلك تنحصر ساعة الإجابة فيهما ولا تعارض بين ما ورد فيه لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما في وقت وعلى الآخر في وقت آخر (^٤).
٣ - شهر رمضان المبارك لا سيما العشر الأواخر ولا سيما ليلة القدر.
إن الله ﷾ فضل الشهور بعضها على بعض، ومن الشهور الفاضلة شهر رمضان فهو موسم الخيرات وزيادة عطايا الرب وهباته ففيه تفتح أبواب الخيرات ويتعرض فيه لجود الرب وكرمه وفضله، ومما ورد مما يدل على فتح أبواب الرحمة والخيرات في شهر رمضان - ما رواه أبو هريرة مرفوعًا -: "إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب
_________________
(١) البخاري: ٣/ ٢٩ رقم ١١٤٥، ومسلم: ١/ ٥٢١ رقم ٧٥٨، وهو حديث متواتر كما قاله الذهبي في العلو ص: ٧٣.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٢/ ٤١٥ رقم ٩٣٥، ومسلم: ٢/ ٥٨٣ رقم ٨٥٢.
(٣) انظر عن هذه الأقوال وأدلتها: فتح الباري: ٢/ ٤١٦ - ٤٢١.
(٤) زاد المعاد: ١/ ٣٩٤، وفتح الباري: ٢/ ٤٢٢.
[ ١ / ٢١٦ ]
جهنم وسلسلت الشياطين" (^١).
٤ - يوم عرفة. فهذا يوم عظيم تستجاب فيه الدعوات. قال النبي ﷺ: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته: … " (^٢).
قال ابن عبد البر: "وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره … وفي الحديث أيضًا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب" (^٣).
ثم بقي هنا سؤال هل قبول الدعاء يوم عرفة خاص بعرفة؟
الجواب: إن الحديث لم يقيد فضيلة الدعاء يوم عرفة بعرفة خاصة، وربما يمكن أن يكون هذا الدعاء أفضل حتى في غير عرفة ولكن الباجي المالكي قال: "ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة لأن معني دعاء يوم عرفة في حقه يصح وبه يختص، وإن وصف اليوم في الجملة بيوم عرفة فإنه يوصف بفعل الحاج فيه" (^٤).
وهذا الذي قاله الباجي هو الظاهر لأن السلف لم يشتهر عنهم الحرص على الدعاء في يوم عرفة بغير عرفة. ولكن يعكر على هذا ما أن روي ابن عباس وعمرو بن حريث من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين كانوا يعرفون يوم عرفة في الأمصار وأنكره عليهم آخرون (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٥٨ رقم ١٠٧٩.
(٢) تقدم ص: ٥١.
(٣) التمهيد: ٦/ ٤١.
(٤) المنتقى شرح الموطأ: ١/ ٣٥٨.
(٥) وممن أنكر هذا التعريف الحسن البصري وإبراهيم النخعي والحكم وحماد يراجع في هذا إلى المصنف لعبد الرزاق: ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٩، والسنن الكبرى: ٥/ ١١٨، وقال شيخ الإسلام: غايته أنه مما يسوغ فيه الاجتهاد لا أنه سنة سنها النبي ﷺ لأمته أو يقال: إنه لا بأس به أحيانًا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة. اهـ. قاعدة في التوسل ص: ١٠٣، واقتضاء الصراط: ٣١٠.
[ ١ / ٢١٧ ]
٥ - ما بين الأذان والإقامة:
فعند الأذان تطرد الشياطين، وتتجه القلوب إلى الله تعالى تاركة هموم الدنيا مقبلة إلى الوقوف بين يدي الله تعالى، ففي هذا الوقت يرجى قبول الدعاء، فقد روى أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا" (^١).
أن يتحرى الأماكن الفاضلة (^٢).
وذلك كالمساجد والمشاعر المقدسة كعرفة والمشعر الحرام والجمرتين الصغرى والوسطى دون الكبرى وجوف الكعبة والصفا والمروة وذلك لأن هذه المواضع قد شرفها الله تعالى وتعبدنا بتعظيمها وجعل العبادة فيها أفضل من العبادة في غيرها. وجعلها الله تعالى أماكن لقبول الدعاء فيها أكثر من غيرها وهذا الأمر معروف حتى عند الكفار في جاهليتهم، فقد كان مشركو قريش يرون أن الدعاء في مكة مستجاب.
