أحكام الرؤى وآدابها
وفيه ثلاث فصول:
الفصل الأول: أحكام الرؤى.
الفصل الثاني: أحكام تعبير الرؤى.
الفصل الثالث: آداب الرؤى.
[ ٣٢٧ ]
الفصل الأول أحكام الرؤى
الفصل الأول
أحكام الرؤى
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: رؤية الله في المنام.
المبحث الثاني: رؤية الملائكة في المنام.
المبحث الثالث: رؤية نبينا محمد - ﷺ - في المنام.
المبحث الرابع: رؤية الأنبياء في المنام.
المبحث الخامس: الكذب في الرؤيا.
* * *
[ ٣٢٩ ]
المبحث الأول: رؤية الله في المنام
وفيه تمهيد ومسألتان:
التمهيد: رؤية الله عيانًا وفيه:
أولا: رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة.
ثانيًا: رؤية الله في الدنيا.
ثالثًا: هل رأى النبي - ﷺ - ربه يقظة؟
المسألة الأولى: رؤية النبي - ﷺ - ربه في المنام.
المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام؟
تمهيد
رؤية الله عيانًا
أولًا: رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة:
رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة في عرصات القيامة وبعدما يدخلون الجنة عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وتلقتها الأمة بالقبول.
فمن الكتاب قول ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (١).
وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله ﷿ في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عن رسول الله - ﷺ - وتلقاه أتباعه بكل قبول وارتياح وانشراح لها، وكلهم يرجو ربه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن يوم يلقاه، إذ رؤيته سبحانه هي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، وإن كانوا في الرؤية على درجات على حسب
_________________
(١) وانظر تفسير الآية في تفسير ابن جرير وابن كثير رحمهما الله.
[ ٣٣١ ]
قربهم من الله ومعرفتهم به.
فأخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه من حديث جرير ﵁ قال: "كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون (١) في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا» (٢).
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث صهيب ﵁ قال: قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد، يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة» (٣).
وكان من دعاء النبي - ﷺ -: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك» (٤).
ففي هذه الأحاديث وغيرها دلالة على وجوب الإيمان برؤية المؤمنين ربهم
_________________
(١) أي لا يلحقكم ضيم وهو المشقة في رؤيته، انظر: شرح السنة للبغوي (٢/ ٢٢٦) وروي بتخفيف التاء والميم.
(٢) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (١٢/ ٤١٩) وأخرجه البخاري كذلك من حديث أبي سعيد وأبي هريرة بلفظ مطول.
(٣) صحيح مسلم كتاب الإيمان ٨٠ - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٩٣) (١٨١).
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٦٤) والنسائي (١/ ١٩٢) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني كما في صفة الصلاة (١٦٥) وظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ١٦٦) (٣٧٨).
[ ٣٣٢ ]
﷿ يوم القيامة، وأنها من نعيم الله ومزيد إفضاله على عباده المؤمنين والإيمان بذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة، ولم يَرُدَّ هذه الأحاديث إلا أهل البدع والضلال، الذين اعتاضوا بهداية كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - آراء فاسدة، زعموا أنها معتقدات وضلالات وشبهات (١).
قال ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح:
الباب الخامس والستون في رؤيتهم لربهم ﵎ بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكًا إليهم.
هذا الباب أشرف أبواب الكتاب - يعني كتابه حادي الأرواح - وأجلها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدها على أهل البدع والضلالة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فيعمل العاملون إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون.
وأنكرها أهل البدع المارقون (٢)، والجهمية المتهوكون والفرعونية
_________________
(١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للدكتور عبد الله الغنيمان (٢/ ١١٨) الطبعة الأولى (١٤٠٩) هـ.
(٢) ومن أشهر هؤلاء: المعتزلة، وانظر: الأصول الخمسة (٢٣٢) والمغني (٤/ ٢٢٤) كلاهما للقاضي عبد الجبار المعتزلي. وانظر في الرد على هؤلاء وغيرهم في: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٤٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية ومختصر الصواعق (١/ ٢٨٤) لابن القيم.
[ ٣٣٣ ]
المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون (١).
ثم ساق ﵀ الأدلة من الكتاب والسنة، ثم أتبعها بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، وهي أقوال تثبت رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم عيانًا وترد على المعتزلة والجهمية.
وقد أفرد كثير من أهل السنة هذه المسألة بمؤلفات خاصة (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم بذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر" (٣).
ثانيًا: رؤية الله في الدنيا:
أهل السنة والجماعة يعتقدون أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة شرعًا وعقلًا ولكن البشر لا يقدرون على رؤيته سبحانه والأدلة من الكتاب والسنة كثيرة منها قوله تعالى لموسى ﵇ لما سأله أن ينظر إليه، فقال له ربه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ٤٣].
_________________
(١) حادي الأرواح (٣٢٦).
(٢) مثل كتاب الرؤية للدارقطني والآجري في كتابه التصديق بالنظر إلى وجه الله ﷿ وهو الجزء السابع من كتاب الشريعة له.
(٣) رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أهل البحرين، مجموع الفتاوى له (٦/ ٤٨٦).
[ ٣٣٤ ]
ووجه الدلالة من هذه الآية:
١ - أن موسى ﵇ سأل رؤية الله ولو كانت الرؤية مستحيلة (١) لما سألها موسى لأنه كليم الرحمن وأعلم الناس في وقته، فدل على أنها ممكنة وجائزة.
٢ - لو كانت الرؤية مستحيلة لأنكر الله على موسى سؤالها، كما أنكر على نوح لما سأله لابنه، فلما لم ينكر عليه دل على الجواز.
٣ - لو كانت الرؤية غير ممكنة لعلقها الله بأمر غير ممكن، ولأجاب موسى بجواب يدل على عدم إمكان الرؤية، والفرق بين الجوابين ظاهر.
٤ - أن الله تجلى للجبل الذي لا ثواب له ولا عقاب، فلو كانت الرؤية مستحيلة لما تجلى له.
٥ - أن الرؤية ممكنة، ولكن البشر لا يقدرون لضعفهم، فإذا كان يوم القيامة استطاعوا ذلك.
٦ - أن الله كلم موسى وناداه، ومن جاز تكليمه ومناداته جازت رؤيته (٢) فإذا علمت أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة فاعلم أنه قد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا (٣).
ومن الأدلة على ذلك أيضًا:
_________________
(١) مستحيلة بالنسبة لغيره سبحانه، بخبره بأنه لن يراه أحد، إذ لا يمكن أن يتخلف مدلول خبره تعالى. وانظر: شرح لمعة الاعتقاد (٨٧) للشيخ محمد بن صالح العثيمين، تحقيق أشرف عبد المقصود، ومجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٣/ ٤٠).
(٢) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (٣٢٧).
(٣) انظر: الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، لشيخ الإسلام ابن تيمية والمطبوع ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٥).
[ ٣٣٥ ]
١ - في حديث جرير ﵁ الذي سبق ذكره أن النبي - ﷺ - قال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة» ففي هذا الحديث بيان أن الرؤية تكون في المستقبل لئلا يتوهم أحد أنه يرى ربه قبل يوم القيامة.
٢ - ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «وتعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت» (١).
ولهذا لما يدعي الدجال أنه ربنا يرد عليه بهذا الحديث، بأننا لن نرى ربنا في الدنيا كما دل عليه هذا الحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحدا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت" (٢).
وسئل ﵀ عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، وأنهم يحصل لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال؟
فأجاب: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي - ﷺ -.
ومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال (٣) مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادعوا
_________________
(١) صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤/ ٢٢٤٥).
(٢) الوصية الكبرى لشيخ الإٍسلام ابن تيمية ﵀ (٧٦).
(٣) قال بذلك الصوفية انظر: إحياء علوم الدين (٣/ ١٥، ١٦) دار المعرفة، وروضة الطالبين (٤٥) مجموعة القصور العوالي وكيمياء السعادة (٧٥) ملحق بالمنقذ من الضلال كلها للغزالي.
[ ٣٣٦ ]
أنهم أفضل من موسى، فإن هؤلاء يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا (١).
ثالثًا: هل رأى النبي - ﷺ - ربه يقظة؟
اختلف الصحابة ﵁ في رؤية النبي - ﷺ - لربه ليلة المعراج على قولين:
الأول: أنه لم ير ربه وذهب إلى هذا القول عائشة ﵂ حيث قالت: «من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب» (٢).
الثاني: أنه رأى ربه وبهذا قال ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «رأيت ربي ﷿» (٣) وأخرج مسلم من حديث ابن عباس قال: «رآه بقلبه» (٤).
والظاهر والله أعلم أن الخلاف بينهم خلاف لفظي، وذلك للأسباب التالية:
أ- أن الروايات عن ابن عباس جاءت مطلقة أو مقيدة بالقلب، فيحمل المطلق على المقيد، وخاصة أن المقيدة رواية مسلم.
ب- أنه يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ﵄ ونفي عائشة ﵂ بأن يحمل نفيها على الرؤية البصرية وإثباته على رؤية القلب (٥).
_________________
(١) مسألة ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإٍسلام ابن تيمية (٦/ ٥١٢).
(٢) أخرجه البخاري كتاب التفسير (٤٨٥٥) وأخرجه مسلم (١٧٧) (١/ ١٥٨) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
(٣) المسند (١/ ١٩٠، ٢٨٥) وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ١٨٨).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٦) (١٥٨) من طريق عطاء، وفي لفظ آخر لمسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرتين.
(٥) انظر: الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٧٢) ومجموع الفتاوى له (٦/ ٥٠٧ - ٥١٠) (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦) وزاد المعاد لابن القيم (٣/ ٣٦، ٣٧) والبداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١١٠) وفتح الباري (٨/ ٦٠٨).
[ ٣٣٧ ]
وبهذا حكى عثمان بن سعيد الدارمي (١) إجماع المسلمين على أنه لم يره (٢).
(ج) الظاهر أن حديث ابن عباس ﵄ «رأيت ربي ﷿» مختصر من حديث المنام المشهور، وعلى هذا فتكون هذه الرؤيا منامية كما سيأتي تخريجه إن شاء الله.
وعلى ذلك حمله البيهقي ﵀ فقال: "ما روي عن ابن عباس ﵄ هو حكاية عن رؤيا رآها في المنام" (٣).
وقال ابن القيم ﵀ عن شيخ الإٍسلام ابن تيمية ﵀: "وعلى هذا - أي كونها رؤيا منامية - بني الإمام أحمد ﵀، وقال: نعم رآه حقًا فإن رؤيا الأنبياء حق، ولا بد ولكن لم يقل أحمد إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه" (٤).
المسألة الأولى: رؤية النبي - ﷺ - ربه في المنام
رؤية النبي - ﷺ - لربه في المنام ثبتت عنه في عدة أحاديث منها:
١ - حديث معاذ بن جبل ﵁:
فأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وابن خزيمة في كتاب التوحيد وغيرهم من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال:
_________________
(١) هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني (٢٠٠ - ٢٨٠هـ) كان تلميذًا للإمام أحمد بن حنبل. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩) وشذرات الذهب (٢/ ١٧٦).
(٢) انظر: الرد على بشر المريسي (١٦٦).
(٣) الأسماء والصفات (٤٤٧) وانظر: ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ١٨٨، ١٩٢). وصحيح الجامع (٣/ ١٦٨).
(٤) زاد المعاد (٣/ ٣٧).
[ ٣٣٨ ]
احتبس علينا رسول الله - ﷺ - ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله - ﷺ - سريعًا فثوب (١) للصلاة، وصلى وتجوز في صلاته فلما سلم قال: «كما أنتم على مصافكم».
ثم أقبل إلينا فقال: «إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل، فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت (٢) فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء، وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، وجلوس في المساجد بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء عند الكريهات، قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك».
_________________
(١) ثوب: التثويب ههنا إقام الصلاة وقيل إنما سمي تثويبًا من ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة انظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٢٦).
(٢) وقع في مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٣) لفظه "استيقظت" وظاهره إنه رأى الله ﷿ في اليقظة وهذا تصحيف لمخالفتها بقية الروايات، قال ابن حجر المكي: والظاهر أن رواية «حتى استيقظت» تصحيف، فإن المحفوظ في رواية أحمد والترمذي حتى استثقلت انظر: الفتح الرباني (١٧/ ٢٢٣) وتحفة الأحوذي (٩/ ١٠٣).
[ ٣٣٩ ]
وقال رسول الله - ﷺ -: «إنها حق فادرسوها وتعلموها» (١).
ومما يدل على أن هذه الرؤيا كانت منامًا قوله - ﷺ -: «فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة».
قال الدارمي ﵀: «فحين وجد هذا لمعاذ بن جبل كذلك صرفت الروايات التي فيها إلى ما قال معاذ، فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقوله «أتاني البارحة ربي في أحسن صورة» الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، إنما كان بالمدينة في المنام، هكذا جاء مفسرًا (٣).
وقال ابن كثير ﵀: «وأما الحديث الذي رواه أحمد فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في المسند من طرق» (٤).
٢ - حديث ابن عباس ﵄:
أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، قال: إن النبي - ﷺ - قال: «أتاني ربي ﷿ الليل في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم - فقال: يا محمد هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟. ..» الحديث (٥).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٣) والترمذي (٥/ ٣٦٨) في تفسير سورة ص، (٣٢٥٥) وكتاب التوحيد لابن خزيمة (٢١٣، ٢١٥، ٢١٨) وقد صحح هذا الحديث الإمام أحمد وابن خزيمة كما في التهذيب (٦/ ٢٠٥).
(٢) رد الدارمي على بشر المريسي (١٦٦).
(٣) رسالة لشيخ الإسلام تسمى الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (٢/ ٣٣٦) وانظر: الوصية الكبرى ص (٧٣) وزاد المعاد لابن القيم (١/ ١٣٦).
(٤) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣).
(٥) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٦٨) والترمذي (٢/ ٢١٤، ٢١٥) رقم (٣٢٣١) (٣٢٣٢) وصححه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥/ ١٦٢) والألباني في ظلال الجنة (١/ ١٨٨، ٢٠٤) وإرواء الغليل (٣/ ١٤٧، ١٤٨).
[ ٣٤٠ ]
قال ابن مندة ﵀ في كتابه الرد على الجهمية: "وروى هذا الحديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب (١).
_________________
(١) الرد على الجهمية ص (٩٠) ومن هؤلاء الصحابة: جابر بن سمرة، وأبو أمامة، وثوبان، وعمران بن الحصين، وأم الطفيل، وعبد الله بن عمر، أبو رافع، وأبو عبيدة، وأنس وعبد الرحمن بن عايش وقد جمع الدارقطني في كتاب الرؤية ص (٣٠٨ - ٣٤٢) روايات وطرق هذه الأحاديث وانظر أيضًا السنة لابن أبي عاصم ص (١٨٨) واختيار الأولى في اختصام الملأ الأعلى. وقد ذكر هذه الأحاديث الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابيه عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن، الذي أثنى عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ص (٤٤/ ٤٧) وكتابه كتاب الرؤيا ص (٣٣/ ٤٠). ثم قال بعد ذكر هذه الأحاديث: "وإذا علم أن رؤيا النبي - ﷺ - في المنام وحي وحق، فليعلم أيضًا أنه يجب الإيمان بما أخبر به رسول الله - ﷺ - من رؤيته لربه ﵎ في المنام في أحسن صورة وأنه وضع كفه، وفي رواية: يده بين كتفي رسول الله - ﷺ - حتى وجد بردها بين ثدييه. ويجب أيضًا إمرار ما جاء من ذلك في الأحاديث التي تقدم ذكرها كما جاء من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وقد تلقاها الصحابة عن النبي - ﷺ - وقابلوها بالتسليم وأمرُّوها كما جاءت، ثم تلقاها من رواها عنهم من التابعين وكذلك أتباع التابعين من بعدهم وقابلوها بالقبول والتسليم، وأمروها كما جاءت، ثم خرجها من جاء بعدهم من أكابر المحدثين الذين تقدم ذكرهم وقابلوهم بالقبول والتسليم، وأمروها كما جاءت. وهذه الطريقة هي طريقة السلف في آيات الصفات، وأحاديث الصفات، وهي أسلم وأحكم من طريقة الخلف، الذين خاضوا في تأويل الصفات وأحاديثها وصرفوها عن ظاهرها بما سنح لهم من الاحتمالات والتأويلات الباطلة حتى آل بهم ذلك إلى التعطيل. وقد قال ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" إنَّ السلف رووا أحاديث الصفات وسكتوا عنها، وهم كانوا أعمق الناس علمًا، وأوسعهم فهمًا وأقلهم تكلفًا ولم يكن سكوتهم على عي، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر اهـ. وانظر كذلك كتابه: الرد القويم على المجرم الأثيم ص (٣٣٥) الطبعة الثانية (١٤٠٦هـ) وكذلك ما قاله ابن رجب في اختيار الأولى في اختصام الملأ الأعلى ص (٤٠، ٤١).
[ ٣٤١ ]
المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام؟
إذا ثبت أن النبي - ﷺ - رأى ربه في المنام، فهل يرى المؤمن ربه في المنام؟
لقد نقل بعض العلماء الإجماع على جواز رؤية الله في المنام، ووقوعها وذكروا بأنه لم يخالف فيها أحد، ومن هؤلاء الإمام البغوي عن شيخه القاضي حسين بن محمد، والقاضي عياض (١).
وممن يرى وقوعها أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العديد من كتبه حيث ذكر أن النقل متواتر عمن رأى ربه في المنام وأن الأصحاب يذكرونها في أصول الدين، وبين أن طائفة من المعتزلة وغيرهم أنكروها، فقال: وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه؛ إذ الرؤيا تقع بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة.
وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين، وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام (٢).
_________________
(١) انظر: شرح السنة (١٢/ ٢٢٧) وشرح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥) وفتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٨٧). ومن ذلك ما روي عن بعض الأئمة من رؤية الله تعالى في المنام، فروي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: رأيت رب العزة في المنام تسعًا وتسعين مرة، ثم رآه مرة أخرى تمام المائة وانظر: الفقه الأكبر بشرح على القاري ص (١٠٣، ١٠٤) وذكر ابن الجوزي عن الإمام أحمد في مناقبه بإسناده إلى عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، أنه قال: رأيت رب العزة في المنام انظر: مناقب ابن الجوزي ص (٥٨٣) تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي دار هجر، الطبعة الثانية (١٤٠٩) هـ.
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣).
[ ٣٤٢ ]
وممن قال بهذا القول أيضًا: عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه نقض الدارمي على المريسي، حيث قال في حديث ثوبان أن النبي - ﷺ - قال: «أتاني ربي في أحسن صورة» (١) قال: «وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال وفي كل صورة» (٢).
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كيفية هذه الرؤيا فقال: "فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا، وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، لكن يرى في المنام، ويحصل للقلوب من المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها، ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه، حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد، ومعرفته في صورة مثالية كما قد بسط في غير هذا الموضع" (٣).
وقال أيضًا: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق" (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ص (٤٧٠) وابن خزيمة في كتاب التوحيد، ص (٢١٩) والدارقطني في كتاب الرؤية كما سبق، وله شاهد من حديث معاذ، وحديث ابن عباس السابقين.
(٢) النقض على بشر المريسي ص (١٦٦) والمسمى رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.
(٣) الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٣٣٦، ٣٣٧).
(٤) الوصية الكبرى ص (٧٦، ٧٧) ومجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٠) (٥/ ٤٩٢).
[ ٣٤٣ ]
وقال أيضًا: "ومن رأى الله ﷿ في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حاله الرائي، إن كان صالحًا رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبي ﵌ في أحسن صورة" (١).
وقال أيضًا: "والمؤمن الذي يحب الله ورسوله يرى الرسول في منامه بحسب إيمانه، وكذلك يرى الله تعالى في منامه بحسب إيمانه، كما قد بسط في غير هذا الموضع" (٢).
