_________________
(١) تعريف الزنادقة والزنديق قال الفيروزآبادي: الزنديق، بالكسر: من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان أو هو معرب: زن دين، أي: دين المرأة، ج: زنادقة أو زناديق، وقد تزندق، والاسم الزندقة، ورجل زنديق وزندقي: شديد البخل. انظر: القاموس المحيط "ص ٨٩١" زنق. قال الحافظ ابن حجر، ﵀: قوله بزنادقة. بزاي ونون وقاف جمع زنديق بكسر أوله وسكون ثانيه. قال أبو حاتم السجستاني وغيره: الزنديق فارسي معرب أصله: "زنده كرد" أي: يقول بدوام الدهر؛ لأن زنده: الحياة، وكرد: العمل. ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب: ليس في كلام العرب زنديق، وإنما قالوا زندقي لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا: ملحد ودهري، بفتح الدال، أي: يقول بدوام الدهر، وإذا قالوها بالضم أرادوا كبر السن. وقال الجوهري: الزنديق من الثنوية، كذا قال، وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدعي أنه مع الله إِلَهًا آخر. وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك. والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل أن أصل الزنادقة أتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك. الأول بفتح الدال وسكون المثناة التحتانية بعدها صاد مهملة، والثاني بتشديد النون وقد تخفف والياء خفيفة. والثالث بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ثم كاف. وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان، وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة، ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه يجب السعي في تلخيص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس، وإلى ذلك أشار المتنبي حيث قال في قصيدته المشهورة: وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته، ثم قتله وقتل أصحابه، وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور، وقام الإسلام، والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل، ومن ثم أطلق الاسم على كل من أسر الكفر وأظهر الإسلام حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون، وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر =
[ ٥٨ ]
من متشابه القرآن١
_________________
(١) = الإسلام ويخفي الكفر، فإن أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك، وإلا فأصلهم ما ذكرت. وقد قال النووي في لغات الروضة: الزنديق الذي لا ينتحل دينًا. وقال محمد بن معن في التنقيب على المهذب: الزنادقة من الثنوية يقولون ببقاء الدهر وبالتناسخ. قال: ومن الزنادقة الباطنية وهم قوم زعموا أن الله خلق شيئًا، ثم خلق منه شيئًا آخر فدبر العالم بأسره، ويسمونها العقل والنفس، تارة العقل الأول والعقل الثاني، وهو من قول الثنوية في النور والظلمة، إلا أنهم غيروا الاسمين. قال: ولهم مقالات سخيفة في النبوَّات وتحريف الآيات وفرائض العبادات إلخ ما قال الحافظ ﵀. انظر: فتح الباري "٣٧٠/١٢، ٣٧١". وقال الإمام البخاري ﵀: حدثنا محمد بن عبد الله أبو جعفر البغدادي قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن يوسف الزمي قال: كنا عند عبد الله بن إدريس فجاء رجل فقال: يا أبا محمد ما تقول في قوم يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: أمن اليهود؟ قال: لا. قال: فمن النصارى؟ قال: لا. قال: فمن المجوس؟ قال: لا. قال: فممن؟ قال: من أهل التوحيد؟ قال: نعم. قال: ليس هؤلاء من أهل التوحيد، هؤلاء زنادقة. من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله مخلوق، يقول الله: بسم الله الرحمن الرحيم. فالله لا يكون مخلوقًا، والرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا. وهذا أصل الزنادقة، من قال هذا فعليه لعنة الله، لا تجالسوهم ولا تناكحوهم. وقال وهب بن جرير: الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى. وحلف يزيد بن هارون بالله الذي لا إله إلا هو. من قال: إن القرآن مخلوق فهو زندق، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل. وقيل لأبي بكر بن عياش: إن قومًا ببغداد يقولون: إنه مخلوق. فقال: ويلك من قال هذا؟! على من قال القرآن مخلوق لعنة الله، وهو كافر زنديق ولا تجالسوهم. انظر: خلق أفعال العباد "ص٣٠"، وانظر أيضًا: الشريعة للآجري "٤٩٧/١-٥٠٠" ولمزيد بيان في معرفة معنى الزندقة، انظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين "١٤٦/١". ١ عن عائشة -﵂- قالت: تلا رسول الله ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ =
[ ٥٩ ]
شك الزنادقة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾
قال أحمد في قوله ﷿:
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] .
قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت، وأبدلهم جلودًا غيرها؟
فلا نرى إلا أن الله يعذب جلودًا لم تذنب حين يقول: بدلناهم جلودًا غيرها١.
فشكوا في القرآن، وزعموا أنه متناقض.
فقلت: إن قول الله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ليس يعني جلودًا غير جلودهم، وإنما يعني: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ تبديلها: تجديدها؛ لأن جلودهم إذا نضجت، جددها الله، وذلك لأن القرآن فيه خاص وعام، ووجوه كثيرة وخواطر يعلمها العلماء٢.
وأما قوله ﷿: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦] .
_________________
(١) = وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قالت: قال رسول الله ﷺ: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم". أخرجه البخاري "رقم ٤٥٤٧" ومسلم "رقم ٢٦٦٥". ١ هذا من سوء ظنهم بالله وخبث طويتهم، فمن المعلوم ببداهة العقل والشرع أن الله لا يعذب جلودًا لم تذنب، ولكن الزنادقة تركوا المحكم واتَّبعوا المتشابه فوقعوا في الضلال البعيد عياذًا بالله من ذلك. ٢ انظر: تفسير الطبري "١٤٢/٥" وابن كثير "٥٤٦/١" والسيوطي "٥٦٨/٢، ٥٦٩" والشوكاني "٤٧٩/١".
[ ٦٠ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾
ثم قال في آية أخرى:
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] .
