وفيه تمهيد وتسعة مباحث:
المبحث الأول: حركة الأرض.
المبحث الثاني: الجبال.
المبحث الثالث: الزلازل والخسوف والبراكين.
المبحث الرابع: البحار والأنهار.
المبحث الخامس: الليل والنهار.
المبحث السادس: الحياة والموت.
المبحث السابع: النوم.
المبحث الثامن: النبات.
المبحث التاسع: الأمراض.
[ ٤١٧ ]
تمهيد
الآيات الكونية الأرضية هي الآيات السفلية كالأرض والجبال والبحار والأنهار وغيرها.
وفي هذا الفصل أذكر الآية الكونية ومعناها وورودها في القرآن والسنة، ودلالتها العقدية على التوحيد بأقسامه -الربوبية والأسماء والصفات والألوهية- وبقية أركان الإيمان ومسائل العقيدة.
ثم أذكر المخالفات العقدية والأحاديث الموضوعة والضعيفة المتعلقة بهذه الآيات الكونية.
[ ٤١٩ ]
المبحث الأول: حركة الأرض
الأرض في اللغة:
الهمزة والراء والضاد ثلاثة أصول، أصل يتفرع وتكثر مسائله، وأصلان لا ينقاسان بل كل واحد موضوع حيث وضعته العرب. فأما هذان الأصلان فالأرض الزكمة، رجل مأروض أي مزكوم، وهو أحدهما، والآخر الرِعدة، يقال بفلان أرض أي رِعدة.
وأما الأصل الأول: فكل شيء يسفل ويقابل السماء، يقال لأعلى الفرس سماء، ولقوائمه أرض.
والأرض: التي نحن عليها أنثى وهي اسم جنس، وكان حق الواحدة منها أن يقال أرضة؛ ولكنهم لم يقولوا، وفي التنزيل ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^١)، والجمع آراض وأرضين وأروض وأرضون الواو عوض من الهاء المحذوفة المقدرة (^٢).
وفي الاصطلاح:
الأرض كرة ضخمة يتكون سطحها من صخور وتربة وماء، ويحيط بها الهواء. وليست كروية تمامًا؛ إذ إن المسافة بين القطبين أقصر من قطرها عند خط الاستواء (^٣).
_________________
(١) الغاشية: ٢٠.
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٧٩ - ٨١، لسان العرب: ٣/ ٢١٠٧.
(٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١/ ٥١١، ٥١٤.
[ ٤٢٠ ]
وقد ورد لفظ الأرض في القرآن في (٤٥١) موضعًا، ولم يرد بلفظ الجمع (^١).
ووردت الأرض في السنة في (١٠٣) حديثًا (^٢).
وذكر بعض المفسرين أن الأرض في القرآن على سبعة عشر وجها (^٣):
الأول: بمعنى الجنة، قال تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ (^٥).
الثاني:: بمعنى أرض مكة، قال تعالى: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (^٧).
الثالث: بمعنى المدينة النبوية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ (^٨)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (^٩)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (^١٠).
الرابع: بمعنى أرض الشام وبيت المقدس، قال تعالى: ﴿كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ﴾ (^١١)، وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (^١٢).
_________________
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٣٤ - ٤٢.
(٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٢.
(٣) انظر: نزهة الأعين النواظر: ١٦٨، وبصائر ذوي التمييز: ٢/ ٥٤.
(٤) الأنبياء: ١٠٥.
(٥) الزمر: ٧٤.
(٦) النساء: ٩٧.
(٧) الرعد: ٤١.
(٨) النساء: ٩٧.
(٩) العنكبوت: ٥٦.
(١٠) الإسراء: ٧٦.
(١١) الأعراف: ١٣٧.
(١٢) الأنبياء: ٧١.
[ ٤٢١ ]
الخامس: بمعنى أرض مصر خصوصًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (^٢).
السادس: أرض الغرب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣).
السابع: الأرضون السبع، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٤).
الثامن: أرض الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (^٥).
التاسع: بمعنى القبر، قال تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ (^٦).
العاشر: أرض القيامة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (^٧).
الحادي عشر: أرض التيه، قال تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٨).
الثاني عشر: بمعنى أرض بني قريظة، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (^٩).
_________________
(١) القصص: ٤.
(٢) يوسف: ٥٥.
(٣) الكهف: ٩٤.
(٤) هود: ٦.
(٥) المائدة: ٣٣.
(٦) النساء: ٤٢.
(٧) الزمر: ٦٩.
(٨) المائدة: ٢٦.
(٩) الأحزاب: ٢٧.
[ ٤٢٢ ]
الثالث عشر: أرض الروم: ومنه قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (^١).
الرابع عشر: أرض الأردن، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (^٢).
الخامس عشر: أرض الحجر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ (^٣).
السادس عشر: أرض فارس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (^٤)، وقيل: أراد بهذه الأرض النساء.
السابع عشر: القلب: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٥) يعنى منفعة مواعظ القرآن في قلوب الخلْق.
_________________
(١) الروم: ١ - ٣.
(٢) البقرة: ٦٠.
(٣) الأعراف: ٧٣.
(٤) الأحزاب: ٢٧.
(٥) الرعد: ١٧.
[ ٤٢٣ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - حركة الأرض-:
عظم الله من شأن الأرض في كتابه ودعا عباده إلى النظر إليها والتفكر في خلقها، ونوه بذكرها أكثر مما عظم من شأن الشمس والقمر والكواكب. وقرن خلقها مع خلق السماوات في عدة آيات من القرآن. وأخبر أنه خلقها وما فيها في أربعة أيام، وأنه خلق السماوات وما فيهن في يومين وذلك يدل على عظم الأرض (^١)، "وعظمة خالقها، وسعة سلطانه، وعميم إحسانه، وإحاطة علمه، بالظواهر والبواطن" (^٢)، وأنه وحده الأحد الفرد الصمد، وأنه لم يخلق الخلق سدى.
قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٨).
_________________
(١) ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، ط ١: ١٧.
(٢) تفسير السعدي: ٨٠٩.
(٣) الذاريات: ٢٠.
(٤) الذاريات: ٤٨.
(٥) غافر: ٦٤.
(٦) البقرة: ٢٢.
(٧) الغاشية: ١٧ - ٢٠
(٨) الجاثية: ٣.
[ ٤٢٤ ]
قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: "وإذا نظرت إلى الأرض وكيف خلقت رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها"
ثم ذكر بعض أنواع الخلق فيها، وأن الله - ﷿ - خلقها"فراشا ومهادا، وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتادا تحفظها لئلا تميد بهم"
ثم قال - ﵀ -: " ولولا أن هذا من أعظم آياته لما نبه عليه عباده وهداهم إلى التفكير فيه" (^١).
ولما كان القرآن كثيرًا ما يقرن بين السماوات والأرض كان الاستدلال بالأرض على المسائل العقدية- في مواضع كثيرة - هو نفس الاستدلال بالسماوات، وسأشير إلى ذلك - إن شاء الله تعالى-.
ثبات الأرض:
أخبر الله - ﷿ - أنه خلق الأرض ومدها وأرساها بجبال راسيات شامخات ترسو بها، أي تثبت (^٢)، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩ باختصار، وانظر: التحرير والتنوير: ٢٧/ ١٩، ٣٠/ ٣٠٣.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٠، ١٠/ ١٣، ٩٠، وتفسير البغوي: ٢/ ٥٠٩، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٤٣١، ٥٦٣، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٢/ ٣٦٠.
(٣) الرعد: ٣.
[ ٤٢٥ ]
أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^١)، "ولو كانت تجري وتدور على الشمس لكانت تزول من مكان إلى مكان وهذا خلاف نص الآية الكريمة" (^٢).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٤) أي: "قارة ساكنة ثابتة، لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك" (^٥).
وقد نقل أكثر من واحد الإجماع على وقوف الأرض وسكونها (^٦)، بل نُقل إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك (^٧).
وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها، وزلزلة الأرض على نوعين: زلزلة عامة وهي التي تكون يوم القيامة، وزلزلة خاصة وهي التي تكون في نواحي الأرض (^٨).
_________________
(١) فاطر: ٤١
(٢) الصواعق الشديدة: ٢٣.
(٣) غافر: ٦٤.
(٤) النمل: ٦١.
(٥) تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٠٣.
(٦) انظر: الفرق بين الفرق: ٢٩٠.
(٧) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٠. وانظر: الصواعق الشديدة: ٥٣، وذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق: ٣٤٧.
(٨) انظر: تفسير التحرير والتنوير: ١٧/ ١٨٧، وتتمة أضواء البيان للشيخ عطية سالم: ٩/ ٤٣٠.
[ ٤٢٦ ]
وعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت" (^١).
وفي حديث صفوان بن عسال المرادي - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: " ذكر بابا من قِبل المغرب مسيرة عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاما، قال سفيان: قِبل الشام، خلقه الله يوم خلق السموات والأرض مفتوحا - يعني للتوبة - لا يغلق حتى تطلع الشمس منه" (^٢).
"وهذا الحديث الصحيح من أقوى الأدلة على أن الأرض ساكنة لا تدور ولا تفارق موضعها أبدًا. وهذا مستفاد من النص على أن باب التوبة ثابت في ناحية المغرب لا يزايله ولا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" (^٣)، ولو كانت متحركة لكانت وجهة ذلك الباب تختلف بحسب دوران الأرض فتكون من ناحية المغرب تارة ومن ناحية المشرق تارة (^٤).
والله"لم يقرن الأرض في القرآن كله من أوله إلى آخره في حال ذكرها مقرونة مع غيرها لم يذكرها مقرونة إلاّ مع السماوات، وأما الشمس فلم يذكرها مقرونة إلاّ مع القمر والنجوم الأخرى، وهذا له دلالة على أن الثابت يُذكر مقرونًا مع الثابت، والمتحرك يُذكر مقرونًا مع المتحرك، بل حتى لو جاء ذكر تلك الأجرام مقرونة فإن الله تعالى يذكر أولًا السماوات والأرض بعدها،
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ١١٥: ٥٣٣ برقم (٣٣٦٩)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني، انظر: ضعيف سنن الترمذي: ٤٤٠ برقم (٦٦٨).
(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده: ٥٥٦ برقم (٣٥٣٥)، وقال: حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني، انظر: صحيح الترمذي: ٣/ ١٧٣ برقم (٢٨٠١).
(٣) الصواعق الشديدة: ٣٣.
(٤) انظر: المصدر السابق: ٣٣.
[ ٤٢٧ ]
ثم يذكر الشمس والقمر والنجوم بعد ذلك، فلم يأت قط في القرآن أن الشمس ذُكرت مقرونة مع السماوات في آية، أو أن الشمس تُذكر بعد السماوات في حال ذكر الأجرام الكونية معها، ثم تُذكر الأرض مع القمر والنجوم، وهذا يدل على أن الثوابت تذكر مع بعضها وهي السماوات والأرض، وأن المتحركة تذكر مع بعضها وهي الشمس والقمر والنجوم وهذه الحقيقة واضحة لكل من تدبر آيات القرآن" (^١).
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين - ﵀ -: عن دوران الأرض؟ ودوران الشمس حول الأرض؟ وما توجيهكم لمن أسند إليه تدريس مادة الجغرافيا وفيها أن تعاقب الليل والنهار بسبب دوران الأرض حول الشمس؟ فأجاب فضيلته بقوله: "خلاصة رأينا حول دوران الأرض أنه من الأمور التي لم يرد فيها نفي ولا إثبات لا في الكتاب ولا في السنة، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (^٢) ليس بصريح في دورانها، وإن كان بعض الناس قد استدل بها عليه محتجًا بأن قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يدل على أن للأرض حركة، لولا هذه الرواسي لاضطربت بمن عليها. وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٣). ليس بصريح في انتفاء دورانها، لأنها إذا كانت محفوظة من الميدان في دورانها بما ألقى الله فيها من الرواسي صارت قرارًا وإن كانت تدور.
أما رأينا حول دوران الشمس على الأرض الذي يحصل به تعاقب الليل والنهار، فإننا مستمسكون بظاهر الكتاب والسنة من أن الشمس تدور على
_________________
(١) جريان الشمس وسكون الأرض لخالد بن صالح الغيص، http: //islamtoday.net/nawafeth/artshow-٤٠ - ١٤٢٧٢٦.htm
(٢) النحل: ١٥.
(٣) غافر: ٦٤.
[ ٤٢٨ ]
الأرض دورانًا يحصل به تعاقب الليل والنهار، حتى يقوم دليل قطعي يكون لنا حجة بصرف ظاهر الكتاب والسنة إليه - وأنى ذلك - فالواجب على المؤمن أن يستمسك بظاهر القرآن الكريم والسنة في هذه الأمور وغيرها " (^١).
وهذه المسألة تكمن أهميتها في أنها تتعلق بإيماننا وتصديقنا بالقرآن الكريم الذي سنسأل عنه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (^٢).
فإن من أولى صفات المؤمنين المذكورة في القرآن هي أنهم يؤمنون بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (^٣)، ودين الله لم يأت ليوافق ما درج وسار عليه الناس في أقوالهم وعاداتهم وعلومهم بل جاء ليبين الحق ولو خالف ما عليه الناس من باطل، كما جاء في صفة نبينا - ﷺ - عندما سأل هرقل عظيم الروم أبا سفيان عن نبينا: " قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة" (^٤).
أولًا: وجود الله:
سبق في الفصل الخامس - مبحث السماء (^٥) - الاستدلال بالآية الكونية - السماء- على وجود الله، وذلك أن خلقها ووجودها بعد العدم، وتسخيرها
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ١/ ٧٠.
(٢) الزخرف: ٤٣ - ٤٤.
(٣) البقرة: ٣ - ٤.
(٤) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -: ٢٢ برقم (٧).
(٥) ص: ١٨٣.
[ ٤٢٩ ]
دليل قاطع على وجود الله - ﷿ -؛ لافتقار المخلوق إلى الخالق، واحتياج المحدَث إلى المحدِث (^١)، وأن العناية بها، والإتقان فيها يدل على وجود خالقها وكمال ذاته وصفاته، وكذلك يقال في خلق الأرض والاستدلال به على وجود الله - ﷿ - كما قيل في السماء، قال تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٣).
ثانيًا: توحيد الربوبية:
سبق في الفصل الخامس - مبحث السماء (^٤) - بيان الاستدلال بالآية الكونية السماء على ربوبية الله، وأن النظر في ملكوت السماوات والتأمل في خلقها يدل على ربوبية الله ووحدانيته - ﷿ -، في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه (^٥)، وكذلك يقال في الآية الكونية - الأرض- كما قيل في السماء، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٦).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٥، والأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد: ٢٠٩ - ٢٢٦.
(٢) العنكبوت: ٤٤.
(٣) إبراهيم: ١٠.
(٤) ص: ١٨٥.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٣، ٢٨٦، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠.
(٦) الأنعام: ٧٥.
[ ٤٣٠ ]
دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (^٣).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - التنزيه:
سبق في الفصل الخامس - مبحث السماء (^٤) - أن السماء والأرض تسبح الله وتقدسه، وتنزهه عما وصفه المشركون، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (^٦).
٢ - صفة الكلام لله - ﷿ -:
سبق في الفصل الخامس - مبحث السماء - (^٧) أن من الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة لإثبات صفة الكلام لله - ﷿ - والرد على من زعم أن
_________________
(١) البقرة: ١٠٧
(٢) ص: ٦٥ - ٦٦.
(٣) لقمان: ٢٥.
(٤) ص: ١٨٨.
(٥) الإسراء: ٤٤.
(٦) مريم: ٩٠ - ٩١.
(٧) ص: ١٩٥.
[ ٤٣١ ]
المتكلم لا بد أن يكون له لسان وجوف وشفتان، أن الله - ﷿ - أخبر أن السماء تكلمت، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^١)، فكذلك يستدل بتكلم الأرض على إثبات صفة الكلام لله - ﷿ - ويرد على من زعم أن المتكلم لا بد أن يكون له لسان وجوف وشفتان (^٢).
رابعًا: توحيد الألوهية:
الله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله - ﷿ - بالعبادة (^٣).
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).
أي"أعبادة ما تشركون أيها الناس بربكم خير وهو لا يضر ولا ينفع، أم الذي جعل الأرض لكم قرارا تستقرون عليها لا تميد بكم ﴿وَجَعَلَ﴾ لكم ﴿خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ يقول: بينها أنهارا ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي ثوابت الجبال، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ بين العذب والملح، أن يفسد أحدهما صاحبه ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ سواه فعل هذه الأشياء فأشركتموه في عبادتكم إياه؟
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله، وما عليهم من الضر في إشراكهم في
_________________
(١) فصلت: ١١.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل: ٢/ ٣٩٣، ٤/ ١٥٩.
(٣) التحرير والتنوير: ٢٤/ ١٨٩، ١٧/ ٥٧ وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٩٦.
(٤) النمل: ٦١.
[ ٤٣٢ ]
عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادهم الله بالألوهة، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كل معبود سواه" (^١).
خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:
استدل الله - ﷿ - على البعث وإعادة الأجساد بقدرته على خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (^٢).
فلو تدبروا هذه الحجة وتأملوها لبأن لهم وظهر أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على البعث وإعادة الأجساد، وأن من أنكر ذلك فإنه مستكبر معناد للحق (^٣)، قال ابن كثير - ﵀ -: " أي إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجّاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام" (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري: ١٩/ ٤٨٤.
(٢) سبأ: ٩.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ١٥٢، وتفسير ابن سعدي: ٧٥٠.
(٤) تفسير ابن كثير: ٦/ ٤٩٦.
[ ٤٣٣ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأرض-:
أولًا: التكفير لمن قال بدوران الأرض:
من المخالفات المتعلقة بهذه الآية الكونية الإقدام على تكفير من قال بدوران الأرض، "بغير حجة يعتمد عليها، من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ -، ولا شك أن هذا من الجرأة على الله وعلى دينه، ومن القول عليه بغير علم، وهو خلاف طريقة أهل العلم والإيمان من السلف الصالح - ﵃ - وجعلنا من أتباعهم بإحسان، وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" (^١)، وقال - ﷺ -: " من دعا رجلا بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه" (^٢)، أي رجع عليه ما قال" (^٣).
وقد أنكر الشيخ عبد العزيز بن باز (^٤) - ﵀ - تكفير من قال بدوران الأرض،
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر: ١/ ٧٩ برقم (٦٠).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم: ١/ ٧٩ برقم (٦١).
(٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبدالعزيز بن باز، جمع: محمد الشويعر، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ط ٣: ٩/ ٢٥٦، وانظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٢/ ١٢٥.
(٤) هو الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، من أئمة أهل السنة في هذا العصر، له من المؤلفات: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، والعقيدة الصحيحة، ونقد القومية العربية، وغيرها، توفي عام ١٤٢٠. انظر: مقدمة فتاوى اللجنة الدائمة: ١/ ٣٠، وعالم فقدته الأمة لممحمد بن سعد الشويعر، ط ١.
[ ٤٣٤ ]
فقال: "أما دورانها فقد أنكرته وبينت الأدلة على بطلانه ولكني لم أكفر من قال به" (^١).
_________________
(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز: ٩/ ٢٢٨.
[ ٤٣٥ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - لو كان الله ينام لم تستمسك السماء والأرض:
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحكي عن موسى - ﵇ - على المنبر قال: "وقع في نفس موسى - ﵇ -: هل ينام الله - ﷿ -؟ فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومه، فاصطفقت يداه فتكسرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلًا إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" (^١).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٢٤٢.
[ ٤٣٦ ]
المبحث الثاني الجبال
الجبل في اللغة:
الجيم والباء واللام أصل يطرد ويقاس، وهو تجمع الشيء في ارتفاع. والجبل معروف، وهو اسم لكل وتد من أوتاد الأرض إذا عظم وطال، والجمع أَجْبُل وأَجْبال وجِبال، وأَجْبَل القومُ صاروا إِلى الجَبَل وتَجَبَّلوا دَخَلوا في الجَبَل (^١).
وفي الاصطلاح:
الجبل جزء من تضاريس الأرض، يعلو كل ما يجاوره. والجبال عامة أكبر من التلال.
وللجبال جوانب ومنحدرات شديدة وقمم وأجرف حادة، أو مستديرة قليلًا. وكثير من علماء الأرض يعتبرون المنطقة المرتفعة من الأرض جبلًا إذا احتوت على نطاقين مناخيين أو أكثر، ونطاقين من الحياة النباتية أو أكثر، على ارتفاعات مختلفة. وفي معظم أرجاء العالم فإن ارتفاع جبل ما يجب ألا يقل عن ٦٠٠ م عمَّا حوله ليحتوي على نطاقين مناخيين. وعادة يعبر عن ارتفاع الجبل بالمسافة التي ترتفعها قمته فوق مستوى سطح البحر (^٢).
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٥٠٢، لسان العرب: ١/ ٥٣٧.
(٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٨/ ٢٠١.
[ ٤٣٧ ]
وقد ورد لفظ الجبل في القرآن في (٦) مواضع، وبلفظ الجمع في (٣٣) موضعًا (^١).
وورد الجبل والجبال في السنة في (٤٢) حديثًا (^٢).
وذكر بعض المفسرين أن الجبل في القرآن على عشرين وجها (^٣):
الأول: جبال الموج للسلامة في حق نوح - ﵇ -، والهلكة في حق المشركين من قومه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ (^٤).
الثاني: جبال ثمود للمهارة والحذاقة: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ (^٥)، وفي موضع: ﴿فَارِهِينَ﴾ (^٦).
الثالث: محل موسى - ﵇ - حال الرؤية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ (^٧).
الرابع: جبل إبراهيم - ﵇ - لإظهار القدرة والإحياء بعد الإماتة: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ (^٨).
الخامس: جبل بنى إسرائيل لقبول الأمر والشريعة: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ (^٩).
السادس: الجبل المذكور لتأثير المكر والحيلة من القرون الماضية: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (^١٠).
_________________
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٢.
(٣) انظر: بصائر ذوي التمييز: ٢/ ٣٦٢.
(٤) هود: ٤٢.
(٥) الحجر: ٨٢.
(٦) الشعراء: ١٤٩.
(٧) الأعراف: ١٤٣.
(٨) البقرة: ٢٦٠.
(٩) الأعراف: ١٧١.
(١٠) إبراهيم: ٤٦.
[ ٤٣٨ ]
السابع: جبل النحل لتحصيل العسل للشفاء والراحة: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ (^١).
الثامن: المذكور للكنّ والكفاية: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ (^٢).
التاسع: المذكور لقهر المتكبرين عن الرعونة والتكبر: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (^٣).
العاشر: تزعزع الجبال بيانا لصعوبة حال القيامة: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ (^٤)،
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ (^٥)، ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (^٦).
الحادي عشر: المذكور للمتكبرين والمدعين لإظهار السياسة: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (^٧).
الثاني عشر: السؤال عن حال الجبال وبيان صعوبتها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ (^٨).
الثالث عشر: المذكور بالتسبيح موافقة لداود - ﵇ -: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ (^٩)، ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ (^١٠)، ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (^١١).
_________________
(١) النحل: ٦٨.
(٢) النحل: ٨١.
(٣) الإسراء: ٣٧.
(٤) الكهف: ٤٧.
(٥) الطور: ١٠.
(٦) التكوير: ٣.
(٧) مريم: ٩٠.
(٨) طه: ١٠٥.
(٩) ص: ١٨.
(١٠) الأنبياء: ٧٩.
(١١) سبأ: ١٠.
[ ٤٣٩ ]
الرابع عشر: المذكور للانقياد وموافقته للشجر والنجوم إظهارا للخدمة (^١): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾ (^٢).
الخامس عشر: جبال البرد والمطر: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (^٣).
السادس عشر: الإخبار عن حال الجبال في القيامة لبيان الحيرة والدهشة: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (^٤).
السابع عشر: المذكور لعرض الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ (^٥).
الثامن عشر: المذكورة في سورة الواقعة والحاقة والقارعة لتأثير صعوبة القيامة: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (^٦)، ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (^٧)، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (^٨).
التاسع عشر: المذكور لتثبيت الأرض وتسكينها: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (^٩).
العشرون: لبيان برهان الموحدين: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (^١٠).
_________________
(١) انظر: مبحث عبودية الكائنات: ٦٥، وفيه بيان سجود وتسبيح هذه الكائنات سجودا وتسبيحًا حقيقيًا، الله أعلم بكيفيته.
(٢) الحج: ١٨.
(٣) النور: ٤٣.
(٤) النمل: ٨٨.
(٥) الأحزاب: ٧٢.
(٦) الواقعة: ٥.
(٧) الحاقة: ١٤.
(٨) القارعة: ٥.
(٩) النازعات: ٣٢.
(١٠) الغاشية: ١٩.
[ ٤٤٠ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - الجبال-:
الجبال من آيات الله العظيمة التي أمر الله - ﷿ - بالتفكر فيها (^١)، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٢).
وهي من دلائل وحدانية الله - ﷿ - ومما يقر به المشركون، وقد سأل ضمام - ﵁ - قبل إسلامه النبي - ﷺ - واستحلفه"بالذي نصب الجبال" (^٣) على صدق رسالته، وأن الله أمره بالدعوة إلى التوحيد.
قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: " فصل، ثم تأمل الحكمة العجيبة في الجبال الذي يحسبها الجاهل الغافل فضلة في الارض لا حاجة اليها وفيها من المنافع ما لا يحصيه الا خالقها وناصبها، وفي حديث إسلام ضمام بن ثعلبة قوله للنبي - ﷺ -: " بالذي نصب الجبال وأودع فيها المنافع آلله امرك بكذا وكذا؟ قال: اللهم نعم"
ثم ذكر جملة من المنافع، ثم قال: " ولقد دعانا الله سبحانه في كتابه إلى النظر فيها وفي كيفية خلقها فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٤)، فخلْقُها ومنافعها من أكبر الشواهد على قدره باريها وفاطرها وعلمه وحكمته
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢٠/ ٣٤، والتحرير والتنوير: ٣٠/ ٣٠٤.
(٢) الغاشية: ١٧ - ٢٠.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام: ١/ ٤١ برقم (١٢)، وحديث إسلام ضمام بن ثعلبة في صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما جاء في العلم: ٣٦ برقم (٦٣)
(٤) الغاشية: ١٧ - ٢٠.
[ ٤٤١ ]
ووحدانيته، هذا مع أنها تسبح بحمده وتخشع له، وتسجد وتشقق وتهبط من خشيته، وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الأمانة إذ عرضها عليها وأشفقت من حملها
فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها وعظمته" (^١).
أولًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - التنزيه:
سبق في الفصل الخامس - مبحث السماء (^٢) - أن السماء والأرض تسبح الله وتقدسه، وتنزهه عما وصفه المشركون، وكذلك الجبال فإنها تكاد أن تسقط من دعوة المشركين لله الولد تنزيها وتعظيما لله تعالى، قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (^٣).
٢ - صفة التجلي ورؤية المؤمنين لربهم ﷾:
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٣٦ باختصار.