وممن يرى وقوع ذلك سماحة شيخنا، الشيخ عبد العزيز بن باز، حيث قال ﵀: "إذا رؤي الله في النوم فليس على شبه المرء؛ لأنه ليس كمثله شيء".
وقد يرى بعض العلماء أن الله لا يرى في المنام، فكأنهم يستعظمون ذلك ويرون قفل هذا الباب هو الأسلم ويرون أن الرؤيا منفية بقوله - ﷺ -: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» (٣).
ولكن يقال إن هذا النفي لرؤية اليقظة في الدنيا وبينها وبين الرؤيا المنامية فرق كما بينت ذلك فلا يعارض ما ذكر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في
_________________
(١) منهاج السنة (٥/ ٣٧٦) تحقيق: محمد رشاد سالم ومجموع الفتاوى (٥/ ٢٥١).
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٦١٢).
(٣) وانظر في ذلك: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٣٧، ٥٣٨) حيث ناقش المخالفين في رؤية الله في المنام.
[ ٣٤٤ ]
المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقًا أتى من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان العكس".
وحكوا عن طائفة من المعتزلة إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام.
ولكن لعلهم قالوا: "لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام"، فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم، نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم.
وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به ﷾، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه، وفساده، واستقامة حاله، وانحرافه.
وقول من يقول: "ما خطر بالبال، أو دار في الخيال، فالله بخلافه ونحو ذلك" إذا حمل على مثل هذا كان محملا صحيحا فلا نعتقد أن ما تخيل للإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها؛ بل هي خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه
[ ٣٤٥ ]
مناسبًا مشابهًا لها فالله تعالى أجل وأعظم (١).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣، ٧٤). وقد جاءت بعض الآثار في فضل رؤية الله في المنام، ولكنها لا تسلم من مقال، فمن ذلك:
(٢) ما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (١/ ٢١٥) قال: "ثنا عمرو بن عثمان، ثنا محمد بن حمير عن ابن جابر، حدثني العباس بن ميمون عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: أفضل ما يرى أحدكم في منامه أن يرى ربه، أو يرى نبيه، أو يرى والديه ماتا على الإسلام" قال الألباني في ظلال الجنة (١/ ٢١٥) إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير العباس بن ميمون، فلم أعرفه، وهذا الحكم فيما يظهر لي والله أعلم فيه نظر، لأن عدم معرفة المتأخرين للراوي لا يبرر الحكم عليه بالضعف؛ لأنه قد يكون معروفًا ولم يصل إلينا ثم إنه قد يكون هناك احتمال آخر، وهو الخطأ في المخطوط في اسم هذا الراوي، وخاصة أن الناشر لكتاب السنة اعتمد على نسخة واحدة فقط، فتأمل فهذا الأثر يحتاج إلى مزيد بحث والله أعلم.
(٣) أخرج الدارمي في سننه (١/ ١٧٠) في كتاب الرؤيا باب في رؤية الله تعالى في النوم عن ابن سيرين قال: «من رأى ربه في المنام دخل الجنة»، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٧٦). وانظر مزيد بحث لرؤية الله في المنام في: ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة ص (١٧٩) تحقيق الدكتور: أحمد الشريف وكتاب سراج الطالبين على منهاج العابدين، شرح إحسان محمد دحلان (١/ ١٣٣) وكتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة بشرح علي القاري ص (١٠٣) وكتاب الاعتقاد الخالص من الشكل والانتقاد للإمام علاء الدين بن العطار ص (٢٨، ٢٩) تحقيق علي حسن علي عبد الحميد، وكتاب رؤية الله وتحقيق الكلام فيها تأليف الدكتور أحمد بن ناصر آل حمد ص (١٧٥ - ١٧٨) ورسالة للسهيلي بعنوان مسألة رؤية الله في المنام، كما ذكرها عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (٥/ ١٤٧) وغيره، وكتاب صيد الخاطر لأبي فرج عبد الرحمن بن الجوزي ص (٥٥٦، ٥٥٧) تحقيق: محمد عبد الرحمن عوض، الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) دار الكتاب العربي بيروت.
[ ٣٤٦ ]
فالحاصل أن رؤية الله في المنام ممكنة، وقد تقع كما وقعت للنبي - ﷺ - ولكنها إذا وقعت للمؤمن ليست حجة في وصفه سبحانه بالكيفية مع أن الحكم على أن فلانًا رأى الله في المنام هذا لا يمكن الجزم به لأنه قد تكون تلك الرؤيا من الشيطان والله أعلم.
[ ٣٤٧ ]
المبحث الثاني
رؤية الملائكة في المنام
الملائكة: جمع ملك قال الكسائي، أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوكة وهي الرسالة (١).
وهم عالم غيبي، مخلوقون من نور، لا يأكلون، ولا يشربون بل عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٢).
قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [فاطر: ١].
وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمونَ فِي غَمَرَاتِ الْموتِ وَالمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيدِيهِم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُم﴾ [الأنعام: ٩٣]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الليْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
أما كونهم لا يأكلون ولا يشربون، فيدل على ذلك ما جاء في قصة إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ
_________________
(١) لسان العرب (١٠/ ٤٩٦).
(٢) انظر: شرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص (٢٧، ٣١).
[ ٣٤٨ ]
دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر» (١).
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (٢).
وهل للبشر رؤية الملائكة في اليقظة؟
أما النبي - ﷺ - فقد رأى جبريل مرتين وله ستمائة جناح (٣).
أما غير النبي - ﷺ - فلا يمكن أن يرى الملك على هيئه الملكية إلا إذا تحول إلى صورة بشرية؛ فحينئذ يراه، كما حصل لمريم قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ٦ - باب ذكر الملائكة ص (٣٢١١) (٢/ ٤٢٥) وصحيح مسلم في كتاب الجمعة ٧ - باب في فضل التهجر إلى الجمعة الحديث رقم (٥٨٠) (٢/ ٥٨٧).
(٢) صحيح مسلم في كتاب الزهد والرقائق ١٠ - باب في أحاديث متفرقة (٤/ ٢٢٩٤).
(٣) سبق تخريجه ص (٢٠٥).
[ ٣٤٩ ]
وكما رأى الصحابة ﵃ جبريل وهذا كثير (١).
فإذا عرفنا شيئًا من أوصاف الملائكة كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فهل يمكن رؤية الملائكة في المنام؟
والجواب: أن رؤية الملائكة في المنام جائزة كما ذكر ذلك الإمام البغوي ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأن تلك الرؤيا حق لأن الشيطان لا يتمثل بهم (٢).
ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ في قصة رؤياه وقال فيها: «فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال: لم تُرَعْ».
وفي لفظ آخر قال: «فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله، اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، فقال: لن تُراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة» (٣).
_________________
(١) ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان، من حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٥٠) (١/ ٣٣) وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان ١ - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان الحديث رقم (١) من حديث عمر بن الخطاب، والحديث رقم (٩٥) من حديث أبي هريرة وقال في آخره «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم».
(٢) انظر شرح السنة (١٢/ ٢٢٨) وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣، ٧٤).
(٣) سبق تخريجه ص (٧٤).
[ ٣٥٠ ]
قال العيني ﵀ في شرح هذا الحديث: "وفيه رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي لقوله «فرأيت ملكين أخذاني» " (١).
وقال ابن بطال ﵀: "يؤخذ منه الجزم بالشيء وإن كان أصله الاستدلال؛ لأن ابن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفاه على جهنم ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ ولا يذكر الخير".
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ويحتمل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان، أو اعتمد النبي - ﷺ - لما قصته عليه حفصة فاعتمد على ذلك" (٢).
وإذا قلنا بجواز رؤية الملائكة في المنام كما دل عليه الحديث السابق وغيره؛ فهذا لا يعني وصف حقيقة الملائكة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء حديثه عن رؤية الله في المنام: "بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه، ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابها لها" (٣).
_________________
(١) عمدة القاري (٧/ ١٧٠).
(٢) فتح الباري (١٢/ ٤١٨) وقوله (اعتمد) هكذا في الفتح، ولعل الصواب: اعتد على حكم النبي.
(٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣، ٧٤).
[ ٣٥١ ]
المبحث الثالث
رؤية الأنبياء في المنام
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته - ﷺ - في المنام.
المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته - ﷺ - في المنام.
المسألة الثالثة: معنى قوله - ﷺ -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة».
* * *
المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته - ﷺ - في المنام
لقد حفظ الله ﷿ نبينا محمدًا - ﷺ - من الشيطان الرجيم، ومن حفظ الله له، ما أخبر به - ﷺ - أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل به (١)، وقد جاءت الأحاديث المتواترة في إثبات ذلك (٢)، ومن تلك الأحاديث:
١ - ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» وهذا لفظ مسلم.
وفي لفظ أحمد: «من رآني في المنام فقد رآني، إن الشيطان لا يتشبه بي».
_________________
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٤٣) حيث ذكر من خصائصه - ﷺ - أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا.
(٢) انظر: لفظ اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص (٩٧ - ٩٩) وقطف الأزهار المتناثرة ص (١٧٣، ١٧٨).
[ ٣٥٢ ]
وفي لفظ البخاري: «ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (١).
وفي لفظ أحمد أيضًا: «لا يتصور بي» (٢) ورواه الترمذي بلفظ: «من رآني فإني أنا هو فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي» (٣).
وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فقد رأى الحق، إن الشيطان لا يتشبه بي» (٤).
وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فقد رآني الحق، إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي» (٥).
وفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» وهذا لفظ البخاري.
ولفظ أحمد ومسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو كأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي» (٦).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٤١١، ٤٧٢) وصحيح البخاري كتاب العلم ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - الحديث رقم (١١٠) (١/ ٥٥) وكذلك (٤/ ١٢٧) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا باب قول النبي - ﷺ - «من رآني في المنام فقد رآني» حديث رقم (٢٢٦٦) (٤/ ١٧٧٥).
(٢) المسند (٢/ ٤١٠، ٤٦٩).
(٣) سنن الترمذي، كتاب الرؤيا باب في تأويل الرؤيا ما يستحب منها وما يكره (٤/ ٥٣٧).
(٤) المسند (٢/ ٢٦١).
(٥) المسند (٢/ ٤٢٥).
(٦) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٦) وصحيح البخاري كتاب التعبير ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام الحديث رقم (٦٩٩٣) (٤/ ٢٩٩) وصحيح مسلم، كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٥).
[ ٣٥٣ ]
وفي رواية الإمام أحمد «فإن الشيطان لا يتمثل بمثلي» (١).
وفي رواية له أيضًا: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (٢).
٢ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٣).
٣ - أخرج الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رآني في النوم فقد رآني، إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي».
وفي رواية لمسلم: «من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي» (٤).
٤ - أخرج الإمام أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا ينبغي له أن يتمثل بمثلي» (٥).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٣٢، ٤٦٣).
(٢) المسند (١/ ٤٠٠).
(٣) المسند (٣/ ٢٦٩) وصحيح البخاري، كتاب التعبير الحديث رقم (٦٩٩٤) (٤/ ٢٩٩).
(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥٠) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٦).
(٥) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٧٥، ٤٤٠) وسنن الدارمي كتاب الرؤيا، باب في رؤية النبي - ﷺ - في المنام (٢/ ١٦٦) وسنن الترمذي، باب ما جاء في قول النبي - ﷺ - «من رآني في المنام فقد رآني» (٤/ ٥٣٥) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا باب في رؤية النبي - ﷺ - في المنام (٢/ ١٢٨٤).
[ ٣٥٤ ]
وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فأنا الذي رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي» (١).
٥ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني فقد رأى الحق» وهذا لفظ البخاري.
ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق».
في رواية للبخاري: «وإن الشيطان لا يتراءى بي» (٢).
٦ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتكونني» (٣) وهذا لفظ البخاري.
ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق، فإن الشيطان لا يكوّن بي» (٤).
٧ - أخرج الإمام أحمد من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني» (٥).
٨ - أخرج الإمام أحمد وابن ماجة من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فإياي رأى، فإن الشيطان لا يتخيل بي» وقال عفان مرة: «لا يتخيلني» (٦).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٤٥٠).
(٢) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٦) وصحيح البخاري كتاب التعبير (٤/ ٢٩٩) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٦).
(٣) لا يتكونني قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢١١) أي يتشبه بي ويتصور بصورتي وحقيقته يصير كائنًا في صورتي.
(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٥٥) وصحيح البخاري كتاب التعبير (٤/ ٢٩٩).
(٥) مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٧٢) (٦/ ٣٩٤).
(٦) مسند الإمام أحمد (١/ ٢٧٩) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا (٢/ ١٢٨٥).
[ ٣٥٥ ]
٩ - أخرج ابن ماجة من حديث أبي جحيفة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي» (١).
المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته - ﷺ - في المنام
دلت الأحاديث السابقة على أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام حق، وأن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل به ﵊، ولكن يبقى السؤال هل كل من ادعى أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام تكون رؤياه حقًا؟
الجواب: أن في هذه المسألة خلافًا بين العلماء.
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن من رأى النبي - ﷺ - على صورته التي ثبتت في السنة أن تلك الرؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به، واختلفوا فيمن رآه على غير صورته هل رؤياه حق أو لا؟
وسبب الخلاف بينهم هو: هل للشيطان أن يتمثل في غير صورة النبي ويدعي أنه النبي - ﷺ - أو لا؟ أو بمعنى هل يمكن أن يرى النبي - ﷺ - على غير صورته؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن رؤيته ﵊ في المنام صحيحة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها.
وبهذا قال الإمام النووي (٢) ﵀، وأبو العباس القرطبي ﵀ حيث
_________________
(١) سنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٤).
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).
[ ٣٥٦ ]
قال: "من المعلوم أن النبي - ﷺ - يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، وتقع تلك الرؤيا حقًا ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه، أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته".
قال: "والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حال ليست باطلة ولا أضغاثًا بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان: بل هو من قبل الله" (١).
القول الثاني: قالوا إن رآه على صفته تكون رؤيا حق، ولو رآه على غير صفته تكون رؤيا مثال.
وبهذا قال أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض رحمهما الله.
قال أبو بكر بن العربي: "أما رؤية النبي - ﷺ - فمن رآه في المنام بصفة معلومة فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال" (٢).
وقال القاضي عياض: "يحتمل أن يكون قوله - ﷺ -: «فقد رآني» المعرفة له في حياته، فإن رؤي على خلافها كانت رؤيا تأولًا لا رؤيا حقيقة".
قال النووي ﵀ معقبًا على كلام عياض: "وهذا الذي قاله القاضي عياض ضعيف؛ بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها" (٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).
(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٠).
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).
[ ٣٥٧ ]
وقد تعقب الحافظ ابن حجر كلام النووي فقال: "لم يظهر لي من كلام القاضي ما ينفي ذلك: "بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين، لكن في الأولى مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى تعبير" (١).
وحجة أصحاب هذا القول والذي قبله، هي ما فهموه من عموم قوله - ﷺ -: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وقوله: «من رآني فقد رآني الحق».
قال النووي: "قال القاضي عياض قال بعض العلماء، خص الله تعالى النبي - ﷺ - بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما فرق الله تعالى العادة للأنبياء ﵈ بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور فحماها الله من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده (٢).
القول الثالث: أن رؤيته ﵊ في المنام حق إذا كانت على صفته المعروفة، أما إذا كانت على غير صفته، فليست كذلك.
وهذا قول ابن عباس ﵄.
وبهذا قال كثير من العلماء المحققين، وأشار إلى ذلك الإمام البخاري ﵀ في كتابه "الجامع الصحيح" حيث قال في أثر رواه معلقًا بعد حديث أبي هريرة ﵁: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» قال أبو عبد الله "يعني نفسه" قال ابن سيرين "إذا رآه على صورته" (٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).
(٣) صحيح البخاري، كتاب التعبير، ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام.
[ ٣٥٨ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀ على الأثر السابق: "وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب قال: "كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي - ﷺ - قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره" وسنده صحيح (١).
ويؤيد ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي في الشمائل والحاكم من طريق عاصم بن كليب، قال: حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» قال عاصم: قال أبي: فحدثنيه ابن عباس فأخبرته أني قد رأيته، قال: رأيته؟ قلت: أي والله لقد رأيته، قال: فذكرت الحسن بن علي، قال: إني والله قد ذكرته ونعمته في مشيته، قال: فقال ابن عباس: إنه كان يشبهه (٢).
وكذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي في الشمائل، وابن أبي شيبة، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في النوم زمن ابن عباس ﵄ وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله - ﷺ - في النوم، قال ابن عباس: فإن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني» فهل تستطيع
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).
(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٤٢) والشمائل المحمدية للترمذي ص (٣٢١) تعليق محمد عفيف الزغبي، وصححه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية ص (٢٠٨) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٩٣) كتاب التعبير وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق، ووافقه الذهبي وقال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٨٣) وسنده جيد.
[ ٣٥٩ ]
أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قل: نعم، رأيت رجلًا بين الرجلين جسمه، ولحمه أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذا إلى هذه حتى كادت تملأ نحره، قال: فقال ابن عباس ﵄: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا (١).
وممن رجح هذا القول أيضًا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حيث قال في مجموع الفتاوى له، بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في رؤيته - ﷺ - في المنام ثم قال: "وقد دلت كلها على أن عدو الله الشيطان قد حيل بينه وبين أن يتمثل في صورة النبي - ﷺ - إذا رآه في صورته التي هي معروفة عند أهل العلم، وهو ﵊ ربعة من الرجال، حسن الصورة، أبيض، مشرب بحمرة، كث اللحية، سوداء، وفي آخر حياته حصل فيها شعرات قليلة من الشيب ﵊ فمن رآه على صورته الحقيقية فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به ﵊ (٢).
وبهذه الآثار يرد أصحاب القول الأول والثاني، قال القرافي ﵀: قال العلماء: إنما تصح رؤية النبي - ﷺ - لأحد رجلين أحدهما صحابي رآه فعلم
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٦١، ٣٦٢) وله رواية أخرى في المسند (١/ ٣٧٩) والشمائل المحمدية للترمذي ص (٣٢٢) وحسنه الألباني في مختصر الشمائل ص (٢٠٨).
(٢) مجموع فتاوى مقالات متنوعة لابن باز (٤/ ٤٤٥). وانظر: صفات النبي - ﷺ - في صحيح البخاري كتاب المناقب ٣٣ - باب صفة النبي - ﷺ - ذكر فيه البخاري ﵀ سبعة وعشرين حديثًا (٣٥٤٢ - ٣٥٦٨) (٤/ ٥١٤ - ٥١٩) وصحيح مسلم كتاب الفضائل بعد، كتاب الرؤيا ٣ - باب صفة النبي ص (٤/ ١٨٢٤).
[ ٣٦٠ ]
صفته فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، فينتفي عنده اللبس والشك في رؤيته ﵊.
وثانيهما رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته ﵊، كما حصل ذلك لمن رآه، فإذا رآه جزم برؤية مثاله ﵊ كما يجزم به من رآه فينتفي عنه اللبس في رؤيته ﵊.
وأما غير هذين فلا يحصل له الجزم، بل يجوز أن يكون رآه ﵊ بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان، ولا يفيد قول المرئي لمن يراه أنه رسول الله - ﷺ - ولا قول من يحضر معه هذا رسول الله؛ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم (١).
وبهذا تعرف أهمية دراسة شمائل النبي - ﷺ - وصفاته الخلقية، فإذا رآه على صورته يأمر بالحق فليستقم، ومن رآه ينهي عن الشر فلينته، أما إذا أمره بباطل هذا من القرائن على عدم رؤيته.
وقد سبق قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان المراد بقولنا «رآه حقًا».
حيث قال: قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» هو كما قال - ﷺ -: «رآه في المنام حقًا».
فمن قال: ما رآه حقًا فقد أخطأ.
ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية المقيدة بالنوم فقد أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون ذلك (٢).
_________________
(١) الفروق (٤/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/ ٢٧٨).
[ ٣٦١ ]
المسألة الثالثة: معنى قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة»
جاء في بعض ألفاظ الأحاديث السابقة أن من رأى النبي - ﷺ - في المنام فسيراه في اليقظة، ومن تلك الألفاظ:
ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» زاد مسلم: «أو لكأنما رآني في اليقظة».
وفي حديث ابن مسعود ﵁: «من رآني في المنام، فقد رآني في اليقظة» وهذا لفظ ابن ماجة.
فهذه ثلاثة ألفاظ: فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة أو فقد رآني في اليقظة.
فما معنى هذا الألفاظ؟
ذكر المازري والنووي رحمهما الله أنه إذا كان المحفوظ من هذه الألفاظ: «فكأنما رآني في اليقظة» فهو ظاهر، وهو بمعنى قول النبي - ﷺ - «فقد رآني» أو «فقد رأى الحق» أي رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيهات الشيطان (١).
وأما إن كان المحفوظ «فسيراني في اليقظة» ففي معنى ذلك أقوال لأهل العلم.
القول الأول: أن معنى هذا الحديث تشبيه من رأى النبي - ﷺ - في المنام كأنه رآه في اليقظة، فكان معناه أن الذي يراني في المنام فكأنه رآني في اليقظة لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي - ﷺ - على صورته.
_________________
(١) انظر: المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٢٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٦).
[ ٣٦٢ ]
ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية مسلم: «لكأنما رآني في اليقظة».
القول الثاني: أن هذا خاص بأهل عصر النبي - ﷺ - ممن آمن به قبل أن يراه، فكأن فيه بشرى له بأنه سيراه في اليقظة قبل موته.
وقال بهذا ابن التين والمازري (١).
القول الثالث: أن الرائي سوف يرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها، وخروجها على الحق.
وبهذا قال ابن بطال، والقاضي عياض، وابن العربي (٢).
القول الرابع: أنه يراه في المرآة التي كانت له - ﷺ - إن أمكنه ذلك، وهذا قول لأبي جمرة وهو أضعف الأقوال، قال ابن حجر ﵀: "وهذا من أبعد المحامل" (٣).
القول الخامس: أن من رآه في المنام فسيراه في الآخرة وهذا الذي عليه جمهور العلماء المحققين.
وقد اعترض على هذا القول ابن بطال وابن العربي بأنه رؤيته - ﷺ - في الآخرة تكون لجميع المؤمنين من رآه في النوم، ومن لم يره، فلا مزية لمن رآه في النوم على غيره (٤).
_________________
(١) انظر: المعلم (٣/ ١٢٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٦) وفتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٤، ٣٨٥) وعارضة الأحوذي (٩/ ١٣١).
(٣) فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
(٤) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ١٣١) وفتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
[ ٣٦٣ ]
وأجاب القاضي عياض ﵀ على هذا الاعتراض باحتمال أن تكون رؤياه له - ﷺ - في النوم على الصفة التي عرف بها، ووصف بها موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، والشفاعة له بعلو الدرجة، ونحو ذلك من الخصوصيات (١).
وعلى هذا القول فيه بشارة لمن رأى النبي - ﷺ - في المنام بأنه سيموت مسلمًا (٢).
القول السادس: وبه قالت الصوفية: أن من رأى النبي - ﷺ - في المنام فسيراه في اليقظة في الحياة الدنيا حقيقة ويخاطبه، وذكروا أن جماعة من الصالحين رأوا النبي - ﷺ - في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها، فجاء الأمر كذلك (٣).
وهذا القول باطل من وجوه:
الأول: أنه مستحيل شرعًا لأن النبي - ﷺ - قد مات ولا يعقل أن يحيا بعد موته لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] فكيف يقول عاقل بعد ذلك أن رسول الله - ﷺ - حي.
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
(٢) انظر: الفتح الرباني (١٧/ ٢٢٥) ومشتهى الخارف ص (٥٤).
(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥) ومشتهى الخارف ص (٥٤). وممن قال بهذا القول ابن أبي جمرة في كتابه بهجة النفوس (٤/ ٢٣٧ - ٢٣٩) وتبعه في ذلك السيوطي في كتابه تنوير الحلك في رؤية النبي والملك، المطبوع مع الحاوي في الفتاوى للسيوطي (٢/ ٢٥٥ - ٢٦٩) وكذلك أحمد عز الدين البيانوني في كتابه: الرؤى والأحلام" (١٣ص ٢، ١٣٣).
[ ٣٦٤ ]
ثم هؤلاء لم يستندوا إلى دليل من الشرع، سوى الاحتمال في هذه الأحاديث، ولذا لم يذكر السيوطي في رسالته "تنوير الحلك" سوى الاحتمال في تلك الأحاديث، بل ولم يذكر حديثًا ضعيفًا ولا موقوفًا ولا مرسلًا مع سعة اطلاعه وطول باعه في الحديث، وشدة انتصاره لهذا المذهب.
ولم يذكر عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه وقعت له هذه الرؤية في اليقظة.
قال صاحب "المواهب اللدنية": "وأما رؤيته - ﷺ - في اليقظة بعد موته، فقال شيخنا يعني السخاوي لم يصل إلينا ذلك عن أحد الصحابة، ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه - ﷺ - حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح، وبيتها مجاور لقبره، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه" (١).
الثاني: يلزم من هذا القول أن كل من رآه - ﷺ - في النوم أن يراه في اليقظة وهذا باطل لأن أناسًا كثيرة رأوا النبي - ﷺ - في المنام ولم يروه في اليقظة في الحياة الدنيا، فيلزم على ذلك أن يكون خبر النبي - ﷺ - كذبًا، وهذا مستحيل شرعًا (٢).
الثالث: أنه مستحيل عقلًا، فيستحيل أن يرى النبي - ﷺ - رائيان في مكانين مختلفين فيلزم من ذلك يكون النبي - ﷺ - شخصية متعددة توجد في كل زمان ومكان.
_________________
(١) المواهب اللدنية مع شرحها للزرقاني (٥/ ٢٩٥).
(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥) ومشتهى الخارف ص (٥٥).
[ ٣٦٥ ]
كما يلزم عليه أن يكون النبي خرج من قبره، وخروج النبي - ﷺ - يلزم أن يقوم بالجهاد والدعوة إلى الله ﷿.
ويلزم عليه أن الذين يزورون القبر يأتون ويسلمون على مجرد القبر، وليس فيه النبي - ﷺ - لأنه قد خرج على رأيهم.
كما يلزم عليه أيضًا أن كل من رآه يقظة يكون صحابيًا فتدوم الصحبة في الناس إلى يوم القيامة.
وكل هذه لوازم عقلية تدل على بطلان هذا القول.
والمقصود من هذا المبحث بيان أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام جائزة إذا رآه الرائي على صفته التي كان عليه - ﷺ - فعندئذ تكون رؤياه رؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به - ﷺ -.
وأما أن رآه على غير صفته، أو رآه يأمره بباطل فهي أضغاث أحلام، وقرائن تدل على عدم رؤيته - ﷺ - في المنام.
وأما رؤيته - ﷺ - في اليقظة بعد موته فهذه غير جائزة ولا ممكنة، إذ لا دليل عليها من الشرع ولا من العقل، بل الشرع والعقل يمنعان وقوعها.
[ ٣٦٦ ]
المبحث الرابع
رؤية الأنبياء في المنام
في المبحث السابق تبين أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام حق، وأن الشيطان لا يتمثل في صورته - ﷺ - في اليقظة والمنام. فيبقى السؤال هل جميع الأنبياء ﵈ مثله في أن الشيطان لا يتمثل على صورهم في المنام، أو هذا خاص بنبينا محمد ﵌؟
والجواب: أنه ليس في الأحاديث السابقة ما يدل على الخصوص قطعًا ولا على العموم قطعًا ولكن ما يعلم من حفظ الله ﷿ لأنبيائه من الشيطان، يشعر بأن الشيطان لا يتمثل بصورهم، ولهذا قال بعض العلماء بجواز رؤية الأنبياء في المنام.
قال البغوي ﵀ عن شيخه القاضي حسين بن محمد المروذي: ورؤية النبي - ﷺ - في المنام حق ولا يتمثل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء والملائكة ﵈ لا يتمثل الشيطان بشيء منها في المنام (١).
ومعلوم أن شرط صحة رؤيا النبي - ﷺ - في المنام أن يرى على صورته، وعلى ذلك يقال في شرط صحة رؤيا الأنبياء في المنام أن تكون على صورهم المعلومة لنا (٢) فإذا لم تعلم فلا يجزم بتلك الرؤيا لاحتمال أن تكون من الشيطان والله أعلم.
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢٢٨).
(٢) ومما جاء في أوصاف الأنبياء ما جاء في وصف موسى ﵇، انظر: صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق ٦ - باب ذكر الملائكة في قصة إسراء النبي - ﷺ - ووصفه لبعض الأنبياء (٢/ ٤٢٣) وكتاب أحاديث الأنبياء (٢/ ٤٦٠) في حديث الدجال ووصفه - ﷺ - لإبراهيم وموسى وكذلك (٢/ ٤٧٣).
[ ٣٦٧ ]
المبحث الخامس
الكذب في الرؤيا
وفيه أربعة مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الكذب
قال ابن منظور: الكذب هو نقيض الصدق (١)، والكذب يقال في المقال والفعال قال الراغب في معجم مفردات ألفاظ القرآن: الصدق والكذب أصلها في القول ماضيًا كان أو مستقبلًا وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالاستفهام والأمر والدعاء.
وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني وكذب ويستعملان في أفعال الجوارح فيقال صدق في القتال، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] (٢).
قال الإمام النووي ﵀: الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، تعمدت ذلك أم جهلته، لكن لا يأثم في الجهل وإنما يأثم في العمد (٣).
المسألة الثانية: تحريم الكذب عمومًا
الكذب عمومًا محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وقد تضافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة على تحريمه، فقد أنزل الله سبحانه على نبيه - ﷺ -
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور (١/ ٧٠٤).
(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم (٢٨٤، ٢٨٥) بتصرف.
(٣) الأذكار للنووي (٣٢٦) وشرح مسلم له (١/ ٦٩).
[ ٣٦٨ ]
أكثر من مائتين وثمانين آية (١) كلها تنهى عن الكذب وتضرب لنا أمثلة على النهاية السيئة للمكذبين والكاذبين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥].
فدلت هذه الآية على أن الذين يفترون الكذب لا يؤمنون بآيات الله فهذه هي الصفة الأولى والثانية أنهم هم الكاذبون.
والرسول - ﷺ - بين أن الكذب يهدي إلى النار كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا» (٢).
وفي رواية لمسلم: «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
قال النووي: قال العلماء: معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، والبر: اسم جامع للخير كله، وقيل البر: الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة.
وأما الكذب، فيوصل إلى الفجور وهو الميل عن الاستقامة وقيل الانبعاث في المعاصي.
_________________
(١) انظر: المعجم الفهرس لألفاظ القرآن الكريم (٥٩٨ - ٦٠٢).
(٢) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (٧/ ٩٥) ومسلم مع شرح النووي (١٦/ ١٦٠).
[ ٣٦٩ ]
قال العلماء: هذا فيه حث على تحري الصدق وهو قصده والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كثر منه فعرف به وكتبه الله لمبالغته صديقًا إن اعتاده، أو كذابًا إن اعتاده (١).
ويقول ابن القيم ﵀: فما أنعم الله على عبد من نعمة بعد الإسلام أعظم من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده والله المستعان (٢).
وقد اقترن الكذب بالنفاق والكفر، فقد جعله النبي - ﷺ - من أمارات النفاق كما في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٣).
وأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر، عن أبي بكر الصديق، قال: «الكذب يجانب الإيمان» (٤).
ومما جاء في التحذير من الكذب وبيان عقوبة الكاذب، ما
أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التعبير وغيره من
حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم
من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات
_________________
(١) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٦/ ١٦٠).
(٢) زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٢٤).
(٣) فتح الباري (١٠/ ٥٠٧).
(٤) فتح الباري (١٠/ ٥٠٨).
[ ٣٧٠ ]
غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني (١) وإنهما قالا لي: انطلق: وإني انطلقت معهما» فذكر الحديث وفيه قال:
«فانطلقا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه (٢) إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه»، قال: وربما قال أبو رجاء فيشق، قال: «ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت سبحان الله ما هذان؟ قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا» .. ثم ذكر في آخر الحديث.
«وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق» .. الحديث (٣).
وفي رواية للبخاري أيضًا: «الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة» (٤).
_________________
(١) قال الجوهري في الصحاح بعثه وابتعثه أي أرسله، قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٤١) قال ابن هبيرة معنى ابتعثاني أيقظاني، ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنهما أيقظاه فرأى ما رأى في المنام ووصفه بعد أن أفاق على أن منامه كاليقظة، لكن لما رأى مثالًا كشفه التعبير دل على أنه كان منامًا.
(٢) يشرشر: أي يقطع وشدقه أي جانب الفم فتح الباري (١٢/ ٤٤٢).
(٣) البخاري مع شرحه فتح الباري (١٢/ ٤٣٨) وسبق تخريج اللفظ الأول من الحديث ص (٢٣).
(٤) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (٣/ ٢٥١) (١٠/ ٥٠٧).
[ ٣٧١ ]
قال ابن العربي ﵀: "شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية، وعلى هذا تجري العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا" (١).
وقال الحافظ ﵀: "وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها مختار غير مكره ولا ملجأ" (٢).
وقال ابن هبيرة: "لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه ولسانه على الكذب بترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة" (٣).
المسألة الثالثة: تغليظ الكذب والافتراء على الله
الكذب على الله حرام، سواء في ذلك افتراء الكذب على الله في العقيدة، أو في الأحكام.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية: "فجمع في هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله، وبين من يزعم أنه يوحى إليه، ولا يعين من أوحاه، فإن الذي يدعي الوحي لا يخرج عن هذين القسمين.
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٤٤٢).
(٢) المرجع السابق (١٢/ ٤٤٥).
(٣) المرجع السابق (١٢/ ٤٤٥).
[ ٣٧٢ ]
ويدخل في القسم الثاني من يُري عينيه في المنام ما لا ترياه، ومن يقول: ألقي في قلبي، وألهمت ونحو ذلك إذا كان كاذبًا" (١).
المسألة الرابعة: الكذب في الرؤيا
إذا كان الكذب كبيرة من كبائر الذنوب، حيث توعد الله الذين يفترون الكذب عليه بالوعيد الشديد فإنه يدخل في ذلك الكذب في الرؤيا، لأن الكذب فيها كذب على الله أنه أراه ما لم يره، وقد جاء الوعيد المغلظ في ذلك بأنه أفرى الفِرَى، وأنه يكلف يوم القيامة عقد شعيرة، أو شعيرتين، وأن الكاذب على النبي - ﷺ - في المنام يتبوأ مقعده من النار، وأنه من أعتى الناس على الله ﷿، وقد جاء هذا الوعيد من عدة أحاديث وهي: حديث ابن عباس، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، وحديث علي، وحديث واثلة بن الأسقع، وحديث أبي شريح الخزاعي، وذلك كما يلي:
أولًا: أن الكذب في الرؤيا من أفرى الفرى:
فأخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِن أفرى الفرى أن يُري عينيه ما لم ترَ» وفي لفظ لأحمد: «وأفرى الفرى من أرى عينيه في النوم ما لم تريا» الحديث (٢).
_________________
(١) رسالة لشيخ الإسلام بعنوان قاعدة في القرآن كلام الله، مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى له (١٢/ ٢٥، ٢٦).
(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ١١٨) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٤٥ - باب من كذب في حلمه (٤/ ٣٠٩).
[ ٣٧٣ ]
وأخرجا كذلك من حديث واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أفرى الفرى؛ أن يُدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يُري عينيه في النوم ما لم تريا، أو يقول على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل» وهذا لفظ أحمد.
ولفظ البخاري: «إن من أعظم الفرى» (١).
فقوله - ﷺ -: «من أفرى الفرى» الفرى: جمع فرية، كحلية وهي الكذب والبهت، تقول فرى فلان كذا؛ إذا اختلق (٢).
قال ابن بطال: الفرية الكذبة العظيمة التي يتعجب منها (٣).
وقال ابن الأثير: الفرى جمع فرية، وهي الكذبة، وأفرى أفعل منه، للتفضيل: أي أكذب الكذبات أن يقول: رأيت في النوم كذا وكذا ولم يكن رأى شيئًا؛ لأنه كذب على الله فإنه هو الذي يرسل ملك الرؤيا ليريه المنام (٤).
وقال الطيبي (٥): ونسبة الكذبات إلى الكذب للمبالغة، نحو قولهم ليل أليل (٦).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠٦، ١٠٧) وله روايات أخرى في المسند، وصحيح البخاري كتاب المناقب رقم الحديث (٣٥٠٩) (٣/ ٥٠٦).
(٢) انظر فتح الباري (٦/ ٥٤١).
(٣) المرجع السابق (١٢/ ٤٣٠).
(٤) النهاية في غريب الحديث (٣/ ٤٤٣).
(٥) هو شرف الدين الحسن بن محمد بن عبد الله الطيبي، من علماء الحديث والتفسير، وله عدة مصنفات منها شرح مشكاة المصابيح، قال فيه ابن حجر ﵀ كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، مقبلًا على نشر العلم، حسن المعتقد توفي ﵀ سنة ٧٤٣ هـ انظر ترجمته في شذرات الذهب (٦/ ١٣٧، ١٣٨) والأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٦).
(٦) فتح الباري (١٢/ ٤٣٠).
[ ٣٧٤ ]
وقوله - ﷺ -: «أن يرى» أي يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئًا لم ترياه، ولأحمد والحاكم من وجه آخر عن واثلة: «أن يفترى الرجل على عينيه فيقول: رأيت، ولم ير في المنام شيئًا» (١).
قال الحافظ ابن حجر: ونسبة الرؤيا إلى عينيه مع أنهما لم يريا شيئًا؛ أنه أخبر عنهما بالرؤية وهو كاذب (٢).
وفي هذا الحديث تشديد الوعيد في الكذب في المنام.
ثانيًا: أن الكاذب في رؤياه يكلف أن يعقد بين شعيرتين يوم القيامة:
أخرج البخاري ﵀ في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» (٣).
وأخرجه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ «ومن تحلم عذب يوم القيامة حتى يعقد شعيرتين وليس عاقدًا» الحديث.
وفي رواية أخرى لأحمد: «ومن تحلم كلف يوم القيامة أن يعقد شعيرتين، أو قال بين شعيرتين، وعذب، ولن يعقد بينهما» (٤).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٩٠) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٣٠).
(٣) صحيح البخاري كتاب التعبير ٤٥ - باب من كذب في حلمه (٧٠٤٢) (٤/ ٣٠٩).
(٤) مسند الإمام أحمد (١/ ٢١٦).
[ ٣٧٥ ]
وأخرجه الترمذي أيضًا بلفظ: «منم تحلم كاذبًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما» (١).
وأخرجه ابن ماجة أيضًا بلفظ: «من تحلم حلمًا كاذبًا كلف أن يعقد بين شعيرتين ويعذب على ذلك» (٢).
فقوله - ﷺ -: «من تحلم» أي قال إنه حلم في نومه، ورأى كذا وكذا وهو كاذب.
قال الخطابي: "تحلم معناه تكذب بما لم يره في منامه، يقال حلم الرجل يحلم إذا رأى حلمًا" (٣).
قال ابن الأثير: "تحلم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا" (٤).
وقال الحافظ: قوله: «تحلم» أي من تكلف الحلم (٥).
قال الطبري ﵀: "إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه؛ إذ قد يكون شهادة في قتل، أو حد، أو أخذ مال؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره.
والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ [هود: ١٨] وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله، لحديث «الرؤيا جزء من النبوة» وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى (٦).
