وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
المبحث الأول: أنواع الأسباب.
المبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة.
المبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية.
المبحث الرابع: العلم بوقت حدوث هذه الآيات الكونية وأسبابها الحسية لا ينافي كونها آية من آيات الله.
[ ١٧٩ ]
تمهيد
الأسباب جمع سبب، والسبب في اللغة يطلق على عدة معان (^١):
فقد يقصد به ما يتوصل به إلى غيره، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (^٢).
وقد يأتي بمعنى الحبل، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ (^٣) أي بحبل (^٤). وهو من الحبال القوي الطويل.
وقد يأتي بمعنى الباب، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ (^٥) أي أبواب السماوات (^٦).
وقد يأتي بمعنى الشفيع، كما في قولهم: "وجعلت فلانًا لي سببًا إلى فلان في حاجتي"، أي وصلة وذريعة.
وقد يأتي بمعنى الحياة، كما في قولهم: " قطع الله به السبب"، أي الحياة؛ لأنه يتوصل به إلى المقصود.
وقد يأتي بمعنى المودة، يقال: تقطعت بهم الأسباب أي الوصل
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة: ١٢/ ٣١٣ - ٣١٤، ولسان العرب: ٣/ ١٩١٠ - ١٩١١، والقاموس المحيط: ٨٩، مادة سبب، ونزهة الأعين النواظر في علم الأشباه والنظائر لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق: محمد بن عبد الكريم الراضي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣: ١٣٥.
(٢) الكهف: ٨٤.
(٣) الحج: ١٥.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ١٧/ ١٤٩، وتفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٦ - ١٠٧، وتفسير السعدي: ٣/ ٩٨١.
(٥) غافر: ٣٦ - ٣٧.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٧٦، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٨٦.
[ ١٨١ ]
والمودات، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (^١).
وقد يأتي بمعنى الطريق؛ لأنه بسلوكه يوصل إلى الموضع الذي تريد (^٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (^٣) الآية.
والخلاصة أن السبب في اللغة معناه: كل ما يتوصل به إلى المقصود.
والسببية تعني العلاقة بين السبب والمسَبَّب (^٤).
وفي الاصطلاح عند الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته.
فهو أمر ظاهر منضبط، جعله الشارع علامة على مسبَّبه، ويلزم من وجوده وجود المسبَّب، ومن عدمه عدمه لذاته (^٥).
_________________
(١) البقرة: ١٦٦.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ١٧/ ١٤٩، وتفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٦ - ١٠٧.
(٣) الكهف: ٨٤ - ٨٥.
(٤) المعجم الوسيط، طبعة مكتبة الشروق، ط ٤: ٤١٢.
(٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن محمد الآمدي، تعليق: الشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي، الرياض، ط ١: ١/ ١٧٠، وشرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول لأحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: محمد الشاغول، المكتبة الأزهرية، القاهرة، ٢٠٠٥ م: ٧٦، وشرح الكوكب المنير لمحمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار، تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز، مكة، ١٤٠٠: ١/ ٤٤٥، وإتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لعبد الكريم بن علي النملة، دار العاصمة، الرياض، ط ١: ٢/ ٢١٨.
[ ١٨٢ ]
أنواع الأسباب من حيث الظهور
النوع الأول: أسباب غير ظاهرة (خفية)
المبحث الأول: أنواع الأسباب
تنقسم الأسباب إلى نوعين (^١):
النوع الأول: أسباب حسية:
وهي الأسباب التي عرفت عن طريق الحس (^٢) والتجربة، مثل الأدوية، وحصول الكسوف بسب وقع القمر بين الشمس وبين أبصار الناس (^٣)، ونزول المطر عند تراكم السحب.
النوع الثاني: أسباب شرعية:
وهي الأسباب التي يكون الأصل في اعتبارها أسبابًا النصوص الشرعية، كحصول الكسوف تخويفًا من الله لعباده، ونزول المطر بسب الاستغفار.