فقال: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ قال: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾ ثم قال في موضع آخر: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] .
فزعموا أن هذا الكلام ينقض بعضه بعضًا فشكوا في القرآن١.
أما تفسير: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ .
فهذا أول ما تبعث الخلائق على مقدار ستين سنة لا ينطقون،
ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون، ثم يؤذن لهم في كلام فيتكلمون،
_________________
(١) ١ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ هذه الآية الكريمة تدل على أن أهل النار لا ينطقون ولا يعتذرون، وقد جاءت آيات تدل على أنهم ينطقون ويعتذرون، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقوله: ﴿فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] وقوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] وقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٩] وقوله: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨] إلى غير ذلك من الآيات. والجواب عن هذا من أوجه: الأول: أن القيامة مواطن، ففي بعضها ينطقون، وفي بعضها لا ينطقون. الثاني: أنهم لا ينطقون بما لهم فيه فائدة، وما لا فائدة فيه كالعدم. الثالث: أنهم بعد أن يقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ينقطع نطقهم، ولم يبقَ إلا الزفير والشهيق، قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] وهذا الوجه الثالث راجع للوجه الأول. انظر: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب "٢٠٥/١٠" ملحق تفسير أضواء البيان.
[ ٦١ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾
وأما قوله:
﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال في آية أخرى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] .
فقالوا: كيف يكون هذا من لمحكم؟ فشكوا في القرآن من أجل ذلك٢.
فأما قوله ﷿: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
_________________
(١) ٢ قال الشيخ الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمون: ١٠١] هذه الآية الكريمة تدل على أنهم لا أنساب بينهم يومئذ، وأنهم لا يتساءلون يوم القيامة، وقد جاءت آيات أخر تدل على ثبوت الأنساب بينهم كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآية، وآيات أخرى تدل على أنهم يتساءلون كقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَْ﴾ [الصافات: ٢٧] . والجواب عن الأول: أن المراد بنفي الأنساب انقطاع فوائدها وآثارها التي كانت مترتبة عليها في الدنيا من العواطف والنفع والصلات والتفاخر بالآباء، لا نفي حقيقتها. والجواب عن الثاني من ثلاثة أوجه: الأول: أن نفي السؤال بعد النفخة الأولى، وقبل الثانية وإثباته بعدهما معًا. الثاني: أن نفي السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصرط، وإثباته فيما عدا ذلك، وهو عن السدي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. الثالث: أن السؤال المنفي سؤال خاص، وهو سؤال بعضهم العفو من بعض فيما بينهم من الحقوق لقنوطهم من الإعطاء ولو كان المسئول أبًا أو ابنًا أو أمًا أو زوجة. ذكر هذه الأوجه الثلاثة أيضًا صاحب الإتقان. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٤٥/١٠-١٤٦".
[ ٦٤ ]
فهذا عند النفخة الثانية، إذا قاموا من القبور، لا يتساءلون ولا ينطقون في ذلك الموطن، فإذا حوسبوا، ودخلوا الجنة والنار، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري "٥٤/١٨"، "٨٥/٢٣" وتفسير الشوكاني "٤٩٩/٣".
[ ٦٥ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ،﴾
وأما قوله:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣،٤٢] .
وقال في آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] .
فقالوا: إن الله قد ذم قومًا كانوا يصلون قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ٢ قال الشيخ الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] هذه الآية يتوهم منها الجاهل أن الله توعد المصلين بالويل، وقد جاء في آية أخرى أن عدم الصلاة من أسباب دخول سقر، وهي قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣،٤٢] . والجواب عن هذا في غاية الظهور: وهو أن التوعد بالويل منصب على قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٥، ٦] الآية، وهم المنافقون على التحقيق، وإنما ذكرنا هذا الجواب مع ضعف الإشكال وظهور الجواب عنه؛ لأن الزنادقة الذين لا يصلون يحتجون لترك الصلاة بهذه الآية. وقد سمعنا من ثقات وغيرهم أن رجلًا قال لظالم تارك الصلاة: ما لك لا تصلي؟ فقال: لأن الله توعد على الصلاة بالويل في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ فقال له: اقرأ ما بعدها، فقال: لا حاجة لي فيما بعدها، فيها كفاية من التحذير من الصلاة، ومن هذا القبيل قال الشاعر. دع المساجد للعبادة تسكنها وسر إلى حانة الخمار يسقينا =
[ ٦٥ ]
وقد قال في قوم إنهم إنما دخلوا النار لأنهم لم يكونوا يصلون فشكوا في القرآن من أجل ذلك، وزعموا أنه متناقض.
قال: وأما قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عنى بها المنافقين: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ حتى يذهب الوقت.
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٦] يقول إذا رأوهم صلوا، وإذا لم يروهم لم يصلوا.
وأما قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣] .
يعني الموحدين المؤمنين، فهذا ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) = ما قال ربك: ويل للأولى سكروا وإنما قال: ويل للمصلينا فإذا كان الله تعالى توعد بالويل للمصلي الذي هو ساهٍ في صلاته ويرائي فيها فكيف بالذي لا يصلي أصلًا، فالويل كل الويل له، وعليه لعائن الله إلى يوم القيامة ما لم يتب. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٢٣٣/١٠-٢٣٤". ١ انظر تفسير الطبري "١٦٦/٢٩" "٣١١/٣٠"، وتفسير ابن كثير "٥٨٨/٤" وتفسير الشوكاني "٥٠٠/٥".
[ ٦٦ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾
وأما قوله ﷿:
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر: ١١] .
ثم قال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] .
ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
ثم قال: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] .
ثم قال: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] .
[ ٦٦ ]
فشكوا في القرآن، وقالوا: هذا تلبيس ينقض بعضها بعضًا١.
