مدخل
بشرًا كثيرًا. فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله، أنه كان من أهل خرسان. من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام١، وكان أكثر كلامه في الله تعالى، فلقي أناسًا من المشركين يقال لهم: السمنية٢ فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك٣، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له:
"ألست تزعم أن لك إلَهًا؟
_________________
(١) ١ عن عمر بن عبد العزيز -﵀- قال: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل. أخرجه الدارمي "رقم: ٣١٠" واللالكائي "رقم: ٢١٦" وابن بطة "رقم: ٥٤٤-٥٤٨". وعن معاوية بن قرة قال: الخصومات في الدين تحبط الأعمال. أخرجه اللالكائي "رقم: ٢٢١" وابن بطة "رقم: ٥٤١". ٢ السمنية، قال ابن تيمية: هم الذين يحكي أهل المقالات عنهم أنهم أنكروا من العلم ما سوى الحسيات، ولهذا سألوا جهمًا: هل عرفه بشيء من الحواس الخمس؟ فقال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ فإنهم لا يعرفون إلا المحسوس، وليس مرادهم أن الرجل لا يعلم إلا ما أحسه، بل لا يثبتون إلا ما هو محسوس للناس في الدنيا. انظر: تعارض العقل والنقل "٤١٠/٢، ٤١١". ٣ عن معن بن عيسى قال: انصرف مالك بن أنس يومًا من المسجد، وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الجيرية كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئًا أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأيي. قال: فإن غلبتني؟ قال: إن غلبتك اتبعتني. قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه قال مالك ﵀: يا عبد الله بعث الله محمدًا -ﷺ- بدين واحد، وأراك تنتقل من دين إلى دين. قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل. أخرجه ابن بطة "رقم: ٥٦٢".
[ ٩٣ ]
قال الجهم: نعم.
فقالوا له: فهل رأيت إلهك!.
قال: لا.
قالوا: فهل سمعت كلامه؟
قال: لا.
قالوا: فشممت له رائحة؟
قال: لا.
قالوا: فوجدت له حسًّا؟
قال: لا.
قالوا: فوجدت له مجسًّا؟
قال: لا.
قالوا: فما يدريك أنه إله؟ ١.
قال: فتحير الجهم فلم يدرِ من يعبد أربعين يومًا٢. ثم إنه
_________________
(١) ١ ذكر هذه المناظرة ابن تيمية -﵀- في بيان تلبيس الجهمية "٣١٨/١، ٣١٩" "٥٣/٢، ٥٤" "٣٥٠/٢، ٣٥١" وفي درء تعارض العقل والنقل "٤١٠/٢" وأخرجها بسنده ابن بطة في الإبانة عن مقاتل بن سليمان "٨٦/٢-٨٩ رقم: ٣١٧" واللالكائي عن خلف بن سليمان البلخي "٣٨٠/٣ رقم: ٦٣٤، ٦٣٥". وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية "ص: ٢٠٦، ٢٠٧". ١ قال البخاري ﵀: وقال ضمرة عن ابن شوذب: ترك الجهم الصلاة أربعين يومًا على وجه الشك، فخاصمه بعض السمنية، فشك، فأقام أربعين يومًا لا يصلي. قال =
[ ٩٤ ]
اعتماد الجهم على ثلاثة آيات من المتشابه
استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى، وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله، فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه، فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائبة عن الأبصار.
فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة، فقال للسمني:
ألست تزعم أن فيك روحًا؟
قال: نعم.
فقال: هل رأيت روحك؟
قال: لا.
قال: فسمعت كلامه؟
قال: لا.
قال: فوجدت له حسًّا؟
قال: لا.
قال: فكذلك الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان. ووجد ثلاث آيات من المتشابه:
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
_________________
(١) = ضمرة: وقد رآه ابن شوذب. انظر: خلق أفعال العباد للبخاري "ص: ٣١".
[ ٩٥ ]
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] .
﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ١.
_________________
(١) ١ قال ابن القيم ﵀: فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية. ثم قال: قال ابن عباس: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لا تحيط به الأبصار. قال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال عطية: ينظرون إلى الله، ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ فالمؤمنون يرون ربهم -﵎- بأبصارهم عيانًا، ولا تدركه أبصارهم بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله -﷿- بأن شيئًا يحيط به وهو بكل شيء محيط، وهكذا يسمع كلام من يشاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يعلم الخلق ما علمهم ولا يحيطون بعلمه. ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها، وإلا فلو أريد بها نفي الصفات لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه. مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلان لا مثيل له، وليس له نظير ولا شبيه ولا مثل إنه قد تميز عن الناس بأوصاف ونعوت لا يشاركونه فيها وكلما كثرت أوصافه ونعوته فاق أمثاله وبعد عن مشابهة أضرابه. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه، فإنه لم يخلقهم في ذاته، بل خلقهم خارجًا عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه وهو يعلم ما هم عليه، فيراهم وينفذهم بصره، ويحيط بهم علمًا وقدرة وإرادة وسمعًا وبصرًا، فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا. وتأمل حسن هذه =
[ ٩٦ ]
فبنى أصل كلامه على هذه الآيات١، وتأوَّل القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله -ﷺ- وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرًا، وكان من المشبهة، فأضل بكلامه بشرًا كثيرًا، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد٢ بالبصرة ووضع دين
_________________
(١) = المقابلة لفظًا ومعنى بين قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، وللطفه وخبرته يدرك الأبصار فلا تخفى عليه، فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته، العالي في قربه القريب في علوه، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. انظر: حادي الأرواح "ص: ٤١٢-٤١٤". ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل "٤١٤/٢، ٤١٥": وذكر أحمد أن الجهم اعتمد من القرآن على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها: آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة، وآية نفي المثل لينفي بها الصفات ويجعل من أثبتها مشبهًا، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] لينفي بها علوه على العرش أو ليثبت بها مع ذلك الحلول والاتحاد وعدم مباينته للمخلوقات. وهذه أصول الجهمية من المعتزلة: أصحاب عمرو بن عبيد، ومن دخل في التجهم أو الاعتزال أو بعض فروع ذلك من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد مع أن هؤلاء الأئمة من أبعد الناس عن أصول الجهمية والمعتزلة. ٢ قال الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال "٢٧٣/٣-٢٨٠، رقم: ٦٤٠٤": عمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان البصري المعتزلي القدري مع زهده وتألهه. قال ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أيوب ويونس: يكذب. وقال حميد: كان يكذب على الحسن. وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث، واعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه فسموا =
[ ٩٧ ]
الجهمية١، فإذا سألهم الناس عن قول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع، كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، ولم يتكلم، ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة، ولا يفعل ولا له غاية، ولا له منتهى. ولا يدرك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع
_________________
(١) = المعتزلة. قال: وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث وهمًا لا تعمدًا. وقال الدارقطني وغيره: ضعيف. قال الفلاس: عمرو متروك صاحب بدعة. وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية "٢٧٥/١": وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأول، ورأس المعتزلة، سمي به؛ لاعتزال حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل المشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي. ١ قال ابن تيمية -﵀- في درء تعارض العقل والنقل "٤١٠/٢، ٤١١": قلت: فهذا الذي ذكره الإمام أحمد في مناظرة جهم لأولئك السمنية، هم الذين يحكي أهل المقالات عنهم أنهم أنكروا من العلم ما سوى الحسيات، ولهذا سألوا جهمًا: هل عرفه بشيء من الحواس الخمس؟ فقال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ فإنهم لا يعرفون إلا المحسوس، وليس مرادهم أن الرجل لا يعلم إلا ما أحسه، بل لا يثبتون إلا ما هو محسوس للناس في الدنيا. وهؤلاء كالمعطلة الدهرية الطبائعية من فلاسفة اليونان ونحوهم، الذين ينكرون ما سوى هذ الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه، وهو وجود الأفلاك وما فيها. ثم قال ﵀: والحجة التي ذكرها أحمد عن الجهم أنه احتج بها على السمنية، هي من أعظم حجج هؤلاء النفاة الحلولية منهم، ونفاة الحلول والمباينة جميعًا، فإن النفاة تارة يقولون بالحلول والاتحاد أو نحو ذلك، وتارة يقولون: لا مباين للعالم ولا داخل فيه.
[ ٩٨ ]
كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله، ولا يكون فيه شيئان، ولا يوصف بوصفين مختلفين، وليس له أعلى ولا أسفل، ولا نواحي ولا جوانب، ولا يمين، ولا شمال، ولا هو خفيف ولا ثقيل، ولا له لون، ولا له جسم، وليس هو بمعلوم ولا معقول وكل ما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه١.
قال أحمد: وقلنا: هو شيء.
فقالوا: هو شيء لا كالأشياء.
فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل، أنه لا شيء.
فعند ذلك، تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء ولكن يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون من العلانية٢.
_________________
(١) ١ قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية "٣١٥/١": وهذا معنى قول المؤسس وذويه: إنه على خلاف الحس والخيال أو العقل وقد تقدم ذكر ذلك. ثم طفق ابن تيمية يستشهد بكلام الإمام أحمد ويعلق عليه ويوضح ويفند ويشرح ويرد على الجهمية. ٢ قال ابن تيمية -﵀- في بيان تلبيس الجهمية "٣٥٢/٢": والمقصود أنه بَيَّنَ أن وصفه بأنه لا يعرف بشيء من الحواس هو أصل كلامه الذي لزمه به التعطيل، وأنه لا يثبت شيئًا، لأن ما لا يكون كذلك لا يكون شيئًا. وهذا أمر مستقر في فطر المؤمنين لا يشكون في أن الله تعالى قادر على أن يريهم نفسه، وإنما يشُكُّون هل يكون ذلك أو لا يكون؟ كما سأل المؤمنون النبي -ﷺ- هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "نعم، هل تضارون في رؤية الشمس" وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة، فإنما كانوا شاكين: هل يرون ربهم؟ لم يكونوا =
[ ٩٩ ]
فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟
قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق.
فقلنا: هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة.
قالوا: نعم.
فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تؤمنون بشيء، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرونه.
فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى.
قالوا: لم يتكلم ولا يكلم؛ لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح منفية.
فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر، ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله١.
_________________
(١) = شاكين: هل يقدر على أن يريهم نفسه؟ ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في درء تعارض العقل والنقل "٤١٥/٢، ٤١٦": فهذا الذي وصفه الإمام أحمد وغيره من علماء السلف من كلام الجهمية، وهو كلام من وافقهم من القرامطة والباطنية والمتفلسفة المتبعين لأرسطو كابن سينا وأمثاله ممن يقول: إنه الوجود المطلق أو المقيد بالقيود السلبية، ونحو ذلك، وهو حقيقة كلام القائلين بوحدة الوجود. ولهذا ذكر عنهم أنهم سلبوه كل ما يتميز به موجود عن موجود، فسلبوه الصفات والأفعال وسائر ما يختص بموجود. ولما قالوا: هو شيء لا كالأشياء. علم الأئمة مقصودهم، فإن الموجودين لابد أن يتفقا في مسمى الوجود. والشيئين لابد أن يتفقا في مسمى الشيء، فإذا لم يكن هناك =
[ ١٠٠ ]
تفسير الجهمية لجعل بمعنى خلق والرد عليهم
فمما يسأل عنه يقال له: تجد في كتاب الله آية تخبر عن القرآن أنه مخلوق؟ فلا يجد.
فيقال له: فتجده في سنة رسول الله -ﷺ- أنه قال: إن القرآن مخلوق. فلا يجد.
فيقال له: فمن أين قلت؟
فيقول من قول الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] .
وزعم أن: جعل، بمعنى: خلق، فكل مجعول هو مخلوق، فادعى كلمة من الكلام المتشابه يحتج بها من أراد أن يلحد في تنزليه، ويبتغي
_________________
(١) = قدر اتفقا فيه أصلا، لزم أن لا يكونا جميعًا موجودين، وهذا مما يعرف بالعقل. ولهذا قال الإمام أحمد: "فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء" فبين أن هذا مما يعرف بالعقل، وهذا مما يعلم بصريح المعقولات. ولهذا كان قول جهم المشهور عنه، الذي نقله عن عامة الناس أنه لا يسمى الله شيئًا؛ لأن ذلك -بزعمه- يقتضي التشبيه؛ لأن اسم الشيء إذا قيل على الخالق والمخلوق لزم اشتراكهما في مسمى الشيء، وهذا تشبيه بزعمه. وقوله: باطل، فإنه سبحانه وإن كان لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من الأشياء فمن المعلوم بالعقل أن كل شيئين فهما متفقان في مسمى الشيء، وكل موجودين فيها متفقان في مسمى الوجود، وكل ذاتين فهما متفقان في مسمى الذات، فإنك تقول: الشيء والموجود والذات ينقسم إلى: قديم ومحدث، وواجب وممكن، وخالق ومخلوق. ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام. وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، وبينا غلط من جعل اللفظ مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا. وهذا الذي نبَّه عليه الإمام أحمد من أن مسمى الشيء والوجود ونحو ذلك معنى عام كلي، تشترك فيه الأشياء كلها والموجودات كلها، هو المعلوم بصريح العقل، الذي عليه عامة العقلاء.
[ ١٠١ ]
الفتنة في تأويلها، وذلك أن: جعل، في القرآن من المخلوقين على وجهين على معنى التسمية، وعلى معنى فعل من أفعالهم١.
وقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] .
قالوا: هو شعر وأنباء الأولين، وأضغاث أحلام، فهذا على معنى التسمية٢. قال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] . يعني أنهم سموهم إناثًا.
ثم ذكر: جعل، على معنى التسمية فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] . فهذا على معنى فعل من أفعالهم٣.
وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] هذا على معنى فعل، فهذا جعل المخلوقين، ثم جعل من أمر الله على معنى غير خلق،
_________________
(١) ١ قال ابن بطة -﵀- في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية "١٥٧/٢": فقلنا: إن الله -﷿- قد منعك أيها الجهمي، الفهمَ في القرآن حين جعلت كل مجعول مخلوقًا، وأن كل جعل في كتاب الله هو بمعنى خلق، فمن ههنا بُليت بهذه الضلالة القبيحة، حين تأولت كتاب الله بجهلك وهوى نفسك، وما زينه لك شيطانك وألقاه على لسانك وإخوانك، وذلك أننا نجد الحرف الواحد في كتاب الله -﷿- على لفظ واحد ومعانيه مختلفة في آيات كثيرة، تركنا ذكرها لكثرتها وقصدنا لذكر الآية التي احتججت بها. فـ ﴿جَعَلَ﴾ في كتاب الله -﷿- على غير معنى: خلق. فجعل من المخلوقين على معنى وصف من أوصافهم، وقسم من أقسامهم، وجعل أيضًا على معنى فعل من أفعالهم لا يكون خلقًا ولا يقوم مقام الخلق، فتفهموا الآن ذلك وأعقلوه. ٢ اعتمد ابن بَطَّة في كتابه "الإبانة" على ما قرره الإمام أحمد -﵀- هنا في رده على الجهمية. انظر: الإبانة "١٥٧/٢، ١٥٨". ٣ انظر: الإبانة "١٥٩/٢".