وتنقسم الأسباب من حيث الظهور والخفاء إلى نوعين:
النوع الأول: أسباب غير ظاهرة (خفية): وهي ما كان من علم الغيب الذي استأثر الله به، ولا يمكن أن تعلم إلا عن طريق الشرع، كولادة عيسى - ﵇ - من غير أب حيث كانت من غير سبب ظاهر موجب للحمل، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٥/ ١٠٥، وإعلام الموقعين: ٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤، والتشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي لعبد القادر عودة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٥: ١/ ٤٥١، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ١/ ١١٠، ١٦/ ٢٨٩، والشرح الممتع على زاد المستقنع لمحمد بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٥/ ١٧٦، .
(٢) الحس: هو الدليل المأخوذ من الرؤية البصرية أو السمع أو الذوق أو الشم. الصحاح: ٤/ ٥٥.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٥/ ١٨٥.
[ ١٨٣ ]
النوع الثاني: أسباب ظاهرة
أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١).
النوع الثاني: أسباب ظاهرة: وهي ما كان معلومًا بالتجربة والحس (^٢)، كولادة عموم الناس.
وقد يجتمع في الشيء الواحد سبب ظاهر وسبب خفي، فالكسوف والخسوف لهما أسباب ظاهرة يعلمها الناس عن طريق الحساب وعلوم الفلك، ولهما أسباب غير ظاهرة لا تعلم إلا عن طرق الشرع، فهما آيتان يخوف الله بهما عباده (^٣).
ولا تنافي بينهما - أي السبب الظاهر والخفي-؛ لأن الأمور العظيمة كالخسف بالأرض، والزلازل، والصواعق، وشبهها التي يحس الناس بضررها، وأنها عقوبة، لها أسباب طبيعية يقدرها الله حتى تكون المسبَّبات، وتكون الحكمة من ذلك هي تخويف العباد، فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، والبراكين لها أسباب، والعواصف لها أسباب، لكن يقدر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٤)، "ولكن تضيق قلوب كثير من الناس عن الجمع بين السبب الحسي والسبب الشرعي، وأكثر الناس أصحاب ظواهر لا يعتبرون إلا بالشيء الظاهر" (^٥).
_________________
(١) آل عمران: ٤٧.
(٢) انظر: الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، مؤسسة الريان، بيروت، ط ١: ٣٠٥.
(٣) انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ١٦/ ٢٨٩.
(٤) الروم: ٤١.
(٥) الشرح الممتع على زاد المستقنع: ٥/ ١٧٧.
[ ١٨٤ ]
أولًا: أسباب شرعية
ثانيا: أسباب مباحة
ثالثا: أسباب غير شرعية
المبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة - حكمها-
تنقسم الأسباب في الشريعة إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: أسباب شرعية: وهي التي حثت الشريعة على العمل بها ودعت إليها، كالرقية الشرعية، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (^١)، قال تعالى عن هود - ﵇- أنه قال: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى عن العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (^٣).
ثانيا: أسباب مباحة: وهي الأسباب التي عرفت عن طريق القدر (^٤) - التجربة-، ولم يكن بها مخالفة شرعية، وأن يكون أثرها ظاهرًا مباشرًا، مثل الأدوية.
وهذان الشرطان حتى لا يقول أحد أني جربت هذا الأمر فوجدته نافعًا، كمن يلبس الحلقة ويعتقد أنها تنفع أو تضر فينتفع (^٥).
ثالثا: أسباب غير شرعية: وهي الأسباب التي جاءت الشريعة بتحريمها أو لم يثبت كونها أسبابًا عن طريق القدر - التجربة- (^٦).
_________________
(١) فصلت: ٤٤.
(٢) هود: ٥٢.
(٣) النحل: ٦٩.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٥٦، ٤٢٦، وفتاوى اللجنة الدائمة: ٨/ ٣٢٢.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى: ١/ ١٣٧، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ٢: ١/ ١٦٤.
(٦) انظر: الموافقات: ١/ ٣٠٧.
[ ١٨٥ ]
وقد تكون هذه الأسباب شركًا أكبر، أو شركًا أصغر، أو محرمة (^١).
فتكون شركًا أكبر إذا كان السبب خفيا لا تأثير له إطلاقا، كأن يعتقد أن هذا النجم يفعل بذاته، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا النجم تصرفا في الكون.