قال عبد الله بن مسعود ﵁ في قصة طرح الكفار سلى جزور على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي قال: "فشق عليهم إذ دعا عليهم وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة" (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٣/ ١٥٥، ٢٢٥، وأبو داود: ١/ ١٤٤، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص: ١١٧ رقم ٦٧، ٧٢ والترمذي: ١/ ٤١٥ رقم ٢١٢، ٥/ ٥٧٧، والطبراني في الدعاء: ٤٨٣ - ٤٨٨، وصححه الألباني في الإرواء: ١/ ٢٦١ برقم ٢٤٤.
(٢) انظر المنهاج: ١/ ١٢٣، ٥٣٩، والأزهية: ١١٠، وقد ذكر ابن القيم في الزاد: ٢/ ٢٨٨، ست وقفات للدعاء وذكر عند الملتزم: ٢/ ٢٩٨، وعند الصفا: ٢/ ٢٢٨، ويوم عرفة: ٢/ ٢٣٨، وقال: وأسانيد هذه الأدعية فيها لين وذكر السفاريني أنه لا يعلم بورود شيء من ذلك مرفوعًا إلا ما ورد بسند حسن عند الطبراني من استجابته عند الكعبة، وما ورد في مسجد الأحزاب: انظر غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥.
(٣) أخرجه البخاري: ١/ ٣٤٩ رقم ٢٤٠.
[ ١ / ٢١٨ ]
فينبغي للمسلم أن يتحرى الدعاء في هذه الأماكن الفاضلة التي الدعاء فيها أقرب للإجابة من غيرها لعل الله يمن عليه بجوده.
أن يتحرى الأحوال الفاضلة (^١):
فالإنسان له أحوال يكون فيها خشوعه وتضرعه أكثر، وعند التأمل يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضًا. إذ وقت السحر وقت يحصل به تمام صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات. قال شيخ الإسلام: "والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت" (^٢).
ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على ذكر الله تعالى وعبادته. قال شيخ الإسلام: "فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه" (^٣).
ولتداخل شرف الأوقات بشرف الحالات اختلفت اعتبارات العلماء فمنهم من يعتبر الحالات أوقاتًا وبالعكس فنجد ابن القيم يجعل أدبار الصلوات وبين الأذان والإقامة من الأوقات (^٤).
ونجد الحليمي والغزالي يجعلان ذلك من الأحوال (^٥).
والفرق بين الأحوال والأوقات واضح إذ أحوال الداعي مختلفة غير مستمرة في أزمنة وإن كانت لا تخلو عنها فالحال وصف للداعي وأما
_________________
(١) انظر المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٨، والإحياء: ١/ ٣٦٢، وعنه في الأذكار: ٣٥٣.
(٢) الفتاوي: ٥/ ١٣٠ - ١٣١، ونحوه في: ٥/ ٣٧٣.
(٣) الفتاوى شرح حديث النزول: ٥/ ٣٧٤.
(٤) الجواب الكافي: ١٠، ومثل ابن القيم شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه: ١٠/ ٦٦١ - ٦٦٢.
(٥) انظر المنهاج: ١/ ٥٣٨ - ٥٣٩، والإحياء: ١/ ٣٦٢.
[ ١ / ٢١٩ ]
الزمان والمكان فظرفان له (^١).
ومن هذه الأحوال حال الاضطرار ففي الاضطرار تجتمع النية وتتوجه القلوب إلى الله تعالى ويقطع الرجاء عن غير الله تعالى ومن هنا تحصل سرعة الإجابة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] ومن الأحوال حالة السجود ففي حالة السجود يتذلل العبد لربه ويتضرع ويضع أشرف موضع من جسده على مواطئ الأقدام فلهذا فالسجود مظنة لإجابة الدعاء.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء" (^٢).
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿ وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (^٣).
وبهذا قد انتهينا من ذكر آداب الدعاء على وجه الإيجاز فنبدأ في الكلام على الإجابة وبالله التوفيق:
_________________
(١) الفتوحات الربانية: ٧/ ٢٤٦.
(٢) مسلم: ١/ ٣٥٠ رقم ٤٨٢، وأبو داود: ١٨/ ٥٤٥ رقم ٨٧٥، وأحمد: ٢/ ٤٢١.