نقول: هذا بدء خلق آدم، خلقه الله أول بدء من تراب، ثم من طينة حمراء وسوداء وبيضاء، ومن طينة طيبة وسبخة، فكذلك ذريته طيب، وخبيث، أسود وأحمر وأبيض٢. ثم بلَّ ذلك التراب فصار طينًا، فذلك قوله: "من طين" فلما لصق الطين بعضه ببعض، فصار طينًا لازبًا، بمعنى لاصقًا، ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ .
يقول: مثل الطين إذا عصر انسل من بين الأصابع، ثم نتن فصار حمأ مسنونًا، فخلق من الحمأ، فلما جفَّ صار صلصالًا كالفخار، يقول: صار له صلصلة كصلصلة الفخار، له دوي كدوي الفخار.
_________________
(١) ١ قال الشيخ الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] الآية. ظاهر هذه الآية أن آدم خلق من صلصال: أي طين يابس. وقد جاء في آيات أخر ما يدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] وكقوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] . الجواب: أنه ذكر أطوار ذلك التراب، فذكر طوره الأول بقوله: "من تراب"، ثم بل فصار طينًا لازبًا، ثم خُمِّر فصار حمأ مسنونًا، ثم يبس فصار صلصالًا كالفخار. هذا واضح، والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١١٨/١٠". ٢ عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزْن، والخبيث والطيب، وبين ذلك". أخرجه أحمد "٤٠٠/٤، ٤٠٦" وعبد بن حميد رقم "٥٤٩" وأبو داود رقم "٤٦٩٣" والترمذي "٢٩٥٥" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم "١٧٥٩" والسلسلة الصحيحة رقم "١٦٣٠".
[ ٦٧ ]
فهذا بيان خلق آدم، وأما قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] .
فهذا بدء خلق ذريته، من سلالة يعني النطفة إذا انسلت من الرجل، فذلك قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾، يعني النطفة، ﴿مَهِينٍ﴾ يعني ضعيف.
فهذا ما شَكَّت فيه الزنادقة.
[ ٦٨ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾
وأما قوله:
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] .
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]
﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]
فشكوا في القرآن، وقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ ١.
_________________
(١) ١ قال ابن القيم -﵀- وهو يزيل هذه الشبهة: ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين وتارة مثنيين وتارة مفردين، لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك، فالأول كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] والثاني كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٧] والثالث كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه الأوضاع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب مواردها يطلعك على عظمة القرآن وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد، فحيث جمعت كان المراد بها: مشارق الشمس ومغاربها في أيام السنة، وهي متعددة، وحيث أفردا كان المراد: أفقي المشرق والمغرب. وحيث ثُنِّيَا كان المراد: مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها، وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء، فجعل مشرق صعودها بجملته =
[ ٦٨ ]
أما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ فهذا اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، أقسم الله بمشرقه ومغربه، وأما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ فهذا أطول يوم في السنة، وأقصر يوم في السنة، أقسم الله بمشرقهما ومغربهما، وأما قوله: "رب المشارق ورب المغارب" فهو مشارق السنة ومغاربها، فهذا ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) = مشرقًا واحدًا، ومشرق هبوطها بجملته مشرقًا واحدًا، ويقابلها مغرباها، فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع، وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أرَ أحدًا تعرض له ولا فتح بابه، وهو بحمد الله بَيِّنٌ من السياق، انظر: بدائع الفوائد "١٢١/١". ١ انظر: تفسير الطبري "٧٠/١٩" "١٢٧/٢٧" "٨٧/٢٩" وتفسير ابن كثير "٢٩٠/٤" وتفسير الشوكاني "١٣٤/٥".
[ ٦٩ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾
أما قوله:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]
وقال في آية أخرى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]
وقال في آية أخرى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٤، ٥] .
فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم، وهو ينقض بعضه بعضًا؟ ٢.
_________________
(١) ٢ قال الشيخ الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] . هذه الآية تدل على أن مقدار اليوم عند الله ألف سنة، وكذلك قوله تعالى: =
[ ٦٩ ]
قال: أما قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] فهذا من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض، كل يوم كألف سنة، وأما قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] وذلك أن جبرائيل كان ينزل على النبي -ﷺ- ويصعد إلى السماء في يوم كان مقداره ألف سنة، ذلك أنه من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، فهبوط خمسمائة، وصعود خمسمائة عام، فذلك ألف عام١.
_________________
(١) = ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، هي قوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] الآية. اعلم أولا أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلا من ابن عباس وسعيد بن المسيب، سئل عن هذه الآيات فلم يدر ما يقول فيها ويقول: لا أدري. وللجمع بينهما وجهان: الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس، من أن يوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى، ويوم الخمسين ألفًا هو يوم القيامة. الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩، ١٠] ذكر هذين الوجهين صاحب الإتقان، والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٤٠/١٠، ١٤١" ١ قال السيوطي ﵀: وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله =
[ ٧٠ ]
وأما قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] يقول: لو ولي حساب الخلائق غير الله، ما فرغ منه في يوم مقداره خمسون ألف سنة، ويفرغ الله منه مقدار نصف يوم من أيام الدنيا١، إذا أخذ في حساب الخلائق فذلك قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] يعني سرعة الحساب٢.
_________________
(١) = عنهما في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سموات ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ويوم كان مقداره ألف سنة يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. انظر: الدر المنثور "٢٧٩/٨". ١ قال الشوكاني ﵀: قال ابن إسحاق والكلبي ووهب بن منبه: أي عرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلها في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة، وبه قال مجاهد. وقال عكرمة وروي عن مجاهد أن مدة عمر الدنيا هذا المقدار لا يدري أحد كم مضى ولا كم بقي ولا يعلم ذلك إلا الله. وقال قتادة والكلبي ومحمد بن كعب: إن المراد يوم القيامة، يعني أن مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة، وهو سبحانه يفرغ منه في ساعة. انظر: فتح القدير "٤٠٤/٥" ٢ انظر: تفسير الطبري "١٨٣/١٧"، "٩١/٢١"، "٧٠/٢٩" وتفسير ابن كثير "٢٤٠/٣، ٤٧٦" "٤٤٤/٤" وتفسير الشوكاني "٤٦٠/٣" "٢٤٨/٤، ٢٥١" "٢٨٨/٥، ٢٩١".