وتكون شركًا أصغر إذا اعتقد سببًا لم يثبت كونه سببًا لا شرعا ولا حسا; فهذا نوع من الشرك الأصغر، كأن يعتقد أن دخول النجم الفلاني سبب في نزول المطر; لأنه أثبت سببا لم يجعله الله سببا، فكان مشاركا لله في إثبات الأسباب (^٢)، ولأن الأسباب قد يكون ارتباطها بمسبباتها ارتباطًا غيبيًا لا يدرك فكيف يقال: إن هذا الشيء سبب لهذا الشيء وهو غير محسوس؟ ففيه نوع من ادعاء علم الغيب.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٣)، فسمى الله من يشرع أقوالا وأفعالا وأحكاما لم يأذن بها الله سماهم شركاء، فمن جعل سببا بسبب وهو ليس بسبب شرعي أو قدري كوني فقد وقع في الشرك الأصغر، لأن الله ﷾ لم يأمرنا بهذه الأسباب، فكأنه شرع أسبابًا لم يأذن الله بها (^٤).
أو "أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع الغفلة عن المسبِّب، وهو الله - ﷿ - وعدم صرف قلبه إليه; فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شركًا
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ١/ ٣٢١.
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٧: ٤٥٤ - ٤٦٠، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد: ٢/ ٢٠٣.
(٣) الشورى: ٢١.
(٤) انظر: الموافقات: ١/ ٣٤٤.
[ ١٨٦ ]
انواع الناس فى الحكم على الاسباب
الأول: من ينكر الأسباب
أكبر; لأن هذا السبب جعله الله سببا" (^١).
فعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - أنه قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف، أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب " (^٢).
فإضافة الآية إلى السبب على أنه فاعل بذاته أو أنه سبب ولم يجعله الله سببًا فهذا إخلال بتوحيد الربوبية (^٣).
فإذا اعتقد أن الكوكب يفعل بذاته فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه سبب فهو شرك أصغر.
وتكون الأسباب محرمة إذا استعمل ما حرمه الله لجلب منفعة أو دفع مضرة، فعن طارق بن سويد الجعفي - ﵁ - أنه سأل النبي - ﷺ - عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء " (^٤).
والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول: من ينكر الأسباب، وأنه ليس لها تأثير البتة وهذا فيه مكابرة للمعقول.
_________________
(١) القول المفيد: ١/ ١٨٣.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم: ١٧٢، برقم (٨٤٦).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٦٧، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد: ٢/ ٢٠٢.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر: ٣/ ١٥٧٣ برقم (١٩٨٤).
[ ١٨٧ ]
الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب
الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعل ما ليس بسبب سببًا، بل جعل بعضهم الأسباب فاعلة بذاتها وهذا شرك بالله تعالى.
الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله، سواء كان سببًا شرعيًا أو كونيًا (^١).
فإنكار الأسباب بالكلية قدح في الشرع والالتفات والاعتماد عليها بالكلية شرك أكبر والأخذ بها مع التوكل على الله هو دين الإسلام (^٢)، قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^٣).
قال ابن القيم - ﵀ -: " وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد، فالالتفات إلى الأسباب ضربان: أحدهما: شرك، والآخر: عبودية وتوحيد، فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها، ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبِّب لها، ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها، وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها فهذا الالتفات عبودية وتوحيد، إذا لم يشغله عن الالتفات إلى المسبِّب.
وأما محوها أن تكون أسبابا فقدح في العقل والحس والفطرة، فإن أعرض عنها بالكلية كان ذلك قدحا في الشرع وإبطالا له.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٦٨، والرد على المنطقيين: ٣٠٥، ومفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩٢، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد: ١/ ١٦٤، وكسوف الشمس بين التخويف والتزييف لذياب بن سعد الغامدي، مكتبة المزيني، الطائف، ط ١: ٤٩.
(٢) انظر: إحياء علوم الدين: ٤/ ٢٩٠، ٢٩٥، ومجموع الفتاوى: ٨/ ١٧٥، ٥٢٧، ومنهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط ١: ٥/ ٣٦٦.
