والدراسات المستقبلية عنها وصلتها بالعقيدة.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.
المبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.
المبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة.
[ ١٣٣ ]
المبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي.
المطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.
المطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة.
المطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية.
[ ١٣٥ ]
المطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي
ظهر في أوائل القرن الرابع عشر الهجري مصطلح" التفسير العلمي للقرآن" وما في معناه من المصطلحات الحادثة، والتي تشير إلى تأويل أو تفسير القرآن بما يتفق مع النظريات العلمية أو الاكتشافات الحديثة.
وأصل هذا التفسير كان قديمًا في وقت الدولة العباسية؛ ولكنه في أول الأمر كان عبارة عن محاولات يُقصد منها التوفيق بين القرآن وما جَدَّ من العلوم، ثم وجِدت الفكرة مركَّزة وصريحة عند الغزالي (^١)، ثم إن هذه الفكرة طُبِّقت علميًا وظهرت في مثل محاولات الفخر الرازي (^٢) ضمن تفسيره للقرآن، ثم وجِدت بعد ذلك كتب مستقلة في استخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم؛ ولكنها لم تكن مثل العصر الحديث كثرةً ولا مقاربًا له (^٣)، فراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجًا كبيرًا،
_________________
(١) انظر: إحياء علوم الدين: ١/ ٣٦٩، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر لفهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣: ٢/ ٥٥٥.
(٢) هو محمد بن عمر بن حسين القرشي التيمي الرازي، المعروف بالفخر الرازي ويقال له ابن خطيب الري، من كبار المتكلمين الأشاعرة، له مصنفات كثيرة، منها: مفاتيح الغيب، والمطالب العالية، والمباحث المشرقية، توفي سنة ٦٠٦. انظر: سير أعلام النبلاء: ٢١/ ٥٠٠، والبداية والنهاية: ١٧/ ١١.
(٣) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٧، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١: ٢٦٢ - ٢٦٣، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان لأحمد بن عمر أبو حجر، دار المدار الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٩٣ وما بعدها، والأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي في الإنسان والأرض والفلك لأحمد بن حسن الحارثي، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير بكلية الحديث والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، مطبوعة بالحاسب الآلي: ١٤.
[ ١٣٧ ]
ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع، كما أُلِّفت بعض التفاسير التي تسير على ضوء هذه الفكرة (^١).
تعريف التفسير العلمي:
التفسير في اللغة: الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيان شيء وإيضاحه (^٢)، وهو مصدر فسّر بتشديد السين، والفسر: الإبانة وكشف المغطى، والتفسير مثله، وهو كشف المراد عن اللفظ المشكل (^٣).
ويراد منه الإيضاح والتبيين، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (^٤)، أي أحسن بيانًا وتفصيلًا (^٥).
وفي الاصطلاح: علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد - ﷺ -، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة
_________________
(١) انظر: التفسير: نشأته - تدرجه - تطوره لأمين الخولي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط ١: ٢٠، والتفسير والمفسرون: ٢/ ٤٨٤، ولمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير لمحمد بن لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣: ٢٠٣، واتجاهات التفسير في العصر الراهن لعبد المجيد بن عبد السلام المحتسب، مكتبة النهضة الإسلامية، عمان، ط ٣: ٢٤٧.
(٢) معجم مقاييس اللغة لابن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ١٤٢٠: ٤/ ٥٠٤.
(٣) القاموس المحيط: ٤١١، ولسان العرب: ٥/ ٣٤٢١، مادة فسر، وانظر: مباحث في علوم القرآن: ٣١٦.
(٤) الفرقان: ٣٣.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٩.
[ ١٣٨ ]
أسباب النزول والناسخ والمنسوخ (^١).
وقد وصف التفسير هنا بأنه علمي نسبة إلى العلم.
والعلم: هو إدراك الأشياء على حقائقها، أو هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافًا تامًا (^٢). وأما عند الماديين المحدَثين فهو خاص باليقينيات التي تستند على الحس وحده (^٣).
والمقصود بالعلم في هذا المقام: العلم التجريبي، وما يتعلق به من علوم الطبيعة الموجودة في الكون، مثل: الفيزياء، والكيمياء، وطبقات الأرض، وعلم الإحياء، وعلم البحار، وعلم الفلك، وغيرها (^٤)؛ ولذلك فإنه لا بد من تمييز هذا التفسير عن سواه، فلو قيل: " التفسير العلمي التجريبي للقرآن الكريم"، أو" التفسير العلمي بالعلوم التطبيقية أو الطبيعية للقرآن الكريم"؛ وذلك حتى لا يفهم أن التفاسير الأخرى ليست علمية (^٥).
وقد عرف التفسير العلمي بعدة تعريفات (^٦) تدور حول كون التفسير العلمي هو التفسير:
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن: ١/ ١٣، والإتقان في علوم القرآن: ٤/ ١٦٧.
(٢) انظر: التعريفات: ٢٣٣، والكليات: ٦١٠.
(٣) مناهل العرفان في علوم القرآن: ١/ ١٤.
(٤) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٧، والمعجزة العلمية في القرآن والسنة لعبد المجيد الزنداني، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: ١٧، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٧٠.
(٥) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٧.
(٦) انظر هذه التعريفات في: التفسير نشأته - تدرجه- تطوره: ١٩ - ٢٠، والتفسير والمفسرون: ٣/ ١٤٠، ولمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير: ٢٩٢، واتجاهات التفسير في العصر الراهن: ٢٤٧، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٧٢، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩، والمعجزة العلمية في القرآن والسنة: ٣٣، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ١٣.
[ ١٣٩ ]
١ - الذي يُحكَّم الاصطلاحات العلمية في ألفاظ القرآن.
٢ - ويُخضعها له.
٣ - ويجتهد أو يحاول في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها.
٤ - ويربط بين الآيات الكريمة ومكتشفات العلوم التجريبية والفلكية والفلسفية، ويكشف الصلة بينهما على ضوء ما تنتجه المختبرات ومراكز البحث في العلوم الدقيقة من معارف وحقائق علمية بغض النظر عن صحة النظرية أو خطئها، وبعضهم يقيد ذلك بما ترجحت صحته، وبعضهم يقيد ذلك بما ثبتت صحته من النظريات.
٥ - ويُظهر إعجاز القرآن وبيان صلاحيته لكل زمان ومكان.
وهذه التعريفات نجد أنها تصف التفسير العلمي: بأنه"تحكيم" أو"إخضاع" للمصطلحات العلمية في فهم القرآن، وهذه عبارة غير صحيحة؛ لأنها جعلت فهم القرآن مرتبطًا بهذه المصطلحات الحادثة وجعلته خاضعًا لها، كذلك أدخلت الآراء الفلسفية ضمن هذا التفسير الذي الأصل فيه أن يكون علميًا (^١)، وبعض هذه التعريفات فسر الآيات القرآنية بالنظريات بغض النظر عن صحتها أو خطئها.