(٢) ص: ١٨٨.
(٣) مريم: ٩٠ - ٩١.
(٤) الأعراف: ١٤٣.
[ ٤٤٢ ]
في هذه الآية إثبات صفة التجلي لله - ﷿ -، فإن الله تجلى للجبل فجعله دكًا ولم يطق الثبات (^١).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، قال: قال هكذا يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أحمد: أراناه معاذ، قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال فضرب صدره ضربة شديدة. وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد! يحدثني به أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - فتقول أنت ما تريد إليه" (^٢).
قال الإمام أحمد - ﵀ -: " وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو الذي كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًا، ولا يماثله شيءٌ من الأشياء في شيءٍ من صفاته، فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة أحد، ولا كاستوائه استواء أحد، ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد، ولا كتجلِّيه تجلِّي أحد" (^٣).
وفي الآية أيضًا دليل على إثبات رؤية المؤمنين لربهم؛ لأن الله رتب الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - لموسى - ﵇ - في بيان سبب عدم إجابته للرؤية - ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ (^٤) إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (^٥).
_________________
(١) انظر: التمهيد: ٧/ ١٥٣، مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢١٤، وتفسير السعدي: ٣٠٢، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٢/ ٤٠.
(٢) مسند الإمام أحمد: ١٩/ ٢٨١ برقم (١٢٢٦٠)، وقال محققه: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمه فمن رجال مسلم.
(٣) مجموع الفتاوى: ٥/ ٢٥٧.
(٤) الأعراف: ١٤٣.
(٥) الأعراف: ١٤٣.
[ ٤٤٣ ]
فالله - ﷿ - لم ينسب موسى - ﵇ - إلى الجهل بسؤال الرؤية، ولم يقل إني لا أرى، بل علق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا.
وهذا من أدلة رؤية المؤمنين لربهم، ولكنهم لا يرونه في الدنيا، وإنما يرونه في الآخرة، كما وردت بذلك الآيات والأحاديث الصحيحة، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (^١)، وقال تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^٢)، فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا (^٣). وقال - ﷺ -: " تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه - ﷿ - حتى يموت" (^٤).
ثانيًا: توحيد الألوهية:
سبق في المبحث السابق - الأرض (^٥) - أن الله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله - ﷿ - بالعبادة (^٦)، وذكر منها الجبال التي جعلها الله رواسي، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا
_________________
(١) القيامة: ٢٢ - ٢٣.
(٢) المطففين: ١٥.
(٣) انظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لأبي عبدالله عبيد الله بن محمد بن بطة، تحقيق: الوليد بن سيف نصر، دار الراية، الرياض، ط ١: ٣/ ٥٩، وكتاب التوحيد لابن خزيمة: ١/ ٣٥٤.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد: ٤/ ٢٢٤٤ برقم (١٦٩).
(٥) ص: ٣٩٩.
(٦) التحرير والتنوير: ٢٤/ ١٨٩، ١٧/ ٥٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٩٦.
[ ٤٤٤ ]
أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).
وفي دعوة الله للمشركين لإفراده بالعبادة ذكر الله - ﷿ - جملة من النعم، ومنها الجبال التي جعل منها الحصون والمعاقل، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ وعلل ذلك بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (^٢)، "أي حتى تؤمنوا بالله وحده، وتتركوا الشرك وعبادة الأوثان، فتدخلوا جنة ربكم" (^٣).
ومن دلائل توحيد الله - ﷿ - التفكر في خلق السماوات والأرض وما فيها، ومن ذلك نصب الجبال، فإن فيها خلق بديع، وقد سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون إليها (^٤)، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٥).
الخشوع:
أخبر الله - ﷿ - أن من صفات عباده المؤمنين الخشوع، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^٧).
_________________
(١) النمل: ٦١.
(٢) النحل: ٨١.
(٣) التحرير والتنوير: ١٧/ ٢٢٧.
(٤) تفسير السعدي: ٩٢٢.
(٥) الغاشية: ١٧ - ٢٠.
(٦) المؤمنون: ١ - ٢.
(٧) الأنبياء: ٩٠.
[ ٤٤٥ ]
وبين الله - ﷿ - أن الجبال لو أنزل عليها القرآن لخشعت وتصدعت من خشية الله، فكذلك ينبغي أن يكون قلب المؤمن خاشعا عند سماعه للقرآن ومواعظه (^١)، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).
ثالثًا: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومن
ذلك الملك الموكل بالجبال وهو ملك الجبال، وقد ورد ذكره في حديث خروج النبي - ﷺ - إلى أهل الطائف في بداية البعثة ودعوته إياهم وعدم استجابتهم له، وفيه يقول النبي - ﷺ -: " فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال. فسلم عليّ ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي - ﷺ - بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا" (^٣).
رابعًا: الإيمان بالكتب:
أخبر الله - ﷿ - أن القرآن الذي أنزله على نبينا محمد - ﷺ - مهيمنا على جميع الكتب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٧٨، وتفسير السعدي: ٨٥٣.
(٢) الحشر: ٢١.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين: ٣/ ١٤٢٠ برقم (١٧٩٥).
[ ٤٤٦ ]
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^١)، كما أخبر تعالى عن فضل القرآن على غيره من الكتب، وأنه لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره (^٢)، وذلك"لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له" (^٣).
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (^٤).
خامسًا: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات: الآية التي أظهرها الله - ﷿ - لقوم موسى - ﵇ - لأخذ العهد عليهم للعمل بالتوراة، فكان رفع الطور (^٥)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٦).
ومن الآيات التي أيد الله بها رسله تسخير الجبال مع نبي الله داود - ﵇ -: " وذلك أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم لله ذكرا وتسبيحا وتمجيدا، وكان قد أعطاه الله من حسن الصوت ورقته ورخامته، ما لم يؤته أحدا من الخلق، فكان إذا سبح وأثنى على الله، جاوبته الجبال الصم والطيور البهم، وهذا
_________________
(١) المائدة: ٤٨.
(٢) انظر: تفسير السعدي: ٤١٨، والتحرير والتنوير: ١٣/ ١٤٣.
(٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٦٠، وانظر: تفسير الطبري: ١٦/ ٤٤٩.
(٤) الرعد: ٣١.
(٥) انظر: سنن النسائي الكبرى، كتاب التفسير، سورة طه: ١٠/ ١٧٢ برقم (١١٢٦٣)، وتفسير الطبري: ٩/ ١٣٠.
(٦) الأعراف: ١٧١.
[ ٤٤٧ ]
فضل الله عليه وإحسانه" (^١). قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (^٣).
ومن دلائل نبوة نبينا محمد - ﷺ - أنه ضرب جبل أحد برجله لما رجف به، وقال له: اسكن فسكن، عن أنس - ﵁ - قال: صعد النبي - ﷺ - أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل، فقال: "اسكن، وضربه برجله فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان" (^٤).
ومن دلائل نبوة الأنبياء الكرامات التي يجريها الله على - ﷿ - على يدي أتباع الرسل، إجابة لدعوتهم ونصرة لهم، ومن ذلك قصة الغلام مع الملك الذي أرداد أن يقتله إن لم يرجع عن دينه، فأبى الغلام، فأمر الملك" نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك" (^٥).
_________________
(١) تفسير السعدي: ٥٢٨، وانظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٤٩٧، والتحرير والتنوير: ١٧/ ١١٩.
(٢) الأنبياء: ٧٩
(٣) ص: ١٧ - ١٨.
(٤) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي - ﵁ -: ٧٠٦ برقم (٣٦٩٧)، وانظر: دلائل النبوة للبيهقي: ٦/ ٣٥٠، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٦/ ٤٥٥.
(٥) صحيح مسلم: كتاب الزهد والرقاق، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام: ٤/ ٢٢٩٩ برقم (٣٠٠٥) وانظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ١٣٠، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٨/ ٤٨٤.
[ ٤٤٨ ]
سادسًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله - ﷿ - من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل أنه سبحانه جعل الجبال أوتادا للأرض تمسكها عن الأضطراب، وأن القادر على ذلك قادرٌ على البعث والجزاء، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (^١).
فالذي أنعم"بهذه النعم العظيمة، التي لا يقدر قدرها، ولا يحصى عددها، كيف تكفرون به وتكذبون ما أخبركم به من البعث والنشور؟ ! أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟ " (^٢).
وفي معرض الأدلة الواضحة التي استدل الله بها على منكري البعث ذكر الله - ﷿ - أنه ثبت الأرض بالجبال الرواسي (^٣)، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (^٤).
سابعًا: الإيمان بالقدر:
من الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته، وقد نبه الله - ﷿ - على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (^٥)، فخلق الجبال مختلفة الألوان، كما
_________________
(١) النبأ: ٦ - ١٧.
(٢) تفسير السعدي: ٩٠٦.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٣١٦، وتفسير السعدي: ٩٠٩.
(٤) النازعات: ٢٧ - ٣٣.
(٥) فاطر: ٢٧.
[ ٤٤٩ ]
هو مشاهد من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق - وهي الجدد جمع جدة- مختلفة الألوان. وفيها غرابيب سود، أي شديدة السواد جدا؛ ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته.
وفي"تفاوتها دليل عقلي على مشيئة الله تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة الله تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم. وذلك أيضا، دليل على سعة علم الله تعالى" (^١).
ثامنًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:
ضرب الأمثال:
ضرب الله - ﷿ - مثالًا للقاسية قلوبهم - الذين نسوا الله- وانتفاء تأثرهم بقوارع القرآن بالجبل الجامد الذي لو أنزل عليه القرآن لخشع وتصدع من خشية الله، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).
أي"لو كان المخاطب بالقرآن جبلا، لتأثر بخطاب القرآن تأثرا ناشئا من خشية لله خشية تؤثرها فيه معاني القرآن" (^٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (^٤)، قيل: أن الجبال"ضُربت مثلًا لأمر النبي
_________________
(١) تفسير السعدي: ٦٨٨.
(٢) الحشر: ٢١.
(٣) التحرير والتنوير: ٢٨/ ١١٦، وانظر: تفسير القرطبي: ١٨/ ٤٤.
(٤) إبراهيم: ٤٦.
[ ٤٥٠ ]
- ﷺ -، وثبوت دينه كثبوت الجبال الراسية والمعنى: لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبال، لما زال أمر الإسلام" (^١).
وفي بيان عناية الله تعالى بصدقة عبده إذا قبلها منه أخبر النبي - ﷺ - أن الله - ﷿ - يربيها حتى تكون مثل الجبل، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيبٍ ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، فإن اللَّه يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل" (^٢).
تاسعًا: مسائل الأسماء والأحكام:
من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون بكل ذنب، وأن من أرتكب كبيرة من الكبائر فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (^٣).
وأخبر النبي - ﷺ - أن أناس من المسلمين يأتون يوم القيامة بذنوب كالجبال فيغفرها لهم، عن أبي بردة عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: "يجيء الناس يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى (^٤) " (^٥)
_________________
(١) زاد المسير في علم التفسير: ٤/ ٣٧٤، وانظر: تفسير البغوي: ٢/ ٥٦٩.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقوله جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾: ١٤١٥ برقم (٧٤٣٠) وانظر: فتح الباري: ١٣/ ٤١٥، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان: ١/ ٣٨٤.
(٣) النساء: ٤٨.
(٤) معناه: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين، ولا بدمن هذا التأويل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقوله ويضعها المراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم، كما ذكرناه؛ لكن لما أسقط ﷾ عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم صاروا فى معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم حملوا الاثم الباقى وهو إثمهم، ويحتمل أن يكون المراد آثاما كان للكفار سبب فيها بأن سنوها فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنوها ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها. والله أعلم. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي: ١٧/ ١٨٥.
(٥) صحيح مسلم، كتابة التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله: ٤/ ٢١١٩ برقم (٢٧٢٦)، .
[ ٤٥١ ]
أولًا: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الجبال - التحريف لمعنى محبة الجبل للنبي - ﷺ -، فقد أخبر النبي - ﷺ - عن جبل أحد بقوله: "هذا جبل يحبنا ونحبه" (^١).
فقيل المراد بذلك: يحبنا أهله، وقيل: نحن نحبه ونستبشر برؤيته، فلو كان هو ممن يعقل لأحبنا على سبيل مطابقة الكلام ومجانسة الألفاظ، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: أن محبتنا له محبة من يعتقد أنه يحبنا، وقيل: أن تكون المحبة هنا عبارة عن الانتفاع بمن يحبنا في الحماية والنصرة (^٢).
والصحيح أن"محبته حقيقية كما يسبح كل شيء حقيقة؛ ولكن لا يفهم ذلك الناس وغير نكير أن يصنع الله محبة رسوله في الجماد وفيما لا يعقل كعقل الآدميين، كما وضع الله خشيته في الحجارة فأخبر في محكم كتابه بأن منها ما يهبط من خشية الله ومثل هذا كثير قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (^٣) " (^٤)
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه: ٢/ ١٠١١ برقم (١٣٩٢).
(٢) انظر هذه الأقوال في: الأسماء والصفات للبيهقي: ٢/ ٢٨١، وإكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم: ٤/ ٤٨٥، والاستذكار: ٢٥/ ٣٤.
(٣) الإسراء: ٤٤.
(٤) الاستذكار ٢٥/ ٣٥، وانظر: شرح النووي على مسلم: ٩/ ١٤٠، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٨/ ١٠.
[ ٤٥٣ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
عن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى. ووقع بمكة: حراء، وثَبِير، وثور" (^١).
_________________
(١) وهو حديث موضوع: قال أبو حاتم بن حبان الحافظ: هذا حديث موضوع ولا أصل له. انظر الموضوعات لابن الجوزي: ١/ ١٧٣، وقال ابن كثير: "هذا حديث غريب، بل منكر". انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٠١.
[ ٤٥٤ ]
المبحث الثالث الزلازل والخسوف والبراكين
الزلزال في اللغة:
الزاء واللام أصل مطرد منقاس في المضاعف، وكذلك في كل زاء بعدها لام في الثلاثي. وهذا من عجيب هذا الأصل. تقول: زلَّ عن مكانه زَليلًا وزَلًاّ. وتزلزَلت الأرضُ: اضطربت، وزُلْزِلَتْ زِلْزَالًا.
والزَّلْزَلة والزَّلْزال تحريك الشيء، وقد زَلْزَله زَلْزَلةً وزِلْزالًا، والاسم الزَّلْزال وزَلْزَلَ اللهُ الأَرْضَ زَلْزَلَةً وزِلْزالًا بالكسر فَتَزَلْزَلَتْ هي. والزَّلْزَلة التخويف والتحذير ومنه قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (^١) أَي خوفوا وحذروا، والزلازل الشدائد والأهوال، والزَّلزلة في الأصل الحركة العظيمة والإزعاج الشديد ومنه زَلْزَلة الأرض (^٢).
وفي الاصطلاح:
الزلزال هو: اهتزاز الأرض بسبب انكسار وزحزحة مفاجئة لقطاعات عريضة من قشرة الأرض الصخرية الخارجية. وهو من أعظم الأحداث ذات القوة الهائلة التي تُصيب الأرض ولها نتائج مرعبة (^٣).
_________________
(١) البقرة: ٢١٤.
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٢، لسان العرب: ٣/ ١٨٥٦.
(٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١١/ ٥٩١.
[ ٤٥٥ ]
الخسف في اللغة:
الخاء والسين والفاء أصل واحد يدل على غموض وغؤور، وإليه يرجع فروع الباب. فالخسْف والخسَف غموض ظاهر الأرض. قال الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (^١).
والخسف سُؤُوخُ الأَرض بما عليها. خَسَفَتْ تَخْسِفُ خَسْفًا وخُسوفًا وانْخَسَفَتْ، وخَسَفَها الله، وخَسَف الله به الأَرضَ خَسْفًا أَي غابَ به فيها. وخَسَفَ المكانُ يَخْسِفُ خُسوفًا: ذهَب في الأَرض وخَسَفَه الله تعالى، وخُسِفَ بالرجل وبالقوم إذا أَخذته الأرض ودخل فيها والخَسْفُ إلْحاقُ الأَرض الأُولى بالثانية (^٢).
وفي الاصطلاح:
انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها، وعكسه. يقال: خسفت الأرض وخسف الله الأرض فانخسفت، فهو يستعمل قاصرا ومتعديا، وإنما يكون الخسف بقوة الزلزال (^٣).
البركان في الاصطلاح:
هو فتحة في سطح الأرض، تتفجر وتثور من خلالها الحمم، والغازات الحارة، والشظايا الصخرية. وتتشكل هذه الفتحة عند اندفاع الصخر المنصهر من باطن الأرض، متفجرًا على سطح الأرض. وتكون معظم البراكين على هيئة جبال، وبخاصة الجبال المخروطية الشكل التي تكونت حول الفتحة
_________________
(١) القصص: ٨١.
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٢/ ١٨٠، ولسان العرب: ٢/ ١١٥٧.
(٣) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٨٥.
[ ٤٥٦ ]
نتيجة تجمع وتراكم الحمم ومواد أخرى قُذِفت إلى سطح الأرض أثناء الثوران البركاني (^١).
وقد وردت الزلزلة في القرآن في (٦) مواضع، والخسف في (٨) مواضع، أما البركان فلم يرد في القرآن (^٢).
ووردت الزلازل في السنة في (٢٣) حديثًا (^٣).
_________________
(١) الموسوعة العربية العالمية: ٤/ ٣٤٢.
(٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٢٩٥، ٤٢١.
(٣) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٨.
[ ٤٥٧ ]
الدلائل العقدية للآيات الكونية - الزلازل والخسوف والبراكين-:
الزلازل والخسوف والبراكين من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته، وتصرفه ﷾ في هذا الكون، ونفوذ مشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.
وفيها تذكير الله لعباده بقوته، وتعريفهم بعجزهم وضعفهم، وأنهم مهما بلغ تقدمهم المادي، ومعرفتهم بوقت هذه الزلازل فإنهم لا يقدرون ردها، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فالله - ﷿ - هو المهيمن على كل شيء، فلا راد لما قضاء.
وهي جند من جنود الله التي يسخرها الله عقابا للمذنبين، وابتلاء للصالحين، وعبرة للناجين، وظهور هذه الزلازل والخسوف والبراكين وعيد من الله لأهل الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ (^٣).
قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا أثر هذه الآيات الكونية على حياة الناس: " فصل، ثم تأمل خلق الارض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة لتكون مهادا ومستقرا للحيوان والنبات والأمتعة، ويتمكن الحيوان والناس من السعي
_________________
(١) الإسراء: ٥٩.
(٢) يونس: ١٠١.
(٣) الإسراء: ٦٠.
[ ٤٥٨ ]
عليها في مآربهم، والجلوس لراحاتهم، والنوم لهدوهم، والتمكن من أعمالهم، ولو كانت رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرها قرارا ولا هدوا، ولا ثبت لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة ولا حراثة ولا مصلحة، وكيف كانوا يتهنّون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيبهم من الزلازل على قلة مكثها كيف تصيرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٢) " (^٣).
أولًا: توحيد الربوبية:
الزلازل والخسوف والبراكين من أعظم الدلائل على عظمة الله تعالى، ففيها بيان قدرة الله وعظيم تصرفه وملكه وتدبيره لهذا الكون، وأن القادر عل هذه الأمور كلها هو الله سبحانه، وأن المخلوقات مع ما وصلت إليه من الإمكانات والطاقات والقدرات، وما اخترعوه من أجهزة الأرصاد التي يعرفون من خلالها أي حدث يحدث من زلازل وغيرها عاجزة عن أن تفعل أي شيئًا.
فحدوث هذه الآيات الكونية فجاءة يحبط إدعاءتهم وما قدروه (^٤)، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ
_________________
(١) النحل: ١٥.
(٢) غافر: ٦٤.
(٣) مفتاح دار السعادة لابن القيم، طبعة رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض: ١/ ٢١٧.
(٤) انظر: التحرير والتنوير: ٢٠/ ٢٥١، والإعجاز العلمي في القرآن لسامي الموصلي: ٦٩.
[ ٤٥٩ ]
حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^٤)
ثانيا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - صفة الرحمة:
أخبر الله تعالى عن حلمه وإمهاله وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على أن يخسف بهم الأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥)، فهم لا يُعجزون الله على أي حال كانوا عليه.
فبين سبب عدم الخسف بهم وهو أنه ﷾ رؤوف رحيم، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة (^٦).
وهذه الزلازل والخسوف والبراكين لو حدثت فهي رحمة للمؤمنين، فإن ما يصيبهم في الدنيا يحصل لهم به تكفير السيئات، قال - ﷺ -: " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر
_________________
(١) النحل: ٤٥.
(٢) الإسراء: ٦٨.
(٣) الملك: ١٦.
(٤) النمل: ٦٥.
(٥) النحل: ٤٥ - ٤٧.
(٦) تفسير ابن كثير: ٦/ ٤٩٦.
[ ٤٦٠ ]
فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (^١).
وعن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قال: "يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوّلهم وآخرهم"، قالت: قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأوّلهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: "يخسف بأوّلهم وآخرهم، ثمّ يبعثون على نيّاتهم" (^٢).
"فبعث كل واحد منهم على حسب أعماله من خير وشر، فإن كانت نيته وعمله صالحة فعقباه صالحة وإلا فسيئة، فذلك العذاب طهرة للصالح ونقمة على الفاسق، فالصالح ترفع درجاته والطالح تسفل دركاته، فلا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب والعقاب، بل يجازى كل واحد بعمله على حسب نيته" (^٣).
٢ - العدل:
إن الله - ﷿ - حكم عدل لا يظلم الناس شيئا، وإذا أصاب الناس زلزال أو خسف أو غيرهما فإن ذلك بسب ذنوبهم وعصيانهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٤).
ولما ذكر الله - ﷿ - عقوبة قارون، وفرعون، وهامان، بعد أن بعث الله إليهم موسى - ﵇ -، بالآيات البينات، والبراهين الساطعات، بين أن سبب تلك العقوبة - والتي منها الخسف - هو ظلمهم، وأن الله لم يظلمهم، فلم"يكن الله ليهلك هؤلاء الأمم -الذين أهلكهم- بذنوب غيرهم، فيظلمهم
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير: ٤/ ٢٢٩٥ برقم (٢٩٩٩).
(٢) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ما ذكر في الأسواق: ٣٩٩ برقم (٢١١٨).
(٣) فيض القدير بشرح الجامع الصغير: ٢/ ٢٠١.
(٤) الكهف: ٤٩.
[ ٤٦١ ]
بإهلاكه إياهم بغير استحقاق، بل إنما أهلكهم بذنوبهم، وكفرهم بربهم، وجحودهم نعمه عليهم، مع تتابع إحسانه عليهم" (^١).
قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٢).
فالله - ﷿ - " ما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق" (^٣).
ثالثًا: توحيد الألوهية:
في دعوة المشركين إلى إفراد الله بالعبادة والدعاء، يخوفهم الله - ﷿ - بعقابه ويذكر ما يدل من أفعاله على وحدانيته، وأنه هو النافع الضار، المتصرف في خلقه بما يشاء، ومن جملة ما يذكره الله - ﷿ - هذه الآيات الكونية - الزلازل والخسوف- (^٤)، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (^٦).
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨.
(٢) العنكبوت: ٣٩ - ٤٠.
(٣) تفسير السعدي: ٦٣١
(٤) التحرير والتنوير: ٢٢/ ١٥٣.
(٥) سبأ: ٩.
(٦) الإسراء: ٦٧ - ٦٨
[ ٤٦٢ ]
فذكرهم الله تعالى بشواهد الربوبية والإنعام، وأنه على كل شيء قدير، إن شاء أنزل عليهم العذاب من أسفل منهم بالخسف، وبأنه تعالى قادر على تعذيب من كفر بالله وأشرك معه إلها آخر (^١)، ليتدبروا فيتركوا العناد، ويفردوه بالعبادة.
وعند وجود الشدائد والخوف - ومن ذلك الزلازل- يلجأ الإنسان إلى ربه ومعبوده، ويتعوذ به من جميع الشرور، ففي الحديث عن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرض ربى وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، ومن شر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد" (^٢).
فقوله: "من شرك"، "أي من شر ما حصل من ذاتك من الخسف والزلزلة والسقوط عن الطريق والتحير في الفيافي" (^٣).
رابعًا: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بجميع ما أخبروا به مما وقع، ومما سيقع، ومن ذلك الزلازل والخسوف التي أخبر بها النبي - ﷺ - وهي من دلائل نبوته (^٤).
_________________
(١) انظر: المرجع السابق: ٢٩/ ٣٢.
(٢) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب ما يقول الرجل إذا نزل المنزل: ٢٩٤، برقم (٢٦٠٣)، ومسند الإمام أحمد: ١٠/ ٣٠٠ برقم (٦١٦١)، وقال محققه: إسناده ضعيف. وانظر: سنن أبي داود: ٢٥٥.
(٣) عون المعبود: ٧/ ٢٦٣.
(٤) لمعرفة الزلازل التي وقعت على الأمة الإسلامية انظر: كتاب المدهش لابن الجوزي، ت: فتحي الجندي، دار الكوثر، الرياض، ط ١: ١٠٠، وكتاب كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة للسيوطي، ت: عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة، ط ١: ٦٤، وزلازل جزيرة العرب في المصادر الإسلامية (منذ القرن الأول حتى القرن الحادي عشر الهجري/القرن السابع حتى القرن السابع عشر الميلادي) لخالد يونس الخالدي، مجلة الجامعة الإسلامية- سلسلة الدراسات الإنسانية-المجلد السابع عشر، العدد الأول: ٣٥٩ - ٣٧٠.
[ ٤٦٣ ]
ومن الآيات النبوية التي أخبر بها النبي - ﷺ - كثرة الزلازل في آخر الزمان، قال - ﷺ -: " لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج -وهو القتل القتل- حتى يكثر فيكم المال فيفيض " (^١).
وفي حديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا يا رسول الله: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا يا رسول الله: وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان" (^٢).
قيل المراد بالزلازل: " على ظاهره جمع زلزلة وهي اضطراب الأرض" (^٣).
وقوله - ﷺ -: " في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين:
يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور" (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب ما قيل في الزلازل والآيات: ٢٠٥ برقم (١٠٣٦).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب ما قيل في الزلازل والآيات: ٢٠٥ برقم (١٠٣٧).
(٣) فتح الباري: ١/ ١٢٨.
(٤) سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب علامة المسخ والخسف: ٣٦٧ برقم (٢٢١٣). وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة: ٤/ ٣٩٢ برقم (١٧٨٧).
[ ٤٦٤ ]
خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من أحوال القبر وعذابه ونعميه، ومن أن الأرض تأكل أجساد الأموات إلا الأنبياء (^١)، فعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب" (^٢).
