وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى
المبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى
[ ٦٠١ ]
الأشراط في اللغة والاصطلاح
أقسام أشراط الساعة
تمهيد
أخبر الله - ﷿ - أن للساعة علامات، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ (^١).
و" أشراطها أي أماراتها وعلاماتها" (^٢).
والأشراط في اللغة:
جمع شرط بالتحريك، والشرط العلامة، وأشراط الساعة أي علاماتها، وأشراط الشيء أوائله، ومنه شُرط السلطان، وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من مجموع جنده (^٣).
وفي الاصطلاح:
هي العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل على قدومها (^٤).
وتنقسم أشراط الساعة إلى قسمين (^٥):
الأول: أشراط الساعة الكبرى:
وهي التي تظهر قرب قيام الساعة، وإذا ظهر أولها تتابعت سريعًا، وتكون غير معتادة الوقوع.
_________________
(١) محمد: ١٨.
(٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٤٠.
(٣) انظر: الصحاح: ٣/ ١٣٦، والنهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٦٠.
(٤) الجامع لشعب الإيمان: ٢/ ١٨٩، والمنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٤٢٢.
(٥) انظر: فتح الباري: ١٣/ ٩١، ومقدمة الدكتور محمد العقيل في تحقيقه لكتاب القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للسخاوي، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ٦٣، وأشراط الساعة ليوسف الوابل، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ٢: ٩.
[ ٦٠٣ ]
ضوابط تفسير الآيات والأحاديث الواردة في أشراط الساعة
والثاني: أشراط الساعة الصغرى:
وهي التي تتقدم قيام الساعة بأزمان متطاولة، ولا تزال، وتكون في أصلها معتادة الوقوع.
وهذه الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة لها دلالتها العقدية من الإيمان بالغيب واليوم الآخر، وما أخبر الله به من أشراط الساعة الصغرى والكبرى، والإيمان بقدرة الله وملائكته، وصدق رسوله - ﷺ - وغيرها من الدلائل.
أما ما سأذكره من النظرة العلمية المعاصرة وبعض هذه التفسيرات فهو فقط لمجرد معرفة بعض أقوال أهل التفسير والإعجاز العلمي، ولا يعني التسليم بكل ما ذكر؛ لأنه لا بد قبل الخوض في ذكر بعض هذه التفسيرات للآيات والأحاديث التي وردت في أشراط الساعة وأحوال القيامة أن يرجع لهذه الضوابط في تنزيل هذه التفسيرات المعاصرة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (^١):
تتت
القسم الأول: ضوابط متعلقة بمصادر التلقي:
١ - الاقتصار على نصوص الوحيين.
٢ - الحرص على جمع روايات وألفاظ الأحاديث والآثار في الباب الواحد ثم التحقق من ثبوتها.
٣ - تعظيم النص بأن يكون حكمًا على الواقع لا العكس.
_________________
(١) موقف أهل السنة والجماعة من تنزيل نصوص الفتن وأشراط الساعة على الحوادث، السفياني أنموذجًا، إعداد: زاهر بن محمد الشهري، رسالة ماجستير، في قسم الثقافة الإسلامية، كلية التربية، جامعة الملك سعود: ٢٢١ وما بعدها، باختصار.
[ ٦٠٤ ]
القسم الثاني: ضوابط متعلقة بمنهج الاستدلال:
١ - حمل النصوص الشرعية على ظاهرها.
٢ - التحقق من معنى النص وفهمه على مقتضى لغة العرب التي نزل بها.
٣ - أن لا تفسر النصوص الشرعية المتعلقة بالفتن وأشراط الساعة وفق الأخبار الإسرائيلية.
٤ - مراعاة الألفاظ الشرعية.
٥ - عدم تحديد تواريخ وأوقات معينة لوقوع الفتن وأشراط الساعة مما لم يرد في النصوص.
٦ - مراعاة البعد الزمني والتسلسلي في ترتيب أشراط الساعة.
٧ - عدم محاكمة نصوص المستقبل للواقع الحالي.
القسم الثالث: ضوابط متعلقة بمن يقوم بتنزيل النص على الواقع:
١ - الإخلاص وقصد الحق في البحث والخروج عن الهوى.
٢ - الرجوع إلى أهل العلم، والسير على منهاجهم.
٣ - التأني لمن أراد التنزيل.
٤ - التفريق عند التنزيل بين ما يقطع بتحققه وبين ما يكون في دائرة الظن.
القسم الرابع: ضوابط متعلقة بالحوادث والوقائع المنزل عليها:
١ - التحقق من الوقائع والحوادث.
وهذا التحقق له جانبان:
الأول: التثبت من طبيعة الوقائع والحوادث.
والثاني: أن تستكمل الوقائع والحوادث للأوصاف الواردة في النص.
[ ٦٠٥ ]
٢ - عدم محاولة افتعال واقع معين أو أحداث لتنزل عليها النصوص.
٣ - ليس شرطًا أن تربط كل فتنة وحدث بنصوص الفتن وأشراط الساعة على وجه التحديد والتعيين.
[ ٦٠٦ ]
المبحث الأول الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: الطاعون.
المطلب الثاني: ظهور نار الحجاز.
المطلب الثالث: كثرة الزلازل.
المطلب الرابع: ظهور الخسف.
المطلب الخامس: انتفاخ الأهلة.
المطلب السادس: عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا.
المطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات.
[ ٦٠٧ ]
تعرف الطاعون في اللغة والاصطلاح
المطلب الأول: الطاعون
الطاعون وباء معروف، وهو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدِرة، ويحصل معه خفقان القلب والقيء، وقلما يلبث صاحبها (^١).
وفي عرف المعاصرين:
الطاعون مرض إنتاني وبائي، عامله جرثومة بشكل العصية اكتشفها العالم (بيرسين) سنة ١٨٤٩ فسميت باسمه، وكان يأتي بشكل جائحات تجتاح البلاد والعباد، وتحصد في طريقها الألوف من الناس، وهو يصيب الفئران عادة ثم تنتقل جراثيمه منها إلى الإنسان بواسطة البراغيث، فتصيب العقد البلغمية في الآباط والمغابن (^٢).
وقد ذكر النووي - ﵀ - أن الطاعون قد أصاب المسلمين في أزمنة متعددة، منها:
١ - طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله - ﷺ - سنة ست من الهجرة.
٢ - طاعون عمواس بالشام في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - ومات فيه أبو عبيدة عامر بن الجراح - ﵁ -، وخلق كثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكان عدد الموتى خمسة وعشرين ألفا.
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ١/ ١٤٩، وشرح النووي على مسلم: ١/ ١٠٥، والأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها، للدكتور: محمد البار، دار المنارة، جدة، ط ٢: ١٧.
(٢) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ليوسف الحاج أحمد، مكتبة ابن حجر، دمشق، ط ١٢: ٦١٠، والإعجاز العلمي في السنة النبوية، لصالح رضا، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١: ٥٤٥، والموسوعة العربية العالمية: ٢٧/ ٤٨.
[ ٦٠٩ ]
٣ - الطاعون الذي وقع في زمن ابن الزبير - ﵁ - في شوال سنة تسع وستين، ومات في خلال ثلاثة أيام في كل يوم منها سبعون ألفا، ومات فيه لأنس بن مالك - ﵁ - ثلاثة وثمانون ابنا، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة - ﵁ - أربعون ابنا.
٤ - طاعون الفتيات، وسمي بذلك لأنه بدأ بالعذارى، ويقال له: طاعون الأشراف: لكثرة من مات فيه من الأشراف، وكان ذلك الطاعون سنة سبع وثمانين، ووقع بالبصرة والكوفة والشام وواسط، ومات فيه خلق كثير.
٥ - طاعون الكوفة، سنة خمسين للهجرة، ومات فيه المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
٦ - طاعون سنة مائة وإحدى وثلاثين، وبدأ في رجب واشتد في رمضان، وكان يحصى في سكك المربد كل يوم ألف جنازة، ثم خف في شوال (^١).
_________________
(١) الأذكار: ٢٢٤.
[ ٦١٠ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - الطاعون-:
الطاعون مرض من الأمراض، وقد سبق ذكر الدلائل العقدية للأمراض عموما (^١)، وحيث أن للطاعون تعلق بأشراط الساعة الصغرى فسيتم ذكر الدلائل المتعلقة به خصوصا.
أولًا: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة: الإيمان بأعمالهم ومنها أنهم يحرسون المدينة من دخول الطاعون. عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال، ولا الطاعون إن شاء الله " (^٢).
ثانيًا: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بجميع ما أخبروا به ومن ذلك انتشار الطاعون عند ظهور الفاحشة، عن عبدالله بن عمر - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا" (^٣).