ولعل الأقرب أن يقال في تعريف التفسير العلمي: هو الكشف عن تفاصيل معاني الآية في ضوء ما ثبتت صحته من نظريات العلوم الكونية التجريبية (^٢).
_________________
(١) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩.
(٢) انظر: الإعجاز العلمي في القرآن: ٣٨.
[ ١٤٠ ]
الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي (^١):
سبق تعريف التفسير العلمي، أما الإعجاز العلمي فهو: يعني تأكيد الكشوف العلمية الحديثة الثابتة والمستقرة للحقائق الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة بأدلة تفيد القطع واليقين باتفاق المتخصصين (^٢)، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول - ﷺ - (^٣).
ومن خلال التعريف يتضح أن الفرق بينهما: أن التفسير العلمي كشف عن معاني الآية أو تفاصيلها، أما الإعجاز العلمي فهو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة علمية أثبتها العلم أخيرًا، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول - ﷺ - (^٤).
_________________
(١) انظر: الأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي: ١٧ - ١٨.
(٢) التوصيات الصادر عن المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العلمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: ١١٠.
(٣) انظر: المعجزة العلمية في القرآن والسنة: ١٧ - ١٨، ٣٣، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ١٣.
(٤) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن: ١/ ٢٦ - ٢٧، والمعجزة العلمية في القرآن والسنة: ٣٣.
[ ١٤١ ]
المطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.
بعد ثورة المكتشفات العلمية في الغرب في جو معاد للدين منفلت منه، وما أوحت به هذه الحال إلى بعض أبناء المسلمين من أن دينهم هو سبب تخلفهم انتدب طائفة من العلماء لإبطال هذا الأمر المزيف، والتأكيد على أن الإسلام دين العلم ومن ذلك العلم التجريبي، وفي سبيل إثبات ذلك تكلموا في التفسير العلمي للقرآن، وأن كثيرًا من المكتشفات العلمية الحديثة مضمنة في الكتاب والسنة.
واعتبروا ذلك فتحًا جديدًا يساهم في خدمة تفسير القرآن، ودليلًا من أدلة إعجاز القرآن الكريم يخدم نشر الدعوة الإسلامية.
وقابلتهم طائفة أخرى ترى أن التفسير العلمي للقرآن الكريم غير صحيح في منهجه، وضار بالدعوة الإسلامية، وينحرف بالقرآن عن غايته ويندفع به إلى مجالات لا تحمد عقباها (^١).
وبناءًا على ذلك اختلفوا في التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة على قولين:
_________________
(١) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٥٦٧، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٣٧، وخلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين لمحمد الأمين ولد الشيخ، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العلمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: ١٠١.
[ ١٤٢ ]
القول الأول: المنع (^١).
ومن أدلتهم:
الدليل الأول: أن القرآن الكريم كتاب هداية، وأن الله لم ينزله ليكون كتابًا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم، ودقائق الفنون، وأنواع المعارف، وإنما القرآن في تناوله لتلك الحقائق العلمية يهدف إلى ما هو أعظم من ذلك بكثير، وهو هداية ودلالة الخلق للإيمان بالله - ﷿ - وعبادته وحده لا شريك له (^٢)، قال تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).
الدليل الثاني: أن القرآن في أعلى درجات البلاغة، فإذا قلنا بأن القرآن متضمن لكل العلوم، وألفاظه محتملة لهذه المعاني المستحدّثة، للزم أن من
_________________
(١) انظر: الموافقات: ٢/ ١٠١، ومقال لمفتي مصر السابق محمود شلتوت ضمن مجلة الرسالة - القاهرة، العدد (٤٠٧)، (٤٠٨) من السنة التاسعة، إبريل سنة ١٩٤١، بواسطة كتاب التفسير العلمي للقرآن في الميزان، والتفسير: نشأته- تدرجه-تطوره: ٥٤، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد الدويش، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ط ٣: ٤/ ١٨٠، وكتاب العلم للشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين، إعداد: فهد السليمان، دار الثريا، الرياض، ط ١: ١٥٧، واتجاهات التفسير في العصر الراهن: ٣٠٢ - ٣١٣، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٧٨ - ٥٩٨، وحكم تفسير القرآن بنظريات علمية حديثة للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، مقال ضمن مجلة الدعوة، العدد (١٤٤٧)، محرم ١٤٢١: ٢٣، وخلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين: ١٠٣ - ١٠٤، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ١١٣، ٢٦٩.
(٢) انظر: الموافقات: ٢/ ١١٢، ١٢٧، مناهل العرفان في علوم القرآن: ٢/ ٢٧٥.
(٣) النمل: ١ - ٢.
[ ١٤٣ ]
أنزل عليهم القرآن يجهلون هذه المعاني.
وإن قيل: إنهم كانوا يعرفونها. قيل: فلِمَ لم يتكلموا بها وتظهر نهضتهم من لدن نزول القرآن الذي حوى علوم الأولين والآخرين؟ ولِمَ لم تقم نهضتهم على هذه الآيات الشارحة لمختلف العلوم وسائر الفنون؟ .
الدليل الثالث: أن التفسير العلمي للقرآن والسنة يعرضهما للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الآخر، وقد اعترف علماء المادة في هذا القرن: "بأن العلوم المادية لا تعطى إلا علما جزئيا عن الحقائق" (^١)، بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية، القارة، الثابتة، المنزلة من عند الله الذي وسع علمه كل شيء.
الدليل الرابع: قالوا: أن المعرفة لمعاني كتاب الله إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق بهم من السلف، ومن اللغة التي نزل القرآن بها وهي لغة العرب (^٢).
الدليل الخامس: قالوا في جوابهم عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣)، وأنه يشمل جميع العلوم: أن المراد بالكتاب في الآية: اللَّوح المحفوظ، ولم يذكر المفسرون في معناها ما يقتضى تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية (^٤).
الدليل السادس: أن التفسير العلمي للقرآن يحمل أصحابه والمغرمين به على التأويل المتكلف، واللهث وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا
_________________
(١) الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان، تعريب: ظفر الإسلام خان، مراجعة وتحقيق: عبد الصبور شاهين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١١: ٢٣.
(٢) الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة: ٣٨.
(٣) الأنعام: ٣٨.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢١٩، تفسير القرطبي: ٦/ ٤٢٠، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٥.
[ ١٤٤ ]
تستقر، ثم يؤدي ذلك في الوقت القريب أو البعيد إلى صراع بين العلم والدين.
الدليل السابع: قالوا: أنه ينبغي الاستفادة من النظريات العلمية دون إقحامها على القرآن الكريم أو اعتبار أن القرآن مطالب بموافقتها كلما تغيرت من زمن إلى زمن ومن تفكير إلى تفكير (^١).
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن: ٢/ ٢٧٥، والفلسفة القرآنية لعباس محمود العقاد، دار نهضة مصر، القاهرة: ١٠، وتفسير القرآن لمحمود شلتوت، دار الشروق، القاهرة، ط ١٢: ١٣ - ١٤.
