وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: الآيات الكونية السماوية.
المبحث الثاني: الآيات الكونية الأرضية.
[ ٦٥٥ ]
تمهيد
الآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة منها آيات سماوية -كالسماء والشمس والقمر والنجوم والكوكب-، ومنها آيات أرضية -كالأرض والجبال والبحار-، وأهوال يوم القيامة وما يحدث لهذه الآيات الكونية من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها (^١).
وقدم الله ﷾ مشاهد ما يقع للآيات السماوية على مشاهد ما يقع للآيات الأرضية، فقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (^٣)،، وقال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (^٤).
فيجب التصديق بها وعدم التكلف فيها؛ فإن مثل هذه الأمور لا تدرك إلا بخبر عن الله - ﷿ - وعن ونبيه - ﷺ -.
وقد سبق في المبحث السابق - الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة -
_________________
(١) ذكر القرطبي تفسيرًا للنصوص الواصفة لأهوال يوم القيامة -ومنها هذه الآيات الكونية- في كتابه التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ٢/ ٥٣٨.
(٢) الانفطار: ١ - ٣.
(٣) الانشقاق: ١ - ٥.
(٤) التكوير: ١ - ١١.
[ ٦٥٧ ]
بيان الضوابط في دراسة مثل هذه الأمور وسبب إيراد كلام المعاصرين عن التفسير والإعجاز العلمي (^١).
قال الحليمي (^٢)
- ﵀ -: " وقد أخبر الله - ﷿ - على لسان نبيه - ﷺ - أنه مفني ما على وجه الأرض ومبدل الأرض غير الأرض، وأن الشمس تكور، وأن البحار تسجر، والكواكب تنثر فيذرها قائمة صفصفًا لا ترى فيها عوجا ولا أمتًا، وكل ذلك كائن على ما جاء به الخبر، وعد الله صدق وقوله حق. وأما ما وراء ذلك مما لم يخبر الله - ﷿ - عنه بشيء، فأمره إليه وهو أعلم بما هو فاعله.
ولا ينبغي لنا أن نتكلم فيه بشيء لأن القول على كل حال بغير علم حرام، فالاجتراء به على الله جل ثناؤه أشد وأولى بالحرمة، أعني بهذا إن سائل سأل: أن السماء إذا طويت والشمس إذا كورت أو الكواكب إذا انتثرت، أو عن الأرض بعد ركوب الناس الصراط وفراغها منهم، ماذا يكون من أمرها بعد ذلك؟ لم يكن له جواب يمكن القطع به، والأولى بالمسؤول أن يقول: كما قال الرسول - ﷺ - للذي سأله عن الساعة: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (^٣).
فإن مثل هذا لا يدرك إلا بخبر ولم يأتنا في هذه الأبواب عن الله جل ثناؤه خبر إلا أن في الجملة يخبرنا بانتقاض الأجسام، فإن أراد الله تعالى أفناها
_________________
(١) ص: ٥٦٣.
(٢) هو أبو عبدالله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، كان رئيس المحدثين والمتكلمين في بلاد ما وراء النهر، من مؤلفاته: المنهاج في شعب الإيمان، توفي سنة ٤٠٣. انظر: سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٢٣١، وشذرات الذهب: ٣/ ١٦٧.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله: ١/ ٣٦ برقم (١٨).
[ ٦٥٨ ]
وحبس البقاء عنها، وفعل ذلك بها، وإن أراد غير ذلك فله الخلق والأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو على كل شيء قدير" (^١).
" وقد ذكر د. زغلول النجار -حفظه الله-: "من ضوابط التعامل مع قضية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ما يلي:
١ - عدم الخوض في القضايا الغيبية غيبة مطلقة، وضرورة التوقف في ذلك عند حدود النصوص الواردة في كتاب الله أو في أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين - ﷺ -، انطلاقًا من الإيمان الكامل بهما، واعترفا بعجز الإنسان عن الوصول إلى مثل هذه الغيوب المطلقة بغير هداية ربانية.
" ٢ - التأكيد على أن الآخرة بتفاصيلها المختلفة وأحداثها المتتابعة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا مغايرة كاملة، وعلى ذلك فإن وقوع الآخرة لا يحتاج إلى أي من سنن الدنيا البطيئة الرتيبة؛ لأن الله تعالى يصف وقوعها بالفجائية الشديدة، وذلك بقوله -عز من قائل- مخاطبًا خاتم أنبيائه ورسله - ﷺ -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
" وعلى ذلك فإن المشتغلين بعلوم الكون إذا استخدموا عددًا من الشواهد الحسية التي أبقاها الله تعالى لنا في صخور الأرض أو في صفحة السماء للتدليل على حتمية الآخرة من أجل البرهنة على تلك الحتمية وعلى ضرورتها، فإن ذلك لا يمكن أن يعني قدرتهم على استشراف زمن وقوعها الذي هو من صميم الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله تعالى" (^٣).
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧.
(٢) الأعراف: ١٨٧.
(٣) تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ للدكتور زغلول النجار. موقع الدكتور زغلول النجار. http: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=٦٦ e ٠٧٥٣٨١ fbee ٨ ee ٢٧٤٩٠ f ٩٩٢ ab ٣٣١٢ d
[ ٦٥٩ ]
" فيوم القيامة من الأمور الغيبية التي لا يصح الكلام فيها إلا بدليل من الكتاب أو السنة كما أن الآخرة لا تنطبق عليها نواميس الدنيا فلها نواميس مختلفة ولذلك لا يصح أن نطبق قوانين الدنيا على الآخرة وإنما نصدق بما جاءنا عن رسولنا الكريم - ﷺ - ولا نخوض في أشياء غيبية لا نعرفها لأن هذا من القول بغير علم وقد قال الله ﷾: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^١) " (^٢).
وقد ذكر ابن القيم - ﵀ - عن الوفاء ابن عقيل (^٣) - ﵀ - جوابًا لمن ذكر لماذا يخرب الله العالم عند يوم القيامة؟ .
قال ابن القيم - ﵀ -: " وقرأ قارئ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، وفي الحاضرين أبو الوفاء ابن عقيل، فقال له قائل: يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية، وسير الجبال، ودك الأرض، وفرط السماء، ونثر النجوم، وكورت الشمس؟ فقال: إنما بنى لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه لحسن التأمل والتذكر. فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خربها لانتقال الساكن منها، فأراد أن يعلمهم بأن الكون كان معمورًا
_________________
(١) الإسراء: ٣٦.