[ ٧١ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾
وأما قوله:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٢، ٢٣] .
[ ٧١ ]
فأنكروا: أن كانوا مشركين.
وقال في آية أخرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] .
فشكوا في القرآن، وزعموا أنه متناقض١.
_________________
(١) ١ قال الشيخ الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] هذه الآية تدل على أن الكفار لا يكتمون من خبرهم شيئًا يوم القيامة، وقد جاءت آيات أُخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] وقوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] . ووجه الجمع في ذلك هو ما بَيَّنه ابن عباس -﵄- لما سئل عن قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] مع قوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وهو أن ألسنتهم تقول: والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. فكتم الحق باعتبار اللسان، وعدمه باعتبار الأيدي والأرجل، وهذا الجمع يشير إليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] . وأجاب بعض العلماء بتعدد الأماكن، فيكتمون في وقت ولا يكتمون في وقت آخر، والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٥٧/١٠، ٥٨".
[ ٧٢ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
أما قوله:
﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وذلك أن هؤلاء المشركين إذا رأوا ما يتجاوز الله عن أهل التوحيد يقول بعضهم لبعض: إذا سألنا نقول: لم نكن مشركين٢، فلما جمعهم الله، وجمع
_________________
(١) ٢ قال السيوطي ﵀: وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر، ولا يغفر الله لمشرك: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى
[ ٧٢ ]
أصنامهم وقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] .
قال الله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .
فلما كتموا الشرك، ختم الله على أفواههم، وأنطق الجوارح، فنطقت بذلك، فذلك قوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] . فأخبر الله ﷿ عن الجوارح حين شهدت، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) أَنفُسِهِمْ﴾ قال: بتكذيب الله إياهم. انظر: الدر المنثور "٢٥٩/٣". ١ انظر: تفسير الطبري "٩٣/٥" "١٦٥/٧" وتفسير ابن كثير "٥٢٩/١" "١٣٧/٢" وتفسير الشوكاني "١٥٥/٢، ١٥٦".
[ ٧٣ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾
أما قوله ﷿:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] .
وقال: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] .
وقال: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] .
وقال: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] .
ومن أجل ذلك شكت الزنادقة٢.
_________________
(١) ٢ قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] . هذه الآية الكريمة تدل على أن الكفار يزعمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا إلا يومًا أبو بعض يوم، وقد جاءت آيات أُخر يفهم منها خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ =
[ ٧٣ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾
أما قوله:
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾ وذلك إذا خرجوا من قبورهم، فنظروا إلى ما كانوا يكذبون به من أمر البعث، قال بعضهم لبعض: إن لبثتم في القبور إلا عشر ليال، واستكثروا العشر، فقالوا: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا﴾ في القبور، ثم استكثروا اليوم فقالوا: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ثم استكثروا القليل فقالوا: إن لبثتم إلا ساعة من نهار. فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . والجواب عن هذا بما دل عليه القرآن، وذلك أن بعضهم يقول: لبثنا يومًا أو بعض يوم وبعضهم يقول: لبثنا ساعة. وبعضهم يقول: لبثنا عشرًا. ووجه دلالة القرآن على هذا أنه بَيَّن أن أقواهم إدراكًا وأرجحهم عقلًا وأمثلهم طريقة هو من يقول: إن مدة لبثهم يومًا، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] فدل ذلك على اختلاف أقوالهم في مدة لبثهم، والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٤٦/١٠". ١ انظر: تفسير الطبري "١٠١/١٥، ١٠٦" "٢١٠/١٦" "٥٧/٢١" وتفسير ابن كثير "٤٩/٣، ١٧٤، ٤٥٨" وتفسير الشوكاني "٥٥٢/٣"، "٣٣٠/٤".
[ ٧٤ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾
وأما قوله:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] .
وقال في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] .
فقالوا: وكيف يكون هذا فيقولون: لا علم لنا.
[ ٧٤ ]
وأخبر عنهم أنهم يقولون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.
فزعموا أن القرآن ينقض بعضه بعضًا١.
_________________
(١) ١ قال الشيخ الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] . هذه الآية يفهم منها أن الرسل لا يشهدون يوم القيامة على أممهم. وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أنهم يشهدون على أممهم كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء﴾ [النحل: ٨٩] . والجواب من ثلاثة أجه: الأول: وهو اختيار ابن جرير، وقال فيه ابن كثير، لا شك أنه حسن، أن المعنى لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلم به منا، فلا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن عرفنا من أجابنا فإنما نعرف الظواهر، ولا علم لنا بالبواطن، وأنت المطلع على السرائر وما تخفي الضمائر فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم. الثاني: وبه قال مجاهد والسدي والحسن البصري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره أنهم قالوا: لا علم لنا لما اعتراهم من شدة هول يوم القيامة، ثم زال ذلك عنهم فشهدوا على أممهم. الثالث: وهو أضعفها، أن معنى قوله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمْ﴾ ماذا عملوا بعدكم؟ وما أحدثوا بعدكم؟ ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ ذكر ابن كثير وغيره هذ القول. ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٧٩/١٠، ٨٠".