(٣) يوسف: ٦٧.
[ ١٨٨ ]
وحقيقة التوكل القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبِّب، واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منعها اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه" (^١).
ثم قال - ﵀ -: " فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب استقام قلبك على السير إلى الله، ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم" (^٢).
إلى أن قال - ﵀ -: " وقد جمع النبي - ﷺ - بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" (^٣)، فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبِّب، ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها، فالدين كله، ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوية" (^٤).
ثم إن الإيمان بالقدر لا ينافي فعل الأسباب، وما سبق في علم الله وحكمه لا ينافي إثباتها، ولا يقتضي إسقاطها، قال ابن القيم - ﵀ -: " وما سبق به علم الله وحكمه حق، وهو لا ينافي إثبات الأسباب ولا يقتضي إسقاطها، فإنه سبحانه قد علم وحكم أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا، فسبق العلم
_________________
(١) مدارج السالكين: ٣/ ٤٩٩.
(٢) المصدر السابق: ٣/ ٥٠٠.
(٣) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله: ٤/ ٢٠٥٢ برقم (٢٦٦٤).
(٤) مدارج السالكين: ٣/ ٥٠١. وانظر: مجموع الفتاوى: ٨/ ١٧٥، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم، تحقيق: مصطفى أبو النصر الشلبي، مكتبة السوادي، جدة، ط ٢: ٢/ ٨٢.
[ ١٨٩ ]
والحكم بحصوله عن سببه، فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه، فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق؛ بل كان شهوده غيبة ونظره عمى، فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره" (^١).
بل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع، وهو حاصل بالقدر، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى الشام وعلم في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون، فاستشار الصحابة - ﵃ - هل يستمر ويمضي في سيره، أو يرجع إلى المدينة؟ .
فاختلف الناس عليه، ثم استقر رأيهم على أن يرجع إلى المدينة، ولما عزم على ذلك جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح - ﵁ - فقال: يا أمير المؤمنين، " كيف ترجع إلى المدينة؟ أفرارا من قدر الله"؟ . فقال عمر - ﵁ -: " نفر من قدر الله إلى قدر الله "، ثم بعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - وكان متغيبًا في بعض حاجته، فحدثهم أن النبي - ﷺ - قال عن الطاعون: " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" (^٢).
ولما سُئل الرسول - ﷺ -، أريت رقى نسترقيها، وأدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: "هي من قدر الله" (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ٣/ ٥٠٠.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون: ١١٢٣ برقم (٥٧٢٩)، وانظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٢/ ٨٣ - ٨٤.
(٣) رواه الترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى والأدوية: ٣٤٣ برقم (٢٠٦٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء: ٣٧٢ برقم (٣٤٣٧).
[ ١٩٠ ]
فبين - ﷺ -: " أن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من قدر الله ليس القدر مجرد دفع المكروه بلا سبب" (^١).
فالمسلم يأخذ بالأسباب؛ لأنه مأمور بالأخذ بها، ويعمل وفق السنة لأنه مأمور بمراعاتها، لا لأنه يعتقد أن الأسباب والوسائل هي المنشئة للمسببات والنتائج، فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب، ويتعلق به وحده من وراء الأسباب، بعد أداء الواجب والسعي والعمل واتخاذ الأسباب امتثالًا وطاعة لأمر الله (^٢).
ويعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل أثره، ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله - ﷿ - (^٣).
ويعلم أن الأخذ بالأسباب بمسبباتها، فربط المطر بوجود السحاب، وربط إنجاب الولد بالزواج، وربط دخول الجنة بالعمل الصالح، فالمسبَّب لا يقع إلا إذا وقع سببه، لكن قد يقع السبب، ويختلف عنه سببه لحكمة يعلمها الله تعالى، فقد يوجد السحاب ولا يوجد المطر، لكن لا يوجد مطر إلا بسحاب، وقد يوجد الزواج ولا يوجد الولد، لكن لا يوجد ولد إلا بجماع بالأسباب المعتادة.