(٢) موسوعة الإعجاز العلمي ليوسف الحاج: ٤٠٤.
(٣) هو أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، من علماء الحنابلة، وله مؤلفات كثيرة، منها: كتاب الفنون، الذي يزيد على أربعمائة مجلد، توفي عام ٥١٣. انظر: سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٤٤٣، وشذرات الذهب: ٦/ ٥٨.
[ ٦٦٠ ]
بهم وفي إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وبيان المقدرة بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد، وزنادقة المنجمين، وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت، وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت، ومحالها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم، وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر، له رب يصرفه كيف يشاء، تكذيبًا لملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدم. فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار ودلالة على عظيم عزته وقدرته وسلطانه وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره، وإذعانها لمشيئته فتبارك الله رب العالمين" (^١).
_________________
(١) التفسير القيم لابن القيم: ٥٠٥.
[ ٦٦١ ]
المبحث الأول: الآيات الكونية السماوية
وعد الله ﷾ بأن يجعل للكون نهاية، كما خلقه سبحانه فإنه سوف ينهيه ويطويه، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (^١)، ومن الآيات الكونية السماوية التي وردت في النصوص: السماوات، والشمس، والنجوم، والكواكب.
١ - السماوات:
أخبر الله - ﷿ - أن هذه السماوات على ارتفاعها النائي، وسمكها العظيم، وعددها الكثير، وجمالها الباهر، تأتي ساعة من الساعات ويكون في ذلك خرابها وزوالها في يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (^٢)، يوم القيامة تتحرك السموات لأمر الله تعالى فيموج بعضها في بعض، ثم تنشق على عظمها وسمكها وارتفاعها، قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (^٣).
وهي عندما تنشق يكون لها لون وشكل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (^٤)، قال ابن كثير - ﵀ -: " أي تذوب كما يذوب الدردي (^٥)، والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي
_________________
(١) الأنبياء: ١٠٤.
(٢) الطور: ٩.
(٣) الانشقاق: ١ - ٢.
(٤) الرحمن: ٣٧.
(٥) دردي الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله. لسان العرب: ٢/ ١٣٥٥.
[ ٦٦٢ ]
يدهن بها. فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم" (^١).
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ (^٢) كدردي الزيت، ثم يكون الضعف والوهن في السماء على عظمها وقوتها (^٣)، ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (^٦)، فهي تتشقق وتنفطر وتضعف ويكون فيها فُرج أي: أبواب (^٧)، كما أخبر ﷾: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ (^٨).
وفي نهاية الأمر تنتهي السماء وذلك بنزعها وطيها (^٩)، قال تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (^١٠) فقلعت ونزعت بشدة فطويت (^١١)، وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١٢)، وأن هذا الطي كطي السجل للكتب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^١٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٩٨.
(٢) المعارج: ٨.
(٣) انظر: تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٦٥.
(٤) الحاقة: ١٦.
(٥) المرسلات: ٩.
(٦) الانفطار: ١.
(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٩٧.
(٨) النبأ: ١٩.
(٩) وقد ذكر علماء الفلك أن ذلك سيأتي. انظر: الموسوعة الكونية الكبرى: ٢٠/ ٢٦٢.
(١٠) التكوير: ١١.
(١١) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٣٥.
(١٢) الزمر: ٦٧.
(١٣) الأنبياء: ١٠٤.
[ ٦٦٣ ]
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة دالة على مثل ما دلت عليه النصوص القرآنية، ومبينة لما يقوله الحق ﵎ بعد قبضه الأرض، وطيه السماء، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض" (^١).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " (^٢).
أما النظرة العلمية المعاصرة فإن علماء الفلك وردت التساؤلات عنهم، ما مستقبل الكون؟ فذكروا أن الكون يتسم بالصفات التالية:
١ - كون يتوسع إلى مرحلة معينة أو زمن معين، ثم يقف التمدد عند نقطة معينة، وذلك بسبب تفوق الجاذبية الذاتية للكون، بعد ذلك يعود للتقلص من جديد وانكماش الكون على نفسه حتى يعود للحالة ذاتها التي حدثت قبل الانفجار العظيم، أي نهاية الكون من جديد، وإذا كان الكون بهذه الصورة فإن الفضاء يتحدب حول الكون، أي يصبح الكون على شكل منحنى.
٢ - كون يتوسع مع تباطؤ في حركة فرار المجرات، لكن هذا التوسع سيبقى إلى الأبد، أي لن تستطيع كثافة الكون أن تسيطر على قوة الانفجار التي أدت إلى تمدد الكون" (^٣).
ولكن سواء حدث للكون النمط الأول أو الثاني فإن فناء هذا الكون
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يقبض الله يوم القيامة: ١٢٤٩ برقم (٦٥٢١).
(٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ٤/ ٢١٤٨ برقم (٢٧٨٨).
(٣) الموسوعة الفلكية الحديثة، لعماد مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط ١: ٣٣٦.
[ ٦٦٤ ]
وانهياره أمر لا مفر منه، ففي النمط الأول"فإن الكون سينكمش ويعود إلى مرحلة البداية، وهي حالة من حالات الانهيار للكون، أما في النمط الثاني يبقى الكون يتمدد إلى فترة معينة بحيث تنتهي الطاقة كليًا من الكون، حيث ينتهي الهيدروجين من النجوم، ويصبح الكون بالتالي جثة هامدة، لذلك فإن مستقبل الكون هو الموت في كلا النموذجين" (^١).
أما طي السماء:
فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^٢).
ففي هذه الآية يخبرنا الله - ﷿ -: " أولًا: أنه مهما اتسع الكون وكثرت محتوياته وثقل وزرنه فهو لن يتكبر أو يستعصي على خالقه بل سيطويه في سهولة ويسر كما يطوي صاحب السجل صحائفه.
ويؤكد لنا العزيز القدير هذه الحقيقة في آية أخرى بقوله: إن ذلك على الله يسير، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٣)، وفي آية أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٤).