يقول الدكتور محمد على البار في كتابه - الأمراض الجنسية - عن انتشار الأمراض: "ولا شك أن الهربس لم يكن منتشرًا بهذه الصورة ولا قريبًا من
_________________
(١) ص: ٥٤٤.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة: ١٣٦١ برقم (٧١٣٤).
(٣) سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات: ٤٣٢ برقم (٤٣٢)، ومستدرك الحاكم: ٤/ ٥٤٠، وقال صحيح على شرط مسلم، وانظر: فتح الباري: ١٠/ ١٩٣، والسلسلة الصحيحة: ١/ ١٦٧.
[ ٦١١ ]
عشرها أو واحد بالمئة منها منذ عشرين عاما فقط" (^١).
أيضًا: "فإن أحدا من العلماء لم يسبق له وصف هذا المرض أو الطاعون من قبل وهو ما ختم به رسول الله - ﷺ - حديثه الشريف في قوله: " التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا" فانظر إلى خبر رسول الله - ﷺ - الواثق في الله تعالى" (^٢).
وهذا يدل على صدق ما أخبر به الرسول - ﷺ - وإعجاز في حديثه من جهتين:
إن رسولنا الكريم - ﷺ - يخبر عن حال أهل الفاحشة في كل زمان ومكان، بثقة المتكلم عن الله، وما كان أغناه أن يصف الطواعين والأوجاع بأنها لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، هذا لو كان بشرا عاديا حتى يضمن كلامه في المستقبل ولكن رسولنا الكريم يثق في الله تعالى ويتكلم عن الله، فأنبأ أن هذه الطواعين والأوجاع سيصيب الله بها أهل الفاحشة، وستكون جديدة وغير معروفة. وهكذا نرى في حديث رسول الله - ﷺ - إعجازين:
"الأول: إخباري تحديد لأهل الفاحشة بقوله: إن الله سيبتليهم بأمراض.
الثاني: طبي إعجازي تحديد نوعية هذه الطواعين بأنها لم تكن في أسلافهم الذين مضوا .. " (^٣).
والإعجاز النبوي يظهر في الحديث أيضًا في منع الشخص المقيم في
_________________
(١) الأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها: ٦، ١٧، ٢٢٩.
(٢) قواعد تناول الإعجاز العلمي والطبي في السنة وضوابطه، للأستاذ الدكتور: عبدالله بن عبدالعزيز المصلح، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط ١: ٣٢.
(٣) انظر موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث للأستاذ عبدالرحيم مارديني، دار المحبة، بيروت: ١٢٠ - ١٢١.
[ ٦١٢ ]
أرض الوباء أن يخرج منها حتى وإن كان غير مصاب، فإن منع الناس من الدخول إلى أرض الوباء قد يكون أمرًا واضحًا ومفهومًا بدون الحاجة إلى معرفة المرض، ولكن منع من كان في البلدة المصابة بالوباء من الخروج منها حتى وإن كان الشخص سليمًا أمر غير واضح العلة، والعادة أن الإنسان يفر من البلدة المصابة إلى بلدة أخرى سليمة، حتى لا يصاب بالعدوى، لكن الطب الحديث أثبت أن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملًا للميكروب، وكثير من الأوبئة تصيب العديد من الناس، ولكن ليس كل من دخل جسمه الميكروب يصبح مريضًا، فكم من شخص يحمل جراثيم المرض دون أن يبدو عليه أثر من آثاره، فالحمى الشوكية، وحمى التيفود، والزخار، والباسيلي، والسل، بل وحتى الكوليرا، والطاعون قد تصيب أشخاصًا عديدين دون أن يبدو على أي منهم علامات المرض، بل ويبدو الشخص وافر الصحة سليم الجسم، ومع ذلك فهو ينقل المرض إلى غيره من الأصحاء.
وهناك أيضًا فترة الحضانة، وهي الفترة الزمنية التي تسبق ظهور الأعراض منذ دخول الميكروب وتكاثره حتى يبلغ أشده، وفي هذه الفترة لا يبدو على الشخص أنه يعاني من أي مرض، ولكن بعد فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر على -حسب نوع المرض والميكروب الذي يحمله- تظهر عليه أعراض المرض الكامنة في جسمه (^١).
فهذه بعض الحقائق التي تدل على صدق النبي - ﷺ - وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
_________________
(١) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة والمطهرة: ٦٠٧ - ٦٠٩.
[ ٦١٣ ]
ثالثًا: الإيمان القدر:
على المؤمن إذا علم بوجود الطاعون في بلده أن لا يخرج منها خوفا منه، فلا يدري فلربما يصاب به في بلدة أخرى، أو قد يصاب بغيره من الأمراض، فعليه أن يتوكل على الله تعالى، وأن يصبر محتسبا، وألا يخرج وليس ذلك من باب إلقاء اليد إلى التهلكة، بل ذلك من قبيل امتثال أمر النبي - ﷺ -، وكذلك إذا علم المسلم أن هناك بلدا بها مرضا خطيرا، فيجب عليه أن لا يقدم إليها فرارا من أن يصيبه، فإن تعمد وقدم وأصيب به، فهذا من قبيل إلقاء النفس إلى التهلكة والانتحار، لمخالفة أمر النبي - ﷺ - في ذلك، عن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" (^١)، فعلى المسلم أن يستسلم لقضاء ربه ﵎، ويصبر متوكلًا على الله تعالى، في مقابلة هذا البلاء الخطير، والداء الكبير، وألا يجزع، لأن الأمر كله لله (^٢).
وقد سألت عائشة رسول الله - ﷺ - عن الطاعون؟ فقال عنه: "إنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد" (^٣).
ولما أراد عمر بن الخطاب - ﵁ - دخول الشام وعلم أن بها الطاعون، توقف فلم يدخلها، ثم دعا المهاجرين الأولين، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (٥٤): ٦٦٩، برقم (٣٤٧٣).
(٢) انظر: الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف الكويتية، ط ١: ٢٨/ ٣٣٠.
(٣) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (٥٤): ٦٦٩، برقم (٣٤٧٤).
[ ٦١٤ ]
ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - ﷺ - ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر - ﵁ - في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، قال أبو عبيدة بن الجراح - ﵁ -: أفرارا من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم، نفر من قدر الله، إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف - ﵁ -، وكان متغيبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه"، قال: فحمد الله عمر ثم انصرف" (^١). ولم يدخل - ﵁ - من باب الطيرة أو التشاؤم، بل من باب عدم إلقاء النفس إلى التهلكة (^٢).
رابعًا: مسائل الأسماء والأحكام:
الشهادة:
من مات بالطاعون فهو شهيد أي في حكم الآخرة، أما في الدنيا فإنه لا يعامل معاملة الشهيد؛ فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، عن أنس بن مالك - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - قال: "الطاعون شهادة لكل مسلم" (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون: ١١٢٣ برقم (٥٧٢٩).
(٢) انظر: فتح الباري: ١٠/ ١٦٢، وشرح النووي على مسلم: ٩٤/ ٢٠٩.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء: ٣/ ١٥٢٢ برقم (١٩١٦).
[ ٦١٥ ]
المطلب الثاني: ظهور نار الحجاز
من أشراط الساعة الصغرى ظهور نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببُصرى، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى " (^١)، وقد ظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام ٦٥٤ هـ، وكانت نارًا عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم بوصفها.
قال النووي - ﵀ -: " خرجت في زماننا نار في المدينة سنة أربع وخمسين وست مائة، وكانت نارا عظيمة جدا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع أهل الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة" (^٢).
ونقل ابن كثير - ﵀ - أن غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بصرى شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، وهذه النار مما تواتر العلم بخروجها (^٣)، ونقل عن أبي شامة المقدسي (^٤): " في سنة أربع وخمسين وستمائة في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة ظهرت نار بأرض المدينة النبوية في بعض تلك الأودية طول أربعة فراسخ، وعرض أربعة
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر خروج النار: ١٣٥٩ برقم (٧١١٨).
(٢) شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٢٨.
(٣) انظر: البداية والنهاية: ١٧/ ٣٢٩، وشرح النووي على مسلم: ١٨/ ٢٨.
(٤) هو أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المقرئ النحوي المؤرخ، صاحب التصانيف، ومنها الباعث على إنكار البدع والحوادث، توفي سنة ٦٦٥ هـ. العبر في خبر من غبر لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت: ٣/ ٣١٢، وشذرات الذهب: ٥/ ٣١٨.