وقد أخبر النبي - ﷺ - عن رجل خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجّل جُمتَه، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة" (^٣)، "ومقتضى هذا الحديث أن الأرض لا تأكل جسد هذا الرجل" (^٤).
سادسًا: الإيمان بالقدر:
من الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته وكتابته لكل شيء، فهذا الكون يجري بتقدير الله ﷾، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٥)، ومن الأمثلة على ذلك الزلازل والخسوف التي يحدثها الله تعالى، فإنها تقع بمشيئة الله، ولا يستطيع أحد ردها، مهما وضع الخلق من أجهزة والآت لرصدها؛ فإنها تقع بإذن الله، بل يفجؤون بها، وتقلب عليهم بيوتهم وجسورهم ونحو ذلك
_________________
(١) انظر: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد: ٣٦٧، وشرح العقيدة الطحاوية: ٤٠١.
(٢) صحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين: ٤/ ٢٢٧٠ برقم (٢٩٥٥).
(٣) صحيح البخاري: كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء: ١١٣٢ برقم (٥٧٨٩).
(٤) فتح الباري: ١٠/ ٢٦١.
(٥) الحديد: ٢٢.
[ ٤٦٥ ]
دون أن يشعروا بقرب وقوعه.
"فما من شيء يحدث في الأرض ولا في السماء، في البر أو البحر أو الجو إلا في كتاب، وهذا يجعل الإنسان المؤمن يسلم ويرضى بالقضاء والقدر، فما من مصيبة كالزلازل والخسوف والبراكين وغير ذلك إلا وقد كتبها الله ﷾ من قبل خلق الإنسان، وهذا يدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر يقتضي الإيمان بأن الله ﷾ قدر هذه الأشياء قبل أن توجد" (^١).
ومن كمال"قدرة الله تعالى أنه أعطى بعض الحيوانات، التي ليس لها عقول تفكر، ولا علم ولا حضارة، أعطاها غريزة الاحساس بقرب وقوع الزلزال، ولذلك فهي تسارع بمغادرة المكان أو يحدث لها هياج، إن كانت محبوسة في الأقفاص أو حظائر مغلقة، وذلك ليلفتنا الله ﷾ إلى أن العلم يأتي منه ﷾ ولا يحصل عليه الانسان بقدرته، فيعطي سبحانه من لا قدرة له على الفكر والكشف العلمي ما لا يعطيه لذلك الذي ميزه بالعقل والعلم.
لماذا؟ لنعلم أن كل شيء من الله فلا نعبد قدراتنا، ولا نقول: انتهى عصر الدين والايمان وبدأ عصر العلم، بل نلتفت الى أن الله يعطي لمن هم دوننا في الخلق علما لا نصل نحن اليه، فنعرف أن كل شيء بقدرته وحده ﷾" (^٢).
_________________
(١) تيسير لمعة الاعتقاد لعبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، الرياض، ط ١: ٢٣٢، بتصرف يسير.
(٢) الآيات الكونية ودلالتها على وجود الله تعالى، لمحمد متولي الشعراوي، أشرف واعتنى به: أحمد الزغبي: ١٤.
[ ٤٦٦ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الزلازل والخسوف والبراكين-:
أولًا: اعتقاد أن للبراكين آلهة غير الله تعالى:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - البراكين - اعتقاد أن لها آلة غير الله تعالى، ويعود لفظ بركان إلى Valcan إله النار عند الرومان القدماء، ويعتقدون أن ما ينتج عنها من دمار وخراب هو من غضب الإله (^١).
ثانيًا: نسبة حدوث هذه الآيات الكونية - الزلازل والخسوف والبراكين- إلى الطبيعة أو بعض الخرافات:
فبعظهم ينسب حدوث هذه الآيات الكونية إلى وجود دواب خيالية تشبه الحيوانات التي يراها ولكنها أكثر منها ضخامة تقوم بحمل الأرض، ونتيجة لحركة هذه الدواب تهتز الأرض محدثة الزلازل، ومن تلك الأساطير المعروفة أسطورة الثور الذى يحمل الأرض على أحد قرنيه، فإذا ما أجهده حمله الثقيل نقلها إلى القرن الثاني، وهو ما ينجم عنه اهتزاز كوكب الأرض (^٢).
أو تنسب هذه الآيات الكونية إلى غير خالقها سبحانه كأن ينسب ما يحدث من زلازل وبراكين وفيضانات إلى الطبيعة (^٣).
_________________
(١) انظر: الموسوعة الكونية الكبرى: ١٣/ ١٨٧، الله لعباس محمود العقاد: ٧٦.
(٢) انظر: الموسوعة الكونية الكبرى: ١٣/ ١٧٩.
(٣) انظر: الإسلام يتحدى: ٨١.
[ ٤٦٧ ]
ومنهم من يفسر الزلازل والخسوف والبراكين تفسيرا ماديا بحتًا، فيقولون أن سبب هذا الزلزال ضعف في القشرة الأرضية، ووجود اختلالات وفجوات في داخلها، أو أن هذا شيء يحصل في الكرة الأرضية كل مائتي عام.
والجواب عن هذا أن نقول نحن لا ننكر وجود مثل هذه الأسباب (^١)، ولكننا يجب أن نعلم أن وراء هذه الأسباب المادية أسبابًا شرعية هي التي سببت هذا الخلل في القشرة الأرضية أو غيره من الأسباب، ثم حصلت تلك الكوارث والمصائب، فهذه الأسباب المادية التي يذكرونها -إن صحت- لا تعدو أن تكون وسيلة لما تقتضيه الأسباب الشرعية من المصائب والعقوبات العامة. يقول الله تعالى بعد أن ذكر مصارع الأمم السالفة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٢).
وهذه"الزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده كما يخوفهم بالكسوف وغيره من الآيات والحوادث لها أسباب وحكم فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من حكمة ذلك.
وأما أسبابه فمن أسبابه انضغاط البخار في جوف الأرض كما ينضغط الريح والماء في المكان الضيق فإذا انضغط طلب مخرجا فيشق ويزلزل ما قرب منه من الأرض.
وأما قول بعض الناس إن الثور يحرك رأسه فيحرك الأرض فهذا جهل، وإن نقل عن بعض الناس، وبطلانه ظاهر، فإنه لو كان كذلك لكانت الأرض
_________________
(١) انظر: فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ٣/ ١٠٦ ومجلة البحوث العدد ٧٧: ٤٥.
(٢) العنكبوت: ٤٠.
[ ٤٦٨ ]
كلها تزلزل، وليس الأمر كذلك، والله أعلم" (^١).
ثم إن وجود هذه الأسباب التي خلقها الله تعالى، التي متى وجدت وجد الزلازل هذا لا يمنع أبدًا من تغير هذه السنة، ووقوعها في مناطق صلبة.
والله - ﷿ - لم يخلق الأشياء ولم يقدرها إلا لحكمة، وحصر الحكمة والعلة في الظواهر الطبيعة، من تغير في سير الأرض، ومواقع الجزر والقارات: تحكم بغير دليل.
ولما حدث الخسف بقارون فعلًا لم يكن السبب أن القشرة الأرضية كانت لينة وهينة بل السبب أنه عصى الله ورسوله، قال الله عنه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (^٢).
وعندما أخبر - ﷺ - عن الرجل الذي خسف به لم يقل: إن السبب في الخسف هزة أرضية بل خسف به بسبب تكبره وتجبره، قال - ﷺ -: " بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" (^٣).
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (^٤).
فقوله: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي الرجفة والخسف (^٥)، فلا تنسب الحوادث للطبيعة ولا نشتم الطبيعة لأنها غير فاعلة، وإنما الفاعل هو الله،
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٦٤، وانظر: كشف الصلصلة في وصف الزلزلة: ٢٥.
(٢) القصص: ٨١.
(٣) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (٥٤): ٦٧١ برقم (٣٤٨٥).
(٤) الأنعام: ٦٥.
(٥) تفسير القرطبي: ٧/ ٩.
[ ٤٦٩ ]
وهو الذي يجعلها سببا لعذابه أو بلائه أو رحمته.
والقول عن هذه الآيات بأنه أمر طبيعي يبطل انتقام الله لأوليائه، قال ﷾ عن قوم صالح - ﵇ -: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (^١).
وقال تعالى عن قوم شعيب - ﵇ -: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (^٢).
_________________
(١) الأعراف: ٧٧ - ٤٧
(٢) العنكبوت: ٣٧.
[ ٤٧٠ ]
المبحث الرابع البحار والأنهار
البحر في اللغة:
سمِّي البَحر بحرًا لاستبحارِه، وهو انبساطُه، وسَعَتُه، وعمقه، ويقال إِنما سمي البَحْر بَحْرًا لأَنه شَقَّ في الأَرض شقًّا وجعل ذلك الشق لمائه قرارًا، والبَحْرُ في كلام العرب الشَّقُّ.
والبَحْرُ الماءُ الكثيرُ مِلْحًا كان أَو عَذْبًا وهو خلاف البَرِّ، وقد غلب على المِلْح حتى قَلّ في العَذْبِ، وجمعه أَبْحُرٌ وبُحُورٌ وبِحارٌ، وماءٌ بَحْرٌ مِلْحٌ قَلَّ أَو كثر.
والأنهار كلها بحار، وكل نهر لا ينقطع ماؤه من الأَنهار العذبة الكبار فهو بَحْرٌ، وأَما البحر الكبير الذي هو مغيض هذه الأَنهار فلا يكون ماؤُه إِلَاّ ملحًا أُجاجًا ولا يكون ماؤه إِلَاّ راكدًا، وأَما هذه الأَنهار العذبة فماؤُها جار وسميت هذه الأَنهار بحارًا لأَنها مشقوقة في الأَرض شقًّا (^١).
وفي الاصطلاح:
المحيط: جسم مائي عظيم يغطي أكثر من ٧٠% من سطح الأرض. ويحتوي على ٩٧% من جميع المياه الموجودة على الأرض.
ويشتمل كل محيط على أجسام مائية أصغر حجمًا تسمى بحارا وخلجانًا وشبه خلجان، تقع على امتداد حواف المحيطات. وعمومًا تعني كلمة البحر أيضًا المحيط (^٢).
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢٠١، لسان العرب: ١/ ٢١٥.
(٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٢/ ٢٧٩، ٤/ ١٩٣.
[ ٤٧١ ]
النهر في اللغة:
النون والهاء والراء أصل صحيح يدلّ على تفتُّح شيءٍ أو فتحِه. وسمِّي النّهرُ لأنَّه يَنْهَر الأرض أي يشقُّها. وجمع النَّهر أنهارٌ ونُهُر ونهور. واستَنْهَرَ النّهرُ: أخَذَ مَجراه. وأنْهَر الماءُ: جرى (^١).
والنَّهَر من مجاري المياه. ونَهَرَ الماءُ، إِذا جرى في الأَرض، وجعل لنفسه نَهَرًا، ونَهَرْتُ النَّهْرَ حَفَرْتُه، ونَهَرَ النَّهْرَ يَنْهَرُهُ نَهْرًا أَجراه (^٢).
وفي الاصطلاح:
مسطح مائي ينساب على اليابسة في مجرى طويل. وتبدأ معظم الأنهار من أعالي الجبال أو التلال، وقد يكون منبع النهر مثلجة، أو نهرًا جليديًا ينصهر، أو ينبوعًا، أو بحيرة تفيض مياهها. ويتلقى النهر أثناء جريانه في مجراه المزيد من المياه من الجداول، والأنهار الأخرى، ومياه الأمطار، ويقع مصب النهر في نهايته، حيث تصب مياهه في نهر أكبر، أو في بحيرة، أو في أحد المحيطات (^٣).
وقد ورد لفظ البحر في القرآن في (٣٣) موضعًا، وبلفظ التثنية في (٥) مواضع، وبلفظ الجمع في (٣) مواضع (^٤).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٦٢.
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٦٢، ولسان العرب: ٦/ ٤٥٦٦.
(٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٥٣٩.
(٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ١٤٥.
[ ٤٧٢ ]
وورد لفظ النهر في القرآن في (٣) مواضع، وبلفظ الجمع في (٥١) مواضع (^١).
أما في السنة فقد وردت البحار في (٥٩) حديثًا (^٢).
وذكر بعض المفسرين أن البحر في القرآن ورد على أنحاء (^٣):
الأول: بمعنى ضد البر: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ (^٤)، ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ (^٥).
الثاني: بمعنى بحر فارس والروم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ (^٦).
الثالث: بمعنى البحر الذي تحت العرش المجيد، وفيه عجائب لا يعلمها إلا الله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (^٧).
الرابع: بمعنى الأرياف والقرى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (^٨) أي فى البوادى والحواضر.
أما النهر فورد على أنحاء كذلك (^٩):
الأول: نهر الأردن بالشام، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ (^١٠).
الثاني: معناه العيون. قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (^١١).
_________________
(١) انظر: المرجع السابق: ٨٩٠.
(٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٢.
(٣) انظر: بصائر ذوي التمييز: ٢/ ٢٢٥.
(٤) الدخان: ٢٤.
(٥) يونس: ٩٠.
(٦) فاطر: ١٢.
(٧) الطور: ٤ - ٦.
(٨) الروم: ٤١.
(٩) انظر: بصائر ذوي التمييز: ٢/ ١٢٩.
(١٠) البقرة: ٢٤٩.
(١١) محمد: ١٥.
[ ٤٧٣ ]
الثالث: بساتين الدنيا وأنهارها، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (^١).
الرابع: تجرى تحت غرفها وعلاليها الأنهار، قال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٢). والله أعلم.
_________________
(١) نوح: ١٢.
(٢) البينة: ٨.
[ ٤٧٤ ]
الدلائل العقدية للآيات الكونية - البحار والأنهار-:
تعددت الآيات الكريمة التي يذكر الله فيها تسخير البحر، وأن ذلك دليل على قدرته ﷾ ورحمته بعباده، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣).
قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: " فصل ومن آياته وعجائب مصنوعاته البحار المكتنفة لأقطار الأرض التي هي خلجان من البحر المحيط الأعظم بجميع الارض، حتى أن المكشوف من الارض والجبال والمدن بالنسبة الى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب ﵎ له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها، هذا طبع الماء، ولهذا حار عقلاء الطبيعيين في سبب بروز هذا الجزء من الأرض مع اقتضاء طبيعة الماء للعلو عليه وأن يغمره، ولم يجدوا ما يحيلون عليه ذلك إلا الاعتراف بالعناية الأزلية والحكمة الإلهية التي اقتضت ذلك ليعيش الحيوان الأرضي في الأرض، وهذا حق،
_________________
(١) الجاثية: ١٢.
(٢) النحل: ١٤.
(٣) الحج: ٦٥.
[ ٤٧٥ ]
ولكنه يوجب الاعتراف بقدرة الله وإرادته ومشيئته وعلمه وحكمته وصفات كماله، ولا محيص عنه"
ثم ذكر جملة من عجائب البرح، وقال: "وإذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف اجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها"
ثم قال: "فما أعظمها من آية، وأبينها من دلالة، ولهذا يكرر سبحانه ذكرها في كتابه كثيرًا، وبالجملة فعجائب البحر وآياته أعظم وأكثر من أن يحصيها إلا الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (^١) " (^٢).
أولًا: توحيد الربوبية:
لما بين الله تعالى جهل المعرضين عن أدلة التوحيد ومناقشتهم وفساد تفكيرهم في ذلك، ذكر أدلة دالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة من الآيات الكونية التي يدركها ويشاهدها عيانا كل مخلوق، ومنها: البحار المالحة والعذبة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (^٣) فالله وحده هو "الذي جعل البحرين المتضادين متجاورين متلاصقين لا يمتزجان، هذا ماء زلال عذب شديد العذوبة، وهذا مالح شديد الملوحة، ولكن لا يختلط أحدهما بالآخر، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا
_________________
(١) الحاقة: ١٢ - ١٣.
(٢) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٣) الفرقان: ٥٣.
(٤) الرحمن: ١٩ - ٢١.
[ ٤٧٦ ]
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١) " (^٢).
وفي سورة النمل لما ذكر الله تعالى قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم، ثم رد على المشركين ببيان الأدلة المختلفة على وحدانيته وتفرده بالخلق، وقدرته، وإخلاص العبادة له، قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣)، فذكر منها مما يتعلق بالأرض وأنه جعل ﴿خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ وجعل ﴿بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾، ثم قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: أيوجد إله مع الله فعل هذا وأبدع هذه الكائنات؟ ! بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الحق فيتبعونه، ولا يعرفون قدر عظمة الإله المستحق للعبادة.
وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (^٤) دليل على ربوبية الله تعالى، فإن خلق البحر على هذه الصفة العظيمة ميسرا للانتفاع بالأسفار فيه حين لا تغني طرق البر في التنقل عنه، فجعله قابلا لحمل المراكب العظيمة منها، أن يكون آية للناس على وجود الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته (^٥).
_________________
(١) النمل: ٦١.
(٢) التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، لوهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر المعاصر، دمشق، ط ٢: ١٩/ ٨٤، وانظر: التحرير والتنوير: ١٩/ ٥٣.
(٣) النمل: ٥٩ - ٦١.
(٤) لقمان: ٣١.
(٥) التحرير والتنوير: ٢١/ ١٩٠.
[ ٤٧٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^١).
فهذه المخلوقات العظيمة، وما فيها من العبر دالة على كماله ﷾ وإحسانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: الذي انفرد بخلقها وتسخيرها، وهو وحده المتصرف فيها، وهو الرب المألوه المعبود، الذي له الملك كله، وأن الذي يدعى من غير الله الله لا يملكون شيئًا" (^٢).
وأخبر النبي - ﷺ - أن ملك الله - ﷿ - لا ينقص منه شيء ولو أعطى كل إنسان مسألته إلا كما ينقص البحر إذا أدخل فيه المخيط، وهذا من باب التوضيح والتقريب وإلا فملك الله أعظم من ذلك، وعن أبي ذر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - عن الله - ﷿ - قال: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر" (^٣).
_________________
(١) فاطر: ١٢ - ١٤.
(٢) انظر: تفسير السعدي: ٦٨٦.
(٣) صحيح مسلم، باب تحريم الظلم، كتاب البر والصلة والآداب: ٤/ ١٩٩٤ برقم (٢٥٧٧).
[ ٤٧٨ ]
ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - العلم:
" قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^١).
هذه الآية العظيمة، من أعظم الآيات تفصيلا لعلم الله المحيط" وأنه شامل للغيوب كلها، ومن ذلك ما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها.
فهذه الآية دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث" (^٢).
وفي بيان سعة علم الله قال الخضر لموسى i: " والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر" (^٣)، "فلو جمع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم، أقل من نسبة عصفور وقع على حافة البحر، فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته، ذلك بأن الله له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة، وأن إلى ربك المنتهى" (^٤).
٢ - صفة الكلام:
" قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ
_________________
(١) الأنعام: ٥٩.
(٢) تفسير السعدي: ٢٥٩ باختصار.
(٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: ٩١، برقم (٤٧٢٦).
(٤) تفسير السعدي: ٤٨٨، ٦٥٠.
[ ٤٧٩ ]
سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^١)، فأخبر الله - ﷿ - عن عظمته وسعة صفاته وأن العباد لا يحيطون بشيء منها، ومن تلك الصفات كلام الله، الذي لو كان البحر مددًا لها، وأشجار الدنيا من أولها إلى آخرها، من أشجار البلدان والبراري، والبحار، أقلام، لنفد البحر، وتكسرت الأقلام، قبل أن تنفد كلمات ربي، وهذا شيء عظيم، لا يحيط به أحد.
" وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (^٢).
" "وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات، منقضية منتهية، وأما كلام الله، فإنه من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة، ولا لها حد ولا منتهى، فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب فالله فوق ذلك" (^٣).
"
ثالثًا: توحيد الألوهية:
سبق في المبحث السابق - الأرض (^٤) - أن الله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله - ﷿ - بالعبادة (^٥)، وذكر منها الأنهار التي جعلها في الأرض (^٦)، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٧).
_________________
(١) لقمان: ٢٧.
(٢) الكهف: ١٠٩.
(٣) تفسير ابن سعدي: ٤٨٨.
(٤) ص: ٣٩٣.
(٥) التحرير والتنوير: ٢٤/ ١٨٩، ١٧/ ٥٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٩٦.
(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٠٣.
(٧) النمل: ٦١.
[ ٤٨٠ ]
ولما ذكر الله - ﷿ - أنه الإله الواحد المعبود بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^١) ذكر الحجة على ذلك التي تبين التوحيد، وكان من جملة ما ذكر الله تعالى تسخير البحر لتجري فيه الفلك (^٢)، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٣).
وقد أمر الله - ﷿ - نبيه محمدًا - ﷺ - أن يقول للمشركين ملزما لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، على ما أنكروا من توحيد الإلهية: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^٤).
ثم كان الجواب: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ "فأي برهان أوضح من هذا على بطلان الشرك، وصحة التوحيد؟ " (^٥).
وقد استدل الله بما على الأرض من بحار وأنهار وما في صفاتها من دلالة زائدة على دلالة وجود أعيانها، بتفرده ﷾ بالإلهية فقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٦)، "فصيغ هذا الاستدلال على أسلوب بديع إذ اقتصر فيه على التنبيه على الحكمة الربانية في المخلوقات وهي ناموس تمايزها
_________________
(١) البقرة: ١٦٣.
(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٢، والتحرير والتنوير: ٢/ ٧٦.
(٣) البقرة: ١٦٤.
(٤) الأنعام: ٦٣.
(٥) تفسير السعدي ص: ٢٦٠، ٣٦١، وانظر: التحرير والتنوير: ٧/ ٣٩٢، ١١/ ١٣٥.
(٦) فاطر: ١٢.
[ ٤٨١ ]
بخصائص مختلفة واتحاد أنواعها في خصائص متماثلة استدلالًا على دقيق صنع الله تعالى، ويتضمن ذلك الاستدلال بخلق البحرين أنفسهما لأن ذكر اختلاف مذاقهما يستلزم تذكر تكوينهما.
فالتقدير: وخلق البحرين العذب والأجاج على صورة واحدة وخالف بين أعراضهما، ففي الكلام إيجاز حذف، وإنما قدم من هذا الكلام تفاوت البحرين في المذاق واقتصر عليه؛ لأنه المقصود من الاستدلال بأفانين الدلائل على دقيق صنع الله تعالى" (^١) الذي يستلزم إفراد الله بالعبادة لأن القادر على ذلك هو الله وحده.
١ - القسم:
يقسم الله بمخلوقاته مما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته (^٢)، ويقسم بها على أن القيامة واقعة، ومن ذلك القسم بالبحر، قال تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (^٣).
فالله ﷾ يقسم بهذه الخلائق العظيمة على أمر عظيم، وهو وقوع العذاب على الكافرين (^٤).
"ومناسبة القسم به -أي البحر- أنه به أهلك فرعون وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون (^٥).
_________________
(١) التحرير والتنوير: ٢٢/ ٢٧٩.
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ٣١٤، وإمعان في أقسام القرآن: ٩/ ٤١.
(٣) الطور: ١ - ٧.
(٤) انظر: زاد المسير ٨/ ٤٧.
(٥) التحرير والتنوير: ٢٧/ ٣٩.
[ ٤٨٢ ]
رابعًا: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات الآية التي أظهرها الله - ﷿ - لموسى - ﵇ - وقومه حينما أمره بضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كالطود العظيم فنجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه (^١)، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (^٣).
وقد كان المشركون يطلبون من النبي - ﷺ - على سبيل التحدي والتعجيز- بعض الآيات والتي منها تفجير الأنهار وأنهم لن يؤمنوا حتى يفعل ذلك (^٤)، قال الله تعالى مخبرًا عن حالهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (^٥).
ومن دلائل نبوة الأنبياء الكرامات التي يجريها الله - ﷿ - لأتباع الرسل،
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٥، وتفسير السعدي: ٥٩٢، والتحرير والتنوير: ١/ ٤٩٤.
(٢) الشعراء: ٦١ - ٦٨.
(٣) البقرة: ٥٠.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ١٢٠، ٦/ ٩٥، وتفسير السعدي: ٥٧٨.
(٥) الإسراء: ٩٠ - ٩٣.
[ ٤٨٣ ]
إجابة لدعوتهم ونصرة لهم (^١).
وقد شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - الجوع فقال: "عسى الله أن يطعمكم"، فأتينا سيف البحر، فزخر (^٢) البحر زخرة، فألقى دابة، فأورينا على شقها النار فاطبخنا واشتوينا وأكلنا حتى شبعنا" (^٣).
خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد أقسم الله - ﷿ - بالبعث والجزاء بالآيات العظيمة التي منها البحر المسجور (^٤).
قال تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (^٥).
فهذه"الأشياء التي أقسم الله بها، مما يدل على أنها من آيات الله وأدلة توحيده، وبراهين قدرته، وبعثه الأموات، ولهذا قال: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ أي: لا بد أن يقع، ولا يخلف الله وعده وقيله" (^٦).
وأخبر الله - ﷿ - أن في الجنة أنهارًا، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ
_________________
(١) شرح النووي على مسلم: ١٨/ ١٤٧
(٢) أي: علا موجه، شرح النووي على مسلم: ١٨/ ١٤٧.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر: ٤/ ٢٣٠٨ برقم (٣٠١٤).
(٤) المسجور: أي المملوء، وقيل: الموقد، انظر: تفسير القرطبي: ١٧/ ٦١.
(٥) الطور: ١ - ٧.
(٦) تفسير السعدي: ٨١٣.
[ ٤٨٤ ]
وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (^١).
وأخبر النبي - ﷺ - عن ما في الدنيا من أنهار الجنة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة" (^٢).
وفي الحديث: عن مالك بن صعصعة - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: "ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر، فإذا ورقها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات" (^٣).
ففي الأرض أربعة أنهار أصلهما من الجنة (^٤)، "وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه" (^٥).
وفي بيان شدة حر جهنم أخبر النبي - ﷺ - أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وأنها ضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك لما انتفع بها، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" (^٦).
_________________
(١) محمد: ١٥.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة: ٤/ ٢١٨٣ برقم (٢٨٣٩).
(٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦١٦ برقم (٣٢٠٧).
(٤) فتح الباري- ٧/ ٢١٣.
(٥) شرح النووي على مسلم ١/ ٢٩٥.
(٦) مسند أحمد ١٢/ ٢٨٠، برقم (٧٣٢)، قال المحقق: وهو صحيح على شرط الشيخين، وقال ابن كثير: إسناده صحيح. انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ١٨٩.
[ ٤٨٥ ]
سادسًا الإيمان بالقدر:
سبق في المبحث السابق - الجبال (^١) - أن من الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته، وأن الله - ﷿ - نبه على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، وفي هذه الآيات الكونية -البحار والأنهار- يقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٢).
وهذا التفاوت دليل عقلي على مشيئة الله تعالى التي خصصت ما خصصت منها بطعمه، فهذا عذاب فرات وهذا ملح أجاج، وقدرة الله وحكمته ورحمته، وسعة علمه (^٣).