[ ١٠٢ ]
لا يكون إلا خلق، ولا يقوم إلا مقام خلق خلقًا لا يزول عنه المعنى، وإذا قال الله: جعل، على غير معنى خلق لا يكون خلق، ولا يقوم مقام الخلق، ولا يزول عنه المعنى.
فمما قال الله: جعل، على معنى: خلق، قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، يعني وخلق الظلمات والنور١.
وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ [النحل: ٧٨] .
يقول: وخلق لكم السمع والأبصار.
وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] .
ويقول: وخلقنا الليل والنهار آيتين٢.
وقال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] .
وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] .
يقول: خلق منها زوجها. يقول: وخلق من آدم حواء.
وقال: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [النمل: ٦١] .
يقول: وخلق لها رواسي، ومثله في القرآن كثير، فهذا وما كان مثله لا يكون إلا على معنى خلق.
_________________
(١) ١ انظر: الإبانة "١٥٩/٢". ٢ انظر: الإبانة "١٥٩/٢".
[ ١٠٣ ]
ثم ذكر: جعل، على غير معنى: خلق، قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] لا يعني: ما خلق الله من بحيرة ولا سائبة.
وقال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] .
لا يعني إني خالق للناس إمامًا؛ لأن خلق إبراهيم كان متقدمًا١.
وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] .
لا يعني: اخلقني مقيم الصلاة٢.
وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] .
وقال لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] .
لا يعني: وخالقوه من المرسلين؛ لأن الله وعد أم موسى أن يرده إليها، ثم يجعله بعد ذلك رسولًا٣.
وقال: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] .
وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] .
_________________
(١) ١ انظر: الإبانة "١٦١/٢". ٢ انظر: الإبانة "١٦١/٢". ٣ انظر: الإبانة "١٦١/٢".
[ ١٠٤ ]
وقال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
لا يعني: وخلقه دكًّا. ومثله في القرآن كثير.
فهذا وما كان على مثاله لا يكون على معنى: خلق، فإذا قال الله: جعل، على معنى خلق، وقال: جعل، على غير معنى خلق، فبأي حجة قال الجهمي: جعل على معنى خلق؟ فإن رد الجهمي الجعل إلى المعنى الذي وصفه الله فيه، وإلا كان من الذين يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون١.
فلما قال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] .
وقال: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٤، ١٩٥] .
وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] .
فلما جعل الله القرآن عربيًّا ويسره بلسان نبيه -ﷺ- كان ذلك فعلًا من أفعال الله -﵎- جعل القرآن به عربيًّا يعني: هذا بيان لمن أراد هداه الله مبينًا، وليس كما زعموا معناه: أنزلناه بلسان العرب. وقيل: بيناه، ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر، وهو من المحال.
فقال: "أخبرونا عن القرآن أهو الله أو غير الله؟
_________________
(١) ١ انظر: الإبانة "١٦٢/٢-١٦٥".
[ ١٠٥ ]
فادعى في القرآن أمرًا يوهم الناس. فإذا سئل الجاهل عن القرآن: هو الله أو غير الله؟ فلابد له من أن يقول بأحد القولين.
فإن قال: هو الله. قال له الجهمي: كفرت. وإن قال: هو غير الله. قال: صدقت، فلم لا يكون غير الله مخلوقًا؟ فيقع في نفس الجاهل من ذلك ما يميل به إلى قول الجهمي.
وهذه المسألة من الجهمي من المغاليط، فالجواب للجهمي إذا سأل فقال: أخبرونا عن القرآن: هو الله أو غير الله؟ قيل له: وإن الله -جل ثناؤه- لم يقل في القرآن: إن القرآن أنا، ولم يقل: غيري، وقال هو كلامي فسميناه باسم سماه الله به. فقلنا: كلام الله، فمن سمى القرآن باسم سماه الله به كان من المهتدين، ومن سماه باسم غيره كان من الضالين١.
وقد فصل الله بين قوله وبين خلقه، ولم يسمه قولا، فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
فلما قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ﴾ لم يبقَ شيء مخلوق إلا كان داخلًا في ذلك، ثم ذكر ما ليس بخلق، فقال: ﴿والأمر﴾ . فأمره هو قوله، تبارك رب العالمين أن يكون قوله خلقًا.
وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣، ٤] ثم قال القرآن: ﴿أمرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٥] .
_________________
(١) ١ انظر: الإبانة: "١٧٨/٢، ١٧٩".
[ ١٠٦ ]
وقال: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] .
يقول: لله القول من قبل الخلق، ومن بعد الخلق.
فالله يخلق ويأمر وقوله غير خلقه.
وقال: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥] .
وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] .
_________________
(١) ١ انظر: الإبانة "١٦٩/٢، ١٧٠".
[ ١٠٧ ]
بيان ما فصَّل الله بين قوله وخلقه
وذلك أن الله جعل ثناؤه إذا سمى الشيء الواحد باسمين أو ثلاثة أسامٍ فهو مرسل غير منفصل، وإذا سمى شيئين مختلفين لا يدعهما مرسلين حتى يفصل بينهما من ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: ٧٨] .
فهذا شيء واحد سماه بثلاثة أسامٍ، وهو مرسل، ولم يقل: إن له أبًا وشيخًا كبيرًا ١.
وقال: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾ . ثم قال: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] .
_________________
(١) ١ انظر: الإبانة "١٦٦/٢، ١٦٧". ٢ هذه الواو يسميها بعض المفسرين بـ"واو الثمانية". قال الشوكاني في فتح القدير "٥٩٣/٢": وقيل: إن الواو زائدة. وقيل: هي واو الثمانية المعروفة عند النحاة، كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ وقوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ . وقد أنكر واو الثمانية أبو علي الفارسي، وناظره في ذلك ابن خالويه. وقال ابن القيم في بدائع الفوائد "٥١/٣":
[ ١٠٨ ]
فصل: الكلام على واو الثمانية.
قولهم: إن الواو تأتي للثمانية ليس عليه دليل مستقيم، وقد ذكروا ذلك في مواضع فلنتكلم عليها واحدًا واحدًا:
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] =
[ ١٠٨ ]
فلما كانت البكر غير الثيب، لم يدعه مرسلًا حتى فصل بينهما، فذلك قوله: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ . وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى﴾ ثم قال: ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] فلما كان البصير غير الأعمى فصل بينهما.
ثم قال: ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢٠، ٢١] .
فلما كان واحد من هذا الشيء غير الشيء الآخر فصل بينهما.
ثم قال: ﴿هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣، ٢٤] .
_________________
(١) = فقيل الواو في: والناهون، واو الثمانية لمجيئها بعد استيفاء الأوصاف السبعة، وذكروا في الآية وجوهًا أخرى، ذكرها ابن القيم ثم قال: الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] فقيل: هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع وليس كذلك. ودخول الواو ههنا متعين؛ لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء، وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما، فتعين العطف؛ لأن المقصود أنه يزوجه بالنوعين الثيبات والأبكار. الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . قيل: المراد إدخال الواو ههنا لأجل الثمانية، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: هذا. وذكر الثاني ثم قال: والموضع الرابع: قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] فأتى بالواو لما كانت أبواب الجنة ثمانية. وقال في النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] لما كانت سبعة، وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها، بل هذا من باب حذف الجواب لنكتة بديعة إلخ.
[ ١٠٩ ]
فهذا كله شيء واحد، فهو مرسل ليس بمفصل.
فلذلك إذا قال الله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾؛ لأن الخلق غير الأمر، فهو منفصل١.
_________________
(١) ١ اعتمد ابن بطة في كتابه الإبانة على ما قرره الإمام أحمد هنا في الرد على الجهمية، انظر: الإبانة "١٦٦/٢، ١٦٧". قال ابن بطة في "١٦٩/٢": فكذلك لما كان الأمر غير الخلق، فصل بالواو، فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ فالأمر أمره وكلامه، والخلق خلقه، وبالأمر خلق الخلق؛ لأن الله -﷿- أمر بما شاء وخلق بما شاء. فزعم الجهمي أن الأمر خلق، والخلق خلق، فكأن معنى قول الله ﷿: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وإنما هو ألا له الخلق والخلق، فجمع الجهمي بين ما فصله الله. وقال الآجري في كتاب الشريعة "٥٠٤/١، ٥٠٥ رقم: ١٧١": أخبرنا أبو القاسم أيضًا قال: حدثني سعيد بن نصير أبو عثمان الواسطي في مجلس خلف البزار. قال: سمعت ابن عيينة يقول: ما يقول هذا الدويبة؟ يعني: بشرًا المريسي؟ قالوا: يا أبا محمد يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ فالخلق: خلق الله. والأمر: القرآن. قال محققه الدكتور عبد الله الدميجي: إسناده حسن.
[ ١١٠ ]
بيان ما أبطل الله أن يكون القرآن إلا وحيًا وليس بمخلوق
قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] .
قال: وذلك أن قريشًا قالوا: إن القرآن شعر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: أضغاث أحلام، وقالوا: تقوله محمد من تلقاء نفسه، وقالوا: تعلمه من غيره، فأقسم الله بالنجم إذا هوى، يعني القرآن إذا نزل١ فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدًا ٢ ﴿وَمَا
_________________
(١) ١ قال ابن القيم -﵀- في كتاب "التبيان في أقسام القرآن" "ص: ١٥٢": قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ١-٣] أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي. واختلف الناس في المراد بالنجم فقال الكلبي عن ابن عباس: أقسم بالقرآن إذا نزل منجمًا على رسوله: أربع آيات وثلاثًا والسورة، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة. وكذلك روى عطاء عنه، وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد، واختاره الفراء. وعلى هذا فسمى القرآن نجمًا لتفرقه في النزول. والعرب تسمي التفرق تنجمًا، والمفرق نجمًا، ونجوم الكتاب أقساطها، ويقول: جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة، كل نجم كذا وكذا. ٢ قال ابن القيم -﵀- في كتاب "التبيان في أقسام القرآن" "ص: ١٥٤": وتأمل كيف قال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ولم يقل: ما ضل محمد. تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضل، ولا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط، وقد نبَّه على هذا المعنى بقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩] وبقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] .
[ ١١١ ]
غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ١-٣] .
يقول: إن محمدًا لم يقل هذا القرآن من تلقاء نفسه: فقال: ﴿إِنْ هُوَ﴾ يقول: ما هو، يعني القرآن: ﴿إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١ [النجم: ٤] .
فأبطل أن يكون القرآن شيئًا غير الوحي، لقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ يقول: ما هو ﴿إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ثم قال: علَّمه. يعني علم محمدًا جبريل، ﷺ وهو: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٢ [النجم: ١٠] .
_________________
(١) ١ قال ابن القيم -﵀- في كتابه "التبيان في أقسام القرآن" "ص: ١٥٥": ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى، وبهذا الكمال هداه رشده، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ولم يقل: وما ينطق بالهوى؛ لأن نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به، فتضمن نفي الأمرين: نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه، فنطقه بالحق، ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال. ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي ما نطقه إلا وحي يوحى. وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة، وأن كليهما وحي يوحى. ٢ قال ابن القيم -﵀- في كتاب "التبيان في أقسام القرآن" "ص: ١٥٧": ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن، مما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال الغواية، قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وهذا نظير قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير: ٢٠] وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة، وقوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة، ليس شيطانًا أقبح خلق الله وأشوههم صورة، بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة، ومكانة عند الله، وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له. كما تقدم نظيره في سورة التكوير، فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته. وهذه كانت أوصاف الرسول البشري =
[ ١١٢ ]
فسمى الله القرآن وحيًا، ولم يسمه خلقًا.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر، فقال: أخبرونا عن القرآن: هو شيء؟
فقلنا: نعم هو شيء.
فقال: إن الله خلق كل شيء فلم لا يكون القرآن مع الأشياء المخلوقة، وقد أقررتم أنه شيء١؟
فلعمري٢ لقد ادعى أمرًا أمكنه فيه الدعوى، ولبَّس على الناس
_________________
(١) = والملكي، فكان رسول الله -ﷺ- أشجع الناس وأعلمهم وأجمهلم وأجلهم. والشياطين وتلامذتهم بضد ذلك، فهم أقبح الخلق صورة ومعنى، وأجهل الخلق وأضعفهم هممًا ونفوسًا. ١ قال ابن بطة في كتاب الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية "١٧٠/٢، ١٧١": ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر ليضل به الضعفاء ومن لا علم عنده، فقال: أخبرونا عن القرآن هل هو شيء أو لا شيء؟ فلا يجوز أن يكون جوابه: لا شيء، فيقال له: هو شيء. فيظن حينئذ أنه قد ظفر بحجته ووصل إلى بغيته، فيقول: فإن الله يقول: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والقرآن شيء يقع عليه اسم شيء، وهو مخلوق؛ لأن الكل يجمع كل شيء. ٢ عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله -ﷺ- في غزوة غزاها حتى كان غزة تبوك، إلا بدرًا، ولم يعاتب النبي -ﷺ- أحدًا تخلف عن بدر. وإنما خرج يريد العير، فخرجت قريش مغيثين لعيرهم، فالتقوا عن غير موعد كما قال الله -﷿- ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله -ﷺ- في الناس لبدر أخرجه الترمذي رقم "٣١٠٢" وهو حديث صحيح أصله في البخاري رقم "٤٤١٨" ومسلم رقم "٢٧٦٩". أخرج البخاري في كتاب التفسير، سورة الحجر عن ابن عباس ﴿لَعَمْرُكَ﴾: لعيشك. فتح الباري "٣٧٩/٨" وكذا في كتاب الأيمان والنذور، باب قول الرجل: لعمر الله. =
[ ١١٣ ]
الكلام على لفظة: لعمري
_________________
(١) = قال ابن عباس: لعمرك: لعيشك. فتح الباري "٥٤٦/١١"، قال الحافظ في الفتح "٥٤٧/١١": قوله: "باب قول الرجل: لعمر الله" أي: هل يكون يمينًا؟ وهو مبني على تفسير: لَعَمْر. ولذلك ذكر أثر ابن عباس، وقد تقدم في تفسير سورة الحجر وأن ابن أبي حاتم وصله. وأخرج أيضًا عن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي: حياتك. قال الراغب: العمر بالضم والفتح واحد، ولكن خص الحلف بالثاني. وقال الشاعر: عمرك الله كيف يلتقيان. أي: سألت الله أن يطيل عمرك. وقال أبو القاسم الزجاج: العمر الحياة. فمن قال لعمر الله كأنه حلف ببقاء الله. واللام للتوكيد والخبر محذوف، أي: ما أقسم به، ومن ثم قال المالكية والحنفية: تنعقد بها اليمين؛ لأن بقاء الله من صفة ذاته. وعن مالك: لا يعجبني الحلف بذلك، وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مصنفه عن عبد الله بن أبي بكرة قال: كانت يمين عثمان بن أبي العاص: لعمري. وقال الشافعي وإسحاق: لا تكون يمينًا إلا بالنية؛ لأنه يطلق على العلم وعلى الحق، وقد يراد بالعلم المعلوم وبالحق ما أوجبه الله. وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عنه كالشافعي، وأجابوا عن الآية بأن لله أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس ذلك لهم لثبوت النهي عن الحلف بغير الله. وقال النووي في شرح مسلم "١٦٨/١": قوله ﷺ: "أفلح وأبيه إن صدق" هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه مع قوله ﷺ: "من كان حالفًا فليحلف بالله" وقوله ﷺ: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" وجوابه أن قوله ﷺ: "أفلح وأبيه" ليس هو حلفًا، وإنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به الله ﷾. فهذا هو الجواب المرضي. وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى، والله أعلم. قلت: ولما كان النهي عن الحلف بغير الله معلوم لدى إمام السنة، تعين حمل هذا الكلام على الصورة الأولى التي ذكرها النووي ﵀، وهذا هو الجواب المرضي إن شاء الله تعالى. ويحمل هذا على مثل قولهم: ثكلتك أمك. ورغم أنفك. وتربت يمينك. ولم يقصد بهذا الدعاء، وإنما يجري على ألسنة الناس بلا إرادة الدعاء.