[ ١٤٥ ]
القول الثاني: الجواز (^١).
ومن أدلتهم:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٢)، وهذه العلوم داخلة في عموم الآية.
الدليل الثاني: جاء في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - سئل عن الحمر الأهلية - عن صدقتها- فقال: "ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٣) " (^٤)، وقالوا: هذا نص يشهد أن كل ما دخل تحت نص قرآني عام يعتبر قد نص عليه القرآن (^٥).
الدليل الثالث: واستدلوا أيضًا ببعض الآثار الواردة عن السلف مثل قول عبد الله بن مسعود - ﵁ -: " من أراد علم الأولين والآخرين فليثور (^٦) القرآن" (^٧).
_________________
(١) انظر: جواهر القرآن للغزالي، مكتبة الجندي: ١٢، وإحياء علوم الدين: ١/ ٣٦٩، ومفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: ٤/ ٢٣٨، والجواهر في تفسير القرآن الكريم لطنطاوي جوهري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٤: ١/ ٢ - ٣، واتجاهات التفسير في العصر الراهن: ٢٦٤، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٥١ - ٥٥٩، ٥٦٥ - ٥٧٧، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ١٠٣، ١٦٣.
(٢) الأنعام: ٣٨.
(٣) الزلزلة: ٧ - ٨.
(٤) صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب شرب الناس والدواب من الأنهار: ٤٤٥ برقم (٢٣١٧).
(٥) الإسلام في عصر العلم لمحمد فريد وجدي، الكتاب اللبناني، بيروت، ط ٣: ٣٦٩.
(٦) تثوير القرآن: قراءته ومفاتشة العلماء به في تفسيره ومعانيه. انظر: تهذيب اللغة: ١٥/ ٨٠.
(٧) سبق تخريجه: ٣٤.
[ ١٤٦ ]
الدليل الرابع: واستدلوا كذلك بأن القرآن هو حجة الله البالغة على عباده أجمعين، وهذه الحجة قائمة إلى يوم الدين، والإعجاز العلمي والتفسير العلمي في هذه الحجة يعجز الملحدون عن أن يجدوا فيه موضعا للتشكيك لأنه دليل عقلي محسوس.
الدليل الخامس: قالوا: إن القرآن الكريم يحتوي على كثير من الآيات الكونية، ويتوقف على فهمها في ضوء الحقائق العلمية تيسير الدعوة إلى دين الله في هذا العصر، عصر العلم (^١).
وقد وضع المجيزون لهذا النوع من التفسير بعض الضوابط والحدود، - وإن كان بعضهم لم يلتزم بها-، منها (^٢):
١ - ضرورة التقيد بما تدل عليه اللغة العربية.
٢ - البعد عن التأويل في بيان إعجاز القرآن.
٣ - أن لا تُجعل حقائق القرآن موضع نظر، بل تجعل هي الأصل: فما وافقها قبل، وما عارضها رفض.
٤ - أن لا يفسر القرآن إلا باليقين الثابت من العلم، لا بالفروض والنظريات.
_________________
(١) انظر: الإسلام في عصر العلم: ٢٢٢.
(٢) انظر: خلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين: ١٠٢ - ١٠٣.
[ ١٤٧ ]
الترجيح (^١):
بالتأمل في القولين السابقين يتضح أن القائلين به من أهل الإسلام لا يريدون شيئًا إلا أن يثبتوا للعالم أجمع أن القرآن من عند الله، وأن منزله هو خالق الكون الذي وسع علمه كل شيء، وقد ضمنه هذه الحقائق العلمية، وأنهم بقدر ما يفعلون من ذلك يضيفون إلى أمجاد القرآن أمجادًا، وإلى براهين صدقه شيئًا جديدًا.
والمعارضون له يقولون: إن المقررات العلمية تكون عرضة للتبديل والتغيير، وهم لا يريدون أن يربطوا القرآن وتفسيره بعجلة المتغير، وكفى القرآن شرفًا ومجدًا أنه حث على العلم والبحث والنظر ولم يقف حجرة عثرة في سبيل التقدم العلمي والفكري (^٢).
وليعلم المسلمون أن كتاب الله غني في إثبات صدقه عن العلوم الطبيعية التجريبية، لما فيه من النور والهدى، والشرائع الكاملة، والفصاحة البالغة، وغيرها من أوجه الإعجاز التي عدها العلماء (^٣).
وليس باللازم أن كل حقيقة علمية أو كل معلومة علمية تجد لها في القرآن
_________________
(١) انظر: اتجاهات التفسير في القرآن الرابع عشر: ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢، والمعجزة القرآنية - الإعجاز العلمي والغيبي لمحمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣: ١٥٣، ولمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير: ٢٩٩، ونقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن لمساعد بن سليمان الطيار، ملتقى أهل التفسير على الشبكة العنكبوتية (الانترنت): ٧، وخلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين: ١٠٦، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٢١٣.
(٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن: ١/ ٢٥، والفلسفة القرآنية: ١٨.
(٣) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٩٣، ومناهل العرفان في علوم القرآن: ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
[ ١٤٨ ]
أصلًا؛ لأن القرآن لم يوضع لهذا.
وعلى هذا يمكن أن يقال: أن التفسير العلمي للقرآن مرفوض إذا اعتمد على النظريات العلمية التي لم تثبت ولم تستقر ولم تصل إلى درجة الحقيقة العلمية.
ومرفوض إذا خرج بالقرآن عن لغته العربية.
ومرفوض إذا صدر عن خلفية تعتمد العلم أصلًا وتجعل القرآن تبعًا.
ومرفوض إذا خالف ما دل عليه القرآن في موضع آخر أو دلت عليه السنة الصحيحة (^١).
وهو مقبول بشرط (^٢) أن يدل نص الكتاب أو السنة على الحقيقة العلمية بطريق من طرق الدلالة الشرعية، وأن لا يخالف أصلًا في الشرع، وأن لا يتذرع به لنصرة بدعة، وأن يدل الواقع على صحة هذا التفسير.
وأن يكون هذا التفسير وفقا لقواعد اللغة العربية ومقاصد الشارع وأصول التفسير، وأن لا يخرج عن أقوال السلف، ولا يضادها، مع عدم الجزم بهذا التفسير.
وأن يكون ممن رزقه الله علمًا بالقرآن الكريم وعلمًا بالسنن الكونية من أهل العلم الشرعي الأصيل وعلوم القرآن واللغة والعقيدة (^٣) ..
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن لمحمود شلتوت: ١١ - ١٤.
(٢) انظر: التبيان في أقسام القرآن: ١/ ١٦٨.
(٣) انظر: التفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٤٧١، وتقديم عبد المعطي البيومي لكتاب الموسوعة الكونية الكبرى لماهر ابن أحمد الصوفي، المكتبة العصرية، بيروت، ط ١: ٣٣.
[ ١٤٩ ]
المطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة
القرآن كلام الله والكون خلق الله، ولا يمكن أن يتعارض كلامه وخلقه، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^١).