ويشبه لنا ثانيًا: الكون بالصحائف المستوية، وقد يكون الكون مستويًا فعلًا وهي الحالة بين الكون المنغلق والمنفتح عندما تكون كثافة الكون تساوي
_________________
(١) المرجع السابق: ٣٣٦.
(٢) الأنبياء: ١٠٤.
(٣) العنكبوت: ١٩.
(٤) الروم: ٢٧.
[ ٦٦٥ ]
الكثافة الحرجة وهذا ما يرجحه كثير من الفلكيين. وقد يبدو لنا مستويًا -وإن كان حقيقة غير ذلك- بسبب عظمة الخالق.
وهنا نرى مدى قرب تشبيه الكون لصفحات السجل، استواء نراه في الكون من كل جانب حتى يخيل لنا أنه فعلًا مستويًا -وقد يكون كذلك- لاستواء الصحائف.
ويربط أذهاننا ثالثًا: بعملية انكماش الكون وانهياره فتشبيه طي الكون بطي الصحائف لهو تشبيه تفوق روعته أي وصف ولا يمكن أن يصدر إلا من الحكيم العليم الذي خلق هذا الكون، فبعد تمدد الكون واتساعه إلى ما هو عليه الآن -أو إلى ما سوف يصبح عليه في المستقبل- يطوي الخالق هذا الكون بكل ما فيه فيعود هذا الشيء الذي كبر واتسع إلى ما كان عليه" (^١).
ثم ذكر صاحب موسوعة الإعجاز العلمي التفسير العلمي لطي السماء فقال: "إن عملية انكماش الكون وانهياره على نفسه هذا الانهيار الهائل إلى نقطة بدايته لهو أقرب تفسير يستطيع العلم أن يقدمه حاليًا لطي الكون أو طي السماء إلى ما كانت عليه في بداية الخلق، ومع ذلك فهناك بعض الملاحظات التي يجب أن نأخذها في الاعتبار:
الأولى: التعبير العلمي أو الإنساني لعملية الانكماش الذي يتبعه انهيار هائل هو انعكاس لما يراه أو يتصوره الإنسان في هذا الحدث الهائل من قوة وعنف تفوق مقدراته وطاقاته بل وخياله
ومن ناحية أخرى نرى في التعبير القرآني لطي السماء أو الكون هدوء يعكس مقدرة الخالق المقتدر، الذي يصدر منه هذا الحديث، فنهاية الكون كله بالنسبة إليه ليست بأكثر من عمل سهل هين نقوم به نحن كل يوم، ألا وهو
_________________
(١) موسوعة الإعجاز العلمي، ليوسف الحاج: ٤٠١ - ٤٠٢.
[ ٦٦٦ ]
علي بعض الصحف ليس فيه عناء على الخالق كما لا يسبب طي الصحف أي عناء لنا.
الثانية: إذا كان انتهاء الكون حسب التفسير العلمي بانكماشه ثم انهياره يساعدنا في فهم الآية الكريمة وفي تفسير طي السماء الآن وإعادة الكون إلى ما بدأ منه، بل الأكثر من ذلك نجد فيه اتفاقًا كبيرًا مع النص القرآني، فليس معنى ذلك أن هذا هو التفسير الوحيد للآية الكريمة، فالطي الإلهي للكون ممكن أن يتخذ صورة نموذج الانكماش والانهيار، وممكن أن يتم بصورة أخرى قد نعلمها وقد لا نعلمها" (^١).
أما كيف يكون المهل؟
فإن المهل سائل لزج حار، يتكون من الحجارة وما فيها من المعادن، ويخرج من الأرض متدفقًا في الهواء أو منسكبًا فوق الأرض وله دورة خاصة لحياته فقد ينشط مع البراكين وقد يسكن مع خمولها (^٢).
ثم إن تأين (^٣) الغازات التي تدخل في تركيب الهواء الجوي،"لا يتم بدون طاقة عالية الشدة، عندئذ تصبح السماء يوم القيامة مثل المهل، أي مثل المهل
_________________
(١) المرجع السابق: ٤٠٢ - ٤٠٣.
(٢) الإعجاز العلمي -الأرض وعلوم البحار- أ. د. محمد وليد كامل. http://www.eajaz.org/arabic/index.php? option=com_content&view= article&id =٢٩١: ٢٠١٠ - ٠٧ - ٢٥ - ١٢ - ٤١ - ٥٥&catid=١١٢: ٢٠١٠ - ٠٨ - ٢٤ - ٢٢ - ٣٤ - ٤١&Itemid=٩٧
(٣) التأين: عملية فيزيائية لتحويل الذرة أو الجزء إلى أيونات بإضافة أو إزالة جسيمات مشحونة مثل الإلكترونات. والأيون: هو ذرة مشحونة كهربائيا بعد تفاعل كيميائي أخذت إلكترونات من ذرة أو ذرات أو أعطتها إياها. انظر: موسوعة ويكيبيديا. http://ar.wikipedia.org/wiki/%D ٨%A ٣%D ٩%٨ A%D ٩%٨٨%D ٩%٨٦
[ ٦٦٧ ]
في حرارته وتأين مكوناته من ذرات العناصر الكيميائية، إذ يختلف مهل الأرض عن مهل السماء في نوعية العناصر الكيميائية" (^١).
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٦٦٨ ]
٢ - الشمس والقمر:
إن الشمس والقمر من الآيات الكونية التي يجري خرابها يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^١).
يذهب ضوء القمر وتظلم الشمس وتجمعان معا ويرمى بهما، قال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (^٢) ولعلماء التفسير أقوال في معنى تكوير الشمس، فقيل: ذهابها، وقيل ذهاب ضوئها وقيل رمي بها، وغير ذلك. قال ابن جرير - ﵀ -: " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال ﴿كُوِّرَتْ﴾ كما قال الله جل ثناؤه، والتكوير في كلام العرب: (جمع بعض الشيء إلى بعض)، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكارة وهو جمع الثياب بعضها إلى بعض ولفها، وكذلك قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوءها فعلى التأويل الذي تأولناه وبيناه لكلا القولين اللذين ذكرت عن أهل التأويل وجه صحيح، وذلك أنها إذا كورت ورمي بها ذهب ضوءها" (^٣).
" وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " الشمس والقمر مكوران يوم القيامة" (^٤).