[ ٦١٦ ]
أميال، تسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، وأن ضوءها كان الناس يسيرون عليه بالليل إلى تيماء (^١)، وأنها استمرت شهرا، وقد ضبط ذلك أهل المدينة وعملوا فيها أشعارا" (^٢).
وهذه النار غير النار التي تخرج في آخر الزمان وتحشر الناس وتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا (^٣)، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله تعالى- في ذكر أشراط الساعة الكبرى (^٤).
أما النظرة العلمية المعاصرة لهذا الحديث الشريف فقد ذكر الدكتور: زغلول النجار حفظه الله أن: "في هذا الحديث الشريف إشارة علمية دقيقة إلى حقيقة من حقائق أرض الحجاز لم تدرك إلا في منتصف القرن العشرين، حين بدئ في رسم الخريطة الجيولوجية لأرض شبه الجزيرة العربية، وكان من نتائج ذلك انتشار الطفوح البركانية على طول الساحل الغربي لجزيرة العرب من عدن جنوبًا إلى المرتفعات السورية شمالًا، عبر كل من الحجاز والأردن، وفلسطين، مغطية مساحة من تلك الطفوح تقدر بحوالي مائة وثمانين ألفًا (١٨٠.٠٠٠ كم ٢) من الكيلومترات المربعة، ومكونة واحدًا من أهم أقاليم النشاط البركاني الحديث في العالم، ويقع نصف هذه المساحة تقريبًا في أرض الحجاز (حوالي تسعين ألفًا من الكيلو مترات المربعة) موزعة في ثلاثة
_________________
(١) تيماء: بالفتح، بلدة تقع شمال المدينة النبوية على بعد (٤٢٠) كيلا والتيماء في الأصل: الأرض التي لا ماء فيها. معجم البلدان: ٢/ ٦٧، والمعالم الأثرية في السنة النبوية لمحمد بن محمد حسن شراب، دار القلم، دمشق، ط ١: ٧٤.
(٢) البداية والنهاية: ١٩/ ٢٨.
(٣) انظر: فتح الباري: ١٣/ ٧٩، والإشاعة لأشراط الساعة، لمحمد بن رسول البرزنجي، مع تعليقات المحدث محمد زكريا الكاندهلوي، اعتنى به: حسين محمد علي شكري، دار المنهاج، جدة، ط ٣: ٩٠.
(٤) ص: ٥٩٦.
[ ٦١٧ ]
عشر حقلًا بركانيًا تعرف باسم الحرات، وأغلب هذه الحرات تمتد بطول الساحل الشرقي للبحر الأحمر ممتدة في داخل أرض الحجاز بعمق يتراوح بين ١٥٠ كيلو مترًا، ٢٠٠ كيلو مترًا، ويعتقد بأن هذه الطفوح البركانية قد تدفقت عبر عدد من الصدوع الموازية لاتجاه البحر الأحمر، ومن فوهات مئات من البراكين المنتشرة في غرب الحجاز، كما يعتقد بأن تلك الصدوع والبراكين لا تزال نشطة منذ نشأتها وإلى يومنا الحاضر، سببت العديد من الهزات الأرضية، كما تم مشاهدة تصاعد أعمدة من الغازات والأبخرة الحارة من عدد من تلك الفوهات البركانية" (^١).
ثم بين أن المدينة تقع"بين حرة رهط في الجنوب، وحرة خيبر في الشمال، وتمتد حرة رهط بين المدينة المنورة شمالًا، ووادي فاطمة بالقرب من مكة المكرمة جنوبًا عبر مسافة تقدر بحوالي ٣١٠ كيلو مترًا في الطول، وستين كيلو مترًا في متوسط العرض لتغطي مساحة تقدر بحوالي ١٩٨٣٠ كيلو مترًا مربعًا، بسمك متوسط حوالي المائة متر وإن كان يصل إلى أربعمائة مترًا في بعض الأماكن" (^٢).
ثم ذكر أنه يوجد عدد من الفواهات البركانية في منطقة المدينة، "ومعنى هذا الكلام أن المنطقة مقبلة حتمًا على فترة من الثورات البركانية تندفع فيها الحمم من تلك الفوهات والصدوع كما اندفعت من قبل بملايين الأطنان، فتملأ المنطقة نارًا ونورًا تصديقًا لنبوءة المصطفى - ﷺ - التي قال فيها: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى" (^٣).
_________________
(١) نار من أرض الحجاز، للدكتور: زغلول النجار: http: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=d ٧ dc ٩٠ f ٧ a ٥ dae ٦٨ c ٥ adf ٦٨٦٨ be ٨٣٣٨ f ٧
(٢) المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق.
[ ٦١٨ ]
"وأنه قد تم تسجيل زلزالين كبيرين وقعا في حرة خيبر، أحدهما في سنة ٤٦٠ هـ، والآخر في سنة ٦٥٤ هـ، وقد سبقت الزلزال الأخير أصوات انفجارات عالية، تلتها ثورة بركانية كبيرة، وصاحبتها هزات أرضية استمرت بمعدل عشر هزا ت يوميًا، لمدة خمسة إلى ستة أيام، قدرت شدة أكبرها بخمسة درجات ونصف الدرجة على مقياس ريختر، وقد كونت هذه الثورة البركانية الأخيرة عددًا من المخاريط البركانية، ورفعت بملايين الأطنان من الحمم في اتجاه الجنوب، ولا تزال تلك المخاريط تتعرض لأعداد كبيرة من الرجفات الاهتزازية الخفيفة التي توحي بأن الصهارات الصخرية تحت المخروط البركاني لا تزال نشطة، مما يؤكد حتمية وقوع ثورات بركانية عارمة تخرج من أرض الحجاز في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله، وذلك تصديقًا لنبوءة النبي الخاتم، والرسول الخاتم - ﷺ - وشهادة له بالنبوة وبالرسالة، وبأنه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، كان موصولًا بالوحي، ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض" (^١).
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٦١٩ ]
المطلب الثالث: كثرة الزلازل
من علامات الساعة وأماراتها التي أخبر عنها الرسول - ﷺ -: كثرة الزلازل، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل " (^١).
وقد وقع في كثير من البلاد من الزلازل (^٢).
يقول الحافظ ابن حجر (^٣) - ﵀ -: " وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها" (^٤).
وقد كثرت الزلازل في عصرنا الحاضر في أماكن متعددة، وهذا مصداق لما أخبر به رسول الله - ﷺ - (^٥).
وعن أبى موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: " أمتى أمة مرحومة، ليس عليها فى الآخرة عذاب، إنما عذابها في الدنيا، الفتن والزلازل " (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب (٢٥): ١٢٥٩، برقم (٧١٢١).
(٢) قد سبق ذكر بعض المصادر التي ذكرت الزلازل التي وقعت على الأمة الإسلامية: ٤٢٢.
(٣) هو أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي، أحد أعلام المحدثين، من مؤلفاته: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تهذيب التهذيب، والإصابة في تمييز الصحابة، توفي سنة ٨٥٢ هـ. نظر: الضوء اللامع: ٢/ ٣٦، وشذرات الذهب: ٧/ ٢٧٠.
(٤) فتح الباري: ١٣/ ٨٧.
(٥) انظر: موقع الدكتور: زغلول النجار، بركان أيسلندا، وكتاب الزلازل حقيقتها وآثارها للدكتور: شاهر جمال آغا، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت: ٢٣١.
(٦) سنن أبي داود، كتاب الفتن والملاحم، باب ما يرجى في القتل: ٤٦٦ برقم (٤٢٧٨)، قال ابن حجر: سنده حسن. انظر: بذل الماعون في فضل الطاعون، لابن حجر، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، دار العاصمة، الرياض، ط ١: ٢١٣، والسلسلة الصحيحة: ٢/ ٦٨٤.
[ ٦٢٠ ]
المطلب الرابع: ظهور الخسف (^١)
من أشراط الساعة التي أخبر عنها النبي - ﷺ - ظهور الخسف (^٢)، عن عمران بن حصين - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور " (^٣).
وعن سهل بن سعد - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال: " سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر " (^٤).
ومن الخسوف الكبيرة التي تكون قرب قيام الساعة، الخسف بجيش كامل في آخر الزمان، كما في الحديث عن بُقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد
_________________
(١) خسف الله به الأرض أي غيبه فيها. انظر: لسان العرب: ٢/ ١١٥٧، والقاموس المحيط: ٧٢٤.
(٢) انظر: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للشيخ حمود بن عبدالله التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط ٢: ٢/ ٢٣٩، والزلازل، لإبراهيم طربيه، مجلة الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، العدد ٢٢، وزلزال المحيط الهندي ٢٠٠٤ رؤية إيمانية، للدكتور حسني الدسوقي، مجلة الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، العدد ٢٠.