[ ١١٤ ]
الرد على الجهمية في تسمية القرآن شيئا
فقلنا: إن الله في القرآن لم يسم كلامه شيئًا
إنما سمى شيئًا الذي كان بقوله: ألم تسمع إلى قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٠] .
فالشيء ليس قوله: إنما الشيء الذي كان بقوله.
وفي آية أخرى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢] .
فالشيء ليس هو أمره، إنما الشيء الذي كان بأمره.
ومن الأعلام والدلالات أنه لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة قال الله للريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] .
وقد أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها، منازلهم، ومساكنهم، والجبال التي بحضرتهم، فأتت عليها تلك الريح ولم تدمرها. وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ .
فكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة.
وقال لملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] .
قد كان ملك سليمان شيئًا ولم تؤته، وكذلك إذا قال: ﴿خَاَلِقُ
[ ١١٥ ]
كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة.
وقال الله لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠] .
وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] .
وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .
ثم قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
فقد عرف من عقل عن الله أنه لا يعني نفسه مع الأنفس التي تذوق الموت، وقد ذكر الله -﷿- كل نفس، فكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة١.
_________________
(١) ١ قال ابن بطة -﵀- في كتاب "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية" "١٧١/٢، ١٧٢": فيقال له: أما قولك: إن الكل يجمع كل شيء، فقد رد الله عليك ذلك وأكذبك القرآن، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ولله -﷿- نفس لا تدخل في هذا الكل، وكذلك كلامه شيء لا يدخل في الأشياء المخلوقة، كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] فإن زعمت أن الله لا نفس له، لقد أكذبك القرآن ورد عليك قولك، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]، وقال فيما حكاه عن عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فقد علم من آمن بالله واليوم الآخر أن كتاب الله حق، وما قاله فيه حق، وأن لله نفسًا وأن نفسه لا تموت، وأن قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] لا تدخل في هذا نفس الله. وكذلك يخرج كلامه من الكلام المخلوق، كما تخرج نفسه من الأنفس التي تموت =
[ ١١٦ ]
ففي هذا دلالة وبيان لمن عقل عن الله. فرحم الله من فكر، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، ولم يقل على الله إلا الحق، فإن الله قد أخذ ميثاق خلقه فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩] .
وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
فقد حرم الله أن يقال عليه الكذب، وقد قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] . فأعاذنا الله وإياكم من فتن الضالين.
وقد ذكر الله كلامه في غير موضع من القرآن، فسماه كلامًا، ولم يسمه خلقًا.
_________________
(١) = وقد فهم من آمن بالله وعقل عن الله أن كلام الله ونفس الله وعلم الله وقدرة الله وعزة الله وسلطان الله وعظمة الله وحلم الله وعفو الله ورفق الله، وكل شيء من صفات الله أعظم الأشياء، وأنها كلها غير مخلوقة؛ لأنها صفات الخالق ومن الخالق، فليس في قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] لا كلامه ولا عزته ولا قدرته ولا سلطانه ولا عظمته ولا وجوده ولا كرمه؛ لأن الله تعالى لم يزل بقوله وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته إلَهًا واحدًا، وهذه صفاته قديمة بقدمه أزلية بأزليته دائمة بدوامه باقية ببقائه، لم يخلُ ربنا من هذه الصفات طرفة عين، وإنما أبطل الجهمي صفاته يريد بذلك إبطاله. ١ عن صالح بن أحمد قال: سمعت أبي والمعنى واحد يقول: افترقت الجهمية على ثلاث فرق، فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله ونسكت. وفرقة قالوا: =
[ ١١٧ ]
قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥] . وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فأخبرنا الله أن النبي -ﷺ- كان يؤمن بالله وبكلام الله، وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] . وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] . وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . ولم يقل: حتى يسمع خلق الله.
فهذه نصوص بلسان عربي مبين، لا يحتاج إلى تفسير هو مبين بحمد الله. وقد سألت الجهمية: أليس إنما قال الله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، ﴿وَقُولُوا آمَنَّا
_________________
(١) = ألفاظنا مخلوقة. زاد صالح بن أحمد عن أبيه قال: وقال الله في كتابه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٩] فجبريل سمعه من الله -﷿- وسمعه النبي -ﷺ- من جبريل ﵇، وسمعه أصحاب النبي -ﷺ- من النبي، فالقرآن كلام غير مخلوق. أخرجه الخلال في السنة "١٢٦/٥رقم: ١٧٧٩". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مجموع الفتاوى "٣٧/١٢": ومذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنَّة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
[ ١١٨ ]
بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] . ولم نسمع الله يقول: قولوا إن كلامي خلق.
وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا﴾ [النساء: ١٧١] .
وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]، ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨] . ومثله في القرآن كثير.
فهذا ما نهى الله عنه، ولم يقل لنا: لا تقولوا: إن القرآن كلامي.
وقد سَمَّت الملائكة كلام الله كلامًا ولم تسمه خلقًا، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] .
وذلك أن الملائكة لم يسمعوا صوت الوحي ما بين عيسى ومحمد
[ ١١٩ ]
ﷺ، وبينهما كذا وكذا سنة.
فلما أوحى الله إلى محمد -ﷺ- سمع الملائكة صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا فظنوا أنه أمر من الساعة، ففزعوا وخروا لوجوههم سجدًا، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] .
يقول: حتى إذا انجلى الفزع عن قلوبهم رفع الملائكة رءوسهم فسأل بعضهم بعضًا فقالوا: ماذا قال ربكم١. ولم يقولوا، ماذا خلق ربكم٢. فهذا بيان لما أراد الله هداه.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: أنا أجد آية في كتاب الله ﵎ تدل على أن القرآن مخلوق. فقلنا في أي آية؟.. فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] .
_________________
(١) ١ عن أبي هريرة -﵁- أن نبي الله -ﷺ- قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير " إلى آخر الحديث. أخرجه البخاري "رقم: ٤٧٠١، ٤٨٠٠، ٧٤٨١". ٢ بوّب البخاري -﵀- في كتاب التوحيد من صحيحه بابًا قال فيه: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] ولم يقل: ماذا خلق ربكم. وقال جل ذكره: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فزّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرب: أنا الملك، أنا الديان". صحيح البخاري، كتاب التوحيد: باب رقم ٣٢ "ص: ١٤٢٧" طبعة بيت الأفكار الدولية.
[ ١٢٠ ]
الرد على الجهمية بتسمية القرآن محدثا
فزعم أن الله قال: القرآن محدث. وكل محدث مخلوق١.
فلعمري، لقد شبه على الناس بهذا. وهي آية من المتشابه فقلنا في ذلك قولًا واستعنا بالله، ونظرنا في كتاب الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله٢.
_________________
(١) ١ قال ابن كثير في تفسيره "١٨٢/٣": محدث أي جديد إنزاله، كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عمّا بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرءونه محضًا لم يشب؟!. ٢ قال ابن بطة في "الإبانة" "١٨٣/٢-١٨٥": ثم إن الجهمي إذا بطلت حجته فيما ادعاه ادعى أمرًا آخر، فقال: أنا أجد في الكتاب آية تدل على أن القرآن مخلوق، فقثيل: أية آية هي؟ قال: قول الله ﷿: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] . أفلا ترون أن كل محدث مخلوق؟ فوهم على الضعفاء والأحداث وأهل الغباوة وموّه عليهم، فيقال له: إن الذي لم يزل به عالما لا يكون محدثًا، فعلمه أزلي كما أنه هو أزلي، وفعله مضمر في علمه، وإنما يكون محدثًا ما لم يكن به عالِمًا حتى علمه فيقول: إن الله -﷿- لم يزل عالِمًا بجميع ما في القرآن قبل أن ينزل القرآن، وقبل أن يأتي به جبريل وينزل به على محمد -ﷺ- وقد قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] قبل أن يخلق آدم. وقال: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] . يقول: كان إبليس في علم الله كافرًا قبل أن يخلقه، ثم أوحى بما قد كان علمه من جميع الأشياء. وقد أخبرنا ﷿ عن القرآن، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] فنفى عنه أن يكون غير الوحي، وإنما معنى قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أراد: محدثًا علمه وخبره وزجره وموعظته عند محمد -ﷺ- وإنما أراد: أن علمك يا محمد ومعرفتك محدث بما أوحى إليك من القرآن، وإنما أراد: أن نزول القرآن عليك يحدث لك ولمن سمعه علم وذكر لم تكونوا تعلمونه. ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] وقال تعالى: =
[ ١٢١ ]
اجتماع الشيئين في اسم واحد يجري عليه المدح أو الذم
قال أحمد ﵁: اعلم أن الشيئين إذا اجتمعا في اسم يجمعهما فكان أحدهما أعلى من الآخر، ثم جرى عليهما اسم مدح، فكان أعلاهما أولى بالمدح وأغلب عليه، وإن جرى عليه اسم ذم فأدناهما أولى به، ومن ذلك قول الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]
_________________
(١) = ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] . فأخبر أن الذكر المحدث هو ما يحدث من سامعين وممن علّمه وأنزل عليه إلا أن القرآن محدث عند الله، ولا أن الله كان ولا قرآن؛ لأن القرآن إنما هو من علم الله، فمن زعم أن القرآن هو بعد فقد زعم أن الله كان ولا علم ولا معرفة عنده بشيء مما في القرآن ولا اسم له ولا عزة له ولا صفة له حتى أحدث القرآن. ولا نقول: إنه فعل الله، ولا يقال: كان الله قبله، ولكن نقول: إن الله لم يزل عالِمًا، لا متى علم، ولا كيف علم، وإنما وهمت الجهمية الناس ولبست عليهم بأن يقول أليس الله الأول قبل كل شيء، وكان ولا شيء، وإنما المعنى في كان الله قبل كل شيء، قبل السموات وقبل الأرضين، وقبل كل شيء مخلوق، فأما أن نقول قبل علمه وقبل قدرته وقبل حكمته وقبل عظمته وقبل كبريائه وقبل جلاله وقبل نوره، فهذا كلام الزنادقة. وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ فإنما هو ما يحدّث الله عند نبيه وعند أصحابه والمؤمنين من عباده، وما يحدثه عندهم من العلم وما لم يسمعوه، ولم يأتهم به كتاب قبله ولا جاءهم به رسول. ألم تسمع إلى قوله ﷿: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] وإلى قوله فيما يحدث القرآن في قلوب المؤمنين إذا سمعوه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] فأعلمنا أن القرآن يحدث نزوله لنا علمًا وذكرًا وخوفًا، فعلم نزوله محدث عندنا، وغير محدث عند ربنا ﷿.
[ ١٢٢ ]
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] يعني الأبرار دون الفجار، فإذا اجتمعوا في اسم الإنسان، واسم العباد، فالمعنى في قوله الله جل ثناؤه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] يعني الأبرار دون الفجار، لقوله إذا انفرد الأبرار: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] .
وإذا انفرد الفجار: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] .
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] فالمؤمن أولى به وإن اجتمعا في اسم الناس، لأن المؤمن إذا انفرد أعطى المدحة لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] . ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] .
وإذا انفرد الكفار جرى عليهم الذم في قوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وقال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٥] . فهؤلاء لا يدخلون في الرحمة.
وفي قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] .
فاجتمع الكافر والمؤمن في اسم العبد، والكافر أولى بالبغي من المؤمنين؛ لأن المؤمنين انفردوا ومدحوا فيما بسط لهم من الرزق، وهو وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] .
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] .
وقد بُسط الرزق لسليمان بن داود، ولذي القرنين، وأبي بكر،
[ ١٢٣ ]
وعمر، ومن كان على مثالهم ممن بسط له فلم يبغِ.
وإذا انفرد الكافر وقع عليه اسم البغي في قوله لقارون: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] . ونمرود بن كنعان حين آتاه الله الملك فحاج في ربه، وفرعون حين قال موسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٨٨] .
فلما اجتمعوا في الاسم الواحد فجرى عليهم اسم البغي كان الكفار أولى به، كما أن المؤمن أولى بالمدح.
فلما قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] .
فجمع بين ذكرين: ذكر الله، وذكر نبيه، فأما ذكر الله إذا انفرد لم يجرِ عليه اسم الحدث، ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠] .
وإذا انفرد ذكر النبي -ﷺ- فإنه جرى عليه اسم الحدث، ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
فذكر النبي -ﷺ- له عمل، والله له خالق محدث، والدلالة على أنه جمع بين ذكرين لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] . فأوقع عليه الحدث عنه إتيانه إيانا، وأنت تعلم أنه لا يأتينا بالأنباء إلا مبلغ ومذكر، وقال الله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] . ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] .
فلما اجتمعوا في اسم الذكر، جرى عليهم اسم الحدث، وذكر النبي إذا انفرد وقع عليه اسم الخلق وكان أولى بالحدث من ذكر الله الذي إذا انفرد لم يقع عليه اسم خلق، ولا حدث، فوجدنا دلالة من قول الله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] إلى النبي -ﷺ- لأن النبي -ﷺ- كان لا يعلم فعلمه الله، فلما علمه الله كان ذلك محدثًا إلى النبي ﷺ.
[ ١٢٤ ]
شبهة أخرى للجهمية على أن القرآن مخلوق
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: إنا وجدنا آية في كتاب الله تدل على أن القرآن مخلوق.
فقلنا أي آية؟
فقال: قول الله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] . وعيسى مخلوق.