"ذلك أن شأن الأسباب تحصل عند مسبباتها، وقد يختلف ذلك بمعارضة أسباب أخرى مضادة لتلك الأسباب الحاصلة في وقت واحد، أو لكون السبب الواحد قد يكون سببًا لأشياء متضادة باعتبارات فيخطئ تعاطي السبب
_________________
(١) رسالة في تحقيق التوكل لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن جامع الرسائل، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، ط ١: ٩٤.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى: ١/ ١٣٧، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم، تحقيق: محمد جميل غازي، مطبعة المدني: ١٨.
(٣) القول المفيد في شرح كتاب التوحيد: ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
[ ١٩١ ]
في مصادفة المسبب المقصود" (^١).
ثم إن الله - ﷿ - وإن كان خالقًا للأسباب التي تترتب عليها مسبَّباتها حسب سننه تعالى، فإن ما كان منها شرًا فإنه لا ينسب إليه سبحانه كما قال - ﷺ -: " والخير كله في يديك والشر ليس إليك" (^٢).
فالسبب" قبيحا من فاعله فلا يقتضى أن يكون قبيحا من خالقه، كما أن كونه أكلا وشربا لفاعله لا يقتضى أن يكون كذلك لخالقه؛ لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره، كما أنه إذا خلق لغيره لونا وريحا وحركة وقدرة وعلمًا كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاما أو صلاة أو صياما أو طوافا كان ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام وهو المصلي وهو الصائم وهو الطائف، وكذلك إذا خلق في غيره رائحة خبيثة منتنة كان هو الخبيث المنتن ولم يكن الرب تعالى موصوفا بما خلقه في غيره" (^٣).
_________________
(١) تفسير التحرير والتنوير: ١٣/ ٢١ - ٢٢، وانظر: مجموع الفتاوى: ٨/ ٧٠، ١٣٣، وكلاما كثيرا لعلماء الطبيعة في تخلف الأسباب عن المسببات، وأن هذا أمر معروف، في كتاب الشواهد والنصوص من كتاب الأغلال على ما فيه من زيغ وكفر وضلال بالعقل والنقل لمحمد بن عبد الرزاق حمزة، نشر: عبد الله محمد بابا الشنقيطي: ٢٦ - ٣٥.
(٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه: ١/ ٥٣٥ برقم (٧٧١).
(٣) منهاج السنة النبوية: ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وانظر مجموع الفتاوى: ٨/ ١٢٣.
[ ١٩٢ ]
المبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية
الكون كله أشياءه وأحياءه من خلق الله وإبداعه، أراده الله سبحانه فكان، وليس لشيء ولا لحي في هذا الكون من أمر الخلق ولا التدبير ولا المشاركة شيء بحال، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^١).
كما أن هذا الكون قائم على أساس العدل والحق والنظام والإحكام، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (^٣).
فهذا الكون العظيم خاضع لسنن تحكمه فتقوده لحكم عالية، وأغراض سامية، فليس بين هذه الأحداث والحوادث الجارية في هذا الكون ما هو خال عن حكمة متوخّاة، ولا ما هو جار على غير سنن ثابته تربطه بكل أجزاء الحياة، فكل هذا الكون يتم على مقتضى التقدير الأزلي الذي هو القضاء والقدر.
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ
_________________
(١) سبأ: ٢٢ - ٢٣.
(٢) الدخان: ٣٨ - ٣٩.
(٣) ص: ٢٧.
[ ١٩٣ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (^١).
وفي آيات الله الكونية حقائق كثيرة تقف العقول حيارى أمامها، وقد تشهد آثارها ولا تستطيع تعرف كنهها، كحقيقة الروح والعقل.
"فمن أراد أن ينظر في خلق الله وقدرته عليه أن يذكر هذه الحقيقة، وهي ثبوت الحق والحكمة والنعمة في جميعها، وإمكان عجز عقله في بعض المواضع والأحوال عن إدراكها، فيكون عمله في خلق الله هو النظر والبحث والتحليل والاكتشافات واستجلاء الحقائق الكونية، واستخراج الفوائد العلمية والعملية إلى أقصى حد توصله إليه معلوماته وآلاته، حتى إذا انتهى إلى مشكل استغلق عليه اعترف بعجزه" (^٢).