(٣) سنن الترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف: ٣١٧، برقم (٢٢١٢) وقال: هذا حديث غريب، وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة: ٥/ ٢٣٦.
(٤) المعجم الكبير للطبراني: ٦/ ١٥، وصححه الألباني. انظر: صحيح الجامع الصغير: ١/ ٦٨٣، والسلسلة الصحيحة: ٤/ ٢٩٣.
[ ٦٢١ ]
الأسلمي، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - على المنبر يقول: "يا هؤلاء، إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريبًا، فقد أظلت الساعة " (^١).
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - ببعض المواضع التي يقع فيها الخسف والقذف والمسخ، فعن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " يا أنس، إن الناس يمصرون أمصارًا. فإن مصرًا يقال له: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها، فإياك وسباخها وكلأها ونخيلها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير" (^٢).
الخسف بأهل البدع:
عن عبدالله بن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إنه سيكون في هذه الأمة أو في أمتي - الشك منه- خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر" (^٣).
كما جاء في الحديث الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة
وعن عائشة - ﵂ -؛ قالت: قال: رسول الله - ﷺ -: " يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأولهم وآخرهم ". قالت: قلت: يا
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ٤٥/ ٩٩، برقم (٢٧١٢٩)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تحقيق: عادل بن سعد والسيد بن محمود إسماعيل، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١: ١٠/ ٢٤٤، رواه الحميدي ورجاله ثقات. وحسنه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة: ٣/ ٤٢٩.
(٢) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب في ذكر البصرة: ٤٧٠ برقم (٢٤٣٠٧)، وصححه الشيخ الألباني والشيخ عبدالقادر الأرناؤوط، انظر: جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير: ٤/ ٥١٣، وصحيح سنن أبي داود: ٣/ ٨١٢.
(٣) سنن الترمذي، كتاب القدر، باب ١٦: ٣٥٨، برقم (٢١٥٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وحسنه الألباني. انظر: صحيح سنن الترمذي: ٢/ ٢٢٨.
[ ٦٢٢ ]
رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ .
قال: "يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم " (^١).
ولفظ مسلم: قالت عائشة - ﵂ -: " عبث (^٢) رسول الله - ﷺ - في منامه، فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله! فقال: "العجب أن أناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم ". فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: "نعم؛ فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل؛ يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى؛ يبعثهم الله على نياتهم " (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ما ذكر في الأسواق: ٣٩٩، برقم (٢١١٨).
(٢) عبث: هو بكسر الباء. معناه اضطراب بجسمه. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٦.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت: ٤/ ٢٢١٠ برقم (٣٨٨٤).
[ ٦٢٣ ]
المطلب الخامس: انتفاخ الأهلة
من أشراط الساعة الصغرى انتفاخ الأهلة (^١)، حيث يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيرا، حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة، فعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة، وأن يرى الهلال الليلة فيقال هو ابن ليلتين " (^٢)، وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قَبَلا (^٣)، فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة " (^٤).
وهذا الحديث واضح اليوم، فكم يختلف الناس في دخول الشهر وخروجه خصوصًا عند دخول شهر رمضان وخروجه، وكم هو اليوم؟ وذلك لانتفاخ الهلال، حتى يُرى وكأنه لليلتين.
وعن أبي البختري (^٥) - ﵀ - قال: "خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس - ﵄ - فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض
_________________
(١) انتفاخ الأهلة: عظمها. فيض القدير: ٦/ ١٠.
(٢) المعجم الصغير للطبراني، تحقيق: محمد سليمان سمارة، دار إحياء التراث العربي، بيروت: ٣٦٧، وله طرق يقوي بعضها بعضًا. انظر: المقاصد الحسنة: ٦٧٧، والسلسلة الصحيحة: ٥/ ٣٦٦.
(٣) قبلًا: بفتح القاف والباء أي يرى ساعة ما يطلع لعظمه ووضوحه من غير أن يتطلب. فيض القدير: ٦/ ١٠.
(٤) المعجم الصغير للطبراني: ٤٦٧.
(٥) هو سعيد بن فيروز ابن أبي عمران البختري، الطائي الكوفي، توفي سنة ثلاث وثمانين. انظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي، تحقيق: بشار عواد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١: ١١/ ٣٢.
[ ٦٢٤ ]
القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه، قال: فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله قال: "إن الله مدَّه للرؤية، فهو لليلة رأيتموه" (^١).
وفي رواية عنه: "أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلًا إلى ابن عباس - ﵄ - يسأله، فقال ابن عباس - ﵄ -: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله قد أمدَّه لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة" (^٢).
قال القاضي عياض (^٣) - ﵀ -: " قال بعضهم: الوجه أن يكون أمدَّه بالتشديد من الإمداد، ومدَّه من الامتداد. قال القاضي: والصواب عندي بقاء الرواية على وجهها، ومعناه أطال مدته إلى الرؤية يقال منه مدَّ وأمدَّ. قال الله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ (^٤)، قرئ بالوجهين أي يطيلون لهم. قال: وقد يكون أمده من المدة التي جعلت له. قال صاحب الأفعال: أمددتك أي أعطيتكها، أو يكون من الإمداد وهي الزيادة في الشيء من غيره.
فهؤلاء الرهط، أبو البختري ومن معه لما استنكروا كِبَرَ جرم الهلال، ورأوا أنه أكبر من أن يكون ابن ليلة، لعلوِّه وضخامته، بيَّن لهم ابن عباس - ﵄ - أنه ابن ليلة، وألَاّ عبرة بكبره، معللًا بأن الله هو الذي مدَّه ليروه" (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وأن الله تعالى أمده للرؤية: ٢/ ٧٦٥ برقم (١٠٨٨).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وأن الله تعالى أمده للرؤية: ٢/ ٧٦٥ برقم (١٠٨٨) ..
(٣) هو عياض بن موسى بن عياض اليحصبي المشهور بالقاضي، من علماء المالكية، من مؤلفاته: إكمال المعلم بفوائد مسلم، والشفا في حقوق المصطفى، وترتيب المدارك وغيرها، توفي سنة ٥٤٤. انظر: سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٢١٢، وشذرات الذهب: ٤/ ١٣٨.
(٤) الأعراف: ٢٠٢.
(٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٤/ ٢٣، وشرح النووي على مسلم: ٧/ ١٩٨.
[ ٦٢٥ ]
المطلب السادس: عود أرض العرب مروجًا (^١) وأنهارًا
من أشراط الساعة ما أخبر به النبي - ﷺ - من عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل زكاة ماله، فلا يجد أحدا يقبلها، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارا" (^٢).
"إن أرض العرب أرض قاحلة كما هو معروف، شحيحة المياه، قليلة النبات، غالب مياهها من الآبار والأمطار، فمن علامات الساعة أن تنقلب هذه الأرض ويكثر فيها المياه، حتى تكون أنهارًا، فتنبت بها النباتات، فتكون مروجًا وحدائق وغابات، وذلك إما بسبب حفر الآبار وزراعة الأرض، وإما بسبب تغير المناخ أو غير ذلك" (^٣).
وقد ورد في خصوص منطقة تبوك -شمال أرض العرب- أنها تكون جنانًا، ففي حديث معاذ بن جبل - ﵁ - عن غزوة تبوك، أن النبي - ﷺ - قال: "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا" (^٤)، وقد ملئت أرض تبوك جنانا، فالمزارع والبساتين والحدائق في كل مكان، بل أصبحت تبوك تصدر الكثير من الفواكه والخضراوات والزهور والحبوب إلى
_________________
(١) المروج: جمع مرج، والمرج: الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تمرج فيه الدواب، أي تخلى تسرح مختلطة كيف شاءت. انظر: النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣١٥.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها: ٢/ ٧٠٠ برقم (١٥٧).
(٣) انظر: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة -مكة- ط ٤: ٧٥.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ -: ٤/ ١٧٨٤ برقم (٧٠٦).
[ ٦٢٦ ]
بعض البلدان المجاورة، بسبب الاهتمام المتزايد من أهالي المنطقة بالزراعة، وحفر الآبار الارتوازية التي ينبع منها الماء بكثرة ووفرة، كما اتجهت الحكومة إلى إنشاء السدود التي تحبس المياه، حتى أصبحت وكأنها أنهارا تجري لري الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، حتى أصبحت مروجا ومزارع وخضرة يانعة.
وقد قال النووي - ﵀ - في تأويل قوله - ﷺ -: " حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا": "معناه: أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به" (^١).