(٣) مسلم: ١/ ٣٤٨ رقم ٤٧٩.
[ ١ / ٢٢٠ ]
المبحث الثالث في الإجابة وأنواعها
تعريف الإجابة:
يقال: أجاب الله دعاءه إجابة، المصدر: الإجابة، والاسم الجابة: كالطاعة، واسم الفاعل المجيب، وهو في أسماء الله تعالى: الذي يقابل الدعاء والسؤال بالعطاء والقبول، ويقال أيضًا: استجاب الله دعاءه استجابة واستجاب له.
والإجابة والاستجابة بمعنى واحد، السين والتاء زائدتان، قال الشاعر:
وَدَاعٍ دَعا يا من يُجِيبُ إلَى الندى … فلم يستجبه عند ذاك مجيب (^١)
أي فلم يجبه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦].
_________________
(١) قائل هذا البيت هو كعب بن سعد الغنوي كما في مجاز القرآن: ١/ ٦٧، ١١٢ والصحاح: ١/ ١٤، واللسان: ٢/ ٧١٦، والطبري: ٢/ ١٥٩.
[ ١ / ٢٢١ ]
ففي هذه الآيات معنى استجاب أجاب كما هو واضح (^١).
الإجابة وأنواعها:
قد تقدم أن الدعاء ينقسم إلى نوعين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
وكذا الاستجابة تتنوع إلى نوعين: فلكل نوع من الدعاء نوع من الاستجابة يناسبه، فاستجابة دعاء العبادة بإعطاء الثواب والأجر، واستجابة دعاء المسألة بإعطاء المسؤول.
قال ابن القيم ﵀: "والاستجابة أيضًا نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب وبكل واحد من النوعين فسر قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. والصحيح أنه يعم النوعين" (^٢). أي أنه يراد به القدر المشترك الذي يصدق على النوعين.
ومثل الاستجابة السماع، فإن السمع يطلق "ويراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم" (^٣) كما يطلق على سماع القبول والانقياد (^٤) فسماع الله تعالى للدعاء يشمل سماع العلم والإحاطة وسماع الإجابة والقبول فهو يسمع دعاء السائلين سمع إجابة ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل فإنه سبحانه هو الذي خلقهم كلهم ويرزقهم كلهم (^٥).
وقد أمر الله تعالى عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة تفضلًا منه وتكرمًا
_________________
(١) انظر المصادر السابقة وغريب القرآن لابن قتيبة ص: ٧٤، والمفردات: ١٠٢، والنهاية: ١/ ٣١٠ وشأن الدعاء للخطابي: ٧٢ والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١٣.
(٢) زاد المعاد: ١/ ٢٣٥.
(٣) قاعدة في التوسل ص: ٥٤.
(٤) بدائع الفوائد: ٢/ ٧٥.
(٥) الفتاوى: ٥/ ٤٨٠، وجامع الرسائل: ٢/ ١٦، ٥٤، وقاعدة التوسل ص: ٥٣ - ٥٤.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وامتنانًا وإحسانًا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وهذا الوعد من الله تعالى لا يتخلف قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران: ٩].
والاعتقاد بعدم خلف الله لوعده هو عقيدة المؤمن بربه وهو الذي تقتضيه النصوص الشرعية كما تقتضيه الفطر السليمة والعقول النيرة والعادات الجارية من الكرماء. فلله المثل الأعلى إذ الكريم إذا وعد لا بد أن يفي فكيف بأكرم الكرماء الذي رحمته وسعت كل شيء؟؟
فإذا ثبت هذا يأتي هنا سؤال جد مهم وهو أننا نرى بعض الناس يدعون فلا يستجاب لهم مع أن وعد الله محقق لا يتخلف (^١).
وقبل الخوض في جوابه لا بد من معرفة أن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا يجاب على كل أدعية الإنسان وأمنياته، لأنَّه قد يدعو بما فيه ضرر عليه أو بما لا مصلحة له فيه، وقد يدعو بما فيه ضرر على غيره، فالإنسان محدود المعرفة وقاصر العلم بمصالحه، فلو أن الله تعالى أجاب له كل ما يريده لأدى ذلك إلى مفاسد له ولغيره، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].