سابعًا: مسائل على الإيمان:
تكفير السيئات:
في بيان النبي - ﷺ - تكفير الأعمال الصالحة -ومنها التهليل والتكبير والتحميد والتسبيح- للسيئات أخبر النبي - ﷺ - أن هذه الخطايا تُكفّر وإن كانت مثل زبد البحر (^٤)، وهذا كناية عن المبالغة في الكثرة (^٥).
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قال سبحان الله وبحمده
_________________
(١) ص: ٤١٠.
(٢) فاطر: ١٢.
(٣) انظر: تفسير السعدي: ٦٨٨، التحرير والتنوير: ٢٢/ ٢٧٩.
(٤) وهو ما يعلو على وجه البحر. فيض القدير: ٦/ ١٤٧.
(٥) فتح الباري: ١١/ ٢٠٦، ٢/ ١٢، فيض القدير ٦/ ١٩٠.
[ ٤٨٦ ]
في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (^١).
وعنه - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير - غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (^٢).
ثامنًا: الجن:
الجن وصفاتهم من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن عرش إبليس على البحر (^٣).
عن جابر - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة" (^٤)
تاسعًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:
ضرب الأمثال:
من منهج وطريقة أهل السنة في الاستدلال ضرب الأمثال للتوضيح والتقريب، ومن ذلك مما يتعلق بهذه الآيات الكونية -البحار والأنهار- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الدعوات، باب فضل التهليل: ١٢٢٩، برقم (٦٤٠٥).
(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفة: ١/ ٤١٨ برقم (٥٩٧).
(٣) انظر: فتح الباري: ٦/ ٣٤١.
(٤) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا: ٤/ ٢١٦٧ برقم (٢٨١٣).
(٥) فاطر: ١٢.
[ ٤٨٧ ]
وهذا مثل ضربه الله"في حق الكفر والإيمان أو الكافر والمؤمن، فالإيمان لا يشتبه بالكفر في الحسن والنفع كما لا يشبه البحر العذب والملح الأُجاج، ومن كل أي ومن كل واحد منهما تأكلون لحمًا طريًا وتستخرجون حلية" (^١).
وقال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (^٢).
وهذا مثل ضربه الله للكافر وبطلان عمله بالبحر اللجي، وهو البعيد القعر الكثير الماء، يغشاه بعلوه موج، وهو ما ارتفع من الماء، من فوقه موج متراكم بعضه على بعض، من فوق الموج سحاب، وهذه كلها ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمة السحاب، وظلمة الموج، وظلمة البحر (^٣)
"وهذا التمثيل من قبيل تشبيه حالة معقولة بحالة محسوسة كما يقال شاهدت سواد الكفر في وجه فلان" (^٤)
_________________
(١) انظر: تفسير الرازي: ٢٦/ ١٠، والكشاف: ٣/ ٦١٤.
(٢) النور: ٤٠.
(٣) انظر: تفسير القرطبي ١٢/ ٢٨٣، وتفسير السعدي: ٥٦٩.
(٤) التحرير والتنوير ١٨/ ٢٥٥.
[ ٤٨٨ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - البحار والأنهار-:
أولًا: تخصيص البحر ببعض الأدعية المبتدعة:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - البحار والأنهار - تخصيص أدعية خاصة بالبحر، ومنها دعاء البحر، والذي فيه:
"وسخر لنا هذا البحر، وكل بحر هو لك في الأرض والسماء والملك والملكوت وبحر الدنيا وبحر الآخرة كما سخرت البحر لموسى - ﵇-" (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " هذا كلام لا يقوله من يتصور ما يقول فإن الإنسان إذا كان راكبا بحرا من البحار فما يصنع حينئذ بتسخير البحار البعيدة؟ !
وأيضا فقول القائل: سخر لنا هذا البحر كما سخرت البحر لموسى كلام باطل، فإن الله فرق البحر لموسى حتى مشى على الأرض لم يركب البحر، وهذا الداعي ليس مطلوبه أن يفرقه له، ولو طلب ذلك لم يفرقه الله له، فلا يجوز طلب تسخير كتسخير موسى، وإن قال: أردت به أصل التسخير لا صفته فقوله سخر لنا هذا البحر كاف، فلا حاجة إلى التشبيه، مع أن فرق البحر لموسى لا يسمى تسخيرا بل هو أعظم من التسخير.
وإن أراد به خرق العادة كما خرقت العادة لموسى وإبراهيم وداود
_________________
(١) انظر: حزب البحر - ضمن كتاب درة الأسرار وتحفة الأبرار للحميري: ٧٥، ومواقع الفرقة الشاذلية على الانترنت http://www.shazly.com/awrad.php? page=bahr.htm http://www.shazellia.com/viewpage.php? page_id=٧
[ ٤٨٩ ]
وسليمان كان هذا جهلا فإن ركوب البحر والسلامة فيه ليس فيه خرق عادة.
والكلام المعروف في مثل هذا أن يقال: يا من فرق البحر لموسى، وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، وسخر الريح والجن لسليمان سخر لنا هذا البحر؛ لأن هذا وصف لله بكمال القدرة العظيمة التي فعل بها هذه الأمور الخارقة للعادة، فيقال: يا من فعل هذا افعل بنا هذا.
وأما أن يقال: سخر لنا هذا كما سخرت هذا فلم يعرف عن المتقدمين مثل هذا الكلام بل هو من الكلام المنكر الذي لا يقوله من يتصور ما يقول" (^١).
_________________
(١) الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: علي العمران، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١: ٣٦ - ٤٥، باختصار.
[ ٤٩٠ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - حديث استأذن البحر أن يغرق أهلها.
عن عمر بن الخطاب - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله - ﷿ - " (^١).
٢ - حديث كلام الله للبحر.
عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: " أن الله تعالى كلم البحر، فقال للبحر الذي بالشام: يا بحر إنما قد خلقتك فأكثرت فيك من الماء حامل فيك عبادا يسبحوني ويحمدوني ويهللوني ويكبروني ويمجدوني فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم، قال الله: إني أحملهم على ظهرك، وأجعل بأسك في نواحيك. ثم قال للبحر الذي باليمين: مثل ذلك، فما أنت صانع بهم؟ قال: أسبحك وأحمدك وأهلك وأكبرك معهم، فأحملهم في بطني وبين أضلاعي، قال الله: أفضلك على البحر الآخر بالحلية والطيب" (^٢).
٣ - البحر هو جهنم.
عن يعلى بن أمية - ﵁ -، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال: "البحر هو جهنم"،
_________________
(١) مسند أحمد: ١/ ٣٩٥ برقم (٣٠٣) وقال محققه: إسناده ضعيف لجهالة الشيخ الذي روى عنه العوام بن حوشب، وأبو صالح مولى عمر مجهول أيضًا. وانظر: العلل المتناهية: ١/ ٤١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٣٠.
(٢) حديث موضوع، انظر: العلل المتناهية: ١/ ٣٧ - ٤٠، والسلسلة الضعيفة: ١٣/ ١٠٦٧.
[ ٤٩١ ]
قالوا ليعلى، فقال: ألا ترون أن الله - ﷿ - يقول: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ (^١) قال: " لا، والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبدا حتى أعرض على الله - ﷿ -، ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله - ﷿ - " (^٢).
٤ - إن تحت البحر نار، وتحت النار بحر.
عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - " لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز فى سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا " (^٣).
٥ - تولي الله - ﷿ - قبض أرواح شهداء البحر:
عن أبي أمامة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "شهيد البحر مثل شهيدي البر. والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر. وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله. وإن الله - ﷿ - وكل ملك الموت بقبض الأرواح. إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم. ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين. ولشهيد البحر الذنوب والدين" (^٤).
_________________
(١) الكهف: ٢٩.
(٢) مسند أحمد: ٢٩/ ٤٧٨، برقم (٧٩٦)، وقال محققه: "إسناده ضعيف، محمد بن حيي مجهول، وعبد الله بن أمية لم يرو عنه غير أبي عاصم، ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في"الثقات"، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ١/ ٢٣٤، "رواه الحاكم في الأهوال من هذا الوجه، بلفظ إن البحر، وقال: إنه صحيح الإسناد، وقد قدمت الرواية الصحيحة، أن جهنم تحت الأرض السابعة". انتهى. وانظر: السلسلة الضعيفة: ٣/ ٩٢ برقم (١٠٢٣).
(٣) سنن أبى داود، كتاب الجهاد، باب في ركوب البحر في الغزو: ٢٨٣ برقم (٢٤٨٩)، وقال: "رواته مجهولون، وقال الخطابي: ضعفوا إسناده، وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح"، ورواه البزار من حديث نافع، عن ابن عمر مرفوعا، وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. انظر: التلخيص الحبير: ٢/ ٤٢٤ برقم (٨٥٢)، والسلسلة الضعيفة: ١/ ٢٨١ برقم (٤٧٨).
(٤) سنن ابن ماجه: ٢/ ٩٢٨، كتاب الجهاد، باب فضل غزو البحر: ٣٠٣ برقم (٢٧٧٨)، وقال الألباني: ضعيف جدًا. سلسلة الأحاديث الضعيفة: ٢/ ٢٢٢ برقم (٨١٧).
[ ٤٩٢ ]
المبحث الخامس الليل والنهار
الليل والنهار في اللغة:
الليل: اللام والياء واللام كلمة، وهي الليل خلاف النهار، والليل عقيب النهار ومبدؤه من غروب الشمس، والليل ظلام الليل، والنهار الضياء فإذا أفردت أحدهما من الآخر قلت: ليلة يوم.
النهار: النون والهاء والراء أصل صحيح يدل على تفتح شيء أو فتحه. ومنه النهار: انفتاح الظلمة عن الضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس (^١).
والنهار اسم وهو ضد الليل، والنهار اسم لكل يوم، والليل اسم لكل ليلة، لا يقال نهار ونهاران ولا ليل وليلان، إنما واحد النهار يوم، وتثنيته يومان، وجمعه أيام، وضد اليوم ليلة وجمعها ليال.
وفي الاصطلاح:
اليوم هو الزمن (الوقت) الذي تستغرقه الأرض في الدوران حول نفسها، ويسمى اليوم الشمسي. وتطلق كلمة يوم في العادة على الوقت الذي تكون فيه الشمس ساطعة على ذلك الجزء الذي نعيش فيه على الأرض. وتطلق أيضا كلمة ليل على الوقت الذي يكون فيه الجزء الذي نعيش فيه مظلما، أو بعيدا عن الشمس. ولكن الليل في حقيقة الأمر ما هو إلا جزء من اليوم (^٢).
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٢٢٥، لسان العرب: ٥/ ٤١١٥، ٦/ ٤٥٥٧.
(٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٧/ ٣٨٩.
[ ٤٩٣ ]
وقد ورد لفظ الليل في القرآن في (٩٠) موضعًا، وبلفظ الجمع في (٤) مواضع (^١)، وأما لفظ النهار فقد ورد في (٥٧) موضعًا (^٢).
وورد الليل في السنة في (٥٦) حديثًا، والنهار في (٣٧) حديثًا (^٣).
_________________
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٣١ - ٨٣٣.
(٢) انظر: المرجع السابق: ٨٩٠ - ٨٩١.
(٣) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٦.
[ ٤٩٤ ]
الدلائل العقدية للآيات الكونية - الليل والنهار-:
من أعظم حكمة الرب وكمال قدرته ومشيئته خلق الضدين، إذ بذلك تعرف ربوبيته وقدرته وملكه، كالليل والنهار.
قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآيات الكونية: " فصل، ومن آياته سبحانه تعالى الليل والنهار، وهما من أعجب آياته، وبدائع مصنوعاته، ولهذا يعيد ذكرهما في القرآن ويبديه كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (^٢) وقوله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣) وقوله - ﷿ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (^٤)، وهذا كثير في القرآن فانظر إلى هاتين الآيتين وما تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته، كيف جعل الليل سكنا ولباسا، يغشى العالم فتسكن فيه الحركات وتأوى الحيوانات إلى بيوتها والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها جاء فالق الإصباح ﷾ بالنهار، يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فياله
_________________
(١) فصلت: ٣٧.
(٢) الفرقان: ٤٧.
(٣) الأنبياء: ٣٣.
(٤) غافر: ٦١.
[ ٤٩٥ ]
من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر وتكرره.
ودوام مشاهدة النفوس له بحيث صار عادة ومألفا منعها من الاعتبار به والاستدلال به على النشأة الثانية وإحياء الخلق بعد موتهم، ولا ضعف في قدرة القادر التام القدرة ولا قصور في حكمته ولا في علمه يوجب تخلف ذلك، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهذا أيضًا من آياته الباهرة أن يعمي عن هذه الآيات الواضحة البينة من شاء من خلقه فلا يهتدي بها ولا يبصرها لمن هو واقف في الماء إلى حلقه وهو يستغيث من العطش وينكر وجود الماء، وبهذا وأمثاله يعرف الله - ﷿ - ويشكر ويحمد ويتضرع اليه ويسأل" (^١).
أولًا: توحيد الربوبية:
بين الله - ﷿ - أن النظر في ملكوت السماوات والأرض والتأمل في خلقهما يدل على وحدانيته - ﷿ -، في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه (^٢).
وعظمة هذا الكون، وإبداع السموات والأرض، وتصرف الرب - ﷿ - فيه ومن ذلك الليل والنهار، يدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، ويتصرف فيهما بزيادة أحدهما ونقص الآخر، وتغير أحوالهما بالحرارة والبرودة، وتعاقبهما بنظام ثابت دقيق، دليل قاطع محسوس على وجود الإله الخالق المبدع، والرب الواحد المتصرف، الذي لا رب سواه، ولا معبود بحق غيره (^٣).
قال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٤).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وانظر: مختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٦٢٥.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٣، ٢٨٦، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠.
(٣) انظر: التفسير المنير: ١٨/ ٢٦٥.
(٤) النور: ٤٤.
[ ٤٩٦ ]
وقال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ -: " قال الله - ﷿ -: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" (^١).
ومن أعظم الأدلة على قدرة الله تعالى أن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئًا، وخلقه تعالى الأضداد لبيان أنها مقهورة (^٢)، ومن ذلك الليل والنهار فيدخل بعضها على بعض فيحصل الفصول والضياء والنور والظلمة والسكون والانتشار قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٣).
وقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ربوبيته وإلهيته وعلى كماله في أسمائه وصفاته اختلاف الليل والنهار، وأخبر أنها آيات لقوم يتقون (^٤)، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (^٥).
كما أخبر الله - ﷿ - أنه جعل الليل سكنًا والنهار معاشًا وبين عجز الآلهة التي تعبد من دون الله عن ذلك، وأنه لا دليل لهم على عبادتها؛ فإنها لا تملك شيئًا، وهذه من الحجج والأدلة التي يستدل بها على عظمة الخالق وربوبيته (^٦)، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا
_________________
(١) سبق تخريجه: ٢٧٩.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٦١، تفسير السعدي: ١٢٦.
(٣) آل عمران: ٢٦ - ٢٧.
(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٢، التفسير المنير: ١٥/ ٣٣.
(٥) يونس: ٦.
(٦) تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٨٢، ٥/ ٣٤١.
[ ٤٩٧ ]
يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).
ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - العلم:
في سياق التذكير بعلم الله تعالى وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد وأنه محاسبهم يوم القيامة، بعد أن ذكر الله أن له ملك السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٣)، فكل ما سكن في الليل والنهار فهو ملك الله، وخص ما سكن من ذلك لتقرير عموم الملك لله تعالى بأن ملكه شمل الظاهرات والخفيات، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.
٢ - صفة العلو:
من الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على علو الله تعالى أن الأعمال ترفع إليه ﷾، وقد جاء في الحديث أن الأعمال ترفع
_________________
(١) يونس: ٦٦ - ٦٧.
(٢) الأعراف: ٥٤.
(٣) الأنعام: ١٣.
[ ٤٩٨ ]
إلى الله تعالى بالليل والنهار (^١)، عن أبي موسى - ﵁ - قال: " قام فينا رسول الله - ﷺ - بأربع إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، ويرفع إليه عمل النهار بالليل، وعمل الليل بالنهار" (^٢).
٣ - صفة اليد وبسطها:
من الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات اليد لله تعالى، وأنه يبسطها كيفما شاء ما جاء في الحديث أن الله يبسط يده للتائب بالليل وبالنهار (^٣)، عن أبي موسى - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله - ﷿ - يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" (¬٤).
٤ - صفة النزول:
أخبر النبي - ﷺ - أن الله - ﷿ - ينزل إلى السماء الدنيا وذلك كل ليلة (^٥)، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له،
_________________
(١) انظر: الرد على الجهمية، للدارمي: ٥٣، والعلو للعلي الغفار للذهبي: ٢٣، ومعارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (في التوحيد)، للشيخ حافظ الحكمي، تحقيق: عمر أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، ط ٣: ١/ ١٦١.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه: ١/ ١٦١، برقم (١٥٧).
(٣) انظر: كتاب التوحيد لابن منده، تحقيق: علي الفقيهي، دار الغرباء، المدينة، ط ٢: ٢/ ٩٣، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٣/ ٤١٤، والإبانة لابن بطة: ٣/ ٣٠٩.
(٤) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة: ٤/ ٢١١٣، برقم (٢٧٥٩).
(٥) انظر: الإبانة لابن بطة: ٣/ ٢٠١، والتوحيد لابن خزيمة: ١/ ٢٨٩.
[ ٤٩٩ ]
ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له" (^١).
ثالثًا: توحيد الألوهية:
يقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في هذه الآيات الكونية العظمية، وهو المتفرد بذلك:
ومن ذلك تفرده بخلق السماوات والأرض، وتصرفه في الليل والنهار واختلافها في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر، فهي آيات في خلقها وإحكامها وإتقانها يدل على وجوب إفراد الله بالعبادة وأن لا شريك معه غيره ﷾ (^٢): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ الفتح: ١٥: ١٤٢٩ برقم (٧٤٩٤)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه: ١/ ٥٢١، برقم (٧٥٨).
(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩١ - ١٩٢، وتفسير السعدي: ١٦١.
(٣) آل عمران: ١٩٠ - ١٩١.
(٤) الأنعام: ٦٠.
[ ٥٠٠ ]
(٣٠)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٣)، "فالله - ﷿ - يظهر هذه الآيات ليستدل بها على أنه الحق، وأن كل ما سواه باطل، وأنه القادر على هذه الأشياء وحده، فكل ما في السماوات والأرض خلقه وعبيده، فوجب أن تكون العبادة له وحده لا إله إلا هو" (^٤).
ومن الأدلة التي ذكرها الله - ﷿ - على أنه سبحانه هو المعبود وحده لا شريك له قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥).
"فخلْقُها وعظَمُها دالٌّ على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة علمه، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له" (^٦).
_________________
(١) لقمان: ٢٩ - ٣٠.
(٢) فاطر: ١٣ - ١٤.
(٣) الرعد: ٣.
(٤) تفسير الطبري: ٢٢/ ١٤٨، وانظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٧٩، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٥٠.
(٥) الأعراف: ٥٤.
(٦) تفسير السعدي: ٩١، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٠٤، والتحرير والتنوير: ٦/ ٣٧٨.
[ ٥٠١ ]
١ - الاستعاذة:
أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة من الليل ومن شره وشر ما فيه (^١)، فعن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: كان نبي الله - ﷺ - إذا أمسى قال: "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: أراه قال فيهن: له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة، وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة، وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل، وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر، وإذا أصبح قال ذلك أيضا أصبحنا وأصبح الملك لله" (^٢).
وقد أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة من الغاسق، وقد قيل إن الغاسق: هو الليل إذا أقبل بظلامه (^٣)، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (^٤).
٢ - القسم:
أقسم الله - ﷿ - بالليل والنهار "وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره"
فهو "سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته" (^٥).
_________________
(١) انظر: تحفة الأحوذي: ٩/ ٣٣٤.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل: ٤/ ٢٠٨٨، برقم (٢٧٣٣).
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣٠/ ٤٣٠، وتفسير البغوي: ٤/ ٧٢٥، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٥٣٥.
(٤) الفلق: ١ - ٣.
(٥) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤، وانظر: إمعان في أقسام القرآن: ٩، ٤١.
[ ٥٠٢ ]
فأقسم تعالى بالليل وقت إدباره، ووقت تغطيته وجه الأرض، والنهار وقت إسفاره وتجليته ما على الأرض، إلى غير ذلك، "لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سلطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه" (^١).
فقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (^٤).
رابعًا: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بجميع ما أخبر الله به ورسوله - ﷺ - عنهم وعن أعمالهم، ومن ذلك أن النبي - ﷺ - أخبر أن لليل ملائكة وللنهار ملائكة ويجتمعون في صلاة الفجر (^٥)، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسا وعشرين درجة، قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، قال أبو هريرة - ﵁ -: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^٦) " (^٧).
_________________
(١) تفسير السعدي: ٨٩٧، وانظر: التحرير والتنوير: ٣٠/ ٣١٢.
(٢) المدثر: ٣٢ - ٣٤.
(٣) الشمس" ١ - ٤.
(٤) الفجر: ٤.
(٥) انظر: فتح الباري: ٢/ ٣٦.
(٦) الإسراء: ٧٨.
(٧) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها: ١/ ٤٤٩، برقم (٦٤٩).
[ ٥٠٣ ]
ومن أعمالهم أنهم يشهدون ويحضرون قراءة الليل (^١)، عن جابر - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من الليل فليوتر من آخره فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل" (^٢).
وأن منهم من الموكل بحفظ أعمال بني آدم في الليل والنهار (^٣)، كما في الحديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" (^٤).
وأنهم يسبحون الله الليل والنهار (^٥)، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (^٦).
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^٧).
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٩٣، وفتح الباري: ١/ ١٠٦.
(٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله: ١/ ٥٢٠، برقم (٧٥٥).
(٣) الإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة للشيخ صالح الفوزان، دار الوطن، الرياض، ط ١: ١٨.
(٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما: ١/ ٤٣٩ برقم (٦٣٢).
(٥) تفسير ابن كثير: ٥/ ٣٣٦.
(٦) الأنبياء: ١٩ - ٢٠.
(٧) فصلت: ٣٧ - ٣٨.
[ ٥٠٤ ]
خامسًا: الإيمان بالكتب:
أخبر الله - ﷿ - أنه أنزل هذا القرآن في الليل، بل أقسم على ذلك (^١)، وبين أنه أنزله في ليلة مباركة (^٢)، فقال تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (^٤).
ولما ذكر الله - ﷿ - القرآن والأمر بتعظيمه في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (^٥) ذكر من الآيات والأدلة ما يدل على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحِكم والأحكام، ومن هذه الآيات التي ذكرها الليل والنهار (^٦)، فقال تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٧).
وأقسم الله - ﷿ - على علو سند القرآن وجلالته بالليل إذا أدبر، وقيل أقبل، وبالصبح إذا انشق نوره (^٨)، فقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (^٩).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٤٥، وتفسير السعدي: ٧٧١.
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٩٣، فتح الباري: ١/ ١٠٦.
(٣) الدخان: ١ - ٣.
(٤) القدر: ١ - ٣.
(٥) الجاثية: ١ - ٢.
(٦) انظر: تفسير السعدي: ٧٧٥.
(٧) الجتثية: ٥ - ٦.
(٨) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤٠، وتفسير السعدي: ٩١٢، والتحرير والتنوير: ٣٠/ ١٥٢.
(٩) التكوير: ١٧ - ١٩.
[ ٥٠٥ ]
سادسًا: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بجميع ما أخبر الله به عنهم ومن ذلك الإسراء، وقد كان الإسراء بالنبي - ﷺ - ليلًا (^١)، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).
فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه.
ولما قال المشركون: أن الله ترك محمدًا - ﷺ - (^٣) أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ظلمته، على اعتناء الله برسوله - ﷺ - ونصره له (^٤)، فقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٥).
سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:
أقسم الله تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، على عظم النار يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا
_________________
(١) انظر: السنة لأحمد بن محمد بن هارون الخلال، تحقيق: عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، ط ١: ١/ ٢٣٩، والحجة في بيان المحجة: ١/ ٥٣٦، والإسراء والمعراج لمحمد بن ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية، عمان، ط ٥: ٧.
(٢) الإسراء: ١.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والبر، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين: ٣/ ١٤٢١، رقم (١٧٩٧).
(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢٠/ ٩٢.
(٥) والضحى: ١ - ٣.
[ ٥٠٦ ]
أَسْفَرَ﴾ (^١)، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا﴾ أي النار ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (^٢) " أي لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر عما خلق له وعما يحبه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم (^٣).
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله - ﷿ - من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل أنه سبحانه جعل الليل لباسًا وجعل النهار معاشا، وأنه أظلم الليل، وأبرز وأظهر النهار، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (^٥).
فالذي أنعم"بهذه النعم العظيمة، التي لا يقدر قدرها، ولا يحصى عددها، كيف تكفرون به وتكذبون ما أخبركم به من البعث والنشور؟ ! أم كيف
_________________
(١) المدثر: ٣٢ - ٣٤.
(٢) المدثر: ٣٥.
(٣) تفسير السعدي: ٨٩٧.
(٤) النبأ: ٦ - ١٧
(٥) النازعات: ٢٧ - ٣٢.
[ ٥٠٧ ]
تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟ " (^١).
كما أن الله - ﷿ - أكد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال وأقسم على ذلك بالنهار كله وبالليل وما جمعه (^٢)، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الآيات (^٣).
ثامنًا: مسائل الأسماء والأحكام:
خلق الله - ﷿ - الناس مؤمن وكافر، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^٤) والله - ﷿ - في كتابه حينما يذكر الزمان ويذكر الليل والنهار يبين حال الناس بعده وأنهم فريقان مؤمن وكافر، مصدق ومكذب، مزكي لنفسه ومدسيها (^٥)، واختيار القسم بالليل والنهار لبيان البون بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة (^٦)، قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (^٧).
وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (^٨)، وقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (^٩).
_________________
(١) تفسير السعدي: ٩٠٦.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٣٥٩، والتفسير المنير: ٣٠/ ١٤٤.
(٣) الانشقاق: ١٦ - ١٩.
(٤) التغابن: ٢.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٥٠.
(٦) انظر: التحرير والتنوير: ٣٠/ ٣٧٨.
(٧) الليل: ١ - ٤.
(٨) الشمس: ١ - ١٠.
(٩) المدثر: ٣٢ - ٣٧.
[ ٥٠٨ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الليل والنهار-:
١ - اعتقاد أن الليل والنهار هما المتصرفان في إهلاك الناس:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الليل والنهار- اعتقاد أن الليل والنهار هما المتصرفان في إهلاك الناس، قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ (^١)، وقال - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ - أنه قال: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" (^٢).