_________________
(١) جامع الترمذي، كتاب الرؤيا، باب في الذي يكذب في حلمه (٤/ ٥٣٨).
(٢) سنن ابن ماجة كتاب تعبير الرؤيا ٨ - باب من تحلم حلمًا كاذبًا (٢/ ١٢٨٩).
(٣) معالم السنن (٤/ ١٤٠).
(٤) النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٣٤).
(٥) فتح الباري (١٢/ ٤٢٨).
(٦) فتح الباري (١٢/ ٤٢٨).
[ ٣٧٦ ]
وقال ابن الأثير - ﵀: إن قيل: إن كذب الكاذب في منامه لا يزيد على كذبه في يقظته، فلم زادت عقوبته ووعيده وتكليفه عقد الشعيرتين؟
قيل: قد صح الخبر أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيًا، والكاذب في رؤياه يدعي أن الله تعالى أراه ما لم يره، وأعطاه جزءًا من النبوة لم يعطه إياه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على الخلق، أو على نفسه (١).
وقال ابن أبي جمرة ﵀: "إنما سماه حلمًا، ولم يسمه رؤيا؛ لأنه ادعى أنه رأى ولم ير شيئًا، فكان كاذبًا، والكذب إنما هو من الشيطان، وقد قال - ﷺ -: «الحلم من الشيطان» كما مضى في حديث أبي قتادة (٢) وما كان من الشيطان فهو غير حق، فصدق بعض الحديث بعضًا".
قال: "ومعنى العقد بين الشعيرتين، أن يفتل إحداهما بالأخرى، وهذا مما لا يمكن عادة" (٣).
وقد جاء في بعض روايات الأحاديث بأن يعقد شعيرة.
فأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ومن تحلم عذب حتى يعقد شعيرة، وليس بعاقد» (٤).
وأخرجه أبو داود بلفظ: «من تحلم كلف أن يعقد شعيرة» (٥).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٣٤).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) فتح الباري (١٢/ ٤٢٩).
(٤) مسند الإمام أحمد (١/ ٢٤٦).
(٥) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا (٥٠٢٤) (٢/ ٧٢٤).
[ ٣٧٧ ]
وأخرجه أحمد والترمذي، والدارمي من حديث علي ﵁ يرفعه إليه - ﷺ -: «من كذب في حلمه كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (١).
وفي رواية لأحمد: «من كذب في الرؤيا متعمدًا كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (٢).
وأخرجه الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ص قال: «ومن تحلم كاذبًا دفع إليه شعيرة، وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد» (٣).
ثالثًا: من كذب على النبي - ﷺ - فليتبوأ مقعده من النار:
أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٤).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته لينبه على أن الكذب على النبي - ﷺ - يستوي فيه اليقظة والمنام، والله ﷾ أعلم (٥).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٧٦، ٩٠، ٩١، ١٣١) وجامع الترمذي كتاب الرؤيا، باب في الذي يكذب في حلم (٤/ ٥٢٨) وحسنه وسنن الدارمي كتاب الرؤيا باب النهي عن أن يتحلم الرجل رؤيا لم يراها (٢/ ١٦٨) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٩٢) وقال صحيح الإسناد وحسنه الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٧٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥/ ٣٥٣) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٤٧٣) رقم (٢٣٥٩).
(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ١٠١).
(٣) مسند الإمام أحمد.
(٤) صحيح البخاري كتاب العلم ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - رقم الحديث (١١٠) (١/ ٥٥) وكتاب التعبير ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام، رقم الحديث (٦٩٩٣) (٤/ ٢٩٩).
(٥) فتح الباري (١/ ٢٠٢).
[ ٣٧٨ ]
وفي مسند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «من كذب علي في حلمه كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (١).
وفي المسند أيضًا من زوائد عبد الله بن الإمام أحمد بلفظ: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٢).
وفي رواية له بلفظ: «من كذب في الرؤيا متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٣).
فالذي يدعي كذبًا وزورًا وبهتانًا أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام قد كذب عليه لأن رؤياه - ﷺ - حق لا يتمثل الشيطان به كما مر معنا.
وقد فرق النبي - ﷺ - بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، فأخرج البخاري من حديث المغيرة ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٤).
وأخرج البخاري من حديث واثلة بن الأسقع يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أعظم الفرى أن يُدعَى الرجل إلى غير أبيه، أو يُرِي عينه ما لم تر، أو يقول على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل» (٥).
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٢٠٣).
(٢) المرجع السابق (١/ ١٣٠).
(٣) المرجع السابق (١/ ١٣١) وزوائد المسند (٢/ ١٥٤).
(٤) صحيح البخاري كتاب الجنائز ٣٣ - باب ما يكره من النياحة على الميت، رقم الحديث (١٢٩١) (١/ ٣٩٧).
(٥) صحيح البخاري كتاب المناقب رقم الحديث (٣٥٠٩) (٣/ ٥٠٦).
[ ٣٧٩ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والحكمة في التشديد في الكذب على النبي - ﷺ - واضحة، فإنه يخبر عن الله فمن كذب عليه كذب على الله ﷿، وقد اشتد النكير على من كذب على الله تعالى في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧] فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر.
ثم قال ﵀: وأما المنام فإنه لما كان جزءًا من الوحي كان المخبر عنه بما لم يقع كالمخبر عن الله بما لم يلقه إليه، أو لأن الله يرسل ملك الرؤيا فيري النائم ما شاء، فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذبًا على الله وعلى الملك، كما أن الذي يكذب على النبي - ﷺ - ينسب إليه شرعًا ما لم يقله، والشرع غالبًا تلقاه النبي - ﷺ - على لسان الملك، فيكون الكاذب في ذلك كاذبًا على الله، وعلى الملك (١).
وأخرج البخاري من حديث علي ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار» (٢).
فقوله: «لا تكذبوا علي» عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب (٣).
وقوله: «فليتبوأ» أي فليتخذ لنفسه منزلا يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنًا وهو أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد أو بمعنى التهكم، أو دعاء
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٥٤١).
(٢) صحيح البخاري كتاب العلم ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - رقم الحديث (١٠٦) (١/ ٥٥).
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ١٩٩).
[ ٣٨٠ ]
على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك (١).
قال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه (٢).
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح كما قال الحافظ، عن ابن عمر بلفظ «بني له بيتًا في النار» (٣).
قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء (٤).
وأخرج البخاري من حديث أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار» (٥).
قال الحافظ ابن حجر: قوله: (كذبًا) هو نكرة في سياق الشرط فيعم جميع أنواع الكذب (٦).
فالحاصل أن من كذب على النبي - ﷺ - في المنام فهو داخل في الوعيد المذكور.
_________________
(١) انظر: غريب الحديث (٢/ ٢٥٠) والنهاية في غريب الحديث (١/ ١٥٩) وفتح الباري (١/ ٢٠١).
(٢) فتح الباري (١/ ٢٠١).
(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) فتح الباري (١/ ٢٠١).
(٥) صحيح البخاري كتاب العلم ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي ص (١٠٨) (١/ ٥٥).
(٦) فتح الباري: (١/ ٢٠١).
[ ٣٨١ ]
رابعًا: أن الكاذب في رؤياه من أعتى (١) الناس على الله:
لما أخرجه الإمام أحمد، والطبراني من حديث أبي شريح الخزاعي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن من أعتى الناس على الله ﷿ من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية من أهل الإسلام أو بصر عينيه في المنام ما لم تبصر» (٢).
_________________
(١) قال ابن منظور في لسان العرب (١٥/ ٢٧) عتا عتوًا وعتيًا: استكبر وجاوز الحد.
(٢) مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢) والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ١٩١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٧) ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣٨٢ ]
الفصل الثاني
أحكام تعبير الرؤى
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
تمهيد: حقيقة علم التعبير.
المبحث الأول: أقسام تأويل الرؤى وقواعده.
المبحث الثاني: هل الرؤى إذا عبرت وقعت؟
المبحث الثالث: أمثلة من تأويل الرؤى في السنة.
[ ٣٨٣ ]
تمهيد
حقيقة علم التعبير
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا.
المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير.
المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا؟
المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم.
* * *
المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا
لغة: قال الراغب الأصفهاني: أصل العبر تجاوز من حال إلى حال، فأما العبور فيختص بتجاوز الماء إما بسباحة أو في سفينة أو على بعير أو قنطرة، ومنه عبر النهر لجانبه حيث يعبر إليه أو منه.
وأما العبارة فهي مختصة بالكلام العابر الهواء من لسان المتكلم إلى سمع السامع.
والاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
والتعبير مختص بتعبير الرؤيا، وهو العابر من ظاهرها إلى باطنها، نحو ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وهو أخص من التأويل فإن التأويل يقال فيه وفي غيره (١).
_________________
(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن (٣٣١).
[ ٣٨٥ ]
وقال ابن منظور: عبر الرؤيا وهو يعبرها عبرا وعبارة وعبرها، فسرها، وأخبر بما يؤول إليه أمرها، واستعبره إياها: سأله تعبيرها.
والعابر: الذي ينظر في الكتاب فيعبره أي يعتبر بعضه ببعض حتى يقع فهمه عليه، وكذلك قيل: عبر الرؤيا واعتبر فلان كذا، وقيل أخذ هذا كله من العبر، وهو جانب النهر، يقال: فلان في ذلك العبر أي في ذلك الجانب، وعبرت النهر والطريق أعبره عبرا وعبورا إذا قطعته من هذا العبر إلى ذلك العبر، فقيل لعابر الرؤيا عابر، لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا فيتفكر في أطرافها، ويتدبر كل شيء منها ويمضي بفكره فيها من أول ما رأى النائم إلى آخر ما رأى (١).
اصطلاحًا: التعبير هو التفسير والإخبار بما يئول إليه أمر الرؤيا (٢).
المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير
يظن بعض الناس أن تعبير الرؤيا رجم بالغيب وأنه لا حقيقة له، وهذا خطأ.
فمما لا شك فيه أن علم تعبير الرؤيا علم صحيح دل على صحته كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، والواقع المحسوس يشهد بذلك.
فمن كتاب الله قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢٧].
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور (٤/ ٥٢٩، ٥٣٠).
(٢) انظر: شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٤/ ٩٤) وإرشاد الساري (١٠/ ١١٨).
[ ٣٨٦ ]
وقوله ﷿: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧].
وقوله ﷿: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١].
والمراد بتأويل الأحاديث هو تعبير الرؤيا، وقد سماه الله علمًا.
قال ابن عبد البر ﵀: وقد أثنى الله ﷿، على يوسف بن يعقوب صلى الله عليهما، وعدد عليه فيما عدد من النعم التي آتاه، التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وكان يوسف ﵇ أعلم الناس بتأويلها (١).
وكذلك دلت السنة على صحة هذا العلم، والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصي.
المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا؟
قال ابن بطال ﵀ في حديث ابن عمر ﵄ في قصة رؤياه (٢): "وفيه أن أصل التعبير من قبل الأنبياء ولذلك تمنى ابن عمر أن يرى رؤيا فيعبرها له
_________________
(١) التمهيد (١/ ٣١٣، ٣١٤) وانظر أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية بما ذكرت في تفسير الطبري (١٢/ ٩٢، ١٠٥) وتفسير البغوي (٢/ ٤١٠، ٤١٧، ٤٥١) وتفسير ابن كثير (٢/ ٤٦٩، ٤٧٣) وتفسير القرطبي (٩/ ١٢٩).
(٢) سبق تخريجه، وفيه كنت أتمنى أن أرى رؤيا.
[ ٣٨٧ ]
الشارع ليكون ذلك عنده أصلا. قال: وقد صرح الأشعري، بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم".
قال ابن بطال، وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك وإن كان أصلا فلا يعم جميع المرائي فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه (١).
المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها قصة يوسف العظيمة التي قال الله في أولها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] وقال في آخرها ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
قال ﵀: "ومنها أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا، فإن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده.
ومنها: فضيلة العلم، علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا.
ومنها: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، لقوله للفتيين ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٤١٩).
[ ٣٨٨ ]
تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم (١).
ولهذا كان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يسأل أصحابه عن الرؤيا، فيقص عليهم ما شاء الله أن يقص.
كما ثبت في الصحيحين من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص (٢).
قال النووي ﵀ في ذكر فوائد هذا الحديث: "وفيه استحباب السؤال عن الرؤيا" (٣).
وقال ابن حجر ﵀ في ذكر فوائد هذا الحديث أيضًا: "وفيه الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح" (٤).
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له» (٥).
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٤/ ٦٦ - ٧٧).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم (١٥/ ٣٥).
(٤) فتح الباري (١٢/ ٤٤٦) وانظر كذلك (١٢/ ٤٣٧).
(٥) سبق تخريجه.
[ ٣٨٩ ]
قال القاضي عياض ﵀: قوله: كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا» معنى هذا اللفظ عندهم كثيرًا ما كان يفعل كذا كأنه قال من شأنه (١).
وقال النووي ﵀: وفي هذا الحديث الحث على علم الرؤيا، والسؤال عنها، وتأويلها قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه - ﷺ - يعلمهم تأويلها، وفضلها، واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الأخبار بالغيب (٢).
وأخرج الإمام مالك في الموطأ، ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا انصرف من صلاة الغداة، يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟» ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (٣).
قال ابن عبد البر ﵀: "وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا، وفضلها؛ لأنه - ﷺ - إنما كان يسأل عنها، لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويلها" (٤).
ولهذا لا تجد مصنفًا من المصنفات الحديثة إلا ويفرد مؤلفه بابًا للرؤيا وتعبيرها، ويذكر فيه الأحاديث والآثار، وقد سبق بحمد الله الإشارة إلى شيء من ذلك في التمهيد.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٣٠).
(٢) المرجع السابق (١٥/ ٣٠، ٣١).
(٣) سبق تخريجه (٢٥).
(٤) التمهيد (١/ ٣١٣).
[ ٣٩٠ ]
ولقد وضح ابن القيم ﵀ مكانة هذا العلم في كتابه التبيان في أقسام القرآن (١).
وكذلك في كتابه زاد المعاد عندما ذكر شيئًا عن حال شيخه الشهاب العابر (٢) ورسوخه في علم التعبير.
ثم قال: وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعت عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه، لصغر السن، واخترام المنية له ﵀ (٣).
فالحاصل من خلال عرض تلك الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة الصالح، يتبين أن علم التعبير علم معتبر شرعًا، بحسب الضوابط الشرعية التي ذكرتها وسوف أذكر بعضها إن شاء الله.
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن ص (٢١٠، ٢١١).
(٢) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سرور المقدسي (٦٢٨ - ٦٩٧هـ) تفقه في المذهب الحنبلي. قال عنه الذهبي: فقيه، إمام، عالم، لا يدرك شأوه في علم التعبير، وله مصنف كبير في هذا العلم سماه البدر المنير. وقال عنه ابن كثير ﵀: سمع الكثير، وروى الحديث، وكان عجبًا في المنامات، وله فيه اليد الطولى، وله تصنيف فيه ليس كالذي يؤثر عنه من الغرائب والعجائب. انظر ترجمته في البداية والنهاية (١٣/ ٣٧٤) وشذرات الذهب (٥/ ٤٣٧) وكتاب البدر المنير في علم التعبير، توجد منه نسخة مصورة في مخطوطات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(٣) زاد المعاد (٣/ ٦١٥، ٦١٦).
[ ٣٩١ ]
المبحث الأول
أقسام تأويل الرؤى وقواعده
وفيه أربعة مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التأويل لغة واصطلاحًا
التأويل في اللغة: هو التفعيل من أوَّل يؤوِّل تأويلًا، مثل حوَّل تحويلًا وعول تعويلًا وثلاثية آل يئول أي رجع وعاد وأول الكلام وتأويله: دبره وقدره.
وأوله وتأوله: فسره، والتأويل: عبارة الرؤيا (١).
التأويل اصطلاحًا: هو تفسير الرؤيا.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أن التأويل عند السلف له معنيان:
أحدهما: بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير ﵀: واختلف علماء التأويل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦، ٣٧] أي تفسيره وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥].
الثاني: من معاني التأويل يطلق ويراد به الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
_________________
(١) لسان العرب (١١/ ٣٤).
[ ٣٩٢ ]
فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تؤول إليه (١).
فالحاصل أن تأويل الرؤيا يشمل تفسيرها الذي نسميه عبارة الرؤيا، ويشمل الحقيقة التي يؤول إليها الرؤيا، فالتعبير أخص من التأويل (٢).
فالتأويل كما في قوله ﷿: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ وكقوله ﷿: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾.
والتعبير كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وأغلب الأحاديث في الرؤيا أن يقول - ﷺ -: «فأولت ذلك بكذا».
المسألة الثانية: الأصل في التعبير
الرؤيا التي يجوز تعبيرها هي الرؤيا الصحيحة التي جاء وصفها في حديث أبي هريرة ﵁ بأنها رؤيا حق، وجاء وصفها في حديث أبي قتادة ﵁ بأنها الرؤيا الصالحة، وأنها من الله، وهذه الرؤيا نوعان:
أحدهما: ما هو ظاهر لا يحتاج إلى تأويل.
والثاني: ما هو من ضرب الأمثال للنائم، وهذا النوع هو الأكثر والغالب على الرؤيا وهو الذي يحتاج فيه إلى التأويل.
والأصل في رؤيا المنام أنها لا تحمل دائمًا على ظاهرها، بل تحتاج إلى تعبير، لكن قد يقع بعضها مطابقًا لا يحتاج إلى تعبير.
_________________
(١) انظر: التدمرية ص (٩١ - ٩٣) والدليل في المتشابه والتأويل، ص (٢٨، ٢٩) الطبعة الثانية السلفية.
(٢) انظر معجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (٣٣٢) دار الفكر.
[ ٣٩٣ ]
فمن أمثلة الرؤيا التي تقع على ظاهرها رؤيا إبراهيم ﵇.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].
ومن ذلك رؤيا النبي - ﷺ - لعائشة في المنام، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أُريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من الحرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشفها فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه» (١).
ومن ذلك رؤيا عبد الله بن عمر ﵄ (٢) ورؤيا الصحابة ليلة القدر (٣).
قال ابن بطال في حديث عبد الله بن عمر: "في هذا الحديث أن بعض الرؤيا لا يحتاج إلى تعبير، وعلى أن ما فسر في النوم فهو تفسيره في اليقظة لأن النبي - ﷺ - لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك".
قال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام ابن بطال: "يشير إلى قوله - ﷺ - في آخر الحديث «إن عبد الله رجل صالح» وقول الملك قبل ذلك «نعم الرجل أنت لو كنت تكثر من الصلاة» ووقع في الباب الذي بعده أن الملك قال له: «لم تُرع إنك رجل صالح» وفي آخره قال النبي - ﷺ -: «إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل» " (٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) فتح الباري (١٢/ ٤١٩).
[ ٣٩٤ ]
أما النوع الثاني: فهو الذي تحمل عليه الرؤيا دائمًا ويحتاج إلى تعبير.
ومن ذلك رؤيا يوسف ﵇ الكواكب والشمس والقمر له ساجدين، فكان تأويلها سجود إخوته وأبويه له.
وهذا النوع هو الذي يتكلم العلماء في تأويله، ووضعوا له بعض القواعد التي يمكن بها معرفة تأويل الرؤيا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وعبارة الرؤيا هو العبور من الشيء إلى مثاله ونظيره، وهو حقيقة المقايسة والاعتبار، فإن إدراك الشيء بالقياس والاعتبار الذي ألفه الإنسان واعتاده أيسر من إدراك شيء على البديهة من غير مثال معروف.
ثم المرئي في هذا الوجه، هو موجود في قلب الإنسان ونفسه، وإن كان مثلًا للحقيقة وواسطة لها" (١).