وفي هذا التأويل نظر؛ لأن أرض العرب أرض قاحلة لا أنهار فيها، وإنما تسقى نخيلها وزروعها من مياه الآبار، ولو تركت وأعرض عنها وبقيت مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياه الآبار؛ لبقيت قاحلة يابسة.
والصحيح أن هذه إشارة إلى ما ابتدئ فيه الآن من حفر الآبار الارتوازية التي ينبع الماء منها بكثرة، وإلى عمل السدود التي تحبس مياه السيول، فتكون أنهارًا تجري إلى الأراضي الطيبة، فتكون مزارع ومروجًا للدواب (^٢).
وفي قوله - ﷺ -: " تعود": والعود (^٣) في الأصل هو رجوع الأمر إلى شيء سبق أن كان عليه. ومتصفًا به. هذه حقيقة العود.
أما معنى الحديث في النظرة العلمية المعاصرة: فإن " أرض العرب كانت مروجًا وأنهارًا، وأنها بعد فترة من الزمن أصبحت صحراء مجدبة قليلة الماء والأنهار، وأنها بعد ذلك ستعود ثانية فتجري فيها الأنهار وتمتلئ بالمرج
_________________
(١) شرح النووي على مسلم: ٧/ ٩٧.
(٢) إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة: ٢/ ١٩٠.
(٣) انظر: الصحاح: ٣/ ٧٦، معجم مقاييس اللغة: ٤/ ١٨١، القاموس المحيط: ٢٧٠.
[ ٦٢٧ ]
الأخضر الذي يعلو أرضها.
أما الشق الأول: وهو أن أرض العرب كانت تعلوها الخضرة، والمروج، وتسيل فيها الأنهار، فقد أثبتتها دراسات متعددة، وبينت تلك الدراسات أنها كانت كذلك.
وأما الشق الثاني: وهو أنها ستعود ثانية مروجًا تعلوها الخضرة، وتنتشر في أنحائها البساتين، وتفوح في أجوائها عطر الأزاهير، إن هذا الأمر الذي يتحدث به رسول الله - ﷺ - منذ القرون المتطاولة الممتدة، لا يتصوره الإنسان يحدث في أرض جرداء ممتدة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي تعلوها الرمال الكثيفة التي لا تنبت كلًا ولا تمسك ماء" (^١)؛ ولكنه يؤمن ويسلم ويصدق بما قاله الرسول - ﷺ -.
" وأما الأنهار وظهورها، فإننا سنترك ذلك للمستقبل القريب الذي سيطلعنا أو أبناءنا على ذلك، ولعل ما ثبت حديثًا في الدراسات الجيولوجية بأن المياه الجوفية في الأرض تتحرك باتجاه الجزيرة العربية، أقول: لعل ذلك مقدمة لظهور الأنهار في جزيرة العرب، وصدق رسول الله - ﷺ - " (^٢).
ونحن لا نشك بما قاله رسول الله - ﷺ - وأن جزيرة العرب ستعود جنات وأنهارًا، وأن غدًا لناظره قريب (^٣).
_________________
(١) الإعجاز العلمي في السنة النبوية: ٩٢٤.
(٢) المرجع السابق: ٩٢٥.
(٣) انظر: مروج وأنهار أرض العرب في الماضي والمستقبل، دراسة في الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، للأستاذ الدكتور علي صادق، ضمن بحوث المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة: ١٦١. وعودة جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا. م. جمال عبدالمنعم الكومي، مجلة الهيئة العلمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - مكة- العدد السادس: ١٦٧.
[ ٦٢٨ ]
المطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات
من أشراط الساعة كثرة المطر وقلة النبات، فعن أبى هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطرًا لا تُكِنُّ (^١) منه بيوت المدر (^٢)، ولا تُكنُّ منه إلا بيوت الشعر " (^٣).
وعن أبى هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ليست السَّنَة (^٤) بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا " (^٥).
فإذا كان المطر سببًا في إنبات الأرض فإن لله تعالى أن يوجد ما يمنع هذا السبب من ترتب المسبب عليه، والله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها لا يعجزه شيء (^٦).
ومعنى الحديث: "أن القحط الشديد ليس بأن لا يمطر بل بأن يمطر ولا ينبت؛ وذلك لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء وظهور مخائله وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلًا من أول الأمر والنفس مترقبة لحدوثها" (^٧).
أما النظرة العلمية المعاصرة: فقد حذر علماء البيئة من أن التلوث الذي
_________________
(١) الكن: ما يردّ الحر والبر من الأبنية والمساكن. النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٢٠٦.
(٢) المدر: الطين المتماسك لئلا يخرج منه الماء. النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣٠٩.
(٣) مسند الإمام أحمد: ١٣/ ١١ برقم (٧٥٦٤)، وقال محققه: إسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر: السلسلة الصحيحة: ٧/ ٧٩٤.
(٤) المراد بالسنة هنا: القحط. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٣١.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة: ٤/ ٢٢٢٨ برقم (٢٩٠٤).
(٦) انظر: إتحاف الجماعة: ٣/ ٢٢٥.
(٧) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: ٣/ ٥٦٤.
[ ٦٢٩ ]
تشهده الأرض سوف يكون له تأثير على الأمطار، "ويقولون بأن مياه الأمطار كانت نقية قبل عدة قرون، أما هي اليوم فغالبًا ما تكون ملوثة بحمض الكبريت، ويسمونها الأمطار الحامضية.
ويقولون إذا زادت نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو عن حدود معينة فإنه سيلوث ماء المطر، وسوف يضر هذا الماء بالتراب، فيكون سببًا في فساد التربة بدلًا من أن يكون غذاء للنباتات والأشجار" (^١). والله أعلم.
_________________
(١) أمطار لا تُنبت لعبد الدائم الكحيل موقع عبد الدائم الكحيل للإعجاز العلمي في القرآن والسنة. http: //www.kaheel ٧.com/modules.php؟ name=News&file=article&sid=٦٨٦
[ ٦٣٠ ]
المبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال بإذن الله.
المطلب الثاني: الخسوفات الثلاثة.
المطلب الثالث: الدخان.
المطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها.
المطلب الخامس: النار التي تحشر الناس.
المطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين.
[ ٦٣١ ]
المطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال -بإذن الله-
من أشراط الساعة الكبرى خروج الدجال (^١)، وقد ورد أنه يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، ويأتي القوم فيدعوهم فلا يستجيبون له، فيصبحون ممحلين (^٢).
ففي حديث النواس بن سمعان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتبنت .. ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة (^٣)، فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٤) " الحديث (^٥).
ومما يفتن الدجال به الخلق أن معه ما يشبه الجنة والنار، أو معه ما يشبه نهرا من ماء، ونهرا من نار، وواقع الأمر ليس كذلك، فإن الذي يرونه نارا إنما هو ماء بارد، وحقيقة الذي يرونه ماء باردا نار.
_________________
(١) انظر: أشراط الساعة وذهاب الأخيار وبقاء الأشرار لعبدالملك بن حبيب الأندلسي، تحقيق: عبدالله بن عبدالمؤمن القماري، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ٩٧، والبداية والنهاية: ١٩/ ١١٣، وأشراط الساعة، ليوسف الوابل: ٢٧٥.
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٥٨ - ٥٩.
(٣) الخربة: أي الأرض الخراب. انظر: الصحاح: ٢/ ٣٥، والقاموس المحيط: ٧٤.
(٤) أي ذكور النحل. قال القاضي المراد جماعة النحل لا ذكورها خاصة، لكن كنى عن الجماعة باليعسوب وهو أميرها لأنه متى طار تبعته جماعته. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٦٧.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٥٠ برقم (٢٩٣٧).
[ ٦٣٣ ]
عن حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في الدجال: " إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار" (^١).
وفي رواية عند مسلم قال رسول الله - ﷺ -: " لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان: أحدهما: رأي العين، ماء أبيض، والآخر: رأي العين، نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد" (^٢).
وفي رواية أخرى عن حذيفة - ﵁ -: " إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارا، فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا، فإنه ماء عذب طيب" (^٣).
فيتضح من هذه النصوص أن الناس لا يدركون ما مع الدجال حقيقة، وأن ما يرونه لا يمثل الحقيقة بل يخالفها، ولذلك فقد جاء في بعض الأحاديث في صحيح مسلم: "وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة هي النار " (^٤).
ومن فتنته أنه يقتل ذلك الرجل المؤمن الذي يخرج إليه ويشهد عليه بأنه الدجال، ثم يعجز عن قتله ولا يسلط عليه، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثًا طويلًا عن الدجال، فكان فيما
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال: ١٣٦٠ برقم (٧١٣٠).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٤٨ برقم (٢٩٣٤).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٤٩، برقم (٢٩٣٥).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٥٠ برقم (٢٩٣٦).