وقال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (^٣)، ومناسبة ذكره هذه الجملة: أن تقدير الليل والنهار وتعاقبهما من التصرفات الإلهية المشاهدة في أحوال السماوات والأرض وملابسات أحوال الإنسان، فهذه الجملة بدل اشتمال من جملة ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو أيضا مناسب لمضمون جملة ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ تذكير للمشركين بأن المتصرف في سبب الفناء هو الله تعالى فإنهم يعتقدون أن الليل والنهار هما اللذان يفنيان الناس.
فإنه لما قال: " ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أبطل بعده اعتقاد أهل الشرك أن للزمان الذي هو تعاقب الليل والنهار والمعبر عنه بالدهر تصرفا فيهم" (^٤).
_________________
(١) الجاثية: ٢٤.
(٢) سبق تخريجه: ٢٧٩.
(٣) الحديد: ٥ - ٦.
(٤) التحرير والتنوير: ٢٧/ ٣٦٦.
[ ٥٠٩ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - اعتقاد نزول الله - ﷿ - ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا.
عن عائشة - ﵂ - قالت: "فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة، فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قلت يا رسول الله: إني ظننت أنك أتيت بعض نساءك، فقال: إن الله - ﷿ - ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيفغر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" (^١).
وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها؛ فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" (^٢).
وهي أحاديث ضعيفة.
أما نزول الله ﷿ كل ليلة إلى السماء الدنيا فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة" (^٣).
_________________
(١) رواه الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان برقم (٧٣٩)، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه من الحجاج، وسمعت محمد بضعف هذا الحديث. وانظر: ضعيف سنن الترمذي برقم ٧٣٩
(٢) رواه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، برقم (١٣٨٨). قال الألباني: ضعيف جدا أو موضوع. وانظر: ضعيف سنن بن ماجه برقم (١٣٨٨)
(٣) سبق تخريجه: ٢٩٩.
[ ٥١٠ ]
المبحث السادس الحياة والموت
الحياة والموت في اللغة:
الحياة نقيض الموت كُتِبَتْ في المصحف بالواو ليعلم أَن الواو بعد الياء في حَدِّ الجمع وقيل على تفخيم الأَلف.
وحَيَّ يَحْيَا ويَحَيّ فهو حَيٌّ، وللجميع حَيُّوا بالتشديد، ولغة أُخرى حَيَّ، وللجميع حَيُوا خفيفة
والموت: الميم والواو والتاء أصلٌ صحيح يدلُّ على ذَهاب القُوّة من الشيء. منه المَوْتُ: خلاف الحياة، وقد مات يموت ويمات أيضًا.
ورجل مَيِّتٌّ ومَيْتٌ، وقيل المَيْتُ الذي ماتَ، والمَيِّتُ والمائِتُ الذي لم يَمُتْ بَعْد، وقومٌ مَوتى وأَمواتٌ ومَيِّتُون ومَيْتون، والأُنثى مَيِّتة ومَيْتَة ومَيْتٌ والجمع كالجمع (^١).
وفي الاصطلاح:
الحياة. يواجه معظم الناس بعض الصعوبات، في التمييز بين الكائنات الحية
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٢٨٣، لسان العرب: ٢/ ١٠٧٥، ٦/ ٤٤٩٤، الصحاح: ٢/ ٢٨٨، ٧/ ١٧٣.
[ ٥١١ ]
والجماد، ويعد الناس الأشياء كائنات حية إذا كان لديها القدرة على القيام ببعض الأنشطة مثل النمو والتكاثر أما علماء الأحياء فيجدون صعوبات شديدة في تعريف الحياة، على الرغم من معرفتهم الواسعة بالأحياء. وتكمن هذه الصعوبة في تحديد الخط الفاصل بين الكائنات الحية والجماد. فالفيروس على سبيل المثال، يعد جسيما بدون حياة وهو خارج الخلية الحية، ولكنه يكون أكثر نشاطا ويتكاثر بسرعة داخل الخلية الحية. وبدلا من إيجاد التعريف الدقيق للحياة، ركز علماء الأحياء بعمق على فهم الحياة عن طريق دراسة الكائنات الحية نفسها. ويطلق على العلم الذي يهتم بدراسة الحياة اسم علم الأحياء (^١).
أما الموت فهو خروج الروح إلى بارئها، حيث ينتقل الشخص بعد ذلك إلى حياة برزخية ثم تقوم قيامته؛ وهو نهاية الحياة؛ فكل شيء حي نهايته الموت، ولكن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع أن يدرك الموت ويتخيله.
أما الأوجه الطبية للموت: فقد لاحظ العلماء ثلاثة أنواع للموت. وهذه الأنواع هي: البلى الفيزيولوجي، والنخر، والموت الجسدي.
والبلى الفيزيولوجي أو البلي الوظيفي: هو استمرار موت وتجدد الخلايا كل على حده أثناء الحياة. فباستثناء الخلايا العصبية فإن كل خلايا الكائن يستمر تجددها بمعدل ثابت. وعلى سبيل المثال، تتكون خلايا الجلد الجديدة تحت السطح لأن الخلايا القديمة تموت وتزول.
ويعني النخر: موت الأنسجة أو حتى العضو كله. فأثناء النوبة القلبية، على سبيل المثال، يوقف تجلط الدم وصوله إلى جزء من القلب، فيموت الجزء المتأثر، ولكن الكائن الحي يستمر في الحياة ما لم يكن التلف شديدا.
والموت الجسدي، نهاية كل عمليات الحياة في الكائن. فالشخص الذي يتوقف قلبه ورئتاه عن العمل قد يعتبر ميتا سريريا، ولكن الموت الجسدي ربما لا يكون قد حدث بعد؛ لأن الخلايا المنفردة تستمر في الحياة لعدة
_________________
(١) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٩/ ٥٩٣.
[ ٥١٢ ]
دقائق. وقد يعود الشخص إلى الحياة مرة أخرى إذا عاود القلب والرئتان العمل مرة ثانية، وأعطيت الخلايا حاجتها من الأكسجين. وبعد حوالي ثلاث دقائق تبدأ خلايا الدماغ وهي الأكثر حساسية لنقص الأكسجين في الموت، وغالبًا ما يتبعها موت الإنسان في الحال، وتستحيل إعادة الحياة إلى جسده. وتدريجيا تبدأ خلايا الجسم الأخرى كذلك في الموت. وآخر ما يموت خلايا العظم والشعر والجلد التي قد تستمر في النمو لعدة ساعات (^١).
وقد ورد لفظ الحياة في القرآن في (٧١) مواضعًا (^٢)، وورد لفظ الموت في (٣٥) موضعا (^٣).
وذكر أهل التفسير أن الحياة في القرآن على خمسة أوجه (^٤): -
أحدها: نفخ الروح في الحيوان بالخلق الأول، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (^٥) أي: نطفا فنفخ فيها الروح. وقال تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ (^٧)، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (^٨)، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ (^٩).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ٢٤/ ٣٥٨، بتصرف يسير.
(٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٢٨٣ - ٢٨٦.
(٣) انظر: المصدر السابق: ٨٥١ - ٨٥٤.
(٤) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٢٥٣، وبصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزير: ٢/ ٥١٢.
(٥) البقرة: ٢٨.
(٦) آل عمران: ٢٧.
(٧) الحج: ٦٦.
(٨) غافر: ١١.
(٩) الجاثية: ٢٦.
[ ٥١٣ ]
والثاني: إحياء الموتى بعد خروج الأرواح منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (^٢).
والثالث: الهدى، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (^٥).
والرابع: البقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (^٧)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٨).
والخامس: حياة الأرض بالنبات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ (^٩).
أما الموت فقد ذكر بعض المفسرين أنه في القرآن على سبعة أوجه (^١٠): -
أحدها: الموت نفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (^١١)،
_________________
(١) آل عمران: ٤٩.
(٢) القيامة: ٤٠.
(٣) الأنعام: ١٢٢.
(٤) يس: ٧٠.
(٥) فاطر: ٢٢.
(٦) البقرة: ٤٩.
(٧) البقرة: ١٧٩.
(٨) المائدة: ٣٢.
(٩) فاطر: ٩.
(١٠) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٧١، وبصائر ذوي التمييز: ٤/ ٥٣٦.
(١١) آل عمران: ١٨٥.
[ ٥١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (^٢).
والثاني: النطفة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (^٤)، فالموتة الأولى كونهم نطفا.
والثالث: الضلال. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (^٧).
والرابع: الجدب. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (^٨)، وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ (^٩)، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ (^١٠)، وكل بلد ميت في القرآن فالمراد به الأرض المجدبة.
والخامس: الحرب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ (^١١).
_________________
(١) الزمر: ٣٠.
(٢) الجمعة: ٨.
(٣) البقرة: ٢٨.
(٤) غافر: ١١.
(٥) الأنعام: ١٢٢.
(٦) النمل: ٨٠.
(٧) فاطر: ٢٢.
(٨) فاطر: ٩.
(٩) يس: ٣٣.
(١٠) الزخرف: ١١.
(١١) آل عمران: ١٤٣.
[ ٥١٥ ]
والسادس: الجماد. ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (^١)، يعني الأوثان.
والسابع: الكفر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (^٢)، فالميت ها هنا الكافر.
_________________
(١) النحل: ٢١.
(٢) آل عمران: ٢٧.
[ ٥١٦ ]
الدلائل العقدية للآيات الكونية - الحياة والموت-:
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (^١).
في هذه الآيات التعظيم للخالق ﷾ والتأكيد على تفرده بالربوبية والألوهية.
وأنه ﷾ خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا. ومن لوازم تفرده ﷾ بكل ذلك ألا يعبد غيره، ولا يقصد سواه بدعاء أو رجاء أو طلب، ولا يشرك في عبادته أحد، وأن ينزه فوق كل وصف لا يليق بجلاله.
وفيها أيضًا بيان حكمة الرب وكمال قدرته ومشيئته في خلق الضدين -الحياة والموت- إذ بذلك تعرف ربوبيته وقدرته وملكه وعجز المخلوقين (^٢).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (^٣).
وهذه سنة الله في خلقه، منذ خلق آدم - ﵇ - وحتى يوم القيامة فالبشرية مهما أوتيت من قوة وعلم فلن تستطيع أن تخلق أحدا، ولن تجد لها من الموت مهربًا ومخرجًا، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ
_________________
(١) الملك: ١ - ٢.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٦٢٥، ومدارج السالكين: ٢/ ١٩٤.
(٣) الحج: ٧٣.
[ ٥١٧ ]
اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (^٢).
قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآيات الكونية: " فصل وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده الى الفكر فيه أوقعك على العلم به ﷾، وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه، فبهذا تعرّف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته، ونذكر لذلك أمثلة مما ذكرها الله سبحانه في كتابه يستدل بها على غيرها، فمن ذلك خلق الإنسان وقد ندب سبحانه إلى التفكر فيه والنظر في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (^٥).
وهذا كثير في القرآن يدعو العبد إلى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره، إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار
_________________
(١) الأحزاب: ٣٨.
(٢) الأحزاب: ٦٢.
(٣) الطارق: ٥.
(٤) الذاريات: ٢١.
(٥) الحج: ٥.
[ ٥١٨ ]
في الوقوف على بعضه، وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه، ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (^١)، فلم يكرر سبحانه على أسماعنا وعقولنا ذكر هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب، ولا لنتكلم بها فقط ولا لمجرد تعريفنا بذلك بل لأمر وراء ذلك كله، هو المقصود بالخطاب وإليه جرى ذلك الحديث" (^٢).
وهو أن تظهر للعباد قدرة الرب في خلق المتضادات المتقابلات، وفي ذلك أدل الدلائل على كمال قدرة الله وعزته وسلطانه وملكه (^٣).
أولًا: وجود الله:
قد دلت هذه الآية الكونية على وجود الله، فإن خلقها ووجودها بعد العدم، وتسخيرها دليل قاطع على وجود الله - ﷿ -، وذلك لافتقار المخلوق إلى الخالق، واحتياج المحدَث إلى المحدِث (^٤).
"وشواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لهما من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه" (^٥).
وأخبر الله - ﷿ - عن محاجة إبراهيم - ﵇ - للنمرود في وجود الله، وكان النمرود ينكر وجود الله - ﷿ -، وأن يكون ثم إله غيره، وأنه يحي ويميت،
_________________
(١) عبس: ١٧ - ٢٢.
(٢) مفتاح دار السعادة: ١/ ١٨٧ باختصار.
(٣) انظر: مدارج السالكينن: ٢/ ١٩٤.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٥، والأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد: ٢٠٩ - ٢٢٦.
(٥) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٨٢.
[ ٥١٩ ]
فاستدل إبراهيم - ﵇ - على وجود الله، وأنه المالك المتصرف المستحق للعبادة وحده -بأن الله هو الذي يحي ويميت- بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١).
"فحدوث هذه الأشياء المشاهدة وإيجادها بعد العدم، وعدمها بعد الوجود دليل على وجود الله؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب، الذي يحيي ويميت والذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته" (^٢).
وفي" ضمن هذه المناظرة من حسن الاستدلال بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين الذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق لا يقدر أحد سواه على ذلك" (^٣)، وهذا برهان لا يقبل المعارضة بوجه.
ثانيًا: توحيد الربوبية:
يخبر الله - ﷿ - أنه مالك الملك وأن له الملك المطلق والتدبير كله، وذكر من ذلك بعض التصاريف التي انفرد بها ﷾ ومنها الإحياء والإماتة.
وهذا أعظم دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئا (^٤)، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٥).
ومن الأدلة على تفرد الله - ﷿ - بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٦).
فهذا الرجل الذي مر على قرية خاوية على عروشها قد باد أهلها وفني مكانها، قال جهلًا بقدرة الله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأماته الله - ﷿ - وحماره، ثم أحياه وحماره، وفي هذا أعظم دليل على تفرده سبحانه بالإحياء والإماتة (^٧).
كما أخبر الله - ﷿ - في عدة آيات أن له ملك السماوات والأرض وأن هو المحيي المميت فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٨). وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
_________________
(١) البقرة: ٢٥٨.
(٢) المرجع السابق: ١/ ٦٨٦، وانظر: تفسير السعدي: ١١١.
(٣) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٥.
(٤) تفسير السعدي: ١٢٦.
(٥) آل عمران: ٢٦ - ٢٧.
(٦) البقرة: ٢٥٩.
(٧) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٩٠.
(٨) التوبة: ١١٦.
[ ٥٢١ ]
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (^١).
فقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: "لتصوير معنى الملك في أتم مظاهره المحسوسة للناس المسلم بينهم أن ذلك من تصرف الله تعالى لا يستطيع أحد دفع ذلك ولا تأخيره" (^٢).
ومن الأدلة على تفرد الله - ﷿ - بالخلق أنه ﷾ خلق آدم - ﵇ - من غير أب ولا أم، وخلق عيسى - ﵇ - من أم بلا أب، وخلق باقي الخلق من أم وأب، قال تعالى عن آدم وعيسى i: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣)، وقال أيضا عن عيسى - ﵇ -: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٤) وقال عن بقية الخلق: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ (^٧).
_________________
(١) الملك: ١ - ٢.
(٢) التحرير والتنوير: ١١/ ٤٨، وانظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ١٧٦.
(٣) آل عمران: ٥٩.
(٤) آل عمران: ٤٥ - ٤٧.
(٥) النحل: ٤.
(٦) غافر: ٦٧.
(٧) النجم: ٤٥ - ٤٦.
[ ٥٢٢ ]
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "خلق الله - ﷿ - آدم على صورته طوله ستون ذراعا " (^١).
وفيه إثبات خلق الله - ﷿ - لآدم - ﵇ - (^٢).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - التسبيح:
أخبر الله - ﷿ - أنه يسبح له ما في السماوات والأرض، فقال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٣) ثم علل ذلك التسبيح بأن له ملك السماوات والأرض فله ملك العوالم العليا والعالم الدنيوي، ومن ضمن ذلك أنه يحيي ويميت، فقال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٤).
"فالإحياء والإماتة مما يشتمل عليه معنى ملك السماوات والأرض؛ لأنهما من أحوال ما عليهما، وتخصيص هذين بالذكر للاهتمام بهما لدلالتهما على دقيق الحكمة في التصرف في السماء والأرض، ولظهور أن هاذين الفعلين لا يستطيع المخلوق ادعاء أن له عملا فيهما، وللتذكير بدليل إمكان البعث الذي جحده المشركون، وللتعريض بإبطال زعمهم إلهية أصنامهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (^٥) " (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته: ٦٣٤، برقم (٣٣٢٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير: ٤/ ٢١٨٣، برقم (٢٨١٤).
(٢) فتح الباري: ٦/ ٣٦١.
(٣) الحديد: ١.
(٤) الحديد: ٢.
(٥) الفرقان: ٣.
(٦) التحرير والتنوير: ٢٧/ ٣٥٨.
[ ٥٢٣ ]
٢ - العلم:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^١).
في هذه الآية بيان سعة علم الله، وأن ما ذكر فيها من مفاتيح الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها؛ ومنها أنه لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه الله تعالى سواه، وكذلك لا تدري نفس بأي أرض تموت في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك (^٢).
كما أخبر الله - ﷿ - عن عموم علمه وسعة اطلاعه وإحاطته بكل شيء، وأنه هو الذي يخلق الخلق، وأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تسقطه الأرحام قبل التسعة الأشهر، وما تزد فوق التسعة (^٣)، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (^٤).
وكان رسول الله - ﷺ - يدعو ربه: الحياة على الخير أو الوفاة على الخير، ويتوسل إليه بصفة العلم والقدرة على الخلق: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي" (^٥).
٣ - المحيي والمميت:
وهاتان الصفتان ثابتة بالكتاب والسنة، وهما صفتان فعليتان (^٦)، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٨) وفي الحديث: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" (^٩).
_________________
(١) لقمان: ٣٤.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٨٢، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٩٢.
(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٦، وتفسير السعدي: ٤١٤.
(٤) الرعد: ٨ - ٩.
(٥) سنن النسائي، كتاب السهو، باب (٦٢): ١٥٤، برقم (١٣٠٥)، ومسند أحمد: ٣٠/ ٢٦٥، برقم (٨٣٢٥) وقال محققه: "حديث صحيح"، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن النسائي: ١/ ٢٨٠.
(٦) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٨٦.
(٧) الحج: ٦٦.
(٨) فصلت: ٣٩.
(٩) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب تمني كراهة الموت لضر نزل به: ٤/ ٢٠٦٤، برقم (٢٦٨٠).
[ ٥٢٤ ]
وقد ذكر إبراهيم - ﵇ - هاتين الصفتين في خصائص المعبود الحق، فقال في وصف رب العالمين (^١): ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (^٢).
٤ - اليد:
صفة اليد من الصفات الثابتة لله - ﷿ - ومما يتعلق بهذه الآية الكونية
-الموت- فقد ذكر النبي - ﷺ - أن الموت بيد الله - ﷿ -.
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي ص: ٥٩٢.
(٢) الشعراء: ٧٥ - ٨١.
[ ٥٢٥ ]
فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله قال لي أنفق أنفق عليك"، وقال رسول الله - ﷺ -: " يمين الله ملآى لا يغيضها سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه قال وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" (^١).
ومعنى القبض الموت (^٢).
٥ - التردد:
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" (^٣).
في هذا الحديث أن الله يكره أن يفعل شيئًا يكرهه عبده المؤمن، وهو يتعلق بهذه الآية الكونية - الموت- فيتردد لا للشك أو كون هذا مصلحة أو غير مصلحة، أي ليس عن جهل، لكن يتردد من جهة ما يتعلق بالعبد، هل يفعله والعبد يكره ذلك، أم لا يفعله.
"فالتردد نوعان: تردد للشك في النتيجة، وهذا منزه عنه الله - ﷿ - لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء، وتردد بما يتعلق بالغيب مع العلم
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف: ٢/ ٦٩٠، برقم (٩٩٣).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٤٣٤، وفتح الباري: ١٣/ ٣٩٥.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع: ١٢٤٦، برقم (٦٥٠٣).
[ ٥٢٦ ]
بالنتيجة، وهذا يوصف الله به وليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه" (^١).
رابعًا: توحيد الألوهية:
في تقرير الله - ﷿ - لألوهيته، واحتجاجه على المشركين بما يقرون به يقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في هذه الآية الكونية -الحياة والموت-، وهو المتفرد بذلك (^٢):
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٤).
كما قرر الله هذا التوحيد، وأنكر على المشركين دعوتهم غير الله معه، وبأنه سبحانه هو الخالق للعباد وهو المحيي والمميت لهم، فإذا كان هو الذي يفعل ذلك وحده فيجب أن يعبد وحده (^٥)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ
_________________
(١) لقاءات الباب المفتوح للشيخ محمد بن عثيمين: ٥١ - ٦٠، دار الوطن، الرياض: ٢١٥، وانظر: مجموع الفتاوى: ١٠/ ٥٨، ١٨/ ١٢٩.
(٢) انظر: التحرير والتنوير: ٢٥/ ٢٨٤.
(٣) الأنعام: ٦٠ - ٦٢.
(٤) التوبة: ١١٦.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٥١، وتفسير السعدي: ٤٨/ ٦٤٣، ٧٤٢.
[ ٥٢٧ ]
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ (^٤).
وإبراهيم - ﵇ - تبرأ من جميع الآلهة التي تعبد إلا الله رب العالمين الذي يحيي ويميت (^٥)، قال تعالى عن إبراهيم - ﵇ - أنه قال: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (^٦).
١ - فضل التوحيد:
أخبر النبي - ﷺ - عن فضل التوحيد، وأنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، فعلق هذه الفضل بالموت عليه (^٧)، عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار، وقلت: إنه من
_________________
(١) غافر: ٦٧ - ٦٨.
(٢) الحج: ٦٦.
(٣) البقرة: ٢٨.
(٤) الروم: ٤٠.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ١٠، وتفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٥.
(٦) الشعراء: ٧٥ - ٨٢.
(٧) انظر: شرح النووي على مسلم: ١/ ١٩٧.
[ ٥٢٨ ]
مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (^١). وفي حديث أبي ذر - ﵁ - أن جبريل - ﵇ - قال للنبي - ﷺ -: " بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (¬٢).
٢ - الاستعاذة:
أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة بالله من فتنة المحيا والممات أي فتنة الحياة والموت (^٣).
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" (^٤).
خامسًا: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بجميع ما أخبر الله عنه، وأخبر عن رسوله - ﷺ - عنهم وعن أسمائهم، ومن ذلك ملك الموت (^٥)، وكذلك الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومن ذلك الملائكة الموكلة بقبض الأرواح.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (^٦).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ومن مات مشركًا دخل النار: ١/ ٩٤، برقم (٩٢).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة: ٢/ ٦٨٧ برقم (٩٤).
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم: ٥/ ٨٥، ١٧/ ٣٠.
(٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في صلاة: ١/ ٤١٢، برقم (٥٨٨).
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٦١، والإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة: ١٧.
(٦) السجدة: ١١.
[ ٥٢٩ ]
الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (^٤).
ومن الملائكة الملك الموكل بالأرحام ونفخ الروح (^٥)، عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: "حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق، إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك، مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" (^٦).
سادسًا: الإيمان بالكتب:
أخبر الله - ﷿ - أن القرآن الذي أنزله على نبينا محمد - ﷺ - مهيمنا على جميع الكتب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^٧)، كما أخبر تعالى عن فضل القرآن على غيره من
_________________
(١) الأنعام: ٦١.
(٢) النساء: ٩٧.
(٣) النحل: ٣٢.
(٤) محمد: ٢٧.
(٥) انظر: شرح النووي عل مسلم: ٨/ ٤٨٩، والإيمان بالملائكة وأثره على الأمة: ١٧.
(٦) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته: ٤/ ٢٠٣٦، برقم (٢٦٤٣).
(٧) المائدة: ٤٨.
[ ٥٣٠ ]
الكتب أنه لو كان في الكتب الماضية كتاب يكلم الموتى لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره (^١)، وذلك "لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له" (^٢).
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٣).
ولما أخبر الله عن القرآن أنه منزل من عنده في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (^٤) أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية، وذكر منها خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها، فقال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٥).
"فهذه كلها آيات بينات وأدلة واضحات على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال وعلى البعث والنشور" (^٦).
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي: ٤١٨، والتحرير والتنوير: ١٣/ ١٤٣.
(٢) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٦٠، وانظر: تفسير الطبري: ١٦/ ٤٤٩.
(٣) الرعد: ٣١.
(٤) الجاثية: ١ - ٢.
(٥) الجاثية: ٣ - ٦.
(٦) تفسير السعدي: ٧٧٥.
[ ٥٣١ ]
سابعًا: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات الآية التي أظهرها الله - ﷿ - لقوم عيسى - ﵇ - وأنه كان يحيي الموت (^١)، قال تعالى عن عيسى - ﵇ - ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).
وأي"آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات التي لا قدرة للأطباء في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور الغيبية، فكل واحدة من هذه الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا اجتمعت وصدق بعضها بعضها؟ فإنها موجبة للإيقان وداعية للإيمان" (^٣).
ومن دلائل نبوة الأنبياء الكرامات التي يجريها الله - ﷿ - على يدي أتباع الرسل، إجابة لدعوتهم ونصرة لهم، ومن ذلك ما أخبر الله به عن قوم موسى - ﵇ - حين أمرهم بضرب القتيل ببعض البقرة، فقام وأخبر بمن قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٤).
ومن دلائل نبوة نبينا محمد - ﷺ - فيما يتعلق بهذه الآيات -الحياة والموت- أنه أخبر بطول حياة الصحابي رويفع - ﵁ -، فوقع كما أخبر (^٥)
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥، وفتح الباري: ٦/ ٤٧٥.
(٢) آل عمران: ٤٩.
(٣) تفسير السعدي: ١٣١.
(٤) البقرة: ٧٢ - ٧٣.
(٥) انظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ١/ ١٥١.
[ ٥٣٢ ]
حيث طالت حياته إلى سنة ٥٦ للهجرة (^١).
فعن رويفع - ﵁ - قال: قال لى رسول الله - ﷺ -: " يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدى فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا - ﷺ - منه برئ " (^٢).
ومن آيات الرسل أن الله - ﷿ - يخبرهم عند قبض أرواحهم (^٣)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: " أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر، فقال: إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله - ﷺ - عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله - ﷺ - هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به" (^٤).
ثامنًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء: ٣/ ٣٦.
(٢) سنن أبى داود، كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يتنجى به: ٢٩ برقم (٣٦)، وسنن النسائي، كتاب الزينة، باب عقد اللحية: ٥١٩، برقم (٥٠٦٧). قال ابن الملقن إسناده جيد، انظر: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن، تحقيق: مصطفى أبو الغيط وآخرين، دار الهجرة، الدمام، ط ١: ٢/ ٣٥٢. وصحيح سنن أبي داود: ١/ ١٠.
(٣) انظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته: ٨٤٠، برقم (٤٤٣٧)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها: ٤/ ١٨٩٣، برقم (٢٤٤٤).