وقال ﵀ في موضع آخر: "ذكرت في مواضع شيئًا من الصدق والعدل وموقعهما من الكتاب والسنة، ومصالح الدنيا والآخرة فإذا عرف أن مادة العدل والتسوية، والتمثيل، والقياس، والاعتبار والتشريك والتشبيه، والتنظير من جنس واحد فيستدل بهذه الأسماء على القياس الصحيح العقلي والشرعي، ويؤخذ من ذلك تعبير الرؤيا، فإن مداره على القياس والاعتبار والمشابهة التي بين الرؤيا وتأويلها" (٢).
_________________
(١) قاعدة في المعجزات والكرامات مطبوع ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦٣٨).
(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٢٠/ ٨٢).
[ ٣٩٥ ]
ويؤكد ذلك ابن القيم ﵀ حيث قال: "قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرًا وشرعًا ويقظة ومنامًا، ودل عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من شيء إلى نظيره واستدلالهم بالنظير على نظيره؛ بل هذا أهَّل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي، فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس" (١).
ويقرر هذا الأصل الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ حيث قال في عبارة الرؤيا: "إنَّ أغلب ما تبنى عليه، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة" (٢).
فالحاصل من كلام هؤلاء العلماء الأئمة، أن تعبير الرؤيا يعتمد على القياس والاعتبار والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا التي تمثل جانب المعقول وبين تأويلها الذي يمثل جانب المحسوس.
وسوف تأتي الأمثلة، إن شاء الله، لتوضيح وجه المناسبة والمشابهة بين الاسم والصفة.
والذي يستقرئ الرؤى الواردة في الكتاب والسنة يجدها تؤيد هذا الأصل، وقد ذكر ابن بطال ﵀ أن الوارد عن الأنبياء، وإن كان أصلًا فلا يعم جميع المرائي، فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلًا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه (٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٢٩٠) وانظر: ص (١٩٥).
(٢) تفسير السعدي (٤٥/ ٦٦).
(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤١٩).
[ ٣٩٦ ]
المسألة الثالثة: أقسام تأويل الرؤيا
يقول الإمام البغوي ﵀ في كتابه شرح السنة: "واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من جهة الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب" (١).
وإليك تفصيل ذلك:
(أ) التأويل بدلالة القرآن:
يقول ابن القيم ﵀: وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تُعبَّر بالنجاة، لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] والخشب يعبر بالمنافقين، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤].
والحجارة تعبر بقساوة القلوب، لقوله جل ذكره: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٣٤].
والبيض يعبر بالنساء، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] (٢).
_________________
(١) شرح السنة (١٢/ ٢٢٠).
(٢) وانظر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ١٩١).
[ ٣٩٧ ]
وكذلك اللباس يعبر بالنساء لقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١).
(ب) التأويل بدلالة الحديث:
قال البغوي ﵀: "وأما التأويل بدلالة الحديث كالغراب يعبر الرجل الفاسق؛ لأن النبي - ﷺ - سماه فاسقًا" (٢).
والفأرة تعبر بالمرأة الفاسقة؛ لأن النبي - ﷺ - سماها فويسقة (٣).
والضلع يعبر بالمرأة، لقول النبي - ﷺ -: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» (٤).
والقوارير تعبر بالنساء لقوله - ﷺ -: «يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير» (٥).
(ج) التأويل بالأمثال السائرة بين الناس:
قال البغوي ﵀: ويعبر طول اليد بصنائع المعروف، لقولهم:
فلان أطول يدا من فلان (٦).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٩٣، ١٩٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٠٩، ٢٣٨) وابن ماجة في سننه (٢/ ١٠٨٢) وغيرها من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ص قال: «الحية فاسقة والعقرب فاسقة، والفأرة فاسقة، والغراب فاسق» وهو حديث صحيح، صححه الألباني في إرواء الغليل (٤/ ٢٢١) رقم (١٠٣٦) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٠) رقم (١٨٢٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق (٦/ ٣٥٥) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٣/ ٣٨٨) من حديث جابر
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء (٦/ ٣٦٣) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٥/ ٨) والدارمي في سننه (٢/ ١٤٨) وابن ماجة في سننه (١/ ٥٢٥) من حديث سمرة بن جندب.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (١٠/ ٥٣٨) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٣/ ١٠٧، ١١٧) من حديث أنس.
(٦) شرح السنة (١٢/ ٢٢٢) وانظر أمثلة كثيرة فيه.
[ ٣٩٨ ]
ومن ذلك قول النبي - ﷺ - لنسائه: «أسرعكن لحاقًا بي، أطولكن يدًا» قالت عائشة فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، قالت: فكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كانت تعمل وتتصدق (١).
قال النووي ﵀: "إنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقة وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدا في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد بطول اليد في الصدقة والجود، قال أهل اللغة يقال فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحًا جوادًا وضده قصير اليد والباع" (٢).
(د) التأويل بالأسامي:
قال البغوي ﵀: "والتأويل بالأسامي، كمن رأى رجلا يسمى راشدًا يعبر بالرشد، وإن كان يسمى سالمًا يعبر بالسلامة" (٣).
ثم ساق بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أرأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب (٤) فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب» (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ٢٨٦) مع شرح الفتن، ومسلم (٤/ ١٩٠٧) رقم (٢٤٥٢) من حديث عائشة.
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم (١٦/ ٨).
(٣) شرح السنة (١٢/ ٢٢٢).
(٤) قال النووي في شرح مسلم (١٥/ ٣١) "هو نوع من الرطب معروف، يقال له رطب ابن طاب، وتمر ابن طاب، وعذب ابن طاب، وعرجون ابن طاب، وهي مضاف إلى ابن طاب رجل من أهل المدينة".
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٢١٣، ٢٨٦) ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٧٩) رقم (٢٢٧٠) تحقيق: محمد فؤاد.
[ ٣٩٩ ]
ومن أمثلة ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده والبخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة (١) فأولت أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهي الجحفة» (٢).
قال المهلب: «هذه الرؤيا من قسم الرؤيا المعبرة وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة» (٣).
(هـ) تأويل بدلالة المعاني:
وهذا الأغلب في تأويل الرؤيا، كما يقول السعدي ﵀ في تفسير سورة يوسف: وإن أغلب ما تبنى عليه، أي الرؤيا، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة. فإن رؤيا يوسف، التي رأى فيها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين، وجه المناسبة فيها أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها وبها منافعها.
فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة الأرض وجمالها، وبهم يهتدى في الظلمات، كما يهتدى بهذه الأنوار.
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٢٥) «مهيعة بفتح الميم وسكون الهاء بعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ثم عين مهملة، وقيل بوزن عظيمة».
(٢) المسند (٢/ ١٠٧، ١١٧) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٤١ - باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة وأسكنه موضعًا آخر ٤٢ - باب المرأة السوداء، ٤٣ - باب الثائرة الرأس، الأحاديث (٧٠٣٨ - ٧٠٤) (٤/ ٣٠٨).
(٣) فتح الباري (١٢/ ٤٢٦).
[ ٤٠٠ ]
ولأن الأصل أبوه وأمه وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجرمًا لما هو فرع عنه فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.
ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات فكانت لأبيه وإخوته.
ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود معظم محترم فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظمًا ومحترمًا، عند أبويه وإخوته ومن لازم ذلك، أن يكون مجتبى مفضلًا في العلم والفضائل الموجبة لذلك. ولذلك قال أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].
ومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أن الرؤيا الأولى، التي رأى صاحبها أنه يعصر خمرًا، أن الذي يعصر خمرًا في العادة، يكون خادمًا لغيره، والعصر يقصد لغيره، فكذلك أوله بما يئول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من السجن.
وأول رؤيا الآخر: أي أنه يحمل فوق رأسه خبزًا، تأكل الطير منه، بأن جلدة رأسه ولحمه وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي يحمل، وأنه سيبرز للطير بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل.
وأول رؤيا الملك للبقرات والسنبلات بالسنين المخصبة والسنين المجدبة، ووجه المناسبة أن الملك به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.
[ ٤٠١ ]
وكذلك السنون، بها صلاح أحوال الرعية، واستقامة أمر المعاش أو عدمه.
وأما البقر، فإنها تحرث الأرض عليها، ويستقى عليها الماء، وإذا أخصبت السنة سمنت وإذا أجدبت صارت عجافًا.
وكذلك السنابل في الخصب، تكثر وتخضر، وفي الجدب تقل وتيبس، وهي أفضل أغلال الأرض (١).
المسألة الرابعة: من كليات التعبير
ما ذكرته سابقًا من أقسام تأويل الرؤيا إنما هو مبني على القياس والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا وتأويلها، وهذا الأمر وإن كان غالبًا فإنه لا يقطع به بالنسبة لغير الأنبياء؛ إلا أن يظهر في اليقظة صدقها.
يقول علي القاري: "والحاصل أن الرؤيا مختلفة باختلاف الرائي فإنه قد يكون سالكًا مسالك طريق الدنيا وقد يكون سائرًا في مسائر صراط العقبى".
فكل تأويل يليق به ويناسب بحاله ومقامه وهذا أمر غير منضبط ولذا لم يجعل السلف فيه تأليفًا مستقلًا جامعًا شاملًا كافلًا لأنواع الرؤيا وإنما تكلموا فيما وقع لهم من القضايا (٢).
وعندما ذكر البغوي ﵀: تأويل أبي بكر ﵁ للرؤيا بين يدي رسول الله - ﷺ - قال: "تأويل جملة هذه الرؤيا
على ما عبره أبو بكر الصديق ﵁ وهذه الرؤيا تشتمل
على أشياء، إذا انفرد كل واحد منها عن صاحبه انصرف تأويله
_________________
(١) تفسير السعدي (٤/ ٣٤، ٦٦ - ٨٦).
(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٤٣).
[ ٤٠٢ ]
إلى وجه آخر، فإن تعبير الرؤيا يتغير بالزيادة والنقصان" (١).
وساق الأمثلة على ذلك.
ثم قال البغوي ﵀: "وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر" (٢).
وقوله: (مكروه) لما ثبت عن الحسن ﵁ قال: وكان يكره الغل في النوم (٣).
قال المهلب: "الغل يعبر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] الآية" (٤).
قال الحافظ: "وقد يكون الغل في بعض المرائي محمودًا كما وقع لأبي بكر الصديق، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال: مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جمع لي ديني إلى يوم المحشر".
ولذا يقول البخاري: لا تكون الأغلال إلا في الأعناق.
قال الحافظ: «"كأنه يشير – يعني البخاري ﵀- إلى الرد على من قال: قد يكون الغل في غير العنق كاليد والرجل" (٥).
_________________
(١) شرح السنة (١٢/ ٢١٩).
(٢) المرجع السابق (١٢/ ٢٢٤).
(٣) صحيح البخاري كتاب التعبير باب القيد في المنام فتح الباري (١٢/ ٤٠٤).
(٤) فتح الباري (١٢/ ٤٠٨).
(٥) المرجع السابق (١٢/ ٤٠٩).
[ ٤٠٣ ]
وقد ذكر ابن القيم ﵀ جملة من كليات التعبير، منها: "أن كل سقوط وخرور من علو إلى سفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يتجاوز العادة وكان ممن يليق به، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة .. " (١).
وبعد ذكر هذه القواعد ليعلم أن ما ذكر في هذا المبحث من تأويل الرؤيا ليس هو من التوقيف الذي يقطع به في تأويل الرؤيا، وإنما ذلك من باب التقريب الذي قد يكون التأويل فيه صوابًا وقد يكون غير صواب (٢).
ولهذا كان ابن سيرين ﵀ يسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: "اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم"، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: "إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب" (٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٩٢، ١٩٣).
(٢) انظر: كتاب الرؤيا للشيخ حمود التويجري ﵀ (١٦٨).
(٣) التمهيد لابن عبد البر، نقلًا عن كتاب الرؤيا للشيخ حمود التويجري (١٦٩) وانظر: الجزء الأول من قول الحسن ﵀ في شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢٠٨).
[ ٤٠٤ ]
المبحث الثاني
هل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟
اختلف العلماء﵏- في الرؤيا هل لها حقيقة مستقرة بنفسها، أو هي تابعة للتعبير، كيفما عبرت؟
قال ابن العربي ﵀: "وهذا فصل تكلم الناس فيه، فما أنسوا به لتوحشه" (١).
وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى ثلاثة أقوال على جهة التفصيل (٢).
القول الأول: أن الرؤيا إذا عبرت وقعت؛ بمعنى أنها تقع كما عبرها العابر وتلزم، واستدل أصحاب هذا القول بالأحاديث التالية.
(١) ما أخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالمًا» (٣).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في مرسل أبي قلابة (٤).
_________________
(١) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٣).
(٢) انظر هذه الأقوال في فيض الباري شرح صحيح البخاري (٤/ ٤٩٠).
(٣) المستدرك (٤/ ٣٩١) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني بشواهده، في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٢١) (١/ ١٨٦).
(٤) انظر: المصنف رقم (٢٠٣٥٤) (١١/ ٢١٣).
[ ٤٠٥ ]
(٢) وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكر حديثًا فيه: «والرؤيا لأول عابر» (١).
(٣) وأخرج الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي رزين العقلي أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا المسلم جزء من أربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٢).
وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر (٣) عليه فإذا عبرت وقعت» قال وأحسبه قال: قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ، أو ذي رأي» (٤).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٩) وسنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٨) وهو حديث ضعيف لأن فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف، لكن له شاهد من الحديث الذي بعده، كما قاله الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٣٢).
(٢) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠، ١٢، ١٣) وجامع الترمذي، كتاب الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا، رقم الحديث (٢٢٧٨) (٤/ ٥٣٦) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٩٠) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).
(٣) (ما لم تُعبَّر) بالبناء على المجهول، وتشديد الباء في أكثر الروايات أي ما لم تفسر وفي لفظ لابن ماجة (٢/ ١٢٨٨) ما لم تُعبَر.
(٤) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠) وسنن أبي داود كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا، الحديث رقم (٥٠٢٠) (٢/ ٧٢٣) وسنن ابن ماجة، في كتاب تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت فلا يقصها إلا على واد، رقم (٣٩١٤) (٢/ ١٢٨٨) وجامع الترمذي (٢٢٧٣) وقال: حديث حسن صحيح.
[ ٤٠٦ ]
وفي لفظ لأحمد قال: «على رجل طائر ما لم يخبر بها، فإذا أخبر بها وقعت» (١).
(٤) وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عطاء: كان يقال الرؤيا على ما أولت (٢).
(٥) أخرج الدارمي في سننه، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله - ﷺ - فتقول: إن زوجها خرج تاجرًا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلامًا أعور، فقال رسول الله - ﷺ -: «خير، يرجع زوجك، إن شاء الله تعالى، صالحًا، وتلدين غلامًا برًا» فكانت تراها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تأتي رسول الله - ﷺ - فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها
وتلد غلامًا فجاءت يومًا كما كانت تأتيه ورسول الله - ﷺ - غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله - ﷺ - يا أمة الله؟ فقالت:
رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله - ﷺ - فأسأله عنها، فيقول: خيرًا فيكون كما قال: فقلت: فأخبريني ما هي؟ قال: حتى يأتي رسول الله - ﷺ - فأعرضها عليه كما كنت أعرض، فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت: والله لئن
صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلامًا فاجرًا فقعدت تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟ فأخبره الخبر وما أولت لها، فقال رسول الله - ﷺ -: «مه يا
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ١١).
(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر.
[ ٤٠٧ ]
عائشة إذا عبرتم المسلم الرؤيا، فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدت غلامًا فاجرًا» (١).
قالوا: هذه الأحاديث صريحة في أن الرؤيا تقع على مثل ما تفسر به، وعليه أن يقال أن الله إذا قدر أن تقع الرؤيا فإنه سبحانه يقدر للعابر أن يفسرها على وفق ما ستقع، ومن ثم أرشدنا النبي - ﷺ - ألا نقص الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح.
وقد أشار ابن كثير ﵀ إلى هذا القول، في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] حيث قال: "أعلمهما – يعني أن يوسف أعلم الفتيين- أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" (٢).
قوله - ﷺ - في حديث أبي رزين: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فمعناه كما قال الخطابي ﵀: "هذا مثل معناه لا تستقر قرارها ما لم تعبر" (٣).
وقال ابن الأثير في النهاية: أي أنها على رجل قدر جار، وقضاء ماض من خير أو شر، وأن ذلك هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم: اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو
_________________
(١) سنن الدارمي كتاب الرؤيا رقم الحديث (٢١٦٣) (٢/ ١٧٤) وحسنه الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٣٢).
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٧٩).
(٣) معالم السنة (٤/ ١٤٠).
[ ٤٠٨ ]
شيء يجري لك فهو طائر، والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول، فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت ووقعت حيث عبرت، كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة (١).
وقوله - ﷺ -: «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم المؤمن أو الرائي لها.
وقوله: «بها» أي بتلك الرؤيا أو تعبيرها.
وقوله: «فإذا حدث بها وقعت» أي تلك الرؤيا على الرائي يعني يلحق الرائي أو المرئي له حكمها.
وقوله - ﷺ - في الرواية الأخرى: «فإذا عبرت وقعت» فهذه الرواية تدل على أن المراد بقوله «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم بتعبيرها (٢).
قال الطيبي: "التركيب من باب التشبيه التمثيلي، شبه الرؤيا بالطائر السريع طيرانه، وقد علق على رجله شيء يسقط بأدنى حركة فينبغي أن يتوهم للمشبه حالات متعددة مناسبة لهذه الحالات، وهي أن الرؤيا مستقرة على ما يسوقه التقدير إليه من التعبير، فإذا كانت في حكم الواقع قدر من يتكلم بتأويلها على ما قدر فيقع سريعًا، وإن لم يكن في حكمه، لم يقدر لها من يعبرها" (٣).
القول الثاني: قالوا إن للرؤيا حقيقة ثابتة مستقرة بنفسها وليست تابعة للتعبير.
واستدلوا بقوله تعالى في قصة الملك: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٠٤) وانظر: جامع الأصول (٢/ ٥٢٣).
(٢) انظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٥٥٩).
(٣) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٤٩).
[ ٤٠٩ ]
قال القرطبي ﵀ في تفسيره: "في الآية دليل على بطلان قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر؛ لأن القوم قالوا: أضغاث أحلام، ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب، فكان كما عبر، وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت" (١).
واستدلوا بقوله - ﷺ - لأبي بكر عندما فسر الرؤيا: «أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا» (٢).
ووجه الدلالة: أن الرؤيا حقيقة لم يدرك بعضها أبو بكر، وأخطأ فيها، ثم بتعبيره لها لم تتغير حقيقتها (٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٠١).
(٢) أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التعبير ٤٧ - باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، رقم الحديث (٧٠٤٦) (٤/ ٣٠٩) ومسلم في صحيحه في كتاب الرؤيا ٣ - باب في تأويل الرؤيا، رقم الحديث (٢٢٦٩) (٤/ ١٧٧٧) من حديث ابن عباس ﵁ أن رجلا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: إني رأيت الليلة في المنام أن ظلة تنظف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل له فعلا فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني أعبرها فقال له - ﷺ -: «اعبرها». قال: أما الظلة، فالإسلام وأما الذي ينظف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنظف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به، فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم أخطأت؟ قال النبي - ﷺ -: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي اخطأت قال: «لا تقسم».
(٣) انظر: فتح الباري (٤/ ٤٩٤).
[ ٤١٠ ]
قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث أن الرؤيا ليست لأول عابر كما تقدم تقريره، لكن قال إبراهيم بن عبد الله الكرماني: المعبر لا يغير الرؤيا عن وجهها عبارة عابر ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يغير ما كانت نسخته من أم الكتاب؟ غير أنه يستحب لمن يتدرب في علم التأويل ألاَّ يتعرض لما سبق إليه ممن لا يشك في أمانته ودينه".
قال الحافظ تعليقًا على قول الكرماني: "وهذا مبني على تسليم أن المرائي تنسخ من أم الكتاب على وفق ما يعبرها العارف، وما المانع أنها تنسخ على وفق ما يعبرها أول عابر" (١).