فقلنا: إن الله منعك الفهم في القرآن، عيسى تجرى عليه ألفاظ لا تجري على القرآن، لأنه يسميه مولودًا وطفلا وصبيًّا وغلامًا، يأكل ويشرب، وهو مخاطب بالأمر والنهي، يجري عليه اسم الخطاب والوعد والوعيد، ثم هو من ذرية نوح، ومن ذرية إبراهيم، ولا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى: هل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ولكن المعنى من قول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] .
فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: كن، فكان عيسى: بكن
[ ١٢٥ ]
وليس عيسى هو الكُنُّ، ولَكِنْ بالكُنِّ كَانَ، فالكُنُّ من الله قول، وليس الكن مخلوقًا١.
وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته، لأن الكلمة مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. وكلمته من ذات الله. كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة.
وأما قول الله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يقول: من أمره كان الروح فيه كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] .
يقول من أمره وتفسير روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقها الله، كما يقال: عبد الله وسماء الله وأرض
_________________
(١) ١ قال الدارمي في "رده على المريسي الجهمي العنيد" "٦٧٤/٢-٦٨٥": فيقال لهذا المعارض: أو يحتاج في هذا إلى تفسير ومخرج؟ قد عقل تفسيره عامة من آمن بالله: أنه إذا أراد شيئًا قال له: ﴿كن فيكون﴾ ومتى لا يقول له: كن لا يكون. فإذا قال: "كن" كان، فهذا المخرج من أنه كان بإرادته وبكلمته، لا أنه نفس الكلمة التي خرجت منه، ولكن بالكلمة كان، فالكلمة من الله "كن" غير مخلوقة، والكائن بها مخلوق. وقول الله في عيسى: ﴿روح الله وكلمته﴾ فبين الروح والكلمة فرق في المعنى، لأن الروح الذي نفخ فيها مخلوق امتزج بخلقه، والكلمة من الله غير مخلوقة لم تمتزج بعيسى، ولكن كان بها، وإن كره لأنها من الله أمر، فعلى هذا التأويل قلنا، لا على ما ادعيت علينا من الكذب والأباطيل.
[ ١٢٦ ]
الله١.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر، فقال: إن الله يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة: ٤] .
فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما فشبه على الناس ولبّس عليهم.
فقلنا له: أليس إنما وقع الله -جل ثناؤه- والخلق والمخلوق على ما في السموات والأرض وما بينهما فقالوا: نعم.
فقلنا: هل فوق السموات شيء مخلوق؟
قالوا: نعم. فقلنا: فإنه لم يجعل ما فوق السموات مع الأشياء
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "درء تعارض العقل والنقل" "١٠/٤، ١١" بعد أن نقل هذه الشبهة عن الجهمية: فبَيَّن الإمام أحمد أن الجهمية المعطلة والنصارى الحلولية ضلوا في هذا الموضع، فإن الجهمية النفاة يشبهون الخالق تعالى بالمخلوق في صفات النقص، كما ذكر الله تعالى عن اليهود أنهم وصفوه بالنقائص، وكذلك الجهمية النفاة إذا قالوا: هو في نفسه لا يتكلم ولا يحب ونحو ذلك من نفيهم، والحلولية يشبهون المخلوق بالخالق، فيصفونه بصفات الكمال التي لا تصلح إلا لله، كما فعلت النصارى في المسيح، ومن جمع بين النفي والحلول كحلولية الجهمية ثم قال ﵀: وكذلك الكلام يراد به الكلام الذي هو الصفة، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ويراد به ما فعل بالكلمة كالمسيح الذي قال له: كن، فكان فخلقه من غير أب على غير الوجه المعتاد المعروف في الآدميين، فصار مخلوقًا بمجرد الكلمة دون جمهور الآدميين، كما خلق آدم وحواء أيضًا على غير الوجه المعتاد، فصار عيسى ﵇ مخلوقًا بمجرد الكلمة دون سائر الآدميين.
[ ١٢٧ ]
المخلوقة، وقد عرف أهل العلم أن فوق السموات السبع الكرسي والعرش واللوح المحفوظ والحجب وأشياء كثيرة لم يسمِها، ولم يجعلها مع الأشياء المخلوقة، وإنما وقع الخبر من الله على السموات والأرض وما بينهما.
وقلنا فيما ادعوا: إن القرآن لا يخلو أن يكون في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما، فقلنا: الله ﵎ يقول: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨] .
فالذي خلق به السموات والأرض، قد كان قبل السموات والأرض والحق الذي خلق به السموات والأرض هو قوله؛ لأن الله يقول الحق وقال: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤]، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] .
فالحق الذي خلق به السموات والأرض قد كان قبل السموات والأرض، والحق قوله، وليس قوله مخلوقًا١.
_________________
(١) ١ قال ابن بطة في كتاب الإبانة "١٩٠/٢، ١٩١": ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر، فقال: إن الله -﷿- يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما. فيقال له: إن الله -﷿- يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] فالحق الذي خلق به السموات والأرض وما بينهما هو قوله وكلامه، لأنه هو الحق وقوله الحق: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤] . وقال: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣] فأخبر بأن الخلق كله كان بالحق والحق قوله وكلامه. وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [النمل: ٣] وقال: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] يعني قوله وكلامه، فقوله وكلامه قبل السموات والأرض وما بينهما، فتفهموا -رحمكم الله- ولا يستفزنكم الجهمي الخبيث بتغاليطه وتمويهه وتشكيكه ليزلكم عن دينكم، فإن الجهمي لا يألوا جهدًا في تكفير الناس وتضليلهم. عصمنا الله وإياكم من فتنته برحمته.
[ ١٢٨ ]
بيان ماجحدت الجهمية من قول الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
بيان ما جحدت الجهمية من قول الله سبحانه:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
قال أحمد -﵀- فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟ فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه؛ لأن المنظور إليه معلوم موصوف، لا يرى إلا شيء يفعله.
فقلنا: أليس الله يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]؟
فقالوا: إن معنى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنها تنتظر الثواب من ربها، وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته. وتلو آية من القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] .
فقالوا: إنه حين قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أنهم لم يروا ربهم، ولكن المعنى: ألم تر إلى فعل ربك؟
فقلنا: إن فعل الله لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
[ ١٢٩ ]
الرد على الجهمية في قولهم: إنها تنتظر الثواب
فقالوا: إنما تنتظر الثواب من ربها١.
_________________
(١) ١ قال ابن بطة -﵀- في كتاب الإبانة "٧٢/٣-٧٤": وقالت الجهمية: إنما معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] إنما أراد بذلك الانتظار. فخالفت في ذلك بهذا التأويل جميع لغات العرب، وما يعرفه الفصحاء من كلامها؛ لأن القرآن إنما نزل بلسان العرب، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقال: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] فليس يجوز عند أحدٌ ممن يعرف لغات العرب وكلامها أن يكون معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ الانتظار. ألا ترى أنه لا يقول أحد: إني أنظر إليك يعني: أنتظرك إنما يقول: أنتظرك، فإذا دخل في الكلام: إلى، فليس يجوز أن يعني به غير النظر، يقول: أنظر إليك، وكذلك قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ولو أراد الانتظار لقال: لربها منتظرة، ولربها ناظرة. وذلك كله واضح بين عند أهل العلم ممن وهب الله له علمًا في كتابه وبصرًا في دينه. ثم قال ﵀: سمعت أبا بكر بن الأنباري النحوي يقول في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ولو كان بمعنى منتظرة ما جاز أن تكون ناضرة؛ لأن المنتظر على وجهه الحزن؛ لأنه متوقع شيئًالم يحصل له، والناضرة مسفرة مشرقة ضاحكة مستبشرة. ووجه آخر: أنه لو أراد بالناظرة: منتظرة، كان يقول: لربها ناظرة، ولم يقل: إلى ربها ناظرة. وقال ابن منده في الرد على الجهمية "ص: ١٠٢": أجمع أهل التأويل كابن عباس وغيره من الصحابة، ومن التابعين محمد بن كعب وعبد الرحمن بن سابط والحسن بن أبي الحسن وعكرمة وأبو صالح وسعيد بن جبير وغيرهم أن معناه: إلى وجه ربها ناظرة. والآخرون نحو معناه، ومن روى عنه أن معناه: أنها تنتظر الثواب. فقول شاذ لا يثبت. وقال الدارمي في رده على المريسي الجهمي العنيد "٣٦٧/١، ٣٦٨":
[ ١٣٠ ]
فقلنا: إنها مع ما تنتظر الثواب هي ترى ربها.
_________________
(١) وقد سبق من الله القول بأنه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أبصار أهل الدنيا، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم وسؤالهم عما حظره الله على أهل الدنيا، ولو قد سألوه رؤيته في الآخرة كما سأل أصحاب محمد -ﷺ- محمدًا ﷺ، لم تصبهم تلك الصاعقة، ولم يقل لهم إلا ما قال محمد ﷺ لأصحابه إذ سألوه: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "نعم، لا تضارون في رؤيته" فلم يعبهم الله ولا رسوله بسؤالهم عن ذلك، بل حسنه لهم وبشرهم به بشرى جميلة، كما رويت أيها المريسي عنه. وقد بشرهم الله تعالى بها قبله في كتابه، فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال للكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فقوم موسى سألوا نبيهم ما حظره الله على أهل الدنيا بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ وسأل أصحاب محمد -ﷺ- نبيهم ما أخبر الله أنه سيعطيهم ويثيبهم به، فصعق قوم موسى بسؤالهم ما لا يكون، وسلم أصحاب محمد بسؤاله ما يكون. ومتى عاب الله على قوم موسى سؤال الرؤية في الآخرة، فتفتري بذلك عليهم؟ تكذب على الله وعلى رسوله، والله لا يحب الكاذبين. وقال الآجري في كتاب "الشريعة" "٩٧٩، ٩٨٠": فإن اعترض جاهل ممن لا علم معه أو بعض هؤلاء الجهمية الذين لم يوفقوا للرشاد لعب بهم الشيطان، وحرموا التوفيق، فقال: والمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة؟ قيل له: نعم، والحمد لله تعالى على ذلك. فإن قال الجهمي: أنا لا أومن بهذا. قيل له: كفرت بالله العظيم. فإن قال: وما الحجة؟ قيل: لأنك رددت القرآن والسنة وقول الصحابة -﵃- وقول علماء المسلمين، واتبعت غير سبيل المؤمنين، وكنت ممن قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] . أما نص القرآن فقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال تعالى وقد أخبرنا عن الكفار أنهم محجوبون عن رؤيته، فقال تعالى ذكره: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ َمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ، ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٥-١٧] فدل بهذه الآية أن المؤمنين ينظرون إلى الله، وأنهم غير محجوبين عن رؤية كرامة منه لهم. وانظر كذلك: "٩٨٦/٢-٩٩٤"
[ ١٣١ ]
_________________
(١) = ثم ساق ابن القيم الأدلة البينة الواضحة على رؤية الله -﷿- في الآخرة ثم قال: قال الطبري: فتحصل في الباب ممن روى عن رسول الله -ﷺ- من الصحابة حديث الرؤية ثلاث وعشرون نفسًا. وطفق يُعَدِّدُهم ثم قال: وأما التابعون ونُزْل الإسلام وعصابة الإيمان من أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التصوف فأقوالهم أكثر من أن يحيط بها إلا الله ﷿. ثم ذكر بعض أقوال التابعين وأقوال الأئمة الأربعة ونظرائهم وشيوخهم وأتباعهم ثم قال: قول جميع أهل الإيمان، قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه: إن المؤمنين لم يختلفوا أن المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد، ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين. ثم قال: قول جميع أهل اللغة، قال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا عمر محمد عبد الواحد صاحب اللغة يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٣، ٤٤] أجمع أهل اللغة على أن اللقاء ههنا لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار، وحسبك بهذا الإسناد صحة. ثم عقد ابن القيم فصلا في وعيد منكري الرؤية، نعوذ بالله من ذلك، ونسألك اللهم أن تقر أعيننا وتثلج صدورنا برؤياك في جنة النعيم. انظر: حادي الأرواح "ص: ٤٠٢-٤٧٧".
[ ١٣٢ ]
إثبات رؤية الله ﷿ في الأخرة
فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة،
وتلوا آية من المتشابه من قول الله جل ثناؤه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] .
وقد كان النبي -ﷺ- يعرف معنى قول الله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ وقال: "إنكم سترون ربكم" ١.
وقال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولم يقل: لن أُرى، فأيهما أولى أن نتبع: النبي -ﷺ- حين قال: "إنكم سترون ربكم" أو قول الجهمي حين قال: لا ترون ربكم؟! والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي -ﷺ- أن أهل الجنة يرون ربهم، لا يختلف فيها أهل العلم.
ومن حديث سفيان عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد في قول الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: النظر إلى وجه
_________________
(١) ١ عن جرير -﵁- قال: كنا عند النبي -ﷺ- فنظر إلى القمر ليلة -يعني البدر- فقال: "إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] . الحديث أخرجه البخاري "رقم: ٥٥٤" ومسلم "رقم: ٦٣٣".
[ ١٣٢ ]
الله١.
ومن حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى [عن صهيب عن النبي ﷺ] ٢. قال: "إذا استقر أهل الجنة في الجنة ونادى منادٍ: يا أهل الجنة إن الله قد أذن لكم في الزيادة، قال: فيكشف الحجاب [فيتجلى لهم" ٣. وذكر الحديث.
قال الإمام أحمد ﵀] ٤ فينظرون إلى الله لا إله إلا هو، وإنا لنرجو أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله، لأن الله قال للكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن
_________________
(١) ١ أخرجه موقوفًا على أبي بكر الصديق -﵁- ابن منده في رده على الجهمية "ص: ٩٥ رقم: ٨٤" وكذا الآجرِّي في الشريعة "٩٩٤/٢-٩٩٦ رقم: ٥٨٩-٥٩١" وروي موقوفًا على حذيفة -﵁- عند الآجري "رقم: ٥٩١/ب". ٢ ما بين المكعوفين سقط من نسخة د. عميرة واستدركته من نسخة الشيخ الأنصاري. ٣ أخرجه أحمد "٣٣٢/٤" "١٥/٦" ومسلم "رقم: ١٨١" والترمذي "رقم: ٢٥٥٢، ٣١٠٥" وابن ماجه "رقم: ١٨٧" وابن منده في رده على الجهمية "رقم: ٨٣" والآجري في الشريعة "رقم: ٦٠٢-٦٠٤" ولفظه عند مسلم: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿". قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد، وزاد: ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ٤ ما بين المعكوفين سقط من نسخة د. عميرة، واستدركته من نسخة الشيخ الأنصاري.
[ ١٣٣ ]
الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟
والحمد لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع، ولم يجعلنا ممن ابتدع، والحمد لله وحده ١.