_________________
(١) انظر عن هذا السؤال: تفسير الطبري: ٢/ ١٦٠، والبغوي: ١/ ١٥٥، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٤١، وزاد المسير: ١٠/ ١٨٩، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣٠٩، وتفسير الرازي: ٥/ ١٠٧، وشرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٢٨.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقد بيّن الله ﷾ في كتابه العزيز الدعوات التي لم يستجبها بعين المطلوب مع أن الذين دعوه هم أنبياؤه ورسله الكرام ومع ذلك قد تتأخر الإجابة بعين المطلوب ويخبرهم الله تعالى أن ما سألوه لا تقتضيه الحكمة الإلهية فإذا كان هذا في الأنبياء والرسل مع ما أعطاهم الله من المنزلة والكرامة فكيف بمن دونهم؟
ومن الأمثلة التي بَيَّنَ اللهُ فيها ذلك: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
فقد نزلت في دعاء النبي ﷺ على الذين آذوه يوم أُحد وقتلوا أصحابه فدعا عليهم فنزلت (^١).
وقوله تعالى في سؤال موسى رؤيةَ ربِّه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وقوله تعالى في سؤال نوح نجاةَ ابنه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦].
ومن هنا ينبغي للعبد أن لا يعترض إذا تأخرت الإجابة لدعائه وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه وشقوته، وقد يمنعه منها لكرامته عليه ومحبته له فيمنعه حماية وصيانة وحفظًا لا بخلًا (^٢).
هذا وإذا عرفنا أن الإجابة قد تتأخر لحكم وأسرار يعلمها الله تعالى نبدأ في الجواب عن السؤال الماضي فنقول وبالله التوفيق:
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٧/ ٣٦٥ رقم ٤٠٧٠، والترمذي: ٥/ ٢٢٦ رقم ٣٠٠٢.
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٧٩، والآداب الشرعية: ٢٩٢٢، وقد ذكر ابن الجوزي فوائد مهمة في هذا الموضوع في صيد الخاطر في عدة مواضع منه منها ص: ٨٥ - ٨٦ و١٢٤ - ١٢٥ و١٥٠ و١٧٨ و١٩٠ - ١٩١ و٢٧٧ و٢٨٥ - ٢٨٦.
[ ١ / ٢٢٤ ]
قد أجاب العلماء عن هذا السؤال بوجوه:
الوجه الأول (^١): أن الإجابة في الآيتين الماضيتين مطلقة لم تقيد، ولكنها جاءت مقيدة في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
ففي هذه الآية قيدت إجابة الدعاء بالمشيئة، ومن القواعد المقررة المعلومة أن المطلق يحمل على المقيد، فتكون الإجابة مقيدة بالمشيئة.
هذا الجواب سديد إلا أنه يمكن أن يخدش فيه بأن يقال: إن التقييد بالمشيئة لم يكن لأن الإجابة غير موعود بها جزمًا بل إنما قيدت الإجابة بالمشيئة لأن الأمور كلها بمشيئة الله تعالى (^٢) كما قد قيل في نحو قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، مع أنه خبر محقق لا يمكن أن يتخلف.
لكن هذا الخدش ضعيف لأن سياق الآية يدل على أن التقييد بالمشيئة قصد به أن الله تعالى في بعض الأحيان ربما لا يكشف ما يدعون إليه، هذا هو الظاهر من السياق والله أعلم.
الوجه الثاني (^٣): أن العموم في الآيتين الذي يفيد الإجابة في جميع الحالات وبدون شرط، هذا العموم خص بما إذا وافق القضاء أو إذا كانت الإجابة خيرًا للداعي أو إذا استوفت الشروط فهو من العام المخصوص.
وهذا الوجه الثاني أعم من الوجه الأول ولا غبار عليه لأن كثيرًا من
_________________
(١) انظر عن هذا الوجه المصادر السابقة التي أشير إليها في إيراد السؤال، وشأن الدعاء ص: ١٢.
(٢) تفسير البغوي: ٢/ ٩٦.
(٣) انظر عن هذا الوجه: التمهيد لابن عبد البر: ١٠/ ٢٩٦، والبغوي: ١/ ١٥٦، وزاد المسير: ١/ ١٩٠، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣٠٩، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٤١ - ٥٤٢، والفتح: ٣/ ٣٢، وشرح الإحياء: ٥/ ٢٨.
[ ١ / ٢٢٥ ]
النصوص العامة قد جرى فيها التخصيص، ويدل له عدة أحاديث وردت تبين تخصيص هذا العموم بشروط، منها قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁:
"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل. . ." (^١).