وقد دل القرآن على أن كل شيء يحدث بسب سواء كان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان أو بالأجرام السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة"فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسب، والله خالق الأسباب والمسبَّبات" (^٣).
فمن الأسباب المادية قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٤). ومن الأسباب المعنوية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) الأنعام: ١.
(٢) مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لعبد الحميد بن باديس، نشر وزارة الشؤون الدينية الجزائرية: ٣٦١.
(٣) مجموع الفتاوى: ٨/ ٧٠.
(٤) البقرة: ٢٢.
(٥) الأعراف: ٩٦.
[ ١٩٤ ]
والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية على الأسباب بطرق متنوعة (^١).
والحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية فلابد لها من أسباب متقدمة عليها، بها تقع في مستقر العادة، وعنها يتم كونها.
وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضا، فلابد له من أسباب أخر، ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (^٢).
"وتلك الأسباب في ارتقائها تتفسح وتتضاعف طولا وعرضا ويحار العقل في إدراكها وتعديدها، فإذن لا يحصرها إلا العلم المحيط" (^٣) - أي علم الله - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٤).
ولا فرق في ذلك بين الحادث الذي يقع مرة واحدة، والحادث الذي يقع ملايين المرات فكلها تتوقف في بادئ الأمر على إرادة الخلق والإنشاء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٥)، فالخالق
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين: ٣/ ٤٩٨، والجواب الكافي: ١٩.
(٢) الزمر: ٦٢.
(٣) مقدمة ابن خلدون لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، دار نهظة مصر، القاهرة، ط ٤: ٣/ ٩٩٦، وانظر قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن لنديم الجسر: ٦٧، لبنان.
(٤) الطلاق: ١٢.
(٥) يس: ٨٢.
[ ١٩٥ ]
هو الله - ﷿ -، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٢).
وقد جعل الله - ﷿ - لهذه الآيات الكونية أسبابًا حسية وشرعية، جاء ذكرها في القرآن الكريم:
فالأسباب الكونية: هي ما أجراه الله من العادة من تعلق المسببات بأسبابها، فتراكم السحب سبب لنزول المطر، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (^٣).
وفي بعض الظواهر الجوية جاء قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٤).
وفي أطوار النبات جاء قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٥).
وفي اختلاف الليل والنهار جاء قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ
_________________
(١) الفرقان: ٢.
(٢) القمر: ٤٩.
(٣) فاطر: ٩.
(٤) النور: ٤٣ - ٤٤.
(٥) الزمر: ٢١.
(٦) الإسراء: ١٢.
[ ١٩٦ ]
اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^١).
أما الأسباب الشرعية فإن الاستغفار من أسباب نزول المطر، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (^٢).
والتقوى من أسباب فتح بركات السماء والأرض، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٣).
والظلم والمعصية من أسباب فساد البر والبحر، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٤).
أما الأسباب الأخرى الباطلة فإنها لا أثر لها في الآيات الكونية، ولا تعلق لها بالسعود ولا النحوس كما يزعم الكهان ونحوهم، فعن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يخبر عن النبي - ﷺ -: " أن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا" (^٥).
قال الخطابي (^٦) - ﵀ -: " كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب
_________________
(١) يس: ٣٧ - ٤٠.
(٢) نوح: ١٠ - ١٢.
(٣) الأعراف: ٩٦.
(٤) الروم: ٤١.
(٥) سبق تخريجه: ٥.
(٦) هو أبو سليمان حَمْد - بسكون الميم- بن محمد بن إبراهيم الخطابي، من علماء الشافعية والمحدثين، من مصنفاته: معالم السنن، وغريب الحديث، وأعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، توفي عام ٣٨٨. انظر: سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٢٣، وشذرات الذهب: ٤/ ٤٧١.
[ ١٩٧ ]
حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي - ﷺ - أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما" (^١).