(٤) صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة: ٧٤٠، برقم (٣٩٠٤).
[ ٥٣٣ ]
والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله - ﷿ - من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل إحياء الموتى، وذكر على ذلك أمثلة فقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٣) وغيرها من الآيات.
فالذي أحيا هؤلاء الأموات قادر على أن يحيى جميع الخلق وفيه دليل على البعث (^٤).
وفي جملة الأدلة التي استدل الله بها على منكري البعث ذكر الله - ﷿ - أنه يحي ويميت، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٥).
"فكان افتتاحه بأن الله هو المتوحد بملك ما في السماوات والأرض فهو
_________________
(١) البقرة: ٢٥٩.
(٢) البقرة: ٧٢ - ٧٣.
(٣) البقرة: ٥٥ - ٥٦.
(٤) انظر: أضواء البيان: ٣/ ٢٠٤.
(٥) يونس: ٥٥ - ٥٦.
[ ٥٣٤ ]
يتصرف في الناس وأحوالهم في الدنيا والآخرة تصرفا لا يشاركه فيه غيره فتصرفه في أمور السماء شامل للمغيبات كلها، ومنها إظهار الجزاء بدار الثواب ودار العذاب وتصرفه في أمور الأرض شامل لتصرفه في الناس. ثم أعقب بتحقيق وعده، وأعقب بتجهيل منكريه، وأعقب بالتصريح بالمهم من ذلك وهو الإحياء والإماتة والبعث" (^١).
كما استدل الله - ﷿ - على البعث بأصل الخلق فقال تعالى في الإنكار على من استبعد وقوع البعث بعد الموت: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٤).
أما الآخرة فقد أخبر الله - ﷿ - بأنه من قدم عليه مجرمًا كافرًا بالله فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ
_________________
(١) التحرير والتنوير: ١١/ ١٩٩.
(٢) القيامة: ٣٦ - ٤٠.
(٣) الأنبياء: ١٠٤.
(٤) الحج: ٥ - ٧.
[ ٥٣٥ ]
جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (^١)، وقال أيضًا عن الكافر الأشقى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (^٢).
فالمعذب"فيها لا يموت ولا يحيا، لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة يتلذذ بها، وإنما حياته محشوة بعذاب القلب والروح والبدن، الذي لا يقدر قدره، ولا يفتر عنه ساعة، يستغيث فلا يغاث، ويدعو فلا يستجاب له" (^٣).
وأخبر النبي - ﷺ - أنه يؤتى بالموت في الآخرة فيذبح، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ -: " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ " (^٤).
تاسعًا: الإيمان بالقدر:
من الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه وقدرته ومشيئته، وقد نبه الله - ﷿ - على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتضادة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (^٦) إلى غيرها من الآيات.
_________________
(١) طه: ٧٤.
(٢) الأعلى: ١٢ - ١٣.
(٣) تفسير السعدي: ٥٠٩، وانظر: التحرير والتنوير: ١٨/ ١٥.
(٤) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ مريم: ٣٩: ٩١٤ برقم (٤٧٣٠).
(٥) النجم: ٤٤.
(٦) الشعراء: ٨١.
[ ٥٣٦ ]
وفي هذا دليل على علم الله ومشيئته وقدرته (^١).
كما أخبر الله - ﷿ - أنه لن تموت نفس إلا بإذنه وتقديره حتى تستوفي المدة التي ضربها الله لها (^٢) وأنه لا ينفع ولا يدفع الحذر من القدر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (^٣).
كما أخبر النبي - ﷺ - أن الآجال مكتوبة، فعن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" (^٤).
عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:
١ - ضرب الأمثال:
ضرب الله - ﷿ - مثلًا للمؤمنين بالأحياء، والكافرين بالأموات، وأنهم لا يستوون (^٥)، فقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٦).
٢ - استخدام الألفاظ الشرعية:
ورد في القرآن إطلاق لفظ الموت على الجمادات، وهو أيضا مشهور في لغة العرب (^٧)، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي: ٦٨٨.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٩، ٢/ ٢٦٠، وتفسير السعدي: ٧٢٥.
(٣) آل عمران: ١٤٥.
(٤) سبق تخريجه: ٤٨٦.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٥٤٢.
(٦) فاطر: ٢٢.
(٧) انظر: شرح التدمرية للشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك، إعداد: عبالرحمن بن صالح السديس، دار التدمرية، ط ١: ١٦٠ - ١٦٢.
[ ٥٣٧ ]
يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (^٣)، ففي هذا الرد على الغلاة نفاة الأسماء والصفات الذين ينفون الموت والحياة عن الجمادات، ويزعمون أن الجمادات لا يقال لها حية ولا ميتة، ويصح نفيها عما ليس قابلًا لهما (^٤).
الحادي عشر: مسائل الأسماء والأحكام:
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الخلود في النار معلق بالموت على الكفر، وأن التوبة مقبولة ما لم يغرر العبد (^٥)، وهم يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء ولا يعلمون ما يختم للرجل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
_________________
(١) النحل: ٢٠ - ٢١.
(٢) المائدة: ١١٠.
(٣) الأعراف: ١١٧.
(٤) المرجع السابق: ٢٣١.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٨٨، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٨، والحجة في بيان المحجة: ١/ ٥١٧، وإعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد: ١/ ٢٥٥.
(٦) البقرة: ٢١٧.
[ ٥٣٨ ]
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (^١).
أما التوبة قبل الموت، فقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^٢).
وقال - ﷺ -: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر " (^٣).
_________________
(١) آل عمران: ٩١.
(٢) النساء: ١٨.
(٣) سنن الترمذي: كتاب الدعوات، باب (٩٨): ٥٥٦ برقم (٣٥٣٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ومسند الإمام أحمد: ١٠/ ٣٠٠ برقم (٦١٦٠)، وقال محققه: إسناده حسن.
[ ٥٣٩ ]
القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت-:
أولًا: إنكار الحياة بعد الموت:
من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت - إنكار الحياة بعد الموت، قال الله تعالى مخبرًا عن المكذبين بالبعث: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (^١).
ورد الله عليهم قولهم بأن الذي بدأ الخلق فإن الإعادة عليه أهون (^٢)، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (^٤).
ثانيًا: نسبة الإحياء والإماتة إلى الدهر:
من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت- نسبة الإحياء والإماتة إلى الدهر، قال تعالى مخبرًا عن حال المشركين: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^٥) فأكذبهم الله في قولهم هذا فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (^٦)، ثم بين أن الذي
_________________
(١) مريم: ٦٦ - ٦٧.
(٢) انظر: تفسير السعدي: ٤٩٨.
(٣) الروم: ٢٧.
(٤) مريم: ٦٧.
(٥) الجاثية: ٢٤.
(٦) الجاثية: ٢٤.
[ ٥٤٠ ]
يحيى ويميت هو الله تعالى (^١)، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
ثالثًا: القول بأن الموت أمر عدمي:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت- القول بأن الموت أمر عدمي، فإذا انعدمت الحياة مات المخلوق الحي، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ﴾ (^٣) أي قدر.
وأهل السنة والجماعة على أن الموت أمر وجودي (^٤).
ويؤكد ذلك حديث ذبح الموت الذي رواه أبوسعيد الخدري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "يؤتي بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ - ﷺ - قول الحق ﵎: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٥) " (^٦).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٦٩.
(٢) الجاثية: ٢٦.
(٣) الملك: ٢.
(٤) انظر: درء التعارض: ٢/ ٢٨٣، وشرح الطحاوية: ٧٩، وتفسير ابن كثير: ٨/ ١٧٦، تتمة أضواء البيان: ٨/ ٣٣١.
(٥) مريم: ٣٩.
(٦) سبق تخريجه: ٤٩٢.
[ ٥٤١ ]
رابعًا: إنكار ذبح الموت يوم القيامة:
من المخالفات المتعلقة بهذه الآية الكونية - الحياة والموت- إنكار ذبح الموت، وقد جاء بذلك الحديث الصحيح وأنه يؤتى بالموت في صورة كبش أملح (^١) فقيل معنى: "ثم يذبح: "ذاك شيء يخلق الله عند ذبحه علما ضروريا في قلوبهم أنه لا موت بعد ذلك، ولو شاء لخلق العلم من غير ذبح أيضا، لكن لا يسأل عما يفعل، وإلا فالموت على تقدير فرض تجسمه وذبحه لا يوجب ذبحه العلم بعدم الموت بعد ذلك، لإمكان خلق مثله وإعادته كما أعاد الموتى المذبوحين منهم وغيرهم" (^٢).
وقيل: "الموت معنى والمعاني لا تنقلب جوهرا وإنما يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذا الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقى في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين" (^٣).
والصحيح أنه لا مانع من ذلك فالله على كل شيء قدير، وذلك أنه ينشئ من الأعراض أجسامًا يجعلها مادة لها، كما ثبت في صحيح مسلم في حديث أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان (^٤) ونحو ذلك من الأحاديث، وأن الأعمال توضع في ميزان والله على كل شيء قدير (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٤٩٢.
(٢) حاشية مسند الإمام أحمد لأبي الحسن محمد السندي، تحقيق: نور الدين طالب، وزارة الأوقاف القطرية، ط ١: ٦/ ٣٧٠.
(٣) انظر: تفسير الرازي: ١/ ٢٩٨٣، وفتح الباري: ١١/ ٤٢١، وعارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت: ١٠/ ٢٧، والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي: تحقيق: الصادق بن إبراهيم، دار المنهاج، ط ١: ٢/ ٩٢٧.
(٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة: ١/ ٥٥٤ برقم (٨٠٥).
(٥) انظر: شرح الطحاوية: ٧٩، والتفسير القيم لابن القيم جمع محمد أويس الندوي، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة.
[ ٥٤٢ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - حديث قبض ملك الموت لداود - ﵇ -.
عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "كان داود النبي فيه غيرة شديدة، وكان إذا خرج أغلقت الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع"، قال: " فخرج ذات يوم، وأغلقت الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل الدار، والدار مغلقة، والله لتفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا يمتنع مني الحجاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبا بأمر الله، فرمل داود مكانه حيث قبضت روحه حتى فرغ من شأنه، وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهم الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحا جناحا" (^١).
_________________
(١) مسند أحمد: ١٥/ ٢٥٤، برقم (٩٤٣٢)، وقال محققه: إسناده ضعيف لانقطاعه.
[ ٥٤٣ ]
المبحث السابع النوم
النوم في اللغة:
النون والواو والميم أصلٌ صحيح يدل على جمود وسكون حركة. منه النوم. نامَ ينام نَوْمًا ومَناما. وهو نَؤُومٌ ونُوَمَة: كثير النَّوم.
وقد نام ينام فهو نائم. والجمع نيام، وجمع النائم نوم على الاصل، ونيم على اللفظ (^١).
وفي الاصطلاح:
النوم فترة من الراحة يفقد النائم خلالها إدراكه بما يحيط به. ويختلف النوم عن الغيبوبة، في إمكانية إنهائه بسهولة.
وعندما ينام الإنسان، تتضاءل جميع أنشطته، وترتخي عضلاته. وتتباطأ ضربات القلب، وينخفض معدل التنفس، ويصبح الشخص كلما تعمق في نومه أقل إدراكا، لكل ما يجري حوله (^٢).
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٣٧٢، والصحاح: ٦/ ٣٢٤، ولسان العرب: ٦/ ٤٥٨٣.
(٢) الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٥٨٩.
[ ٥٤٤ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - النوم-:
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (^١).
ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (^٢).
فأخبر الله - ﷿ - أن من علامات قدرته ورحمته تعالى التمكين من الراحة من التعب، والهدوء والاستقرار بالليل، وأن في هذه الآية من الدلالات والعبر لمن تدبرها وتأملها، وذلك من وجهين:
"أحدهما: أن هذين حالتان متعاورتان على الناس، قد اعتادوهما، فقل من يتدبر في دلالتهما على دقيق صنع الله تعالى، فمعظم الناس في حاجة إلى من يوقفهم على هذه الدلالة ويرشدهم إليها.
وثانيهما: أن في ما يسمعه الناس من أحوال النوم ما هو أشد دلالة على عظيم صنع الله تعالى مما يشعر به صاحب النوم من أحوال نومه؛ لأن النائم لا يعرف من نومه إلا الاستعداد له، وإلا أنه حين يهب من نومه يعلم أنه كان نائما، فأما حالة النائم في حين نومه ومقدار تنبهه لمن يوقظه، وشعوره بالأصوات التي تقع بقربه، والأضواء التي تنتشر على بصره فتنبهه أو لا تنبهه، كل ذلك لا يتلقاه النائم إلا بطريق الخبر من الذين يكونون أيقاظا في وقت نومه. فطريق العلم بتفاصيل أحوال النائمين واختلافها السمع، وقد يشاهد
_________________
(١) الروم: ٢٣.
(٢) الفرقان: ٤٧.
[ ٥٤٥ ]
المرء حال نوم غيره إلا أن عبرته بنومه الخاص به أشد، فطريق السمع هو أعم الطرق لمعرفة تفاصيل أحوال النوم، فلذلك قيل ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، وأيضًا لأن النوم يحول دون الشعور بالمسموعات بادئ ذي بدء قبل أن يحول دون الشعور بالمبصرات" (^١).
كما أن الله - ﷿ - يضرب لنا مثل الموت والبعث كمثل النوم والاستيقاظ حتى يقرّب المعنى إلى عقولنا (^٢)، فيقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٣).
قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - في بيان شأن هذه الآية الكونية: "فهذا النوم من آيات الله - ﷿ -، تأتي القوم مثلا في حجرة أو في سطح أو في بر، وهم نيام كجثث موتى لا يشعرون بشيء، ثم هؤلاء القوم يبعثهم الله - ﷿ -، ثم إن الإنسان يعتبر بالنوم اعتبارا آخر، وهو إحياء الأموات بعد الموت، فإن القادر على رد الروح حين يصحو الإنسان ويستيقظ ويعمل عمله في الدنيا، قادر على أن يبعث الأموات من قبورهم، وهو على كل شيء قدير" (^٤).
أولًا: وجود الله:
لما ذكر الله - ﷿ - حال المعرضين عن التوحيد وجهلهم بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
_________________
(١) التحرير والتنوير: ٢١/ ٧٦، ٩/ ٤٥.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ١٠١.
(٣) الزمر: ٤٢.
(٤) شرح رياض الصالحين، للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: مدار الوطن، الرياض، طبعة عام ١٤٢٦ هـ: ٤/ ٣٣٤.
[ ٥٤٦ ]
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^١) ذكر سبحانه بعدها الأدلة القاطعة حسا وعقلا على وجود الصانع الحكيم، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، وذكر منها -النوم- فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (^٢)، ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (^٣).
"ففي هذه الآيات الكونية الليل والنهار والنوم، الليل وسكونه، والنوم وراحته، والنهار وحركته دليل واضح على وجود الإله الخالق القادر المتصرف في الكون، فجعل الله لكل ظرف ما يناسبه تماما ويحقق المقصود على أكمل وجه" (^٤).
ثانيًا: توحيد الربوبية:
يقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٥)، ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (^٦).
فهذه الآيات فيها"دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة
_________________
(١) الفرقان: ٤٣ - ٤٤.
(٢) الفرقان: ٤٧.
(٣) الفرقان: ٥٠.
(٤) انظر: التفسير المنير: ١٩/ ٧٩ باختصار، وتفسير ابن كثير: ٦/ ١١٣.
(٥) الزمر: ٤٢.
(٦) الأنعام: ٦٠ - ٦١.
[ ٥٤٧ ]
لا تملك من التدبير شيئا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة" (^١).
فهو سبحانه المتصرف في الوجود وهو الذي يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى والوفاة الصغرى -النوم-.
وكان النبي - ﷺ - إذا أراد أن ينام قال: "باسمك اللهم أموت وأحيا، وإذا استيقظ من منامه قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" (^٢).
فالإنسان يعتمد على الله"ويجعل كل شيء بيد الله - ﷿ -، ويعظم الله - ﷿ - ويعلم بأن كل شيء بقدرته ومشيئته وإرادته، وهو المحيي والمميت" (^٣).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - نفي السِنة والنوم عن الله - ﷿ -:
من عقيدة أهل السنة والجماعة نفي السنة والنوم عن الله - ﷿ - كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة؛ وذلك لكمال حياته وقيوميته (^٤).
قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (^٥).
وعن أبي موسى - ﵁ - قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور -أو النار-لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه (^٦) ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٧).
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٧/ ١٠١، وانظر: تفسير السعدي: ٧٢٥.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا أصبح: ١٢١٧ برقم (٦٣٢٤).
(٣) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين: ٣/ ٢٨٨.
(٤) انظر: الإبانة لابن بطة: ٣/ ٣٢٣، شرح الطحاوية: ١/ ٧٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٨.
(٥) البقرة: ٢٥٥.
(٦) أي نوره وجلاله وبهاؤه. انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ١٤.
(٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: " إن الله لا ينام" وفي قوله: "حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه": ١/ ١٦١، برقم (١٧٩).
[ ٥٤٨ ]
٢ - رؤية الله - ﷿ - في المنام:
رؤية الله - ﷿ - يقظة لا تحصل في الدنيا لأحد من الناس حتى الأنبياء - ﵈ - (^١)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢)، وقال - ﷺ -: " لن يرى أحد منكم ربه - ﷿ - حتى يموت" (^٣)، أما رؤيته أثناء النوم فقد تحصل على الوجه اللائق بكمال الله تعالى وجلاله، كما أن الرؤية تختلف بحسب حال العبد الرائي.
قال الشيخ: عبدالعزيز بن باز - ﵀ -: " ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وآخرون أنه يمكن أنه يرى الإنسان ربه في المنام (^٤)، ولكن يكون ما رآه ليس هو الحقيقة؛ لأن الله لا يشبهه شيء ﷾، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥) فليس يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن قد يرى في النوم أنه يكلمه ربه، ومهما رأى من الصور فليست هي الله جل وعلا؛ لأن الله لا يشبهه شيء ﷾، فلا شبيه له ولا كفو له.
وذكر الشيخ تقي الدين - ﵀ - في هذا أن الأحوال تختلف بحسب حال العبد الرائي (^٦)، وكل ما كان الرائي من أصلح الناس وأقربهم إلى الخير كانت
_________________
(١) انظر: الحجة في بيان المحجة: ١/ ٢٦٧، وشرح العقيدة الطحاوية: ١٦٠، ١٦٢.
(٢) الأعراف: ١٤٣.
(٣) سبق تخريجه: ٤٠٥.
(٤) مجموع الفتاوى: ٣/ ٣٩٠، وانظر: نقض الدارمي: ٢/ ٣٨، وشرح السنة للبغوي: ١٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٥) الشورى: ١١.
(٦) المرجع السابق: ٣/ ٣٩٠.
[ ٥٤٩ ]
رؤيته أقرب إلى الصواب والصحة، لكن على غير الكيفية التي يراها، أو الصفة التي يراها؛ لأن الأصل الأصيل أن الله لا يشبهه شيء ﷾.
ويمكن أن يسمع صوتًا، ويقال له كذا، وافعل كذا، ولكن ليس هناك صورة مشخصة يراها تشبه شيئا من المخلوقات؛ لأنه سبحانه ليس له شبيه ولا مثيل ﷾" (^١).
رابعًا: توحيد الألوهية:
يذكر الله - ﷿ - من الأدلة على تفرده بالألوهية تفرده بالربوبية والخلق، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في جميع المخلوقات ومنها هذه الآية الكونية -النوم- (^٢).
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (^٣).
ولما كان النائم بمنزلة الميت، والنوم أخوت الموت؛ علّم النبي - ﷺ - وأرشد من أراد النوم أن يدعو ربه - ﷿ - ويسلم نفسه إليه، وأن يفوض أمره إليه وأن يوجه وجهه إليه مخلصًا له ويتوكل عليه (^٤)، فقال - ﷺ -: " اللهم أسلمت نفسي
_________________
(١) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبدالعزيز بن باز: ٦/ ٣٦٨، وانظر: كتاب رؤية الله في المنام لعمر إبراهيم، دار ابن الجوزي، عمان: ٣٨.
(٢) انظر: تفسير السعدي: ١٦١، ٢٥٩، والتحرير والتنوير: ٦/ ١٣٩.
(٣) الأنعام: ٦٠ - ٦٢.
(٤) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الرسالة بيروت، ط ١: ٤/ ٢١٩.
[ ٥٥٠ ]
إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت، فإن مات مات على الفطرة" (^١).
وقد أمر الله - ﷿ - عباده بخوفه ورجاءه، ونهاهم عن الأمن من مكره فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (^٣)، وفيما يتعلق بهذه الآية الكونية -النوم- فقد توعد الله - ﷿ - من أمن مكره أن يأتيهم العذاب وهم نائمون، وهذا من مكر الله بهم، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى عن أصحاب الجنة: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (^٥).
فالواجب على العبد أن يجعل خوفه مع الرجاء، ورجاءه مع الخوف، وأن لا يأمن من مكر الله كما لا يقنط من رحمة الله، فالخوف من مكر الله توحيد وإيمان، والأمن من مكر الله ينافي التوحيد؛ لأنه يدل على عدم الخوف من الله - ﷿ - (^٦).
خامسًا: الإيمان بالملائكة:
رأي النبي - ﷺ - في اليقظة جبريل - ﵇ - وله ستمائة جناح (^٧)، أما غير النبي
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعا والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضطجع: ٤/ ٢٠٨١ برقم (٢٧١٠).
(٢) آل عمران: ١٧٥.
(٣) الأعراف: ٩٩.
(٤) الأعراف: ٩٧.
(٥) القلم: ١٩.
(٦) انظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد: ٢/ ٧١.
(٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى: ١/ ١٢٨، برقم (١٧٤).
[ ٥٥١ ]
- ﷺ - فإنهم لم يروا الملائكة إلا إذا تحول الملائكة إلى صورة بشرية، قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (^١) وقد رأى الصحابة - ﵃ - جبريل - ﵇ - (^٢).
أما رؤية الملائكة في المنام فهي جائزة (^٣) ويدل لذلك حديث عبدالله بن عمر - ﵄ -، قال - ﷺ -: " فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال: لم ترع" (^٤).
وهذا لا يعني وصف حقيقة الملائكة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه، ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابهًا لها" (^٥).
سادسًا: الإيمان بالرسل:
١ - الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم:
ومما اختص الله تعالى به الأنبياء أنّ أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام (^٦)، قال
_________________
(١) مريم: ١٧.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان: ٣٣ برقم (٥٠).
(٣) انظر: شرح السنة للبغوي: ١٢/ ٢٢٨، وبيان تلبيس الجهمية: ١/ ٧٣ - ٧٤.
(٤) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل عبدالله بن عمر - ﵄ -: ٤/ ١٩٢٧، برقم (٢٤٧٩).
(٥) بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٧٤.
(٦) انظر: صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه: ٦٨٣، برقم (٣٥٧٠)، وشرح النووي على مسلم: ٣/ ٧٤، وفتح الباري: ٦/ ٥٧٩، ومدارج السالكين: ١/ ٦٢.
[ ٥٥٢ ]
- ﷺ - عن نفسه: " إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي " (^١).
٢ - رؤية النبي - ﷺ - في المنام:
عن أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: " من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (^٢).
وعن جابر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي " (^٣).
فقد دلت هذه الأحاديث على أن النبي - ﷺ - يُرى في المنام وأن من رآه فقد رآه حقيقة فإن الشيطان لا يتمثل به (^٤).
٣ - رؤيا الأنبياء وحي:
قال تعالى عن إبراهيم - ﵇ -: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٥).
فهذه الآية إخبار من الله - ﷿ - عن إبراهيم - ﵇ - أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه، ثم بين الله - ﷿ - أن هذه رؤيا حق حيث أن إبراهيم سعى لتنفيذ رؤياه ﴿فَلَمَّا
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة: ١/ ٥٠٩، برقم (٧٣٨).
(٢) صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام: ١٣٣٧ برقم (٦٩٩٤).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، باب قول النبي - ﷺ -: من رآني في المنام فقد رآني: ٤/ ١٧٧٦ برقم (٢٢٦٨).
(٤) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٢/ ٣٦٣، وفتح الباري: ١٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٥) الصافات: ١٠٢ - ١٠٥.
[ ٥٥٣ ]
أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فأخبر الله - ﷿ - أن إبراهيم قد صدق هذه الرؤيا (^١).
٤ - الرؤيا الصالحة:
كان أول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصالحة، فكان - ﷺ - إذا رأى الرؤيا تأتي كفلق الصبح (^٢)، فكان ذلك إرهاصا للنبوة وتمهيدا لها لمدة ستة أشهر، وأخبر ﵊ أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ ولذا قال - ﷺ -: " الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة" (^٣).
فالرؤيا الصالحة من المبشرات وفيها إشعار للمؤمن بخير سيقع ليغتنمه أو شر ليحذر منه (^٤).
سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله به أو أخبرت به رسله -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله - ﷿ - من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل أنه سبحانه جعل النوم سباتًا أي راحة للأبدان (^٥)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً
_________________
(١) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ٤٩١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٢٨.
(٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -: ٢١ برقم (٣).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الرؤيا: ٤/ ١٧٨٤، برقم (٢٢٦٣).
(٤) انظر: فتح الباري: ١٢/ ٣٦٣، وشرح النووي على مسلم: ٧/ ٤٥١، والرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين لسهل بن رفاع العتيبي، كنوز أشبيليا، الرياض، ط ١: ٢٢٦.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ١٧١.
[ ٥٥٤ ]
ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (^١).
"فالمساء والصيرورة إلى النوم بمنزلة الموت والمصير إلى الله، ولهذا جعل الله سبحانه في النوم والانتباه بعده دليلا على البعث والنشور لأن النوم أخو الموت والانتباه نشور وحياة" (^٢).
ومما يتعلق أيضًا بهذه الآية الكونية من أمور الآخرة: "أن الجنة لا نوم فيها بإجماع المسلمين" (^٣).
ثامنًا: صفة الشيطان:
أخبر النبي - ﷺ - أن الشيطان يبول في أذن من نام حتى أصبح ولم يصل (^٤)، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: " ذكر عند النبي - ﷺ - رجل فقيل: ما زال نائما حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، فقال: بال الشيطان في أذنه" (^٥).
فيستفاد منه وقت بول الشيطان (^٦).
كما أخبر النبي - ﷺ - أن الشيطان يأتي الإنسان عند النوم فينومه حتى لا يقول الأذكار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " خلتان من حافظ عليهما، أدخلتاه الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل" قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قال: "أن تحمد الله وتكبره وتسبحه
_________________
(١) النبأ: ٦ - ٧.
(٢) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود: ١٣/ ٤٠٧، وانظر: تفسير السعدي: ٩٠٦.
(٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ١٣.
(٤) انظر: فتح الباري: ٣/ ٢٨.
(٥) صحيح البخاري، أبواب التهجد، باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه: ٢٢٦، برقم (١١٤٤).