هذا ما يجب على كل مسلم أن يعتقده ويدين به، حتى يسلم له دينه، ولا يرتاب فيه، وأن لا يحمل القرآن كل نظرية علمية (^٢).
ولذا فلابد من هذه القاعدة الأصلية الراسخة وهي أنه لا" يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة إلا إذا أخطا الناس في فهم الآية القرآنية أو جهلوا الحقيقة العلمية؛ لأنه لا تعارض بين القرآن والعلم مطلقًا" (^٣).
وكل ما يقال فيه أنه مخالف للحقائق العلمية فإنه لا يعدو أحد الاحتمالات التالية:
١ - إما أن يكون الذي نسب إلى العلم لم يصل إلى مرحلة العلم المقطوع به، كالنظريات التي لم تتأكد بعد، أو التي لا سبيل إلى إثباتها بأدلة علمية يقينية.
٢ - وإما أن يكون النص غير صحيح.
٣ - وإما أن يكون الفهم الذي فهم منه النص فهم خاطئ، أو حمل
_________________
(١) الأعراف: ٥٤.
(٢) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٩٢.
(٣) الآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٣٧.
[ ١٥٠ ]
عباراته على اصطلاحات لفظية حادثة (^١).
أما أن يكون النص قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، ثم يخالف الحقيقة والواقع فهذا غير موجود حتما، وليس من الممكن أن يوجد قطعًا (^٢).
ثم يقال لمن يحاول أن يوفق بين القرآن والسنة وبين الحقائق العلمية ويتكلف في ذلك حسبكم أن لا يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جَدَّ ويَجِدّ من نظريات وقوانين علمية تقوم على أساس من الحق، وتستند إلى أصل من الصحة (^٣).
"ولا بد من الانتباه لما يدعيه الماديون أن فرضية من الفرضيات، أو نظرية من النظريات قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل، مع أن هذه النظرية لا تملك أدلة إثبات تجعلها حقيقة نهائية أو حقيقة موثقا بها. فهذه الحقائق حقائق غير نهائية، ولا قاطعة، وهي مقيدة بحدود تجارب
_________________
(١) انظر: البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية لعبد المجيد العرجاوي، دار وحي القلم، دمشق، ط ١: ٢٠.
(٢) انظر: صراع مع الملاحدة حتى العظم لعبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق، ط ٤: ٢٤ - ٢٥، ٢٩ - ٣٠، والبراهين العقلية على وحدانية الرب ووجوه كماله لعبد الرحمن بن سعدي، تحقيق: باسل بن سعود الرشود، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٥٧، ٦٣، وهذا هو الإسلام لمحمد متولي الشعراوي، الدار المصرية للنشر، ١٩٨٧: ٢٠٤، والإعجاز العلمي في القرآن: ٣٦، وكتاب القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم - دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة لموريس بوكاي، دار المعارف، لبنان، ط ٤: ١٤٤، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٤٧، وأثر التدريس بالآيات القرآنية الكونية على التحصيل الدراسي لتدريس وحدة بمادة العلوم للصف الثاني متوسط لمحمد بن أحمد الغامدي، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير من كلية التربية، قسم المناهج وطرق التدريس، بجامعة أم القرى بمكة: ٥٦.
(٣) التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٨٥ - ٤٩٤.
[ ١٥١ ]
الإنسان، وظروف هذه التجارب وأدواتها، هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية، والأمر واضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى علمية، فهذه ليست حقائق علمية حتى بالقياس الإنساني، وإنما هي نظريات وفروض، كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية إلى أن يظهر فرض أخر يفسر قدرًا أكبر من الظواهر، أو يفسر تلك الظواهر تفسيرًا أدق، ومن ثم فهي قابلة دائمًا للتغيير والتعديل والنقص والإضافة؛ بل قابلة لأن تنقلب رأسًا على عقب، بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة! " (^١).
_________________
(١) هذا هو الإسلام: ٢٥، وانظر: الإعجاز العلمي في القرآن: ٣٦، ونقض النظريات الكونية: ٧١.
[ ١٥٢ ]
أولًا: اتهام الجيل الأول من المسلمين- وفيهم رسول الله - ﷺ - بالخطأ في فهم شيء من القرآن
ثانيًا: فتح باب الاستدلال بالاحتمالات والظنيات والمتغيرات على المطالب اليقينية من توحيد الربوبية والنبوة والبعث
المطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية
من خلال الدراسة والتتبع لبعض تفسير الآيات الكونية في القرآن والسنة بالتفسير العلمي ظهر بعض المخالفات العقدية منها:
أولًا: اتهام الجيل الأول من المسلمين- وفيهم رسول الله - ﷺ - بالخطأ في فهم شيء من القرآن، أو خفائه عليهم (^١)، مع أنهم أعلم الناس بما جاء عن الله وعن رسوله - ﷺ -، وكذلك التنقص لتفاسير السلف.
ثانيًا: فتح باب الاستدلال بالاحتمالات والظنيات والمتغيرات على المطالب اليقينية من توحيد الربوبية والنبوة والبعث، وهذا يجعل المسلم يشك في دينه وفي كتاب ربه جل وعلا (^٢)، " مع أن المطالب العقدية الكبرى لم يجعلها الله - ﷿ - خاضعة للعلم التجريبي ولا يجوز الاستدلال عليها بوجوه هزيلة أو محتملة أو غامضة أو معقدة أو مشكوك فيها، خاضعة لاجتهاد الناس واختلاف قدراتهم وإمكاناتهم؛ وذلك أنها مطالب يقينة لا تحتمل الظنون والريب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (^٣) " (^٤).
_________________
(١) انظر: الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة: ١٨٧، والتفسير والمفسرون: ٢/ ٥٢٣، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٢٧.
(٢) انظر: الفلسفة القرآنية: ١٨، ٢٠.
(٣) الحجرات: ١٥.
(٤) منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٢٩١، وانظر: الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة: ١٧٣.
[ ١٥٣ ]
ثالثًا: ظن بعض الناس أن العلم - الذي يزعمونه- هو المهيمن والقرآن تابع
رابعًا: زعم بعضهم بأن ما ذكر في القرآن من حجج أنه غير كاف، وأنه إنما يصلح للأميين والأعراب
ثالثًا: ظن بعض الناس أن العلم - الذي يزعمونه- هو المهيمن والقرآن تابع، ولذا فهم يحاولون تثبيت القرآن بهذا العلم، أو الاستدلال له من هذا العلم، مع أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (^١)، وهذا العلم المزعوم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس (^٢).
رابعًا: زعم بعضهم بأن ما ذكر في القرآن من حجج أنه غير كاف، وأنه إنما يصلح للأميين والأعراب، أما مع تقدم العلم العصري فإنه لا بد من حجج أخرى تدل الناس في عصر العلم إلى الإيمان (^٣)، مع التركيز على أن الإعجاز العلمي والتفسير العلمي هما الوسيلة المقنعة للدعوة إلى الإسلام، وأن الوسائل الأخرى لم تعد تحرك في الناس ساكنًا؛ لأننا في عصر العلم! (^٤).