فقد اشترط في هذا الحديث لإجابة الدعاء أمران: عدم الدعاء بالإثم أو قطيعة رحم، وعدم الاستعجال، فيستفاد منه تخصيص عموم الإجابة بهذين الشرطين.
قال ابن عبد البر ﵀: "في هذا الحديث دليل على خصوص قول الله ﷿: ادعوني استجب لكم وإن الآية ليست على عمومها ألا ترى أن هذه السنة الثابتة خصت منها الداعي إذا عجل فقال: قد دعوت فلم يستجب لي، والدليل على صحة هذا التأويل قول الله ﷿، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء" (^٢) ولكن ابن عبد البر ﵀ بعد هذا الكلام رجع فاختار الوجه الثالث الآتي.
ومنها حديث الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له (^٣).
ففي هذا الحديث اشترط لقبول الدعاء عدم التلبس بالحرام فيخص به أيضًا عموم الإجابة. ومنها حديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه" (^٤).
ففي هذا اشترط للإجابة حضور القلب وعدم الغفلة وصرح بعدم الاستجابة لدعاء الغافل اللاهي.
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٦ رقم ٢٧٣٥.
(٢) التمهيد لابن عبد البر: ١٠/ ٢٩٦.
(٣) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٠٣ رقم ١٠١٥ وتقدم ١٤٧.
(٤) تقدم ص: ١٨٩.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ومنها حديث دعاء النبي ﷺ لأمته فدعا لها في ثلاث فأجيب في اثنتين ومنع الثالثة وفيه: "يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد" (^١).
فهذا نص واضح جلي بأن الإجابة مقيدة بعدم سبق القضاء.
وحاصل هذا الوجه أن يقال: إن ما تدل عليه الآيتان من إجابة الله للدعاء من باب الوعد والوعيد، وقد قرر العلماء أن نصوص الوعد والوعيد المطلقة مقيدة بوجود المقتضي وعدم المانع المنافي.
فعلى هذا إن الإجابة إنما تحصل إذا استوفت الشروط المقتضية لها وانعدمت الموانع.
قال الحليمي: إن معنى قوله جل ثناؤه ادعوني أستجب لكم أي بحسب نظري لكم ورحمتي لكم لا بحسب أهوائكم وأمانيكم صحت أو فسدت لأن هذه الآية غير مفردة في القرآن عن أخرى لكن بينتها آيات أخرى منها قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].
وقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
فدل هذا على أن الله تعالى إنما يستجيب الدعاء المستجمع شرائطه إذا علم للداعي فيما سأل خيرًا، فأما إذا علم أن له فسادًا أو شرًا فإنه لا ستجيب له دعاءه إكرامًا وثوابًا له بدعائه (^٢).
فعلى هذا القول إن الدعاء مع استيفائه لآدابه وشروطه قد لا يستجاب إذا لم يكن في مصلحة الداعي.
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث ثوبان: ٤/ ٢٢١٥ رقم ٢٨٨٩، وأحمد: ٥/ ٢٨٤، ٢٧٨، ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رقم ٢٨٩٠، وأخرجه أحمد من حديث شداد بن أوس: ٤/ ١٢٣، والطبري: ٧/ ٢٢٣ وقال ابن كثير في حديث شداد إسناد جيد قوي تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤١".
(٢) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٤١ - ٥٤٢.
[ ١ / ٢٢٧ ]
والحاصل أن الآيتين على هذا الوجه الثاني قد دخلهما التخصيص وليستا باقيتين على العموم، فعلى هذا يوجد من الدعاء ما لا يجيبه الله تعالى.
الوجه الثالث (^١): إن الوعد بالإجابة باق على عمومه فما من رجل يدعو إلا ويجيب الله له ولكن الإجابة تتنوع، والداعي لا بد أن يعوض من دعائه عوضًا ما وليس شرطًا أن تكون بعين المطلوب وربما تكون بمثل المطلوب أو ادخار الأجر له أو دفع البلاء عنه، أو بشرح صدره لتحمل البلاء والصبر على ذلك، فالإجابة حاصلة لا محالة وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر بها عن نفسه والخبر لا ينسخ لئلا يوصف المخبر بالكذب، والله ﷾ عندما وعد بالإجابة لم يقل أجيب في الحال، فإذا استجاب ولو في الآخرة كان الوعد صادقًا.