[ ٦٣٤ ]
يحدثنا أنه قال: "يأتي الدجال - وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثه، فيقول الدجال، أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه" (^١).
وهذه الآية التي أعطاها الله آياها من إحياء الموتى -وهي آية عظيمة من آيات الأنبياء كما حصل لعيسى - ﵇ - إنما هي على سبيل الفتنة للعباد، وقد بأن لهم بالأدلة أنه المسيح مبطل غير محق في دعواه وأنه أعور، ومكتوب على وجهه كافر يقرؤه كل مسلم. وهذا نقص له في ذاته وقدره.
أما آيات الأنبياء فهي سالمة من المعارضة فلا يوجد تشابه بينهما (^٢).
ومن الأمور التي تحصل عند خروج الدجال حبس المطر والنبات، فقبيل خروج الدجال بثلاث سنوات، يأمر الله الأرض في السنة الأولى أن تمسك ثلث نباتها، والسماء أن تمسك ثلث مطرها، وفي السنة الثانية: يأمر الله الأرض أن تمسك ثلثي النبات، والسماء أن تمسك ثلثي المطر، وفي السنة الثالثة: قبل خروجه يأمر الله الأرض فلا تنبت شيئا، ويأمر السماء فلا تمطر شيء، فلا يبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله.
عن أسماء بنت يزيد الأنصارية - ﵂ -؛ قالت: كان رسول الله - ﷺ - في بيتي، فذكر الدجال، فقال: "إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة: ١٣٦١ برقم (٧١٣٢).
(٢) انظر: فتح الباري: ١٣/ ١٠٣، شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٧١.
[ ٦٣٥ ]
نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف من البهائم إلا هلكت " (^١).
ومن المخالفات العقدية فيما يتعلق بهذا الأمر ما يقع لبعضهم نتيجة محاكمة المستقبل للواقع الحالي أن يتأول تلك النصوص في ضوء ما يعايشه هو، ظنًا منه أن الشرط سيكون من جنس ما يراه ويعايشه مع كون النص متضمنا لنقيض هذا، فمن أمثلة هذه التأويلات ما ذكره هشام كمال عبدالحميد في كتابه اقترب خروج المسيخ الدجال، حيث قال
١ - عن القمح الذي مع الدجال:
"بالنسبة لما سيكون مع الدجال من كميات كبيرة من القمح تشبه الجبال، فيمكن تخيله بقيام الشياطين بزراعة مساحات كبيرة من الأراضي الصحراوية تحت الأرض باستخدامهم أساليب زراعية متطورة كالتهجين، وذلك قبل خروج الدجال بعشرات السنوات، ثم تقوم الشياطين بتخزين هذا القمح في صوامع تحت الأرض، وبأسلوب تخزين جيد يحفظها لفترات طويلة حتى يصل حجمها المخزون على مدار عدد من السنوات إلى ما يشبه الجبال، فيخرج الدجال ومعه هذه الكميات التي يغوى بها أهل الأرض" (¬٢).
٢ - أمر الدجال السماء أن تمطر:
ويقول: "وبالنسبة لقيام الدجال بأمر السماء أن تمطر فتمطر أمام الناس، فيمكن تخيله بقيام الشياطين بصنع أجهزة علمية للدجال تصنع سحابا صناعيا مزودا بشحنات كهربائية مسجل عليها بصمة صوت الدجال (مثل نظام الخزائن
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ٤٥/ ٥٦٠، برقم (٢٧٥٧٩)، قال ابن كثير: لا بأس بإسناده. البداية والنهاية: ١٩/ ١٧٥، وانظر: إتحاف الجماعة: ٢/ ٣٧١.
(٢) اقتراب خروج المسيح الدجال، لهشام كمال عبدالحميد، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١: ٢٩.
[ ٦٣٦ ]
البنكية التي لا تفتح إلا ببصمة صوت صاحب الخزينة فقط)، فتطلق الشياطين هذه السحابة من الأجهزة المعدة لذلك من مكان بعيد عن المكان الذي يقف فيه الدجال أمام الناس، وعندما تمر السحابة من فوقهم ينادي الدجال بإسقاط مطرها فتصطدم ذبذبات صوته بالذبذبات المسجلة لصوته على السحابة فتحدث شرارة كهربائية أو صاعقة بها وتسقط مطرها، ويمكن تخيل ذلك أيضا بقيام الشياطين بإطلاق السحابة الصناعية في السماء من مكان بعيد، وعندما ينادي عليها الدجال تقوم الشياطين من خلال أجهزة اتصال كاللاسلكي أو من خلال سماع صوته، وهم في مكانهم بالضغط على جهاز مثل الريموت كنترول، فيجعلون السحابة تسقط ما فيها من ماء، ويظن الناس أنها أمطرت بأمر الدجال" (^١).
وهذا من الخطأ والضلال البين؛ فإن فيه إنكار لما ثبت في السنة، وقياس للأمور المستقبلية على الأحوال التي يعيشها الإنسان. وهذا من أمور الغيب التي يجب التصديق بها (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٩.
(٢) انظر: تحذير ذوي الفطن من عبث الخائضين في أشراط الساعة، لأبي عبدالله أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، مكتبة السلف الصالح، جدة: ١٣/ ٢١، وموقف أهل السنة والجماعة من تنزيل نصوص الفتن وأشراط الساعة على الحوادث: ٢٣٨.
[ ٦٣٧ ]
المطلب الثاني: الخسوفات الثلاثة
من العلامات الكبرى التي أخبر الرسول - ﷺ - بحدوثها في آخر الزمان الخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ففي حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، وذكر منها ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارًا تخرج من اليمن تطرد الناس إلى المحشر "، وفي رواية "ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس" (^١).
فهذه الخسوفات الثلاثة من الأشراط الكبرى التي لا تظهر إلا في آخر الزمان، وهي غير الخسوفات التي وقعت في الماضي وفي أماكن متعددة؛ لأن تلك من أشراط الساعة الصغرى، أما هذه الخسوفات الثلاثة فهي خسوفات عظيمة.
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانا أو قدرًا" (^٢).
أما النظرة العلمية المعاصرة عن الخسوفات الثلاثة، فقد اكتشف علماء الجيولوجيا أن عدن فوق فوهة بركان عظيم هائل خامد (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة: ٤/ ٢٢٢٥، برقم (٢٩٠١).
(٢) فتح الباري: ١٣/ ٨٤، وانظر: إتحاف الجماعة: ٢/ ٢٦٢.
(٣) بركان عدن ونيران الحشر، لطارق عبده إسماعيل، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: http://quran-m.com
[ ٦٣٨ ]
ويقول المهندس: معروف عقبة في بحثه (عدن البعد التاريخي والحضاري): "ومن المعلوم أن البراكين الكبيرة تكون مصحوبة بزلازل بسبب تكسر طبقات القشرة الأرضية جراء اندفاع الحمم البركانية من قاع الأرض إلى الطبقات العليا، مما يسبب انزلاق لطبقات القشرة الأرضية محدثة ما يسمي بالزلزال من قبل خروج الحمم إلى سطح الأرض ثم بعد حدوث الزلزال تكون الحمم البركانية قد ألقت بأثقالها من الحديد المنصهر فوق سطح الأرض" (^١).
فهناك علاقة وثيقة بين الزلزال والبركان، فكلاهما يعمل بنفس الآلية، "ويعتبر العلماء اليوم بعض الزلازل مؤشرًا على قرب حدوث البركان الذي تقذف فيه الأرض كميات كبيرة من الحمم المنصهرة" (^٢)، "ولذا قد ذكر رسول الله - ﷺ - مع حديث بركان عدن عدة خسوف، وكما هو معلوم"أن الخسف له علاقة بالزلازل أيضًا ويكون الترتيب العلمي الجيولوجي الحدثي مطابق لترتيب حديث رسول الله والآيات التي ذكرناها كالتالي: - زلازل ثم خسوف ثم براكين وأقواها وأولها بركان عدن وبما أن البراكين معظمها تحت البحار فعندئذ سيكون ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^٣) " (^٤). والله أعلم.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المرجع السابق.
(٣) التكوير: ٦.
(٤) المرجع السابق.
[ ٦٣٩ ]
المطلب الثالث: الدخان
من علامات الساعة وأشراطها العظمى ظهور دخان قبل قيام الساعة، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (^١).