وفي المقابل جعل بعضهم الآيات الكونية في القرآن والسنة مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها، وفي صحتها، وفي دلالتها، وأن هذه الآيات الكونية لم تكن لإقامة الحجة على نبوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- (^٥)، وإنكارهم لتلك الآيات وأن الأنبياء لا يأتون بغير المعقول! ولا بما يبدل سنة الله ونظامه في الكون (^٦).
_________________
(١) فصلت: ٤٢.
(٢) الإعجاز العلمي في القرآن: ٧، ونقض النظريات الكونية: ٧١.
(٣) انظر: المعجزة العلمية في القرآن والسنة: ١١، ١٨، وأصول التفسير وقواعده لخالد بن عبد الرحمن العك، دار النفائس، بيروت ط ٢: ٢٥٥، ومنهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٢٩٠، والإعجاز العلمي في القرآن: ١٣، ٤١.
(٤) انظر: قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارض: ٥٠، ٧٧.
(٥) انظر: الوحي المحمدي لمحمد رشيد رضا، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١٠: ٧٢، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا، مطبعة المنار، مصر، ط ١: ١١/ ١٥٥، ورسالة التوحيد لمحمد عبده: ٥ - ٦، ومنهج المدرسة العقلية في التفسير: ٥٤٩ - ٥٥٠.
(٦) انظر: التفسير والمفسرون: ٣/ ٢٠١، تفسير القرآن الكريم - سورة البقرة لابن عثيمين: ٣/ ٢٩٤، وكبرى اليقينيات الكونية لمحمد بن سعيد البوطي، دار الفكر، بيروت، دمشق، ٢٧: ٢٢١.
[ ١٥٤ ]
خامسًا: حصر دلالة المراد بالآيات الكونية على وجود الله
سادسًا: الظن بأن توحيد الربوبية هو المطلوب للفلاح عند الله
خامسًا: حصر دلالة المراد بالآيات الكونية على وجود الله، وتوحيد الربوبية، وإثبات النبوة والبعث، مع عدم ذكرهم أو نسيانهم لتوحيد الألوهية ومسائل التوحيد والإيمان الأخرى، مع أن هذه الآيات الكونية والاكتشافات التفصيلية المتعلقة بها دالة على توحيد الربوبية ولو لم تكن جاءت في النص القرآني والسنة النبوية (^١).
ولهذا فإن المنهج الصحيح في الاستدلال بالمكتشفات العلمية على الربوبية أن يسن بها سنة ما ذكر في القرآن من دلالة المخلوقات على الخالق، فهي تدل على وجود الخالق وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وجميع صفاته وكماله، دلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع بما فيها من أمارات الحدوث وشواهد الإرادة المخصصة (^٢).
سادسًا: الظن بأن توحيد الربوبية هو المطلوب للفلاح عند الله، ولذا تجد التركيز عليه عند غالب من تكلم في هذا الموضوع مع عدم ربطه بما يستلزمه من توحيد الألوهية (^٣).
سابعًا: صرف الناس عن الغرض الأساس والمطلب الرئيس من القرآن وأنه كتاب هداية وإرشاد إلى أغراض أخرى (^٤).
ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات، ومن حقائق
_________________
(١) انظر: مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر لعبد الرحمن بن زيد الزنيدي، دار اشبيليا، الرياض، ط ١: ١٧١.
(٢) منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٣٠١، وانظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٢٦، ومدارج السالكين: ٣/ ٣٩٩.
(٣) انظر: قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارض: ٦.
(٤) انظر: الإعجاز العلمي في القرآن: ١٩ - ٢٠، ٣٤.
[ ١٥٥ ]
ثامنًا: التأويل المستمر- مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن
عاشرًا: إحداث طريقة مبتدعة لإثبات وجود الخالق وربوبيته وإثبات النبوة لم يكن عليها السلف
عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن (^١)، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (^٢).
ثامنًا: التأويل المستمر- مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن وحملها على الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجد فيها جديد (^٣).
تاسعًا: رد بعض الأحاديث الصحيحة أو تصحيح بعض الأحاديث الضعيفة بحجة أن التفسير العلمي لهذه الآيات الكونية يخالف أو يوافق ما ذكر في هذه الأحاديث (^٤).
عاشرًا: إحداث طريقة مبتدعة لإثبات وجود الخالق وربوبيته وإثبات النبوة لم يكن عليها السلف، وذلك بالنظر في المخلوقات والمعجزات على مقتضى قواعد وأصول محدثة (^٥).
مثل قول بعضهم: إن الرسالة لا تثبت إلا بعد النظر والتفحص لآيات الأنبياء، ثم نشهد لهم بذلك.
_________________
(١) عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: ١١٥.
(٢) فصلت: ٥٣.
(٣) التفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٤٢٠.
(٤) انظر: تقويم الأعمال التي تناولت الإعجاز العلمي والطبي في السنة النبوية لأحمد أبو الوفاء عبد الآخر، ضمن بحوث ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية، عام ١٤٢٥، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، مطبوع بالحاسب الآلي: ١٣، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ١٠٨، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٧٧.
(٥) انظر: توحيد الخالق لعبد المجيد الزنداني: ١٢٢ - ١٢٣، والفرقان في بيان إعجاز القرآن لعبد الكريم بن صالح الحميد، ط ١: ٤٣.
[ ١٥٦ ]
المبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث.
المطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية.
[ ١٥٧ ]
المطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث (^١)
المنهج التجريبي هو: المنهج القائم على الملاحظة والتجربة معًا، أو يبدأ فيه من جزئيات أو مبادئ يقينية تمامًا حتى تصل إلى "قضايا عامة مستخدمين في كل خطوة التجربة حتى نضمن صحة الاستنتاج، وهو منهج العلوم الطبيعية على وجه الخصوص" (^٢).
وهو يمر بثلاث مراحل:
١ - الملاحظة أو المشاهدة.
٢ - الفرض.
٣ - التجريب (^٣).
٤ - القانون العلمي
ويقوم المنهج التجريبي على ثلاث قواعد (^٤) وهي:
القاعدة الأولى: إنكار كل المغيبات التي لا يمكن إخضاعها للملاحظة والتجربة.
_________________
(١) انظر: مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر: ١٥٨، ونقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن: ١٤.
(٢) مناهج البحث العلمي لعبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط ٣: ١٨ - ١٩، المعجم الوسيط: ٢/ ٦٢٤.
(٣) المرجع السابق: ١٣١.
(٤) مناهج البحث في العقيدة ليوسف بن محمد السعيد، ضمن مجلة الدراسات العربية، كلية دار العلوم جامعة المنيا، العدد (٧)، ٢٠٠٢: ٣٠٠.
[ ١٥٩ ]
القاعدة الثانية: الزعم بأن حتمية القوانين الطبيعية وقوانين التطور العلمي يمكن الاستغناء بهما عن افتراض وجود الله.