وقد يعتقد الداعي المصلحة في المعين ولا مصلحة له في ذلك فيجاب إلى مقصوده الأصلي وهو طلب المصلحة، وقد تكون المصلحة في التأخير أو المنع وادخار الأجر له أو صرف البلاء عنه إلى غير ذلك، ويدل لهذا الوجه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مسلم ينصب وجهه الله ﷿ في مسألة إلا أعطاه إياها، إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له" (^٢).
وحديث عبادة بن الصامت رفعه: "ما على الأرض مسلم يدعو الله
_________________
(١) انظر عن هذا الوجه: شأن الدعاء للخطابي: ١٢ - ١٣، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٤٢، والتمهيد لابن عبد البر: ١١/ ٢٩٦ - ٢٩٧، ومعالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٥٦، وزاد المسير: ١/ ١٩٠، وفتح الباري: ١١/ ٩٥ - ٩٦، ١٤١، والجامع للقرطبي: ٢/ ٣١٠، وتفسير الرازي: ١/ ١٠٧ - ١٠٨، وإتحاف السادة: ٥/ ٢٩.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٢/ ٤٤٨، وقال الهيثمي: رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف "المجمع: ١٠/ ١٤٨" وقال المنذري: رواه أحمد بإسناد لا بأس به: الترغيب: ٢/ ٢٧٢.
[ ١ / ٢٢٨ ]
بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" (^١).
وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مسلم يدعو دعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكف عنه من الشر مثلها، قالوا: إذًا نكثر، قال: الله أكثر" (^٢).
قال ابن عبد البر ﵀: "فعلى هذا يكون تأويل قول الله ﷿ والله أعلم -: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ أنه يشاء وأنَّه لا مكره، ويكون قوله ﷿: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ على ظاهره وعمومه بتأويل حديث أبي سعيد" (^٣).
وقال ابن عبد البر أيضًا في موضع آخر تعقيبًا على حديث أبي سعيد المتقدم: "هذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الله ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهذا كله من الاستجابة، وقد قالوا: كرم الله لا تنقضي حكمته، ولذلك لا تقع الإجابة في كل دعوة قال الله ﷿: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (^٤) [المؤمنون: ٧١].
_________________
(١) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٦٦ رقم ٣٥٧٣، وأحمد: ٥/ ٣٢٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٢٠ رقم ٨٦، وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال فيه الحافظ صدوق يخطئ ورمي بالقدر، وتغير.
(٢) أخرجه أحمد: ٣/ ١٨، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٢٠١ رقم ٩٢١٩، والحاكم: ١/ ٤٩٣، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٢ رقم ٣٧، وأبو يعلى: ٢/ ٢٩٦ رقم ١٠١٩، والبزار كما في كشف الأستار: ٤/ ٤٠ رقم ٣١٤٣، قال المنذري: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى بأسانيد جيدة "الترغيب: ٢/ ٢٧٢" وقال الهيثمي: "ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة" "المجمع: ١٠/ ١٤٨ - ١٤٩. وقال الحافظ في الفتح: حديث صحيح ١١/ ٩٦.
(٣) التمهيد لابن عبد البر: ١٠/ ٢٦٧.
(٤) التمهيد لابن عبد البر: ٥/ ٣٤٥.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وهذا الوجه قد يعترض عليه بأن الوعد وإن كان عامًا لكنه وردت نصوص أخرى تخصه، فلا بد من الأخذ بها، وأما تنوع الإجابة فصحيح ولكن هذا التنوع للدعاء الذي استوفى الشروط وأما إذا لم يستوف الشروط فقد لا يجاب عليه أصلًا.
وقال الباجي المالكي شارح الموطأ عند ذكر حديث: ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث .. قال: "هذا إنما يكون للداعي من المسلمين إذا دعا فيما يجوز له أن يدعو فيه فذلك الذي لا يخلو من أن يستجاب له فيما دعا فيه أو يدخر له أجر بدعائه وإخلاصه وذكره الله، وإقراره له بالربوبية، وإما أن يكفر له بعض ما سلف من ذنوبه" (^١).
ثم إن هذا ليس خاصًا بالدعاء بل الأعمال الصالحات جميعها يشترط في قبولها أمور من وجود المقتضي وعدم المانع فإذا لم يوجد المقتضي كأن لم تستوف الشروط أو وجد المانع فإنها لا تقبل.