وفي حديث حذيفة - ﵁ - المتقدم، قال: اطلع علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر الساعة فقال: " ما تذاكرون "؟ قلنا: نذكر الساعة، قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آَيات فذكر الدخان " (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " بادروا بالأعمال ستا: وذكر منها الدخان " (^٣).
وقد اختلف العلماء حول المراد بالدخان ومتى يحدث؟ على قولين:
١ - فذهب بعضهم إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي - ﷺ - حين لم يستجيبوا له، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان (^٤).
وقد استدل هؤلاء بما جاء في حديث مسروق بن الأجدع (^٥) - ﵀ - قال:
_________________
(١) الدخان: ١٠ - ١٣.
(٢) سبق تخريجه: ٥٨٦.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية أحاديث الدجال: ٤/ ٢٢٦٧، برقم (٢٩٧٤).
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢٥/ ١٣٢، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٣١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٧.
(٥) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمذاني، الوادعي، الكوفي، من كبار أئمة التابعين وفقهائهم، ثقة عابد، أخرج له الستة، توفي سنة ٦٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٦٣، تهذيب التهذيب: ١٠/ ١٠٩.
[ ٦٤٠ ]
" كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود - ﵁ - فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًا يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله، وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله - ﷿ - قال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (^١)، إن رسول الله - ﷺ - لما رأى من الناس إدبارا قال لهم: " اللهم سبع كسبع يوسف"، قال: فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان" (^٢).
٢ - وذهب كثير من العلماء إلى أن الدخان هو من الآيات المنتظرة التي لم تأت بعد، وسيقع قرب يوم القيامة.
وقد رجح الحافظ ابن كثير - ﵀ - هذا القول مستدلا بالأحاديث التي سبق ذكرها عند الاستدلال على هذه الآية (آية الدخان).
قال ابن كثير - ﵀ - بعد ذكر الأدلة وقول ابن عباس - ﵁ - في أن الدخان من الآيات المنتظرة"وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين - ﵃ -، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي بين
_________________
(١) ص: ٨٦.
(٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب الدخان: ٤/ ٢١٥٥، برقم (٢٧٩٨).
[ ٦٤١ ]
واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود - ﵁ - إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا" (^١).
أما النظرة العلمية المعاصرة فيقول الدكتور زغلول النجار -حفظه الله- عن الإشارات العلمية والحقائق التاريخية في سورة الدخان: "الإشارة إلى دخان السماء الذي يصل إلى الأرض في صورة من صور العقاب الإلهي، أو كواحدة من العلامات الكبرى للساعة، ونحن نرى اليوم نجوم السماء تتخلق من دخان السماء، ثم تنفجر بعد انتهاء أجلها لتعود إلى دخان السماء.
وهذه العلامة إشارة إلى بدء انهدام النظام الكوني بتحول النجوم إلى دخان يصل إلى سكان الأرض كنوع من العذاب الأليم الذي توعد الله - تعالى - به العاصين من عباده" (^٢).
وهكذا ذكر، والله أعلم بحقيقة الأمر.
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٤٩، وانظر: البداية والنهاية: ١٩/ ٢٦٥.
(٢) تفسير قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ للدكتور زغلول النجار. http: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=٢ fdae ٢٣ a ٨ ce ٧١١٩ cca ٣١٨ ebebb ٤٧٩ b ٦٧
[ ٦٤٢ ]
المطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها
طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما هو ثابت بالكتاب والسنة (^١).
قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن الناس أجمعون، فذلك حيث لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " (^٣).
وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" (^٤).
وقد ذكر القرطبي - ﵀ - عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها فقال: "قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ١٤٥، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٣٧١.
(٢) الأنعام: ١٥٨.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب طلوع الشمس من مغربها: ١٢٤٧ برقم (٦٥٠٦).
(٤) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب: ٤/ ٢١١٣ برقم (٢٧٥٩).
[ ٦٤٣ ]
في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت" (^١).
وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها " الحديث (^٢).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " أن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب" (^٣).
أما النظرة العلمية المعاصرة لهذه الآية فقد ذكر الأستاذ خالد بن حمزة مدني تصورًا لطلوع الشمس من مغرب الأرض -والله أعلم بحقيقة ذلك- فقال: "بعد استقرار الشمس المقدر في المكان والزمان، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤)، يمكن تصور طلوعها من مغرب الأرض دون أن ندخل في التعريف عن الكيفية، بتغيير اتجاه دوران الأرض كأن يكون معاكسًا لدوران كارنجتون R. Carrington.
_________________
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ١٣٤٦.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه وذهاب أهل الخير وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان والنفخ في الصور وبعث من في القبور: ٤/ ٢٢٦٠ برقم (٢٩٤١).
(٣) فتح الباري: ١١/ ٣٥٣.
(٤) يس: ٣٨.
[ ٦٤٤ ]
وهكذا سيكون في المجموع خلال عملية توسع الكون وانكماشه، اتجاهان مختلفان لدوران الأرض: الأول هو الذي نعيشه ونراه حيث تدور الأرض من غربها إلى شرقها لتطلع الشمس من مشرق الأرض، والثاني هو الذي يراه الإنسان قبل قيام الساعة حيث ستطلع الشمس من مغرب الأرض. إنهما عمليتان للشروق والغروب لا تتمان في وقت واحد، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (^١)، والذي يدل على أن الخالق واحد أحد، هو الإله بربوبيته وسلطانه وتوجيهه خلال عملية التوسع والانكماش، ليبقى التعبير واحدًا، فحيثما وجد الشروق والغروب هناك قدرة الله ودقة صُنعه".
ثم قال: "ومن خلال ما أتاح لنا التفسير العلمي، نرى أن هناك مشرقين مختلفين في المكان والزمان: الأول هو الذي نراه الآن الناتج عن عملية الفتق أو الانفجار العظيم وبناء الكون وتوسعه حيث تدور الأرض من غربها إلى شرقها لتطلع الشمس من مشرق الأرض، والآخر هو الذي سيراه الإنسان قبل قيام الساعة أي عند بداية انكماش الكون وعملية طي السماء حيث ستطلع الشمس من مغرب الأرض. والله اعلم، وإنما الموفق من وفقه الله" (^٢).
وذكر الأستاذ عبدالكحيل الدائم تفسيرًا لطلوع الشمس من مغربها -والله أعلم بحقيقته أيضًا- يقول: "يتحدث العلماء اليوم عن تباطؤ في سرعة دوران الأرض حول نفسها، وهذا التباطؤ سيستمر حتى تتوقف الأرض عن الدوران،
_________________
(١) الدخان: ١٧.
(٢) مفهوم ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ للأستاذ خالد بن حمزة مدني، موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ومجلة الهيئة، العدد (١٩). وانظر: التعقيب عليه، للدكتور هاني محمد خليع في نفس الموقع، ومجلة الهيئة العدد (٢٣).
[ ٦٤٥ ]
ولكن ماذا يعني ذلك؟ إننا نرى الشمس تطلع من الشرق كل يوم بسبب دوران الأرض حول نفسها، فإذا ما توقفت الأرض فإن ذلك سيؤدي إلى تغير اتجاه دورانها فتظهر الشمس من المغرب، وبذلك يتحقق قول الرسول الكريم - ﷺ -: " حتى تطلع الشمس من مغربها"" (^١).
وذكر الدكتور أحمد عوض عبدالهادي سؤالًا عن طلوع الشمس من مغربها وأجاب عنه فقال: "والسؤال الآن: ما هي المقدمات لطلوع الشمس من المغرب؟ وكيف ستتغير تلك الحركة؟
الجواب: لكي تتغير تلك الحركة تغيرًا كليًا لا بد أولا أن تتباطأ حركة الأرض تدريجيًا عند دورانها حول نفسها حتى تتوقف توقفا كاملا، ثم تبدأ بالدوران العكسي حول نفسها أيضًا وعندها تطلع الشمس من المغرب، وهذا يعني أنه عند حصول ذلك التباطؤ يرافقه تباطؤ لوقت حصول الليل والنهار بالتأكيد! لأن سبب حصول الليل والنهار كما ذكرنا آنفا هو دوران الأرض حول نفسها خلال أربع وعشرين ساعة بالحساب الزمني الحالي، وعليه سيكون طول الليل والنهار عند حصول التباطؤ أكثر من أربع وعشرين ساعة، وهذا التباطؤ سيكون تدريجيا وبالتالي ستكون زيادة طول الليل والنهار تدريجية أيضا، لأن التوقف لو تم بشكل مفاجئ لدمر وأهلك كل من على الأرض من أحياء بل الأرض كلها.