القاعدة الثالثة: ادعاء كفاية المنهج العلمي في المعرفة من ناحية، والقيم من ناحية أخرى عن المناهج المعرفية التي تعتمد على الدين.
ويختلف العلم التجريبي في القرآن عن العلم الحديث بما يلي:
أولًا: أن القرآن الكريم كتاب هداية، أنزله الله تعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (^٢)، تلك هي مهمة القرآن الأصلية، وقد وضحت سبل الهداية فيه: في عقائده وتشريعاته، وكانت مظاهر القدرة في الآيات الكونية فيه وسيلة من وسائل الاحتجاج للحق الذي جاء به (^٣).
قال ابن القيم - ﵀ -: " ولهذا كان أكمل الأمم علما أتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم الرمل والنجوم والهندسة ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بها وآثروها على علوم الرسل وما جاءوا به، وهي كما قال الواقف على نهاياتها الواصل إلى غاياتها: وهي بين ظنون كاذبة - وإنّ بعض الظن إثم - وبين علوم غير نافعة، نعوذ بالله من علم لا ينفع، وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها" (^٤).
_________________
(١) الإسراء: ٩.
(٢) إبراهيم: ١.
(٣) عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: ١٠٣، ومناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر: ١٤٧.
(٤) الصواعق المرسلة: ٣/ ٨٧٥ - ٨٧٦، باختصار.
[ ١٦٠ ]
فإشارة القرآن لبعض هذه المسائل المرتبطة بالعلوم التجريبية لم يكن هو المقصد الأول، ولم ينَزَّل القرآن من أجلها، أما المعلومات الدنيوية بما فيها العلوم التجريبية فإنها تجيء مرتبطة بالدلالة على حكم عقدي أو شرعي، فهي جاءت تبعًا وليس أصالةً؛ أي أن القرآن لم يقصد أن يذكرها على أنها حقيقة علمية مجردة، بل ليستدل بها مثلا: على توحيد الله وأحقيته بالعبادة، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات اليوم الآخر، أما أهل العلم الحديث فهي مقصدهم الأول (^١).
ثانيًا: لا توجد آية كونية ورد الإشارة إليها في كتاب الله، إلا وهي مدركة لجميع المخاطبين بها، يستوي في ذلك المتقدمون والمتأخرون، فالمتقدمون قد فهموا المراد بها على نحو ما انتهى إليه علمهم، وأدركوا دلالتها على ما سيقت له، وإنما حصل للمتأخرين زيادة في معرفة التفاصيل، ولعل مما يشبه ذلك معرفتنا اليوم بمعاني الآيات التي تتحدث عن أهوال يوم القيامة، ثم مشاهدتها على الواقع حين حصولها، فمعرفتنا اليوم بالمعاني كمعرفة الرسول - ﷺ - بتلك المعاني، ومعرفتنا يوم نرى الواقع كمعرفة العلماء اليوم (^٢).
أما العلم الحديث فإن القضايا العلمية التي يفسرها لا يدركها إلا الخواص من الناس، ولا يوصل إليها إلا بالمراس.
ثالثًا: أنه ليس هناك تعارض أو تناقض بأي حال، ولا من أي نوع بين أي نص قرآني صريح في دلالته، وبين أي حقيقة علميه بلغت يقين المعاينة، والمشاهدة، ضرورة أن خالق الكون سبحانه هو منزل القرآن الكريم، ولن يكون تناقض أبدا بين قول الله تعالى وبين خلقه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٣)، أما
_________________
(١) انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن: ١٥.
(٢) انظر: منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٣٠٢.
(٣) الأعراف: ٥٤.
[ ١٦١ ]
العلم الحديث فإن ما أثبته بالأمس نقضه اليوم، وما يثبته اليوم سينقضه بالغد.
رابعًا: أن بعض الحقائق التي وردت في القرآن والسنة لا يمكن أن تدخل تحت العلم التجريبي (^١)، مثل خلق الكون، والإنسان، والأمور المستقبلية الغيبية مما يحدث للكون عند قيام الساعة (^٢).
خامسًا: القرآن يقرر القضية حقيقة حيث كانت وانتهت، وهي حقائق قطعية، فهو تقرير من العليم بأسرارها، الخبير بدقائقها، المحيط بعلومها ومعارفها: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٣).
أما العلم التجريبي فهو يبدأ في البحث عنها من البداية حتى يصل إلى الحقيقة العلمية، فهو علم احتمالي في حقائقه وقوانينه (^٤).
سادسًا: ما ذكر في القرآن من حقائق وفق سنن كونية معينة فإن الله قادر على تغييرها إذ شاء، أما أهل العلم التجريبي المعاصر فإنهم ينكرون ذلك (^٥).
سابعًا: ظن بعضهم أن مواءمة القرآن للعلم التجريبي لا تتحقق إلا بتتبع جزئيات الحقائق العلمية وأفرادها وربطها بالإشارات القرآنية، مع أن مواءمة القرآن للعلم التجريبي متحققة بالمنهج العلمي الاستدلالي وطريقة التفكير النقدي التي يقررها القرآن، ويشهد على ذلك انسجام القضايا الكلية الكبرى في القرآن مع معطيات المنهج العلمي المعاصر (^٦)، وقبل ذلك استدلال القرآن
_________________
(١) انظر: قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارض: ٣٨، ومناهج البحث العلمي: ١٣١ - ١٣٢، وصراع مع الملاحدة حتى العظم: ٣٢.
(٢) انظر: مناهج البحث في العقيدة: ٣٠٠، وكبرى اليقينيات الكونية: ٢٢٥.
(٣) الملك: ١٤.
(٤) انظر: مناهج البحث العلمي: ١٤٤، الإسلام يتحدى: ١٤٠، مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر: ١٥٠.
(٥) انظر: البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية: ٢٠٣.
(٦) انظر: كبرى اليقينيات الكونية: ٣٤.
[ ١٦٢ ]
على المشركين وإلزامهم بما تدل عليه هذه الآيات الكونية من توحيد الربوبية المستلزم لتوحيد الألوهية (^١).
ثامنًا: وسائل المعرفة في القرآن متعددة، أما أصحاب المنهج التجريبي فإنهم يحصرون المعرفة بالتجارب، فكل معرفة حقة عندهم مرتبطة بالتجارب، بحيث يمكن فحصها أو إثباتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة (^٢)، مع أن الحقائق التي يمكن مشاهدتها والتي يمكن عمل التجارب عليها قليلة (^٣).
تاسعًا: القرآن يذكر القضية العلمية مجملة غير مفصلة في الغالب، أما العلم التجريبي فينحو إلى تفصيل القضية العلمية (^٤).
_________________
(١) انظر: منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٢٩٣.
(٢) الإسلام يتحدى: ٢٦.
(٣) المرجع السابق: ٤٧.
(٤) انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن: ١٥.