[ ٧٥ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾
أما قوله:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] فإنه يسألهم عند زفرة جهنم، فيقول: ماذا أجبتم في التوحيد؟ فتذهب عقولهم عند زفرة جهنم، فيقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] ثم ترجع لهم عقولهم من بعد، فيقولون: ﴿هَؤُلاءِ
[ ٧٥ ]
الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) ١ قال الشوكاني ﵀: وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فيفزعون فيقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: ذلك أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: لا علم لنا. ثم نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قالوا: لا علم لنا. فرقًا يذهل عقولهم. ثم يرد الله إليهم عقولهم فيكونون هم الذين يسألون بقول الله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . انظر: فتح القدير "١٣٣/٢". وانظر أيضًا: تفسير الطبري "١٢٤/٧" "٢٠/١٢" وتفسير ابن كثير "١٢٣/٢"
[ ٧٦ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
وأما قوله:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] .
وقال في آية أخرى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] .
فقالوا: كيف يكون هذا؟ يخبر أنهم ينظرون إلى ربهم، وقال في آية أخرى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ .
فشكوا في القرآن، وزعموا أنه ينقض بعضه بعضًا٢.
_________________
(١) ٢ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] الآية. هذه الآية الكريمة توهم أن الله تعالى لا يُرى بالأبصار. وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه يُرى بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وكقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ =
[ ٧٦ ]
أما قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ يعني الحسن والبياض ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يعني تعاين ربها في الجنة.
_________________
(١) [ق: ٣٥] على أحد القولين، وكقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] يفهم من دليل خطابه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم. والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن المعنى لا تدركه الأبصار، أي في الدنيا، فلا ينافي الرؤية في الآخرة. الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة، وهذا قريب في المعنى من الأول. الثالث: وهو الحق: أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه. أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه، بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك. وحاصل هذا الجواب: أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية، لأن الإدراك المراد به الإحاطة. والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته، فمعنى: لا تدركه الأبصار: لا تحيط به، كما أنه تعالى يعلمه الخلق، ولا يحيطون به علمًا. وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص، لا يستلزم نفي الأعم، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية، مع أن الله تعالى لا يدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق. والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعًا: "حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقًا. الحاصل: أن رؤيته تعالي بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة، لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلا، ويدل لجوازها عقلا قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] لأنه لا يجهل الجائز في حق الله تعالى عقلا. وأما في الشرع فهي جائزة وواقعة في الأخرة ممتنعة في الدنيا، ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعا: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة، والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٨٤/١٠، ٨٥".
[ ٧٧ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾
وأما قوله:
﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يعني في الدنيا دون الآخرة، وذلك أن اليهود قالوا لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ﴾ [النساء: ١٥٣] .
فماتوا وعوقبوا لقولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وقد سألت مشركو قريش النبيﷺ- فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٣] .
فلما سألوا النبي -ﷺ- هذه المسألة قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨] .
حين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ﴾ الآية.
فأنزل الله سبحانه يخبر أنه ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، أي أنه لا يراه أحد في الدنيا دون الآخرة.
فقال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يعني في الدنيا، أما في الأخرة فإنهم يرونه. فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) ١ قال ابن القيم ﵀: الدليل السادس قوله ﷿: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والاستدلال بهذا أعجب، فإنه من أدلة النفاة. وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه، وقال لي: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله، إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرؤية، أدل منها على امتناعها، فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به. وإنما يمدح الرب -﵎- بالعدم إذا تضمن أمرًا وجوديًّا كتمدحه، بنفي السِّنة والنَّوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللُّغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته، ولِمَ لَمْ يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرًا ثبوتيًّا، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أنه لا يرى بحال، ولم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار، والرب -ﷻ- يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض، فإذا المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] أنه يعلم كل شيء وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أنه كامل القدرة، وفي قوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] أنه كامل العدل، وفي قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أنه كامل القيومية. انظر: حادي الأرواح "ص: ٢٠٧، ٢٠٨". وانظر أيضًا تفسير الطبري "٢٩٩/٧" "١٩١/١٤" وتفسير ابن كثير "١٧٤/٢" "٤٧٧/٤".
[ ٧٨ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
وأما قول موسى:
﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
وقال السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١] .
وقال النبي ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] .
قالوا: كيف قال موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
[ ٧٩ ]
وقد كان قبله إبراهيم ويعقوب وإسحاق، فكيف جاز لموسى أن يقول: ﴿وأَنا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقالت السحرة: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكيف جاز للنبي أن يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقد كان قبله مسلمون كثير، مثل عيسى ومن تبعه؟ فشكُّوا في القرآن وقالوا: إنه متناقض١.
_________________
(١) ١ قال السيوطي ﵀: وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال: من سؤالي إياك الرؤية ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: أول قومي إيمانًا. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: قد كان إِذَنْ قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. انظر: الدر المنثور "٥٤٧/٣" وقال الشوكاني ﵀: ﴿وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بل قبل قومي الموجودين في هذا العصر المعترفين بعظمتك وجلالك. انظر: فتح القدير "٣٥٥/٢". وقال السيوطي ﵀: وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ قال: ضحيتي. وفي قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: من هذه الأمة. انظر: الدر المنثور "٤١٠/٣" وفتح القدير "٢٧١/٢" وقال السيوطي ﵀: وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿لا ضَيْرَ﴾ قال: يقولون: لا يضرنا الذي تقول، وإن صنعت بنا وصلبتنا ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ يقول: إنا إلى ربنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا وثباتنا على توحيده والبراءة من الكفر به، وفي قوله: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رآها. انظر الدر المنثور: "٢٩٣/٦" وقال الشوكاني ﵀: وفي قوله: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا: كانوا كذلك =
[ ٨٠ ]
أما قول موسى: ﴿وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ولا يراني أحد في الدنيا، إلا مات.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
يعني أول المصدقين، أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات.