وأجابوا عن حديث «إذا عبرت وقعت» بأن وقوعها بعد التعبير عبارة عن زوال التردد للرائي، فإنه لا تزال نفسه تتردد في تعبيره، فإذا عبر وقع تعبيره عنده، وليس فيه أن الواقع أيضًا يتبع تعبيره، وإنما المضرة في تعبير الرؤيا المشوهة هو التحزين لا غير (٢).
القول الثالث: قال جمهور العلماء في هذه المسألة تفصيل:
فجمعوا بين أدلة أصحاب القولين السابقين، وقالوا بينها عموم وخصوص فقوله - ﷺ -: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فهذا الوقوع مخصوص بما إذا أصاب حقيقة الرؤيا، ودل على هذا الخصوص قوله - ﷺ - لأبي بكر: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا».
ولهذا المعنى أشار البخاري ﵀ حيث قال في كتاب التعبير باب: من لم ير الرؤيا لأول عابر، إذا لم يصب (٣)، ثم ساق حديث ابن عباس السابق في قصة تعبير أبي بكر للرؤيا، بين يدي الرسول - ﷺ -.
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٤٣٧).
(٢) انظر: فتح الباري (٤/ ٤٩٤) ولسان العرب (٤/ ٥٣٠).
(٣) صحيح البخاري (٤/ ٣٠٩).
[ ٤١١ ]
قال الكرماني: "قوله –يعني البخاري- العابر الأول، قيل ذلك إذا كان مصيبًا في وجه العبارة، أما إذا لم يصب فلا، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب، فمعنى الترجمة، باب من لم يعتقد أن تفسير الرؤيا هو للعابر الأول إذا كان مخطئًا ولهذا قال النبي - ﷺ - للصديق «أخطأت بعضًا» " (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "أشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان المعبر مصيبًا في تعبيره، وأخذه من قوله - ﷺ - لأبي بكر في حديث الباب «أصب بعضًا وأخطأت بعضًا» فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بينه له لكان الذي بينه له هو التعبير الصحيح، ولا عبرة بالتعبير الأول" (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "وهي لأول عابر يحسن عبارتها" (٣).
وقال الطيبي في قوله - ﷺ -: «فإن الرؤيا على رجل طائر» معناه أنها إذا كانت محتملة وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على وفق تلك الصفة (٤).
وقال أبو عبيد (٥): "معنى قوله: «الرؤيا لأول عابر» إذا كان العابر الأول عالمًا فعبر فأصاب وجه التعبير وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا
_________________
(١) شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٤/ ١٣٦).
(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).
(٣) جامع الأصول (٢/ ٥٢٣).
(٤) المرجع السابق (٢/ ٥٢٢).
(٥) أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله الهروي (١٥٧ - ٢٢٤هـ) كان أبوه سلامًا مملوكًا روميًا لرجل هروي، وأبو عبيد من شيوخ الإمام أحمد، وأحد أئمة الاجتهاد، ومن أحسن تصانيفه كتاب غريب الحديث، قال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد: "عرضت كتاب غريب الحديث لأبي عبيد علي أبي، فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرًا". انظر: ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠ - ٥٠٩) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٠٤) والعقد الثمين (٧/ ٢٣ - ٢٥) وتاريخ بغداد (١٢/ ٤٠٧).
[ ٤١٢ ]
على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإذا لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبره بما عنده، ويبين ما جهل الأول" (١).
ويقول الطحاوي (٢)، ﵀ في كتابه مشكل الآثار.
باب بيان مشكل ما روى عن رسول الله - ﷺ - من قوله الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، ثم ساق الحديث ثم قال: فسأل سائل: عن معنى قوله: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر» ما هو؟
فكان جوابنا له في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكون الرؤيا قبل أن تعبر معلقة في الهواء غير ساقطة وغير عاملة شيئًا حتى تعبر، فإذا عبرت عملت وحينئذ ذكرها بأنها على رجل طائر أي أنها غير مستقرة.
فقال هذا القائل: فقد عبر أبو بكر حديث الظلة، فقال له النبي - ﷺ -: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» فكان معقولا أن ما كان من ذلك خطأ غير عامل فيما عبر من تلك الرؤيا ما عبره منها عليه.
والجواب في ذلك أن العبارة إنما يكون عملها في الرؤيا إذا عبرت بها إنما يكون تعمل إذا كانت العبارة صوابًا، أو كانت الرؤيا تحمل وجهين اثنين، واحد منهما أولى بها من الآخر، فتكون معلقة على العبارة التي
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).
(٢) هو أبو جعفر، أحمد بن محمد سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي نسبة إلى طحا قرية من قرى الصعيد بمصر (٢٣٩ - ٣٢١ هـ) عاصر الأئمة من الحفاظ من أصحاب الكتب الستة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧ - ٣٣) والبداية والنهاية (١١/ ١٨٦).
[ ٤١٣ ]
يرد إلى أحدهما حتى يعبر عليه ويرد إليه فيسقط بذلك، وتكون تلك العبارة هي عبارتها، وينتفي عنها الوجه الذي قد كان محتملا لها، والله نسأل التوفيق (١).
ويقول ابن قتيبة (٢) في تأويل مختلف الحديث:
قالوا: رويتم أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت».
قالوا: كيف تكون الرؤيا على رجل طائر؟ وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر معه بتأخر العبارة لها؟ وتقع إذا عبرت؟ وهذا يدل على أنها إن لم تعبر، لم تقع.
قال أبو محمد: ونحن نقول إن هذا الكلام خرج مخرج كلام العرب، وهم يقولون للشيء إذا لم يستقر: هو على رجل طائر، وبين مخاليب طائر، وعلى قرن ظبي يريدون أنه لا يطمئن ولا يقف.
قال رجل في الحجاج بن يوسف:
_________________
(١) مشكل الآثار (١١/ ٢٩٥).
(٢) هو أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري النحوي اللغوي (٢١٣ - ٢٧٦ هـ) تولى قضاء الدينور مدة فنسب إليها، حدث عن إسحاق بن راهوية، وأبي حاتم السختياني وطائفة. من مؤلفاته: الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، وكتاب تأويل مختلف الحديث. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦ - ٣٠٢) والبداية والنهاية (١١/ ٤٨ - ٥٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٣٢، ٤٣).
[ ٤١٤ ]
كأن فؤادي بين أظفار طائر من الخوف في جو السماء محلق
حذار امرئ قد كنت أعلم أنه متى ما يُعِدُّ من نفسه الشر يصدق
وكذلك الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، يراد أنها تحول في الهواء حتى تعبر، فإذا عبرت وقعت، ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت كما عبر، وإنما أراد بذلك العالم بها المصيب الموفق، وكيف يكون الجاهل المخطئ في عبارتها لها عابرًا وهو لم يصب ولم يقارب؟ وإنما يكون عابرًا لها، إذا أصاب.
يقول ﷿: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] يريد إن كنتم تعلمون عبارتها ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتؤول؛ لأن أكثرها أضغاث أحلام.
فمنها ما يكون عن حديث النفس، ومنها ما يكون من الشيطان، وإنما تكون صحيحة التي يأتي بها الملك، ملك الرؤيا عن نسخة أم الكتاب في الحين بعد الحين، وهذه الرؤيا الصحيحة هي التي تحول حتى يعبرها العالم بالقياس الحافظ للأصول الموفق للصواب فإذا عبرها وقعت كما عبر (١).
وممن رجح هذا القول الشيخ الألباني ﵀ حيث قال في قوله - ﷺ -: «على رجل طائر» أي أنها لا تستقر ما لم تعبر، كما قال الطحاوي والخطابي وغيرهما، والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر، ولذلك أرشدنا رسول الله - ﷺ - إلى ألا نقصها إلا على ناصح أو عالم؛ لأن المفروض فيهما أن يختار أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك، لكن مما لا ريب فيه أن
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث ص (٤١٥، ٤١٦).
[ ٤١٥ ]
ذلك مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضًا، وإلا فلا تأثير له حينئذ، والله أعلم (١).
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (١/ ١٨٨). ويظهر –والله أعلم- أن القول في هذه المسألة شبيه بما يقال في الفأل الحسن وتفصيل ذلك يطول فليراجع ذلك بالتفصيل في: صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الفأل، مع شرحه فتح الباري (١٠/ ٢١٤، ٢١٥) وصحيح مسلم كتاب السلام، باب الطيرة والفأل، وما يكون فيهما من الشؤم، مع شرحه النووي (١٤/ ٢١٨) ومفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٤٤ - ٢٧٣) وكتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٣٤ - ٤٣٧) وفتح المجيد ص (٤٣٤ - ٤٣٧).
[ ٤١٦ ]
المبحث الثالث
أمثلة من تأويل الرؤى في السنة
جاء عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة في تأويل الرؤيا، ومن تلك الأحاديث:
الحديث الأول: تأويله - ﷺ - اللبن بالعلم:
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري يخرج في أظافري (١)، ثم أعطيت فضلي عمر ابن الخطاب» قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: «العلم» (٢).
ومن فقه الإمام البخاري ﵀ أنه ترجم لهذا الحديث في كتاب التعبير بأربعة أبواب.
_________________
(١) هذه اللفظة في إحدى الروايات عند البخاري (٤/ ٣٠١) وفي رواية له (٤/ ٣٠١) ولأحمد (٢/ ١٣٠) من «أطرافي» وفي رواية للبخاري (١/ ٤٦) (٧/ ٤١) ومسلم (٤/ ١٨٦٠) «أظفاري».
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٣٠) والبخاري في صحيحه في ستة مواضع، في كتاب العلم ٢٢ - باب فضل العلم (٨٢) (١/ ٤٦) وكتاب فضائل الصحابة ٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب رقم (٣٦٨١) (٣/ ١٥) وكتاب التعبير في أربعة أبواب ١٥ - باب اللبن رقم (٧٠٠٦) (٤/ ٣٠١) ١٦ - باب إذا جرى اللبن في أطرافه وأظفاره رقم (٧٠٠٧) (٤/ ٣٠١) ٢٤ - باب إذا أعطى فضله غيره في النوم رقم (٧٠٢٧) (٤/ ٣٠٥) ٣٧ - باب القدح في النوم رقم (٧٠٣٢) (٤/ ٣٠٧). ومسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة ٢٢ - باب من فضائل عمر بن الخطاب ﵁ رقم (٢٣٩١) (٤/ ١٨٥٩).
[ ٤١٧ ]
الأول: باب اللبن، قال الحافظ: أي إذا رؤي في المنام، بماذا يعبر؟
الثاني: باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافره، وذكر الأطراف؛ لأنه جاء في لفظ الحديث «من أطرافي» وفي لفظ آخر «من أظافري».
الثالث: باب إذا أعطى فضله غيره في النوم.
الرابع: باب القدح في النوم.
واستدل به كذلك في كتاب العلم، على فضل العلم (١) أي ما فضل منه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وتفسير اللبن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما" (٢).
وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي.
ويقول ابن العربي ﵀: "والعارضة فيه أن اللبن رزق ينشئه الله طيبًا بين أخابث (٣) كالعلم نور يظهره الله في ظلمة فضرب به المثل في المنام" (٤).
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١/ ١٨٠) فضل هنا بمعنى الزيادة أي ما فضل منه، والفضل الذي تقدم في أول كتاب العلم بمعنى الفضيلة، فلا يظن أن كرره.
(٢) فتح الباري (١/ ١٨٠) (٧/ ٤٦) وقال: المراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر. وقال ابن أبي جمرة، وأما إعطاؤه فضله عمر ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله، حيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم الفتح (١٢/ ٣٩٤).
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ولهذا يقول الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: باب شرب اللبن وقوله ﷿، ثم ذكر الآية صحيح البخاري مع شرحه الفتح (١٠/ ٦٩).
(٤) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٥).
[ ٤١٨ ]
ويقول ابن أبي جمرة ﵀: تأويل النبي - ﷺ - اللبن بالعلم اعتبارًا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: (أخذت الفطرة) الحديث (١).
ولهذا قال المهلب: "اللبن يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم" (٢).
قال الحافظ: "وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه، اللبن في المنام فطرة" (٣).
وعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه «من رأى أنه شرب لبنًا فهو الفطرة» (٤) ومضى في حديث أبي هريرة في أول الأشربة أنه - ﷺ - لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل «الحمد لله الذي هداك للفطرة» (٥).
ويقول ابن القيم ﵀: "ومن هذا تأول اللبن بالفطرة، لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن الطفل إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن، فهو مفطور على إيثاره على ما سواه وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس" (٦).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٩٤) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كما سيأتي، إن شاء الله.
(٢) المرجع السابق (١٢/ ٣٩٣).
(٣) انظر: كشف الأستاذ (٣/ ١٣/ ٢١٢٧) ومجمع الزائد (٧/ ١٨٣) وجاء الحديث موقوفًا على أبي هريرة في مصنف ابن أبي شيبة (١١/ ٧٧/١٠٥٦١) والدارمي في سننه (٢/ ١٢٨) وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢٠٧) (٥/ ٢٤١) وصحيح الجامع (٥/ ١١٣) (٥٣٦٤).
(٤) أورده في مجمع الزوائد (١١/ ١٨٦) وقال: رواه الطبراني وفيه الحكم بن ظهير، وهو متروك.
(٥) صحيح البخاري كتاب الأشربة ١٢ - باب شرب اللبن (٥٦٠٣) (٤/ ١٥).
(٦) إعلام الموقعين (١/ ١٩١).
[ ٤١٩ ]
الحديث الثاني: تأويله - ﷺ - القميص بالدين:
فأخرج أحمد والبخاري في صحيحه ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثُدِيُّ (١) ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين» (٢).
وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث في صحيحه في كتاب التعبير ببابين:
الأول: باب القميص في المنام.
الثاني: باب جر القميص في المنام.
واستدل به في كتاب الإيمان على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (٣).
_________________
(١) الثدي بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء، جمع (ثدي) وهو للمرأة والرجل، انظر: الصحاح للجوهري (٦/ ٢٢٩١).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٨٦) وصحيح البخاري كتاب الإيمان ١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان (٢٣) (١/ ٢٤) وكتاب فضائل الصحابة ٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (٣٦٩١) (٣/ ١٧) وكتاب التعبير ١٧ - باب القميص في المنام (٧٠٠٨) وباب جر القميص في المنام (٧٠٠٩) (٤/ ٣٠١) ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة ٢٢ - باب من فضائل عمر ﵁ (٢٣٩٠) (٤/ ١٨٥٩).
(٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١/ ٧٤) ومطابقته الترجمة ظاهرة من جهة تأويل القمص بالدين، وقد ذكر أنهم يتفاضلون في لبسها، فدل على أنهم يتفاضلون في الإيمان. وقال في شرحه للحديث (٧/ ٥١) (١٢/ ٣٩٦) "وقد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصديق، والجواب عنه تخصيص أبي بكر من عموم قوله: «عرض على الناس» فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وأن كون عمر عليه قميص يجره لا يلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، فلعله كان كذلك، إلا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر فاقتصر عليها، والله أعلم".
[ ٤٢٠ ]
ووجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. [الأعراف: ٢٦]
والعرب تُكني هنا الفضل والعفاف بالقميص (١).
ويقول ابن القيم ﵀: "ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين، فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين، كما أول النبي - ﷺ - القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلًاّ منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس" (٢).
وقال ابن العربي ﵀ في تأويله - ﷺ - القميص بالدين: "وذلك لأن الدين يستر عورات الجهل، كما يستر الثوب عورات البدن، فالذي كان يبلغ للثدي هو الذي يستر قلبه عن الكفر، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك هو الذي يستر فرجه، وما دون ذلك هو الذي يستر رجليه عن المشي فيما لا ينبغي، والذي يستره ويجره هو الذي احتجب بالتقوى من الوجوه كلها، ومن هو إلا عمر" (٣).
قال الحافظ ابن حجر: "وهذا الحديث من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعًا؛ أعني جر القميص، لما ثبت من الوعيد في تطويله" (٤) (٥).
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٩٦).
(٢) إعلام الموقعين (١/ ١٩٠).
(٣) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٦).
(٤) لما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب اللباس ٥ - باب من جر ثوبه من الخيلاء رقم (٥٧٨٨) (٤/ ٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا».
(٥) فتح الباري (١٢/ ٣٩٦).
[ ٤٢١ ]
الفصل الثالث
آداب الرؤى
وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
المبحث الأول: إذا رأى ما يحب.
المبحث الثاني: إذا رأى ما يكره.
المبحث الثالث: شروط المعبر للرؤيا.
المبحث الرابع: آداب المعبر.
[ ٤٢٣ ]
تمهيد
جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - ﷺ - في بيان الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم إذا رأى رؤيا أو قصت عليه رؤيا.
وقد يتهاون بعض الناس بشأن هذه الآداب سواء كانت الرؤيا صالحة أو غير صالحة، وقد يجهل بعض الناس الآداب التي تتعلق بالرؤيا وتأويلها، وما ينبغي ذكره منها وما لا ينبغي ذكره.
وقد يسارع بعضهم إلى السؤال عما يرونه من الرؤيا المكروهة، وذلك لعدم علمهم بأنه لا يجوز ذكرها ولا السؤال عنها، وربما حملهم حب الاطلاع على ذكرها لبضع المتخرصين الذين لا علم لهم بآداب الرؤيا وتأويلها فيعبرونها لهم على الوجه المكروه فيحصل لهم الغم والحزن من تعبيرهم.
ولذا رأيت أن أختم هذا البحث ببيان الآداب التي يلتزم بها المسلم إذا رأى ما يحب وإذا رأى ما يكره، والشروط التي يجب توافرها فيمن يعبر الرؤيا، والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعبر للرؤيا.
[ ٤٢٥ ]
المبحث الأول
إذا رأى ما يحب
إذا رأى المسلم الرؤيا يحبها وتسره وتعجبه، فإن النبي - ﷺ - أرشد إلى الآداب التي ينبغي أن يفعلها الرائي، وذلك كما دلت عليها الأحاديث التالية:
(١) ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره» (١).
(٢) أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شر الشيطان، وليتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره» (٢).
وفي رواية لمسلم «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر إلا من يحب».
(٣) أخرج الإمام في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخوف من
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ٨) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٣ - باب الرؤيا من الله رقم الحديث (٦٩٨٥) (٣/ ٢٩٦) ٤٦ - باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها رقم الحديث (٧٠٤٥) (٤/ ٣٠٩).
(٢) صحيح البخاري كتاب التعبير ٤٦ - باب إذا رأى ما يكره رقم الحديث (٧٠٤٤) (٤/ ٣٠٩) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا رقم الحديث (٢٢٦١) (٤/ ١٧٧٢).
[ ٤٢٦ ]
الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه، فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» (١).
(٤) أخرج الإمام أحمد والطبري من حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا (٢).
(٥) أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة، فمن رأى خيرًا فليحمد الله عليه، وليذكره، ومن رأى غير ذلك فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها، فإنها لا تضره» (٣).
(٦) أخرج الإمام ابن عبد البر في التمهيد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأى أحدكم الرؤى تعجبه فليذكرها، وليفسرها وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها، ولا يفسرها» (٤).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٩٥) وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٧/ ١٤٧) رقم (٩١١٨) والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٢٩) رقم (١٣٤١) وقد سبق تخريج بعض طرق هذا الحديث.
(٢) إسناده صحيح وقد سبق تخريجه.
(٣) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٣٧) وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٩/ ٨٦) رقم (٦٢١٥) وقد مضى بعض طرق هذا الحديث.
(٤) التمهيد (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٢٨) رقم (١٣٤٠) وصحيح الجامع (١/ ٢٠٩) رقم (٥٦٢).
[ ٤٢٧ ]
فدلت هذه الأحاديث على الآداب التي يلتزم بها المسلم إذا رأى ما يحب، وهذه الآداب كما يلي:
الأول: أن يحمد الله عليها.