_________________
(١) القيامة: ٧ - ٩.
(٢) التكوير: ١.
(٣) تفسير الطبري: ٣٠/ ٨١.
(٤) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر ﴿بِحُسْبَانٍ﴾: ٦١٥ برقم (٣٢٠٠).
[ ٦٦٩ ]
" أما النظرة العلمية المعاصرة فيقول الدكتور زغلول النجار -حفظه الله- عن جمع الشمس والقمر يوم القيامة: "وهي تعبر عن نزع الإنسان من هول علامة من علامات تدمير الكون، فجمع الشمس والقمر أصبح حقيقة علمية الآن، لأنه ثبت بقياسات دقيقة للغاية أن القمر (الذي يبعد عنا في المتوسط حوالي ٤٠٠ ألف كم) يتباعد عنا بطريقة مستمرة بمعدل ثلاثة سنتيمترات في السنة، وهذا التباعد سيدخل القمر وقت من الأوقات في نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه الشمس، وهذا من التنبؤات العلمية المبنية على استقراءات كونية، وحسابات فلكية دقيقة، فالقمر يستمر بتباعده عن الأرض لابد وأن يؤدي به هذا التباعد في يوم من الأيام إلى أن تبتلعه الشمس، ولكن متى سيتم ذلك؟ هذا في علم الله ﷾" (^١).
" وذكر الدكتور يوسف الحاج في بيان مصير الشمس بين القرآن والعلم ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: أن"نفاد الهيدروجين من قلب الشمس ووفرة الهيليوم داخله تؤدي إلى حصول لا تجانس واضح في توزيع المادة، فإن الهيليوم أثقل من الهيدروجين بأربع مرات، وهذا يعني اختلاف كثافة مادة النجم وفقدان التوازن. لذلك لابد من حركة شاملة لإعادة توازن جسم الشمس ، ويحصل هذا إذا انتفخ الجزء الخارجي من مادة الشمس انتفاخًا هائلًا فيما يتقلص اللب. وعندئذ يتغير لون الشمس إلى الأحمر
_________________
(١) من آيات الإعجاز في القرآن الكريم- جمع الشمس والقمر- للدكتور: زغلول النجار، موقع الدكتور زغلول النجار، http: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=f ٢٨٤ c ٥ e ٢ c ٢٥٠ ded ٠٨ b ٠٩ a ٤٥٠ ccc ٢ e ٧٢٦ وانظر: أسرار الشمس بين الوصف القرآني وحقائق علم الفلك الحديث، لصبحي رمضان فرج مدرس. http: //quran-m.com/container.php؟ fun=avtviewyid=١٠٢٠
[ ٦٧٠ ]
" وإذ تضعف القوى الداخلية في اللب، فإن القشرة الخارجية المنتفخة لا تستطيع أن تسند نفسها على شيء فينهار جسم الشمس على بعضه في عملية تسمى (التكوير) وذلك بسبب جاذبية أجزائه بعضها للبعض الآخر، مما يجعلها تنكمش انكماشًا مفاجئًا وسريعًا، فتنسحق المواد للشمس، وتتداخل الجزئيات، وتتقارب الذرات تقاربًا شديدًا حتى تكاد تتداخل، إلا أن قوة التنافر الكهربائي بين الأغلفة الإلكترونية للذرات تقاوم تدخلها عندما تصبح المسافة بينها قليلة، وبذلك تتعادل قوة التنافر الكهربائي مع قوى الجذب التي تؤدي إلى تكوير الشمس، وعندما يحصل هذا التوازن تكون الشمس قد وصلت إلى مستقرها" (^١).
ثم ذكر أن"علماء الفلك يقدرون بأن الشمس تسبح إلى الوقت الذي ينفد فيه وقودها فتنطفئ، هذا هو المعنى العلمي الذي أعطاه العلماء لمستقر الشمس، هذا بالإضافة إلى ما تم كشفه في القرن العشرين من أن النجوم كسائر المخلوقات تنمو وتشيخ ثم تموت، فقد ذكر علماء الفلك في وكالة الفضاء الأمريكية (nasa) أن الشمس عندما تستنفذ طاقتها تدخل في فئة النجوم الأقزام ثم تموت وبموتها تضمحل إمكانية الحياة في كوكب الأرض، إلا أن موعد حدوث ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى الذي قال في كتابه المجيد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (^٢) " (^٣).
_________________
(١) موسوعة الإعجاز العلمي، ليوسف الحاج: ٣٥٦.
(٢) الأعراف: ١٨٧.
(٣) المرجع السابق: ٣٦٨.
[ ٦٧١ ]
٣ - النجوم والكواكب:
النجوم والكواكب خلق من ذلك الكون الذي أذن الله تعالى بخرابه وتغير أموره بما شاء الله تعالى، قال الله تعالى عن النجوم: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (^١)، أي ذهب ضياؤها فلم يكن لها نور ولا ضوء (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (^٣) أي تناثرت وتغيرت وتساقطت (^٤).
أما النظرة العلمية المعاصرة لها فإن النجوم تختلف عن الكواكب السيارة اختلافًا بينًا، "فالنجم عبارة عن كتلة ضخمة جدًا من الغاز الساخن والملتهب، وتشع النور والحرارة ذاتيًا، أما الكواكب فهو عبارة عن كتلة صلبة من الصخور أو الغازات الصلبة، ويدور حول النجم ويستمد الكوكب نوره وحرارته من النجم الذي يدور حوله" (^٥).
وقد ذكروا أن النجوم تمر في مراحل عمرية مختلفة، حيث توجد نجوم في مرحلة الولادة، ونجوم في مرحلة الشباب، ونجوم في مراحل الشيخوخة، ونجوم في مرحلة الاحتضار وأخرى ميتة (^٦).
"ويتوقع العلماء أن تنفصل المجرات عن بعضها البعض، وتصبح مثل جزر منفصلة من نجوم ميتة يصعب رؤية بعضها البعض أيضًا. أي أن النجوم
_________________
(١) المرسلات: ٨.
(٢) تفسير الطبري: ٢٩/ ٢٧٧.
(٣) التكوير: ٢.
(٤) المرجع السابق: ٣٠/ ٨٢.
(٥) الموسوعة الفلكية الحديثة: ٢٧٥.
(٦) المرجع السابق: ٢٨٩.