وأما قول السحرة: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أول المصدقين بموسى من أهل مصر من القبط.
وأما قول النبي ﷺ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني من أهل مكة. فهذا تفسير ما شكَّت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) = يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها. انظر: فتح القدير "١٤٤/٤" ١ انظر: تفسير الطبري "١١٢/٨" "٥٥/٩" "٧٤/١٩" وتفسير ابن كثير "٢١٤/٢، ٢٦٣" "٣٥٠/٣".
[ ٨١ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾
وأما قوله:
﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]
وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] .
[ ٨١ ]
فشكُّوا في القرآن وقالوا: إنه ينقض بعضه بعضًا١.
أما قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ .
يعني عذاب ذلك النار الذي هم فيه.
وأما قوله: ﴿فإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ .
وذلك أن الله مسخهم خنازير. فعذبهم بالمسخ ما لم يعذب من سواهم من الناس، وأما قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ .
_________________
(١) ١ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] . هذه الآية الكريمة تدل على أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة. وقد جاء في بعض الآيات ما يوهم خلاف ذلك كقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] . والجواب أن آية: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وآية: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ لا منافاة بينهما؛ لأن كلا من آل فرعون والمنافقين في أسفل دركات النار في أشد العذاب، وليس في الآيتين ما يدل على أن بعضهم أشد عذابًا من الآخر. وأما قوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُه﴾ الآية، فيجاب عنه من وجهين: الأول: وهو ما قاله ابن كثير: إن المراد بالعالمين عالمو زمانهم، وعليه فلا إشكال، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] كما تقدم. الثاني: ما قاله البعض: من أن المراد به العذاب الدنيوي، الذي هو مسخهم خنازير، ولكن يدل أنه عذاب الآخرة ما رواه ابن جرير عن عبد الله بن عمرو -﵄- أنه قال: أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٨٠/١٠".
[ ٨٢ ]
لأن جهنم لها سبعة أبواب: جهنم، ولظى، الحطمة، وسقر، والسعير، والجحيم، والهاوية، وهم في أسفل درك١ فيها٢.
_________________
(١) ١ قال السيوطي ﵀: وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: جهنم والسعير ولظى والحطمة وسقر والجحيم والهاوية، وهي أسفلها. وقال أيضًا: وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج -﵁- في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. والجحيم فيها أبو جهل. وقال أيضًا: وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الأعمش -﵁- قال: أسماء أبواب جهنم: والحطمة والهاوية ولظى وسقر والجحيم والسعير وجهنم، والنار هي جماع. انظر الدر المنثور: "٨٠/٥-٨٢". ٢ انظر: تفسير الطبري "٣٣٨/٥" "١٣٦/٧" "٧١/٢٤" وتفسير ابن كثير "٦٠٧/١" "١٢٩/٢" "٨٧/٤".
[ ٨٣ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ .
وأما قول الله تعالى:
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] .
ثم قال: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدُّخان: ٤٣، ٤٤] .
فقد أخبر أن لهم طعامًا فشكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض٣.
_________________
(١) ٣ قال الشيخ الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ظاهر هذا الحصر أنه لا طعام لأهل النار إلا الغسلين، وهو ما يسيل من صديد أهل النار على أصح التفسيرات، كأنه فعلين من الغسل، لأن الصديد كأنه غسالة قروح أهل النار. أعاذنا الله والمسلمين منها. وقد جاءت آية أخرى تدل على حصر طعامهم في غير الغسلين، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو الشبرق اليابس على أصح التفسيرات، ويدل لهذا قول أبي ذؤيب: رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وصار ضريعًا بان عنه النحائص =
[ ٨٣ ]
أما قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ يقول: ليس لهم طعام في ذلك الباب إلا من ضريع، ويأكلون الزقوم في غير ذلك الباب، فذلك قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ فهذا ما شكَّت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) = وللعلماء عن هذا أجوبة كثيرة، أحسنها عندي اثنان منها: الأول: أن العذاب ألوان، والمعذبون طبقات، فمنهم من لا طعام له إلا من غسلين ومنهم من لا طعام له إلا من ضريع، ومنهم من لا طعام له إلا الزقوم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] . الثاني: أن المعنى في جميع الآيات أنهم لا طعام لهم أصلا، لأن الضريع لا يصدق عليه اسم الطعام، ولا تأكله البهائم فأحرى الآدميون. وكذلك الغسلين ليس من الطعام، فمن طعامه الضريع لا طعام له، ومن طعامه الغسلين كذلك. ومنه قولهم: فلان لا ظل له إلا الشمس، ولا دابة له إلا دابة ثوبه، يعنون العمل ومرادهم: لا ظل له أصلا، ولا دابة له أصلا. وعليه فلا إشكال. والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٢٠١/١٠". ١ انظر تفسير الطبري "١٣٠/٢٥"، "١٦١/٣٠" وتفسير ابن كثير "٤/ ١١".
[ ٨٤ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾
وأما قوله:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] .
وقال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] .
فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟! يخبر أنه مولى من آمن، ثم قال: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] فشكُّوا في القرآن٢.
_________________
(١) ٢ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [[الأنعام: ٦٢] =
[ ٨٤ ]
أما قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقول: ناصر الذين آمنوا، وأن الكافرين لا ناصر لهم.
وأما قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] لأن في الدنيا أرباب باطل. فهذا ما شكَّت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) = هذه الآية الكريمة تدل على أن الله مولى الكافرين، ونظيرها قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠] . وقد جاء في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] . والجواب عن هذا: أن معنى كونه مولى الكافرين أنه مالكهم المتصرف فيهم بما شاء، ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين أي ولاية المحبة والتوفيق والنصر، والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضراب "٨٢/١٠" ١ انظر: تفسير الطبري "٢١٨/٧" "٤٧/٢٦" وتفسير ابن كثير "١٤٩/٢" "١٨٨/٤".