وقد اقتضت حكمة الله ترتيب المسبَّبات على الأسباب، "مع الاستغناء عنها إظهارًا للقدرة، وإتمامًا لعجائب الصنعة، وتحقيقًا لما سبقت به المشيئة، وحقت به الكلمة وجرى به القلم" (^٢)، وهذا لا يعني رفض مبدأ السببية بل ينبغي الإقرار بأن لكل سبب نتيجة (^٣).
فالله يأمرنا أن نأخذ بالأسباب وأن نتبع هذه السنن ونفوض أمرنا إليه وحده
لا شريك له.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (^٤).
فسنن الله المادية وأسبابها ثابتة لكن الله - ﷿ - إذا شاء أن يخرقها خرقها. فقد يوجد المسبَّب بدون السبب المعتاد، فيحصل الولد بدون جماع، مثل
_________________
(١) أعلام الحديث: ١/ ٦١٠.
(٢) إحياء علوم الدين: ٢/ ٣٢.
(٣) انظر: كبرى اليقينيات الكونية: ٢٨٦.
(٤) الواقعة: ٦٣ - ٧٤.
[ ١٩٨ ]
خلق آدم - ﵇ - من غير أب ولا أم، وولادة عيسى ابن مريم - ﵇ - من غير أب، فإن الله - ﷿ - يخلق السبب، ويخلق بالسبب، ويخلق بغير السبب، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١)، وفي هذا بيان لقدرة الله تعالى على إيجاد المسبَّبات العاديات من غير سبب ظاهر.
والنار تحرق بإذنه ﷾، فإذا أمرت أن تمتنع من الإحراق امتنعت كنار إبراهيم - ﵇ -، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٢).
والماء مغرق، فإذا أمر أن يمتنع من الإغراق امتنع، وإذا أمر أن يغرق أغرق كإغراقه فرعون وقومه، ومنعه من إغراق موسى - ﵇ - وقومه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) آل عمران: ٥٩.
(٢) الأنبياء: ٦٩.
(٣) البقرة: ٥٠.
[ ١٩٩ ]
المبحث الرابع: العلم بوقت حدوث هذه الآيات الكونية وأسبابها الحسية
لا ينافي كونها آية من آيات الله
لا بد من التفريق بين ما يكون علمًا قائمًا على أصول مدروسة ثابتة، وبين ما يكون مجرد أوهام وظنون كاذبة. ولهذا التفريق أهمية في معرفة الحق من الباطل، وخصوصًا في هذا العصر إذا علمنا أن فريقًا من المنجمين يموهون على الجهال بأمر العلم بوقت حدوث بعض الآيات الكونية، ويخبرونهم بوقته، فإذا رأوا صدقهم في هذا ظنوا أن قضاياهم وأحكامهم النجومية من السعد والنحس، والظفر والغلبة، وما شابه ذلك من جنس توقع الكسوف، فيصدقهم الناس بكل ما يخبرون به، فيكذبون معه مائة كذبة، والمبطل لا يستطيع غالبًا نشر باطله إلا بشوب من الحق لأن الباطل المجرد مكشوف فلا بد من التغطية والتعمية (^١)، ولم يعلم هؤلاء أن الإخبار عن هذا يختلف عن الإخبار عن الآخر.
ولحدوث الآيات الكونية أسباب حسية وأسباب شرعية، ولا تعارض بينهما، ولا بين معرفة وقوع الآية الكونية وبين كونها آية من آيات الله، فمعرفة وقوع الآية له أسباب حسية يمكن معرفتها، كمعرفة نزول المطر، والكسوف والخسوف، فهي ليست من الأمور الغيبية بالنسبة لكل أحد، بل غيبي بالنسبة لمن لا يعرف علم حساب سير الكواكب، وليس بغيبي بالنسبة لمن يعرف ذلك العلم؛ لكونه يستطيع أن يعرفه بسبب عادي، وهو هذا العلم، ولا ينافي ذلك كونها آية من آيات الله تعالى، التي يخوف بها عباده ليرجعوا إلى ربهم،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٩٠.
[ ٢٠٠ ]
ويستقيموا على طاعته (^١).