[ ٦٧٢ ]
ستنطفئ تدريجيًا ويختفي ضوؤها، وهذا ما أخبر عنه القرآن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾، فهذه الآية تؤكد أن النجوم لن تدوم إلى الأبد، بل سينفذ وقودها، وتنخفض شدة إضاءتها تدريجيًا حتى تنطمس كليًا" (^١).
ويقولون أيضًا: "ستصبح مجرتنا (درب التبانة) مثل جزيرة منفصلة في بحر غير متغير من فضاء أسود تمامًا في غضون ١٥ مليار عام القادمة، والمدة الحقيقية لا يعلمها إلا الله تعالى، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، وهذا ما يعتقد به العلماء، فيقولون: مع مرور الزمن ستنطفئ النجوم في جميع المجرات تدريجيًا، تاركة مجاميع باردة من كواكب مدمجة ستلهبها (الثقوب السوداء) " (^٢).
_________________
(١) الانهيار الكوني لعبدالدائم الكحيل. www.kaheel ٧.com/modules.php؟ name=news&file=article&sid
(٢) المرجع السابق.
[ ٦٧٣ ]
وعد الله ﷾ بأن يجعل للكون نهاية، كما خلقه سبحانه، فإنه سوف يعيده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (^١)، ومن الآيات الكونية الأرضية التي وردت في النصوص: الأرض، والجبال، والبحار.
١ - الأرض:
من الآيات الكونية يوم القيامة: تحرك الأرض وارتجاجها وتحركها وارتجافها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ (^٢)، وتزلزلها: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (^٣)، ودكها: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (^٤)، ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (^٥)، وتمهد وتسوى وتصبح كالبساط الواحد لا ارتفاع ولا انخفاض فيها، قال تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (^٦)، وتمد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ (^٧) مثل مد الأديم ففي الحديث أن النبي - ﷺ - قال: " ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم (^٨) " (^٩)، وتلقي ما في بطنها من الأموات وتتخلى عنهم ﴿وَأَلْقَتْ مَا
_________________
(١) الأنبياء: ١٠٤.
(٢) المزمل: ١٤.
(٣) الزلزلة: ١.
(٤) الحاقة: ١٤.
(٥) الفجر: ٢١.
(٦) طه: ١٠٦ - ١٠٧.
(٧) الانشقاق: ٣.
(٨) الأديم: الجلد ما كان. لسان العرب: ٩/ ١٢١٩.
(٩) سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم: ٤٤٠ برقم (٤٠٨)، قال البوصيري في الزوائد: ٣/ ٢٦١: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وانظر: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ٥٠٣/ ٦٥٨.
[ ٦٧٤ ]
فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ (^١).
قال ابن كثير - ﵀ - في بيان حال الإنسان إذا رأى ما يحدث للأرض وأنه استنكر أمرها بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة وهو مستقر على ظهرها"أي تقلبت الحال فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها، من الزلزال الذي لا محيد عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين وحينئذ استنكر الناس أمرها، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار" (^٢)، فهو مشهد عظيم.
ثم بعد هذه المشاهد للأرض، يبدلها الله تعالى كما قال - ﷿ -:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٣).
وقد اختلف في تبديل الأرض، فقيل:
١ - تبدل الأرض أرضا أخرى من فضة.
٢ - وقيل تبدل نارا.
٣ - وقيل تبدل خبزة.
٤ - وقيل تبدل غير ذلك.
ذكر هذا ابن جرير - ﵀ - وقال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها، وكذلك السماوات اليوم تبدل غيرها كما قال جل ثناؤه، وجائز أن تكون المبدلة أرضا أخرى من فضة، وجائز أن تكون نارا، وجائز أن تكون خبزا،
_________________
(١) الانشقاق: ٤.
(٢) تفسير ابن كثير: ٨/ ٤٦٠.
(٣) إبراهيم: ٤٨.
[ ٦٧٥ ]
وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أيُ ذلك يكون، فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل" (^١).
وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٢).
وهذا مشهد عظيم فيه بيان لعظمة الله تعالى وقدرته وهيمنته على خلقه أجمعين.
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " (^٣).
وعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يطوي الله - ﷿ - السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " (^٤).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (^٥) - ﵀ -: " هذه الأحاديث وما في معناها
_________________
(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٩٩، وانظر: فتح الباري: ١١/ ٣٧٥.
(٢) الزمر: ٦٧.
(٣) سبق تخريجه: ٢٠٤.
(٤) صحيح مسلم، كتاب المنافقين وصفاتهم: ٤/ ٢١٤٨، برقم (٢٧٨٨).
(٥) هو الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، من أئمة الدعوة النجدية، وله من المؤلفات: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، وقرة عيون الموحدين، والرد على داود بن جرجيس وغيرها، توفي عام ١٢٨٥ هـ. انظر: مشاهير علماء نجد، للشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ، دار اليمامة، الرياض، ط ٢: ٧٨، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبدالله البسام، دار العاصمة، الرياض، ط ٢: ١/ ١٨٠.
[ ٦٧٦ ]
تدل على عظمة الله وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته وقد تعرف ﷾ إلى عباده بصفاته وعجائب مخلوقاته وكلها تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان" (^١).
فيقبض الحق ﵎ الأرض بيده في يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، كما قال ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٢).
وهذا القبض للأرض يقع بعد أن يفني الله خلقه.
والأرض التي يحشر العباد عليها في يوم القيامة أرض أخرى غير هذه الأرض، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٣).
عن سهل بن سعد - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها معلم (^٤) لأحد" (^٥).
_________________
(١) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبدالرحمن بن حسن، تحقيق الوليد الفريان، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١١: ٢/ ٨٤٧.
(٢) الزمر: ٦٧.
(٣) إبراهيم: ٤٨.
(٤) العفراء: بالعين المهملة والمد بيضاء إلى حمرة. والنقي: بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحوري، وهو الدرمك، وهو الأرض الجيدة. المعلم: أي ليس بها علامة سكنى أو بناء ولا أثر. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: ١٧/ ١٣٤.
(٥) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة: ٤/ ٢١٥٠ برقم (٢٧٩٠).