[ ٨٥ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
وأما قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] .
وقال في آية أخرى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] .
فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ ٢
أما قوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ يعني العادلون
_________________
(١) ٢ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] لا يعارض قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] لأن القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، فهما ضدان. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٢٠٣/١٠".
[ ٨٥ ]
بالله، الذين يجعلون لله عدلا من خليقته فيعبدونه مع الله.
وأما قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] .
يقول: اعدلوا فيما بينكم وبين الناس، إن الله يحب الذين يعدلون.
وقال في آية أخرى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] يعني: يشركون، فهذا ما شكَّت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري "١١٣/٢٩" وتفسير ابن كثير "٦٤/٢" "٤٥٧/٤".
[ ٨٦ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
وأما قوله:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .
وقال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .
وكأن هذا عند من لا يعرف معناه ينقض بعضه بعضًا٢.
_________________
(١) ٢ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] . هذه الآية الكريمة تدل على أن من لم يهاجر لا ولاية بينه وبين المؤمنين حتى يهاجر، وقد جاءت آية أخرى يفهم منها خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فإنها تدل على ثبوت الولاية بين المؤمنين وظاهرها العموم. والجواب من وجهين: الأول: أن الولاية المنفية في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] هي ولاية الميراث، أي مالكم شيء من ميراثهم حتى يهاجروا؛ لأن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالمؤاخاة التي جعلها النبي -ﷺ- بينهم، فمن مات من المهاجرين ورثه أخوه الأنصاري دون أخيه المؤمن، الذي لم يهاجر، حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] الآية. وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، كما نقله عنهم أبو حيان وابن جرير =
[ ٨٦ ]
أما قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ يعني من الميراث، وذلك أن الله -﷿- حكم على المؤمنين لما هاجروا إلى المدينة أن لا يتوارثوا إلا بالهجرة، فإن مات رجل بمكة له ولي مهاجر مع النبي -ﷺ- كان لا يرثه المهاجر، فذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ من الميراث ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فلما كثر المهاجرون رد الله ذلك الميراث على الأولياء هاجروا أو لم يهاجروا، وذلك قوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] .
وأما قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يعني في الدين، والمؤمن يتولى المؤمن في دينه.
_________________
(١) = والولاية في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ولاية النصر والمؤازرة والتعاون والتعاضد؛ لأن المسلمين كالبنيان يشد بعضه بعضًا، كالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وهذه الولاية لم تقصد بالنفي في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بدليل تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه: ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية. فأثبت ولاية النصر بينهم بعد قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يدل على أن الولاية المنفية غير ولاية النصر، فظهر أن الولاية المنفية غير المثبتة، فارتفع الإشكال. الثاني: هو ما اقتصر عليه ابن كثير مستدلا عليه بحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم أن معنى قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: لا نصيب لكم في المغانم ولا في خمسها إلا فيما حضرتم فيه القتال، وعليه فلا إشكال في الآية ولا مانع من تناول الآية للجميع، فيكون المراد بها نفي الميراث بينهم، ونفي القسم لهم في الغنائم والخمس. والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٩٩/١٠، ١٠٠".
[ ٨٧ ]
فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري "٥١/١٠" وتفسير ابن كثير "٣٥٢/٢". قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الشيطان له سلطان على أوليائه ونظيرها الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على نفي سلطانه عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢٠، ٢١] الآية. وقوله تعالى حاكيًا عنه مقررًا له: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. والجواب: هو أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه، وذلك من وجهين: الأول: أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة، فلم يكن لإبليس عليهم حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه، بلا حجة ولا برهان، وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن. الثاني: أن الله لم يقل: له عليهم سلطان ابتداء ألبتة. ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم، ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٢٠/١٠، ١٢١". وانظر أيضًا: عدة الصَّابرين لابن القيم "ص: ٢١، ٢٢".
[ ٨٨ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾
وأما قوله لإبليس:
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] .
وقال موسى حين قتل النفس: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] .
فشكُّوا في القرآن، وزعموا أنه متناقض٢.
[ ٨٨ ]
أما قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يقول: عبادي الذين استخلصهم الله لدينه ليس لإبليس عليهم سلطان، أن يضلهم في دينهم أو في عبادة ربهم، ولكنه يصيب منهم من قِبَلِ الذنوب، فأما في الشرك فلا يقدر إبليس أن يضلهم عن دينهم؛ لأن الله سبحانه استخلصهم لدينه. وأما قوله موسى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ يعني: من تزيين الشيطان، كما زين ليوسف ولآدم وحواء، وهم عباد الرحمن المخلصون. فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري "٣٤/١٤" "٤٦/٢٠" وتفسير ابن كثير "٥٩٦/٢" "٣٩٩/٣.
[ ٨٩ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾
وأما قول الله للكفار:
﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] .
وقال في آية أخرى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢] .
فشكُّوا في القرآن٢.
أما قوله: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يقول: نترككم في النار ﴿كَمَا نَسِيتُمْ﴾ كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا.
_________________
(١) ٢ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ﴾ [الأعراف: ٥١] الآية. وأمثالها من الآيات كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٦] وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾ [الجاثية: ٣٤] الآية. لا يعارض قوله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، لأن معنى ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ﴾ ونحوه، أي نتركهم في العذاب محرومين من كل خير، والله تعالى أعلم. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٩٤/١٠".
[ ٨٩ ]
وأما قوله: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ يقول: لا يذهب من حفظه ولا ينساه ١.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري "١٧٣/١٦" "١٥٨/٢٥" وتفسير ابن كثير "١٦٥/٣" "١٦٤/٤".
[ ٩٠ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
وأما قوله:
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٥] .