الثاني: أن يستبشر بها.
الثالث: أن يتحدث بها ويخبر بها من يحب دون من يكره.
وإليك تفصيل هذه الآداب.
الأول: أن يحمد الله عليها:
لما جاء في حديث أبي سعيد «فليحمد الله» والحمد هو الثناء على الله، سبحانه بالقلب واللسان (١).
الثاني: أن يستبشر بها:
لقوله - ﷺ - في حديث أبي قتادة «فإن رأى رؤيا حسنة فليُبْشِر».
قال النووي ﵀ قوله - ﷺ -: «فليبشر» هكذا هو في معظم الأصول فليبشر بضم الياء وبعدها باء ساكنة من الإبشار والبشرى، وفي بعضها بفتح الياء، وبالنون من النشر وهو الإشاعة، قال القاضي عياض في المشارق والشرح وهو تصحيف (٢)، وفي بعضها «فليستر» بسين مهملة من الستر والله أعلم (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: "وقوله: «فليبشر» بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة من البشرى وقيل بنون بدل الموحدة أي يحدث بها، وزعم عياض أنها تصحيف، ووقع في بعض النسخ عن مسلم «فليستر» بمهملة ومثناة من الستر" (٤).
_________________
(١) انظر: ما يتعلق بتفسير الحمد والشكر في تفسير الطبري (١/ ٤٦) وتفسير ابن كثير (١/ ٢٢).
(٢) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٠٢).
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ١٩).
(٤) فتح الباري (١٢/ ٣٦٩) وانظر: لسان العرب (٤/ ٦٠).
[ ٤٢٨ ]
ولهذا سمى النبي - ﷺ - الرؤيا الصالحة من المبشرات، وقد سبق تفصيل كون الرؤيا الصالحة من المبشرات، وذكر الآيات والأحاديث والآثار الواردة في ذلك.
ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره" (١).
الثالث: أن يحدث بها ويخبر بها من يحب دون من يكره.
والتحدث بالرؤيا والإخبار بها جاء مطلقًا ومقيدًا، ففي حديث أبي سعيد الخدري مطلقًا دون تقييد «وليحدث بها»، وكذا في حديث أبي هريرة عند أحمد «فليقصها إن شاء» وعند ابن عبد البر «فليذكرها، وليفسرها» وفي حديث عبد الله بن عمرو «فليخبرها بها» وفي حديث ابن عمر «وليذكره».
بينما جاء هذا الإخبار والتحديث مقيدًا بمن يحب كما في حديث أبي قتادة «فلا يحدث بها إلا من يحب» وفي رواية «ولا يخبر إلا من يحب».
وعلى هذا التحديث بالرؤيا الصالحة مستحب، وقد يقال مباح لأنه في بعض الروايات قال: «إن شاء» والأول أقرب، ولا شك أن تقييدها بالأحباب أولى وهم أخص الناس بذكرها لهم.
وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح» (٢).
_________________
(١) الآداب الشرعية لابن مفلح (٣/ ٤٦١).
(٢) أخرجه الترمذي (٢/ ٤٥) والدارمي (٢/ ١٢٦) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الألباني: إسناده على شرط الشيخين، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١٨٦) رقم (١١٩).
[ ٤٢٩ ]
وجاء سبب هذا النهي في حديث أنس أن النبي - ﷺ - قال: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رَجل رفع رِجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحًا أو عالمًا» (١).
وفي حديث أبي رزين قال: «ولا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي».
وفي رواية قال: «ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٢).
قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: "فإن كانت بشرى أو شككت فلا تحدث بها إلا عالمًا أو ناصحًا.
العالم يعبرها له على الخير إذا أمكنه.
والناصح يرشده إلى ما ينفعه، ويعينه عليه.
أما الحبيب فإذا عرف قال: وإن جهل سكت.
وأما اللبيب وهو العاقل العارف بتأويلها فإنه ينبئك بما تعول عليه فيها، وإن ساءته سكت عنك وتركها" (٣).
وقال النووي ﵀: "قوله - ﷺ - في الرؤيا المحبوبة الحسنة «لا تخبر بها إلا من تحب» فسببه أنه إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض والحسد على تفسيرها بمكروه، فقد يقع على تلك الصفة، وإلا فيحصل له في الحال حزن ونكد من سوء تفسيرها والله أعلم" (٤).
وكذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ١٨).
(٥) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٣١).
[ ٤٣٠ ]
ولهذا نصح نبي الله يعقوب ﵇ ابنه يوسف ﵇ ألا يقص الرؤيا على إخوته قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
قال أبو عبد الله القرطبي ﵀: "وهذه الآية أصل في ألا تقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها" (١) ثم استشهد بحديث أبي رزين السابق.
وقال أيضًا: "إن يعقوب ﵇ كان أحسَّ من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قص الرؤيا عليهم خوف أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه" (٢).
وقال ابن كثير ﵀: "خشي يعقوب ﵇ أن يحدث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي يحتالون لك حيلة يردونك فيها" (٣).
ثم استشهد بالأحاديث السابقة، ثم قال: "ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد، وتظهر كما ورد في الحديث «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود» " (٤).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٢٦).
(٢) المرجع السابق (٩/ ١٢٧).
(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٦٩).
(٤) الحديث أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء، من حديث أبي هريرة ﵁ وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٤٣٦) رقم (١٤٥٣) وصحيح الجامع رقم (٩٥٦).
[ ٤٣١ ]
وقال ابن رجب ﵀ في شرح حديث معاذ في رؤية النبي - ﷺ - لربه: "وفي حديث معاذ (١) دليل على أنه من رأى رؤيا تسره فإنه يقصها على أصحابه وإخوانه المحبين له، ولا سيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعظيمًا لما ينفعهم وقد كان النبي - ﷺ - إذا صلى الصبح يقول لأصحابه «من رأى منكم الليلة رؤيا» " (٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) اختيار الأولى ص (٣٩) والحديث سبق تخريجه.
[ ٤٣٢ ]
المبحث الثاني
إذا رأى ما يكره
جاءت الأحاديث السابقة ببيان أن هناك نوعًا من الرؤى يكرهها الرائي، وقد تبين لنا علامات هذا النوع، وأنه من تهويل الشيطان وتحزينه لابن آدم، لأن الشيطان يحب إحزان المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [المجادلة: ١٠].
فكل شيء ينكد على الإنسان في حياته، ويعكر صفوها عليه فإن الشيطان حريص عليه سواء ذلك في اليقظة أو في المنام، لأن الشيطان عدو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
ومن عداوته أن يصور للإنسان في منامه ما يفزعه في نفسه أو ماله أو في أهله أو في مجتمعه، وهذا يحصل لكثير من الناس ويكثر السؤال عنه، وهذا النوع من الرؤيا أرشدنا النبي - ﷺ - إلى التحرز منه، ومع ذلك تجد كثيرًا من الناس يجهل هذه الآداب التي أرشدنا إليها رسول الله - ﷺ -.
وقد دلت الأحاديث التي ذكرتها في المباحث السابقة على بعض الآداب وكذلك ما أذكره من أحاديث أخرى في بيان الآداب التي يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره وهي أحاديث كثيرة منها:
(١) حديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه: «وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره».
[ ٤٣٣ ]
(٢) حديث أبي هريرة ﵁ السابق عند أحمد وفيه: «وإذا رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصلِّ».
(٣) حديث عبد الله بن عمرو ﵄ السابق وفيه: «ومن رأى سوى ذلك، فإنما هي من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليسكت ولا يخبر بها أحدًا».
(٤) حديث عبد الله بن عمر ﵄ السابق وفيه: «ومن رأى غير ذلك، فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها، فإنها لا تضره».
(٥) حديث أبي هريرة ﵁ السابق عن ابن عبد البر وفيه: «وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها ولا يفسرها».
(٦) وحديث أبي هريرة ﵁ السابق وفيه: «فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل» (١).
وفي لفظ: «فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» (٢).
(٧) ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (٣).
وفي رواية أحمد «فليبزق» وقال يونس أحد رواة الحديث «فليبسق».
_________________
(١) سبق تخريجه هذا الأحاديث.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥٠) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا الحديث رقم (٢٢٦٢) (٤/ ١٧٧٢).
[ ٤٣٤ ]
(٨) ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثًا وليستعذ مما رأى» (١).
(٩) ما أخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتحول، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليسأل الله من خيرها، وليتعوذ بالله من شرها» (٢).
(١٠) أخرج الإمام مالك والبخاري ومسلم من حديث يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره إن شاء الله» قال أبو سلمة: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها (٣).
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٨) رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات.
(٢) سنن ابن ماجة كتاب تعبير الرؤيا ٤ - باب من رأى رؤيا يكرهها، الحديث رقم (٣٩١٠) (٢/ ١٢٨٦) وإسناده ضعيف، لكن له شاهد من حديث جابر عند مسلم، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٣١١)، (٣/ ٢٩٤).
(٣) موطأ الإمام مالك، كتاب الرؤيا (٢/ ٩٥٧) وصحيح البخاري كتاب الطب ٣٩ - باب النفث في الرقية الحديث رقم (٥٧٤٧) (٤/ ٤٥) وكتاب التعبير ٣ - باب الرؤيا من الله الحديث رقم (٦٩٨٤) (٤/ ٢٩٦) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧١).
[ ٤٣٥ ]
ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة مختصرًا (١).
وزاد مسلم في رواية له: «وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (٢).
وفي رواية ابن ماجة قال: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإن رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه».
ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق الزهري عن أبي سلمة قال: كنت أرى الرؤيا أعرى منها (٣)، غير أني لا أزمل (٤) حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا من الله
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣١٠) وسنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا (٥٠٢١) (٢/ ٧٢٤) وجامع الترمذي، كتاب الرؤيا ٥ - باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يضع الحديث رقم (٢٢٧٧) (٤/ ٥٣٥) وسنن ابن ماجة، كتاب التعبير الحديث رقم (٣٩٠٩) (٢/ ١٢٨٦).
(٢) صحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢).
(٣) أعْرى: قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٢٦) "أي يصيبني البرد والرعدة من الخوف، يقال عُرِي فهو معروّ، والعرواء: الرعدة" وقال النووي في شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٦) أعرى أي أُحمُّ لخوف من ظاهرها، قال أهل اللغة: عُري الرجل إذا أصابه عُراء، وهو نفض الحمَّى وقيل رعدة" وقال الجوهري في الصحاح (٦/ ٢٤٢٤) "والعراء: قرة الحمى ومسها في أول ما تأخذ بالرعدة" ولهذا جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث عند البخاري «كنت أرى الرؤيا تمرضني» وفي لفظ لعبد الرزاق «ألقى منها شدة» وفي رواية «غير ألا أعاد» وفي رواية لمسلم (١٥/ ١٦) «أُزمَّل: أُغطى وأُلف كالمحموم» وانظر غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٧١) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ٣١٣) والصحاح للجوهري (٤/ ١٧١٨).
(٤) أزَمَّلُ: قال النووي في شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٦) أزمل: أغطى وألف كالمحموم. وانظر غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٧١) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ٣١٣) والصحاح للجوهري (٤/ ١٧١٨).
[ ٤٣٦ ]
والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره» (١).
وفي رواية لأحمد قال: «فمن رأى رؤيا يكرهها فلا يخبر بها، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من شرها، فإنها لا تضره» قال سفيان مرة أخرى: «فإنه لن يرى شيئًا يكره» (٢).
ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني، قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا فكنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى ما يكرهه فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم وشرها، ولا يحدث بها أحدًا فإنها لا تضره» (٣).
وفي رواية لمسلم قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، لا تضره، ولا يخبر بها أحدًا» (٤).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٥) وصححه البخاري كتاب التعبير ١٤ - باب الحلم من الشيطان «الحديث رقم» الحديث رقم (٧٠٠٥) (٤/ ٣٠١) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا الحديث رقم (٢٢٦١) (٤/ ١٧٧١).
(٢) المسند (٥/ ٢٩٦).
(٣) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٣) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٤٦ - باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها الحديث رقم (٢٢٦١) (٤/ ٣٠٩) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢).
(٤) صحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢).
[ ٤٣٧ ]
ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها، فإنها بشرى من الله ﷿، ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها، وليتفل عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها» وهذا لفظ أحمد (١).
ولفظ البخاري قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم فليتعوذ منه وليبصق عن شماله فإنها لا تضره» (٢).
ورواه البخاري أيضًا من طريق عبيد الله بن جعفر بن أبي سلمة عن أبي قتادة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثًا، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره» (٣).
ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن شماله ثلاث مرات، وليتعوذ بالله من الشيطان فإنه لا يضره» وهذا لفظ أحمد (٤).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٩).
(٢) صحيح البخاري كتاب التعبير ٤ - باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة الحديث رقم (٦٩٨٦) (٤/ ٢٩٦).
(٣) صحيح البخاري، كتاب التعبير ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام الحديث رقم (٦٩٩) (٤/ ٢٩٩).
(٤) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٠).
[ ٤٣٨ ]
وعند البخاري قال: « فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره» (١).
فهذه جملة الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره، وقوله - ﷺ -: «مما يكره» أي يهوله، ويفزعه على ما تقدم في تفسير الحلم وأنه من تخيل الشيطان وتحزينه.
وحاصل هذه الآداب التي أمر بها النبي - ﷺ - هي ستة آداب كما يلي:
(١) أن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا.
(٢) أن يستعيذ بالله من شر ما رأى.
(٣) أن يبصق عن يساره ثلاثًا.
(٤) أن يقوم فيصلي.
(٥) أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر.
(٦) ألاَّ يحدث بها أحدًا.
وإليك تفصيل هذه الآداب، وبيان الحكمة منها.
أولا: أن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا:
وذلك لأن الرؤى المكروهة من تخييل الشيطان وتحزينه وتهويله ليحزن بها الرائي، كما سبق في الأحاديث «والحلم من الشيطان» وفي بعضها «ورؤيا تحزين من الشيطان» وفي بعضها «تخويف من الشيطان»، وفي بعضها «أهاويل من الشيطان»
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١١ - باب صفة إبليس وجنوده الحديث رقم (٣٢٩٢) (٢/ ٤٤١).
[ ٤٣٩ ]
وأما معنى الاستعاذة من الشيطان، وصيغ الاستعاذة فهذا مبسوط في مواضعه (١).
ثانيًا: أن يستعيذ بالله من شر ما رأى:
فالاستعاذة بالله مشروعة عند كل أمر يكره، وقد جاء في هذه الأحاديث الأمر لمن رأى رؤيا يكرهها أن يستعيذ بالله من شرها، كما استعاذ بالله من شر الشيطان.
أما صفة التعوذ بالله من شر ما رأى فقد جاء في غير هذه الأحاديث.
فأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال: "إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي التي رأيت الليلة أن تضرني في ديني ودنياي يا رحمن" (٢).
وورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك في الموطأ، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله - ﷺ -: إني أروع في منامي، فقال له رسول الله - ﷺ -: «قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأن يحضرون» (٣).
_________________
(١) انظر: جامع البيان في تفسير القرآن للطبري (٣١ - ٣٨) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ١٢ - ١٦) وتفسير المعوذتين لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والتفسير القيم لابن القيم (٥٣٨ - ٦٢٤).
(٢) الكتاب المصنف (٦/ ١٨٣) الأثر رقم (٣٠٥٢٨) والمصنف لعبد الرزاق (١١/ ٢١٤) وصحح أسانيدهما الحافظ في فتح الباري (١٢/ ٣٧١).
(٣) الموطأ (٢/ ٩٥٠) قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١٢/ ٣٧٢) وأخرجه النسائي من رواية عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (كان خالد بن الوليد يفزع في منامه) فذكر نحوه، وزاد في أوله «إذا اضطجعت فقل: بسم الله» فذكره.
[ ٤٤٠ ]
ورواه الإمام أحمد عن الوليد بن الوليد ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: «فإذا أخذت مضجعك فقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأن يحضرون، فإنه لا يضرك وبالحري ألاَّ يقربك» (١).
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشيطان وأن يحضرون» (٢).
ولفظ الترمذي، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا فزع أحدكم في النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره».
ثالثًا: أن يبصق عن يساره ثلاثًا:
في الأحاديث السابقة، أمر - ﷺ - من أُري رؤيا يكرهها أن يبصق عن يساره ثلاثًا إذا استيقظ.
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ٥٧) (٦/ ٦).
(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٨١) وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند (١٠/ ١٧٠) "إسناده صحيح" الحديث رقم (٦٦٩٦) وسنن أبي داود، كتاب الطب، باب كيف الرقي (٢/ ٤٠٥) رقم الحديث (٣٨٩٣) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٧٣٧) وسنن الترمذي، كتاب الدعوات الحديث رقم (٣٥٢٨) (٥/ ٥٤١) وقال أبو عيسى "حديث حسن غريب" وحسنه الألباني كذلك في صحيح الترمذي (٣/ ١٧١) وأخرجه الحاكم في مستدركه وصححه.
[ ٤٤١ ]
وقد جاء الأمر بالبصق في حديث جابر، أما في حديث أبي قتادة فجاء بلفظ «فلينفث» وفي بعض رواياته بلفظ «وليتفل ثلاثًا» (١).
وفي حديث جابر عند الإمام أحمد بلفظ («فليبزق) ولفظ «فليبسق» (٢).
فحاصل الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث خمسة ألفاظ:
١ - فلينفث. ٢ - فليبصق.
٣ - فليبزق. ٤ - فليبسق.
٥ - فليتفل.
أما البصق والبزق والبسق فهي بمعنى واحد، كما جاء في القاموس المحيط: البصاق والبساق والبزاق: ماء الفم إذا أخرج منه، وما دام فيه: فريق (٣).
فحصل بذلك ثلاثة ألفاظ وهي:
١ - فلينفث ٢ - فليبصق ٣ - فليتفل.
قال الجوهري في الصحاح: «التَفل: شبيه بالبزق، وهو أقل منه، أوله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ» (٤).
وقال النووي ﵀: "وأكثر الروايات (فلينفث) وهو نفخ بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه" (٥).
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٣٧٠) وهذه أتم الروايات عن أبي سلمة لفظًا.
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥٠).
(٣) القاموس المحيط (١١٢١).
(٤) الصحاح (٤/ ١٦٤٤) وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٩٨) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٥/ ٨٨).
(٥) شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٨) وانظر: (١٤/ ١٨٢) في التفريق بين هذه الألفاظ.
[ ٤٤٢ ]
وقال ابن حجر ﵀: "والذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى الريق قيل له بصاق، وبالنظر إلى النفخ قيل له نفث" (١).
وأمره - ﷺ - بذلك طردًا للشيطان، وتحقيرًا له، واستقذارًا، وخص باليسار لأنها محل الأقذار والمكروهات، واليمين ضدها والتثليث فيها للتأكيد (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "واستدل به على أن للوهم تأثيرًا في النفوس لأن التفل، وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه، وكذا في النهي عن التحديث بما يكره، والأمر بالتحديث بما يحب لمن يحب" (٣).
وقال الألوسي ﵀: "ولا يبعد جعل الله تعالى ما ذكر سببًا للسلامة عن المكروه، كما جعل الله الصدقة سببًا لدفع البلاء، وإن لم نعرف وجه مدخلية البصق عن اليسار، والتحول عن الجنب الذي كان عليه مثلًا في السببية" (٤).
والواجب على المسلم هو التسليم والامتثال لأمر الله ورسوله، ثم بعد ذلك لا مانع أن يسأل عن الحكمة والله أعلم.
رابعًا: أن يقوم فيصلي:
والأمر بالصلاة لما فيها من التضرع، والمناجاة لله ﷿، وإغاضة الشيطان بعدم رجوعه إلى النوم ليعيد عليه التحزين.
قال ابن العربي ﵀: "لأن التحريم بها عصمة من الأسواء، ونهي عن المنكر والفحشاء" (٥).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٧١).
(٢) انظر: المرجع السابق (١٢/ ٣٧١) وعارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).