_________________
(١) ١ قال ابن القيم -﵀- في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" "ص: ٤٠٢": الباب الخامس والستون في رؤيتهم ربهم ﵎ وتجليه لهم ضاحكًا إليهم. هذ الباب أشرف أبواب الكتاب وأجلها قدرًا وأعلاها خطرًا وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة وأشدها على أهل البدعة والضلالة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة التابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون والجهمية المتهوكون والفرعونية المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون ومن حبل الله منقطعون. ثم قال ابن القيم ﵀: الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥، ٢٦] فالحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، كذلك فسرها رسول الله -ﷺ- الذي أنزل عليه القرآن، فالصحابة من بعده. ثم ذكر حديث صهيب، وحديث أنس وكعب بن عجرة وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري مرفوعًا إلى النبي ﷺ: "أن الحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم". ثم ذكر هذا التفسير موقوفًا على أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري وابن مسعود. وذكر أيضًا أن هذا التفسير هو قول كل من: عبد الرحمن بن أبي ليلى وعامر بن سعد وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي والضحاك بن مزاحم وعبد الرحمن بن سابط وأبي إسحاق السبيعي وقتادة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة مولى ابن عباس ومجاهد بن جبر. =
[ ١٣٤ ]
_________________
(١) = ثم ساق ابن القيم الأدلة البينة الواضحة على رؤية الله -﷿- في الآخرة ثم قال: قال الطبري: فتحصل في الباب ممن روى عن رسول الله -ﷺ- من الصحابة حديث الرؤية ثلاث وعشرون نفسًا. وطفق يُعَدِّدُهم ثم قال: وأما التابعون ونُزْل الإسلام وعصابة الإيمان من أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التصوف فأقوالهم أكثر من أن يحيط بها إلا الله ﷿. ثم ذكر بعض أقوال التابعين وأقوال الأئمة الأربعة ونظرائهم وشيوخهم وأتباعهم ثم قال: قول جميع أهل الإيمان، قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه: إن المؤمنين لم يختلفوا أن المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد، ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين. ثم قال: قول جميع أهل اللغة، قال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا عمر محمد عبد الواحد صاحب اللغة يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٣، ٤٤] أجمع أهل اللغة على أن اللقاء ههنا لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار، وحسبك بهذا الإسناد صحة. ثم عقد ابن القيم فصلا في وعيد منكري الرؤية، نعوذ بالله من ذلك، ونسألك اللهم أن تقر أعيننا وتثلج صدورنا برؤياك في جنة النعيم. انظر: حادي الأرواح "ص: ٤٠٢-٤٧٧".
[ ١٣٥ ]
بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى
فقلنا: لِمَ أنكرتم ذلك؟
قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم١. إنما كوَّن شيئًا فعبر عن الله،
_________________
(١) ١ ذكره في الإبانة "١٩٧/٢"، ودرء التعارض "٣٧٧/١" "٤٠٧/٢".
[ ١٣٥ ]
وخلق صوتًا فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين.
فقلنا: هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول: ﴿يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢]، أو يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية، ولو كان كما زعم الجهم أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] وقد قال جل ثناؤه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] . فهذا منصوص القرآن.
فأما ما قالوا: إن الله لا يتكلم، فكيف يصنعون بحديث الأعمش، عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي: قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ما بينه وبينه ترجمان" ١.
وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان وأدوات. أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .
تراها أنها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟ وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "رقم: ٦٥٣٩" ومسلم "رقم: ٦٧/١٠١٦".
[ ١٣٦ ]
أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذ شهدت على الكفار. فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] .
أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء.
وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان.
قال أحمد ﵁: فلما خنقته الحجة قال: إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره.
فقلنا: وغيره مخلوق؟
قال: نعم.
فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.
وحديث الزهري قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لَمِتَّ.
قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك، قال: سبحان الله، وهل أستطيع أن أصفه لكم؟! قالوا: فشبهه. قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله١.
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل "٣٧٨/١" ثم قال ابن تيمية: =
[ ١٣٧ ]
وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] .
أليس الله هو القائل؟
قالوا: فَيُكوِّن الله شيئًا فيُعَبِّر عن الله، كما كَوَّن شيئًا فعَبَّر لموسى.
قلنا: فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٦، ٧] .
أليس الله هو الذي يسأل؟
قالوا: هذا كله إنما يكون شيئًا، فيعبر عن الله.
قلنا: قد أعظمتم على الله الفرية، حين زعمتم أنه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم، ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان.
فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد يتكلم، ولكن كلامه مخلوق،
_________________
(١) = فقد ذكر أحمد في هذا الكلام: أن الله تعالى يتكلم كيف شاء، وذكر فيما استشهد به من الأثر: "أن الله كلم موسى -﵇- بقوة عشرة آلاف لسان" وأن له قوة الألسن كلها، وهو أقوى من ذلك، وأنه إنما كلم موسى على قدر ما يطيق، ولو كلمه بأكثر من ذلك لمات. وهذا بيان منه لكون تكلم الله متعلقًا بمشيئته وقدرته كما ذكر عبد العزيز. وهو خلاف قول من يجعله كالحياة القديمة اللازمة للذات، التي لا تتعلق بمشيئة ولا قدرة. وبَيَّنَ أيضًا في كلامه أنه سبحانه تكلم وسيتكلم ردًّا على الجهمية، واستدل على أنه تكلم بالحديث الذي في الصحيحين عن عدي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه" وجعل قوله: "سيكلمه ربه" دليلا على أنه سيتكلم، فبين أن التكليم عنده مستلزم للتكليم متضمن للتكلم، ليس هو مجرد خلق إدراك في المستدل.
[ ١٣٨ ]
قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلامًا، وقد جمعتم بين كفر وتشبيه. وتعالى الله عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام. ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول: إنه قد كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه القدرة، ولا نقول: إنه كان قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلقه لنفسه عظمة١.
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل "٣٧٨/١" ثم قال ﵀: فقد بَيَّن أحمد في هذا الكلام الإنكار على النفاة الذين شبهوه بالجمادات التي لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، والإنكار على من زعم أنه كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام، فشبهه بالآدمي الذي كان لا يتكلم حتى خلق الله له كلامًا، فأنكر تشبيهه الجماد الذي لا يتكلم، وبالإنسان الذي كان غير قادر على الكلام حتى خلق الله له الكلام، فكان قادرًا على الكلام في وقت دون وقت. وبين أن من وصف الله بذلك فقد جمع بين الكفر -حيث سلب ربه صفة الكلام، وهي من أعظم صفات الكمال، وجحد ما أخبرت به النصوص- وبين التشبيه. ثم قال ابن تيمية ﵀ "٣٨٠/١": ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول ولهذا تأتلف ولا تختلف وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة =
[ ١٣٩ ]
فقالت الجهمية: لما وصفنا الله بهذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعموا، أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته.
قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره، لا متى قدَّر، ولا كيف قدر.
فقالوا: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء.
فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء. ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلَهًا واحدًا بجميع صفته؟ وضربنا لهم في ذلك مثلا. فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة؟ أليس لها جذع وكرب، وليف وسعف وخوص وجَمّار؟.. واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها١ فكذلك الله، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات. ولا يقدر حتى خلق له قدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق له علمًا فعلم. والذي لا يعلم
_________________
(١) = المنصوص والمعقول فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] . ١ ذكره ابن بطة في الإبانة "١٧٥/٢".
[ ١٤٠ ]
هو جاهل. ولكن نقول: لم يزل الله عالِمًا قادرًا، لا متى ولا كيف١. وقد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان، وجوارح كثيرة. قد سَمَّاه الله وحيدًا بجميع صفاته. فكذلك الله، وله المثل الأعلى، هو بجميع صفاته إله واحد.
_________________
(١) ١ذكره ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص "ص: ٣١٧، ٣١٨". ٢ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في منهاج السنة النبوية "٤٨٤/٢، ٤٨٥" وفي درء تعارض العقل والنقل "٤٠٨/٢" وفي بيان تلبيس الجهمية "٤٦٣/١، ٤٦٤". قال ابن تيمية -﵀- في درء التعارض "٤٠٨/٢، ٤٠٩": قلت: فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له، فإن ما لا صفة له لا وجود له في الوجود. وما ذكره أحمد عن الجهمية أنهم يتأولون كلام الله لموسى بأنه خلق من عبر عنه، تأوله جماعة من أتباعه في هذا، أو في قوله تعالى كل ليلة: "من يدعوني فأستجيب له" ولو كان كذلك لكان الملك يقول: إن الله رب العالمين كما في الصحيحين: "إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء" الحديث. ثم قال ﵀: أخبر الله تعالى في كتابه بإثبات مفصل ونفي مجمل. والمعطلة الجهمية متكلمهم ومتفلسفهم أخبروا بإثبات مجمل ونفي مفصل، فأخبر في كتابه بأنه: حي قيوم عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم، ونحو ذلك: يرضى ويغضب ويحب ويسخط وخلق واستوى على العرش ونحو ذلك. وقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فلهذا مذهب السلف والأئمة: إثبات صفاته بلا تمثيل، =
[ ١٤١ ]
_________________
(١) = لا ينفون عنه الصفات، ولا يمثلونها بصفات المخلوقين. وقال ﵀ في بيان تلبيس الجهمية "٤٦٤/١": فهذا القول الذي ذكره الإمام أحمد عنهم أنهم قالوا: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء. هو كلام مجمل ولكن مقصودهم أنه لم يكن موجودًا بشيء يقال: إنه من صفاته، فإن ثبوت الصفات يستلزم عندهم التركيب والتجزئة: إما تركيب المقدار كالتركيب الذي يزعمونه في تأليف الجسم من أجزائه، وإما التركيب الذي يزعمونه في الحدود وهو التركيب من الصفات، كما يقولون: النوع مركب من الجنس والفصل، ويستلزم أيضًا التشبيه والتوحيد عندهم، ففي التشبيه والتجسيم، ويقولون إن الأول يعنون به عدم النظير والثاني يعنون به أنه لا ينقسم. وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب الله وسنة رسوله، وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، وهذا أصل عظيم تجب معرفته. وقال أيضًا -﵀- في منهاج السنة النبوية "٤٨٥/٢، ٤٨٦": وهذا الذي ذكره الإمام أحمد يتضمن أسرار هذه المسائل، وبيان الفرق بين ما جاءت به الرسل من الإثبات الموافق لصريح العقل، وبين ما تقوله الجهمية وبين أن صفاته داخلة في مسمى أسمائه.
[ ١٤٢ ]
بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش
فقلنا: لِمَ أنكرتم أن يكون الله على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] .
[ ١٤٢ ]
فقالوا: هو تحت الأرض السابعة. كما هو على العرش، فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. وتلو آية من القرآن: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] .
وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المعنى بإيضاح في سورة الأعراف.
_________________
(١) ١ قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في أضواء البيان "١٣٩/٢، ١٤٠": في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه للعلماء من التفسير، وكل واحد منها له مصداق في كتاب الله تعالى: الأول: أن المعنى وهو الله في السموات وفي الأرض، أي: وهو الإله المعبود في السموات وفي الأرض؛ لأنه جل وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء، وعلى هذا فجملة: يعلم حال أو خبر، وهذا المعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي: وهو المعبود في السماء والأرض بحق، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره؛ لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي، ومعبوداتهم ليست شركاء لله ﷾ عن ذلك علوًّا كبيرًا: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] . وهذا القول في الآية أظهر الأقوال، واختاره القرطبي. الوجه الثاني: أن قوله: ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ يتعلق بقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ أي: وهو الله يعلم سركم في السموات وفي الأرض، ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] الآية. قال النحاس: وهذا القول من أحسن ما قيل في الآية، نقله عنه القرطبي. الوجه الثالث: وهو اختيار ابن جرير: أن الوقف تام على قوله: ﴿فِي السَّمَوَات﴾ وقوله: ﴿وفي الأرض﴾ يتعلق بما بعده، أي: يعلم سركم وجهركم في الأرض، ومعنى هذا القول: إنه جل وعلا مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه مع أنه يعلم سر أهل الأرض وجهرهم لا يخفى عليه شيء من ذلك. ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧] الآية، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] مع قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] .
[ ١٤٣ ]
الرد على الجهمية في زعمهم أن الله في كل مكان
فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء. فقالوا: أي مكان؟
فقلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش، والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء١.
_________________
(١) ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧] الآية، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] مع قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] . وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المعنى بإيضاح في سورة الأعراف. واعلم أن ما يزعمه الجهمية: من أن الله تعالى في كل مكان. مستدلين بهذه الآية على أنه في الأرض ضلال مبين وجهل بالله تعالى، لأن جميع الأمكنة الموجودة أحقر وأصغر من أن يحل في شيء منها رب السموات والأرض، الذي هو أعظم من كل شيء وأعلى من كل شيء، محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، فالسموات والأرض في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى، فلو كانت حبة خردل في يد رجل فهل يمكن أن يقال: إنه حال فيها أو في كل جزء من أجزائها؟ لا وكلا. هي أصغر وأحقر من ذلك، فإذا علمت ذلك فاعلم أن رب السموات والأرض أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣] ﷾ علوًّا كبيرًا لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] . ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٣٤/٢" ثم قال ﵀: هذا الذي ذكره الإمام أحمد متضمن إجماع المسلمين، ويتضمن أن ذلك من المعروف في فطرتهم التي فطروا عليها وقوله: من عظم الرب. كلمة شديدة، فإن اسمه العظيم يدل عل العظم الذي هو قدره كما بَيّنَّاه في غير هذا الموضع. وذكر الحشوش والأجواف؛ لأن علم المسلمين بذلك ببديهة حسهم وعقلهم، ولأن في ذلك ما يجب تنزيه الرب عنه، إذ كان من أعظم كفر النصارى دعواهم ذلك في واحد من =
[ ١٤٤ ]
_________________
(١) = البشر، فكيف من يدعيه في البشر كلهم، وكذلك ما ذكره من أجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة فإن هذا كما تقدم مما يعلم بالضرورة العقلية الفطرية أنه يجب تنزيه الرب وتقديسه أن يكون فيها أو ملاصقًا لها أو مماسًّا. وتخصيص هذه الأجسام القذرة والأجواف بالذكر فيه اتباع لطريقة القرآن في الأمثال والأقيسة المستعملة في باب صفات الله سبحانه. فإن الإمام أحمد ونحوه من الأئمة هم في ذلك جارون على المنهج الذي جاء به الكتاب والسنة، وهو المنهج العقلي المستقيم، فيستعملون في هذا الباب قياس الأولى والأحرى والتنبيه في باب النفي والإثبات، فما وجب إثباته للعباد من صفات المدح والحمد والكمال فالرب أولى بذلك، وما وجب تنزيه العباد عنه من النقص والعيب والذم فالرب سبحانه أحق بتنزيهه وتقديسه عن العيوب والنقائص من الخلق، وبهذا جاء القرآن في مثل قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وفي مثل قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ وغير ذلك، فإنه احتج على نفي ما يثبتونه له من الشريك والولد بأنهم ينزهون أنفسهم عن ذلك؛ لأنه نقص وعيب عندهم، فإذا كانوا لا يرضون بهذا الوصف ومثل السوء، فكيف يصفون ربهم به ويجعلون لله مثل السوء، بل: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ومما يشبه هذا في حقنا قول النبي ﷺ: "ليس لنا مثل السوء" ولهذا شبه الله من ذمه بالحمار تارة وبالكلب أخرى. ثم قال ﵀ في "٥٣٧/٢": فسلك الإمام أحمد وغيره مع الاستدلال بالنصوص وبالإجماع مسلك الاستدلال بالفطرة والأقيسة العقلية الصحيحة المتضمنة للأولى، وذلك أن النجاسات مما أمر الشارع باجتنابها والتنزه عنها توعد على ذلك بالعقاب، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "تنزهوا عن البول، فإن عامة عذاب القبر منه" وهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وهي مما فطرت القلوب على كراهتها والنفور عنها واستحسان مجانبتها لكونها خبيثة، فإذا كان العبد المخلوق الموصوف بما شاء الله من النقص والعيب الذي يجب تنزيه الرب عنه، لا يجوز أن يكون حيث تكون النجاسات، ولا أن يباشرها ويلاصقها لغير حاجة، وإذا كان لحاجة يجب تطهيرها، ثم إنه في حال صلاته لربه يجب عليه التطهير فإذا أوجب الرب على عبده في حال مناجاته أن يتطهر له وينزه عن =
[ ١٤٥ ]
وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] .
﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٧] .
وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .
وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] .
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] .
وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] .
وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١ [النحل: ٥٠] .
وقال: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣] .
وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] .
_________________
(١) = النجاسة، كان تنزيه الرب وتقديسه عن النجاسة أعظم وأكثر، للعلم بأن الرب أحق بالتنزيه عن كل ما ينزه عنه غيره. ثم قال ﵀ في "٥٤١/٢": وذكر الأئمة في الرد على الجهمية ما علمه المسلمون بضرورة حسهم وعقلهم ودينهم من تنزيهه عن أن يكون في أجوافهم وأحشائهم أيضًا مع ما ذكروه من تنزهه عن الأنجاس؛ لأن ذلك أقرب إلى حس الإنسان وبديهة عقله، فكلما كان المعلوم مما يحسه الإنسان ويعقله بديهة كان أعلم به، لاسيما مع تكرر إحساسه به وعقله له. ١ إلى هنا انتهى نقل ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" "ص: ٢٠١، ٢٠٢". ثم قال ﵀: ذكر هذ الكتاب كله أبو بكر الخلال في كتاب السنة له الذي جمع فيه نصوص أحمد وكلامه، وعلى منواله جمع البيهقي في كتابه الذي سماه: جامع النصوص من كلام الشافعي، وهما كتابان جليلان لا يستغني عنهما عالم.
[ ١٤٦ ]
إثبات ذم صفة السفل وأنها منفية عن الله ﷿
وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
فهذا خبر الله، أخبرنا أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا بقول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ ١ [فصلت: ٢٩] .
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية -﵀- في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٤٢/٢، ٥٤٣". ثم قال: وهذه الحجة من باب قياس الأولى وهو أن السفل مذموم في المخلوق، حيث جعل الله أعداءه في أسفل السافلين، وذلك مستقر في فطر العباد، حتى إن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين، وإذا كان هذا مما ينزه عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب به المخلوق فالرب تعالى أحق أن ينزه ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفًا بالسفل، هو أو شيء منه، أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه، بل هو العلي الأعلى بكل وجه، ولهذا يروى عن بشر المريسي أنه كان يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل. وكذلك بلغني عن طائفة من أهل زماننا أن منهم من يقول: إن يونس عُرج به إلى بطن الحوت، كما عرج بمحمد إلى السماء. وأنه قال: "لا تفضلوني على يونس" وأراد هذا المعنى، وقد بينا كذب هذا الحديث وبطلان التفسير في غير هذا الموضع. أ. هـ. قال محشيه ﵀: فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن القاسم: انظر "ج٢، ص: ٢٢٣، ٢٢٤" من مجموع فتاويه. وقال ابن بطة في الإبانة "١٤٢/٣، ١٤٣": ثم ذم ربنا تعالى ما سفل ومدح ما علا فقال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] يعني السماء السابعة، والله تعالى فيها. وقال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] يعني الأرض السفلى، فزعم الجهمي الحلولي أن الله هناك حيث يكون كتاب الفجار الذي ذمه الله وسفله، تعالى الله عما يزعم هؤلاء علوًّا. وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فذم الأسفل. وقال: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] .
[ ١٤٧ ]
نفي اجتماع الله بالشياطين وتنزيهه عن مجامعة الخبث والجنس
وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس [مكانه مكان، ومكان الشياطين مكانهم مكان] ١ فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد٢.
وإنما معنى قول الله جل ثناؤه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] . .
_________________
(١) ١ ما بين المعكوفين في نسخة الدكتور عميرة ونسخة الشيخ الأنصاري: "أن إبليس كان مكانه والشياطين مكانهم" والمثبت من بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية "٥٤٤/٢". ٢ قال ابن تيمية -﵀- في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٤٤/٢": هذا التنزيه عن مجامعة الخبيث والنجس من الأحياء نظير التنزيه عن مجامعة الخبيث النجس من الجمادات، ولهذا نُهي عن الصلاة في المواطن التي تسكنها الشياطين كالحمام والحش وأعطان الإبل ونحو ذلك، وإن كان المكان ليس فيه من النجاسات الجامدة شيء، بل أرواث الإبل طاهرة، بل قد ثبت عن النبي -ﷺ- في الصحيح من غير وجه أنه ذكر أن الكلب يقطع الصلاة، وخصه في الحديث الصحيح بالأسود، وقال: "إنه شيطان" لما سئل عن الفرق بين الأحمر والأبيض والأسود، فقال: "الأسود شيطان". وقد ذكر شيخ الإسلام أن شيطان الجن يقطع الصلاة وأنه ملعون رجيم، وأن الشياطين ترجم بالشهب لئلا تسترق السمع وأمر سبحانه عباده بالاستعاذة من الشيطان. ثم قال ﵀ في "٥٤٥/٢": فإذا كان ملعونًا مبعدًا مطرودًا عن أن يجتمع بملائكة الله أو يسمع منهم ما يتكلمون به من الوحي، فمن المعلوم أن بعده عن الله أعظم وتنزه الله وتقدسه عن قرب الشياطين فإذا كان كثير من الأمكنة مملوءًا، وكان تعالى في كل مكان كان الشياطين قريبين منه غير مبعدين عنه ولا مطرودين، بل كانوا متمكنين من سمع كلامه منه دع الملائكة وهذا يعلم بالاضطرار وجوب تنزه الله وتقديسه عنه أعظم من تنزيه الملائكة والأنبياء والصالحين وكلامه الذي يبلغه هؤلاء ومواضع عباداته، فإن نفسه أحق بالتنزيه والتقديس عن جميع هذه الأعيان المخلوقة ومن كلامه الذي يتلوه هؤلاء.
[ ١٤٨ ]
أدلة عقلية على عدم مماسة الله لخلقه
يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ومن الاعتبار في ذلك، لو أن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صافٍ وفيه شراب صافٍ، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه، من غير أن يكون في شيء من خلقه١.
وخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار. فالله وله
_________________
(١) ١ قال ابن تيمية -﵀- في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٤٦/٢": قلت: وقد تقدم أن كل ما يثبت من صفات الكمال للخلق فالخالق أحق به وأولى. فضرب أحمد -﵀- مثلًا وذكر قياسًا وهو أن العبد إذا أمكنه أن يحيط بصره بما في يده وقبضته من غير أن يكون داخلًا فيه ولا محايثًا له فالله سبحانه أولى باستحقاق ذلك واتصافه به، وأحق بأن لا يكون ذلك ممتنعًا في حقه، وذكر أحمد في ضمن هذا القياس قوله الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ مطابق لما ذكرناه من أن الله له قياس الأولى والأحرى بالمثل الأعلى، إذ القياس الأولى والأحرى هو من المثل الأعلى. وأما المثل المساوي أو الناقص فليس لله بحال. ففي هذا الكلام الذي ذكره، واستدلاله بهذه الآية تحقيق لما قدمناه من أن الأقيسة في باب صفات الله، وهي أقيسة الأولى كما ذكره من هذا القياس، فإن العبد إذا كان هذا الكمال ثابتًا له فالله الذي له المثل الأعلى أحق بذلك.
[ ١٤٩ ]
إثبات أن الله بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع الخلق
المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه، وعلم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق١.
_________________
(١) ١ قال ابن تيمية -﵀- في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٤٧/٢": وهذا أيضًا قياس عقلي من قياس الأولى قرر به إمكان العلم بدون المخالطة، فذكر أن العبد إذا فعل مصنوعًا كدارٍ بناها فإنه يعلم مقدارها وعدد بيوتها مع كونه ليس هو فيها لكونه هو بناها، فالله الذي خلق كل شيء أليس هو أحق بأن يعلم مخلوقاته ومقاديرها وصفاتها وإن لم يكن فيه محايثًا لها، وهذا من أبين الأدلة العقلية، وهذان القياسان: أحدهما: لإحاطته بخلقه، إذ الخلق جميعًا في قبضته وهو محيط بهم ببصره. الثاني: لعلمه بهم؛ لأنه هو الخالق كما قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وقال ابن بطة في "الإبانة" "١٣٦/٣": باب الإيمان بأن الله -﷿- على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه. وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله -﵎- على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه لا يأبى ذلك ولا يكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية، وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين. وقالوا: إن الله ذاته لا يخلو منه مكان. فقالوا: إنه في الأرض كما هو في السماء، وهو بذاته حَالٌّ في جميع الأشياء، وقد أكذبهم القرآن والسنة وأقاويل الصحابة والتابعين من علماء المسلمين. فقيل للحلولية: لِمَ أنكرتم أن يكون الله تعالى على العرش؟ وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] فهذا خبر الله أخبر به عن نفسه وأنه على العرش. فقالوا: لا نقول إنه على العرش لأنه أعظم من العرش، ولأنه إذا كان على العرش فإنه يخلو منه أماكن كثيرة، فنكون قد شبهناه بخلقه، إذا كان أحدهم في منزله فإنما يكون في الموضع الذي هو فيه، ويخلو منه سائر داره، ولكنا نقول: إنه تحت الأرض السابعة كما هو فوق السماء السابعة، وأنه في كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. قلنا: أما قولكم: إنه لا يكون على العرش لأنه أعظم من العرش، فقد شاء الله أن يكون =
[ ١٥٠ ]
إثبات علو الله ﷿ وفوقيته على جميع خلقه
_________________
(١) = على العرش، وهو أعظم منه. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] وقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأنعام: ٣] ثم قال: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ﴾، فأخبر أنه في السماء وأنه بعلمه في الأرض. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] فهل يكون الصعود إلا إلى ما علا. وقال: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ فأخبر أنه أعلى من خلقه. وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] فأخبر أنه فوق الملائكة وقد أخبرنا الله تعالى أنه في السماء على العرش، فقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٨] وقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، وقال ﷿: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقال: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ [المعارج: ٤] . فهذا ومثله في القرآن كثير، ولكن الجهمي المعتزلي الحلولي الملعون يتصامم عن هذا، وينكره، فيتعلق بالمتشابه ابتغاء الفتنة لما في قلبه من الزيغ؛ لأن المسلمين كلهم قد عرفوا أماكن كثيرة، ولا يجوز أن يكون فيها من ربهم إلا علمه وعظمته وقدرته، وذاته تعالى ليس هو فيها، فهل زعم الجهمي أن مكان إبليس الذي هو فيه يجتمع الله تعالى وهو فيه؟ بل يزعم الجهمي أن ذات الله تعالى حالَّة في إبليس؟ وهل يزعم أن أهل النار في النار وأن الجليل العظيم العزيز الكريم معهم فيها؟! تعالى الله عما يقوله أهل الزيغ والإلحاد علوًّا كبيرًا. وهل يزعمون أنه يحل أجواف العباد وأجسادهم وأجواف الكلاب والخنازير والحشوش والأماكن القذرة، التي يربأ النظيف الطريف من المخلوقين أن يسكنها أو يجلس فيها، أو قال له، إن أحدًا ممن يكرمه ويحبه ويعظمه ويحل فيها وبها. =
[ ١٥١ ]
_________________
(١) = والمعتزلي يزعم أن ربه في هذه الأماكن كلها، ويزعم أنه في كمه وفي فمه وفي جيبه وفي جسده، وفي كوزه وفي قدره وفي ظروفه وآنيته، وفي الأماكن التي نُجِلُّ الله ﵎ أن ننسبه إليها. قال ابن تيمية -﵀- في مجموع فتاويه "١٢١/٥": قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق وأنه فوق عباده. وقد ذكر شيخ الإسلام -﵀- أقوال عدد غير قليل من الأئمة في إثبات العلو لله -﷿- وأنه فوق العرش استوى، منهم ابن كلاب والأشعري والباقلاني والقاضي أبو يعلى وابن رشد وأبو نصر السجزي وأبو عمر الطلمنكي ونصر المقدسي وأبو نعيم الأصبهاني وأبو أحمد الكرخي وابن عبد البر ومعمر بن أحمد الأصبهاني وابن أبي حاتم وأبو محمد المقدسي وأبو عبد الله القرطبي وأبو بكر النقاش وأبو كبر الخلال وعبد الله بن أحمد وأبو بكر البيهقي وأبو حنيفة وعبد الله بن المبارك وابن خزيمة وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس وغيرهم. وقال ابن القيم -﵀- في "اجتماع الجيوش الإسلامية" "ص: ٩٦" إثبات استواء الله على عرشه بالكتاب: قال شيخ الإسلام: وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله -ﷺ- وعامة كلام الصحابة والتابعين وكلام سائر الأئمة مملوء بما هو نص أو ظاهر في أن الله ﷾ فوق كل شيء، وأنه فوق العرش فوق السموات مستوٍ على عرشه، مثل قوله تعالى وذكر آيات من كتاب الله، سبق أن ذكرناها في كلام ابن بطة في "الإبانة" ثم ذكر ابن القيم أدلة إثبات استواء الله على عرشه من السنة. فذكر قصة المعراج وتجاوز الرسول -ﷺ- السموات سماء سماء، حتى انتهى إلى ربه تعالى فقربه وأدناه. وذكر حديث: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" وفي لفظ: "فهو مكتوب عنده فوق العرش" وحديث: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت =
[ ١٥٢ ]
_________________
(١) سبحات وجهه ما انتهى إليه من بصره من خلقه". وحديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم -وهو أعلم بهم- فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" وعندما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة قال له الرسول ﷺ: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" وفي لفظ: "من فوق سبع سموات" ولما قسم النبي -ﷺ- قطعة الذهب بين أربعة قال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء" وحديث الجارية عندما سألها رسول الله -ﷺ: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "فمن أنا" قالت: أنت رسول الله قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وحديث زينب بنت جحش عندما كانت تفخر على أزواج النبي -ﷺ- فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات. وحديث: "الراحمون يرحمهم الله الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وحديث: "ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" وحديث: "إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا ليس فيهما شيء". وحديث: "إن لله ملائكة سيارة فضلًا يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم" وفي رواية مسلم: "فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء، فيسألهم الله -﷿- وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ " وحديث: "كان الله -﷿- على العرش وكان قبل كل شيء، وكتب في اللوح المحفوظ كل شيء يكون". وحديث: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرها ابن القيم -﵀- ثم نقل من كلام أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم الكثير، نُحِيلُ القارئ الكريم على مراجعة هذه النقول في "اجتماع الجيوش الإسلامية" "ص: ١١٨-٣٣١" حيث استشهد بكلام الإمام أحمد المذكور هنا في الرد على الجهمية. ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش" "ص: ٢٠٠-٢٠٨". وانظر: الشريعة للآجري "١٠٨١/٣-١١٠٦".