وقال في الآية الأخرى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .
فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ فيقول: إنه أعمى، ويقول: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فشكُّوا في القرآن٢.
_________________
(١) ٢ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن الكفار يوم القيامة ينظرون بعيون خفية ضعيفة النظر، وقد جاءت آية أخرى يتوهم منها خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . والجواب: هو ما ذكره صاحب الإتقان، من أن المراد بحدة البصر: العلم وقوة المعرفة. قال قطرب: فبصرك أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم: بصر بكذا أي علم، وليس المراد رؤية العين. قال الفارسي: ويدل على ذلك قوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ . وقال بعض العلماء: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي تدرك به ما عميت عنه في دار الدنيا، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢] الآية. وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] الآية، وقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] . ودلالة القرآن على هذا الوجه الأخير ظاهرة، فلعله هو الأرجح، وإن اقتصر صاحب الإتقان على الأول. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٧٦/١٠". =
[ ٩٠ ]
أما قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] عن حجته، وقال: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ عن حجتي ﴿وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ بها مخاصمًا بها، فذلك قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] .
يقول: الحجج ﴿فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦]، وأما قوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ .
وذلك أن الكافر إذا خرج من قبره، شخص بصره، ولا يطرف بصره حتى يعاين جميع ما كان يكذب به من أمر البعث، فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .
يقول: غطاء الآخرة. فبصرك يحد النظر، لا يطرف حتى يعاين جميع ما كان يكذب به من أمر البعث، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) = وقال أيضًا ﵀: قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيمة في حال كونه أعمى، وأن المراد بقوله: أعمى، أي أعمى البصر لا يرى شيئًا. والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] فصرَّح بأن عَمَاه هو العمى المقابل للبصر، وهو بصر العين؛ لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب، كما دلت على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله. انظر: أضواء البيان "٤١٣/٤، ٤١٤" "٢٧٦/٦، ٢٧٧". ١ انظر: تفسير الطبري "٢٢٨/١٦" "١٦٣/٢٦" وتفسير ابن كثير "١٧٩/٣" "٢٤١/٤".
[ ٩١ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
وأما قوله لموسى:
﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] .
وقوله في موضع آخر: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] .
[ ٩١ ]
وقالوا: كيف قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ .
فشكوا في القرآن من أجل ذلك١.
أما قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ فهذا في مجاز اللغة٢، يقول الرجل للرجل: إنا سنجري عليك رزقًا، إنا سنفعل بك كذا.
وأما قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فهو جائز في اللغة، يقول الرجل الواحد للرجل: سأجري عليك رزقًا، أو سأفعل بك خيرًا ٣.
قال الإمام أحمد ﵀: وكذلك الجهم٤ وشيعته، دعوا الناس إلى المتشابه٥ من القرآن والحديث، فضلوا وأضلوا بكلامهم
_________________
(١) ١ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] . صيغة الجمع في قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ للتعظيم. ٢ انظر: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للشيخ الشنقيطي -﵀- "٢٣٧/١٠-٢٦٥" ملحق أضواء البيان. ٣ انظر: تفسير الطبري "١٧٠/١٦" "٦٥/١٩" وتفسير ابن كثير "١٦٤/٣، ٣٤٧". ٤ الجهم: هو ابن صفوان الراسبي أبو محرز. قال الذهبي: أبو محرز السمرقندي الضال المبتدع، رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئًا، لكنه زرع شرًّا عظيمًا. "ميزان الاعتدال" "٤٢٦/١ رقم: ١٥٨٤". ٥ عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. أخرجه الدارمي "رقم: ١٢١" وابن بَطَّة في الإبانة الكبرى "رقم: ٦٢، ٦٣" واللالكائي "رقم: ٢٠٣". وشبهات القرآن أي المتشابه وترك المحكم. وقد تقدم حديث عائشة: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". وهو عند مسلم "رقم: ٢٦٦٥".
[ ٩٢ ]
شك الزنادقة في قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾
فذلك قوله:
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] الآية.
فإذا أذن لهم في الكلام فتكلموا واختصموا، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند الحساب وإعطاء المظالم، ثم يقال لهم بعد ذلك.
﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: عندي: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] فإن العذاب مع هذا القول كائن١.
وأما قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] .
وقال في آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]
فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ .
ثم يقول في موضع آخر: إنه ينادي بعضهم بعضًا؟ فشكوا في القرآن من أجل تلك٢.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري "٢٤٣/٢٩". ٢ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] الآية. هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يبعثون يوم القيامة عميًا وبكمًا وصمًّا، وقد جاءت آيات أُخر تدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] وكقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] =
[ ٦٢ ]
أما تفسير: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ .
فإنهم أول ما يدخلون النار يكلم بعضهم بعضًا، وينادون: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] .
ويقول: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] و﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] فهم يتكلمون حتى قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] .
فصاروا عميًا وبكمًا وصمًّا، وينقطع الكلام ويبقى الزفير والشهيق.
فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة من قول الله١.
_________________
(١) = وكقوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] الآية. والجواب على هذا من أوجه: الوجه الأول: هو ما استظهره أبو حيان من كون المراد مما ذكر حقيقته، ويكون ذلك في مبدأ الأمر، ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم، فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع. الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئًا يسرهم ولا يسمعون كذلك ولا ينطقون بحجة كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه، وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. وروي أيضًا عن الحسن كما ذكره الألوسي في تفسيره، فنزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به، كما تقدم نظيره. الوجه الثالث: أن الله إذا قال لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون. وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدرة. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٢٨/١٠". ١ انظر: تفسير الطبري "٢٠١/٨" وتفسير ابن كثير "٧٠/٣" وتفسير الشوكاني "٢٦١/٣".
[ ٦٣ ]