(٣) فتح الباري (١٢/ ٣٧٢).
(٤) روح المعاني (١٢/ ١٨٢) المجلد (٤) وانظر: عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).
(٥) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).
[ ٤٤٣ ]
وقال ابن حجر ﵀: "أما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى الله واللجوء إليه، ولأن في التحريم بها عصمة من الأسواء، وبها تكمل الرغبة، وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده" (١).
خامسًا: أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر:
أي يتحول عن الجنب الذي رأى فيه ما يكره إلى الجنب الثاني، والتحول للتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها، وسبق في الأدب الثالث أن الواجب على المسلم التسليم والامتثال لأمر الله ورسوله، وهذه الأمور جعلها الله أسبابًا للسلامة من الضرر.
سادسًا: ألا يحدث بها أحدًا.
فقد جاء في الأحاديث السابقة نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يحدث بها أحدًا، بخلاف الرؤيا التي يحبها؛ فإنه يحدث بها من يحب، وذكرت بعض الحكم في ذلك.
ومن ذلك ما قاله النووي ﵀ في قوله - ﷺ -: «ولا يحدث بها أحدًا».
سببه أنه ربما فسرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملًا وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة.
قالوا: وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروهًا ويفسر بمحبوب وعكسه، وهذا معروف لأهله (٢).
وذكر القاضي عياض ﵀ فائدة أخرى في عدم الإخبار بها وهي:
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٧١).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٨).
[ ٤٤٤ ]
خوف الشغل بمكروه تفسيرها، والتعذيب به مدة لا يعلم قربها من بعدها، فإن الرؤى تخرج بعد سنين، فإذا لم يخبر بها كان ذلك دواء لمكروهها.
وأيضًا إذا لم يخبر بها أحدًا بقي بين الرجاء والطمع في أنه لعل لها تفسيرًا حسنًا أو أنها من أضغاث الأحلام، وحديث النفس، فكان ذلك أسكن لنفسه، وأقل لتعذيب قلبه (١).
وقد جاء النهي أيضًا عن إخبار الرجل بتلعب الشيطان به في النوم من حديثين:
أحدهما: ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدًا بتلعب الشيطان به في المنام» (٢).
وفي رواية لمسلم عن جابر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال لأعرابي جاءه، فقال: إني حلمت أن رأسي قطع، فأنا أتبعه، فزجره النبي - ﷺ - وقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام» (٣).
ورواه الإمام أحمد ومسلم أيضًا من حديث أبي سفيان عن جابر ﵁ قال أتى رسول الله - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله، رأيت البارحة فيما يرى النائم كأن عنقي خرجي فسقط رأسي فأتبعه فأخذته، فأعدته مكانه، فقال رسول الله - ﷺ -: «إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يحدثن به الناس» (٤).
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للأبي (٦/ ٧١).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥٠) (٣/ ٣٨٣) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا ١ - باب قول النبي - ﷺ - «من رآني في المنام فقد رآني» الحديث رقم (٢٢٦٨) (٤/ ١٧٧٦).
(٣) صحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٦).
(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣١٥) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٧).
[ ٤٤٥ ]
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد، وابن أبي شيبة وابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني رأيت رأسي ضرب فرأيته يتدهده، فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: «يطرق أحدكم الشيطان فيتهول ثم يغدو يخبر الناس» (١).
فإذا عرفنا هذه الآداب التي أرشد إليها نبينا - ﷺ - يبقى أن نعرف بعض المسائل المتعلقة بهذه الآداب كما يلي:
المسألة الأولى: هل يكفي العمل ببعض هذه الآداب أو لا بد منها جميعًا؟
قال النووي ﵀: "وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات، ويعمل بها كلها، وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله تعالى كما صرحت به الأحاديث" (٢).
قال ابن حجر ﵀ معقبًا على هذا: "لم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة، نعم أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *﴾ [النحل: ٩٨، ٩٩] فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه، ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان" (٣).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٦٤) وكتاب المصنف لابن أبي شيبة (٦/ ١٧٥) الحديث رقم (٣٠٤٧٤) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا ٥ - باب من لعب الشيطان به في منامه فلا يحدث به الناس الحديث رقم (٣٩١٣) (٢/ ١٢٨٧).
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ١٨).
(٣) فتح الباري (١٢/ ٣٧١).
[ ٤٤٦ ]
وقال أبو عباس القرطبي ﵀: "الصلاة تجمع ذلك كله؛ لأنه إذا قام فصلى تحول عن جنبه، وبصق، ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها بمنة وكرمه" (١).
المسألة الثانية: قوله - ﷺ -: «فإنها لا تضره»:
هذا إخبار بأن من فعل ما أمر به إذا رأى الرؤيا المكروهة، واجتنب ما نهى عنه من التحديث بها فإنها لا تضره؛ لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء سببًا لسلامته من كل مكروه يترتب على تلك الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال، وسببًا لدفع البلاء، إذا فعل ذلك مصدقًا ومتكلا على الله سبحانه في دفع المكروه.
ولهذا قال أبو سلمة ﵀: "إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل، فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها".
وفي بعض الروايات قال أبو سلمة: "إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني. قال: فلقيت أبا قتادة فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول الحديث".
وقوله: "فما كنت أباليها" أي فما التفت إليها، ولا ألقي لها بالًا (٢).
وفي بعض الروايات، قال أبو سلمة: "كنت أرى الرؤيا أعرى منها، غير أني لا أزمل حتى لقيت أبا قتادة، فذكرت له ذلك".
وذكر المازري في قوله - ﷺ -: «فإنها لن تضره» قولين:
الأول: أن معنى تضره، أن الروع يذهب بهذا النفث المذكور في الحديث، إذا كان فاعله مصدقًا به متكلًا على الله جلت قدرته في دفع المكروه عنه.
_________________
(١) المرجع السابق (١٢/ ٣٧١).
(٢) انظر: إكمال إكمال المعلم (٦/ ٧٠).
[ ٤٤٧ ]
الثاني: يحتمل أن يريد أن هذا الفعل يمنع من نفوذ ما دل عليه المنام من المكروه، ويكون ذلك سببًا فيه، كما تكون الصدقة تدفع البلاء إلى غير ذلك من النظائر (١).
وقد جاء في بعض الروايات الحديث «(فإنه لن يرى شيئًا يكرهه».
وإذا كانت تلك الرؤيا المكروهة من الشيطان ليحزن المؤمن، فإن الله قد رد كيده في نحره، ولن يضر المؤمن بإذن الله، إذا تمسك بأمر الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠].
المسألة الثالثة: قوله - ﷺ -: «إذا رأى ما يكره»:
استثنى بعض العلماء من عموم قوله - ﷺ -: «ما يكره» الرؤيا الصادقة، لكونها قد تقع إنذارًا كما تقع تبشيرًا، وفي الإنذار نوع ما يكرهه الرائي، فقالوا: لا يشرع إذا عرف أنها صادقة ما ذكر من الاستعاذة ونحوها، واستندوا في ذلك إلى ما ورد من مرائي النبي - ﷺ - كالبقر التي تنحر، ونحو ذلك (٢).
ولكن يرد على من قال هذا القول أن الحديث عام فيما يكره، ولهذا يرى بعض العلماء أن يلتزم بهذه الآداب في عموم الرؤيا التي يكرهها، ثم كون الرؤيا المكروهة صادقة هذا لا يقطع به إلا بعد الوقوع. وعلى هذا يبقى الحديث على عمومه.
_________________
(١) انظر: المعلم (٣/ ١١٦).
(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٧٢).
[ ٤٤٨ ]
قال أبو عباس القرطبي ﵀: "ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا يعني ما كان من تهويل أو تخويف أو تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخيلات الشيطان، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله، وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة، أذهب الله عنه ما به وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء".
وقيل: بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي بتناول ما يتسبب به الشيطان، وما لا تسبب له فيه، وفعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه، كما جاء في أن الدعاء يدفع البلاء، والصدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله وقدره (١).
وقال القاضي عياض ﵀: "يحتمل قوله «الرؤيا الحسنة» والصالحة أن يرجع إلى حسن ظاهرها أو صدقها كما أن قوله: «الرؤيا المكروهة» أو «رؤيا السوء» يحتمل سوء الظاهر أو سوء التأويل، وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته، ويحتمل أن يكون لمخافة تعجيل اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها؛ لأنه قد تبطئ فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها، وتخويفها ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرًا حسنًا أو الرجاء في أنها من الأضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه" (٢).
ويرى بعض العلماء أن كون الرؤيا مما يكره الرائي دليل على عدم صدقها، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه قال - ﷺ -: «وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان».
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢٢٠) المخطوط.
(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٧٢) وإكمال إكمال المعلم (٦/ ٦٩ - ٧٠).
[ ٤٤٩ ]
قال ابن حجر ﵀ في هذا الحديث: "ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشمل على شيء مما يكره الرائي، ويؤيده مقابلة رؤيا البشرى بالحلم، وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التعبير، ومن تبعهم أن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى، وقد تكون إنذارًا نظر؛ لأن الإنذار غالبًا يكون فيما يكره الرائي".
ثم أجاب على ذلك بقوله: "ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه كما تقدم تقريره، وبأن المراد بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا، ومما تعبر به" (١).
وقد تقرر سابقًا أن كون الرؤيا الصادقة تأتي في صورة إنذار لا يلزم من ذلك ترك ما أمر ما أمر به من الاستعاذة ونحوها، فقد يكون ذلك سببًا لدفع المكروه الإنذار مع حصول مقصود الإنذار.
وقال أيضًا: "فالمنذورة قد ترجع إلى معنى المبشرة لأن من أنذر بما سيقع له، ولو كان لا يسُره أحسن حالا ممن هجم عليه ذلك، فإنه ينزعج ما لا ينزعج من كان يعلم بوقوعه فيكون ذلك تخفيفًا عنه، ورفقًا به» " (٢).
ثم ليعلم أن هذه الآداب فيما يكره الرائي، أما ما لا يكره فإن هذا لا حكم له، فلا يضر ولا ينفع.
كما قال أبو العباس القرطبي ﵀: "وأما ما يرى أحيانًا مما يعجب الرائي، ولكنه لا يجده في اليقظة، ولا ما يدل عليه، فإنه يدخل في قسم
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٧٢).
(٢) المرجع السابق (١٢/ ٣٧٢).
[ ٤٥٠ ]
آخر، وهو ما كان الخاطر به مشغولا قبل النوم، فيراه فهذا لا يضر ولا ينفع" (١).
وعلى ذلك لا بأس أن يحدث به، لأنه لا حكم له، ولهذا جاء تقسيم الرؤيا في حديث أبي قتادة إلى قسمين: من الله، ومن الشيطان، لأن هذه الأقسام لها أحكامها التي ذكرت سابقًا، أما القسم الثالث فلا حكم له.
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم ص (٢٢٠) المخطوط.
[ ٤٥١ ]
المبحث الثالث
شروط المعبر للرؤيا
تعبير الرؤيا من باب الفتيا، والاستفتاء يشمل السؤال عن الأحكام والرؤى جميعًا.
وقد استعمل القرآن الاستفتاء بمعنى السؤال عن الرؤيا في قوله ﷿ حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ [يوسف: ٤٦].
وإذا كان الأمر كذلك، فقد وضع العلماء شروطًا للمفتي ينبغي أن يتحلى بها المعبر للرؤيا (١) بل قد يكون الأمر أشد في باب الرؤيا كما قيل للإمام مالك ﵀، أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلعب؟! وقال مالك: "لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرًا أخبر به، وإن رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت".
قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه؟ لقول من قال إنها على ما أولت عليه؟
_________________
(١) انظر: الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي (٤/ ٢٤٤ - ٢٦١) وإعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ١٥٧ - ٤١٤) وكتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، تأليف أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي، خرج أحاديث وعلق عليه محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة ١٤٠٤ هـ، وكتاب أدب الفتيا، لجلال الدين السيوطي، وكتاب الفتيا ومنهاج الإفتاء تأليف محمد سليمان الأشقر.
[ ٤٥٢ ]
فقال: لا، ثم قال: "الرؤيا جزء من النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة" (١).
وقال السعدي ﵀: "تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، واستشهد بالآيات السابقة، ثم قال: فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم" (٢).
ولهذا لا ينبغي ألا يعبر الرؤيا إلا من توفرت فيه الشروط التي بينها النبي - ﷺ - في الأحاديث التالية:
(١) أخرج الحاكم في مستدركه من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا عالمًا، أو ناصحًا» (٣).
(٢) أخرج الترمذي والدارمي من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح» (٤).
(٣) أخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة من حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٥).
وفي رواية قال، وأحسبه قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي».
وفي رواية قال: «لا يحدث بها إلا حبيبًا أو لبيبًا».
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر (٢/ ٢٨٨).
(٢) تيسير الكريم الرحمن (٤/ ٧٧).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٤٥٣ ]
فدلت هذه الأحاديث على أن الرؤيا الحسنة لا يحدث بها إلا العالم الناصح، الحبيب، اللبيب، الواد، ذو الرأي.
وإليك تفصيل هذه الشروط.
الأول: العالم، وهو المتفقه في الكتاب والسنة، مع مزيد فهم ومعرفة بالتعبير، وقد يكون الرجل عالمًا ولا يعبر الرؤيا.
قال ابن العربي ﵀: أما العالم فإنه يؤولها له على الخير مهما أمكنه (١).
وقال أيضًا في ذكر فضائل أبي بكر الصديق ﵁: أنه أول عالم بالرؤيا وتأويلها، ولا يكون ذلك إلا لمتبحر في العلوم كلها، فإن تفسير الرؤيا لا يستمد من بحر واحد، بل أصله الكتاب والسنة، وأمثال العرب، وأشعارها، والعرف والعادة (٢).
الثاني: الناصح: لأنه يرشده إلى ما ينفعه ويعينه عليه، فلا يقع في قلبه إلا كل خير، ولا يعبر له إلا ما يسره.
الثالث: اللبيب: وهو العاقل (٣) العارف بتأويلها، فإنه يخبر بتأويلها، وإن ساءته سكت وتركها.
الرابع: الحبيب وقد سبق أن الرؤيا لا يخبر بها إلا من يحب، فالحبيب إن عرف قال، وإن جهل سكت.
_________________
(١) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).
(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ١٥٢).
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٢١٦) والنهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٢٣) والقاموس المحيط ص (١٧١).
[ ٤٥٤ ]
أما غير الحبيب فربما حمله البغض والحسد على تفسيرها بمكروه فيحصل للرائي حزن ونكد، وسبق تفصيل ذلك.
قال ابن حجر ﵀: "والأولى الجمع بين الروايتين، فإن اللبيب عبر به عن العالم، والحبيب عبر به عن الناصح" (١).
ولكن جاء التفريق بينهما في حديث أبي رزين عند الإمام أحمد والترمذي حيث قال - ﷺ -: «ولا تحدثوا بها إلا عالمًا، أو ناصحًا، أو لبيبًا» ففرق بين العالم واللبيب.
الخامس: الواد، وهو الحبيب، فالود هو الحب (٢).
قال أبو إسحاق الزجاج: "الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب، وغن لم يكن عالمًا بالعبارة، لم يعجل لك بما يغمك" (٣).
السادس: ذو الرأي: هو ذو العقل والتدبير، قال في المصباح المنير: "ورجل ذو رأي، أي بصيرة وحذق في الأمور" (٤).
قال أبو إسحاق الزجاج: "ذو الرأي، معناه ذو العلم بعبارتها، فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها، ولعله أن يكون في تفسيرها موعظة تردعك عن قبيح أنت عليه، أو يكون فيها بشرى، فتشكر الله عليها" (٥).
وهذه الأوصاف الستة الواردة في الأحاديث السابقة ترجع إلى ثلاثة أوصاف: العالم، الناصح، اللبيب.
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٦٩).
(٢) انظر: القاموس المحيط ص (٤١٤).
(٣) شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢١٤).
(٤) المصباح المنير ص (٢٤٧).
(٥) شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢١٤).
[ ٤٥٥ ]
لأن الواد هو الحبيب الناصح، واللبيب هو العاقل ذو الرأي، ولهذا جاءت هذه الأوصاف الثلاثة في حديث أبي رزين وهي قوله - ﷺ -: «لا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا».
وقد قال بعض العلماء أن «أو» الواردة في الحديث للتنويع (١).
وهذه الشروط المنصوص عليها في هذه الأحاديث شروط إجمالية، فيدخل فيها ما يذكره العلماء من الشروط التفصيلية (٢).
_________________
(١) انظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٥٥٩).
(٢) انظر: شروط المعبر في كتاب الحكومة النبوية ص (٦٠).
[ ٤٥٦ ]
المبحث الرابع
آداب المعبر
لا شك أن نبينا محمد - ﷺ - أحسن الناس أخلاقًا وآدابًا، في كل شأن من شئون حياته، وقد جاء في الأحاديث التي ذكرتها في أثناء البحث جملة من الآداب التي كان - ﷺ - يقولها أو يفعلها إذا رأى رؤيا، أو قصت عليه رؤيا فعبرها فعلى المعبر للرؤيا أن يلتزم بما كان عليه النبي - ﷺ - من تلك الآداب، ومن ذلك:
(١) قوله - ﷺ - لما قص عليه الصحابة رؤياهم للأذان قال: «إن هذه الرؤيا حق إن شاء الله» (١).
(٢) قوله - ﷺ - لما قص عليه الصحابة أيضًا رؤياهم السابقة قال: «فلله الحمد» (٢).
(٣) قوله - ﷺ - في حديث عائشة للمرأة التي رأت رؤيا ففسرها النبي - ﷺ - فقال: «خير يرجع زوجك وتلدين غلامًا برًا» وقال لعائشة عندما فسرت للمرأة رؤياها «يا عائشة إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها» وقد جاء في الحديث قول عائشة أيضًا: «لئن صدقتك رؤياك» (٣).
_________________
(١) الحديث سبق تخريجه، وهذه الزيادة في مسند الإمام أحمد (٤/ ٤٣) وسنن أبي داود (١/ ١٨٩).
(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان (١/ ١٩٠).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٤٥٧ ]
(٤) قوله - ﷺ - في قصة رؤيا عبد الله بن سلام: «رأيت خيرًا» (١).
(٥) كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁: "أما بعد فإني آمركم بما أمركم به القرآن، وأنهاكم عما نهاكم عنه محمد - ﷺ -، وآمركم باتباع الفقه والسنة والتفهم في العربية، وإذا رأى أحدكم الرؤيا فقصها على أخيه، فليقل خير لنا، وشر لأعدائنا" (٢).
(٦) ما تقدم ذكره سابقًا من قول مالك ﵀ في المعبر للرؤيا: "إذا رأى خيرًا أخبر به، وإذا رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت".
فقيل: فهل يعبرها على خير وهي عنده مكروه؟ فقال: لا (٣).
(٧) قال ابن القيم ﵀ في آداب المعبر للرؤيا: "وهو - يعني علم التعبير - يعتمد على طهارة صاحبه، ونزاهته، وأمانته، وتحريه للصدق، والطرائق الحميدة، والمناهج السديدة، وعلم راسخ، وصفاء باطن، وحس مؤيد بالنور الإلهي، ومعرفة بأحوال الخلق وهيئاتهم، وسيرهم" (٤).
_________________
(١) الحديث سبق تخريجه وهذه الرواية عند النسائي في السنن الكبرى، كتاب التعبير (٤/ ٣٨٥) وسنن ابن ماجة كتاب تعبير الرؤيا (٢/ ١٢٩٢).
(٢) مصنف عبد الرزاق، كتاب الرؤيا (١١/ ٢١٣) وشرح السنة للبغوي، كتاب الرؤيا (١٢/ ٢٠٧).
(٣) التمهيد لابن عبد البر (٢/ ٢٨٨).
(٤) التبيان في أقسام القرآن (٢١١).
[ ٤٥٨ ]