[ ١٦٣ ]
المطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية
قد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أعلم بالقرآن وبعلومه وما أُودع فيه من غيرهم، وكان كلامهم في القرآن عن ما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يتبع ذلك، ولم يكن لهم خوض في تفاصيل الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية، ولا يعني هذا أنهم كانوا لا يعرفونها ولا يتأملون فيها، لا؛ بل إنهم لا يتوسعون في ذلك (^١)؛ لأن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السموات والأرض وفى الأنفس، لا يُراد منه إلا التدبر والتفكر في هذه الآيات، وتوجيه عامة الناس وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله ودلائل وحدانيته فيها (^٢)، ويثبت له بالحجج الواضحة قدرة الله ووجوده ووحدانيته (^٣).
وهذا هو المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية ليعمل الإنسان فكره وعقله في الآيات الكونية فيقوده ذلك إلى إفراد الله بالعبادة (^٤).
_________________
(١) انظر: الموافقات: ٢/ ١٢٧، قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارض: ٣٣، والمعجزة القرآنية - الإعجاز العلمي والغيبي: ١٠، ١٤٧، الإعجاز العلمي في القرآن: ٤٦ - ٤٧.
(٢) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٩٣، والمعجزة العلمية في القرآن والسنة: ٤٥.
(٣) انظر: البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية: ٢٠٦، والإعجاز العلمي في القرآن: ١٩.
(٤) انظر: الآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٢٧.
[ ١٦٤ ]
قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).
فهو لم يجعل تلك العلوم الكونية من موضوعه فهو كتاب هداية وإعجاز، وإذا ذكر فيه شيء من الكونيات فإنما ذلك للهداية ودلالة الخلق على الخالق، وللاستدلال بها على توحيد الله وأحقيته بالعباده، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات إمكانية البعث، أو غير ذلك (^٣)، ولا يقصد القرآن مطلقا من ذكر هذه الكونيات أن يشرح حقيقة علمية في الهيئة والفلك أو الطبيعة أو غيرها (^٤)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٦).
_________________
(١) يونس: ١٠١.
(٢) الجاثية: ١٣.
(٣) انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن: ١٥.
(٤) انظر: مناهل العرفان: ٢/ ٢٧٦.
(٥) البقرة: ٢.
(٦) المائدة: ١٥ - ١٦.
[ ١٦٥ ]
المبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية
والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية.
المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة.
المطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية.
[ ١٦٧ ]
المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية
إن من عقيدة أهل الإسلام التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها أنه لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٢)، فالغيب لله تعالى وحده؛ ولكن من فضل الله ﵎ أنه يطلع بعض رسله على شيء منه، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (^٣).
إلا أن هناك أمورا اختص الله ﵎ بعلمها فهي من الغيب المطلق (^٤) الذي لا يطلع الله ﵎ عليها أحد، ومن ذلك: علم الساعة، متى تقوم؟ فهذه علمها عند الله لا يجليها لوقتها إلا هو، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) النمل: ٦٥.
(٢) الأنعام: ٥٩.
(٣) الجن: ٢٦ - ٢٧.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى: ١٦/ ١١٠، ٢٤/ ٢٥٧، ٢٥٨.
(٥) الأعراف: ١٨٧.
[ ١٦٩ ]
ومعرفة الغيب المستقبل لا بد أن يكون الانشغال به ومعرفته عن طريق المصدر الحق؛ فإن مصادر معرفة المستقبل تنقسم إلى ثلاثة أنواع (^١):
النوع الأول: مصادر باطلة قطعًا، وما توصل إليه فهو باطل، ومن ذلك ما تحصل معرفته عن طريق التنجيم والكهانة والشعوذة ونحوها (^٢).
النوع الثاني: مصادر ظنية، كالرؤى والمنامات، وما عند أهل الكتاب من أخبار مما لم يأت في ديننا ما يدل على بطلانه، وكالدراسات القائمة على الاجتهاد والنظر في سنن الله الكونية.
النوع الثالث: المصدر الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.
وقد ورد في القرآن والسنة الإخبار عن بعض الأمور الغيبية المستقبلية (^٣) التي تحدث لبعض الآيات الكونية في آخر الزمان مما يكون من علامات الساعة، وعند قيامها، مما يستحيل تفسيره مهما تقدمت العلوم وتطورت، ومهما أكتُشف من حقائق الكون (^٤).
كما لا يمكن إخضاعه للتجربة، وهو أمر لا يتكرر، ولا يستطيع أحد أن يدخله في مفردات العلوم الطبيعية والكونية، وهو مما حجب الله تعالى علمه؛
_________________
(١) انظر: من معالم المنهجية الإسلامية للدراسات المستقبلية لهاني بن عبد الله الجبير، مجلة البيان، الرياض، ١٤٢٩: ١١٣.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى: ٤/ ٨٣.
(٣) انظر: البداية والنهاية: ١٩/ ٢٨، ٢٥٥، ٢٦٩، ٣٨٠ - ٤٠٠، وقيام الساعة كما يرأها العلم الحديث لعمر بن محمود الراوي، دار وحي القلم، دمشق، ط ١: ٥ - ١٠.
(٤) انظر: كبرى اليقينيات الكونية: ٣٠١، والفلك وعلاقته بالعقيدة في الكتاب والسنة لعبد الله بن محمد الأنصاري، بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة: ٤٣٥.
[ ١٧٠ ]
لحكمة يعلمها (^١).
ولهذا لا يجوز لنا أن ندخل في هذه الأمور وتفاصيلها إلا بما جاء في الكتاب والسنة (^٢).
وبعض ما يذكر من الدراسات ينبغي أن لا يجزم به وبتفاصيله لئلا يخالف المقطوع به من عدم إدراك الغيب، ويمكن الاستفادة منه وفق ضوابط شرعية (^٣).
_________________
(١) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ٤٢٥.
(٢) انظر: لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد: ٢١، وعالم الغيب والشهادة لعثمان جمعة ضميرية، دار السوادي، جدة، ط ١: ٥٨، ١١٢.
(٣) انظر: من معالم المنهجية الإسلامية للدراسات المستقبلية: ٦٥.
[ ١٧١ ]
المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة
إن كثيرًا من أمور الدين وعقائده إنما هي إيمان بالغيب، فالحياة البرزخية غيب، والحياة الآخرة غيب، من قيام الساعة إلى البعث والنشور إلى الحساب والميزان كل هذا غيب يجب الإيمان به.
وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم عن بعض الأمور الغيبية، وأخبرنا أنها ستقع، ووقعت هذه الأمور التي أخبر الله عنها على نحو ما أخبر، مما يعرفه المؤمن والكافر، والبر والفاجر.
فالتنكر للإيمان بالغيب إلحاد ونقص في العلم، والإيمان به من صفات عباد الله المؤمنين المهتدين المفلحين، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١).