والدعاء من جملة الأعمال الصالحات، فإذا لم يستوف الشروط أو وجد المانع فإنه لا يقبل لعموم الأدلة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].
ثم إن هناك أدلة تدل على عدم قبول بعض الأدعية نحو دعاء المتلبس بالحرام، والدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم، أو الذي يستعجل صاحبه أو دعاء الغافل اللاهي غير المتضرع، وأما الادعاء بأن هذا خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار، فيقال: إن هذا ليس من باب النسخ بل هذا من باب أن الوعد نفسه الذي هو الخبر لا يقتضي أنه يحصل بدون مقتض ولا مانع.
ثم إن الحديث الذين استدلوا به في بعض طرقه وهو حديث أبي سعيد في آخره ما يدل على الشرط وهو: "ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم
_________________
(١) المنتقى للباجي: ١/ ٣٦٠.
[ ١ / ٢٣٠ ]
ما لم يستعجل" فهذان الشرطان معتبران لأن المطلق يحمل على المقيد.
الوجه الرابع (^١): إن الوعد على الدعاء الذي هو بمعنى العبادة والطاعة، والإجابة بمعنى الثواب والأجر فقد صح ما ورد من قول النبي ﷺ: "الدعاء العبادة" (^٢).
فالدعاء الموعود عليه بالإجابة هو العبادة، فلا يأتي الاعتراض بتخلف إجابة الدعاء في بعض الأحيان.
فهذا الوجه يعترض عليه بأنا إذا فسرنا الدعاء بدعاء المسألة فماذا تكون الإجابة؟، لأن الدعاء يطلق على دعاء المسألة اتفاقًا فهذا الجواب لا يتمشى إلا على تفسير الدعاء بدعاء العبادة أن تفسير الدعاء بدعاء مع المسألة أيضًا أمر متفق عليه في الجملة فلا يزال الاعتراض واردًا كما أن هناك نصوصًا أخرى غير الآيتين بعضها لا يمكن حملها على دعاء العبادة فماذا يكون الجواب عنها؟
الوجه الخامس (^٣): إن معنى أجيب أسمع، ويقال: ليس في الآية أكثر من إجابة الدعاء، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب الوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله، فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة.
وهذا الوجه يقال فيه: إن الإجابة بالسماع فقط بدون إعطاء الأماني لا تسمى إجابة الدعاء لأننا قدمنا أن الإجابة نوعان: فإجابة دعاء المسألة تكون بالنوال، لا بالسماع والمقال لأن هذه الإجابة إنما تكون في سؤال الاستفهام (^٤) فلا يتبادر من سياق الآية هذا المعنى وإنما سياق الآية في
_________________
(١) انظر عن هذا الجواب: الطبري: ٢/ ١٦٠، ومعالم التنزيل: ١/ ١٥٦، والرازي: ٥/ ١٠٨، وشرح الإحياء: ٥/ ٢٨، وأضواء البيان: ١/ ١٢١.
(٢) تقدم ص: ٥٤.
(٣) انظر عن هذا الوجه معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٥٦، والرازي: ٥/ ١٠٨، وشرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٢٩.
(٤) انظر ما ذكره الراغب الأصفهاني في معنى الجواب (المفردات) ص: ١٠٢.
[ ١ / ٢٣١ ]
الإجابة بالنوال، ثم إن ما يفعله الوالد مع ولده من إجابته سؤاله ثم منعه، لا يليق بالله تعالى لما في ذلك من الخلف بالوعد أو الكذب والخداع والله سبحانه منزه عن ذلك.
الوجه السادس (^١): إن الوعد المذكور خاص بالمؤمنين الصادقين المخلصين وأن الكمل من المؤمنين لا ترد دعوتهم.
واستدل أصحاب هذا الوجه بحديث الولي المشهور: "لئن استعاذني لأعيذنه ولئن سألني لأعطينه" (^٢) وقالوا: إن من بلغ رتبة المحبة وكان الله سمعه وبصره يجاب له كل دعاء ويحصل بغيته على حسب إرادته (^٣).