[ ٦٧٧ ]
وأخبر الرسول - ﷺ - أن الوقت الذي يتم فيه هذا التبديل هو وقت يكون الناس على الصراط، عن عائشة - ﵂ - قالت: "سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ (^١)، فأين يكون الناس يا رسول الله؟ فقال: على الصراط" (^٢).
وعن ثوبان - ﵁ - أن حبرًا من أحبار اليهود سأل الرسول - ﷺ - فقال: "أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هم في الظلمة دون الجسر" (^٣).
كما أخبر عنها أنها تشرق وتضيء يوم القيامة بنور ربها (^٤)، قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ (^٦) "خطاب لسيد المخاطبين - ﷺ - أو لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية، أي: وترى جميع جوانب الأرض: بارزة بادية ظاهرة، أما ظهور ما كان منها تحت الجبال فظاهر، وأما ما عداه فكانت الجبال تحول بينه وبين الناظر قبل ذلك أو تراها بارزة لذهاب جميع ما عليها من الجبال والبحار والعمران والأشجار، وإنما اقتصر على زوال الجبال
_________________
(١) إبراهيم: ٤٨.
(٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة: ٤/ ٢١٥٠ برقم (٢٧٩١).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب بيان صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما: ١/ ٢٥٢ برقم (٣١٥).
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ١١٨.
(٥) الزمر: ٦٩.
(٦) الكهف: ٤٧.
[ ٦٧٨ ]
لأنه يعلم منه زوال الأرض بطريق الأولى" (^١).
وقد أنكر بعضهم زلزلة الأرض يوم القيامة، وقال: إن المقصود بذلك أنه الزلزال الوضعي الصناعي الذي يحصل بواسطة الحفريات وغيرها، يقول أحمد فائق رشد في تفسير سورة الزلزلة: "ليس المقصود هنا زلزلة الأرض الطبيعية ولاشيء كهذا؛ لأن الزلازل الأرضية لا تخرج لنا الأثقال الموجودة في باطن الأرض بل بالعكس إذا كانت الرجة شديدة، والهزة قوية مديدة فتبتلع القرى والمباني" (^٢)، ثم قال: "فالمقصود من كلام الله هو غير ذلك بل هو الزلزال الوضعي الصناعي الذي يحدث بواسطة الأيدي البشرية يعني الحفريات العديدة العظيمة التي تقوم بها جماعات وشركات لأغراض مختلفة، منها البحث عن الآثار القديمة، والمدن المطمورة. ومنها -وهو المقصود المطلوب هنا- البحث عن المعادن، الكنوز الثمينة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والفحم وسائر المعادن الثقيلة" (^٣)، ثم قال: "من يزور منجمًا واحدًا من مناجم التعدين للحديد مثلًا أو للفحم .. يرى ما يدهش من جبال الأتربة والصخور المستخرجة من باطن الأرض".
بل قال: "والمعنى الباطني: الزلزلة: الشك في الإيمان والاضطراب في الاعتقاد وضعف الثقة بصاحب الأمر، والأرض رمز الأمة" (^٤).
ولا شك أن هذا الكلام غير صحيح ولا يستحق الرد عليه، فهو مخالف للنصوص الشرعية، والعقول السوية (^٥).
_________________
(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: ١٥/ ٢٨٨.
(٢) تفسير القرآن من القرآن في دائرة العلم والعقل والواقع المحسوس، لأحمد فائق رشد، مطبعة النصر بالفجالة: ٤٢.
(٣) المرجع السابق: ٤٣.
(٤) المرجع السابق: ٤٩.
(٥) انظر: شوائب التفسير في القرن الرابع عشر، لعبدالرحيم فارس أبو علبة، رسالة دكتوراه بكلية الشريعة التابعة لدار الفتوى بلبنان، جامعة بيروت الإسلامية، مطبوعة بالحاسب الآلي: ١/ ١١٥.
[ ٦٧٩ ]
٢ - الجبال:
أخبر الله ﵎ أن الأرض الثابتة، وما عليها من جبال صم راسية تُحمل في يوم القيامة عندما ينفخ في الصور فتدك دكة واحدة: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (^١).
وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ (^٢).
فأول ما يجري للكائنات عند زلزلة الأرض هو ذهاب الجبال لأنها هي الرواسي للأرض كما أخبر الله تعالى عن هذا بقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (^٤).
فيزيل الله الجبال من أماكنها ويذهبها ﷾، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (^٦)، فتراها كأنها ثابتة، باقية على ما كانت عليه وهي تمر مر السحاب، أي تزول عن أماكنها (^٧).
_________________
(١) الحاقة: ١٣ - ١٥.
(٢) الكهف: ٤٧.
(٣) النبأ: ٦ - ٧.
(٤) النازعات: ٣٢.
(٥) طه: ١٠٥ - ١٠٧.
(٦) النمل: ٨٨.
(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٤٢، وتفسير السعدي: ٦١٠.
[ ٦٨٠ ]
قال تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ (^١)، فتزال الجبال عن أماكنها وذلك بصيرورتها هباء ثم ذهابها.
قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (^٢) فصارت كالدقيق.
وفتتت فصارت أرضًا، وقيل نسفت (^٣)، كما قال تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (^٤).
وهو الرمل الذي تحرك أسفله فينهال عليك من أعلاه (^٥).
فتبقى الأرض مستوية لا حجر فيها ولا شجر ولا انخفاض ولا ارتفاع فهي ظاهرة مكشوفة جميعها للرائي (^٦).
هذا وصف، ثم يعطي ﷾ وصفا آخر لما يحصل للجبال من عجائب قدرته تعالى وأن لا شيء وإن عظم بمستحيل مع قدرة الله تعالى فيقول - ﷿ -: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ (^٧)، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (^٨) والعهن هو: الصوف المصبوغ ألوانا، المنفوش: النفش: مدك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض (^٩).
هذه حال الجبال يوم القيامة وصفاتها المروعة بعد الصلابة والقوة والكبر
_________________
(١) الطور: ١٠.
(٢) الواقعة: ٥ - ٦.
(٣) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ١٧٦، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٣٠٥.
(٤) طه: ١٠٥.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٤٧، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٢٥٦.
(٦) انظر: تفسير القرطبي: ١١/ ٢٤٥.
(٧) المعارج: ٩.
(٨) القارعة: ٥.
(٩) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٦٥، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٤٦٨.