ودراسة الغيب المستقبل والإطلاع عليه من أمور الدين التي جاء بها رسولنا - ﷺ -، فقد أخبر الله - ﷿ - عن بعضها، وأخبر الرسول - ﷺ - عن بعضها، وعلَّم ذلك كله للصحابة - ﵁ -، واهتموا به وسألوا عنه؛ لأنه من عقيدتهم، ومن ذلك أن عائشة - ﵂ - سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٢)، أين يكون الناس يومئذ؟ فقال ﵊: " على الصراط" (^٣).
_________________
(١) البقرة: ٢ - ٥.
(٢) إبراهيم: ٤٨.
(٣) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة: ٤/ ٢١٥٠ برقم (٢٧٩١).
[ ١٧٢ ]
بل إن المشركين قد سألوا رسول الله - ﷺ - عن أمر غيبي مستقبلي وهو: إعادتهم بعد موتهم منكرين بذلك البعث، مستبعدين له، فاحتج الله عليهم بخلق السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (^١)، فاحتج تعالى عليهم، ونبههم على قدرته على ذلك، بأنه خلق السماوات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك (^٢).
وهذه الدراسات لها صلة وثيقة بالعقيدة من جهة أن هذه الدراسات تتكلم عن أمور غيبية.
وقد جرّت هذه الدراسات ممن لا يؤمن بالغيب إلى إنكار ما أخبر الله عنه ورسوله - ﷺ - مما يكون في أخر الزمان، منكرين بذلك قدرة الله، نافين لحكمته.
أما أهل الإيمان الذين يؤمنون بالغيب وبقدرة الله وحكمته، وأن الله على كل شيء قدير فكانت عقيدتهم في ذلك الإيمان والتسليم، وعدم الدخول فيما لا علم لهم به وعدم التكلف والتنطع في ذلك، فإن الكلام في مثل هذه الأمور ليس من موضوع علوم الفلك ونحوها (^٣)، وإنما يتكلم فيه حسب النصوص الشرعية، مع الجزم واليقين بوقوعها لأن الله أخبرنا بذلك، قال
_________________
(١) الإسراء: ٩٨ - ٩٩.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٩، والكون والإنسان في التصور الإسلامي لحامد صادق قنيجي، مكتبة الفلاح، الكويت، ط ١: ٧٣.
(٣) انظر: ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة بالبرهان لمحمود شكري الألوسي، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٧٩.
[ ١٧٣ ]
تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (^١)، وقال تعالى مخبرًا عن حال الراسخين في العلم مع القرآن: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٢).
ثم إن الإيمان بهذه الأخبار - إذا تحققنا صحتها- هو من الإيمان بالله، والإيمان برسوله - ﷺ -، إذ كيف نؤمن بالله ورسوله ثم لا نصدق بخبرهما! .
ووقوع تلك المغيبات على النحو الذي جاءت به الأخبار يثبت الإيمان ويقويه، وقد يكون ذلك مدخلًا لدعوة الآخرين إلى هذا الحق الذي جاءنا من ربنا.
وكذلك تثبيت الإيمان بيوم القيامة، فالقيامة وأهوالها من الغيب الذي أخبرنا به الله ورسوله - ﷺ -، والإيمان به إحدى دعائم الإيمان، ووقوع الوقائع في الدنيا على النحو الذي جاءت به النصوص دليل واضح بَيِّن على صدق كل الأخبار ومنها أخبار الساعة، فالكل من عند الله ﵎.
_________________
(١) البقرة: ٢٨٥
(٢) آل عمران: ٧.
[ ١٧٤ ]
المطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية
حول الآيات الكونية المستقبلية
بالإضافة إلى ما سبق ذكره من المخالفات العقدية في التفسير العلمي عمومًا (^١)، فإن الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية يتعلق بها بعض المخالفات لتعلقها بالإيمان بالغيب.
أولًا: الرجم بالغيب فيما يحصل للكون، والخوض في تفصيلات بعض الآيات الكونية المستقبلية دون مراعاة للضوابط الشرعية، وعدم الرجوع إلى ما ورد في الكتاب والسنة (^٢).
ثانيًا: تفسير القرآن وإخضاعه لتلك الدراسات (^٣) دون رجوع لفهم الصحابة والسلف لكتاب الله - ﷿ - وسنة نبيه - ﷺ -، قال ابن مسعود - ﵁ - لما سمع رجل يقص على أصحابه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٤)، قال: " من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (^٥) " (^٦).
_________________
(١) انظر: ص: ١٣٩.
(٢) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٥٦٨، وتفسير جزء عمّ لمحمد عبده، والموسوعة العربية العالمية: ٢٠/ ٣١٥.
(٣) انظر: تفسير القرآن لمحمود شلتوت: ١٣.
(٤) الدخان: ١٠.
(٥) ص: ٨٦.
(٦) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الروم: ٩٣١ برقم (٤٧٧٤).
[ ١٧٥ ]
ثالثًا: التنطع والتكلف في السؤال عن الأمور الغيبية (^١)، وإشغال النفس بها مع أن العلم بها لا يترتب عليه عمل شرعي.
رابعًا: تحكيم العقل في فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنة عن الآيات الكونية المستقبلية بحجة عدم موافقتها لتلك الدراسات العلمية (^٢).
خامسا: إنكار المغيبات المستقبلية بحجة أنه لا يمكن الوصول إلى يقين علمي بشأنها إلا عن طريق التجربة والمشاهدة، وأن إنكارهم يقوم على دعامتين من العلم التجريبي، والعقل المادي (^٣)، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (^٤).
سادسًا: الإيمان بما أخبر الله به ورسوله مع الشك والتردد في ذلك، والتصديق بما في بعض تلك الدراسات مما لم يؤيده كتاب ولا سنة، فهو يؤمن ببعضها، ويكذب ببعضها الأخر، فاتبع في إيمانه غير سبيل المؤمنين.
سابعًا: التحريف لبعض الآيات الواردة في الكتاب والسنة عن الآيات الكونية المستقبلية؛
لأن الغيبيات والمعجزات لا تقع غالبا تحت الحس، ولا تخضع لمألوف العقل البشري، ولا تجري على السنن المعتادة، ولذا أقدم بعضهم على إنكارها؛ وحاول آخرون تحريفها (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن لمحمود شلتوت: ٣٨٣.
(٢) انظر: اتجاهات التفسير في العصر الراهن: ١٣٧.
(٣) انظر: تقديم محمد سعيد البوطي لكتاب الموسوعة الكونية الكبرى: ٢٠، والمعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل لعبد الفتاح إبراهيم سلامه، مطبوع بالحاسب: ١.
(٤) النمل: ٦٥ - ٦٦.
(٥) انظر: المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل: ٢، ٦، والجواهر في تفسير القرآن: ١٣/ ٢٥١ - ٢٥٢.
[ ١٧٦ ]
ثامنًا: إنكار قدرة الله تعالى، واستبعاد وقوع ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله - ﷺ -.
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).
فمن آمن أن الله على كل شي قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره (^٢).
_________________
(١) الزمر: ٦٧.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٣١، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٦٧.
[ ١٧٧ ]