[ ١٥٣ ]
بيان ماتأولت الجهمية من قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾
بيان ما تأولت الجهمية من قول الله:
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾
قالوا: إن الله معنا وفينا. فقلنا: الله جل ثناؤه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧] .
ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يعني الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ﴾ يعني الله بعلمه ﴿سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه١.
ويقال للجهمي: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟
_________________
(١) ١ قال ابن بطة في "الإبانة" "١٤٤/٣، ١٤٥": واحتج الجهمي بقول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] . فقالوا: إن الله معنا وفينا، واحتجوا بقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، وقد فسر العلماء هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا﴾ إنما عني بذلك: علمه، ألا ترى أنه قال في أول الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فرجعت الهاء والواو من هو على علمه لا على ذاته. ثم قال في آخر الآية: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فعاد الوصف على العلم، وبين أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها.
[ ١٥٤ ]
فإن قال: نعم فقد زعم أن الله بائن من خلقه دونه، وإن قال: لا. كفر١.
وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟
فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال، لابد له من واحد منها.
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه٢.
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٤٨/٢" ثم قال ﵀: وذلك أن من أثبت أن شيئًا بين الله وبين خلقه فقد جعله مباينًا، فإن المباينة والبين من اشتقاق واحد، وإذا كان شيء بين شيئين فالثلاثة مباينة بعضها عن بعض، وهذا الوسط من هذا، وهو ما بينه وبين هذا هو مباينته، ومباين المباينين أولى أن يكون مباينًا. ٢ قال ابن بطة في "الإبانة" "١٤٠/٣-١٤٢": ويقال للجهمي: أليس قد كان الله ولا خلق؟ فيقول: نعم. فيقال له: فحين خلق الخلق أين خلقهم؟ -وقد زعمت أنه لا يخلو منه مكان- أخلقهم في نفسه أو خارجًا عن نفسه؟ فعندها يتبين لك كفر الجهمي، وأنه لا حيلة له في الجواب. لأنه إن قال: خلق الخلق في نفسه. كفر وزعم أن الله خلق الجن والإنس والأبالسة والشياطين والقردة والخنازير والأقذار والأنتان في نفسه، تعالى اله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وإن زعم أنه خلقهم خارجًا عن نفسه فقد اعترف أن ههنا أمكنة قد خلت منه. ويقال للجهمي في قوله: إن الله في كل مكان: أخبرنا هل تطلع عليه الشمس إذا طلعت؟ وهل يصيبه الريح والثلج والبرد؟ ولو أن رجلًا أراد أن يبني بناء أو يحفر بئرًا أو يلقي قذرًا لكان إنما يلقي ذلك ويضعه في ربه. فجلَّ ربنا وتعالى عما يصفه به =
[ ١٥٥ ]
إن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا كفرًا أيضًا [حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء. وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه، ثم لم يدخل فيهم. رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة] ١، ٢.
_________________
(١) = الملحدون وينسبه إليه الزائغون. لكنا نقول: إن ربنا تعالى في أرفع الأماكن وأعلى عليين، قد استوى على عرشه فوق سماواته وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما نأى كما يعلم ما دنا، ويعلم ما بطن كما يعلم ما ظهر، كما وصف نفسه تعالى، فقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] . فقد أحاط علمه بجميع ما خلق في السموات العلا وما في الأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم الخطرة والهمة، ويعلم جميع ما توسوس النفوس به، يسمع ويرى وهو بالنظر الأعلى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرضين إلا وقد أحاط علمه به وهو على عرشه سبحانه العلي الأعلى. ترفع إليه أعمال العباد وهو أعلم بها من الملائكة الذين شاهدوها وكتبوها ورفعوا إليه بالليل والنهار، فجلّ ربنا وتعالى عما ينسبه إليه الجاحدون ويشبهه به الملحدون. ١ ما بين المعكوفين سقط من نسخة د. عميرة واستدركته من نسخة الشيخ الأنصاري، ومن درء تعارض العقل والنقل "١٧٦/٣" ومن بيان تلبيس الجهمية "٥٤٩/٢" ثم بين لي أن هذا السقط وجد بعد قوله الآتي: فأين يكون ربنا؟ فقال: يكون في كل شيء. ٢ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل "١٧٦/٣" وبيان تلبيس الجهمية "٥٤٩/٢" ثم قال ﵀ في بيان التلبيس: وهذه الحجة التي ذكرها أحمد مبناها على أنه يخلو عن المباينة للخلق المحايثة لهم. وهذا كما أنه معلوم بالفطرة العقلية الضرورية كما تقدم، فإن الجهمية كثيرًا مما يضطرون إلى تسليم ذلك كقوله: إنه في كل مكان. ولأن الخروج عن هذين القسمين مما تنكره قلوبهم بفطرتهم ومما ينكره الناس عليهم. =
[ ١٥٦ ]
إذا أردت أن تعلم الجهمي لا يقر بعلم الله فقل له: الله يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] .
وقال: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] .
وقال: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: ٤٧] .
فيقال له: تقر بعلم الله هذا الذي أوقفك عليه بالأعلام والدلالات أم لا؟ فإن قال: ليس له علم، كفر.
وإن قال: لله علم محدث كفر، حين زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له علمًا فعلم.
فإن قال: لله علم وليس مخلوقًا ولا محدثًا، رجع عن قوله كله، وقال بقول أهل السنة] ١.
_________________
(١) وقال ﵀ في درء التعارض: فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته، من أنه لابد إذا خلق الخلق من أن يخلقه مباينًا له أو محايثًا له، ومع المحايثة: إما أن يكون هو في العالم، وإما أن يكون العالم فيه؛ لأنه سبحانه قائم بنفسه، والقائم بنفسه إذا كان محايثًا لغيره فلابد أن يكون أحدهما حالًّا في الآخر بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات، فإنها قد تكون جميعًا قائمة بغيرها. وانظر كذلك مجموع فتاوى شيخ الإسلام "٣١٢/٥، ٣١٣". ١ من قوله ﵀: حين زعم أنه دخل في كل مكان وحُشٍّ قذر رديء. إلى هنا، انتقل موضعه في الفصل التالي، بيان ما ذكر الله في القرآن: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ من نسخة الدكتور عميرة، ولا أدري كيف وجد هذا النقل في هذا الموضع ولعله حدث نتيجة تقدم صفحة على صفحة من المخطوط؟!
[ ١٥٧ ]
بيان ما ذكر الله في القرآن:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ، وهذا على وجوه:
قال الله جل ثناؤه لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] .
يقول: في الدفع عنكما.
وقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
يقول: في الدفع عنا.
وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
يقول: في النصر لهم على عدوهم.
وقال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] .
في النصر لكم على عدوكم.
وقال: ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] .
يقول بعلمه فيهم.
وقال: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ١ [الشعراء: ٦١، ٦٢] .
_________________
(١) ١ إن الآيات السابقة التي تدل على معية الرب ﵎ مع بعض المخلوقين يوهم =
[ ١٥٨ ]
يقول: في العون على فرعون١.
فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله أنه مع خلقه قال: هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين منه.
فقلنا: إذا كان غير مباين أليس هو مماسًّا٢؟
_________________
(١) = ظاهرها أن هناك اضطرابًا مع قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وغيرهما من الآيات التي تثبت أن الرب ﷾ مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وأجاب على هذا الإشكال فضيلة الشيخ الشنقيطي -﵀- في كتاب "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" "ص: ١٩١" فقال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] يدل على أنه تعالى مستوٍ على عرشه عالٍ على جميع خلقه، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] يوهم خلاف ذلك. والجواب: أنه تعالى مستوٍ على عرشه كما قال بلا كيف ولا تشبيه، استواء لائقًا بكماله وجلاله، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام ونفوذ القدرة ﷾ علوًّا كبيرًا، فلا منافاة بين علوه على عرشه ومعيته لجميع الخلائق. ألا ترى -ولله المثل الأعلى- أن أحدنا لو جعل في يده حبة من خردل أنه ليس داخلًا في شيء من أجزاء تلك الحبة، مع أنه محيط بجميع أجزائها ومع جميع أجزائها، والسموات والأرض ومن فيهما في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى ﷾ علوًّا كبيرًا، فهو أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته، بل من حبل وريده، مع أنه مستوٍ على عرشه، لا يخفى عليه شيء من عمل خلقه جل وعلا. ١ في نسخة د. عميرة: قريش. والتصويب من نسخة الشيخ الأنصاري ودرء تعارض العقل والنقل "١٧٨/٣" وبيان تلبيس الجهمية "٥٥١/٢" واجتماع الجيوش الإسلامية "ص: ٢٠٥". ٢ قال ابن تيمية -﵀- في بيان تلبيس الجهمية "٥٥٣/٢". وأحمد -﵀- ذكر ما يعلم بضرورة العقل من أنه إذا كان فيه وليس بمباين لأنه لابد =
[ ١٥٩ ]
قال: لا. قلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين؟ فلم يحسن الجواب.
فقال: بلا كيف. فيخدع جهال الناس بهذه الكلمة وموه عليهم١.
فقلنا: أليس إذا كان يوم القيامة، أليس إنما هو في الجنة والنار والعرش والهواء٢؟
_________________
(١) = أن يكون مماسًّا له، فإنه لا يعقل كون الشيء في الشيء إلا مماسًّا له أو مباينًا له، فإنه لما كان خطابه مع الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان ذكر أنه لابد من المماسة أو المباينة على هذا التقدير، وهو تقدير المحايثة، فإن أولئك لم يكونوا ينكرون دخوله في العالم، وإنما ينكرون خروجه. ١ قال ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٥٣/٢": فبين أحمد أن هذه الكلمة إنما يقبلها الجهال فينخدعون بها، لأنهم يعتقدون أن ما ذكره هذا ممكن، وإن لم نعلم نحن كيفيته، وإنما كانوا جهالًا لأنهم خالفوا العقل والشرع، وقبلوا ما لا يقبل العقل، واعتقدوا هذا من جنس ما أخبر به الشارع من الصفات التي لا نعلم نحن كيفيتها. ٢ قال ابن تيمية -﵀- في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٥٧/٢": ثم ذكر أحمد الحجة الثانية فقال: قلنا لهم: إذا كان يوم القيامة أليس إنما الجنة أو النار والعرش والهواء. إلى آخره. فبيَّن أن موجب قولهم أن يكون بعضه على العرش، وبعضه في الجنة، وبعضه في النار، وبعضه في الهواء، لأن هذه هي الأمكنة التي ادعوا أن الله فيها فيتبعض ويتجزأ بتبعض الأمكنة وتجزيها، وذكر أنه عند ذلك تبين للناس كذبهم على الله، لأن الناس في الدنيا آمنوا بالغيب وبأمور أخرى لم يروها في الدنيا وسوف يرونها في الآخرة، فإن ظهر لهم أن هؤلاء يقولون إنه يكون في الآخرة، كما كان في الدنيا متفرقًا متجزءًا لم يمكن أن يراه أحد، ولا أن يحايث أحدًا، ولا أن يختص أولياؤه بالقرب منه دون أعدائه، بل يكون في النار مع أعدائه، كما هو في الجنة مع أوليائه، فظهر بذلك من كذبهم على الله ما لم يظهر بما ذكروه في أمر الدنيا.
[ ١٦٠ ]
قال: بلى. فقلنا: فأين يكون ربنا؟
فقال: يكون في كل شيء. كما كان حين في الدنيا في كل شيء.
فقلنا: فإن مذهبكم إن ما كان من الله على العرش فهو على العرش، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار، وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء.
فعند ذلك تبين كذبهم على الله جل ثناؤه١.
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٥١/٢، ٥٥٢" وفي درء تعارض العقل والنقل "١٧٧/٣، ١٧٨" فقال ﵀ في بيان التلبيس: فذكر الإمام أحمد بعد تفسير المعية التي احتجوا بها من جهة السمع حجتين عقليتين، فذكر قول الجهمية أنه في كل شيء غير مماس للأشياء، ولا مباين لها، وهذا قول الجهمية الذين ينفون مباينته، ثم يبقون مع ذلك مماسته، فيقولون هو في كل مكان، والصنف الآخر كالمؤسس ينفون مباينته الحقيقية، وإن قالوا إنهم يثبتون مباينته بالحقيقة والزمان، فإن أولئك أيضًا وإن نفوا المباينة فإنهم يثبتونها بالحقيقة والزمان، فكلا الطائفتين يقولون: إنهم يثبتون مباينته لكن ينفون أن يكون خارج العالم. وكل من الصنفين خصم للآخر فيما يوافقه عليه الجماعة، فالأولون يقولون كما تقول الجماعة: إنه إذا لم يكن مباينًا للعالم بغير الحقيقة والزمان كان محايثًا له خلافًا للطائفة الأخرى، ثم يقول بما تقول به الأخرى: وليس بمباين للعالم بغير الحقيقة والزمان، فيلزم أن يكون محايثًا له. والآخرون يقولون إذا كان محايثًا للعالم كان مماسًّا له، كما تقول الجماعة خلافًا لتلك الطائفة، ثم يقولون مع الجماعة: وليس بمماس للعالم، فيلزم أن لا يكون فيه ولا مباينًا له بغير الحقيقة والزمان، فلا يكون خارجًا عنه. وقال ﵀ في درء التعارض: فكان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يبينون فساد قول الجهمية، سواء قالوا: إنه في كل مكان أو قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، أو قالوا: إنه في العالم أو خارج العالم، إذ جماع قولهم: إنه ليس مباينًا للعالم مختصًّا بما فوق العالم. =
[ ١٦١ ]
الكلام على أسم الله في القران هل هو مخلوق؟
أوزعمت الجهمية أن الله -جل ثناؤه- في القرآن إنما هو اسم مخلوق، فقلنا: قبل أن يخلق هذا الاسم، ما كان اسمه؟
قالوا: لم يكن له اسم١.