[ ٦٨١ ]
والكثرة تصير بهذه الصفات ثم يذهبها الله تعالى حتى يصبح لا أثر لها.
قال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (^٢).
" قال د. زغلول النجار -حفظه الله-: "فإن عملية ما يحدث للجبال يوم القيامة هو عملية غيبية غيبة مطلقة، ولا يمكن للعلم الكسبي أن يقول فيها شيئًا على الإطلاق، ولولا ما توافر لنا من هدي خاتم الأنبياء والمرسلين - ﷺ - في وصف كيفيات ما يحصل لها ما كان ممكنًا لنا أن نخوض في أمور غائبة عنا غيبة مطلقة كهذه الأمور" (^٣).
_________________
(١) النبأ: ٢٠.
(٢) التكوير: ٣.
(٣) تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ للدكتور زغلول النجار. موقع الدكتور زغلول النجار. http: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=٦٦ e ٠٧٥٣٨١ fbee ٨ ee ٢٧٤٩٠ f ٩٩٢ ab ٣٣١٢ d
[ ٦٨٢ ]
٣ - البحار:
من المشاهد المهولة في يوم القيامة تغير البحار عن طبيعتها المعهودة لما يحصل لها من أمر الله تعالى وذلك بخرابها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^١).
وقد ذكر المفسرون أقوالًا كثيرة لمعنى سجرت وكلها تعطي معنى للتغيرات العظيمة التي أرادها الله تعالى.
فقيل معنى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أي أوقدت فصارت نارا تضطرم.
وقيل: ملئت بأن صارت بحرا واحدا وكثر ماؤها.
وقيل أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت، وقيل فجرت فصارت بحرا واحدا.
وقيل: هو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته.
وقيل معنى سجرت: أنها صارت حمراء كالدم (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (^٣) "أي فتح بعضها على بعض، عندما تسوى الأرض بعد زوال الجبال وتصبح قاعا صفصفا، يذهب البرزخ الحاجز، والحجر الذي كان يمنع الماء من الفيضان على الأرض، فتتدفق المياه على بعضها، وهي نار تضطرم فتوجف القلوب وتضطرب من هذا المشهد المروع" (^٤).
_________________
(١) التكوير: ٦.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٣٠، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٣٣١، وتفسير الشوكاني المعروف بفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، تحقيق: د. عبدالرحمن عميرة، دار الوفاء، المنصورة، ط ٢: ٥/ ٥١٦.
(٣) الانفطار: ٣.
(٤) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤٤، وانظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٣٤١.
[ ٦٨٣ ]
أما النظرة العلمية المعاصرة فيقول د. زغلول النجار -حفظه الله- عن البحر المسجور: "من المعاني اللغوية للبحر المسجور هو المملوء بالماء، والمكفوف عن اليابسة، وهو معنى صحيح من الناحية العلمية صحة كاملة، كما أثبتته الدراسات العلمية في القرن العشرين، ومن المعاني اللغوية لهذا القسم القرآني المُبهِر أيضا أن البحر قد أُوقد عليه حتى حمي قاعه فأصبح مسجورًا، وهو كذلك من الحقائق العلمية التي اكتشفها الإنسان في العقود المُتأخِّرة من القرن العشرين، والتي لم يكن لبشر إلمام بها قبل ذلك أبدًا، وهذا ما نفصله في الأسطر التالية:
أولًا: " ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (^١) بمعنى المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة "
ثم ذكر دورة تكوّن مياه الأرض، ثم قال: "هذه الدورة المُحكَمة للمياه حول الأرض أدَّت إلى خزن أغلب ماء الأرض في بحارها ومحيطاتها، وإبقاء أقله على اليابسة، وبهذه الدورة للماء حول الأرض تملح ماء البحار والمحيطات، وبقيت نسبة ضئيلة على هيئة ماء عذب على اليابسة".
ثم ذكر: "أن الجليد المُتجمِّع فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال المُرتفِعة فوق سطحها إذا انصهر، وهذا لا يحتاج إلا إلى مجرد الارتفاع في درجة حرارة صيف تلك المناطق بحوالي خمس درجات مئوية، وإذا حدث ذلك فإن كم الماء الناتج سوف يؤدي إلى رفع منسوب المياه في البحار والمحيطات إلى أكثر من مائة متر، فيغرق أغلب المناطق الآهلة بالسكان والمُمتدَّة حول شواطئ تلك البحار والمحيطات ".
_________________
(١) الطور: ٦.
[ ٦٨٤ ]
ثم قال: "من هنا كان تفسير القسم القرآني بـ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ بأن الله
-تعالى- يمن علينا- وهو صاحب الفضل والمنة- بأنه ملأ منخفضات الأرض بماء البحار والمحيطات، وحجز هذا الماء عن مزيد من الطغيان على اليابسة منذ خلق الإنسان، وذلك بحبس كميات من هذا الماء في هيئات مُتعدِّدة أهمها ذلك السُمْك الهائل من الجليد المُتجمِّع فوق قطبي الأرض وعلى قمم الجبال، والذي يصل إلى أربعة كيلو مترات في قطب الأرض الجنوبي، وإلى ثلاثة آلاف وثمانمائة من الأمتار في القطب الشمالي، ولولا ذلك لغطى ماء الأرض أغلب سطحها، ولما بقيت مساحة كافية من اليابسة للحياة بمختلف أشكالها الإنسانية، والحيوانية، والنباتية، وهي إحدى آيات الله البالغة في الأرض، وفي إعدادها لكي تكون صالحة للعمران ".
وقد ذكر عن الحمم التي في النار أن العلم أثبت"سنة ١٩٦٢ أن قاع البحر يتسع من منتصفه، واتساع البحر صفة تلازم بحار العالم اليوم، وأحدث محيط وهو البحر الأحمر الذي يسمى المحيط الوليد (Baby Ocean) يتسع قاعه منذ نشأته باستمرار، ويبلغ معدل اتساعه السنوي حاليا ٤ - ٦ سم.