(٦) فتح الباري: ٣/ ٢٨.
[ ٥٥٥ ]
في دبر كل صلاة مكتوبة عشرا، عشرا، وإذا أويت إلى مضجعك تسبح الله وتكبره وتحمده مائة مرة، فتلك خمسون ومائتان باللسان، وألفان وخمس مائة في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مائة سيئة؟ " قالوا: كيف من يعمل بهما قليل؟ قال: " يجيء أحدكم الشيطان في صلاته، فيذكره حاجة كذا وكذا، فلا يقولها، ويأتيه عند منامه، فينومه، فلا يقولها، قال: ورأيت رسول الله - ﷺ - يعقدهن بيده" (^١).
كما أخبر النبي - ﷺ - إن الحلم من الشيطان، عن أبي قتادة عن أبيه - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: " الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره" (^٢).
وإضافة الحلم إلى الشيطان بمعنى أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك، بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وإن كان الكل بخلق الله وتقديره (^٣).
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في التسبيح عند النوم: ٥٤٦ برقم (٥٠٦٠)، ومسند الإمام أحمد: ١١/ ٤١، برقم (٦٤٩٨)، وقال محققه: حديث حسن لغيره، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٩٥٥.
(٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده: ٦٢٩ برقم (٣٢٩٢).
(٣) فتح الباري: ١٢/ ٣٩٣.
[ ٥٥٦ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -النوم-:
أولًا: ترك النوم تعبدًا:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية، ترك النوم تعبدًا، والظن أن ذلك من القربات، وهذا أمر لم يشرعه الله - ﷿ - وأنكره النبي - ﷺ - (^١).
عن أنس - ﵁ -: " أن نفرا من أصحاب النبي - ﷺ - سألوا عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم لا أنام على فراش، فحمد الله وأئنى عليه، فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (^٢).
ثانيًا: الاعتماد على الرؤى في الأحكام:
سبق أن الرؤيا الصالحة من المبشرات (^٣)؛ ولكن هذه الرؤيا -وإن كانت رأى فيها النبي - ﷺ - فلا يجوز أن يؤخذ منها الأحكام، ويخالف بها أحكام الشريعة دون أن يعرضها على الكتاب والسنة (^٤).
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ٩/ ١٠٥، ومعارج القبول: ٣/ ١٢٣٤.
(٢) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح: ١٠٠٥ برقم (٥٠٦٣)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه: ٢/ ١٠٢٠ برقم (١٤٠١)، ١٣/ ٢٧٣.
(٣) ص: ٥١١، وانظر: فتح الباري: ١٢/ ٣٠١، ٤٠٥، والذخيرة للقرافي، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب، بيروت: ١٣/ ٢٧٣.
(٤) انظر: المدخل لابن الحاج، مكتبة دار التراث: ٤/ ٢٨٦.
[ ٥٥٧ ]
فأخذ الأحكام من المنامات مخالف لقول النبي - ﷺ -: " تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله " (^١) فجعل - ﷺ - النجاة من الضلالة في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فقط لا ثالث لهما، ومن اعتمد على ما يراه في نومه فقد زاد لهما ثالث (^٢).
فعلى من رأى رؤيا أن يعرضها على"الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا" (^٣).
أما الرؤى التي رآها الصحابة وعُمل بها كرؤيا عبدالله بن زيد - ﵁ - في الأذان.
فإن النبي - ﷺ - لما سمعها أقرها، وقال: " إنها لرؤيا حق لقد أراك الله حقا" (^٤)، فكانت سنة تقرير كما يقرر بعض الناس على بعض الأفعال (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -: ٢/ ٨٨٦، برقم (١٢١٨).
(٢) انظر: المدخل: ٤/ ٢٨٧.
(٣) الاعتصام للشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة التوحيد، المنامة: ٢/ ٧٨.
(٤) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان: ٧٧، برقم (٤٩٩)، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود: ١/ ٩٨.
(٥) انظر: فتح الباري: ٢/ ٧٩.
[ ٥٥٨ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - ما وقع في نفس موسى: - ﵇ - هل ينام الله؟
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحكي عن موسى - ﵇ - على المنبر، قال: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما". قال: "فجعل ينام تكاد يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان" قال: "ضرب الله له مثلا - ﷿ -: أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" (^١).
٢ - الدجال تنام عيناه ولا ينام قلبه:
عن أبي بكرة - ﵁ -، عن أبيه قال: وصف رسول الله - ﷺ - ذات يوم صفة الدجال، وصفة أبويه، قال: " يمكث أبوا الدجال ثلاثين سنة لا يولد لهما، ثم يولد لهما ابن مسرور مختون، أقل شيء نفعا وأضره، تنام عيناه، ولا ينام قلبه" (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٢٤٢.
(٢) مسند الإمام أحمد: ٣٤/ ١٥٠، وقال محققه: إسناده ضغيف لضعف علي بن زيد- وهو ابن جدعان-، ومؤمل بن إسماعيل، وقال ابن كثير: "منكر جدًا". انظر: البداية والنهاية: ١٩/ ٢٠٤.
[ ٥٥٩ ]
المبحث الثامن النبات
النبات في اللغة:
نبت: النون والباء والتاء أصل واحد يدلّ على نماءٍ في مزروع، ثم يستعار. فالنَّبت معروفٌ، يقال نَبَت. وأنْبَتَتِ الأرض. ونَبَّتُّ الشَّجرَ: غَرستُه.
وكلُّ ما أَنْبَتَ الله في الأَرض فهو نَبْتٌ والنَّباتُ فِعْلُه، ويَجري مجْرى اسمِه، يقال: أَنْبَتَ اللهُ النَّبات إِنْباتًا ونحو ذلك (^١).
وفي الاصطلاح:
هي مجموعة رئيسية من الكائنات الحية، تشتمل على نحو ٣٥٠،٠٠٠ نوع، من أمثلتها الأشجار والأزهار والأعشاب والشجيرات والحشائش.
وتقسم النباتات إلى مجموعتين تبعًا لطريقة حصولها على غذائها. وتعرف جيمع النباتات الخضراء بأنها ذاتية التغذية، حيث تحتوي على يخضور (كلوروفيل)، يمكنها من اقتناص ضوء الشمس واستخدامه في إنتاج الغذاء، والمواد الأخرى التي تحتاج إليها في النمو. وتعرف الأنواع الأخرى من النباتات بأنها غير ذاتية التغذية، وتفتقر إلى اليخضور (الكلوروفيل)، ولا تستطيع إنتاج غذائها، وقد تكون متطفلة، أو رمِّية (^٢).
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٧٨، لسان العرب: ٦/ ٤٣١٧.
(٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٦٠/٨٣.
[ ٥٦٠ ]
وقد ورد لفظ النبات في القرآن في (٤) مواضع (^١)، وورد في السنة في (٥١) حديثًا (^٢).
وذكر بعض المفسرين أن النبات في القرآن على أربعة أوجه (^٣):
أحدها: النبات بعينه. ومنه قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ (^٥).
والثاني: الإخراج، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (^٦).
والثالث: الخلق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (^٧).
الرابع: التربية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ (^٨).
_________________
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٦٠.
(٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٤.
(٣) انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٨١.
(٤) المؤمنون: ٢٠.
(٥) عبس: ٢٧ - ٢٨.
(٦) البقرة: ٢٦١.
(٧) نوح: ١٧.
(٨) آل عمران: ٣٧.
[ ٥٦١ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - النبات-:
ورد ذكر النباتات وإنباتها وإخراجها من الأرض وإثمارها، في كثير من آيات القرآن الكريم، وخصوصًا الآيات المكية.
وهذا لم يكن"لمجرد تعداد نعم الله فحسب، إنما جاء في آيات ترتبط بعملية الخلق والإحياء والبعث والنشور، وفي آيات تحض الناس على التبصر والتأمل، والتعقل والتدبر، وفي آيات تبطل ما ينكره الكافرون من قدرة الله على الإحياء وخلق الحي من الميت، وبعث الناس من قبورهم بعد موتهم وهلاكهم" (^١).
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).
ومن يتأمل في هذه النباتات والثمار كيف نوعها الخالق في أحجامها وأشكالها وألوانها وروائحها ومذاقها، وهي في بقعة واحدة، وتسقى بماء واحد. قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٣).
فإنه سيرى:
_________________
(١) حياة النبات في ضوء القرآن والسنة والعلم الحديث، لكمال الدين البتانوني، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: www.quran-n.com/firas/arabicold/print-details.php؟ page=show-det ٨&id=٧٣٣
(٢) فصلت: ٣٩.
(٣) الرعد: ٤.
[ ٥٦٢ ]
عجائبُ لا تنتهي في النبات تَدَلُّ على الخالق المقتدرْ (^١).
قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: " فهذا النبات يغذي، وهذا يصلح الغذاء، وهذا ينفذه، وهذا يضعف، وهذا سم قاتل، وهذا شفاء من السم، وهذا يمرض، وهذا دواء من المرض، وهذا يبرد، وهذا يسخن، وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق، وهذا إذا حصل فيها ولد الصفراء واستحال اليها، وهذا يدفع البلغم والسوداء، وهذا يستحيل اليهما، وهذا يهيج الدم، وهذا يسكنه، وهذا ينوم، وهذا يمنع النوم، وهذا يفرح، وهذا يجلب الغم إلى غير ذلك من عجائب النبات التي لا تكاد تخلو ورقة منه ولاعرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الاحاطة بها وتفصيلها.
وانظر إلى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد تحديقه، كيف يقوى قسره واجتذابه من مقره ومركزه إلى فوق، ثم ينصرف في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها وضيقها، ثم تتفرق وتتشعب وتدق إلى غاية لا ينالها البصر.
ثم انظر إلى تكون حمل الشجرة، ونقلته من حال إلى حال كتنقل أحوال الجنين المغيب عن الأبصار ترى العجب العجاب، فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين، بينا تراها حطبا قائما عاريا لا كسوة عليها إذ كاسها ربها وخالقها من الزهر أحسن كسوة، ثم سلبها تلك الكسوة، وكساها من الورق كسوة هي أثبت من الأولى، ثم اطلع فيها حملها ضعيفا ضئيلا بعد أن أخرج ورقها صيانة وثوبا لتلك الثمرة الضعيفة لتستجب به من الحر والبرد والآفات،
_________________
(١) انظر: براهين وأدلة إيمانية لعبد الرحمن حسن حبنكه الميداني، دار القلم دمشق، ط ١: ٤٦٩.
[ ٥٦٣ ]
ثم ساق إلى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق والمجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلبان أمه، ثم رباها ونماها شيئا فشيئا حتى استوت وكملت وتناهى ادراكها، فأخرج ذلك الجني اللذيذ اللين من تلك الحطبة الصماء.
هذا وكم لله من آية في كل ما يقع الحس عليه ويبصره العباد وما لايبصرونه، تفنى الأعمار دون الإحاطة بها وجميع تفاصيلها" (^١).
أولًا: توحيد الربوبية:
بين سبحانه قدرته العظيمة على خلق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما، ومن ذلك النباتات فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (^٢).
ثم بين ﷾ أن هذا الذي ذكره في الآية هو خلقه سبحانه وتقديره وحده لا شريك له في ذلك (^٣)، فقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٣٦.
(٢) لقمان: ١٠.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٣٣، ٣/ ٣٤٧.
(٤) لقمان: ١١.
(٥) الأنعام: ١٤١.
[ ٥٦٤ ]
الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١).
فالله - ﷿ - هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما -ومن ذلك النباتات- بالحق، ليستدل بهما العباد على عظمة خالقهما، وأنه وحده المتصرف المدبر لهما، وفيها أيضًا بيان كمال قدرة الخالق - ﷿ - (^٢).
فلو اجتمعت البشرية جميعا على صناعة شجرة واحدة من العدم لما استطاعت، بل غصنا واحدا، بل ورقة واحدة، بل بذرة واحدة.
فهو سبحانه: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٣).
البركة:
أخبر النبي - ﷺ - عن بعض النباتات أنها مباركة ومن ذلك النخلة، فعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: بينا نحن عند النبي - ﷺ - جلوس إذا أتي بجمار نخلة فقال النبي - ﷺ -: " إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم، فظننت أنه يعني النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة يا رسول الله، ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أحدثهم فسكت، فقال النبي - ﷺ -: هي النخلة" (^٤).
وقال - ﷺ -: " من الشجر شجرة تكون مثل المسلم، وهي النخلة " (^٥).
"وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن
_________________
(١) النحل: ١٠ - ١١.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٠٧، وتفسير السعدي: ٤٣٦.
(٣) الأنعام: ٩٩.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب أكل الجمار: ١٠٧٥، برقم (٥٤٤٤)،
(٥) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب بركة النخل: ١٠٧٥، برقم (٥٤٤٨).
[ ٥٦٥ ]
حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته" (^١).
ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - كلام الله:
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٢).
عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" (^٣).
فمثل النبي - ﷺ - في الحديث بهذه النباتات.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على"أن التلاوة غير المتلو، فالتلاوة عمل العبد، وهي مخلوقة، وأما المتلو، فهو كلام الله - ﷿ - منزل غير مخلوق، ولهذا بوب البخاري - ﵀ - بهذه الترجمة حتى قال: "لا تجاوز حناجرهم" فدل على
_________________
(١) فتح الباري: ١/ ١٤٥.
(٢) لقمان: ٢٧.
(٣) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام: ٩٩٧ برقم (٥٠٢٠)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة حافظ القرآن: ١/ ٥٤٩، برقم (٧٩٧).
[ ٥٦٦ ]
أن تلاوة القارئ عمل له. أما المتلو، فهو كلام الله يقرؤه البر والفاجر" (^١). والناس يتفاوتون في التلاوة فهي أعمالهم، وأعمالهم مخلوقة، وأما كلام الله فمنزل غير مخلوق (¬٢).
٢ - التسبيح:
يسبح الله نفسه وينزهها عن أحوال المشركين تنزيها عن كل ما لا يليق بإلهيته وأعظمه الإشراك به (^٣)، أو أنه يكون له ظهير، أو عوين، أو وزير، أو صاحبة، أو ولد، أو سَمِيٌّ، أو شبيه، أو مثيل في صفات كماله ونعوت جلاله، أو يعجزه شيء يريده (^٤)، ويذكر في ذلك خلق النباتات، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٥).
ولما ذكر الله - ﷿ - بعض الأدلة على الألوهية والقدرة والبعث في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (^٦). فهو سبحانه المتفرد بخلق النباتات وما يسره من الحرث والزرع، وأنه لو شاء لجعله
_________________
(١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، للشيخ عبدالعزيز الراجحي، مطبوع بالحاسب الآلي: ١/ ٢٠٣.
(٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان: ٢/ ٦٣١.
(٣) التحرير والتنوير: ٢٣/ ١٥.
(٤) تفسير السعدي: ٦٩٥.
(٥) يس: ٣٣ - ٣٦.
(٦) الواقعة: ٦٣ - ٦٧.
[ ٥٦٧ ]
محطما لا نفع فيه ولا رزق، أمر بتسبيحه وتنزييه عن جميع النقائص (^١)، قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (^٢).
ثالثًا: توحيد الألوهية:
سبق في المبحث السابق: الأرض (^٣) أن الله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله - ﷿ - بالعبادة (^٤).
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (^٥).
"فخلق هذه النبات وتنوعها دالة على وحدانية الله لأن هذا الصنع الحكيم لا يصدر إلا عن واحد لا شريك له" (^٦).
وقد ذكر الله في"تفاصيل ما به يعرف ويتعين أنه الإله المعبود وأن عبادته هي الحق وعبادة ما سواه هي الباطل" (^٧) خلق النبات والأشجار فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (^٨).
ولما سأل فرعون موسى عن ربه ومعبوده كان من ضمن إجابته أنه الذي
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٢٢.
(٢) الواقعة: ٧٤.
(٣) ص: ٣٩٣.
(٤) التحرير والتنوير: ٢٤/ ١٨٩، ١٧/ ٥٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٩٦.
(٥) الشعراء: ٧ - ٩.
(٦) التحرير والتنوير: ١٩/ ١٠٠.
(٧) تفسير السعدي: ٦٠٧.
(٨) النمل: ٦٠.
[ ٥٦٨ ]
خلق الأزواج من النبات (^١): ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ (^٢).
رابعًا: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومن ذلك ميكائيل الموكل بالنبات (^٣).
وأخبر النبي - ﷺ - أن الملائكة تتأذى من بعض النباتات كما يتأذى بنو آدم، فعن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "من أكل من هذه البقلة -الثوم- وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (^٤)، "وهذا يدل على أن الملائكة تُنزه عن هذه الروائح" (^٥).
خامسًا: الإيمان بالكتب:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي: ١١/ ٢٠٤، ٢٦٠.
(٢) طه: ٤٩ - ٥٤.
(٣) انظر: مسند الإمام أحمد: ١/ ٢٧٤، برقم (٢٤٨٣)، وشرح الطحاوية: ١/ ٢٨٠، والبداية والنهاية: ١/ ١٠٥.
(٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها: ١/ ٣٩٤، برقم (٥٦٤)
(٥) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٢/ ٤٩٩.
[ ٥٦٩ ]
لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^١).
فمثل الله - ﷿ - " حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعد بنماء ذلك الاهتداء، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله. وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها:
فإنزال الماء من السماء تشبيه لإنزال القرآن لإحياء القلوب، وإسلاك الماء ينابيع في الأرض تشبيه لتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طيب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لتكاثر المؤمنين بين المشركين.
وأما قوله تعالى: ثم يجعله حطاما فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع وضار. وفي تعقيب هذا بقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (^٢)، إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل" (^٣).
وفي معناه قول النبي - ﷺ -: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (^٤).
_________________
(١) الزمر: ٢١.
(٢) الزمر: ٢٢ - ٢٣.
(٣) التحرير والتنوير: ٢٣/ ٢٧٦.
(٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب فضل من علِم وعلَّم: ٤١، برقم (٧٩).
[ ٥٧٠ ]
سادسًا: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات التي أظهرها الله - ﷿ - لنبيه محمدًا - ﷺ - انقياد الأغصان والأشجار له عند قضاء حاجته.
فعن جابر - ﵁ - قال: سرنا مع رسول الله - ﷺ - حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله - ﷺ - يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله - ﷺ - فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله - ﷺ - إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصّف مما بينهما لأم بينهما -يعني جمعهما- فقال: التئما علي بإذن الله، فالتأمتا، قال جابر - ﵁ -: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله - ﷺ - بقربي فيبتعد، فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله - ﷺ - مقبلا وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق" (^١).
وكذلك حنين الجذع للنبي - ﷺ - (^٢)، عن ابن عمر - ﵄ - قال: "كان النبي - ﷺ - يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه" (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر: ٤/ ٢٣٠٦، برقم (٣٠١٢).
(٢) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٤/ ٤٨٧.
(٣) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: ٦٨٦، برقم (٣٥٨٣).
[ ٥٧١ ]
وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -: " أن النبي - ﷺ - كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا، قال: إن شئتم. فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي - ﷺ - فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يُسكَّن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها" (^١).
سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله عنه وأخبرت عنه رسله -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة عليه إحياء الأرض بعد موتها بالنبات من كل زوج وصنف وهو دليل عقلي مشاهد محسوس (^٢).
فقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).
كما أمر الله - ﷿ - بالتفكر في تكوّن الحبوب والثمار التي بها طعام الإنسان،
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: ٦٨٦، برقم (٣٥٨٤).
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٢/ ٦، ١٥/ ٢٥.
(٣) الحج: ٥ - ٧.
(٤) يس: ٣٣ - ٣٦.
[ ٥٧٢ ]
فإن الأجساد تخرج من الأرض للبعث كما تخرج تلك النباتات (^١)، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (^٢).
وهذا المعنى كثير في القرآن، يضرب الله مثلا للقيامة بإحياء الأرض بعد موتها (^٣).
وأخبر النبي - ﷺ - في بيان كيف ينبت الموحدون بعد خروجهم من النار وسرعة ذلك وحسنه (^٤)، وشبه ذلك بنبات الحِبة في حميل السيل (^٥).
عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبة تكون في حميل السيل، فقال رجل من القوم: كأن رسول الله - ﷺ - قد كان بالبادية " (^٦).
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير: ٣٠/ ١٣٠.
(٢) عبس: ١٧ - ٣٢.
(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٣.
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٢٣.
(٥) الحبة بكسر الحاء وهى بزر البقول والعشب تنبت في البرارى وجوانب السيول وجمعها، وأما حميل السيل فبفتح الحاء وكسر الميم وهو ما جاء به السيل من طين أو غثاء ومعناه محمول السيل. انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٢٣.
(٦) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار: ١/ ١٧٢، برقم (١٨٥).
[ ٥٧٣ ]
كما أن النبي - ﷺ - شبه الخطاطيف التي على الجسر يوم القيامة بشوك السعدان، وهي شوكة عظيمة مثل المحك من كل الجوانب (^١).
فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: " قيل يا رسول الله وما الجسر؟ قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان" (^٢).
وقد ورد في الكتاب والسنة أن في الجنة أشجار ونباتات، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٣).
وقال تعالى عن نعيم أصحاب اليمين: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (^٤).
وقال تعالى عن الجنة: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (^٦).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" (^٧).
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم: ١/ ٣٢٣.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية: ١/ ١٦٧، برقم (١٨٣).
(٣) البقرة: ٢٥.
(٤) الواقعة: ٢٧ - ٣٠.
(٥) الرحمن: ٥٢.
(٦) الرحمن: ٦٨.
(٧) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة: ٦٢٤، برقم (٣٢٥١).
[ ٥٧٤ ]
ثامنًا: الإيمان بالقدر:
من الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته، وقد نبه الله - ﷿ - على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وما فيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ (^٢) وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ (^٤) وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٥).
فهذا"الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع، في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها.
فهذا في غاية الحلاوة وذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة وذا عَفِص، وهذا عذب وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى. وهذا أصفر وهذا أحمر، وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق. وكذلك الزهورات مع أن كلها يستمد من طبيعة واحدة، وهو الماء، مع هذا الاختلاف الكبير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن
_________________
(١) فاطر: ٢٧.
(٢) معروشات: ما انبسط على وجه الأرض مثل البطيخ والكرم، وغير معروشات: ما قام على ساق مثل النخل، وقيل المعروشات ما أثبته ورفعه الناس، وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار. انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٩٨، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٣٤٧.
(٣) الأنعام: ١٤١.
(٤) الصنوان: النخلات والنخلتان يجمعهما أصل واحد، وغير الصنوان المتفرق. انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٢.
(٥) الرعد: ٤.
[ ٥٧٥ ]
كان واعيا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ " (^١).
وفي"تفاوتها أيضًا دليل عقلي على مشيئة الله تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة الله تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم. وذلك أيضا، دليل على سعة علم الله تعالى" (^٢).
وأخبر الله - ﷿ - أن النبات إنما يخرج بإذن الله وإرادته، وليست الأسباب مستقلة بذلك (^٣)، فقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (^٤).
تاسعًا: منزلة الصحابة:
بين الله - ﷿ - أن مثل الصحابة في الإنجيل في مناصرتهم للنبي - ﷺ - وتأييدهم ومآزرتهم له كمأزرة فراخ الزرع للزرع إلى أن يشب ويقوى.
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ (^٥) فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٣٢، ٣/ ٣٠٧.
(٢) تفسير السعدي: ٦٨٨.
(٣) انظر: تفسير السعدي: ٢٩٢.
(٤) الأعراف: ٥٨.
(٥) شطأه: أي فراخه. انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٦٢.
[ ٥٧٦ ]
مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١).
وقيل هذا مثل ضربه الله لأصحاب محمد - ﷺ - في أنهم يكونون قليلًا ثم يكثرون ويزدادون (^٢).
وقيل: إن الصحابة"كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ" (^٣).
عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:
ضرب الأمثال:
من منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثال للتوضيح والتقريب، وقد ضرب الله - ﷿ - مثلًا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وبيان شرف هذه النفقة كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).
"وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي كأن العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة" (^٥).
_________________
(١) الفتح: ٢٩.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٩٥، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٣٦٢.
(٣) تفسير السعدي: ٧٩٥.
(٤) البقرة: ٢٦١.
(٥) تفسير السعدي: ١١٢، وانظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.
[ ٥٧٧ ]
وضرب الله ﷾ مثلًا للحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض من زرع وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، ثم أصبح هشيمًا تذروه الرياح (^١)، فقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٣).
وضرب النبي - ﷺ - مثلًا في بيان حال المؤمن الذي يقرأ القرآن، والذي لا يقرأ القرآن، والمنافق الذي يقرأ القرآن والذي لا يقرأ القرآن ببعض النباتات وذلك للتوضيح والتفريق بين حالهم (^٤)، عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٦٠.
(٢) الكهف: ٤٥.
(٣) يونس: ٢٤ - ٢٥.
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم: ٦/ ٨٤، وفتح الباري: ١/ ١٤٧ ..
(٥) سبق تخريجه: ٥٢٤.
[ ٥٧٨ ]
"فهذه أمثال ضربها الرسول - ﷺ - لبيان تفاوت الناس في هذه الأمور، وأن من كان عنده القرآن فإنه جمع بين خصلتين محمودتين: إيمان وقراءة القرآن، وشبهه بالأترجة التي طعمها حلو، وريحها طيب، وشبه المؤمن الذي لا يقرأ القرآن بالتمرة التي طعمها طيب ولكن لا ريح لها، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب، ولكن طعمها مر، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها" (^١).
كما أن النبي - ﷺ - شبه المسلم بالنخلة في "كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة، ومن خشبها وورقها وأغصانها فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومخاصر وحصرا وحبالا وأوانى وغير ذلك، ثم آخر شيء منها نواها وينتفع به علفا للابل، ثم جمال نباتها وحسن هيئة ثمرها، فهي منافع كلها، وخير وجمال، كما أن المؤمن خير كله، من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ويواظب على صلاته وصيامه وقراءته وذكره، والصدقة والصلة وسائر الطاعات وغير ذلك" (^٢).
وعن عبدالله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي.
قال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: فقال هي النخلة، قال: فذكرت ذلك لعمر، قال: لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا" (^٣).
_________________
(١) شرح سنن أبي داود للشيخ عبدالمحسن العباد، مطبوع على الحاسب الآلي: ١/ ٢.
(٢) شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٥٤.
(٣) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب مثل المؤمن كالنخلة: ٤/ ٢١٦٤، برقم (٢٨١١).
[ ٥٧٩ ]
الحادي عشر: مسائل الأسماء والأحكام:
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الناس يتفاضلون في الإيمان (^١)، وقد بين النبي - ﷺ - ذلك، وضربه له مثلا ببعض النباتات والثمار، عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" (^٢).