ويمكننا أن نستأنس بالحديث الذي رواه النواس بن سمعان - ﵁ - وهو حديث طويل عن الدجال وظهوره آخر الزمان وهو علامة أيضا على قرب الساعة، وجاء في الحديث: "قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال:
_________________
(١) مطلع الشمس من مغربها، هل هناك إشارات علمية لذلك، للدكتور عبدالكحيل الدائم، موقع: www.kaheel ٧.com
[ ٦٤٦ ]
أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم، قلنا يا رسول الله: فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره" (^١)، فأصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونه عن لبث الدجال في الأرض عند ظهوره، فكان جوابه - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى، أن لبثه أربعون يوما يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا هذه، فيمكننا أن نفهم من هذا الحديث؛ إذا قلنا أن ظهور الدجال سيكون في أيام تباطؤ الأرض جمعا بين حديثي الرسول - ﷺ -: حديث طلوع الشمس من مغربها، وحديث خروج الدجال، حيث كلا الحديثين لهما علاقة ببعضهما من حيث التغير الزمني والفلكي، فطلوع الشمس من مغربها عبارة عن تغير فلكي وأما ظهور الدجال فيقع وقت ظهوره تغير زمني.
فإذا جاز لنا ذلك، ولا مانع من استشراف المستقبل بما لا يخل بأصل ديني أو اعتقاد ثابت عند المسلمين، أقول إذا جاز لنا ذلك فإن ظهور الدجال سيكون عند توقف الأرض، وليس قبل ذلك لأن أول يوم ذكره نبينا - ﷺ - وصفه بيوم كسنة، وهو أطول يوم على أهل الأرض قاطبة، فسيكون نهار مدته سنة، لمن هم يواجهون الشمس من أهل الأرض، وسيكون ليل مدته سنة، لمن هم في الاتجاه الآخر من أهل الأرض.
ثم تبدأ الأرض بالحركة البطيئة بالاتجاه المعاكس للاتجاه الذي هو عليه دورانها اليوم، وبالتالي سيبدأ الليل والنهار بالتناقص تدريجيا بعد ذلك اليوم الطويل، فيتقلص هذا الوقت في اليوم الذي يليه مباشرة فيصير كشهر، ثم يصير اليوم الثالث كجمعة أي كأسبوع، ثم تعود الأيام كأيامنا هذه، وهذا
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٥٠ برقم (٢٩٣٧).
[ ٦٤٧ ]
يعني أن الأرض ستعود تتحرك حركتها الطبيعية بعد ذلك التباطؤ والتوقف" (^١).
_________________
(١) أحداث النهاية بين العلم والقرآن والسنة"طلوع الشمس من مغربها"، للدكتور أحمد عوض عبدالهادي، موقع موسوعة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، http: //www.quran-m.com/firas/arabicold/؟ page= show_det&id=٢١١٠&select_page=١٢ وانظر: الإعجاز في طلوع الشمس من مغربها، لقسطاس إبراهيم، موقع جامعة الإيمان. www.jameataleman.org/agas/jowi/jowi
[ ٦٤٨ ]
المطلب الخامس: النار التي تحشر الناس
من الآيات الكبرى والعلامات العظمى لأشراط الساعة والمؤذنة بقيام القيامة خروج نار تحشر الناس إلى محشرهم.
وجاءت الروايات بأن خروج هذه النار يكون من اليمن من قعرة عدن، وجاءت روايات أخرى بأنها تخرج من بحر حضرموت.
عن حذيفة بن أسيد - ﵁ - في ذكر أشراط الساعة وآخره قوله - ﷺ -: " وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم "، وفي رواية: " نار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس" (^١).
وعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس " (^٢).
أما النظرية العلمية المعاصرة ففي الدراسات الحديثة عن عدن "وجد أن مدينة عدن يقع معظمها بالبحر المحيط، وهي قد تكونت من بركان عظيم جدًا أنفجر من جانب البحر، وأستمر دهرًا، ثم بعد خموله وبروده أصبح له فوهة مقعرة ككل البراكين ولكنها كبيرة جدًا جدًا، وأصبحت فيما بعد هي مدينة عدن التاريخية " (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٥٨٦.
(٢) سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز: ٣٦٧ برقم (٢٢١٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ومسند الإمام أحمد: ٨/ ١٣٤ برقم (٤٥٣٨) وقال محققه: "إسناده صحيح"، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن الترمذي: ٢/ ٢٤٣.
(٣) بركان عدن ونيران الحشر لطارق عبده إسماعيل، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.quran-m.com/container.php? fun=artview&id=٦٨٧.
[ ٦٤٩ ]
ولقد قدر العلماء قوة هذا البركان بمائة قنبلة هيدروجينية.
ويقول المهندس: معروف عقبة في بحثه (عدن البعد التاريخي والحضاري: "يعتبر بركان عدن أحد المراكز البركانية الستة التي تقع في خط بركاني واحد، وتمتد من باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حتى مدينة عدن، ولقد حدث مؤخرًا منذ أيام نشاط أحد هذه المراكز البركانية الستة بجبل الطير قبالة سواحل اليمن بالبحر الأحمر، وأخيرًا نستعرض ملخص وجه الإعجاز العلمي والجغرافي والتاريخي والغيبي لحديث رسول الله عن مدينة عدن:
١ - أخبر رسول الله - ﷺ - أن عدن مدينة مقعرة الشكل فقال "قعرة عدن" وهذا لم يتضح إلا بالتصوير عن بعد بالطيران أو بالأقمار الصناعية.
٢ - أخبر رسول الله - ﷺ - أن عدن تقوم على بركان خامد، ولكن امتداده بالفعل يصل للب الكرة الأرضية، الذي هو معروف أنه كتلة ضخمة جدًا من الحديد والنيكل المنصهر، وقد خرجت الحمم النارية من هذا البركان في ثورة عظيمة في المياه القريبة من الساحل بالبحر المحيط، كون بعدها هذا البركان جبل ضخم فوقه فوهة عظيمة، كانت هي مدينة عدن، وستخرج النار مرة أخرى من نفس المكان، وهذا أمر معتاد في معظم البراكين في العالم، وسيكون الخروج الأخير في صورة أشد وأقوى سيسوق فيها البشر لمكان الحشر بأرض الشام" (^١).
وذكر الدكتور زغلول النجار -حفظه الله- أن من آخر المستجدات في
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٦٥٠ ]
مجال الإعجاز العلمي: "ما أثبته العلم منذ عدة سنوات، هو وجود طفوح بركانية غرب الجزيرة العربية تزيد عن ٩٠.٠٠٠ كيلوًا متر ممتدة إلى الجولان هذه الطفوح مليئة بالفوهات البركانية التي لا تزال نشطة إلى يومنا هذا، ومنها حوالي ٧٠٠ فوهة بركانية حول المدينة المنورة، سجلت ما لا يقل عن ٣٠٠ هزة أرضية خلال سنة واحدة، مما يؤكد أنها لا تزال نشطة، وبالتالي فلابد لها من أن تفور في يوم من الأيام وحتمية العلم تؤكد ذلك وستكون فورتها من علامات الساعة" (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) ٧٠٠ فوهة بركانية حول المدينة المنورة ستكون فورتها من علامات الساعة، للدكتور زغلول النجار، موقع المدينة المنورة. www.madenah-manawara.com/vb/showthread.php؟ t=٢٨٣٨٦
[ ٦٥١ ]
المطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين
من علامات الساعة الكبرى الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين، فقد أخبر النبي - ﷺ - عن ريحٍ طيبةٍ تخرج لقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان، فتهب فلا يبقى على ظهر الأرض من يقول الله إلا وأخذته، فيبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة، وقد جاء في وصفها أنها ألين من الحرير، فقال -﵊- بعد ما ذكر خروج الدجال وقتله، وبعد خروج يأجوج ومأجوج وفنائهم، قال: "فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر (^١)، فعليهم تقوم الساعة" (^٢).
وعن عائشة - ﵂ - أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى"، فقالت عائشة - ﵂ -: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^٣) أن ذلك تاما، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم " (^٤).
_________________
(١) أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٧٠.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٥٠ برقم (٢٩٣٧).
(٣) التوبة: ٣٣.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة: ٤/ ٢٢٣٠، برقم (٢٩٠٦).
[ ٦٥٢ ]
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله يبعث ريحا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة (وفي رواية: مثقال ذرة) من إيمان؛ إلا قبضته" (^١).
أما النظرة العلمية المعاصرة فلم أجد من تكلم عنها فيما يتعلق بالإعجاز العلمي -حسب علمي-.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب في الريح التي تكون قرب القيامة تقبض من في قلبه شيء من الإيمان: ١/ ١٠٩، برقم (١١٧).
[ ٦٥٣ ]