والمعروف بالمشاهدة أن الحمم تصعد، من تحت البحر، من عند الأماكن التي يتسع فيها البحر، وتبرد وتكون قاع البحار. ومن المؤكد أن تحت البحر نارًا، ومن المعلوم لدى علماء الجيولوجيا والبحار أن البحر الأحمر لم يكن له وجود في الزمن الماضي، وكانت أرض العرب وأرض أفريقية قطعة واحدة تشكل يابسة تسمى الأرض العربية النوبية، ثم خسفت الأرض عبر الخط الذي يمتد بمحاذاة منتصف البحر الأحمر الحالي. ومدت الأرض من هذا الموضع، وتصدعت وأخذ الخسف يكبر شيئا فشيئًا، وصاحبه هبوط الأرض، واتصل جوفها بسطحها، وصعدت الحمم من باطن الأرض، وبردت الحمم لتكون أول جزء من قاع البحر، وكانت تلك اللحظة
[ ٦٨٥ ]
شهادة ميلاد البحر. ومنذ تلك اللحظة والبحر يتسع باستمرار من منتصفه، ومنذ تلك اللحظة لا يتوقف صعود الحمم، ويظل البحر مسجورًا بالنار من منتصفه" (^١).
وقد ذكر كذلك الحقيقة المؤكدة أن قاع البحر مسجور، والدليل على ذلك حيد - حافة- وسط المحيط (^٢).
وفي مجلة الهيئة العلمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة"أن قاع البحر يسجر بالنار عند المنطقة الناتجة من تباعد القطعتين، ولا يكون البحر بحرًا إلا إذا كانت حالته أنه مسجور.
فالبحار مسجورة من منتصفاتها، ولكن بالقدر الذي يسمح لها بالوجود إلى أن يأتيها الأمر فتسجر وتفجر ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^٣)، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (^٤). وحينئذ ستمد الأرض مدًا من منتصفات قيعان البحار، وتصعد الحمم من عندها فتملأ البحر نارًا وحينئذ تسجر البحار، وتمد البحار من منتصفاتها فتخرج أثقال الأرض، وحينئذ تفجر البحار ويكون قد تحقق قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (^٥) " (^٦).
_________________
(١) "والبحر المسجور" للدكتور: زغلول النجار، موقع الدكتور زغلول النجار. www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=f ١٧٥٨٥٩٢٧٨٣٩٣٦٠ a ٤٩ ife ٩٦٤٦٠٨٩٦٠٦٧
(٢) المرجع السابق.
(٣) التكوير: ٦.
(٤) الانفطار: ٣.
(٥) الانشقاق: ٣ - ٥.
(٦) البحر المسجور واتساع قاع البحر، مجلة الهيئة العلمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة، العدد (٢٧)، وموقع الهيئة. http: //www.eajaz.org/arabic/؟ option=com_content&view=article&id=٧٩٧&catid=٨٥: ٢٧
[ ٦٨٦ ]
والتفسير الثاني للبحر المسجور: يقول الدكتور زغلول النجار: "بمعنى القائم على قاع أحمته الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض فجعلته شديد الحرارة " (^١).
ثم ذكر قيعان محيطات الأرض وما فيها وما يحصل لها وما ينتج منها من توسع وأنه "يصاحب كل من عمليتي توسع قاع المحيط في محوره الوسطي، واصطدامه عند أطرافه بعدد من الهزات الأرضية، والثورات والطفوح البركانية " (^٢).
ثم ذكر تكون سلاسل من الصخور البركانية، وما يحصل من اندفاع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان وأنه"مع تجدد اندفاع الصهارة الصخرية عبر مستويات هذه الصدوع العملاقة يتسع قاع المحيط باستمرار، وتتجدد مادته بدفع الصخور القديمة في اتجاه شاطيء المحيط يمنة ويسرة، ليحل محلها أحزمة أحدث عمرا تتكون من تجمد تلك الصهارة الجديدة، وتترتب بصورة متوازية علي جانبي أغوار المحيطات والبحار، ويهبط كل جانب من جانبي قاع المحيط المتسع بنصف معدل اتساعه الكلي تحت كل قارة من القارتين أو القارات المحيطة بشاطئيه، وبذلك يمتليء محور المحيط بالصهارة الصخرية الحديثة المندفعة عبر مستويات الصدوع الممزقة لقاعه فتسجره، بينما
_________________
(١) والبحر المسجور للدكتور زغلول النجار، موقع الدكتور زغلول النجار. http: //www.eajaz.org/arabic/index.php؟ option=com_content&view=article&id=٢٤٣: --٦&catid=١١٢: ٢٠١٠ - ٠٨ - ٢٤ - ٢٢ - ٣٤ - ٤١&Itemid=٩٧ وانظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: ٣٠/ ٦٠٣.
(٢) المرجع السابق.
[ ٦٨٧ ]
تندفع الصخور الأقدم بالتدريج في اتجاه الشاطئين حيث توجد أقدم صخور ذلك القاع، والتي تستهلك باستمرار تحت القارات المحيطة
بذلك ثبت لكل من علماء الأرض والبحار - بالأدلة المادية الملموسة - أن كل محيطات الأرض (بما في ذلك المحيطان المتجمدان الشمالي والجنوبي)، وأن أعدادا من بحارها (من مثل البحر الأحمر)، قيعانها مسجرة بالصهارة الصخرية المندفعة بملايين الأطنان من داخل الأرض عبر شبكة الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بالكامل وتصل إلى نطاق الضعف الأرضي، وتتركز هذه الشبكة من الصدوع العملاقة أساسا في قيعان البحار والمحيطات" (^١).
وفي الختام يجب أن نعلم كما ذكرنا سابقا (^٢) " أن يوم القيامة من الأمور الغيبية التي لا يصح الكلام فيها إلا بدليلٍ من الكتاب أو السنة .. كما أنّ الآخرة لا تنطبق عليها نواميس الدنيا .. فلها نواميس مختلفة، ولذلك لا يصح أن نطبق قوانين الدنيا على الآخرة .. وإنّما نصدق بما جاءنا عن رسولنا الكريم صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا .. ولا نخوض في أشياءٍ غيبية لا نعرفها .. لأن هذا من القول بغير علمٍ" (^٣).
وقد قال ﷾: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^٤).
_________________
(١) المرجع السابق، وانظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: ٣٠/ ٦٣.
(٢) ص: ٦٠٦.
(٣) موسوعة الإعجاز العلمي ليوسف الحاج: ٤٠٤.
(٤) الإسراء: ٣٦.
[ ٦٨٨ ]