"وإبراز هذه المعاني وتصويرها إلى المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم يوجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبهات والمشبه بها واردة على تقسيم الحاصل؛ لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن، والثاني إما منافق صرف أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها، وعلى هذا فقس الأثمار المشبه بها، ووجه الشبه في المذكورات منتزع عن أمرين محسوسين طعم وريح وليس بمفرق" (^٣).
_________________
(١) انظر: كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، ط ١: ٣٢، والحجة في بيان المحجة: ١/ ٤٤٠، وصفة المنافق لجعفر بن محمد الفريابي، تحقيق: بدر البدر، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، ط ١: ٥٧.
(٢) سبق تخريجه: ٥٢٤.
(٣) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان ملاء القاري، تحقيق: جمال عيتاني، المكتبة العلمية، بيروت، ط ١: ١٢/ ٦٤٦.
[ ٥٨٠ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النبات-:
أولًا: تسمية الله - ﷿ - بالزارع (^١):
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النبات - تسمية الله - ﷿ - بالزارع. من قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (^٢)، والصحيح أنه لا يجوز أن يقال لله تعالى: (الزارع) على أنه اسمًا له أو صفةً من صفاته وإنما يقال: هو الزارع على أنه خبر عن فعلٍ من أفعال الله تعالى، وليس كل فعلٍ فعله الله تعالى يشتق له منه اسمًا أو صفة (^٣).
قال الشيخ حافظ حكمي (^٤) - ﵀ -: " ومن الخطأ ما عده بعضهم، ومنهم ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن حيث سماه بالفاعل والزارع، فإن الفاعل والزارع إذا أطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما، فلا يفيدان مدحا، أما في سياقها من الآيات التي ذكرت فيها فهي
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي، بتحقيق علي البجاوي، دار الجيل، بيروت: ٢/ ٨٠٧، وإيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، لمحمد بن إبراهيم المرتضى، دار الكتب العلمية، بيروت: ١٦٠.
(٢) الواقعة: ٦٤.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى: ٨/ ١٩٦.
(٤) هو الشيخ حافط بن أحمد بن علي الحكمي، عالم متفنن، له مؤلفات كثيرة منها: معارج القبول، وأعلام السنة المنشورة، والسبل السوية في فقه السنن المروية، واللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون، توفي عام ١٣٧٧ هـ. انظر: الشيخ حافظ بن أحمد حكمي، د. أحمد بن علوش، والنهضة الإصلاحية في جنوب المملكة، لعمر مدخلي: ١٧٨
[ ٥٨١ ]
صفات كمال ومدح وتوحيد، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^١) .. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (^٢). الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله" (^٣).
ثانيًا: تحريف معنى سجود الأشجار:
قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (^٤) والنجم ما لا ساق له، والشجر ما له ساق (^٥).
فقيل في سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء. وقيل: سجودهما دوران الظل معهما، وقيل: إن معنى السجود أنها مسخرة لله فلا تعبدوها، وقيل: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله - ﷿ -، فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله - ﷿ - وانقيادها له (^٦).
وقد سبق في مبحث عبودية الكائنات (^٧) أن سجود هذه الكائنات سجود حقيقي الله أعلم بكيفيته لقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٨).
_________________
(١) الأنبياء: ١٠٤.
(٢) الواقعة: ٦٣ - ٦٤.
(٣) معارج القبول: ١/ ١١٩.
(٤) الرحمن: ٦.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢٧/ ١٣٦، وتفسير القرطبي: ١٧/ ١٥٣.
(٦) انظر هذه الأقوال في تفسير القرطبي: ١٧/ ١٥٤.
(٧) ص: ٦٥.
(٨) الإسراء: ٤٤.
[ ٥٨٢ ]
المبحث التاسع الأمراض
المرض في اللغة:
الميم والراء والضاد أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان. منه العِلَّة. والمرض السقم نقيض الصحة يكون للإنسان والبعير، وهو اسم للجنس، ومرض فلان مرَضًا ومرْضًا فهو مارض ومَرِض ومريض، والأنثى مريضة. وشمس مريضة، إذا لم تكن مشرقة.
والمَرْضُ والمرَضُ الشَّكُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (^١) أَي شكٌّ ونفاقٌ وضَعْفُ يَقِين، يقال المرَضُ والسُّقْم في البدَن والدِّينِ جميعًا، كما يقال الصِّحةُ في البدَن والدين جميعًا، والمرَضُ في القلب يَصْلُح لكل ما خرج به الإِنسان عن الصحة في الدين ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (^٢)، ويقال قلب مَرِيضٌ من العَداوةِ وهو النِّفاقُ (^٣).
وفي الاصطلاح:
المرض اعتلال الجسم أو العقل. وقد يكون المرض عارضا خفيفا مثل التهاب الحلق أو خطيرا مثل النوبة القلبية. ويمكن للأمراض أن تصيب أي جزء في الجسم. كما يمكنها أن تؤثر على صحة الشخص العقلية والوجدانية.
وتحدث أمراض عديدة بسبب كائنات حية دقيقة مثل البكتيريا أو الفيروسات، تقوم بغزو الجسم. وهذه الكائنات الدقيقة تسمى عادة جراثيم
_________________
(١) البقرة: ١٠.
(٢) الأحزاب: ٣٢.
(٣) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣١١، لسان العرب: ٦/ ٤١٨٠.
[ ٥٨٣ ]
ولكن العلماء يسمونها أحياء مجهرية.
وتسمى الأمراض الناتجة عن هذه الأحياء الأمراض المعدية، وتسمى الأمراض الأخرى أمراضا غير معدية (^١).
وقد ورد لفظ المرض في القرآن في (١٢) موضعًا (^٢)، وورد في السنة في (١١) حديثًا (^٣).
وذكر بعض المفسرين أن المرض في القرآن على ثلاثة أوجه (^٤):
أحدها: مرض البدن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (^٧).
والثاني: الشك. ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (^٨)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (^٩)، وقوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (^١٠).
والثالث: الفجور. ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (^١١).
_________________
(١) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٣/ ١٠٥.
(٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٣٩.
(٣) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٤.
(٤) انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٤٥، وبصائر ذوي التمييز: ٤/ ٤٩٢.
(٥) البقرة: ١٩٦.
(٦) التوبة: ٩١.
(٧) النور: ٦١، الفتح: ١٧.
(٨) البقرة: ١٠.
(٩) التوبة: ١٢٥.
(١٠) محمد: ٢٠.
(١١) الأحزاب: ٣٢.
[ ٥٨٤ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - الأمراض-:
الله ﷾ حكيم عليم، لم يخلق شيئًا إلا وله فيه حكمة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (^١)، ومن حكمته ﷾ أن خلق الصحة وخلق ما يضادها من الأمراض، وهذا من آيات الله العظيمة التي أمر الله - ﷿ - بالتفكر فيها (^٢).
"ومن تأمل خلق الأضداد فى هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية والوحدانية والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغنى بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته" (^٣).
ولله - ﷿ - في هذه الأمراض حكم عظيمة، فمن فوائد المرض وتمام نعمة الله على عبده، أنه ينزل بعبده من الضر والشدائد ما يلجئه إلى المخاوف، حتى يلجئه إلى التوحيد، ويتعلق قلبه بربه فيدعوه مخلصًا له الدين، قال الله تعالى عن نبيه أيوب - ﵇ -: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٤).
فكشف الله ضره وأثنى عليه، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (^٥).
_________________
(١) الأنعام: ٨٣.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢٠/ ٣٤، والتحرير والتنوير: ٣٠/ ٣٠٤.
(٣) زاد المعاد: ٤/ ١٥١.
(٤) الأنبياء: ٨٣.
(٥) ص: ٤٤.
[ ٥٨٥ ]
ومن فوائد المرض: انتظار المريض للفرج، الأمر الذي يجعل العبد يتعلق قلبه بالله وحده، وخصوصًا إذا يئس المريض من الشفاء من جهة المخلوقين وحصل له الإياس منهم وتعلق قلبه بالله وحده، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج.
ومن فوائد المرض: أنه علامة على إرادة الله بصاحبه الخير، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من يرد الله به خيرًا يصب منه " (^١).
ومن فوائد المرض: أن الله يستخرج به الشكر، فإن العبد إذا ابتلي بعد الصحة بالمرض، وبعد القرب بالبعد، اشتاقت نفسه إلى العافية، وبالتالي تتعرض إلى نفحات الله بالدعاء، فإنه لا يرد القدر إلا الدعاء، بل ينبغي له أن يتوسل إلى الله ولا يتجلد تجلد الجاهل؛ فإن الله أمر العبد أن يسأله تكرمًا، وهو يغضب إذا لم تسأله، فإذا منح الله العبد العافية وردها عليه عرف قدر تلك النعمة؛ فلهج بشكره شكر من عرف المرض وباشر وذاق آلامه لا شكر من عرف وصفه ولم يقاس ألمه، فإذا نقله ربه من ضيق المرض والفقر والخوف إلى سعة الأمن والعافية والغنى فإنه يزداد سروره وشكره ومحبته لربه بحسب معرفته وبما كان فيه.
ومن فوائد المرض: معرفة العبد ذله وحاجته وفقره إلى الله، فأهل السماوات والأرض محتاجون إليه سبحانه، فهم فقراء إليه وهو غني عنهم، ولولا أن سُلط على العبد هذه الأمراض لنسي نفسه، فجعله ربه يمرض ويحتاج، لتظهر بذلك عبوديته لربه، وفي الأمراض من الحِكم والأسرار ما لا يعمله إلا الله تعالى.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المرض، باب ما جاء في كفارة المرض: ١١٠٩ برقم (٥٦٤).
[ ٥٨٦ ]
أولًا: توحيد الربوبية:
الأمراض خلق من خلق الله - ﷿ - فعن أم الدرداء - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله خلق الداء والدواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام" (^١).
وعن أنس - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء، فتداووا" (^٢).
ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - نفي الشر عن الله:
من مقتضى الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات الإيمان بأن أفعال الله - ﷿ - كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدورها عنه، ليس فيها شر بوجه من الوجوه، وأما من جهة العبد فنفس المقدور قد يكون شرًا لما يلحقه من المهالك (^٣)، وقد قال النبي - ﷺ -: " والخير كله في يديك والشر ليس إليك" (^٤)، وفيما يتعلق بهذه الآية الكونية -الأمراض- أخبر الله - ﷿ - عن إبراهيم - ﵇ - أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (^٥) فأسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلَقْه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني: ٢٤/ ٢٥٤ برقم (٦٤٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. وحسنه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة: ٤/ ١٧٤ برقم (١٦٣٣).
(٢) مسند الإمام أحمد: ٢٠/ ٥٠، برقم (١٢٥٩٦)، وقال محققه: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن.
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ١٢١.
(٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه: ١/ ٥٢٤ برقم (٧٧١).
(٥) الشعراء: ٨٠.
[ ٥٨٧ ]
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^١) فأسند الإنعام إلى الله، ﷾، والغضب حُذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن (^٢): ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (^٣).
٢ - العلو:
من أنواع الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على علو الله نزول الأمر من الله تعالى (^٤)، ومن ذلك نزول الداء والدواء من الله، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء " (^٥).
والمراد إنزال علم ذلك الدواء والشفاء (^٦).
٣ - الشافي:
من أسماء الله - ﷿ - الشافي (^٧)، فهو سبحانه وحده الشافي لجميع الأمراض، وقد دل على هذا الاسم حديث عائشة - ﵂ - قالت: "كان النبي - ﷺ - يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه، أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا " (^٨).
_________________
(١) الفاتحة: ٦ - ٧.
(٢) تفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٦، وانظر: التحرير والتنوير: ١٩/ ١٤٢.
(٣) الجن: ١٠.
(٤) انظر: شرح الطحاوية: ١٤٤، ٢٦٤، إعلام الموقعين: ٢/ ٢٨٢.
(٥) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما انزل الله داء إلا أنزل شفاء: ١١١٦ برقم (٥١٧٨).
(٦) فتح الباري: ١٠/ ١٣٥.
(٧) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ٢١٨، وكتاب التوحيد لابن منده: ٢/ ١٣٩.
(٨) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى: ١١٢٦ برقم (٥٧٥٠)، وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض: ٤/ ١٧٢١ برقم (٢١٩١).
[ ٥٨٨ ]
٤ - الطبيب:
عد بعض أهل العلم الطبيب من أسماء الله - ﷿ - (^١)، عن أبي رمثة - ﵁ -؛ قال: "أتيت للنبي - ﷺ - مع أبي فرأى التي بظهره، فقال: يا رسول الله، ألا أعالجها لك فإني طبيب، قال: أنت رفيق والله الطبيب" (^٢).
وعن عائشة - ﵂ -: قالت: "مرض رسول الله - ﷺ - فوضعت يدي على صدره، فقلت: اذهب البأس، رب الناس، أنت الطبيب، وأنت الشافي، وكان رسول الله - ﷺ - يقول: الحقني بالرفيق الأعلى والحقني بالرفيق الأعلى " (^٣).
ثالثًا: توحيد الألوهية:
كثيرًا ما يستدل الله - ﷿ - وجل في كتابه على المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ومما يتعلق بهذه الآية الكونية -الأمراض- أن إبراهيم - ﵇ - حين تبرأ من المشركين وآلهتهم التي تعبد إلا الله - ﷿ - رب العالمين ذكر من جملة صفاته أنه يشفي المرض (^٤)، فقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي، تحقيق: حلمي فودة، دار الفكر: ١/ ٢٠٩، رقم (١٥٣٧)، الأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ٢١٧، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى، لمحمد بن خليفة التميمي، دار إيلاف، ط ١: ٢٩٣، وأسماء الله الحسنى لعبدالله الغصن، دار الوطن، الرياض: ٣٥٥.
(٢) سنن أبي داود، كتاب الترجل، باب في الخضاب: ٤٥٨ برقم (٤٢٠٧)، ومسند الإمام أحمد: ٢٩/ ٣٩ برقم (١٧٤٩٢)، وقال محققه: إسناده صحيح. وانظر: السلسلة الصحيحة: ٤/ ٥١ برقم (١٥٣٧).
(٣) مسند الإمام أحمد: ٤١/ ٢٩١ برقم (٢٤٧٧٤)، وقال محققه: إسناده صحيح.
(٤) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ١٠، وتفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٥.
[ ٥٨٩ ]
(٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (¬١).
١ - التوكل:
جاء في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأن ذلك لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والبرد، وأن فعل هذه الأسباب التي جعلها الله أسبابًا مما أمرت به الشريعة، وأن تركها يقدح في التوكل ويضعفه (^٢).
وأخبر النبي - ﷺ - أن المرض لا يعدي بنفسه، وأن مخالطة المريض لا تضر إلا بإذن الله - ﷿ - وأنه سبحانه هو المقدر لذلك فوجب فعل الأسباب بالابتعاد عن أسباب الشر، والتوكل على الله، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا عدوى (^٣)، فقام أعرابي فقال أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الضباء، فيأتيها البعير الأجرب فتجرب. فقال النبي - ﷺ -: فمن أعدى الأول" (^٤).
والمرض يتعدى من محل إلى محل، ويتعدى من المريض إلى السليم، ويتعدى من الجربى إلى الصحيحة، هذا شيء موجود.
فبين الرسول - ﷺ -، أن مجرد مقاربة المريض أو القدوم على المحل الموبوء هذا سبب، أما التأثر فهو بيد الله ﷾، فقد يدخل الإنسان في الأرض الموبوءة ولا يصاب، وقد يورد الممرض على المصح ولا
_________________
(١) الشعراء: ٧٥ - ٨٢.
(٢) انظر: الفصل الرابع من هذا البحث: ١٦٢.
(٣) المراد بالعدوى: انتقال المرض من شخص إلى شخص، أو من بهيمة إلى بهيمة، أو من مكان إلى مكان. انظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد: ٢/ ٨.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا عدوى: ١١٣٠ برقم (٥٧٧٥).
[ ٥٩٠ ]
يصاب، قد ينام المريض بجانب الصحيح ولا يصاب، وقد يصاب، فما وجه التفريق بين الحالتين؟ وجه التفريق: أن هذا راجع إلى مشيئة الله تعالى (^١).
٢ - الدعاء:
كان من هدي النبي - ﷺ - الدعاء عند وجود المرض، والاستعاذة بالله ﷾، فعن عائشة - ﵂ - قالت: "كان رسول الله - ﷺ - إذا أتى المريض يدعو له، قال أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا" (^٢)، وهذا الدعاء من جملة الأسباب التي أمر الله بها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٣)، "وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيء الأسقام ومنكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير، ولم يقل بذلك إلا شذوذ، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره لما فيه من الخضوع والتذلل للرب سبحانه، بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالًا على ما قدر فيلزم ترك العمل جملة، ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس، وليس من شرط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رمي السهم، والله أعلم" (^٤).
_________________
(١) انظر: إعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد: ٢/ ٨، وفتح الباري: ١٠/ ١٦٠.
(٢) سبق تخريجه: ٥٤٦.
(٣) غافر: ٦٠.
(٤) مرعاة المفاتيح المطبوع بحاشية مشكاة المصابيح، لأبي الحسن عبيدالله المباركفوري، إدارة البحوث الإسلامية والدعوة والإفتاء بالجامعة السلفية - الهند: ٩/ ٥٢٥.
[ ٥٩١ ]
رابعًا: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومنها أنهم يمنعون مرض الطاعون من دخول المدينة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال" (^١).
خامسًا: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات: الآية التي أظهرها الله - ﷿ - على يد رسوله عيسى - ﵇ - حيث كان يبرئ الأبرص والأكمه (^٢)، قال تعالى عنه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).
ومما يتعلق بهذه الآية الكونية أيضًا بشرية الرسل، وأنه يصيبهم ما يصيب غيرهم من الأمراض (^٤)، وأنهم يخيرون عند مرضهم بين الدنيا والآخرة، فعن عائشة - ﵂ -، قالت: "سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خير " (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري، أبواب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة: ٣٥٧ برقم (١٨٨١).
(٢) انظر: تفسير السعدي: ١٣١.
(٣) آل عمران: ٤٩.
(٤) انظر: فتح الباري: ١٠/ ٢٢٧، وفيض القدير: ٥/ ٥٠١.
(٥) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ النساء: ٦٩: ٨٧١ برقم (٤٥٨٦).
[ ٥٩٢ ]
سادسًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله به ورسوله - ﷺ - من الجنة والنار، ومن ذلك أن الحمى من فيح جهنم فدل على أن النار مخلوقة الآن (^١)، فعن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" (^٢).
سابعًا: الإيمان بالقدر:
من الإيمان بالقدر الإيمان بمشيئة الله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل مؤمن يعرف ويوقن تمامًا أن من يتعرض لمسببات المرض فإن ذلك لا يعني أبدًا أنه سوف يصاب بهذا المرض إذا أراد الله ﷾ حفظه وتجنيبه، ومن لا يتعرض لمسببات المرض فإن ذلك لا يعني للمرء أنه لن يصاب بالمرض إذا قدر مُقدِر المقادير ومُسببُ الأسباب أن يصاب هذا المرء بالمرض، ومن واجب المسلم التوكل على الله ﷾ في جميع أمور حياته اليومية، لكنه مأمور بالأخذ بالأسباب والتحصن ضد مسببات الأمراض (^٣).
وقد علق النبي - ﷺ - البرأ من المرض على إذنه ومشيئته ﷾، فعن جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى" (^٤)، "ففيه الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ٦/ ٣٢٠، ٣٣٠، ومعارج القبول: ٢/ ٨٦١.
(٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة: ٦٢٥ برقم (٣٢٦٣).
(٣) انظر: الإعجاز العلمي في لفظتي المريض والمرض في الأحاديث النبوية، لعبدالبديع حمزة زللي: ٢، وإعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد: ٢/ ٨.
(٤) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي: ٤/ ١٧٢٩ برقم (٢٢٠٤).
[ ٥٩٣ ]
الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر. وفي حديث ابن مسعود - ﵁ -: " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا " الإشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد، وفيها كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك، وإليه الإشارة بقوله في حديث جابر - ﵁ -: " بإذن الله"، فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته. والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك" (^١).
ولما خرج عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى الشام ووجد الوباء قد وقع بها، رجع بعد اختلاف الصحابة في ذلك (^٢)، فقيل له تفر من قدر الله، فقال - ﵁ -: " أفر من قدر إلى قدر". ثم أخبره عبدالرحمن بن عوف - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه "، قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف (^٣).
ثامنًا: النهي عن التفرق:
حذر النبي - ﷺ - من الافتراق، وبين أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ثم بين حال هؤلاء المتفرقين وأنه
_________________
(١) فتح الباري: ١٠/ ١٣٥.
(٢) انظر: الاستذكار: ٢٦/ ٧٠.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون: ١١٢٣ برقم (٥٧٢٩)، وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها: ٤/ ١٧٤٠ برقم (٢٢١٩).
[ ٥٩٤ ]
كحال من يتجارى به الكَلَب، فعن معاوية بن أبى سفيان - ﵁ - قال: ألا إن رسول الله - ﷺ - قام فينا فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة، وهي الجماعة". زاد ابن يحيى وعمرو فى حديثيهما " وإنه سيخرج من أمتى أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه ".
وقال عمرو: " الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " (^١).
فبين - ﷺ - أن هذه الأهواء تتجارى بهم، كما يتجارى الكلب لصاحبه؛ "فإن الكلب داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلِب، وهو داء يصيب الكلب كالجنون. وعلامة ذلك فيه أن تحمر عيناه، وأن لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه، وإذا رأى إنسانًا ساوره (^٢)، فإذا عقر هذا الكلب إنسانًا عرض له من ذلك أعراض رديئه، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشًا، ولا يزال يستسقي حتى إذا سقي الماء لم يشربه" (^٣)، وكذلك البدع تدخل فيهم وتؤثر في أعضائهم (^٤).
"فشبه حال الزاغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وفي سراية تلك الضلالة منهم إلى الغير بدعوتهم إليها، ثم تنفرهم من العلم وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلًا، بحال صاحب الكَلَب وسريان تلك
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب شرح السنة: ٥٠٣، برقم (٤٥٩٧)، ومسند الإمام أحمد: ٢٨/ ١٣٥ برقم (١٦٩٣٧)، وقال محققه: إسناده حسن. وحسنه الألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٨٦٩.
(٢) أي وثب عليه. انظر: تهذيب اللغة: ١٣/ ٣٥.
(٣) معالم السنن للخطابي، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت: ٧/ ٤.
(٤) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: ١/ ٣٨٢.
[ ٥٩٥ ]
العلة في عروقه ومفاصله شبه الجنون، ثم تعديته إلى الغير فلا يعض المجنون أحدًا إلا كُلِب -أي جن-، ويعرض له أعراض رديئة تشبه الماليخوليا مهلكة غالبًا، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا" (^١).
_________________
(١) المرجع السابق: ١/ ٢٧٨.
[ ٥٩٦ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأمراض-:
أولًا: تحريف معنى حديث: "مرضت فلم تعدني".
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -الأمراض- تأويل معنى حديث"مرضت فلم تعدني"، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله - ﷿ - يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال يا رب: كيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال يا رب: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال يا رب: كيف أسقيك، وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي" (^١).
فقالوا هذا الحديث يتضمن معنى باطلًا -وهو أن الله يمرض تعالى الله عن ذلك- ولذا يجب صرفه عن ظاهره (^٢).
والجواب: أن"الحديث صريح بأن الله لم يمرض، ولم يأكل ولم
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل عيادة المريض: ٤/ ١٩٩٠ برقم (٢٥٦٩).
(٢) انظر: العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لمحمد بن إبراهيم ابن الوزير، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص ٣: ٤/ ١٤١.
[ ٥٩٧ ]
يشرب، وإنما العبد هو الذي مرض وطعم وسقي، والمعنى: لوجدت ذلك أي: ثواب ذلك عندي، يعني وجدت ذلك، يعني ثوابه، ثواب العمل، لوجدت ذلك عندي، وإلا فالله -﷾- فوق العرش، مستوٍ على العرش، بائنٌ من خلقه.
وإنما هذا العبد؛ ولذلك قال: أما علمت أن عبدي مرض؟ أما علمت أن عبدي جاع؟ أما علمت أن عبدي استسقى؟ فالعبد هو الذي مرض وهو الذي جاع، وهو الذي استسقى، لوجدت ذلك عنده يعني ثوابه" (^١).
ثانيًا: سب المرض:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأمراض - سبها ووصفها بالخبث، وهذا أمر لا يجوز فإن سبها سب لخالقها، وهو الله - ﷿ -، وقد ورد في الحديث عن جابر بن عبدالله - ﵄ - أن أم السائب قالت: "الحمى لا بارك الله فيها"، فقال النبي - ﷺ - لها: "لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديث" (^٢).
قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: " الحمى هي السخونة، وهي نوع من الأمراض وهي أنواع متعددة، ولكنها تكون بقدر الله - ﷿ -، فهو الذي يقدرها وقوعًا، ويرفعها ﷾، وكل شيء من أفعال الله فإنه لا يجوز للإنسان أن يسبه؛ لأن سبه سب لخالقه جل وعلا، ولهذا قال - ﷺ -: " لا تسبوا
_________________
(١) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ٤/ ١٤١، وانظر: شرح النووي على مسلم: ٨/ ٣٧١، ومجموع الفتاوى: ٣/ ٤٣ - ٤٤، ٢/ ٤٦٢، ومجموع فتاوى ومقالات ابن باز: ٣/ ٧٤.
(٢) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة: ٤/ ١٩٩٣، برقم (٢٥٧٥).
[ ٥٩٨ ]
الدهر فإن الله هو الدهر " (^١) " (^٢).
ثالثًا: اليأس من روح الله والقول بأن هذا المرض ليس له علاج:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية: اليأس من روح الله، واعتقاد أن بعض الأمراض ليس لها علاج، ومن ذلك قول بعض الأطباء هذا مرض ليس له علاج، ميئوس منه ولا يقيد ذلك بقوله: ليس له علاج عندي أو نحو ذلك (^٣)، وهذا الأمر مخالف للحديث الصحيح: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" (^٤)، وفي رواية: "علمه من علمه وجهله من جهله" (^٥)، وقوله - ﷺ -: " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى" (^٦).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر: ٤/ ١٧٦٢ برقم (٢٢٤٦).
(٢) شرح رياض الصالحين للشيخ محمد بن عثيمين: ٦/ ٤٦٧، وانظر: فتاوى الشيخ صالح الفوزان، مجلة الدعوة العدد (٢٠٠٩)، ٤ شعبان ١٤٢٦ هـ.
(٣) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، العدد ٧: ٣/ ٥٦٣.
(٤) سبق تخريجه: ٥٤٥.
(٥) مسند الإمام أحمد: ٦/ ٥٠ برقم (٣٥٧٨)، وقال محققه: صحيح لغيره.
(٦) سبق تخريجه: ٥٥١.
[ ٥٩٩ ]