فالله - ﷿ - قدر هذه الآية الكونية، وقدر سيرها وانتظامها واجتماعها في وقت معين، ويحدث بها من التغيرات ما يشاء، ولا يشركه في ذلك أحد، مما يدل على أنها آية من آيات الله، فإذا رأى الناس هذه الآيات وتغيراتها، عرفوا قدرة من خلقها وسيّرها، فعبدوه وحده، وخافوه دون غيره، واستحضروا عظمته وجلاله وكبرياءه (^٢).
عن عائشة - ﵂ - قالت: كان النبي - ﷺ - إذا رأى مخيلة (^٣) في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سري عنه (^٤)، فعرفته عائشة - ﵂ - فقال النبي - ﷺ -: " وما أدري لعله كما قال قوم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ (^٥) الآية" (^٦).
لكن ينبغي عدم الجزم بوقوع الآية (^٧)؛ لان من يخبر بوقوع الآية الكونية لا يكون مصيبًا في جميع الأوقات، بل قد يخطئ في حسابه، ولا يلزم تصديقه على كل حال (^٨).
_________________
(١) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة: ٨/ ٣٢٢.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ١٦/ ٢٩٩، ٣٤٢ - ٣٤٧.
(٣) المخيلة: موضع الخيل، والمراد هنا السحابة الخليقة بالمطر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير المبارك ابن محمد الجزري، تحقيق: طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت: ٢/ ٩٣.
(٤) أي: كشف عنه الخوف. المصدر السابق: ٢/ ٣٦٤.
(٥) الأحقاف: ٢٤.
(٦) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: ٦١٦ برقم (٣٢٠٦).
(٧) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٥٨، ومجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، جمع: الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، ط ٢: ١/ ١٦٨ - ١٧٠.
(٨) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لعبد الله بن محمد الغنيمان، دار العاصمة، الرياض، ط ٢: ١/ ١٠٠.
[ ٢٠١ ]
والله تعالى هو المتفرد بعلم الغيب والجزم بوقوع شيء غائب على سبيل التحقيق من ادعاء علم الغيب الذي نهى الله عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^١).
قال القرطبي (^٢) - ﵀ -: " قال علماؤنا: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتاب الله، إلا من اصطفى من عباده فمن قال: إنه ينزل الغيث غدًا وجزم به فهو كافر، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا" (^٣)؛ لادعائه لعلم استأثر الله به، أما إذا لم يجزم بذلك، وجعل هذا الحكم بحسب العادة والتجربة فلا يكفر ولا يفسق، بل يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى أجرى العوائد، وجعل لبعض المغيبات علامات تدل عليها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^٤).
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) الأنعام: ٥٩.
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي المالكي المفسر، من مصنفاته: الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة بأمور الآخرة، والكتاب الأسنى في أسماء الله الحسنى، وغيرها من الكتب، توفي عام ٦٧١. انظر: الديباج المذهب لمعرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي، تحقيق: محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث، القاهرة، ط ٢: ٢/ ٢٤٣، وشذرات الذهب: ٧/ ٥٨٤.
(٣) تفسير القرطبي: ٧/ ٢.
(٤) الأعراف: ٥٧.
(٥) الروم: ٤٦.
[ ٢٠٢ ]
فالله تعالى جعل هذا النوع من الرياح علامة على المطر، وأرشدنا إلى ذلك.
وقد روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال للعباس بن عبد المطلب - ﵁ - حين استسقى به: يا عم رسول الله - ﷺ -: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد سقوطها، فما مضت سابعة حتى مطروا، فقال عمر: الحمد لله، هذا بفضل الله ورحمته (^١).
قال القرطبي - ﵀ - تعالى: "وكأنّ عمر - ﵁ - قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل فسأله عنه: أخرج أم بقيت منه بقية؟ " (^٢).
_________________
(١) السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٣، مصورة عن دائرة المعارف العثمانية: ٣/ ٣٥٩، وتفسير الطبري: ٢٧/ ٢٤٣، قال الذهبي: حسن غريب، انظر: المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي، أختصره محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، دار الوطن، الرياض: ٣/ ١٢٨٦.
(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٣٠.
[ ٢٠٣ ]