فقلنا: وكذلك قبل أن يخلق العلم أكان جاهلا لا يعلم حتى يخلق لنفسه علمًا٢. وكان لا نور له حتى يخلق لنفسه نورًا. وكان ولا قدرة له حتى يخلق لنفسه قدرة؟
_________________
(١) = ثم هم مع هذا مضطربون يقولون هذه تارة، وهذه تارة، ولا يمكن بعض طوائفهم أن يفسد مقالة الأخرى لاشتراكهم في الأصل الفاسد. ١ قال الخلال في كتاب السنة "١٣٨/٥": قال أبو عبد الله: فالقرآن من علم الله ألا تراه يقول: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ والقرآن فيه أسماء الله -﷿- أي شيء تقولون؟ ألا يقولون إن أسماء الله -﷿- غير مخلوقة؟ مَنْ زعم أن أسماء الله -﷿- مخلوقة فقد كفر، لم يزل الله -﷿- قديرًا عليمًا عزيزًا حكيمًا سميعًا بصيرًا، لسنا نشك أن أسماء الله ليست بمخلوقة ولسنا نشك أن علم الله ﵎ ليس بمخلوق، وهو كلام الله -﷿- ولم يزل الله -﷿- حيكمًا. ثم قال أبو عبد الله: وأي كفر أبين من هذا؟! وأي كفر أكفر من هذا؟! فإذا زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة وأن علم الله مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون: إنما يقولون القرآن مخلوق، فيتهاونون ويظنون أنه هين ولا يدرون ما فيه من الكفر. ٢ قال الخلال في السنة "٢٩/٦": أخبرني أبو النضر إسماعيل بن عبد الله بن ميمون العجلي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: من قال إن أسماء الله -﷿- مخلوقة، وإن علمه مخلوق فهو كافر. أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، لأنه يزعم أن علم الله مخلوق، وأنه لم يكن له علم حتى خلقه.
[ ١٦٢ ]
فعلم الخبيث أن الله قد فضحه، وأبدى عورته حين زعم أن الله -جل ثناؤه- في القرآن إنما هو اسم مخلوق.
وقلنا للجهمية: لو أن رجلًا حلف بالله الذي لا إله إلا هو كاذبًا كان لا يحنث، لأنه حلف بشيء مخلوق، ولم يحلف بالخالق، ففضحه الله في هذه.
وقلنا له: أليس النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء من بعدهم، والحكام والقضاة، إنما كانوا يحلفون الناس بالله الذي لا إله إلا هو؟ فكانوا في مذهبهم مخطئين، إنما كان ينبغي للنبي -﵇- ولمن بعده في مذهبكم أن يحلفوا بالذي اسمه الله، وإذا أرادوا أن يقولوا: لا إله إلا الله. يقولون: لا إله إلا الذي خلق الله، وإلا لم يصح توحيدهم، ففضحه الله بما ادعى من الكذب على الله.
ولكن نقول: إن الله هو الله، وليس الله باسم: إنما الأسماء شيء سوى الله١؛ لأن الله إن لم يتكلم فبأي شيء خلق الخلق؟
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مجموع الفتاوى "١٨٥/٦-١٨٧": اختلف في الاسم والمسمى: هل هو هو أو غيره أو لا يقال: هو هو، ولا يقال: هو غيره أو هو له؟ أو يفصل في ذلك؟ فإن الناس قد تنازعوا في ذلك والنزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمة بعد أحمد وغيره، والذي كان معروفًا عند أئمة السنة أحمد وغيره الإنكار على الجهمية الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة. فيقولون: الاسم غير المسمى. وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق، وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلامه غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء. والجهمية يقولون: كلامه مخلوق وأسماؤه مخلوقة وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته ولا سمى نفسه باسم هو المتكلم به. بل قد يقولون: إنه تكلم به وسمى نفسه بهذه =
[ ١٦٣ ]
قالوا: أموجود عن الله أنه خلق الخلق بقوله وبكلامه؟ وحين قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .
فقالوا: إنما معنى: ﴿قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ يكون. قلنا: فلِمَ أخفيتم أن يقول له، فقالوا: إنما معنى كل شيء في القرآن معانيه، وقال الله مثل قول العرب: قال الحائط، وقالت النخلة فسقطت، فالجهمية لا يقولون بشيء، فقلنا: على هذا أفتيتم؟ قالوا: نعم.
فقلنا: فبأي شيء خلق الخلق إن كان الله في مذهبكم لا يتكلم؟
فقالوا: بقدرته. فقلنا: هي شيء؟ قالوا: نعم، فقلنا: قدرته مع
_________________
(١) = الأسماء بمعنى أنه خلقها في غيره لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها الكلام القائم به، فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه. ثم قال ﵀: والمقصود هنا أن المعروف عند أئمة السنة إنكارهم على من قال: أسماء الله مخلوقة، وكان الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمى هذا مرادهم. وقال الدارمي -﵀- في نقضه على المريسي الجهمي العنيد "١٦١/١، ١٦٢": فمن ادعى أن صفة من صفات الله تعالى مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر؛ لأنك إذا قلت: الله فهو الله. وإذا قلت: الرحمن فهو الرحمن. وهو الله. وإذا قلت: الرحيم فهو كذلك. وإذا قلت: حكيم حميد مجيد جبار متكبر قاهر قادر، فهو كذلك، وهو الله سواء. لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسْمًا. ثم قال ﵀: والله ﵎ اسمه كأسمائه سواء، لم يزل كذلك ولا يزال، لم تحد له صفة، ولا اسم لم يكن كذلك قبل الخلق كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين وعالِمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة.
[ ١٦٤ ]
الأشياء المخلوقة؟ قالوا: نعم.
فقلنا: كأنه خلق خلقًا بخلق، وعارضتم القرآن وخالفتموه حين قال الله جل ثناؤه: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] .
فأخبرنا الله أنه يخلق، وقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] .
فإنه ليس أحد يخلق غيره، وزعمتم أنه خلق الخلق غيره، فتعالى الله عما قالت الجهمية علوًّا كبيرًا.
[ ١٦٥ ]
بيان ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق، من الأحاديث التي رويت
فقالوا: جاء الحديث: "إن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب، فيأتي صاحبه فيقول: هل تعرفني؟ فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن أظمأت نهارك وأسهرت ليلك" ١.
قال: فيأتي به الله فيقول: يا رب.
فادعوا أن القرآن مخلوق من قبل هذه الأحاديث.
فقلنا لهم: القرآن لا يجيء إلا بمعنى: أنه قد جاء من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . فله كذا وكذا. ألا ترون أن من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يجئه إلا بثوابه، لأننا نقرأ القرآن فيقول: يا رب. لأن كلام الله لا يجيء، ولا يتغير من حال إلى حال. وإنما معنى: أن القرآن يجيء إنما يجيء ثواب القرآن. يا رب٢.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "٣٤٨/٥، ٣٥٢، ٣٦١" وابن ماجه "رقم: ٣٧٨١" والدارمي بنحوه "رقم: ٣٣٩٤" وفي الزوائد: إسناده صحيح رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع "رقم: ٦٤١٦". ٢ قال ابن بطة في الإبانة "٢٠٢/٢-٢٠٥": ثم إن الجهمية لجأت إلى المغالطة في أحاديث تأولوها موهوا بها على من لا يعرف الحديث، مثل الحديث الذي روي: يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب فيقول له القرآن: أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك، فيأتي اللهَ فيقول: أي رب تلاني ووعاني وعمل بي. والحديث الآخر: "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما =
[ ١٦٦ ]
_________________
(١) = غمامتان، فأخطأ في تأويله، وإنما عنى في هذه الأحاديث في قوله: يجيء القرآن وتجيء البقرة وتجيء الصلاة ويجيء الصيام ويجيء ثواب ذلك كله، وكل هذا مبين في الكتاب والسنة. قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] فظاهر اللفظ من هذا أنه يرى الخير والشر، ليس يرى الخير والشر، وإنما يرى ثوابهما والجزاء عليهما من الثواب والعقاب. كما قال ﷿: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وليس يعني أنها تلك الأعمال التي عملتها بهيئتها وكما عملتها من الشر، وإنما تجد الجزاء على ذلك من الثواب والعقاب. كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ﴾ [النساء: ١٢٣] فيجوز في الكلام أن يقال: يجيء القرآن وتجيء الصلاة وتجيء الزكاة، يجيء الصبر، يجيء الشكر، وإنما يجيء ثواب ذلك كله، يجزى من عمل الشيء بالسوء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ أَفَتَرَى يرى السرقة والزنا وشرب الخمر وسائر أعمال المعاصي إنما يرى العقاب والعذاب عليهما، وبيان هذا وأمثاله في القرآن كثير. وأما ما جاءت به السنة فقول النبي ﷺ: "ظل المؤمن صدقته" فلا شيء أبين من هذا، وقال النبي ﷺ: "كل معروف صدقة فإرشادك الضالة صدقة وتحيتك لأخيك بالسلام صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط صدقة" "وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، ومباضعتك لأهلك صدقة"، فكيف يكون الإنسان يوم القيامة في ظل مباضعته لأهله؟ إنما عنى بذلك كله ثواب صدقته، أليس قد قال النبي ﷺ: "من أحب أن يظله الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فلينظر معسرًا أو ليدع له" فأعلمك أن الظل من ثواب الأعمال.
[ ١٦٧ ]
بيان ما تأولت الجهمية من قول الله:
﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾
فزعموا أن الله هو قبل الخلق، فصدقوا، وقالوا: يكون الآخر بعد الخلق، فلا يبقى شيء ولا أرض ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ولا عرش ولا كرسي.
وزعموا أن شيئًا مع الله لا يكون، هو الآخر كما كان، فأضلوا بهذا بشرًا كثيرًا١.
وقلنا: أخبرنا الله عن الجنة ودوام أهلها فيها، فقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] .
_________________
(١) ١ قال الآجري في كتاب الشريعة "١١٠١/٣-١١٠٣": ومما يحتج به الحلولية مما يلبسون به على من لا علم معه قول الله ﷿: ﴿هوَ الأَوَّلُ والآَخِرُ والظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول: قبل كل شيء من حياة وموت. والآخر: بعد الخلق. وهو الظاهر: فوق كل شيء، يعني السموات. وهو الباطن: دون كل شيء، يعلم ما تحت الأرضين، ودل على هذا آخر الآية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . كذا فسره مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان، وبينت ذلك السنة. حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا جرير عن مطرف عن الشعبي عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- يقول: "اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء". قال محشيه: إسناده حسن.
[ ١٦٨ ]
فإذا قال جل وجهه: ﴿مُقِيمٌ﴾ وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] وقال: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥]، فإذا قال الله: ﴿دَائِمٌ﴾ لا ينقطع أبدًا.
وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقال: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] .
وقال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
وقال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] .
وقال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣] . ومثله في القرآن كثير.
وذكر أهل النار فقال: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] .
وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] .
وقال: ﴿لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩] .
وقال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] .
وقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] .
وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] .
وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] .
[ ١٦٩ ]
وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٢] . وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] .
ومثله في القرآن كثير ١.
وأما السماء والأرض فقد بادتا؛ لأن أهلها صاروا إلى الجنة والنار. وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنه سقف الجنة والله عليه فلا يهلك ولا يبيد.
وأما قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وذلك أن الله أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] .
قالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأنزل الله آية يخبر عن أهل السموات وأهل الأرض أنهم يموتون، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ من الحيوان ﴿هَالِكٌ﴾ يعني ميت ﴿إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أنه حي لا يموت، فأيقنوا عند ذلك بالموت.
وقلنا للجهمية حين زعموا أن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان فقلنا: أخبرونا عن قول الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٣٤] .
لِمَ يتجلى للجبل إن كان فيه بزعمهم؟ فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن يتجلى لشيء هو فيه، ولكن الله -جل ثناؤه- على العرش، وتجلى
_________________
(١) ١ انظر في أبَدِّية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد، وكذا النار وأبديتها ودوامها: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن قيم الجوزية -﵀- الباب السابع والستون "ص: ٤٨٠-٥٢٨" وكذا "الشريعة" للآجري "١٣٧١/٣-١٣٨٢".
[ ١٧٠ ]
لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن رآه قبل ذلك١.
وقلنا للجهم: فالله نور؟ فقال: هو نور كله، فقلنا: فالله قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] .
فقد أخبر الله -جل ثناؤه- أن له نورًا.
فقلنا: أخبرونا حين زعمتم أن الله في كل مكان وهو نور، فلِمَ لا يضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه إن زعمتم أن الله في كل مكان؟
وما بال السراج إن أدخل البيت يضيء؟ ٢.
فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى.
فرحم الله من عقل عن الله ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة. وقال بقول العلماء. وهو قول المهاجرين والأنصار، وترك دين الشيطان، ودين جهم وشيعته٣.
_________________
(١) ١ قال ابن بطة في كتاب "الإبانة" "١٣٩/٣، ١٤٠": وزعم الجهمي أن الله لا يخلو منه مكان، وقد أكذبه الله تعالى، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فيقال للجهمي: أرأيت الجبل حين تجلى له؟ وكيف تجلى للجبل وهو في الجبل؟! ٢ قال ابن بطة في كتاب "الإبانة" "١٤٠/٣": وقال الله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ [الزمر: ٦٩] فيقال للجهمي: هل الله نور؟ فيقول: هو نور كله. قيل له: فالله في كل مكان؟ قال: نعم. قلنا: فما بال البيت المظلم لا يضيء من النور الذي هو فيه، ونحن نرى سراجًا فيه فتيلة يدخل البيت المظلم فيضيء، فما بال الموضع المظلم يحل الله تعالى فيه بزعمكم فلا يضيء. فعندها يتبين لك كذب الجهمي وعظيم فريته على ربه. ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٩٢/١": =
[ ١٧١ ]
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
آخر الكتاب
_________________
(١) = وجميع البدع: كبدع الخوراج والشيعة والمرجئة والقدرية لها شبه في نصوص الأنبياء بخلاف بدعة الجهمية النفاة، فإنه ليس معهم فيها دليل سمعي أصلًا، ولهذا كانت آخر البدع حدوثًا في الإسلام ولما أحدثت أطلق السلف والأئمة القول بتكفير أهلها لعلمهم بأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، ولهذا يصير محققوهم إلى مثل فرعون مقدم المعطلة، بل وينتصرون له ويعظمونه. والمبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم، وبيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين، فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت، ولكن صالوا عليها صول المحاربين لله ولرسوله، فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله. أ. هـ. قلت: فأسألك اللهم أن تجعل عملي في هذا الكتاب من الجهاد في سبيلك، وأن تجعله من موازيني وصحائفي يوم العرض عليك، وبيض به وجهي يوم تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف. انتهيت من تحقيق هذا الكتاب المبارك في يوم الجمعة الموافق ٢٠ من ربيع الأول لعام ١٤٢٤هـ الموافق ٢٠٠٣/٦/٢٠م، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات صبري بن سلامه بن شاهين جوال: ٠٥٢٩٢٩٣٤٨ ص. ب ٣٨٠٩٣٧ رمز بريدي ١١٣٤٥
[ ١٧٢ ]