وقالت المعتزلة: إن الإجابة خاصة بالمؤمنين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وذلك لأن وصف الإنسان بأن الله قد أجاب دعوته -هذا الوصف صفة مدح وتعظيم ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا: إنه مستجاب الدعوة، وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين، والفاسق واجب الإهانة في الدين -ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق، بل الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة (^٤) وإنما يسمى قضاء الحاجة.
وهذا الفرق بين المؤمن الصالح والفاسق في إجابة الدعاء غير صحيح لأمور:
١ - إن الله ﷾ قد امتن على المشركين بأنه هو الذي
_________________
(١) انظر الإشارة إلى هذا الوجه في المنهاج للحليمي: ١/ ٥٤٢، وتفسير الرازي: ٥/ ١٠٩، وأضواء البيان للشنقيطي: ١/ ١٢١.
(٢) أخرجه البخاري: ١١/ ٣٤١ رقم ٦٥٠٢.
(٣) قطر الولي: ٤٦٤، ٤٢٤.
(٤) تفسير الرازي: ٥/ ١٠٩، وذكر في فتاوى قاضيخان: ٣/ ٤٢٩ هل يجوز أن يقال في دعاء الكافر يستجاب دعاؤه أم لا؟
[ ١ / ٢٣٢ ]
يجيبهم عند الاضطرار ولم يقل يقضي حاجتهم. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وسياق الآيات يدل على أن الخطاب موجه إلى المشركين لأنهم يعترفون بهذه الأمور ومع ذلك لا يفردون الله تعالى بتوحيد العبادة.
٢ - إن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وهي شاملة للخلق مؤمنهم وكافرهم فهو يربيهم بالنعم ومنها إجابة الدعاء وإغاثة الملهوف وإعانة المكروب وإزالة الشدائد وكشف الكربات. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
٣ - ثم إن الله تعالى قد أجاب دعوة شر خلقه وهو إبليس، قال سفيان بن عيينة ﵀: لا يمنعن أحدًا ما يعرفه من نفسه من الدعاء فإن الله قد أجاب دعوة شر خلقه إبليس.
٤ - ثم إنه ليس هناك فرق لغوي أو شرعي بين إجابة الدعاء، وقضاء الحاجة فالمآل واحد.
٥ - ثم إن هذا تقييد لما أطلقه الله تعالى وتخصيص لعموم ما لم يخصه الله فيكون من باب التأويل المذموم.
٦ - ثم إن القول بأن دعاء الكمل يجاب بعينه منقوض لمخالفته لما هو مقطوع به من رد الله تعالى لبعض دعوات رسله حتى أولي العزم منهم:
أ - من ذلك أن الله سبحانه لم يجب دعوة نوح في ابنه بل عاتبه على ذلك: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦].
ب - ومن ذلك أن الله ﷿ لم يجب دعوة إبراهيم في أبيه: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ [الشعراء: ٨٦].
ج - ومن ذلك أن الله ﵎ لم يقبل استغفار النبي ﷺ لأبي طالب وصلاته على عبد الله بن أبي ابن سلول.
[ ١ / ٢٣٣ ]
د -وقد صرح النبي ﷺ أنه دعا لأمته بثلاث فأجاب الله له في اثنتين ومنعه الثالثة.
فعلى هذا نقول: فأي محبة الله تعالى فوق محبة هؤلاء أولي العزم وأي كمال فوقهم؟
فثبت بهذا أن الله ﷾ يفعل ما يشاء يجيب من يشاء متى ما شاء فهو يجيب بعين المطلوب وهذا هو الغالب الكثير تفضلًا منه وإحسانًا وكرمًا.
وقد لا يجيب بعين المطلوب لحكم وأسرار يعلمها الله تعالى فقد تكون هناك مصلحة للداعي أو لغيره تمنع من إجابة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
هذا وقد اعترض الحافظ ابن حجر ﵀ على من قال: "إن جميع دعوات الأنبياء مستجابة، فقال: وما جزمه بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح: سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة" (^١).
هذا آخر الأجوبة عما يرد من السؤال عن عدم الاستجابة لكل دعاء، وبهذا ننتهي من الباب الأول وبالله التوفيق وعليه التكلان.
_________________
(١) الفتح: ١١/ ٩٧، ولكنه ذكر في موضع آخر ما يفيد أن دعوة المؤمن لا ترد مطلقًا إلا أن الإجابة تتنوع، انظر الفتح: ١١/ ٩٥ - ٩٦، ١٤١.
[ ١ / ٢٣٤ ]